صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)
{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم } منصوب على المفعولية بمضمرٍ خُوطب به النبي عليه الصلاة والسلام معطوفٌ على { قُلْ أَنَدْعُواْ } لا على أقيموا كما قيل لفساد المعنى أي واذكر لهم بعد ما أنكرتَ عليهم عبادةَ ما لا يقدِرُ على نفعٍ وضُرَ وحققتَ أن الهدى هو هدى الله وما يتبعُه من شؤونه تعالى وقتَ قولِ إبراهيمَ الذي يدّعون أنهم على مِلّته موبّخاً { لاِبِيهِ ءازَرَ } على عبادة الأصنام فإن ذلك مما يبكِّتُهم وينادي بفساد طريقتِهم ، وتوجيهُ الأمرِ بالذكر إلى الوقت دون ما وقعَ فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ لما مر مراراً من المبالغة في إيجاب ذكرِها ، وآزرُ بزنةِ آدم وعابَر وعازَر وفالَغ وكذلك تارَحُ ، ذكره محمدُ بنُ إسحاقَ والضحاكُ والكلبيُّ وكان من قريةٍ من سَواد الكوفة ، ومُنعَ صَرْفُه للعُجمة والعَلَمية ، وقيل : اسمُه بالسريانية تارَحُ وآزَرُ لقبُه المشهورُ وقيل : اسمُ صنمٍ لُقِّب هو به للزومه عبادتَه ، فهو عطفُ بيانٍ ( لأبيه ) أو بدلٌ منه وقال الضحاك : معناه الشيخ الهرم ، وقال الزجاج : المُخطىء وقال الفراءُ وسليمانُ التيمي : المعوَجُّ فهو نعتٌ له كما إذا جُعل مشتقاً من الأزْرِ أو الوِزر أو أريد به عابدُ آزرَ على حذف المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه وقرىء آزرُ على النداء وهو دليلُ العَلَمية إذ لا يُحذف حرفُ النداء إلا من الأعلام ، { أَتَتَّخِذُ } متعدَ إلى مفعولين هما { أَصْنَاماً آلِهَة } أي أتجعلُها لنفسك آلهةً على توجيه الإنكار إلى اتخاذ الجنس من غير اعتبار الجمعية ، وإنما إيرادُ صيغةِ الجمع باعتبار الوقوعِ ، وقرىء أاَزْراً بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاءٍ ساكنةٍ وراءٍ منونةٍ منصوبةٍ وهو اسمُ صنم ، ومعناه أتعبدُ إِءَزْراً ثم قيل : أتتخِذُ أصناماً آلهة؟ تثبيتاً لذلك وتقريراً ، وهو داخل تحت الإنكار لكونه بيناً له ، وقيل : الأزرُ القوة ، والمعنى ألاِءَجْلِ القوة والمظاهَرَةِ تتخذ أصناماً آلهة؟ إنكاراً لتعزُّزِه بها على طريقة قوله تعالى : { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة } { إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ } الذين يتبعونك في عبادتها { فِى ضلال } عن الحق { مُّبِينٌ } أي بيِّنٌ كونُه ضلالاً لا اشتباهَ فيه أصلاً ، والرؤيةُ إما علميةٌ فالظرفُ مفعولُها الثاني وإما بصَرية فهو حالٌ من المفعول والجملة تعليلٌ للإنكار والتوبيخ . (2/386)
{ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم } هذه الإراءةُ من الرؤية البصَريةِ المستعارةِ للمعرفة ونظرِ البصيرة ، أي عرّفناه وبصَّرناه ، وصيغةُ الاستقبال حكايةٌ للحال الماضيةِ لاستحضار صورتِها ، وذلك إشارةٌ إلى مصدرِ ( نُري ) لا إلى إراءةٍ أخرى مفهومةٍ من قوله : ( إني أراك ) وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلوِّ درجة المشارِ إليه وبُعدِ منزلتِه في الفضل وكمال تمييزِه بذلك وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهَدة ، والكافُ لتأكيدِ ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة ، ومحلُها في الأصل النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوف وأصل التقدير نُري إبراهيم إراءةً كائنة مثلَ تلك الإراءة فقُدّم على الفعل لإفادة القصر ، واعتبرت الكافُ مقحمةً للنكتة المذكورة فصار المشارُ إليه نفسَ المؤكد لا نعتاً له أي ذلك التبصيرَ البديعَ نبصِّره عليه السلام { مَلَكُوتَ السموات والارض } أي ربوبيته تعالى ومالكيته لهما وسلطانَه القاهرَ عليهما وكونَهما بما فيهما مربوباً ومملوكاً له تعالى لا تبصيراً آخَرَ أدنى منه ، والملكوتُ مصدرٌ على زنة المبالغة كالرَهَبوت والجَبَروت ، ومعناه الملكُ العظيمُ والساطان القاهرُ ، ثم هل هو مختصٌّ بمُلك الله عزَّ سلطانه أو لا فقد قيل ، وقيل : والأول هو الأظهر ، وبه قال الراغب ، وقيل : ملكوتهما عجائبُهما وبدائعهما ، روي أنه كُشف له عليه السلام عن السموات والأرض حتى العرشُ وأسفلُ الأرضين ، وقيل : آياتُهما .
وقيل : ملكوتُ السموات : الشمسُ والقمرُ والنجومُ ، وملكوتُ الأرض الجبالُ والأشجار والبحارُ . وهذه الأقوالُ لا تقتضي أن تكون الإراءَةُ بصَريةً إذ ليس المرادُ بإراءةِ ما ذُكر من الأمور الحسية مجردَ تمكينِه عليه السلام من إبصارها ومشاهدتها في أنفسها بل اطلاعَه على حقائقها وتعريفَها من حيثُ دلالتُها على شؤونه عز وجل ، ولا ريبَ في أن ذلك ليس مما يُدرَك حِسّياً كما يُنبىء عنه اسمُ الإشارة المُفصِحُ عن كون المشار إليه أمراً بديعاً ، فإن الإراءة البصَرية المعتادةَ بمعزلٍ من تلك المثابة ، وقرىء ( تُري ) بالتاء وإسنادُ الفعل إلى الملكوت أي تُبصِره عليه السلام دلائل الربوبية واللام في قوله تعالى : { وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } متعلقةٌ بمحذوفٍ مؤخر ، والجملةُ اعتراضٌ مقرِّر لما قبلها أي وليكون من زُمرة الراسخين في الإيقان البالغين درجةَ عينِ اليقين من معرفة الله تعالى ، فعلنا ما فعلنا من التبصير البديعِ المذكورِ لا لأمرٍ آخرَ فإن الوصولَ إلى تلك الغاية القاصيةِ كمالٌ مترتبٌ على ذلك التبصير لا عينُه وليس القصرُ لبيان انحصار فائدتِه في ذلك ، كيف لا وإرشادُ الخلق وإلزامُ المشركين كما سيأتي من فوائده بلا مرْية بل لبيان أنه الأصلُ الأصيلُ والباقي من مستَتْبِعاته . وقيل : هي متعلقة بالفعل السابق والجملةُ معطوفة على علةٍ أخرى محذوفةٍ ينسحبُ عليها الكلامُ أي ليستدِلَّ بها وليكونَ الخ ، فينبغي أن يُرادَ بملكوتهما بدائعُهما وآياتُهما لأن الاستدلالَ من غاياتِ إراءَتِها لا من غايات إراءةِ نفسِ الربوبية . (2/387)
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76)
وقوله تعالى : { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل } على الأول وهو الحق المبين عطفٌ على ( قال إبراهيم ) داخلٌ تحت ما أُمر بذكره بالأمرِ بذكرِ وقتِه ، وما بينهما اعتراضٌ مقرِّرٌ لما سبق وما لحِق ، فإن تعريفَه عليه السلام ربوبيتَه ومالكيتَه للسمواتِ والأرض وما فيهما وكونَ الكلِّ مقهوراً تحت ملكوتِه مفتقِراً إليه في الوجود وسائرَ ما يترتبُ عليه من الكمالات ، وكونَه من الراسخين في معرفة شؤونه تعالى ، الواصلين إلى ذُروة عينِ اليقين مما يقضي بأن يَحكُم عليه السلام باستحالة إلهية ما سواه سبحانه من الأصنام والكواكب ، وعلى الثاني هو تفصيلٌ لما ذُكر من إراءةِ ملكوتِ السموات والأرض ، وبيانٌ لكيفية استدلالِه عليه السلام ، ووصولِه إلى رتبة الإيقان ، ومعنى ( جَنّ عليه الليلُ ) ستره بظلامه ، وقوله تعالى : { رَأَى كَوْكَباً } جوابُ لمّا ، فإن رؤيتَه إنما تتحقق بزوال نورِ الشمس عن الحسّ ، وهذا صريحٌ في أنه لم يكن في ابتداءِ الطلوع بل كان غَيبتُه عن الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس ، والتحقيقُ أنه كان قريباً من الغروب كما ستعرفه ، قيل : كان ذلك الكوكبُ هو الزُّهُرَة ، وقيل : هو المشتري . (2/388)
وقوله تعالى : { قَالَ هذا رَبّى } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من ( الجملة ) الشرطيةِ السابقةِ المتفرعة على بيان إراءتِه عليه السلام ملكوتَ السمواتِ والأرض فإن ذلك مما يحمِلُ السامعَ على استكشاف ما ظهرَ منه عليه السلام من آثار تلك الإراءةِ وأحكامِها ، كأنه قيل : فماذا صنعَ عليه السلام حين رأى الكوكب؟ فقيل : قال على سبيل الوضْع والفرضِ : هذا ربي مجاراةً مع أبيه وقومِه الذين كانوا يعبُدون الأصنامَ والكواكب ، فإن المستدِلَّ على فساد قولٍ يحكيه على رأي خصمِه ، ثم يَكُرُّ عليه بالإبطال ، ولعل سلوكَ هذه الطريقة في بيان استحالةِ ربوبيةِ الكواكب دون بيانِ استحالةِ إلهية الأصنام لما أن هذا أخفى بُطلاناً واستحالةً من الأول ، فلو صدَعَ بالحق من أول الأمرِ كما فعله في حقّ عبادةِ الأصنام لتمادَوْا في المكابرة والعِناد ، ولجُّوا في طُغيانهم يعمَهون . وقيل : قاله عليه السلام على وجه النظر والاستدلال ، وكان ذلك في زمان مراهقتِه وأولِ أوانِ بلوغه ، وهو مبنيٌّ على تفسير الملكوتِ بآياتهما ، وعَطْفِ قوله تعالى : { لِيَكُونَ } على ما ذُكر من العلة المقدرة ، وجَعْلِ قوله تعالى : { فَلَمَّا جَنَّ } الخ ، تفصيلاً لما ذُكر من الإراءة وبياناً لكيفية الاستدلال ، وأنت خبير بأن كلَّ ذلك مما يُخِلُّ بجزالة النظمِ الجليل ، وجلالةِ منصِبِ الخليلِ عليه الصلاة والسلام .
{ فَلَمَّا أَفَلَ } أي غرٍب { قَالَ لا أُحِبُّ الافلين } أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان ، المتغيرين من حال إلى حال ، المحتجبين بالأستار ، فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبيةِ قطعاً .
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)
{ فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغاً } أي مبتدئاً في الطلوعِ إثرَ غروبِ الكوكب { قَالَ هذا رَبّى } على الأسلوب السابق { فَلَمَّا أَفَلَ } كما أفل النجم { قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى } إلى جَنابه الذي هو الحقُّ الذي لا محيدَ عنه { لاَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } فإن شيئاً مما رأيته لا يليق بالربوبية ، وهذا مبالغةٌ منه عليه السلام في إظهار النَّصَفة ، ولعله عليه السلام كان إذ ذاك في موضعٍ كان في جانبه الغربيِّ جبلٌ شامخ يستتر به الكوكب والقمر وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل ، وكان الكوكب قريباً منه وأُفقُه الشرقيُّ مكشوفٌ أولاً وإلا فطلوعُ القمر بعد أفولِ الكوكب ثم أفولُه قبل طلوع الشمس كما ينبىء عنه قوله تعالى : { فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً } أي مبتدئةً في الطلوع مما لا يكاد يُتصور { قَالَ } أي على النهج السابق { هذا رَبّى } وإنما لم يؤنِّثْ لما أن المشارَ إليه والمحكومَ عليه بالربوبية هو الجِرمُ المشاهَدُ من حيث هو لا من حيث هو مسمّىً باسمٍ من الأسامي فضلاً عن حيثيةِ تسميتِه بالشمس ، أو لتذكير الخبر وصيانةِ الربِّ عن وَصْمة التأنيث ، وقوله تعالى : { هذا أَكْبَرُ } تأكيدٌ لما رامه عليه السلام من إظهار النَّصَفة مع إشارةٍ خفيةٍ إلى فساد دينهم من جهة أخرى ، ببيان أن الأكبرَ أحقُّ بالربوبية من الأصغر { فَلَمَّا أَفَلَتْ } هي أيضاً كما أفل الكوكبُ والقمرُ { قَالَ } مخاطباً للكلِّ صادِعاً بالحق بين أظهُرِهم { قَالَ ياقوم إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } أي من الذي تشركونه من الأجرام المُحْدَثةِ المتغيرةِ من حالة إلى أخرى المسخَّرة لمحدِثها ، أو من إشراككم ، وترتيبُ هذا الحكمِ ونظيرَيْه على الأفول دون البزوغِ والظهور من ضروريات سَوْق الاحتجاجِ على هذا المَساق الحكيم ، فإن كلاًّ منهما وإن كان في نفسه انتقالاً منافياً لاستحقاق معروضِه للربوبية قطعاً ، لكن لما كان الأولُ حالةً موجبةً لظهور الآثارِ والأحكامِ ملائمةً لتوهُّم الاستحقاقِ في الجملة رُتِّب عليها الحكمُ الأول على الطريقة المذكورة ، وحيث كان الثاني حالة مقتضِيةً لانطماس الآثار وبطلان الأحكام المنافية للاستحقاق المذكور منافاةً بيّنةً يكاد يعترف بها كلُّ مكابرٍ عنيدٍ رُتّب عليها ما رتب ، ثم لما تبرأ عليه السلام منهم توجَّه إلى مبدعِ هذي المصنوعات ومُنشئها . (2/389)
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)
فقال : (2/390)
{ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات } التي هذه الأجرامُ التي تعبدونها من أجزائها { والارض } التي تغيب هي فيها { حَنِيفاً } أي مائلاً عن الأديان الباطلة والعقائدِ الزائغة كلِّها { وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين } في شيء من الأفعال والأقوال { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } أي شرَعوا في مغالبته في أمر التوحيد .
{ قَالَ } استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من حكاية مُحاجَّتهم ، كأنه قيل : فماذا قال عليه السلام حين حاجّوه؟ فقيل : قال منكِراً لما اجترأوا عليه من مُحاجَّته مع قصورهم عن تلك الرُتبة وعِزّةِ المطلب وقوةِ الخصم { أَتُحَاجُّونّى فِى الله } بإدغام نونِ الجمعِ في نون الوقاية ، وقرىء بحذف الأولى وقوله تعالى : { وَقَدْ هَدَانِ } حال من ضمير المتكلم مؤكِّدة للإنكار ، فإن كونه عليه السلام مَهدِياً من جهة الله تعالى ومؤيَّداً من عنده مما يوجب استحالةَ مُحاجَّتِه عليه السلام أي أتجادلونني في شأنه تعالى ووحدانيّتِه والحال أنه تعالى هداني إلى الحق بعد ما سلكت طريقتَكم بالفرض والتقدير وتبيَّن بُطلانُها تبيناً تاماً كما شاهدتموه ، وقوله تعالى : { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } جوابٌ عما خوّفوه عليه السلام في أثناء المُحاجّة من إصابة مكروهٍ من جهة أصنامِهم كما قال لهودٍ عليه السلام قومُه : { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } ولعلهم فعلوا ذلك حين فعل عليه السلامُ بآلهتهم ما فعل ، و ( ما ) موصولةٌ اسميةٌ حُذف عائدُها ، وقوله تعالى : { إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأوقات ، أي لا أخاف ما تشركونه به سبحانه من معبوداتكم في وقتٍ من الأوقات إلا في وقتِ مشيئتِه تعالى شيئاً من إصابة مكروهٍ بي من جهتها ، وذلك إنما هو من جهته تعالى من غير دَخْلٍ لآلهتكم فيه أصلاً ، وفي التعرُّض لعُنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرِه عليه السلام إظهارٌ منه لانقيادِه لحُكمه سبحانه وتعالى ، واستسلامِه لأمره واعترافِه بكَوْنه تحتَ ملَكوتِه ورُبوبيتِه . وقوله تعالى : { وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْماً } كأنه تعليلٌ للاستثناء ، أي أحاط بكل شيءٍ علماً فلا يبعُد أن يكونَ في علمه تعالى أن يَحيقَ بي مكروهٌ مِنْ قِبَلها بسببٍ من الأسباب ، وفي الإظهار في موضع الإضمارِ تأكيدٌ للمعنى المذكور ، واستلذاذٌ بذكره تعالى { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } أي أتُعرضون عن التأمل في أن آلهتَكم جماداتٌ غيرُ قادرةٍ على شيء ما مِنْ نفع ولا ضرر؟ فلا تتذكرون أنها غيرُ قادرة على إضراري ، وفي إيراد التذكّرِ دون التفكر ونظائرِهِ إشارةٌ إلى أن أمرَ أصنامِهم مركوزٌ في العقول لا يتوقفُ إلا على التذكر .
وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)
وقوله تعالى : { وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } استئنافٌ مَسوقٌ لنفي الخوفِ عنه عليه السلام بحسَب زعمِ الكفَرةِ بالطريق الإلزاميِّ كما سيأتي بعد نفيه عنه بحسب الواقع ونفسِ الأمر ، والاستفهامُ لإنكار الوقوعِ ونفيِه بالكلية ، كما في قوله تعالى : { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله } الآية ، لا لإنكار الواقعِ واستبعادِه مع وقوعه ، كما في قوله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } الخ ، وفي توجيه الإنكارِ إلى كيفية الخوفِ من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقالَ أأخافُ لِما أن كلَّ موجود يجب أن يكونَ وجودُه على حال من الأحوال وكيفيةٍ من الكيفيات قطعاً ، فإذا انتفى جميعُ أحواله وكيفياتِه فقد انتفى وجودُه من جميع الجهات بالطريق البرهاني ، وقوله تعالى : { وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله } حال من ضمير ( أخاف ) بتقدير مبتدأ والواوُ كافيةٌ في الربط من غير حاجة إلى الضمير العائد إلى ذي الحال ، وهو مقرِّرٌ لإنكار الخوفِ ونفيِه عنه عليه السلام ومُفيدٌ لاعترافهم بذلك ، فإنهم حيث لم يخافوا في محلِّ الخوف فلأَنْ لا يَخافُ عليه السلام في محل الأمنِ أولى وأحرى ، أي كيف أخافُ أنا ما ليس في حيز الخوفِ أصلاً وأنتم لا تخافون غائلةَ ما هو أعظمُ المخلوقات وأهولُها ، وهو إشراكُكم بالله الذي ليس كمثله شيءٌ في الأرض ولا في السماء ما هو من جملة مخلوقاته ، وإنما عبّر عنه بقوله تعالى : { مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ } أي بإشراكه { عَلَيْكُمْ سلطانا } على طريقة التهكّم مع الإيذان بأن الأمورَ الدينية لا يُعوَّل فيها إلا على الحُجة المنزلةِ من عند الله تعالى ، وفي تعليق الخوفِ الثاني بإشراكهم من المبالغةِ ومراعاةِ حسنِ الأدب ما لا يخفى . (2/391)
هذا ، وأما ما قيل من أن قوله تعالى : { وَلاَ تَخَافُونَ } الخ ، معطوفٌ على أخاف داخل معه في حكم الإنكار والتعجيب فمما لا سبيلَ إليه أصلاً ، لإفضائه إلى فساد المعنى قطعاً ، كيف لا وقد عرَّفتُك أن الإنكارَ بمعنى النفي بالكلية فيؤول المعنى إلى نفي الخوفِ عنه عليه الصلاة والسلام ، ونفي نفيه عنهم ، وأنه بيِّنُ الفساد ، وحملُ الإنكارِ في الأول على معنى نفي الوقوعِ وفي الثاني على استبعاد الواقع مما لا مَساغَ له ، على أن قوله تعالى : { فَأَىُّ الفريقين أَحَقُّ بالامن } ناطقٌ ببُطلانه حتماً ، فإنه كلام مرتَّبٌ على إنكار خوفِه عليه الصلاة والسلام في محل الخوف ، مَسوقٌ لإلجائهم إلى الاعتراف باستحقاقه عليه الصلاة والسلام لما هو عليه من الأمن ، وبعدم استحقاقِهم لما هم عليه ، وإنما جيءَ بصيغة التفضيلِ المُشعِرَةِ باستحقاقهم له في الجملة لْاستنزالهم عن رُتبة المكابرةِ والاعتسافِ بسَوْق الكلام على سَنن الإنصاف ، والمرادُ بالفريقين الفريقُ الآمنُ في محل الأمن والفريقُ الآمنُ في محلِّ الخوف ، فإيثارُ ما عليه النظمُ الكريم على أن يُقال فأيُّنا أحقُّ بالأمن أنا أم أنتم؟ لتأكيد الإلجاءِ إلى الجواب الحقِّ بالتنبيه على علّة الحُكم ، والتفادي عن التصريح بتخطئتهم لا لمجردِ الاحترازِ عن تزكية النفس { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } المفعولُ إما محذوفٌ تعويلاً على ظهوره بمعونه المقام ، أي إن كنتم تعلمون من أحقُّ بذلك ، أو قصداً إلى التعميم أي إن كنتم تعلمون شيئاً ، وإما متروكٌ بالمرة ، أي إن كنتم مِنْ أوُلي العلم ، وجوابُ الشرط محذوفٌ أي فأخبروني .
الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)
{ الذين آمَنُواْ } استئنافٌ من جهته تعالى مبينٌ للجواب الحقِّ الذي لا محيدَ عنه أي الفريقُ الذين آمنوا { وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم } ذلك أي لم يخلِطوه { بِظُلْمٍ } أي بشركٍ كما يفعلُه الفريقُ المشركون حيث يزعُمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل وأن عبادتَهم للأصنام من تتماتِ إيمانهم وأحكامِه لكونها لأجْل التقريبِ والشفاعة كما قالوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } وهذا معنى الخلْطِ { أولئك } إشارةٌ إلى الموصول من حيث اتصافُه بما في حيز الصلة ، وفي الإشارة إليه بعدَ وصْفِه بما ذُكر إيذانٌ بأنهم تميَّزوا بذلك عن غيرهم ، وانتظموا في سلك الأمورِ المشاهَدة ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعُلوِّ درجتِهم وبُعدِ منزلتهم في الشرف ، وهو مبتدأ ثانٍ ، وقولُه تعالى : { لَهُمُ الامن } جملة من خبرٍ مقدمٍ ومبتدأ مؤخَّرٍ وقعت خبراً لأولئك ، وهو مع خبره خبرٌ للمبتدأ الأول الذي هو الموصول ، ويجوز أن يكونَ ( أولئك ) بدلاً من الموصول أو عطفَ بيانٍ له ، ولهم خبراً للموصول ، والأمنُ فاعلاً للظرف لاعتماده على المبتدأ ، ويجوز أن يكون لهم خبراً مقدماً ، والأمنُ مبتدأً والجملةُ خبراً للموصول ، ويجوز أن يكون أولئك مبتدأً ثانياً ( لهم ) خبره والأمن فاعلاً له ، والجملة خبراً للموصول ، أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من الإيمان الخالصِ عن شَوْب الشرك لهم الأمنُ فقط { وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } إلى الحق ، ومَنْ عداهم في ضلال مبين . روي أنه لما نزلت الآيةُ شقَّ ذلك على الصحابة رضوانُ الله عليهم وقالوا : أينا لم يظْلِمْ نفسه؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « ليس ما تظنون ، إنما هو ما قال لقمانُ لابنه : يا بني لا تُشرِكْ بالله إن الشرْكَ لظُلم عظيم » وليس الإيمانُ به أن يُصَدِّقَ بوجود الصانعِ الحكيم ويخلِطَ بهذا التصديق الإشراكَ به ، وليس من قضية الخلطِ بقاءُ الأصلِ بعد الخلطِ حقيقةً ، وقيل : المرادُ بالظلم المعصيةُ التي تُفسِّق صاحبَها ، والظاهرُ هو الأولُ لوروده موردَ الجواب عن حال الفريقين . (2/392)
{ وَتِلْكَ } إشارةٌ إلى ما احتج به إبراهيمُ عليه السلام من قوله تعالى : { فَلَمَّا جَنَّ } وقيل : من قوله : { أَتُحَاجُّونّى } إلى قوله : { مُّهْتَدُونَ } وما في اسمِ الإشارةِ من معنى البُعد لتفخيم شأن المُشار إليه والإشعارِ بعلو طبقته وسموِّ منزلتِه في الفضل ، وهو مبتدأ ، وقوله تعالى : { حُجَّتُنَا } خبرُه ، وفي إضافتها إلى نون العظمة من التفخيم ما لا يخفى ، وقوله تعالى : { آتَيْنَاهَا إبراهيم } أي أرشدناه إليها أو علّمناه إياها في محل النصب على أنه حال من ( حجتُنا ) ، والعاملُ فيها معنى الإشارة كما في قوله تعالى : { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ } أو في محل الرفع على خبر ثان ، أو هو الخبر و ( حجتُنا ) بدل أو ( عطفُ ) بيانٍ للمبتدأ ، و ( إبراهيمَ ) مفعولٌ أولٌ لآتينا قُدِّم عليه الثاني لكونه ضميراً ، وقوله تعالى : { على قَوْمِهِ } متعلِّقٌ بحجتُنا إن جُعل خبراً ( لتلك ) ، أو بمحذوفٍ إن جُعل بدلاً ، أي آتينا إبراهيمَ حجةً على قومه ، وقيل : بقوله : آتينا { نَرْفَعُ } بنون العظمةِ ، وقرىء بالياء على طريقة الالتفات وكذا الفعل الآتي { درجات } أي رتباً عظيمةً عالية من العلم ، وانتصابُها على المصدرية أو الظرفية أو على نزع الخافض ، أي إلى درجات أو على التمييز ، والمفعولُ قولُه تعالى : { مَّن نَّشَاء } وتأخيرُه على الوجوه الثلاثة الأخيرةِ لما مر من الاعتناء بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤخَّر ، ومفعولُ المشيئة محذوفٌ ، أي من نشاء رفعَه حسْبما تقتضيه الحِكمةُ وتستدعيه المصلحةُ ، وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ للدلالة على أن ذلك سُنةٌ مستمرَّة جاريةٌ فيما بين المُصطَفَيْنَ الأخيارِ غيرُ مختصةٍ بإبراهيمَ عليه السلام ، وقرىء بالإضافة إلى ( من ) ، والجملةُ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما قبلها لا محل لها من الإعراب ، وقيل : هي في محل النصب على أنها حالٌ من فاعل ( آتينا ) أي حال كوننا رافعين الخ .
{ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } في كل ما فعل من رفْعٍ وخفضٍ { عَلِيمٌ } بحال من يرفعُه واستعدادِه له على مراتبَ متفاوتة ، والجملةُ تعليلٌ لما قبلها ، وفي وضع الرب مضافاً إلى ضميره عليه السلام موضِعَ نونِ العظمةِ بطريق الالتفاتِ في تضاعيف بيانِ أحوالِ إبراهيمَ عليه السلام إظهارٌ لمزيد لُطفٍ وعنايةٍ به عليه السلام . (2/393)
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)
{ وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ } عطفٌ على قوله ( تعالى ) : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا } الخ ، فإن عطفَ كلَ من الجملة الفعلية والاسميةِ على الأخرى مما لا نزاعَ في جوازه ولا مَساغ لعطفه على ( آتيناها ) ، لأن له محلاً من الإعراب نصْباً ورفعاً حسبما بُيِّن من قبلُ ، فلو عُطف هذا عليه لكان في حُكمه من الحالية والخبرية المستدعيتين للرابط ولا سبيلَ إليه هاهنا { كَلاَّ } مفعولٌ لِمَا بعده ، وتقديمُه عليه للقصر ، لكن لا بالنسبة إلى غيرهما مطلقاً ، بل بالنسبة إلى أحدهما أي كلُّ واحدٍ منهما { هَدَيْنَا } لا أحدَهما دون الآخَر ، وتركُ ذكر المهدى إليه لظهور أنه الذي أوتيَ إبراهيمُ وأنهما مقتدِيان به { وَنُوحاً } منصوبٌ بمضمر يفسِّره { هَدَيْنَا مِن قَبْلُ } أي من قبلِ إبراهيمَ عليه السلام ، عَدَّ هُداه نعمةً على إبراهيمَ عليه السلام لأن شرفَ الوالدِ سارٍ إلى الولد { وَمِن ذُرّيَّتِهِ } الضمير لإبراهيمَ ، لأن مَساقَ النظمِ الكريم لبيانِ شؤونه العظيمةِ من إيتاءِ الحجةِ ورفعِ الدرجاتِ وهبةِ الأولادِ الأنبياءِ وإبقاءِ هذه الكرامةِ في نسله إلى يوم القيامة ، كلُّ ذلك لإلزام مَنْ ينتمي إلى ملتِه عليه السلامُ من المشركين واليهود ، وقيل : لنوحٍ ، لأنه أقربُ ، ولأن يونُسَ ولوطاً ليسا من ذرِّية إبراهيمَ ، فلو كان الضميرُ له لاختصَّ بالمعدودين في هذه الآية والتي بعدها ، وأما المذكورون في الآية الثالثةِ فعطفٌ على ( نوحاً ) وروي عن ابن عباس أن هؤلاءِ الأنبياءَ كلَّهم مُضافون إلى ذرِّية إبراهيمَ وإن كان منهم من لم يلْحَقه بولادةٍ من قِبَلِ أمَ ولا أب ، لأن لوطاً ابنُ أخي إبراهيم ، والعربُ تجعل العمَّ أباً ، كما أخبر الله تعالى عن أبناءِ يعقوبَ أنهم قالوا : { نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } مع أن إسماعيل عمُّ يعقوب . (2/394)
{ دَاوُودَ وسليمان } منصوبان بمُضمرٍ مفهومٍ مما سبق وكذا ما عُطف عليهما ، وبه يتعلق ( من ذريته ) وتقديمه على المفعول الصريح للاهتمام بشأنه مع ما في المفاعيلِ من نَوْع طولٍ ربما يُخلُّ تأخيرُه بتجاوب النظم الكريم ، أي وهدينا من ذريته داودَ وسليمان { وَأَيُّوبَ } هو ابنُ أموصَ من أسباطِ عيصِ بنِ إسحاقَ { وَيُوسُفَ وموسى وهارون } أو بمحذوفٍ وقع حالاً من المذكورين أي وهديناهم حال كونهم من ذريته { وكذلك } إشارةٌ إلى ما يُفهم من النظم الكريم من جزاءِ إبراهيمَ عليه السلام ، ومحلُّ الكاف النصبُ على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ ، وأصلُ التقدير { نَجْزِى المحسنين } جزاءً مثلَ ذلك الجزاءِ ، والتقديمُ للقصر ، وقد مر تحقيقُه مراراً ، والمرادُ بالمحسنين الجنسُ ، وبمماثلة جزائِهم لجزائه عليه السلام مطلقُ المشابهةِ في مقابلةِ الإحسانِ بالإحسان والمكافأةِ بين الأعمال والأجْزِية من غير بخسٍ لا المماثلةُ من كل وجه ، ضرورةَ أن الجزاءَ بكثرةِ الأولاد الأنبياءِ مما اختص به إبراهيمُ عليه السلام ، والأقربُ أن لامَ المحسنين للعهد ، وذلك إشارةٌ إلى مصدر الفعل الذي بعده ، وهو عبارةٌ عما أوتيَ المذكورون من فنُون الكرامات ، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو طبقتِه ، والكافُ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة ، ومحلُّها في الأصل النصبُ على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ وأصل التقدير ونجزي المحسنين المذكورين جزاء كائناً مثل ذلك الجزاء فقدم الفعل لإفادة القصر واعتبرت الكاف مُقحَمةٌ للنكتة المذكورة ، فصارَ المشارُ إليه نفسَ المصدر المؤكد لا نعتاً له ، أي وذلك الجزاءَ البديعَ نجزي المحسنين المذكورين لا جزاءً آخرَ أدنى منه ، والإظهارُ في موضع الإضمارِ للثناء عليهم بالإحسان الذي هو عبارةٌ عن الإتيان بالأعمال الحسنة على الوجه اللائق الذي هو حُسْنُها الوصفيُّ المقارِنُ لحُسنها الذاتي ، وقد فسَّره عليه الصلاة والسلام بقوله :
« أن تعبدَ الله كأنك تراه ، فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك » والجملة اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبلها . (2/395)
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)
{ وَزَكَرِيَّا } وهو ابنُ آذَنَ { ويحيى } ابنُه { وَعِيسَى } هو ابنُ مريم ، وفيه دليلٌ على أن الذرية تتناول أولادَ البنات { وَإِلْيَاسَ } قيل : هو إدريسُ جدُّ نوحٍ ، فيكونُ البيانُ مخصوصاً ( بمِنْ ) في الآية الأولى ، وقيل : هو من أسباطِ هارونَ أخي موسى عليهما السلام { كُلٌّ } أي كلُّ واحدٍ من أولئك المذكورين { مّنَ الصالحين } أي من الكاملين في الصلاحِ الذي هو عبارةٌ عن الإتيان بما ينبغي ، والتحرُّز عما لا ينبغي ، والجملة اعتراضٌ جيءَ به للثناءِ عليهم بالصلاح { وإسماعيل واليسع } وهو ابنُ أخطوبَ بنِ العجوز ، وقرىء واللَّيْسعَ وهو على القراءتين علم أعجميٌّ أُدخل عليه اللام ولا اشتقاق له ، ويقال : إنه يوشَعُ بن نون ، وقيل : إنه منقولٌ من مضارعِ وسِعَ واللام كما في يزيدَ في قوله من قال : (2/396)
رأيتُ الوليدَ بنَ اليزيدَ مباركا ... شديداً بأعباءِ الخِلافة كاهلُه
{ وَيُونُسَ } وهو ابن متى { وَلُوطاً } هو ابنُ هارونَ بنِ أخي إبراهيمَ عليه السلام { وَكُلاًّ } أي وكلَّ واحدٍ من أولئك المذكورين { فَضَّلْنَا } بالنبوة لا بعضَهم دون بعض { عَلَى العالمين } على عالَمي عصرهم ، والجملةُ اعتراضٌ كأختَيْها .
وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)
وقوله تعالى : { وَمِنْ ءابَائِهِمْ وذرياتهم وإخوانهم } إما متعلقٌ بما تعلق به ( من ذريته ) ومن ابتدائية ، والمفعول محذوف ، أي وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعاتٍ كثيرةً ، وإما معطوف على ( كلاًّ ) ومن تبعيضية ، أي وفضلنا بعضَ آبائهم الخ { واجتبيناهم } عطفٌ على ( فضلنا ) أي اصطفيناهم { وهديناهم إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } تكريرٌ للتأكيدِ وتمهيدٌ لبيان ما هُدوا إليه . (2/397)
{ ذلك } إشارةٌ إلى ما يُفهم من النظم الكريم من مصادرِ الأفعال المذكورة وقيل : ما دانوا به ، وما في ذلك من معنى البُعد لما مر مراراً { هُدَى الله } الإضافة للتشريف { يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } وهم المستعدّون للهداية والإرشاد ، وفيه إشارةٌ إلى أنه تعالى متفضِّلٌ بالهداية { وَلَوْ أَشْرَكُواْ } أي هؤلاءِ المذكورون { لَحَبِطَ عَنْهُمْ } مع فضلهم وعلوِّ طبقاتِهم { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الأعمال المَرْضيّة الصالحة ، فكيف بمَنْ عداهم وهُم هُم وأعمالُهم أعمالُهم { أولئك } إشارةٌ إلى المذكورين من الأنبياء الثمانيةَ عشَرَ ، والمعطوفين عليهم عليهم السلام باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من الهداية وغيرِها من النعوت الجليلةِ الثابتةِ لهم ، وما فيه من معنى البعد لما مرّ غيرَ مرة من الإيذان بعلوِّ طبقتهم وبُعْدِ منزلتهم في الفضل والشرف ، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى : { الذين ءاتيناهم الكتاب } أي جنسَ الكتاب المتحقِّقِ في ضمن أيِّ فردٍ كان من أفراد الكتب السماوية ، والمرادُ بإتيانِه التفهيمُ التام ، بما فيه من الحقائق ، والتمكينُ من الإحاطةِ بالجلائلِ والدقائق أعمُّ من أن يكون ذلك بالإنزال ابتداءً ، أو بالإيراث بقاءً ، فإن المذكورين لم يُنْزَلْ على كل واحد منهم كتابٌ معين { والحكم } أي الحِكمةَ أو فصلَ الأمر على ما يقتضيه الحقُّ والصواب { والنبوة } أي الرسالة { فَإِن يَكْفُرْ بِهَا } أي بهذه الثلاثة أو بالنبوة الجامعة للباقين { هَؤُلاء } أي كفارُ قريشٍ فإنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من القرآن كافرون بما يصدِّقه جميعاً ، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على الفاعل لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدَّم والتشويق إلى المؤخّر { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا } أي أمَرْنا بمراعاتها ووفَّقْنا للإيمان بها والقيامِ بحقوقها { قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين } أي في وقت من الأوقات ، بل مستمرون على الإيمان بها ، فإن الجملةَ الاسميةَ الإيجابية كما تفيد دوامَ الثبوت كذلك السلبيةُ تُفيدُ دوامَ النفي بمعونةِ المقام ، لا نفيَ الدوام كما حُقِّق في مقامه ، قال ابنُ عباس ومجاهدٌ رضي الله تعالى عنهما : هم الأنصارُ وأهلُ المدينة ، وقيل : أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : كل مؤمن من بني آدم ، وقيل : الفرس ، فإن كلاًّ من هؤلاء الطوائف موَفّقون للإيمان بالأنبياء وبالكتب المُنْزَلة إليهم ، عاملون بما فيها من أصول الشرائعِ وفروعِها الباقية في شريعتنا ، وبه يتحقق الخروجُ عن عُهدة التوكيل والتكليفِ دون المنسوخة منها ، فإنها بانتساخها خارجة عن كونها من أحكامها ، وقد مر تحقيقُه في تفسير سورة المائدة .
وقيل : هو الأنبياءُ المذكورون ، فالمرادُ بالتوكيل الأمرُ بما هو أعمُّ من إجراء أحكامِها كما هو شأنُها في حق كتابهم ومِنِ اعتقاد حقِّيتِها كما هو شأنُها في حق سائرِ الكتبِ التي من جملتها القرآنُ الكريم ، وقيل : هم الملائكةُ فالتوكيل هو الأمرُ بإنزالها وحفظِها واعتقادِ أحقّيتها ، وأياً ما كان فتنكيرُ ( قوماً ) للتفخيم . والباء الأولى صلة وكلنا على مفعوله الصريح ، فلِما ذكر آنفاً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ، ولأن فيه نوعَ طولٍ ربما يؤدِّي تقديمُه إلى الإخلال بتجاوب النظم الكريم ، أو إلى الفصلِ بين الصفةِ والموصوف ، وجوابُ الشرط محذوفٌ يدل عليه المذكور ، أي فإن يكفُرْ بها هؤلاءِ فلا اعتدادَ به أصلاً ، فقد وفّقنا للإيمان بها قوماً فِخاماً ليسوا بكافرين بها قطعاً ، بل مستمرون على الإيمان بها ، والعملِ بما فيها ، ففي إيمانهم بها مندوحةٌ عن إيمان هؤلاء ، ومن هذا تبيّن أن الوجه أن يكونَ المرادُ بالقوم إحدى الطوائفِ المذكورة ، إذْ بإيمانهم بالقرآن والعملِ بأحكامه تتحقّقُ الغُنية عن إيمان الكَفَرة به والعملِ بأحكامه وأما الأنبياءُ والملائكةُ عليهم السلام فإيمانُهم به ليس من قبيل إيمانِ آحادِ الأمةِ كما أشير إليه . (2/398)
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)
{ أولئك } إشارةٌ إلى الأنبياء المذكورين ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوِّ رُتبتهم ، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى : { الذين هَدَى الله } أي إلى الحق والنهج المستقيم ، والالتفاتُ إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الهداية { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } أي فاختصَّ هداهم بالاقتداء ، ولا تقتَدِ بغيرهم والمرادُ بهداهم طريقتُهم في الإيمان بالله تعالى وتوحيدِه وأصولِ الدين دون الشرائعِ القابلةِ للنسخ ، فإنها بعد النسخ لا تبقى هُدىً والهاء في ( اقتده ) للوقف حقها أن تسقط في الدّرْج ، واستُحسن إثباتُها فيه أيضاً إجراءً له مُجرى الوقفِ واقتداءً بالإمام ، وقرىء بإشباعها على أنها كناية المصدر . (2/399)
{ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي على القرآن أو على التبليغ ، فإن مَساقَ الكلامِ يدل عليهما وإن لم يَجْرِ ذكرُهما { أَجْراً } من جهتكم كما لم يسألْه مَنْ قبلي من الأنبياء عليهم السلام ، وهذا من جملة ما أُمر صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم فيه { إِنْ هُوَ } أي ما القرآنُ { إِلاَّ ذكرى للعالمين } أي عظةٌ وتذكيرٌ لهم كافةً من جهته سبحانه فلا يختَصُّ بقوم دون آخرين .
{ وَمَا قَدَرُواْ الله } لما بيَّن شأنَ القرآنِ العظيم وأنه نعمةٌ جليلةٌ منه تعالى على كافة الأمم حسبما نطَقَ به قولُه تعالى : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } عقّب ذلك ببيان غمْطِهم إياها ، وكفرِهم بها على وجْهٍ سرَى ذلك إلى الكفر بجميع الكتب الإلهية ، وأصلُ القدْر السبْرُ والحزْرُ ، يقال : قدَر الشيء يقدرُه بالضم قدْراً إذا سبَره وحزَره ليعرِف مقداره ثم استُعمل في معرفة الشيء في مقداره وأحوالِه وأوصافِه .
وقوله تعالى : { حَقَّ قَدْرِهِ } نُصب على المصدرية ، وهو في الأصل صفةٌ للمصدر أي قدْرَه الحقَّ ، فلما أضيف إلى موصوفه انتصبَ على ما كان ينتصبُ عليه موصوفُه ، أي ما عرفوه تعالى حقَّ معرفتِه في اللُطف بعباده والرحمةِ عليهم ، ولم يُراعوا حقوقَه تعالى في ذلك ، بل أخلّوا بها إخلالاً { إِذْ قَالُواْ } منكرين لبِعثة الرسلِ وإنزالِ الكتُب كافرين بنعمته الجليلةِ فيهما { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } فنفى معرفتَهم لقَدْره سبحانه كنايةً عن حطِّهم لقدرِه الجليل ووصفهم له تعالى بنقيضِ نعتِه الجميل كما أن نفيَ المحبةِ في مثل { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين } كنايةٌ عن البغض والسُخط ، وإلا فنفيُ معرفةِ قدرِه تعالى يتحقق مع عدم التعرُّض لحطِه ، بل مع السعْي في تحصيل المعرفةِ كما في قول مَن يناجي مستقصِراً لمعرفته وعبادته : سبحانك ما عرَفناك حقَّ معرفتِك ، وما عبدناك حقَّ عبادتك . أو ما عرفوه حقَّ معرفتِه في السُخط على الكفار وشدّةِ بطشِه تعالى بهم حسْبما نطقَ به القرآنُ حين اجترأوا على التفوُّه بهذه العظيمةِ الشنعاءِ ، فالنفيُ بمعناه الحقيقي والقائلون هم اليهودُ وقد قالوه مبالغةً في إنكار إنزالِ القرآنِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُلزِموا بما لا سبيلَ إلى إنكاره أصلاً حيث قيل :
{ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى } أي قل لهم ذلك على طريقة التبكيت وإلقامِ الحجر ، وروي أن مالكَ بنَ الصيف من أحبار اليهودِ ورؤسائِهم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« أنشُدُك الله الذي أنزل التوراةَ على موسى هل تجدُ فيها الله يُبغض الحِبرَ السمين؟ فأنت الحِبرُ السمين ، قد سمِنْتَ من مالك الذي تُطعمُك اليهود » فضحك القومُ فغضبَ ثم التفت إلى عمرَ رضي الله عنه فقال : ما أنزل الله على بشر من شيء فنزعوه وجعلوا مكانه كعبَ بنَ الأشرف ، وقيل : هم المشركون وإلزامُهم إنزالُ التوراة لما أنه كان عندهم من المشاهير الذائعةِ ، ولذلك كانوا يقولون : { لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ } ووصفُ الكتاب بالوصول إليهم لزيادة التقريعِ وتشديدِ التبكيت ، وكذا تقييدُه بقوله تعالى : { نُوراً وَهُدًى } فإن كونَه بيّناً بنفسه ومبيِّناً لغيره مما يؤكد الإلزامَ أيَّ تأكيدٍ ، وانتصابُهما على الحالية من الكتاب ، والعامل ( أَنزل ) أو من الضمير في ( به ) ، والعامل ( جاء ) واللام في قوله تعالى : { لِلنَّاسِ } إما متعلقٌ بهدىً ، أو بمحذوفٍ هو صفة له ، أي هدى كائناً للناس وليس المرادُ بهذا مجردَ إلزامِهم بالاعتراف بإنزال التوراةِ فقط بل إنزالِ القرآنِ أيضاً ، فإن الاعترافَ بإنزالها مستلزِمٌ للاعتراف بإنزاله قطعاً ، لما فيها من الشواهد الناطقةِ به ، وقد نعى عليهم ما فعلوا بها من التحريف والتغييرِ حيث قيل : { تَجْعَلُونَهُ قراطيس } أي تضعونه في قراطيسَ مقطَّعةٍ ، وورَقاتٍ مفرَّقة ، بحذف الجارِّ بناءً على تشبيه القراطيس بالظرف المُبْهم ، أو تجعلونه نفسَ القراطيس المقطعة ، وفيه زيادةُ توبيخٍ لهم بسوء صنيعِهم كأنهم أخرجوه من جنس الكتاب ونزّلوه منزلةَ القراطيسِ الخاليةِ عن الكتابة ، والجملة حالٌ كما سبق وقوله تعالى : { تُبْدُونَهَا } صفةٌ لقراطيسَ ، وقوله تعالى : { وَتُخْفُونَ كَثِيراً } معطوفٌ عليه ، والعائدُ إلى الموصول محذوفٌ ، أي كثيراً منها ، وقيل : كلامٌ مبتدأ لا محل له من الإعراب ، والمرادُ بالكثير نعوتُ النبي عليه الصلاة والسلام وسائرُ ما كتموه من أحكام التوراة ، وقرىء الأفعالُ الثلاثة بالياء حملاً على قالوا وما قدروا . (2/400)
وقوله تعالى : { وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ } قيل : هو حالٌ من فاعل تجعلونه بإضمار قد ، أو بدونه على اختلاف الرأيين . قلت : فينبغي أن يجعل ( ما ) عبارةً عما أخذوه من الكتاب من العلوم والشرائعِ ليكون التقييدُ بالحال مفيداً لتأكيد التوبيخِ وتشديدِ التشنيع ، فإن ما فعلوه بالكتاب من التفريق والتقطيعِ لما ذُكر من الإبداءِ والإخفاءِ شناعةٌ عظيمة في نفسها ، ومع ملاحظة كونه مأخذاً لعلومهم ومعارفِهم أشنعَ وأعظمَ ، لا عما تلقَّوْه من جهة النبي صلى الله عليه وسلم زيادةً على ما في التوراة وبياناً لما التَبَس عليهم وعلى آبائهم من مشكلاتها حسْبما ينطِقُ به قوله تعالى :
{ إِنَّ هذا القرءان يَقُصُّ على بَنِى إسراءيل أَكْثَرَ الذى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } كما قالوا لأنّ تلقَّيَهم لذلك من القرآن الكريم ليس مما يزجُرهم عما صنعوا بالتوراة أما ما ورد فيه زيادةً على ما فيها فلأنه لا تعلّقَ له بها نفياً ولا إثباتاً ، وأما ما ورد بطريق البيانِ فلأن مدارَ ما فعلوا بالتوراة من التبديل والتحريفِ ليس ما وقع فيها من التباس الأمرِ واشتباهِ الحال حتى يُقلِعوا عن ذلك بإيضاحه وبيانِه فتكونَ الجملةُ حينئذ خاليةً عن تأكيد التوبيخ ، فلا تستحق أن تقعَ موقع الحال بل الوجهُ حينئذٍ أن تكون استئنافاً مقرِّراً لما قبلها من مجيءِ الكتابِ بطريق التكملةِ والاستطراد والتمهيدِ لما يعقُبه من مجيءِ القرآن ، ولا سبيلَ إلى جعل ( ما ) عبارةً عما كتموه من أحكام التوراةِ كما يفصح عنه قوله تعالى : { قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب } فإن ظهورَه وإن كان مزْجَرةً لهم عن الكتم مخافةَ الافتضاح ومصحِّحاً لوقوعِ الجملة في موقع الحالِ لكن ذلك مما يعلمه الكاتمون حتماً . هذا ، وقد قيل : الخطابُ لمن آمن من قريش كما في قوله تعالى : { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ } وقولُه تعالى : { قُلِ الله } أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُجيبَ عنهم إشعاراً بتعيّن الجواب بحيث لا محيدَ عنه وإيذاناً بأنهم أُفحموا ولم يقدِروا على التكلم أصلاً { ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ } في باطلهم الذي يخوضون فيه ولا عليك بعد إلزامِ الحجة وإلقامِ الحجر { يَلْعَبُونَ } حال من الضمير الأول ، والظرفُ صلة للفعل المقدّم أو المؤخر أو متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من مفعولِ الأولِ أو من فاعل الثاني أو من الضمير الثاني لأنه فاعلٌ في الحقيقة والظرفُ متَّصل بالأول . (2/401)
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)
{ وهذا كتاب أنزلناه } تحقيقٌ لنزول القرآن الكريم بعد إنزال ما بَشَّر به من التوراة ، وتكذيبٌ لهم في كلمتهم الشنعاءِ إثرَ تكذيبٍ { مُّبَارَكٌ } أي كثيرُ الفوائد وجمُّ المنافع { مُّصَدّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } من التوراة لنزوله حسبما وُصِف فيها أو الكتُبِ التي قبله فإنه مصدِّقٌ للكل في إثبات التوحيد والأمرِ به ونفي الشرْك والنهي عنه وفي سائر أصولِ الشرائعِ التي لا تُنسخ { وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى } عطفٌ على ما دل عليه ( مبارك ) أي للبركات ولإنذراك أهلَ مكةَ وإنما ذُكرت باسمها المُنبىءِ عن كونها أعظمَ القرى شأناً وقِبْلةً لأهلها قاطبةً إيذاناً بأن إنذارَ أهلِها أصلٌ مستتبِعٌ لإنذار أهلِ الأرضِ كافةً ، وقرىء ( لينذر ) بالياء على أن الضمير للكتاب { وَمَنْ حَوْلَهَا } من أهل المدَر والوبَر في المشارق والمغارب { والذين يُؤْمِنُونَ بالاخرة } وبما فيها من أفانين العذاب { يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي بالكتاب لأنهم يخافون العاقبةَ ولا يزال الخوف يحمِلُهم على النظر والتأمُّل حتى يؤمنوا به { وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } تخصيصُ محافظتِهم على الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات التي لا بد للمؤمنين من أدائها للإيذان بإنافتِها من بين سائر الطاعات وكونِها أشرفَ العباداتِ بعد الإيمان . (2/402)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } فزعَم أنه تعالى بعثه نبياً كمسيلِمةَ الكذابِ والأسودِ العنسيِّ أو اختلق عليه أحكاماً من الحِلِّ والحُرمة كعَمْرِو بنِ لُحَيَ ومتابعيه أي هو أظلمُ من كلِّ ظالمٍ وإن كان سبكُ التركيبِ على نفي الأظلمِ منه وإنكارِه من غير تعرضٍ لنفْي المساوي وإنكارِه فإن الاستعمالَ الفاشيَ في قولك : مَنْ أفضلُ من زيدٍ أو لا أكرمَ منه على أنه أفضلُ من كل فاضلٍ وأكرمُ من كل كريم ، وقد مر تمامُ الكلام فيه { أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ } من جهته تعالى { وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ } أي والحال أنه لم يوح إليه { شَىْء } أصلاً ( كعبد اللَّه بنِ سعدِ بنِ أبي سَرْح كان يكتُب للنبي صلى الله عليه وسلم فلما نزلت { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } فلما بلغ { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } قال عبد اللَّه : تبارك الله أحسنُ الخالقين تعجباً من تفصيل خلقِ الإنسان ثم قال عليه الصلاة والسلام : «اكتُبها كذلك» فشك عبدُ اللَّه وقال : لئن كان محمد صادقاً فقد أُوحيَ إلي كما أوحيَ إليه ولئن كان كاذباً فقد قلت كما قال ) . { وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله } كالذين قالوا : { لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا } (2/403)
{ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون } حُذف مفعولُ ترى لدِلالة الظرفِ عليه أي ولو ترى الظالمين إذ هم { فِى غَمَرَاتِ الموت } أي شدائده من غَمَره إذا غشِيَه { والملئكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } بقبض أرواحِهم كالمتقاضي الملظ المُلِحّ يبسُط يدَه إلى من عليه الحقُّ ويعنِّف عليه في المطالبة من غير إمهالٍ وتنفيسٍ ، أو باسطوها بالعذاب قائلين : { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } أي أخرجوا أرواحَكم إلينا من أجسادكم أو خلِّصوا أنفسكم من العذاب { اليوم } أي وقتَ الإماتة أو الوقتَ الممتدّ بعده إلى ما لا نهاية له { تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } أي العذابَ المتضمِّنَ لشدةٍ وإهانةٍ فإضافتُه إلى الهون وهو الهوانُ لعراقته فيه { بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق } كاتخاذ الولد له ونسبةِ الشريك إليه وادعاءِ النبوة والوحيِ كاذباً { وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ } فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون بها .
{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا } للحساب { فرادى } منفردين عن الأموال والأولاد وغيرِ ذلك مما آثَرْتُموه من الدنيا أو عن الأعوان والأصنامِ التي كنتم تزعُمون أنها شفعاؤكم وهو جمع فَرْد والألفُ للتأنيث ككسالى وقرىء ( فِراداً ) كرجال وفَرادَ كثلاثَ وفَرْدَى كسَكْرى { كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ } بدل من فرادى أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد أو حالٌ ثانية عند من يجوِّزُ تعددَها أو حال من الضمير في فرادى أي مُشْبِهين ابتداءَ خلقِكم عُراةً حُفاة غُرْلاً بُهْماً أو صفةُ مصدرِ ( جئتمونا ) أي مجيئاً كخلقنا لكم أول مرة { وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم } تفضّلناه عليكم في الدنيا فشُغِلتم به عن الآخرة { وَرَاء ظُهُورِكُمْ } ما قدمتم منه شيئاً ولم تحمِلوا نقيراً { وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء } أي شركاءُ الله تعالى في الربوبية واستحقاقِ العبادة { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } أي وقع التقطعُ بينكم كما يقال : جمع بين الشيئين أي أوقع الجمعَ بينهما وقرىء ( بينُكم ) بالرفع على إسناد الفعل إلى الظرف كما يقال : قوتل أمامُكم وخلفُكم أو على أن البينَ اسمٌ للفصل والوصل أي تقطع وصلُكم وقرىء ما بينَكم { وَضَلَّ عَنكُم } أي ضاع أو غاب { مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أنها شفعاؤكم أو أن لا بعثَ ولا جزاء .
إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)
{ إِِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى } شروعٌ في تقرير بعضِ أفاعيلِه تعالى الدالةِ على كمال علمِه وقدرته ولطفِ صُنعِه وحِكمتِه إثرَ تقريرِ أدلةِ التوحيد ، والفَلْقُ الشَقُّ بإبانةٍ ، أي شاقُّ الحبِّ بالنبات والنوى بالشجر ، وقيل : المرادُ به الشِقُّ الذي في الحبوب والنَّوى ، أي خالقُهما كذلك كما في قولك : ضَيِّقْ فمَ الرَّكِيةِ ووسِّعْ أسفلَها ، وقيل : الفلْقُ بمعنى الخلق ، قال الواحدي : ذهبوا بفالقُ مذهبَ فاطر { يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت } أي يُخرج ما ينمو من النطفة والحبِّ ، والجملةُ مستأنفة مبينةٌ لما قبلها وقيل : خبرٌ ثانٍ لأن قوله تعالى : { وَمُخْرِجُ الميت } كالنطفة والحب { مِنَ الحى } كالحيوان والنبات ، عطفٌ على ( فالقُ الحب ) لا على ( يُخرج ) على الوجه الأول لأن إخراج الميِّتِ من الحيِّ ليس من قبيل فلقِ الحب والنوى { ذلكم } القادرُ العظيمُ الشأنِ هو { الله } المستحِقّ للعبادة وحده { فأنى تُؤْفَكُونَ } فكيف تُصرَفون عن عبادته إلى غيره ولا سبيل إليه أصلاً . (2/404)
{ فَالِقُ الإصباح } خبرٌ آخَرُ لإن ، أو لمبتدإٍ محذوفٍ والإصباحُ مصدرٌ سمِّي به الصبحُ وقرىء بفتح الهمزة على أنه جمعُ صُبْح أي فالقُ عمودِ الفجر عن بياضِ النهار وإسفارِه ، أو فالق ظلمةِ الإصباحِ وهي الغَبَشُ الذي يلي الصبحَ وقرىء ( فالقَ ) بالنصب على المدح { وَجَعَلَ اليل سَكَناً } يسكُن إليه التعِبُ بالنهار لاستراحته فيه من سَكَن إليه إذا اطمأن إليه استئناساً به أو يسكن فيه الخلقُ من قوله تعالى : { لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } وقرىء ( جاعلُ الليل ) فانتصابُ ( سكناً ) بفعل دل عليه جاعل وقيل : بنفسه على أن المرادَ به الجعلُ المستمرُّ في الأزمنة المتجددة حسَب تجدّدِها لا الجعلُ الماضي فقط وقيل : اسمُ الفاعل من الفعل المتعدِّي إلى اثنين يعمل في الثاني وإن كان بمعنى الماضي لأنه لما أُضيف إلى الأول تعيّن نصبُه للثاني لتعذّر الإضافة بعد ذلك { والشمس والقمر } معطوفان على الليل وعلى القراءة الأخيرة قيل : هما معطوفان على محله والأحسنُ نصبُهما حينئذ بفعل مقدرٍ وقد قُرئا بالجرِّ وبالرفعِ أيضاً على الابتداء والخبرُ محذوفٌ أي مجعولان { حُسْبَاناً } أي على أدوار مختلفة يُحسبُ بها الأوقاتُ التي نيط بها العباداتُ والمعاملاتُ أو محسوبان حُسباناً ، والحُسبانُ بالضم مصدرُ حسَب كما أن الحسابَ بالكسر مصدر حسَب { ذلك } إشارة إلى جعلهما كذلك وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلوِّ رتبةِ المُشار إليه وبُعْدِ منزلتِه أي ذلك التسييرُ البديع { تَقْدِيرُ العزيز } الغالب القاهرِ الذي لا يستعصي عليه شيءٌ من الأشياء التي من جملتها تسييرُهما على الوجه المخصوص { العليم } بجميع المعلومات التي من جملتها ما في ذلك التسييرِ من المنافعِ والمصالحِ المتعلقةِ بمعاش الخلق ومَعادِهم .
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)
{ وَهُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ النجوم } شروعٌ في بيان نعمتِه تعالى في الكواكب إثرَ بيانِ نعمتِه تعالى في النَّيِّرَيْنِ والجعلُ متعدَ إلى واحد واللامُ متعلقةٌ به ، وتأخيرُ المفعول الصريح عن الجار والمجرور لما مر غيرَ مرةٍ من الاهتمام بالمقدَّمِ والتشويق إلى المؤخر أي أنشأها وأبدعها لأجلكم ، فقوله تعالى : { لِتَهْتَدُواْ بِهَا } بدلٌ من المجرور بإعادة العامل بدلَ اشتمال كما في قوله تعالى : { لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً } والتقدير جعلَ لكم النجومَ لاهتدائكم لكن لا على أن غايةَ خلقِها اهتداؤُهم فقط بل على طريقة إفراد بعضِ منافعِها وغاياتها بالذكر حسبما يقتضيه المقام ، وقد جُوِّز أن يكون مفعولاً ثانياً للجعل ، وهو بمعنى التصيير أي جعلها كائنةً لاهتدائكم في أسفاركم عند دخولِكم المفاوزَ أو البحارَ كما ينبىء عنه قولُه تعالى : { فِى ظلمات البر والبحر } أي في ظلمات الليل في البر والبحر ، وإضافتُها إليهما للملابسة فإن الحاجة إلى الاهتداء بها إنما تتحقق عند ذلك أو في مشتَبِهات الطرق ، عبّر عنها بالظلمات على طريقة الاستعارة { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات } أي بيّنا الآياتِ المتلُوَّةَ المذكِّرةَ لنِعَمه التي هذه النعمةُ من جملتها أو الآياتِ التكوينيةَ الدالةَ على شؤونه تعالى مفصّلةً { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي معانِيَ الآياتِ المذكورةِ ويعملون بموجبها أو يتفكرون في الآيات التكوينية فيعلمون حقيقةَ الحال ، وتخصيصُ التفصيل بهم مع عمومه للكل لأنهم المنتفعون به . (2/405)
{ وَهُوَ الذى أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ واحدة } تذكيرٌ لنعمةٍ أخرى من نِعَمه تعالى دالةٍ على عظيم قدرتِه ولطيفِ صُنعه وحكمتِه أي أنشأكم مع كثرتكم من نفس آدمَ عليه السلام { فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } أي فلكم استقرارٌ في الأصلاب أو فوق الأرض واستيداعٌ في الأرحام أو تحت الأرض أو موضعُ استقرارٍ واستيداعٍ فيما ذكر ، والتعبيرُ عن كونهم في الأصلاب أو فوق الأرض بالاستقرار لأنهما مقرُّهم الطبيعيُّ كما أن التعبيرَ عن كونهم في الأرحام أو تحت الأرض بالاستيداع لِما أن كلاًّ منهما ليس بمقرِّهم الطبيعيِّ ، وقد حُمل الاستيداعُ على كونهم في الأصلاب وليس بواضح ، وقرىء ( فمستقِر ) بكسر القاف أي فمنكم مستقِرٌ ومنكم مستوْدَعٌ فإن الاستقرارَ منّا ، بخلاف الاستيداع { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات } المبينةَ لتفاصيل خلقِ البشرِ من هذه الآية ونظائرِها { لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } غوامضَ الدقائقِ باستعمال الفِطنة وتدقيقِ النظرِ فإن لطائفَ صنعِ الله عز وجل في أطوار تخليقِ بني آدمَ مما تحارُ في فهمه الألبابُ وهو السرُّ في إيثار ( يفقهون ) على يعلمون كما ورد في شأن النجوم .
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)
{ وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } تذكيرٌ لنعمةٍ أخرى من نعمه تعالى مُنَبِّئةٍ عن كمال قدرته تعالى وسعةِ رحمته أي أنزل من السحاب أو من سَمْتِ السماء ماءً خاصاً هو المطر ، وتقديمُ الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر مراراً { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } التفات إلى التكلم إظهاراً لكمال العناية بشأن ما أُنزل الماءُ لأجله أي فأخرجنا بعظمتِنا بذلك الماءِ مع وِحْدته { نَبَاتَ كُلّ شَىْء } من الأشياء التي من شأنها النموُّ من أصناف النجْم والشجر وأنواعِها المختلفة في الكم والكيف والخواصِّ والآثار اختلافاً متفاوتاً في مراتبِ الزيادة والنقصان حسبما يُفصح عنه قولُه تعالى : { يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِى الاكل } وقولُه تعالى : { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } شروعٌ في تفصيل ما أُجمل من الإخراج ، وقد بُدِىء بتفصيل حال النجم أي فأخرجنا من النبات الذي لا ساقَ له شيئاً غضّاً أخضرَ ، يقال : شيءٌ أخضَرٌ وخضِرٌ كأعوَرَ وعَوِرٍ ، وأكثرُ ما يُستعمل الخضِرُ فيما تكون خُضرتُه خَلْقية وهو ما تشعّب من أصل النبات الخارج من الحبة . وقوله تعالى : { نُّخْرِجُ مِنْهُ } صفةٌ لخضِراً وصيغة المضارعِ لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة أي نخرج من ذلك الخضِرِ { حَبّاً مُّتَرَاكِباً } هو السُنبلُ المنتظِمُ للحبوب المتراكبة بعضُها فوق بعض على هيئة مخصوصةٍ وقرىء يَخرُجُ منه حبٌّ متراكب وقوله تعالى : { وَمِنَ النخل } شروعٌ في تفصيل حالِ الشجر إثرَ بيانِ حال النجم . فقوله تعالى : { مِنْ النخل } خبرٌ مقدم وقوله تعالى : { مِن طَلْعِهَا } بدلٌ منه بإعادة العامل كما في قوله تعالى : { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو الله } الخ ، والطَّلْعُ شيء يخرُج من النخل كأنه نعلانِ مُطبَقانِ ، والحِمْلُ بينهما منضود . وقوله تعالى : { قنوان } مبتدأ أي وحاصلةٌ من طلع النخل قنوانٌ ، ويجوز أن يكون الخبرُ محذوفاً لدلالة أخرجنا عليه أي ومُخرِجةٌ من طلع النخل قنوانٌ ومَنْ قرأ يخرُجُ منه حبٌّ متراكبٌ كان ( قنوانٌ ) عنده معطوفاً على ( حبٌّ ) وقيل : المعنى وأخرجنا من النخل نخلاً من طلعها قنوانٌ أو ومن النخل شيءٌ من طلعها قنوان ، وهو جمع قِنْوٍ ، وهو عنقودُ النخلة كصِنْوٍ وصِنْوان ، وقرىء بضم القاف كذِئبٍ وذؤبان وبفتحها أيضاً على أنه اسمُ جمعٍ لأن فَعلان ليس من أبنية الجمع { دَانِيَةٌ } سهلةُ المُجتَنى قريبةٌ من القاطفِ فإنها وإن كانت صغيرةً ينالها القاعدُ تأتي بالثمر لا يُنتظَرُ الطولُ ، أو ملتفةٌ متقاربة ، والاقتصارُ على ذكرها لدلالتها على مُقابلها كقوله تعالى : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } ولزيادة النعمة فيها { وجنات مّنْ أعناب } عطفٌ على ( نباتَ كل شيء ) أي وأخرجنا به جناتٍ كائنةً من أعناب ، وقرىء جناتٌ بالرفع على الابتداء أي ولكم أو ثَمةَ جناتٌ ، وقد جوِّز عطفُه على ( قنوان ) كأنه قيل : وحاصلةٌ أو مخرجةٌ من النخل قنوانٌ وجناتٌ من نباتٍ وأعناب ، ولعل زيادةَ الجنات هاهنا من غير اكتفاءٍ بذكر اسمِ الجنس كما فيما تقدم وما تأخر لما أن الانتفاعَ بهذا الجنس لا يتأتى غالباً إلا عند اجتماع طائفةٍ من أفراده { والزيتون والرمان } منصوبان على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم أو على العطف على ( نباتَ ) وقوله تعالى : { مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه } حال من الزيتون اكتُفي به عن حال ما عطف عليه كما يكتفى بخبر المعطوف عليه عن خبر المعطوف في نحو قوله تعالى : (2/406)
{ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } وتقديرُه والزيتونَ مشتبهاً وغيرَ متشابه والرمانَ كذلك ، وقد جُوِّز أن يكون حالاً من الرمان لقُربه ويكون المحذوفُ حالَ الأول والمعنى بعضُه متشابهاً وبعضُه غيرَ متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم وغيرِ ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعِها وحكمةِ مُنشئِها ومبدعِها { انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } أي انظروا إليه نظرَ اعتبارٍ واستبصارٍ إذا أخرج ثمرَه كيف يُخرجه ضئيلاً لا يكاد يُنتفعُ به ، وقرىء إلى ثمره { وَيَنْعِهِ } أي وإلى حال نُضجه كيف يصير إلى كماله اللائق به ويكون شيئاً جامعاً لمنافِعَ جمّةٍ واليَنْعُ في الأصل مصدر يَنَعَت الثمرةُ إذا أدركت وقيل : جمعُ يانع كتاجر وتجْرٍ وقرىء بالضم وهي لغة فيه وقرىء يانِعِهِ { إِنَّ فِى ذلكم } إشارةٌ إلى ما أُمر بالنظر إليه ، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشارِ إليه وبُعد منزلته { لايات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي لآياتٍ عظيمةً أو كثيرةً دالةً على وجود القادر الحكيم ووَحدتِه فإن حدوثَ هاتيك الأجناسِ المختلفة والأنواع المتشعبة من أصل واحدٍ وانتقالَها من حال إلى حال على نمط بديع تحارُ في فهمه الألباب لا يكاد يكون إلا بإحداث صانعٍ يعلم تفاصيلَها ويرجّح ما تقتضيه حكمتُه من الوجوه الممكنة على غيره ولا يَعوُقه عن ذلك ضدٌّ يناوئه أو نِدٌّ يُقاويه ، ولذلك عقّب بتوبيخِ من أشرك به والردِّ عليه حيث قيل . (2/407)
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)
{ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء } أي جعلوا في اعتقادهم لله الذي شأنُه ما فُصّل في تضاعيفِ هذه الآية الجليلةِ شركاءَ { الجن } أي الملائكةَ حيث عبدوهم وقالوا : الملائكةُ بناتُ الله وسُمُّوا جِناً لاجتنانهم تحقيراً لشأنهم بالنسبة إلى مَقام الألوهية ، أو الشياطينَ حيث أطاعوهم كما أطاعوا الله تعالى أو عبدوا الأوثانَ بتسويلهم وتحريضِهم أو قالوا : الله خالقُ الخير وكلِّ نافعٍ ، والشيطانُ خالقُ الشرِّ وكلِّ ضارَ ، كما هو رأي الثنوية ومفعولا ( جعلوا ) قوله تعالى : { شُرَكَاء الجن } قُدِّم ثانيهما على الأول لاستعظام أن يُتَّخذَ لله سبحانه شريكٌ ما ، كائناً ما كان ، ولله متعلق بشركاء قدم عليه للنكتة المذكورة وقيل : هما لله شركاء والجنَّ بدلٌ من شركاءَ مفسِّرٌ له نَصَّ عليه الفراءُ وأبو إسحاقَ ، أو منصوبٌ بمضمرٍ وقعَ جواباً عن سؤالٍ مقدَّرٍ نشأ من قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء } كأنه قيل : مَنْ جعلوه شركاءَ لله تعالى؟ فقيل : الجنَّ أي جعلوا الجن ، ويؤيده قراءةُ أبي حيوة ويزيدَ بن قطيب ( الجنُّ ) بالرفع على تقدير : همُ الجنُّ في جواب من قال : مَن الذين جعلوهم شركاء لله تعالى؟ وقد قرىء بالجر على أن الإضافة للتبيين { وَخَلَقَهُمْ } حالٌ من فاعل ( جعلوا ) بتقدير قد أو بدونه على اختلاف الرأيين ، مؤكدةٌ لما في جَعْلهم ذلك من كمال القباحة والبُطلان باعتبار علمِهم بمضمونها ، أي وقد علموا أنه تعالى خالقُهم خاصة ، وقيل : الضميرُ للشركاءِ أي والحال أنه تعالى خلق الجنَّ فكيف يجعلون مخلوقَه شريكاً له تعالى؟ وقرىء خَلْقَهم عطفاً على ( الجنَّ ) أي وما يخلقونه من الأصنام أو على ( شركاءَ ) أي وجعلوا له اختلاقَهم الإفكَ حيث نسبوه إليه تعالى . (2/408)
{ وَخَرَقُواْ لَهُ } أي افتعلوا وافترَوْا له يقال : خلقَ الإفكَ واختلقه وخَرَقه واخترقه بمعنى وقرىء خرّقوا بالتشديد للتكثير وقرىء وحرّفوا له أي زوّروا { بَنِينَ وَبَنَاتٍ } فقالت اليهودُ : عزيرٌ ابنُ الله ، وقالت النصارى : المسيحُ ابنُ الله ، وقالت طائفة من العرب : الملائكةُ بناتُ الله { بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي بحقيقة ما قالوه من خطأ أو صوابٍ رمياً بقوله عن عمىً وجهالةٍ من غير فكرٍ ورويّة أو بغير علم بمرتبة ما قالوه وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادَرُ قدرُه ، والباء متعلقةٌ بمحذوف هو حالٌ من فاعل خرقوا أو نعتٌ لمصدر مؤكِّدٍ له أي خرقوا ملتبسن بغير علم أو خرقاً كائناً بغير علم { سبحانه } استئنافٌ مَسوقٌ لتنزيهه عز وجل عما نسَبوه إليه ، وسبحانه علمٌ للتسبيح الذي هو التبعيدُ عن السوء اعتقاداً وقولاً أي اعتقادَ البعدِ عنه والحكمَ به ، مِنْ سبَح في الأرض والماء إذا أبعدَ فيهما وأمعن ومنه فرَسٌ سَبوحٌ أي واسعُ الجرْي ، وانتصابُه على المصدرية ولا يكاد يُذكر ناصبُه أي أسبِّح سبحانه أي أنزهه عما لا يليق به عقداً أو عملاً تنزيهاً خاصاً به حقيقاً بشأنه ، وفيه مبالغةً من جهة الاشتقاق من السَّبْح ومن جهة النقل إلى التفعيل ومن جهة العدول عن المصدر الدال على الجنس إلى الاسم الموضوع له خاصة ، لا سيما العلمُ المشيرُ إلى الحقيقة الحاضرةِ في الذهن ومن جهة إقامته مُقامَ المصدر مع الفعل وقيل : هو مصدرٌ كغُفران لأنه سُمع له فعلٌ من الثلاثي كما ذكر في القاموس أُريد به التنزُّهُ التامُّ والتباعدُ الكُلي ، ففيه مبالغةٌ من حيث إسنادُ التنزهِ إلى ذاتِه المقدسةِ أي تنزه بذاتِه تنزّهاً لائقاً به وهو الأنسبُ بقوله سبحانه : { وتعالى } فإنه معطوفٌ على الفعل المُضمر لا محالة ولِمَا في السُّبحان والتعالي من معنى التباعُد قيل : { عَمَّا يَصِفُونَ } أي تباعد عما يصفونه من أن له شريكاً أو ولداً .
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)
{ بَدِيعُ السموات والارض } أي مُبدِعُهما ومخترعُهما بلا مثالٍ يَحتذيه ولا قانونٍ ينتحيه ، فإن البديعَ كما يطلق على المُبدِع ( بكسر الدال ) يطلق على المبدَع ( بفتح الدال ) نصَّ عليه أئمة اللغة كالصريخ بمعنى المُصرِخ وقد جاء : بدَعَه كمنعه بمعنى أنشأه كابتدعه ، على ما ذُكر في القاموس وغيرِه ، ونظيرُه السميعُ بمعنى المُسمِع في قوله : (2/409)
أمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ ... وقيل : هو من إضافة الصفةِ المشبهةِ إلى الفاعل للتخفيف بعد نصبِه تشبيهاً لها باسم الفاعل كما هو المشهور أي بديعُ سمواتِه وأرضِه من بَدَع إذا كان على نمطٍ عجيبٍ وشكلٍ فائق وحُسنٍ رائقٍ ، أو إلى الظرف كما في قولهم : ثبْتُ العذرِ بمعنى أنه عديمُ النظير فيهما ، والأولُ هو الوجه ، والمعنى أنه تعالى مبدعٌ لقطري العالم العلويِّ والسفليِّ بلا مادة فاعلٍ على الإطلاق منزّه عن الانفعال بالمرة ، والوالدُ عنصرُ الولد منفعلٌ بانتقال مادتِه عنه فكيف يمكن أن يكون له ولد؟ وقرىء بديعَ بالنصب على المدح وبالجر على أنه بدلٌ من الاسم الجليل أو من الضمير المجرورِ في سبحانه على رأي من يُجيزه ، وارتفاعُه في القراءة المشهورة على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أو فاعلُ تعالى ، وإظهارُه في موضع الإضمارِ لتعليل الحكمِ ، وتوسيطُ الظرفِ بينه وبين الفعل للاهتمام ببيانه ، أو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : { أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } وهو على الأولَيْن جملةٌ مستقلةٌ مَسوقةٌ لما قبلها لبيان استحالةِ ما نسبوه إليه تعالى وتقرير تنزُّهِه عنه وقوله تعالى : { وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة } حال مؤكدةٌ للاستحالة المذكورة فإن انتفاءَ أن يكون له تعالى صاحبةٌ مستلزمٌ لانتفاء أن يكون له ولدٌ ضرورةَ استحالة وجودِ الولدِ بلا والدة ، وإن أمكن وجودُه بلا والد ، وانتفاءُ الأولِ مما لا ريب فيه لأحد فمن ضرورته انتفاءُ الثاني أي من أين أو كيف يكون له ولد كما زعموا والحالُ أنه ليس له على زعمهم أيضاً صاحبةٌ يكون الولدُ منها؟ وقرىء لم يكنْ بتذكير الفعل للفصل أو لأن الاسمَ ضميرُه تعالى ، والخبرُ هو الظرفُ وصاحبةٌ مرتفعٌ به على الفاعلية لاعتماده على المبتدإ ، أو الظرفُ خبرٌ مقدمٌ وصاحبةٌ مبتدأٌ مؤخرٌ والجملةُ خبرٌ للكون وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون الاسمُ ضميرَ الشأنِ لصلاحية الجملةِ حينئذ لأن تكونَ مفسِّرةً لضمير الشأنِ لا على الوجه الأولِ لما بيّن في موضعه أن ضميرَ الشأنِ لا يفسَّر إلا بجملة صريحةٍ ، وقوله تعالى : { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } إما جملةٌ مستأنفةٌ أخرى سيقت لتحقيق ما ذُكر من الاستحالة أو حالٌ أخرى مقرِّرةٌ لها أي أنى يكون له ولدٌ والحالُ أنه خلق كلَّ شيءٍ انتظمه التكوينُ والإيجادُ من الموجودات التي من جملتها ما سمَّوْه ولداً له تعالى فكيف يُتَصوَّر أن يكون المخلوقُ ولداً لخالقه؟ { وَهُوَ بِكُلّ شَىْء } مِنْ شأنه أن يُعلم كائناً ما كان مخلوقاً أو غيرَ مخلوق كما ينبىء عنه تركُ الإضمار إلى الإظهار { عَلِيمٌ } مبالغٌ في العلم أزلاً وأبداً حسبما يُعرِبُ عنه العدولُ إلى الجملة الاسميةِ فلا يخفى عليه خافيةٌ مما كان وما سيكون من الذوات والصفاتِ والأحوالِ التي من جملتها ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز من المُحالات التي ما زعموه فردٌ من أفرادها ، والجملةُ استئنافٌ مقررٌ لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعةِ ببطلان مقالتِهم الشنعاءِ التي اجترأوا عليها بغير علم .
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)
{ ذلكم } إشارةٌ إلى المنعوت بما ذُكر من جلائل النعوتِ وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوِّ شأنِ المُشارِ إليه وبُعدِ منزلتِه في العظمة ، والخطابُ للمشركين المعهودين بطريق الالتفاتِ ، وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى : { الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَىْء } أخبارٌ أربعةٌ مترادفةٌ أي ذلك الموصوفُ بتلك الصفاتِ العظيمةِ هو الله المستحِقُّ للعبادة خاصةً ، مالكُ أمرِكم لا شريك له أصلاً ، خالقُ كلِّ شيءٍ مما كان ومما سيكون ، فلا تكرارَ ، إذ المعتبرُ في عنوان الموضوعِ إنما هو خالقيتُه لما كان فقط كما ينبىء عنه صيغةُ الماضي ، وقيل : الخبرُ هو الأولُ ، والبواقي أبدالٌ ، وقيل : الاسمُ الجليلُ بدلٌ من المبتدأ والبواقي أخبارٌ ، وقيل : يقدر لكلَ من الأخبار الثلاثةِ مبتدأٌ ، وقيل : يُجعل الكلُّ بمنزلة اسمٍ واحد . (2/410)
وقولُه تعالى : { فاعبدوه } حكم مترتبٌ على مضمون الجملة ، فإن مَنْ جمع هذه الصفاتِ كان هو المستحقُّ للعبادة خاصة ، وقوله تعالى : { وَهُوَ على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } عطفٌ على الجملة المتقدمة أي هو مع ما فُصل من الصفات الجليلةِ متولي أمورِ جميعِ مخلوقاتِه التي أنتم من جملتها فكِلوا أمورَكم إليه وتوسلوا بعبادته إلى نجاح مآربِكم الدنيويةِ والأخروية .
لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)
{ لاَّ تُدْرِكُهُ الابصار } البصرُ حاسةُ النظرِ ، وقد تطلق على العين من حيث أنها محلُّها ، وإدراكُ الشيءِ عبارةٌ عن الوصول إليه والإحاطةِ به أي لا تصِل إليه الأبصارُ ولا تُحيط به كما قال سعيد بن المسيِّب ، وقال عطاء : كلّتْ أبصارُ المخلوقين عن الإحاطة به فلا مُتمسَّك فيه لمنكري الرؤيةِ على الإطلاق . وقد روي عن ابن عباس ومقاتل رضي الله عنهم : لا تدركه الأبصارُ في الدنيا وهو يُرى في الآخرة { وَهُوَ يُدْرِكُ الابصار } أي يحيطُ بها علمُه إذ لا تخفى عليه خافيةٌ { وَهُوَ اللطيف الخبير } فيدرك ما لا تدركه الأبصارُ ، ويجوز أن يكون تعليلاً للحُكمين السابقين على طريقة اللفِّ أي لا تدركه الأبصارُ لأنه اللطيفُ وهو يدرك الأبصارَ لأنه الخبيرُ فيكون اللطيفُ مستفاداً من مقابل الكثيفِ لما لا يُدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها . (2/411)
وقوله تعالى : { قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } استئنافٌ وارد على لسان النبي عليه الصلاة والسلام ، والبصائرُ جمعُ بصيرةٍ وهي النورُ الذي به تستبصِرُ النفسُ كما أن البصرَ نورٌ به تبصِرُ العين ، والمرادُ بها الآيةُ الواردةُ هاهنا أو جميعُ الآيةِ المنتظمةِ لها انتظاماً أولياً ، ومن لابتداء الغايةِ مجازاً سواءٌ تعلقت بجاء أو بمحذوف هو صفةٌ لبصائرُ ، والتعرضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار كمالِ اللطفِ بهم أي قد جاءكم من جهة مالككم ومبلِّغِكم إلى كمالكم اللائقِ بكم من الوحي الناطقِ بالحق والصوابِ ما هو كالبصائر للقلوب أو قد جاءكم بصائرُ كائنةٌ من ربكم { فَمَنْ أَبْصَرَ } أي الحقَّ بتلك البصائرِ وآمن به { فَلِنَفْسِهِ } أي فلنفسه أبصر ، أو فإبصارُه لنفسه لأن نفعَه مخصوصٌ بها { وَمَنْ عَمِىَ } أي ومن لم يبصر الحقَّ بعد ما ظهر له بتلك البصائرِ ظهوراً بيِّناً وضلَّ عنه ، وإنما عبّر عنه بالعمى تقبيحاً له وتنفيراً عنه { فَعَلَيْهَا } أي فعليها عمِي أو فعَماهُ عليها أو وبالُ عملِه { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } وإنما أنا منذر ، والله هو الذي يحفظ أعمالَكم ويجازيكم عليها .
{ وكذلك نُصَرّفُ الايات } أي مثلَ ذلك التصريفِ البديعِ نصرِّف الآياتِ الدالةَ على المعاني الرائقةِ الكاشفةِ عن الحقائق الفائقةِ لا تصريفاً أدنى منه ، وقوله تعالى : { وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } علةٌ لفعل قد حذف تعويلاً على دلالة السياقِ عليه ، أو وليقولوا درست نفعلُ ما نفعل من التصريفِ المذكورِ ، واللامُ للعاقبة ، والواو اعتراضيةٌ وقيل : هي عاطفةٌ على علة محذوفةٍ واللام متعلقةٌ بنُصرِّف أي مثلَ ذلك التصريفِ نصرِّف الآياتِ لنُلزِمَهم الحجةَ وليقولوا الخ ، وقيل : اللام لامُ الأمرِ ، وتنصُره القراءةُ بسكون اللامِ كأنه قيل : وكذلك نصرف الآياتِ وليقولوا هم ما يقولون فإنه لا احتفالَ بهم ولا اعتدادَ بقولهم ، وهذا أمرٌ معناه الوعيدُ والتهديدُ وعدمُ الاكتراثِ بقولهم ورُدَّ عليه بأن ما بعده يأباه ، ومعنى درست قرأتَ وتعلمتَ ، وقُرىء دارسْتَ أي دارستَ العلماءَ ، ودَرَسَتْ أي تقدمت هذه الآياتُ وعفَت كما قالوا أساطيرُ الأولين ودَرُسَت بضم الراءِ مبالغةً في درَست أي اشتد دروسُها ودُرست على البناء للمفعول بمعنى قُرئت أو عُفِيت ودارَسَتْ وفسروها بدارست اليهودُ محمداً صلى الله عليه وسلم .
وجاز الإضمارُ لاشتهارهم بالدراسة ، وقد جُوز إسنادُ الفعل إلى الآيات وهو في الحقيقة لأهلها أي دارسَ أهلُ الآيات وحَمَلتُها محمداً صلى الله عليه وسلم وهم أهلُ الكتاب ودرَسَ أي درَسَ محمدٌ ودارِسات أي هي دارساتٌ أي قديمات أو ذاتُ دَرْسٍ كعيشة راضية وقوله تعالى : { وَلِنُبَيّنَهُ } عطفٌ على ليقولوا واللام على الأصل لأن التبيينَ غايةُ التصريفِ ، والضميرُ للآيات باعتبار المعنى أو للقرآن وإن لم يُذكر ، أو للمصدر أي ولِنفعلَ التبيينَ ، واللامُ في قوله تعالى : { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } متعلقةٌ بالتبيين ، وتخصيصُه بهم لما أنهم المنتفِعون به ، قال ابن عباس : هم أولياؤُه الذين هداهم إلى سبيل الرشادِ ، ووصفُهم بالعلم للإيذان بغاية جهلِ الأولين وخلوِّهم عن العلم بالمرة . (2/412)
اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)
{ اتبع مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } لما حُكي عن المشركين قدحُهم في تصريف الآياتِ عُقِّب ذلك بأمره عليه السلام بالثبات على ما هو عليه وبعدم الاعتدادِ بهم وبأباطيلهم ، أي دُمْ على ما أنت عليه من اتباع ما أوحي إليك من الشرائع والأحكامِ التي عُمدتُها التوحيدُ ، وفي التعرّض لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من إظهار اللطفِ به ما لا يخفى ، وقوله تعالى : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } اعتراضٌ بين الأمرين المتعاطفَين مؤكِّدٌ لإيجاب اتباعِ الوحي لا سيما في أمر التوحيدِ ، وقد جُوز أن يكون حالاً من ربك أي منفرداً في الألوهية { وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } لا تحتفِلْ بهم وبأقاويلهم الباطلةِ التي من جملتها ما حُكي عنهم آنفاً . ومن جعله منسوخاً بآية السيفِ حَمل الإعراضَ على ما يعُمّ الكفَّ عنهم . (2/413)
{ وَلَوْ شَاء الله } أي عدمَ إشراكِهم حسبما هو القاعدةُ المستمرةُ في حذف مفعولِ المشيئةِ من وقوعها شرطاً وكونِ مفعولها مضمونَ الجزاء { مَا أَشْرَكُواْ } وهذا دليلٌ على أنه تعالى لا يريد إيمانَ الكافرِ لكنْ لا بمعنى أنه تعالى يمنعُه عنه مِنْ توجّهِه إليه بل بمعنى أنه تعالى لا يريده منه لعدم صرفِ اختيارِه الجزئيِّ نحوَ الإيمان ، وإصرارِه على الكفر ، والجملةُ اعتراضٌ مؤكد للإعراض وكذا قولُه تعالى : { وَمَا جعلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } أي رقيباً مهيمناً مِنْ قِبلنا تحفظ عليهم أعمالَهم ، وكذا قولُه تعالى : { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } من جهتهم تقوم بأمورهم وتدبر مصالِحَهم ، وعليهم في الموضعين متعلقٌ بما بعده ، قُدِّم عليه للاهتمام أو لرعاية الفواصل .
{ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله } أي لا تشتُموهم من حيث عبادتُهم لآلهتهم كأن تقولوا : تباً لكم ولما تعبُدونه مثلاً { فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً } تجاوزاً عن الحق إلى الباطل بأن يقولوا لكم مثلَ قولِكم لهم { بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي بجهالة بالله تعالى وبما يجب أن يُذكَرَ به ، وقرىء عُدُوّاً يقال : عدا يعدو عَدْواً وعُدُوّاً وعِداء وعُدْواناً . روي أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول قوله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } لتنتهِيَنَّ عن سب آلهتِنا أو لنهجُوَنّ إلهك . وقيل : كان المسلمون يسبّونهم فنُهوا عن ذلك لئلا يستتبِعَ سبُّهم سبَّه سبحانه وتعالى ، وفيه أن الطاعةَ إذا أدتْ إلى معصية راجحةٍ وجب تركُها فإن ما يؤدي إلى الشر شرٌّ .
{ كذلك } أي مثلَ ذلك التزيينِ القويِّ { زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } من الخير والشر بإحداث ما يُمكّنهم منه ويحمِلُهم عليه توفيقاً أو تخذيلاً ، ويجوز أن يُراد بكل أمة أممُ الكفرةِ إذ الكلامُ فيهم وبعملهم شرُّهم وفسادُهم ، والمشبَّه به تزيينُ سبِّ الله تعالى لهم { ثُمَّ إلى رَبّهِمْ } مالك أمرِهم { مَرْجِعُهُمْ } أي رجوعُهم وهو البعثُ بعد الموت { فَيُنَبّئُهُمْ } من غير تأخير { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في الدنيا على الاستمرار من السيئات المزيَّنةِ لهم ، وهو وعيدٌ بالجزاء والعذاب ، كقول الرجل لمن يتوعدُه : سأُخبرُك بما فعلت ، وفيه نكتةٌ سِرّية مبنيةٌ على حِكمة أبيّةٍ ، وهو أن كلَّ ما يظهر في هذه النشأةِ من الأعيان والأعراضِ فإنما يظهر بصورة مستعارةٍ مخالفةٍ لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة ، فإن المعاصيَ سمومٌ قاتلةٌ قد برزت في الدنيا بصورةٍ ما تستحسنها نفوسُ العصاة ، كما نطقت به هذه الآيةُ الكريمة ، وكذا الطاعاتُ فإنها مع كونها أحسنَ الأحاسنِ قد ظهرت عندهم بصورة مكروهةٍ ، ولذلك قال عليه السلام :
« حُفَّت الجنَّةُ بالمكارِهِ وحَفَّتِ النارُ بالشهواتِ » فأعمال الكفرةِ قد برزت لهم في النشأة بصورة مزيَّنةٍ يستحسنها الغُواةُ ويستحبّها الطغاةُ ، وستظهر في النشأة الآخرةِ بصورتها الحقيقيةِ المنكرةِ الهائلةِ فعند ذلك يعرِفون أن أعمالهم ماذا فعبر عن إظهارها بصورها الحقيقية بالإخبار بها لما أن كلاًّ منهما سبب للعلم بحقيقتها كما هي . (2/414)
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)
فلْيُتدبر قوله تعالى : { وَأَقْسَمُواْ بالله } روي أن قريشاً اقترحوا بعضَ آيات ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : « فإن فعلتُ بعضَ ما تقولون أتصدّقونني؟ » فقالوا : نعم ، وأقسموا لئن فعلتَه ليؤمِنُنّ جميعاً فسأل المسلمون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها طمعاً في إيمانهم فهمّ عليه الصلاة والسلام بالدعاء فنزلت وقوله تعالى : { جَهْدَ أيمانهم } مصدرٌ في موقع الحال أي أقسموا به تعالى جاهدين في أيمانهم { لَئِن جَاءتْهُمْ ءايَةٌ } من مقترحاتهم أو من جنس الآياتِ وهو الأنسبُ بحالهم في المكابرة والعناد وترامي أمرِهم في العتو والفساد ، حيث كانوا لا يعُدّون ما يشاهدونه من المعجزات الباهرةِ من جنس الآيات { لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا } وما كان مَرْمى غرضِهم في ذلك إلا التحكمَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب المعجزةِ وعدم الاعتدادِ بما شاهدوا منه من البينات الحقيقةِ بأن تُقطعَ بها الأرضُ وتُسيَّر بها الجبالُ { قُلْ إِنَّمَا الايات } أي كلُّها ، فيدخُل فيها ما اقترحوه دخولاً أولياً { عَندَ الله } أي أمرُها في حُكمه وقضائِه خاصةً يتصرف فيها حسبَ مشيئتِه المبنيَّةِ على الحِكَم البالغةِ لا تتعلق بها ولا بشأن من شؤونها قُدرةُ أحدٍ ولا مشيئتُه لا استقلالاً ولا اشتراكاً بوجه من الوجوه حتى يُمكِنَني أن أتصدّى لاستنزالها بالاستدعاء . (2/415)
وهذا كما ترى سدٌّ لباب الاقتراحِ على أبلغ وجهٍ وأحسنِه ببيان علوِّ شأن الآياتِ وصعوبةِ منالِها وتعاليها من أن تكون عُرضةً للسؤال والاقتراحِ ، وأما ما قيل من أن المعنى إنما الآياتُ عند الله تعالى لا عندي فكيف أُجيبكم إليها أو آتيكم بها وهو القادِرُ عليها لا أنا حتى آتِيَكم بها فلا مناسبةَ له بالمقام كيف لا وليس مقترَحُهم مجيئها بغير قدرةِ الله تعالى وإرادتِه حتى يجابوا بذلك وقوله تعالى : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ تحت الأمرِ مَسوقٌ من جهته تعالى لبيان الحكمةِ الداعيةِ إلى ما أشعر به الجوابُ السابقُ من عدم مجيءِ الآياتِ خوطب به المسلمون إما خاصةً بطريق التلوينِ لمّا كانوا راغبين في نزولها طمعاً في إسلامهم ، وإما معه عليه الصلاة والسلام بطريق التعميم لما روي عنه صلى الله عليه وسلم من الهم بالدعاء . وقد بُيّن فيه أن أيْمانَهم فاجرةٌ وإيمانُهم مما لا يدخل تحت الوجودِ وإن أجيب إلى ما سألوه .
و ( ما ) استفهاميةٌ إنكاريةٌ لكن لا على أن مرجِعَ الإنكارِ هو وقوعُ المشعَرِ به بل هو نفسُ الإشعارِ مع تحقق المشعَرِ به في نفسه . أي وأيُّ شيءٍ يُعلِمُكم أن الآيةَ التي يقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بل يبقَوْن على ما كانوا عليه من الكفر والعِناد أي لا تعلمون ذلك فتتمنّون مجيئها طمعاً في إيمانهم فكأنه بسطُ عذرٍ من جهة المسلمين في تمنيهم نزولَ الآياتِ ، وقيل : ( لا ) مزيدةٌ فيتوجه الإنكارُ إلى الإشعار به جميعاً ، أي أيُّ شيءٍ يعلمكم إيمانَهم عند مجيءِ الآياتِ حتى تتمنَّوا مجيئها طمعاً في إيمانهم؟ فيكونُ تخطئةً لرأي المسلمين ، وقيل : ( أنّ ) بمعنى لعل ، يقال : ادخُل السوقَ أنك تشتري اللحمَ وعنك وعلّك ولعلك كلُّها بمعنى ، ويؤيده أنه قرىء لعلها إذا جاءت لا يؤمنون على أن الكلامَ قد تمّ قبله ، والمفعولُ الثاني ليُشعرَكم محذوفٌ كما في قوله تعالى :
{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ * يُزَكّى } والجملة استئنافٌ لتعليل الإنكار وتقريرِه ، أي أيُّ شيءٍ يعلمكم حالَهم وما سيكون عند مجيءِ الآياتِ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون بها فما لكم تتمنَّوْن مجيئها؟ فإن تمنِّيَهم إنما يليق بما إذا كان إيمانُهم بها محقَّقَ الوجودِ عند مجيئِها لا مرجوَّ العدم . وقرىء إنها بالكسر على أنه استئنافٌ حسبما سبق مع زيادة تحقيقٍ لعدم إيمانِهم وقرىء لا تؤمنون بالفوقانية ، فالخطابُ في وما يشعركم للمشركين وقرىء وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون ، فمرجِعُ الإنكارِ إقدامُ المشركين على الإقسام المذكورِ مع جهلهم بحال قلوبِهم عند مجيءِ الآياتِ وبكونها حينئذٍ كما هي الآن . (2/416)
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)
{ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم } عطفٌ على لا يؤمنون داخلٌ في حكم ما يشعركم مقيدٌ بما قيد به أي وما يُشعرُكم أنا نقلّب أفئدتَهم عن إدراك الحقِّ فلا يفقهونه وأبصارَهم عن اجتلائه فلا يُبصرونه لكن لا مَعَ توجهها إليه واستعدادِها لقبوله بل لكمال نُبوِّها عنه وإعراضِها بالكلية ولذلك أخِّر ذكرُه عن ذكر عدمِ إيمانِهم إشعاراً بأصالتهم في الكفر وحسماً لتوهُّم أن عدم إيمانِهم ناشىءٌ من تقليبه تعالى مشاعرَهم بطريق الإجبار { كَمَا لَوْ يُؤْمِنُواْ بِهِ } أي بما جاء من الآيات { أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي عند ورودِ الآياتِ السابقةِ ، والكافُ في محل النصبِ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ منصوبٌ بلا يؤمنون وما مصدريةٌ أي لا يؤمنون بل يكفرون كفراً كائناً ككفرهم أولَ مرةٍ ، وتوسيطُ تقليبِ الأفئدةِ والأبصارِ بينهما لأنه من متمّمات عدمِ إيمانهم { وَنَذَرُهُمْ } عطفٌ على لا يؤمنون داخلٌ في حكم الاستفهامِ الإنكاريِّ مقيّدٌ بما قيد به مبيِّنٌ لما هو المرادُ بتقليب الأفئدةِ والأبصار ، ومعْرِبٌ عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره بأن يُقلِّب الله سبحانه مشاعِرَهم عن الحق مع توجههم إليه واستعدادِهم له بطريق الإجبارِ بل بأن يُخلِّيَهم وشأنَهم بعد ما عُلم فسادُ استعدادِهم وفرطُ نفورِهم عن الحق ، وعدمُ تأثيرِ اللطفِ فيهم أصلاً ، ويطبَعُ على قلوبهم حسبما يقتضيه استعدادُهم كما أشرنا إليه ، وقوله تعالى : { فِي طغيانهم } متعلِّقٌ بنذرهم ، وقوله تعالى : { يَعْمَهُونَ } حالٌ من الضمير المنصوبِ في نذرهم أي ندعُهم في طغيانهم متحيِّرين لا نهديهم هدايةَ المؤمنين ، أو مفعولٌ ثانٍ لنذرُهم أي نصيِّرهم عامِهين وقرىء يُقلِّب ويَذَرُ بالياء على إسنادهما إلى ضمير الجلالةِ وقرىء تُقلَّبُ بالتاء والبناءِ للمفعول على إسناده إلى أفئدتهم . (2/417)
وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)
{ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة } تصريحٌ بما أشعَرَ به قولُه عز وجل : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } من الحكمة الداعيةِ إلى ترك الإجابةِ إلى ما اقترحوه من الآيات إثرَ بيانِ أنها في حُكمه وقضائه المبنيِّ على الحِكَم البالغةِ لا مدخلَ لأحد في أمرها بوجه من الوجوه ، وبيانٌ لكذبهم في أيْمانهم الفاجرةِ على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه أي ولو أننا لم نقتصِرْ على إيتاء ما اقترحوه هاهنا من آية واحدةٍ من الآيات بل نزلنا إليهم الملائكةَ كما سألوه بقولهم : { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة } وقولِهم : { لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملئكة } { وَكَلَّمَهُمُ الموتى } وشهدوا بحقية الإيمانِ بعد أن أحييناهم حسبما اقترحوه بقولهم : فأتوا بآبائنا { وَحَشَرْنَا } أي جمعنا { عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً } بضمتين وقرىء بسكون الباء أي كُفلأَ الأمرِ وصدقِ النبي صلى الله عليه وسلم ، على أنه جمعُ قَبيل بمعنى الكفيل كرغيف ورُغُف وقضيب وقُضُب وهو الأنسب بقوله تعالى : { أَوْ تَأْتِىَ بالله والملئكة قَبِيلاً } أي لو لم نقتصِرْ على ما اقترحوه بل زدنا على ذلك بأن أحضرنا لديهم كلَّ شيءٍ يتأتّى منه الكفالةُ والشهادةُ بما ذُكر لا فرادى بل بطريق المعيةِ . أو جماعاتٍ على أنه جمعُ قَبيلٍ وهو جمعُ قبيلة ، وهو الأوفق لعموم كلِّ شيءٍ وشمولِه للأنواع والأصنافِ أي حشرنا كلَّ شيء نوعاً نوعاً وصنفاً صنفاً وفوجاً فوجاً ، وانتصابُه على الحالية وجمعيتُه باعتبار الكل المجموعيِّ اللازمِ للكل الإفراديِّ أو مقابلةً وعِياناً على أنه مصدرٌ كقِبَلا ، وقد قرىء كذلك ، وانتصابُه على الوجهين على أنه مصدرٌ في موقع الحالِ ، وقد نقل عن المبرِّد وجماعةٍ من أهل اللغة أن الأخيرَ بمعنى الجهة كما في قولك : لي قِبَلَ فلانٍ حقٌّ ، وأن انتصابَه على الظرفية { مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } أي ما صح وما استقام لهم الإيمانُ لتماديهم في العصيان وغلوِّهم في التمرد والطُّغيانِ ، وأما ما سبق القضاءُ عليهم بالكفر فمن الأحكامِ المترتبةِ على ذلك حسبما ينبىء عنه قولُه عز وجل : { وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } وقوله تعالى : { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوالِ ، والالتفاتُ إلى الاسم الجليل لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة ، أي ما كانوا ليؤمنوا بعد اجتماعِ ما ذكر من الأمورِ الموجبةِ للإيمان في حال من الأحوال الداعيةِ إليه المتمِّمة لموجباته المذكورةِ إلا في حال مشيئتِه تعالى لإيمانهم أو من أعمّ العللِ أي ما كانوا ليؤمنوا لعلة من العلل المعدودةِ وغيرِها إلا لمشيئته تعالى له ، وأياً ما كان فليس المرادُ بالاستثناء بيانَ أن إيمانَهم على خطر الوقوعِ بناءً على كون مشيئتِه تعالى أيضاً كذلك بل بيانَ استحالةِ وقوعِه بناءً على استحالة وقوعِها كأنه قيل : ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله وهيهاتَ ذلك وحالُهم حالُهم بدليل ما سبق من قوله تعالى : (2/418)
{ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ } الآية ، كيف لا وقولُه عز وجل : { ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } استدراكٌ من مضمون الشرطيةِ بعد ورودِ الاستثناءِ لا قبله ، ولا ريبَ في أن الذي يجهلونه سواءٌ أريد بهم المسلمون وهو الظاهرُ ، أو المُقسِمون ليس عدمَ إيمانِهم بلا مشيئة الله تعالى كما هو اللازمُ من حمل النظمِ الكريمِ على المعنى الأولِ فإنه ليس مما يعتقده الأولون ولا مما يدّعيه الآخَرون بل إنما هو عدمُ إيمانهم لعدم مشيئتِه إيمانَهم ومرجعُه إلى جهلهم بعدم مشيئتِه إياه فالمعنى أن حالَهم كما شُرح ولكن أكثر المسلمين يجهلون عدمَ إيمانِهم عند مجيءِ الآياتِ لجهلهم عدمَ مشيئتِه تعالى لإيمانهم فيتمنَّوْن مجيئَها طمعاً فيما لا يكون . فالجملةُ مقرِّرةٌ لمضمون قوله تعالى : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } الخ ، على القراءة المشهورة ، أو ولكن أكثرَ المشركين يجهلون عدمَ إيمانِهم عند مجيء الأيات لجهلهم عدم مشيئته تعالى لإيمائهم حينئذ فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يكاد يكونُ ، فالجملةُ على القراءة السابقةِ بيانٌ مبتدأٌ لمنشأ خطأ المقسِمين ومناطِ إقسامهم وتقريرٌ له على قراءة لا تؤمنون بالتاء الفوقانية وكذا على قراءة وَمَا يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون . (2/419)
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)
{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لتسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عما كان يشاهده من عداوة قريشٍ له عليه الصلاة والسلام وما بنَوْا عليها مما لا خير فيه من الأقاويل والأفاعيلِ ببيان أن ذلك ليس مختصاً بل هو أمرٌ ابتُليَ به كلُّ من سبَقك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ومحلُّ الكاف النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أشير إليه بذلك منصوبٌ بفعله المحذوفِ مؤكدٌ لما بعده وذلك إشارةٌ إلى ما يفهم مما قبله أي جعلنا لكل نبيَ عدواً والتقديمُ على الفعل المذكورِ للقصر المفيدِ للمبالغة أي مثلَ ذكل الجعلِ الذي جعلنا في حقك لك عدواً يُضادُّونك ويضارُّونك ولا يؤمنون ويبغونك الغوائلَ ويدبّرون في إبطال أمرِك مكايدَ جعلنا لكل نبيَ تقدمَك عدواً فعلوا بهم ما فعل بك أعداؤُك لا جعلاً أنقصَ منه . (2/420)
وفيه دليلٌ على أن عداوةَ الكفرةِ للأنبياء عليهم السلام بخلقه تعالى للابتلاء { شياطين الإنس والجن } أي مَرَدةَ الفريقين على أن الإضافة بمعنى مِنْ البيانية ، وقيل : هي إضافةُ الصفةِ إلى الموصوف والأصلُ الإنسُ والجنُّ والشياطينُ ، وقيل : هي بمعنى اللام أي الشياطين التي للإنس والتي للجن ، وهو بدلٌ من عدواً والجعلُ متعدَ إلى واحد أو إلى اثنين وهو أولُ مفعوليْه قُدِّم عليه الثاني مسارعةً إلى بيان العداوةِ ، واللام على التقديرين متعلقةٌ بالجعل أو بمحذوف هو حالٌ من عدواً ، وقوله تعالى : { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ } كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لبيان أحكامِ عداوتِهم ، وتحقيقُ وجهِ الشبهِ بين المشبهِ والمشبَّه به ، أو حالٌ من الشياطين أو نعتٌ لعدواً ، وجمعُ الضميرِ باعتبار المعنى فإنه عبارةٌ عن الأعداء كما في قوله :
إذا أنا لم أنفعْ صديقي بودّه ... فإن عدوِّي لم يضُرَّهمو بغضي
والوحيُ عبارةٌ عن الإيماء والقول السريعِ ، أي يُلقي ويوسوس شياطينُ الجنِّ إلى شياطينِ الإنسِ ، أو بعضُ كلَ من الفريقين إلى بعض آخَرَ { زُخْرُفَ القول } أي المموَّهَ منه المزيَّنَ ظاهرُه الباطلَ باطنُه . من زَخْرفه إذا زيّنه . { غُرُوراً } مفعول له ليوحي أي ليغُرّوهم ، أو مصدرٌ في موقع الحال أي غارّين أو مصدرٌ مؤكد لفعل مقدرٍ هو حال من فاعل يوحي أي يغرُّون غروراً { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ } رجوعٌ إلى بيان الشؤونِ الجاريةِ بينه صلى الله عليه وسلم وبين قومِه المفهومةِ من حكاية ما جرى بين الأنبياءِ عليهم السلام وبين أُممِهم كما ينبىء عنه الالتفاتُ ، والتعرُّضُ لوصف الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم المُعرِبة عن كمال اللطفِ في التسلية أي ولو شاء ربُّك عدمَ الأمورِ المذكورةِ لا إيمانَهم كما قيل فإن القاعدةَ المستمرةَ أن مفعولَ المشيئةِ إنما يحذف عند وقوعِها شرطاً وكونِ مفعولِها مضمونَ الجزاءِ وهو قوله تعالى : { مَّا فَعَلُوهُ } أي ما فعلوا ما ذكر من عداوتك ، وإيحاءِ بعضهم إلى بعض مزخرفاتِ الأقاويلِ الباطلةِ المتعلقةِ بأمرك خاصة لا بما يعمّه وأمورَ الأنبياءِ عليهم السلام أيضاً كما قيل فإن قوله تعالى : { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } صريحٌ في أن المرادَ بهم الكفرةُ المعاصِرون له عليه الصلاة والسلام أي إذا كان ما فعلوه من أحكام عداوتِك من فنون المفاسد بمشيئته تعالى فاترُكْهم وافتراءَهم أو ما يفترونه من أنواع المكايدِ فإن لهم في ذلك عقوباتٍ شديدةً ولك عواقبُ حميدةٌ لابتناء مشيئتِه تعالى على الحِكَم البالغة البتة .
وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114)
{ ولتصغى إِلَيْهِ } أي إلى زُخرُفِ القولِ وهو على الوجه الأولِ علة أخرى للإيحاء معطوفةٌ على غروراً وما بينهما اعتراضٌ وإنما لم ينصَبْ لفقد شرطِه إذ الغرورُ فعلُ الموحي وصغْوُ الأفئدةِ فعلُ الموحى إليه أي يوحي بعضُهم إلى بعض زُخْرفَ القولِ ليغرِّرَهم به ولتميل إليه { أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } إنما خصَّ بالذكر عدمُ إيمانِهم بالآخرة دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمانُ بها وهم بها كافرون إشعاراً بما هو المدارُ في صغْو أفئدتِهم إلى ما يلقى إليهم ، فإن لذّاتِ الآخرةِ محفوفةٌ في هذه النشأةِ بالمكاره ، وآلامُها مزينةٌ بالشهوات فالذين لا يؤمنون بها وبأحوال ما فيها لا يدرون أن وراءَ تلك المكارهِ لذّاتٍ ودون هذه الشهواتِ آلاماً وإنما ينظُرون إلى ما بدا لهم في الدنيا بادىءَ الرأي فهم مضطرون إلى حبّ الشهواتِ التي من جملتها مزخْرَفاتُ الأقاويلِ ومُموَّهاتُ الأباطيل وأما المؤمنون بها فحيث كانوا واقفين على حقيقة الحالِ ناظرين إلى عواقب الأمورِ لم يُتصوَّر منهم الميلُ إلى تلك المزخرَفاتِ لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتِها . (2/421)
وأما على الوجهين الأخيرين فهو علةٌ لفعل محذوف يدل عليه المقامُ أي ولكون ذلك جعلنا ما جعلنا ، والمعتزلةُ جعلوا اللامَ لامَ العاقبةِ أو لام القسَم أو لامَ الأمر وضعفُه في غاية الظهور { وَلِيَرْضَوْهُ } لأنفسهم بعد ما مالت إليه أفئدتهم { وَلِيَقْتَرِفُواْ } أي يكتسبوا بوجب ارتضائِهم له { مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } له من القبائح التي لا يليق ذكرُها .
{ أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً } كلامٌ مستأنفٌ واردٌ على إرادة القولِ ، والهمزةُ للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلامُ أي قل لهم : أأمِيلُ إلى زخارف الشياطينِ فأبتغيَ حكماً غيرَ الله يحكمُ بيننا ويفصل المحِقَّ منا من المبْطِل؟ وقيل : إن مشركي قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلْ بيننا وبينك حكَماً من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرَنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت . وإسنادُ الابتغاءِ المنكرِ إلى نفسه صلى الله عليه وسلم لا إلى المشركين كما في قوله تعالى : { أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ } مع أنهم الباغون لإظهار كمالِ النَّصَفةِ أو لمراعاة قولِهم : اجعلْ بيننا وبينك حكماً . وغيرَ إما مفعولُ أبتغي وحكَماً حالٌ منه وإما بالعكس ، وأياً ما كان فتقديمُه على الفعل الذي هو المعطوفُ بالفاء حقيقةً كما أشير إليه للإيذان بأن مدارَ الإنكارِ هو ابتغاءُ غيرِه تعالى حكماً لا مطلقُ الابتغاء . وقيل : حكماً تمييزٌ لما في ( غيرَ ) من الإبهام كقولهم : إن لنا غيرَها إبلاً . قالوا : الحكَمُ أبلغُ من الحاكمِ وأدلُّ على الرسوخ لما أنه لا يُطلق إلا على العادل وعلى مَنْ تكرَّر منه الحكمُ بخلاف الحاكم وقوله تعالى : { وَهُوَ الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب } جملةٌ حاليةٌ مؤكدةٌ لإنكار ابتغاءِ غيرِه تعالى حكماً ، ونسبةُ الإنزالِ إليهم خاصةً مع أن مقتضى المقامِ إظهارُ تساوي نسبتِه إلى المتحاكِمَيْن لاستمالتهم نحوَ المُنْزَل واستنزالِهم إلى قبول حكمِه بإيهام قوةِ نسبتِه إليهم ، أي أغيرَه تعالى أبتغي حكَماً والحالُ أنه هو الذي أنزلَ إليكم .
وأنتم أمةٌ أمِّية لا تدرون ما تأتون وما تذرون فإن القرآنَ الناطقَ بالحق والصوابِ الحقيقُ بأن يُخَصَّ به اسمُ الكتاب { مُفَصَّلاً } أي مبيناً فيه الحقُّ والباطلُ والحلالُ والحرام وغيرُ ذلك من الأحكام بحيث لم يبْقَ في أمور الدينِ شيءٌ من التخليط والإبهامِ فأيُّ حاجة بعد ذلك إلى لحَكَم؟ وهذا كما ترى صريحٌ في أن القرآنَ الكريمَ كافٍ في أمر الدينِ مغنٍ عن غيره ببيانه وتفصيلِه وأما أن يكون لإعجازه دخْلٌ في ذلك كما قيل فلا ، وقوله تعالى : { والذين ءاتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بالحق } كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ تحت القولِ المقدَّر مَسوقٌ من جهته سبحانه لتحقيق حقِّيةِ الكتابِ الذي نيط به أمرُ الحَكَمية وتقريرِ كونِه منزلاً من عنده عز وجل ببيان أن الذين وثِقوا بهم ورضوا بحَكَميّتهم حسبما نُقل آنفاً من علماء اليهودِ والنصارى عالمون بحقيته ونزولِه من عنده تعالى ، وفي التعبير عن التوراة والإنجيلِ باسم الكتابِ إيماءٌ إلى ما بينهما وبين القرآنِ من المجانسة المقتضيةِ للاشتراك في الحقية والنزولِ من عنده تعالى مع ما فيه من الإيجاز ، وإيرادُ الطائفتين بعنوان إيتاءِ الكتابِ للإيذان بأنهم علِموه من جهة كتابِهم حيث وجدوه حسبما نُعت فيه وعاينوه موافِقاً له في الأصول وما لا يُختلف من الفروع ومُخبِراً عن أمور لا طريقَ إلى معرفتها سوى الوحي . والمرادُ بالموصول إما علماءُ الفريقين وهو الظاهرُ فالإيتاءُ هو التفهيمُ بالفعل وإما الكلُّ وهم داخلون فيه دخولاً أولياً فهو أعمُّ مما ذكر من التفهيم بالقوة ، ولا ريب في أن الكل متمكنون من ذلك ، وقيل : المرادُ مؤمنوا أهلِ الكتاب ، وقرىء مُنْزلٌ من الإنزال ، والتعرضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه عليه الصلاة والسلام ، والباءُ في قوله تعالى بالحق متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكنّ في مُنزّلٌ أي ملتبساً بالحق . (2/422)
{ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } أي في أنهم يعلمون ذلك لما لا تشاهِد منهم آثارَ العلم وأحكام المعرفة ، فالفاء لترتيب النهي على الإخبار بعلم أهل الكتاب بشأن القرآنِ أو في أنه منزلٌ من ربك بالحق فيكونُ من باب التهييجِ والإلهابِ كقوله تعالى : { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } وقيل : الخطابُ في الحقيقة للأمة وإن كان له صلى الله عليه وسلم صورةً ، وقيل : الخطابُ لكل أحدٍ على معنى أن الأدلةَ قد تعاضدت وتظاهرت فلا ينبغي لأحد أن يمتريَ فيه ، والفاءُ على هذه الوجوهِ لترتيب النهي على نفس علمِهم بحال القرآن .
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)
{ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } شروعٌ في بيان كمالِ الكتابِ المذكورِ من حيث ذاتُه إثرَ بيانِ كمالِه من حيث إضافتُه إليه تعالى بكونه منزلاً منه بالحق ، وتحقيقُ ذلك بعلم أهلِ الكتاب به ، وإنما عبر عنه بالكلمة لأنها الأصلُ في الاتصاف بالصدق والعدلِ وبها تظهر الآثارُ من الحكم ، وقرىء كلماتُ ربك { صِدْقاً وَعَدْلاً } مصدران نصبا على الحال وقيل : على التمييز وقيل : على العلة وقوله تعالى : { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } إما استئنافٌ مبينٌ لفضلها على غيرها إثرَ بيانِ فضلِها في نفسها ، وإما حالٌ أخرى من فاعل تمت على أن الظاهرَ مغنٍ عن الضمير الرابطِ ، والمعنى أنها بلغت الغايةَ القاصيةَ صدقاً في الإخبار والمواعيدِ وعدلاً في الأقضية والأحكامِ لا أحدَ يبدل شيئاً من ذلك بما هو أصدقُ وأعدلُ ولا بما هو مثلُه فكيف يُتصوّر ابتغاءُ حكمٍ غيرِه تعالى { وَهُوَ السميع } لكل ما يتعلق به السمع { العليم } بكل ما يمكن أن يُعلم فيدخُلُ في ذلك أقوالُ المتحاكمين وأحوالُهم الظاهرةُ والباطنةُ دخولاً أولياً ، هذا وقد قيل : المعنى لا أحدَ يقدِر على أن يحرِّفها كما فُعل بالتوراة ، فيكونُ ضماناً لها من الله عز وجل بالحفظ كقوله تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } أو لا نبيَّ ولا كتابَ بعدها ينسخها . (2/423)
{ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الارض } لما تحقق اختصاصُه تعالى بالحكمية لاستقلاله بما يوجبها من إنزال الكتابِ الكاملِ الفاصلِ بين الحقِّ والباطلِ وتمامِ صدقِ كلامِه وكمالِ عدالةِ أحكامِه وامتناعِ وجودِ من يبدل شيئاً منها واستبدادِه تعالى بالإحاطة التامةِ بجميع ( المسموعات ) والمعلومات عقّب ذلك ببيان أن الكفرةَ متصفون بنقائض تلك الكمالاتِ من النَّقائص التي هي الضلالُ والإضلالُ واتباعُ الظنونِ الفاسدةِ الناشىءُ من الجهل والكذبِ على الله سبحانه وتعالى إبانةً لكمال مباينةِ حالِهم لما يرومونه وتحذيراً عن الرّكون إليهم والعملِ بآرائهم ، والمرادُ بمن في الأرض الناسُ وبأكثرهم الكفارُ ، وقيل : أهلُ مكةَ والأرضُ أرضُها أي إن تُطِعهم بأن جعلتَ منهم حكَماً { يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } عن الطريق الموصلِ إليه أو عن الشريعة التي شرعها لعباده { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } وهو ظنُّهم أن آباءَهم كانوا على الحق فهم على آثارهم يهتدون أو جهالاتُهم وآراؤهم الباطلةُ على أن المرادَ بالظن ما يقابل العلم ، والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الشرطية كأنه قيل : كيف يضلون؟ فقيل : لا يتبعون في أمور دينِهم إلا الظنَّ وإنّ الظنَّ لا يُغني من الحق شيئاً فيضلون ضلالاً مبيناً ، ولا ريبَ في أن الضالَّ المتصدّيَ للإرشاد إنما يُرشد غيرَه إلى مسلك نفسِه فهم ضالون مضِلّون وقوله تعالى : { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } عطفٌ على ما قبله داخلٌ في حكمه أي يكذِبون على الله سبحانه فيما ينسُبون إليه تعالى كاتخاذ الولدِ وجعلِ عبادةِ الأوثانِ ذريعةً إليه تعالى وتحليلِ الميتةِ وتحريمِ البحائرِ ونظائرِها ، أو يقدّرون أنهم على شيء وأنّى لهم ذلك ودونه مناطُ العَيُّوقِ وحقيقتُه ما يقال عن ظن وتخمين .
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)
{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } تقريرٌ لمضمون الشرطيةِ وما بعدها وتأكيدٌ لما يفيده من التحذير ، أي هو أعلمُ بالفريقين فاحذر أن تكون من الأولين ، و ( من ) موصولةٌ أو موصوفةٌ في محل النصبِ لا بنفس أعلمُ فإن أفعلَ التفضيلِ لا ينصِبُ الظاهرَ في مثل هذه الصور بل بفعل دلَّ هو عليه ، أو استفهاميةٌ مرفوعة بالابتداء والخبرُ يَضِلّ والجملةُ معلقٌ عنها الفعلُ المقدر ، وقرىء يُضِل بضم الياء على أن ( من ) فاعلٌ ليُضِل ومفعولُه محذوفٌ ومحلها النصب بما ذكر من الفعل المقدر أي هو أعلم يعلم من يُضِل الناسَ فيكون تأكيداً للتحذير عن طاعة الكفرةِ . وأما أن الفاعلَ هو الله تعالى ومَنْ منصوبةٌ بما ذكر أي يعلم مَنْ يُضِلّه أو مجرورةٌ بإضافة أعلمُ إليها أي أعلمُ المُضِلّين من قوله تعالى : { مَن يُضْلِلِ الله } أو من قولك : أضللتُه إذا وجدتُه ضالاً فلا يساعده السباقُ والسياقُ والتفضيلُ في العلم بكثرته وإحاطتِه بالوجوه التي يمكن تعلّقُ العلمِ بها ولزومُه وكونُه بالذات لا بالغير . (2/424)
{ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } أمرٌ مترتبٌ على النهي عن اتباع المُضلّين الذين من جملة إضلالِهم تحليلُ الحرامِ وتحريمُ الحلالِ ، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين : إنكم تعبدون الله فما قتله الله أحقُّ أن تأكُلوه مما قتلتم أنتم فقيل للمسلمين : كلوا ممّا ذُكر اسمُه تعالى خاصة على ذبحه لا مما ذكر عليه اسمُ غيرِه فقط أو مع اسمه تعالى أو مات حتفَ أنفِه { إِن كُنتُم بآياته } التي من جملتها الآياتُ الواردةُ في هذا الشأن { مُّؤْمِنِينَ } فإن الإيمانَ بها يقتضي استباحةَ ما أحله الله والاجتنابِ عما حرمه ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه .
{ وَمَا لَكُمْ أَن لا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } إنكارٌ لأن يكون لهم شيءٌ يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذُكر عليه اسمُ الله تعالى من البحائر والسوائبِ ونحوِها وقوله تعالى : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم } الخ ، جملةٌ حاليةٌ مؤكدةٌ للإنكار كما في قوله تعالى : { وَمَا لَنَا أَن لا نقاتل فِى سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا } أي وأيُّ سببٍ حاصلٍ لكم في ألا تأكُلوا مما ذكر اسمُ الله عليه ، أو وأيُّ غرضٍ يحمِلُكم على أن لا تأكلوا ويمنعُكم من أكله والحالُ أنه قد فصل لكم { مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } بقوله تعالى : { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } الخ ، فبقي ما عدا ذلك على الحِلّ لا بقوله تعالى : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } الخ ، لأنها مدنية ، وأما التأخرُ في التلاوة فلا يوجبُ التأخّرَ في النزول ، وقرىء الفعلان على البناء للمفعول وقرىء الأول على البناء للفاعل والثاني للمفعول { إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ } مما حرّم فإنه أيضاً حلالٌ حينئذ { وَإِنَّ كَثِيرًا } أي من الكفار { لَّيُضِلُّونَ } الناسَ بتحريم الحلالِ وتحليلِ الحرام كعمرو بنِ لُحَيّ وأضرابِه وقرىء يَضِلّون { بِأَهْوَائِهِم } الزائغةِ وشهواتِهم الباطلة { بِغَيْرِ عِلْمٍ } مقتبسٍ من الشريعة الشريفة مستندٍ إلى الوحي { إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين } المتجاوزين لحدود الحقِّ إلى الباطل والحلالِ إلى الحرام .
وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)
{ وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ } أي ما يُعلن من الذنوب وما يُسَرّ أو ما يعمل منها بالجوارح وما بالقلب ، وقيل : الزنا في الحوانيت واتخاذُ الأخذان { إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم } أي يكتسبونه من الظاهر والباطن { سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } كائناً ما كان فلا بد من اجتنابهما ، والجملةُ تعليلٌ للأمر . (2/425)
{ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } ظاهرٌ في تحريم متروكِ التسميةِ عمْداً كان أو نسياناً ، وإليه ذهب داودُ ، وعن أحمدَ بنِ حنبل مثلُه ، وقال مالك والشافعي بخلافه لقوله عليه السلام : « ذبيحةُ المسلم حلالٌ وإن لم يذكر اسمَ الله عليها » وفرق أبو حنيفة بين العمْد والنسيانِ وأوّله بالميتة أو بما ذكر عليه اسمُ غيرِه تعالى لقوله : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } فإن الفسقَ ما أُهل به لغير الله والضميرُ لما ، ويجوز أن يكون للأكل المدلولِ عليه بلا تأكلوا ، والجملةُ مستأنفةٌ وقيل : حالية { وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ } المرادُ بالشياطين إبليسُ وجنودُه فإيحاؤهم وسوستُهم إلى المشركين ، وقيل : مرَدةُ المجوسِ فإيحاؤهم إلى أوليائهم ما أَنْهَوا إلى قريشٍ بالكتاب أن محمداً وأصحابَه يزعُمون أنهم يتبعون أمرَ الله ثم يزعُمون أن ما يقتلونه حلالٌ وما يقتله الله حرام { ليجادلوكم } أي بالوساوس الشيطانيةِ أو بما نقل من أباطيلِ المجوسِ وهو يؤيد التأويلَ بالميتة { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } في استحلالِ الحرامِ وساعدتموهم على أباطيلهم { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } ضرورةَ أن من ترك طاعةَ الله إلى طاعة غيرِه واتبعه في دينه فقد أشركه به تعالى ، بل آثرَه عليه سبحانه .
{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا } وقرىء ميِّتاً على الأصل { فأحييناه } تمثيلٌ مَسوقٌ لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين إثرَ تحذيرِهم عنها بالإشارة إلى أنهم مستضيئون بأنوار الوحي الإلهي والمشركون خابطون في ظلمات الكفرِ والطغيانِ فكيف يُعقل إطاعتُهم لهم؟ والهمزةُ للإنكار والنفي ، والواوُ لعطف الجملةِ الاسميةِ على مثلها الذي يدل عليه الكلامُ ، أي أأنتم مثلُهم ومَنْ كان ميتاً فأعطيناه الحياةَ وما يتبعُها من القوى المُدْرِكة والمحرِّكة؟ { وَجَعَلْنَا لَهُ } مع ذلك من الخارج { نُوراً } عظيماً { يَمْشِي بِهِ } أي بسببه ، والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : فماذا يصنع بذلك النورِ؟ فقيل : يمشي به { فِى الناس } أي فيما بينهم آمِناً من جهتهم أو صفةٌ له { كَمَن مَّثَلُهُ } أي صفتُه العجيبةُ وهو مبتدأ وقوله تعالى : { فِى الظلمات } خبرُه على أن المرادَ بهما اللفظُ لا المعنى كما في قولك : زيدٌ صفتُه اسمرُ ، وهذه الجملةُ صلةٌ لمن وهي مجرورةٌ بالكاف وهي مع مجرورها خبرٌ لمن الأولى وقوله تعالى : { لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } حالٌ من المستكن في الظرف وقيل : من الموصول أي غيرُ خارجٍ منها بحال ، وهذا كما ترى مثلٌ أريد به من بقي في الضلالة بحيث لا يفارقها أصلاً كما أن الأولَ مثَلٌ أريد به من خلقه الله تعالى على فطرة الإسلامِ وهداه بالآيات البينةِ إلى طريق الحقِّ يسلُكه كيف يشاء لكن لا على أن يدل على كل واحدٍ من هذه المعاني بما يليق به من الألفاظ الواردةِ في المثَلين بواسطة تشبيهِه بما يناسبه من معانيها ، فإن ألفاظَ المثَلِ باقيةٌ في معانيها الأصلية ، بل على أنه قد انتُزعت من الأمور المتعددةِ المعتبرةِ في كل واحدٍ من جانبي المَثَلين هيئةٌ على حِدَة فشُبِّهت بهما الأُوليان ونُزّلتا منزلتيهما فاستُعمل فيهما ما يدل على الأُخْريين بضرب من التجوّز ، وقد أشير في تفسير قوله تعالى :
{ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } الآية ، إلى أن التمثيلَ قسمٌ برأسه لا سبيل إلى جعله من باب الاستعارةِ حقيقةً وأن الاستعارةَ التمثيليةَ من عبارات المتأخرين . نعم قد يجري ذلك على سنن الاستعارةِ بأن لا يُذكرَ المشبّه كهذين التمثيلين ونظائرِهما وقد يجري على منهاج التشبيه كما في قوله : (2/426)
وما الناسُ إلا كالديار وأهلُها ... بها يوم حلُّوها غدواً بلاقعُ
{ كذلك } أي مثلَ ذلك التزيينِ البليغ { زُيّنَ } أي من جهة الله تعالى بطريق الخلق عند إيحاءِ الشياطينِ أو من جهة الشياطينِ بطريقة الزخرفةِ والتسويلِ { للكافرين } التابعين للوساوس الشيطانيةِ الآخذين بالمُزخْرَفات التي يوحونها إليهم { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ما استمرّوا على عمله من فنون الكفرِ والمعاصي التي من جملتها ما حُكيَ عنهم من القبائح فإنها لو لم تكن مُزينةً لهم لما أصروا عليها ولما جادلوا بها الحقَّ ، وقيل : الآية نزلت في حمزةَ رضي الله عنه ، وأبي جهلٍ وقيل : في عمرَ أو عمارٍ رضي الله عنهما وأبي جهل .
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)
{ وكذلك } قيل : معناه كما جعلنا في مكةَ أكابرَ مجرميها ليمكروا فيها { جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ } من سائر القرى { أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } ومفعولا جعلنا أكابرَ مجرميها على تقديم المفعولِ الثاني والظرفُ لغو أو هما الظرفُ وأكابرَ على أن مجرميها بدلٌ أو مضافٌ إليه فإن أفعل التفضيل إذا أُضيف جاز الإفرادُ والمطابقةُ ولذلك قرىء أكبرَ مجرميها وقيل : أكابرَ مجرميها مفعولُه الأولُ والثاني ليمكروا فيها ، ولا يخفى أن أيَّ معنى يراد من هذه المعاني لا بد أن يكون مشهورَ التحققِ عند الناسِ معهوداً فيما بينهم حتى يصلُحَ أن تُصرَفَ الإشارةُ عن سباق النظمِ الكريمِ وتوجَّهَ إليه ويُجعلَ مقياساً لنظائره بإخراجه مُخرجَ المصدرِ التشبيهيِّ وظاهرٌ أنْ ليس الأمرُ كذلك ولا سبيلَ إلى توجيهها إلى ما يفهم من قوله تعالى : { كَذَلِكَ زُيّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وإن كان المرادُ بهم أكابرَ مكةَ لأن مآلَ المعنى حينئذ بعد اللتيا والتي كما جعلنا أعمالَ أهلِ مكةَ مزينةً لهم جعلنا في كل قرية أكابرَ مجرميها الخ ، فإذن الأقربُ أن ذلك إشارةٌ إلى الكفَرة المعهودين باعتبار اتصافِهم بصفاتهم ، والإفرادُ بتأويل الفريقِ أو المذكور ، ومحلُّ الكافِ النصبُ على أن المفعولُ الثاني لجعلنا قدم عليه لإفادة التخصيصِ كما في قوله تعالى : { كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ } الآية ، والأولُ أكابرَ مجرميها ، والظرف لغة أي ومثلَ أولئك الكفرةِ الذين هم صناديدُ مكةَ ومجرموها جعلنا في كل قريةٍ أكابرَها المجرمين أي جعلناهم متصفين بصفات المذكورين مزيَّناً لهم أعمالُهم مُصِرّين على الباطل مجادلين به الحقَّ ليمكروا فيها أي ليفعلوا المكرَ فيها ، وهذا تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى : { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } اعتراضٌ على سبيل الوعدِ لرسول الله عليه الصلاة والسلام والوعيدِ للكفرة أي وما تحيقُ غائلةُ مكرِهم إلا بهم { وَمَا يَشْعُرُونَ } حال من ضمير يمكرون مع اعتبار ورودِ الاستئناءِ على النفي أي إنما يمكرون بأنفسهم والحالُ أنهم ما يشعُرون بذلك أصلاً بل يزعُمون أنهم يمكرون بغيرهم . (2/427)
وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124)
وقوله تعالى : { وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَةٌ } رجوعٌ إلى بيان حالِ مجرمي أهلِ مكةَ بعد ما بُيِّن بطريق التسليةِ أن حالَ غيرِهم أيضاً كذلك وأن عاقبةَ مكرِ الكلِّ ما ذُكر ، فإن العظيمةَ المنقولةَ إنما صدَرت عنهم لا عن سائر المجرمين ، أي إذا جاءتهم آيةٌ بواسطة الرسولِ عليه الصلاة والسلام { قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى تُؤْتِى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله } قال ابن عباس رضي الله عنهما : حتى يوحيَ إلينا ويأتيَنا جبريلُ عليه السلام فيخبرَنا أن محمداً صادق كما قالوا : { أَوْ تَأْتِىَ بالله والملئكة قَبِيلاً } وعن الحسن البصْري مثلُه . (2/428)
وهذا كما ترى صريحٌ في أن ما عُلّق بإيتاء ما أوتيَ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام هو إيمانُهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه إيماناً حقيقياً كما هو المتبادَرُ منه عند الإطلاقِ خلا أنه يستدعي أن يُحمل ما أوتيَ رسلُ الله على مطلق الوحي ومخاطبةِ جبريلَ عليه السلام في الجملة وأن تُصرفَ الرسالةُ في قوله تعالى : { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } عن ظاهرها ، وتُحملَ على رسالة جبريلَ عليه السلام بالوجه المذكور ، ويُرادَ بجعلها تبليغُها إلى المرسَل إليه لا وضعُها في موضعها الذي هو الرسول ليتأتّى كونُه جواباً عن اقتراحهم ورداً له بأن يكونَ معنى الاقتراحِ : لن نؤمنَ بكون تلك الآيةِ نازلةً من عند الله تعالى إلى الرسول حتى يأتيَنا بالذات عِياناً كما يأتي الرسولُ فيخبرُنا بذلك ، ومعنى الردّ : الله أعلم مَنْ يليقُ بإرسال جبريلَ عليه السلام إليه لأمر من الأمور إيذاناً بأنهم بمعزل من استحقاق ذلك التشريفِ ، وفيه من التمحُّل ما لا يخفى . وقال مقاتلٌ : نزلت في أبي جهلٍ حين قال : زاحَمْنا بني عبدِ منافٍ في الشرف حتى إذا صِرْنا كفرَسَيْ رهانٍ قالوا : منا نبيٌّ يوحى إليه ، والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبداً حتى يأتيَنا وحيٌ كما يأتيه .
وقال الضحاك : سأل كلُّ واحد من القوم أن يُخَصّ بالرسالة والوحي كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله : { بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } ولا يخفى أن كلَّ واحد من هذين القولين وإن كان مناسباً للرد المذكورِ لكنه يقتضي أن يراد بالإيمان المُعلَّقِ بإيتاء ما أوتيَ الرسلُ مجردُ تصديقِهم برسالته عليه الصلاة والسلام في الجملة من غير شمولٍ لكافة الناس وأن تكون كلمةُ حتى في قول اللعينِ حتى يأتيَنا وحيٌ كما يأتيه الخ ، غايةً لعدم الرضا لا لعدم الاتباعِ فإنه مقررٌ على تقديرَيْ إيتاءِ الوحي وعدمِه ، فالمعنى لن نؤمنَ برسالته أصلاً حتى نؤتى نحن من الوحي والنبوة مثلَ ما أوتي رسلُ الله ، أو إيتاءِ رسلِ الله ، وأما ما قيل من أن الوليدَ بنَ المغيرةِ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كانت النبوةُ حقاً لكنتُ أولى بها منك لأني أكبرُ منك سناً وأكثرُ منك مالاً وولداً .
فنزلت فلا تعلُّقَ له بكلامهم المردودِ إلا أن يرادَ بالإيمان المعلَّقِ بما ذكر مجردُ الإيمانِ بكون الآيةِ النازلةِ وحياً صادقاً لا الإيمانِ بكونها نازلةً إليه عليه الصلاة والسلام . (2/429)
فيكون المعنى وإذا جاءتهم آيةٌ نازلةٌ إلى الرسول قالوا : لن نؤمنَ بنزولها من عند الله حتى يكونَ نزولُها إلينا لا إليه ، لأنا نحن المستحقون دونه ، فإن مُلخّصَ معنى قولِه : لو كانت النبوةُ حقاً الخ : لو كان ما تدّعيه من النبوة حقاً لكنتُ أنا النبيَّ لا أنت ، وإذا لم يكن الأمرُ كذلك فليست بحق وما له تعليقُ الإيمانِ بحقية النبوةِ بكون نفسِه نبياً .
ومثلَ ما أُوتيَ نُصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ ، وما مصدريةٌ أي حتى نؤتاها إيتاءً مثلَ إيتاءِ رسلِ الله وإضافةُ الإيتاءِ إليهم لأنهم منكِرون لإيتائه عليه الصلاة والسلام ، و ( حيث ) نُصب على المفعولية توسعاً لا بنفس ( أعلمُ ) لما عرفتَ من أنه لا يعمل في الظاهر بل بفعل دلَّ هو عليه أي هو أعلمُ يعلم الموضِعَ الذي يضعها فيه والمعنى أن منصِبَ الرسالةِ ليس مما ينال بكثرة المالِ والولدِ وتعاضُدِ الأسبابِ والعدد ، وإنما يُنال بفضائلَ نفسانيةٍ يخُصّها الله تعالى بمن يشاء من خُلّص عبادِه ، وقرىء رسالاتِه { سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ } استئنافٌ آخرُ ناعٍ عليهم ما سيلقونه من فنون الشرِّ بعد ما نعى عليهم حِرمانَهم مما أمّلوه ، والسين للتأكيد ، ووضعُ الموصول موضعَ الضمير للإشعار بأن إصابةَ ما يصيبهم لإجرامهم المستتبِعِ لجميع الشرورِ والقبائحِ ، أي يصيبهم البتةَ مكانَ ما تمنَّوْه وعلّقوا به أطماعَهم الفارغةَ من عزة النبوة وشرفِ الرسالة { صَغَارٌ } أي ذلة وحقارة بعد كِبْرِهم { عَندَ الله } أي يوم القيامة وقيل : من عند الله { وَعَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة أو في الدنيا { بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ } أي بسبب مكرِهم المستمرِّ أو بمقابلته ، وحيث كان هذا من معظم موادِّ إجرامِهم صُرّح بسببيته .