صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)

{ الذين ءاتيناهم الكتاب } جواب عما سبق من قولهم لقد سألنا عنك اليهود والنصارى أُخِّر عن تعيين الشهيد مسارعةً إلى إلزامهم بالجواب عن تحكّمهم بقولهم : فأرنا من يشهد لك الخ ، والمرادُ بالموصول اليهودُ والنصارى ، وبالكتاب الجنسُ المنتظمُ للتوراة والإنجيل ، وإيرادُهم بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان بمدار ما أسند إليهم بقوله تعالى : { يَعْرِفُونَهُ } أي يعرفون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من جهة الكتابَيْن بحِلْيته ونُعوتِه المذكورة فيهما { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ } بحِلاهم بحيث لا يشكون في ذلك أصلاً . روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة قال عمرُ رضي الله عنه لعبد اللَّه بن سلام : أنزل الله تعالى على نبيه هذه الآيةَ وكيف هذه المعرفة؟ فقال : يا عمر ، لقد عرفتُه فيكم حين رأيته كما أعرِف ابني ، ولأنا أشدُّ معرفةً بمحمدٍ مني بابني ، لأني لا أدري ما صنع النساء ، وأشهد أنه حقٌّ من الله تعالى .
{ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } من أهل الكتابين والمشركين بأن ضيّعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها وأعرضوا عن البينات الموجبةِ للإيمان بالكلية { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } لما أنهم مطبوعٌ على قلوبهم ، ومحل الموصول الرفعُ على الابتداء وخبرُه الجملة المصدرةُ بالفاء لِشَبَه الموصول بالشرط ، وقيل : على أنه خبرُ مبتدأ محذوف ، أي هم الذين خسروا الخ ، وقيل : على أنه نعتٌ للموصول الأول ، وقيل : النصبُ على الذم ، فقوله تعالى : { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } على الوجوه الأخيرة عطفٌ على جملة { الذين ءاتيناهم الكتاب } الخ .
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } بوصفهم النبيَّ الموعودَ في الكتابين بخلاف أوصافِه عليه الصلاة والسلام فإنه افتراءٌ على الله سبحانه وبقولهم : الملائكةُ بناتُ الله ، وقولِهم : { هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } ، ونحو ذلك ، وهو إنكارٌ واستبعادٌ لأن يكونَ أحدٌ أظلمَ ممن فعل ذلك أو مساوياً له ، وإن كان سبكُ التركيب غيرَ متعرِّض لإنكار المساواة ونفيُها يشهد به العُرف الفاشي ، والاستعمالُ المطَّرد ، فإنه إذا قيل : من أكرمُ من فلانٍ أو لا أفضلَ من فلان فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريم ، وأفضلُ من كل فاضل ، ألا يُرى إلى قوله عز وجل : { لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الاخرة هُمُ الاخسرون } بعد قوله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } الخ ، والسرُّ في ذلك أن النسبةَ بين الشيئين إنما تُتصوَّر غالباً لا سيما في باب المغالبة بالتفاوُت زيادةً ونُقصاناً ، فإذا لم يكن أحدُهما أزيدَ يتحقق النُقصانُ لا محالة { أو كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } كأن كذّبوا بالقرآن الذي من جملته الآيةُ الناطقةُ بأنهم يعرِفونه عليه الصلاة والسلام كما يعرِفون أبناءهم ، وبالمُعجزات وسمَّوْها سحراً ، وحرفوا التوراة وغيّروا نُعوته عليه الصلاة والسلام ، فإن ذلك تكذيبٌ بآياته تعالى ، وكلمةُ ( أو ) للإيذان بأن كلًّ من الافتراء والتكذيب وحدَه بالغٌ غايةَ الإفراط في الظلم ، فكيف وهم قد جمعوا بينهما فأثبتوا ما نفاه الله تعالى ونفَوْا ما أثبته ، قاتلهم الله أنى يؤفكون .

(2/342)


{ إِنَّهُ } الضمير للشأن ، ومدارُ وضعه موضعَه ادِّعاءُ شهرتِه المُغْنية عن ذكره ، وفائدةُ تصديرِ الجملة به الإيذانُ بفَخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن فإن الضمير لا يُفهم منه من أول الأمر إلا شأنٌ مُبهمٌ له خطرٌ فيبقى الذهن مترقباً لما يعقبُه فيتمكّن عند وروده له فضلُ تمكُّنٍ فكأنه قيل : إن الشأن الخطيرَ هذا هو { لاَ يُفْلِحُ الظالمون } أي لا ينجُون من مكروهٍ ولا يفوزون بمطلوب ، وإذا كان حالُ الظالمين هذا فما ظنُّك بمن في الغاية القاصيةِ من الظلم .

(2/343)


وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)

{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } منصوبٌ على الظرفية بمُضمر مؤخَّرٍ قد حُذف إيذاناً بضيق العبارة عن شرحه وبيانه ، وإيماءً إلى عدم استطاعة السامعين لسماعِه لكمال فظاعةِ ما يقع فيه من الطامة والداهية التامة ، كأنه قيل : ويوم نحشرهم جميعاً { ثُمَّ نَقُولُ } لهم ما نقول كانَ من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به دائرةُ المقال ، وتقديرُ صيغةِ الماضي للدَلالة على التحقّق ولحُسنِ موقَعِ عطفِ قوله تعالى : { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ } الخ عليه ، وقيل : منصوب على المفعولية بمضمر مقدّم ، أي واذكر لهم للتخويف والتحذير يوم نحشرهم الخ ، وقيل : وليتقوا أو ليحذروا يوم نحشرهم الخ ، والضمير للكل ، وجميعاً حال منه وقرىء ( يَحشرُهم جميعاً ثم يقول ) بالياء فيهما { لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } أي نقول لهم خاصة للتوبيخ والتقريع على رؤوس الأشهاد { أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ } أي آلهتُكم التي جعلتموها شركاءَ لله سبحانه ، وإضافتُها إليهم لما أن شِرْكتَها ليست إلا بتسميتهم وتقوُّلهم الكاذب كما ينبىء عنه قوله تعالى : { الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أي تزعُمونها شركاءَ ، فحُذِف المفعولان معاً ، وهذا السؤالُ المُنبِىءُ عن غَيْبة الشركاءِ مع عموم الحشر لها لقوله تعالى : { احشروا الذين ظَلَمُواْ وأزواجهم وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ الله } وغيرِ ذلك من النصوص إنما يقع بعد ما جرى بينها وبينهم من التبرُّؤ من الجانبين ، وتقطَّع ما بينهم من الأسباب والعلائقِ حسبما يحكيه من قوله تعالى : { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } الخ ، ونحوُ ذلك من الآيات الكريمة ، إما بعدم حضورِها حينئذٍ في الحقيقة بإبعادها من ذلك الموقف ، وإما بتنزيل عدمِ حضورها بعُنوان الشِرْكة والشفاعة منزلةَ عدم حضورها في الحقيقة ، إذ ليس السؤالُ عنها من حيث ذواتُها ، بل إنما هو من حيث إنها شركاءُ كما يُعرب عنه الوصفُ بالموصول ، ولا ريب في أن عدم الوصفِ يوجب عدمَ الموصوف من حيث هو موصوف ، فهي من حيث هي شركاءُ غائبةٌ لا محالة وإن كانت حاضرةً من حيث ذواتُها أصناماً كانت أو غيرها ، وأما ما يقال من أنه يُحال بينها وبينهم في وقت التوبيخ ليفقِدوهم في الساعة التي علّقوا بها الرجاءَ فيها فيرَوْا مكان خِزْيهم وحسرتِهم فربما يُشعِر بعدم شعورِهم بحقيقة الحال وعدمِ انقطاع حبالِ رجائهم عنها بعدُ . وقد عرفت أنهم شاهدوها قبل ذلك ، وانصرمت عُروةُ أطماعهم عنها بالكلية ، على أنها معلومة لهم من حين الموت والابتلاءِ بالعذاب في البرزخ ، وإنما الذي يحصُل يوم الحشر الانكشافُ الجليُّ واليقين القويُّ ، المترتبُ على المحاضَرة والمحاوَرة .

(2/344)


ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)

{ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } بتأنيث الفعلِ ورفع ( فتنتُهم ) على أنه اسمٌ له والخبرُ { إِلاَّ أَن قَالُواْ } وقرىء بنصب ( فتنتَهم ) على أنها الخبرُ والاسمُ إلا أن قالوا ، والتأنيث للخبر كما في قولهم : من كانت أمَّك؟ وقرىء بالتذكير مع رفع الفتنة ونصبها ، ورفعُها أنسبُ بحسب المعنى ، والجملة عطفٌ على ما قُدّر عاملاً في يوم نحشرهم كما أشير إليه فيما سلف ، والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعم الأشياء ، وفتنتُهم إما كفرُهم مراداً به عاقبتُه أي لم تكن عاقبةُ كفرِهم الذي لزِموه مدةَ أعمارِهم وافتخروا به شيئاً من الأشياء إلا جحودَه والتبرؤَ منه بأن يقولوا : { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وإما جوابُهم ، عبّر عنه بالفتنة لأنه كذِب ، ووصفُه تعالى بربوبيته لهم للمبالغة في التبرّؤ من الإشراك وقرىء ( ربَّنا ) على النداء ، فهو لإظهار الضراعة والابتهال في استدعاء قبول المعذرة ، وإنما يقولون ذلك مع علمهم بأنه بمعزِلٍ من النفع رأساً من فرط الحَيْرة والدهَش ، وحملُه على معنى ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا في الدنيا أنا على خطأ في معتقَدِنا مما لا ينبغي أن يُتوهّم أصلاً ، فإنه يُوهِم أن لهم عذراً ما ، وأن لهم قدرةً على الاعتذار في الجملة ، وذلك مُخِلٌّ بكمال هَوْل اليوم قطعاً ، على أنه قد قضى ببطلانه قوله تعالى : { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ } فإنه تعجيبٌ من كذبهم الصريح بإنكار صدورِ الإشراك عنهم في الدنيا ، أي انظر كيف كذبوا على أنفسهم في قولهم ذلك ، فإنه أمرٌ عجيب في الغاية ، وأما حملُه على كِذْبهم في الدنيا فتمحُّلٌ يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه وقوله تعالى : { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } عطف على كذَبوا داخلٌ معه في حكم التعجيب ، و ( ما ) مصدريةٌ أو موصولةٌ قد حُذف عائدُها ، والمعنى انظر كيف كذَبوا باليمين الفاجرةِ المغلَّظة على أنفسهم بإنكار صدور ما صدر عنهم ، وكيف ضل عنهم أي زال وذهب افتراؤهم أو ما كانوا يفترونه من الإشراك حتى نفَوا صدوره عنهم بالكلية ، وتبرأوا منه بالمرة . وقيل : ( ما ) عبارةٌ عن الشركاء ، وإيقاعُ الافتراء عليها مع أنه في الحقيقة واقعٌ على أحوالها من الإلهية والشِرْكة والشفاعة ونحوِها للمبالغة في أمرها كأنها نفسُ المفترى ، وقيل : الجملة كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ في حيز التعجيب .

(2/345)


وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)

{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } كلامٌ مبتدأ مَسوقٌ لحكاية ما صدر في الدنيا عن بعض المشركين من أحكام الكفر ، ثم بيانِ ما سيصدُر عنهم يوم الحشر تقريراً لما قبله وتحقيقاً لمضمونه ، والضميرُ للذين أشركوا ، ومحلُ الظرف الرفع على أنه مبتدأ باعتبار مضمونه أو بتقدير الموصوف ، كما في قوله تعالى : { وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } أي وجمعٌ منا الخ و ( من ) موصولة أو موصوفة محلُها الرفع على الخبرية ، والمعنى وبعضهم أو وبعضٌ منهم الذي يستمع إليك أو فريق يستمع إليك على أن مناطَ الإفادة اتصافُهم بما في حيز الصلة أو الصفة لا كونُهم ذواتِ أولئك المذكورين وقد مر في تفسير قوله تعالى : { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ } الخ .
رُوي أنه اجتمع أبو سفيانَ والوليدُ والنضْرُ وعُتبةُ وشيبةُ وأبو جهلٍ وأضرابُهم يستمعون تلاوةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا للنضر وكان صاحبَ أخبارٍ : ياأبا قتيلة ما يقول محمد؟ فقال : والذي جعلها بيتَه ما أدري ما يقول إلا أنه يحرِّك لسانه ويقول أساطيرَ الأولين مثلَ ما حدثتُكم من القرون الماضية ، فقال أبو سفيان : إني لأراه حقاً ، فقال أبو جهل : كلا فنزلت .
{ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } من الجَعْل بمعنى الإنشاء و ( على ) متعلقةٌ به وضمير قلوبهم راجعٌ إلى ( مَنْ ) وجمعيتُه بالنظر إلى معناها كما أن إفراد ضميرِ يستمعُ بالنظر إلى لفظها وقد رُوعيَ جانب المعنى في قوله تعالى : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } الآية ، والأكنة جمع كِنان وهو ما يُستر به الشيءُ ، وتنوينُها للتفخيم ، والجملة إما مستأنفةٌ للإخبار بما تضمنه من الخَتْم أو حال من فاعل يستمع بإضمار قد عند من يقدِّرها قبل الماضي الواقعِ حالاً أي يستمعون إليك وقد ألقينا على قلوبهم أغطية كثيرة لا يقادر قدرُها خارجةً عما يتعارفه الناس { أَن يَفْقَهُوهُ } أي كراهةَ أن يفقهوا ما يستمعونه من القرآن المدلولِ عليه بذكر الاستماع ، ويجوزُ أن يكونَ مفعولاً لما يُنبىء عنه الكلامُ أي منعناهم أن يفقهوه { وَفِي آذَانِهِم وَقْراً } صَمماً وثِقَلاً مانعاً من سماعه ، والكلام فيه كما في قوله تعالى : { على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } وهذا تمثيلٌ مُعرِبٌ عن كمال جهلهم بشؤون النبي عليه الصلاة والسلام وفرطِ نُبُوَّة قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومجِّ أسماعِهم له ، وقد مر تحقيقه في أو سورة البقرة وقيل : هو حكاية لما قالوا : { قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ } الآية ، وأنت خبير بأن مرادهم بذلك الإخبارُ بما اعتقدوه في حق القرآن والنبي عليه الصلاة والسلام جهلاً وكفراً من اتصافهما بأوصافٍ مانعة من التصديق والإيمان ، ككون القرآن سِحراً وشعراً وأساطيرَ الأولين ، وقسْ على ما تخيلوه في حق النبي صلى الله عليه وسلم ، لا الإخبارُ بأن هناك أمراً وراء ذلك قد حال بينهم وبين إدراكه حائلٌ من قِبَلِهم حتى يُمكِنَ حملُ النظم الكريم على ذلك { وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ } من الآيات القرآنية أي يشاهدوها بسماعها { لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا } على عموم النفي لا على نفي العموم أي كفروا بكل واحدة منها لعدم اجتلائهم إياها كما هي لما مر من حالهم { حتى إِذَا جَاءوكَ يجادلونك } هي حتى التي تقع بعدها الجمل ، والجملة هي قوله تعالى : { إِذَا جَاءوكَ } { يَقُولُ الذين كَفَرُواْ } وما بينهما حال من فاعل جاءوا وإنما وضع الموصولُ موضعَ الضمير ذماً لهم بما في حيِّز الصلة وإشعاراً بعِلة الحكم ، أي بلَغوا من التكذيب والمكابرة إلى أنهم إذا جاءوك مجادلين لك لا يكتفون بمجرد عدم الإيمان بما سمعوا من الآيات الكريمة بل يقولون : { إِنَّ هَذَا } أي ما هذا { إِلاَّ أساطير الاولين } فإنّ عَدَّ أحسنِ الحديث وأصدقِه الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه من قبيل الأباطيلِ والخرافاتِ رتبةٌ من الكفر لا غاية وراءها ، ويجوز أن تكون ( حتى ) جارّةً و ( إذا ) ظرفيةً بمعنى وقتِ مجيئهم ، ويجادلونك حال كما سبق وقوله تعالى : { يَقُولُ الذين كَفَرُواْ } الخ ، تفسيرٌ للمجادلة والأساطيرُ جمع أُسطورة أو أسطارة أو جمع أسطار وهو جمع سَطَر بالتحريك وأصل الكل السَّطْر بمعنى الخط .

(2/346)


وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)

{ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } الضمير المرفوع للمذكورين ، والمجرورُ للقرآن أي لا يقتنعون بما ذكر من تكذيبه وعدِّه من قبيل الأساطير ، بل ينهَوْن الناسَ عن استماعه لئلا يقِفوا على حقّيته فيؤمنوا به { وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } أي يتباعدون عنه بأنفسهم إظهاراً لغاية نفورهم عنه وتأكيداً لنهيهم عنه ، فإن اجتنابَ الناهي عن المنهيِّ عنه من متمّمات النهْي ، ولعل ذلك هو السرُّ في تأخير النأْي عن النهْي وقيل : الضميرُ المجرور للنبي عليه الصلاة والسلام وقيل : المرفوعُ لأبي طالب ، ولعل جمعيته باعتبار استتباعه لأتباعه ، فإنه كان ينهى قريشاً عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينآى عنه فلا يؤمن به ، وروي أنهم اجتمعوا إليه وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم سوءاً فقال :
والله لن يَصِلوا إليك بجمعِهم ... حتى أُوسَّدَ في التراب دفينا
فاصدَعْ بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشُرْ بذاك وقَرَّ منه عيونا
ودعوتني وزعمتَ أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثَمَّ أمينا
وعرضتَ ديناً لا محالةَ إنه ... من خيرِ أديان البرية دينا
لولا الملامةُ أو حِذاري سُبّة ... لوجدتني سَمْحاً بذاك مبينا
فنزلت { وَإِن يُهْلِكُونَ } أي ما يهلكون بما فعلوا من النهي والنأي { إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } بتعريضها لأشد العذاب وأفظعِه عاجلاً وآجلاً وهو عذابُ الضلال والإضلال وقوله تعالى : { وَمَا يَشْعُرُونَ } حال من ضمير ( يُهلكون ) أي يقصُرون الإهلاكَ على أنفسهم والحال أنهم ما يشعرون أي لا بإهلاكهم أنفسَهم ولا باقتصار ذلك عليها من غير أن يُضِروا بذلك شيئاً من القرآن والرسولِ عليه الصلاة والسلام والمؤمنين . وإنما عبّر عنه بالإهلاك مع أن النفيَ عن غيرهم مطلقُ الضرر إذ غايةُ ما يؤدي إليه ما فعلوا من القدح في القرآن الكريم الممانعةُ في تمشّي أحكامِه وظهورِ أمر الدين للإيذان بأن ما يَحيق بهم هو الهلاكُ لا الضررُ المطلقُ ، على أن مقصِدهم لم يكن مطلقَ الممانعة فبما ذُكر بل كانوا يبغون الغوائلَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين . ويجوز أن يكون الإهلاكُ معتبراً بالنسبة إلى الذين يُضِلونهم بالنهي ، فقصْرُه على أنفسهم حينئذ مع شموله للفريقين مبنيٌّ على تنزيلِ عذاب الضلالِ عند عذاب الإضلال منزلةَ العدم .
{ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار } شروعٌ في حكاية ما سيصدر عنهم يوم القيامة من القول المناقضِ لما صدر عنهم في الدنيا من القبائحِ المَحْكيّة مع كونه كِذْباً في نفسه ، والخطابُ إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ من أهل المشاهَدة والعِيانِ قصداً إلى بيان كمالِ سوءِ حالهم وبلوغِها من الشناعة والفظاعةِ إلى حيث لا يختصُّ استغرابُها براءٍ دون راءٍ ممن اعتاد مشاهدةَ الأمورِ العجيبة ، بل كلُّ من يتأتى منه الرؤيةُ يتعجبُ من هولها وفظاعتِها ، وجوابُ ( لو ) محذوف ثقةً بظهوره وإيذاناً بقصور العبارة عن تفصيله ، وكذا مفعولُ ( ترى ) لدِلالة ما في حيِّز الظرْفِ عليه أي لو تراهم حين يوقَفون على النار حتى يعاينوها لرأيتَ ما لا يسعه التعبيرُ ، وصيغةُ الماضي للدَلالة على التحقق أو حين يطّلعون عليها اطّلاعاً وهي تحتَهم أو يدخُلونها فيعرِفون مقدارَ عذابها ، من قولهم : وقفتُه على كذا إذا فهَّمتُه وعرَّفته .

(2/347)


وقرىء ( وقَفوا ) على البناء للفاعل من وقَف عليه وقوفاً .
{ فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ } أي إلى الدنيا تمنياً للرجوع والخلاص ، وهيهاتَ ، ولاتَ حينَ مناص { وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا } أي بآياته الناطقةِ بأحوال النار وأهوالها ، الآمرةِ باتقائها إذ هي التي تخطُر حينئذ ببالهم ، ويتحسرون على ما فرّطوا في حقها أو بجميع آياتِه المنتظمةِ لتلك الآياتِ انتظاماً أولياً { وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } بها العاملين بمقتضاها حتى لا نرى هذا الموقفَ الهائلَ أو نكونَ من فريق المؤمنين الناجين من العذاب الفائزين بحُسن المآب ، ونصبُ الفعلين على جواب التمني بإضمار أنْ بعد الواو وإجرائها مجرى الفاء ويؤيده قراءةُ ابن مسعود وابنِ إسحاقَ ( فلا نكذبَ ) والمعنى إنْ رُدِدْنا لم نكذبْ ونكنْ من المؤمنين . وقيل : ينسَبِكُ من أن المصدرية ومن الفعل بعدها مصدرٌ ويقدّر قبله مصدرٌ متوهِّم فيُعطَف هذا عليه كأنه قيل : ليت لنا رداً وانتفاءَ تكذيبٍ وكوناً من المؤمنين ، وقرىء برفعهما على أنه كلامٌ مستأنف كقوله : دعني ولا أعودُ أي وأنا لا أعود تركتَني أو لم تترُكْني ، أو عطفٌ على ( نرد ) أو حال من ضميره فيكون داخلاً في حكم التمني كالوجه الأخير للنصب ، وتعلقُ التكذيب الآتي به لما تضمّنه من العِدَة بالإيمان وعدمِ التكذيب كما قال : ليتني رُزقتُ مالاً فأكافئَك على صنيعك فإنه متمنَ في معنى الواعد فلو رزق مالاً ولم يكافىءْ صاحبه يكون مكذِّباً لا محالة ، وقرىء برفع الأول ونصب الثاني وقد مر وجههما .

(2/348)


بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)

{ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ } إضرابٌ عما يُنْبىءُ عنه التمني من الوعد بتصديق الآيات والإيمان بها أي ليس ذلك عن عزيمة صادقةٍ ناشئة عن رغبةٍ في الإيمان وسَوْقٍ إلى تحصيله والاتصافِ به بل لأنه ظهرَ لهم في موقفهم ذلك ما كانوا يخفونه في الدنيا من الداهيةِ الدهياء وظنوا أنهم مُواقِعوها فلِخَوْفها وهول مطلعها قالوا ما قالوا والمراد بها النارُ التي وُقفوا عليها إذ هي التي سيق الكلامُ لتهويل أمرها والتعجبِ من فظاعة حالِ الموقوفين عليها وبإخفائها تكذيبُهم بها ، فإن التكذيبَ بالشيء كفر به وإخفاءٌ له لا محالة وإيثاره على صريح التكذيب الوارد في قوله عز وجل : { هذه جَهَنَّمُ التى يُكَذّبُ بِهَا المجرمون } وقوله تعالى : { هذه النار التى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ } مع كونه أنسبَ بما قبله من قولهم : { وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا } لمراعاة ما في مقابلته من البُدُوّ ، هذا هو الذي تستدعيه جزالةُ النظم الكريم ، وأما ما قيل من أن المراد بما يُخفون كفرُهم ومعاصيهم أو قبائحُهم وفضائحُهم التي كانوا يكتُمونها من الناس فتظهرُ في صُحُفهم وبشهادة جوارحِهم عليهم أو شركِهم الذي يجحدون به في بعض مواقف القيامة بقولهم : { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ثم يظهر بما ذُكر من شهادة الجوارحِ عليهم أو ما أخفاه رؤساءُ الكفرة عن أتباعهم من أمر البعث والنشور أو ما كتمه علماءُ أهل الكتابين من صحة نبوةِ النبي عليه الصلاة والسلام ونُعوته الشريفة عن عوامِّهم ، على أن الضميرَ المجرورَ للعوام والمرفوعَ للخواص ، أو كفرُهم الذي أخفَوْه عن المؤمنين والضميرُ المجرور للمؤمنين والمرفوعُ للمنافقين ، فبعدَ الإغضاءِ عما في كلَ منها من الاعتساف والاختلال لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلاً لما عرفت من أن سَوْق النظم الشريف لتهويل أمر النار وتفظيعِ حال أهلها وقد ذُكر وقوفُهم عليها وأُشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحَيْرة والدهشة ما لا يُحيط به الوصفُ ، ورُتّب عليه تمنِّيهم المذكورُ بالفاء القاضيةِ بسببية ما قبلها لما بعدها ، فإسقاطُ النار بعد ذلك من تلك السببية وهي في نفسها أدهى الدواهي وأزجرُ الزواجر ، وإسنادُها إلى شيء من الأمور المذكورة التي دونها في الهول والزجر مع عدم جَرَيانِ ذكرها ثَمةَ أمرٌ يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيل عن أمثاله ، وأما ما قيل من أن المراد جزاءُ ما كانوا يُخفون فمن قبيل دخولِ البيوت من ظهورِها وأبوابُها مفتوحة فتأمل .
{ وَلَوْ رُدُّواْ } أي من موقفهم ذلك إلى الدنيا حسبما تمنَّوْه وغاب عنهم ما شاهدوه من الأهوال { لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } من فنون القبائح التي من جملتها التكذيبُ المذكورُ ونسُوا ما عاينوه بالكلية لاقتصار أنظارِهم على الشاهدِ دون الغائب { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } أي لقومٌ ديدَنُهم الكذِبُ في كل ما يأتون وما يذرون .

(2/349)


وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30)

{ وَقَالُواْ } عطفٌ على ( عادوا ) داخلٌ في حيز الجواب ، وتوسيطُ قولِه تعالى : { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } بينهما لأنه اعتراضٌ مَسوقٌ لتقرير ما أفاده الشرطيةُ من كذبهم المخصوصِ ، ولو أُخِّر لأَوْهم أن المراد تكذيبُهم في إنكارهم البعثَ . والمعنى لو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نُهوا عنه وقالوا : { إِنْ هِىَ } أي ما الحياة { إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } بعدما فارقنا هذه الحياةَ كأن لم يرَوا ما رأَوا من الأحوال التي أولُها البعثُ والنشور { وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ } الكلام فيه كالذي مر في نظيره ، خلا أن الوقوفَ هاهنا مجازٌ عن الجنس للتوبيخ والسؤال كما يوقَفُ العبدُ الجاني بين يدَيْ سيده للعقاب وقيل : عرَفوا ربَّهم حقَّ التعريف ، وقيل : وُقفوا على جزاءِ ربهم ، وقولُه تعالى : { قَالَ } استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام السابق كأنه قيل : فماذا قال لهم ربهم إذ ذاك؟ فقيل : قال : { أَلَيْسَ هذا } مشيراً إلى ما شاهدوه من البعث وما يتبعه من الأمور العظام { بالحق } تقريعاً لهم على تكذيبهم لذلك وقولِهم عند سماعِ ما يتعلق به ما هو بحقَ وما هو إلا باطلٌ { قَالُواْ } استئناف كما سبق { بلى وَرَبّنَا } أكّدوا اعترافهم باليمين إظهاراً لكمال يقينهم بحقِّيته وإيذاناً بصدور ذلك عنهم بالرغبة والنشاط طمعاً في نفعه .
{ قَالَ } استئناف كما مر { فَذُوقُواْ العذاب } الذي عاينتموه ، والفاءُ لترتيب التعذيب على اعترافهم بحقية ما كفروا به في الدنيا لكن لا على أن مدارَ التعذيب هو اعترافُهم بذلك بل هو كفرُهم السابقُ بما اعترفوا بحقيته الآن كما نطق به قوله عز وجل : { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } أي بسبب كفركم في الدنيا بذلك أو بكل ما يجب الإيمانُ به فيدخل كفرُهم به دخولاً أولياً ، ولعل هذا التوبيخَ والتقريع إنما يقع بعد ما وُقفوا على النار فقالوا ما قالوا إذِ الظاهرُ أنه لا يبقى بعد هذا الأمر إلا العذاب .

(2/350)


قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)

{ قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله } هم الذين حُكِيت أحوالُهم ، لكنْ وْضع الموصولُ موضعَ الضمير للإيذان بسبب خسرانهم بما في حيز الصلة من التكذيب بلقائه تعالى بقيام الساعة وما يترتب عليه من البعث وأحكامه المتفرعةِ عليه واستمرارِهم على ذلك ، فإن كلمةَ ( حتى ) في قوله تعالى : { حتى إِذَا جَاءتْهُمُ الساعة } غايةٌ لتكذيبهم لا لخُسرانهم فإنه أبديٌّ لا حدَّ له { بَغْتَةً } البغْتُ والبغتةُ مفاجأةُ الشيءِ بسرعة من غير شعور به يقال : بغَته بغْتاً وبغتةً أي فجأةً ، وانتصابُها إما على أنها مصدرٌ واقع موقعَ الحال من فاعل جاءتهم أي مباغتةً أو من مفعوله أي مبغوتين وإما على أنها مصدرٌ مؤكِّدٌ على غير الصدر فإنّ ( جاءتهم ) في معنى بغتتهم كقولهم : أتيته ركضاً أو مصدرٌ مؤكِّد لفعل محذوف وقع حالاً من فاعل ( جاءتهم ) أي جاءتهم الساعة تبغتهم بغتة .
{ قَالُواْ } جواب إذا { يا حسرتنا } تعالَيْ فهذا أوانُك ، والحسرةُ شدة الندم ، وهذا التحسرُ وإن كان يعتريهم عند الموت لكنْ لما كان ذلك من مبادي الساعة سُمِّيَ باسمها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « من مات فقد قامت قيامتُه » أو جُعل مجيءُ الساعة بعد الموت كالواقع بغير فترةٍ لسرعته { على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } أي على تفريطنا في شأن الساعة وتقصيرنا في مراعاة حقها والاستعداد لها بالإيمان بها واكتسابِ الأعمالِ الصالحة كما في قوله تعالى : { على مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ الله } وقيل : الضميرُ للحياة الدنيا وإن لم يجْرِ لها ذكرٌ لكونها معلومة ، والتفريطُ التقصيرُ في الشيء مع القدرة على فعله وقيل : هو التضييعُ وقيل : الفَرَط السبق ومنه الفارط أي السابق ومعنى فرَّط : خلَّى السبْقَ لغيره فالتضعيف فيه للسلب كما في جلّدتُ البعير وقوله تعالى : { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ } حال من فاعل ( قالوا ) فائدتُه الأيذان بأن عذابَهم ليس مقصوراً على ما ذكِر من الحسرة على ما فات وزال ، بل يقاسون مع ذلك تحمُّلَ الأوزار الثِقال ، والإيماءُ إلى أن تلك الحسرةَ من الشدة بحيث لا تزول ولا تنسى بما يكابدونه من فنون العقوبات . والسرُّ في ذلك أن العذابَ الروحانيَّ أشدُّ من الجُسمانيِّ نعوذُ برحمة الله عز وجل منهما ، والوِزر في الأصل الحِملُ الثقيل سُمِّي به الإثمُ والذنبُ لغاية ثِقَلِه على صاحبه ، وذكرُ الظهور كذكر الأيدي في قوله تعالى : { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } فإن المعتاد حملُ الأثقالِ على الظهور كما أن المألوفَ هو الكسبُ بالأيدي ، والمعنى أنهم يتحسرون على ما لم يعملوا من الحسنات ، والحال أنهم يحمِلون أوزارَ ما عملوا من السيئات { أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبله وتكملةٌ له أي بئس شيئاً يَزِرُونه وِزْرُهم .
{ وَمَا الحياة الدنيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ } لمّا حقَّق فيما سبق أن وراءَ الحياة الدنيا حياةً أخرى يلقَوْن فيها من الخطوب ما يلقون بَيَّن بعدَه حالَ تينِك الحياتين في أنفسهما ، واللعبُ عملٌ يشغل النفسَ ويُفتّرها عما تنتفع به ، واللهوُ صرفُها عن الجدّ إلى الهزل ، والمعنى إما على حذف المضاف أو على جعل الحياة الدنيا نفسَ اللعِب واللهوِ مبالغةً كما في قول الخنساء :

(2/351)


فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ ... أي وما أعمالُ الدنيا أي الأعمالُ المتعلقةُ بها من حيث هي هي ، أو وما هي من حيث إنها محلٌ لكسب تلك الأعمال إلا لعبٌ يشغَل الناسَ ويلهيهم بما فيه من منفعةٍ سريعةِ الزوال ولذةٍ وشيكة الاضمحلال عما يعقُبهم من منفعة جليلة باقية ولذة حقيقية غير متناهية من الإيمان والعمل الصالح { وَلَلدَّارُ الاخرة } التي هي محلُ الحياة الأخرى { خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الكفرَ والمعاصِيَ ، لأن منافعها خالصةٌ عن المضارِّ ولذاتِها غيرُ مُنغّصةٍ بالآلام ، مستمرةٌ على الدوام { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ذلك حتى تتقوا ما أنتم عليه من الكفر والعصيان ، والفاء للعطف على مقدر أي أتغفُلون فلا تعقِلون؟ أو ألا تتفكرون فتعقِلون وقرىء ( يعقلون ) على الغَيْبة .

(2/352)


قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)

{ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذى يَقُولُونَ } استئنافٌ مَسوقٌ لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحزن الذي يعتريه مما حُكي عن الكفرة من الإصرار على التكذيب والمبالغة فيه ببيان أنه عليه الصلاة والسلام بمكانةٍ من الله عز وجل وأن ما يفعلون في حقه فهو راجعٌ إليه تعالى في الحقيقة وأنه ينتقم منهم لا محالة أشدَّ انتقام ، وكلمةُ ( قد ) لتأكيد العلم بما ذكر المفيدِ لتأكيد الوعيدِ كما في قوله تعالى : { قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } وقوله تعالى : { قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين } ونحوِهما بإخراجها إلى معنى التكثير حسبما يُخْرجُ إليه ربما في مثل قوله :
وإنْ تُمْسِ مهجورَ الفِناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفودُ
جرياً على سَننِ العرب عند قصد الإفراط في التكثير تقول لبعض قُوادِ العساكر : كم عندك من الفرسان؟ فيقول : رُبَّ فارسٍ عندي ، وعنده مقانبُ جَمةٌ يريد بذلك التماديَ في تكثير فُرسانه ولكنه يروم إظهارَ براءته عن التزيُّد وإبرازَ أنه ممن يقلل كثيرَ ما عنده فضلاً عن تكثير القليل وعليه قوله عز وجل : { رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } وهذه طريقة إنما تُسلك عند كون الأمر من الوضوح بحيث لا تحوم حوله شائبةُ ريبٍ حقيقةً ، كما في الآيات الكريمة المذكورة ، أو ادعاءً كما في البيت وقولِه :
قد أترك القِرْنَ مُصفرّاً أناملُهُ ... وقولِه
ولكنه قد يُهلك المالَ نائِلُهْ ... والمراد بكثرة علمه تعالى كثرةُ تعلقِه وهو متعدَ إلى اثنين وما بعده سادٌّ مسدَّها واسمُ ( إن ) ضمير الشأن وخبرُها الجملة المفسرة له والموصولُ فاعل ( يحزنك ) وعائدُه محذوف أي الذي يقولونه وهو ما حُكي عنهم من قولهم : { إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين } ونحوُ ذلك وقرىء ( لَيُحزِنُك ) من أحزن المنقول من حزِن اللازم وقوله تعالى : { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ } تعليل لما يُشعِر به الكلامُ السابق من النهي عن الاعتداد بما قالوا لكن لا بطريق التشاغل عنه وعدِّه هيناً والإقبالِ التام على ما هو أهمُّ منه من استعظام جحودهم بآيات الله عز وجل كما قيل فإنه مع كونه بمعزل من التسلية بالكلية مما يوهم كونَ حزنه عليه الصلاة والسلام لخاصة نفسه بل بطريق التسلِّي بما يفيده من بلوغه عليه الصلاة والسلام في جلالة القَدْرِ ورِفعة المحل والزُلفى من الله عز وجل إلى حيث لا غاية وراءَه حيث لم يقتصر على جعل تكذيبه عليه الصلاة والسلام تكذيباً لآياته سبحانه على طريقة قوله تعالى : { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } بل نفى تكذيبَهم عنه عليه الصلاة والسلام وأثبت لآياته تعالى على طريقة قوله تعالى : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ يُبَايِعُونَ الله } أيذاناً بكمال القرب واضمحلال شؤونه عليه الصلاة والسلام في شأن الله عز وجل . نعمْ فيه استعظامٌ لجنايتهم مُنْبىءٌ عن عظم عقوبتهم كأنه قيل : لا تعتدَّ به وكِلْه إلى الله تعالى فإنهم في تكذيبهم ذلك لا يكذبونك في الحقيقة .

(2/353)


{ ولكن الظالمين بئايات الله يَجْحَدُونَ } أي ولكنهم بآياته تعالى يكذّبون فوضَعَ المُظهرَ موضعَ المُضمر تسجيلاً عليهم بالرسوخ في الظلم الذي يُعتبر جحودُهم هذا فناً من فنونه ، والالتفاتُ إلى الاسم الجليل لتربية المهابة واستعظام ما أقدموا عليه من جحود آياته تعالى ، وإيرادُ الجحود في مورد التكذيب للإيذان بأن آياتِه تعالى من الوضوح بحيث يشاهد صدقها كلُّ أحد وأن من ينكرها فإنما ينكرها بطريق الجحود الذي هو عبارةٌ عن الإنكار مع العلم بخلافه كما في قوله تعالى : { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ } وهو المعنيُّ بقول من قال : إنه نفْيُ ما في القلب إثباتُه ، أو إثباتُ ما في القلب نفيُه ، والباء متعلقة بيجحدون ويقال : جحد حقَّه وبحقِّه إذا أنكره وهو يعلمه ، وقيل : هو لتضمين الجحود معنى التكذيب ، وأياً ما كان فتقديمُ الجارِّ والمجرور للقَصْر وقيل : المعنى فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم ولكنهم يجحدون بألسنتهم ، ويعضُده ما رُوي من أن الأخْنَسَ بنَ شُرَيْقٍ قال لأبي جهل : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادقٌ هو أم كاذب؟ فإنه ليس عندنا أحدٌ غيرُنا فقال له : والله إن محمداً لصادقٌ وما كذَب قطُّ ولكن إذا ذهب بنو قُصيَ باللواءِ والسِّقاية والحِجابة والنبوّة فماذا يكونُ لسائر قريش؟ فنزلت .
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسمَّى الأمينَ فعرَفوا أنه لا يكذِب في شيء ولكنهم كانوا يجحدون وقيل : فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادقُ الموسومُ بالصدق ، ولكنهم يجحدون بآيات الله كما يروى أن أبا جهل كان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما نُكذِّبُك ، وإنك عندنا لصادقٌ ولكنا نكذِّبُ ما جئتنا به فنزلت . وكأن صدقَ المُخبرِ عند الخبيث بمطابقةِ خبرِه لاعتقادِه ، والأولُ هو الذي تستدعيه الجزالة التنزيلية ، وقرىء لا يُكْذِبونك من الإكذاب فقيل : كلاهما بمعنى واحدٍ كأكثرَ وكثُر وأنزلَ ونزَل وهو الأظهر وقيل : معنى أكذبه وجده كاذباً ، ونُقل عن الكسائيِّ أن العربَ تقول : كذبتُ الرجلَ أي نسبتُ الكذب إليه وأكذبته أي نسبت الكذب إلى ما جاء به لا إليه .

(2/354)


وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)

وقوله تعالى : { وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } افتنانٌ في تسليته عليه الصلاة والسلام فإن عمومَ البلية ربما يهوِّنُ أمرَها بعضَ تهوين ، وإرشادٌ له عليه الصلاة والسلام إلى الاقتداء بمن قبله من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام في الصبر على ما أصابهم من أممهم من فنون الأَذِيَّة ، وعِدَةٌ ضِمْنية له عليه الصلاة والسلام بمثل ما مُنِحوه من النصر . وتصديرُ الكلام بالقسم لتأكيد التسلية وتنوينُ ( رسلٌ ) للتفخيم والتكثير ، و ( من ) إما متعلقةٌ بكُذِّبت أو بمحذوفٍ وقع صفةً ( لرسلٌ ) أي وبالله لقد كذِّبت من قبل تكذيبك رسلٌ أولو شأنٍ خطير وذوُو عددٍ كثير أو كُذبت رسل كانوا من زمان قبلَ زمانك { فَصَبَرُواْ على مَا كُذّبُواْ } ما مصدرية وقوله تعالى { وَأُوذُواْ } عطف على ( كُذبوا ) داخلٌ في حكمه فأنسبك منهما مصدران من المبنيِّ للمفعول أي فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم فتأسَّ بهم واصطبِرْ على ما نالك من قومك ، والمرادُ بإيذائهم إما عينُ تكذيبهم وإما ما يقارنه من فنون الإيذاء لم يُصرَّحْ به ثقةً باستلزام التكذيب إياه غالباً ، وأياً ما كان ففيه تأكيدٌ للتسلية ، وقيل : عطفٌ على صبروا وقيل : على كذبت ، وقيل : هو استئناف وقوله تعالى : { حتى أتاهم نَصْرُنَا } غايةٌ للصبر ، وفيه إيذانٌ بأن نَصره تعالى إياهم أمرٌ مقرَّر لا مرد له وأنه متوجه إليهم لا بد من إتيانه البتةَ ، والالتفاتُ إلى نون العظمة لإبراز الاعتناء بشأن النصر وقوله تعالى : { وَلاَ مُبَدّلَ لكلمات الله } اعتراض مقرِّرٌ لما قبله من إتيان نصرِه إياهم والمراد بكلماته تعالى ما يُنْبىء عنه قوله تعالى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون } وقولُه تعالى : { كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } من المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسلام الدالة على نُصرة رسول الله أيضاً لا نفسُ الآياتِ المذكورة ونظائرُها ، فإن الإخبارَ بعدم تبدّلِها إنما يفيد عدمَ تبدلِ المواعيدِ الواردةِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسلام ويجوزُ أن يُرادَ بكلماته تعالى جميعُ كلماته التي من جملتها تلك المواعيدُ الكريمةُ ويدخل فيها المواعيدُ الكريمة ، ويدخل فيها المواعيدُ الواردة في حقه عليه الصلاة والسلام دخولاً أولياً ، والالتفاتُ إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية من موجبات أن لا يغالبه أحدٌ في فعلٍ من الأفعال ولا يقعَ منه تعالى خُلْفٌ في قول من الأقوال وقوله تعالى : { وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ المرسلين } جملة قَسَمية جيءَ بها لتحقيق ما مُنحوا من النصر وتأكيدِ ما في ضِمْنه من الوعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لتقرير جميع ما ذكِر من تكذيب الأمم وما ترتّب عليه من الأمور . والجارُّ والمجرور في محل الرفع على أنه فاعل إما باعتبار مضمونِه أي بعضُ نبأ المرسلين كما مر في تفسير قوله تعالى : { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله } الآية ، وأياً ما كان فالمرادُ بنَبَئِهم عليهم السلام على الأول نصرُه تعالى إياهم بعد اللُّتيا والتي ، وعلى الثاني جميعُ ما جرى بينهم وبين أممهم على ما ينبىء عنه قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء وَزُلْزِلُواْ } الآية ، وقيل : في محل النصب على الحالية من ( الضمير ) المستكنِّ في جاء العائدِ إلى ما يُفهم من الجملة السابقة أي ولقد جاءك هذا الخبر كائناً من نبأ المرسلين .

(2/355)


وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)

{ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ } كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لتأكيد إيجاب الصبر المستفاد من التسلية ببيان أنه أمرٌ لا محيدَ عنه أصلاً أي إن كان عظُم عليك وشقَّ إعراضُهم عن الإيمان بما جئت به من القرآن الكريم حسبما يُفصح عنه ما حُكي عنهم من تسميتهم له أساطيرَ الأولين وتنائيهم عنه ونهْيِهمُ الناسَ عنه ، وقيل : إن الحارثَ بنَ عامرِ بنِ نوفلَ بنِ عبدِ منافٍ أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في محضر من قريش ، فقال : يا محمدُ ائتنا بآيةٍ من عند الله كما كانت الأنبياءُ تفعل وأنا أصدقك فأبى الله أن يأتي بآية مما اقترحوا ، فأعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليه لما أنه عليه الصلاة والسلام كان شديدَ الحِرْص على إيمان قومه ، فكان إذا سألوا آيةً يودّ أن يُنزِلها الله تعالى طمعاً في إيمانهم فنزلت ، فقوله تعالى : { إِعْرَاضُهُمْ } مرتفعٌ بكبُرَ وتقديم الجار والمجرور عليه لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخَّر ، والجملة في محل النصب على أنها خبر لكان مفسرة لاسمها الذي هو ضميرُ الشأن ولا حاجة إلى تقدير قد ، وقيل : اسم كان إعراضُهم وكبر جملة فعلية في محل النصب على أنها خبر لها مقدم على اسمها لأنه فعلٌ رافع لضميرٍ مستتر كما هو المشهور وعلى التقديرين فقوله تعالى :
{ فَإِن استطعت } الخ ، شرطيةٌ أخرى محذوفةُ الجواب وقعتْ جواباً للشرط الأول ، والمعنى إن شق عليك إعراضُهم عن الإيمان بما جئت به من البينات وعدمُ عدِّهم لها من قبيل الآيات وأحببتَ أن تجيبهم إلى ما سألوه اقتراحاً فإن استطعت { أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً } أي سَرَباً ومنفَذاً { فِى الارض } تنفُذ فيه إلى جَوفها { أَوْ سُلَّماً } أي مصعداً { فِى السماء } تعرج به فيها { فَتَأْتِيَهُمْ } منهما { بِئَايَةٍ } مما اقترحوه فافعلْ وقد جُوِّز أن يكون ابتغاؤهما نفسَ الإتيان بالآية فالفاء في ( فتأتيَهم ) حينئذ تفسيرية وتنوينُ ( آية ) للتفخيم أي فإن استطعت أن تبتغيَهما فتجعلَ ذلك آيةً لهم فافعل ، والظرفان متعلقان بمحذوفين هما نعتان ( لِنفقاً وسلماً ) والأول لمجرد التأكيد إذ النفقُ لا يكون إلا في الأرض ، أو بتبتغي ، وقد جُوِّز تعلقُهما بمحذوف وقع حالاً من فاعل تبتغي أي أن تبتغي نفقاً كائناً أنت في الأرض أو سلماً كائناً في السماء ، وفيه من الدلالة على تبالُغِ حِرْصِه عليه الصلاة والسلام على إسلام قومه وتراميه إلى حيث لو قدَر على أن يأتيَ بآيةٍ من تحت الأرض أو من فوق السماء لفعل رجاءً لإيمانهم ما لا يخفى ، وإيثار الابتغاءِ على الاتخاذ ونحوه للإيذان بأن ما ذُكر من النفق والسُلّم مما لا يُستطاع ابتغاؤه فكيف باتخاذه .
{ وَلَوْ شَاء الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى } أي لو شاء الله تعالى أن يجمعهم على ما أنتم عليه من الهُدى لفعله بأن يوقِّفهم للإتيان فيؤمنوا معكم ولكن لم يشأ لعدم صَرفِ اختيارِهم إلى جانب الهُدى مع تمكنِّهم التامِّ منه في مشاهدتهم للآياتِ الداعية إليه لا أنه تعالى لم يوقِّفْهم له مع توجُّهِهِم إلى تحصيله .

(2/356)


وقيل : لو شاء الله لجمعهم عليه بأن يأتيَهم بآيةٍ ملجئةٍ إليه ولكن لم يفعلْه لخروجه عن الحِكْمة .
وقوله تعالى : { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين } نهيٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان عليه من الحرص الشديدِ على إسلامهم والميل إلى إتيان ما يقترحونه من الآيات طمعاً في إيمانهم ، مرتَّبٌ على بيان عدمِ تعلّق مشيئته تعالى بهدايتهم ، والمعنى وإذا عرفت أنه تعالى لم يشأ هدايتهم وإيمانهم بأحد الوجهين فلا تكونَنَّ بالحرص الشديدِ على إسلامهم أو الميلِ إلى نزول مقترحاتِهم من الجاهلين بدقائق شؤونِه تعالى التي من جملتها ما ذُكر من عدم تعلُّق مشيئتِه تعالى بإيمانهم ، أما اختياراً فلعدم توجُّههم إليه ، وأما اضطراراً فلخُروجه عن الحكمة التشريعيةِ المؤسسةِ على الاختيار ، ويجوز أن يُرادَ بالجاهلين على الوجه الثاني المقترِحون ، ويُراد بالنهْي منعُه عليه الصلاة والسلام من المساعدة على اقتراحهم ، وإيرادُهم بعُنوان الجهل دون الكفر ونحوِه لتحقيق مَناطِ النهْي الذي هو الوصفُ الجامع بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم .

(2/357)


إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)

{ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ } تقريرٌ لما مر من أن على قلوبهم أكنةً مانعة من الفقه ، وفي آذانهم وَقراً حاجزاً من السماع ، وتحقيقٌ لكونهم بذلك من قبيل الموتى لا يُتصور منهم الإيمانُ البتةَ ، والاستجابةُ الإجابةُ المقارنة للقَبول ، أي إنما يَقبلُ دعوتَك إلى الإيمان الذين يسمعون ما يلقى إليهم سماعَ تفهمٍ وتدبُّر دون الموتى الذين هؤلاء منهم كقوله تعالى : { فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى }
وقوله تعالى : { والموتى يَبْعَثُهُمُ الله } تمثيلٌ لاختصاصه تعالى بالقدرة على توفيقهم للإيمان باختصاصه تعالى بالقدرة على بعث الموتى من القبور ، وقيل : بيانٌ لاستمرارهم على الكفر وعدمِ إقلاعهم عنه أصلاً على أن الموتى من القبور .
وقيل : بيان مستعارٌ للكفرة بناءً على تشبيه جهلهم بموتهم ، أي وهؤلاء الكفرة يبعثهم الله تعالى من قبورهم { ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } للجزاء ، فحينئذ يستجيبون وأما قبل ذلك فلا سبيل إليه وقرىء ( يَرْجِعون ) على البناء للفاعل من رجَع رُجوعاً والمشهورُ أوفى بحق المقام لإنبائه عن كون مرجِعِهم إليه تعالى بطريق الاضطرار .

(2/358)


وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)

{ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } حكايةٌ لبعضٍ آخَرَ من أباطيلهم بعد حكايةِ ما قالوا في حق القرآن الكريم وبيانِ ما يتعلّق به والقائلون رؤساءُ قريشٍ وقيل : الحارثُ بنُ عامر بنِ نَوْفلَ وأصحابُه ، ولقد بلغت بهم الضلالةُ والطغيان إلى حيث لم يقتنعوا بما شاهدوه من البينات التي تخِرُّ لها صمُّ الجبال حتى اجترأوا على ادِّعاء أنها ليست من قبيل الآياتِ وإنما هي ما اقترحوه من الخوارقِ الملجئةِ أو المُعْقِبة للعذاب كما قالوا : { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } الآية ، والتنزيل بمعنى الإنزال كما ينبىء عنه القراءة بالتخفيف فيما سيأتي ، وما يفيده التعرّض لعنوان ربوبيته تعالى له عليه الصلاة والسلام من الإشعار بالعلّية إنما هو بطريق التعريض بالتهكّم من جهتهم ، وإطلاق الآية في قوله تعالى : { قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزّلٍ ءايَةً } مع أن المرادَ بها ما هو من الخوارق المذكورةِ لا آيةٌ ما من الآيات ، لفساد المعنى مجاراةً معهم على زعمهم ، ويجوز أن يرادَ بها آيةٌ مُوجبةٌ لهلاكهم كإنزال ملائكةِ العذاب ونحوه على أن تنوينها للتفخيم والتهويل كما أن إظهارَ الاسمِ الجليل لتربية المهابةِ مع ما فيه من الإشعار بعِلّة القُدرة الباهرةِ ، والاقتصار في الجواب على بيان قدرته تعالى على تنزيلِها مع أنها ليست في حيز الإنكار للإيذان بأن عدمَ تنزيله إياها مع قدرته عليه لحكمةٍ بالغة يجب معرفتها وهم عنها غافلون ، كما ينبىء عنه الاستدراكُ بقوله تعالى : { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أي ليسوا من أهل العلم على أن المفعول مطروحٌ بالكلية ، أو لا يعلمون شيئاً على أنه محذوفٌ مدلولٌ عليه بقرينةِ المقام . والمعنى أنه تعالى قادر على أن ينزل آيةً من ذلك أو آيةً أيَّ آية ولكن أكثرهم لا يعلمون فلا يدرون أن عدمَ تنزيلِها مع ظهور قدرتِه عليه لما أن في تنزيلها قلْعاً لأساسِ التكليف المبنيِّ على قاعدة الاختيار ، أو استئصالاً لهم بالكلية فيقترحونها جهلاً ويتخذون عدم تنزيلها ذريعةً إلى التكذيب ، وتخصيصُ عدم العلم بأكثرهم لما أن بعضَهم واقفون على حقيقة الحال وإنما يفعلون مكابرةً وعناداً .

(2/359)


وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)

وقوله تعالى : { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الارض } الخ ، كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لبيان كمال قدرتِه عز وجل وشمول علمه وسعةِ تدبيرِه ليكون كالدليل على أنه تعالى قادرٌ على تنزيل الآية ، وإنما لا يُنزِّلُها محافظةً على الحِكَم البالغةِ ، وزيادةُ ( من ) لتأكيد الاستغراق وهي متعلقةٌ بمحذوفٍ هو وصفٌ لدابة مفيد لزيادة التعميم ، كأنه قيل : وما فردٌ من أفراد الدوابِّ يستقرّ في قُطر من أقطار الأرض وكذا زيادةُ الوصف في قوله تعالى : { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } مع ما فيه من زيادة التقرير أي ولا طائرٍ من الطيور يطير في ناحية من نواحي الجو بجناحيه كما هو المشاهَدُ المعتاد ، وقرىء ولا طائرٌ بالرفع عطفاً على محل الجار والمجرور كأنه قيل : وما دابة ولا طائر { إِلاَّ أُمَمٌ } أي طوائفُ متخالفةٌ ، والجمع باعتبار المعنى كأنه قيل : وما مِنْ دوابَّ ولا طيرٍ إلا أممِ { أمثالكم } أي كلُّ أمة منها مثلُكم في أن أحوالها محفوظةٌ وأمورَها مقنَّنة ومصالحَها مرعيةٌ جاريةٌ على سَنن السَّداد ، ومنتظمةٌ في سلك التقديرات الإلهية والتدبيراتِ الربانية { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } يقال : فرَّط في الشيء أي ضيَّعه وتركه ، قال ساعدة بن حُوَية :
معه سِقاءٌ لا يُفرِّط حملَه ... أي لا يتركه ولا يفارقه ويقال : فرّط في الشيء أي أهمل ما ينبغي أن يكون فيه وأغفله فقوله تعالى : { فِى الكتاب } أي في القرآن على الأول ظرفُ لغوٍ ، وقوله تعالى : { مِن شَىْء } مفعولٌ لفرّطنا و ( من ) مزيدة للاستغراق أي ما تركنا في القرآن شيئاً من الأشياء المُهمّة التي من جملتها بيانُ أنه تعالى مراعٍ لمصالحِ جميعِ مخلوقاته على ما ينبغي ، وعلى الثاني مفعول للفعل ومن شيء في موضع المصدر ، أي ما جعلنا الكتاب مفرَّطاً فيه شيئاً من التفريط بل ذكرنا فيه كلَّ ما لا بد من ذكره . وأياً ما كان فالجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها ، وقيل : الكتابُ اللوْح ، فالمراد بالاعتراضِ الإشارة إلى أن أحوالَ الأمم مستقصاةٌ في اللوح المحفوظ غيرُ مقصورة على هذا القدر المُجمل ، وقرىء فَرَطنا بالتخفيف .
وقوله تعالى : { ثُمَّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } بيانٌ لأحوال الأمم المذكورة في الآخرة بعد بيان أحوالها في الدنيا . وإيرادُ ضميرها على صيغة جمع العقلاء لإجرائها مُجراهم ، والتعبير عنها بالأمم أي إلى مالك أمورهم يحشرون يوم القيامة كدأبكم لاإلى غيره فيجازيهم فيُنصِفُ بعضَهم من بعض حتى يبلُغ من عدله أن يأخذ للجّماءِ من القَرْناء . وقيل : حشرُها موتها . ويأباه مقامُ تهويلِ الخطب وتفظيعِ الحال .
وقوله تعالى : { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } متعلق بقوله تعالى : { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } والموصول عبارةٌ عن المعهودِين في قوله تعالى : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ * الايات } ومحلُه الرفعُ على الابتداء خبرُه ما بعده أي أوردنا في القرآن جميعَ الأمور المهمة وأزَحْنا به العِللَ والأعذارَ والذين كذبوا بآياتنا التي هي منه { صُمٌّ } لا يسمعونها سمعَ تدبرٍ وفهمٍ فلذلك يسمّونها أساطيرَ الأولين ولا يعدّونها من الآيات ويقترحون غيرها { وَبُكْمٌ } لا يقدِرون على أن ينطِقوا بالحق ولذلك لا يستجيبون دعوتك بها وقوله تعالى : { فِى الظلمات } إما متعلقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من المستكنِّ في الخبر كأنه قيل : ضالون كائنين في الظلمات أو صفةً لبكْم أي بُكم كائنون في الظلمات ، والمراد به بيانُ كمالِ عراقتهم في الجهل وسوء الحال فإن الأصمَّ الأبكمَ إذا كان بصيراً ربما يَفهم شيئاً بإشارةِ غيرِه وإن لم يفهَمْه بعبارته ، وكذا يُشعِرُ غيرَه بما في ضميره بالإشارة وإن كان معزولاً عن العبارة ، وأما إذا كان مع ذلك أعمى أو كان في الظلمات فينسدّ عليه بابُ الفهم والتفهيم بالكلية ، وقوله تعالى : { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ } تحقيقٌ للحق وتقريرٌ لما سبقَ من حالهم ببيانِ أنهم من أهل الطبْعِ لا يتأتَّى منهم الإيمانُ أصلاً ، فمَنْ مبتدأ خبرُه ما بعده ومفعولُ المشيئة محذوفٌ على القاعدة المستمرَّة من وقوعها شرطاً وكونِ مفعولها مضمونَ الجزاء وانتفاءِ الغرابة في تعلقها به أي من يشأ الله إضلالَه أي أن يخلُق فيه الضلالَ يضلِلْه أي يخلُقه فيه ولكن لا ابتداءً بطريق الجبر من غير أن يكون له دخلٌ ما في ذلك بل عند صَرْفِ اختياره إلى كَسْبه وتحصيلِه وقِسْ عليه قوله تعالى : { وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على * صراط مُّسْتَقِيمٍ } لا يضِلُّ من ذهب إليه ولا يزِلُّ من ثبَت قدمُه عليه .

(2/360)


قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)

{ قُلْ أَرَأَيْتُكُم } أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُبكِّتَهم ويُلقِمَهم الحجرَ بما لا سبيل لهم إلى النكير ، والكاف حرف جيء به لتأكيد الخطاب لا محلَّ له من الإعراب ومبنى التركيب وإن كان على الاستخبار عن الرؤية قلبية كانت أو بصَرية لكنّ المرادَ به الاستخبارُ عن مُتعلَّقِها أي أخبروني { إِنْ أتاكم عَذَابُ الله } حسبما أتى الأممَ السابقةَ من أنواع العذاب الدنيوي { أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة } التي لا محيصَ عنها البتة { أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ } هذا مناطُ الاستخبار ومحطّ التبكيت وقوله تعالى : { إِن كُنتُمْ صادقين } متعلق بأرأيتكم مؤكِّد للتبكيت كاشفٌ عن كذبهم ، وجوابُ الشرط محذوفٌ ثقةً بدلالة المذكور عليه أي إن كنتم صادقين في أن أصنامكم آلهةٌ كما أنها دعواكم المعروفةُ ، أو إن كنتم قوماً صادقين فأخبروني أغيرَ الله تدعون إن أتاكم عذابُ الله الخ ، فإن صدقهم بأيِّ معنى كان من موجبات إخبارِهم بدعائهم غيرَه سبحانه ، وأما جعلُ الجواب ما يدل عليه قولُه تعالى : { أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ } أعني فادعوه على أن الضمير لغير الله فمُخِلٌّ بجزالة النظم الكريم ، كيف لا والمطلوبُ منهم إنما هو الإخبارُ بدعائهم غيرَه تعالى عند إتيانِ ما يأتي لا نفسُ دعائهم إياه ، وقوله تعالى : { بَلْ إياه تَدْعُونَ } عطفٌ على جملة منفيةٍ ينْبىء عنها الجملةُ التي تعلقَ بها الاستخبارُ إنباءً جلياً كأنه قيل : لا غيرَه تعالى تدعون بل إياه تدعون وقوله تعالى { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ } أي إلى كشفه ، عطفٌ على تدعون أي فيكشفه إثرَ دعائِكم ، وقوله تعالى : { إِن شَاء } أي إن شاء كشفَه لبيانِ أن قبولَ دعائِهم غيرُ مطَّردٍ ، بل هو تابعٌ لمشيئته المبنيةِ على حِكَمٍ خفيةٍ قد استأثر الله تعالى بعلمها فقد يقبلُه كما في بعض دعواتهم المتعلقةِ بكشف العذاب الدنيوي ، وقد لا يقبله كما في بعضٍ آخَرَ منها وفي جميع ما يتعلق بكشف العذابِ الأخرويِّ الذي من جملته الساعةُ . وقوله تعالى : { وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } أي تتركون ما تشركونه به تعالى من الأصنام تركاً كلياً . عطفٌ على تدعون أيضاً وتوسيطُ الكشفِ بينهما مع تقارنهما وتأخُرِ الكشف عنهما لإظهار كمال العنايةِ بشأن الكشفِ والأيذان بترتّبه على الدعاء خاصةً .

(2/361)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)

وقولُه تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلنَا } كلام مستأنفٌ مَسوقٌ لبيان أن منهم من لا يدعو الله تعالى عند إتيانِ العذاب أيضاً لتماديهم في الغيِّ والضلال لا يتأثرون بالزواجر التكوينية كما لا يتأثرون بالزواجر التنزيلية . وتصديرُه بالجملة القَسَمية لإظهار مزيدِ الاهتمام بمضمونه ، ومفعول ( أرسلنا ) محذوف لما أن مقتضى المقام بيانُ حال المرسَل إليهم لا حالِ المرسلين ، أي وبالله لقد أرسلنا رسلاً { إلى أُمَمٍ } كثيرة { مِن قَبْلِكَ } أي كائنة من زمان قبلَ زمانك { فأخذناهم } أي فكذبوا رسلهم فأخذناهم { بالبأساء } أي بالشدة والفقر { والضراء } أي الضرر والآفات وهما صيغتا تأنيثٍ لا مذكر لهما { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } أي لكي يدعُوا الله تعالى في كشفها بالتضرّع والتذلل ويتوبوا إليه من كفرهم ومعاصيهم { فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } أي فلم يتضرعوا حينئذ مع تحقق ما يستدعيه { ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } استدراكٌ عما قبله أي فلم يتضرعوا إليه تعالى برقةِ القلب والخضوع ، مع تحقق ما يدعوهم إليه ، ولكن ظهر منهم نقيضُه حيث قستْ قلوبُهم أي استمرتْ على ما هي عليه من القساوة أو ازدادَتْ قساوةً كقولك : لم يُكرِمْني إذ جئتُه ولكن أهانني { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ } من الكفر والمعاصي فلم يُخْطِروا ببالهم أنّ ما اعتراهم من البأساء والضراء ما اعتراهم إلا لأجله وقيل : الاستدراك لبيان أنه لم يكن لهم في ترك التضرُّع عذرٌ سوى قسوةِ قلوبهم والإعجابِ بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم وقوله تعالى : { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } عطفٌ على مقدَّر ينساق إليه النظمُ الكريم أي فانهمَكوا فيه ونسُوا ما ذُكَّروا به من البأساء والضّراء ، فلما نسوه { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } من فنون النَّعْماء على منهاج الاستدراج ، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : « مُكِر بالقوم ورب الكعبة » وقرىء ( فتّحنا ) بالتشديد للتكثير وفي ترتيب الفتح على النسيان المذكور إشعارٌ بأن التذكر في الجملة غير خالٍ عن النفع ، و ( حتى ) في قوله تعالى : { حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ } هي التي يُبتدأ بها الكلام دخلت على الجملة الشرطية كما في قوله تعالى : { حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا } الآية ونظائرِه ، وهي مع ذلك غاية لقوله تعالى : { فَتَحْنَا } أو لما يدل هم عليه كأنه قيل : ففعلوا ما فعلوا حتى إذا اطمأنوا بما أتيح لهم وبطِروا وأشِروا { أخذناهم بَغْتَةً } أي نزل بهم عذابنا فجأةً ليكون أشدَّ عليهم وقعاً وأفظع هولاً { فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } متحسِّرون غاية الحسرة آيسون من كل خير ، واجمون ، وفي الجملة الاسمية دلالة على استقرارهم على تلك الحالة الفظيعة .

(2/362)


فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)

{ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ } أي آخِرُهم بحيث لم يبقَ منهم أحد ، مِنْ دبره دبراً أي تبعه ، ووضعُ الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم فإن هلاكهم بسبب ظلمهم الذي هو وضعُ الكفر موضعَ الشكر وإقامةُ المعاصي مُقامَ الطاعات { والحمد للَّهِ رَبّ العالمين } على ما جرى عليهم من النَّكال ، فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث أنه تخليصٌ لأهل الأرض من شؤم عقائدِهم الفاسدة ، وأعمالهم الخبيثة نعمةٌ جليلة مستجلِبةٌ للحمد ، لا سيما مع ما فيه من إعلاءِ كلمةِ الحق التي نطقَت بها رسلُهم عليهم السلام .
{ قُلْ أَرَءيْتُمْ } أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتكرير التبكيت عليهم وتثنيةِ الإلزامِ بعد تكملةِ الإلزامِ الأولِ ببيان أنه أمرٌ مستمرٌ لم يزَلْ جارياً في الأمم ، وهذا أيضاً استخبارٌ عن متعلَّق الرؤية وإن كان بحسَب الظاهرِ استخباراً عن نفسِ الرؤية { إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وأبصاركم } بأن أصَمّكم وأعماكم بالكلية { وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ } بأن غطى عليها بما لا يبقى لكم معه عقلٌ وفهمٌ أصلاً وتصيرون مجانين ، ويجوز أن يكون الختمُ عطفاً تفسيرياً للأخذ المذكور فإن السمعَ والبصر طريقان للقلب ، منهما يرِدُ ما يرِدُه من المدرَكات ، فأخذُهما سدٌّ لِبابه بالكلية ، وهو السر في تقديم أخذِهما على ختمها ، وأما تقديمُ السمع على الإبصار فلأنه مورِدُ الآياتِ القرآنية ، وإفرادُه لما أن أصله مصدَرٌ وقوله تعالى : { مِنْ إِلَهٌ } مبتدأ وخبرٌ و ( من ) استفهامية ، وقوله تعالى : { غَيْرُ الله } صفةٌ للخبر ، وقوله تعالى : { يَأْتِيكُمْ بِهِ } أي بذاك على أن الضميرَ مستعارٌ لاسم الإشارة ، أو بما أَخَذ وخَتَم عليه ، صفةٌ أخرى له والجملة متعلَّقُ الرؤية ومناطُ الاستخبار أي أخبروني إنْ سلب الله مشاعرَكم من إله غيرُه تعالى يأتيكم بها . وقوله تعالى : { انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الايات } تعجيبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عدم تأثُّرِهم بما عاينوا من الآيات الباهرةِ أي انظر كيف نكرِّرها ونقرِّرها مصروفةً من أسلوب إلى أسلوب ، تارةً بترتيب المقدِّمات العقلية وتارةً بطريق الترغيب والترهيب ، وتارةً بالتنبيه والتذكير { ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ } عطفٌ على نصرِّف داخلٌ في حكمه ، وهو العُمدة في التعجيب و ( ثم ) لاستبعاد صدوفهم أي إعراضِهم عن تلك الآيات بعد تصريفها على هذا النمط البديعِ الموجبِ للإقبال عليها .
{ قُلْ أَرَأَيْتُكُم } تبكيتٌ آخَرُ لهم بإلجائهم إلى الاعترافِ باختصاص العذاب بهم { إِنْ أتاكم عَذَابُ الله } أي عذابُه العاجلُ الخاصُّ بكم كما أتى مَنْ قبلكم من الأمم { بَغْتَةً } أي فجأةً من غير أن يظهرَ منه مخايِلُ الإتيان وحيثُ تضمّن هذا معنى الخُفية قوبل بقوله تعالى : { أَوْ جَهْرَةً } أي بعد ظهورِ أماراتِه وعلائمه ، وقيل : ليلاً أو نهاراً كما في قوله تعالى : { بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا } لما أن الغالبَ فيما أتى ليلاً البغتةُ وفيما أتى نهاراً الجهرةُ ، وقرىء بغتة أو جهرة وهما في موضع المصدر أي إتيانَ بغتةٍ أو إتيانَ جهرة ، وتقديمُ البغتة لكونها أهولَ وأفظعَ ، وقوله تعالى : { هَلْ يُهْلَكُ } متعلَّق الاستخبار ، والاستفهام للتقرير أي قل لهم تقريراً لهم باختصاص الهلاكِ بهم أخبروني إن أتاكم عذابُه تعالى حسبما تستحقونه هل يُهلك بذلك العذاب إلا أنتم؟ أي هل يُهلك غيرُكم ممن لا يستحقه؟ وإنما وُضع موضعَه { إِلاَّ القوم الظالمون } تسجيلاً عليهم بالظلم وإيذاناً بأن مناطَ إهلاكهم ظلمُهم الذي هو وضعُهم الكفرَ موضعَ الإيمان .

(2/363)


وقيل : المرادُ بالظالمين الجنسُ وهم داخلون في الحكم دخولاً أولياً . قال الزجاج : هل يُهلك إلا أنتم ومن أشبهكم؟ ويأباه تخصيصُ الإتيان بهم ، وقيل : الاستفهامُ بمعنى النفي فمتعلَّق الاستخبارِ حينئذ محذوفٌ كأنه قيل : أخبروني إن أتاكم عذابه تعالى بغتة أو جهرة ماذا يكون الحال؟ ثم قيل بياناً لذلك : ما يُهلك إلا القومُ الظالمون أي ما يُهلك بذلك العذاب الخاصِّ بكم إلا أنتم . فمن قيَّد الهلاكَ بهلاك التعذيب والسُخط لتحقيق الحصْرِ بإخراج غيرِ الظالمين لِما أنه ليس بطريقِ التعذيب والسَّخَطِ بل بطريق الإثابة ورفع الدرجة فقد أهمل ما يُجديه واشتغل بما لا يَعنيه وأخلَّ بجزالة النظم الكريم وقرىء هل يَهلِك من الثلاثي .

(2/364)


وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)

{ وَمَا نُرْسِلُ المرسلين } كلام مستأنفٌ مَسوقٌ لبيان وظائفِ منْصِبِ الرسالة على الإطلاق وتحقيقِ ما في عُهدة الرسلِ عليهم السلام ، وإظهارُ أن ما يقترحه الكفرةُ عليه عليه السلام ليس مما يتعلقُ بالرسالة أصلاً ، وصيغةُ المضارع لبيانِ أن ذلك أمرٌ مستمرٌّ جرتْ عليه العادةُ الإلهية ، وقوله تعالى : { إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } حالان مقدّرتان من المُرْسلين أي ما نرسِلُهم إلا مقدَّراً تبشيرُهم وإنذارُهم ففيهما معنى العلةِ الغائيّة قطعاً أي ليبشروا قومَهم بالثواب على الطاعة وينذروهم بالعقاب على المعصية أي ليُخبروهم بالخبر السار والخبرِ الضارّ دنيوياً كان أو أُخروياً من غير أن يكون لهم دخلٌ ما في وقوع المخبَر به أصلاً ، وعليه يدور القصرُ والإلزام أن لا يكون بيان الشرائع والأحكام من وظائف الرسالة ، والفاء في قوله تعالى : { فَمَنْ ءامَنَ وَأَصْلَحَ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها و ( من ) موصوله والفاء في قوله تعالى : { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } لشَبَه الموصول بالشرط أي لا خوف عليهم من العذاب الذي أُنذِروه دنيوياً كان أو أخروياً ولا هم يحزنون بفوات ما بُشِّروا به من الثواب العاجل والآجل . وتقديمُ نفْيِ الخوفِ على نفْيِ الحُزْن لمراعاة حقِّ المقام ، وجمعُ الضمائر الثلاثة الراجعة إلى ( من ) باعتبار معناها ، كما أن إفرادَ الضميرَيْن السابقين باعتبار لفظِهما ، أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ، والمرادُ بيانُ دوامِ انتفائِهما لا بيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يوهمه كونُ الخبر في الجملة الثانية مضارعاً لما تقرر في موضعه من أن النفيَ وإن دخل على نفس المضارع يُفيد الدوام والاستمرارَ بحسب المقام ، ألا يُرى أن الجملةَ الاسمية تدل بمعونة المقام على استمرار الثبوت فإذا دخل عليها حرفُ النفي دلت على استمرار الانتفاءِ لا على انتفاء الاستمرار ، كذلك المضارعُ الخالي عن حرف النفي يفيد استمرارَ الثبوت فإذا دخل عليه حرفُ النفي يفيد استمرارَ الانتفاء لا انتفاء الاستمرار ولا بُعْد في ذلك ، فإن قولك : ما زيداً ضربت مفيدٌ لاختصاص النفي لا نفي الاختصاص ، كما بُيّن في محله .

(2/365)


وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)

وقوله عز وجل : { والذين كَذَّبُواْ } عطفٌ على مَنْ آمن داخلٌ في حكمه وقوله تعالى : { بئاياتنا } إشارة إلى أن ما ينطِقُ له الرسلُ عليهم السلام عند التبشير والإنذار ويبلّغونه إلى الأمم آياتُه تعالى ، وأن من آمن به فقد آمن بآياته تعالى ، ومن كذب به فقد كذب بها ، وفيه من الترغيب في الإيمان والتحذيرِ عن تكذيبه ما لا يخفى . والمعنى ما نرسل المرسلين إلا ليُخبروا أممهم من جهتنا بما سيقع منا من الأمور السارّة والضارّة لا ليُوقعوها استقلالاً من تلقاء أنفسهم ، أو استدعاءً من قِبَلِنا ، حتى يقترحوا ، فإذا كان الأمرُ كذلك فمن آمن بما أَخبروا به من قبلنا تبشيراً أو إنذاراً في ضمن آياتنا ، وأصلح ما يجب إصلاحُه من أعماله ، أو دخل في الصلاح فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون . والذين كذبوا بآياتنا التي بُلِّغوها عند التبشير والإنذار { يَمَسُّهُمُ العذاب } أي العذاب الذي أُنذِروه عاجلاً ، أو آجلاً ، أو حقيقةُ العذاب وجنسُه المنتظمُ له انتظاماً أولياً { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } أي بسبب فسقهم المستمر الذي هو الإصرارُ على الخروج عن التصديق والطاعة .
{ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله } استئنافٌ مبنيٌّ على ما أسِّسَ من السنة الإلهية في شأنِ إرسالِ الرسل وإنزالِ الكتُب ، مَسوقٌ لإظهار تبرِئتِه صلى الله عليه وسلم عما يدورُ عليه مقترحاتُهم ، أي قل للكفرة الذين يقترحون عليك تارةً تنزيلَ الآياتِ وأخرى غيرَ ذلك لا أدَّعي أن خزائنَ مقدوراتِه تعالى مُفوَّضةٌ إلي أتصرَّفُ فيها كيفما أشاء استقلالاً أو استدعاءً ، حتى تقترحوا عليّ تنزيلَ الآياتِ أو إنزالَ العذاب ، أو قلبَ الجبال ذهباً ، أو غيرَ ذلك مما لا يليق بشأني ، وجعلُ هذا تبرُّؤاً عن دعوى الإلهية مما لا وجهَ له قطعاً ، وقوله تعالى : { وَلا أَعْلَمُ الغيب } عطفٌ على محلَّ ( عندي خزائنُ الله ) ، أي لا أدّعي أيضاً أني أعلم الغيبَ من أفعاله تعالى حتى تسألوني عن وقت الساعة أو وقت نزول العذاب أو نحوهما { وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقةِ للعادات ما لا يُطيق البشرُ من الرُقيِّ في السماء ونحوه ، أو تعدوا عدمَ اتّصافي بصفاتهم قادحاً في أمري كما ينبىء عنه قولهم : { مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الاسواق } والمعنى إني لا أدَّعي شيئاً من هذه الأشياء الثلاثةِ حتى تقترحوا عليَّ ما هو من آثارها وأحكامها ، وتجعلوا عدمَ إجابتي إلى ذلك دليلاً على عدم صحةِ ما أدَّعيه من الرسالة التي لا تعلُّقَ لها بشيء مما ذُكر قطعاً بل إنما هي عبارةٌ عن تلقِّي الوحْي من جهةِ الله عز وجل ، والعملِ بمقتضاه فحسْب ، حسْبما ينبىء عنه قوله تعالى : { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ } لا على معنى تخصيص اتباعه صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه دون غيره بتوجيه القَصْر إلى المفعول بالقياس إلى مفعولٍ آخرَ كما هو الاستعمال الشائعُ الواردُ على توجيه القصْر إلى ما يتعلّق بالفعل باعتبار النفي في الأصل ، والإثبات في القيد ، بل على معنى تخصيص حالِه صلى الله عليه وسلم باتباع ما يوحى إليه بتوجيه القصرِ إلى نفس الفعل بالقياس إلى ما يغرّه من الأفعال ، لكن لا باعتبار النفي والإثباتِ معاً في خصوصية ، فإن ذلك غيرُ ممكن قطعاً ، بل باعتبار النفي فيما يتضمّنه من مُطلق الفعل ، والإثباتِ فيما يقارنه من المعنى المخصوص ، فإنّ كلَّ فعلٍ من الأفعال الخاصَّةِ كنصر مثلاً ينحلّ عند التحقيق إلى معنىً مطلقٍ هو مدلولُ لفظِ الفعل وإلى معنىً خاصَ يقوم به فإن معناه فعَلَ النصْرَ ، يُرشدك إلى ذلك قولُهم : فلانٌ يُعطي ويمنع بمعنى يفعل الإعطاء والمنع ، فموردُ القصر في الحقيقة ما يتعلقُ بالفعل بتوجيه النفي إلى الأصل والإثباتِ إلى القيد ، كأنه قيل : ما أفعلُ إلا اتباعَ ما يوحى إليّ مِنْ غير أن يكون لي مدخَلٌ ما في الوحي أو في الموحى بطريق الاستدعاء ، أو بوجهٍ آخرَ من الوجوه أصلاً .

(2/366)


{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير } مثل للضال والمهتدي على الإطلاق ، والاستفهام إنكاري والمراد إنكارُ استواءِ مَنْ لا يعلم ما ذُكر من الحقائق ومن يعلمُها وفيه من الإشعار بكمالِ ظهورِها ومن التنفير عن الضلالِ والترغيب في الاهتداء ما لا يخفى ، وتكريرُ الأمر لتثنية التبكيتِ وتأكيدِ الإلزام ، وقوله تعالى : { أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } تقريعٌ وتوبيخٌ داخلٌ تحت الأمر ، والفاء للعطف على مقدَّر يقتضيه المقام ، أي ألا تسمعون هذا الكلامَ الحقَّ فلا تتفكرون فيه ، أو أتسمعون فلا تتفكرون فيه ، فمناطُ التوبيخِ في الأول عدمُ الأمرَيْنِ معاً ، وفي الثاني عدم التفكر مع تحقق ما يُوجبه .

(2/367)


وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)

{ وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ } بعد ما حكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الكفرة قوماً لا يتعظون بتصريف الآيات الباهرة ، ولا يتأثرون بمشاهدة المعجزات القاهرة ، قد إيفت مشاعرُهم بالكلية ، والتحقوا بالأموات ، وقرَّر ذلك بأن كرَّر عليهم من فنون التبكيت والإلزام ما يُلقِمُهم الحجرَ أيَّ إلقامٍ فأبَوا إلا الإباءَ والنكيرَ ، وما نجَع فيهم عِظةٌ ولا تذكير ، وما أفادهم الإنذارُ إلا إصراراً على الإنكار ، أُمر عليه الصلاة والسلام بتوجيه الإنذار إلى مَنْ يتوقعُ منهم التأثرَ في الجملة وهم المجوِّزون منهم لحشر على الوجه الآتي ، سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب وبعضِ المشركين المعترفين بالبعث ، المتردِّدين في شفاعة آبائهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كالأولين أو في شفاعة الأصنام كالآخِرين أو متردّدين فيهما معاً كبعض الكفرة الذين يُعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن يكون حقاً ، وأما المنكرون للحشر رأساً والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام فهم خارجون ممن أُمر بإنذراهم ، وقد قيل : هم المفرِّطون في الأعمال من المؤمنين ، ولا يساعده سِباقُ النظم الكريم ولا سياقه ، بل فيه ما يقضي باستحالة صحته كما ستقف عليه ، والضميرُ المجرورُ لما يوحى أو لما دل هو عليه من القرآن ، والمفعولُ الثاني للإنذار إما العذابَ الأخرويَّ المدلولَ عليه بما في حيز الصلة وإما مطلقَ العذاب الذي ورد به الوعيدُ ، والتعرّضُ لعنوان الربوبية المُنْبئة عن المالكيةِ المطلقةِ والتصرّف الكليِّ لتربية المهابة وتحقيق المخافة ، وقوله تعالى : { لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } في حيز النصْب على الحالية من ضمير ( يُحشروا ) ، و ( من ) متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من اسم ليس ، لأنه في الأصل صفة له فلما قدم عليه انتصب حالاً ، خلا أن الحال الأولى لإخراج الحشر الذي لم يقيد بها عن حيز الخوف ، وتحقيقِ أن ما نيط به الخوفُ هو الحشر على تلك الحالة لا الحشرُ كيفما كان ، ضرورةَ أن المعترفين به الجازمين بنُصرة غيرِه تعالى بمنزلةِ المنكرين له في عدم الخوفِ الذي عليه يدورُ أمرُ الإنذار ، وأما الحالُ الثانية فليست لإخراج الوليِّ الذي لم يقيَّد بها عن حيز الانتفاء لفساد المعنى لاستلزام ثبوتِ ولايتِه تعالى لهم كما في قوله تعالى : { وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } بل لتحقيق مدارِ خوفهم وهو فُقدان ما علّقوا به رجاءَهم ، وذلك إنما هو ولايةُ غيرِه سبحانه وتعالى في قوله تعالى : { وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى الارض وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } والمعنى أنذر به الذين يخافون أن يُحشروا غيرَ منصورين من جهة أنصارهم على زعمهم ، ومن هذا اتضح ألا سبيلَ إلى كون المرادِ بالخائفين المفرِّطين من المؤمنين ، إذ ليس لهم وليٌّ سواه تعالى ليخافوا الحشرَ بدون نُصرته وإنما الذين يخافون الحشرَ بدون نصرته عز وجل ، وقوله تعالى : { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } تعليل الأمر ، أي أنذِرْهم لكي يتقوا الكفرَ والمعاصيَ أو حال من ضمير الأمر ، أي أنذِرْهم راجياً تقواهم أو مِن الموصول أي أنذرهم مرجواً منهم التقوى .

(2/368)


وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)

{ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى } لما أُمر صلى الله عليه وسلم بإنذار المذكورين لينتظموا في سلك المتقين نُهِيَ صلى الله عليه وسلم عن كون ذلك بحيث يؤدي إلى طردهم . رُوي أن رؤساءَ من المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو طردتَ هؤلاء الأعبُدَ وأرواحَ جبابهم يعنون فقراءَ المسلمين كعمارٍ وصهيبٍ وخبابٍ وسَلمانَ وأضرابهم رضي الله تعالى عنهم جلسنا إليك وحادثناك . فقال صلى الله عليه وسلم : " ما أنا بطارد المؤمنين " فقالوا : فأقِمْهم عنا إذا جئنا ، فإذا قُمنا فأقعِدْهم معك إن شئت ، قال صلى الله عليه وسلم : «نعم» طمعاً في إيمانهم . ورُوي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال له عليه الصلاة والسلام : " لو فعلتَ حتى تنظرَ إلى ما يصيرون؟ " وقيل : إن عُتبةَ بنَ ربيعةَ وشيبةَ بنَ ربيعةَ ومُطعِمَ بنَ عديَ والحارثَ بنَ نوفل وقرصةَ بنَ عبيد وعمروَ بنَ نوفل وأشرافَ بني عبد مناف من أهل الكفر أتَوا أبا طالب فقالوا : يا أبا طالب لو أن ابنَ أخيك محمداً يطرُد مواليَنا وحلفاءنا وهم عبيدُنا وعتقاؤُنا كان أعظمَ في صدورنا ، وأدنى لاتّباعنا إياه ، فأتى أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه ، فقال عمر رضي الله عنه : لو فعلتَ ذلك حتى تنظرَ ما الذي يريدون ، وإلامَ يصيرون؟ وقال سلمان وخباب : فينا نزلت هذه الآية ، جاء الأقرعُ بنُ حابسٍ التميمي وعُيَيْنةُ بنُ حِصْنٍ الفزاريُّ وعباسُ بنُ مِرْداسٍ وذووهم من المؤلفة قلوبُهم فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم جالساً مع أناسٍ من ضعفاءِ المؤمنين ، فلما رأوهم حوله صلى الله عليه وسلم حقَروهم فأتَوْه عليه الصلاة والسلام فقالوا : يا رسول الله لو جلستَ في صدر المسجد ، ونفَيْتَ عنا هؤلاء وأرواحَ جبابهم فجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك فقال صلى الله عليه وسلم : " ما أنا بطارد المؤمنين " قالوا : فإنا نحب أن تجعل لنا معك مجلساً تعرِفْ لنا به العربُ فضلَنا فإن وفودَ العرب تأتيك فنستحي أن ترانا مع هؤلاء الأعبُد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال صلى الله عليه وسلم : «نعم» قالوا : فاكتب لنا كتاباً فدعا بالصحيفة وبعليَ رضي الله تعالى عنه ليكتبَ ونحن قعود في ناحية ، فنزل جبريلُ عليه السلام بالآية ، فرمى عليه السلام بالصحيفة ودعانا فأتيناه وجلسنا عنده ، وكنا ندنو منه حتى تمَسَّ رُكَبُنا رُكبتَه ، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت { واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم } فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال : " الحمد لله الذي لم يُمتْني حتى أمرني أن أصبِرَ نفسي مع قومٍ من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات "

(2/369)


والمرادُ بذكر الوقتين الدوامُ وقيل : صلاةُ الفجر والعصر وقرىء ( بالغُدوة ) وقوله تعالى : { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } حال من ضمير ( يدعون ) أي يدعونه تعالى مخلصين له فيه ، وتقييدُه به لتأكيد علِّيتِه للنهي ، فإن الإخلاصَ من أقوى موجبات الإكرام المضادِّ للطرد ، وقوله تعالى : { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } اعتراضٌ وسطٌ بين النهي وجوابه تقريراً له ودفعاً لما عسى يُتوَهم كونُه مسوِّغاً لطردهم من أقاويلِ الطاعنين في دينهم ، كدأب قوم نوحٍ حيث قالوا : { مَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى } أي ما عليك شيءٌ ما مِنْ حساب إيمانهم وأعمالِهم الباطنة حتى تتصدَّى له وتنْبي على ذلك ما تراه من الأحكام ، وإنما وظيفتُك حسبما هو شأنُ منصِبِ النبوة اعتبارُ ظواهرِ الأعمال وإجراءُ الأحكام على موجبها ، وأما بواطنُ الأمور فحسابُها على العليم بذات الصدور كقوله تعالى : { إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّى } وذكرُ قوله تعالى : { وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء } مع أن الجوابَ قد تم بما قبله للمبالغة في بيان انتفاءِ كون حسابِهم عليه صلى الله عليه وسلم بنظمه في سِلْك ما لا شُبهة فيه أصلاً ، وهو انتفاءُ كونِ حسابه عليه السلام عليهم على طريقة قولِه تعالى : { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } وأما ما قيل من أن ذلك لتنزيل الجملتين منزلةَ جملةٍ واحدةٍ لتأدية معنى واحدٍ على نهج قوله تعالى : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } فغيرُ حقيقٍ بجلالة شأن التنزيل ، وتقديم ( عليك ) في الجملة الأولى للقصد إلى إيراد النفي على اختصاص حسابهم به صلى الله عليه وسلم إذ هو الداعي إلى تصدّيه عليه الصلاة والسلام لحسابهم ، وقيل : الضمير للمشركين ، والمعنى : أنك لا تؤاخَذُ بحسابهم حتى يُهمَّك إيمانُهم ويدعُوَك الحِرْصُ عليه إلى أن تطرُدَ المؤمنين ، وقوله تعالى : { فَتَطْرُدَهُمْ } جواب النفي وقوله تعالى : { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } جواب النهي وقد جُوِّز عطفُه على ( فتطردَهم ) على طريقة التسبيب وليس بذاك .

(2/370)


وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)

{ وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } استئنافٌ مبينٌ لما نشأ عنه ما سبق من النهي ، وذلك إشارة إلى مصدر ما بعده من الفعل الذي هو عبارةٌ عن تقديمه تعالى لفقراء المؤمنين في أمر الدين بتوفيقهم للإيمان مع ما هم عليه في أمر الدنيا من كمال سوء الحال ، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجة المشار إليه ، وبُعْدِ منزلتِه في الكمال ، والكاف مُقحَمَةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة ، ومحلُها في الأصل النصب على أنه نعتٌ لمصدرٍ مؤكّدٍ محذوف ، والتقدير فتنا بعضَهم ببعض فتوناً كائناً مثلَ ذلك الفتون ، ثم قُدّم على الفعل لإفادة القصْرِ المفيدِ لعدم القصور فقط ، واعتُبرت الكافُ مُقحَمةً فصار نفسَ المصدرِ المؤكدِ لا نعتاً له . والمعنى ذلك الفتونَ الكاملَ البديعَ فتنّا ، أي ابتلَينا بعضَ الناس ببعضهم لا فتوناً غيره ، حيث قدمنا الآخِرين في أمر الدينِ على الأولين المتقدَّمين عليهم في أمر الدنيا تقدماً كلياً ، واللام في قوله تعالى : { لّيَقُولواْ } للعاقبة ، أي ليقول البعضُ الأولون مُشيرين إلى الآخِرين محقِّرين لهم نظراً إلى ما بينهما من التفاوت الفاحشِ الدنيوي ، وتعامياً عما هو مَناطُ التفضيلِ حقيقةً { أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } بأن وفّقهم لإصابة الحقِّ ولِما يُسعِدَهم عنده تعالى من دوننا ، ونحن المقدَّمون والرؤساء ، وهم العبيدُ والفقراء ، وغرضُهم بذلك إنكارُ وقوعِ المنِّ رأساً على طريقة قولِهم : { لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } لا تحقيرُ الممنونِ عليهم مع الاعتراف بوقوعه بطريق الاعتراضِ عليه تعالى ، وقولُه تعالى : { أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين } ردٌّ لقولهم ذلك وإبطال له ، وإشارةٌ إلى أن مدارَ استحقاقِ الإنعامِ معرفةُ شأنِ النعمةِ والاعترافُ بحق المُنعِم ، والاستفهامُ لتقرير علمه البالغِ بذلك ، أي أليس الله بأعلمَ بالشاكرين لِنِعَمِه حتى تستبعِدوا إنعامَه عليهم؟ وفيه من الإشارة إلى أن أولئك الضعفاءَ عارفون بحقِّ نِعَم الله تعالى في تنزيل القرآنِ والتوفيقِ للإيمان ، شاكرون له تعالى على ذلك مع التعريض بأن القائلين بمعزلٍ من ذلك كله ما لا يخفى .

(2/371)


وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)

{ وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا } هم الذين نُهيَ عن طردهم ، وُصِفوا بالإيمان بآيات الله عز وجل كما وُصفوا بالمداومة على عبادته تعالى بالإخلاص تنبيهاً على إحرازهم لفضيلتَي العلم والعمل ، وتأخيرُ هذا الوصفِ مع تقدمه على الوصف الأولِ لما أن مدارَ الوعدِ بالرحمة والمغفرة هو الإيمانُ بها كما أن مناطَ النهْي عن الطرد فيما سبق هو المداومةُ على العبادة وقوله تعالى : { فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ } أمرٌ بتبشيرهم بالسلامة عن كل مكروهٍ بعد إنذارِ مُقابليهم ، وقيل : بتبليغ سلامِه تعالى إليهم ، وقيل : بأن يبدأَهم بالسلام ، وقوله تعالى : { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } أي قضاها وأوجبَها على ذاته المقدسةِ بطريق التفضّل والإحسانِ بالذات ، لا بتوسُّطِ شيءٍ ما أصلاً ، تبشيراً لهم بسَعَة رحمتِه تعالى ، وبنيل المطالبِ إثرَ تبشيرِهم بالسلامة من المكاره وقبولِه التوبة منهم ، وفي التعرُّض لعُنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم إظهارُ اللطفِ بهم والإشعارُ بعلّة الحُكْم . وقيل : إن قوماً جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا أصبْنا ذُنوباً عِظاماً ، فلم يُردَّ عليهم شيئاً فانصرفوا ، فنزلت وقوله تعالى : { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً } بدل من الرحمة ، وقرىء بكسر ( إنه ) على أنه تفسيرٌ للرحمة بطريق الاستئناف وقوله تعالى : { بِجَهَالَةٍ } حال من فاعل ( عمل ) أي عمله وهو جاهلٌ بحقيقة ما يتبعه من المضارِّ ، والتقييدُ بذلك للإيذان بأن المؤمنَ لا يباشر ما يعلمُ أنه يؤدي إلى الضرر ، أو عملِه متلبّساً بجهالة { ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ } أي من عمله أو بعد سَفَهِه { وَأَصْلَحَ } أي ما أفسده تدارُكاً وعزْماً على أن لا يعودَ إليه أبداً { فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي فأمرُه أنه غفور رحيم ، وقرىء ( فإنه ) بالكسر على أنه استئنافٌ وقع في صدر الجملة الواقعةِ خبراً ( لمن ) على أنها موصولة أو جواباً لها عن أنها شرطية .

(2/372)


وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)

{ وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الايات } قد مر آنفاً ما فيه من الكلام أي هذا التفصيلَ البديعَ تفصّلُ الآياتِ في صفة أهل الطاعةِ وأهل الإجرام المُصرِّين منهم والأولين { وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين } بتأنيث الفعلِ بناءً على تأنيث الفاعل وقرىء بالتذكير بناءً على تذكيره فإن السبيلَ مما يذكر ويؤنث ، وهو عطفٌ على علة محذوفةٍ للفعل المذكورِ لم يُقصَدْ تعليلُه بها بعينها وإنما قُصد الإشعارُ بأن له فوائدَ جمّةً من جملتها ما ذُكر ، أو علةٌ لفعل مقدرٍ هو عبارة عن المذكور فيكون مستأنَفاً أي ولتستبين سبيلَهم نفعلُ ما نفعل من التفصيل . وقرىء بنصب السبيلَ على أن الفعل متعدَ وتاؤُه للخطاب أي ولتستوضح أنت يا محمد سبيلَ المجرمين فتعامِلَهم بما يليق بهم .
{ قُلْ إِنّى نُهِيتُ } أُمر عليه الصلاة والسلام بالرجوع إلى مخاطبة المُصِرّين على الشرك إثرَ ما أُمر بمعاملة مَنْ عداهم من أهل الإنذار والتبشيرِ بما يليق بحالهم أي قل لهم قطعاً لأطماعهم الفارغةِ عن ركونه عليه الصلاة والسلام إليهم ، وبياناً لكون ما هم عليه من الدين هوىً محضاً وضلالاً بحتاً ، إني صُرفتُ وزُجِرْت بما نُصب لي من الأدلة وأُنزل علي من الآيات في أمر التوحيد { أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ } أي عن عبادة ما تعبدونه { مِن دُونِ الله } كائناً ما كان .
{ قُلْ } كَرر الأمرَ مع قرب العهد اعتناءً بشأن المأمور به أو إيذاناً باختلاف المَقولَيْن من حيث إن الأولَ حكايةٌ لِما من جهته تعالى من النهي ، والثاني حكايةٌ لما من جهته صلى الله عليه وسلم من الانتهاء عما ذُكر من عبادة ما يعبدونه وإنما قيل : { لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ } استجهالاً لهم وتنصيصاً على أنهم فيما هم فيه تابعون لأهواءَ باطلةٍ وليسوا على شيء مما ينطلق عليه الدين أصلاً ، وإشعاراً بما يوجب النهيَ والانتهاءَ ، وقوله تعالى : { قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً } استئنافٌ مؤكِّد لانتهائه عما نِخيَ عنه مقرِّر لكونهم في غاية الضلال والغَواية ، أي إن اتبعتُ أهواءكم فقد ضللت ، وقوله تعالى : { وَمَا أَنَاْ مِنَ المهتدين } عطفٌ على ما قبله ، والعدولُ إلى الجملة الاسمية للدلالة على الدوام والاستمرار أي دوامِ النفْي واستمرارِه لا نفْيِ الدوام والاستمرار كما مر مراراً أي ما أنا في شيء من الهدى حين أكون في عِدادهم وقوله تعالى : { قُلْ إِنّى على بَيّنَةٍ } تحقيقٌ للحق الذي عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وبيانٌ لاتّباعه إياه إثرَ إبطالِ الذي عليه الكَفَرةُ وبيانِ عدمِ اتباعِه له والبينةُ الحجةُ الواضحةُ التي تفصِلُ بين الحق والباطل والمرادُ بها القرآنُ والوحْيُ وقيل : هي الحججُ العقلية أو ما يعمُّها ، ولا يساعدُه المقامُ ، والتنوينُ للتفخيم ، وقولُه تعالى : { مّن رَّبّى } متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ ( لبينة ) مؤكّدة لما أفادهه التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من التشريفِ ورفعِ المنزلة ما لا يخفى ، وقولُه تعالى : { وَكَذَّبْتُم بِهِ } إما جملةٌ مستأنفة أو حاليةٌ بتقدير قد أو بدونه ، جيء بها لاستقباح مضمونِها واستبعاد وقوعِه مع تحقق ما يقتضي عدمَه من غاية وضوحِ البينة ، والضميرُ المجرورُ للبينة ، والتذكير باعتبار المعنى المرادِ ، والمعنى إني على بينةٍ عظيمة كائنةٍ من ربي وكذبتم بها وبما فيها من الأخبار التي من جمتلها الوعيدُ بمجيء العذاب ، وقولُه تعالى : { مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } استئنافٌ مبينٌ لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأً لتكذيبهم بها ، وهو عدمُ مجيءِ ما وَعد فيها من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بقولهم :

(2/373)


{ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين } بطريق الاستهزاءِ أو بطريق الإلزامِ على زعمهم أي ليس ما تستعجلونه من العذاب الموعودِ في القرآنِ وتجعلون تأخُّرَه ذريعةً إلى تكذيبه في حُكمي وقدرتي حتى أَجيءَ به وأُظهرَ لكم صِدْقَه ، أو ليس أمرُه بمُفوَّضٍ إلي { إِنِ الحكم } أي ما الحكمُ في ذلك تعجيلاً وتأخيراً أو ما الحكمُ في جميع الأشياء ، فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً { إِلاَ لِلَّهِ } وحده من غير أن يكون لغيره دخْلٌ ما فيه بوجه من الوجوه ، وقولُه تعالى : { يَقُصُّ الحق } أي يَتْبعُه ، بيانٌ لشؤونه تعالى في الحكم المعهودِ أو في جميع أحكامِه المنتظمةِ له انتظاماً أولياً ، أي لا يحكمُ إلا بما هو حقٌّ فيُثبتُ حقيقة التأخير . وقرىء ( يقضي ) فانتصابُ ( الحقَّ ) حينئذٍ على المصدرية أي يقضي القضاءَ الحقَّ أو على المفعولية أي يصنعُ الحقَّ ويدبرُه من قولهم : قضى الدِّرعَ إذا صنعها ، وأصلُ القضاءِ الفصلُ بتمام الأمرِ ، وأصلُ الحُكمِ المنعُ فكأنه يمنعُ الباطل عن معارَضةِ الحقِّ أو الخصمِ عن التعدِّي على صاحبه { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين } اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله ، مشيرٌ إلى أن قصَّ الحقِّ هاهنا بطريق خاصَ هو الفصلُ بين الحقِّ والباطل ، هذا هو الذي تَسْتَدْعيه جزالةُ التنزيلِ . وقد قيل : إن المعنى إني من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه على حجةٍ واضحةٍ وشاهدِ صدقٍ وكذبتم به أنتم حيث أشركتم به تعالى غيرَه . وأنت خبيرٌ بأن مساقَ النظم الكريمِ فيما سَبق وما لَحِق على وصفهم بتكذيب آياتِ الله تعالى بسبب عدمِ مجيءِ العذاب الموعودِ فيها ، فتكذيبُهم به سبحانه في أمر التوحيد مما لا تعلُّقَ له بالمقام أصلاً .

(2/374)


قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)

{ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى } أي في قدرتي ومِكْنتي { مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } من العذاب الذي ورد به الوعيد بأن يكون أمرُه مفوّضاً إلي من جهته تعالى { لَقُضِىَ الامر بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } أي بأن ينزِلَ ذلك عليكم إثرَ استعجالِكم بقولكم : متى هذا الوعد ونظائرِه ، وفي بناء الفعل للمفعول من الإيذان بتعيُّن الفاعِلِ الذي هو الله تعالى وتهويلِ الأمر ومراعاةِ حسنِ الأدب ما لا يخفى . فما قيل في تفسيره لأهلكتُكم عاجلاً غضباً لربي ولتخلصْتُ منكم سريعاً بمعزلٍ من تَوْفِيةِ المقام حقَّه . وقولُه تعالى : { والله أَعْلَمُ بالظالمين } اعتراضٌ مقرِّرٌ لِما أفادتْه الجملةُ الامتناعية من انتفاءِ كونِ أمرِ العذابِ مفوَّضاً إليه صلى الله عليه وسلم المستتبِع لانتفاء قضاءِ الأمر ، وتعليلٌ له والمعنى والله تعالى أعلم بحال الظالمين وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج لتشديد العذاب ولذلك لم يفوِّضِ الأمرَ إليّ فلم يقضِ الأمرَ بتعجيل العذاب والله أعلم .

(2/375)


وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)

{ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب } بيانٌ لاختصاص المقدوراتِ الغيبية به تعالى من حيثُ العلمُ إثرَ بيانِ اختصاصِ كلِّها به تعالى من حيثُ القدرةُ ، والمفاتحُ إما جمعُ مفتَح بفتح الميم وهو المخزَن فهو مستعارٌ لمكان الغيب كأنها مخازِنُ خُزِنت فيها الأمورُ الغيبيةُ يُغلق عليها ويُفْتَح ، وإما جمعُ مفتِح بكسرها ، وهو المفتاح ، ويؤيده قراءةُ مَنْ قرأ ( مفاتيحُ الغيب ) فهو مستعارٌ لما يُتوصَّلُ به إلى تلك الأمورِ بناءً على الاستعارة الأولى ، أي عنده تعالى خاصةُ خزائنِ غُيوبِه أو يُتوصَّلُ به إليها ، وقولُه عز وجل : { لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } تأكيدٌ لمضمونِ ما قبله ، وإيذانٌ بأن المرادَ هو الاختصاصُ من حيث العلمُ لا من حيث القدرةُ ، والمعنى أن ما تستعجلونه من العذاب ليس مقدوراً لي حتى أُلزِمَكم بتعجيله ، ولا معلوماً لديّ لأُخبرَكم وقتَ نزولِه ، بل هو مما يَختصُّ به تعالى قدرةً وعلماً فيُزلُه حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحِكَم والمصالِه ، وقولُه تعالى : { وَيَعْلَمُ مَا فِى البر والبحر } بيان لتعلّق علمِه تعالى بالمشاهَدات إثرَ بيان تعلُّقِه بالمغيَّباتِ تكملةً له وتنبيهاً على أن الكلَّ بالنسبة إلى علمِه المحيطِ سواءٌ في الجَلاءِ ، أي يعلم ما فيهما من الموجودات مُفصّلةً على اختلاف أجناسِها وأنواعِها وتكثُّرِ أفرادِها ، وقولُه تعالى : { وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } بيانٌ لتعلُّقه بأحوالها المتغيَّرةِ بعد بيانِ تعلقِه بذواتها ، فإن تخصيصَ حالِ السقوطِ بالذكر ليس إلا بطريق الاكتفاءِ بذكرها عن ذكر سائر الأحوال ، كما أن ذكرَ حالِ الورقةِ وما عُطفَ عليها خاصةً دون أحوالِ سائرِ ما فيهما من فنونِ الموجودات الفائتة للحصر باعتبارِ أنها أُنموذَجٌ لأحوال سائرِها ، وقولُه تعالى : { وَلاَ حَبَّةٍ } عطفٌ على ( ورقةٍ ) وقولُه تعالى : { فِى ظلمات الارض } متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لحبة مفيدةٌ لكمال نفوذِ علمِه تعالى أي ولا حبةٍ كائنةٍ في بطونِ الأرض إلا يعلمها ، وكذا قولُه تعالى : { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } معطوفان عليها داخلان في حُكمها وقولُه تعالى : { إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } بدلٌ من الاستثناءِ الأول بدلَ الكلِّ ( من الكل ) على أن الكتابَ المُبِينَ عبارةٌ عن علمه تعالى أو بدلَ الاشتمالِ على أنه عبارةٌ عن اللوحِ المحفوظ ، وقرىء الأخيران بالرفع عطفاً على محلِّ ( من ورقة ) وقيل : رفعُهما بالابتداء والخبرُ ( إلا في كتاب مبين ) وهو الأنسبُ بالمقام لشمول الرطبِ واليابس حينئذ لِما ليس من شأنه السقوطُ ، وقد نُقل قراءةُ الرفعِ في ( ولا حبةٌ ) أيضاً .
{ وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل } أي يُنيمُكم فيه على استعارة التوفِّي من الإماتة للإنامة لما بين الموتِ والنومِ من المشاركة في زوال الإحساس والتمييز ، وأصله قبضُ الشيء بتمامه { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار } أي ما كَسَبتم فيه والمرادُ بالليل والنهار الجنسُ المتحققُ في كل فردٍ من أفرادهما ، إذْ بالتوفي والبعثِ الموجودَين فيها يتحققُ قضاءُ الأجلِ المسمَّى المترتبِ عليها لا في بعضِها ، والمرادُ بعلمه تعالى ذلك علمُه قبل الجَرْحِ كما يلوحُ به تقديمُ ذكره على البعث أي يعلم ما تجرَحون بالنهار ، وصيغةُ الماضي للدلالة على التحقّق ، وتخصيصُ التوفي بالليل والجَرْحِ بالنهار مع تحقّق كلَ منهما فيما خُصَّ بالآخر للجَرْي على سَنن العادة { ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } أي يوقظكم في النهار ، عطفٌ على يتوفاكم ، وتوسيطُ قوله تعالى : { وَيَعْلَمَ } الخ ، بينهما لبيان ما في بعثهم من عظيمِ الإحسانِ إليهم بالتنبيه على أن ما يكتسبونه من السيئات مع كونها موجبةً لإبقائهم على التوفّي بل لإهلاكهم بالمرة يُفيض عليهم الحياة ويُمهلُهم كما ينبىء عنه كلمةُ التراخي ، كأنه قيل : هو الذي يتوفاكم في جنس الليالي ثم يبعثكم في جنس النهار مع علمه بما ستجرَحون فيها { ليقضى أَجَلٌ مّسَمًّى } معيَّنٌ لكل فردٍ فردٌ بحيث لا يكاد يتخطى أحدٌ ما عُيِّن له طرفةَ عينٍ { ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } أي رجوعُكم بالموت لا إلى غيره أصلاً { ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بالمجازاة بأعمالكم التي كنتم تعملونها في تلك الليالي والأيامِ ، وقيل : الخطابُ مخصوصٌ بالكفرة ، والمعنى أنكم مُلقَوْن كالجيف بالليل كاسبون للآثام بالنهار ، وأنه تعالى مطّلعٌ على أعمالكم يبعثكم الله من القبور في شأن ما قطعتم به أعمارَكم من النوم بالليل وكسْبِ الآثامِ بالنهار ليقضى الأجلُ الذي سماه وضَرَبه لبعث الموتى وجزائِهم على أعمالهم .

(2/376)


وفيه ما لا يخفى من التكلّف والإخلالِ ، لإفضائه إلى كون البعث معلَّلاً بقضاء الأجلِ المضروب له .

(2/377)


وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)

{ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } أي هو المتصرِّفُ في أمورهم لا غيرُه يفعل بهم ما يشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة وتعذيباً وإثابةً إلى غير ذلك { وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم } خاصة أيها المكلفون { حَفَظَةً } من الملائكة وهم الكرام الكاتبون و ( عليكم ) متعلقٌ بيُرسل لما فيه من معنى الاستيلاء ، وتقديمُه على المفعول الصريح لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدَّم والتشويق إلى المؤخر ، وقيل : متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من ( حفظة ) إذ لو تأخر لكان صفةً أي كائنين عليكم ، وقيل : متعلق بحفظةً والمحفوظُ محذوفٌ على كل حال أي يرسل عليكم ملائكةً يحفظون أعمالَكم كائنةً ما كانت ، وفي ذلك حكمةٌ جميلةٌ ونعمةٌ جليلة لما أن المكلفَ إذا عَلم أن أعماله تُحفظ عليه وتُعرض على رؤوس الأشهادِ كان ذلك أزجرَ له عن تعاطي المعاصي والقبائحِ وأن العبد إذا وثِقَ بلُطف سيّدِه واعتمد على عفوه وسَترِه لم يحتشمه احتشامه من خدمه الواقفين على أحواله و ( حتى ) في قوله تعالى : { حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت } هي التي يبتدأ بها الكلام وهي مع ذلك تَجعلُ ما بعدها من الجملة الشرطية غايةً لما قبلها كأنه قيل : ويُرسلُ عليكم حفظة يحفَظون أعمالَكم مدةَ حياتكم حتى إذا انتهت مدةُ أحدِكم كائناً مَنْ كان وجاءه أسبابُ الموت ومباديه { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } الآخرون المفوَّضُ إليهم ذلك ، وهم ملكُ الموتِ وأعوانُه وانتهى هناك حِفظُ الحفظة ، وقرىء توفاه ماضياً أو مضارعاً بطرح إحدى التاءين { وَهُمْ } أي الرسل { لاَ يُفَرّطُونَ } أي بالتواني والتأخير ، وقرىء مخففاً من الإفراط أي لا يجاوزون ما حُدّ لهم بزيادة أو نقصان ، والجملة حال من ( رسلنا ) وقيل : مستأنَفةٌ سيقت لبيان اعتنائِهم بما أُمروا به .

(2/378)


ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)

وقوله تعالى : { ثُمَّ رُدُّواْ } عطفٌ على توفته ، والضمير للكلِّ المدلول عليه بأحدكم ، وهو السرُّ في مجيئه بطريق الالتفات تغليباً ، والإفرادُ أولاً والجمعُ آخِراً لوقوع التوفِّي على الانفراد والردِّ على الاجتماع أي ثم ردوا بعد البعث بالحشر { إِلَى الله } أي إلى حكمه وجزائه في موقف الحساب { مولاهم } أي مالكُهم الذي يلي أمورَهم على الإطلاق لا ناصرُهم كما في قوله تعالى : { وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ } { الحق } الذي لا يقضي إلا بالعدل ، وقرىء بالنصب على المدح { أَلاَ لَهُ الحكم } يومئذ صورةً ومعنى لا لأحد غيرِه بوجه من الوجوه { وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين } يحاسب جميعَ الخلائق في أسرعِ زمانٍ وأقصره لا يشغَله حسابٌ ولا شأنٌ عن شأنٍ ، وفي الحديث « إن الله تعالى يحاسب الكلَّ في مقدار حلْبِ شاة »
{ قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظلمات البر والبحر } أي قل تقريراً لهم بانحطاط شركائِهم عن رتبةِ الإلهية مَنْ ينجِّيكم من شدائدهما الهائلةِ التي تُبطل الحواسَّ وتَدْحَض العقولَ ، ولذلك استُعير لها الظلماتُ المبطلةُ لحاسةِ البصَر ، يقال لليوم الشديد : يومٌ مظلم ويومٌ ذو كواكبَ أو من الخسف في البر والغرقِ في البحر ، وقرىء ينْجيكم من الإنجاء والمعنى واحد وقوله تعالى : { تَدْعُونَهُ } نصبٌ على الحالية من مفعول ( ينجِّيكم ) والضميرُ ( لمن ) أي مَن ينجّيكم منها حال كونكم داعين له ، أو من فاعله أي مَنْ ينجِّيكم منها حال كونه مدعواً من جهتكم وقوله تعالى : { تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } إما حالٌ من فاعل تدعونه أو مصدرٌ مؤكِّد له ، أي تدعونه متضرعين جِهاراً ومُسِرِّين أو تدعونه دعاءَ إعلانٍ وإخفاء ، وقرىء ( خِفية ) بكسر الخاء وقوله تعالى : { لَّئِنْ أنجانا } حال من الفاعل أيضاً على تقدير القول أي تدعونه قائلين : لئن أنجيتنا { مِنْ هذه } الشدة والورطة التي عبر عنها بالظلمات { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } أي الراسخين في الشكر المداومين عليه لأجل هذه النعمةِ أو جميع النعماءِ التي من جملتها هذه ، وقرىء لئن أنجانا مراعاة لقوله تعالى : { تَدْعُونَهُ } { قُلِ الله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ } أُمر صلى الله عليه وسلم بتقرير الجواب مع كونه من وظائفهم للإيذان بأنه متعيِّنٌ عندهم ، ولبناءِ قولِه تعالى : { ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } عليه ، أي الله تعالى وحده ينجيكم مما تدعونه إلى كشفه من الشدائد المذكورةِ وغيرِها من الغموم والكُرَبِ ثم أنتم بعد ما تشاهدون هذه النعمَ الجليلةَ تشركون بعبادته تعالى غيرَه ، وقرىء يُنْجيكم بالتخفيف .

(2/379)


قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66)

وقوله تعالى : { قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً } استئنافٌ مَسوقٌ لبيان أنه تعالى هو القادرُ على إلقائهم في المهالك إثرَ بيانِ أنه هو المُنْجي لهم منها ، وفيه وعيدٌ ضمنيٌّ بالعذاب لإشراكهم المذكورِ على طريقة قولِه عز وجل : { أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر } إلى قوله تعالى : { أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أخرى } الآية ، و ( عليكم ) متعلقٌ ( بيبعثَ ) وتقديمُه على مفعوله الصريح للاعتناء به والمسارعةِ إلى بيان كون المبعوثِ مما يضرُّهم ، ولتهويل أمْرِ المؤخرِ . وقوله تعالى : { مّن فَوْقِكُمْ } متعلقٌ به أيضاً أو بمحذوف وقع صفةً لعذاباً أي عذاباً كائناً من جهة الفوق كما فَعَل بمن فَعَل من قوم لوطٍ وأصحابِ الفيل وأضرابِهم { أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } أو من جهة السُفلِ كما فعل بفِرْعونَ وقارونَ ، وقيل : ( مِنْ فوقكم ) أكابِرُكم ورؤسائِكم و ( من تحت أرجلِكم ) سفلتُكم وعبيدُكم ، وكلمة أو لمنع الخُلوّ دون الجمع ، فلا منْعَ لما كان من الجهتين معاً ، كما فُعل بقوم نوحٍ { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } أي يخلطَكم فِرَقاً متحزّبين على أهواءَ شتّى ، كلُّ فرقةٍ مشايعةٌ لإمامٍ فينشَبُ بينكم القتالُ فتختلطوا في الملاحم كقول الحَماسي :
وكتيبةٍ لبَّستُها بكتيبة ... حتى إذا التَبَسَتْ نفضْتُ لها يدي
{ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } عطفٌ على ( يبعثَ ) وقرىء بنون العظمة على طريقة الالتفات لتهويل الأمرِ والمبالغةِ في التحذير ، والبعضُ الأولُ الكفارُ والآخَرُ المؤمنون ففيه وعدٌ ووعيد . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه قال عند قوله تعالى : { عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } : «أعوذُ بوجهك» . وعند قوله تعالى : { أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } : «أعوذ بوجهك» . وعند قوله تعالى : { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } : هذا أهونُ أو هذا أيسرُ» ) . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سألت ربي أن لا يبعثَ على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلِهم فأعطاني ذلك ، وسألته أن لا يجعلَ بأسهم بينهم فمنعني ذلك " { انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الايات } من حال إلى حال { لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } كي يفقَهوا ويقِفوا على جلية الأمرِ فيرجِعوا عماهم عليه من المكابرة والعِناد .
{ وَكَذَّبَ بِهِ } أي بالعذاب الموعود أو القرآنِ المجيد الناطقِ بمجيئه ، { قَوْمِكَ } أي المعاندون منهم ، ولعل إيرادَهم بهذا العنوان للإيذان بكمالِ سوءِ حالِهم ، فإن تكذيبَهم بذلك مع كونهم من قومه عليه الصلاة والسلام مما يقضي بغاية عَتُوِّهم ومكابرتهم ، وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر مراراً من إظهار الاهتمام بالمقدَّمِ والتشويق إلى المؤخر ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الحق } حال من الضمير المجرورِ أي كذبوا به والحال أنه الواقعُ لا محالة ، أو أنه الكتابُ الصادقُ في كل ما نطقَ به ، وقيل : هو استئنافٌ ، وأياً ما كان ففيه دلالةٌ على عِظَم جنايتِهم ونهاية قُبْحِها { قُلْ } لهم منبِّهاً على ما يؤول إليه أمرُهم وعلى أنك قد أديتَ ما عليك من وظائف الرسالة { لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } بحفيظٍ وُكِّلَ إليَّ أمرُكم لأمنَعَكم من التكذيب وأُجبِرَكم على التصديق ، إنما أنا منذرٌ وقد خرجتُ عن العُهدة حيث أخبرتُكم بما سترَونه .

(2/380)


لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)

{ لّكُلّ نَبَإٍ } أي لكل شيءٍ يُنبَأُ به من الأنباء التي من جملتها عذابُكم أو لكلِّ خبرٍ من الأخبار التي من جملتها خبرُ مجيئِه { مُّسْتَقِرٌّ } أي وقتُ استقرارٍ ووقوعٍ البتةَ ، أو وقتُ استقرارٍ بوقوعِ مدلولِه { وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } أي حالَ نَبئِكم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً ، وسوف للتأكيد كما في قوله تعالى : { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }
{ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى ءاياتنا } أي بالتكذيب والاستهزاءِ بها والطعنِ فيها كما هو دأْبُ قريشٍ ودَيدَنُهم { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } بترك مُجالستهم والقيامِ عنهم وقولُه تعالى : { حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } غايةٌ للإعراض أي استمِرَّ على الإعراضِ إلى أن يخوضوا في حديثٍ غيرِ آياتنا ، والتذكيرُ باعتبار كونها حديثاً فإن وصفَ الحديثِ بمغايرتها مشيرٌ إلى اعتبارها بعُنوان الحديثية وقيل : باعتبار كونِها قرآناً .
{ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان } بأن يشغَلَك فتنسى النهْيَ فتُجالِسَهم ابتداءً أو بقاءً ، وقرىء يُنَسِّينَّك من التَنْسِية { فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى } أي بعد تذكُّرِ النهي { مَعَ القوم الظالمين } أي معهم فوضَعَ المُظهرَ موضِعَ المُضمر نعياً عليهم أنهم بذلك الخوضِ ظالمون ، واضعون للتكذيب والاستهزاءِ موضِعَ التصديق والتعظيم راسخون في ذلك { وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ } رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المسلمين حين نُهوا عن مجالستهم عند خوضِهم في الآيات قالوا : لئن كنا نقول كلما استهزؤا بالقرآن لم نستطِعْ أن نجلِسَ في المسجد الحرام ونطوفَ بالبيت فنزلت . أي ما على الذين يتقون قبائحَ أعمالِ الخائضين وأحوالَهم { مِنْ حِسَابِهِم } أي مما يُحاسَبون عليه من الجرائر { مِن شَىْء } أي شيءٌ ما على أنه في محل الرفع على أنه مبتدأ ، وما تميمية أو اسم لها وهي حجازية و ( من ) مزيدة للاستغراق و ( من حسابهم ) حال منه و ( على الذين يتقون ) في محل الرفع على أنه خبر للمبتدأ أو لما الحجازية على رأي من لا يُجيز إعمالَها في الخبر المقدَّم مطلقاً ، أو في محل النصب على رأي من يجوِّز إعمالَها في الخبر المقدّم عند كونه ظرفاً أو حرف جر .
{ ولكن ذكرى } استدراك من النفي السابق أي ولكن عليهم أن يذكِّروهم ويمنعوهم عما هم عليه من القبائح بما أمكن من العِظة والتذكير ويُظهروا لهم الكراهَةَ والنكيرَ ، ومحل ( ذكرى ) إما النصبُ على أنه مصدرٌ مؤكِّد للفعل المحذوف أي عليهم أن يذكّروهم تذكيراً أو الرفع على أنه مبتدأ محذوفُ الخبر ، أي ولكن عليهم ذكرى { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي يجتنبون الخوضَ حياءً أو كراهةً لمسَاءتهم ، وقد جُوِّز كونُ الضمير للموصول أي يذكّروهم رجاءَ أن يثبُتوا على تقواهم أو يزدادوها .

(2/381)


وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)

{ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ } الذي كُلِّفوه وأُمروا بإقامة مواجبِه { لَعِباً وَلَهْواً } حيث سخِروا به واستهزأوا أو بنَوْا أمرَ دينهم على ما لا يكادُ يتعاطاه العاقلُ بطريق الجِدّ وإنما يصدُر عنه لو صدَر بطريق اللعِبِ واللهوِ كعبادة الأصنام وتحريمِ البحائرِ والسوائبِ ونحوِ ذلك ، والمعنى أعرضْ عنهم ولا تُبالِ بأفعالهم وأقوالهم وقيل : هو تهديدٌ لهم كقوله تعالى : { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } الآية ، { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } واطمأنوا بها حتى زعموا أنْ لا حياةَ بعدها أبداً { وَذَكّرْ بِهِ } أي بالقرآنِ من يصلُح للتذكير { أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } أي لئلا تُبْسَلَ كقوله تعالى : { أَن تَضِلُّواْ } الآية ، أو مخافةَ أن تُبسَل أو كراهةَ أن تبسل نفوسٌ كثيرة كما في قوله تعالى : { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } وتُرتَهنَ لسوء عملِها ، وأصلُ الإبسالِ والبَسْل المنعُ ، ومنه أسد باسلٌ لأن فريستَه لا تُفلت منه أو لأنه ممتنَعٌ ، والباسل الشجاع لامتناعه من قِرْنه وهذا بَسْلٌ عليك أي حرام ممنوعٌ وقد جوِّز أن يكون الضميرُ المجرورُ في ( به ) راجعاً إلى الإبسال مع عدم جريان ذكرِه كما في ضمير الشأن وتكون الجملةُ بدلاً منه مفسِّراً له ، لما في الإبهام أولاً والتفسيرِ ثانياً من التفخيم وزيادةِ التقرير كما في قوله :
على جودِه لَضَنَّ بالماء حاتمِ ... بجرّ حاتم على أنه بدل من ضمير جوده فالمعنى وذكر بارتهان النفوس وحبسها بما كسبت وقوله تعالى : { لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } استئنافٌ مَسوقٌ للإخبار بذلك وقيل : في محل النصب على أنه حالٌ من ضمير ( كسبت ) وقيل : في محل الرفع على أنه وصفٌ ( لنفسٌ ) والأظهرُ أنه حالٌ من ( نفسٌ ) فإنه في قوة نفسٌ كافرةٌ أو نفوسٌ كثيرة كما في قوله تعالى : { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } و ( من دون الله ) متعلقٌ بمحذوف هو حال من ( وليٌّ ) كما بُيِّن في تفسير قوله تعالى : { وَأَنذِرْ بِهِ } الآية ، وقيل : هو خبرٌ لليس فيكون ( لها ) حينئذٍ متعلقاً بمحذوفٍ على البيان { وَإِن تَعْدِلْ } أي إن تَفْدِ تلك النفسُ { كُلَّ عَدْلٍ } أي كلَّ فِداءٍ على أنه مصدرٌ مؤكد { لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } على إسنادِ الفعلِ إلى الجار والمجرور لا إلى ضمير العدل كما في قوله تعالى : { وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } فإنه المَفْدِيُّ به لا المصدرُ كما نحن فيه { أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتهم في سوء الحال ، ومحلُه الرفعُ على الابتداء والخبرُ قوله تعالى : { الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ } والجملةُ مستأنفةٌ سيقت إثرَ تحذيرِهم من الإبسال المذكور لبيان أنهم المبتَلَوْن بذلك أي أولئك المتخِذون دينَهم لعباً ولهواً المغترون بالحياة الدنيا هم الذين أُبسِلوا بما كسبوا ، وقولُه تعالى : { لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ } استئناف آخَرُ مُبينٌ لكيفية الإبسال المذكور وعاقبتِه ، مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : ماذا لهم حين أُبسلوا بما كسبوا؟ فقيل : لهم شرابٌ من ماءٍ مغليَ يتجَرْجَرُ في بطونهم وتتقطَّعُ به أمعاؤهم { وَعَذَابٌ أَلِيمٌ } بنار تشتعل بأبدانهم { بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } أي بسبب كفرهم المستمر في الدنيا وقد جُوِّز أن يكون ( لهم شراب ) الخ ، حالاً من ضمير ( أبسلوا ) وترتيبُ ما ذُكر من العذابَيْن على كفرهم مع أنهم معذبون بسائر معاصيهم أيضاً حسبما ينْطق به قولُه تعالى : { بِمَا كَسَبُواْ } لأنه العُمدةُ في إيجاب العذاب والأهمُ في باب التحذير ، أو أريد بكفرهم ما هو أعمُّ منه ومن مستتْبِعاته من المعاصي والسيئات هذا ، وقد جوِّز أن يكون أولئك إشارةً إلى النفوس المدلولِ عليها ( بنفسٌ ) محلُه الرفعُ بالابتداء والموصولُ الثاني صفتُه أو بدلٌ منه ولهم شراب الخ خبرُه والجملة مَسوقةٌ لبيان تَبِعةِ الإبسال .

(2/382)


قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)

{ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا } قيل : نزلت في أبي بكر رضي الله عنه حين دعاه ابنه عبدُ الرحمن إلى عبادة الأصنام فتوجيهُ الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للإيذان بما بينهما من الاتصال والاتحادِ تنويهاً بشأن الصّدّيق رضي الله تعالى عنه أي أنعبد متجاوزين عبادةَ الله الجامعِ لجميع صفاتِ الألوهية التي من جملتها القدرةُ على النفع والضرر ما لا يقدِرُ على نفعنا إذا عبدناه ولا على ضَرِّنا إذا تركناه وأدنى مراتبِ المعبوديةِ القُدرةُ على ذلك . وقوله تعالى : { وَنُرَدُّ على أعقابنا } عطفٌ على ( ندعوا ) داخلٌ في حكم الإنكارِ والنفْي أي ونُرَدّ إلى الشرك ، والتعبيرُ عنه بالردِّ على الأعقاب لزيادة تقبيحِه بتصويره بصورةِ ما هو عَلَمٌ في القُبح مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشركِ حالةً قد تُركت ونُبذتْ وراءَ الظهر ، وإيثارُ ( نرد ) على نرتد لتوجيه الإنكار إلى الارتداد بردِّ الغير تصريحاً بمخالفة المُضلِّين وقطعاً لأطماعهم الفارغةِ وإيذاناً بأن الارتدادَ من غير رادَ ليس في حيز الاحتمال ليُحتاجَ إلى نفيه وإنكاره ، وقوله تعالى : { بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله } أي إلى الإسلام وأنقذنا من الشرك متعلقٌ بنرُدّ مَسوقٌ لتأكيد النكيرِ لا لتحقيق معنى الرد وتصويرِه فقط وإلا لكفى أن يقالَ : بعد إذ اهتدينا كأنه قيل : ونُرَدّ إلى الشرك بإضلال المضِلّ بعد إذ هدانا الله الذي لا هاديَ سواه وقوله تعالى : { كالذى استهوته الشياطين } في محل النصبِ على أنه حالٌ من مرفوع ( نُرد ) أي أنرد على أعقابنا مشبَّهين بالذي استهوته مَرَدةُ الجن واستغوته إلى المهامِهِ والمهالك ، أو على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أي أنُرد رداً مثلَ ردِّ الذي استهوته الخ ، والاستهواءُ استفعال من هَوَى في الأرض إذا ذهب فيها كأنها طلبت هُويَّه وحرصت عليه وقرىء استهواه بألفٍ مُمالة ، وقوله تعالى : { فِى الارض } إما متعلق باستهوته أو بمحذوفٍ هو حال من مفعوله أي كائناً في الأرض وكذا قوله تعالى : { حَيْرَانَ } حال منه على أنها بدلٌ من الأولى أو حال ثانية عند من يجيزها أو من ( الذي ) أو من المستكن في الظرف أي تائهاً ضالاً عن الجادة لا يدري ما يصنع وقوله تعالى : { لَهُ أصحاب } جملة في محل النصب على أنها صفةٌ لحيران أو حالٌ من الضمير فيه أو مستأنفةٌ سيقت لبيان حالِه ، وقوله تعالى : { يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى } صفةٌ لأصحاب أي لذلك المستهوى رفقةٌ يهدونه إلى الطريق المستقيم ، تسميةٌ له بالمصدر مبالغةً كأنه نفس الهدى { ائتنا } على إرادة القول على أنه بدل مِنْ ( يدعونه ) أو حال من فاعله أي يقولون : ائتنا ، وفيه إشارة إلى أنهم مهتدون ثابتون على الطريق المستقيم وأن من يدعونه ليس ممن يعرف الطريق المستقيم ليدعى إلى إتيانه ، وإنما يُدرك سمتَ الداعي ومورِدَ النعيق فقط { قُلْ إِنَّ هُدَى الله } الذي هدانا إليه وهو الإسلام { هُوَ الهدى } وحدَه وما عداه ضلال محضٌ وغيٌّ بحتٌ كقوله تعالى :

(2/383)


{ فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال } ونحوِه ، وتكريرُ الأمر للاعتناء بشأن المأمورِ به ولأن ما سبق للزجْرِ عن الشرك وهذا حثٌّ على الإسلام ، وهو توطِئةٌ لما بعده ، فإن اختصاصَ الهُدى بهُداه تعالى مما يوجبُ الامتثالَ بالأوامر الواردةِ بعده { وَأُمِرْنَا } عطفٌ على ( إن هُدى الله هو الهدى ) داخلٌ تحت القول ، واللام في { لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين } لتعليل الأمر المَحْكيِّ وتعيينِ ما أريد به من الأوامر الثلاثة كما في قوله تعالى : { قُل لّعِبَادِىَ الذين ءامَنُواْ يُقِيمُواْ الصلاة وَيُنْفِقُواْ } الآية ، كأنه قيل : أمرنا وقيل لنا : أسلِموا لأجل أن نسلَمَ وقيل : هي بمعنى الباء أي أمرنا بأن نُسلم ، وقيل : زائدة أي أُمرنا أن نُسلم على حذف الباء .

(2/384)


وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)

وقوله تعالى : { وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه } أي الله تعالى في مخالفة أمره ، عطفٌ على نُسلم على الوجوه الثلاثة على أنّ أنْ المصدريةَ إذا وُصلت بالأمر يتجرّدُ هو عن معنى الأمر نحوُ تجرُّد الصلةِ الفعليةِ عن معنى المُضيِّ والاستقبال ، فالمعنى على الأول أمرنا أي قيل لنا : أسلموا وأقيموا الصلاة واتقوا الله لأجل أن نُسلمَ ونُقيمَ الصلاة ونتّقِيَه تعالى ، وعلى الأخيرين أمرنا بأن نسلمَ ونقيمَ الصلاة ونتقيَه تعالى والتعرضُ لوصف ربوبيته تعالى للعالمين لتعليل الأمرِ وتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ به كما أن قوله تعالى : { وَهُوَ الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } جملةٌ مستأنفةٌ موجِبةٌ للامتثال بما أَمر به من الأمور الثلاثة .
{ وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والارض } أُريد بخلقهما خلقُ ما فيهما أيضاً ، وعدمُ التصريح بذلك لظهور اشتمالهما على جميع العُلويات والسُفليات ، وقوله تعالى : { بالحق } متعلقٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من فاعل ( خلق ) أو من مفعوله ، أو صفةٌ لمصدرِه المؤكِّد له أي قائماً بالحق أو متلبِّساً بالحق أو متلبساً به . وقوله تعالى : { وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق } استئنافٌ لبيانِ أنّ خلقَه تعالى لما ذَكر من السمواتِ والأرض ليس مما يَتوقَّفُ على مادّةٍ أو مُدّة بل يتَمّ بمحض الأمرِ التكوينيِّ من غير توقفٍ على شيءٍ آخَرَ أصلاً وأن ذلك الأمرَ المتعلِّقَ بكل فردٍ فردٌ من أفراد المخلوقات في حينٍ معينٍ من أفراد الأحيان حقٌّ في نفسه متضمنٌ للحكمة ، ( ويومَ ) ظرفٌ لمضمون جملةِ ( قولُه الحقُّ ) والواو بحسب المعنى داخلٌ عليها وتقديمُه عليها للاعتناءِ به من حيث إنه مدارُ الحقّيةِ ، وتركُ ذكرِ المقولِ له للثقةِ بغاية ظهوره ، والمرادُ بالقول كلمةُ ( كن ) تحقيقاً أو تمثيلاً كما هو المشهورُ فالمعنى وأمرُه المتعلقُ بكل شيءٍ يريد خلقَه من الأشياء في حينِ تعلّقِه به لا قبلَه ولا بعده من أفراد الأحيان الحقُّ أي المشهودُ له بالحقّية المعروفُ بها ، هذا وقد قيل : ( قوله ) مبتدأ و ( الحق ) صفتُه و ( يوم يقول ) خبرُه مقدماً عليخ كقولك : يومَ الجمعةِ القتالُ وانتصابه بمعنى الاستقرار .
وحاصلُ المعنى قولُه الحقُّ كائنٌ حينَ يقول لشيءٍ من الأشياء كنْ فيكونُ ذلك الشيءُ ، وقيل : يوم منصوبٌ بالعطف على السمواتِ أو على الضمير في ( واتقوه ) أو بمحذوف دل عليه ( بالحق ) وقوله الحق مبتدأ وخبر ، أو فاعلُ ( يكون ) على معنى حين يقول لقوله الحق ، أي لقضائه الحقِّ كن فيكون ، والمرادُ حين يكوِّن الأشياءَ ويُحدِثُها أو حين تقومُ القيامةُ فيكونُ التكوينُ حشرَ الأجساد وإحياءَها فتأملْ حقَّ التأمل .
{ وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور } تقييدُ اختصاصِ المُلك به تعالى بذلك اليومِ مع عموم الاختصاصِ لجميع الأوقات لغاية ظهورِ ذلك بانقطاعِ العلائقِ المجازيةِ الكائنةِ في الدنيا ، المصحِّحة للمالكيةِ المجازية في الجملة كقوله تعالى : { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار }
{ عالم الغيب والشهادة } أي هو عالمُهما { وَهُوَ الحكيم } في كلِّ ما يفعله { الخبير } بجميعِ الأمور الجليّة والخفيّة .

(2/385)