صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين } جمع ذليلٍ لا ذلول ، فإن جمعه ذُلُلٌ أي أرِقّاءَ رحماءَ متذللين ومتواضعين لهم ، واستعماله ( بعلى ) إما لتضمين معنى العطف والحُنُوّ ، أو للتنبيه على أنهم مع علو طبقتِهم وفضلِهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتَهم ، أو لرعاية المقابلة بينه وبين على في قوله تعالى : { أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } أي أشداء متغلبين عليهم من عزّه إذ غلبه كما في قوله عز وعلا : { أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } وهما صفتان أُخريان لقومٍ تُرك بينهما العاطفُ للدلالة على استقلالهم بالاتصاف بكل منهما ، وفيه دليل على صحة تأخير الصفة الصريحة من الجملة والظرف ، كما في قوله تعالى : { وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ } وقوله تعالى : { مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } وقوله تعالى : { مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن الرحمن مُحْدَثٍ } وما ذهب إليه من لا يجوِّزه من أن قوله تعالى : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } كرم معترِضٌ وأن ( مبارك ) خبرٌ بعد خبر أو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ وأن ( من ربهم ) و ( من الرحمن ) حالان مقدمتان من ضمير ( محدَثٍ ) تكلفٌ لا يخفى ، وقرىء ( أذلةً ) و ( أعزةً ) بالنصب على الحالية من قوم لتخصصه بالصفة .
{ يجاهدون فِى سَبِيلِ الله } صفة أخرى لقومٍ مترتبةٌ على ما قبلها مُبيِّنةٌ مع ما بعدها لكيفية عزتهم ، أو حالٌ من ضميرٍ في ( أعزة ) { وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ } عطف على يجاهدون بمعنى أنهم جامعون بين المجاهدة في سبيل الله وبين التصلب في الدين وفيه تعريضٌ بالمنافقين ، فإنهم كانوا إذا خرجوا في جيش المسلمين خافوا أولياءَهم اليهودَ فلا يكادون يعملون شيئاً يلحقهم فيه لومٌ من جهتهم ، وقيل : هو حال من فاعل يجاهدون بمعنى أنهم يجاهدون وحالُهم خلافُ حال المنافقين ، واعتُرض عليه بأنهم نصُّوا على أن المضارعَ المنفيَّ بلا أو ما كالمُثْبَت في عدم جواز مباشرة واو الحال له واللَّوْمةُ المرةُ من اللوم ، وفيها وفي تنكيرِ لائمٍ مبالغة لا تخفى .
{ ذلك } إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف الجليلة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتها في الفضل { فَضَّلَ الله } أي لطفُه وإحسانُه لا أنهم مستقلون في الاتصاف بها { يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } إيتاءً إياه ويوفقُه لكسبه وتحصيلِه حسبما تقتضيه الحِكْمةُ والمصلحة { والله واسع } كثيرُ الفواضل والألطاف { عَلِيمٌ } مبالِغٌ في العلم بجميع الأشياء التي من جملتها مَنْ هو أهلٌ للفضل والتوفيق ، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبله ، وإظهارُ الاسمِ الجليل للإشعار بالعلة وتأكيد استقلال الجملة الاعتراضية .

(2/256)


إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)

{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءامَنُواْ } لما نهاهم الله عز وجل عن موالاة الكفرة وعلّله بأن بعضَهم أولياءُ بعض لا يُتصوَّرُ ولايتُهم للمؤمنين ، وبين أن من يتولاهم يكون من جملتهم ، بيَّن هاهنا من هو وليُّهم بطريقٍ قصَرَ الولايةَ عليه كأنه قيل : لا تتخذوهم أولياءَ ، لأن بعضَهم أولياءُ بعضٍ وليسوا بأوليائكم ، إنما أولياؤكم الله ورسولُه والمؤمنون فاختصُّوهم بالموالاة ولا تتخطّوهم إلى غيرهم ، وإنما أفرد الوليَّ مع تعدده للإيذان بأن الولايةَ أصالةً لله تعالى وولايتُه عليه السلام ، وكذا ولايةُ المؤمنين بطريقِ التبعية لولايتِه عز وجل { الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة } صفة للذين آمنوا لجرَيانه مجرى الاسمِ أو بدلٌ منه أو نصْبٌ على المدح أو رفعٌ عليه { وَهُمْ رَاكِعُونَ } حال من فاعل الفعلين أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى ، وقيل : هو حال مخصوصةٌ بإيتاء الزكاة ، والركوعُ ركوعُ الصلاة ، والمراد بيانُ كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه ، ورُوي أنها نزلت في علي رضي الله عنه حين سأله سائل وهو راكعٌ فطرح إليه خاتمه كأنه كان مرجاً في خِنْصَرِه غيرَ محتاجٍ في إخراجه إلى كثير عمل يؤدِّي إلى فساد الصلاة ، ولفظ الجمع حينئذ لترغيب الناس في مثل فعلِه رضي الله عنه ، وفيه دلالة على أن صدقة التطوُّع تسمّى زكاةً { وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين ءامَنُواْ } أُوثرَ الإظهارُ على أن يقال : ومن يتولَّهم رعايةً لما مر من نُكتةِ بيانِ أصالتِه تعالى في الولاية كما ينبىء عنه قوله تعالى : { فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون } حيث أضيفَ الحِزبُ إليه تعالى خاصة وهو أيضاً من باب وضْعِ الظاهِرِ موضعَ الضمير العائد إلى ( من ) ، أي فإنهم الغالبون لكنهم جُعِلوا حزبَ الله تعالى تعظيماً لهم وإثباتاً لغَلَبتهم بالطريق البرهاني ، كأنه قيل : ومن يتولَّ هؤلاء فإنهم حزبُ الله وحزبُ الله هم الغالبون .

(2/257)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)

{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً } رُوي ( أن رُفاعةَ بنَ زيد وسويدَ بنَ الحارث ، أظهرا الإسلامَ ثم نافقا ، وكان رجالٌ من المؤمنين يُوادُّونهما ) فنُهوا عن موالاتهما ، ورُتِّب النهيُ على وصف يعمُّهما وغيرَهما تعميماً للحكم وتنبيهاً على العلة وإيذاناً بأن مَنْ هذا شأنُه جديرٌ بالمعاداة فكيف بالموالاة؟ { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } بيان للمستهزئين ، والتعرّضُ لعنوان إيتاءِ الكتاب لبيان كمال شناعتِهم وغايةِ ضلالتهم ، لِما أنَّ إيتاءَ الكتاب وازعٌ لهم عن الاستهزاء بالدين المؤسَّسِ على الكتابِ المصدِّقِ لكتابهم { والكفار } أي المشركين خُصّوا به لتضاعُفِ كفرهم ، وهو عطف على الموصول الأول ففيه إشعارٌ بأنهم ليسوا بمستهزئين كما يُنبىءُ عنه تخصيصُ الخطاب بأهل الكتاب في قوله تعالى : { ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا } الآية ، وقرىء بالجر عطفاً على الموصول الأخير ويعضُده قراءةُ أُبيَ { وَمِنْ الكفار } وقراءةُ عبدِ اللَّه { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } فهم أيضاً من جملة المستهزئين { أَوْلِيَاء } وجانبوهم كلَّ المجانبة .
{ واتقوا الله } في ذلك بترك موالاتهم أو بترك المَناهي على الإطلاق فيدخل فيه تركُ موالاتِهم دخولاً أولياً { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي حقاً ، فإن قضيةَ الإيمان توجب الاتقاءَ لا محالة { وَإِذَا ناديتم إِلَى الصلاة اتخذوها } أي الصلاةَ أو المناداةَ ، ففيه دلالة على شرعية الأذان { هُزُواً وَلَعِباً } بيان لاستهزائهم بالدين على الإطلاق إظهاراً لكمال شقاوتهم . رُوي ( أن نصرانياً بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمداً رسول الله ، يقول : أحرق الله الكاذب ، فدخل خادمُه ذاتَ ليلة بنار وأهلُه نيامٌ فتطايرَتْ منه شرارةٌ في البيت فأحرقَتْه وأهلَه جميعاً ) { ذلك } أي الاستهزاء المذكور { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } فإن السَّفَه يؤدِّي إلى الجهل بمحاسِنِ الحق والهُزُؤ به ، ولو كان لهم عقلٌ في الجملة لما اجترءوا على تلك العظيمة { قُلْ } أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب بعد نهْيِ المؤمنين عن تولِّي المستهزئين بأن يخاطِبَهم ويبيِّنَ أن الدين منزه عما يصحِّحُ صدورَ ما صدر عنهم من الاستهزاء ، ويُظهرَ لهم سببَ ما ارتكبوه ويُلْقِمَهم الحجرَ ، أي قل لأولئك الفجرة { يَا أَهْلِ الكتاب } وُصفوا بأهلية الكتاب تمهيداً لما سيأتي من تبكيتهم وإلزامهم بكفرهم بكتابهم { هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا } من نقَم منه كذا إذا عابه وأنكره وكرهه ، ينقِمه من حدِّ ضرب ، وقُرىء بفتح القاف من حد علِمَ وهي أيضاً لغة ، أي ما تَعيبون وما تُنكرون منا { إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } من القرآن المجيد { وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ } أي من قبل إنزاله من التوراة والإنجيل المنزَّلَيْن عليكم وسائرِ الكتبِ الإلهية { وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون } أي متمردون خارجون عن الإيمان بما ذكر فإن الكفر بالقرآن مستلزم بما يصدِّقُه لا محالة وهو عطف على ( أن آمنا ) على أنه مفعول له لتنقمون ، والمفعول الذي هو الدينُ محذوفٌ ثقةً بدلالة ما قبله وما بعده عليه دلالةً واضحة ، فإن اتخاذ الدين هزواً ولعباً عينُ نِقَمِه وإنكارِه ، والإيمانُ بما فُصِّل عينُ الدين الذي نقَموه خلا أنه أبرَزَ في معرِض علةِ نقمِهم له تسجيلاً عليهم بكمال المكابرةِ والتعكيس حيث جعلوه موجِباً لنقمه مع كونه في نفسه موجباً لقَبوله وارتضائه ، فالاستثناءُ من أعم العلل أي ما تنقِمون منا دينَنا لعلةٍ من العلل إلا لأنا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أُنزل من قبلُ من كتُبكم ، ولأن أكثركم متمردون غيرُ مؤمنين بواحدٍ مما ذُكر حتى لو كنتم مؤمنين بكتابكم الناطقِ بصحة كتابِنا لآمنتم به ، وإسنادُ الفسق إلى أكثرِهم لأنهم الحاملون لأعقابهم على التمرُّد والعناد ، وقيل : عطفٌ عليه على أنه مفعول لتنقمون منا ، لكن لا على أن المستثنى مجموعُ المعطوفَيْن بل هو ما يلزَمهما من المخالفة كأنه قيل : ما تنقمون منا إلا مخالفتَكم حيث دخلنا الإيمانَ وأنتم خارجون عنه ، وقيل : على حذف المضافِ ، أي واعتقادَ أن أكثركم فاسقون ، وقيل : عطف على ( ما ) أي ما تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وبأنكم فاسقون ، وقيل : عطفٌ على علة محذوفةٍ أي لقلة إنصافِكم ولأن أكثركم فاسقون ، وقيل : الواو بمعنى مع أي ما تنقِمون منا إلا الإيمانَ مع أن أكثركم الخ ، وقيل : هو مرفوعٌ على الابتداء والخبر محذوفٌ أي وفِسقُكم معلوم أي ثابت ، والجملة حالية أو معترضة ، وقرىء بإِن المكسورةِ والجملةُ مستأنَفة مبيّنةٌ لكون أكثرهم فاسقين متمرِّدين .

(2/258)


قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)

{ قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك } لما أمر عليه الصلاة والسلام بإلزامهم وتبكيتهم ببيان أن مدارَ نقمِهم للدين إنما هو اشتمالُه على ما يوجب ارتضاءَه عندهم أيضاً وكفرُهم بما هو مُسلَّم لهم . أُمر عليه الصلاة والسلام عَقيبَه بأن يُبكتَهم ببيان أن الحقيقَ بالنقم والعيبَ حقيقةً ما هم عليه من الدين المحرَّف وينعى عليهم في ضمن البيان جناياتِهم وما حاق بهم من تبِعاتها وعقوباتِها على منهاج التعريض لئلا يحمِلَهم التصريحُ بذلك على ركوب متن المكابرةِ والعنادِ ، ويخاطِبَهم قبل البيانِ بما يُنبىء عن عِظَم شأن المبيَّنِ ، ويستدعي إقبالَهم على تلقّيه من الجملة الاستفهامية المُشَوِّقة إلى المخبِر به والتنبئةِ المُشعرة بكونه أمراً خطيراً لما أن النبأ هو الخبرُ الذي له شأنٌ وخطَرٌ ، وحيث كان مناطُ النقم شَرِّيَّةَ المنقوم حقيقةً أو اعتقاداً وكان مجردُ النقم غيرَ مفيد لشَرِّيته البتّةَ ، قيل : ( بشرَ ) من ذلك ولم يقُل : بأنقَمَ من ذلك تحقيقاً لشَرِّية ما سيُذكر وزيادةَ تقرير لها ، وقيل : إنما قيل ذلك لوقوعه في عبارة المخاطَبين حيث أتى نفرٌ من اليهود فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دينه فقال عليه الصلاة والسلام : « أُومنُ بالله وما أنزل إلينا » إلى قوله : { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } فحين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام قالوا : لا نعلم شراً من دينكم ، وإنما اعتَبَر الشَّرِّيةَ بالنسبة إلى الدين وهو منزَّه عن شائبةِ الشرّية بالكلية مجاراةً معهم على زعمهم الباطِلِ المنعقدِ على كمال شريتِه ليثبِتَ أن دينهم شرٌ من كل شر ، أي هل أخبركم بما هو شرٌّ في الحقيقة مما تعتقدونه شراً ، وإن كان في نفسه خيراً محضاً { مَثُوبَةً عِندَ الله } أي جزاءً ثابتاً في حكمه ، وقرىء ( مثوبةً ) وهي لغة فيها كمشورة ومشورة وهي مختصةٌ بالخير كما أن العقوبة مختصة بالشر ، وإنما وضعت هاهنا موضعها على طريقة قوله :
تحيةُ بينِهم ضَرْبٌ وجيعُ ... ونصبُها على التمييز من ( بشرّ ) وقوله عز وجل : { مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ } خبر لمبتدأ محذوفٍ بتقدير مضافٍ قبله مناسبٍ لما أشير إليه بكلمة ذلك أي : دينُ مَنْ لعنه الخ ، أو بتقدير مضافٍ قبلها مناسبٍ لمن ، أي بشرّ مِنْ أهل ذلك ، والجملة على التقديرين استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من الجملة الاستفهامية إما على حالها وهو الظاهرُ المناسب لسياق النظم الكريم ، وإما باعتبار التقدير فيها فكأنه قيل : ما الذي هو شرٌّ من ذلك؟ فقيل : هو دينُ مَنْ لعنه الله الخ ، أو قيل في السؤال : من ذا الذي هو شرٌّ من أهل ذلك؟ فقيل : هو مَنْ لعنه الله ، ووضع الاسمِ الجليلِ موضع الضمير لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة وتهويلِ أمر اللعن وما تبعه ، والموصولُ عبارةٌ عن المخاطبين حيث أبعدهم الله تعالى من رحمته وسخِط عليهم بكفرهم وانْهماكِهم في المعاصي بعد وضوح الآيات وسُنوحِ البينات .

(2/259)


{ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير } أي مسخ بعضَهم قردةً وهم أصحابُ السبْت وبعضَهم خنازيرَ وهم كفار مائدةِ عيسى عليه السلام ، وقيل : كلا المسخين في أصحاب السبْت مُسِخت شبانُهم قردةً وشيوخُهم خنازيرَ وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في ( منهم ) باعتبار معناه كما أن إفراد الضميرين الأولين باعتبار لفظه ، وإيثارُ وضعه موضعَ ضمير الخِطاب المناسب لأنبئكم للقصدِ إلى إثبات الشرِّية بما عُدّد في حيز صلتِه من الأمورِ الهائلة الموجبةِ لها على الطريقة البرهانية مع ما فيه من الاحتراز عن تهييج لَجاجِهم { وَعَبَدَ الطاغوت } عطف على صلة ( مَنْ ) وإفراد الضمير لما مر وكذا عُبد الطاغوتُ على قراءة البناء للمفعول ورفع الطاغوتَ وكذا عبد الطاغوت بمعنى صار معبوداً ، فالراجع إلى الموصول محذوف على القراءتين ، أي عُبد فيهم أو بينهم ، وتقديم أوصافِهم المذكورة بصدد إثباتِ شرّية دينِهم على وصفهم هذا مع أنه الأصلُ المستتبِعُ لها في الوجود وأن دلالته على شريته بالذات ، لأن عبادة الطاغوتِ عينُ دينهم البيّنِ البطلان ودلالتُها عليها بطريق الاستدلال بشرِّيَّة الآثار على شرِّية ما يوجبُها من الاعتقاد ، والعمل ، إما للقصد إلى تبكيتهم من أول الأمر بوصفهم بما لا سبيل لهم إلى الجحود لا بشرِّيته وفظاعته ولا باتصافهم به ، وإما للإيذان باستقلال كلَ من المقدم والمؤخر بالدلالة على ما ذكر من الشرِّية ، ولو روعيَ ترتيبُ الوجود ، وقيل : مَنْ عَبَدَ الطاغوتَ ولعنه الله وغضب عليه الخ ، لربما فهم أن علة الشرية هو المجموعُ ، وقد قرىء ( عابدَ الطاغوت ) وكذا ( عبِدَ الطاغوتِ ) بالإضافة على أنه نعتٌ كفطِنٍ ويقِظٍ ، وكذا ( عبدَةَ الطاغوتِ ) ، وكذا ( عبَدَ الطاغوتِ ) بالإضافة على أنه جمع عابد كخَدَمٍ ، أو على أن أصله ( عبدةَ ) حذفت تاؤه للإضافة ، بالنصب في الكل عطفاً على القردة والخنازير ، وقرىء ( عَبَدِ الطاغوتِ ) بالجر عطفاً على ( مَنْ ) بناءً على أنه مجرور بتقدير المضاف ، وقد قيل : إن ( مَنْ ) مجرور على أنه بدلٌ من شرَ على أحد الوجهين المذكورين في تقدير المضاف ، وأنت خبير بأن ذلك مع اقتضائه إخلأَ النظم الكريم عن المزايا المذكورة بالمرة مما لا سبيل إليه قطعاً ضرورةَ أن المقصود الأصلي ليس مضمونَ الجملة الاستفهامية بل هو كما مر مقدّمة سيقت أمام المقصود لهُزُؤ المخاطبين وتوجيه أذهانهم نحو تلقي ما يلقى إليهم عَقيبها بجملة خبرية موافقةٍ في الكيفية للسؤال الناشىء عنها وهو المقصودُ إفادتُه ، وعليه يدور ذلك الإلزام والتبكيتُ حسبما شُرح ، فإذا جُعل الموصولُ بما في حيز صلتِه من تتمة الجملة الاستفهامية فأين الذي يلقى إليهم عقيبها جواباً عما نشأ منها من السؤال ليحصُلَ به الإلزامُ والتبكيت؟ وأما الجملة الآتية فبمعزلٍ من صلاحية الجواب ، كيف لا ولا بد من موافقته في الكيفية للسؤال الناشىء عن الجملة الاستفهامية ، وقد عرفت أن السؤال الناشىءَ عنها يستدعي وقوعَ الشر من تتمة المخبَرِ عنه لا خبراً كما في الجملة المذكورة ، وسيتضح ذلك مزيدَ اتضاحٍ بإذن الله تعالى ، والمراد بالطاغوت العِجْلُ ، وقيل : هو الكهنة وكلُّ من أطاعوه في معصية الله عز وجل فيعم الحكمُ دينَ النصارى أيضاً ، ويتضح وجه تأخيرِ ذكرِ عبادتِه عن العقوبات المذكورة ، إذ لو قُدِّمت عليها لتُوُهِّم اشتراكُ الفريقين في تلك العقوبات ولما كان مآلُ ما ذُكرَ بصدر التبكيت أن ما هو شرٌّ مما نقَموه دينُهم أو أن من هو شرٌّ من أهل ما نقموه أنفسُهم بحسَب ما قدِّر من المضافين ، وكانت الشرِّيةُ على كلا الوجهين من تتمة الموضوع غيرَ مقصودة الإثبات لدينهم أو لأنفسهم عقِبَ ذلك بإثباتها لهم على وجهٍ يُشعر بعِلِّية ما ذُكر من القبائح لثبوتها لهم بجملةٍ مستأنَفةٍ مسوِّغةٍ من جهته سبحانه شهادةً عليهم بكمال الشرارة والضلال ، أو داخلةٍ تحت الأمر تأكيداً للإلزام وتشديداً للتبكيت فقيل : { أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً } فاسسمُ الإشارة عبارة عمن ذُكرتْ صفاتُهم الخبيثة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتِهم في الشرارة أي أولئك الموصوفون بتلك القبائح والفضائحِ شرٌّ مكانُهم ، جَعَلَ مكاناً شراً ليكونَ أبلغَ في الدلالة على شرارتهم ، وقيل : شر مكاناً أي مُنصَرَفاً { وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السبيل } عطف على شر ، مقرِّرٌ له أي أكثرُ ضلالاً عن الطريق المستقيم وفيه دلالة على كون دينهم شراً محضاً بعيداً عن الحق لأن ما يسلُكونه من الطريق دينُهم ، فإذا كانوا أضلَّ كان دينُهم ضلالاً مُبيناً لا غايةَ وراءه ، وصيغةُ التفضيل في الموضعين للزيادة مطلقاً لا بالإضافة إلى من يشاركهم في أصلِ الشرارة والضلال .

(2/260)


وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61)

{ وَإِذَا جَآؤُوكُم قَالُواْ ءامَنَّا } نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخُلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُظهرون له الإيمان نفاقاً ، فالخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والجمعُ للتعظيم ، أوْ له مَعَ مَنْ عنده من المسلمين ، أي إذا جاؤوكم أظهروا الإسلام { وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ } أي يخرجون من عندك ملتبسين بالكفر كما دخلوا ، لم يؤثِّرْ فيهم ما سمعوا منك ، والجملتان حالان من فاعل قالوا ، وبالكفر وبه حالان من فاعل دخلوا وخرجوا ، وقد وإن دخلت لتقريب الماضي من الحال ليصح أن يقع حالاً ، أفادت أيضاً بما فيها من معنى التوقع أن أمارات النفاق كانت لائحة ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يظنه ويتوقع أن يظهره الله تعالى ، ولذلك قيل : { والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ } أي من الكفر ، وفيه وعيد شديد لهم .

(2/261)


وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)

{ وَتَرَى } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن يصلُح للخطاب والرؤية بصرية { كَثِيراً مّنْهُمْ } من اليهود والمنافقين ، وقولُه تعالى : { يسارعون فِى الإثم } حال من كثيراً ، وقيل : مفعول ثانٍ والرؤيةُ قلبية ، والأول أنسبُ بحالهم وظهور نفاقهم ، والمسارعة المبادرة والمباشرة للشيء بسرعة ، وإيثار كلمة ( في ) على كلمة ( إلى ) الواقعة في قوله تعالى : { وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ } الخ ، لِما ذُكر في قوله تعالى : { فَتَرَى الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يسارعون فِيهِمْ } والمرادُ بالإثم الكذبُ على الإطلاق ، وقيل : الحرام ، وقيل : كلمةُ الشرك وقولُهم : عزيرٌ ابنُ الله ، وقيل : هو ما يختصُّ بهم من الآثام { والعدوان } أي الظلم المتعدي إلى الغير أو مجاوزة الحد في المعاصي { وَأَكْلِهِمُ السحت } أي الحرام ، خصه بالذكر مع اندراجه في الإثم للمبالغة في التقبيح { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي لبئس شيئاً كانوا يعملونه ، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار .
{ لَوْلاَ ينهاهم الربانيون والاحبار } قال الحسن : الربانيون علماء الإنجيل ، والأحبار علماء التوراة ، وقيل : كلهم في اليهود وهو تحضيضٌ للذين يقتديْ بهم أفناؤهم ويَعْلمون قَباحةَ ما هم فيه وسوءَ مغبَّته على نهْيِ أسافلِهم عن ذلك مع توبيخ لهم على تركه { عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت } مع علمهم بقبحهما ومشاهدتهم لمباشرتهم لهما { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } وهذا أبلغ مما قيل في حق عامتهم لما أن العمل لا يبلُغ درجة الصنع ما لم يتدرَّبْ فيه صاحبُه ولم يحصُلْ فيه مهارة تامة ، ولذلك ذَمَّ به خواصَّهم ، ولأن ترك الحسنة أقبحُ من مواقعة المعصية ، لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها ، ولا كذلك تركُ الإنكار عليها ، فكان جديراً بأبلغِ ذم ، وفيه مما ينعى على العلماء توانيهم في النهي عن المنكرات ما لا يخفى . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها أشد آية في القرآن ، وعن الضحاك : ما في القرآن آية أخوفُ عندي منها .
{ وَقَالَتِ اليهود } قال ابن عباس وعكرمة والضحاك : إن الله تعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالاً وأخصبَهم ناحيةً فلما عصَوا الله سبحانه بأن كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوه كف عنهم ما بسَطَ عليهم ، فعند ذلك قال فِنْحاصُ بنُ عازوراء : { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } وحيث لم ينكر عليه الآخرون ورضُوا به نُسبت تلك العظيمةُ إلى الكل كما يقال : بنو فلان قتلوا فلاناً ، وإنما القاتل واحدٌ منهم وأرادوا بذلك لعنهم الله أنه قال : مُمسك يقتِّر بالرزق ، فإن كلاًّ من غَلِّ اليد وبسْطِها مجازٌ عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يدٍ وغَلَ أو بسطٍ ، ألا يُرى أنهم يستعملونه حيث لا يتصور فيه ذلك كما في قوله :

(2/262)


جاد الحمى بَسْطَ اليدين بوابل ... شكَرتْ نداهُ تِلاعُه ووِهادُهُ
وقد سلك لبيدٌ المسلكَ السديد حيث قال :
وغداةِ ريحٍ قد شهِدْتُ وقَرَّة ... إذْ أصبَحَتْ بيد الشَّمال زِمامُها
فإنه إنما أراد بذلك إثباتَ القدرة التامة للشَّمال على التصرفِ في القَرَّة كيفما تشاء على طريقة المجاز من غير أن يخطُرَ بباله أن يثبِتَ لها يداً ولا للقرّة زماماً ، وأصله كناية فيمن يجوز عليه إرادة المعنى الحقيقي كما مر في قوله تعالى : { وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة } في سورة آل عمران ، وقيل : أرادوا ما حُكيَ عنهم بقوله تعالى : { لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } دعاء عليهم بالبخل المذموم والمسكَنة أو بالفقر والنَّكَد أو بغَلِّ الأيدي حقيقة ، بأن يكونوا أسارى مغلولين في الدنيا ويُسحبوا إلى النار بأغلالِها في الآخرة ، فتكون المطابقةُ حينئذ من حيث اللفظُ وملاحظةُ المعنى الأصلي كما في سبّني سبّ الله دابرَه { وَلُعِنُواْ } عطف على الدعاء الأول أي أُبعدوا من رحمة الله تعالى { بِمَا قَالُواْ } أي بسبب ما قالوا من الكلمة الشنعاء ، وقيل : كلاهما خبر .
{ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } عطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقامُ أي : كلاّ ليس كذلك بل هو في غاية ما يكونُ من الجود ، وإليه أُشير بتثنية اليد ، فإن أقصى ما ينتهي إليه هممُ الأسخياء أن يُعطوا ما يعطونه بكلتا يَدَيْهم ، وقيل : التثنية للتنبيه على منحه تعالى لنعمتي الدنيا والآخرة ، وقيل : على إعطائه إكراماً ، وعلى إعطائه استدراجاً { يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } جملة مستأنفة واردةٌ لتأكيدِه كمالَ وجوده وللتنبيه على سرِّ ما ابتلوا به من الضيق الذي اتخذوه من غاية جهلهم وضلالِهم ذريعةً إلى الاجتراء على تلك الكَفْرة العظيمة ، والمعنى أن ذلك ليس لقصور في فيضه ، بل لأن إنفاقه تابعٌ لمشيئته المبنيَّةِ على الحُكم التي عليها يدورُ أمرُ المعاش والمعاد ، وقد اقتضتِ الحكمةُ بسبب ما فيهم من شؤم المعاصي أن يضيِّقَ عليهم كما يشير إليه ما سيأتي من قوله عز وجل : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل } الآية ، و ( كيف ) ظرفٌ ليشاء ، والجملة في محل النصب على الحالية من ضمير ( ينفق ) أي ينفق كائناً على أي حال يشاء أي كائناً على مشيئته أي مريداً ، وتركُ ذكرِ ما ينفقه لقصد التعميم .
{ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم } وهم علماؤهم ورؤساؤهم { مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ } من القرآن المشتمل على الآيات ، وتقديمُ المفعول للاعتناء به ، وتخصيص الكثير منهم بهذا الحكم لِما أن بعضهم ليس كذلك { مِن رَبّكَ } متعلق بأنزل كما أن ( إليك ) كذلك ، وتأخيره عنه مع أن حق المبتدىء أن يتقدم على المنتهي لاقتضاء المقامِ الاهتمامَ ببيان المنتهي ، لأن مدار الزيادة هو النزولُ إليه عليه السلام كما في قوله تعالى : { وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء مَاء } والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام لتشريفه عليه السلام { طغيانا وَكُفْراً } مفعول ثان للزيادة أي ليزيدنهم طغياناً على طغيانهم وكفراً على كفرهم القديمين إما من حيث الشدةُ والغلوُّ وإما من حيث الكمُ والكثرة ، إذ كلما نزلت آية كفروا بها فيزداد طغيانُهم وكفرُهم بحسب المقدار كما أن الطعامَ الصالح للأصِحّاء يزيد المرضى مرضاً .

(2/263)


{ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ } أي بين اليهود ، فإن بعضَهم جبْريةٌ وبعضَهم قَدَرية وبعضهم مُرْجئة وبعضهم مشبِّهة { العداوة والبغضاء } فلا يكاد تتوافق قلوبُهم ولا تتطابق أقوالهم ، والجملة مبتدأةٌ مَسوقة لإزاحة ما عسى يُتوهَّمُ من ذكر طغيانهم وكفرهم من الاجتماع على أمرٍ يؤدِّي إلى الإضرار بالمسلمين ، قيل : العداوة أخصُّ من البغضاء ، لأن كل عدوَ مبغضٌ بلا عكسٍ كليَ { إلى يَوْمِ القيامة } متعلق بألقينا وقيل : بالبغضاء .
{ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله } تصريح بما أشير إليه من عدم وصول غائلةِ ما هم فيه إلى المسلمين ، أي كلما أرادوا محاربة الرسول عليه الصلاة والسلام ورتبوا مبادِيَها وركِبوا في ذلك متنَ كلِّ صعب وذَلولٍ ردهم الله تعالى وقهرهم ، أو كلما أرادوا حرب أحد غُلبوا ، فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلّط الله تعالى عليهم بُخْتَ نَصَّرَ ، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرُسَ الروميّ ، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين ، و ( للحرب ) إما صلةٌ لأوقدوا أو متعلق بمحذوف وقع صفةً ( لناراً ) ، أي كائنة للحرب { وَيَسْعَوْنَ فِى الارض فَسَاداً } أي يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله وإثارةِ الشر والفتنة فيما بينهم مما يُغايرُ ما عبَّر عنه بإيقاد نارِ الحرب ، و ( فساداً ) إما مفعول له أو في موقع المصدر أي يسعون للفساد أو يسعون سعي فساد { والله لاَ يُحِبُّ المفسدين } ولذلك أطفأ ثائرةَ إفسادهم ، واللام إما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً ، وإما للعهد ، ووضعُ المُظْهَرِ مَقام الضمير للتعليل وبيانِ كونِهم راسخين في الإفساد .

(2/264)


وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)

{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب } أي اليهود والنصارى ، على أن المراد بالكتاب الجنسُ المنتظمُ للتوراة والإنجيل ، وإنما ذكروا بذلك العنوان تأكيداً للتشنيع ، فإنّ أهليةَ الكتاب توجب إيمانهم به ، وإقامتَهم له لا محالة ، فكفرُهم به وعدمُ إقامتهم له وهم أهلُه أقبحُ من كل قبيح وأشنعُ من كل شنيع ، فمفعول قوله تعالى : { ءامَنُواْ } محذوف ثقةً بظهوره مما سبَقَ من قوله تعالى : { هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون } وما لَحِقَ من قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة } الخ ، أي لو أنهم مع صدور ما صدَرَ عنهم من فنون الجنايات قولاً وفعلاً آمنوا بما نُفِيَ عنهم الإيمانُ به فيندرج فيه فرضُ إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما إرادةُ إيمانهم به عليه السلام خاصة فيأباها المقام ، لأن ما ذُكر فيما سبَقَ وما لَحِق من كفرهم به عليه السلام إنما ذُكر مشفوعاً بكفرهم بكتابِهم أيضاً قصداً إلى الإلزام والتبكيت ببيان أن الكفرَ به عليه الصلاة والسلام مستلزمٌ للكفر بكتابهم ، فحملُ الإيمانِ هاهنا على الإيمان به عليه السلام خاصة مُخِلٌّ بتجاوُب أطرافِ النظم الكريم . { واتقوا } ما عدَدْنا من معاصيهم التي من جملتها مخالفةُ كتابهم { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سيئاتهم } التي اقترفوها وإن كانت في غاية العِظَم ونهايةِ الكثرة ولم نؤاخِذْهم بها { ولادخلناهم } مع ذلك { جنات النعيم } وتكريرُ الام لتأكيدِ الوعد ، وفيه تنبيه على كمال عِظَم ذنوبهم وكثرةِ معاصيهم وأن الإسلام يجبُّ ما قبله من السيئات وإن جلَّتْ وجاوزت كلَّ حدَ معهود .
{ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل } بمراعاة ما فيهما من الأحكام التي من جملتها شواهدُ نبوةِ النبي صلى الله عليه وسلم ومبشراتُ بِعثتِه ، فإن إقامتهما إنما تكون بذلك لا بمراعاة جميع ما فيهما من الأحكام لانتساخِ بعضِها بنزول القرآن فليست مراعاةُ الكلِّ من إقامتهما في شيء { وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ } من القرآن المجيد المصدِّق لكتبهم ، وإيرادُه بهذا العنوان للإيذان بوجوب إقامته عليهم لنزوله إليهم ، وللتصريح ببطلان ما كانوا يدّعونه من عدم نزوله إلى بني إسرائيل ، وتقديمُ ( إليهم ) لما مر من قبل ، وفي إضافة الرب إلى ضمير ( هم ) مزيدُ لطف بهم في الدعوة إلى الإقامة ، وقيل : المراد بما أنزل إليهم كتبُ أنبياءِ بني إسرائيل مثلُ كتاب ( شعياء ) وكتاب ( حبقوق ) وكتاب ( دانيال ) فإنها مملوءة بالبشارة بمبعثه صلى الله عليه وسلم { لاَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } أي لوسَّع عليهم أرزاقَهم بأن يُفيض عليهم بركاتِ السماء والأرض ، أو بأن يكثر ثمراتِ الأشجار وغلالَ الزروع أو بأن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار فيجتنوا ما تهدّل منها من رؤوس الأشجار ويلتقطوا ما تساقط منها على الأرض ، وقيل : المراد المبالغة في شرح السَّعَة والخِصْب لا تعيينُ الجهتين ، كأنه قيل : لأكلوا من كل جهة ، ومفعول ( أكلوا ) محذوف بقصد التعميم ، أو للقصد إلى نفس الفعل كما في قوله : فلان يعطي ويمنع ، و ( مِنْ ) في الموضعين لابتداء الغاية وفي هاتين الشرطيتين من حثِّهم على ما ذكر من الإيمان والتقوى والإقامةِ بالوعد بنيل سعادة الدارين وزجرِهم عن الإخلال به بما ذُكر ببيان إفضائِه إلى الحِرْمان عنها وتنبيههم على أن ما أصابهم من الضنك والضيق إنما هو من شؤم جناياتهم لا لقصورٍ في فيض الفياض ما لا يخفى .

(2/265)


{ مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ } جملة مستأنَفةٌ مبنيّةٌ على سؤال نشأ من مضمون الجملتين المصدّرتين بحرف الامتناع الدالتين على انتفاء الإيمان والاتقاءِ وإقامةِ الكتب المُنْزلة من أهل الكتاب ، كأنه قيل : هل كلُّهم كذلك مصرّون على عدم الإيمان؟ الخ ، فقيل : ( منهم أمة مقتصدة ) إما على أن ( منهم ) مبتدأ باعتبار مضمونه أي بعضهم أمة ، وإما بتقدير الموصوف أي بعضٌ كائنٌ منهم كما مر في قوله تعالى : { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله } الآية ، أي طائفة معتدلة وهم المؤمنون منهم كعبد اللَّه بنِ سلام وأضرابِه ، وثمانيةٌ وأربعون من النصارى ، وقيل : طائفة حالُهم أَممٌ في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ } مبتدأ لتخصُّصِه بالصفة خبرُه { سَاء مَا يَعْمَلُونَ } أي مقولٌ في حقهم هذا القولُ ، أي بئسما يعملون وفيه معنى التعجب أي ما أسوأ عملَهم من العِناد والمكابرةِ وتحريفِ الحق والإعراض عنه ، والإفراطِ في العداوة ، وهم الأجلافُ المتعصِّبون ككعبِ بن الأشرف وأشباهه والروم .

(2/266)


يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)

{ يأيها الرسول } نودي عليه السلام بعنوان الرسالة تشريفاً له وإيذاناً بأنها من موجبات الإتيان بما أُمر به من تبليغ ما أُوحِيَ إليه { بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } أي جميع ما أنزل إليك من الأحكام وما يتعلق بها كائناً ما كان ، وفي قوله تعالى : { مِن رَبّكَ } أي مالِكِ أمورِك ومبلِّغِك إلى كمالك اللائقِ بك ، عِدَةٌ ضِمْنية بحفظه عليه السلام وكَلاءته ، أي بلِّغْه غيرَ مراقِبٍ في ذلك أحداً ولا خائف أن ينالك مكروهٌ أبداً { وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ } ما أُمرت به من تبليغ الجميع بالمعنى المذكور كما ينبىء عنه قوله تعالى : { فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } فإن ما لا تتعلق به الأحكامُ أصلاً من الأسرار الخفية ليست مما يُقصَدُ تبليغه إلى الناس ، أي فما بلغت شيئاً من رسالته وانسلخْتَ مما شَرُفتَ به من عنوان الرسالة بالمرة ، لِما أن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض ، فإذا لم تؤدِّ بعضها فكأنك أغفلتَ أداءَها جميعاً كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها ، لإدلاء كلَ منها بما يُدليه غيرها ، وكونُها لذلك في حكم شيءٍ واحد ، ولا ريب في أن الواحد لا يكونُ مُبلَّغاً غيرَ مبلَّغٍ مؤمَناً به غيرَ مؤمَنٍ به ، ولأن كتمان بعضها إضاعةٌ لما أُدِّيَ منها كترك بعض أركان الصلاة فإن عرضَ الدعوة ينتقض بذلك ، وقيل : فكأنك ما بلغت شيئاً منها كقوله تعالى : { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً } من حيث أن كتمان البعض والكل سواءٌ في الشناعة واستجلاب العقاب ، وقرىء ( فما بلغت رسالاتي ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن كتمتَ آيةً لم تبلِّغْ رسالاتي ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بعثني الله برسالاته فضِقْتُ بها ذرعاً فأوحَى الله إلي إنْ لم تبلِّغْ رسالاتي عذبتُك وضمِن لي العصمة فقوِيْتُ » وذلك قوله تعالى : { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } فإنه كما ترى عِدَةٌ كريمةٌ بعصمته من لُحوق ضررهم بروحه العزيزِ باعثةٌ له عليه السلام على الجِدّ في تحقيق ما أمر به من التبليغ غيرَ مكترثٍ بعداوتهم وكيدهم . وعن أنس رضي الله عنه أنه عليه السلام كان يُحرَسُ حتى نزلت فأخرج رأسَه من قُبّةٍ أَدَمٍ فقال : « انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس » وقوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين } تعليل لعصمته تعالى له عليه السلام أي لا يمكنهم مما يريدون بك من الإضرار ، وإيرادُ الآية الكريمة في تضاعيف الآيات الواردة في حق أهل الكتاب لِما أن الكل قوارعُ يسوء الكفارَ سماعُها ، ويشُقّ على الرسول صلى الله عليه وسلم مشافهتُهم بها ، وخصوصاً ما يتلوها من النصِّ الناعي عليهم كمالَ ضلالتهم ولذلك أعيد الأمر فقيل :

(2/267)


قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)

{ قُلْ ياأهل الكتاب } مخاطِباً الفريقين { لَسْتُمْ على شَىْء } أيْ دينٍ يُعتدّ به ويليق بأن يسمى شيئاً لظهور بُطلانه ووضوح فساده ، وفي هذا التعبير من التحقير والتصغير ما لا غايةَ وراءه { حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل } أي تراعوهما وتحافظوا على مافيهما من الأمور التي من جملتها دلائلُ رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وشواهدُ نبوته ، فإن إقامتهما إنما تكون بذلك ، وأما مراعاة أحكامهما المنسوخةِ فليست من إقامتهما في شيء ، بل هي تعطيل لهما وردٌّ لشهادتهما ، لأنهما شاهدان بنسخها وانتهاءِ وقت العمل بها ، لأن شهادتهما بصحة ما ينسخها شهادةٌ بنسخها وخروجها عن كونها من أحكامهما ، وأن أحكامهما ما قرره النبي الذي بشَّرَ فيهما ببعثه ، وذُكر في تضاعيفهما نعُوتُه ، فإذن إقامتُهما بيانُ شواهدِ النبوة والعملُ بما قررته الشريعة من الأحكام كما يُفصح عنه قوله تعالى : { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبّكُمْ } أي القرآن المجيد بالإيمان به ، فإن إقامة الجميع لا تتأتَّى بغير ذلك ، وتقديمُ إقامةِ الكتابين على إقامته مع أنها المقصودةُ بالذات لرعاية حقِّ الشهادة واستنزالِهم عن رتبة الشِّقاق ، وإيرادُه بعنوان الإنزال إليهم لما مرّ من التصريح بأنهم مأمورون بإقامته والإيمان به لا كما يزعُمون من اختصاصه بالعرب ، وفي إضافة الربِّ إلى ضميرهم ما أشير إليه من اللطف في الدعوة ، وقيل : المراد بما أُنزل إليهم كتبُ أنبياءِ بني إسرائيلَ كما مر ، وقيل : الكتبُ الإلهية فإنها بأسرها آمرةٌ بالإيمان لمن صدَّقَتْه المعجزةُ ناطقةٌ بوجوب الطاعة له . رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن جماعةً من اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألست تقرأ أن التوراة حقٌّ من عند الله تعالى؟ فقال عليه السلام : «بلى» ، فقالوا : فإنا مؤمنون بها ولا نؤمنُ بغيرها فنزلت ، قوله تعالى : { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً } جملة مستأنَفةٌ مبيِّنةٌ لشدة شكيمَتِهم وغُلوِّهم في المكابرة والعناد وعدمِ إفادة التبليغ نفعاً ، وتصديرُها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيق مدلولِها ، والمرادُ بالكثير المذكور علماؤهم ورؤساؤهم ، ونسبةُ الإنزال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسبته فيما مر إليهم للإنباء عن انسلاخِهم عن تلك النسبة { فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين } أي لا تتأسف ولا تحزن عليهم لإفراطهم في الطغيان والكفر بما تُبلّغه إليهم ، فإن غائلتَه آيلةٌ إليهم وتبِعَتَه حائقةٌ لا تتخطاهم ، وفي المؤمنين مندوحةٌ لك عنهم ، ووضعُ المُظْهر موضعَ المُضمَرِ للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر .

(2/268)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)

{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } كلام مستأنَفٌ مسوق لترغيب مَنْ عدا المذكورين في الإيمان والعمل الصالح أي الذين آمنوا بألسنتهم فقط وهم المنافقون ، وقيل : أعمُّ من أن يُواطِئَها قلوبُهم أو لا { والذين هَادُواْ } أي دخلوا في اليهودية { والصابئون والنصارى } جمعُ نَصْرانَ وقد مر تفصيله في سورة البقرة ، وقوله تعالى : { والصابئون } رفع على الابتداء وخبرُه محذوف والنيةُ به التأخرُ عما في حيّز إنّ والتقدير إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمُهم كيتَ وكيتَ والصابئون كذلك كقوله :
فإني وقيارٌ بها لغريبُ ... وقوله :
وإلا فاعلموا أَنّا وأنتم ... بُغاةٌ ما بقِينا في شقاق
خلا أنه وسَطٌ بين اسْمِ إن وخبرِها دلالةً على أن الصابئين مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلِّها حيث قُبلت توبتُهم إن صحَّ منهم الإيمانُ والعملُ الصالح ، فغيرُهم أولى بذلك ، وقيل : الجملة الآتية خبرٌ للمبتدأ المذكور ، وخبرُ إن مقدر كما في قوله :
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأْيُ مختلِفُ
وقيل : ( النصارى ) مرفوعٌ على الابتداء كقوله تعالى : { والصابئون } ، عطفاً عليه وهو مع خبره عطفٌ على الجملة المصدَّرة بإن ولا مَساغَ لعطفه وحده على محل إن واسمها لاشتراط ذلك بالفراغ عن الخبر وإلا لارتفع الخبر بإن والابتداء معاً ، واعتُذر عنه بأن ذلك إذا كان المذكورُ خبراً لهما ، وأما إذا كان خبرُ المعطوف محذوفاً فلا محذورَ فيه ولا على الضمير في هادوا لعدم التأكيد والفصل ، ولاستلزامه كونَ الصابئين هُوداً ، وقرىء ( والصابيون ) بياء صريحةٍ بتخفيف الهمزة ، وقرىء ( والصابون ) وهو من صبا يصبو لأنهم صبَوْا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ، وقرىء ( والصابئين ) ، وقرىء يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ، وقوله تعالى : { مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الاخر وَعَمِلَ صالحا } إما في محل الرفع على أنه مبتدأ خبره { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ، وجمع الضمائر الأخيرة باعتبار معنى الموصول كما أن إفرادَ ما في صلته باعتبار لفظه ، والجملة خبر إن والعائد إلى اسمها محذوف ، أي من آمن منهم ، وإما في محل النصب على أنه بدل من اسم إن وما عُطف عليه ، والخبر قوله تعالى : { فَلاَ خَوْفٌ } والفاء كما في قوله عز وعلا : { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } الآية ، فالمعنى على تقديم كون المراد بالذين آمنوا المنافقين وهو الأظهر أي من أحدث من هذه الطوائف إيماناً خالصاً بالمبدأ والمَعادِ على الوجه اللائق لا كما يزعمه أهل الكتاب فإن ذلك بمعزل من أن يكون إيماناً بهما ، وعمل عملاً صالحاً حسبما يقتضيه الإيمانُ بهما فلا خوف عليهم حين يخاف الكفارُ العقابَ ولا هم يحزنون حيث يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب ، والمراد بيانُ دوام انتفائهما لا بيانُ انتفاء دوامهما كما يوهمُه كونُ الخبر في الجملة الثانية مضارعاً لما مر مراراً لأن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام ، وأما على تقدير كون المراد بالذين آمنوا مطلقَ المتدينين بدين الإسلام المخلِصين منهم والمنافقين ، فالمرادُ بمن آمن من اتصف منهم بالإيمان الخالص بالمبدأ والمَعادِ على الإطلاق سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه كما هو شأن المخلصين أو بطريق إحداثه وإنشائه كما هو حالُ من عداهم من المنافقين وسائر الطوائف ، وفائدةُ التعميم للمخلصين المبالغةُ في ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به غيرُ مُخلَ بكونهم أسوةً لأولئك الأقدمين الأعلام ، وأما ما قيل : المعنى من كان منهم في دينه قبل أن يُنسَخَ مصدِّقاً بقلبه بالمبدأ أو المعاد عاملاً بمقتضى شرعه فمما لا سبيل إليه أصلاً كما مر تفصيله في سورة البقرة .

(2/269)


لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)

{ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إسراءيل } كلام مبتدأٌ مَسوق لبيان بعضٍ آخرَ من جناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم أي بالله لقد أخذنا ميثاقهم بالتوحيد وسائر الشرائع والأحكام المكتوبة عليهم في التوراة . { وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً } ذوي عددٍ كثير وأولي شأنٍ خطير ليقرِّروهم على مراعاة حقوق الميثاق ويُطْلعوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم ويتعهدوهم بالعظة والتذكير ، وقوله تعالى : { كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنفُسُهُمْ } جملة شرطيةٌ مستأنَفةٌ وقعت جواباً عن سؤال نشأ من الإخبار بأخذ الميثاق وإرسال الرسل ، وجواب الشرط محذوف ، كأنه قيل : فما فعلوا بالرسل؟ فقيل : كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تُحبه أنفسُهم المنهمكةُ في الغيِّ والفساد من الأحكام الحَقّة والشرائعِ عَصَوْه وعادَوْه ، وقوله تعالى : { فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ } جواب مستأنَفٌ عن استفسار كيفية ما أظهروه من آثار المخالفة المفهومة من الشرطية على طريقة الإجمال كأنه قيل : كيف فعلوا بهم؟ فقيل : فريقاً منهم كذبوهم من غير أن يتعرضوا لهم بشيء آخرَ من المَضارِّ وفريقاً آخر منهم لم يكتفوا بتكذيبهم بل قتلوهم أيضاً ، وإنما أُوثر عليه صيغة المضارع على حكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها الهائلة للتعجيب منها وللتنبيه على أن ذلك دَيْدنُهم المستمرُّ ، وللمحافظة على رؤوس الآي الكريمة ، وتقديم فريقاً في الموضعين للاهتمام به وتشويق السامع إلى ما فعلوا به لا للقصر هذا ، وأما جعلُ الشرطية صفةً ( لرسلاً ) كما ذهب إليه الجمهور فلا يساعده المقام أصلاً ضرورةَ أن الجملة الخبرية إذا جُعلتْ صفةً أو صلةً يُنسخ ما فيها من الحكم وتُجعل عنواناً للموصوف تتمةً له في إثباتِ أمرٍ آخَرَ له ولذلك يجب أن يكون الوصفُ معلومَ الانتساب إلى الموصوف عند السامع قبل جعله وصفاً له ، ومن هاهنا قالوا : إن الصفاتِ قبل العلم بها أخبارٌ ، والأخبارُ بعد العلم بها أوصافٌ ، ولا ريب في أن ما سبق له النظم إنما هو بيانُ أنهم جعلوا كل من جاءهم من رسل الله تعالى عُرضةً للقتل أو التكذيب حسبما يفيده جعلُها استئنافاً على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه ، لا بيانُ أنه تعالى أرسل إليهم رسلاً موصوفين بكون كل منهم كذلك كما هو مقتضى جعلِها صفةً .

(2/270)


وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)

{ وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي حسِب بنو إسرائيلَ أن لا يصيبَهم من الله تعالى بما أتَوْا من الداهية الدهياء والخُطة الشنعاء بلاءٌ وعذاب ، وقرىء ( لا تكونُ ) بالرفع على أنّ أنْ هي المخففة من أنّ ، واسمها ضمير الشأن المحذوف ، وأصله أنه لا تكون فتنةٌ ، وتعليقُ فعل الحُسْبان بها وهي للتحقيق لتنزيله منزلة العلم لكمال قوته ، و ( أن ) بما في حيِّزها سادٌّ مَسدَّ مفعوليه .
{ فَعَمُواْ } عطف على ( حسِبوا ) والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها أي أمِنوا بأسَ الله تعالى فتمادَوْا في فُنون الغيِّ والفساد وعمُوا عن الدين بعد ما هداهم الرسلُ إلى معالمه الظاهرة وبينوا لهم مناهجه الواضحة { وَصَمُّواْ } عن استماع الحق الذي ألقَوْه عليهم ولذلك فعلوا بهم ما فعلوا ، وهذا إشارة إلى المرة الأولى من مرّتَيْ إفساد بني إسرائيلَ حين خالفوا أحكام التوراة وركِبوا المحارم وقتلوا شعياء ، وقيل : حبسوا أرمياء عليهما السلام لا إلى عبادتهم العجلَ كما قيل ، فإنها وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمَى والصمَم لكنها في عصر موسى عليه السلام ، ولا تعلُّقَ لها بما حُكي عنهم مما فعلوا بالرسل الذين جاؤوهم بعده عليه السلام بأعصار { ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ } حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد بعد ما كانوا ببابلَ دهراً طويلاً تحت قهر بُخْتَ نَصَّرَ أسارى في غاية الذل والمهانة فوجه الله عز وجل ملكاً عظيماً من ملوك فارسَ إلى بيت المقدس ليعمُرَه ونجّى بقايا بني إسرائيل من أسر بختَ نصَّرَ بعد مهلكه وردَّهم إلى وطنهم وتراجَعَ من تفرق منهم في الأكناف فعَمَروه ثلاثين سنة فكثُروا وكانوا كأحسنَ ما كانوا عليه ، وقيل : لما ورث بَهْمنُ بنُ اسفنديارَ المُلك من جدِّه كستاسُفَ ألقى الله عز وجل في قلبه شفقة عليهم فردهم إلى الشام وملّك عليهم دانيال عليه السلام ، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختَ نصّر فقامت فيهم الأنبياءُ فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه من الحال ، وذلك قوله تعالى : { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ } وأما ما قيل من أن المراد قبولُ توبتهم عن عبادة العجل فقد عرفت أن ذلك لا تعلُّق له بالمقام ولم يُسنِد التوبةَ إليهم كسائر أحوالهم من الحُسبان والعمَى والصمم تجافياً عن التصريح بنسبة الخير إليهم وإنما أشير إليها في ضمن بيان توبته تعالى عليهم تمهيداً لبيان نقضهم إياها بقوله تعالى : { ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ } وهو إشارة إلى المرة الآخرة من مرّتيْ إفسادهم وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيى وقصدُهم قتلَ عيسى عليهم السلام لا إلى طلبهم الرؤية كما قيل لِما عرفت سره ، فإن فنون الجناياتِ الصادرةِ عنهم لا تكاد تتناهى خلا أن انحصار ما حُكي عنهم هاهنا في المرتين وترتّبه على حكاية ما فعلوا بالرسل عليهم السلام يقضي بأن المراد ما ذكرناه والله عنده علم الكتاب ، وقرىء ( عُموا وصُمّوا ) بالضم على تقدير أعماهم الله وصمهم أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم ، كما يقال : نَزَكتَهُ إذا ضربتَه بالنَّيْزَك ورَكَبتَهُ إذا ضربتَه بركبتك ، وقوله تعالى : { كَثِيرٌ مّنْهُمْ } بدل من الضمير في الفعلين ، وقيل : خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم .

(2/271)


{ والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } أي بما عملوا ، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضاراً لصورتها الفظيعة ورعايةً للفواصل ، والجملة تذييلٌ أشير به إلى بطلان حُسْبانهم المذكور ووقوع العذاب من حيث لم يحتسبوا ، إشارةٌ إجمالية اكتُفيَ بها تعويلاً على ما فُصِّل نوع تفصيل في سورة بني إسرائيلَ ، والمعنى حسبوا أن لا يصيبهم عذابٌ ففعلوا ما فعلوا من الجنايات العظيمة المستوجبة لأشد العقوبات والله بصيرٌ بتفاصيلها فكيف لا يؤاخذهم بها؟ ومن أين لهم ذلك الحسبانُ الباطل؟ ولقد وقع ذلك في المرة الأولى حيث سلط الله تعالى عليهم بُخْتَ نصَّر عامل لهراسِبَ على بابل ، وقيل : جالوتَ الجزري ، وقيل : سنجاريبَ من أهل نينوى ، والأول هو الأظهر فاستولى على بيت المقدس فقتل من أهله أربعين ألفاً ممن يقرأ التوراة ، وذهب بالبقية إلى أرضه فبقُوا هناك على أقصى ما يكون من الذل والنكد إلى أن أحدثوا توبةً صحيحة ، فردهم الله عز وجل إلى ما حكي عنهم من حسنِ الحال ، ثم عادوا إلى المرة الآخرة من الإفساد ، فبعث الله تعالى عليهم الفرسَ فغزاهم ملكُ بابلَ من ملوك الطوائف اسمُه خيدرود ، وقيل : خيدروس ، ففعل بهم ما فعل ، قيل : دخل صاحب الجيش مذبحَ قرابينهم فوجد فيه دماً يغلي فسألهم ، فقالوا : دمُ قربانٍ لم يقبل منا ، فقال : ما صَدَقوني ، فقتل عليه ألوفاً منهم ، ثم قال : إن لم تصدُقوني ما تركت منكم أحداً ، فقالوا : إنه دمُ يحيى عليه السلام ، فقال : بمثل هذا ينتقم الله منكم ، ثم قال : يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومَك من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل ألا أبقيَ أحداً منهم ، فهدأ .

(2/272)


لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)

{ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ } شروع في تفصيل قبائح النصارى وإبطالِ أقوالهم الفاسدة بعد تفصيل قبائح اليهود ، وهؤلاء هم الذين قالوا : إن مريم وَلَدت إلها ، قيل : هم الملكانية والمار يعقوبية منهم ، وقيل : هم اليعقوبية خاصة ، قالوا : ومعنى هذا أن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذاته ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
{ وَقَالَ المسيح } حال من فاعل قالوا بتقدير قد ، مفيدةٌ لمزيد تقبيحِ حالهم ببيان تكذيبهم للمسيح وعدم انزجارِهم عما أصروا عليه بما أوعدهم به ، أي قالوا ذلك ، وقد قال المسيح مخاطباً لهم : { المسيح يَابَنِى إسراءيل اعبدوا الله رَبّى وَرَبَّكُمْ } فإني عبدٌ مربوبٌ مثلُكم ، فاعبدوا خالقي وخالقَكم { إٍِنَّهُ } أي الشأن { مَن يُشْرِكْ بالله } أي شيئاً في عبادته أو فيما يختص به من صفات الألوهية { فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة } فلن يدخلها أبداً ، كما لا يصل المحرم عليه إلى المحرم ، فإنها دار الموحدين ، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتهويل الأمر وتربية المهابة { وَمَأْوَاهُ النار } فإنها هي المعدّة للمشركين ، وهذا بيان لابتلائهم بالعقاب إثرَ بيانِ حرمانِهم الثوابَ .
{ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } أي ما لهم من أحد ينصُرهم بإنقاذهم من النار ، إما بطريق المغالبة أو بطريق الشفاعة ، والجمع لمراعاة المقابلة بالظالمين ، واللام إما للعهد والجمع باعتبار معنى ( مَنْ ) كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها ، وإما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً ، ووضعه على الأول موضع الضمير للتسجيل عليهم بأنهم ظلموا بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق ، والجملة تذييل مقرر لما قبله ، وهو إما من تمام كلام عيسى عليه السلام ، وإما واردٌ من جهته تعالى تأكيداً لمقالته عليه السلام ، وتقريراً لمضمونها ، وقد قيل : إنه من كلامه عز وجل على معنى أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما تقوّلوا على عيسى عليه السلام ، فلذلك لم يساعدْهم عليه ولم ينصُرْ قولهم ، ورده وأنكره ، وإن كانوا معظِّمين له بذلك ، ورافعين من مقداره . أو من قول عيسى عليه السلام على معنى لا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبُعْده عن المعقول ، وأنت خبير بأن التعبيرَ عما حُكي عنه عليه السلام من مقابلته لقولهم الباطل بصريح الرد والإنكار ، والوعيد بحرمان الجنة ودخول النار بمجرد عدم مساعدته على ذلك ، ونفْي نُصْرته له ، مع خُلوِّه عن الفائدة تصويرٌ للقوي بصورة الضعيف وتهوين للخطب في مقام تهويله ، بل ربما يوهم ذلك بحسب الظاهر ما لا يليق بشأنه عليه السلام من توهم المساعدةِ والنُصرة ، لا سيما مع ملاحظة قوله : وإن كانوا معظمين له الخ ، إلا أن يحمل الكلامُ على التهكم بهم ، وكذا الحالُ على تقدير كونه من تمام كلامِه عليه السلام ، فإن زجْرَه عليه السلام إياهم عن قولهم الفاسد بما ذُكر من عدم الناصرِ والمساعدِ بعد زجره إياهم بما مر من الرد الأكيدِ والوعيدِ الشديد بمعزِلٍ من الإفادة والتأثير ، ولا سبيل هاهنا إلى الاعتذار بالتهكم .

(2/273)


لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)

{ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة } شروع في بيان كفر طائفةٍ أخرى منهم ، ومعنى قولهم : ثالثُ ثلاثةٍ ورابع أربعة ونحو ذلك أحدُ هذه الأعداد مطلقاً لا الثالثُ والرابعُ خاصة ، ولذلك منع الجمهور أن ينصِبَ ما بعده بأن يقال : ثالثٌ ثلاثةً ورابعٌ أربعةً ، وإنما ينصبه إذا كان ما بعده دونه بمرتبة ، كما في قولك : عاشرٌ تسعةً وتاسعٌ ثمانيةً ، قيل : إنهم يقولون إن الإلهية مشتركة بين الله سبحانه وتعالى وعيسى ومريم ، وكلُّ واحد من هؤلاء إله ، ويؤكده قوله تعالى : { قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ } فقوله تعالى : { ثالث ثلاثة } أي أحد ثلاثةِ آلهة ، وهو المتبادر من ظاهر قوله تعالى : { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد } أي والحال أنه ليس في الوجود ذاتُ واجبٍ مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأُ جميعِ الموجودات إلا إله موصوفٌ بالوحدانية متعالٍ عن قَبول الشِرْكة ، و ( مِنْ ) مزيدة للاستغراق ، وقيل : إنهم يقولون : الله جوهرٌ واحدٌ ثلاثةُ أقانيمَ ، أقنومُ الأب وأقنومُ الابن وأقنومُ روح القدس ، وإنهم يريدون بالأول الذات وقيل : الوجود ، وبالثاني العِلْم ، وبالثالث الحياة ، فمعنى قوله تعالى : { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد } إلا إله واحد بالذات ، منزه عن شائبةِ التعدد بوجهٍ من الوجوه .
{ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ } من الكفر الشنيع ولم يوحّدوا ، وقوله تعالى : { لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ } جوابُ قسمٍ محذوف سادٌّ مسد جواب الشرط ، أي وبالله إن لم ينتهوا ليمسنهم ، وإنما وُضع موضعَ ضميرِهم الموصولُ لتكرير الشهادة عليهم بالكفر ( فمن ) ، في قوله تعالى : { مِنْهُمْ } بيانية ، أي ليمسن الذين بقُوا منهم على ما كانوا عليه من الكفر فمن تبعيضية ، وإنما جيء بالفعل المنبىء عن الحدوث تنبيهاً على أن الاستمرار عليه بعد ورود ما ينحى عليه بالقلع عن نص عيسى عليه السلام وغيره كفرٌ جديد وغلوٌّ زائد على ما كانوا عليه من أصل الكفر { عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي نوع شديد الألم من العذاب ، وهمزة الاستفهام في قوله تعالى :

(2/274)


أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)

{ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ } لإنكار الواقع واستبعاده لا لإنكار الوقوع ، وفيه تعجيب من إصرارهم ، والفاء للعطف على مقدَّر يقتضيه المقام ، أي ألا ينتهون عن تلك العقائد الزائغة والأقاويل الباطلة؟ أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عما نسبوه إليه من الاتحاد والحلول؟ فمدارُ الإنكار والتعجيب عدمُ الانتهاء وعدم التوبة معاً ، أو أيَسْمعون هذه الشهاداتِ المكررة والتشديدات المقررة فلا يتوبون عقِب ذلك ، فمدارُهما عدم التوبة عَقيبَ تحقُّق ما يوجبها من سماع تلك القوارع الهائلة ، وقوله عز وجل : { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } جملة حالية من فاعل يستغفرونه مؤكِّدةٌ للإنكار والتعجيب من إصرارهم على الكفر وعدم مسارعتهم إلى الاستغفار ، أي والحال أنه تعالى مبالِغٌ في المغفرة فيغفرُ لهم عند استغفارهم ويمنحهم من فضله .
{ مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ } استئناف مَسوقٌ لتحقيق الحق الذي لا محيد عنه ، وبيانِ حقيقة حاله عليه السلام وحالِ أمه بالإشارة أولاً إلى أشرفِ ما لهما من نعوت الكمال التي بها صارا من زمرة أكمل أفراد الجنس ، وآخراً إلى الوصف المشترك بينهما وبين جميع أفرادِ البشر ، بل أفرادِ الحيوان استنزالاً لهم بطريق التدريج عن رتبة الإصرار على ما تقوّلوا عليهما وإرشاداً لهم إلى التوبة والاستغفار ، أي هو مقصور على الرسالة لا يكاد يتخطاها ، وقوله تعالى : { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل } صفة لرسول مُنْبئة عن اتصافه بما ينافي الألوهية . فإن خلو الرسل السالفة عليهم السلام منذر بخلوِّه المقتضي لاستحالة ألوهيته أي ما هو إلا رسول كالرسل الخالية من قبله خصه الله تعالى ببعضٍ من الآيات كما خص كلاًّ منهم ببعضٍ آخرَ منها ، فإنْ أحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا في يد موسى عليه السلام وجعلت حية تسعى ، وهو أعجب منه ، وإن خُلق من غير أبٍ فقد خَلَق آدمَ من غير أب ولا أم ، وهو أغرب منه ، وكل ذلك من جنابه عز وجل ، وإنما موسى وعيسى مظاهرُ لشؤونه وأفعاله { وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ } أي وما أمه أيضاً إلا كسائر النساء اللاتي يلازِمْن الصدق أو التصديق ، ويبالغْن في الاتصاف به فما رتبتُهما إلا رتبةُ بشرَيْن ، أحدُهما نبي والآخر صحابي ، فمن أين لكم أن تصفوها بما لا يوصفُ به سائرُ الأنبياء وخواصُّهم؟ { كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام } استئناف مبين لما أشير إليه من كونهما كسائر أفراد البشر في الاحتياج إلى ما يحتاج إليه كل فرد من أفراده بل من أفراد الحيوان ، وقوله عز وجل : { انظر كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الايات } تعجيب من حال الذين يدّعون لهما الربوبية ولا يرعوون في ذلك بعد ما بين لهم حقيقة حالهما بياناً لا يحوم حوله شائبةُ ريْب ، و ( كيف ) معمول لنبينُ ، والجملة في حيز النصب معلِّقة لانظر ، أي انظر كيف نبين لهم الآيات الباهرةَ المناديةَ ببطلان ما تقوّلوا عليهما نداءً يكاد يسمعه صمُّ الجبال { ثُمَّ انظر أنى يُؤْفَكُونَ } أي كيف يُصرفون عن استماعها والتأمل فيها ، والكلام فيه كما فيما قبله ، وتكريرُ الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب ، و ( ثم ) لإظهار ما بين العجبين من التفاوت أي إن بياننا للآيات أمر بديع في بابه بالغٌ لأقاصي الغايات القاصيةِ من التحقيق والإيضاح ، وإعراضُهم عنها مع انتفاء ما يصححه بالمرة وتعاضُدِ ما يوجب قبولَها أعجبُ وأبدع .

(2/275)


قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)

{ قُلْ } أمر عليه الصلاة والسلام بإلزامهم وتبكيتِهم إثْرَ تعجيبه من أحوالهم { أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } أي متجاوزين إياه ، وتقديمه على قوله تعالى : { مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ، والموصول عبارةٌ عن عيسى عليه السلام ، وإيثاره على كلمة مَنْ لتحقيق ما هو المراد من كونه بمعزلٍ من الألوهية رأساً ، ببيان انتظامه عليه السلام في سلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلاً ، وهو عليه السلام وإن كان يملك ذلك بتمليكه تعالى إياه لكنه لا يملِكه من ذاته ، ولا يملك مثل ما يُضِرُّ به الله تعالى من البلايا والمصائب ، وما ينفع به من الصِّحة . وتقديم الضرر على النفع لأن التحرز عنه أهمُ من تحرّي النفع ، ولأن أدنى درجات التأثير دفع الشر ، ثم جلب الخير . وقوله تعالى : { والله هُوَ السميع العليم } حال من فاعل ( أتعبدون ) مؤكِّد للإنكار والتوبيخ ، ومقرِّر للإلزام والتبكيت ، والرابط هو الواو أي أتشركون بالله تعالى ما لا يقدر على شيء من ضُرِّكم ونفعكم ، والحال أن الله تعالى هو المختص بالإحاطة التامة بجميع المسموعات والمعلومات التي من جملتها ما أنتم عليه من الأقوال الباطلة ، والعقائد الزائغة ، والأعمال السيئة ، وبالقدرة الباهرة على جميع المقدورات التي من جملتها مَضارُّكم ومنافعُكم في الدنيا والآخرة؟
{ قُلْ ياأهل الكتاب } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى فريقي أهل الكتاب ، بطريق الالتفات على لسان النبي عليه الصلاة والسلام بعد إبطال مسلك كل منهما ، للمبالغة في زجرهم عما سلكوه من المسلك الباطل ، وإرشادهم إلى الأَمَم المِئْتاء { لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } أي لا تتجاوزوا الحد ، وهو نهي للنصارى عن رفع عيسى عن رتبة الرسالة إلى ما تقوَّلوا في حقه من العظيمة ، ولليهود عن وضعهم له عليه السلام عن رتبته العلية إلى ما تقوَّلوا عليه من الكلمة الشنعاء ، وقيل : هو خاص بالنصارى كما في سورة النساء فذكَرَهم بعنوان أهلية الكتاب لتذكير أن الإنجيل أيضاً ينهاهم عن الغلو ، وقوله تعالى : { غَيْرَ الحق } نُصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أي لا تغلوا في دينكم غلواً غيرَ الحق ، أي غلواً باطلاً ، أو حالٌ من ضمير الفاعل أي لا تغلوا مجاوزين الحق ، أو من دينكم أي لا تغلوا في دينكم حال كونه باطلاً ، وقيل : نُصب على الاستثناء المتصل ، وقيل : على المنقطع { وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } هم أسلافهم وأئمتهم الذين ضلوا من الفريقين ، أو من النصارى على القولين قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام في شريعتهم . { وَأَضَلُّواْ كَثِيراً } أي قوماً كثيراً ممن شايعهم في الزيغ والضلال ، أو إضلالاً كثيراً ، والمفعولُ محذوف { وَضَلُّواْ } عند بعثةِ النبي عليه الصلاة والسلام وتوضيحِ مَحَجّةِ الحق وتبيين مناهجِ الإسلام { عَن سَوَاء السبيل } حين كذّبوه وحسبوه وحسدوه وبغَوْا عليه ، وقيل : الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل والثاني إلى ضلالِهم عما جاء به الشرع .

(2/276)


لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)

{ لُعِنَ الذين كَفَرُواْ } أي لعنهم الله عز وجل ، وبناءُ الفعل للمفعول للجَرْي على سَنن الكبرياء { مِن بَنِى إسراءيل } متعلق بمحذوفٍ وقع حالاً من الموصول أو من فاعل كفروا ، وقوله تعالى : { على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ } متعلق بلُعن أي لعنهم الله تعالى في الزبور والإنجيل على لسانهما ، وقيل : إن أهل أَيْلةَ لما اعتدَوا في السبت دعا عليهم داود عليه السلام وقال : اللهم العنهم واجعلهم آية ، فمسخهم الله قردة ، وأصحابُ المائدة لما كفروا قال عيسى عليه السلام : اللهم عذِّبْ من كفر بعدما أكل من المائدة عذاباً لم تعذِّبْه أحداً من العالمين ، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت ، فأصبحوا خنازيرَ وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي { ذلك } إشارة إلى اللعن المذكور وإيثارُه على الضمير للتنبيه على كمال ظهوره وامتيازِه عن نظائره وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهدة ، وما فيه من معنى البعد للإيذان بكمال فظاعته وبعد درجته في الشناعة ، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : { بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } والجملة مستأنَفةٌ واقعة موقع الجواب عما نشأ من الكلام كأنه قيل : بأي سبب وقع ذلك؟ فقيل : ذلك اللعنُ الهائل الفظيعُ بسبب عصيانهم واعتدائهم المستمر ، كما يفيده الجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل ، وينبىء عنه قوله تعالى : { كَانُواْ لاَ يتناهون عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ } فإنه استئناف مفيد بغبارته لاستمرار عدم التناهي عن المنكر ، ولا يمكن استمرارُه إلا باستمرار تعاطي المنكرات ، وليس المراد بالتناهي أن ينْهَى كلُّ واحد منهم الآخَرَ عما يفعله من المنكر كما هو المعنى المشهورُ لصيغة التفاعل ، بل مجرد صدور النهي عن أشخاص متعددة ، من غير اعتبار أن يكون كل واحد منهم ناهياً ومنهياً معاً ، كما في تراءَوْا الهلالَ ، وقيل : التناهي بمعنى الانتهاء ، يقال : تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع عنه وتركه ، فالجملة حينئذ مفسرةٌ لما قبلها من المعصية والاعتداء ، ومفيدة لاستمرارهما صريحاً ، وعلى الأول مفيدة لاستمرار انتفاء النهي عن المنكر ، بأن لا يوجد فيما بينهم من يتولاه في وقت من الأوقات ، ومن ضرورته استمرارُ فعل المنكر حسبما سبق ، وعلى كل تقدير فما يفيده تنكيرُ المنكر من الوحدة نوعية لا شخصية ، فلا يقدح وصفه بالفعل الماضي في تعلق النهْي به ، لِما أن متعلَّق الفعل إنما هو فرد من أفراد ما يتعلقُ به النهي ، والانتهاء من مطلق المنكر باعتبار تحقّقه في ضمن أي فرد كان من أفراده على أن المضي المعتبر في الصفة إنما هو بالنسبة إلى زمان النزول لا إلى زمان النهي حتى يلزمَ كونُ النهي بعد الفعل ، فلا حاجة إلى تقدير المعاودة أو المِثْل أو جعلِ الفعل عبارةً عن الإرادة ، على أن المعاودة كالنهي لا تتعلق بالمنكر المفعول فلا بد من المصير إلى أحد ما ذُكر من الوجهين ، أو إلى تقدير المثل ، أو إلى جعل الفعل عبارة عن إرادته ، وفي كل ذلك تعسفٌ لا يخفى .

(2/277)


{ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } تقبيح لسوء أعمالهم وتعجيب منه بالتوكيد القسمي ، كيف لا وقد أداهم إلى ما شُرح من اللعن الكبير وليس في تسبُّبه بذلك دلالةٌ على خروج كفرهم عن السببية ، مع الإشارة إلى سببيته له فيما سبق من قوله تعالى : { لُعِنَ الذين كَفَرُواْ } فإن إجراء الحكم على الموصول مُشعرٌ بعِلِّية ما في حيز الصلة له ، لما أن ما ذكر في حيز السببية مشتملٌ على كفرهم أيضاً .

(2/278)


تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)

{ ترى كَثِيراً مّنْهُمْ } أي من أهل الكتاب ككعبِ بن الأشرف وأضرابِه حيث خرجوا إلى مشركي مكةَ ليتّفقوا على محاربة النبي عليه الصلاة والسلام ، والرؤيةُ بصرية وقوله تعالى : { يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُواْ } حال من ( كثيراً ) لكونه موصوفاً ، أي يوالون المشركين بُغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤنين ، وقيل : مِنْ منافقي أهل الكتاب يتولَّوْن اليهود . وهو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد والحسن ، وقيل : يوالون المشركين ويُصافوُنهم { لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ } لبئس شيئاً قدّموا ليَرِدوا عليه يوم القيامة { أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ } هو المخصوصُ بالذم على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامَه ، تنبيهاً على كمال التعلق والارتباط بينهما كأنهما شيء واحد ، ومبالغةً في الذم أي موجبُ سُخطِه تعالى ، ومحله الرفع على الابتداء والجملة قبله خبرُه ، والرابط عند من يشترطه هو العموم ، أو لا حاجة إليه ، لأن الجملةَ عينُ المبتدأ ، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف ينبىء عنه الجملة المتقدمة ، كأنه قيل : ما هو؟ أو أيُّ شيء هو؟ فقيل : هو أنْ سخِط الله عليهم ، وقيل : المخصوصُ بالذم محذوفٌ و ( ما ) اسم تامٌّ معرفةٌ في محل رفع بالفاعلية لفعل الذم ، و ( قدمت لهم أنفسهم ) جملة في محل الرفع على أنها صفة للمخصوصِ بالذم قائمةٌ مَقامه ، والتقدير لبئس الشيءُ شيءٌ قدّمتْه لهم أنفسُهم ، فقوله تعالى : { أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ } بدلٌ من ( شيء ) المحذوفِ ، وهذا مذهب سيبويه { وَفِى العذاب } أي عذاب جهنم { هُمْ خالدون } أبد الآبدين { وَلَوْ كَانُواْ } أي الذين يتولون المشركين من أهل الكتاب { يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىّ } أي نبيهم { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ } من الكتاب ، أو لو كان المنافقون يؤمنون بالله ونبينا إيماناً صحيحاً { مَا اتَّخَذُوهُمْ } أي المشركين واليهود { أَوْلِيَاء } فإن الإيمان بما ذُكر وازعٌ عن تولِّيهم قطعاً { ولكن كَثِيراً مّنْهُمْ فاسقون } خارجون عن الدين والإيمان بالله ونبيهم وكتابهم أو متمرِّدون في النفاق مفرِّطون فيه .

(2/279)


لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)

{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ } جملة مستأنَفة مَسوقة لتقرير ما قبلها من قبائح اليهود وعَراقتهم في الكفر ، وسائرِ أحوالهم الشنيعة التي من جملتها موالاتُهم للمشركين . أُكِّدت بالتوكيد القسَميّ اعتناءً ببيان تحققِ مضمونها ، والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو لكل أحد صالح له ، إيذاناً بأن حالهم مما لا يخفى على أحد من الناس . والوُجدانُ متعدَ إلى اثنين ، أحدُهما أشدُّ الناس والثاني اليهودُ وما عُطف عليه ، وقيل : بالعكس لأنهما في الأصل مبتدأٌ وخبر ، ومصبّ الفائدة هو الخبرُ لا المبتدأ ، ولا ضيرَ في التقديم والتأخير إذ دل على الترتيب دليل ، وهاهنا دليل واضح عليه ، وهو أن المقصودَ بيانُ كون الطائفتين أشدَّ الناس عداوة للمؤمنين ، لا كونِ أشدِّهم عداوةً لهم الطائفتين المذكورتين ، وأنت خبير بأنه بمعزل من الدلالة على ذلك ، كيف لا والإفادة في الصورة الثانية أتمّ وأكملُ مع خلوها عن تعسُّف التقديم والتأخير ، إذ المعنى أنك إن قصدتَ أن تعرِفَ من أشدُّ الناس عداوةً للمؤمنين وتتبعْتَ أحوالَ الطوائف طُراً وأحطتَ بما لديهم خُبْراً ، وبالغْتَ في تعرُّف أحوالهم الظاهرةِ والباطنة ، وسعَيْتَ في تطلُّب ما عندهم من الأمور البارزة والكامنة ، لتجدن الأشدَّ تَيْنِك الطائفتين لا غيرُ فتأملْ .
واللام الداخلة على الموصول متعلقةٌ ( بعداوةً ) مقويةٌ لعملها ، ولا يضرُّ كونُها مؤنثةً بالتاء مبنية عليها ، كما في قوله : ورهبةً عقابَك ، وقيل : متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لعداوة ، أي كائنةً للذين آمنوا ، وصفهم الله تعالى بذلك لشدة شكيمتهم وتضاعُف كفرهم ، وانهماكهم في ابتاع الهوى ، وقربهم إلى التقليد ، وبعدهم عن التحقيق ، وتمرُّنهم على التمرّد والاستعصاء على الأنبياء ، والاجتراء على تكذيبهم ومُناصَبَتِهم . وفي تقديم اليهود على المشركين بعد لَزِّهما في قَرنٍ واحد إشعارٌ بتقدمهم عليهم في العداوة ، كما أن في تقديمهم عليهم في قوله تعالى : { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } إيذاناً بتقدُّمهم عليهم في الحرص ، { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ } أعيد الموصول مع صلته رَوْماً لزيادة التوضيح والبيان { الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى } عبر عنهم بذلك إشعاراً بقرب مودتهم حيث يدّعون أنهم أنصارُ الله وأَوْدُ أهل الحق وإن لم يظهروا اعتقاد حقية الإسلام ، وعلى هذه النكتة مبنى الوجه الثاني في تفسير قوله تعالى : { وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا ميثاقهم } والكلام في مفعولي لتجدن وتعلق اللام كالذي سبق ، والعدولُ عن جعْل ما فيه التفاوتُ بين الفريقين شيئاً واحداً قد تفاوتا فيه بالشدة والضعف أو بالقرب والبعد بأن يقال آخِراً : ولتجدن أضعفَهم عداوة الخ ، أو بأن يقال : أولا لتجدن أبعد الناس مودة الخ ، للإيذان بكمال تبايُن ما بين الفريقين من التفاوتِ ببيان أن أحدَهما في أقصى مراتبِ أحدِ النقيضين ، والآخَرَ في أقربِ مراتب النقيض الآخر .

(2/280)


{ ذلك } أي كونهم أقربَ مودةً للمؤمنين { بِأَنَّ مِنْهُمْ } أي بسبب أن منهم { قِسّيسِينَ } وهم علماءُ النصارى وعبّادهم ورؤساؤهم ، والقِسّيسُ صيغةُ مبالغةٍ من تقَسَّسَ الشيءَ إذا تتبَّعه وطلبه بالليل ، سُموا به لمبالغتهم في تتبع العلم ، قاله الراغب ، وقيل : القَسُّ بفتح القاف تتبُّعُ الشيء ومنه سمي عالم النصارى قسيساً لتتبعه العلم ، وقيل : قصَّ الأثرَ وقسه بمعنى ، وقيل : إنه أعجمي ، وقال قُطرُبُ : القِسّ والقِسّيسُ العالم بلغة الروم ، وقيل : ضيَّعت النصارى الإنجيلَ وما فيه ، وبقي منهم رجل يقال له : قِسيسُ لم يبدِّلْ دينه ، فمن راعى هديه ودينه قيل له : قسيس . { وَرُهْبَاناً } وهو جمع راهب كراكب ورُكبان وفارس وفُرسان ، وقيل : إنه يطلق على الواحد وعلى الجمع وأُنشِدَ فيه قولُ من قال :
لو عايَنَتْ رُهبانَ ديْرٍ في قُلَل ... لأقبل الرهبانُ يعدو ونزَلْ
والترهب التعبد في الصومعة ، قال الراغب : الرهبانية الغلوُّ في تحمل التعبد من فرط الخوف ، والتنكير لإفادة الكثرة ، ولا بد من اعتبارها في القسيسين أيضاً ، إذ هي التي تدل على مودة جنس النصارى للمؤمنين ، فإن اتصاف أفرادٍ كثيرة لجنسٍ بخصلةٍ مظِنةٌ لاتصاف الجنس بها ، وإلا فمن اليهود أيضاً قوم مهتدون ، ألا يُرى إلى عبد اللَّه بن سلام وأضرابه ، قال تعالى : { مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايات الله ءانَاء اليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } الخ ، لكنهم لما لم يكونوا في الكثرة كالذين من النصارى لم يتعدَّ حكمُهم إلى جنس اليهود { وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } عطف على ( أن منهم ) ، أي وبأنهم لا يستكبرون عن قبول الحق إذا فهموه ، ويتواضعون ولا يتكبرون كاليهود ، وهذه الخَصلةُ شاملة لجميع أفراد الجنس فسببيّتُها لأقربيّتهم مودةً للمؤمنين واضحة ، وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات محمودٌ وإن كان ذلك من كافر .

(2/281)


وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)

{ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرسول } عطف على لا يستكبرون أي ذلك بسبب أنهم لا يستكبرون ، وأن أعينَهم تفيض من الدمع عند سماع القرآن ، وهو بيانٌ لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ، ومسارعتِهم إلى قبول الحق وعدم إبائهم إياه { تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع } أي تمتلىء بالدمع ، فاستُعير له الفيضُ الذي هو الانصبابُ عن امتلاءٍ مبالغةً ، أو جُعلت أعينُهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها { مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق } ( من ) الأولى لابتداء الغاية ، والثانية لتبيين الموصول ، أي ابتدأ الفيض ونشأ من معرفة الحق وحصل من أجله وبسببه ، ويحتمل أن تكون الثانية تبعيضية ، لأن ما عرفوه بعضُ الحق ، وحيث أبكاهم ذلك فما ظنك بهم لو عرفوا كله ، وقرءوا القرآن ، وأحاطوا بالسنة؟ وقرىء ( تُرى أعينُهم ) على صيغة المبني للمفعول { يَقُولُونَ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية حالهم عند سماع القرآن كأنه قيل : ماذا يقولون؟ فقيل : يقولون : { رَبَّنَا ءامَنَّا } بهذا أو بمن أنزل هذا عليه أو بهما ، وقيل : حال من الضمير في عرفوا أو من الضمير المجرور في أعينهم ، لما أن المضاف جزؤه ، كما في قوله تعالى : { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا } { فاكتبنا مَعَ الشاهدين } أي الذين شهدوا بأنه حق أو بنبوته ، أو مع أمته الذين هم شهداءُ على الأمم يوم القيامة ، وإنما قالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك .
{ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله وَمَا جَاءنَا مِنَ الحق } كلام مستأنَفٌ قالوه تحقيقاً لإيمانهم ، وتقريراً له بإنكار سبب انتفائه ونفيِه بالكلية ، على أن قوله تعالى : { لاَ نُؤْمِنُ } حال من الضمير في ( لنا ) ، والعامل ما فيه من الاستقرار أيْ أيُّ شيءٍ حصل لنا غيرَ مؤمنين؟ على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب والمسبَّب جميعاً ، كما في قوله تعالى : { لِىَ لاَ أَعْبُدُ الذى فَطَرَنِى } ونظائرِه لا إلى السبب فقط مع تحقق المسبب كما في قوله تعالى : { فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } وأمثاله فإن همزة الاستفهام كما تكون تارة لإنكار الواقع كما في أتضرِبُ أباك؟ وأخرى لإنكار الوقوع كما في أأضرب أبي؟ كذلك ما الاستفهامية قد تكون لإنكار سبب الواقع ونفْيِه فقط كما في الآية الثانية ، وقوله تعالى : { مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } فيكون مضمون الجملة الحالية محققاً ، فإن كلاًّ من عدم الإيمان وعدم الرجاء أمرٌ محققٌ قد أنكروا نفي سببه ، وقد يكون الإنكارُ سببَ الوقوعِ ونفيَه ، فيسريان إلى المسبب أيضاً كما في الآية الأولى ، فيكون مضمون الجملة الحالية مفروضاً قطعاً ، فإن عدم العبادة أمر مفروض حتماً ، وقوله تعالى : { وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القوم الصالحين } حال أخرى من الضمير المذكور بتقدير مبتدأ ، والعامل فيها هو العامل في الأولى مقيداً بها ، أي أيُّ شيء حصل لنا غير مؤمنين؟ ونحن نطمع في صحبة الصالحين ، أو من الضمير في ( لا نؤمن ) على معنى أنهم أنكروا على أنفسهم عدم إيمانهم ، مع أنهم يطمعون في صحبة المؤمنين ، وقيل : معطوف على ( نؤمن ) على معنى وما لنا نجمع بين ترك الإيمان وبين الطمع المذكور؟

(2/282)


فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)

{ فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُواْ } أي عن اعتقاد ، من قولك : هذا قول فلان أي مُعتقدُه ، وقرىء ( فآتاهم الله ) { جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا وذلك جَزَاء المحسنين } أي الذين أحسنوا النظر والعمل أو الذين اعتادوا الإحسان في الأمور ، والآيات الأربع ، رُوي ( أنها نزلت في النجاشي وأصحابه بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه فقرأه ثم دعا جعفرَ بن أبي طالب والمهاجرين معه وأحضر القسيسين والرهبان ، فأمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريمَ ، فبكَوْا وآمنوا بالقرآن ) ، وقيل : نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلاً من قومه وفدوا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم سورة مريم فبكَوا وآمنوا .
{ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا أولئك أصحاب الجحيم } عطَفَ التكذيب بآيات الله على الكفر مع أنه ضربٌ منه لِما أن القصد إلى بيان حال المكذبين ، وذكَرهم بمقابلة المصدِّقين بها جمعاً بين الترغيب والترهيب .
{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ } أي ما طاب ولذ منه ، كأنه لمّا تضمّن ما سلف من مدح النصارى على الترهّب وترغيب المؤمنين في كسر النفس ورفض الشهوات ، عقّب ذلك بالنهي عن الإفراط في الباب ، أي لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغةً منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً . وروي ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القيامة لأصحابه يوماً فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار فرقّوا واجتمعوا في بيت عثمانَ بنِ مظعونٍ ، واتفقوا على ألا يزالوا صائمين قائمين وألا يناموا على الفُرش ، ولا يأكلوا اللحم والودَك ، ولا يقرَبوا النساء والطيِّب ، ويرفضوا الدنيا ويلْبَسوا المُسوح ، ويَسيحُوا في الأرض ، ويجُبُّوا مذاكيرَهم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : « إني لم أومر بذك ، إن لأنفسكم عليكم حقاً ، فصوموا وأفطروا ، وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام ، وأصوم وأُفطر ، وآكلُ اللحم والدسم ، وآتي النساء ، فمن رغِب عن سنتي فليس مني » فنزلت .
{ وَلاَ تَعْتَدُواْ } أي لا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم ، أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات ، أو جَعَلَ تحريمَ الطيبات اعتداءً وظلماً ، فنهى عن مطلق الاعتداء ليدخُل تحته النهيُ عن تحريمها دخولاً أولياً لوروده عَقيبه ، أو أريدَ ولا تعتدوا بذلك { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } تعليل لما قبله .

(2/283)


وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)

{ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيّباً } أي ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله ، فحلالاً مفعول ( كلوا ) ، ومما رزقكم إما حال منه تقدمت عليه لكونه نكرةً ، أو متعلق بكلوا ، ومِنْ ابتدائية ، أو هو المفعول وحلالاً حال من الموصول ، أو مِنْ عائدِه المحذوف ، أو صفةٌ لمصدرٍ محذوف ، أي أكلاً حلالاً ، وعلى الوجوه كلها لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة { واتقوا الله الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } توكيد للوصية بما أَمَر به ، فإن الإيمان به تعالى يوجب المبالغة في التقوى والانتهاء عما نهى عنه .
{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم } اللغو في اليمين الساقطُ الذي لا يتعلق به حُكم ، وهو عندنا أن يحلِف على شيء يظن أنه كذلك وليس كما يظن ، وهو قول مجاهد ، قيل : كانوا حلفوا على تحريم الطيبات على ظنِّ أنه قُربة ، فلما نزل النهي قالوا : كيف بأيْماننا؟ فنزلت ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى ، ما يبدو من المرء من غير قصد كقوله : لا والله وبلى والله ، وهو قول عائشةَ رضي الله تعالى عنها ، و ( في أيمانكم ) صلةُ يؤاخذكم أو اللغو لأنه مصدر ، أو حال منه { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الايمان } أي بتعقيدكم الأَيمانَ وتوثيقها عليه بالقصد والنية ، والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقّدتموه إذا حنِثتم أو بنَكْثِ ما عقّدتم ، فحُذِف للعلم به ، وقرىء بالتخفيف ، وقرىء ( عاقدتم ) بمعنى عقدتم { فَكَفَّارَتُهُ } أي فكفارةُ نكْثِه وهي الفعلة التي من شأنها أن تكفّرَ الخطيئة وتستُرَها ، واستُدل بظاهره عن جواز التكفير قبل الحِنْث ، وعندنا لا يجوز ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : « من حلَف على يمينٍ ورأى غيرَها خيراً فليأتِ الذي هو خيرٌ ثم لْيُكفِّرْ عن يمينه » { إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } أي ما أقصَدِه في النوع أو المقدار ، وهو نصفُ صاع من بُر لكلِّ مسكين ، ومحلُّه النصبُ لأنه صفةُ مفعولٍ محذوف تقديرُه أن تُطعموا عشرة مساكينَ طعاماً كائناً من أوسط ما تطعمون ، أو الرفعُ على أنه بدل من إطعام ، وأهلون جمعُ أهلٍ كأَرَضون جمع أرض ، وقرىء ( أهاليكم ) بسكون الياء على لغة من يسكنها في الحالات الثلاث كالألف ، وهذا أيضاً جمع أهلٍ كالأراضي في جمع أرض والليالي في جمع ليل ، وقيل : جمع أهلاة { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } عطف على ( إطعامُ ) أو على محلَّ ( من أوسط ) على تقدير كونه بدلاً من ( إطعام ) وهو ثوب يغطي العورة ، وقيل : ثوب جامع قميص أو رداء أو إزار ، وقرىء بضم الكاف وهي لغة كقِدوة في قُدوة وإسوة في أُسوة ، وقرىء أو ( كأُسوتهم ) على أن الكاف في محل الرفع تقديره أو إطعامهم كأسوتهم بمعنى أو كمثل ما تطعمون أهليكم إسرافاً وتقتيراً تواسون بينهم وبينهم إن لم تُطعموهم الأوسط { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أي أو إعتاقُ إنسان كيفما كان ، وشرط الشافعي رضي الله تعالى عنه فيه الإيمان قياساً على كفارة القتل ، ومعنى ( أو ) إيجابُ إحدى الخصال مطلقاً وخيارُ التعيين للمكلف .

(2/284)


{ فَمَن لَّمْ يَجِدْ } أي شيئاً من الأمور المذكورة { فَصِيَامُ } أي فكفارتُه صيام { ثلاثة أَيَّامٍ } والتتابع شرط عندنا لقراءة ( ثلاثة أيام متتابعات ) ، والشافعي رضي الله عنه لا يرى للشواذ حجة { ذلك } أي الذي ذكر { كَفَّارَةُ أيمانكم إِذَا حَلَفْتُمْ } أي وحنِثْتم { واحفظوا أيمانكم } بأن تضِنوا بها ولا تبذُلوها كما يُشعر به قوله تعالى : { إِذَا حَلَفْتُمْ } ، وقيل : بأن تَبَرّوا فيها ما استطعتم ولم يفُتْ بها خير ، أو بأن تكفروها إذا حنِثتم ، وقيل : احفظوها كيف حلفتم بها ولا تنسوها تهاوناً بها { كذلك } إشارة إلى مصدر الفعل الآتي لا إلى تبيينٍ آخَرَ مفهومٍ مما سبق ، والكاف مقحمةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة ، ومحله في الأصل النصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف وأصل التقدير : يبين الله تبييناً كائناً مثلَ ذلك التبيين ، فقدم على الفعل لإفادة القصر ، واعتُبرت الكاف مقحمةً للنكتة المذكورة ، فصار نفسَ المصدر لا نعتاً له ، وقد مر تفصيله في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } أي ذلك البيان البديع { يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته } أعلام شريعته وأحكامه لا بياناً أدنى منه ، وتقديم ( لكم ) على المفعول لما مر مراراً { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج .

(2/285)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)

{ يَأَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والانصاب } أي الأصنامُ المنصوبةُ للعبادة { والازلام } سلف تفسيرها في أوائل السورة الكريمة { رِجْسٌ } قذر تعاف عنه العقول ، وإفراده لأنه خبرُ الخمر ، وخبرُ المعطوفات محذوفٌ ثقةً بالمذكور ، أو المضاف محذوف أي شأن الخمر والميسر ، الخ { مِنْ عَمَلِ الشيطان } في محل الرفع على أنه صفةُ ( رجس ) ، أي كائن من عمله لأنه مسبَّبٌ من تسويله وتزيينه { فاجتنبوه } أي الرجس أو ما ذكر { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي راجين فلاحكم ، وقيل : لكي تفلحوا بالاجتناب عنه وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ولقد أُكِّد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية الكريمة بفنون التأكيد حيث صُدِّرت الجملة بإنما وقُرِنا بالأصنام والأزلام ، وسُمِّيا رجساً من عمل الشيطان تنبيهاً على أن تعاطيَها شرٌّ بحْتٌ ، وأَمَر بالاجتناب عن عينهما وجعل ذلك سبباً يرجى عنه الفلاح ، فيكون ارتكابهما خَيبة ومَحْقة ، ثم قرر ذلك ببيان ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم ، فقيل :

(2/286)


إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)

{ إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِى الخمر والميسر } وهو إشارة إلى مفاسدهما الدنيوية { وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة } إشارة إلى مفاسدهما الدينية ، وتخصيصُهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال للتنبيه على أن المقصود بيانُ حالهما ، وذكرُ الأصنام والأزلام للدلالة على أنهما مثلُهما في الحرمة والشرارة لقوله عليه الصلاة والسلام : « شارب الخمر كعابد الوثن » وتخصيصُ الصلاة بالإفراد مع دخولها في الذكر للتعظيم والإشعار بأن الصادَّ عنها كالصادِّ عن الإيمان لما أنها عِمادُه ، ثم أعيد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتَّباً على ما تقدم من أصناف الصوارف ، فقيل : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } أيذاناً بأن الأمر في الزجر والتحذير وكشفِ ما فيهما من المفاسد والشرور قد بلغ الغاية وأن الأعذارَ قد انقطعت بالكلية .
{ وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول } عطف على اجتنبوه أي أطيعوهما في جميع ما أمرا به ونهيا عنه { واحذروا } أي مخالفتَهما في ذلك فيدخل فيه مخالفةُ أمرِهما ونهْيِهما في الخمر والميسر دخولاً أولياً { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } أي أعرضتم عن الامتثال بما أُمرتم به من الاجتناب عن الخمر والميسر وعن طاعة الله تعالى وطاعةِ رسوله عليه الصلاة والسلام والاحترازِ عن مخالفتهما { فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين } وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه وخرج عن عُهدة الرسالة أيَّ خروج ، وقامت عليكم الحجة وانتهت الأعذار وانقطعت العلل ، وما بقي بعد ذلك إلا العقاب . وفيه من عظم التهديد وشدة الوعيد ما لا يخفى ، وأما ما قيل من أن المعنى فاعلموا أنكم لم تضُروا بتولِّيكم الرسولَ لأنه ما كُلّف إلا البلاغَ المبينَ بالآيات وقد فعل وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كُلِّفتموه فلا يساعده المقام ، إذ لا يُتوهم منهم ادعاءُ أنهم بتوليهم يضرونه عليه الصلاة والسلام حتى يردَ عليهم بأنهم لا يضرونه وإنما يضرون أنفسهم .
{ لَيْسَ عَلَى الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ } أي إثم وحرج { فِيمَا طَعِمُواْ } أي تناولوا أكلاً أو شرباً فإن استعماله في الشرب أيضاً مستفيضٌ ، منه قولُه تعالى : { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } قيل : ( لما أنزل الله تعالى تحريم الخمر بعد غزوة الأحزاب قال رجال من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام : أصيب فلان يوم بدر وفلان يوم أحد وهم يشربونها ، ونحن نشهد أنهم في الجنة ) ، وفي رواية أخرى : ( لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم : يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟ ) ، وفي رواية أخرى : ( قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار؟ فنزلت ) ، وليست كلمة ( ما ) في ما طعموا عبارةً عن المباحات الخاصة ، والإلزام تقييدُ إباحتها باتقاء ما عداها من المحرمات لقوله تعالى : { إِذَا مَا اتقوا } واللازمُ منْتفٍ بالضرورة ، بل هي على عمومها موصولةً كانت أو موصوفة ، وإنما تخصصت بذلك القيد الطارىء عليها ، والمعنى ليس عليهم جُناحٌ فيما تناولوه من المأكول والمشروب كائناً ما كان إذا اتقَوْا أن يكون في ذلك شيء من المحرمات ، وإلا لم يكن نفْيُ الجُناح في كل ما طعموه بل في بعضه ولا محذورَ فيه ، إذِ اللازمُ منه تقييد إباحة الكل بأن لا يكون فيه محرم لا تقيد إباحة بعضه باتقاء بعضٍ آخرَ منه كما هو اللازم من الأول { وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } أي واستمروا على الإيمان والأعمال الصالحة ، وقوله تعالى : { ثُمَّ اتَّقَواْ } عطف على ( اتقوا ) داخلٌ معه في حيِّز الشرط ، أي اتقوا ما حُرّم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحاً فيما سبق { وَءامَنُواْ } أي بتحريمه ، وتقديم الاتقاء عليه إما للاعتناء به أو لأنه الذي يدل على التحريم الحادث الذي هو المؤمَنُ به ، أو واستمروا على الإيمان { ثُمَّ اتَّقَواْ } أي ما حرم عليهم بعد ذلك مما كان مباحاً من قبل ، على أن المشروط بالاتقاء في كل مرة إباحةُ كل ما طعِموه في ذلك الوقت لا إباحةُ كل ما طعموه قبله ، لانتساخ إباحةِ بعضِه حينئذ { وَأَحْسِنُواْ } أي عملوا الأعمال الحسنة الجميلة المنتظمة لجميع ما ذكر من الأعمال القلبية والقالبية ، وليس تخصيص المرات بالذكر لتخصيص الحكم بها ، بل لبيان التعدد والتكرر بالغاً ما بلغ ، والمعنى أنهم إذا اتقوا المحرمات واستمروا على ما هم عليه من الإيمان والأعمال الصالحة ، وكانوا في طاعة الله ومراعاةِ أوامرِه ونواهيه بحيث كلما حرِّم عليهم شيء من المباحات اتقَوْه ، ثم .

(2/287)


. . وثم . . فلا جناح عليهم فيما طعموه في كل مرة من المطاعم والمشارب ، إذ ليس فيها شيء محرم عند طُعْمِه .
وأنت خبير بأن ما عدا اتقاءِ المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة لا دخْلَ لها في انتفاء الجُناح ، وإنما ذكرت في حيز ( إذا ) شهادةً باتصاف الذين سُئل عن حالهم بها ، ومدحاً لهم بذلك وحمداً لأحوالهم ، وقد أشير إلى ذلك حيث جُعلت تلك الصفاتُ تبعاً للاتقاء في كل مرةٍ تمييزاً بينها وبين ما له دخل في الحكم ، فإن مَساقَ النظم الكريم بطريق العبارة وإن كان لبيان حال المتصفين بما ذُكر من النعوت فيما سيأتي بقضية كلمة ( إذا ما ) ، لكنه قد أُخرج مُخْرَجَ الجواب عن حال الماضين لأثبات الحكم في حقهم في ضمن التشريع الكلي على الوجه البرهاني بطريق دلالة النص ، بناءً على كمال اشتهارهم بالاتصاف بها ، فكأنه قيل : ليس عليهم جُناح فيما طعِموه إذْ كانوا في طاعته تعالى مع ما لهم من الصفات الحميدة ، بحيث كلما أمِروا بشيء تلقَّوْه بالامتثال . وإنما كانوا يتعاطَوْن الخمر والميسر في حياتهم لعدم تحريمها إذ ذاك ، ولو حُرما في عصرهم لاتقوهما بالمرة .

(2/288)


هذا وقد قيل : التكريرُ باعتبار الأوقات الثلاثة ، أو باعتبار الحالات الثلاث : استعمالِ الإنسان التقوى بينه وبين نفسه ، وبينه وبين الناس ، وبينه وبين الله عز وجل ، ولذلك جيءَ بالإحسان في الكرة الثالثة بدلَ الإيمان إشارةً إلى ما قاله عليه الصلاة والسلام في تفسيره ، أو باعتبار المراتب الثلاث : المبدأ والوسط والمنتهى ، أو باعتبار ما يُتَّقى ، فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقياً من العقاب ، والشبُهاتِ توقياً من الوقوع في الحرام ، وبعضَ المباحات حفظاً للنفس عن الخِسة وتهذيباً لها عن دنَس الطبيعة ، وقيل : التكريرُ لمجرد التأكيد كما في قوله تعالى : { كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } ونظائرِه ، وقيل : المرادُ بالأول اتقاءُ الكفر ، وبالثاني اتقاءُ الكبائر ، وبالثالث اتقاءُ الصغائر . ولا ريب في أنه تعلُّقَ لهذه الاعتبارات بالمَقام فأَحسِنِ التأمل { والله يُحِبُّ المحسنين } تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله أبلغَ تقرير .

(2/289)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94)

{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله } جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي والله ليُعامِلَّنكم معاملةَ مَنْ يختبركم ليتعرَّفَ أحوالَكم { بِشَىْء مّنَ الصيد } أي من صيدِ البَرّ مأكولاً أو غيرَ مأكول ما عدا المستثنياتِ من الفواسق ، فاللام للعَهْد ، نزلت عام الحُدَيْبية . ابتلاهم الله تعالى بالصيد وهم مُحرِمون كانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث كانوا متمكنين من صيدِها أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم وذلك قوله تعالى : { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ورماحكم } فهمُّوا بأخذها فنزلت ، ورُوي أنه عَنَّ لهم حمارُ وحشٍ فحمل عليه أبو اليَسَر بنُ عمرو فطعنه برمحه وقتله ، فقيل له : قتلته وأنت مُحرم ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن ذلك فأنزل الله تعالى الآية ، فالتأكيد القَسَميُّ في ( ليبلونكم ) إنما هو لتحقيق أن ما وقع من عدم توحُّش الصيد عنهم ليس إلا لابتلائهم لا لتحقيق وقوعِ المبتلى به كما لو كان النزول قبل الابتلاء ، وتنكير ( شيء ) للتحقير المُؤْذِن بأن ذلك ليس من الفِتن الهائلة التي تزِلُّ فيها أقدامُ الراسخين كالابتلاء بقتل الأنفس وإتلافِ الأموال ، وإنما هو من قبيل ما ابتُليَ به أهلُ أَيْلَةَ من صيد البحر ، وفائدته التنبيه على أن من لم يثبّتْ في مثل هذا كيف يثبتُ عند شدائد المحن؟ ( فمن ) في قوله تعالى : { مّنَ الصيد } بيانية قطعاً أي بشيء حقير هو الصيد ، وجعلُها تبعيضيةً يقتضي اعتبارَ قِلَّته وحقارته بالنسبة إلى كل الصيد لا بالنسبة إلى عظائم البلايا فيَعْرَى الكلامُ عن التنبيه المذكور .
{ لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب } أي ليتميز الخائفُ من عقابه الأخروي وهو غائبٌ مترقبٌ لقوة إيمانه ، فلا يتعرض للصيد ، ممن لا يخافه كذلك لضعف إيمانه فيُقدم عليه ، وإنما عبر عنْ ذلك بعلم الله تعالى اللازم له إيذاناً بمدار الجزاءِ ثواباً وعقاباً فإنه أدْخَلُ في حملهم على الخوف ، وقيل : المعنى ليتعلق علمه تعالى بمن يخافه بالفعل ، فإن علمه تعالى بأنه سيخافه وإن كان متعلقاً به قبل خوفه لكنّ تعلُّقَه بأنه خائف بالفعل وهو الذي يدور عليه أمرُ الجزاء إنما يكون عند تحقق الخوف بالفعل ، وقيل : هناك مضاف محذوف ، والتقدير ليعلم أولياءَ الله ، وقرىء ( ليُعلِمَ ) من الإعلام على حذف المفعول الأول أي ليُعْلِمَ الله عباده الخ ، والعلمُ على القراءتين متعدَ إلى واحد ، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة { فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك } أي بعد بيان أنّ ما وقع ابتلاءٌ من جهته تعالى لِما ذُكر من الحِكمة لا بعد تحريمِه أو النهي عنه كما قاله بعضهم ، إذ النهي والتحريم ليس أمراً حادثاً يترتب عليه الشرطية ، بالفاء ، ولا بعد الابتلاء كما اختاره آخرون ، لأن نفس الابتلاء لا يصلح مداراً لتشديد العذاب ، بل ربما يتوهم كونُه عذراً مسوِّغاً لتخفيفه ، وإنما الموجب للتشديد بيانُ كونه ابتلاءً ، لأن الاعتداء بعد ذلك مكابرةٌ صريحة ، وعدمُ مبالاةٍ بتدبير الله تعالى ، وخروجٌ عن طاعته ، وانخلاع عن خوفه وخشيته بالكلية .

(2/290)


أي : فمن تعرض للصيد بعد ما بينا أن ما وقع من كثرة الصيد وعدم توحُّشه منهم ابتلاءٌ مؤدَ إلى تمييز المطيع من العاصي { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } لما ذكر من أنه مكابرة محضة ولأن من لا يملك زمام نفسه ولا يراعي حكم الله تعالى في أمثال هذه البلايا الهيِّنة لا يكاد يُراعيه في عظائم المداحض . والمراد بالعذاب الأليم عذاب الدارين ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يُوسَعُ ظهرُه وبطنه جَلداً وينزع ثيابه .

(2/291)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)

{ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ } شروع في بيان ما يتدارك به الاعتداءُ من الأحكام إثر بيانِ ما يلحقه من العذاب ، والتصريح بالنهي في قوله تعالى : { لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } مع كونه معلوماً لا سيما من قوله تعالى : { غَيْرَ مُحِلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ } لتأكيد الحرمة وترتيب ما يعقبُه عليه ، واللام في الصيد للعهد حسبما سلف ، وحُرُم جمع حَرام ، وهو المُحرم وإن كان في الحِل ، وفي حكمه من في الحَرَم وإن كان حَلالاً ، كرُدُح جمع رَادح ، والجملة حال من فاعل لا تقتلوا ، أي لا تقتلوه وأنتم محرمون { وَمَن قَتَلَهُ } أي الصيد المعهود ، وذِكرُ القتل في الموضعين دون الذبح للإيذان بكونه في حكم الميتة { مّنكُمْ } متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل قتله أي كائناً منكم .
{ مُّتَعَمّداً } حال منه أيضاً أي ذاكراً لإحرامه عالماً بحُرمة قتل ما يقتله ، والتقييدُ بالتعمّد مع أن محظوراتِ الإحرام يستوي فيها العمْدُ والخطأ لِما أن الآية نزلتْ في المتعمِّد كما مرَّ من قصة أبي اليَسَر ، ولأن الأصل فعلُ المتعمّد والخطأ لاحقٌ به للتغليظ ، وعن الزُهري : نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ . وعن سعيد بن جُبير رضي الله عنه : لا أرى في الخطأ شيئاً أخذاً باشتراط التعمّد في الآية ، وهو قول داودَ عن مجاهد والحسن : أن المراد بالتعمد هو تعمدُ القتل مع نسيان الإحرام ، أما إذا قتله عمْداً وهو ذاكراً لإحرامه فلا حكم عليه ، وأمره إلى الله عز وجل ، لأنه أعظمُ من أن يكون له كفارة . { فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ } برفعهما ، أي فعليه جزاءٌ مماثلٌ لما قتله ، وقرىء برفع الأول ونصب الثاني على إعمال المصدر ، وقرىء بجرِّ الثاني على إضافته إلى مفعوله ، وقرىء ( فجزاؤه مثلُ ) ما قتل على الابتداء والخبرية ، وقرىء بنصبهما على تقدير فليجْزِ جزاءً أو فعليه أن يجزى جزاءً مثلَ ما قتل ، والمرادُ به عند أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما المثلُ باعتبار القيمة ، يُقوَّم الصيد حيث صِيدَ أو في أقرب الأماكن إليه ، فإن بلغَت قيمتُه قيمةَ هدْيٍ يُخير الجاني بين أن يشتريَ بها قيمةَ الصيد فيُهدِيَه إلى الحرم ، وبين أن يشتريَ بها طعاماً فيُعطيَ كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره ، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً ، فإن فضل ما لا يبلغُ طعامَ مسكين تصدّق به أو صام عنه يوماً كاملاً ، إذ لم يُعهد في الشرع صومُ ما دونه فيكون قوله تعالى : { مِنَ النعم } بياناً للهدْي المشترى بالقيمة على أحد وجوه التخيير ، فإنَّ من فعل ذلك يصدُق عليه أنه جُزيَ بمثل ما قتل من النَّعم ، وعن مالك والشافعي رحمهما الله تعالى ومن يرى رأيهما : هو المِثْلُ باعتبار الخِلْقة والهيئة لأن الله تعالى أوجب مثلَ المقتول مقيداً بالنَّعم ، فمن اعتبَر المِثْل بالقيمة فقد خالف النص ، وعن الصحابة رضي الله عنهم : أنهم أوجبوا في النَّعامة بدنةً ، وفي الظبْيِ شاةً ، وفي حمار الوَحش بقرَةً ، وفي الأرنب عَناقاً ، وعن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال :

(2/292)


« الضبُع صيدٌ وفيه شاةٌ إذا قتله المُحرم » ولنا أن النصَّ أوجبَ المثْل ، والمِثْلُ المطلق في الكتاب والسنة وإجماعِ الأمة والمعقولِ يُراد به إما المثلُ صورةً ومعنى ، وإما المثلُ معنى . وأما المثلُ صورةً بلا معنى فلا اعتبارَ له في الشرع أصلاً ، وإذا لم يمكن إرادةُ الأول إجماعاً تعيّنت إرادةُ الثاني لكونه معهوداً في الشرع كما في حقوق العباد ، ألا يرى أن المماثلة بين أفراد نوعٍ واحد مع كونها في غاية القوة والظهور لم يعتبْرها الشرع ، ولم يجعل الحيوانَ عند الإتلاف مضموناً بفردٍ آخَرَ من نوعه مماثلٍ له في عامة الأوصاف بل مضموناً بقيمتِه مع أن المنصوص عليه في أمثاله إنما هو المثل ، قال تعالى : { فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ } فحيث لم تُعتبرْ تلك المماثلةُ القويةُ مع تيسُّر معرفتِها وسهولةِ مراعاتِها فَلأَنْ لا تُعتبرُ ما بين أفراد أنواع مختلفةٍ من المماثلة الضعيفة الخفيةِ مع صعوبة مأخذِها وتعسُّرِ المحافظة عليها أولى وأحرى ، ولأن القيمة قد أريدت فيما لا نظيرَ له إجماعاً فلم يبق غيرُه مراداً ، إذْ لا عمومَ للمشترَك في مواقع الإثبات ، والمراد بالمرويِّ إيجابُ النظير باعتبار القيمة لا باعتبار العين ، ثم الموجبُ الأصليُّ للجناية والجزاءِ المماثلِ للمقتول إنما هو قيمتُه ، لكن لا باعتبار أن يعمِدَ الجاني إليها فيصرِفَها إلى المصارف ابتداءً ، بل باعتبار أن يجعلَها معياراً فيقدِّرَ بها إحدى الخصال الثلاث فيُقِيمَها مُقامها ، فقوله تعالى : { مّثْلُ مَا قَتَلَ } وصفٌ لازم للجزاء ، غيرُ مفارِقٍ عنه بحال ، وأما قوله تعالى : { مِنَ النعم } فوصفٌ له معتبرٌ في ثاني الحال بناءً على وصفه الأول الذي هو المعيارُ له ولِما بعده من الطعام والصيام ، فحقُّهما أن يُعطفا على الوصف المفارِق لا على الوصف اللازم فضلاً عن العطف على الموصوف كما سيأتي بإذن الله تعالى . ومما يرشدك إلى أن المراد بالمثل هو القيمة قوله عز وجل : { يَحْكُمُ بِهِ } أي بمثل ما قتل { ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } أي حكَمان عادلان من المسلمين لكنْ لا لأن التقويمَ هو الذي يحتاج إلى النظر والاجتهاد من العُدول دون الأشياء المشاهدةَ التي يستوي في معرفتها كلُّ أحد من الناس ، فإن ذلك ناشىء من الغفلةِ عما أرادوا بما به اللماثلة ، بل لأن ما جعلوه مدار المماثلة بين الصيد وبين النَّعم من ضربِ مشاكَلةٍ ومضاهاة في بعض الأوصاف والهيئات مع تحقق التبايُن بينهما في بقية الأحوال مما لا يَهتدي إليه ، من أساطينِ أئمة الاجتهاد ، وصناديدِ أهل الهداية والإرشاد ، إلا المؤيدون بالقوة القدسية ، ألا يُرى أن الإمام الشافعي رضي الله عنه أوجب في قتل الحمامة شاةً بناء على ما أثبتَ بينهما من المماثلة من حيث أن كلاًّ منهما يعُبّ ويهدِر ، مع أن النسبة بينهما من سائر الحيثيات كما بين الضّبّ والنون ، فكيف يُفوَّضُ معرفةُ أمثالِ هذه الدقائق العويصة إلى رأي عدْلين من آحاد الناس؟ على أن الحكم بهذا المعنى إنما يتعلق بالأنواع لا بالأشخاص ، فبعد ما عُيِّن ، بمقابلة كل نوع من أنواع الصيد ، نوعٌ من أنواع النعم يتم الحُكم ولا يبقى عند وقوع خصوصيات الحوادث حاجةٌ إلى حكمٍ أصلاً .

(2/293)


وقرىء ( يحكم به ذو عدل ) على إرادة جنس العادل دون الوَحْدة ، وقيل : بل على إرادة الإمام ، والجملة صفة لجزاءٌ أو حال منه لتخصصه بالصفة ، وقوله تعالى : { هَدْياً } حال مقدرة من الضمير في ( به ) ، أو في ( جزاء ) لما ذكر من تخصصه بالصفة ، أو بدلٌ من ( مثل ) فيمن نصبه ، أو مِنْ محله فيمن جرَّه ، أو نصبٌ على المصدر أي يهديه هدياً ، والجملة صفة أخرى لجزاء .
{ بالغ الكعبة } صفةٌ ( لهدياً ) لأن الإضافة غير حقيقية { أَوْ كَفَّارَةٌ } عطف على مل ( من النعم ) على أنه خبر مبتدأ محذوف ، والجملةُ صفة ثانية ( لجزاء ) كما أشير إليه ، وقوله تعالى : { طَعَامُ مساكين } عطفُ بيانٍ لكفارةٌ عند من لا يخصصه بالمعارف ، أو بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف ، أي هي طعام مساكين ، وقوله تعالى : { أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً } عطف على طعام الخ ، كأنه قيل : فعليه جزاءٌ مماثلٌ للمقتول هو من النَّعم أو طعامُ مساكينَ أو صيامُ أيامٍ بعددهم ، فحينئذتكون الماثلةُ وصفاً لازماً للجزاء يقدَّر به الهدْي والطعام والصيام ، أما الأولان فبلا واسطة ، وأما الثالث فبواسطة الثاني ، فيختار الجاني كلاًّ منها بدلاً من الآخرَيْن ، هذا وقد قيل : إن قوله تعالى : { أَوْ كَفَّارَةٌ } عطف على ( جزاء ) فلا يبقى حينئذ في النظم الكريم ما يقدَّر به الطعام والصيام ، والالتجاءُ إلى القياس على الهدْي تعسفٌ لا يخفى ، هذا على قراءة ( جزاء ) بالرفع على سائر القراءات ، فقوله تعالى : { أَوْ كَفَّارَةٌ } خبر مبتدأ محذوفٍ ، والجملة معطوفة على جملة هو ( من النعم ) . وقرىء أو ( كفارةُ طعامِ مساكين ) بالإضافة لتبيين نوع الكفارة وقرىء طعامُ مِسْكين على أن التبيين يحصل بالواحد الدال على الجنس وقرىء ( أو عِدْل ) بكسر العين والفرق بينهما أن عَدلَ الشيء ما عادله من غير جنسه كالصوم والإطعام وعِدْلَه ما عُدِل به في المقدار كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى المفعول وذلك إشارة إلى الطعام و ( صياماً ) تمييز للعَدْل ، والخيار في ذلك للجاني عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وللحَكَمين عند محمد رحمه الله .
{ لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } متعلق بالاستقرار في الجار والمجرور ، أي فعليه جزاءٌ ليذوق الخ ، وقيل : بفعل يدل عليه الكلام ، كأنه قيل : شرع ذلك عليه ليذوق وبال أمره أي سوءَ عاقبةِ هَتْكه لحُرمة الإحرامِ ، والوبال في الأصل : المكروهُ والضررُ الذي ينال في العاقبة مَنْ عمل سوءاً لثِقَله ، ومنه قوله تعالى :

(2/294)


{ فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً } ومنه الطعام الوبيلُ وهو الذي لا تستمرِئُه المَعِدة { عَفَا الله عَمَّا سَلَف } من قتل الصيد مُحرِماً قبل أن يسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وقيل : عما سلف منه في الجاهلية ، لأنهم كانوا متعبَّدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرّماً { وَمَنْ عَادَ } إلى قتل الصيد بعد النهي عنه وهو محرم { فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه ، ولذلك دخلت الفاء كقوله تعالى : { فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً } أي فذلك لا يخاف الخ ، وقوله تعالى : { وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ } أي فأنا أمتعه ، والمراد بالانتقام التعذيبُ في الآخرة ، وأما الكفارة فعن عطاءٍ وإبراهيمَ وسعيدِ بن جبير والحسن أنها واجبة على العائد ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما وشُريح أنه لا كفارة عليه تعلقاً بالظاهر { والله عَزِيزٌ } غالب لا يُغالَب { ذُو انتقام } شديد فينتقم ممن أصر على المعصية والاعتداء .

(2/295)


أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)

{ أُحِلَّ لَكُمُ } الخطاب للمُحْرمين { صَيْدُ البحر } أي ما يصاد في المياه كلها بحراً كان أو نهراً أو غديراً ، وهو ما لا يعيش إلا في الماء مأكولاً أو غير مأكول { وَطَعَامُهُ } أي وما يُطْعَم من صيده ، وهو تخصيص بعد تعميم والمعنى أحل لكم التعرّضُ لجميع ما يصاد في المياه والانتفاعُ به ، وأكلُ ما يؤكل منه وهو السمك عندنا ، وعند ابن أبي ليلى جميعُ ما يصاد فيه ، على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيدُ حيوانِ البحر وأن تَطْعَموه ، وقرىء ( وطُعْمه ) ، وقيل : صيدُ البحر ما صيد فيه ، وطعامُه ما قذفه أو نَضَب عنه { متاعا لَّكُمْ } نُصِب على أنه مفعول له مختص بالطعام كما أن ( نافلة ) في قوله تعالى : { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } حالٌ مختصة بيعقوبَ عليه السلام ، أي أحل لكم طعامه تمتيعاً للمقيمين منكم يأكلونه طرياً { وَلِلسَّيَّارَةِ } منكم يتزودونه قَديداً ، وقيل : نُصب على أنه مصدر مؤكِّد لفعل مقدر ، أي متّعكم به متاعاً ، وقيل : مؤكد لمعنى ( أُحل لكم ) فإنه في قوة متّعكم به تمتيعاً كقوله تعالى : { كتاب الله عَلَيْكُمْ } { وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر } وقرىء على بناء الفعلِ للفاعل ونصْبِ ( صيدَ البر ) ، وهو ما يُفْرِخُ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كطير الماء { مَا دُمْتُمْ حُرُماً } أي محرمين ، وقرىء بكسر الدال من دامَ يدامُ ، وظاهرُه يوجب حرمة ما صاده الحَلالُ على المُحرم وإن لم يكن له مَدْخلٌ فيه ، وهو قول ( ابن ) عمرَ وابن عباس رضي الله عنهم . وعن أبي هريرة وعطاءٍ ومجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُبير رضي الله عنهم أنه يحلُّ له أكلُ ما صاده الحلالُ وإن صاده لأجله إذا لم يُشِرْ إليه ولم يُدلَّ عليه ، وكذا ما ذبحه قبل إحرامِه وهو مذهبُ أبي حنيفة ، لأن الخِطاب للمحرمين ، فكأنه قيل : وحرم عليكم ما صِدتُّم في البر فيَخرُج منه مَصيدُ غيرهم ، وعند مالك والشافعي وأحمد لا يباح ما صِيدَ له { واتقوا الله } فيما نهاكم عنه أو في جميع المعاصي التي من جملتها ذلك { الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } لا إلى غيره حتى يُتَوهَّمَ الخلاصُ من أخذه تعالى بالالتجاء إليه .

(2/296)


جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)

{ جَعَلَ الله الكعبة } قال مجاهد : سميت كعبةً لكونها مُكَعبّةً مُربَّعة ، وقيل : لانفرادها من البناء ، وقيل : لارتفاعها من الأرض ونتوئها ، وقوله تعالى : { البيت الحرام } عطفُ بيانٍ على جهة المدح دون التوضيح كما تجيء الصفةُ كذلك ، وقيل : مفعولٌ ثانٍ لجعل ، وقوله تعالى : { قِيَاماً لّلنَّاسِ } نُصبَ على الحال ، ويرده عطف ما بعده على المفعول الأول كما سيجيء ، بل هذا هو المفعول الثاني ، وقيل : الجعلُ بمعنى الإنشاءِ والخلق وهو حال كما مر . ومعنى كونه قياماً لهم أنه مدارٌ لقيام دينهم ودنياهم إذ هو سببٌ لانتعاشهم في أمور معاشِهم ومَعادِهم ، يلوذ به الخائفُ ، ويأمَن فيه الضعيف ، ويربح فيه التجار ، ويتوجه إليه الحجاج والعُمّار ، وقرىء ( قِيَماً ) على أنه مصدر على وزن شِبَع أُعلَّ عينه بما أُعلَّ في فعله { والشهر الحرام } أي الذي يؤدى فيه الحجُ وهو ذو الحجة وقيل : جنس الشهر الحرام ، وهو وما بعده عطف على الكعبة ، فالمفعول الثاني محذوف ثقةً بما مر ، أي وجعل الشهر الحرام { والهدى والقلائد } أيضاً قياماً لهم ، والمرادُ بالقلائد ذواتُ القلائد وهي البُدْنُ ، خُصّت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر ، وبهاءَ الحجَّ بها أظهر { ذلك } إشارة إلى الجعل المذكور خاصة أو مع ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره ، ومحلُّه النصبُ بفعل مقدر يدل عليه السياق وهو العامل في اللام بعده أي شرَعَ ذلك .
{ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } فإن تشريع هذه الشرائعِ المستَتْبِعةِ لدفع المضارِّ الدينية والدنيوية قبل وقوعها وجلبِ المنافع الأولوية والأخروية من أوضح الدلائل على حكمة الشارع ، وعدمِ خروجِ شيء عن علمه المحيط ، وقوله تعالى : { وَأَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } تعميمٌ إثْرَ تخصيصٍ للتأكيد ، ويجوز أن يراد بما في السموات والأرض الأعيانُ الموجودة فيهما ، و ( بكل شيء ) الأمورُ المتعلقة بتلك الموجودات من العوارض والأحوال التي هي من قبيل المعاني .

(2/297)


اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)

{ اعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } وعيد لمن انتهك محارِمَه أو أصر على ذلك ، وقوله تعالى : { وَأَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وعد لمن حافظ على مراعاة حرماته تعالى أو أقلع عن الانتهاك بعد تعاطيه ، ووجهُ تقديمِ الوعيد ظاهر { مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ } تشديد في إيجاب القيام بما أَمَرَ به ، أي الرسول قد أتى بما يوجب عليه من التبليغ بما لا مزيد عليه ، وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة ، فلا عذر لكم من بعد في التفريط { والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } فيؤاخذكم بذلك نقيراً وقِطْميراً .
{ قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب } حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال ، وبين جيِّدها ، قَصَد به الترغيب في جيِّد كل منها والتحذيرَ عن رديئها ، وإن كان سببَ النزول شريحُ بنُ ضُبيعةَ البكريُّ الذي مرت قصته في تفسير قوله تعالى : { يُرِيدُ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله } الخ ، وقيل : نزلت في رجل سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام : إن الخمر كانت تجارتي ، وإني اعتقدت من بيعها مالاً ، فهل ينفعني من ذلك المال إن عمِلت فيه بطاعة الله تعالى؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام : « إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدِلْ جَناحَ بعوضة ، إن الله لا يقبل إلا الطيب » ، وقال عطاءٌ والحسنُ رضي الله عنهما : الخبيث والطيب الحرامُ والحلال ، وتقديم الخبيث في الذكر للإشعار من أول الأمر بأن القصور الذي يُنْبىء عنه عدمُ الاستواء فيه لا في مقابِلِه ، فإنه مفهومٌ عدمُ الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادةً ونقصاناً وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد ، لكن المتبادر اعتبارُه بحسب قصور القاصر كما في قوله تعالى : { هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير } إلى غير ذلك ، وأما قوله تعالى : { هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } فلعل تقديمَ الفاضلِ فيه لما أن صِلتَه ملكة لصلة المفضول { وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث } أي وإن سرك كثرته ، والخطاب لكل واحد من الذين أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بخطابهم ، والواو لعطف الشرطية على مثلها المقدَّر ، وقيل : للحال وقد مر ، أي ولو لم تُعجِبْك كثرة الخبيث ولو أعجبتك ، وكلتاهما في موقع الحال من فاعل لا يستوي ، أي لا يستويان كائنين على كل حال مفروض كما في قولك : أحسِنْ إلى فلان وإن أساء إليك ، أي أحسن إليه وإن لم يُسِىءْ إليك وإن أساء إليك ، أي كائناً على كل حال مفروض ، وقد حُذفت الأولى حذفاً مطَّرداً لدِلالة الثانية عليها دلالة واضحة ، فإن الشيء إذا تحقق مع المعارِض فلأن يتحقق بدونه أولى ، وعلى هذا السر يدور ما في لو وإن الوصليتين من المبالغة والتأكيد ، وجواب لو محذوف في الجملتين لدلالة ما قبلهما عليه ، وسيأتي تمام تحقيقه في مواقعَ عديدةٍ بإذن الله عز وجل .
{ فاتقوا الله ياأولى أُوْلِى الالباب } أي في تحرِّي الخبيث وإن كثر ، وآثِروا عليه الطيِّب وإن قلّ ، فإن مدارَ الاعتبار هو الجُودة والرداءةُ لا الكثرةُ والقِلة ، فالمحمودُ القليلُ خيرٌ من المذموم الكثير ، بل كلما كثر الخبيثُ كان أخبثَ { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } راجين أن تنالوا الفلاح .

(2/298)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء } هو اسمُ جمعٍ على رأي الخليل وسيبويه وجمهور البصريين ، كطرفاء وقصباء أصله شيآء بهمزتين بينهما ألف ، فقُلبت الكلمة بتقديم لامها على فائها فصار وزنها لفعاء ، ومُنعت الصرفَ لألف التأنيث الممدودة ، وقيل : هو جمع شيْء على أنه مخفف من شيِّيء كهَيْنٍ مخففٌ من هيِّن ، والأصل أشْيِئاء كأهوناء بزنة أفعِلاء ، فاجتمعت همزتان لام الكلمة والتي للتأنيث ، إذ الألف كالهمزة فخففت الكلمة بأن قلبت الهمزة الأولى ياء لانكسار ما قبلها فصارت أشياء وزنها أفلاء ، ونعت الصرف لألف التأنيث ، وقيل : إنما حذفت من أشيِياءَ الياءُ المنقلبةُ من الهمزة التي هي لام الكلمة وفُتحت الياء المكسورة لتسلم ألف الجمع فوزنها أفعاء ، وقوله تعالى : { إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } صفةٌ لأشياء داعيةٌ إلى الانتهاء عن السؤال عنها ، وحيث كانت المَساءةُ في هذه الشرطية معلقةً بإبدائها لا بالسؤال عنها عُقّبت بشرطية أخرى ناطقةٍ باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجِبِ للمحذور قطعاً ، فقيل : { وإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ ينزلُ القُرْآن تُبْدَ لَكُم } أي تلك الأشياء الموجِبة للمَساءة بالوحي كما ينبىء عنه تقييدُ السؤال بحينِ التنزيل ، والمراد بها ما يشُق عليهم ويغمُهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقونها ، والأسرارِ الخفية التي يفتضحون بظهورها ، ونحوُ ذلك مما لا خير فيه ، فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة مستَتْبِعٌ لإبدائها كذلك السؤالُ عن تلك التكاليف مستتبعٌ لإيجابها عليهم بطريق التشديد لإساءتهم الأدب ، واجترائِهم على المسألة والمراجعة ، وتجاوزِهم عما يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله عز وجل من غير بحث فيه ولا تعرّضٍ لكيفيته وكمِّيته ، أي لا تُكثروا مُساءلةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عما لا يَعْنيكم من نحو تكاليفَ شاقةٍ عليكم إن أفتاكم بها وكلفكم إياها حسبما أُوحيَ إليه لم تطيقوها ، ونحوِ بعضِ أمورٍ مستورة تكرهون بُروزَها ، وذلك مِثلُ ما رُوي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : خطبنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فحمِد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال : « إن الله تعالى كتَب عليكم الحجَّ » فقام رجل من بني أسدٍ يقال لهُ : عُكاشةُ بنِ مِحْصَنٍ ، وقيل : سُراقة بنُ مالك ، فقال : أفي كل عامٍ يا رسول الله؟ فأعرضَ عنه حتى أعاد مسألتَه ثلاثَ مرات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ويحك وما يُؤْمِنُك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبتْ ما استطعتم ، ولو تركتم لكفرتم ، فاترُكوني ما تركتكم . فإنما هلَك من كان قبلَكم بكثرة سؤالِهم واختلافِهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتُكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه » ومِثلُ ما رُوي عن أنسٍ وأبي هريرة رضي الله عنهما ، أنه سأل الناسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياءَ حتى أحفَوْه في المسألة ، فقام عليه الصلاة والسلام مغْضَباً خطيباً فحمِد الله تعالى وأثنى عليه وقال :

(2/299)