صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125)
{ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ } أي يُعرِّفه طريقَ الحقِّ ويوفِّقَه للإيمان { يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام } فيتسعَ له وينفتح ، وهو كنايةٌ عن جعل النفس قابلةً للحق مُهيأة لحلوله فيها مصفّاةً عما يمنعه وينافيه ، وإليه أشار عليه الصلاة والسلام حين سئل فقال : « نورٌ يقذِفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفتح » فقالوا : هل لذلك من أمارة يُعرف بها؟ فقال : « نعم ، الإنابةُ إلى دار الخلود والإعراضُ عن دار الغرورِ والاستعدادُ للموت قبل نزوله » { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ } أي يخلُقَ فيه الضلالَ بصرف اختيارِه إليه { يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً } بحيث ينبو عن قَبول الحقِّ فلا يكاد يدخله الإيمانُ ، وقرىء ضَيْقاً بالتخفيف ، وحرِجاً بكسر الراء أي شديد الضيق والأولُ مصدرٌ وُصف به مبالغة . (2/430)
{ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ } ( ما ) هذه مُهيِّئةٌ لدخول كأنّ على الجمل الفعلية { فِى السماء } شِبْهٌ للمبالغة في ضيق صدرِه بمن يزاول ما لا يكاد يُقدر عليه فإن صعودَ السماءِ مثلٌ فيما هو خارجٌ عن دائرة الاستطاعة ، وفيه تنبيه على أن الإيمانَ يمتنع منه كما يمتنع منه الصعودُ وقيل : معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبُوّاً عن الحق وتباعداً في الهرب منه ، وأصلُ يصعّد يتصعّد وقد قرىء به وقرىء يصّاعد وأصله يتصاعد { كذلك } أي مثلَ ذلك الجعلِ الذي هو جعلُ الصدرِ حرِجاً على الوجه المذكور { يَجْعَلُ الله الرجس } أي العذابَ أو الخِذلانَ . قال مجاهدٌ : الرجسُ ما لا خيرَ فيه . وقال الزجاج : الرجسُ اللعنةُ في الدنيا والعذابُ في الآخرة { عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } أي عليهم ، ووضعُ المفعولِ موضعَ المضمر للإشعار بأن جعلَه تعالى معلَّلٌ بما في حيز الصلةِ من كمال نبُوِّهم عن الإيمان وإصرارِهم على الكفر .
وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)
{ وهذا } أي البيانُ الذي جاء به القرآنُ أو الإسلامُ أو ما سبق من التوفيق والخذلان { صراط رَبّكَ } أي طريقُه الذي ارتضاه أو عادتُه وطريقتُه التي اقتضتها حِكمتُه ، وفي التعرّض لعنوان الربوبيةِ إيذانٌ بأن تقويمَ ذلك الصراطِ للتربية وإفاضةِ الكمال { مُّسْتَقِيماً } لا عِوَج فيه أو عادلاً مطّرداً ، أو هو حالٌ مؤكدة كقوله تعالى : { وَهُوَ الحق مُصَدّقًا } والعاملُ فيها معنى الإشارة { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات } بيّناها مفصلةً { لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } يتذكرون ما في تضاعيفها فيعلمون أن كلَّ ما يحدُث من الحوادث خيراً كان أو شراً فإنما يحدُث بقضاء الله تعالى وخلقِه وأنه تعالى عالمٌ بأحوال العبادِ حكيمٌ عادلٌ فيما يفعل بهم ، وتخصيصُ القومِ المذكورين بالذكر لأنهم المنتفِعون بتفصيل الآيات { لَهُمْ دَارُ السلام } أي للمتذكرين دارُ السلامة من كل المكاره وهي الجنة { عِندَ رَبّهِمْ } أي في ضمانه ، أو ذخيرةٌ لهم عنده لا يعلم كُنهَها غيرُه تعالى { وَهُوَ وَلِيُّهُم } أي مولاهم وناصرُهم { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بسبب أعمالِهم الصالحةِ ، أو متولِّيهم بجزائها يتولى إيصالَه إليهم . (2/431)
{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } منصوبٌ بمضمر إما على المفعولية أو الظرفية وقرىء بنون العظمة على الالتفات لتهويل الأمرِ ، والضميرُ المنصوبُ لمن يُحشر من الثقلين ، أي واذكر يومَ يَحشُر الثقلين قائلاً : { يَا مَعْشَرَ الجن } أو ويوم يحشُرهم يقول : يا معشرَ الجنِّ أو ويوم يحشرهم ويقول : يا معشرَ الجن يكونُ الأحوالُ والأهوالُ ما لا يساعدُه الوصفُ لفظاعته ، والمعشرُ الجماعةُ ، والمرادُ بمعشر الجنِّ الشياطينُ { قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس } أي من إغوائهم وإضلالِهم أو منهم بأن جعلتموهم أتباعَكم فحُشِروا معكم كقولهم : استكثر الأميرُ من الجنود ، وهذا بطريق التوبيخِ والتقريع { وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم } أي الذين أطاعوهم ، و ( مِن ) في قوله تعالى : { مّنَ الإنس } إما لبيان الجنسِ أي أولياؤُهم الذين هم الإنسُ أو متعلقةٌ بمحذوف هو حالٌ من أولياؤهم أي كائنين من الإنس { رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } أي انتفع الإنسُ بالجن بأن دلُّوهم على الشهوات وما يُتوصَّل به إليها ، وقيل : بأن ألقَوْه إليهم من الأراجيف والسِّحر والكهانة والجن والإنس بأن أطاعوهم وحصّلوا مرادَهم بقَبول ما ألقَوْاه إليهم ، وقيل : استمتاعُ الإنسِ بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز والمخاوفِ واستمتاعُهم بالإنس اعترافُهم بأنهم قادرون على إجارتهم { وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذى أَجَّلْتَ لَنَا } وهو يومُ القيامة قالوه اعترافاً بما فعلوه من طاعة الشياطينِ واتباعِ الهوى وتكذيبِ البعث ، وإظهاراً للندامة عليها وتحسراً على حالهم واستسلاماً لربهم ، ولعل الاقتصارَ على حكاية كلامِ الضالّين للإيذان بأن المُضلِّين قد أُفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلاً .
{ قَالَ } استئنافٌ مبني على سؤال نشأ من حكاية كلامِهم كأنه قيل : فماذا قال الله تعالى حينئذ؟ فقيل : قال : { النار مَثْوَاكُمْ } أي منزِلُكم أو ذاتُ ثوُائِكم كما أن دارَ السلام مثوى المؤمنين { خالدين فِيهَا } حال والعاملُ مثواكم إن جُعل مصدراً ، ومعنى الإضافة إن جُعل مكاناً { إِلاَّ مَا شَاء الله } قال ابن عباس رضي الله عنهما : استثنى الله تعالى قوماً قد سبق في علمه أنهم يُسلمون ويصدِّقون النبيَّ عليه الصلاة والسلام ، وهذا مبنيٌّ على أن الاستثناءَ ليس من المحكيّ ، و ( ما ) بمعنى مَنْ وقيل : المعنى إلا الأوقاتَ التي يُنقلون فيها من النار إلى الزمهرير ، فقد رُوي أنهم يدخُلون وادياً فيه من الزمهرير ما يميِّزُ بعضَ أوصالِهم من بعض فيتعاوَوْن ويطلُبون الردَّ إلى الجحيم وقيل : يفتح لهم وهم في النار بابٌ إلى الجنة فيُسرعون نحوه حتى إذا صاروا إليه سُدَّ عليهم الباب .
وعلى التقديرين فالاستثناءُ تهكّمٌ بهم وقيل : إلا ما شاء الله قبل الدخولِ كأنه قيل : النارُ مثواكم أبداً إلا ما أمهلكم ولا يخفى بعدُه { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } في أفاعيله { عَلِيمٌ } بأحوال الثقلين وأعمالِهم وبما يليق بها من الجزاء . (2/432)
وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)
{ وكذلك } أي مثلَ ما سبق من تمكين الجنِّ من إغواء الإنسِ وإضلالِهم { نُوَلّى بَعْضَ الظالمين } من الإنس { بَعْضًا } آخرَ منهم أي نجعلهم بحيث يتولَّوْنهم بالإغواء والإضلالِ أو نجعل بعضَهم قرناءَ بعضٍ في العذاب كما كانوا كذلك في الدنيا عند اقترافِ ما يؤدّي إليه من القبائح { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } بسبب ما كانوا مستمرِّين على كسبه من الكفر والمعاصي { يَا مَعْشَرَ الجن والإنس } شروعٌ في حكاية ما سيكون من توبيخ المعشَرَين وتقريعِهم بتفريطهم فيما يتعلق بخاصة أنفسِهم إثرَ حكايةِ توبيخِ معشر الجنِّ بإغواء الإنسِ وإضلالِهم وبيانِ مآلِ أمرِهم { أَلَمْ يَأْتِكُمْ } أي في الدنيا { رُسُلُ } أي من عند الله عز وجل لكن لا على أن يأتيَ كلُّ رسولٍ كلَّ واحدة من الأمم ، بل على أن يأتي كلَّ أمة رسولٌ خاصٌّ بها ، أي ألم يأتِ كلَّ أمة منكم رسولٌ معين؟ وقوله تعالى : { مّنكُمْ } متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لرسل أي كائنةٌ من جملتكم لكن لا على أنهم من جنس الفريقين معاً بل من الإنس خاصةً ، وإنما جُعلوا منهما إما لتأكيد وجوبِ اتباعِهم والإيذانِ بتقاربهما ذاتاً واتحادِهما تكليفاً وخطاباً ، كأنّهما جنسٌ واحد ، ولذلك تمكن أحدُهما من إضلال الآخَر ، وإما لأن المرادَ بالرسل ما يعمُّ رسلَ الرسلِ وقد ثبت أن الجن قد استمعوا القرآن وأنذروا به قومَهم حيث نطق به قوله تعالى : { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرءان } إلى قوله تعالى : { وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } (2/433)
وقوله تعالى : { يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءاياتى } صفةٌ أخرى لرسلٌ محققةٌ لما هو المرادُ من إرسال الرسل من التبليغ والإنذارِ ، وقد حصل ذلك بالنسبة إلى الثقلين { وَيُنذِرُونَكُمْ } بما في تضاعيفها من القوارع { لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } يومِ الحشرِ الذي قد عاينوا فيه ما أُعدَّ لهم من أفانين العقوباتِ الهائلة { قَالُواْ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام السابقِ كأنه قيل : فماذا قالوا عند ذلك التوبيخِ الشديد؟ فقيل : قالوا : { شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا } أي بإتيان الرسلِ وإنذارِهم وبمقابلتهم إياهم بالكفر والتكذيب وباستحقاقهم بسبب ذلك للعذاب المخلّد حسبما فُصِّل في حكاية جوابِهم عن سؤال خَزَنةِ النار ، حيث قالوا : { بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ } وقد أُجمل هاهنا في الحكاية كما أُجمل في حكاية جوابِهم حيث قالوا : { بلى ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين } وقوله تعالى : { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } مع ما عُطف عليه اعتراضٌ لبيان ما أداهم في الدنيا إلى ارتكابهم للقبائح التي ارتكبوها وإلجائِهم بعد ذلك في الآخرة إلى الاعتراف بالكفر واستيجاب العذابِ ، وذمٌّ لهم بذلك ، أي واغتروا في الدنيا بالحياة الدنيئةِ واللذات الخسيسةِ الفانية وأعرضوا عن النعيم المقيم الذي بشرت به الرسلُ ، واجترأوا على ارتكاب ما يجُرّهم إلى العذاب المؤبَّد الذي أنذروهم إياه { وَشَهِدُواْ } في الآخرة { عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ } في الدنيا { كافرين } أي بالآيات والنذر التي أتى بها الرسلُ على التفصيل المذكور آنفاً واضطُرّوا إلى الاستسلام لأشد العذابِ كما ينبىء عنه ما حُكي عنهم بقوله تعالى : { وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أصحاب السعير } وفيه من تحسيرهم وتحذيرِ السامعين عن مثل صنيعِهم ما لا مزيد عليه .
ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)
{ ذلك } إشارةٌ إلى ما ذُكر من شهادتهم على أنفسهم بالكفر واستيجابِ العذابِ والخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين ، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : { أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى } بحذف اللام على أنّ ( أن ) مصدرية أو مخففة من أنّ وضمير الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ وقوله تعالى : { بِظُلْمٍ } متعلقٌ إما بمهلك أي بسبب ظلمٍ أو بمحذوف وقع حالاً من القُرى أي ملتبسةً بظلم فإن ملابسةَ أهلِها للظلم ملابسةٌ للقرية له بواسطتهم ، أوما كونُه حالاً من ربك أو من ضميره في مُهلكَ كما قيل فيأباه أن غفلةَ أهلِها مأخوذةٌ في معنى الظلمِ وحقيقتِه لا محالة ، فلا يحسُن تقييدُه بقوله تعالى : { وَأَهْلُهَا غافلون } والمعنى ذلك ثابتٌ لانتفاء كونِ ربِّك أو لأن الشأنَ لم يكن ربُّك مُهلكَ القرى بسبب أي ظلم فعلوه من أفراد الظلمِ قبل أن يُنْهَوْا عنه ويُنَبَّهوا على بُطلانه برسول وكتابٍ وإن قضَى به بديهةُ العقولِ ، ويُنذَروا عاقبةَ جناياتِهم أي لولا انتفاءُ كونِه تعالى معذباً لهم قبل إرسالِ الرسلِ وإنزالِ الكتبِ لَما أمكن التوبيخُ بما ذُكر ولَما شهِدوا على أنفسهم بالكفر واستيجابِ العذاب ، ولا اعتذروا بعدم إتيانِ الرسل كما في قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى } وإنما عُلّل ما ذُكر بانتفاء التعذيبِ الدنيويِّ الذي هو إهلاكُ القرى قبل الإنذارِ مع أن التقريبَ في تعليله بانتفاء مطلقِ التعذيب من غير بعث الرسلِ أتمُّ على ما نطق به قوله تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } لبيان كمالِ نزاهتِه سبحانه وتعالى عن كلا التعذيبين الدنيوي والأخروي معاً من غير إنذارٍ على أبلغ وجهٍ وآكدِه حيث اقتُصِر على نفي التعذيبِ الدنيوي عنه تعالى ليثبُتَ نفيُ التعذيبِ الأخروي عنه تعالى على الوجه البرهانيّ بطريق الأولوية ، فإنه تعالى حيث لم يعذِّبهم بعذاب يسيرٍ منقطعٍ بدون إنذارٍ فلأن لا يعذِّبَهم بعذاب شديد مخلدٍ أولي وأجلي ، ولو عُلل بما ذكر من نفي التعذيبِ لانصرف بحسب المقام إلى ما فيه الكلامُ من نفي التعذيبِ الأخروي ، ونفذُ التعذيب الدنيويِّ غيرُ متعرَّضٍ له لا صريحاً ولا دَلالةً ضرورةَ أن نفذَ الأعلى لا يدل على نفذ الأدنى ولأن ترتبَ التعذيبِ الدنيويِّ على الإنذار عند عدمِ تأثرِ المنذَرين منه معلومٌ مشاهدٌ عند السامعين فيستدلون بذلك على أن التعذيبَ الأخرويَّ أيضاً كذلك فينزجرون عن الإخلال بمواجب الإنذارِ أشدَّ انزجارٍ ، هذا هو الذي تستدعيه جزالةُ النظمِ الكريم ، وأما جعلُ ذلك إشارةً إلى إرسال الرسلِ عليهم السلام وإنذارِهم ، وخبرُ المبتدأ محذوفٌ كما أطبق عليه الجمهورُ فبمعزل من مقتضى المقامِ ، والله سبحانه أعلم . (2/434)
وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)
{ وَلِكُلّ } أي من المكلفين من الثقلين { درجات } متفاوتةٌ وطبقاتٌ متباينة { مّمَّا عَمِلُواْ } من أعمالهم صالحةً كانت أو سيئةً فإن أعمالَهم درجاتٌ في أنفسها أو من جزاء أعمالِهم فإن كلَّ جزاءٍ مرتبةٌ معينةٌ لهم أو من أجل أعمالِهم { وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ } فيخفى عليه عملٌ من أعمالهم أو قدْرُ ما يستحقون بها من ثواب أو عقاب ، وقرىء بالتاء تغليباً للخطاب على الغَيْبة . (2/435)
{ وَرَبُّكَ الغنى } مبتدأٌ وخبرٌ أي هو المعروفُ بالغني عن كل ما سواه كائناً مَنْ كان وما كان ، فيدخُل فيه غناه عن العباد وعن عبادتهم ، وفي التعرُّض لوصف الربوبيةِ في الموضعين لا سيما في الثاني لكونه موقعَ الإضمار مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من إظهار اللطفِ به عليه السلام وتنزيهِ ساحتِه عن توهم شمولِ الوعيدِ الآتي لها أيضاً ما لا يخفى ، وقوله تعالى : { ذُو الرحمة } خبرٌ آخرُ أو هو الخبرُ ، والغنيُّ صفةٌ أي يترحم عليهم بالتكليف تكميلاً لهم ويُمهلهم على المعاصي ، وفيه تنبيهٌ على أن ما سلف ذكرُه من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتمهيدٌ لقوله تعالى : { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } أي ما به حاجةٌ إليكم إن يشأ يذهبْكم أيها العصاةُ ، وفي تلوين الخطابِ من تشديد الوعيد ما لا يخفى { وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم } أي من بعد إذهابِكم { مَا يَشَاء } من الخلق ، وإيثارُ ما على مَنْ لإظهار كمالِ الكبرياءِ وإسقاطِهم عن رتبة العقلاءِ { كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ } أي من نسل قومٍ آخرين لم يكونوا على مثل صفتِكم وهم أهلُ سفينةِ نوحٍ عليه الصلاة والسلام لكنه أبقاكم ترحماً عليكم ، و ( ما ) في كما مصدريةٌ ومحلُّ الكافِ النصبُ على أنه مصدرٌ تشعيبي على غير المصدرِ فإن يستخلف في معنى ينشىء كأنه قيل : وينشىء إنشاءً كائناً كإنشائكم الخ أو نعتٌ لمصدر الفعل المذكور أي يستخلف استخلافاً كائناً كإنشائكم الخ والشرطيةُ استئنافٌ مقررٌ لمضمون ما قبلها من الغنى والرحمة .
{ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ } أي الذي توعدونه من البعث وما يتفرّع عليه من الأمور الهائلةِ ، وصيغةُ الاستقبال للدِلالة على الاستمرار التجددي { لأَتٍ } لواقعٌ لا محالة كقوله تعالى : { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لواقع } وإيثارُه عليه لبيان كمالِ سرعةِ وقوعِه بتصويره بصورة طالبٍ حثيثٍ لا يفوته هاربٌ حسبما يُعرب عنه قولُه تعالى : { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } أي بفائتين ذلك وإن ركِبتم في الهرب متنَ كلِّ صَعْبٍ وذَلولٍ كما أن إيثارَ صيغةِ الفاعلِ على المستقبل للإيذان بكمال قربِ الإتيان ، والمرادُ بيانُ دوامِ انتفاءِ الإعجازِ لا بيانُ انتفاءِ دوامِ الإعجاز فإن الجملة الاسميةَ كما تدل على دوام الثبوتِ تدل بمعونة المقام إذا دخل عليها حرفُ النفذِ على دوام الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ كما حُقق في موضعه .
قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136)
{ قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } إثرَ ما بيّن لهم حالَهم ومآلَهم بطريق الخطاب أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بطريق التلوينِ بأن يواجِهَهم بتشديد التهديد وتكريرِ الوعيد ، ويظهر لهم ما هو عليه من غاية النصاب في الدين ونهايةِ الوثوقِ بأمره وعدم المبالاةِ بهم أي اعملوا على غاية تمكّنِكم واستطاعتِكم ، يقال : مكُن مكانةً إذا تمكّن أبلغَ التمكّن ، أو على جهتكم وحالتِكم التي أنتم عليها ، من قولهم : مكانٌ ومكانةٌ كمقامٌ ومقامة ، وقرىء مكاناتِكم والمعنى اثبُتوا على كفركم ومعاداتكم { إِنّى عامل } ما أُمرت به من الثبات على الإسلام والاستمرارِ على الأعمال الصالحةِ والمصابرةِ ، وإيرادُ التهديد بصيغة الأمرِ مبالغةٌ في الوعيد كأن المهددَ يريد تعذيبَه مجمِعاً عليه فيحمِله بالأمر على ما يؤدي إليه ، وتسجيلٌ بأن المهدِّد لا يتأتّى منه إلا الشرُّ كالذي أُمر به بحيث لا يجد إلى التقصّي عنه سبيلاً { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار } سوف لتأكيد مضمون الجملة ، والعلمُ عرفانيٌّ و ( من ) إما استفهاميةٌ معلّقةٌ بفعل العلم محلُّها الرفعُ على الابتداء و ( تكون ) باسمها وخبرها خبرٌ لها وهي مع خبرها في محل نصبٍ لسدها مسدَّ مفعول تعلمون أي فسوف تعلمون أيُّنا تكون له العاقبةُ الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدارَ لها ، وإما موصولةٌ فمحلُّها النصبُ على أنها مفعولٌ لتعلمون أي فسوف تعلمون الذي له عاقبةُ الدارِ ، وفيه مع الإنذار إنصافٌ في المقال وتنبيهٌ على كمال وثوقِ المنذِرِ بأمره ، وقرىء بالياء لأن تأنيثَ العاقبةِ غيرُ حقيقي { إِنَّهُ } أي الشأنَ { لاَ يُفْلِحُ الظالمون } وُضع الظلمُ موضِعَ الكفرِ إيذاناً بأن امتناعَ الفلاحِ يترتب على أي فردٍ كان من أفراد الظلمِ فما ظنُّك بالكفر الذي هو أعظمُ أفرادِه؟ (2/436)
{ وَجَعَلُواْ } شروعٌ في تقبيح أحوالِهم الفظيعةِ بحكاية أقوالِهم وأفعالِهم الشنيعةِ ( وهم مشركو العربِ كانوا يُعيِّنون أشياءَ من حرث ونتاج لله تعالى وأشياءَ منهما لآلهتهم فإذا رأوا ما جعلوه لله تعالى زاكياً نامياً يزيد في نفسه خيراً رجَعوا فجعلوه لآلهتهم ، وإذا زكا ما جعلوه لآلهتهم تركوه معتلِّين بأن الله تعالى غنيٌّ وما ذاك إلا لحب آلهتِهم وإيثارِهم لها ) ، والجعلُ إما متعدَ إلى واحد فالجارّان في قوله تعالى : { لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ } متعلقان به ، ومِنْ في قوله تعالى : { مِنَ الحرث والانعام } بيانٌ لما ، وفيه تنبيهٌ على فرط جهالتِهم حيث أشركوا الخالقَ في خلقه جماداً لا يقدِر على شيء ثم رجّحوه عليه بأن جعلوا الزكيَّ له ، أي عيَّنوا له تعالى مما خلقه من الحرث والأنعام { نَصِيباً } يصرِفونه إلى الضِيفان والمساكينِ ، وتأخيرُه عن المجرورَيْن لما مرَّ مراراً من الاهتمام بالمقدَّمِ والتشويقِ إلى المؤخر ، وإما إلى مفعولين أولُهما مما ذرأ على أن مِنْ تبعيضيةٌ أي جعلوا بعضَ ما خلقه نصيباً له وما قيل من أن الأولَ نصيباً والثاني لله لا يساعده سَدادُ المعنى ، وحكايةُ جعلِهم له تعالى نصيباً تدل على أنهم جعلوا لشركائهم أيضاً نصيباً ، ولم يُذْكر اكتفاءً بقوله تعالى : { فَقَالُواْ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا } وقُرىء بضم الزاءِ ، وهو لغةٌ فيه ، وإنما قُيِّد به الأولُ للتنبيه على أنه في الحقيقة ليس بجعلٍ لله تعالى ، غيرُ مستتبِعٍ لشيء من الثواب كالتطوعات التي يُبتغى بها وجهُ الله تعالى لا لما قيل من أنه للتنبيه على أن ذلك مما اخترعوه ولم يأمرهم الله تعالى به فإن ذلك مستفادٌ من الجعل ، ولذلك لم يقيَّدْ به الثاني ، ويجوز أن يكون ذلك تمهيداً لما بعده على معنى أن قولَهم هذا لله مجرَّدُ زعمٍ منهم لا يعملون بمقتضاه الذي هو اختصاصُه به تعالى فقوله تعالى : { فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ } بيانٌ وتفصيلٌ له أي فما عيَّنوه لشركائهم لا يُصرَف إلى الوجوه التي يُصرف إليها ما عيّنوه لله تعالى من قِرى الضِيفان والتصدقِ على المساكين وما عيَّنوه لله تعالى إذا وجدوه زاكياً يُصرف إلى الوجوه التي يُصرف إليها ما عيّنوه لآلهتهم من إنفاق عليها وذبحِ نسائِكَ عندها والإجراءِ على سَدَنتها ونحو ذلك { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } فيما فعلوا من إيثار آلهتِهم على الله تعالى وعملهم بما لم يُشرَعْ لهم و ( ما ) بمعنى الذي ، والتقديرُ ساء الذي يحكُمون حكمَهم فيكون حكمُهم مبتدأً وما قبله الخبرُ وحُذف لدِلالة يحكُمون عليه .
وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137)
{ وكذلك } ومثلَ ذلك التزيينِ وهو تزيينُ الشرك في قسمة القُربانِ بين الله تعالى وبين آلهتهم ، أو مثلَ ذلك التزيينِ البليغِ المعهودِ من الشياطين { زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المشركين قَتْلَ أولادهم } بوأدهم ونحْرِهم لآلهتهم . كان الرجل يحلِف في الجاهلية لئن وُلد له كذا غلاماً لينحَرَنّ أحدهم كما حلف عبدُ المطلب وهو مشهور { شُرَكَاؤُهُمْ } أي أولياؤهم من الجن أو من السَّدَنة وهو فاعلُ زَيَّن أُخِّر عن الظرف والمفعولِ لما مر غيرَ مرةٍ ، وقرىء على البناء للمفعول الذي هو القتلُ ونصبِ الأولاد وجرِّ الشركاء بإضافة القتلِ إليه مفصولاً بينهما بمفعوله وقرىء على البناء للمفعول ورفعِ قتل وجرِّ أولادِهم ورفعِ شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه زُيِّن كأنه لما قيل : زُيِّن لهم قتلُ أولادِهم قيل : مَنْ زيَّنه؟ فقيل : زينَّه شركاؤُهم { لِيُرْدُوهُمْ } أن يهلكوهم بالإغواء { وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } وليخلِطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيلَ عليه السلام أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به واللامُ للتعليل إن كان التزيينُ من الشياطين وللعاقبة إن كان من السدنة { وَلَوْ شَاء الله } أي عدمَ فعلهم ذلك { مَّا فَعَلُوهُ } أي ما فعل المشركون ما زُيّن لهم من القتل أو الشركاءُ من التزيين أو الإرداء واللبس ، أو الفريقان جميعَ ذلك على إجراء الضميرِ مُجرى اسمِ الإشارة { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } الفاءُ فصيحة أي إذا كان ما فعلوه بمشيئة الله تعالى فدعهم وافتراءَهم أو وما يفترونه من الإفك فإن فيما شاء الله تعالى حِكَماً بالغة إنما نُملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين ، وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى . (2/437)
وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)
{ وَقَالُواْ } حكايةٌ لنوعٍ آخرَ من أنواع كفرِهم { هذه } إشارةٌ إلى ما جعلوه لآلهتهم والتأنيثُ للخبر { أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ } أي حرام ، فِعْلٌ بمعنى مفعول كالذِبح يستوي فيه الواحد والكثير والذكر والأنثى لأن أصله المصدر ، ولذلك وقع صفةً لأنعامٌ وحرثٌ ، وقرىء حُجُر بالضم وبضمتين وحَرَجٌ أي ضيق وأصله حرج وقيل : هو مقلوب من حجر { لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء } يعنون خدَمَ الأوثانِ من الرجال دون النساءِ والجملةُ صفةٌ أخرى لأنعامٌ وحرثٌ { بِزَعْمِهِمْ } متعلقٌ بمحذوف وهو حال من فاعل قالوا أي قالوه ملتبسين بزعمهم الباطلِ من غير حجة { وأنعام } خبرُ مبتدأ محذوفٍ والجملةُ معطوفةٌ على قوله تعالى : { هذه أنعام } الخ ، أي قالوا مشيرين إلى طائفة أخرى من أنعامهم وهذه أنعامٌ { حُرّمَتْ ظُهُورُهَا } يعنون بها البحائرَ والسوائبَ والحواميَ { وأنعام } أي وهذه أنعام كما مرَّ وقوله تعالى : { لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا } صفةٌ لأنعام لكنه غيرُ واقعٍ في كلامهم المحكيِّ كنظيره بل مَسوقٌ من جهته تعالى تعييناً للموصوف وتمييزاً له عن غيره كما في قوله تعالى : { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله } على أحد التفاسير ، كأنه قيل : وأنعامٌ ذُبحت على الأصنام فإنها التي لا يُذكر عليها اسمُ الله وإنما يُذكر عليها اسمُ الأصنام ، وقيل : لا يحجّون عليها فإن الحجَّ لا يعرى عن ذكر الله تعالى . وقال مجاهد : كانت لهم طائفةٌ من أنعامهم لا يذكرون اسمَ الله عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركِبوا ولا إن حلَبوا ولا إن نُتجوا ولا إن باعوا ولا إن حمَلوا { افتراء عَلَيْهِ } نُصب على المصدر إما على أن ما قالوه تقوُّلٌ على الله تعالى ، وإما على تقدير عاملٍ من لفظه ، أي افترَوا افتراءً والجارُّ متعلقٌ بقالوا أو بافترَوا المقدّر ، أو بمحذوف هو صفةٌ له لا بافتراءً لأن المصدرَ المؤكد لا يعمل ، أو على الحال من فاعل قالوا ، أي مفترين أو على العلة أي للافتراء فالجارُّ متعلق به { سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي بسببه أو بدله وفي إبهام الجزاءِ من التهويل ما لا يخفى . (2/438)
{ وَقَالُواْ } حكايةٌ لفن آخَرَ من فنون كفرهم { مَا فِى بُطُونِ هذه الانعام } يعنون به أجنة البحائرِ والسوائبِ { خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا } حلالٌ لهم خاصةً والتاء للنقل إلى الاسمية أو للمبالغة ، أو لأن الخالصة مصدرٌ كالعافية وقع موقعَ الخالصِ مبالغةً أو بحذف المضافِ أي ذو خالصة ، أو للتأنيث بناء على أن ( ما ) عبارةٌ عن الأجنة والتذكير في قوله تعالى : { وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } أي جنس أزواجِنا وهن الإناثُ باعتبار اللفظ ، وفيه كما ترى حملٌ للنظم الكريم على خلاف المعهودِ الذي هو الحملُ على اللفظ أولاً وعلى المعنى ثانياً كما في قوله تعالى :
{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ } الخ ونظائرِه ، وإما العكسُ فقد قالوا إنه لا نظيرَ له في القرآن ، وهذا الحكمُ منهم إن وُلد ذلك حيا وهو الظاهر المعتادُ { وَإِن يَكُن مَّيْتَةً } أي إن ولدت ميتة { فَهُمُ } أي الذكورُ والإناث { فِيهِ } أي فيما في بطون الأنعامِ ، وقيل : المرادُ بالميتة ما يعُمّ الذكرَ والأنثى فغلب الأولُ على الثاني { شُرَكَاء } يأكلون منه جميعاً وقرىء خالصةً بالنصب على أنه مصدرٌ مؤكد ، والخبرُ لذكورنا ، أو حالٌ من الضمير الذي في الظرف لا من الذي في ذكورنا ولا من الذكور لأنه لا يتقدم على العامل المعنويِّ ولا على صاحبه المجرورِ وقرىء خالصُهُ بالرفع والإضافة إلى الضمير على أنه بدل من ( ما ) أو مبتدأٌ ثانٍ { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } أي جزاءَ وصفِهم الكذبَ على الله تعالى في أمر التحليلِ والتحريمِ من قوله تعالى : { وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب } { إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } تعليلٌ للوعيد بالجزاء ، فإن الحكيمَ العليمَ بما صدر عنهم لا يكاد يترك جزاءَهم الذي هو من مقتضَيات الحكمة . (2/439)
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)
{ قَدْ خَسِرَ الذين قَتَلُواْ أولادهم } جوابُ قسمٍ محذوفٍ وقرىء بالتشديد وهم ربيعةُ ومضرُ وأضرابُهم من العرب الذين كانوا يئِدون بناتِهم مخافةَ السبْي والفقر أي خسِروا دينَهم ودنياهم { سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ } متعلقٌ بقتلوا على أنه علة له أي لخِفة عقلهم وجهلِهم بأن الله هو الرزاقُ لهم ولأولادهم ، أو نُصب على الحال ويؤيده أنه قرىء سفهاءَ ، أو مصدر { وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله } من البحائر والسوائب ونحوهما { افتراء عَلَى الله } نُصب على أحد الوجوه المذكورة ، وإظهارُ الاسم الجليل في موقع الإضمارِ لإظهار كمالِ عُتوِّهم وطغيانهم { قَدْ ضَلُّواْ } عن الطريق المستقيم { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } إليه وإن هُدوا بفنون الهدايات أو وما كانوا مهتدين من الأصل لسوء سيرتِهم فالجملةُ حينئذ اعتراضٌ ، وعلى الأول عطف على ضلوا . (2/440)
{ وَهُوَ الذى أَنشَأَ جنات معروشات } تمهيد لما سيأتي من تفصيل أحوال الأنعامِ أي هو الذي أنشأهن من غير شركة لأحد في ذلك بوجه من الوجوه والمعروشاتُ من الكروم المرفوعاتُ على ما يحملها { وَغَيْرَ معروشات } وهن المُلْقَياتُ على وجه الأرض وقيل : المعروشاتُ ما غرسه الناسُ وعرّشوه وغيرُ المعروشات ما نبت في البوادي والجبال { والنخل والزرع } عطفٌ على جناتٍ أي أنشأهما { مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } وقرىء أُكْله بسكون الكاف أي ثمرُه الذي يُؤكل في الهيئة والكيفية ، والضميرُ إما للنخل والزرعُ داخلٌ في حكمه أو للزرع والباقي مَقيسٌ عليه ، أو للجميع على تقدير كلِّ ذلك أو كلِّ واحد منهما ومختلفاً حالٌ مقدرة إذ ليس كذلك وقت الإنشاء { والزيتون والرمان } أي أنشأهما وقوله تعالى : { متشابها وَغَيْرَ متشابه } نُصب على الحالية أي يتشابه بعضُ أفرادِهما في اللون والهيئةِ أو الطعم ولا يتشابه بعضها { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } أي من ثمر كل واحدٍ من ذلك { إِذَا أَثْمَرَ } وإن لم يدرك ولم يينع بعد وقيل : فائدته رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله تعالى { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } أريد به ما كان يُتصدَّق به يوم الحصاد بطريق الواجب من غير تعيين المقدارِ لا الزكاةُ المقدرةُ فإنها فُرِضت بالمدينة والسورةُ مكية وقيل : الزكاةُ والآيةُ مدنيةٌ والأمر بإيتائها يوم الحصادِ لِيُهتمَّ به حينئذ حتى لا يؤخَّر عن وقت الأداء وليعلم أن الوجوبَ بالإدراك لا بالتصفية ، وقرىء يومَ حِصاده بكسر الحاء وهو لغةٌ فيه { وَلاَ تُسْرِفُواْ } أي في التصدق كما رُوي عن ثابت بن قيس أنه صرَم خمسَمائة نخلةٍ ففرَّق ثمرَها كلِّها ولم يُدخل منه شيئاً إلى منزله . كقوله تعالى : { وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } الآية { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } أي لا يرتضي إسرافَهم .
وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143)
{ وَمِنَ الانعام حَمُولَةً وَفَرْشًا } شروعٌ في تفصيل حال الأنعامِ وإبطالِ ما تقوَّلوا على الله تعالى في شأنها بالتحريم والتحليل ، وهو عطفٌ على مفعول أنشأ ، ومِنْ متعلقةٌ به أي وأنشأ من الأنعام ما يُحمل عليه الأثقالُ وما يُفرش للذبح أو ما يُفرش المصنوعُ من شعره وصوفِه ووبرِه ، وقيل : الكبارُ الصالحةُ للحمل والصغارُ الدانيةُ من الأرض كأنها فُرشٌ مفروشٌ عليها { كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } ( ما ) عبارةٌ عما ذُكر من الحَمولة والفَرْش ومِنْ تبعيضيةٌ أي كلوا بعضَ ما رزقكم الله تعالى أي حلالَه ، وفيه تصريحٌ بأن إنشاءَها لأجلهم ومصلحتِهم { وَلاَ تَتَّبِعُواْ } في أمر التحليلِ والتحريمِ بتقليد أسلافِكم المجازفين في ذلك من تلقاء أنفسِهم المفترين على الله سبحانه { خطوات الشيطان } فإن ذلك منهم بإغوائه واستتباعِه إياهم { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهرُ العداوة . (2/441)
{ ثمانية أزواج } الزوجُ ما معه آخَرُ من جنسه يُزاوجُه ويحصُل منهما النسلُ والمرادُ بها الأنواعُ الأربعةُ ، وإيرادُها بهذا العنوان وهذا العددِ تمهيدٌ لما سيق له الكلامُ من الإنكار المتعلّقِ بتحريم كلِّ واحدٍ من الذكر والأنثى وبما في بطنها ، وهو بدلٌ من حَمولةً وفرشاً منصوبٌ بما نَصَبهما ، وجعلُه مفعولاً لكلوا على أن قوله تعالى : { وَلاَ تَتَّبِعُواْ } الآية ، معترِضٌ بينهما ، أو حالٌ مِنْ ما بمعنى مختلفةً أو متعددةً يأباه جزالةُ النظمِ الكريم لظهور أنه مَسوقٌ لتوضيح حالِ الأنعام بتفصيلها أولاً إلى حمولةٍ وفرْشٍ ثم بتفصيلها إلى ثمانية أزواجٍ حاصلةٍ من تفصيل الأولى إلى الإبل والبقر وتفصيلِ الثاني إلى الضأن والمَعَز ثم تفصيلِ كلَ من الأقسام الأربعة إلى الذكر والأنثى كلُّ ذلك لتحرير الموادِّ التي تقوّلوا فيها عليه سبحانه وتعالى .
{ مّنَ الضأن اثنين } بدلٌ من ثمانيةَ أزواج منصوبٌ بناصبه وهو العاملُ في مِنْ ، أي أنشأ من الضأن زوجين الكبشَ والنعجة وقرىء اثنان على الابتداء ، والضأنُ اسمُ جنس كالإبل وجمعُه ضَئين كأمير أو جمعُ ضائن كتاجر وتجْرٍ وقرىء بفتح الهمزة { وَمِنَ المعز اثنين } عطفٌ على مثله شريكْ له في حكمه أي وأنشأ من المعز زوجين التيسَ والعنز وقرىء بفتح العين وهو جمعُ ماعز كصاحب وصحْب وحارس وحرَس ، وقرىء ومن المِعْزى ، وهذه الأزواجُ الأربعةُ تفصيلٌ للفَرْش ولعل تقديمَها في التفصيل مع تأخر أصلِها في الإجمال لكون هذين النوعين عرضةً للأكل الذي هو معظمُ ما يتعلق به الحِلُّ والحُرمة ، وهو السرُّ في الاقتصار على الأمر به في قوله تعالى : { كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } من غير تعرضٍ للانتفاع بالحمل والركوب وغيرِ ذلك مما حرموه في السائبة وأخواتِها .
{ قُلْ } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إثرَ تفصيلِ أنواعِ الأنعامِ التي أنشأها ، أي قل تبكيتاً لهم وإظهاراً لانقطاعهم عن الجواب { آلذكرين } من ذَيْنك النوعين وهما الكبشُ والتيسُ { حَرَّمَ } أي الله عز وجل كما تزعُمون أنه هو المحرّمُ { أَمِ الانثيين } وهما النعجةُ والعنزُ؟ ونُصب الذكرين والأنثيين بحَرَّم وهو مؤخّرٌ عنهما بحسب المعنى وإن توسط بينهما صورةً ، وكذا قوله تعالى : { أَمْ مَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الانثيين } أي أم ما حملت إناثُ النوعين حَرَّم ذكراً كان أو أنثى؟ وقوله تعالى : { نَبّئُونِي بِعِلْمٍ } الخ ، تكريرٌ للإلزام وتثنيةٌ للتبكيت والإفحام أي أخبروني بأمر معلومٍ من جهة الله تعالى من الكتاب أو أخبارِ الأنبياءِ يدل على أنه تعالى حرم شيئاً مما ذُكر ، أو نبئوني تنبئةً ملتبسةً بعلم صادرةً عنه { إِن كُنتُمْ صادقين } أي في دعوى التحريمِ عليه سبحانه .
وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)
وقوله تعالى : { وَمِنَ الإبل اثنين } عطفٌ على قوله تعالى : { مّنَ الضأن اثنين } أي وأنشأ من الإبل اثنين هما الجمل والناقة { وَمِنَ البقر اثنين } ذكر وأنثى { قُلْ } إفحاماً لهم في أمر هذين النوعين أيضاً { ءآلذَّكَرَيْنِ } منهما { حَرَّمَ أَمِ الانثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الانثيين } من ذينك النوعين ، والمعنى إنكارُ أن الله سبحانه حرَّم عليهم شيئاً من الأنواع الأربعةِ وإظهارُ كذبِهم في ذلك وتفصيلُ ما ذكر من الذكور والإناثِ وما في بطونها للمبالغة في الرد عليهم بإيراد الإنكارِ على كل مادةٍ من موادّ افترائِهم فإنهم كانوا يحرِّمون ذكورَ الأنعامِ تارةً وإناثَها تارة وأولادَها كيفما كانت تارة أخرى مسندين ذلك كلَّه إلى الله سبحانه ، وإنما عُقّب تفصيلُ كلِّ واحدٍ من نوعي الصغارِ ونوعي الكبارِ بما ذكر من الأمر بالاستفهام والإنكارِ مع حصول التبكيتِ بإيراد الأرمِ عقيبَ تفصيلِ الأنواعِ الأربعةِ بأن يقال : قل آلذكورَ حرّم أم الإناثَ أم ما اشتملت عليه أرحامُ الإناث لما في التثنية والتكريرِ من المبالغة في التبكيت والإلزام وقوله تعالى : { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } تكريرٌ للإفحام كقوله تعالى : { نَبّئُونِي بِعِلْمٍ } وأمْ منقطعة ، ومعنى الهمزةِ الإنكارُ والتوبيخُ ومعنى بل الإضراب عن التوبيخ بما ذكر إلى التوبيخ بوجه آخرَ أي بل أكنتم حاضرين مشاهدين { إِذْ وصاكم الله بهذا } أي حين وصّاكم بهذا التحريمِ إذ أنتم لا تؤمنون بنبيَ فلا طريقَ لكم حسبما يقود إليه مذهبُكم إلى معرفة أمثالِ ذلك إلا المشاهدةُ والسماعُ ، وفيه من تركيك عقولِهم والتهكمِ بهم ما لا يخفى { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } فنسبَ إليه تحريمَ ما لم يحرِّم ، والمراد كُبراؤهم المقرِّرون لذلك ، أو عمْروُ بنُ لُحيِّ بنِ قُمعةَ وهو المؤسسُ لهذا الشرِّ ، أو الكلُّ لاشتراكهم في الافتراء عليه سبحانه وتعالى أي فأيُّ فريقٍ أظلمُ من فريقٍ افتروا الخ ، ولا يقدح في أظلمية الكلِّ كونُ بعضِهم مخترِعين له وبعضِهم مقتدين بهم ، والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما سبق من تبكيتهم وإظهارِ كذِبهم وافترائِهم أي هو أظلم من كل ظالمٍ وإن كان المنفيُّ صريحاً في الأظلمية دون المساواةِ كما مر غيرَ مرة { لِيُضِلَّ الناس } متعلق بالافتراء { بِغَيْرِ عِلْمٍ } متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من فاعل افترى ، أي افترى عليه تعالى جاهلاً بصدور التحريمِ عنه تعالى ، وإنما وُصفوا بعدم العلمِ بذلك مع أنهم علمون بعدم صدورِه عنه تعالى إيذاناً بخروجهم في الظلم عن الحدود والنهاياتِ فإن من افترى عليه تعالى بغير علم بصدوره عنه تعالى مع احتمال الصدورِ عنه إذا كان أظلمَ كان أظلمَ من كل ظالمٍ فما ظنُّك بمن افترى عليه تعالى وهو يعلم أنه لم يصدُرْ عنه ويجوز أن يكون حالاً من فاعل يُضِلّ أي ملتبساً بغير علم بما يؤدي بهم إليه { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } كائناً من كان إلى ما فيه صلاحُ حالهم عاجلاً أو آجلاً وإذا كان هذا حالُ المتصفين بالظلم في الجملة فما ظنُّك بمن هو في أقصى غاياتِه؟ (2/442)
قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)
{ قُلْ } أُمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعد إلزامِ المشركين وتبكيتِهم وبيانِ أن ما يتقوّلونه في أمر التحريمِ افتراءٌ بحتٌ لا أصلَ له قطعاً بأن يُبيِّن لهم ما حرّمه عليهم وفي قوله تعالى : { لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } إيذانٌ بأن مناطَ الحلِّ والحُرمةِ هو الوحيُ وأنه صلى الله عليه وسلم قد تتبع جميعَ ما أوحيَ إليه وتفحّص عن المحرمات فلم يجد غيرَ ما فُصِّل ، وفيه مبالغةٌ في بيان انحصارِها في ذلك و ( محرّماً ) صفةٌ لمحذوف أي لا أجد ريثما تصفحْتُ ما أوحيَ إلى طعاماً محرماً من المطاعم التي حرَّموها { على طَاعِمٍ } أي أيِّ طاعمٍ كان من ذكر أو أنثى رداً على قولهم : { مُحَرَّمٌ على أزواجنا } وقولُه تعالى : { يَطْعَمُهُ } لزيادة التقريرِ { إِلا أَن يَكُونَ } أي ذلك الطعامُ { مَيْتَةً } وقرىء تكونَ بالتاء لتأنيث الخبرِ وقرىء ميتةٌ بالرفع على أن كان تامةٌ وقوله تعالى : { أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } حينئذ عطفٌ على أنْ مع ما في حيزه ، أي إلا وجودَ ميتةٍ أو دماً مسفوحاً أي مصبوباً كالدماء التي في العروق لا كالطحال والكبِد { أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ } أي الخنزيرَ { رِجْسٌ } أي لحمُه قذرٌ لتعوده أكلَ النجاسات أو خبيثٌ { أَوْ فِسْقًا } عطف على لحمَ خنزيرٍ وما بينهما اعتراضٌ مقرِّر لحرمته { أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } صفةٌ له موضّحة أي ذُبح على اسم الأصنامِ ، وإنما سُمِّي ذلك فسقاً لتوغله في الفسق ، ويجوز أن يكون فسقاً مفعولاً له لأُهِلَّ وهو عطف على يكون والمستكن راجعٌ إلى ما رجع إليه المستكن في يكون . (2/443)
{ فَمَنِ اضطر } أي أصابته الضَّرورةُ الداعيةُ إلى أكل الميتة بوجه من الوجوه المضطرة { غَيْرَ بَاغٍ } في ذلك على مضطر آخرَ مثلِه { وَلاَ عَادٍ } قدرَ الضرورة { فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } مبالغٌ في المغفرة والرحمة لا يؤاخذه بذلك ، وليس التقييدُ بالحال الأولى لبيان أنه لو لم يوجَد القيدُ لتحققت الحرمة المبحوثُ عنها بل للتحذير من حرام آخرَ هو أخذُه حقِّ مضطرٍ آخرَ فإن من أخذ لحمَ الميتة من يد مضطرٍ آخرَ فأكله فإن حرمتَه ليست باعتبار كونِه لحمَ الميتة بل باعتبار كونه حقاً للمضطر الآخرِ ، وأما الحالُ الثانيةُ فلتحقيق زوالِ الحرمةِ المبحوثِ عنها قطعاً ، فإن التجاوزَ عن القدر الذي يُسدّ به الرمقُ حرامٌ من حيث إنه لحمُ الميتة ، وفي التعرض لوصفي المغفرةِ والرحمةِ إيذانٌ بأن المعصيةَ باقيةٌ لكنه تعالى يغفرُ له ويرحمه ، والآيةُ محكمةٌ لأنها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يجد فيما أوحيَ إليه إلى تلك الغاية غيرَه ، ولا ينافيه ورودُ التحريمِ بعد ذلك في شيء آخرَ فلا يصِحُّ الاستدلالُ بها على نسخ الكتابِ بخبر الواحدِ ولا على حل الأشياءِ التي هي غيرُها إلا مع الاستصحاب .
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146)
{ وَعَلَى الذين هَادُواْ } خاصة لا على مَنْ عداهم من الأولين والآخِرين { حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } أي كلَّ ما له أصبَعٌ من الإبل والسباعِ والطيورِ وقيل : كلَّ ذي مِخْلبٍ وحافرٍ ، وسُمِّيَ الحافرُ ظفُراً مجازاً والمسبَّبُ عن الظلم هو تعميمُ التحريمِ حيث كان بعضُ ذواتِ الظفرِ حلالاً لهم فلما ظلموا عم التحريمُ كلَّها وهذا تحقيقٌ لما سلف من حصر المحرَّماتِ فيما فُصِّل بإبطال ما يخالِفُه من فرية اليهودِ وتكذيبِهم في ذلك فإنهم كانوا يقولون : لسنا أولَ من حرُمت عليه وإنما كانت محرمةً على نوح وإبراهيمَ ومَنْ بعدَهما حتى انتهى الأمر إلينا . (2/444)
{ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } لا لحومَهما فإنها باقيةٌ على الحل ، والشحومُ الثروبُ وشحومُ الكلى والإضافةُ لزيادة الربطِ { إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } استئناءٌ من الشحوم مُخرِّج لما علِق من الشحم بظهورهما عن حكم التحريم .
{ أَوِ الحوايا } عطفٌ على ظهورهما أي ما حملته الحوايا وهي جمعُ حاوية أو حاوِياء كقاصِعاء وقواصِعَ أو حَواية كسفينة وسفائن { أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ } عطف على ما حمَلَتْ وهو شحمُ الأَلْيةِ واختلاطُه بالعظم اتصالُه بعُجْب الذنب ، وقيل : هو كلُّ شحمٍ متصلٍ بالعظم من الأضلاع وغيرِها { ذلك } إشارة إلى الجزاء أو التحريم ، فهو على الأول نُصب على أنه مصدرٌ مؤكدٌ لما بعده وعلى الثاني على أنه مفعولٌ ثانٍ له أي ذلك التحريمُ { جزيناهم بِبَغْيِهِمْ } بسبب ظلمِهم وهو قتلُهم الأنبياءَ بغير حق وأكلُهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلُهم أموالَ الناس بالباطل ، كقوله تعالى : { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } وكانوا كلما أتَوْا بمعصية عُوقبوا بتحريم شيءٍ مما أحل لهم وهم ينكرون ذلك ويدّعون أنها لم تزَلْ محرمةً على الأمم ، فرُدَّ ذلك عليهم وأُكِّد بقوله تعالى : { وِإِنَّا لصادقون } أي في جميع أخبارِنا التي من جملتها هذا الخبرُ ، ولقد ألقمهم الحجرَ قوله تعالى : { كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة قُلْ فَأْتُواْ } روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك بُهتوا ولم يجسُروا أن يُخرِجوا التوراة ، كيف وقد بُيِّن فيها جميعُ ما يحذرون أوضحَ بيان .
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)
{ فَإِن كَذَّبُوكَ } قيل : الضمير لليهود لأنهم أقربُ ذِكراً ولذكر المشركين بعد ذلك بعنوان الإشراك ، وقيل : للمشركين ، فالمعنى على الأول إن كذبتْك اليهودُ في الحكم المذكورِ وأصروا على ما كانوا عليه من ادعاء قِدَم التحريم { فَقُلْ } لهم { رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة } لا يؤاخذكم بكل ما تأتونه من المعاصي ويُمهلكم على بعضها { وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ } بالكلية { عَنِ القوم المجرمين } فلا تنكروا ما وقع منه تعالى من تحريمِ بعضِ الطيبات عليكم عقوبةً وتشديداً ، وعلى الثاني فإن كذبك المشركون فيما فُصل من أحكام التحليل والتحريمِ فقل لهم : ربُكم ذو رحمةٍ واسعة لا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فإنه إمهالٌ لا إهمالٌ ، وقيل : ذو رحمةٍ للمطيعين وذو بأس شديد على المجرمين فأقيم مُقامَه قوله تعالى : { وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ } الخ ، لتضمنه التنبيهَ على إنزال البأسِ عليهم مع الدلالة على أنه لا حقّ بهم البتةَ من غير صارفٍ يصرِفه عنهم أصلاً . (2/445)
{ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ } حكاية لفن آخرَ من كفرهم ، وإخبارُه قبل وقوعِه ثم وقوعُه حسبما أُخبر به كما يحكيه قوله تعالى عند وقوعِه : { وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } صريحٌ في أنه من عند الله تعالى { لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا } أي لو شاء خلافَ ذلك مشيئةَ ارتضاءٍ لما فعلنا الإشراك نحن { وَلاَ ىَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْء } أرادوا به أن ما فعلوه حقٌّ مرضيٌّ عند الله تعالى لا الاعتذارَ من ارتكاب هذه القبائحِ بإرادة الله تعالى إياها منهم حتى ينتهض ذمُّهم به دليلاً للمعتزلة ، ألا يُرى إلى قوله تعالى : { كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي مثلَ ما كذّبك هؤلاءِ في أنه تعالى منَع من الشرك ولم يحرِّم ما حرموه كذّب متقدِّموهم الرسلَ فإنه صريحٌ فيما قلنا ، وعطفُ آباؤنا على الضمير للفصل بلا { حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا } الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم { قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ } من أمر معلوم يصِحّ الاحتجاجُ به على ما زعمتم { فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } أي فتُظهروه لنا { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } أي ما تتبعون في ذلك إلا الظنَّ الباطلَ الذي لا يغني من الحق شيئاً { وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ } تكذِبون على الله عز وجل وليس فيه دلالةٌ على المنع من اتباع الظنِّ على الإطلاق فيما يعارضه قطعي .
{ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة } الفاء جوابُ شرطٍ محذوفٍ أي وإذ قد ظهر أن لا حجةَ لكم فللَّه الحجةُ البالغة أي البينةُ الواضحة التي بلغت غايةَ المتانةِ والثباتِ أو بلغ بها صاحبُها صحةَ دعواه ، والمرادُ بها الكتابُ والرسولُ والبيانُ ، وهي من الحج بمعنى القصدَ كأنها تقصُد إثباتَ الحُكم وتطلُبه { فَلَوْ شَاء } هدايتَكم جميعاً { لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } بالتوفيق لها والحملِ عليها ولكن لم يشأْ هدايةَ الكلِّ بل هدايةَ البعضِ الصارفين هِممَهم إلى سلوك طريقِ الحقِّ وضلالَ آخرين صرفوا اختيارَهم إلى خلاف ذلك من غير صارفٍ يَلْويهم ولا عاطفٍ يَثْنيهم .
قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)
{ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ } أي أحضِروهم وهو اسمُ فعلٍ لا يتصرَّف على لغة أهلِ الحجاز ، وفعلٌ يؤنث ويُجمع على لغة بني تميم على رأي الجمهور وقد خالفهم البعض في فعليته وليس بشيء ، وأصلُه عند البصريين هالُمّ من لَمّ إذا قصَد حُذفت الألفُ لتقدير السكون في اللام فإنه الأصل وعند الكوفيين هلْ أُمَّ فحذفت الهمزةُ بإلقاء حركتِها على اللام وهو بعيد لأن هل تدخل على الأمر ويكون متعدياً كما في الآية ولازماً كما في قوله تعالى : { هَلُمَّ إِلَيْنَا } { الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا } وهم قدوتُهم الذين ينصُرون قولَهم وإنما أُمروا باستحضارهم ليُلزِمَهم الحجةَ ويظهر بانقطاعهم ضلالتَهم وأنه لا متمسَّكَ لهم كمن يقلدهم ولذلك قُيّد الشهداءُ بالإضافة ووُصفوا بما يدل على أنهم شهداءُ معروفون بالشهادة لهم وبنُصرة مذهبهم { فَإِن شَهِدُواْ } بعد ما حضَروا بأن الله حرم هذا { فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } أي فلا تصدقْهم فإنه كذِبٌ بحتٌ وافتراءٌ صِرْفٌ وبيِّنْ لهم فسادَه فإن تسليمَه منهم موافقةٌ لهم في الشهادة الباطلة { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين كَذَّبُواْ بآياتنا } من وضع المظهرِ مقامَ المضمرِ للدِلالة على أن من كذَّب بآياتِ الله تعالى وعدَل به غيرَه فهو متبعٌ لا غيرُ ، وأن من اتبع الحجةَ لا يكون إلا مصدقاً بها { والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } كعبدة الأوثان ، عطفٌ على الموصول الأولِ بطريق عطفِ الصفةِ على الصفة مع اتحاد الموصوفِ كما في قوله : (2/446)
إلى الماجد القَرْمِ وابنِ الهمام ... وليثِ الكتائبِ في المزدَحَمْ
فإن من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس { وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ } أي يجعلون له عديلاً ، عطفٌ على لا يؤمنون ، والمعنى لا تتبع أهواءَ الذين يجمعون بين تكذيبِ آياتِ الله وبين الكفرِ بالآخرة وبين الإشراكِ به سبحانه . لكن لا على أن يكون مدارُ النهي الجمعُ المذكورُ بل على أن أولئك جامعون لها متصفون بكلها .
{ قُلْ تَعَالَوْاْ } لما ظهر بُطلانُ ما ادعَوْا من أن إشراكَهم وإشراكَ آبائِهم وتحريمَ ما حرموه بأمر الله تعالى ومشيئتِه بظهور عجْزِهم عن إخراج شيءٍ يُتمسّك به في ذلك وإحضارِ شهداءَ يشهدون بما ادعَوْا في أمر التحريم بعد ما كُلّفوه مرةً بعد أخرى عجزاً بيناً أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأن يبينَ لهم من المحرمات ما يقتضي الحالُ بيانَه على الأسلوب الحكيم إيذاناً بأن حقَّهم الاجتنابُ عن هذه المحرماتِ ، وأما الأطعمةُ المحرمةُ فقد بُينت بقوله تعالى : { قُل لا أَجِدُ } الآية ، وتعالَ أمرٌ من التعالي والأصلُ فيه أن يقوله من مكان عالٍ لمن هو في أسفلَ منه ثم اتُّسع فيه بالتعميم ، كما أن الغنيمة في الأصل إصابةُ الغَنَم من العدو ثم استعملت في إصابة كلِّ ما يُصاب منهم اتساعاً ثم في الفوز بكل مطلبٍ من غير مشقة { اتل } جوابُ الأمر وقوله تعالى : { مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ } منصوبٌ به على أن ( ما ) موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ ، أي اقرأْ الذي حرمه ربُّكم أي الآياتِ المشتمِلةَ عليه ، أو مصدريةٌ أي الآياتِ المشتملة على تحريمه أو بحرم على أنها استفهاميةٌ ، والجملةُ مفعولٌ لأتلُ لأن التلاوةَ من باب القول ، كأنه قيل : أقُلْ أيُّ شيءٍ حرم ربكم { عَلَيْكُمْ } متعلقٌ بحرّم على كل حال ، وقيل : بأتلُ والأول أنسبُ بمقام الاعتناءِ بإيجاب الانتهاءِ عن المحرمات المذكورةِ وهو السرُّ في العرض لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم ، فإن تذكيرَ كونِه تعالى رباً لهم ومالكاً لأمرهم على الإطلاق من أقوى الدواعي إلى انتهائهم عما نهاهم عنه أشدَّ انتهاءٍ وأنْ في قوله تعالى : { أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ } مفسرةٌ لفعل التلاوةِ المعلَّقِ بما حرم ، و ( لا ) ناهيةٌ كما ينبىء عنه عطفُ ما بعده من الأوامر والنواهي عليه ، وليس من ضرورة كونِ المعطوفِ عليه تفسيراً لتلاوة المحرمات بحسب منطوقه كونُ المعطوفاتِ أيضاً كذلك حتى يمتنع انتظامُ الأوامر في سلك العطفِ عليه بل يكفي في ذلك كونُها تفسيراً لها باعتبار لوازمِها التي هي النواهي المتعلقةُ بأضداد ما تعلقت هي به ، فإن الأمرَ بالشيء مستلزمٌ للنهي عن ضده بل هو عينُه عند البعض ، كأن الأوامرَ ذُكرت وقُصد لوازمُها ، فإن عطفَ الأوامرِ على النواهي الواقعةِ بعد أن المفسر لتلاوة المحرماتِ مع القطع بأن المأمورَ به لا يكون محرماً دليلٌ واضحٌ على أن التحريمَ راجعٌ إلى الأضداد على الوجه المذكور فكأنه قيل : أتلُ ما حرم ربكم أن لا تشركوا ولا تُسيئوا إلى الوالدين خلا أنه قد أُخرج مُخرجَ الأمرِ بالإحسان إليهما بين النهيَين المكتنِفين له للمبالغة في إيجاب مراعاةِ حقوقِهما فإن مجرَّدَ تركِ الإساءةِ إليهما غيرُ كافٍ في قضاء حقوقِهما ، ولذلك عُقّب به النهيُ عن الإشراك الذي هو أعظمُ المحرماتِ وأكبرُ الكبائرِ هاهنا في سائر المواقعِ ، وقيل : ( أن ) ناصبةٌ ومحلُّها النصبُ بعليكم على أنه للإغراء ، وقيل : النصبُ على البدلية مما حرم وقيل : من عائدها المحذوفِ على أن لا زائدة ، وقيل : الجرُّ بتقدير اللام وقيل : الرفع بتقدير المتلُوِّ أن لا تشركوا ، أو المحرَّمُ أن لا تشركوا بزيادة لا وقيل : والذي عليه التعويلُ هو الأول لأمور من جملتها أن في إخراج المفسَّرِ على صورة النهي مبالغةً في بيان التحريمِ وقوله تعالى : { شَيْئاً } نُصب على المصدرية أو المفعولية أي لا تشركوا به شيئاً من الإشراك أو شيئاً من الأشياء { وبالوالدين } أي وأحسِنوا بهما { إحسانا } وقد رم تحقيقه { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ } تكليفٌ متعلق بحقوق الأولادِ عقّب به التكليفَ المتعلقَ بحقوق الوالدين أي لا تقتلوهم بالوأد { مّنْ إملاق } أي من أجل فقرٍ كما في قوله تعالى :
{ خَشْيَةَ إملاق } وقيل : هذا في الفقر الناجزِ وذا في المتوقَّع وقوله تعالى : { نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل النهي وإبطالِ سببيةِ ما اتخذوه سبباً لمباشرة المنهيِّ عنه وضمانٌ منه تعالى لأرزاقهم أي نحن نرزق الفريقين لا أنتم فلا تخافوا الفقرَ بناءً على عجزكم عن تحصيل الرزق وقوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش } كقوله تعالى : (2/447)
{ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } الآية ، إلا أنه جيء هاهنا بصيغة الجمعِ قصداً إلى النهي عن أنواعها ولذلك أُبدل عنها قولُه تعالى : { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي ما يُفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأَبُ أراذلِهم وما يفعل سراً باتخاذ الأخدانِ كما هو عادةُ أشرافِهم . وتعليقُ النهي بقُربانها إما للمبالغة في الزجر عنها لقوة الدواعي إليها وإما لأن قربانَها داعٍ إلى مباشرتها ، وتوسيطُ النهي عنها بين النهي عن قتل الأولادِ والنهي عن القتلِ مطلقاً كما وقع في سورة بني إسرائيلَ باعتبار أنها مع كونها في نفسها جنايةً عظيمةً في حكم قتلِ الأولادِ فإن أولادَ الزنا في حكم الأموات وقد قال صلى الله عليه وسلم في حق العزلِ : « إن ذاك وأدٌ خفيٌّ » ومن هاهنا تبين أن حملَ الفواحشِ على الكبائر مطلقاً وتفسير ما ظهر منها وما بطن بما فُسِّر به ظاهِرُ الإثمِ وباطنُه فيما سلف من قبيل الفصلِ بين الشجر ولِحائِه . (2/448)
{ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله } أي حرم قتلَها بأن عصمَها بالإسلام أو بالعهد فيخرُج منها الحربيُّ وقوله تعالى : { إِلاَّ بالحق } استثناءٌ مفرّغٌ من أعم الأحوالِ أي لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا حالَ ملابستِكم بالحق الذي هو أمرُ الشرعِ بقتلها ، وذلك بالكفر بعد الإيمان ، والزنا بعد الإحصان ، وقتلِ النفسِ المعصومةِ ، أو من أعمِّ الأسباب أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحقِّ وهو ما ذكر ، أو من أعمِّ المصادر أي لا تقتُلوها قتلاً ما إلا قتلاً كائناً بالحق وهو القتلُ بأحد الأمور المذكورة { ذلكم } إشارةٌ إلى ما ذكر من التكاليف الخمسةِ ، وما في ذلك من معنى البُعد للإيذان بعلوّ طبقاتِها بين التكاليف الشرعية ، وهو مبتدأ وقوله تعالى : { وصاكم بِهِ } أي أمركم به ربكم أمراً مؤكداً خبرُه ، والجملة استئنافٌ جيء به تجديداً للعهد وتأكيداً لإيجاب المحافظةِ على ما كُلِّفوه ولما كانت الأمورُ المنهيُّ عنها مما تقضي بديهةُ العقول بقُبحها فُصِّلت الآيةُ الكريمة بقوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي تستعملون عقولَكم التي تعقِل نفوسَكم وتحبِسُها عن مباشرة القبائحِ المذكورة .
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)
{ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } توجيهُ النهي إلى قُربانه من المبالغة في النهي عن أكله ولإخراج القُربان النافعِ عن حكم النهي بطرق الاستثناءِ ، أي لا تتعرضواله بوجه من الوجوه { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } إلا بالخَصلة التي هي أحسنُ ما يكون من الحِفظ والتثميرِ ونحو ذلك ، والخطابُ للأولياء والأوصياء لقوله تعالى : { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } فإنه غايةٌ لما يُفهم من الاستثناء لا للنهي كأنه قيل : احفظوه حتى يصيرَ بالغاً رشيداً فحينئذ سلّموه إليه كما في قوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ } والأشُدُّ جمع شِدّة كنعمة وأنعم أو شَدّ ككلب وأكلُب أو شد كصر وآصر وقيل : هو مفرد كآنُك { وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط } أي بالعدل والتسوية { لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا ما يسعُها ولا يعسُر عليها ، وهو اعتراضٌ جيء به عَقيبَ الأمرِ بالأمر للإيذان بأن مراعاةَ العدلِ كما هو عسيرٌ كأنه قيل : عليكم بما في وسعكم وما وراءه معفوٌّ عنكم { وَإِذَا قُلْتُمْ } قولاً في حكومة أو شهادة أو نحوِهما { فاعدلوا } فيه { وَلَوْ كَانَ } أي المقولُ له أو عليه { ذَا قربى } أي ذا قرابةٍ منكم ولا تميلوا نحوهم أصلاٌ وقد مر تحقيق معنى لو في مثل هذا الموضعِ مراراً { وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ } أي ما عَهد إليكم من الأمور المعدودةِ ، أو أيِّ عهدٍ كان فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً أو ما عاهدتم الله عليه من الإيمان والنذور ، وتقديمُه للاعتناء بشأنه { ذلكم } إشارةٌ إلى ما فُصِّل من التكاليف ، ومعنى البُعد لما ذكر فيما قبل { وصاكم بِهِ } أمركم به أمراً مؤكداً { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تتذكرون ما في تضاعيفه وتعملون بمقتضاه ، وقرىء بتشديد الذالِ وهذه أحكامٌ عشَرةٌ لا تختلف باختلاف الأممِ والأعصارِ . (2/449)
عن ابن عباس رضي الله عنهما ( هذه آياتٌ محكماتٌ لم ينسَخْهن شيء من جميع الكتُب وهن محرماتٌ على بني آدم كلِّهم وهن أمُّ الكتابِ ، من عمِل بهن دخلَ الجنة ومن تركهن دخلَ النار ) . وعن كعب الأحبارِ والذي نفسُ كعبٍ بيده إن هذه الآياتِ لأولُ شيءٍ في التوراة بسم الله الرحمن الرحيم قل : تعالَوا الآيات . . .
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)
{ وَأَنَّ هذا صراطي } إشارةٌ إلى ما ذكر في الآيتين من الأمر والنهي ، قاله مقاتل وقيل : إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيدِ والنبوة وبيانِ الشريعة ، وقرىء صراطيَ بفتح الياء ، ومعنى إضافتِه إلى ضميره عليه الصلاة والسلام انتسابُه إليه عليه الصلاة والسلام من حيث السلوكُ لا من حيث الوضعُ كما في صراط الله ، والمرادُ بيانُ أن ما فُصِّل من الأوامر والنواهي غيرُ مختصةٍ بالمتلو عليهم بل متعلقةٌ به عليه الصلاة والسلام أيضاً وأنه صلى الله عليه وسلم مستمرٌّ على العمل بها ومراعاتِها وقوله تعالى : { مُّسْتَقِيماً } حالٌ مؤكدةٌ ، ومحل أن مع ما في حيزها الجرُّ بحذف لام العلة أي ولأن هذا صراطي أي مسلكي مستقيماً { فاتبعوه } كقوله تعالى : { وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً } وتعليلُ إتباعِه بكونه صراطَه عليه الصلاة والسلام لا بكونه صراطَ الله تعالى مع أنه في نفسه كذلك من حيث سلوكُه صلى الله عليه وسلم فيه داعٍ للخلق إلى الاتّباع إذ بذلك يتضح عندهم كونُه صراطَ الله عز وجل ، وقرىء بكسر الهمزة على الاستئناف ، وقرىء أنْ هذا مخففةً من أنّ ، على أن اسمَها الذي هو ضميرُ الشأنِ محذوفٌ وقرىء صراطي وقرىء هذا صراطي وقرىء وهذا صراطُ ربِّكم وهذا صراطُ ربِّك { وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل } الأديانَ المختلفةَ أو طرقَ البدع والضلالات { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ } بحذف إحدى التاءين ، والباء للتعدية أي فتفرِّقَكم حسَبَ تفرُّقِها أياديَ سبا فهو كما ترى أبلغُ من تفرقكم كما قيل من أن ذهَبَ به لما فيه من الدلالة على الاستصحاب أبلغُ من أذهبه { عَن سَبِيلِهِ } أي سبيل الله الذي لا عِوَجَ فيه ولا حرج ، وهو دين الإسلام الذي ذُكر بعضُ أحكامه وقيل : هو اتباعُ الوحي واقتفاءُ البرهان ، وفيه تنبيهٌ على أن صراطَه عليه الصلاة والسلام عينُ سبيل الله تعالى { ذلكم } إشارةٌ إلى ما مر من اتباع سبيلِه تعالى وتركِ اتباعِ سائر السبل { وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } اتباعَ سبُلِ الكفر والضلالة . (2/450)
{ ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب } كلامٌ مسوقٌ من جهته تعالى تقريراً للوصية وتحقيقاً لها وتمهيداً لما يعقُبه من ذكر القرآنِ المجيد كما ينبىء عنه تغييرُ الأسلوب بالالتفات إلى التكلم معطوفٌ على مقدر يقتضيه المقامُ ويستدعيه النظامُ كأنه قيل بعد قوله تعالى : { ذلكم وصاكم بِهِ } بطريق الاستئنافِ تصديقاً له وتقريراً لمضمونه : فعلنا ذلك ثم آتينا الخ ، كما أن قوله تعالى : { وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ } معطوف على ما يدل عليه معنى { أَوَ لَمْ يَهْدِ } الخ ، كأنه قيل : يغفُلون عن الهداية ونطبع الخ ، وأما عطفُه على ذلكم وصاكم به ونظمُه معه في سلك الكلامِ الملقّن كما أجمع عليه الجمهورُ فمما لا يليق بجزالة النظمِ الكريم فتدبر .
وثم للتراخي في الإخبار كما في قولك : بلغني ما صنعتَ اليوم ثم ما صنعتَ أمسِ أعجبُ ، أو للتفاوت في الرتبة كأنه قيل : ذلكم وصاكم به قديماً وحديثاً ثم أعظمُ من ذلك أنا آتينا موسى التوراةَ فإن إيتاءَها مشتملةً على الوصية المذكورةِ وغيرِها أعظمُ من التوصية بها فقط { تَمَامًا } للكرامة والنعمة أي إتماماً لهما على أنه مصدرٌ من أتمّ بحذف الزوائد { عَلَى الذى أَحْسَنَ } أي على مَنْ أحسن القيامَ به كائناً مَنْ كان ، ويؤيده أنه قرىء على الذين أحسنوا وتماماً على المحسنين أو على الذي أحسن تبليغَه وهو موسى عليه السلام أو تماماً على ما أحسنه موسى عليه السلام أي أجاده من العلم والشرائعِ أي زيادةً على علمه على وجه التتميم ، وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أي على الذي هو أحسنُ دينٍ وأرضاه أو آتينا موسى الكتاب تماماً أي تاماً كاملاً على أحسنَ ما يكون عليه الكتُب { وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء } وبياناً مفصلاً لكل ما يُحتاج إليه في الدين وهو عطفٌ على تماماً ونصبُهما إما على العلية أو على المصدرية كما أشير إليه أو على الحالية وكذا قوله تعالى : { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } وضميرُ { لَعَلَّهُمْ } لبني إسرائيلَ المدلولِ عليهم بذكر موسى وإيتاءِ الكتاب والباء في قوله تعالى : { بِلَقَاء رَبّهِمْ } متعلقةٌ بقوله تعالى : { يُؤْمِنُونَ } قدمت عليه محافظةً على الفواصل قال ابن عباس رضي الله عنهما : كي يؤمنوا بالبعث ويصدّقوا بالثواب والعذاب . (2/451)
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156)
{ وهذا } أي الذي تُليت عليكم أوامرُه ونواهيه أي القرآن { كِتَابٌ } عظيمُ الشأنِ لا يقادَر قدْرُه وقوله تعالى : { أنزلناه مُبَارَكٌ } أي كثيرُ المنافع ديناً ودنيا ، صفتان لكتابٌ ، وتقديمُ وصفِ الإنزال مع كونه غيرَ صريحٍ لأن الكلام مع منكريه ، أو خبران آخران لاسم الإشارة أي أنزلناه مشتملاً على فنون الفوائدِ الدينية والدنيوية التي فُصِّلت عليكم طائفةٌ منها ، والفاء في قوله تعالى : { فاتبعوه } لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن عِظمَ شأنِ الكتابِ في نفسه وكونَه منزلاً من جنابه عز وجل مستتبعاً للمنافع الدينية والدنيوية موجبٌ لاتباعه أيَّ إيجاب { واتقوا } مخالفتَه { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } بواسطة اتباعِه والعمل بموجبه { أَن تَقُولُواْ } علةٌ لأنزلناه المدلولِ عليه بالمذكور لا لنفسه ، للزوم الفصلِ حينئذ بين العامل والمعمولِ بأجنبيّ هو مباركٌ وصفاً كان أو خبراً أي أنزلناه كذلك كراهةَ أن تقولوا يوم القيامة لو لم تُنْزِله { إِنَّمَا أُنزِلَ الكتاب } الناطقُ بتلك الأحكام العامة لكل الأمم { على طَائِفَتَيْنِ } كائنتين { مِن قَبْلِنَا } وهما اليهودُ والنصارى ، وتخصيصُ الإنزال بكتابيهما لأنهما الذي اشتهر حينئذ فيما بين الكتب السماويةِ بالاشتمال على الأحكام لا سيما الأحكامِ المذكورة { وَإِن كُنَّا } إنْ هي المخففةُ من إنَّ واللام فارقةٌ بينها وبين النافية وضميرُ الشأن محذوفٌ ومرادُهم بذلك دفعُ ما يَرِد عليهم من أن نزولَه عليهما لا ينافي عمومَ أحكامِه فلمَ لمْ تعملوا بأحكامه العامة؟ أي وإنه كنا { عَن دِرَاسَتِهِمْ لغافلين } لا ندري ما في كتابهم إذ لم يكن على لغتنا حتى نتلقّى منه تلك الأحكامَ العامة ونحافظَ عليها وإن لم يكن منزلاً علينا ، وبهذا تبيّن أن معذرتَهم هذه مع أنهم غيرُ مأمورين بما في الكتابين لاشتمالهما على الأحكام المذكورةِ المتناولةِ لكافة الأممِ كما أن قطعَ تلك المعذرةِ بإنزال القرآنِ لاشتماله أيضاً عليها لا على سائر الشرائعِ والأحكام فقط . (2/452)
أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)
{ أَوْ تَقُولُواْ } عطفٌ على تقولوا وقرىء كلاهما بالياء على الالتفات من خطاب { فاتبعوه واتقوا } { لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب } كما أنزل عليهم { لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ } إلى الحق الذي هو المقصِدُ الأقصى أو إلى ما في تضاعيفه من جلائل الأحكام والشرائع ودقائقِها لحِدّة أذهانِنا وثَقابةِ أفهامنا ولذلك تلقّفنا من فنون العلم كالقصص والأخبار والخُطب والأشعار ونحوِ ذلك طرفاً صالحاً ونحن أمّيون ، وقوله تعالى : { فَقَدْ جَاءكُمُ } متعلقٌ بمحذوف ينبىء عنه الفاءُ الفصيحةُ إما معللٌ به أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم الخ ، وإما شرطٌ له أي إن صدقتم فيما كنتم تعدّون من أنفسكم من كونكم أهدى من الطائفتين على تقدير نزولِ الكتابِ عليكم فقد حصل ما فرضتم وجاءكم { بَيّنَةً } أي حجةٌ واضحة لا يُكتَنهُ كنهها وقوله تعالى : { مّن رَّبّكُمْ } متعلق بجاءكم أو بمحذوف هو صفةٌ لبينة أي بينةٌ كائنةٌ منه تعالى وأياً ما كان ففيه دَلالةٌ على فضلها الإضافي كما أن في تنوينها التفخيميِّ دلالةٌ على فضلها الذاتي وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم مزيدُ تأكيدٍ لإيجاب الاتباع { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } عطفٌ على بينةٌ وتنوينُهما أيضاً تفخيميٌّ عبّر عن القرآن بالبينة إيذاناً بكمال تمكنِهم من دراسته ، ثم بالهدى والرحمة تنبيهاً على أنه مشتملٌ على ما اشتمل عليه التوراةُ من هداية الناس ورحمتِهم بل هو عينُ الهداية والرحمة . (2/453)
{ فَمَنْ أَظْلَمُ } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن مجيءَ القرآن المشتمل على الهدى والرحمة موجبٌ لغاية أظلمية مَنْ يكذّبه ، أي وإذا كان الأمرُ كذلك فمن أظلم { مِمَّن كَذَّبَ بآيات الله } وُضع الموصولُ موضعَ ضميرهم بطريق الالتفات تنصيصاً على اتصافهم بما في حيز الصلةِ وإشعاراً بعلة الحُكم وإسقاطاً لهم عن رتبة الخطابِ ، وعبّر عما جاءهم بآيات الله تهويلاً للأمر وتنبيهاً على أن تكذيبَ أي آيةٍ كانت من آيات الله تعالى كافٍ في الأظلمية فما ظنُّك بتكذيب القرآن المنطوي على الكل ، والمعنى إنكارُ أن يكون أحدٌ أظلمَ ممن فعل ذلك أو مساوياً له وإن لم يكن سبكُ التركيب متعرضاً لإنكار المساواةِ ونفيها ، فإذا قيل : مَنْ أكرمُ من فلان أو لا أفضلُ منه فالمرادُ به حتماً بحكم العرف الفاشي والاستعمال المطرد أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل ، وقد مر مراراً { وَصَدَفَ عَنْهَا } أي صرَفَ الناس عنها فجمعَ بين الضلال والإضلالِ { سَنَجْزِى الذين يَصْدِفُونَ } الناسَ { عَنْ آياتنا } وعيدٌ لهم ببيان جزاء إضلالِهم بحيث يُفهم منه جزاءُ ضلالهم أيضاً ، ووضعُ الموصول المُضمر لتحقيق مناطِ الجزاء { سُوء العذاب } أي العذابَ السيءَ الشديدَ النكاية { بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ } أي بسبب ما كانوا يفعلون من الصَّدْف والصرْف على التجدد والاستمرارِ ، وهذا تصريحٌ بما أَشعرَ به إجراءُ الحُكم على الموصول من عِلّية ما في حيز الصلة له .
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)
{ هَلْ يَنظُرُونَ } استئنافٌ مَسوقٌ لبيان أنه لا يتأتى منهم الإيمانُ بإنزال ما ذكر من البينات والهدى وأنهم لا يرعوون عن التمادي في المكابرة واقتراحِ ما ينافي الحكمةَ التشريعية من الآيات المُلجئة وأن الإيمانَ عند إتيانها مما لا فائدةَ له أصلاً مبالغةً في التبليغ والإنذار وإزاحةِ العلل والأعذار ، أي ما ينتظرون { إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } حسبما اقترحوا بقولهم : { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة أَوْ نرى رَبَّنَا } وبقولهم : { أَوْ تَأْتِىَ بالله والملئكة قَبِيلاً } وبقولهم : { لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } ونحو ذلك أو إلا أن تأتيهم ملائكةُ العذاب أو يأتيَ أمرُ ربك بالعذاب ، والانتظارُ محمولٌ على التمثيل كما سيجيء وقرىء يأتيَهم بالياء لأن تأنيثَ الملائكة غيرُ حقيقي . (2/454)
{ أو يأتي بعضُ آيات ربِّكَ } أي غيرُ ما ذكر كما اقترحوا بقولهم : { أَوْ تُسْقِطَ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } ونحوِ ذلك من عظائمِ الآياتِ التي علّقوا بها إيمانَهم ، والتعبيرُ عنها بالبعض للتهويل والتفخيم ، كما أن إضافةَ الآياتِ في الموضعين إلى اسم الربِّ المنبىء عن المالكية الكليةِ لذلك . وإضافتَه إلى ضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف ، وقيل : المرادُ بالملائكة ملائكةُ الموت وبإتيانه سبحانه وتعالى إتيانُ كل آياتِه بمعنى آياتِ القيامةِ والهلاكُ الكليُّ بقرينة ما بعده من إتيان بعضِ آياتِه تعالى على أن المرادَ به أشراطُ الساعةِ التي هي ( الدخانُ ودابةُ الأرضِ وخسفٌ بالمشرق وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ بجزيرة العرب والدجالُ وطلوعُ الشمس من مغربها ويأجوجُ ومأجوجُ ونزولُ عيسى عليه السلام ونارٌ تخرج من عَدَنَ ) كما نطق به الحديثُ الشريفُ المشهورُ وحيث لم يكن إتيانُ هذه الأمورِ مما ينتظرونه كإتيان ما اقترحوه من الآيات فإن تعليقَ إيمانِهم بإتيانها انتظارٌ منهم له ظاهراً ، حُمل الانتظارُ على التمثيل المبني على تشبيه حالِهم في الإصرار على الكفر والتمادي في العناد إلى أن تأتيَهم تلك الأمورُ الهائلةُ التي لا بد لهم من الإيمان عند مشاهدتِها البتةَ بحال المنتظرين لها . وأنت خبيرٌ بأن النظمَ الكريمَ بسباقه المُنبىءِ عن تماديهم في تكذيب آياتِ الله تعالى وعدمِ الاعتدادِ بها وسياقِه الناطقِ بعدم نفع الإيمانِ عند إتيان ما ينتظرونه يستدعي أن يُحملَ ذلك على أمور هائلةٍ مخصوصةٍ بهم إما بأن تكونَ عبارةً عما اقترحوه أو عن عقوبات مترتبةٍ على جناياتهم كإتيان ملائكةِ العذاب وإتيانِ أمرِه تعالى بالعذاب وهو الأنسبُ لما سيأتي من قوله تعالى : { قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ } .
وإما حملُه على ما ذُكر من إتيان ملائكةِ الموتِ وإتيانِ كل آياتِ القيامةِ وظهورِ أشراطِ الساعة مع شمول إتيانِها لكل برّ وفاجر ، واشتمالِ غائلتِها على كل مؤمن وكافرٍ فمما لا يساعده المقامُ على أن بعضَ أشراطِ الساعةِ ليس مما ينسدّ به بابُ الإيمان والطاعة ، نعم يجوزُ حملُ بعضِ الآياتِ في قوله عز وجل : { يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءايات رَبّكَ } على ما يعم مقترحاتِهم وغيرَها من الدواعي العظامِ السالبةِ للاختيار الذي عليه يدور فلكُ التكليفِ فإنه بمنزلة الكبرى من الشكل الأولِ فيتم التقريبُ عند وقوعِها بدخول ما ينتظرونه في ذلك دخولاً أولياً ، ويوم منصوب بقوله تعالى : { لاَّ ينفَعُ } فإن امتناعَ عملِ ما بعد ( لا ) فيما قبلها عند وقوعِها جوابَ القسم ، وقرىء يومُ بالرفع على الابتداء والخبرُ هو الجملةُ والعائدُ محذوفٌ أي لا تنفع فيه { نَفْساً } من النفوس { إِيمَانُهَا } حينئذ لانكشاف الحالِ وكون الأمرِ عياناً ، ومدارُ قَبولِ الإيمان أن يكون بالغيب كقوله تعالى :
{ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } وقرىء لا تنفع بالتاء الفوقانية لاكتساب الإيمانِ من ملابسة المضاف إليه تأنيثاً وقوله تعالى : { لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ } أي من قبلِ إتيانِ بعضِ الآياتِ ، صفةٌ لنفساً فصل بينهما بالفاعل لاشتماله على ضمير الموصوفِ ولا ضيرَ فيه لأنه غيرُ أجنبيَ منه لاشتراكهما في العامل . (2/455)
{ أَوْ كَسَبَتْ فِى إيمانها خَيْرًا } عطفٌ على آمنت بإيراد الترديدِ على النفي المفيدِ لكفاية أحد النفيين في عدم النفعِ ، والمعنى أنه لا ينفع الإيمانُ حينئذ نفساً لم يقدّم إيمانَها أو قدّمتْه ولم تكسِبْ فيه خيراً ، ومن ضرورته اشتراطُ النفعِ بتحقق الأمرين ، أي الإيمانِ المقدَّمِ والخيرِ المكسوب فيه معاً ، بمعنى أن النافعَ هو تحققُهما والإيمانُ المؤخرُ لغوٌ وتحصيلٌ للحاصل لا أنه هو النافعُ وتحققُهما شرطٌ في نفعه كما لو كان المقدَّمُ غيرَ المؤخرِ بالذات ، فإن قولَك : لا ينفع الصومُ والصدقةُ مَنْ لم يؤمِنْ قبلَهما معناه أنهما ينفعانه عند وقوعِهما بعد الإيمان وقد استدل به أهلُ الاعتزالِ على عدم اعتبار الإيمانِ المجردِ عن الأعمال وليس بناهض ضرورةَ صحةِ حملِه على نفي الترديدِ المستلزِمِ لعمومه المفيدِ بمنطوقه لاشتراط عدمِ النفع بعدم الأمرين معاً وبمفهومه لاشتراط النفعِ بتحقق أحدِهما بطريق منعِ الخلوِّ دون الانفصالِ الحقيقي ، فالمعنى أنه لا ينفع الإيمانُ حينئذ نفساً لم يصدُرْ عنها من قبلُ أحدُ الأمرين ، أما الإيمانُ المجردُ أو الخيرُ المكسوبُ فيه فيتحقق النفعُ بأيهما كان حسبما تنطِقُ به النصوصُ الكريمةُ من الآيات والأحاديث وما قيل من أن عدمَ الإيمانِ السابقِ مستلزمٌ لعدم كسب الخيرِ فيه بالضرورة فيكون ذكرُه تكراراً بلا فائدة على أن الموجبَ للخلود في النار هو العدمُ الأولُ من غير أن يكون للثاني دخلٌ ما في ذلك قطعاً فيكون ذكرُه بصدد بيانِ ما يوجب الخلودَ لغواً من الكلام لغو من الكلام مبني على توهم أن المقصودَ بوصف النفسِ بالعدمين المذكورين مجردُ بيانِ إيجابِهما للخلود فيها وعدمِ نفعِ الإيمان الحادثِ في إنجائها عنه وليس كذلك ، وإلا لكفى في البيان أن يقال : لا ينفعُ نفساً إيمانُها الحادثُ ، بل المقصِدُ الأصليُّ من وصفها بذينك العدمين في أثناء بيانِ عدم نفعِ الإيمان الحادثِ تحقيقُ أن موجبَ النفع إحدى مَلَكتيهما ، أعني الإيمانَ السابقَ والخيرَ المكسوبَ فيه بما ذكر من الطريقة والترغيبِ في تحصيلهما في ضمن التحذيرِ من تركهما ، ولا سبيلَ إلى أن يقال كما أن عدمَ الأولِ مستقلٌّ في إيجاب الخلودِ في النار فليغلو ذكرُ عدمِ الثاني ، كذلك وجوده مستقل في إيجاب الخلاصِ عنها فيكون ذكرُ الثاني لغواً لما أنه قياسٌ مع الفارق كيف لا والخلود فيها أمرٌ لا يُتصوَّر فيه تعددُ العللِ ، وأما الخلاصُ عنها مع دخولِ الجنةِ فله مراتبُ بعضُها مترتبٌ على نفس الإيمان وبعضُها على فروعه المتفاوتةِ كماً وكيفاً ، وإنما لم يُقتصر على بيان ما يوجب أصلَ النفعِ وهو المقابلُ لما لا يوجبه أصلاً أعني الإيمانَ الحادثَ ، بل قرَنَ به ما يوجب النفعَ الزائدَ أيضاً إرشاداً إلى تحرّي الأعلى وتنبيهاً على كفاية الأدنى وإقناطاً للكفرة عما علّقوا به أطماعَهم الفارغةَ من أعمال البِرّ التي عمِلوها في الكفر من صلة الأرحام وإعتاق الرقاب وفك العُناةِ وإغاثةِ الملهوفين وقرى الأضيافِ وغير ذلك مما هو من باب المكارم ببيان أن كل ذلك لغوٌ بحتٌ لابتنائه على غير أساسٍ حسبما نطق به قولُه تعالى :
{ والذين كَفَرُواْ أعمالهم كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح } الآية ، ونحوُ ذلك من النصوص الكريمة ، وأن الإيمانَ الحادثَ كما لا ينفعهم وحده لا ينفعهم بانضمام أعمالِهم السابقةِ واللاحقة ، ولك أن تقول : المقصودُ بوصف النفسِ بما ذُكر من العدمين التعريضُ بحال الكفرة في تمردهم وتفريطِهم في كل واحد من الأمرين الواجبين عليهم وإن كان وجوبُ أحدِهما منوطاً بالآخر كما في قوله عز وجل : { فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ } تسجيلاً بكمال طغيانِهم وإيذاناً بتضاعف عقابِهم لما تقرر من أن الكفارَ مخاطَبون بفروع الشرائعِ في حق المؤاخذة كما ينبىء عنه قوله تعالى : { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة } إذا تحققت هذا وقفتَ على أن الآيةَ الكريمة أحقُّ بأن تكون حجةً على المعتزلة من أن تكون حجةً لهم هذا وقد قيل : إنها من باب اللف التقديريِّ ، أي لا ينفع نفساً إيمانُها ولا كسبُها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فيه ، وليس بواضح فإن مبنى اللفِّ التقديريِّ أن يكون المقدرُ من متمّمات الكلامِ ومقتَضَيات المقام قد ترك ذكرَه تعويلاً على دِلالة الملفوظِ عليه واقتضائِه إياه كما مر في تفسير قوله عز وجل : { وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } فإنه قد طُوي في المفصل ذكرُ حشرِ المؤمنين ثقةً بإنباء التفصيل عنه أعني قوله تعالى : { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ } الآية ، ولا ريب في أن ما قُدّر هاهنا ليس مما يستدعيه قوله تعالى : { أَوْ كَسَبَتْ فِى إيمانها خَيْرًا } ولا هو من مقتضيات المقامِ لأنه ليس مما وُعِدوه وعلّقوه بإتيان ما ذكر من الآيات كالإيمان حتى يرِدَ عليهم ببيان عدمِ نفعِه إذ ذاك ، على أن ذلك مشعرٌ بأن لهم بعد ما أصابهم من الدواهي ما أصابهم بقاءً على السلامة وزماناً يتأتى منهم الكسبُ والعملُ فيه ، وفيه من الإخلال بمقام تهويلِ الخطبِ وتفظيعِ الحال ما لا يخفي . (2/456)
وقد أُجيب عن الاستدلال بوجوه أُخَرَ قصارى أمرِها إسقاطُ الآية الكريمةِ عن رتبة المعارضةِ للنصوص القطعيةِ المتونِ القويةِ الدلالةِ على ما ذُكر من كفاية الإيمان المجردِ عن العمل في الإنجاء من العذاب الخالدِ ولو بعد اللتيا والتي لِما تقرر من أن الظنيَّ بمعزل من معارضة القطعي . (2/457)
{ قُلْ } لهم بعد بيانِ حقيقةِ الحالِ على وجه التهديد { انتظروا } ما تنتظرونه من إتيان أحدِ الأمورِ الثلاثةِ لترَوا أيَّ شيء تنتظرون { إِنَّا مُنتَظِرُونَ } لذلك لنشاهدَ ما يحِلُّ بكم من سوء العاقبة ، وفيه تأييدٌ لكون المرادِ بما ينتظرونه إتيانَ ملائكةِ العذابِ أو إتيانَ أمرِه تعالى بالعذاب كما أشير إليه ، وعِدَةٌ ضمنيةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمعاينتهم لما يَحيق بالكفرة من العقاب ، ولعل ذلك هو الذي شاهدوه يوم بدر والله سبحانه أعلم .
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)
{ إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } استئنافٌ لبيان أحوالِ أهلِ الكتابين إثرَ بيانِ حالِ المشركين أي بدّدوه وبعّضوه فتمسك بكل بعضٍ منه فِرقةٌ منهم ، وقرىء فارقوا أي باينوا ، فإن تركَ بعضِه وإن كان بأخذ بعضٍ آخرَ منه تركٌ للكل ومفارقةٌ له { وَكَانُواْ شِيَعاً } أي فِرقاً تشيّع كلُّ فِرقةٍ إماماً لها قال عليه الصلاة والسلام : « افترقت اليهودُ والنصارى على إحدى وسبعين فرقةً كلهم في الهاوية إلا واحدة » واستثناء الواحدة من فِرَق كلَ من أهل الكتابين إنما هو بالنظر إلى العصر الماضي قبل النسخِ وأما بعده فالكلُّ في الهاوية وإن اختلفت أسبابُ دخولِهم فمعنى قوله تعالى : { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء } لست من البحث عن تفرقهم والتعرّضِ لمن يناصرك منهم بالمناقشة والمؤاخذة ، وقيل : من قتالهم في شيء سوى تبليغِ الرسالةِ وإظهارِ شعائرِ الدين الحقِّ الذي أُمرت بالدعوة إليه فيكون منسوخاً بآية السيف ، وقوله تعالى : { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله } تعليلٌ للنفي المذكورِ أي هو يتولى وحده أمر أولاهم وأخراهم ويدبره كيف يشاء حسبما تقتضيه الحكمة يؤاخذهم في الدنيا التي شاء ويأمر بقتالهم إذا أراد وقيل : المفرقون أهل البدع والأهواء الزائغة من هذه الأمة ويرده أنه عليه الصلاة والسلام مأمور بمؤاخذتهم والاعتذار بأن معنى لست منهم في شيء حينئذ أنت بريء منهم ومن مذهبهم وهم برآء منك يأباه التعليل المذكور { ثُمَّ يُنَبّئُهُم } أي يوم القيامة { بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } عبر عن إظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة في أنهما سببان للعلم تنبيهاً على أنهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه غافلين عن سوء عاقبته أي يظهر لهم على رؤوس الأشهاد ويعلمهم أي شيء شنيع كانوا يفعلونه في الدنيا على الاستمرار ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء . (2/458)
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)
وقوله تعالى : { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } استئناف مبين لمقادير أجزية العاملين وقد صدر ببيان أجزية المحسنين المدلول عليهم بذكر أضدادهم . قال عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم : ( يريد من عمل من المصدقين حسنة كتبت له عشر حسنات ) أي من جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة من المؤمنين إذ لا حسنة بغير إيمان فله عشر حسنات أمثالها تفضلاً من الله عز وجل وقرىء عشر بالتنوين وأمثالها بالرفع على الوصف وهذا أقل ما وعد من الأضعاف وقد جاء الوعد بسبعين وبسبعمائة وبغير حساب ولذلك قيل : المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص { وَمَن جَاء بالسيئة } أي بالأعمال السيئة كائناً من كان من العاملين { فَلا يَجْزِى إِلاَّ مِثْلَهَا } بحكم الوعد واحدة بواحدة { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص الثواب وزيادة العقاب { قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى } أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبين لهم ما هو عليه من الدين الحق الذي يدعون أنهم عليه وقد فارقوه بالكلية وتصدير الجملة بحرف التحقيق لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لمزيد تشريفه أي قل لأولئك المفرقين : أرشدني ربي بالوحي وبما نصب في الآفاق والأنفسِ من الآيات التكوينية { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } موصلٍ إلى الحق وقوله تعالى : { دِينًا } بدلٌ من إلى صراط فإن محله النصبُ كما في قوله تعالى : { وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً } أو مفعولٌ لفعل مضمرٍ يدل عليه المذكورُ { قَيِّماً } مصدرٌ نُعت به مبالغةً والقياسُ قِوَماً كعِوَض فاعل لإعلال فعلِه كالقيام وقرىء قيّماً وهو فيْعلٌ من قام كسيّد من ساد وهو أبلغُ من المستقيم باعتبار الزنة وإن كان هو أبلغَ منه باعتبار الصيغة { مِلَّةِ إبراهيم } عطفُ بيانٍ لديناً { حَنِيفاً } حالٌ من إبراهيمَ أي مائلاً عن الأديان الباطلةِ ، وقوله تعالى : { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } اعتراضٌ مقرِّرٌ لنزاهته عليه السلام عما عليه المفرِّقون لدينه من عقْد وعَمَل أي ما كان منهم في أمر من أمور دينِهم أصلاً وفرعاً ، صرّح بذلك رداً على الذين يدّعون أنهم على ملته عليه السلام من أهل مكةَ واليهودِ المشركين بقولهم : عزيرٌ ابنُ الله والنصارى المشركين بقولهم : المسيحُ ابنُ الله . (2/459)
قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)
{ قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى } أُعيد الأمرُ لِما أن المأثورَ به متعلِّقٌ بفروع الشرائعِ وما سبق بأصولها ، أي عبادتي كلَّها وقيل : وذبحي ، جُمع بينه وبين الصلاة كما في قوله تعالى : { فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر } وقيل : صلاتي وحجّي { وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى } أي وما أنا عليه في حياتي وما أكونُ عليه عند موتي من الإيمان والطاعةِ أو طاعات الحياةِ والخيراتِ المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير ، وقرىء محيايْ بسكون الياء إجراءً للوصل مُجرى الوقفِ { للَّهِ رَبّ العالمين } { لاَ شَرِيكَ لَهُ } خالصةً له لا أُشرِك فيها غيرَه { وبذلك } إشارةٌ إلى الإخلاص ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعلو رتبتِه وبُعدِ منزلتِه في الفضل أي بذلك الإخلاصِ { أُمِرْتُ } لا بشيء غيرِه وقوله تعالى : { وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين } لبيان مسارعتِه عليه السلام إلى الامتثال بما أُمر به وأن ما أُمر به ليس من خصائصه عليه السلام بل الكلُّ مأمورون به ويقتدي به عليه السلام مَنْ أسلم منهم . (2/460)
{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا } آخرَ فأُشرِكَه في العبادة { وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء } جملةٌ حالية مؤكدةٌ للإنكار أي والحالُ أن كل ما سواه مربوبٌ له مثلي فكيف يُتصوّر أن يكون شريكاً له في المعبودية { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } كانوا يقولون للمسلمين : اتبعوا سبيلَنا ولنحمِلْ خطاياكم إما بمعنى لِيُكْتَبْ علينا ما عمِلتم من الخطايا لا عليكم وإما بمعنى لنحمِلْ يوم القيامة ما كُتب عليكم من الخطايا فهذا ردٌّ له بالمعنى الأول ، أي لا تكونُ جنايةُ نفسٍ من النفوس إلا عليها ومُحالٌ أن يكون صدورُها عن شخص وقرارُها على شخص آخرَ حتى يتأتى ما ذكرتم وقولُه تعالى : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } ردٌّ له بالمعنى الثاني أي لا تحمِلُ يومئذ نفسٌ حاملةٌ حِمْلَ نفسٍ أخرى حتى يصِحّ قولُكم { ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى الكل لتأكيد الوعدِ وتشديدِ الوعيد إلى مالك أمورِكم ورجوعِكم يوم القيامة { فَيُنَبّئُكُمْ } يومئذ { بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } ببيان الرُّشدِ من الغيِّ وتمييزِ الحق من الباطل .
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)
{ وَهُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف الارض } حيث خلفتم الأممَ السالفة أو يخلُف بعضُكم بعضاً أو جعلكم خلفاءَ الله تعالى في أرضه تتصرفون فيها على أن الخطابَ عام { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ } في الشرف والغنى { فَوْقَ بَعْضٍ درجات } كثيرةٍ متفاوتة { لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتاكم } من المال والجاهِ أي ليعامِلَكم معاملةَ من يبتليكم لينظُرَ ماذا تعملون من الشكر وضدَّه { إِنَّ رَبَّكَ } تجريدُ الخطابِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع إضافة اسم الربِّ إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لإبراز مزيدِ اللطفِ به عليه السلام { سَرِيعُ العقاب } أي عقابُه سريعُ الإتيان لمن لم يُراعِ حقوقَ ما آتاه الله تعالى ولم يشكُرْه لأن كلَّ آتٍ قريبٌ أو سريعُ التمامِ عند إرادتِه لتعاليه عن استعمال المبادي والآلات { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن راعاها كما ينبغي وفي جعل خبرِ هذه الجملةِ من الصفات الذاتيةِ الواردةِ على بناء المبالغةِ مؤكداً باللام مع جعل خبرِ الأولى صفةً جاريةً على غير مَنْ هي له من التنبيه على أنه تعالى غفور رحيم بالذات مبالغٌ فيهما فاعلٌ للعقوبة بالعَرَض مسامحٌ فيها ما لا يخفي والله أعلم . (2/461)
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنزلت عليَّ سورةُ الأنعام جملةً واحدةً يشيِّعها سبعونَ ألفَ ملكٍ لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتحميدفمن قرأ الأنعامَ صلى عليه واستغفر له أولئك السبعونَ ألفَ ملك بعد كل آية من سورة الأنعام يوماً وليلة » والله تعالى أعلم .
المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)
( سورة الأعراف ) (2/462)
( مكية غير ثماني آيات من قوله { واسألهم } إلى قوله { وإذ نتقنا الجبل } وآيها مائتان وخمس )
{ المص } إما مسرودٌ على نمط التعديدِ بأحد الوجهين المذكورين في فاتحة سورةِ البقرة فلا محلَّ له من الإعراب ، وإما اسمٌ للسورة فمحلُّه الرفعُ على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ ، والتقديرُ هذا ألمص أي مسمّىً به ، وتذكيرُ اسمِ الإشارة مع تأنيث المسمَّى لما أن الإشارةَ إليه من حيث إنه مسمّىً بالاسم المذكور لا من حيث أنه مسمّىً بالسورة وإنما صحت الإشارةُ إليه مع عدم سبقِ ذكرِه لما أنه باعتبار كونِه بصدد الذكرِ صار في حكم الحاضِر المشاهَد وقوله عز وجل : { كِتَابٌ } على الوجه الأولِ خبرُ مبتدإ محذوفٍ وهو ما ينبىء عنه تعديدُ الحروفِ كأنه قيل : المؤلَّفُ من جنس هذه الحروفِ مراداً به السورةُ كتابٌ الخ ، أو اسمُ إشارةٍ أشير به إليه تنزيلاً لحضور المؤلَّفِ منه منزلةَ حضورِ نفسِ المؤلّف ، أي هذا كتابٌ الخ ، وعلى الوجه الثاني خبرٌ بعد خبرٍ جيء به إثرَ بيانِ كونه مترجماً له باسمٍ بديع مُنبىءٍ عن غرابته في نفسه إبانةً لجلالة محلِّه ببيان كونِه فرداً من أفراد الكتبِ الإلهية حائزاً للكمالات المختصَّة بها وقد جُوّز كونُه خبراً ، وألمص مبتدأٌ أي المسمّى بألمص كتابٌ وقد عرفتَ ما فيه من أن ما يجعل عنواناً للموضوع حقُّه أن يكون قبل ذلك معلومَ الانتسابِ إليه عند المخاطَب ، وإذْ لا عهدَ بالتسمية قبلُ فحقُّها الإخبارُ بها { أَنزَلَ إِلَيْكَ } أي من جهته تعالى بُني الفعلُ للمفعول جرياً على سَنن الكبرياءِ وإيذاناً بالاستغناء عن التصريح بالفاعل لغاية ظهورِ تعيُّنِه وهو السرُّ في ترك ذكرِ مبدأ الإنزال كما في قوله جل ذكره : { بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } ونظائرِه والجملةُ صفةٌ لكتابٌ مشرِّفةٌ له ولمن أُنزل إليه وجعلُه خبراً له على معنى : كتابٌ عظيمُ الشأنِ أُنزل إليك خلاف الأصل { فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ } أي شك كما في قوله تعالى : { فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } خلا أنه عبّر عنه بما يلازمه من الحَرَج فإن الشاكَّ يعتريه ضيقُ الصدرِ كما أن المتيقِّنَ يعتريه انشراحُه وانفساخُه مبالغةً في تنزيه ساحتِه عليه الصلاة والسلام ، وما قد يقع من نسبته إليه في ضمن النهي فعلى طريقةِ التهيجِ والإلهاب والمبالغة في التنفير والتحذيرِ بإيهام أن ذلك من القبح والشرِّية بحيث ينهى عنه من لا يمكنُ صدورُه عنه أصلاً فكيف بمن يُمكن ذلك منه ، والتنوينُ للتحقير والجرُّ في قوله تعالى : { مِنْهُ } متعلقٌ بحرَجٌ يقال : حرِج منه أي ضاق به صدرُه أو بمحذوف وقع صفةً به أي حرجٌ كائنٌ منه أي لا يكن فيك ما في حقِّيته أو في كونه كتاباً منزلاً إليك من عنده تعالى ، فالفاءُ على الأول لترتيب النهي أو الانتهاء على مضمون الجملةِ فإنه مما يوجب انتفاءَ الشكِّ فيما ذُكر بالكلية وحصولَ اليقينِ به قطعاً ، وأما على الثاني فهي لترتيب ما ذُكر على الإخبار بذلك لا على نفسه فتدبر .
وتوجيه النهي إلى الحرَج مع أن المرادَ نهيُه عليه الصلاة والسلام عنه إما لما مر من المبالغة في تنزيهه عليه الصلاة والسلام عن الشك فيما ذُكر فإن النهيَ عن الشيء مما يوهم إمكانَ صدورَ المنهيِّ عنه عن المنْهيّ ، وإما للمبالغة في النهي فإن وقوعَ الشكِّ في صدره عليه الصلاة والسلام سببٌ لاتصافه عليه الصلاة والسلام به ، والنهيُ عن السبب نهيٌ عن المسبَّب بالطريق البرهاني ونفيٌ له من أصله بالمرة كما في قوله تعالى : { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ } الآية ، وليس هذا من قبيل لا أُرَيَنّك هاهنا فإن النهيَ هناك واردٌ على المسبب مرادٌ به النهيُ عن السبب فيكونُ المآلُ نهيَه عليه الصلاة والسلام عن تعاطي ما يُورِثُ الحرَجَ فتأملْ . وقيل : الحرجُ على حقيقته أي لا يكنْ فيك ضيقُ صدرٍ من تبليغه مخافةَ أن يكذّبوك وأن تُقصِّر في القيام بحقه فإنه عليه الصلاة والسلام كان يخاف تكذيبَ قومِه له وإعراضَهم عنه فكان يضيق صدرُه من الأداء ولا ينبسِطُ له فآمنه الله تعالى ونهاه عن المبالاة بهم ، فالفاءُ حينئذ للترتيب على مضمون الجملةِ أو على الإخبار به فإن كلاًّ منهما موجبٌ للإقدام على التبليغ وزوالِ الخوفِ قطعاً وإن كان إيجابُه الثاني بواسطة الأول ، وقولُه تعالى : { لِتُنذِرَ بِهِ } أي بالكتاب المنزل متعلقٌ بأُنزل وما بينهما اعتراضٌ توسّط بينهما تقريراً لما قبله وتمهيداً لما بعده وحسماً لتوهم أو موردَ الشكِّ هو الإنزالُ للإنذار وقيل : متعلقٌ بالنهي فإن انتفاءَ الشكِّ في كونه منزلاً من عنده تعالى موجبٌ للإنذار به قطعاً وكذا انتفاءُ الخوفِ منهم أو العلمُ بأنه موفقٌ للقيام بحقه موجبٌ للتجاسر على ذلك . وأنت خبيرٌ بأنه لا يتأتى على التفسير الأولِ لأن تعليلَ النهي عن الشك بما ذكر من الإنذار والتذكيرِ مع إيهامه لإمكان صدورِه عنه عليه الصلاة والسلام مُشعرٌ بأن المنهيَّ عنه ليس محذوراً لذاته بل لإفضائه إلى فوات الإنذارِ والتذكير لا أقل من الإيذان بأن ذلك معظمُ غائلتِه ولا ريب في فساده ، وأما على التفسير الثاني فإنما يتأتى التعليلُ بالإنذار لا بتذكير المؤمنين إذ ليس فيه شائبةُ خوفٍ حتى يُجعل غايةً لانتفائه ، وقوله تعالى : { وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } في حيز النصبِ بإضمار فعلِه معطوفاً على تنذرَ أي وتذكّرَ المؤمنين تذكيراً ، أو الجرِّ عطفاً على محل أن تنذرَ أي للإنذار والتذكير ، وقيل : مرفوعٌ عطفاً على كتابٌ أو خبرٌ لمبتدإ محذوفٍ ، وتخصيصُ التذكيرِ بالمؤمنين للإيذان باختصاص الإنذارِ بالكفرة أي لتنذرَ به المشركين وتذكرَ المؤمنين ، وتقديمُ الإنذار لأنه أهمُّ بحسب المقام . (2/463)
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)
{ اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم } كلامٌ مستأنفٌ خوطب به كافةُ المكلفين بطريق التلوينِ وأُمروا باتباع ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل تبليغِه بطريق الإنذار والتذكيرِ ، وجعلُه منزلاً إليهم بواسطة إنزالِه إليه عليه الصلاة والسلام إثرَ ذلك ما يصححه من الإنذار والتذكير لتأكيد وجوبِ اتباعه ، وقولُه تعالى : { مّن رَّبّكُمْ } متعلقٌ بأُنزل على أن ( من ) لابتداء الغايةِ مجازاً أو بمحذوف وقع حالاً من الموصول أو من ضميره في الصلة ، وفي التعرُّض لوصف الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين مزيدُ لطفٍ بهم وترغيبٌ لهم في الامتثال بما أُمروا به وتأكيدٌ لوجوبه ، وجعلُ ما أنزل هاهنا عاماً للسنة القولية والفعلية بعيدٌ . نعم يعمُّهما حكمُه بطريق الدِلالةِ لا بطريق العبادةِ ولما كان اتباعُ ما أنزله الله تعالى اتباعاً له تعالى عُقّب الأمرُ بذلك بالنهي عن اتباع غيرِه تعالى فقيل : { وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ } أي من دون ربكم الذي أنزل إليكم ما يهديكم إلى الحق ، ومحلُّه النصبُ على أنه حالٌ من فاعل فعلِ النهي أي لا تتبعوا متجاوزين الله تعالى { أَوْلِيَاء } من الجن والإنسِ بأن تقبلوا منهم ما يُلْقونه إليكم بطريق الوسوسةِ والإغواءِ من الأباطيل ليضلّوكم عن الحق ويَحمِلوكم على البدع والأهواءِ الزائغةِ أو مِنْ أولياءَ قُدّم عليه لكونه نكرةً إذ لو أُخر عنه لكان صفةً له أي أولياءَ كائنةً غيرَه تعالى ، وقيل : الضميرُ للموصول على حذف المضافِ في أولياء ولا تتبعوا من دون ما أَنزل أباطيلَ أولياءَ كأنه قيل : ولا تتبعوا من دون دينِ ربِّكم دينَ أولياءَ وقرىء ولا تبتغوا كما في قوله تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا } وقولُه تعالى : { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } بحذف إحدى التاءين وتخفيفِ الذال ، وقرىء بتشديدها على إدغام التاء المهموسةِ في الذال المجهورة ، وقرىء يتذكرون على صيغة الغَيبة ، وقليلاً نُصب إما بما بعده على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ مقدَّمٍ للقصر ، أو لزمانٍ كذلك محذوفٍ و ( ما ) مزيدةٌ لتأكيد القِلة ، أي تذكرا قليلاً أو زماناً قليلاً تذكرون لا كثيراً حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون بموجبه وتتركون دينَ الله تعالى وتتبعون غيرَه ، ويجوز أن يُراد بالقلة العدمُ كما قيل في قوله تعالى : { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } والجملة اعتراضٌ تذييليٌّ مسوقٌ لتقبيح حالِ المخاطَبين ، والالتفاتُ على القراءة الأخيرةِ للإيذان باقتضاء سوءِ حالِهم في عدم الامتثالِ بالأمر والنهي على صرفِ الخطابِ عنهم وحكايةِ جناياتِهم لغيرهم بطريق المباثّة ، وإما نُصبَ على أنه حالٌ من فاعل لا تتبعوا وما مصدريةٌ مرتفعةٌ به أي لا تتبعوا من دونه أولياءَ قليلاً تذكّرُكم لكن لا على توجيه النهي إلى المقيد فقط كما في قوله تعالى : { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } بل إلى المقيد والقيدِ جميعاً ، وتخصيصُه بالذكر لمزيد تقبيحِ حالِهم بجمعهم بين المنكرين . (2/464)
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4)
{ وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها } شروعٌ في إنذارهم بما جرى على الأمم الماضيةِ بسبب إعراضِهم عن اتباع دينِ الله تعالى وإصرارِهم على اتباع دينِ أوليائِهم ، وكم خبريةٌ للتكثير في موضع رفعٍ على الابتداء كما في قولك : زيد ضربته ، والخبرُ هو الجملةُ بعدها ومن قرية تمييزٌ والضميرُ في أهلكناها راجعٌ إلى معنى كم أي كثيرٌ من القرى أهلكناها أو في موضع نصب بأهلكناها كما في قوله تعالى : { إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } والمرادُ بإهلاكها إرادةُ إهلاكِها كما في قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا } أي أردنا إهلاكَها { فَجَاءهَا } أي فجاء أهلَها { بَأْسُنَا } أي عذابُنا { بَيَاتًا } مصدر بمعنى الفاعل واقعٌ موقعَ الحال أي بائتين كقوم لوطٍ { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } عطفٌ عليه أي وقائلين من القيلولة نصفَ النهار كقوم شعيب وإنما حُذفت الواو من الحال المعطوفةِ على أختها استثقالاً لاجتماع العاطفَين فإن واو الحال حرفُ عطفٍ قد استعيرت للوصل لا اكتفاءً بالضمير كما في جاءني زيد هو فارس فإنه غيرُ فصيح ، وتخصيصُ الحالتين بالعذاب لما أن نزولَ المكروهِ عند الغفلة والدعَةِ أفظعُ وحكايتَه للسامعين أزجرُ وأردَعُ عن الاغترار بأسباب الأمن والراحةِ ، ووصفُ الكلِّ بوصفي البياتِ والقيلولة مع أن بعضَ المُهلَكين بمعزل منهما لا سيما القيلولةِ للإيذان بكمال غفلتِهم وأمنِهم . (2/465)
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8)
{ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ } أي دعاؤهم واستغاثتُهم ربَّهم أو ما كانوا يدّعونه من دينهم وينتحِلونه من مذهبهم { إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا } عذابُنا وعاينوا أَماراتَه { إِلاَّ أَن قَالُواْ } جميعاً { إِنَّا كُنَّا ظالمين } أي إلا اعترافَهم بظلمهم فيما كانوا عليه وشهادتَهم ببطلانه تحسراً عليه وندامةً وطمعاً في الخلاص ، وهيهاتَ ولاتَ حينَ نجاةٍ { فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } بيانٌ لعذابهم الأخرويِّ إثرَ بيانِ عذابِهم الدنيويِّ خلا أنه قد تعرض لبيان مبادي أحوالِ المكلفين جميعاً لكونه أدخلَ في التهويل ، والفاءُ لترتيب الأحوالِ الأخرويةِ على الدنيوية ذِكراً حسَبَ ترتبها عليها وجوداً ، أي لنسألن الأممَ قاطبةً قائلين : ماذا أجبتم المرسلين؟ { وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِين } عما أُجيبوا قال تعالى : { يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } والمرادُ بالسؤال توبيخُ الكفرة وتقريعُهم ، والذي نُفيَ بقوله تعالى : { وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون } سؤالُ الاستعلامِ أو الأولُ في موقف الحساب والثاني في موقف العقاب { فَلَنَقصَنَّ عَلَيهِم } أي على الرسل حين يقولون : لا علم لنا إنك أنت علامُ الغيوب ، أو عليهم وعلى المرسَل إليهم جميعاً ما كانوا عليه { بِعِلْمِ } أي عالمين بظواهرهم وبواطنِهم أو بعلومنا منهم { وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } عنهم في حال من الأحوال فيخفى علينا شيءٌ من أعمالهم وأحوالِهم ، والجملةُ تذييلٌ مقرِّر لما قبلها . (2/466)
{ والوزن } أي وزنُ الأعمالِ والتمييزُ بين راجحِها وخفيفِها وجيّدِها ورديئها ، ورفعُه على الابتداء ، وقولُه تعالى : { يَوْمَئِذٍ } خبرُه وقوله تعالى : { الحق } صفتُه ، أي والوزنُ الحقُّ ثابتٌ يومَ إذ يكون السؤالُ والقَصّ ، وقيل : خبرُ مبتدأ محذوفٍ كأنه قيل : ما ذلك الوزن؟ فقيل : الحقُّ أي العدلُ السويُّ ، وقرىء القسطُ واختُلف في كيفية الوزن والجمهورُ على أن صحائفَ الأعمالِ هي التي توزن بميزان له لسانٌ وكِفّتان ينظُر إليه الخلائقُ إظهاراً للمَعْدلة وقطعاً للمعذرة كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتُهم وجوارحُهم ويشهد عليهم الأنبياءُ والملائكةُ والأشهادُ وكما يُثبَتُ في صحائفهم فيقرءونها في موقف الحساب ، ويؤيده ما رُوي ( أن الرجلَ يؤتى به إلى الميزان فيُنشر له تسعةٌ وتسعون سجِلاًّ مدى البصر فيخرُج له بطاقةٌ فيها كلمتا الشهادة فتوضَع السجلاتُ في كِفة والبِطاقةُ في كفة فتطيش السجلاتُ وتثقُل البطاقةُ ) وقيل : يوزن الأشخاصُ لما روي عنه عليه الصلاة والسلام : « أنه ليأتي العظيمُ السمينُ يوم القيامة لا يزنُ عند الله جناحَ بعوضة » وقيل : الوزنُ عبارة عن القضاء السويِّ والحُكمُ العادلُ وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك واختاره كثيرٌ من المتأخرين بناءً على أن استعمالَ لفظِ الوزنِ في هذا المعنى شائعٌ في اللغة والعُرفِ بطريق الكناية قالوا : إن الميزانَ إنما يُراد به التوصلُ إلى معرفة مقاديرِ الشيءِ ، ومقاديرُ أعمالِ العباد لا يمكن إظهارُها بذلك لأنها أعراضٌ قد فَنِيَت وعلى تقدير بقائها لا تَقبل الوزن ، وقيل : إن الأعمالَ الظاهرةَ في هذه النشأةِ بصور عرضيةٍ تبرُز في النشأة الآخرة بصور جوهريةٍ مناسبةٍ لها في الحسن والقبحِ حتى إن الذنوبَ والمعاصيَ تتجسم هناك وتتصور بصورة النار ، وعلى ذلك حُمل قوله تعالى :
{ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين } وقوله تعالى : { الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } وكذا قولُه عليه الصلاة والسلام في حق مَنْ يشرب من إناء الذهب والفضةِ : « إنما يُجرجِر في بطنه نارَ جهنم » ولا بُعدَ في ذلك ، ألا يُرى أن العلم يَظهر في عالم المثالِ على صورة اللبنِ كما لا يخفى على من له خِبرةٌ بأحوال الحضَراتِ الخمس . وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورٍ حسنةٍ وبالأعمال السيئة على صور قبيحةٍ فتوضع في الميزان إن قيل : إن المكلّف يوم القيامةِ إما مؤمنٌ بأنه تعالى حكيمٌ منزَّهٌ عن الجَوْر فكيفيةُ حكمِه تعالى بكيفيات الأعمالِ وكمياتها ظاهرةٌ ، وإما منكِرٌ له فلا يسلمُ حينئذ أن رجحانَ بعضِ الأعمالِ على بعض لخصوصيات راجعةٍ إلى ذوات تلك الأعمالِ بل يُسنده إلى إظهار الله تعالى إياه على ذلك الوجه فما الفائدةُ في الوزن؟ أجيب بأنه ينكشف الحالُ يومئذ وتظهر جميعُ الأشياء بحقائقها على ما هي عليه وبأوصافها وأحوالِها في أنفسها من الحسن والقبحِ وغيرِ ذلك وتنخلع عن الصور المستعارةِ التي بها ظهرت في الدنيا فلا يبقى لأحد ممن يشاهدَها شُبهةٌ في أنها هي التي كانت في الدنيا بعينها وأن كل واحد منها قد ظهر في هذه النشأة بصورته الحقيقيةِ المستتبِعةِ لصفاته ، ولا يخطُر بباله خلافُ ذلك والله تعالى أعلم . (2/467)
{ فَمَن ثَقُلَتْ موازينه } تفصيلٌ للأحكام المترتبة على الوزن ، والموازينُ إما جمعُ ميزانٍ أو جمعُ موزونٍ على أن المرادَ به ما له وزنٌ وقدْرٌ وهو الحسنات ، فإن رجحانَ أحدِهمامستلزم لرجحان الآخَر ، أي فمَنْ رجَحت موازينُه التي توزن بها حسناتُه أو أعمالُه التي لها قدْرٌ وزنة ، وعن الحسن البصري وحُقّ لميزانٍ توضع فيه السيئاتُ أن يخِفّ { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بثقل الميزانِ ، والجمعيةُ باعتبار معناه كما أن جمعَ الموازينِ لذلك ، وأما ضميرُ موازينِه فراجعٌ إليه باعتبار لفظِه ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلو طبقتِهم وبُعد منزلتهم في الفصل والشرف { هُمُ المفلحون } الفائزون بالنجاة والثوابِ ، وهم إما ضميرُ فصلٍ يفصل بين الخبر والصفةِ ويؤكد النسبةَ ويفيد اختصاصَ المسندِ بالمسند إليه أو مبتدأٌ خبرُه المفلحون والجملةُ خبرٌ لأولئك ، وتعريفُ المفلحون للدِلالة على أنهم الناسُ الذين بلغك أنهم مُفلحون في الآخرة ، أو إشارةٌ إلى ما يعرِفه كلُّ أحد من حقيقة المفلحين وخصائصِهم .
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)
{ وَمَنْ خَفَّتْ موازينه } أي موازينُ أعمالِه أو أعمالُه التي لا وزن لها ولا اعتدادَ بها وهي أعْمالُه السيئة { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إليهم باعتبار اتصافِهم بتلك الصفة القبيحةِ ، والجمعيةُ ومعنى البُعدِ لما مر آنفاً في نظيره وهو مبتدأٌ خبرُه { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } أي ضيّعوا الفطرةَ السليمةَ التي فُطروا عليها وقد أُيّدت بالآيات البينة وقولُه تعالى : { بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ } متعلق بخسروا وما مصدريةٌ وبآياتنا متعلقٌ بيظلمون على تضمين معنى التكذيبِ قُدِّم عليه لمراعاة الفواصلِ ، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدَلالة على استمرار الظلمِ في الدنيا أي فأولئك الموصوفون بخفة الموازينِ خسروا أنفسَهم بسبب تكذيبِهم المستمر بآياتنا ظالمون . (2/468)
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)
{ وَلَقَدْ مكناكم فِى الارض } لما أمر الله سبحانه أهلَ مكةَ باتباع ما أنزل إليهم ونهاهم عن اتباع غيرِه وبيّن لهم وخامةَ عاقبتِه بالإهلاك في الدنيا والعذاب المخلّد في الآخرة ذكّرهم ما أفاض عليهم من فنون النعم الموجبةِ للشكر ترغيباً في الامتثال بالأمر والنهي إثرَ ترهيبِ أي جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً أو ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } المعايشُ جمعُ معيشةٍ وهي ما يُعاش به من المطاعم والمشاربِ وغيرِها ، أو ما يُتوصَّل به إلى ذلك والوجهُ في قراءته إخلاصُ الياء وعن ابن عامرٍ أنه همزةٌ تشبيهاً له بصحائف ومدائن ، والجعلُ بمعنى الإنشاء والإبداع ، أي أنشأنا وأبدعنا لمصالحكم ومنافعِكم فيها أسباباً تعيشون بها ، وكلُّ واحد من الظرفين متعلقٌ به أو بمحذوف وقع حالاً من مفعوله المُنكّر ، إذ لو تأخر لكان صفةً له وتقديمُهما على المفعول من أن حقهما التأخيرُ عنه لما مر غيرَ مرةٍ من الاعتناء بشأن المقدمِ والتشويقِ إلى المؤخر ، فإن النفسَ عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ لا سيما عند كونِ المقدم منبئاً عن منفعة للسامع تبقى مترقبةً لورود المؤخَّرِ فيتمكن فيها عند الورودِ فضلُ تمكّن ، وأما تقديمُ اللامِ على في فلما أنه المنبىءُ عما ذُكر من المنفعة فالاعتناءُ بشأنه أتمُّ والمسارعةُ إلى ذكره أهمّ . (2/469)
هذا وقيل : إن الجعلَ متعدَ إلى مفعولين ثانيهما أحدُ الظرفين على أنه مستقر ، قُدّم على الأول ، والظرفُ الآخَرُ إما لغوٌ متعلقٌ بالجعل أو بالمحذوف الواقع حالاً من المفعول الأولِ كما مر ، وأنت خبيرٌ بأنه لا فائدةَ معتدٌّ بها في الإخبار بجعل المعايشِ حاصلةً لهم أو حاصلةً في الأرض ، وقولُه تعالى : { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } أي تلك النعمةَ ، تذييلٌ مَسوقٌ لبيان سوءِ حالِ المخاطبين وتحذيرِهم وبقيةُ الكلامِ فيه عينُ ما مر في تفسير قوله تعالى : { مَّا تَذَكَّرُونَ }
{ وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم } تذكيرٌ لنعمة عظيمةٍ فائضةٍ على آدمَ عليه السلام ساريةٍ إلى ذريته موجبةٍ لشكرهم كافةً ، وتأخيرُه عن تذكير ما وقع قبله من نعمة التمكينِ إما لأنها فائضةٌ على المخاطَبين بالذات وهذه بالواسطة ، وإما للإيذان بأن كلا منهما نعمةٌ مستقلةٌ مستوجِبةٌ للشكر على حيالها ، فإن رعايةَ الترتيبِ الوقوعيِّ ربما تؤدِّي إلى توهّم عدِّ الكلِّ نعمةً واحدةً كما ذكر في قصة آدمَ . وتصديرُ الجملتين بالقسم وحرفِ التحقيقِ لإظهار كمالِ العناية بمضمونها ، وإنما نُسب الخلقُ والتصويرُ إلى المخاطَبين مع أن المرادَ بهما خلقُ آدم عليه السلام وتصويرُه حتماً توفيةً لمقام الامتنانِ حقَّه وتأكيداً لوجوب الشكر عليهم بالرمز إلى أن لهم حظاً من خلقه عليه السلام وتصويرِه لما أنهما ليسا من الخصائص المقصورة عليه عليه السلام كسجود الملائكةِ له عليه السلام بل من الأمور الساريةِ إلى ذريته جميعاً إذ الكلُّ مخلوقٌ في ضمن خلقِه على نمطه ومصنوعٌ على شاكلته فكأنهم الذي تعلق به خلقُه وتصويرُه ، أي خلقنا أباكم آدمَ طيناً غيرَ مُصوَّرٍ ثم صوَّرناه أبدعَ تصويرٍ وأحسنَ تقويمٍ سارَ إليكم جميعاً { ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ } صريحٌ في أنه ورد بعد خلقِه عليه الصلاة والسلام وتسويتِه ونفخِ الروحِ فيه أمرٌ مُنجَزٌ غيرُ الأمر المعلَّق الواردِ قبل ذلك بقوله تعالى :
{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين } وهو المراد بما حكي بقوله تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لاِدَمَ } الآية ، في سورة البقرة وسورةِ بني إسرئيلَ وسورةِ الكهف وسورةِ طه من غير تعرضٍ لوقته ، وكلمة ثم هاهنا تقتضي تراخِيَه عن التصوير من غير تعرضٍ لبيان ما جرى بينهما من الأمور وقد بينا في سورة البقرةِ أن ذلك ظهورُ فضلِ آدمَ عليه السلام بعد المحاورة المسبوقةِ بالإخبار باستخلافه عليه السلام حسبما نطق به عز وجل : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ فِى الارض خَلِيفَةً } إلى قوله : { وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } فإن ذلك أيضاً من جملة ما نيط به الأمرُ المعلقُ من التسوية ونفخِ الروح ، وعدمُ ذكرِه عند الحكايةِ لا يقتضي عدمَ ذكره عند وقوعِ المحكيّ كما أن عدم ذكرِ الأمرِ المنْجزِ لا يستلزمُ عدمَ مسبوقيتِه به فإن حكايةَ كلامٍ واحدٍ على أساليبَ مختلفةٍ يقتضيها المقامُ ليست بعزيزة في الكلام العزيزِ ، فلعله قد ألقى إلى الملائكة عليهم السلام أو إلى جميع ما يتوقفُ عليه الأمرُ المنجزُ إجمالاً بأن قيل مثلاً : إني خالقٌ بشراً من طين وجاعلٌ إياه خليفةً في الأرض فإذا سويتُه ونفختُ فيه من روحي وتبيَّن لكم فضلُه فقَعوا له ساجدين ، فخلقه فسواه فنفخ فيه من روحه فقالوا عند ذلك ما قالوا ، أو ألقيَ إليهم خبرُ الخلافةِ بعد تحققِ الشرائطِ المذكورةِ بأن قيل إثرَ نفخِ الروحِ : إني جاعلٌ هذا خليفةً في الأرض فهنالك ذكروا في حقه عليه السلام ما ذكروا فأيده الله تعالى بتعليم الأسماءِ فشاهدوا منه عليه السلام ما شاهدوا فعند ذلك ورد الأمرُ المنْجزُ اعتناءً بشأن المأمور به وإيذاناً بوقته ، وقد حُكيَ بعضُ الأمور المذكورة في بعض المواطنِ وبعضُها في بعضها اكتفاءً بما ذكر في كل موطنٍ عما تُرك في موطن آخرَ . (2/470)
والذي يرفع غشاوةَ الاشتباهِ عن البصائر السليمةِ أن ما في سورة ( ص ) من قوله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة } الآيات ، بدلٌ من قولِه : { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فيما قبله من قوله : { مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الاعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أي بكلامهم عند اختصامِهم ، ولا ريب في أن المرادَ بالملأ الأعلى الملائكةُ وآدمُ عليهم السلام وإبليسُ حسبما أطبق عليه جمهورُ المفسرين ، وباختصامِهم ما جرى بينهم في شأن الخلافةِ من التقاول الذي جملتُه ما صدر عنه عليه السلام من الإنباء بالأسماء ، ومن قضية البدلية وقوعُ الاختصام المذكورِ في تضاعيف ما شُرح فيه مفصّلاً من الأمر المعلّق وما علق به من الخلق والتسويةِ ونفخِ الروحِ فيه وما ترتب عليه من سجود الملائكةِ وعنادِ إبليسَ ولعنِه وإخراجِه من بين الملائكةِ وما جرى بعده من الأفعالِ والأقوالِ ، وإذ ليس تمامُ الاختصامِ بعد سجود الملائكةِ وعنادِ إبليسَ ومكابرةِ إبليسَ وطردِه من البين لما عرفت من أنه أحدُ المختصمِين كما أنه ليس قبل الخلق ضرورة فإذن هو بعد نفخِ الروحِ وقبل السجودِ بأحد الطريقين المذكورين والله تعالى أعلم .
{ فَسَجَدُواْ } أي الملائكةُ عليهم السلام بعد الأمرِ من غير تلعثم { إِلاَّ إِبْلِيسَ } استثناءٌ متصلٌ لما أنه كان جنياً مفرداً مغموراً بألوف من الملائكة متصاً بصفاتهم فغُلّبوا عليه في ( فسجدوا ) ثم استُثنِيَ استثناءَ واحدٍ منهم ، أو لأن من الملائكة جنساً يتوالدون يقال لهم : الجنُّ كما مر في سورة البقرة فقوله تعالى : { لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين } أي ممن سجد لآدمَ كلامٌ مستأنفٌ مُبينٌ لكيفية عدمِ السجود المفهومِ من الاستثناء فإن عدمَ السجودِ قد يكون للتأمل ثم يقع السجودُ ، وبه عُلم أنه لم يقعْ قطُّ . (2/471)
وقيل : منقطعٌ فحينئذ يكون متصلاً بما بعده أي لكنْ إبليسِ لم يكن من الساجدين .
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)
{ قَالَ } استئنافٌ مَسوقٌ للجواب عن سؤال نشأ من حكاية عدمِ سجود ، كأنه قيل : فماذا قال الله تعالى حينئذ؟ وبه يظهر وجهُ الالتفاتِ إلى الغَيبة إذ لا وجهَ لتقدير السؤال على وجه المخاطبة ، وفيه فائدةٌ أخرى هي الإشعارُ بعدم تعلقِ المحكيِّ بالمخاطَبين كما في حكاية الخلْقِ والتصوير { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } أي أن تسجُد كما وقع في سورة ص ، و ( لا مزيدةٌ مؤكدةٌ لمعنى الفعل الذي دخلت عليه كما في قوله تعالى : { لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب } منبّهةٌ على أن الموبَّخَ عليه تركُ السجود ، وقيل : الممنوعُ عن الشيء مصروفٌ إلى خلافه فالمعنى ما صرفك إلى أن تسجد { إِذْ أَمَرْتُكَ } قيل : فيه دِلالةٌ على أن مُطلقَ الأمرِ للوجوب والفور ، وفي سورة الحِجْر : { قَالَ يإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين } وفي سورة ص : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } واختلافُ العبارات عند الحكايةِ يدل على أن اللعينَ قد أدمج في معصية واحدةٍ ثلاثَ معاصٍ مخالفةَ الأمرِ ومفارقةَ الجماعةِ والإباءِ عن الانتظام في سلك أولئك المقرّبين والاستكبارَ مع تحقير آدمَ عليه السلام ، وقد وُبِّخ حينئذ على كل واحدة منها ، لكن اقتُصر عند الحكاية في كل موطنٍ على ما ذكر فيه اكتفاءً بما ذكر في موطن آخرَ وإشعاراً بأن كلَّ واحدةٍ منها كافيةٌ في التوبيخ وإظهارِ بطلانِ ما ارتكبه ، وقد تُركت حكايةُ التوبيخِ رأساً في سورة البقرة وسورة بني إسرائيلَ وسورة الكهفِ وسورة طه . (2/472)
{ قَالَ } استئنافٌ كما سبق مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية التوبيخِ كأنه قيل : فماذا قال اللعينُ عند ذلك؟ فقيل : قال : { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } متجانفاً عن تطبيق جوابِه على السؤال بأن يقول : منعني كذا مدّعياً لنفسه بطريق الاستئنافِ شيئاً بيِّنَ الاستلزامِ لمنعه من السجود على زعمه ، ومشعِراً بأن مَنْ شأنُه هذا لا يحسُن أن يسجُدَ لمن دونه فكيف يحسُن أن يؤمرَ به؟ كما ينبىء عنه ما في سورة الحجر من قوله : { لَمْ أَكُن لاِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } فهو أولُ من أسس بنيانَ التكبر ، واخترع القولَ بالحُسن والقُبح العقليَّين ، وقولُه تعالى : { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تعليلٌ لما ادعاه من فضله ، ولقد أخطأ اللعينُ حيث خَصّ الفضلَ بما من جهة المادةِ والعنصُر ، وزل عنه ما من جهة الفاعل ، كما أنبأ عنه قوله تعالى : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } أي بغير واسطةٍ على وجه الاعتناءِ به وما من جهة الصورة كما نُبّه عليه بقوله تعالى : { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } وما من جهة الغايةِ وهو ملاكُ الأمرِ ولذلك أُمر الملائكةُ بسجوده عليه السلام حين ظهر لهم أنه أعلمُ منهم بما يدور عليه أمرُ الخلافةِ في الأرض وأن له خواصَّ ليست لغيره ، وفي الآية دليلٌ على الكون والفساد وأن الشياطينَ أجسامٌ كائنةٌ ، ولعل إضافةَ خلق البشرِ إلى الطين ، والشياطينِ إلى النار باعتبار الجُزءِ الغالب .