صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
" سلوني فوالله ما تسألوني عن شيءٍ ما دُمْت في مقامي هذا إلا بيّنتُه لكم " فأشفق أصحابُ النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون بين يَدَيْ أمرٍ قد حضَر ، قال أنسٌ رضي الله عنه : فجعلتُ ألتفتُ يميناً وشِمالاً فلا أجدُ رجلاً إلا وهو لافٌّ رأسَه في ثوبه يبكي ، فقام رجل من قريشٍ من بني سَهْمٍ يقال له : عبدُ اللَّه بنُ حُذافة ، وكان إذا لاحى الرجال يدعى إلى غير أبيه وقال : يا نبي الله ، مَنْ أبي؟ فقال عليه الصلاة والسلام : «أبوك حذافةُ بنُ قيسٍ الزهري» ، وقام آخرُ وقال : أين أبي؟ قال عليه الصلاة والسلام : «في النار» ، ثم قام عمر رضي الله عنه فقال : رضِينا بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ رسولاً نبياً ، نعوذ بالله تعالى من الفتن ، إنا حديثو عهدٍ بجاهلية وشِرْكٍ فاعفُ عنا يا رسول الله ، فسكن غضبُه عليه الصلاة والسلام . (2/300)
{ عَفَا الله عَنْهَا } استئناف مَسوقٌ لبيان أن نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتِهم عن المَساءة ، بل لأنها في نفسها معصيةٌ مستتبِعةٌ للمؤاخذة وقد عفا عنها ، وفيه مِنْ حثّهم على الجِدّ في الانتهاء عنها ما لا يخفى ، وضميرُ ( عنها ) للمسألة المدلول عليها بلا تسألوا ، أي عفا الله تعالى عن مسائلِكم السالفةِ حيث لم يفرِضْ عليكم الحج في كل عام جزاءً بمسألتكم ، وتجاوَزَ عن عقوبتكم الأخروية بسائر مسائلكم ، فلا تعودوا إلى مثلها . وأما جعلُه صفةً أخرى ( لأشياء ) على أن الضمير ( لها ) بمعنى لا تسألوا عن أشياءَ عفا الله عنها ولم يكلّفْكم إياها فمما لا سبيل إليه أصلاً ، لاقتضائِه أن يكون الحجُّ قد فُرض أولاً في كل عامٍ ثم نُسخ بطريق العفو وأن يكون ذلك معلوماً للمخاطَبين ضرورةَ أن حقَّ الوصف أن يكونَ معلومَ الثبوت للموصوف عند المخاطب قبل جعلِه وصفاً له ، وكلاهما ضروريُّ الانتفاء قطعاً ، على أنه يستدعي اختصاصَ النهْي بمسألة الحجِّ ونحوِها إن سلِمَ وقوعُها ، مع أن النظم الكريمَ صريحٌ في أنه مَسوق للنهي عن السؤال عن الأشياء التي يسوؤُهم إبداؤُها ، سواءٌ كانت من قبيل الأحكام والتكاليفِ الموجبة لِمَساءتهم بإنشائها وإيجابها بسبب السؤال عقوبةً وتشديداً كمسألة الحج لولا عفوُه تعالى عنها ، أو من قبيل الأمور الواقعةِ قبل السؤال الموجبةِ للمساءة بالإخبار بها كمسألة مَنْ قال : أين أبي؟
إن قلتَ تلك الأشياءُ غير مُوجبةٍ للمَساءة البتةَ ، بل هي محتمِلةٌ لإيجاب المَسرَّة أيضاً ، لأن إيجابَها للأولى إن كانت من حيث وجودُها فهي من حيث عدمُها موجبةٌ للأخرى قطعاً ، وليست إحدى الحيثيتَيْن محقّقةً عند السائل وإنما غَرَضُه من السؤال ظهورُها كيف كانت ، بل ظهورُها بحيثية إيجابها للمَساءة؟ قلتُ : لتحقيق المنهيِّ عنه كما ستعرِفه مع ما فيه من تأكيد النهْي وتشديدِه ، لأن تلك الحيثيةَ هي الموجبةُ للانتهاء والانزجار ، لا حيثيةُ إيجابِها للمسرة ولا حيثيةُ تردّدِها بين الإيجابين .
إن قيل : الشرطية الثانية ناطقةٌ بأن السؤالَ عن تلك الأشياء الموجبة للمساءة مستلزمٌ لإبدائها البتةَ كما مر فلمَ تخلَّفَ الإبداءُ عن السؤال في مسألةِ الحج حيث لم يُفرَضْ في كل عام؟ قلنا : لوقوع السؤال قبل ورودِ النهي ، وما ذُكر في الشرطية إنما هو السؤال الواقعُ بعد وروده ، إذ هو الموجبُ للتغليظ والتشديد ولا تخلُّفَ فيه ، إن قيل : ما ذكرتَه إنما يتمشى فيما إذا السؤالُ عن الأمور المترددةِ بين الوقوع وعدمِه كما ذُكرَ من التكاليف الشاقةِ ، وأما إذا كان عن الأمور الواقعةِ قبله فلا يكادُ يتسنّى ، لأن ما يتعلق به الإبداءُ هو الذي وقع في نفس الأمرِ ولا مرد له ، سواء كان السؤالُ قبل النهي أو بعده ، وقد يكون الواقع ما يوجب المسرةَ كما في مسألة عبدِ اللَّه بنِ حذافةَ ، فيكون هو الذي يتعلق به الإبداءُ لا غيرُ ، فيتعين التخلُّفُ حتماً ، قلنا : لا احتمالَ للتخلف فضلاً عن التعيُّن ، فإن المنهيَّ عنه في الحقيقة إنما هو السؤالُ عن الأشياء الموجبةِ للمَساءة الواقعةِ في نفس الأمر قبل السؤال ، كسؤال من قال : أين أبي؟ لا عما يعُمُّها وغيرَها مما ليس بواقع ، لكنه محتمِلٌ للوقوع عند المكلفين حتى يلزمَ التخلّفُ في صورةِ عدم الوقوع . (2/301)
وجملة الكلام أن مدلول النظم الكريم بطريق العبارة إنما هو النهيُ عن السؤال عن الأشياء التي يوجبُ إبداؤها المساءةَ البتة ، إما بأن تكون تلك الأشياءُ بعَرَضية الوقوعِ فتُبدَى عند السؤال بطريق الإنشاء عقوبةً وتشديداً كما في صورة كونِها من قبيل التكاليف الشاقة ، وإما بأن تكون واقعةً في نفس الأمر قبل السؤال فتُبدى عنده بطريق الإخبار بها ، فالتخلفُ ممتنِعٌ في الصورتين معاً ، ومنشأ توهّمِه عدمُ الفرق بين المنهي عنه وبين غيرِه بناءً على عدم امتياز ما هو موجودٌ أو بعَرَضية الوجود من تلك الأشياء في نفس الأمر وما ليس كذلك عند المكلفين وملاحظتهم للكل باحتمال الوجود والعدم ، وفائدةُ هذا الإبهام الانتهاءُ عن السؤال عن تلك الأشياء على الإطلاق حِذارَ إبداء المكروه { والله غَفُورٌ حَلِيمٌ } اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّر لعفوه تعالى أي مبالغٌ في مغفرة الذنوب والإغضاءِ عن المعاصي ، ولذلك عفا عنكم ولم يؤاخِذْكم بعقوبة ما فَرَط منكم .
قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)
{ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ } أي سألوا هذه المسألةَ لكنْ لا عينَها بل مثلَها في كونها محظورةً ومستتْبِعة للوبال ، وعدمُ التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير { مِن قَبْلِكُمْ } متعلق بسألها { ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا } أي بسببها أو بمرجوعها { كافرين } فإن بني إسرائيلَ كانوا يستفتون أنبياءَهم في أشياءَ ، فإذا أُمروا بها تركوها فهلكوا . (2/302)
{ مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ } ردٌّ وإبطال لما ابتدعه أهلُ الجاهلية حيث كانوا إذا نُتِجَت الناقةُ خمسةَ أبطنٍ آخرُها ذكرٌ بَحروا أُذنها أي شقُّوها وحرَّموا ركوبها ودَرَّها ، ولا تُطرد عن ماءٍ ولا عن مرعى ، وكان يقول الرجل : إذا قدِمْت من سفري أو برِئْتُ من مرضي فناقتي سائبةٌ ، وجعلَها كالبَحيرة في تحريم الانتفاعِ بها ، وقيل : كان الرجل إذا أعتق عبداً قال : هو سائبة ، فلا عقْلَ بينهما ولا ميراث ، وإذا ولَدت الشاةُ أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم ، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا : وصَلَتْ أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم ، وإذا نُتجت من صُلب الفحل عشَرةَ أبطُنٍ قالوا : قد حمَى ظهرَه فلا يُركب ولا يُحمل عليه ولا يُمنع من ماء ولا مرعى . ومعنى ( ما جعل ) ما شرع وما وضع ، ولذلك عُدِّيَ إلى مفعول واحد هو بَحيرة وما عُطف عليها ، و ( من ) مزيدة لتأكيد النفي ، فإن الجعلَ التكوينيَّ كما يجيء تارة متعدياً إلى مفعولين وأخرى إلى واحدٍ كذلك الجعلُ التشريعيُّ يجيء مرة متعدياً إلى مفعولين كما في قوله تعالى : { جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً لّلنَّاسِ } وأخرى إلى واحد كما في الآية الكريمة . { ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب } حيث يفعلون ما يفعلون ويقولون : الله أمرنا بهذا ، وإمامُهم عمْروُ بنُ لُحَيَ ، فإنه أولُ من فعل هذه الأفاعيلَ الباطلة ، هذا شأن رؤسائهم وكُبرَائهم { وَأَكْثَرُهُمُ } وهم أراذلُهم الذين يتبعونهم من معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يشهد به سياقُ النظم الكريم { لاَ يَعْقِلُونَ } أنه افتراء باطلٌ حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأنفسهم فيبقَوْن في أسر التقليد ، وهذا بيان لقصور عقولِهم وعجزِهم عن الاهتداء بأنفسهم .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
وقوله عز وجل : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي للذين عبَّر عنهم ( بأكثرُهم ) على سبيل الهداية والإرشاد { تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله } من الكتاب المبين للحلال والحرام { وَإِلَى الرسول } الذي أُنزل هو عليه لتقفوا على حقيقة الحال وتُميِّزوا الحرامَ من الحلال { قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } بيان لعنادهم واستعصائهم على الهادي إلى الحق وانقيادِهم للداعي إلى الضلال { أَوْ لَّوْ كَانَ آبَاؤُهم لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } قيل : الواو للحال دخلت عليها الهمزة للإنكار والتعجيب ، أي أحَسْبُهم ذلك ولو كان آباؤهم جَهَلةً ضالين؟ وقيل : للعطف على شرطية أخرى مقدّرة قبلها وهو الأظهر ، والتقدير أحَسْبهم ذلك أو أيقولون هذا القولَ لو لم يكن آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون الصواب؟ ولو كانوا لا يعلمون الخ . وكلتاهما في موقع الحال أي أحسْبُهم ما وجدوا عليه آباؤهم كائنين على كل حال مفروض؟ (2/303)
وقد حُذفت الأولى في الباب حذفاً مطَّرداً لدلالة الثانية عليها د2لالةً واضحةً ، كيف لا وأن للشيء إذا تحقق عند المانع فلأَنْ يتحقّقَ عند عدمِه أولى كما في قولك : أحسِنْ إلى فلان وإن أساء إليك ، أي أحسِنْ إليه إن لم يُسىء إليك وإن أساء ، أي أحسن إليه كائناً على كل حال مفروض ، وقد حذفت الأولى لدلالةِ الثانية عليها دَلالة ظاهرةً إذِ الإحسانُ حيث أُمِر به عند المانع ، فلأَنْ يُؤْمَرَ به عند عدمه أولى ، وعلى هذا السر يدورُ ما في إنْ ولو الوصليتين من المبالغة والتأكيد ، وجوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما سبق عليه ، أي لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون حسبُهم ذلك أو يقولون ذلك ، وما في ( لو ) من معنى الامتناع والاستبعاد إنما هو بالنظر إلى زعمهم لا إلى نفس الأمر ، وفائدتُه المبالغةُ في الإنكار والتعجيب ببيان أن ما قالوه موجبٌ للإنكار والتعجيب إذا كان كونُ آبائهم جَهلةً ضالين في حيز الاحتمال البعيد ، فكيف إذا كان ذلك واقعاً لا ريب فيه؟ وقيل : مآلُ الوجهين واحدٌ ، لأن الجملة المقدرة حالٌ فكذا ما عُطف عليها ، وأنت خبيرٌ بأن الحالَ على الوجه الأخير مجموعُ الجملتين لا الأخيرةُ فقط ، وأن الواو للعطف لا للحال ، وقد مر التحقيق في قوله تعالى : { أَوْ لَّوْ كَانَ آبَاؤهم لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ } فتدبر { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } أي الزموا أمرَ أنفسِكم وإصلاحِها ، وقرىء بالرفع على الابتداء أي واجبة عليكم أنفسُكم ، وقوله عز وجل : { لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم } إما مجزومٌ على أنه جوابٌ للأمر ، أو نهْيٌ مؤكِّد له ، وإنما ضُمَّتِ الراء إتباعاً لضمِّه الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة ، إذِ الأصلُ لا يضْرُرْكم ، ويؤيده القراءةُ بفتح الراء ، وقراءةُ مَنْ قرأ ( لا يضِرْكم ) بكسر الضاد وضمها من ضارَه يَضيرُه ، وإما مرفوع على أنه كلامٌ مستأنفٌ في موقع التعليل لما قبله ، ويعضُده قراءةُ من قرأ ( لا يضيرُكم ضلالُ مَنْ ضل إذا كنتم مهتدين ) ولا يُتوهَّمَنَّ أن فيه رخصةً في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استطاعتهما ، كيف لا ومن جملة الاهتداء أن يُنكَر على المنكَر حسْبما تفي به الطاقة ، قال عليه الصلاة والسلام :
" من رأي منكم منكراً فاستطاع أن يغيره فليغيْره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطِعْ فبقلبه " وقد روي أن الصديقَ رضي الله تعالى عنه قال يوماً على المنبر : «يا أيُّها الناسُ إنَّكُم تَقْرَءونَ هذه الآيةَ وتضعونها غيرَ موضعها ولا تدرون ما هي ، وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الناس إذا رأَوا منكراً فلم يغيِّروه عمهم الله بعقاب ، فأمُروا بالمعروف وانهَوْا عن المنكر ، ولا تغترّوا بقول الله عز وجل : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } الخ . فيقول أحدكم : عليَّ نفسي ، والله لتأمُرنّ بالمعروف وتنهَوُنّ عن المنكر ، أو ليستعمِلن الله عليكم شرارَكم فيسومونكم سوء العذاب ، ثم ليدعُوَنَّ خيارُكم فلا يستجابُ لهم " وعنه عليه الصلاة والسلام : " ما من قوم عُمل فيهم منكرٌ أو سُن فيهم قبيحٌ فلم يغيِّروه ولم ينكروه إلا وحقٌّ على الله تعالى أن يعُمَّهم بالعقوبة جميعاً ثم لا يستجابُ لهم " ، والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسَّرون على الكفرة ، وكانوا يتمنَّوْن إيمانهم من الضلال بحيث لا يكادون يرعَوون عنه بالأمر والنهي ، وقيل : كان الرجل إذا أسلم لاموُه وقالوا : سفّهتَ آباءك وضلّلتهم أي نسبتهم إلى السَّفاهة والضلال ، فنزلت تسليةً له بأن ضلال آبائه لا يضرُّه ولا يَشينُه { إِلَى الله } لا إلى أحد سواه { مَرْجِعُكُمْ } رجوعُكم يوم القيامة { جَمِيعاً } بحيث لا يتخلف عنه أحد من المهتدين وغيرِهم { فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا من أعمال الهداية والضلال ، فهو وعد ووعيد للفريقين ، وتنبيه على أن أحداً لا يؤاخَذُ بعمل غيره . (2/304)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106)
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا } استئناف مَسوقٌ لبيان الأحكامِ المتعلقة بأمور دنياهم إثرَ بيانِ الأحوال المتعلقةِ بأمور دينهم ، وتصديرُه بحرفي النداءِ والتنبيه لإظهار كمالِ العناية بمضمونه ، وقولُه عز وجل : { شهادة بَيْنِكُمْ } بالرفع والإضافة إلى الظرف توسعاً ، إما باعتبار جَرَيانِها بينهم ، أو باعتبار تعلّقِها بما يجري بينهم من الخصومات ، مبتدأ ، وقوله تعالى : { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت } أي شارفه وظهرت علائمُه ، ظرفٌ لها ، وتقديمُ المفعول لإفادة كمالِ تمكن الفاعل عند النفْس وقت ورودِه عليها ، فإنه أدخلُ في تهوين أمر الموت ، وقولُه تعالى : { حِينَ الوصية } بدلٌ منه لا ظرف للموت كما تُوُهِّم ، ولا لحضوره كما قيل ، فإن في الإبدال تنبيهاً على أن الوصية من المَهَمّات المقررة التي لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهَلَ عنها ، وقوله تعالى : { اثنان } خبرٌ للمبتدأ بتقدير المضاف ، أي شهادةُ بينكم حينئذ شهادةُ اثنين ، أو فاعلُ ( شهادةُ بينكم ) على أن خبرها محذوف ، أي فيما نزل عليكم أن يشهد بينكم اثنان ، وقرىء ( شهادةٌ ) بالرفع والتنوين ، والإعرابُ كما سبق ، وقرىء ( شهادةً ) بالنصب والتنوين على أن عاملها المضمرَ هو العامل في اثنان أيضاً أي ليُقِمْ شهادةً بينكم اثنان { ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } أي من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت وأنصح له ، وأقرب إلى تحرِّي ما هو أصلح له . وقيل : من المسلمين وهما صفتان لاثنان { أَوْ آخَرَان } عطف على اثنان تابع له فيما ذُكر من الخبرية والفاعلية ، أي أو شهادةُ آخَرَيْن أو أن يشهد بينكم آخران ، أو ليقم ( شهادةً بينكم ) آخران ، وقوله تعالى : { مِنْ غَيْرِكُمْ } صفةٌ ( لآخَران ) أي كائنان من غيركم أي من الأجانب ، وقيل : من أهل الذمة ، وقد كان ذلك في بدء الإسلام لعزة وجود المسلمين لا سيما في السفر ، ثم نسخ . وعن مكحول أنه نسخها قوله تعالى : { وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ } { إِنْ أَنتُمْ } مرفوعٌ بمُضْمرٍ يفسرُه ما بعده تقديره إن ضربتم ، فلما حُذف الفعل انفصل الضمير ، وهذا رأيُ جمهور البَصْريين ، وذهب الأخفش والكوفيون إلى أنه مبتدأٌ بناءً على جواز وقوعِ المبتدأ بعد إنْ الشرطية كجواز وقوعِه بعد إذا ، فقوله تعالى : { ضَرَبْتُمْ فِى الارض } أي سافرتم فيها ، لا محل له من الإعراب عند الأولين لكونه مفسِّراً ، ومرفوع على الخبرية عند الباقين . وقوله تعالى : { فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الموت } عطفٌ على الشرطية ، وجوابُه محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه ، أي إن سافرتم فقاربَكم الأجلُ حينئذ ، وما معكم من الأقارب أو من أهل الإسلام مَنْ يتولى أمرَ الشهادة كما هو الغالب المعتاد في الأسفار ، فليشهد آخرانِ أو فاستشهدوا آخَرَيْن أو فالشاهدانِ آخرانِ كذا قيل ، والأنسب أن يقدَّر عينُ ما سبق ، أي فآخرانِ على معنى شهادةُ بينِكم شهادةُ آخَرَيْن ، أو فأَنْ يشهَدَ آخران ، على الوجوه المذكورة ثمَةَ ، وقوله تعالى : { تَحْبِسُونَهُمَا } استئنافٌ وقعَ جواباً عما نشأ من اشتراط العدالة كأنه قيل : فكيف نصنع إنِ ارْتبْنا بالشاهدين؟ فقيل : تحبِسونهما وتَصْبِرونهما للتحليف { مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ } وقيل : هو صفة ( لآخران ) ، والشرط بجوابه المحذوف اعتراضٌ فائدته الدلالة على أن اللائق إشهادُ الأقارب أو أهلِ الإسلام ، وأما إشهادُ الآخَرِين فعند الضرورة المُلجئةِ إليه ، وأنت خبير بأنه يقتضي اختصاصَ الحبس بالآخرين مع شموله للأولين أيضاً قطعاً ، على أن اعتبارَ اتصافهما بذلك يأباه مقامُ الأمر بإشهادهما ، إذ مآلُه فآخرانِ شأنُهما الحبسُ والتحْليف ، وإن أمكن إتمام التقريب باعتبار قَيدِ الارتياب بهما كما يفيده الاعتراضُ الآتي ، والمرادُ بالصلاة صلاةُ العصر ، وعدمُ تعيينها لتعيُّنِها عندهم بالتحْليف بعدها لأنه وقت اجتماع الناس ووقت تصادُمِ ملائكة الليل وملائكة النهار ، ولأن جميع أهل الأديان يعظّمونه ويجتنبون فيه الحلِفَ الكاذب . (2/305)
وقد روي أن النبي عليه الصلاةَ والسلام وقتئذ حلّف من حلف كما سيأتي ، وقيل : بعد أي صلاة كانت لأنها داعيةٌ إلى النطق بالصدق ، وناهيةٌ عن الكذِب والزور { اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب } (2/306)
{ فَيُقْسِمَانِ بالله } عطفٌ على تحبسونهما وقوله تعالى : { إِنِ ارتبتم } شرطية محذوفةُ الجواب لدلالة ما سبق من الحبس والإقسام عليه ، سيقت من جهته تعالى معترِضةً بين القسمَ وجوابِه للتنبيه على اختصاص الحبس والتحليف بحال الارتياب ، أي إن ارتاب بهما الوارِثُ منكم بخيانةٍ وأخذِ شيءٍ من التركة فاحبِسوهما وحلِّفوهما بالله ، وقولُه تعالى : { لاَ نَشْتَرِى بِهِ ثَمَناً } جوابٌ للقسم ، وليس هذا من قبيل ما اجتمع فيه قَسَمٌ وشرط ، فاكتُفِيَ بذكر جوابِ سابقِهما عن جواب الآخر كما هو الواقع غالباً ، فإن ذلك إنما يكون عند سدِّ جواب السابق مَسدَّ جوابِ اللاحق لاتحاد مضمونها كما في قولك : والله إن أتيتَني لأكرمنك ، ولا ريب في استحالة ذلك هاهنا لأن القسم وجوابه كلاهما ( منفصل ) وقد عرفت أن الشرط من جهته تعالى ، والاشتراءُ هو استبدال السلعة بالثمن أي أخذُها بدلاً منه لا بذلُه لتحصيلها كما قيل ، وإن كان مستلزِماً له ، فإن المعتبرَ في عقد الشراء ومفهومِه هو الجلبُ دون السلب المعتبر في عقد البيع ، ثم استُعير لأخذ شيءٍ بإزالة ما عنده عيناً كان أو معنى على وجه الرغبة في المأخوذ والإعراض عن الزائل ، كما هو المعتبر في المستعار منه حسبما مر تفصيلُه في تفسير قوله تعالى : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } والضمير في ( به ) لله ، والمعنى لا نأخذ لأنفسنا بدلاً من الله ، أي مِنْ حُرمته عَرَضاً من الدنيا بأن نهتِكَها ونُزيلَها بالحلف الكاذب ، أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال ، وقيل : الضمير للقسم ، فلا بد من تقدير مضافٍ البتةَ ، أي لا نستبدل بصحة القسم بالله ، أي لا نأخذ لأنفسنا بدلاً منها عرَضاً من الدنيا بأن نُزيلَ عنه وصفَ الصدق ونصفَه بالكذب ، أي لا نحلف كاذبين كما ذكر وإلا فلا سِدادَ للمعنى ، سواءٌ أريد به القسمُ الصادقُ أو الكاذب ، أما إن أريدَ به الكاذبُ فلأنه يفوِّتُ حينئذ ما هو المعتبرُ في الاستعارة من كون الزائل شيئاً مرغوباً فيه عند الحالف كحُرمة اسمِ الله تعالى ووصفِ الصحة والصدق في القسم ، ولا ريب في أن القسم الكاذبَ ليس كذلك ، وأما إن أريد به الصادقُ فلأنه وإن أمكن أن يُتوسَّلَ باستعمالِه إلى عَرَض الدينا كالقسم الكاذب لكن لا محذور فيه ، وأما التوسلُ إليه بترك استعماله فلا إمكان له هاهنا حتى يصِحَّ التبروءُ منه ، وإنما يُتوسَّلُ إليه باستعمال القسم الكاذب ، وليس استعمالُه من لوازم ترْكِ استعمالِ الصادق ضرورةَ جوازِ تركِهما معاً حتى يُتصوَّرَ جعلُ ما أُخذَ باستعمالِه مأخوذاً بتركِ استعمالِ الصادق كما في صوره تقديرِ المضاف ، فإن إزالةَ وصْفِ الصدق عن القسم مع بقاء الموصوفِ مستلزِمةٌ لثبوت وصفِ الكذِب له البتة فتأمل ، وقوله تعالى : { وَلَوْ كَانَ } أي المقسَمُ له المدلولُ عليه بفحوى الكلام { ذَا قربى } أي قريباً منا ، تأكيدٌ لتبرُّئهم من الحلِف كاذباً ومبالغةٌ في التنزه عنه ، كأنهما قالا : لا نأخذُ لأنفسنا بدلاً من حُرمة اسمه تعالى مالاً ولو انضمَّ إليه رعايةُ جانبِ الأقرباء ، فكيف إذا لم يكنْ كذلك ، وصيانةُ أنفسِهما وإن كانت أهمَّ من رعاية الأقرباء لكنها ليست ضميمةً للمال ، بل هي راجعة إليه ، وجواب ( لو ) محذوفٌ ثقةً بدلالة ما سبق عليه ، أي لا نشتري به ثمناً ، والجملة معطوفةٌ على أخرى مثلِها ، كما فُصِّل في تفسير قوله تعالى : { وَلَوْ أَعْجَبَكَ } الخ ، وقوله عز وجل : { وَلاَ نَكْتُمُ شهادة الله } أي الشهادة التي أمرَنا الله تعالى بإقامتها ، معطوفٌ على ( لا نشتري به ) داخلٌ معه في حكم القسم ، وعن الشعبي أنه وَقَفَ على شهادة ، ثم ابتدأ ( آلله ) بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه بغير مد ، كقولهم : الله لأفعلن { إِنَّا إِذَاً لَّمِنَ الاثمين } أي إن كتمناها ، وقرىء ( لمِلاثِمين ) بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدخال النون فيها .
فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107)
{ فَإِنْ عُثِرَ } أي اطُّلع بعد التحليف { على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً } حسبما اعترفا به بقولهما : إنا إذاً لمن الآثمين ، أي فعلا ما يوجبُ إثماً من تحريفٍ وكَتم بأن ظهر بأيديهما شيءٌ من التركة وادَّعيا استحقاقَهما له بوجهٍ من الوجوه كما وقع في سبب النزول حسبما سيأتي { فَآخَرَانِ } أي رجلان آخران ، وهو مبتدأ خبرُه { يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا } ولا محذورَ في الفصل بالخبر بين المبتدأ وبين وَصفِه الذي هو الجارُّ والمجرور بعده ، أي يوقمان مَقام اللذين عُثر على خيانتهما ، وليس المراد بمقامهما مقامَ أداءِ الشهادة التي تولَّياها ولم يؤدِّياها كما هي ، بل هو مقام الحبس والتحليف على الوجه المذكور لإظهار الحق وإبراز كذِبهما فيما ادعيا من استحقاقهما لما في أيديهما { مِنَ الذين استحق } على البناء للفاعل على قراءة عليَ وابنِ عباس وأُبيَ رضي الله عنهم ، أي من أهل البيت الذين استحق { عَلَيْهِمُ الاوليان } من بينهم ، أي الأقربانِ إلى الميت ، الوارثانِ له ، الأحقانِ بالشهادة أي باليمين كما ستعرفه ، ومفعولُ ( استحق ) محذوفٌ أي استحقا عليهم أن يجرِّدوهما للقيام بها ، لأنها حقُّهما ويُظهروا بهما كذِبَ الكاذبَيْن ، وهما في الحقيقة الآخرانِ القائمان مَقام الأوَّلَيْن على وضع المُظْهر مقام المُضْمَر ، وقرىء على البناء للمفعول وهو الأظهر ، أي من الذين استُحق عليهم الإثمُ أي جُنيَ عليهم ، وهم أهلُ الميت وعشيرتُه ، فالأَوْليان مرفوعٌ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ كأنه قيل : ومن هما؟ فقيل : الأوليان ، أو بدلٌ من الضمير في ( يقومان ) أو من ( آخران ) وقد جوِّز ارتفاعَه باستَحق على حذف المضاف ، أي استحقّ عليهم انتدابُ الأوَّلَيْن منهم للشهادة ، وقرىء ( الأولِّين ) على أنه صفة للذين الخ ، مجرور أو منصوب على المدح ، ومعنى الأولية التقدمُ على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقَّ بها ، وقرىء ( الأولَيْن ) على التثنية وانتصابُه على المدح ، وقرىء ( الأولان ) . (2/307)
{ فَيُقْسِمَانِ بالله } عطف على يقومان { لشهادتنا } المرادُ بالشهادة اليمينُ كما في قوله تعالى : { فشهادة أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهادات بالله } أي لَيَمينُنا على أنهما كاذبان فيما ادَّعيا من الاستحقاق مع كونِها حقةً صادقةً في نفسها { أَحَقُّ } بالقبول { مِن شهادتهما } أي من يمينهما مع كونها كاذبةً في نفسها لما أنه قد ظهر للناس استحقاقُهما للإثم ، ويمينُنا منزهةٌ عن الرَّيْب والرِّيبة ، فصيغةُ التفضيلِ مع أنه لا حقيةَ في يمينهما رأساً إنما هي لإمكان قَبولِها في الجُملة باعتبار احتمالِ صدقِهما في ادعاء تملُّكِهما لما ظهر في أيديهما { وَمَا اعتدينا } عطف على جواب القسم أي ما تجاوزنا فيها الحقَّ أو ما اعتدينا عليهما بإبطال حقهما { أَنَاْ إِذِنَ لَّمِنَ الظالمين } استئنافٌ مقرَّرٌ لما قبله ، أي إنا إنِ اعتدَيْنا في يميننا لمن الظالمين أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى ، أو لمن الواضعين الحقَّ في غير موضعه ، ومعنى النظم الكريم أن المُحتَضَرَ ينبغي أن يُشهدَ على وصيته عدلين من ذوِي نسبِه أو دينه ، فإن لم يجدْهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم ، ثم إن وقع ارتيابٌ بهما أقسما على أنهما ما كتما من الشهادة ولا من التركة شيئاً بالتغليظ في الوقت ، فإنِ اطُّلعَ بعد ذلك على كذبهما بأن ظهر بأيديهما شيءٌ من التركة ، وادعيا تملُّكه من جهة الميت حلفَ الورثةُ وعُمل بأيْمانهم .
ولعل تخصصَ الاثنين لخصوص الواقعة ، فإنه رُوي ( أن تميمَ بنَ أوسٍ الداري وعديَّ بنَ بدَّاء خرجا إلى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصْرانيين ومعهما بديلُ بنُ أبي مريم مولى عمْرو بنِ العاص وكان مسلماً مهاجراً ، فلما قدِموا الشامَ مرضَ بديلٌ فكتب كتاباً فيه جميعُ ما معه وطرحه في متاعِه ولم يخبرْهما بذلك ، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعَه إلى أهله ، ومات ، ففتشاه ، فوجدوا فيه إناءً من فضة وزْنُه ثلثمائةِ مثقالٍ منقوشاً بالذهب ، فغيَّباه ودفعا المتاعَ إلى أهله ، فأصابوا فيه الكتاب ، فطلبوا منهما الإناءَ فقالا : ما ندري ، إنما أوصى إلينا بشيءٍ وأمرَنا أن ندفعَه إليكم ففعلنا ، وما لنا بالإناء من علم ، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } الآية ، فاستحلَفَهما بعد صلاة العصر عند المِنْبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يخْتانا شيئاً مما دَفَع ولا كتما فحلَفا على ذلك فخلَّى عليه الصلاة والسلام سبيلهما ، ثم إن الإناءَ وُجد بمكةَ فقال مَنْ بيده : اشتريتُه من تميم وعدي ، وقيل : لما طالت المدةُ أظهراه فبلغ ذلك بني سهمٍ فطلبوه منهما فقالا : كنا اشتريناه من بديل ، فقالوا : ألم نقلْ لكما : هل باع صاحبُنا من متاعه شيئاً ، فقلتما : لا؟ قالا : ما كان لنا بينةٌ فكرِهنا أن نُقِرَّ به ، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله عز وجل : { فَإِنْ عُثِرَ } الآية ، فقام عمروُ بنُ العاص والمطَّلِبُ بنُ أبي وداعةَ السَّهْميان فحلفا بالله بعد العصر أنهما كَذَبا وخانا ، فدفع الإناءَ إليهما ) . وفي رواية إلى أولياء الميت . (2/308)
واعلم أنهما إن كانا وارثين ( لبديل ) فلا نسخ إلا في وصف اليمين ، فإن الوارثَ لا يُحَلَّفُ على البَتات ، وإلا فهو منسوخ .
ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)
{ ذلك } كلام مستأنف سيق لبيان أن ما ذُكر مستتبِعٌ للمنافع واردٌ على مقتضى الحِكمة والمصلحة ، أي الحُكم الذي تقدم تفصيلُه { أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَا } أي أقربُ أن يؤدِّيَ الشهودُ الشهادةَ عن وجهها الذي تحمَّلوها عليه من غير تحريفٍ ولا خيانة خوفاً من العذاب الأخروي ، وهذه كما ترى حكمةُ شَرْعيةِ التحليفِ بالتغليظ المذكور ، وقوله تعالى : { أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان بَعْدَ أيمانهم } بيانٌ لحِكمة شرعيةِ ردِّ اليمين على الورثة ، معطوفٌ على مقدَّرٍ يْنبىء عنه المقامُ كأنه قيل : ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذابَ الآخرة بسبب اليمين الكاذبة أو يخافوا الافتضاحِ على رؤوس الأشهاد بإبطال أيمانهم والعملِ بأَيْمان الورثة فينزجروا عن الخيانة المؤدية إليه ، فأيُّ الخوفين وقع حصل المقصِدُ الذي هو الإتيانُ بالشهادة على وجهها . وقيل : هو عطفٌ على ( يأتوا ) على معنى أن ذلك أقربُ إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو إلى أن يخافوا الافتضاحَ برد اليمين على الورثة فلا يحلِفوا على موجَب شهادتِهم إنْ لم يأتوا بها على وجهها ، فيظهرُ كذبُهم بنكولهم ، وأما ما قيل من أن المعنى أن ذلك أقربُ إلى أحد الأمرين اللذين أيُّهما وقع كان فيه الصلاحُ ، وهو أداءُ الشهادة على الصدق ، والامتناعُ عن أدائها على الكذب ، فيأباه المقام ، إذ لا تعلّق له بالحادثة أصلاً ضرورةَ أن الشاهدَ مضطرٌّ فيها إلى الجواب ، فالامتناعُ عن الشهادة الكاذبة مستلزمٌ للإتيان بالصادقة قطعاً ، فليس هناك أمران أيُّهما وقع كان فيه الصلاحُ حتى يَتوسَّطَ بينهما كلمةُ ( أو ) وإنما يتأتى ذلك في شهودٍ لم يُتَّهموا بخيانة ، على أن إضافةَ الامتناع عن الشهادة الكاذبة إلى خوف رد اليمين على الورثة ونِسبةَ الإتيانِ بالصادقة إلى غيره مع أن ما يقتضي أحدُهما يقتضي الآخَرُ لا محالة تحكُّمٌ بحْتٌ فتأمل { واتقوا الله } في مخالفة أحكامه التي من جملتها هذا الحكمُ { واسمعوا } ما تؤمرون به كائناً ما كان سمعَ طاعةٍ وقَبول { والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } الخارجين عن الطاعة ، أي فإن لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم فاسقين ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) أي إلى طريق الجنة أو إلى ما فيه نفعُهم . (2/309)
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109)
{ يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل } نُصب على أنه بدل اشتمال من مفعول اتقوا لما بينهما من الملابسة ، فإن مدارَ البداية ليس ملابسةَ الظرفية والمظروفية ونحوِها فقط ، بل هو تعلّقٌ ما ، مُصحِّحٌ لانتقال الذهن من المُبدلَ منه إلى البَدَل بوجه إجماليَ كما فيما نحن فيه ، فإن كونَه تعالى خالقَ الأشياء كافةً مالكَ يومِ الدين خاصةً كافٍ في الباب ، مع أن الأمرَ بتقوى الله تعالى يتبادر منه إلى الذهن أن المتقى أيُّ شأنٍ من شؤونه وأيُّ فعلٍ من أفعاله . وقيل : هناك مضافٌ محذوفٌ به يتحقق الاشتمال ، أي اتقوا عذابَ الله فحينئذ يجوزُ انتصابُه منه بطريق الظرفية ، وقيل : منصوب بمُضْمر معطوفٍ على ( اتقوا ) وما عُطف عليه ، أي واحذروا أو اذكروا يوم الخ ، فإن تذكير ذلك اليوم الهائل مما يُضْطرُّهم إلى تقوى الله عز وجل وتلقِّي أمره بسمع الإجابة والطاعة ، وقيل : هو ظرف لقوله تعالى : { لاَّ يَهِدِّى } ، أي لا يهديهم يومئذ إلى طريق الجنة كما يهدي إليه المؤمنين ، وقيل : منصوب بقوله تعالى : { واسمعوا } بحذف مضاف ، أي اسمعوا خبرَ ذلك اليوم ، وقيل : منصوب بفعل مؤخر قد حُذف للدلالة على ضيق العبارة عن شرحه وبيانِه لكمال فظاعة ما يقع فيه من الطامّة التامة والدواهي العامة ، كأنه قيل : ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ) الخ ، يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي ببيانه ( نطاقُ ) المقال ، وإظهارُ الاسمِ الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وتشديد التهويل ، وتخصيصُ الرسل بالذكر ليس لاختصاص الجمع بهم دون الأمم ، كيف لا و { ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } وقد قال الله تعالى : { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم } بل لإبانة شرفهم وأصالتهم ، والإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمعِ غيرِهم بناءً على ظهور كونهم أتباعاً لهم ، ولإظهار سقوطِ منزلتهم وعدم لياقتهم بالانتظام في سلك جمع الرسل ، كيف لا وهم عليهم السلام يُجمعون على وجه الإجلال ، وأولئك يسحبون على وجوههم بالأغلال (2/310)
{ فَيَقُولُ } لهم مشيراً إلى خروجهم عن عُهدة الرسالة كما ينبغي حسبما يُعربُ عنه تخصيصُ السؤال بجواب الأمم إعراباً واضحاً ، وإلا لصدر الخطاب بأن يقال : هل بلغتم رسالاتي؟ وماذا في قوله عز وجل : { مَاذَا أَجَبْتُمُ } عبارةٌ عن مصدر الفعل ، فهو نصْبٌ على المصدرية أيْ أيَّ إجابةٍ أُجبتم من جهة أُممِكم إجابةَ قَبول أو إجابةَ رد؟ وقيل : عبارة عن الجواب فهو في محل النصب بعد حذف الجارِّ عنه أيْ بأيِّ جوابٍ أجبتم؟ وعلى التقديرين ففي توجيه السؤال عما صدرَ عنهم وهم شهودٌ إلى الرسل عليهم السلام كسؤال الموؤودة بمَحْضرٍ من الوائد ، والعدولِ عن إسناد الجواب إليهم بأن يقال : ماذا أجابوا؟ من الأنباء عن كمال تحقيرِ شأنهم وشدة الغيظ والسُّخط عليهم ما لا يخفى { قَالُواْ } استئناف مبني على سؤال نشأ من سَوْق الكلام كأنه قيل : فماذا يقول الرسل عليهم السلام هنالك؟ فقيل : يقولون : { لاَ عِلْمَ لَنَا } وصيغةُ الماضي للدلالة على التقرر والتحقق كما في قوله تعالى :
{ وَنَادَى أصحاب الجنة } { ونادى أصحاب الاعراف } ونظائرِهما ، وإنما يقولون ذلك تفويضاً للأمر إلى علمه تعالى وإحاطتِه بما اعتراهم من جهتهم من مقاساة الأهوال ومعاناة الهموم والأوجال وعَرْضاً لعجزهم عن بيانه لكثرته وفظاعتِه { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } تعليل لذلك ، أي فتعلَمُ ما أجابوا وأظهروا لنا وما لم نعلمْه مما أضمَروه في قلوبهم ، وفيه إظهارٌ للشَّكاةِ وردّ للأمر إلى علمه تعالى بما لَقُوا من قبلهم من الخطوب ، وكابدوا من الكروب ، والتجاءٌ إلى ربهم في الانتقام منهم ، وقيل : المعنى لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا ، وإنما الحكم للخاتمة ورُدَّ ذلك بأنهم يعرفونهم بسيماهم فكيف يخفى عليهم أمرُهم؟ وأنت خبير بأن مُرادهم حينئذ أن بعضهم كانوا في زمانهم على الحق ثم صاروا كَفَرة ، وعن ابن عباس ومجاهد والسُدّي رضي الله عنهم أنهم يفزَعون من أول الأمر ويذهَلون عن الجواب ثم يُجيبون بعدما ثابت إليهم عقولُهم بالشهادة على أممهم ، ولا يلائمه التعليل المذكور . وقيل : المرادُ به المبالغةُ في تحقيق فضيحتهم ، وقرىء ( علامَ الغيوب ) بالنصب على النداء أو الاختصاص بالمدح ، على أن الكلام قد تم عند قوله تعالى : { أَنتَ } أي إنك أنت المنعوتُ بنعوتِ كمالِك المعروفُ بذلك . (2/311)
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)
{ إِذْ قَالَ الله ياعيسى عِيسَى ابن مَرْيَمَ } شروعٌ في بيان ما جرى بينه تعالى وبين واحد من الرسل المجموعين من المفاوضة على التفصيلِ إثرَ بيانِ ما جرى بينه تعالى وبين الكل على وجه الإجمال ليكون ذلك كالأُنموذج لتفاصيلِ أحوال الباقين ، وتخصيصُ شأن عيسى عليه السلام بالبيان تفصيلاً من بين شؤون سائر الرسل عليهم السلام مع دلالتها على كمال هَوْل ذلك اليوم ونهاية سوء حال المكذبين بالرسل لما أن شأنه عليه السلامُ متعلِّقٌ بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين نُعِيتْ عليهم في السورة الكريمة جناياتُهم ، فتفصيلُه أعظمُ عليهم وأجلبُ لحسرتهم وندامتِهم وأفتُّ في أعضادهم وأدخَلُ في صرفهم عن غيّهم وعنادهم ، و ( إذ ) بدلٌ من ( يومَ يجمع الله ) الخ ، وصيغة الماضي لما ذكر من الدلالة على تحقق الوقوع ، وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لما مر من المبالغة في التهويل ( وتربية المهابة ) . وكلمة على في قوله تعالى : { اذكر نِعْمَتِى عَلَيْكَ وعلى والدتك } متعلقة بنفس النعمة إن جُعلت مصدراً ، أي اذكر إنعامي عليكما ، أو بمحذوفٍ هو حالٌ منها إن جُعلت اسماً ، أي اذكر نعمتي كائنة عليكما ، وليس المرادُ بأمره عليه السلام يومئذ بذكر النعمة المنتظمة في سلك التعديد تكليفَه عليه السلام شكرَها والقيامَ بمواجبها ولاتَ حينَ تكليف ، مع خروجه عليه السلام عن عهدة الشكر في أوله أيَّ خروج ، بل إظهارَ أمره عليه السلام بتعداد تلك النعم حسبما بينه الله تعالى اعتداداً بها وتلذذاً بذكرها على رؤوس الأشهاد ، لتكون حكايةُ ذلك على ما أنبأ عنه النظم الكريم توبيخاً ومزجرةً للكفرة المختلفين في شأنه عليه السلام إفراطاً وتفريطاً وإبطالاً لقولهما جميعاً . (2/312)
{ إِذْ أَيَّدتُّكَ } ظرف لنعمتي أي اذكر إنعامي عليكما وقت تأييدي لك أو حال منها ، أي اذكرها كائنة وقت تأييدي لك ، وقرىء ( آيدتُك ) والمعنى واحد أي قويتك { بِرُوحِ القدس } بجبريلَ عليه السلام لتثبيت الحجة أو بالكلام الذي يحيى به الدين وإضافته إلى القدس لأنه سبب الطهر عن أوضار الآثام ، أو يحيى به الموتى أو النفوسُ حياةً أبدية ، وقيل : الأرواحُ مختلفةُ الحقائق ، فمنها طاهرةٌ نورانية ، ومنها خبيثةٌ ظُلمانية ، ومنها مشرقةٌ ، ومنها كَدِرةٌ ، ومنها حُرة ، ومنها نذْلة ، وكان روحُه عليه الصلاة والسلام طاهرةً مشرقةً نورانية عُلوية ، وأياً ما كان فهو نعمة عليهما { تُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلاً } استئناف مبين لتأييده عليه السلام أو حال من الكاف ، وذكر تكليمه عليه السلام في حال الكهولة لبيان أم كلامه عليه السلام في تينك الحالتين كان على نسق واحد بديعٍ صادراً عن كمال العقل مقارِناً لرزانة الرأي والتدبير ، وبه استُدل على أنه عليه السلام سينزِل من السماء لِما أنه عليه السلامُ رفع قبل التكهُّل ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : أرسله الله تعالى وهو ابن ثلاثين سنةً ، ومكث في رسالته ثلاثين شهراً ، ثم رفعه الله تعالى إليه { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكتاب } عطف على قوله تعالى : { إِذْ أَيَّدتُّكَ } منصوب بما نصبه ، أي اذكر نعمتي عليكما وقت تعليمي لك الكتاب { والحكمة } أي جنسهما { والتوراة والإنجيل } خُصا بالذكر مما تناوله الكتابُ والحكمةُ إظهاراً لشرفهما ، وقيل : الخطُّ والحكمةُ الكلامُ المُحكَم الصواب .
{ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير } أي تُصوَّر منه هيئةً مماثلة لهيئة الطير { بِإِذْنِى } بتسهيلي وتيسيري ، لا على أن يكون الخلقُ صادراً عنه عليه السلام حقيقة ، بل على أن يظهر ذلك على يده عليه السلام عند مباشرةِ الأسباب مع كون الخلق حقيقةً لله تعالى كما ينبىء عنه قوله تعالى : { فَتَنفُخُ فِيهَا } أي في الهيئة المصوَّرة { فَتَكُونُ } أي تلك الهيئة { طَيْراً بِإِذْنِى } فإن إذنه تعالى لو لم يكن عبارةً عن تكوينه تعالى للطير بل عن محضِ تيسيره مع صدور الفعل حقيقةً عما أُسند إليه لكان هذا تكوّناً من جهة الهيئة ، وتكريرُ قوله : { بِإِذْنِى } في الطير مع كونه شيئاً واحداً ، للتنبيه على أن كلاًّ من التصوير والنفخ أمرٌ معظّم بديعٌ لا يتسنى ولا يترتب عليه شيء إلا بإذنه تعالى { وَتُبْرِىء الاكمه والابرص بِإِذْنِى } عطف على ( تخلُق ) . (2/313)
{ وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى بِإِذْنِى } عطف على ( إذ تخلق ) أعيد فيه إذْ ، لكون إخراج الموتى من قبورهم لا سيما بعد ما صارت رميماً ، معجزةً باهرةً ونعمةً جليلة حقيقةً بتذكير وقتها صريحاً ، قيل : أخرج سامَ بنَ نوح ورجلين وامرأةً وجاريةً ، وتكرير قوله : { بِإِذْنِى } في المواضع الأربعة للاعتناء بتحقيق الحق ببيان أن تلك الخوارقَ ليست من قبل عيسى عليه الصلاة والسلام بل من جهته سبحانه قد أظهرها على يديه معجزةً له ونعمةً خصَّها به ، وأما ذكرُه في سورة آلِ عِمرانَ مرتين لما أن ذلك موضعُ الإخبار ، وهذا موضعُ تعداد النعم { وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إسراءيل عَنكَ } عطف على ( إذ تخرج ) أي منعتُ اليهودَ الذين أرادوا بك السوء عن التعرُّض لك { إِذْ جِئْتَهُمْ بالبينات } بالمعجزات الواضحة مما ذُكر وما لم يُذكر ، كالإخبار بما يأكلون وما يدّخِرون في بيوتهم ونحوِ ذلك ، وهو ظرفٌ لكففت ، لكن لا باعتبار المجيء بها فقط بل باعتبار ما يعقبُه من قوله تعالى : { فَقَالَ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } فإن قولهم ذلك مما يدل على أنهم قصدوا اغتيالَه عليه السلام المُحوِجَ إلى الكف ، أي كففتُهم عنك حين قالوا ذلك عند مجيئِك إياهم بالبينات ، وإنما وُضع موضعَ ضميرِهم الموصولُ لذمهم بما في حيِّز الصلة ، فكلمة ( من ) بيانية ، وهذا إشارة إلى ما جاء به ، والتذكير لأن إشارتهم إلى ما رأَوْه من نفس المسمّى من حيث هو ، أو من حيث هو سحر لا من حيث هو مسمى بالبينات ، وقرىء ( إن هذا إلا ساحر مبين ) فهذا حينئذ إشارة إلى عيسى عليه السلام .
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112)
{ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين } عطف على ما قبله من أخواتها الواقعةِ ظروفاً للنعمة التي أُمر بذكرها ، وهي وإن كانت في الحقيقة عينُ ما يُفيده الجملُ التي أُضيفت إليها تلك الظروفُ من التأييد بروح القدس وتعليم الكتاب والحكمة وسائرِ الخوارق المعدودة ، لكنها لمغايَرَتها لها بعنوانٍ منْبىءٍ عن غاية الإحسان أُمر بذكرها من تلك الحيثية ، وجُعلت عاملةً في تلك الظروف لكفاية المغايَرَة الاعتبارية في تحقيق ما اعتُبر في مدلول كلمةِ ( إذ ) من تعدد النسبة ، فإنه ظرف موضوعٌ لزمان نسبتين ماضيتين واقعتين فيه إحداهما معلومةُ الوقوعِ فيه للمخاطَب دون الأخرى ، فيُراد إفادةُ وقوعها أيضاً له ، فيضاف إلى الجملة المفيدة للنسبة الأولى ، ويجعل ظرفاً معمولاً للنسبة الثانية ، ثم قد تكون المغايَرةُ بين النسبتين بالذات كما في قولك : اذكُرْ إحساني إليك إذ أحسنتَ إليّ . تريد تنبيهَ المخاطَب على وقوع إحسانه إليك وهما نسبتان متغايرتان بالذات ، وقد تكون بالاعتبار كما في قولك : اذكر إحساني إليك إذ منعتُك من المعصية ، تريد تنبيهه على كون منعه منها إحساناً إليه لا على إحسانٍ آخرَ واقعٍ حينئذ ، ومن هذا القبيل عامةُ ما وقع في التنزيل من قوله تعالى : { لِقَوْمِهِ ياقوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } الآية ، وقولِه تعالى : { الجحيم يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } إلى غير ذلك من النظائر . ومعنى إيحائه تعالى إليهم أمرُه تعالى إياهم في الإنجيل على لسانه عليه السلام . وقيل : إلهامُه تعالى إياهم كما في قوله تعالى : { وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى } و ( أنْ ) في قوله تعالى : { أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي } مفسِّرة لما في الإيحاء من معنى القول ، وقيل : مصدرية ، وإيرادُه عليه السلام بعنوان الرسالة للتنبيه على كيفية الإيمان به عليه السلام كأنه قيل : آمنوا بوحدانيتي في الألوهية والربوبية وبرسالة رسولي ولا تُزيِّلوه عن حيِّزه حطّاً ولا رفعاً ، وقوله تعالى : { قَالُواْ } استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأ من سَوْق الكلام كأنه قيل : فماذا قالوا حين أوحِيَ إليهم ذلك؟ فقيل : قالوا : { آمنّا } أي بما ذُكر من وحدانيته تعالى وبرسالة رسولِه كما يُؤذِنُ به قولهم : { واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } أي مخلِصون في إيماننا ، مِنْ أسلم وجهَه لله ، وهذا القولُ منهم بمقتضى وحيه تعالى وأمرِه لهم بذلك نعمةٌ جليلة كسائر النعم الفائضة عليه عليه الصلاة والسلام ، وكل ذلك نعمةٌ على والدته أيضاً . رُوي أنه عليه السلام لما علم أنه سيُؤمر بذكر هاتيك النعم العِظامِ جعل يلبَسُ الشَّعْرَ ويأكب الشجر ولا يدخر شيئاً لغد ، يقول : لكل يوم رزقُه ، لم يكن له بيت فيخرَبَ ولا ولد فيموتَ ، أينما أمسى بات . (2/314)
{ إِذْ قَالَ الحواريون } كلام مستأنفٌ مَسوقٌ لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام وبين قومه ، منقطعٌ عما قبله كما ينبىء عنه الإظهارُ في موقع الإضمار و ( إذ ) منصوب بمُضمر خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام بطريق تلوين الخطاب والالتفات ، لكن لا لأن الخطاب السابقَ لعيسى عليه السلام فإنه ليس بخطاب وإنما هو حكايةُ خطاب ، بل لأن الخطابَ لمن خوطب بقوله تعالى : { واتقوا الله } الآية ، فتأمل ، كأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم عَقيبَ حكايةِ ما صدر عن الحواريين من المقالة المعدودة من نعم الله تعالى الفائضة على عيسى عليه السلام : اذكُر للناس وقت قولهم الخ ، وقيل : هو ظرف لقالوا ، أريد به التنبيهُ على أن ادعاءَهم الإيمانَ والإخلاصَ لم يكن عن تحقيقٍ وإيقان ، ولا يساعده النظم الكريم { ياعيسى ابن مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السماء } اختلف في أنهم هل كانوا مؤمنين أو لا؟ فقيل : كانوا كافرين شاكّين في قدرة الله تعالى على ما ذَكَروا ، وفي صدْقِ عيسى عليه السلام ، كاذبين في دعوى الإيمان والإخلاص ، وقيل : كانوا مؤمنين وسؤالُهم للاطمئنان والتثبّت لا لإزاحة الشك ، و ( هل يستطيع ) سؤال عن الفعل دون القدرة عليه تعبيراً عنه بلازمه ، وقيل : الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإرادة ، لا على ما تقتضيه القدرة ، وقيل : المعنى هل يطيع ربك؟ بمعنى هل يجيبك؟ واستطاع بمعنى أطاع كاستجاب بمعنى أجاب ، وقرىء ( هل تستطيعُ ربَّك ) أي سؤال ربك ، والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارف يصرِفك عنه؟ وهي قراءة علي وعائشةَ وابن عباس ومعاذٍ رضي الله عنهم ، وسعيدِ بن جبير في آخرين ، والمائدة الخِوانُ الذي عليه الطعام ، من مادَه إذا أعطاه ورفدَه ، كأنها تَميدُ مَنْ تُقدَّم إليه ، ونظيرُه قولهم : شجرة مطعمة ، وقال أبو عبيد : هي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية { قَالَ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال ناشىءٍ مما قبله ، كأنه قيل : فماذا قال لهم عيسى عليه السلام حين قالوا ذلك؟ فقيل : قال : { اتقوا الله } أي من أمثال هذا السؤال { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي بكمال قدرته تعالى وبصِحّة نبوتي أو إن صَدَقتم في ادّعاء الإيمانِ والإسلام فإن ذلك مما يوجب التقوى والاجتناب عن أمثال هذه الاقتراحات وقيل أمرهم بالتقوى ليصير ذلك ذريعةً لحُصول المسؤول ، كقوله تعالى :
{ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } وقولِه تعالى : { رَّحِيمٌ يَئَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } (2/315)
قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)
{ قَالُواْ } استئناف كما سبق { نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } تمهيدُ عذرٍ وبيانٍ لِمَا دعاهم إلى السؤال ، أي لسنا نريد بالسؤال إزاحةَ شُبهتِنا في قدرته سبحانه على تنزيلها أو في صحة نبوتك ، حتى يقدحَ ذلك في الإيمان والتقوى ، بل نريد أن نأكلَ منها أي أكلَ تبرّكٍ ، وقيل : أكلَ حاجةٍ وتمتُّع { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } بكمال قدرته تعالى وإن كنا مؤمنين به من قبل ، فإن انضمامَ علم المشاهدةِ إلى العلم الاستدلالي مما يوجب ازديادَ الطُمأنينة وقوةَ اليقين { وَنَعْلَمَ } أي علماً يقينياً لا يحوم حوله شائبةُ شُبهةٍ أصلاً ، وقرىء ( ليُعْلَمَ ) على البناء للمفعول { أَن قَدْ صَدَقْتَنَا } ( أنْ ) هي المخففة من أنّ ، وضميرُ الشأن محذوفٌ ، أي ونلعم أنه قد صدقتنا في دعوى النبوة وأن الله يُجيب دعوتنا وإن كنا عالمين بذلك من قبل { وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين } نشهد عليها عند الذين لم يحضُروها من بني إسرائيل ليزدادَ المؤمنون منهم بشهادتنا طُمأنينةً ويقيناً ، ويؤمنَ بسببها كفارُهم ، أو ( من الشاهدين ) للعَيْن دون السامعين للخبر ، و ( عليها ) متعلقٌ بالشاهدين إن جُعل اللامُ للتعريف ، وبيانٌ لما يشهدون عليه إن جُعلتْ موصولة ، كأنه قيل : على أي شيء يشهدون؟ فقيل : عليها ، فإن ما يتعلق بالصلة لا يتقدم على الموصول ، أو هو حال من اسم كان ، أو هو متعلق بمحذوف يفسره من الشاهدين . (2/316)
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)
{ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ } لما رأى عليه السلام أن لهم غَرَضاً صحيحاً في ذلك ، وأنهم لا يُقلعون عنه ، أزمعَ على استدعائها واستنزالها ، وأراد أن يُلزِمَهم الحجةَ بكمالها . (2/317)
رُوي أنه عليه الصلاة والسلام اغتسل ولبس المِسْح وصلى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصرَه ثم قال : { اللهم رَبَّنَآ } ربنا ، ناداه سبحانه وتعالى مرتين ، مرةً بوصف الألوهية الجامعةِ لجميع الكمالات ، ومرةً بوصف الربوبية المُنْبئةِ عن التربية ، وإظهاراً لغاية التضرّع ، ومبالغةً في الاستدعاء { أُنزِلَ عَلَيْنَا } تقديمُ الظرف على قوله : { مَائِدَةً } لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ، وقوله : { مّنَ السماء } متعلق بأنزل أو بمحذوفٍ هو صفةٌ لمائدة ، أي كائنةً من السماء نازلةً منها .
وقوله : { تَكُونُ لَنَا عِيداً } في محل النصب على أنه صفةٌ لمائدة ، واسم تكون ضمير المائدة ، وخبرُها إما عيداً و ( لنا ) حال منه ، أو من ضمير ( تكون ) عند من يجوِّز إعمالَها في الحال ، وإما ( لنا ) ، وعيداً حال من الضمير في لنا ، لأنه وقع خبراً فيحمِلُ ضميراً ، أو من ضمير ( تكون ) عند من يرى ذلك ، أي يكون يومُ نزولها عيداً نعظمه ، وإنما أُسند ذلك إلى المائدة لأن شرَفَ اليوم مستعار من شرفها ، وقيل : العيدُ السرورُ العائد ، ولذلك سمِّيَ يومُ العيد عيداً ، وقرىء ( تكن ) بالجزم على جواب الأمر كما في قوله : { فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِى } خلا أن قراءةَ الجزم هناك متواترة وهاهنا من الشواذ { لاِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا } بدل من ( لنا ) بإعادة العامل ، أي عيداً لمتقدمينا ومتأخرينا . رُوي أنها نزلت يوم الأحد ، ولذلك اتخذه النصارى عيداً ، وقيل : للرؤساء منا والأتباع ، وقيل : يأكل منها أولُنا وآخرُنا ، وقرىء ( لأُولانا وأُخْرانا ) بمعنى الأمة والطائفة { وَءايَةٌ عطف على عيداً { مِنكَ } متعلق بمحذوف وهو صفة لآية ، أي كائنةً منك دالةً على كمال قدرتك وصحةِ نبوتي { وارزقنا } أي المائدة أو الشكر عليها { وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين } تذييلٌ جارٍ مَجْرى التعليل ، أي خيرُ من يرزق لأنه خالقُ الأرزاق ومعطيها بلا عِوَض ، وفي إقباله عليه السلام على الدعاء بتكرير النداء المُنْبىءِ عن كمال الضراعة والابتهال وزيادتِه ما لم يخطُرْ ببال السائلين من الأمور الداعية إلى الإجابة والقَبول دلالةٌ واضحةٌ على أنهم كانوا مؤمنين ، وأن سؤالهم كان لتحصيل الطمأنينة ، كما في قول إبراهيم عليه السلام .
{ قَالَ الله } استئناف كما سبق { إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ } ورودُ الإجابة منه تعالى بصيغة التفعيل المُنْبئة عن التكثير مع كون الدعاء منه عليه السلام بصيغة الإفعال لإظهار كمالِ اللطف والإحسان ، كما في قوله تعالى : { قُلِ الله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ } الخ ، بعد قوله تعالى : { لَّئِنْ أنجانا مِنْ هذه } الخ ، مع ما فيه من مراعاة ما وقعَ في عبارة السائلين ، وفي تصدير الجملة بكلمة التحقيق وجعلِ خبرِها اسماً ، تحقيقٌ للوعد وإيذان بأنه تعالى منجزٌ له لا محالة من غير صارفٍ يَثنيه ولا مانعٍ يَلويه ، وإشعارٌ بالاستمرار أي إني منزلُ المائدة عليكم مراتٍ كثيرة ، وقرىء بالتخفيف ، وقيل : الإنزالُ والتنزيلُ بمعنى واحد { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ } أي بعد تنزيلها { مّنكُمْ } متعلق بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل ( يكفرْ ) { فَإِنّى أُعَذّبُهُ } بسبب كفره بعد معاينة هذه الآيةِ الباهرة { عَذَاباً } اسم مصدرٍ بمعنى التعذيب ، وقيل : مصدر بحذف الزوائد ، وانتصابه على المصدرية بالتقديرين المذكورين ، وجَوَّز أن يكون الفعل مفعولاً به على الاتساع ، وقوله تعالى : { لاَّ أُعَذّبُهُ } في محل النصب على أنه صفة لعذاباً ، والضمير له أي ( أعذبه ) تعذيباً لا أعذب مثل ذلك التعذيب { أَحَداً مّن العالمين } أي من عالَمِي زمانِهم أو من العالمين جميعاً ، قيل : لما سمعوا هذا الوعيد الشديد خافوا أن يكفر بعضُهم ، فاستعفَوْا وقالوا : لا نريدها فلم تنزِلْ ، وبه قال مجاهدٌ والحسن رحمهما الله : والصحيحُ الذي عليه جماهيرُ الأمة ومشاهيرُ الأئمة أنها قد نزلت .
روي ( أنه عليه السلام لما دعا بما دعا وأُجيب بما أجيب ، إذا بسفْرةٍ حمراءَ نزلت بين غمامتين ، غمامةٌ من فوقها وغمامةٌ من تحتها ، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم ، فبكى عيسى عليه الصلاة والسلام وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين ، اللهم اجعلها رحمةً للعالمين ، ولا تجعلها مُثْلةً وعقوبة ، ثم قام وتوضأ وصلى وبكى ، ثم كشف المنديل وقال : بسم الله خيرِ الرازقين ، فإذا سَمَكةٌ مشوية بلا فلوس ولا شَوْك تسيل دسَماً ، وعند رأسها مِلْحٌ وعند ذنبها خَلٌّ ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكُرَّاثَ ، وإذا خمسةُ أرغفةٍ على واحد منها زيتونٌ ، وعلى الثاني عَسَلٌ ، وعلى الثالث سَمْنٌ ، وعلى الرابع جُبْنٌ ، وعلى الخامس قدَيدٌ ، فقال شمعونُ رأسُ الحواريين : يا روحَ الله أمن طعام الدنيا أو من طعام الآخرة؟ قال : ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله تعالى بالقُدرة العالية ، كلوا ما سألتم واشكروا يُمدِدْكم الله ويزِدْكم من فضله ، فقالوا : يا روحَ الله لو أَرَيتَنا من هذه الآية آيةً أخرى؟ فقال : يا سمكةُ احْيَيْ بإذنِ الله ، فاضطربت ، ثم قال لها : عُودي كما كنت ، فعادَتْ مشويةً ثم طارت المائدة ، ثم عَصَوا فمُسخوا قردةً وخنازيرَ ) . (2/318)
وقيل : كانت تأتيهم أربعين يوماً غِباً ، يجتمع عليها الفقراء والأغنياء ، والصغار والكبار ، يأكلون حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظللها . ولم يأكل منها فقير إلا غَنِيَ مدةَ عُمُرِه ، ولا مريضٌ إلا برِىءَ ولم يمرَضْ أبداً ، ثم أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام : أنِ اجعلْ مائدتي في الفقراء والمرضَى دون الأغنياء والأصحاء ، فاضطرب الناسُ لذلك فمُسِخَ منهم من مُسِخَ ، فأصبحوا خنازيرَ يسعَوْن في الطرقات والكُناسات ، ويأكلون العَذِرة في الحُشوش ، فلما رأى الناس ذلك فزِعوا إلى عيسى عليه السلام وبكَوُا الممسوخين ، فلما أبصرت الخنازيرُ عيسى عليه السلام بكتْ وجعلت تطيف به ، وجعل يدعوهم بأسمائهم واحداً بعد واحد ، فيبكُون ويُشيرون برؤوسهم ، ولا يقدِرون على الكلام ، فعاشوا ثلاثةَ أيام ثم هلَكوا .
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن عيسى عليه السلام قال لهم : صوموا ثلاثين يوماً ثم سَلوا الله ما شئتم يُعطِكم ، فصاموا فلما فرَغوا قالوا : إنا لو عمِلنا لأحدٍ فقضَيْنا عملَه لأطعَمَنا ، وسألوا الله تعالى المائدة ، فأقبلت الملائكةُ بمائدة يحمِلونها عليها سبعةُ أرغفةٍ وسبعةُ أحواتٍ ، حتى وضعتْها بين أيديهم ، فأكل منها آخِرُ الناس كما أكل منها أولُهم . قال كعب : نزلت منكوسةً تطير بها الملائكةُ بين السماء والأرض ، عليها كلُّ الطعام إلا اللحمَ . وقال قتادة : كان عليها ثمرٌ من ثمار الجنة . وقال عطيةُ العوفي : نزلت من السماء سمكةٌ فيها طعمُ كل شيء . وقال الكلبي ومقاتل : نزلت سمكةٌ وخمسةُ أرغفةٍ فأكلوا ما شاء الله تعالى والناس ألفٌ ونيِّفٌ ، فلما رجعوا إلى قُراهم ونشروا الحديث ضحِك من لم يشهَدْ وقالوا : ويحكم إنما سحَر أعينَكم ، فمن أراد الله به الخيرَ ثبّته على بصيرة ، ومن أراد فتنته رجَع إلى كفره ، فمُسخوا خنازيرَ ، فمكثوا كذلك ثلاثةَ أيام ثم هلكوا لم يتوالدوا ، ولم يأكُلوا ولم يشربوا ، وكذلك كلُّ ممسوخ . (2/319)
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)
{ وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ } معطوف على ( إذ قال الحواريون ) منصوب بما نَصَبه من المُضمر المخاطَبِ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، أو بمُضمر مستقلَ معطوفٍ على ذلك ، أي اذكُرْ للناس وقت قولِ الله عز وجل له عليه السلام في الآخرة توبيخاً للكَفَرة وتبكيتاً لهم ، فإقرارُه عليه السلام على رؤوس الأشهاد بالعبودية ، وأمرُه لهم بعبادته عز وجل ، وصيغة الماضي لما مرّ من الد2لالة على التحقّق والوقوع { أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين } الاتخاذُ إما متعدَ إلى مفعولين ( فإلهين ) ثانيهما ، وإما إلى واحد فهو حال من المفعول ، وليس مدارُ أصل الكلامِ أن القول متيَقَّنٌ ، والاستفهامَ لتعيين القائل كما هو المتبادَرُ من إيلاء الهمزةَ المُبتدأ على الاستعمال الفاشي ، وعليه قوله تعالى : { قَالُواْ ءأَنْتَ فَعَلْتَ هذا } ونظائرُه ، بل على أن المتيقَّنَ هو الاتخاذُ والاستفهامُ لتعيين أنه بأمره عليه السلام ، أو من تلقاء أنفسهم كما في قوله تعالى : { أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل } وقوله تعالى : { مِن دُونِ الله } متعلق بالاتخاذ ومحله النصب على أنه حال من فاعله ، أي متجاوزين الله ، أو بمحذوفٍ هو صفة لإلهين ، أي كائنيْن من دونه تعالى ، وأياً ما كان فالمرادُ اتخاذُهما بطريق إشراكهما به سبحانه كما في قوله تعالى : { وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا } وقولِه عز وجل : { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } إلى قوله سبحانه وتعالى : { عَمَّا يُشْرِكُونَ } إذْ به يتأتّى التوبيخُ ويتسنّى التقريعُ والتبكيت . ومَنْ توهم أن ذلك بطريق الاستقلال ، ثم اعتذر عنه بأن النصارى يعتقدون أن المعجزاتِ التي ظهرت على يد عيسى ومريمَ عليهما الصلاة والسلام لم يخلُقْها الله تعالى ، بل هما خلقاها فصح أنهم اتخذوهما في حق بعض الأشياء إلهين مستقلَّيْن ، ولم يتخذوه تعالى إلها في حق ذلك البعض ، فقد أبعد عن الحق بمراحِلَ ، وأما من تعمق فقال : إن عبادته تعالى مع عبادة غيره كلا عبادةٍ ، فمن عبده تعالى مع عبادتهما كأنه عبدهما ، ومن لم يعبُده تعالى فقد غفَل عما يُجْديه واشتغل بما لا يَعْنيه كدأب مَنْ قبلةَ ، فإن توبيخهم إنما يحصُل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحاً ، لا بما يلزَمُه بضربٍ من التأويل ، وإظهارُ الاسم الجليل لكونه في حيِّز القولِ المُسند إلى عيسى عليه السلام . (2/320)
{ قَالَ } استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل : فماذا يقول عيسى عليه السلام حينئذ؟ فقيل : يقول ، وإيثارُ صيغة الماضي لما مرّ مراراً { سبحانك } ( سبحان ) عَلمٌ للتسبيح ، وانتصابُه على المصدرية ، ولا يكاد يُذْكر ناصبُه ، وفيه من المبالغة في التنزيه من حيث الاشتقاق ، من السَّبْح الذي هو الذهاب والإبعادُ في الأرض ، ومن جهة النقل إلى صيغة التفعيل ، ومن جهة العدولِ من المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصةً ، المشيرِ إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن ، ومن جهة إقامته مُقام المصدر مع الفعل ما لا يخفى ، أي أنزهك تنزيهاً لائقاً بك من أن أقول ذلك أو من أن يقالَ في حقك ذلك ، وأما تقديرُ من أن يكونَ لك شريكٌ في الألوهية فلا يساعده سِياقُ النظم الكريم وسياقُه ، وقوله تعالى : { مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ } استئنافٌ مقرِّر للتنزيه ومبين للمُنَزَّه منه ، و ( ما ) عبارة عن القول المذكور ، أي ما يستقيم وما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحِقّ لي أن أقوله ، وإيثارُ ليس على الفعل المنفيِّ لظهور دلالتِه على استمرار انتفاءِ الحقية وإفادةِ التأكيد بما في حيزه من الباء ، فإن اسمه ضميرُه العائد إلى ( ما ) ، وخبرَه ( بحق ) والجار والمجرور فيما بينهما للتبيين كما في سُقياً لك أو نحوه .
وقوله تعالى : { إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } استئناف مقرِّرٌ لعدم صدور القولِ المذكور عنه عليه السلام بالطريق البرهاني ، فإن صدورَه عنه مستلزِمٌ لعلمه تعالى به قطعاً ، فحيثُ انتفى علمُه تعالى به انتفى صدورُه عنه حتماً ضرورةَ أن عدمَ اللازم مستلزِمٌ لعدم الملزوم { تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى } استئنافٌ جارٍ مجرى التعليل لما قبله كأنه قيل : لأنك تعلم ما أُخفيه في نفسي ، فكيف بما أُعلنُه؟ وقوله تعالى : { وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } بيانٌ للواقع وإظهارٌ لقصوره ، أي ولا أعلم ما تُخفيه من معلوماتك ، وقوله : { فِى نَفْسِكَ } للمشاكلة . وقيل : المرادُ بالنفس هو الذاتُ ، ونسبةُ المعلومات إليها لما أنها مرجعُ الصفات التي من جملتها العلمُ المتعلِّقُ بها ، فلم يكن كنسبتها إلى الحقيقة . وقوله تعالى : { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } تعليلٌ لمضمون الجملتين منطوقاً ومفهوماً . (2/321)
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)
وقوله تعالى : { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } استئنافٌ مَسوقٌ لبيان ما صدر عنه قد أُدرج فيه عدمَ صدورِ القول المذكور عنه على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه ، حيثُ حكم بانتفاء صدور جميع الأقوالِ المغايِرَةِ للمأمور به ، فدخل فيه انفاءُ صدور القولِ المذكور دخولاً أولياً ، أي ما أمرتُهم إلا بما أمرتني به ، وإنما قيل : ( ما قلت لهم ) نزولاً على قضية حسن الأدب ، ومراعاةً لما ورد في الاستفهام . وقوله تعالى : { أَنِ اعبدوا الله رَبّى وَرَبَّكُمْ } تفسيرٌ للمأمور به ، وقيل : عطفُ بيانٍ للضمير في به ، وقيل : بدلٌ منه ، وليس من شرط البدل جوازُ طرحِ المُبْدَل منه مُطلقاً ليلزَمَ بقاءُ الموصول بلا عائد ، وقيل : خبرُ مُضمرٍ أو مفعولُه مثلُ هو أو أعني . { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } رقيباً أراعي أحوالهم وأحمِلُهم على العمل بموجب أمرك ، وأمنعهم عن المخالفة ، أو مشاهداً لأحوالهم من كفر وإيمان { مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } ما مصدرية ظرفية تقدَّر بمصدرٍ مضافٍ إليه زمانٌ ، ودمت صلتها ، أي كنت شهيداً عليهم مدة دوامي فيما بينهم { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى } بالرفع إلى السماء كما في قوله تعالى : { إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } فإن التوفيَ أخذُ الشيء وافياً ، والموتُ نوع منه ، قال تعالى : { الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا } { كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } لا غيرَك ، ( فأنت ) ضميرُ الفصل أو تأكيدٌ ، وقرىء ( الرقيبُ ) بالرفع على أنه خبرُ ( أنت ) والجملة خبرٌ لكان وعليهم متعلق به ، أي أنت كنت الحافظَ لأعمالهم والمراقبَ فمنعتَ من أردت عِصْمتَه عن المخالفة ، بالإرشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها ، بإرسال الرسل وإنزال الآياتِ ، وخذَلْتَ من خذلتَ من الضالين فقالوا ما قالوا { وَأَنتَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبله ، فيه إيذانٌ بأنه تعالى كان هو الشهيدَ على الكل حين كونِه عليه السلام فيما بينهم ، و ( على ) متعلقةٌ بشهيد ، والتقديم لمراعاة الفاصلة . (2/322)
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)
{ إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } وقد استحقوا ذلك حيث عبدوا غيرك { وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز } أي القويُّ القادر على جميع المقدورات ، ومن جملتها الثوابُ والعقاب { الحكيم } الذي لا يُريد ولا يفعل إلا ما فيه حكمةٌ ومصلحة ، فإن المغفرة مستحسَنة لكل مجرم ، فإن عذّبت فعدلٌ ، وإن غفرت ففَضْلٌ ، وعدمُ غفرانِ الشرك إنما هو بمقتضى الوعيد ، فلا امتناعَ فيه لذاته ليمنعَ الترديدُ بالنسبة إلى فرقتين ، والمعنى إن تعذبْهم أي مَنْ كفر منهم ، وإن تغفرْ لهم أي من آمن منهم . (2/323)
{ قَالَ الله } كلامٌ مستأنَفٌ خَتَم به حكايةَ ما حُكيَ ، مما يقعُ يوم يجمع الله الرسلَ عليهم الصلاة والسلام ، وأُشير إلى نتيجته ومآله ، أي يقول الله تعالى يومئذ عَقيبَ جواب عيسى عليه السلام ، مشيراً إلى صدقه في ضمن بيان حال الصادقين الذين هو في زمرتهم ، وصيغةُ الماضي لما مرَّ في نظائره مراراً ، وقوله تعالى : { هذا } إشارة إلى ذلك اليوم ، وهو مبتدأ خبرُه ما بعده ، أي هذا اليوم الذي حُكيَ بعضُ ما يقع فيه إجمالاً وبعضُه تفصيلاً { يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين } بالرفع والإضافة ، والمراد بالصادقين كما ينبىء عنه الاسم ، المستمرّون في الدارين على الصدق في الأمور الدينية التي معظمُها التوحيدُ الذي نحن بصدده ، والشرائعُ والأحكام المتعلقة به من الرسل الناطقين بالحق والصدق الداعين إلى ذلك ، وبه تحصُل الشهادةُ بصِدْق عيسى عليه السلام ، ومن الأمم المصدِّقين لهم المقتدين بهم عقداً وعملاً ، وبه يتحقق المقصودُ بالحكاية من ترغيب السامعين في الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم لا كلِّ من صدَقَ في أي شيء كان ، ضرورةَ أن الجانِيَ المعترِفَ في الدنيا بجِنايته لا ينفعُه يومئذ اعترافُه وصِدْقُه { صِدْقُهُمْ } أي صدقهم فيما ذُكر من أمور الدين في الدنيا ، إذ هو المستتبِعُ للنفع يومئذ ، واعتبارُ استمراره في الدارين مع أنه لا حاجة إليه كما عرفت ، ولا دخل له في استتباع النفع والجزاء مما لا وجه له ، وهذه القراءةُ هي التي أطبق عليها الجمهورُ وهي الأليق بسياق النظم الكريم وسباقِه ، وقد قرىء ( يومَ ) بالنصب إما على أنه ظرف لقال ، فهذا حينئذ إشارةٌ إلى قوله تعالى : { قُلتَ لِلنَّاسِ } الخ ، وإما على أنه خبرٌ لهذا ، فهو حينئذ إشارة إلى جواب عيسى عليه السلام ، أي هذا الجواب منه عليه السلام واقعٌ يوم ينفع الخ ، أو إلى السؤال والجواب معاً ، وقيل : هو خبر ولكنه بني على الفتح ، وليس بصحيح عند البصريين لأنه مضافٌ إلى متمكنَ ، وقرىء ( يومٌ ) بالرفع والتنوين كقوله تعالى : { واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى } الآية .
{ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا أَبَداً } استئناف مَسوقٌ لبيان النفع المذكور كأنه قيل : ما لهم من النفع؟ فقيل : لهم نعيمٌ دائم وثوابٌ خالد ، وقوله تعالى : { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ } استئنافٌ آخرُ لبيان أنه عز وجل أفاض عليهم غيرَ ما ذُكر من الجنات ما لا قدْرَ لها عنده ، وهو رضوانُه الذي لا غايةَ وراءَه كما ينبىء عنه قوله تعالى : { وَرَضُواْ عَنْهُ } إذ لا شيء أعزُّ منه حتى يمتدَّ إليه أعناقُ الهمم { وذلك } إشارةٌ إلى نيل رضوانه تعالى ، وقيل : إلى نيل الكل { الفوز العظيم } لما أن عِظَمَ شأنِ الفوز تابعٌ لعِظَم شأن المطلوب الذي تعلّق به الفوز . وقد عرفت ألا مطلبَ وراء ذلك أصلاً .
لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)
وقوله تعالى : { للَّهِ مُلْكُ السموات والارض وَمَا فِيهِنَّ } تحقيقٌ للحق وتنبيهٌ على كذِب النصارى وفسادِ ما زعَموا في حق المسيحِ وأمِّه ، أي له تعالى خاصةً مُلك السمواتِ والأرض وما فيهما من العقلاء وغيرِهم ، يتصرَّفُ فيها كيف يشاء ، إيجاداً وإعداماً ، إحياءً وإماتة ، وأمراً ونهياً ، من غير أن يكون لشيء من الأشياء مدخلٌ في ذلك ، وفي إيثار ( ما ) على ( من ) المختصة بالعقلاء على تقدير تناولها للكل ، مراعاةٌ للأصل وإشارةٌ إلى تساوي الفريقين في استحالة الربوبية حسَب تساويهما في تحقُّق المربوبية ، وعلى تقدير اختصاصِها بغير العقلاء تنبيهٌ على كمال قصورهم عن رتبة الألوهية ، وإهابةٌ بهم بتغليب غيرِهم عليهم { وَهُوَ على كُلّ شَىْء } من الأشياء { قَدِيرٌ } مبالِغٌ في القدرة . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ سورة المائدة أُعطِيَ من الأجر عشرَ حسنات ، ومُحيَ عنه عشرُ سيئات ، ورُفع له عشرُ درجات ، بعدد كل يهوديَ ونصرانيَ يتنفس في الدنيا » (2/324)
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)
( سورة الأنعام ) (2/325)
( مكية غير ست آيات أو ثلاث من قوله تعالى { قُل تَعالُوا أَتلُ } . وهى مائة وخمس وستون آية ) .
{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم } { الحمد للَّهِ } تعليقُ الحمد المعرَّفِ بلام الحقيقة أولاً باسم الذات عليه يدور كافةُ ما يوجبه من صفات الكمال ، وإليه يؤُول جميعُ نعوتِ الجلال والجمال ، للإيذان بأنه عز وجل هو المستحِقُّ له بذاته ، لما مر من اقتضاء اختصاصِ الحقيقة به سبحانه ، لاقتصار جميعِ أفرادِها عليه بالطريق البرهاني ، ووصفه تعالى ثانياً بما يُنْبىء عن تفصيل بعض موجِباته المنتظمةِ في سلك الإجمالِ من عظائم الآثارِ وجلائلِ الأفعال ، من قوله عز وجل : { الذى خَلَقَ السموات والارض } للتنبيه على استحقاقه تعالى له واستقلالِه به باعتبار أفعالِه العِظام ، وآلائِه الجِسام أيضاً . وتخصيصُ خلقِهما بالذكر لاشتمالهما على جملة الآثار العُلوية والسُفلية وعامةِ الآلاءِ الجليةِ والخفية ، التي أجلُها نعمةُ الوجودِ الكافية في إيجاب حمدِه تعالى على كل موجود ، فكيف بما يتفرَّع عليها من فنون النعم الأنفسية والآفاقية ، المنوطِ بها مصالحُ العباد في المعاش والمعاد؟ أي أنشأهما على ما هما عليه من النّمط الفائِق والطراز الرائق ، منطويَتَيْن من أنواع البدائعِ وأصنافِ الروائع على ما تتحيَّر فيه العقولُ والأفكار ، من تعاجيب العبر والآثار ، تبصرةً وذكرى لأولي الأبصار . وجمعُ السموات لظهور تعدّدِ طبقاتِها واختلاف آثارها وحركاتِها ، وتقديمُها لشرفها وعلوِّ مكانها وتقدُّمها وجوداً على الأرض كما هي .
{ وَجَعَلَ الظلمات والنور } عطْفٌ على ( خَلَق ) مترتب عليه لكون جعلهما مسبوقاً بخلق مَنْشَئِهما ومحلِّهما ، داخلٌ معه في حكم الإشعار بعِلَّة الحمد ، فكما أن خلقَ السموات والأرضِ وما بينهما لكونه أثراً عظيماً ونعمةً جليلة موجبٌ لاختصاص الحمد بخالقهما جل وعلا ، كذلك جعلُ الظلماتِ والنور لكونه أمراً خطيراً ونعمةً عظيمةً مقتضٍ لاختصاصه بجاعلهما ، والجعلُ هو الإنشاءُ والإبداع كالخلق ، خلا أن ذلك مختصٌّ بالإنشاء التكوينيِّ ، وفيه معنى التقدير والتسوية ، وهذا عام له كما في الآية الكريمة ، والتشريعيَّ أيضا كما في قوله تعالى : { مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ } الآية . وأياً ما كان فهو إنباءٌ عن ملابسةِ مفعولِه بشيءٍ آخرَ بأن يكونَ فيه ، أوْ له ، أوْ منه ، أو نحوُ ذلك ، ملابسةٌ مصحِّحةٌ لأن يتوسَّطَ بينهما شيءٌ من الظروف لغواً كان أو مستقراً ، لكن لا على أن يكونَ عُمدةً في الكلام بل قيداً فيه ، كما في قوله عز وجل : { وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } وقوله تعالى : { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } وقوله تعالى : { واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } الآية ، فإن كل واحد من هذه الظروف ، إما متعلقٌ بنفس الجعل أو بمحذوفٍ وقع حالاً من مفعولِه تقدّمت عليه لكونه نكرة ، وأياً ما كان فهو قيدٌ في الكلام حتى إذا اقتضى الحالُ وقوعَه عمدةً فيه يكون الجعلُ متعدياً إلى اثنين هو ثانيهما ، كما في قوله تعالى :
{ يَجْعَلُونَ أصابعهم فِى ءاذَانِهِم } وربما يَشتبِهُ الأمرُ فيُظن أنه عمدةٌ فيه ، وهو في الحقيقة قيدٌ بأحد الوجهين كما سلف في قوله تعالى : { إِنّي جَاعِلٌ فِى الارض خَلِيفَةً } حيث قيل : إن الظرف مفعولٌ ثان لجاعل ، وقد أشير هناك إلى أن الذي يقضي به الذوق السليم وتقتضيه جزالةُ النظم الكريم ، أنه متعلقٌ بجاعل أو بمحذوفٍ وقع حالاً من المفعول ، وأن المفعولَ الثانيَ هو خليفة ، وأن الأول محذوف على ما مر تفصيله . وجمعُ الظلمات لظهور كثرةِ أسبابها ومَحالِّها عند الناس ، ومشاهدتهم لها على التفصيل ، وتقديمُها على النور لتقدم الإعدام على المَلَكات مع ما فيه من رعاية حسن المقابلة بين القرينتين ، وقوله تعالى : { ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } معطوفٌ على الجملة السابقة الناطقةِ بما مر من موجبات اختصاصِه تعالى بالحمد ، المستدعي لاقتصار العبادة عليه ، كما حُقِّق في تفسير الفاتحة الكريمة ، مَسوقٌ لإنكار ما عليه الكفرة واستبعادِه من مخالفتهم لمضمونها واجترائِهم على ما تقضي ببُطلانه بديهةُ العقول . والمعنى أنه تعالى مختصٌّ باستحقاق الحمدِ والعبادةِ باعتبار ذاتِه وباعتبار ما فصَّل من شؤونه العظيمة الخاصة به ، الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه ، ثم هؤلاء الكفرةُ لا يعملون بموجبه ويعدِلون به سبحانه ، أي يسوُّون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر الذي رأسُه الحمدُ ، مع كونِ كلِّ ما سواه مخلوقاً له غيرَ متّصفٍ بشيء من مبادىء الحمد ، وكلمة ( ثم ) لاستبعاد الشرك بعد وضوحِ ما ذُكر من الآيات التكوينية القاضية ببطلانه ، لا بعد بيانِه بالآياتِ التنزيلية ، والموصولُ عبارةٌ عن طائفةِ الكفار جارٍ مَجرى الاسمِ لهم ، من غير أن يُجعلَ كفرُهم بما يجب أن يُؤْمَنَ به كلاًّ أو بعضاً عنواناً للموضوع ، فإن ذلك مُخِلٌّ باستبعاد ما أُسند إليهم من الإشراك ، والباء متعلقة بيعدلون ، ووضعُ الربِّ موضعَ ضميرِه تعالى لزيادة التشنيع والتقبيح ، والتقديم لمزيد الاهتمامِ والمسارعةِ إلى تحقيق مدارِ الإنكار والاستبعادِ ، والمحافظةِ على الفواصل ، وتركُ المفعولِ لظهوره أو لتوجيه الإنكار إلى نفس الفعل بتنزيله منزلةَ اللازم ، إيذاناً بأنه المدارُ في الاستبعاد والاستنكار لا خصوصيةُ المفعول ، هذا هو الحقيقُ بجزالة التنزيل والخليقُ بفخامة شأنه الجليل . وأما جعلُ الباء صلةً لكفروا على أنّ ( يعدلون ) من العدول ، والمعنى أن الله تعالى حقيقٌ بالحمد على ما خلقه نعمةً على العباد ، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمتَه فيردّه أن كفرهم به تعالى لا سيما باعتبار ربوبيته تعالى لهم ، أشدُّ شناعةً وأعظمُ جنايةً من عدولهم عن حمده عز وجل لتحققه ، مع إغفاله أيضاً ، فجعلُ أهون الشرَّيْن عمدةً في الكلام مقصودُ الإفادة ، وإخراجُ أعظمِهما مُخرجَ القيدِ المفروغِ عنه مما لا عهدَ له في الكلام السديد ، فكيف بالنظم التنزيلي؟ هذا وقد قيل : إنه معطوف على ( خلَقَ السموات ) والمعنى أنه تعالى خلق ما خلق مما لا يقدِر عليه أحدٌ سواه ، ثم هم يعدلون به سبحانه ما لا يقدِر على شيءٍ منه ، لكن لا على قصد أنه صلةٌ مستقلة ليكونَ بمنزلة أن يقالَ : الحمدُ لله الذي عدَلوا به ، بل على أنه داخلٌ تحت الصلة بحيث يكون الكلُّ صلةً واحدة ، كأنه قيل : الحمد لله الذي كان منه تلك النعمُ العظامُ ، ثم من الكفرة الكفّرُ ، وأنت خبير بأن ما ينتظِمُ في سلك الصلة المنبئةِ عن موجبات حمده عز وجل حقُّه أن يكون له دخلٌ في ذلك الإنباء ولو في الجملة ، ولا ريب في أن كفرهم بمعزلٍ منه ، وادعاءُ أن له دَخْلاً فيه لدلالته على كمال الجود ، كأنه قيل : الحمد لله الذي أنعم بمثل هذه النعمِ العِظام على من لا يحمَده ، تعسّفٌ لا يساعده النظام ، وتعكيسٌ يأباه المقام ، كيف لا ومَساقُ النظم الكريم كما تُفصِحُ عنه الآياتُ الآتية تشنيعُ الكفرة وتوبيخُهم ببيانِ غايةِ إساءتِهم مع نهاية إحسانه تعالى إليهم ، لا بيانِ نهايةِ إحسانِه تعالى إليهم مع غاية إساءتهم في حقه تعالى ، كما يقتضيه الادعاءُ المذكور ، وبهذا اتضح أنه لا سبيلَ إلى جعل المعطوف من روادف المعطوف عليه ، لما أن حقَّ الصلة أن تكون غيرَ مقصودةِ الإفادة ، فما ظنُّك بما هو من روادفها؟ وقد عرفت أن المعطوف هو الذي سيق له الكلام فتأمل وكن على الحق المبين . (2/326)
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)
{ هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ } استئنافٌ مَسوقٌ لبيان بطلان كفرهم بالبعث ، مع مشاهدتهم لما يوجب الإيمانَ به إثرَ بيانِ بطلانِ إشراكِهم به تعالى ، مع معاينتهم لموجِبات توحيدِه ، وتخصيصُ خلقِهم بالذكر من بين سائر دلائل صِحةِ البعث ، مع أن ما ذُكر من خلق السموات والأرض من أوضحها وأظهرها ، كما ورد في قوله تعالى : { أَوَلَيْسَ الذى خَلَقَ *** السموات والارض **بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } لما أن ملحَ النزاعِ بعثُهم ، فدلالةُ بدءِ خلقِهم على ذلك أظهرُ وهم بشؤون أنفسهم أعرفُ ، والتعامي عن الحجة النيِّرة أقبح ، والالتفاتُ لمزيد التشنيع والتوبيخ ، أي ابتدأ خلقَكم منه ، فإنه المادة الأولى للكل لما أنه منشأ آدمَ عليه السلام ، وهو المخلوقُ منه حقيقةً بأن يقال : هو الذي خلق أباكم الخ ، مع كفاية علمهم بخلقه عليه السلام منه في إيجاب الإيمانِ بالبعثِ وبطلانِ الامتراءِ لتوضيحِ منهاجِ القياس ، وللمبالغة في إزاحةِ الاشتباه والالتباس ، مع ما فيه من تحقيق الحق والتنبيه على حكمةٍ خفية هي أن كل فردٍ من أفراد البشر له حظٌّ من إنشائه عليه السلام منه ، حيث لم تكن فطرتُه البديعة مقصورةً على نفسه بل كانت أُنموذَجاً منطوياً على فطرة سائرِ آحادِ الجنس انطواءً إجمالياً مستتبِعاً لجَرَيان آثارِها على الكل ، فكأن خلقَه عليه السلام من الطين خلقٌ لكل أحد من فروعه منه ، ولما كان خلقُه على هذا النمط الساري إلى جميع أفراد ذريتِه أبدعَ من أن يكون ذلك مقصوراً على نفسه كما هو المفهومُ من نسبة الخلق المذكورِ إليه وأدلَّ على عِظَم قُدرة الخلاق العليم وكمالِ علمِه وحكمتِه وكان ابتداءُ حال المخاطَبين أولى بأن يكون معياراً لانتهائها فَعلَ ما فعل ، ولله درُ شأن التنزيل ، وعلى هذا السرِّ مدارُ قوله تعالى : { وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم } الخ ، وقوله تعالى : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } كما سيأتي ، وقيل : المعنى خلق أباكم منه على حذف المضاف . وقيل : المعنى خلقهم من النطفة الحاصلةِ من الأغذية المتكوِّنة من الأرض ، وأياً ما كان ففيه من وضوح الدلالة على كمال قدرتِه تعالى على البعث ما لا يخفى ، فإن من قدَرَ على إحياء ما لم يشَمَّ رائحةَ الحياة قط كان على إحياءِ ما قارنها مدةً أظهرَ قدرة . (2/327)
{ ثُمَّ قَضَى } أي كتب لموتِ كلِّ واحد منكم { أَجَلاً } خاصاً به أي حداً معيناً من الزمان يفنى عند حلولِه لا محالة ، وكلمةُ ( ثم ) للإيذان بتفاوتِ ما بين خلقِهم وبين تقديرِ آجالِهم حسبما تقتضيه الحِكَم البالغة { وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } أي حدٌّ معينٌ لبعثكم جميعاً وهو مبتدأ لتخصُّصه بالصفة كما في قوله تعالى : { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ } ولوقوعِه في موقع التفصيل كما في قول من قال :
إذا ما بكَى مِنْ خلفِها انصرَفَتْ له ... بشِقَ وشقٌ عنْدنا لم يُحَوَّلِ
وتنوينُه لتفخيم شأنه وتهويلِ أمره ، ولذلك أُوثر تقديمُه على الخبر الذي هو { عِندَهُ } مع أن الشائعَ المستفيضَ هو التأخير كما في قولك : عندي كلامٌ حقٌّ ولي كتابٌ نفيسٌ كأنه قيل : وأيُّ أجلٍ مسمى مُثْبتٍ معينٍ في علمه لا يتغيرُ ولا يقفُ على وقت حلولِه أحدٌ لا مجملاً ولا مفصّلاً ، وأما أجلُ الموت فمعلومٌ إجمالاً وتقريباً بناءً على ظهور أَماراتِه أو على ما هو المعتادُ في أعمار الإنسان ، وتسميتُه أجلاً إنما هي باعتبار كونِه غايةً لمدة لُبْثهم في القبور ، لا باعتبار كونِه مبدأً لمدةِ القيامة ، كما أن مدار التسمية في الأجل الأول هو كونُه آخِرُ مدة الحياةَ لا كونُه أولِ مدةِ الممات لِما أن الأجلَ في اللغة عبارةٌ عن آخِرِ المدة لا عن أولها ، وقيل : الأجلُ الأول ما بين الحياة والموت ، والثاني ما بين الموت والبعث من البرزخ ، فإن الأجل كما يُطلق على آخِرِ المدة يُطلق على كلِّها وهو الأوفق ، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( أن الله تعالى قضى لكل أحدٍ أجلين : أجلاً من مولده إلى موته ، وأجلاً من موته إلى مبعثه ، فإن كان بَرّاً تقياً وَصولاً للرحِم زيد له من أجل البعث في أجَل العمر ، وإن كان فاجراً قاطعاً نُقِصَ من أجل العُمُر وزيد في أجل البعث ، وذلك قوله تعالى : { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كتاب } فمعنى عدمِ تغييرِ الأجل حينئذ عدمُ تغيُّر آخره ، والأولُ هو الأشهرُ الأليقُ بتفخيم الأجل الثاني المنوطِ باختصاصه بعلمه تعالى ، والأنسبُ بتهويله المبنيِّ على مقارنته للطامّة الكبرى ، فإن كونَ بعضِه معلوماً للخلق ومُضِيِّه من غير أن يقعَ فيه شيءٌ من الدواهي كما يستلزمه الحملُ على المعنى الثاني مُخِلٌّ بذلك قطعاً ، ومعنى زيادةِ الأجل ونقصِه فيما رُوي تأخيرُ الأجل الأول وتقديمُه . (2/328)
{ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } استبعادٌ واستنكارٌ لامترائهم في البعث بعد معاينتهم لما ذُكر من الحُجج الباهرة الدالةِ عليه ، أي تمترون في وقوعه وتحقّقِه في نفسه مع مشاهدتكم في أنفسِكم من الشواهدِ ما يقطع مادةَ الامتراءِ بالكلية ، فإن مَنْ قدَر على إفاضة الحياة وما يتفرَّع عليها من العلم والقدرة وسائِرِ الكمالاتِ البشرية على مادةٍ غيرِ مستعدّةٍ لشيء منها أصلاً كان أوضحَ اقتداراً على إفاضتها على مادةٍ قد استعدت لها وقارنَتْها مدةً ، ومن هاهنا تبين أن ما قيل من أن الأجلَ الأولَ هو النومُ والثانيَ هو الموتُ أو أن الأول أجلُ الباقين أو أن الأول مقدارُ ما مضى من عُمُر كلِّ أحدٍ والثانيَ مقدارُ ما بقِيَ منه مما لا وجهَ له أصلاً ، لما رأيتَ مِنْ أن مَساقَ النظم الكريم استبعادُ امترائهم في البعث الذي عبَّر عن وقته بالأجل المسمّى ، فحيثُ أُريد به أحدُ ما ذُكر من الأمور الثلاثة ففي أيِّ شيء يمترون؟ ووصْفُهم بالامتراء الذي هو الشكُّ ، وتوجيهُ الاستبعاد إليه مع أنهم جازمون بانتفاءِ البعث مُصِرّون على إنكاره كما يُنْبىء عنه قولُهم : { أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } ونظائرُه للدلالة على أن جزمَهم المذكورَ في أقصى مراتبِ الاستبعاد والاستنكار .
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)
وقوله تعالى : { وَهُوَ الله } جملةٌ من مبتدأ وخبر ، معطوفةٌ على ما قبلها مَسوقةٌ لبيان شُمولِ أحكام إلاهيّته تعالى لجميع المخلوقات وإحاطةِ علمِه بتفاصيلِ أحوال العباد وأعمالِهم المؤديةِ إلى الجزاء إثرَ الإشارةِ إلى تحقّق المعادِ في تضاعيفِ بيانِ كيفية خلْقِهم وتقديرِ آجالِهم ، وقوله تعالى : { فِي السموات وَفِى الارض } متعلقٌ بالمعنى الوصفيِّ الذي يُنبىء عنه الاسم الجليل ، إما باعتبار أصلِ اشتقاقِه وكونِه علماً للمعبودِ بالحق كأنه قيل : وهو المعبودُ فيهما ، وإما باعتبار أنه اسمٌ اشتهر بما اشتهرَتْ به الذاتُ من صفات الكمال فلوحظ معه منها ما يقتضيه المقامُ من المالكية الكليةِ والتصرُّفِ الكامل حسبما تقتضيه المشيئةُ المبنيَّةُ على الحِكَم البالغة ، فعُلّق به الظرفُ من تلك الحيثية فصار كأنه قيل : وهو المالكُ أو المتصرفُ المدبِّرُ فيهما كما في قوله تعالى : { وَهُوَ الذى فِى السماء إله وَفِى الارض إله } وليس المراد بما ذُكر من الاعتبارَيْن أن الاسمَ الجليلَ يُحملُ على معناه اللغويِّ أو على معنى المالك أو المتصرِّف أو نحوِ ذلك ، بل مجردُ ملاحظة أحدِ المعاني المذكورة في ضمنه كما لوحظ معَ اسْم الأسد في قوله : ( أسدٌ عليَّ ) الخ ، ما اشتهرَ به من وصف الجَراءة التي اشتهر بها مُسمَّاه ، فجَرى مَجرى جريءٌ عليَّ ، وبهذا تبين أن ما قيل بصدد التصوير والتفسير أي هو المعروفُ بذلك في السموات وفي الأرض ، أو هو المعروفُ المشتهرُ بالصفات الكمالية ، بالإلهية فيهما أو نحوُ ذلك بمعزلٍ من التحقيق ، فإن المعتبرَ مع الاسم هو نفسُ الوصف الذي اشتهر به ، إذ هو الذي يقتضيه المقامُ حسبما بيّن آنفاً لاشتهاره به . ألا يُرى أن كلمة ( عليّ ) في المثال المذكور لا يمكن تعليقُها باشتهار الاسم بالجَراءة قطعاً ، وقيل : هو متعلق بما يفيده التركيبُ الحَصْريُّ من التوحّد والتفرّد كأنه قيل : وهو المتوحِّدُ بالإلهية فيهما ، وقيل : بما تقرر عند الكل من إطلاق هذا الاسم عليه خاصة كأنه قيل : وهو الذي يقال له : الله فيهما لا يُشرك به شيءٌ في هذا الاسم على الوجه الذي سبق ، من اعتبار معنى التوحّد أو القول في فحوى الكلام بطريق الاستتباع ، لا على حمل الاسم الجليل على معنى المتوحِّد بالإلهية ، أو على تقدير القول . وقد جوَّز أن يكون الظرفُ خبراً ثانياً على أن كونَه سبحانه فيهما عبارةٌ عن كونه تعالى مبالِغاً في العلم بما فيهما بناءً على تنزيل علمِه المقدس عن حصول الصور والأشباح لكونه حضورياً منزلةَ كونِه تعالى فيهما ، وتصويرُه به على طريقة التمثيل المبنيِّ على تشبيه حالةِ علمه تعالى بما فيهما بحالة كونه تعالى فيهما ، فإن العالَم إذا كان في مكانٍ كان عالِماً به وبما فيه على وجهٍ لا يخفى عليه منه شيء فعلى هذا يكون قولُه عز وجل . (2/329)
{ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } أي ما أسرَرْتُموه وما جهرتم به من الأقوال أو ما أسررتموه وما أعلنتموه كائناً ما كان من الأقوال والأعمال بياناً وتقريراً لمضمونه وتحقيقاً للمعنى المراد منه ، وتعليقُ علمِه عز وجل بما ذُكر خاصةً مع شموله لجميع ما فيهما حسبما تفيدُه الجملةُ السابقة لانسياق النظمِ الكريم إلى بيان حال المخاطبين وكذا على الوجه الثاني فإن ملاحظةَ الاسم الجليلِ من حيث المالكيةُ الكلية والتصرفُ الكاملُ الجاري على النمط المذكور مستتبعةٌ لملاحظة علمِه المحيطِ حتماً ، فيكونُ هذا بياناً وتقريراً له بلا ريب ، وأما على الأوجه الثلاثة الباقية فلا سبيل إلى كونه بياناً ، لكن لا لما قيل من أنه لا دلالةَ لاستواء السرِّ والجهر في علمه تعالى على ما اعتُبر فيهما من المعبودية والاختصاص بهذا الاسم ، إذ ربما يُعبد ويُختصّ به من ليس له كمالُ العلم فإنه باطل قطعاً ، إذ المراد بما ذكره هو المعبوديةُ بالحق والاختصاصُ بالاسم الجليل ، لا ريبَ في أنهما مما لا يتصور فيمن ليس له كمالُ العلم بديهةً ، بل لأن ما ذُكر من العلم غيرُ معتبرٍ في مدلول شيءٍ من المعبودية بالحق والاختصاصِ بالاسم حتى يكونَ هذا بياناً له ، وبهذا تبين أنه ليس ببيانٍ على الوجه الثالث أيضاً ، لما أن التوحدَ بالإلهية لا يُعتبر في مفهومه العلمَ الكاملَ ليكون هذا بياناً له ، بل هو معتبرٌ فيما صدَق عليه المتوحِّد وذلك غيرُ كاف في البيانية . وقيل : هو خبر بعد خبر عند من يجوِّز كونَ الخبر الثاني جملةً كما في قوله تعالى : { فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى } وقيل : هو الخبر ، والاسمُ الجليل بدلٌ من ( هو ) ، وبه يتعلق الظرف المتقدم ، ويكفي في ذلك كونُ المعلوم فيهما كما في قولك : رميتُ الصيدَ في الحرَم ، إذا كان هو فيه وأنت في خارجَه ، ولعل جعْلَ سرهم وجهرهم فيهما لتوسيع الدائرة وتصويرِ أنه لا يعزُب عن علمه شيءٌ منهما في أي مكان كان ، لا لأنهما قد يكونان في السموات أيضاً ، وتعميمُ الخطاب لأهلها تعسُّفٌ لا يخفى . (2/330)
{ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } أي ما تفعلونه لجلب نفعٍ أو دفعِ ضرَ من الأعمال المكتسَبةِ بالقلوب أو بالجوارح سراً أو علانية ، وتخصيصُها بالذكر مع اندراجها فيما سبق على التفسير الثاني للسر والجهر لإظهار كمال الاعتناء بها ، لأنها التي يتعلق بها الجزاءُ وهو السرُّ في إعادة يعلم .
وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)
{ وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايات رَبّهِمْ } كلام مستأنَفٌ واردٌ لبيان كفرهم بآيات الله وإعراضِهم عنها بالكلية بعد ما بيّن في الآية الأولى إشراكَهم بالله سبحانه وإعراضَهم عن بعض آيات التوحيد ، وفي الآية الثانية امتراءَهم في البعث وإعراضَهم عن بعض آياته . والالتفاتُ للإشعار بأن ذكْرَ قبائحِهم قد اقتضى أن يضرِبَ عنهم الخطابَ صفحاً ، وتعددُ جناياتهم لغيرهم ذماً لهم وتقبيحاً لحالهم ، فما نافية ، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية ، أو للدلالة على الاستمرار التجدُّديّ ، و ( مِنْ ) الأولى مزيدة للاستغراق ، والثانيةُ تبعيضيةٌ واقعةٌ مع مجرورها صفةً لآية ، وإضافةُ الآيات إلى اسم اربِّ المضافِ إلى ضميرهم لتفخيم شأنها المستتْبِعِ لتهويل ما اجترأوا عليه في حقها . والمراد بها إما الآياتُ التنزيليةُ فإتيانُها نزولُها ، والمعنى ما ينزِلُ إليهم آيةٌ من الآيات القرآنية التي من جملتها هاتيك الآياتُ الناطقةُ بما فُصِّل من بدائعِ صنعِ الله عز وجل المُنْبئةِ عن جَرَيان أحكام ألوهيتِه تعالى على كافة الكائنات ، وإحاطةِ علمه بجميع أحوالِ الخلقِ وأعمالهم الموجبةِ للإقبال عليها والإيمانِ بها { إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } أي على وجه التكذيبِ والاستهزاء كما ستقف عليه ، وأما الآياتُ التكوينيةُ الشاملةُ للمعجزات وغيرِها من تعاجيب المصنوعاتِ فإتيانُها ظهورُها لهم . (2/331)
والمعنى ما يظهر لهم آيةٌ من الآيات التكوينية التي من جملتها ما ذُكر من جلائِلِ شؤونه تعالى الشاهدةِ بوحدانيته إلا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر الصحيحِ فيها . المؤدِّي إلى الإيمان بمُكوِّنها ، وإيثارُه على أن يقال : إلا أعرضوا عنها كما وقع مثلُه في قوله تعالى : { وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } للدَلالة على استمرارهم على الإعراض حسَبَ استمرارِ إتيانِ الآيات ، و ( عن ) متعلقةٌ ( بمعرضين ) قُدِّمت عليه مراعاةً للفواصل ، والجملة في محل النصب على أنها حال من مفعول تأتي أو من فاعلِه المتخصِّصِ بالوصف لاشتمالها على ضمير كا منهما . وأياً ما كان ففيها دلالة بينةٌ على كمال مسارعتهم إلى الإعراض ، وإيقاعِها له في آنِ الإتيان كما يُفصح عنه كلمةُ ( لما ) في قوله تعالى : { فَقَدْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَاءهُمْ } فإن الحق عبارةٌ عن القرآن الذي أعرضوا عنه حين أعرضوا عن كل آية منه ، عبّر عنه بذلك إبانةً لكمال قُبح ما فعلوا به ، فإن تكذيب الحقِّ مما لا يُتصوَّرُ صدورُه عن أحد ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنها شيءٌ مغايِرٌ له في الحقيقة واقعٌ عَقيبَه أو حاصلٌ بسببه ، بل على أن الأول هو عينُ الثاني حقيقة ، وإنما الترتيبُ بحسَب التغايُرِ الاعتباري ، و ( قد ) لتحقيق ذلك المعنى في قوله تعالى : { فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً } بعد قوله تعالى : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءاخَرُونَ } فإن ما جاءوه أي فعلوه من الظلم والزور عينُ قولِهم المَحْكِيّ ، لكنه لما كان مغايراً له مفهوماً وأشنَعَ منه حالاً رُتِّبَ عليه بالفاء ترتيبَ اللازم على الملزوم تهويلاً لأمره ، كذلك مفهومُ التكذيب بالحق حيث كان أشنعَ من مفهوم الإعراضِ المذكورِ أُخرِجَ مُخرَجَ اللازم البيِّنِ البُطلان ، فرُتِّبَ عليه بالفاء إظهاراً لغاية بُطلانه ، ثم قُيد ذلك بكونه بلا تأمل تأكيداً لشناعته وتمهيداً لبيان أن ما كذبوا به آثرَ ذي أثير له عواقبُ جليلةٌ ستبدو لهم البتة ، والمعنى أنهم حيث أعرضوا عن تلك الآيات عند إتيانها فقد كذبوا بما لا يمكن تكذيبُه أصلاً من غير أن يتدبروا في حاله ومآله ، ويقفوا على ما في تضاعيفه من الشواهد الموجبةِ لتصديقه ، كقوله تعالى :
{ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِيهِمُ تَأْوِيلِهِ } كما يُنْبىء عنه قوله تعالى : { فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } فإن ( ما ) عبارةٌ عن الحق المذكور عنه بذلك تهويلاً لأمره بإبهامه ، وتعليلاً للحكم بما في حيز الصلة ، وإنباؤه عبارةٌ عما سيَحيقُ بهم من العقوبات العاجلة التي نطَقت بها آياتُ الوعيد ، وفي لفظ ( الأنباء ) إيذانٌ بغاية العِظَم لِما أن النَّبأَ لا يُطلق إلا على خبرٍ عظيمِ الوقع ، وحملُها على العقوبات الآجلةِ أو على ظهور الإسلام وعلوِّ كلمتِه تأباه الآياتُ الآتية ، و ( سوف ) لتأكيد مضمونِ الجملة وتقريره ، أي فسيأتيهم البتةَ وإن تأخرَ مِصْداقُ أنباء الشيءِ الذي كانوا يكذِّبون به قَبلُ مِنْ غير أن يتدبروا في عواقبه ، وإنما قيل : ( يستهزئون ) إيذاناً بأن تكذيبهم كان مقروناً بالاستهزاء كما أشير إليه . هذا على أن يرادَ بالآيات الآياتُ القرآنيةُ وهو الأظهر ، وأما إن أريد بها الآياتُ التكوينيةُ فالفاءُ داخلةٌ على عِلَّة جوابِ شرطٍ محذوف ، والإعراضُ على حقيقته كأنه قيل : إن كانوا معرضين عن تلك الآيات فلا تعجبْ فقد فعلوا بما هو أعظمُ منها ما هو أعظمُ من الإعراض ، حيث كذبوا بالحق الذي هو أعظم الآيات ، ولا مَساغَ لحمل الآيات في هذا الوجه على الآيات كلها أصلاً ، وأما ما قيل من أن المعنى أنهم لمّا كانوا معرِضين عن الآيات كلِّها كذبوا بالقرآن فمِمّا ينبغي تنزيهُ التنزيلِ عن أمثاله . (2/332)
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6)
{ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } استئنافٌ مَسوقٌ لتعيين ما هو المرادُ بالإنباء التي سبق بها الوعيد ، وتقرير إتيانِها بطريق الاستشهاد ، وهمزةُ الإنكار لتقرير الرؤية ، وهي عِرْفانية مستدعيةٌ لمفعول واحد ، و ( كم ) استفهاميةً كانت أو خبريةً معلِّقةٌ لها عن العمل مقيِّدةٌ للتكثير سادّةٌ مع ما في حيِّزها مسدَّ مفعولِها ، منصوبةٌ بأهلكنا على المفعولية على أنها عبارةٌ عن الأشخاص ، و ( من قرن ) مميِّزٌ لها على أنه عبارةٌ عن أهل عصر من الأعصار ، سُمّوا بذلك لاقترانهم بُرهةً من الدهر كما في قوله عليه الصلاة والسلام : « خيرُ القرون قَرني ثم الذين يلونهم » الحديث . وقيل : هو عبارة عن مدة من الزمان والمضافُ محذوف ، أي من أهلَ قرن ، وأما انتصابها على المصدرية أو على الظرفية على أنها عبارة عن المصدر أو عن الزمان فتعسفٌ ظاهر ، و ( من ) الأولى ابتدائية متعلقة بأهلكنا أي ألم يعرِفوا بمعايَنةِ الآثارِ وسَماعِ الأخبار كم أمةٍ أهلكنا من قبلِ أهل مكة؟ أي من قبلِ خلقِهم ، أو من قبل زمانهم على حذف المضاف ، وإقامةِ المضاف إليه مُقامَه ، كعادٍ وثمودَ وأضرابِهم ، وقوله تعالى : { مكناهم فِى الارض } استئناف لبيان كيفيةِ الإهلاك وتفصيلِ مباديه مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من صدر الكلام ، كأنه قيل : كيف كان ذلك؟ فقيل : مكناهم الخ ، وقيل : هو صفةٌ لقرنٍ لِما أن النكرةَ مفتقرةٌ إلى مخصص ، فإذا وَلِيهَا ما يصلُح مخصِّصاً لها تعيّن وصفيتُه لها ، وأنت خبير بأن تنوينَه التفخيميَّ مُغنٍ له عن استدعاء الصفة ، على أن ذلك مع اقتضائه أن يكون مضمونُه ومضمونُ ما عُطف عليه من الجُمل أمراً مفروغاً عنه غيرَ مقصود بسياق النظم ، مؤدَ إلى اختلال النظم الكريم ، كيف لا والمعنى حينئذٍ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرنٍ موصوفين بكذا وكذا ، وبإهلاكنا إياهم بذنوبهم ، وأنه بيِّنُ الفساد . وتمكينُ الشيء في الأرض جعلُه قارّاً فيها ، ولمّا لزِمه جعلُها مقراً له ، ورد الاستعمالُ بكلَ منهما فقيل : تارةً مكّنه في الأرض ، ومنه قوله تعالى : { وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ } وأخرى مكّن له في الأرض ومنه قوله تعالى : { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الارض } حتى أُجرِيَ كلٌّ منهما مُجرَى الآخرَ . (2/333)
ومنه قوله تعالى : { مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } بعد قوله تعالى : { مكناهم فِى الارض } ، كأنه قيل في الأول : مكنا لهم ، وفي الثاني : ما لم نمكنْكم . و ( ما ) نكرةٌ موصوفةٌ بما بعدها من الجملة المنفية ، والعائد محذوف ، محلُها النصبُ على المصدرية ، أي مكناهم تمكيناً لم نمكنْه لكم ، والالتفاتُ لما في مواجهتهم بضَعف الحال مزيدُ بيانٍ لشأن الفريقين ، ولدفعِ الاشتباه من أول الأمر عن مرجِعَي الضميرين { وَأَرْسَلْنَا السماء } أي المطرَ أو السحابَ أو الظلة لأنها مبدأ المطر { عَلَيْهِمْ } متعلق بأرسلنا { مُّدْرَاراً } أي مِغزاراً حال من السماء { وَجَعَلْنَا الانهار } أي صيّرناها فقوله تعالى : { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ } مفعولٌ ثانٍ لجعلنا ، أو أنشأناها فهو حال من مفعوله ، و ( من تحتهم ) متعلق بتجري وفيه من الدلالة على كونها مسخّرةً لهم مستمرةً على الجريان على الوجه المذكور ما ليس في أن يقالَ : وأجرينا الأنهارَ من تحتهم ، وليس المرادُ بتَعدادِ هاتيك النعم العظامِ الفائضةِ عليهم بعد ذكر تمكينهم بيانَ عِظَم جنايتهم في كفرانها واستحقاقَهم بذلك لأعظم العقوبات بل بيانَ حيازتهم لجميع أسباب نيل المآرب ومبادِي الأمن والنجاة من المكاره والمعاطب ، وعدمَ إغناءِ ذلك عنهم شيئاً .
والمعنى : أعطيناهم من البسطة في الأجسام والامتدادِ في الأعمار والسَّعةِ من الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا في استجلاب المنافع واستدفاع المضارِّ ما لم نُعط أهلَ مكةَ ففعلوا ما فعلوا { فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ } أي أهلكنا كلَّ قرن من تلك القرون بسبب ما يخُصّهم من الذنوب ، فما أغنى عنهم تلك العُدَدُ والأسباب ، فسيحِلُّ بهؤلاء مثلُ ما حل بهم من العذاب ، وهذا كما ترى آخِرُ ما به الاستشهادُ والاعتبار ، وأما قولُه سبحانه : { وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ } أي أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن { قَرْناً آخَرِين } بدلاً من الهالكين فلبيان كمالِ قدرتِه تعالى وسَعة سُلطانه وأن ما ذُكر من إهلاك الأمم الكثيرة لم يَنْقُصْ من ملكه شيئاً بل كلما أهلك أمةً أنشأ بدلها أخرى . (2/334)
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8)
{ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ } جملةٌ مستأنفة سيقت بطريق تلوينِ الخطاب لبيان شدةِ شكيمتِهم في المكابرة وما يتفرَّع عليها من الأقاويل الباطلةِ إثْرَ بيانِ إعراضِهم عن آياتِ الله تعالى وتكذيبِهم بالحق واستحقاقِهم بذلك لنزولِ العذاب ، ونسبةُ التنزيل هاهنا إليه عليه السلام مع نسبة إتيانِ الآياتِ ومجيءِ الحقِّ فيما سبق إليهم للإشعار بقَدْحهم في نبوته عليه السلام في ضمن قدحِهم فيما نزل عليه صريحاً . وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في النَّضْر بنِ الحاث وعبدِ اللَّه بنِ أبي أميةَ ونوفلَ بنِ خويلد حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لن نؤمنَ لك حتى تأتيَنا بكتاب من عند الله ومعه أربعةٌ من الملائكة يشهدون أنه من عند الله تعالى ، وأنك رسولُه { كتابا } إن جُعل اسماً كالإمام فقوله : { فِى قِرْطَاسٍ } متعلقٌ بمحذوف وقع صفة له ، أي كتاباً كائناً في صحيفة . وإن جعل مصدراً بمعنى المكتوب فهو متعلِّق بنفسه { فَلَمَسُوهُ } أي الكتابَ وقيل : القرطاس ، وقوله تعالى : { بِأَيْدِيهِمْ } مع ظهور أن اللمس لا يكون عادةً إلا بالأيدي لزيادة التعيينِ ودفع احتمالِ التجوُّز الواقعِ في قوله تعالى : { وَأَنَّا لَمَسْنَا السماء } أي تفحّصنا ، أي فمسُّوه بأيديهم بعد ما رأَوْه بأعينهم ، بحيث لم يبقَ لهم في شأنه اشتباه ، ولم يقدِروا على الاعتذار بتكسير الأبصار { لَقَالَ الذين كَفَرُواْ } أي لقالوا ، وإنما وضع الموصولُ موضع الضمير للتنصيص على اتصافهم بما في حيز الصلة من الكفر الذي لا يخفى حسنُ موقعِه باعتبار مفهومه اللغوي أيضاً { إِنَّ هَذَا } أي ما هذا مشيرين إلى ذلك الكتاب { إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي بيِّنٌ كونُه سحراً ، تعنتاً وعناداً للحق بعد ظهوره كما هو دأْبُ المُفحَمِ المحجوج ، وديدَنُ المكابِرِ اللَّجوج . (2/335)
{ وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } شروع في قدحهم في نبوته عليه السلام صريحاً بعد ما أُشير إلى قدحهم فيها ضِمناً . وقيل : هو معطوفٌ على جواب ( لو ) ، وليس بذاك ، لما أن تلك المقالةَ الشنعاءَ ليست مما يُقدَّر صدورُه عنهم على تقدير تنزيلِ الكتابِ المذكور ، بل هي من أباطيلهم المُحقّقة ، وخُرافاتهم المُلفّقة ، التي يتعللون بها كلما ضاقتْ عليهم الحيلُ وعيَّت بهم العلل ، أي هلا أُنزل عليه عليه السلام مَلكٌ بحيث نراه ويكلمنا أنه نبيٌّ حسبما نُقل عنهم فيما رُويَ عن الكلبي ومقاتل ، ونظيرُه قولهم : { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } ولما كان مدارُ هذا الاقتراح على شيئين : إنزالِ الملَك كما هو وجعلِه معه عليه السلام نذيراً ، أجيب عنه بأن ذلك مما لا يكاد يدخُل تحت الوجود أصلاً ، لاشتماله على أمرين متباينين لا يجتمعان في الوجود : لِما أن إنزالَ الملَك على صورته يقتضي انتفاءَ جعلِه نذيراً ، وجعلُه نذيراً يستدعي عدمَ إنزاله على صورته لا مَحالة .
وقد أشير إلى الأول بقوله : { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الامر } أي لو أنزلنا ملَكاً على هيئته حسْبما اقترحوه والحالُ أنه مِن هِوْل المنظر بحيث لا تُطيقُ بمشاهدته قوى الآحاد البشرية . ألا يرى أن الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام كانوا يشاهدون الملائكةَ ويفاوضونهم على الصور البشرية كضيف إبراهيمَ ولوطٍ وخصْمِ داودَ عليهم السلام وغير ذلك . وحيث كان شأنُهم كذلك وهم مؤيَّدون بالقُوى القدُسية فما ظنُّك بمن عداهم من العوام؟ فلو شاهدوه كذلك لقُضِيَ أمرُ هلاكهم بالكلية ، واستحال جعلُه نذيراً ، وهو مع كونه خلافَ مطلوبِهم مستلزِمٌ لإخلاءِ العالم عما عليه يدور نظامُ الدنيا والآخرةِ من إرسال الرُّسل ، وتأسيسِ الشرائع ، وقد قال سبحانه : { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } وفيه كما ترى إيذانٌ بأنهم في ذلك الاقتراحِ كالباحث عن حَتْفه بظِلْفه ، وأن عدم الإجابة إليه للبُقيا عليهم ، وبناءُ الفعل الأول في الجواب للفاعل الذي هو نونُ العَظمة مع كونه في السؤال مبنياً للمفعول لتهويلِ الأمر وتربية المهابة ، وبناء الثاني للمفعول للجري على سَنن الكِبرياء ، وكلمةُ ( ثم ) في قوله تعالى : { ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } أي لا يُمْهَلون بعد نزوله طرفةَ عينٍ فضلاً عن أن يُنْذَروا به كما هو المقصودُ بالإنذار ، للتنبيه على تفاوت ما بين قضاءِ الأمر وعدمِ الإنظار ، فإن مفاجأة العذابِ أشدُّ من نفس العذاب وأشق . وقيل : في سبب إهلاكهم أنهم إذا عاينوا الملَك قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته وهي آيةٌ لا شيءَ أبينُ منها ثم لم يؤمنوا لم يكنْ بدّ من إهلاكهم ، وقيل : إنهم إذا رأَوه يزول الاختيارُ الذي هو قاعدةُ التكليف ، فيجبُ إهلاكُهم ، وإلى الثاني أُشير بقوله تعالى : (2/336)
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)
{ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً } على أن الضميرَ الأول للتقدير المفهومِ من فحوى الكلام بمعونة المقام ، وإنما لم يجعل للملك المذكور قبله بأن يعكس ترتيب المفعولين ويقال : ولو جعلناه نذيراً لجعلناه رجلاً مع فهم المراد منه أيضاً لتحقيق أن مناطَ إبرازِ الجعل الأول في معرِض الفرض والتقدير ، ومدارَ استلزامِه الثانيَ إنما هو مَلَكيةُ النذير ، لا نذيريّة المَلَك ، وذلك لأن الجعل حقُّه أن يكون مفعولُه الأولُ مبتدأ والثاني خبراً ، لكونه بمعنى التصييرِ المنقول من ( صار ) الداخِلِ على المبتدأ والخبر . (2/337)
ولا ريب في أن مصَبّ الفائدة ومدارَ اللزوم بين طَرَفي الشرطية هو محمولُ المقدَّمِ لا موضوعُه ، فحيث كانت امتناعيةً أريد بها بيانُ انتفاءِ الجعْلِ الأول لاستلزامه المحذور الذي هو الجعل الثاني وجب أن يُجعلَ مدارُ الاستلزام في الأول مفعولاً ثانياً لا محالة ، ولذلك جَعَل مُقابِلَه في الجعل الثاني كذلك ، إبانةً لكمال التنافي بينهما الموجبِ لانتفاء الملزوم ، والضمير الثاني للملك لا لما رجع إليه الأول . والمعنى : لو جعلنا النذيرَ الذي اقترحوه ملكاً لمثّلنا ذلك المَلكَ رجلاً لما مر من عدم استطاعةِ الآحاد لمُعاينَةِ الملك على هيكله ، وفي إيثار ( رجلاً ) على ( بشراً ) إيذانٌ بأن الجعلَ بطريق التمثيل لا بطريق قلب الحقيقة ، وتعيينٌ لما يقع به التمثيل ، وقوله تعالى : { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم } عطفٌ على جواب لو مبنيّ على الجواب الأول ، وقرىء بحذف لام الجواب اكتفاءً بما في المعطوف عليه ، يقال : لَبَستُ الأمرَ على القوم ألبِسُه إذا شبّهتُه وجعلته مُشكِلاً عليهم ، وأصله الستر بالثوب ، وقرىء الفعلان بالتشديد للمبالغة ، أي ولَخلّطنا عليهم بتمثيله رجلاً { مَّا يَلْبِسُونَ } على أنفسهم حينئذ بأن يقولوا له : إنما أنت بشرٌ ولست بمَلَك ، ولو استُدل على مَلَكيته بالقرآن المعجزِ الناطقِ بها أو بمعجزاتٍ أُخَرَ غيرِ مُلجئةٍ إلى التصديق لكذّبوه كما كذبوا النبي عليه الصلاة والسلام ، ولو أظهر لهم صورته الأصلية لزم الأمر الأول ، والتعبير عن تمثيله تعالى رجلاً باللَّبْس إما لكونه في صورة اللبس ، أو لكونه سبباً لِلَبْسِهم ، أو لوقوعه في صُحبته بطريق المشاكلة ، وفيه تأكيدٌ لاستحالة جعل النذيرِ مَلَكاً كأنه قيل : لو فعلناه لفعلنا ما لا يليق بشأننا من لَبْس الأمر عليهم ، وقد جُوِّز أن يكونَ المعنى وللبسنا عليهم حينئذ مثلَ ما يلبِسون على أنفسهم الساعةَ في كفرهم بآيات الله البينة .
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)
{ وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه ، وفي تصدير الجملة بلام القسم وحرفِ التحقيق من الاعتناء به ما لا يخفى ، وتنوينُ ( رسل ) للتفخيم والتكثير ، و ( من ) ابتدائية متعلقة بمحذوفٍ وقع صفةً لرسل ، أي وبالله لقد استهزىء برسل أولى شأنٍ خطيرٍ وذوي عددٍ كثير كائنين من زمانٍ قبلَ زمانك ، على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامَه { فَحَاقَ } عَقيبه أي أحاط أو نزل أو حلَّ أو نحوُ ذلك ، فإن معناه يدور على الشمول واللزوم ، ولا يكاد يُستعمل إلا في الشر ، والحَيْق ما يشتمل على الإنسان من مكروهِ فِعْلِه وقوله تعالى : { بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ } أي استهزأوا بهم من أولئك الرسل عليهم السلام متعلق بحاق ، وتقديمُه على فاعله الذي هو قوله تعالى : { مَّا كَانُوا بِهِ } للمسارعة إلى بيان لحوق الشر بهم ، و ( ما ) إما موصولةٌ مفيدةٌ للتهويل ، أي فأحاط بهم الذي كانوا يستهزؤون به حيث أُهلكوا لأجله ، وإما مصدريةٌ أي فنزل بهم وَبالُ استهزائهم ، وتقديم الجار والمجرور على الفعل لرعاية الفواصل . (2/338)
{ يَسْتَهْزِءونَ قُلْ سِيرُواْ فِى الارض } بعد بيانِ ما فعلت الأممُ الخالية وما فُعل بهم خوطب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بإنذار قومه ، وتذكيرِهم بأحوالهم الفظيعة تحذيراً لهم عما هم عليه ، وتكملةً للتسلية بما في ضِمْنه من العِدَة اللطيفة بأنه سيَحيقُ بهم مثلُ ما حاق بأضرابهم الأولين ، ولقد أنجَز ذلك يومَ بدرٍ أيَّ إنجازٍ ، أي سيروا في الأرض لتعرِفوا أحوال أولئك الأمم { ثُمَّ انظروا } أي تفكروا { كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } وكلمة ( ثم ) إما لأن النظر في آثار الهالكين لا يتسنّى إلا بعد انتهاء السير إلى أماكنهم ، وإما لإبانة ما بينهما من التفاوت في مراتب الوجوب وهو الأظهر ، فإن وجوب السير ليس إلا لكونه وسيلةً إلى النظر كما يفصح عنه العطف بالفاء في قوله عز وجل : { فانظروا } الآية ، وإما أن الأمر الأول لإباحة السير للتجارة ونحوها ، والثاني لإيجاب النظر في آثارهم ، و ( ثم ) لتُباعِدَ ما بين الواجب والمباح فلا يناسب المقام ، و ( كيف ) معلِّقةٌ لفعل النظر ، ومحلُ الجملة النصبُ بنزع الخافض أي تفكروا في أنهم كيف أُهلكوا بعذاب الاستئصال ، والعاقبة مصدرٌ كالعافية ونظائرِها ، وهي منتهى الأمرِ ومآلُه ، ووضعُ المكذبين موضعَ المستهزئين لتحقيق أن مدارَ إصابةِ ما أصابهم هو التكذيبُ لينزجِرَ السامعون عنه لا عن الاستهزاء فقط ، مع بقاء التكذيب بحاله بناءً على توهُّم أنه المدار في ذلك .
{ قُلْ } لهم بطريق الإلجاء والتبكيت { لّمَن مَّا فِى السموات والارض } من العقلاء وغيرِهم ، أي لمن الكائناتُ جميعاً خلْقاً ومُلكاً وتصرّفاً؟ وقوله تعالى : { قُل لِلَّهِ } تقريرٌ لهم وتنبيهٌ على أنه المتعيَّنُ للجواب بالاتفاق بحيث لا يتأتّى لأحد أن يُجيب بغيره كما نطق به قوله تعالى :
{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والارض لَيَقُولُنَّ الله } وقوله تعالى : { كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة } جملةٌ مستقلة داخلة تحت الأمر ناطقةٌ بشمول رحمتِه الواسعةِ لجميع الخلق شمولَ مُلكِه وقدرته للكلِّ ، مَسوقةٌ لبيانِ أنه تعالى رؤوفٌ بعباده لا يعجَلُ عليهم بالعقوبة بل يقبل منهم التوبةَ والإنابةَ ، وأن ما سبق ذكرُه وما لحِقَ من أحكام الغضب ليس من مقتَضيَات ذاتِه تعالى ، بل من جهة الخَلْق ، كيف لا ومن رحمتِه أن خلقَهم على الفطرة السليمة وهداهم إلى معرفته وتوحيدِه بنَصْب الآياتِ الأنفسية والآفاقية ، وإرسالِ الرسل ، وإنزالِ الكُتب المشحونة بالدعوة إلى موجباتِ رِضوانِه ، والتحذيرِ عن مقتَضيَات سُخْطِه ، وقد بدّلوا فطرةَ الله تبديلاً ، وأعرَضوا عن الآياتِ بالمرة ، وكذّبوا بالكتب واستهزأوا بالرسل ، وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين ، ولولا شمولُ رحمتِه لسلك بهؤلاءِ أيضاً مَسلكَ الغابرين . ومعنى كتب على نفسه الرحمة أنه تعالى قضاها وأوجبها بطريق التفضُّل والإحسانِ على ذاته المقدّسةِ بالذات لا بتوسُّط شيءٍ أصلاً ، وقيل : هو ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لمَّا قضى الله تعالى الخلقَ كتَبَ في كتابٍ فهو عنده فوق العرش ، إنَّ رحمتي غلبتْ غضبي " (2/339)
وعن عمرَ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب : «ما أولُ شيءٍ ابتدأه الله تعالى مِنْ خلقه؟» فقال كعب : كتب الله كتاباً لم يكتبْه بقلم ولا مِدادٍ كتابةَ الزَّبَرْجد واللؤلؤ والياقوت : «إني أنا الله لا إله إلا أنا سبقت رحمتي غضبي» ومعنى سبْقِ الرحمةِ وغَلَبتِها أنها أقدمُ تعلُّقاً بالخلق وأكثرُ وصولاً إليهم مع أنها من مقتضيات الذاتِ المُفضيةِ للخير ، وفي التعبير عن الذات بالنفس حجةٌ على من ادّعى أن لفظَ النفسِ لا يُطلق على الله تعالى وإن أريد به الذاتُ إلا مشاكلةً لِما ترَى من انتفاءِ المشاكلة هاهنا بنَوْعَيْها ، وقوله تعالى : { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } جوابُ قسمٍ محذوف ، والجملة استئنافٌ مسوقٌ للوعيد على إشراكهم وإغفالِهم النظرَ ، أي والله ليجمعنّكم في القبور مبعوثين أو محشورين إلى يوم القيامة فيجازيكم على شِرْككم وسائرِ معاصيكم وإن أمهلكم بموجَب رحمتِه ولم يعاجِلْكم بالعقوبة الدنيوية وقيل : ( إلى ) بمعنى اللام ، أي ليجمعنكم ليوم القيامة كقوله تعالى : { إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } وقيل : هي بمعنى في أي ليجمعنكم في يوم القيامة { لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي في اليوم أو في الجمع .
وقوله تعالى : { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } أي بتضييع رأسِ مالهم وهو الفطرةُ الأصليةُ والعقلُ السليم والاستعدادُ القريبُ الحاصلُ من مشاهدة الرسول عليه الصلاة والسلام ، واستماعِ الوحْي وغيرِ ذلك من آثار الرحمة ، في موضع النصْب أو الرفعِ على الذم أي أعني الذين الخ ، أو هو مبتدأ والخبر قوله تعالى : { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } والفاء لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط ، والإشعارُ بأن عدمَ إيمانهم بسبب خُسرانهم ، فإن إبطالَ العقل باتباع الحواسِّ والوهم والانهماك في التقليد ، وإغفالِ النظر أدّى بهم إلى الإصرار على الكفر ، والامتناعِ من الإيمان . والجملةُ تذييلٌ مَسوقٌ من جهته تعالى لتقبيح حالهم غيرُ داخلٍ تحت الأمر .
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)
{ وَلَهُ } أي لله عز وجل خاصةً { مَا سَكَنَ فِى اليل والنهار } نُزِّلَ الملوان منزلةَ المكان فعبّر عن نسبة الأشياء الزمانية إليهما بالسُكنى فيهما ، وتعديتُه بكلمة ( في ) كما في قوله تعالى : { وَسَكَنتُمْ فِى مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } أو السكونِ مقابلَ الحركة ، والمرادُ ما سكن فيهما أو تحرّك فاكتفي بأحد الضدَّيْن عن الآخر { وَهُوَ السميع } المبالغُ في سماع كلِّ مسموع { العليم } المبالغ في العلم بكلّ معلوم ، فلا يخفى عليه شيءٌ من الأقوال والأفعال . (2/340)
{ قُلْ } لهم بعد ما بكّتهم بما سبق من الخطاب { أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً } أي معبوداً بطريق الاستقلالِ أو الاشتراك ، وإنما سُلِّطت الهمزةُ على المفعول الأول لا على الفعل إيذاناً بأن المنكرَ هو اتخاذُ غيرِ الله ولياً ، لا اتخاذُ الوليِّ مطلقاً كما في قوله تعالى : { أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا } وقوله تعالى : { أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ } الخ { فَاطِرِ السموات والارض } أي مُبدعِهما ، بالجرِّ صفةٌ للجَلالة مؤكِّدةٌ للإنكار لأنه بمعنى الماضي ، ولذلك قُرىء ( فطَرَ ) ولا يضرّ الفصلُ بينهما بالجملة لأنها ليست بأجنبية إذ هي عاملةٌ في عامل الموصوف أو بدلٌ فإن الفصلَ بينه وبين المبدل منه أسهلُ لأن البدلَ على نية تكرير العامل وقرىء بالرفع والنصب على المدح ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما عرفتُ معنى الفاطرِ حتى اختصم إليَّ أعرابيانِ في بئر فقال أحدهما : أنا فَطَرْتُها أي ابتدأتها { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } أي يرزُق الخلق ولا يُرْزَق ، وتخصيصُ الطعام بالذكر لشدة الحاجة إليه أو لأنه معظمُ ما يصل إلى المرزوق من الرزق ، ومحلُ الجملة النصبُ على أن الضميرَ لغير الله والمعنى أأُشرِك بمن هو فاطرُ السموات والأرض ما هو نازلٌ عن رتبة الحيوانية؟ وببنائهما للفاعل على أن الثانيَ بمعنى يستطعم أو معنى أنه يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله تعالى : { يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ }
{ قُلْ } بعد بيان اتخاذِ غيرِه تعالى ولياً مما يَقْضي ببطلانه بديهةُ العقول { إِنّى أُمِرْتُ } من جنابه عز وجل { أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } وجهَه لله مخلِصاً له لأن النبيَّ إمامُ أمته في الإسلام كقوله تعالى : { وبذلك أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين } وقوله تعالى : { سبحانك تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } { وَلاَ تَكُونَنَّ } أي وقيل لي : ولا تكونن { مِنَ المشركين } أي في أمر من أمور الدين ، ومعناه أُمرت بالإسلام ونُهيتُ عن الشرك ، وقد جوَّزَ عطفَه على الأمر { قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى } أي بمخالفة أمرِه ونهيه أيَّ عصيانٍ كان فيدخل فيه ما ذُمر دخولاً أولياً وفيه بيانٌ لكمال اجتنابه عليه السلام عن المعاصي على الإطلاق وقوله تعالى : { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم } أي عذابَ يوم القيامة ، مفعولُ أخاف ، والشرطية معترِضةٌ بينهما ، والجوابُ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه وفيه قطعٌ لأطماعهم الفارغة وتعريضٌ بأنهم عصاةٌ مستوجبون للعذاب العظيم .
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)
{ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ } على البناء للمفعول أي العذاب ، وقرىء على البناء للفاعل والضمير لله سبحانه ، وقد قرىء بالإظهار ، والمفعول محذوف وقوله تعالى : { يَوْمَئِذٍ } ظرف للصرف ، أي في ذلك اليوم العظيم ، وقد جوز أن يكون هو المفعول على قراءة البناء للفاعل بحذف المضاف أي عذاب يومئذ { فَقَدْ رَحِمَهُ } أي نجاه وأنعم عليه وقيل : فقد أدخله الجنة كما في قوله تعالى : { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } والجملة مستأنفةٌ مؤكِّدةٌ لتهويل العذاب ، وضميرُ عنه ورَحمه ( لمن ) ، وهو عبارة عن غير العاصي { وَذَلِكَ } إشارة إلى الصرف أو الرحمة ، لأنها مؤوّلة بأن مع الفعل وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجته ، وبعد مكانه في الفضل ، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى : { الفوز المبين } أي الظاهرُ كونُه فوزاً وهو الظَفَر بالبُغية ، والألف واللام لقصره على ذلك . (2/341)
{ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ } أي ببليةٍ كمرَض وفقر ونحو ذلك { فَلاَ كاشف لَهُ } أي فلا قادرَ على كشفه عنك { إِلاَّ هُوَ } وحده { وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ } من صِحةٍ ونعمةٍ ونحو ذلك { فَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدُيرٌ } ومن جملته ذلك ، فيقدِرُ عليه فيمسَسْك به ويحفَظْه عليك من غير أن يقدِرَ علي دفعه ، أو على رفعه أحدٌ ، كقوله تعالى : { فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ } وحملُه على تأكيد الجوابين يأباه الفاء .
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أُهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلةٌ أهداها له كسرى ، فركِبها بحبْل من شعر ثم أردفني خلفه ثم سار بي ميلاً ، ثم التفت إلي فقال : «يا غلام» فقلت : لبيك يا رسول الله . فقال : " أحفَظِ الله يحفَظْك ، احفظ الله تجدْه أمامك ، تعرَّفْ إلى الله في الرخاء يعرِفْك في الشدة ، وإذا سألت فاسألِ الله ، وإذا استعنت فاستعنْ بالله ، فقد مضى القلمُ بما هو كائن ، فلو جَهَدَ الخلائقُ أن ينفعوك بما لم يقضِه الله لك لم يقدِروا عليه ، ولو جَهَدوا أن يضروك بما لم يكتُبِ الله عليك ما قدَروا عليه ، فإن استطعتَ أن تعملَ بالصبر مع اليقين فافعل ، فإن لم تستطِعْ فاصبر ، فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً ، واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن مع الكرْب فرَجاً ، وأن مع العسر يسراً "
{ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } تصويرٌ لقهره وعلوِّه بالغَلَبة والقُدرة { وَهُوَ الحكيم } في كل ما يفعله ويأمر به { الخبير } بأحوال عبادِه وخفايا أمورِهم ، واللام في المواضع الثلاثة للقصر .
{ قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة } روي ( أن قريشاً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد لقد سألنا عنك اليهودَ والنصارى فزعموا أنْ ليس عندهم ذكرٌ ولا صفةٌ فأرِنا من يشهد لك أنك رسولُ الله فنزلت ) . ( فأيّ ) مبتدأ و ( أكبرُ ) خبره و ( شهادة ) نُصب على التمييز وقوله تعالى : { قُلِ الله } أمرٌ له عليه الصلاة والسلام بأن يتولَّى الجواب بنفسه ، إما للإيذان بتعيُّنه وعدمِ قدرتهم على أن يجيبوا بغيره ، أو لأنهم ربما يتلعثمون فيه لا لتردُّدهم في أنه أكبرُ من كل شيء ، بل في كونه شهيداً في هذا الشأن ، وقوله تعالى : { شَهِيدٌ } خبرُ مبتدأ محذوف ، أي هو شهيد { بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } ويجوز أن يكون ( الله شهيد بيني وبينكم ) هو الجواب ، لأنه إذا كان هو الشهيدَ بينه وبينهم كان أكبرُ شيءٍ شهادةً شهيداً له عليه الصلاة والسلام ، وتكريرُ ( البين ) لتحقيق المقابلة { وَأُوحِىَ إِلَىَّ } أي من جهته تعالى { هذا القرءان } الشاهدُ بصِحة رسالتي { لاِنذِرَكُمْ بِهِ } بما فيه من الوعيد ، والاقتصارُ على ذكر الأنذار لما أن الكلام مع الكفرة { وَمَن بَلَغَ } عطفٌ على ضمير المخاطَبين أي لأنذركم به يا أهلَ مكةَ وسائرَ مَنْ بلغه من الأسودِ والأحمرِ أو من الثقلَيْن ، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومَنْ سيوجد إلى يوم القيامة ، وهو دليل على أن أحكام القرآن تعمُّ الموجودين يوم نزولِه ومن سيوجد بَعْدُ إلى يوم القيامة ، خلا أن ذلك بطريق العبارة في الكل عند الحنابلة ، وبالإجماع عندنا في غير الموجودين وفي غير المكلفين يومئذ كما مر في أول سورة النساء { قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله } تقرير لهم مع إنكار واستبعاد { قُل لاَّ أَشْهَدُ } بذلك وإن شهدتم به فإنه باطل صِرْف { قُلْ } تكرير للأمر للتأكيد { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } أي بل إنما أشهد أنه تعالى لا إله إلا هو { وَإِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } من الأصنام أو من إشراككم .