صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)

{ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ } أي لا غيرُ ، كما يقال : الكرمُ هو التقوى ، وهم اليعقوبيةُ القائلون بأنه تعالى قد يحِلُّ في بدن إنسان معين ، أو في روحه ، وقيل : لم يصرِّح به أحدٌ منهم ، لكن حيث اعتقدوا اتصافَه بصفاتِ الله الخاصة وقد اعترفوا بأن الله تعالى موجود ، فلزِمهم القولُ بأنه المسيح لا غير ، وقيل : لما زعموا أن فيه لاهوتاً وقالوا : لا إله إلا واحدٌ ، لزمهم أن يكونَ هو المسيح ، فنُسب إليهم لازمُ قولِهم توضيحاً لجهلهم ، وتفضيحاً لمعتَقَدِهم { قُلْ } أي تبكيتاً لهم وإظهاراً لبطلان قولِهمِ الفاسد وإلقاماً لهم الحجَرَ ، والفاء في قوله تعالى : { فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً } فصيحة ، و ( مَنْ ) استفهامية للإنكار والتوبيخ ، والمُلكُ الضبطُ والحِفظُ التامُّ عن حزم ، و ( من ) متعلقةٌ به على حذف المضاف ، أي إن كان الأمرُ كما تزعُمون فمن يمنَعُ من قدرته تعالى وإرادته شيئاً؟ وحقيقتُه فمن يستطيعُ أن يُمسك شيئاً منهما { إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الارض جَمِيعاً } .
ومن حق مَنْ يكون إلها ألا يتعلقَ به ولا بشأنٍ من شؤونه ، بل بشيءٍ من الموجودات قدرةُ غيرِه بوجهٍ من الوجوه ، فضلاً عن أن يعجِزَ عن دفع شيءٍ منها عند تعلقِها بهلاكه ، فلما كان عجزُه بيناً لا ريب فيه ظهرَ كونُه بمعزل مما تقوَّلوا في حقه . والمرادُ بالإهلاك الإماتةُ والإعدامُ مطلقاً ، لا بطريق السُخْط والغضب ، وإظهارُ المسيح على الوجه الذي نسبوا إليه الألوهية في مقام الإضمار لزيادة التقرير ، والتنصيصِ على أنه من تلك الحيثية بعينها داخلٌ تحت قهره ومَلَكوته تعالى ونفْيِ المالكيةِ المذكورة بالاستفهام الإنكاري عن كل أحدٍ مع تحقق الإلزامِ والتبكيتِ بنفيها عن المسيح فقط ، بأن يقال : فهل يملِك شيئاً من الله إن أراد الخ لتحقيق الحقِّ بنفيِ الألوهية عن كل ما عداه سبحانه . وإثباتُ المطلوب في ضمنه بالطريق البرهاني ، فإن انتفاءَ المالكيةِ المستلزِمَ لاستحالة الألوهية متى ظهر بالنسبة إلى الكلِّ ظهر بالنسبة إلى المسيح على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه فيظهر استحالةُ ألوهيتِه قطعاً . وتعميمُ إرادةِ الإهلاك للكل ، مع حصول ما ذُكر من التحقّق بقَصْرها عليه ، بأن يقال : فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يُهلِك المسيح ، لتهويل الخطب وإظهارِ كمالِ العجز ببيانِ أن الكلَّ تحت قهره تعالى وملَكوته ، لا يقدِرُ أحدٌ على دفع ما أريد به فضلاً عن دفع ما أريد بغيره ، وللإيذان بأن المسيحَ أُسوةٌ لسائر المخلوقات في كونه عُرْضةً للهلاك كما أنه أُسوة لها فيما ذُكر من العجز وعدم استحقاقِ الألوهية ، وتخصيصُ أمِّه بالذكر مع اندراجها في ضمن مَنْ في الأرض لزيادة تأكيدِ عجْز المسيح ، ولعل نَظْمَها في سِلْك من فَرضَ إرادةَ إهلاكهم مع تحقق هلاكها قبل ذلك لتأكيد التبكيت وزيادةِ تقريرِ مضمونِ الكلام ، بجعل حالها أُنموذجاً لحال بقيةِ مَنْ فرَضَ إهلاكَه ، كأنه قيل : قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يُهلكَ المسيح وأمَّه ومن في الأرض ، وقد أهلك أمَّه فهل مانَعَه أحد ، فكذا حال مَنْ عداها من الموجودين وقوله تعالى : { وَللَّهِ مُلْكُ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا } أي ما بين قُطْرَي العالم الجسماني لا بين وجهِ الأرض ومُقعَّرِ فَلك القمر فقط ، فيتناول ما في السموات من الملائكة عليهم السلام وما في أعماق الأرض والبحار من المخلوقات ، تنصيصٌ على كون الكلِّ تحت قهره تعالى وملكوته إثرَ الإشارة إلى كون البعض أي من في الأرض كذلك ، أي له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرُّفُ المطلقُ فيها إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة لا لأحد سواه استقلالاً ، ولا اشتراكاً فهو تحقيقٌ لاختصاص الألوهية به تعالى إثرَ بيان انتفائها عن كل ما سواه .

(2/216)


وقوله تعالى : { يَخْلُقُ مَا يَشَاء } جملةٌ مستأنفة مَسوقةٌ لبيان بعض أحكام المُلك والألوهية على وجه يُزيحُ ما اعتراهم من الشبهة في أمر المسيح لولادته من غير أب ، وخَلْقِ الطير وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، أي يخلق ما يشاء من أنواع الخلق والإيجاد على أن ( ما ) نكرة موصوفة محلها النصبُ على المصدرية ، لا على المفعولية ، كأنه قيل : يخلق أيَّ خلق يشاؤه فتارةً يخلق من غير أصل كخلق السموات والأرض ، وأخرى من أصلٍ كخلق ما بينهما ، فيُنشىء من أصلٍ ليس من جنسه كخلق آدمَ وكثيرٍ من الحيوانات ، ومن أصلٍ يجانسه إما مِنْ ذكرٍ وحده كخلق حواءَ أو أنثى وحدها ، كخلق عيسى عليه السلام ، أو منهما كخلق سائر الناس ، ويخلق بلا توسط شيء من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات ، وقد يخلُق بتوسط مخلوق آخرَ كخلق الطير على يد عيسى عليه السلام معجزةً له وإحياءِ الموتى وإبراءِ الأكمه والأبرص وغير ذلك فيجب أن يُنسَبَ كلُّه إليه تعالى لا إلى من أجرى ذلك على يده { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } اعتراض تذييلي مقرِّرٌ لمضمون ما قبله ، وإظهار الاسم الجليل للتعليل وتقويةِ استقلال الجملة .

(2/217)


وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)

{ وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } حكايةٌ لِما صدر عن الفريقين من الدعوى الباطلة وبيانٌ لبطلانها بعد ذكر ما صدر عن أحدهما وبيانِ بطلانه أي قالت اليهود : نحن أشياعُ ابنِه عُزَيْرٍ ، وقالت النصارى : نحن أشياعُ ابنِه المسيحِ ، كما قيل لأشياع أبي خُبيب وهو عبد اللَّه بن الزبير : الخُبيبيّون ، وكما يقول أقاربُ الملوك عند المفاخرة : نحن الملوك ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إن النبي عليه الصلاة والسلام دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوَّفهم بعقاب الله تعالى فقالوا : كيف تخوِّفُنا به ونحن أبناءُ الله وأحباؤُه؟ وقيل : إن النصارى يتلون في الإنجيل أَنَّ المسيح قال لهم : إني ذاهبٌ إلى أبي وأبيكم ، وقيل : أرادوا أن الله تعالى كالأب لنا في الحُنُوِّ والعطف ، ونحن كالأبناء له في القُرب والمنزلة ، وبالجملة أنهم كانوا يدّعون أن لهم فضلاً ومَزيديةً عند الله تعالى على سائر الخلق ، فردّ عليهم ذلك ، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : { قُلْ } إلزاماً لهم وتبكيتاً { فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم } أي إن صح ما زعمتم فلأيِّ شيءٍ يعذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ ، وقد اعترفتم بأنه تعالى سيعذبكم في الآخرة بالنار أياماً بعدد أيامِ عبادتِكم العجلَ ، ولو كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ، ولما وقع عليكم ما وقع ، وقوله تعالى : { بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ } عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام ، أي لستم كذلك بل أنتم بشر { مّمَّنْ خَلَق } أي من جنس مَنْ خَلقه الله تعالى من غير مزيةٍ لكم عليهم { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } أن يغفر له من أولئك المخلوقين ، وهم الذين آمنوا به تعالى وبرسله { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } أن يعذبه منهم ، وهم الذين كفروا به وبرسله مثلَكم { وَللَّهِ مُلْكُ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا } من الموجودات لا ينتمي إليه سبحانه شيء منها إلا بالملوكية والعبودية والمقهورية تحت ملكوته ، يتصرّف فيهم كيف يشاء إيجاداً وإعداماً ، إحياء وإماتة ، وإثابة وتعذيباً ، فأنى لهم ادعاءُ ما زعموا { وَإِلَيْهِ المصير } في الآخرة خاصة لا إلى غيره استقلالاً أو اشتراكاً فيجازي كلاًّ من المحسن والمسيء بما يستدعيه عملُه من غير صارف يَثْنيه ولا عاطفٍ يَلْويه .

(2/218)


يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)

{ يَا أَهْلِ الكتاب } تكريرٌ للخطاب بطريق الالتفات ولطفٌ في الدعوة { قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ } حال من رسولنا ، وإيثارُه على مبيِّناً لما مر فيما سبق ، أي يبين لكم الشرائعَ والأحكامَ الدينية المقرونة بالوعد والوعيد ، ومن جملتها ما بين في الآيات السابقة من بطلان أقاويلِكم الشنعاء ، وما سيأتي من أخبار الأمم السالفة ، وإنما حُذف تعويلاً على ظهور أن مجيءَ الرسول إنما هو لبيانها ، أو يفعلُ لكم البيانَ ، ويبذُله لكم في كل ما تحتاجون فيه إلى البيان من أمور الدين ، وأما تقديرُ مثل ما سبق في قوله تعالى : { كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب } كما قيل فمع كونه تكريراً من غير فائدة ، يرده قوله عز وجل : { على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل } فإن فتورَ الإرسال وانقطاعَ الوحي إنما يُحوج إلى بيان الشرائع والأحكام لا إلى بيان ما كتموه و ( على فترة ) متعلق ( بجاءكم ) على الظرفية كما في قوله تعالى : { واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سليمان } أي جاءكم على حين فتور من الإرسال وانقطاع من الوحي ، ومزيدِ احتياج إلى بيان الشرائع والأحكام الدينية ، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من ضمير يبين ، أو من ضمير لكم ، أي يبين لكم ما ذُكر حال كونه على فترة من الرسل ، أو حال كونكم عليها أحوجَ ما كنتم إلى البيان ، و ( من الرسل ) متعلق بمحذوفٍ وقع صفةً لفترة ، أي كائنةٍ من الرسل مبتدَأةٍ من جهتهم .
قوله تعالى : { أَن تَقُولُواْ } تعليل لمجيء الرسول بالبيان على حذف المضاف أي كراهةَ أن تقولوا معتذرين عن تفريطكم في مراعاة أحكام الدين { مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ } وقد انطمست آثارُ الشرائع السابقة ، وانقطعت أخبارُها ، وزيادة ( مِنْ ) في الفاعل للمبالغة في نفي المجيء ، وتنكير بشير ونذير للتقليل ، وهذا كما ترى يقتضي أن المقدر أو المنوي فيما سبق هو الشرائع والأحكام لا كيفما كانت ، بل مشفوعة بما ذكر من الوعد والوعيد ، وقوله تعالى : { فَقَدْ جَاءكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } متعلق بمحذوف ينبىء عنه الفاء الفصيحة وتُبيِّنُ أنه مُعلَّل به ، وتنوينُ ( بشيرٌ ونذيرٌ ) للتفخيم أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم بشير أيُّ بشيرٍ ونذير أيُّ نذير { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدِرُ على الإرسال تترى كما فعله بين موسى وعيسى عليهما السلام حيث كان بينهما ألفٌ وسبعُمائة سنة وألفُ نبيَ وعلى الإرسال بعد الفترة كما فعله بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، حيث كان بينهما ستُمائة سنةٍ أو خمسُمائةٍ وتسعٌ وستون سنةً أو خمسُمائةٍ وستٌ وأربعون سنةً وأربعةُ أنبياءَ على ما روى الكلبيّ ثلاثةٌ من بني إسرائيلَ وواحدٌ من العرب خالد بن سنان العبسي ، وقيل : لم يكن بعد عيسى عليه السلام إلا رسولُ الله عليه السلام وهو الأنسبُ بما في تنوين ( فترةٍ ) من التفخيم اللائق بمقام الامتنان عليهم بأن الرسول قد بُعث إليهم عند كمالِ حاجتهم إليه بسبب مضيِّ زمانٍ طويل بعد انقطاعِ الوحي ليهشّوا إليه ويعُدّوه أعظمَ نعمةٍ من الله تعالى ، وفتحَ بابٍ إلى الرحمة ، وتلزَمُهم الحجةُ فلا يَعتلُّوا غداً بأنه لم يُرسَلْ إليهم من يُنبِّههم من غفلتهم .

(2/219)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20)

{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ } جملةٌ مستأنفةٌ مسوقةٌ لبيان ما فعلت بنو إسرائيلَ بعد أخذِ الميثاق منهم ، وتفصيلِ كيفيةِ نقضِهم له وتعلّقِه بما قبله ، من حيث إن ما ذُكر فيه من الأمور التي وصفَ النبيَّ عليه السلام بيانُها ، ومن حيث اشتمالُه على انتفاء فترة الرسل فيما بينهم ، و ( إذ ) نُصب على أنه مفعولٌ لفعل مقدرٍ خوطب به النبيُّ عليه الصلاة والسلام بطريق تلوينِ الخطاب ، وصَرْفُه عن أهل الكتاب ليعدِّدَ عليهم ما صدر عن بعضهم من الجنايات . أي واذكُر لهم وقت قولِ موسى لقومه ناصحاً لهم ومستميلاً لهم بإضافتهم إليه { الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجابِ ذكرِها ، لما أن إيجابَ ذكرِ الوقت إيجابٌ لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني ، ولأن الوقت مشتملٌ على ما وقع فيه تفصيلاً ، فإذا استُحضِر كان ما وقع فيه حاضِراً بتفاصيله ، كأنه مشاهَدٌ عِياناً ، و ( عليكم ) متعلق بنفس النعمة إذا جُعلت مصدراً ، وبمحذوف وقع حالاً منها إذا جُعلت اسماً ، أي اذكروا إنعامه عليكم ، وكذا ( إذ ) في قوله تعالى : { إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء } أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم في وقت جَعْله أو اذكروا نعمته تعالى كائنة عليكم في وقت جعْلِه فيما بينكم من أقربائكم أنبياءَ ذوِي عددٍ كثير وأُولي شأنٍ خطير ، حيث لم يَبْعثْ من أمة من الأمم ما بَعَث من بني إسرائيلَ من الأنبياء { وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } عطفٌ على ( جعل ) فيكم أو منكم ملوكاً كثيرة ، فإنه قد تكاثر فيهم الملوكُ تكاثرَ الأنبياء ، وإنما حذف الظرف تعويلاً على ظهور الأمر أو جَعْل الكلِّ في مقام الامتنان عليهم ملوكاً ، لما أن أقاربَ الملوك يقولون عند المفاخرة : نحن الملوك ، وإنما لم يسلُكْ ذلك المسلكَ فيما قبله لما أن منصِبَ النبوةِ مِنْ عِظَم الخطر وعِزَّة المطلب وصعوبة المنال بحيث ليس يليقُ أن يُنْسبَ إليه ولو مجازاً مَنْ ليس ممن اصطفاه الله تعالى له . وقيل : كانوا مملوكين في أيدي القِبْط فأنقذهم الله تعالى فسمَّى إنقاذهم مُلْكاً ، وقيل : المَلِكُ مَنْ له مسكنٌ واسع فيه ماء جار ، وقيل : من له بيت وخدم ، وقيل : من له مال لا يَحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمّل المشاق { وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم اذكروا نِعْمَةَ } من فلْق البحر وإغراقِ العدو وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى وغير ذلك مما آتاهم الله تعالى من الأمور العِظام ، والمرادُ بالعالمين الأممُ الخالية إلى زمانهم ، وقيل : مِنْ عالَمِي زمانِهم .

(2/220)


يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)

{ العالمين يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ } كرر النداء بالإضافة التشريفية اهتماماً بشأن الأمر ومبالغةً في حثهم على الامتثال به ، والأرضُ هي أرضُ بيت المقدس ، سُمِّيت بذلك لأنها كانت قرارَ الأنبياء ومسكنَ المؤمنين .
وقيل : هي الطورُ وما حوله ، وقيل : دمشقُ وفِلَسطينُ وبعضُ الأردن ، وقيل : هي الشام { الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } أي كتَبَ في اللوح المحفوظ أنها تكونُ مسكناً لكم إن آمنتم وأطعتم لقوله تعالى لهم بعد ما عصَوْا : { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } وقولِه تعالى : { وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم فَتَنْقَلِبُوا خاسرين } فإن ترتيبَ الخَيبة والخُسران على الارتداد يدل على اشتراط الكَتْب بالمجاهدة المترتِّبة على الإيمان والطاعة قطعاً ، أي لا ترجِعوا مُدبرين خوفاً من الجبابرة ، فالجار والمجرور متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من فاعل ترتدوا ، ويجوز أن يتعلق بنفس الفعل ، قيل : لما سمعوا أحوالهم من النقباء بكَوْا وقالوا : يل ليتنا مِتْنا بمصر ، تعالَوْا نجعلُ لنا رأساً ينصرِفْ بنا إلى مصر ، أو لا ترتدوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى ، وقوله : ( فتنقلبوا ) إما مجزومٌ عطفا على ترتدوا ، أو منصوبٌ على جواب النهي ، والخُسران خُسرانُ الدين والدنيا لا سيما دخولُ ما كتب لهم .
{ قَالُواْ } استئناف مبنيٌّ نشأ من مَساق الكلام كأنه قيل : فماذا قالوا بمقابلة أمرِه عليه السلام ونهيِه؟ فقيل : قالوا غيرَ ممتثِلين بذلك : { قَالُوا ياموسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ } متغلِّبين لا يتأتّى منازعتهم ولا يتسنى مناصبتهم . والجبارُ العاتي الذي يُجبرُ الناسَ ويقسرهم كائناً من كان على ما يريده كائناً ما كان ، فعّال من جبرَه على الأمر أي أجْبَره عليه { وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا } من غير صُنْع مِنْ قِبَلِنا ، فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها { فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا } بسببٍ من الأسباب التي لا تعلُّقَ لنا بها { فَإِنَّا داخلون } حينئذ ، أتَوْا بهذه الشرطية مع كون مضمونها مفهوماً مما سبق من توقيت عدمِ الدخول بخروجهم منها تصريحاً بالمقصود وتنصيصاً على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها ، وأتَوا في الجزاء بالجملة الاسمية المصدرة بحرف التحقيق دلالةً على تقرُّر الدخول وثباتِه عند تحقّق الشرط لا محالة ، وإظهاراً لكمال الرغبة فيه ، وفي الامتثال بالأمر .

(2/221)


قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)

{ قَالَ رَجُلاَنِ } استئنافٌ كما سبق كأنه قيل : هل اتفقوا على ذلك أو خالفهم البعض؟ فقيل : قال رجلان : { مِنَ الذين يَخَافُونَ } أي يخافون الله تعالى دون العدوِّ ويتّقونه في مخالفة أمرِه ونهيِه ، وبه قرأ ابنُ مسعود ، وفيه تعريضٌ بأن مَنْ عداهما لا يخافونه تعالى . بل يخافون العدو . وقيل : من الذين يخافون العدو أي منهم في النسب لا في الخوف وهما يوشَعُ بنُ نون وكالب بن يوقنا من النقباء ، وقيل : هما رجلان من الجبابرة أسلما وسارا إلى موسى عليه السلام ، فالواو حينئذ لبني إسرائيلَ ، والموصول عبارة عن الجبابرة ، وإليهم يعود العائد المحذوف ، أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل ويعضده قراءة من قرأ ( يُخافون ) على صيغة المبني للمفعول أي المَخُوفين ، وعلى الأول يكون هذا من الإحافة أي من الذين يخوِّفون من الله تعالى بالتذكير أو يخوِّفهم الوعيدُ { أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا } أي بالتثبيت وربْطِ الجأش والوقوف على شؤونه تعالى والثقة بوعده ، أو بالإيمان وهو صفة ثانيةٌ لرجلان ، أو اعتراض ، وقيل : حال من الضمير في يخافون أو من رجلان لتخصّصه بالصفة ، أي قالا مخاطِبين لهم ومشجعين { ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب } أي بابَ بلدهم ، وتقديم الجار والمجرور عليه للاهتمام به لأن المقصودَ إنما هو دخولُ الباب وهم في بلدهم أي باغِتوهم وضاغِطوهم في المَضيق وامنعوهم من البُروز إلى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالاً { فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ } أي باب بلدهم وهم فيه { فَإِنَّكُمْ غالبون } من غير حاجة إلى القتال فإنا قد رأيناهم وشاهدنا أن قلوبَهم ضعيفة ، وإن كانت أجسادُهم عظيمة ، فلا تخشَوْهم واهجُموا عليهم في المضايق فإنهم لا يقدرون فيها على الكر والفر . وقيل : إنما حَكَما بالغَلَبة لما عَلِماها من جهة موسى عليه السلام ومن قوله تعالى : { كَتَبَ الله لَكُمْ } أو لِما علِما من سنّته تعالى في نَصْره ورسلَه وما عهِدا من صُنعه تعالى لموسى عليه السلام من قهر أعدائه ، والأول أنسبُ بتعليق الغلَبةِ بالدخول .
{ وَعَلَى الله } تعالى خاصةً { فَتَوَكَّلُواْ } بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها بمعزلٍ من التأثير ، وإنما التأثير من عند الله العزيز القدير { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي مؤمنين به تعالى مصدِّقين لوعده فإن ذلك مما يوجبُ التوكل عليه حتماً { قَالُواْ } استئنافٌ كما سبق أي قالوا غيرَ مبالين بهما وبمقالتهما مخاطِبين لموسى عليه السلام إظهاراً لإصرارهم على القول الأول وتصريحاً بمخالفتهم له عليه السلام { ياموسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا } أي أرضَ الجبابرة فضلاً عن دخول بابهم وهم في بلدهم { أَبَدًا } أي دهراً طويلاً { مَّا دَامُواْ فِيهَا } أي في أرضهم وهو بدل من ( أبداً ) بدلَ البعض أو عطفُ بيان { فاذهب } الفاء فصيحة أي فإذا كان الأمر كذلك فاذهب { أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا } أي فقاتلاهم ، إنما قالوا ذلك استهانةً واستهزاء به سبحانه وبرسوله ، وعدمَ مبالاةٍ بهما ، وقصدوا ذهابَهما حقيقةً كما يُنْبىء عنه غايةُ جهلِهم وقسوةُ قلوبهم ، وقيل : أرادوا إرادتَهما وقصْدَهما كما تقول : كلمتُه فذهب يجيبني ، كأنهم قالوا : فأَرِيدا قتالَهم واقْصِداهم . وقيل : التقدير فاذهبْ أنت وربُك يُعينُك ، ولا يساعده قوله تعالى : { فَقَاتِلا } ولم يذكروا هارون ولا الرجلين كأنهم لم يجزموا بذهابهم أو لم يعبأوا بقتالهم وقوله تعالى : { إِنَّا هاهنا قاعدون } يؤيد الوجه الأول وأرادوا بذلك عدمَ التقدم لا عدمَ التأخر .

(2/222)


قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)

{ قَالَ } عليه السلام لما رأى منهم ما رأى من العِناد على طريقة البثِّ والحُزن والشكوى إلى الله تعالى مع رقة القلبِ التي بمثلها تُستجلبُ الرحمةُ وتُسْتَنزَلُ النُّصرة { رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى } عطف على نفسي ، وقيل : على الضمير في ( إني ) على معنى إني لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملِكُ إلا نفسَه ، وقيل : على الضمير في ( لا أملك ) للفصل { فافرق بَيْنَنَا } يريد نفسه وأخاه ، والفاء لترتيب الفرق أو الدعاءِ به على ما قبله { وَبَيْنَ القوم الفاسقين } الخارجين عن طاعتك المُصِرّين على عِصيانك بأن تحكُم لنا بما نستحقّه وعليهم بما يستحقونه ، وقيل : بالتبعيد بيننا وبينهم وتخليصِنا من صحبتهم .
{ قَالَ فَإِنَّهَا } أي الأرض المقدسة ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الدعاء { مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } تحريمَ منعٍ لا تحريمَ تعبُّد ، لا يدخُلونها ولا يملِكونها لأن كتابتها لهم كانت مشروطةً بالإيمان والجهاد ، وحيث نكصوا على أدبارهم حُرموا ذلك وانقلبوا خاسرين ، وقوله تعالى : { أَرْبَعِينَ سَنَةً } إن جُعل ظرفاً ( لمحرمةٌ ) يكون التحريمُ مؤقتاً لا مؤبداً ، فلا يكون مخالفاً لظاهر قولِه تعالى : { كَتَبَ الله لَكُمْ } فالمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم في هذه المدة ، لكن لا بمعنى أن كلَّهم يدخلونها بعدها بل بعضُهم بقيَ حسْبما رُوي أن موسى عليه السلام سار بمن بقيَ من بني إسرائيلَ إلى أريحا ، وكان يوشعُ بنُ نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قُبض عليه السلام ، وقيل : لم يدخلها أحد ممن قال : ( لن ندخُلها أبداً ) ، وإنما دخلها مع موسى عليه السلام النواشىءُ من ذرياتهم ، فالمؤقت بالأربعين في الحقيقة تحريمها على ذرياتهم ، وإنما جُعل تحريمُها عليهم لما بينهما من العلاقة التامة المتاخمة للاتحاد ، وقوله تعالى : { يَتِيهُونَ فِى الارض } أي يتحيرون في البرية ، استئناف لبيان كيفية حِرْمانهم ، أو حال من ضمير عليهم ، وقيل : الظرف متعلق بيتيهون فيكون التيه مؤقتاً والتحريم مطلقاً ، قيل : كانوا ستمائة ألف مقاتل ، وكان طول البرية تسعين فرسخاً ، وقد تاهوا في ستة فراسخَ أو تسعة فراسخَ في ثلاثين فرسخاً ، وقيل : في ستة فراسخَ في اثنى عشرَ فرسخاً .
روي أنهم كانوا كلَّ يوم يسيرون جادّين حتى إذا أمسَوا إذا هم بحيث ارتحلوا ، وكان الغمامُ يُظلُّهم من حر الشمس ، ويطلُع بالليل عمودٌ من نور يضيء لهم ، ويَنزِلُ عليهم المن والسلوى ، ولا تطول شعورُهم ، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوبٌ كالظُفُر يطول بطوله ، وهذه الإنعاماتُ عليهم مع أنهم معاقَبون لِما أن عقابَهم كان بطريق العِراك والتأديب . قيل : كان موسى وهارون معهم ولكن كان ذلك لهما رَوْحاً وسلامة كالنار لإبراهيم وملائكةِ العذاب عليهم السلام ، وروي أن هارون مات في التيه ومات موسى بعده فيه بسنة ، ودخل يوشعُ أريحا بعد موته بثلاثة أشهر ، ولا يساعده ظاهرُ النظم الكريم ، فإنه تعالى بعد ما أقبل على بني إسرائيلَ وعذبهم بالتيه بعيدٌ أن ينجِّيَ بعضَ المدعوِّ عليهم أو ذراريهم ويقدّر وفاتَهما في محل العقوبة ظاهراً ، وإن كان ذلك لهما منزِلَ رَوْحٍ وراحةٍ وقد قيل : إنهما لم يكونا معهم في التيه وهو الأنسب بتفسير الفرق بالمباعدة ، ومن قال بأنهما كانا معهم فيه فقد فسر الفَرْقَ بما ذُكر من الحُكْمِ بما يستحقّه كلُّ فريق .

(2/223)


{ فَلاَ تَأْسَ } فلا تحزن { عَلَى القوم الفاسقين } روي أنه عليه السلام ندِم على دعائه عليهم فقيل : لا تندمْ ولا تحزَن فإنهم أحِقّاءُ بذلك لفسقهم .

(2/224)


وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

{ واتل عَلَيْهِمْ } عطف على مقدّر تعلق به قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ موسى } الخ ، وتعلُقه به من حيث إنه تمهيدٌ لما سيأتي من جِنايات بني إسرائيلَ بعد ما كُتب عليهم ما كُتب وجاءتهم الرسلُ بما جاءت به من البينات { نَبَأَ ابْنَي آدَم } هما قابيلُ وهابيلُ ، ونُقل عن الحسن والضحاك أنهما رجلان من بني إسرائيلَ بقرينةٍ آخِرَ القصة ، وليس كذلك . أوحى الله عز وجل إلى آدمَ أن يزوج كلاًّ منهما توأمةَ الآخر وكانت توأمةُ قابيلَ أجملَ واسمُها إقليما فحسدَه عليها أخاه وسخِط ، وزعم أن ذلك ليس من عند الله تعالى بل من جهة آدمَ عليه السلام فقال لهما عليه السلام : قرِّبا قُرباناً فمِنْ أيِّكما قُبل تزوّجها ، ففعلا ، فنزلت نارٌ على قُربانِ هابيلَ فأكلتْه ولم تتعرَّضْ لقُربانِ قابيلَ ، فازداد هابيلُ حسَداً وسُخْطاً وفعل ما فعل ، { بالحق } متعلق بمحذوفٍ وقع صفةً لمصدرٍ محذوف ، أي تلاوةً ملتبسةً بالحق والصِّحة ، أو حالاً من فاعلِ ( اتْلُ ) أو من مفعوله ، أي ملتبساً أنت أو ( اتل ) نبأَهما بالحق والصدقِ حسبما تقرّر في كتب الأولين { إِذْ قَرَّبَا قربانا } منصوب بالنبأ ظرفٌ له أي اتلُ قصتهما ونبأهما في ذلك الوقت ، وقيل : بدلٌ منه على حذف المضافِ أي اتلُ عليهم نبأهما نبأَ ذلك الوقت ، ورُد عليه بأن ( إذ ) لا يضاف إليها غيرُ الزمان كوقتئذ وحينئذ ، والقُربان اسمٌ لما يُتقرَّب به إلى الله تعالى من نسُكٍ أو صَدَقةٍ كالحُلوان اسمٌ لما يُحْلى أي يعطى ، وتوحيدُه لما أنه في الأصل مصدرٌ ، وقيل : تقديره إذ قرّب كلٌّ منهما قرباناً { فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا } هو هابيلُ ، قيل : كان هو صاحبَ ضَرْعٍ وقرب جَملاً سميناً فنزلت نارٌ فأكلتْه { وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الاخر } هو قابيل ، قيل : كان هو صاحبَ زرع وقرّب أردأَ ما عنده من القمح فلم تتعرضْ له النارُ أصلاً .
{ قَالَ } استئناف مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من سَوْق الكلام كأنه قيل : فماذا قال من لم يُتقبَّلْ قُربانه؟ فقيل : قال لأخيه لِتضاعُفِ سَخَطِه وحسَدِه لما ظهر فضلُه عليه عند الله عز وجل { لاَقْتُلَنَّكَ } أي والله لأقتلنَّك بالنون المشددة وقرىء بالمخففة { قَالَ } استئناف كما قبله أي قال الذي تُقُبِّل قُربانُه لمّا رأى أن حسَدَه لقَبول قُربانه وعدمِ قَبول قُربانِ نفسِه { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله } أي القربانَ { مِنَ المتقين } لا من غيرهم ، وإنما تقبَّلَ قُرباني وردّ قُربانَك لما فينا من التقوى وعدمِه ، أي إنما أُتيتَ من قِبَل نفسِك لا من قِبَلي فلم تقتلني ، خلا أنه لم يصرِّحْ بذلك بل سلك مسلكَ التعريضِ حذراً من تهييج غضبه وحملاً له على التقوى والإقلاعِ عما نواه ولذلك أُسند الفعلُ إلى الاسم الجليل لتربية المهابة ، ثم صرح بتقواه على وجهٍ يستدعي سكونَ غيظِه لو كان له عقلٌ وازعٌ حيث قال بطريق التوكيد .

(2/225)


لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)

{ لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لاِقْتُلَكَ } حيث صدَّر الشرطيةَ باللام الموطِّئةِ للقسم وقدم الجارَّ والمجرورَ على المفعول الصريح إيذاناً من أول الأمر برجوعِ ضررِ البسطِ وغائلتِه إليه ، ولم يُجْعلْ جوابُ القسم السادُّ مسدَّ جوابِ الشرط جملةً فعليةً موافقة لما في الشرط ، بل اسميةً مصدّرةً بما الحجازية المفيدةِ لتأكيدِ النفي بما في خبرها من الباء للمبالغة في إظهار براءتِه عن بسْطِ اليد ببيانِ استمراره على نفي البسط كما في قوله تعالى : { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } وقوله : { وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا } فإن الجملة الاسميةَ الإيجابيةَ كما تدل بمعونة المقام على دوام الثبوت كذلك السلبية تدل بمعونته على دوام الانتفاءِ لا على انتفاءِ الدوامِ ، وذلك باعتبار الدوام والاستمرار بعد اعتبارِ النفي لا قبله حتى يردَ النفيُ على المقيّدِ بالدوام فيرفعَ قيدَه . أي والله لئن باشرتَ قتلي حسبما أوعدتني به وتحقق ذلك منك ما أنا بفاعلٍ مثلَه لك في وقت من الأوقات ثم علل ذلك بقوله :
{ إِنّى أَخَافُ الله رَبَّ العالمين } وفيه من إرشادِ قابيلَ إلى خشية الله تعالى على أبلغ وجهٍ وآكدِه ما لا يخفى ، كأنه قال : إني أخافه تعالى إن بسطتُ يدِيَ إليك لأقتلك أن يعاقبَني وإن كان ذلك مني لدفع عداوتِك عني فما ظنُّك بحالك وأنت البادىءُ العادي ، وفي وصفه تعالى بربوبية العالمين تأكيدٌ للخوف . قيل : كان هابيلُ أقوى منه ولكن تحرَّج عن قتله واستسلم خوفاً من الله تعالى لأن القتلَ للدفع لم يكون مُباحاً حينئذ ، وقيل : تحرِّياً لما هو الأفضلُ حسبما قال عليه السلام : « كن عبدَ الله المقتول ولا تكنْ عبدَ الله القاتل » ويأباه التعليلُ بخوفه تعالى إلا أن يدعى أن تركَ الأَوْلى عنده بمنزلة المعصية في استتباع الغائلة مبالغةً في التنزه ، وقوله تعالى : { إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ } تعليل آخرُ لامتناعه عن المعارضة على أنه غرَضٌ متأخِّرٌ عنه كما أن الأولَ باعثٌ متقدِّمٌ عليه ، وإنما لم يُعطفْ عليه تنبيهاً على كفاية كلَ منهما في العِلّية والمعنى إني أريد باستسلامي لك وامتناعي عن التعرّض لك أن ترجِعَ بإثمي أي بمثل إثمي لو بسطتُ يدي إليك وإثمِك ببسط يدِك إليّ ، كما في قوله عليه السلام : « المُسْتَبَّانِ مَا قَالاَ فَعَلَى البَادِىءِ مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُوم » أي على البادىء عينُ إثمِ سبِّه ومثلُ سبِّ صاحبه بحكم كونه سَبَباً له ، وقيل : معنى ( بإثمي ) إثمِ قتلي ومعنى ( بإثمك ) إثمِك الذي لأجله لم يُتقبَّلْ قُربانُك ، وكلاهما نصب على الحالية أي ترجع ملتبساً بالإثمين حاملاً لهما ولعل مرادَه بالذات إنما هو عدمُ ملابستِه للإثم لا ملابسةِ أخيه له ، وقيل : المراد بالإثم عقوبتُه ولا ريب في جواز إرادة عقوبةِ العاصي ممن عَلِم أنه لا يرعوي عن المعصية أصلاً ، ويأباه قولُه تعالى : { فَتَكُونَ مِنْ أصحاب النار } فإن كونَه منهم إنما يترتّب على رجوعه بالإثمين لا على ابتلائِه بعقوبتهما ، وحملُ العقوبة على نوعٍ آخَرَ يترتّبُ عليها العقوبةُ النارية يردّه قوله تعالى : { وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين } فإنه صريحٌ في أن كونه من أصحاب النار تمامُ العقوبة وكمالُها ، والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها ، ولقد سلك في صَرْفه عما نواه من الشر كلَّ مسلك من العظة والتذكير بالترغيب تارةً والترهيب أخرى ، فما أورثه ذلك إلا الإصرارَ على الغيِّ والانهماك في الفساد .

(2/226)


فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)

{ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } أي وسَّعَتْه وسهّلته ، من طاعَ له المرتَعُ إذا اتسع ، وترتيبُ التطويع على ما حُكي من مقالات هابيلَ مع تحققه قبلها أيضاً كما يُفصح عنه قولُه : { لاَقْتُلَنَّكَ } لِما أن بقاءَ الفعل بعد تقرّر ما يُزيله من الدواعي القوية وإن كان استمراراً عليه بحسَب الظاهر ، لكنه في الحقيقة أمرٌ حادث وصُنع جديد ، كما في قولك : وعظتُه فلم يتَّعظ ، أو لأن هذه المرتبةَ من التطويع لم تكن حاصلةً قبلَ ذلك بناءً على تردُّده في قُدرته على القتل ، لما أنه كان أقوى منه . وإنما حصلت بعد وقوفه على استسلام هابيلَ وعدم معارضتِه له ، والتصريحُ بأُخوَّته لكمال تقبيحِ ما سوَّلته نفسُه . وقرىء ( فطاوعت ) على أنه فاعَلَ بمعنى فعل ، أو على أن قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع ، و ( له ) لزيادة الربطِ كقولك : حفظتُ لزيد مالَه { فَقَتَلَهُ } قيل : ( لم يدر قابيلُ كيف يقتل هابيلَ ، فتمثل إبليسُ وأخذ طائراً ووضع رأسه على حجر ثم شدَخها بحجر آخرَ فتعلّم منه فرضخَ رأسَ هابيلَ بين حجرين وهو مستسلم لا يستعصي عليه ) ، وقيل : اغتالَه وهو نائم ، وكان لهابيلَ يوم قُتل عشرون سنة واختلف في موضِع قتلِه ، فقيل : عند عقبةِ حِراء ، وقيل : بالبصرة في موضع المسجدِ الأعظم ، وقيل : في جبل بود ، ولما قتله تركه بالعَراء لا يدري ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله في جِراب على ظهره أربعين يوماً ، وقيل : سنة ، حتى أروح وعكفت عليه الطيور والسباع تنظر متى يرمي به فتأكلَه { فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين } ديناً ودنيا .
{ فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِى الارض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْأَةَ أَخِيهِ } روي ( أنه تعالى بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخرَ فحفر له بمنقاره ورجليه حُفرة فألقاه فيها ) ، والمستكنُّ في ( يريَه ) لله تعالى أو للغراب ، واللام على الأول متعلقة ببعَثَ حتماً ، وعلى الثاني بيبحث ، ويجوز تعلُّقها ببعث أيضاً و ( كيف ) حال من ضمير ( يُواري ) والجملةُ ثاني مفعولي يري ، والمرادُ بسَوْءة أخيه جسدُه الميْتُ { قَالَ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من سوق الكلامِ كأنه قيل : فماذا قال عند مشاهدةِ حال الغراب؟ فقيل : قال : { يا ويلتى } هي كلمةُ جَزَعٍ وتحسّرٍ والألفُ بدلٌ من ياء المتكلم والمعنى يا ويلتي احضُري فهذا أوانك ، والويلُ والويلةُ الهلَكة { أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ } أي عن أن أكون { مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِى } تعجبٌ من عدم اهتدائِه إلى ما اهتدى إليه الغرابُ ، وقولُه تعالى : { فَأُوَارِيَ } بالنصب عطفٌ على أن أكون ، وقرىء بالرفع أي فأنا أواري { فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } أي على قتله لِما كابد فيه من التحيّر في أمره وحملِه على رقبته مدةً طويلة . روي أنه لما قتله اسودّ جسدُه وكان أبيضَ ، فسأله آدمُ عن أخيه فقال : ما كنت عليه وكيلاً ، قال : بل قتلتَه ولذلك اسود جسدُك ، ومكث آدمُ بعده مائةَ سنةٍ لا يضحك ، وقيل : لما قتل قابيلُ هابيلَ هرب إلى عدن من أرض اليمن ، فأتاه إبليسُ فقال له : إنما أكلت النارُ قربانَ هابيلَ لأنه كان يخدُمها ويعبُدها ، فإن عبدتَها أيضاً حصل مقصودُك ، فبنى بيتَ نارٍ فعبدها وهو أولُ مَنْ عبد النار .

(2/227)


مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

{ مِنْ أَجْلِ ذلك } شروعٌ فيما هو المقصودُ من تلاوة النبأ من بيان بعضٍ آخرَ من جنايات بني إسرائيل ومعاصيهم ، وذلك إشارةٌ إلى عِظم شأنِ القتلِ وإفراطِ قُبحِه المفهومَين مما ذكر في تضاعيف القِصّةِ من استعظام هابيلَ له وكمالِ اجتنابه عن مباشرته ، وإن كان ذلك بطريق الدفعِ عن نفسه واستسلامه لأن يُقتلَ خوفاً من عقابه وبيانِ استتباعِه لتحمل القاتلِ لإثم المقتول ومن كون قابيلَ بمباشرته من جُملة الخاسرين دينَهم ودنياهم ومن ندامته على فعله مع ما فيه من العتوّ وشدة الشكيمةِ وقساوةِ القلب ، والأجْلُ في الأصل مصدر أجَل شراً إذا جناه ، استعمل في تعليل الجناياتِ كما في قولهم : من جرّاك فعلتُه أي من أن جرَرْتَه وجنيتَه ، ثم اتُّسع فيه واستُعمل في كل تعليل ، وقرىء من إِجْل بكسر الهمزة وهي لغة فيه ، وقرىء مِنَ اجْل بحذف الهمزة وإلقاء فتحتها على النون ، ومن لابتداء الغايةِ متعلقةٌ بقوله تعالى : { كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل } وتقديمُها عليه للقصر أي من ذلك ابتداءُ الكَتْب ، ومنه نشأ لا من شيء آخرَ ، أي قضينا عليهم وبيّنا { أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً } واحدةً من النفوس { بِغَيْرِ نَفْسٍ } أي بغير قتلِ نفسٍ يوجب الاقتصاص { أَوْ فَسَادٍ فِى الارض } أي فساد يوجب إهدارَ دمِها ، وهو عطفٌ على ما أضيف إليه ( غير ) على معنى نفي كِلا الأمرين ، كما في قولك : من صلّى بغير وضوءٍ أو تيمُّمٍ بطلت صلاتُه ، لا نفيِ أحدِهما ، كما في قولك : من صلّى بغير وضوءٍ أو ثوبٍ بطلت صلاتُه ، ومدارُ الاستعمالين اعتبارُ ورودِ النفي على ما يُستفاد من كلمة أو من الترديد بين الأمرين المنبىء عن التخيير والإباحة ، واعتبارِ العكس ، ومناطُ الاعتبارين اختلافُ حالِ ما أضيف إليه ( غير ) من الأمرين بحسب اشتراطِ نقيضِ الخُكمِ بتحقق أحدِهما ، واشتراطِه بتحققهما معاً ، ففي الأول يرد النفيُ على الترديد الواقعِ بين الأمرين قبل ورودِه فيفقِدُ نفيَهما معاً وفي الثاني يرد الترديدُ على النفي فيفيد نفيَ أحدهما حتماً إذ ليس قبل ورودِ النفيِ ترديدٌ حتى يُتصَوَّر عكسُه .
وتوضيحُه أن كلَّ حكمٍ شُرِطَ بتحقق أحدِ شيئين مثلاً فنقيضُه مشروطٌ بانتفائهما معاً ، وكلَّ حكمٍ شرُط بتحققهما معاً فنقيضُه مشروطٌ بانتفاء أحدِهما ضرورةَ أن نقيضَ كلِّ شيءٍ مشروطٌ بنقيض شرطِه ، ولا ريب في أن نقيضَ الإيجابِ الجزئي كما في الحكم الأول هو السلبُ الكليُّ ، ونقيضَ الإيجابِ الكليِّ ، كما في الحكم الثاني هو رفعُه المستلزِمُ للسلب الجزئي ، فثبت اشتراطُ نقيضِ الأولِ بانتفائهما معاً واشتراطُ نقيضِ الثاني بانتفاء أحدِهما ، ولمّا كان الحكمُ في قولك : من صلى بوضوء أو تيممٍ صحت صلاتُه مشروطاً بتحقق أحدِهما مُبْهماً كان نقيضُه في قولك : من صلى بغير وضوءٍ أو تيمم بطلتْ صلاتُه مشروطاً بنقيض الشرطِ المذكور البتةَ ، وهو انتفاؤهما معاً ، فتعين ورودُ النفي المستفادِ من ( غير ) على الترديد الواقعِ بين الوضوء والتيمّمِ بكلمة ( أو ) فانتفى تحققُهما معاً ضرورةَ عمومِ النفي الواردِ على المبهم ، وعلى هذا يدور ما قالوا إنه إذا قيل : جالس العلماءَ أو الزهاد ثم أُدخل عليه لا الناهية امتنع فعلُ الجميع ، نحو

(2/228)


{ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } إذ المعنى لا تفعلْ أحدَهما فأيُّهما فعله فهو أحدُهما وأما قولُك : من صلى بوضوء أو ثوبٍ صحت صلاتُه فحيث كان الحكمُ فيه مشروطاً بتحقق كِلا الأمرين كان نقيضُه في قولك : من صلى بغير وضوء أو ثوبٍ بطلتْ صلاتُه مشروطاً بنقيض الشرطِ المذكورِ وهو انتفاءُ أحدِهما فتعين ورودُ الترديد على النفي فأفاد نفيَ أحدِهما ، ولا يخفى أن إباحةَ القتلِ مشروطةٌ بأحد ما ذكر من القتل والفساد ، ومن ضرورته اشتراطُ حرمتِه بانتفائهما معاً فتعين ورودُ النفي على الترديد لا محالة ، كأنه قيل : مَنْ قتل نفساً بغير أحدِهما { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً } فمن قال في تفسيره أو بغير فساد فقد أبعد عن توفية النظم الكريم حقَّه ، وما في ( كأنما ) كافةٌ مهيئةٌ لوقوع الفعلِ بعدها ، وجميعاً حالٌ من الناس أو تأكيد ، ومناطُ التشبيهِ اشتراكُ الفعلين في هتك حرمةِ الدماء والاستعصاء على الله تعالى وتجسيرِ الناس على القتل وفي استتباع القَوَد واستجلابِ غضبِ الله تعالى وعذابِه العظيم .
{ وَمَنْ أحياها } أي تسبب لبقاء نفس واحدةٍ موصوفةٍ بعدم ما ذُكر من القتل والفساد في الأرض إما بنهي قاتلِها أو استنقاذِها من سائر أسبابِ الهلَكة بوجهٍ من الوجوه { فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } وجهُ التشبيهِ ظاهرٌ والمقصودُ تهويلُ أمرِ القتلِ وتفخيمُ شأن الإحياءِ بتصوير كلَ منهما بصورة لائقة به في إيجاب الرهبةِ والرغبة ، ولذلك صدر النظمُ الكريمُ بضمير الشأنِ المنبىء عن كمال شهرته ونباهته وتبادره إلى الأذهان عند ذكر الضمير الموجب لزيادة تقريرِ ما بعده في الذهن ، فإن الضميرَ لا يفهم منه من أول الأمرِ إلا شأنٌ مبهمٌ له خطرٌ فيبقى الذهنُ مترقباً لما يعقُبه فيتمكن عند ورودِه فضلُ تمكّنٍ كأنه قيل : إن الشأن الخطيرَ هذا { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات } جملةٌ مستقلةٌ غيرُ معطوفةٍ على كتبنا أُكّدت بالتوكيد القسمي وحرفِ التحقيقِ لكمال العنايةِ بتحقق مضمونِها ، وإنما لم يُقَلْ ولقد أرسلنا الخ للتصريح بوصول الرسالةِ إليهم ، فإنه أدلُّ على تناهيهم في العتوّ والمكابرة ، أي وبالله لقد جاءتهم رسلنا حسبما أرسلناهم بالآيات الواضحةِ الناطقةِ بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيداً لوجوب مراعاتِه وتأييداً لتحتم المحافظةِ عليه .
{ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذلك } أي بعد ما ذكر من الكَتْب وتأكيدِ الأمر بإرسال الرسلِ تترى وتجديدِ العهدِ مرة بعد أخرى ، ووضعُ اسمِ الإشارةِ موضعَ الضمير للإيذان بكمال تميّزِه وانتظامِه بسبب ذلك في سلك الأمورِ المشاهدة ، وما فيه من معنى البعدِ للإيماء إلى علو درجتِه وبُعد منزلتِه في عظم الشأنِ ، وثم للتراخي في الرتبة والاستبعاد { فِى الارض } متعلقٌ بقوله تعالى : { لَمُسْرِفُونَ } وكذا الظرفُ المتقدم ، ولا يقدح فيه توسطُ اللام بينه وبينهما لأنها لامُ الابتداءِ وحقُّها الدخولُ على المبتدأ ، وإنما دخولُها على الخبر لمكان إنّ ، فهي في حيزها الأصلي ، والإسرافُ في كل أمر التباعدُ عن حد الاعتدالِ مع عدم مبالاة به ، أي مسرفون في القتل غيرُ مبالين به ، ولما كان إسرافُهم في أمر القتلِ مستلزِماً لتفريطهم في شأن الإحياءِ وجوداً وذكراً وكان هو أقبحَ الأمرين وأفظعَهما اكتفي بذكره في مقام التشنيع .

(2/229)


إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)

{ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان حكمِ نوع من أنواع القتلِ وما يتعلق به من الفساد بأخذ المالِ ونظائرِه وتعيينِ موجبِه العاجلِ والآجلِ إثرَ بيانِ عظمِ شأن القتلِ بغير حق ، وأُدرج فيه بيانُ ما أشير إليه إجمالاً من الفساد المبيحِ للقتل ، قيل : أي يحاربون رسولَه ، وذكرُ الله تعالى للتمهيد والتنبيه على رفعة محلّه عنده عز وجل ومحاربةُ أهلِ شريعتِه وسالكي طريقتِه من المسلمين محاربةٌ له عليه السلام فيعم الحكمُ من يحاربهم ولو بعد أعصارٍ بطريق العبارة دون الدِلالةِ والقياس ، لأن ورود النصِّ ليس بطريق خطابِ المشافهةِ حتى يختصَّ حكمُه بالمكلفين عند النزول فيُحتاجَ في تعميمه لغيرهم إلى دليل آخرَ ، وقيل : جعلُ محاربة المسلمين محاربةً لله تعالى ورسولِه تعظيماً لهم والمعنى يحاربون أولياءَهما ، وأصل الحربِ السلْب والمرادُ هاهنا قطعُ الطريق ، وقيل : المكابرة بطريق اللصوصية وإن كانت في مِصْرٍ { وَيَسْعَوْنَ فِى الارض } عطف على يحاربون ، والجارُّ والمجرور متعلقٌ به وقوله تعالى : { فَسَاداً } إما مصدرٌ وقع موقِعَ الحالِ من فاعل يسعون أي مفسدين أو مفعول له أي للفساد أو مصدر مؤكد ليسعون لأنه في معنى يفسدون على أنه مصدرٌ من أفسد بحذف الزوائد أو اسمُ مصدر .
قيل : ( نزلت الآية في قوم هلال بنِ عويمرٍ الأسلمي وكان وادَعه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ألا يُعينَه ولا يُعين عليه ، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن لا يُهاج ، ومن مر بهلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا يهاج ، فمر قومٌ من بني كنانةَ يريدون الإسلام بناس من قوم هلالٍ ولم يكن هلال يومئذ شاهداً فقطعوا عليهم وقتلوهم وأخذوا أموالهم ) ، وقيل : ( نزلت في العُرَنيين وقصتُهم مشهورة ) ، وقيل : ( في قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ فنقضوا العهدَ وقطعوا السبيل ، وأفسدوا في الأرض ) ، ولما كانت المحاربةُ والفسادُ على مراتبَ متفاوتةٍ ووجوه شتى من القتل بدون أخذِ المالِ ، ومن القتل مع أخذه ، وأخذِه بدون القتل ، ومن الإخافة بدون قتلٍ وأخذ ، شُرعت لكل مرتبةٍ من تلك المراتب عقوبةٌ معينة بطريق التوزيعِ فقيل : { أَن يُقَتَّلُواْ } أي حداً من غير صلبٍ إن أفردوا القتلَ ، ولو عفا الأولياءُ لا يلتفت إلى ذلك ، لأنه حقُّ الشرعِ ، ولا فرق بين أن يكون القتلُ بآلة جارحةٍ أو لا { أَوْ يُصَلَّبُواْ } أي مع القتل إن جمعوا بين القتلِ والأخذِ بأن يصلّبوا أحياءً وتُبعَجَ بطونُهم برمح إلى أن يموتوا ، وفي ظاهر الرواية أن الإمام مخير إن شاء اكتفى بذلك ، وإن شاء قطع أيديَهم وأرجلَهم من خلاف وقتلهم وصلبهم ، وصيغةُ التفعيل في الفعلين للتكثير وقرىء بالتخفيف فيهما { أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خلاف } أي أيديهم اليمنى وأرجلُهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المالِ من مسلم أو ذمي ، وكان المقدار بحيث لو قسم عليهم أصاب كلاًّ منهم عشرةُ دراهمَ أو ما يساويها قيمتُه ، أما قطعُ أيديهم فلأخذ المالِ وأما قطعُ أرجلهم فلإخافة الطريقِ بتفويت أمْنِه { أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الارض } إن لم يفعلوا غيرَ الإخافةِ والسعي للفساد ، والمرادُ بالنفي عندنا هو الحبسُ فإنه نفيٌ عن وجه الأرضِ لدفع شرِّهم عن أهلها ويُعزّرون أيضاً لمباشرتهم منكر الإخافة وإزالة الأمن ، وعند الشافعي رضي الله عنه النفي من بلد إلى بلد لا يزال يُطلب وهو هاربٌ فزعاً ، وقيل : هو النفي عن بلده فقط ، وكانوا ينفونهم إلى دَهْلَك وهو بلد في أقصى تِهامة ، وناصع وهو بلد من بلاد الحبشة .

(2/230)


{ ذلك } أي ما فصل من الأحكام والأجزية ، قيل : هو مبتدأٌ وقوله تعالى : { لَهُمْ خِزْىٌ } جملةٌ من خبر مقدمٍ على المبتدأ وقوله تعالى : { فِى الدنيا } متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لخزيٌ أو متعلق بخزيٌ على الظرفية ، والجملةُ في محل الرفع على أنها خبر لذلك ، وقيل : خزيٌ خبرٌ لذلك و ( لهم ) متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من خزي ، لأنه في الأصل صفةٌ له ، فلما قُدّم انتصب حالاً ، وفي الدنيا إما صفةٌ لخزيٌ أو متعلقٌ به على ما مر ، والخزيُ الذلُّ والفضيحة { وَلَهُمْ فِى الاخرة } غير هذا { عَذَابٌ عظِيمٌ } لا يقادَرُ قدرُه لغاية عِظمِ جنايتِهم فقوله تعالى : { لَهُمْ } خبرٌ مقدم و { عَذَابِ } مبتدأٌ مؤخرٌ و { فِى الاخرة } متعلق بمحذوف وقع حالاً من عذاب ، لأنه في الأصل صفةٌ له فلما قدم انتصب حالاً أي كائناً في الآخرة .

(2/231)


إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)

{ إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } استثناءٌ مخصوصٌ بما هو من حقوق الله عز وجل كما ينبىء عنه قوله تعالى : { فاعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أما ما هو من حقوق الأولياءِ من القصاص ونحوِه فإليهم ذلك إن شاءوا عفَوْا وإن أحبوا استوفَوْا ، وإنما يسقطُ بالتوبة وجوبُ استيفائِه لا جوازُه ، وعن علي رضي الله عنه أن الحرثَ بن بدر جاءه تائباً بعد ما كان يقطع الطريقَ فقبِلَ توبته ودرأ عنه العقوبة .
{ مّسْتَقِيمٍ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله } لما ذُكِرَ عِظَمُ شأنِ القتلِ والفساد وبيَّن حُكمَهما وأُشير في تضاعيف ذلك إلى مغفرته تعالى لمن تاب من جنايته أُمِرَ المؤمنون بأن يتقوه تعالى في كل ما يأتون وما يذرون بترك ما يجبُ اتقاؤُه من المعاصي التي من جُملتها ما ذُكر من القتل والفساد ، وبفعل الطاعات التي من زُمرتها السعيُ في إحياء النفوس ودفعِ الفساد والمسارعة إلى التوبة والاستغفار { وابتغوا } أي اطلُبوا لأنفسكم { إِلَيْهِ } أي إلى ثوابه والزلفى منه { الوسيلة } هي فعيلةٌ بمعنى ما يُتوسّل به ويُتقرَّب إلى الله تعالى من فعل الطاعات وتركِ المعاصي من وسَّل إلى كذا أي تقرّب إليه بشيء ، و ( إليه ) متعلقٌ بها قُدّم عليها للاهتمام به ، وليست بمصدرٍ حتى لا تعملَ فيما قبلها ، ولعل المراد بها الاتقاءُ المأمورُ به فإنه مَلاكُ الأمر كلِّه كما أشير إليه ، وذريعةٌ لنيل كلِّ خير ومنجاةٌ من كل ضَيْر ، فالجملة حينئذ جاريةٌ مما قبلها مجرى البيانِ والتأكيد . أو مطلقُ الوسيلة وهو داخل فيها دخولاً أولياً . وقيل : الجملةُ الأولى أمرٌ بترك المعاصي والثانية أمرٌ بفعل الطاعات ، وحيث كان في كلَ من ترك المعاصي المشتهاةِ للنفس وفعلِ الطاعات المكروهة لها كُلفة ومشقة عقّب الأمرَ بهما بقوله تعالى : { وجاهدوا فِى سَبِيلِهِ } بمحاربة أعدائِه البارزةِ والكامنة { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } بنيلِ مرضاتِه والفوزِ بكراماته .

(2/232)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36)

{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ لتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ بالأوامر السابقة وترغيبِ المؤمنين في المسارعة إلى تحصيل الوسيلة إليه عز وجل قبل انقضاءِ أوانِه ببيان استحالةِ توسُّلِ الكفار يومَ القيامة بأقوى الوسائل إلى النجاة من العذاب فضلاً عن نيلِ الثواب .
{ لَوْ أَنَّ لَهُمْ } أي لكل واحدٍ منهم كما في قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ } الخ ، لا لجميعهم إذ ليس في ذلك هذه المرتبةُ من تهويل الأمر وتفظيعِ الحال { مَّا فِى الارض } أي من أصناف أموالِها وذخائرِها وسائرِ منافعِها قاطبةً وهو اسمُ أن ولهم خبرُها ومحلُّها الرفعُ بلا خلاف ، خلا أنه عند سيبويه رفعٌ على الابتداء ولا حاجة فيه إلى الخبر لاشتمال صلتِها على المُسنَدِ والمُسنَد إليه ، وقد اختصَّتْ من بين سائر ما يُؤوّل بالاسم بالوقوع بعد لو ، وقيل : الخبرُ محذوفٌ ثم قيل : يُقدّر مقدّماً ، أي لو ثابتٌ كونُ ما في الأرض لهم . وقيل : يقدر مؤخراً أي لو كونُ ما في الأرض لهم ثابتٌ ، وعند المبرِّد والزجّاج والكوفيين رُفعَ على الفاعلية والفعلُ مقدرٌ بعد لو أي لو ثبَتَ أن لهم ما في الأرض . وقوله تعالى : { جَمِيعاً } توكيد للموصول أو حال منه { وَمِثْلَهُ } بالنصب عطفٌ عليه وقوله تعالى : { مَعَهُ } ظرفٌ وقع حالاً من المعطوفِ ، والضميرُ راجعٌ إلى الموصول وفائدتُه التصريحُ بفرض كينونَتِهما لهم بطريق المعيّة لا بطريق التعاقُب تحقيقاً لكمال فظاعةِ الأمر مع ما فيه من نوع إشعارٍ بكونهما شيئاً واحداً وتمهيداً لإفراد الضمير الراجع إليهما ، واللام في قوله تعالى : { لِيَفْتَدُواْ بِهِ } متعلقةٌ بما تعلق به خبرُ أن ، أعني الاستقرارَ المقدَّرَ في ( لهم ) وبالخبر المقدّر عند من يرى تقديرَ الخبرِ مقدماً أو مؤخراً ، وبالفعل المقدّر بعد لو على رأي المبرِّد ومن نحا نحوه ، ولا ريب في أن مدارَ الافتداءِ بما ذُكر هو كونُه لهم لا ثبوتُ كونِه لهم وإن كان مستلزِماً له ، والباء في ( به ) متعلقةٌ بالافتداء ، والضميرُ راجعٌ إلى الموصول و ( مثله ) معاً ، وتوحيدُه إما لما أشير إليه ، وإما لإجرائه مُجرى اسمِ الإشارة كأنه قيل بذلك كما في قوله :
كأنه في الجلد توليعُ البَهَق ... أي كأن ذلك ، وقيل : هو راجعٌ إلى الموصول ، والعائدُ إلى المعطوف أعني ( مثله ) محذوفٌ ، كما حُذف الخبرُ من قيارٌ في قوله :
فإني وقيارٌ بها لغريبُ ... أي وقيار أيضاً غريبُ ، وقد جوَّزَ أن يكون نُصب و ( مثلَه ) على أنه مفعولٌ معه ناصِبُه الفعلُ المقدر بعد لو تفريعاً على مذهب المبرد ، ومن رأى رأيَه ، وأنت خبيرٌ بأنه يؤدِّي إلى كونِ الرافعِ للفاعل غيرَ الناصب للمفعول معه لأن المعنى على اعتبارِ المعيةِ بين ( ما في الأرض ومثله ) في الكينونة لهم ، لا في ثبوت تلك الكينونةِ وتحقُقِها ، ولا مَساغَ لجعل ناصبِه الاستقرارَ المقدرَ في ( لهم ) ، لِما أن سيبويهِ قد نصَّ على { ءانٍ } اسمَ الإشارةِ وحرفَ الجر المتضمِّنَ للاستقرار لا يعمَلانِ في المفعول معه وأن قوله : هذا لك وأباك قبيحٌ وإن جوزه بعضُ النحاة في الظروف وحرف الجر ، وقولُه تعالى : { مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة } متعلقٌ بالافتداء أيضاً ، أي لو أن ( ما في الأرض مثله ) ثابتٌ لهم ليجعلوه فديةً لأنفسِهم من العذاب الواقعِ يومئذ .

(2/233)


{ مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ } ذلك ، وهو جواب لو وترتيبُه على كون ذلك لهم لأجل افتدائِهم به من غير ذكرِ الافتداءِ بأن يقال : وافتدَوْا به مع أن الردَّ والقَبولَ إنما يترتب عليه لا على مباديه ، للإيذانِ بأنه أمرٌ محقَّقُ الوقوع غنيٌّ عن الذكر ، وإنما المحتاجُ إلى الفَرْض قدرتُهم على ما ذُكر أو للمبالغةِ في تحقيق الردِّ وتخييلِ أنه وقع قبل الافتداءِ على منهاج ما في قوله تعالى : { قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُك فَلَمَّا رَآهُ مُستقرّاً عِندَه } حيث لم يقل : فأتى به فلما رآه الخ ، وما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } من غير ذكر خروجِه عليه السلام عليهن ورؤيتِهن له . والجملة الامتناعية بحالها خبرُ إن الذين كفروا ، والمرادُ تمثيلُ لزوم العذاب لهم واستحالةُ نجاتِهم منه بوجهٍ من الوجوه المحققةِ والمفروضة . وعن النبي عليه الصلاة والسلام : « يقالُ للكافر أرأيت لو كان لك ملءُ الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول : نعم ، فيقال له : قد سُئلتَ أيسرَ من ذلك وهو كلمة الشهادة » وقوله تعالى : { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } تصريحٌ بما أشير إليه بعدم قَبول فِديتِهم لزيادة تقريرِه وبيانِ هَوْلِه وشدّتِه ، قيل : محلُّه النصب على الحالية وقيل : الرفعُ عطفاً على خبر إِن ، وقيل : عطفٌ على إن الذين فلا محلَّ له كالمعطوف عليه .

(2/234)


يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)

{ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار } استئنافٌ مَسوقٌ لبيان حالهم في أثناء مكابدة العذاب مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ مما قبله ، كأنه قيل : فكيف يكون حالُهم؟ أو ماذا يصنعون؟ فقيل : يريدون الخ ، وقد بين في تضاعيفه أن عذابهم عذاب النار ، قيل : إنهم يقصدون ذلك ويطلبون المخرَج فيلفَحُهم لهَبُ النار ويرفعُهم إلى فوق ، فهناك يريدون الخروج ولاتَ حين مناصٍ ، وقيل : يكادون يخرجون منها لقوة النار وزيادةِ رفعِها إياهم ، وقيل : يتمنّونه ويريدونه بقلوبهم وقوله عز وجل : { وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا } إما حالٌ من فاعل يريدون ، أو اعتراضٌ ، وأياً ما كان فإيثارُ الجملة الاسمية على الفعلية مصدّرةً بما الحجازية الدالة بما في خبرها من الباء على تأكيد النفي لبيان كمالِ سوءِ حالهم باستمرار عدم خروجِهم منها ، فإن الجملة الاسمية الإيجابية كما تفيدُ بمعونة المقام دوامَ الثبوت تفيد السلبيةَ أيضاً بمعونةِ دوامِ النفي لا نفْيِ الدوام ، كما مر في قوله تعالى : { مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ } الخ ، وقرىء ( أن يُخرَجوا ) على بناء المفعول من الإخراج { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } تصريح بما أشير إليه آنفاً من عدم تناهي مدتِه بعد بيان شدتِه .
{ والسارق والسارقة } شروعٌ في بيان حكم السرقةِ الصُّغرى بعد بيان أحكام الكبرى ، وقد عرفت اقتضاءَ الحال لإيراد ما توسّط بينهما من المقال ، ولمّا كانت السرقة معهودةً من النساء كالرجال صرح بالسارقة أيضاً مع أن المعهود في الكتاب والسنة إدراجُ النساء في الأحكام الواردة في شأن الرجال بطريق الدلالة لمزيد الاعتناءِ بالبيان والمبالغةِ في الزجْر ، وهو مبتدأ خبرُه عند سيبويه محذوفٌ تقديرُه وفيما يتلى عليكم أو وفيما فُرِضَ عليكم السارقُ والسارقةُ أي حكمُهما وعند المبرِّد قوله تعالى : { فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } والفاء لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط ، إذ المعنى الذي سرق والتي سرقت ، وقُرىء بالنصب وفضَّلها سيبويه على قراءة الرفع ، لأن الإنشاء لا يقع خبراً إلا بتأويلٍ وإضمار ، والسرقةُ أخذُ مال الغير خُفْيةً ، وإنما توجب القطعَ إذا كان الأخذ من حِرزٍ والمأخوذُ يساوي عشرةَ دراهِمَ فما فوقها مع شروط فُصِّلت في موقعها ، والمراد ( بأيديَهما ) أيمانُهما كما يُفصحُ عنه قراءةُ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : والسارقاتُ فاقطعوا أيمانهم ، ولذلك ساغ وضعُ الجمْع موضعَ المثنى كما في قوله تعالى : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } اكتفاءً بتثنية المضاف إليه ، واليد اسمٌ لتمام الجارحة ، ولذلك ذهب الخوارجُ إلى أن المقطَعَ هو المنكب ، والجمهورُ على أنه الرُّسُغ ، لأنه عليه الصلاة والسلام أُتيَ بسارقٍ فأمر بقطع يمينِه منه .
{ جَزَاء } نُصبَ على أنه مفعولٌ له أي فاقطعوا للجزاء ، أو مصدرٌ مؤكِّد لفعله الذي يدل عليه فاقطعوا ، أي فجاوزوهما جزاء ، وقوله تعالى : { بِمَا كَسَبَا } على الأول متعلّقٌ بجزاءً وعلى الثاني فاقطعوا ، و ( ما ) مصدريةٌ ، أي بسبب كسْبِهما أو موصولةٌ أي ما كسباه من السرقة التي تباشَر بالأيدي ، وقوله تعالى : { نكالا } مفعولٌ له أيضاً على البدلية من ( جزاءً ) لأنهما من نوع واحد ، وقيل : القطعُ معلَّلٌ بالجزاء ، والقطعُ المعللُ معلَّلٌ بالنَّكال ، وقيل : هو منصوبٌ بجزاءً على طريقة الأحوال المتداخِلَة ، فإنه علةٌ للجزاء ، والجزاءُ علةٌ للقطع كما إذا قلتَ : ضربتُه تأديباً له إحساناً إليه ، فإن الضربَ معلَّلٌ بالتأديب والتأديبُ معللٌ بالإحسان ، وقد أجازوا في قوله عز وجل :

(2/235)


{ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله بَغْيًا أَن يُنَزّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أن يكون ( بغياً ) مفعولاً له ناصبُه أن يكفروا ، ثم قالوا : إن قوله تعالى : { أَن يُنَزّلُ الله } مفعولٌ له ناصبُه بغياً على أن التنزيلَ عَلةٌ للبغي ، والبغْيَ علةٌ للكفر ، وقوله تعالى : { مِنَ الله } متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لنكالاً كائناً منه تعالى { والله عَزِيزٌ } غالبٌ على أمره يُمضيه كيف يشاء من غير نِدَ ينازعُه ولا ضدَ يمانعُه { حَكِيمٌ } في شرائعه لا يَحكُم إلا بما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة ، ولذلك شرَعَ هذه الشرائعَ المنطويةَ على فنون الحِكَمِ والمصالح .

(2/236)


فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)

{ فَمَن تَابَ } أي من السُرّاق إلى الله تعالى { مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ } الذي هو سرِقتُه ، والتصريحُ به مع أن التوبةَ لا تُتصوَّرُ قبلَه لبيان عِظَم نعمتِه تعالى بتذكير عِظمِ جنايتِه { وَأَصْلَحَ } أي أمره بالتقصِّي عن تبعات ما باشرَه والعزمِ على ترك المعاودةِ إليها { فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ } أي يقبل توبتَه فلا يعذّبه في الآخرة ، وأما القطعُ فلا تُسقطُه التوبةُ عندنا ، لأن فيه حقَّ المسروقِ منه ، وتُسقطُه عند الشافعيِّ في أحد قوليه : { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } مبالِغٌ في المغفرة والرحمة ولذلك يَقبلُ توبتَه ، وهو تعليلٌ لما قبلَه ، وإظهارُ الاسمِ الجليل للإشعارِ بعِلَّة الحُكْم وتأييدِ استقلالِ الجملة وكذا في قوله عز وجل : { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والارض } فإن عُنوانَ الألوهية مدارُ أحكامِ ملكوتِهما ، والجارُّ والمجرورُ خبرٌ مقدّم ، ومُلكُ السموات والأرض مبتدأ ، والجملة خبرٌ لأنّ ، وهي مع ما في حيِّزِها سادّةٌ مَسدَّ مفعوليْ ( تعلم ) عند الجمهور ، وما فيه من تكريرِ الإسنادِ لتقويةِ الحُكْم ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين . وقيل : لكل أحدٍ صالحٍ للخطاب ، والاستفهامُ الإنكاريُّ لتقرير العلم ، والمرادُ به الاستشهادُ بذلك على قدرته تعالى على ما سيأتي من التعذيب والمغفرةِ على أبلغ وجهٍ وأتمِّه ، أي ألم تعلم أن الله له السلطانُ القاهر والاستيلاء الباهرُ المستلزِمانِ للقدرة التامة على التصرُّفِ الكليِّ فيهما وفيما فيهما إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتةً إلى غير ذلك حسْبما تقتضيه مشيئتُه { يُعَذّبُ مَن يَشَاء } أن يعذِّبه { وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } أن يغفرَ له من غير نِدَ يساهمُه ولا ضدَ يزاحمُه ، وتقديمُ التعذيبِ على المغفرة لمراعاةِ ما بين سببيهما من الترتيب ، والجملة إما تقريرٌ لكون ملكوتِ السموات والأرضِ له سبحانه ، أو خبرٌ آخرُ لأن . { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدِرُ على ما ذَكَر من التعذيب والمغفرة ، والإظهارُ في موقع الإضمارِ لما مرَّ مراراً والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبلها .

(2/237)


يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)

{ يأَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِى الكفر } خُوطب عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة للتشريفِ والإشعارِ بما يوجب عدمَ الحزن ، والمسارعةُ في الشيء الوقوعُ فيه بسرعة ورَغبةً ، وإيثارُ كلمة ( في ) على كلمة ( إلى ) الواقعة في قوله تعالى : { وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } الخ للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرَحونه ، وإنما ينتقِلون بالمسارعة عن بعض فنونِه وأحكامِه إلى بعضٍ آخرَ منها كإظهارِ موالاةِ المشركين ، وإبرازِ آثارِ الكيدِ للإسلام ونحوِ ذلك ، كما في قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يسارعون فِى الخيرات } فإنهم مستمرون على الخير مسارعون في أنواعِه وأفرادِه ، والتعبيرُ عنهم بالموصول للإشارة بما في حيِّز صلتِه إلى مدار الحزن ، وهذا وإن كان بحساب الظاهرِ نهياً للكَفَرة عن أن يُحزنوه عليه الصلاة والسلام بمسارعتهم في الكفر لكنه في الحقيقة نهيٌ له عليه الصلاة والسلام عن التأثر من ذلك والمبالاةِ بهم على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه ، فإن النهيَ عن أسباب الشيء ومباديه المؤديةِ إليه نهيٌ عنه بالطريق البرهاني ، وقلعٌ له من أصله ، وقد يوجَّه النهيُ إلى المسبَّبِ ويرادُ به النهيُ عن السبب ، كما في قوله : لا أُرَينّك هاهنا يريد نهْيَ مخاطَبه عن الحضور بين يديه وقرىء ( لا يُحزِنْك ) من أحزنه منقولاً من حزِن بكسر الزاي وقرىء ( يُسرعون ) يقال : أسرع فيه الشيبُ أي وقع سريعاً أي لا تحزَنْ ولا تُبالِ بتهافتهم في الكفر بسرعة وقوله تعالى : { مِنَ الذين قَالُواْ ءامَنَّا بأفواههم } بيان للمسارعين في الكفر ، وقيل : متعلقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل يسارعون ، وقيل : من الموصول أي كائنين من الذين الخ ، والباء متعلقة بقالوا لا بآمنا وقوله تعالى : { وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } جملةٌ حالية من ضمير ( قالوا ) وقيل : عطف على قالوا وقوله تعالى : { وَمِنَ الذين هِادُواْ } عطف على ( من الذين قالوا ) الخ ، وبه يتم بيانُ المسارعين في الكفر بتقسيمهم إلى قسمين : المنافقين واليهود ، فقوله تعالى : { سماعون لِلْكَذِبِ } خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ راجعٍ إلى الفريقين أو إلى المسارعين ، وأما رجوعُه إلى الذين هادوا فمُخِلٌّ بعموم الوعيد الآتي ومباديه للكل كما ستقف عليه ، وكذا جُعل قولُه : { وَمِنَ الذين } الخ ، خبراً على أن قولَه سماعون صفةٌ لمبتدأ محذوف أي ومنهم قومٌ سماعون الخ ، لأدائه إلى اختصاص ما عُدِّد من القبائح وما يترتب عليها من الغوائل الدنيوية والأخروية بهم ، فالوجهُ ما ذُكِرَ أولاً أي هم سماعون ، واللامُ إما لتقوية العمل وإما لتضمين السماعِ معنى القبول ، وإما لامُ كي والمفعولُ محذوف والمعنى هم مبالغون في سماع الكذب ، أو في قَبول ما يفتريه أحبارُهم من الكذب على الله سبحانه وتحريفِ كتابه ، أو سماعون أخبارَكم وأحاديثَكم ليكذبوا عليكم بأن يمسَخوها بالزيادة والنقص والتبديل والتغيير ، أو أخبارَ الناس وأقاويلَهم الدائرة فيما بينهم ليكذبوا فيها بأن يرجِعوا بقتل المؤمنين وانكسارِ سراياهم ونحو ذلك مما يُضَرُّ بهم ، وأياً ما كان فالجملة مستأنفةٌ جارية مَجرى التعليل للنهي ، فإن كونهم سماعين للكذب على الوجوه المذكورة وابتناءَ أمورهم على ما لا أصلَ له من الأباطيل والأراجيف مما يقتضي عدمَ المبالاة بهم وتركَ الاعتداد بما يأتون وما يذرون للقطع بظهور بطلان أكاذيبهم واختلالِ ما بَنَوْا عليها من الأفاعيل الفاسدة المؤدِّية إلى الخزيِ والعذاب كما سيأتي ، وقرىء ( سمّاعين ) للكذب بالنصب على الذم ، وقوله تعالى : { سماعون لِقَوْمٍ آخَرِين } خبرٌ ثانٍ للمبتدأ المقدر مقرِّرٌ للأول ومبينٌ لما هو المراد بالكذب على الوجهين الأولين ، واللام مثلُ مَنْ في سمع الله لمن حمِده في الرجوع إلى معنى من أي قبِلَ منه حَمْدَه ، والمعنى مبالِغون في قبول كلام قومٍ آخرين ، وأما كونُها لامَ التعليل بمعنى سماعون منه عليه الصلاة والسلام لأجل قومٍ آخرين وجَّهوهم عُيوناً ليُبلِّغوهم ما سمعوا منه عليه الصلاة والسلام ، أو كونُها متعلقةً بالكذب على أن سماعون الثانيَ مكررٌ للتأكيد بمعنى سماعون ليكذبوا لقومٍ آخرين فلا يكاد يساعده النظمُ الكريم أصلاً وقوله تعالى : { لَمْ يَأْتُوكَ } صفة أخرى لقوم أي لم يُحضروا مجلسك وتجافَوْا عنك تكبراً وإفراطاً في البغضاء ، قيل : هم يهودُ خيبر والسماعون بنو قُريظة وقوله تعالى : { يُحَرّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مواضعه } صفةٌ أخرى لقوم وصِفوا أولاً بمغايَرَتِهم للسماعين تنبيهاً على استقلالهم وأصالتهم في الرأي والتدبير ، ثم بعدم حضورِهم مجلسَ الرسول عليه الصلاة والسلام إيذاناً بكمال طغيانهم في الضلال ، ثم باستمرارهم على التحريف بياناً لإفراطهم في العتوِّ والمكابرةِ والاجتراء على الافتراء على الله تعالى وتعييناً للكذب الذي سمعه السماعون ، أي يُميلونه ويُزيلونه عن مواضعه بعد أن وضعه الله تعالى فيها إما لفظاً بإهمالِه أو تغييرِ وضعه ، وإما معنى بحَمْلِه على غير المراد وإجرائِه في غير موردِه ، وقيل : الجملةُ مستأنفة لا محل لها من الإعراب ناعيةٌ عليهم شنائعَهم .

(2/238)


وقيل : خبرُ مبتدأ محذوفٍ راجع إلى القوم وقوله تعالى : { يَقُولُونَ } كالجملة السابقة في الوجوه المذكورة ، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير ( يحرفون ) وأما تجويزُ كونها صفةً لسماعون أو حالاً من الضمير فيه فما لا سبيل إليه أصلاً ، كيف لا وإن مقولَ القول ناطقٌ بأن قائلَه ممن لا يحضرُ مجلسَ الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمخاطَب به ممن يحضُره فكيف يمكن أن يقوله السماعون المترددون عليه عليه الصلاة والسلام لمن يحومُ حوله قطعاً؟ وادعاءُ قولِ السماعين لأعقابهم المخالِطين للمسلمين تعسّفٌ ظاهرٌ مُخلٌّ بجزالة النظم الكريم ، والحقُّ الذي لا محيد عنه أن المحرِّفين والقائلين هم القومُ الآخرون ، أي يقولون لأتباعهم السماعين لهم عند إلقائهم إليهم أقاويلَهم الباطلةَ مشيرين إلى كلامهم الباطل { إِنْ أُوتِيتُمْ } من جهة الرسولِ عليه الصلاة والسلام { هذا فَخُذُوهُ } واعملوا بموجَبه فإنه الحق { وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ } بل أوتيتم غيرَه { فاحذروا } أي فاحذروا قبولَه ، وإياكم وإياه ، وفي ترتيب الأمر بالحذَر على مجردِ عدمِ إيتاء المحرَّف من المبالغة في التحذير ما لا يخفى .

(2/239)


رُوي ( أن شريفاً من خَيْبرَ زنى بشريفةٍ وهما مُحصَنان وحدُّهما الرجمُ في التوراة فكرِهوا رجمَهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقالوا : إن أمرَكم بالجلد والتحميم فاقبَلوا ، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا ، وأرسلوا الزانيَيْن معهم فأمرهم بالرَّجْم فأَبوْا أن يأخُذوا به فقال جبريلُ عليه السلام : اجعل بينك وبينهم ابنَ صوريا ووصفه له فقال عليه الصلاة والسلام : « هل تعرفون شاباً أبيضَ أعورَ يسكن فَدَك يقال له ابن صوريا؟ » قالوا : نعم ، وهو أعلمُ يهوديَ على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى بنِ عِمرانَ في التوراة ، قال : « فأرسِلوا إليه » ففعلوا ، فأتاهم ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : « أنت ابن صوريا؟ » قال : نعم ، قال عليه الصلاة والسلام : « وأنت أعلم اليهود؟ » قال : كذلك يزعُمون ، قال لهم : « أترضَوْن به حكماً؟ » قالوا : نعم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنشُدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحرَ وأنجاكم وأغرق آلَ فرعون وظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المنّ والسلوى ورفعَ فوقكم الطورَ وأنزل عليكم التوراةَ فيها حلالُه وحرامُه هل تجدون في كتابكم الرجْمَ على من أُحصِن؟ » قال : نعم ، والذي ذكرتني به لولا خشِيتُ أن تحرِقني التوراةُ إن كذبتُ أو غيَّرتُ ما اعترفت لك ، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال عليه الصلاة والسلام : « إذا شهد أربعةُ رهطٍ عدولٌ أنه أَدخَل فيها كما يُدخَلُ الميلُ في المُكحُلة وجب عليه الرجم » قال ابن صوريا : والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله في التوراة على موسى ، فوثب عليه سَفَلةُ اليهود ، فقال : خفتُ إن كذَبتُه أن ينزِل علينا العذاب ، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياءَ كان يعرِفها من أعلامه فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبيُّ الأمي العربي الذي بشر به المرسلون . وأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرُجما عند باب المسجد ) .
{ وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ } أي ضلالته أو فضيحته كائناً من كان فيندرج فيه المذكورون اندراجاً أولياً ، وعدمُ التصريح بكونهم كذلك للإشعار بكمال ظهورِه واستغنائه عن ذكره { فَلَن تَمْلِكَ لَهُ } فلن تستطيع له { مِنَ الله شَيْئاً } في دفعها ، والجملةُ مستأنفة مقرّرة لما قبلها ومبينةٌ لعدم انفكاكِهم عن القبائح المذكورة أبداً { أولئك } إشارة إلى المذكورين من المنافقين واليهود ، وما في اسْم الإشارةِ من معنى البعد للإيذان ببُعد منزلتهم في الفساد ، وهو مبتدأ خبرُه قولُه تعالى : { الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ } أي من رجْسِ الكفر وخَبَثِ الضلالة لأنهِماكِهم فيهما وإصرارِهم عليهما وإعراضِهم عن صرف اختيارهم إلى تحصيل الهداية بالكلية كما ينبىء عنه وصفُهم بالمسارعة في الكفر أولاً ، وشرحُ فنونِ ضلالتهم آخراً ، والجملة استئنافٌ مبينٌ لكون إرادتِه تعالى لفتنتِهم مَنوطةً بسوء اختيارِهم وقُبح صنيعِهم الموجبِ لها لا واقعةً منه تعالى ابتداءً { لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ } أما المنافقون فخزيُهم فضيحتُهم وهتكُ سِترتِهم بظهور نفاقِهم فيما بين المسلمين ، وأما خزيُ اليهود فالذلُ والجزيةُ والافتضاحُ بظهور كَذِبهم في كِتمان نصِّ التوراة ، وتنكيرُ ( خزيٌ ) للتفخيم وهو مبتدأ ولهم خبرُه وفي الدنيا متعلق بما تعلق به الخبرُ من الاستقرار ، وكذا الحال في قوله تعالى : { وَلَهُمْ فِى الاخرة } أي مع الخزي الدنيوي { عَذَابٌ عظِيمٌ } هو الخلودُ في النار ، وضميرُ ( لهم ) في الجملتين للمنافقين واليهود جميعاً لا لليهود خاصة ، كما قيل ، وتكريرُ ( لهم ) مع اتحاد المرجِع لزيادة التقرير والتأكيد ، والجملتان استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من تفصيل أفعالِهم وأحوالهم الموجبةِ للعقاب ، كأنه قيل : فما لهم من العقوبة؟ فقيل لهم : في الدنيا .

(2/240)


. ، الآية .

(2/241)


سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)

{ سماعون لِلْكَذِبِ } خبرٌ آخرُ للمبتدأ المقدّر كُرِّر تأكيداً لما قبله وتمهيداً لما بعده من قوله تعالى : { أكالون لِلسُّحْتِ } وهو أيضاً خبرٌ آخرُ للمقدَّر واردٌ على طريقة الذم ، أو بناءً على أن المراد بالكذِب ما يفتعله الراشون عند الأكّالين ، والسُحْت بضم السين وسكون الحاء في الأصل كلُّ ما لا يحِلُّ كسبُه ، وقيل : هو الحرام مطلقاً من سَحَتَه إذا استأصله ، سمي به لأنه مسحوتُ البركة ، والمراد به هاهنا إما الرِّشا التي كان يأخذها المحرِّفون على تحريفهم وسائرِ أحكامِهم الزائغة ، وهو المشهور ، أو ما كان يأخذه فقراؤهم من أغنيائهم من المال ليُقيموا على اليهودية كما قيل ، وإما مطلقُ الحرام المنتظِمِ لما ذُكر انتظاماً أولياً ، وقرىء ( للسُحُت ) بضم السين والحاء وبفتحهما وبفتح السين وسكون الحاء وبكسر السين وسكون الحاء ، وعن النبي عليه الصلاة والسلام : « كلُّ لحمٍ أنبتَه السُّحْتُ فالنار أولى به »
{ فَإِن جَاءوكَ } لما بيَّن تفاصيلَ أمورِهم الواهية وأحوالَهم المختلفةَ الموجبة لعدم المبالاة بهم وبأفاعيلهم حسبما أُمر به عليه الصلاة والسلام خوطب عليه الصلاة والسلام ببعض ما يبتنى عليه من الأحكام بطريق التفريع ، والفاء فصيحة ، أي وإذا كان حالُهم كما شُرح فإن جاءوك متحاكمين إليك فيما شجَرَ بينهم من الخصومات { فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } غيرَ مبالٍ بهم ولا خائفٍ من جهتهم أصلاً ، وهذا كما ترى تخييرٌ له عليه الصلاة والسلام بين الأمرين ، فقيل : هو في أمرٍ خاصّ هو ما ذُكر من زنا المحصَن ، وقيل : في قتيل قُتل من اليهود في بني قُريظةَ والنضيرِ ، فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بنو قريظة : إخوانُنا بنو النضير ، أبونا واحد ودينُنا واحد ، وإذا قَتَلوا منا قتيلاً لم يرضَوْا بالقَوَد وأعطَوْنا سبعين وَسْقاً من تمر ، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتلَ وأخذوا منا الضِّعفَ مائة وأربعين وسقاً من تمر ، وإن كان القتيلُ امرأةً قتلوا بها الرجلَ منا وبالرجل منهم الرجلين منا ، وبالعبدِ منهم الحرَّ منا ، فاقضِ بيننا . فجعل عليه الصلاة والسلام الدية سواءً ، وقيل : هو عام في جميع الحكومات ، ثم اختلفوا فمن قائل إنه ثابت وهو المرويُّ عن عطاءٍ والنَخَعيِّ والشَعْبيِّ وقَتادةَ وأبي بكرٍ الأصمِّ وأبي مسلم ، وقائلٍ إنه منسوخ وهو قول ابنِ عباس والحسن ومجاهد وعِكْرِمة ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لم يُنسخْ من المائدة إلا آيتان : قولُه تعالى : { لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله } نسخَها قوله تعالى : { فاقتلوا المشركين } وقوله تعالى : { فَإِن جَاءوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } نسخَها قوله تعالى : { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله } وعليه مشايخُنا { وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ } بيانٌ لحال الأمرين إثْرَ تخييرِه عليه الصلاة والسلام بينهما ، وتقديمُ حالِ الإعراض للمسارعة إلى بيانِ أن لا ضررَ فيه حيث كان مظِنةُ الضرر لِما أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه عليه الصلاة والسلام إلا لطلبِ الأيسر والأهونِ عليهم ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومةَ بينهم شق ذلك عليهم ، فتشتد عداوتُهم ومضارّتُهم له عليه الصلاة والسلام ، فأمَّنه الله عز وجل بقوله : { فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً } من الضرر فإن الله عاصمُك من الناس .
{ وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُم بالقسط } بالعدل الذي أُمرت به كما حكمت بالرجم { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } ومن ضرورته أن يحفَظَهم عن كل مكروهٍ ومحذور .

(2/242)


وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)

{ وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ الله } تعجُّبٌ من تحكيمِهم لمن يؤمنون به وبكتابه والحالُ أن الحكم منصوصٌ عليه في كتابهم الذي يدّعون الإيمان به وتنبيهٌ على أنهم ما قصَدوا بالتحكيم معرفةَ الحق وإقامةَ الشرع وإنما طلبوا به ما هو أهونُ عليهم وإن لم يكن ذلك حكمَ الله على زعمهم ، فقوله تعالى : { وَعِندَهُمُ التوراة } حالٌ من فاعل يحكّمونك ، وقوله تعالى : { فِيهَا حُكْمُ الله } حالٌ من التوراة إن جُعِلت مرتفعةً بالظرف ، وإن جُعلت مبتدأ فهو حالٌ من ضميرها المستكنِّ في الخبر ، وقيل : استئنافٌ مَسوقٌ لبيانِ أن عندهم ما يُغنيهم عن التحكيم ، وتأنيثها لكونها نظيرةَ المؤنث في كلامِهم كموماة ودوداة { ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ } عطفٌ على يحكمونك داخلٌ في حكم التعجيب ، و ( ثُم ) للتراخي في الرتبة وقوله تعالى : { مِن بَعْدِ ذلك } أي من بعد ما حكّموك ، تصريحٌ بما عُلم قطعاً بتأكيد الاستبعاد والتعجيب ، أي ثم يُعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم من بعد ما رضوُا بحكمك وقوله تعالى : { وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } تذييلٌ مقرِّرٌ لفحوى ما قبله ، ووضعُ اسمِ الإشارة موضعَ ضميرِهم للقصد إلى إحضارِهم في الذهن بما وُصفوا به من القبائح إيماءً إلى علة الحُكم وإلى أنهم قد تميزوا بذلك عن غيرهم أكملَ تمييز حتى انتظموا في سلك الأمور المشاهَدة ، و ( ما ) فيه من معنى البعد للإيذان ببُعد درجتهم في العُتُوِّ والمكابرة أي وما أولئك الموصوفون بما ذكر بالمؤمنين أي بكتابهم ، لإعراضهم عنه أولاً ، وعن حُكمِك الموافقِ له ثانياً أو بهما ، وقيل : وما أولئك بالكاملين في الإيمان تهكماً بهم .
{ إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة } كلام مستأنفٌ سيق لبيان علوِّ شأن التوراةِ ووجوبِ مراعاة أحكامِها وأنها لم تزل مَرْعيّةً فيما بين الأنبياء ومَنْ يقتدي بهم كابراً عن كابر ، مقبولةً لكل أحد من الحكام والمتحاكمين محفوظةً عن المخالفة والتبديل تحقيقاً لما وُصف به المحرِّفون من عدم إيمانهم بها ، وتقريراً لكفرهم وظلمهم ، وقوله تعالى : { فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } حالٌ من التوراة ، فإن ما فيها من الشرائع والأحكامِ من حيث إرشادُها للناس إلى الحق الذي لا مَحيدَ عنه هدىً ومن حيث إظهارُها وكشفُها نورُ ما استَبْهَم من الأحكام وما يتعلَّق بها من الأمور المستورةِ بظلمات الجهل ، وقوله تعالى : { يَحْكُمُ بِهَا النبيون } أي أنبياءُ بني إسرائيلَ ، وقيل : موسى ومَنْ بعده من الأنبياء ، جملةٌ مستأنفة مبينةٌ لرِفعةِ رتبتِها وسُمُوِّ طبقتها ، وقد جوَّز كونَه حالاً من التوراة فيكون حالاً مقدرة ، أي يحكُمون بأحكامها ويحمِلون الناس عليها ، وبه تمسك مَنْ ذهب إلى أن شريعةَ مَنْ قبلَنا شريعةٌ لنا ما لم تُنْسَخْ ، وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على الفاعل لما مر مراراً من الاعتناء بشأن المقدَّم والتشويق إلى المؤخَّر ، ولأن في المؤخَّر وما يتعلق به نوعَ طولٍ ربما يُخِلّ تقديمُه بتجاوُب أطرافِ النظم الكريم ، وقوله تعالى : { الذين أَسْلَمُواْ } صفة أجريت على النبيين على سبيل المدح دون التخصيص والتوضيح ، لكن لا للقصد إلى مدحهم بذلك حقيقة ، فإن النبوة أعظم من الإسلام قطعاً ، فيكون وصفُهم به بعد وصفِهم بها تنزلاً من الأعلى إلى الأدنى ، بل لتنويه شأن الصفة فإن إبرازَ وصفٍ في معرِض مدح العظماء مُنبىءٌ عن عِظَم قدرْ الوصْفِ لا محالة كما في وصف الأنبياءِ بالصلاحِ ووصفِ الملائكة بالإيمان عليهم السلام ، ولذلك قيل : أوصافُ الأشراف أشرافُ الأوصاف ، وفيه رفع لشأن المسلمين وتعريضٌ باليهود وأنهم بمعزِل من الإسلام ، والاقتداءُ بدين الأنبياء عليهم السلام لا سيما مع ملاحظة ما وُصفوا به في قوله تعالى .

(2/243)


{ لِلَّذِينَ هَادُواْ } وهو متعلق ( بيحكم ) أي يحكمون فيما بينهم ، واللام إما لبيان اختصاصِ الحُكم بهم أعمَّ من أن يكون لهم أو عليهم ، كأنه قيل : لأجل الذين هادوا ، وإما للإيذان بنفعه للمحكوم عليه أيضاً بإسقاط التبعة عنه ، وإما للإشعار بكمال رضاهم به وانقيادِهم له كأنه أمرٌ نافع لكلا الفريقين ، ففيه تعريضٌ بالمحرِّفين ، وقيل : التقديرُ للذين هادوا وعليهم فحُذِفَ ما حُذف لدلالة ما ذُكر عليه ، وقيل : هو متعلق ( بأنزلنا ) وقيل : ( بهدىً ونور ) وفيه فصلٌ بين المصدر ومفعولِه ، وقيل : متعلق بمحذوفٍ وقع صفةً لهما أي هدى ونورٌ كائنان للذين هادوا { والربانيون والاحبار } أي الزهاد والعلماءُ من وَلَد هارونَ الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دينَ اليهود .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : الربانيون الذين يسوسون الناسَ بالعلم ويربُّونهم بصغاره قبل كباره ، والأحبارُ هم الفقهاءُ واحدُه ح2برٌ بالفتح والكسر والثاني أفصح ، وهو رأي الفراء ، مأخوذ من التحبير والتحسين ، فإنهم يُحبِّرون العلمَ ويزينونه ويُبيِّنونه ، وهو عطفٌ على ( النبيون ) أي هم أيضاً يحكمُون بأحكامها ، وتوسيطُ المحكومِ لهم بين المعطوفين للإيذان بأن الأصلَ في الحُكم بها وحَمْلِ الناس على ما فيها هم النبيون ، وإنما الربانيون والأحبارُ خلفاءُ ونوابٌ لهم في ذلك كما يُنبىء عنه قوله تعالى : { بِمَا استحفظوا } أي بالذي استُحفظوه من جهة النبيين وهو التوراة ، حيث سألوهم أن يحفَظُوها من التغيير والتبديل على الإطلاق ، ولا ريب في أن ذلك منهم عليهم السلام استخلافٌ لهم في إجراء أحكامِها من غير إخلالٍ بشيء منها ، وفي إبهامها أولاً ثم بيانِها ثانياً بقوله تعالى : { مِن كتاب الله } من تفخيمها وإجلالِها ذاتاً وإضافةً ، وتأكيدِ إيجاب حفظِها والعملِ بما فيها ما لا يَخْفى ، وإيرادُها بعنوان الكتاب للإيماء إلى إيجاب حفظِها عن التغييرِ من جهة الكتابة ، والباءُ الداخلة على الموصول متعلقةٌ ( بيحكم ) لكن لا على أنها صلةٌ كالتي في قوله تعالى : { بِهَا } ، ليلزَمَ تعلقُ حرفي جرٍ متحدَّيْ المعنى بفعلٍ واحد ، بل على أنها سببية أي ويحكم الربانيون والأحبارُ أيضاً بسبب ما حفِظوه من كتاب الله حسْبما وصاهم به أنبياؤُهم وسألوهم أن يحفظوه ، وليس المرادُ بسببيته لحكمهم مُلكَ سببيته من حيث الذاتُ بل من حيث كونُه محفوظاً ، فإن تعليقَ حكمِهم بالموصول مُشعرٌ بسببية الحفظِ المترتب لا محالة على ما في حيِّز الصلة من الاستحفاظ له ، وقيل : الباء صلةٌ لفعلٍ مقدر معطوفٍ على قوله تعالى : { يَحْكُمُ بِهَا النبيون } عطفَ جُملةٍ على جملة ، أي ويحكم الربانيون والأحبارُ بحكم كتابِ الله الذي سألهم أنبياؤهم أن يحفظوه من التغيير .

(2/244)


{ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء } أي رُقباءَ يحمُونه من أن يحوم حولَه التغييرُ والتبديلُ بوجه من الوجوه ، فتغييرُ الأسلوب لما ذُكر من المزايا ، وقيل : ( بما استحفظوا ) بدلٌ من قوله تعالى : { بِهَا } بإعادة العامل وهو بعيد ، وكذا تجويزُ كونِ الضمير في استُحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبارِ جميعاً على أن الاستحفاظَ من جنابِ الله عز وجل أي كلفهم الله تعالى أن يحفظوه ويكونوا عليه شهداء ، وقوله تعالى وتقدَّسَ : { فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس } خطابٌ لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات ، وأما حكامُ المسلمين فيتناوبُهم النهْيُ بطريق الدلالة دون العبارة ، والفاء لترتيبِ النهْيِ على ما فُصِّل من حال التوراة ، وكونِها معتنىً بشأنها فيما بين الأنبياء عليهم السلام ومَنْ يقتدى بهم من الربانيين والأحبار المتقدمين عملاً وحفظاً ، فإن ذلك مما يوجبُ الاجتنابَ عن الإخلال بوظائف مراعاتِها والمحافظةِ عليها بأي وجهٍ كان فضلاً عن التحريف والتغيير ، ولمّا كان مدارُ جراءتهم على ذلك خشيةَ ذي سلطانٍ أو رغبةً في الحظوظ الدنيوية نُهوا عن كل منهما صريحاً ، أي إذا كان شأنُهما كما ذكر فلا تخشوا الناسَ كائناً من كان واقتدوا في مراعاة أحكامها وحفظِها بمن قبلكم من الأنبياء وأشياعِهم { واخشون } في الإخلالِ بحقوقِ مراعاتها فكيف بالتعرُّض لها بسوء .
{ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي } الاشتراء استبدالُ السلعة بالثمن أي أخذُها بدلاً منه لا بذلُ الثمن لتحصيلها كما قيل ، ثم استُعير لأخذ شيءٍ بدلاً مما كان له ، عَيْناً كان أو معنىً أخذاً منوطاً بالرغبة فيما أُخذ ، والإعراضِ عما أُعطِيَ ونُبذ ، كما فُصِّل في تفسير قوله تعالى : { أولئك الذين الضلالة بالهدى } فالمعنى لا تستبدلوا بآياتي التي فيها بأن تُخرجوها منها أو تتركوا العملَ بها وتأخذوا لأنفسكم بدلاً منها { ثَمَناً قَلِيلاً } من الرِّشوة والجاهِ وسائرِ الحظوظ الدنيوية ، فإنها وإن جلّت قليلةٌ مستَرْذَلةٌ في نفسها ، لا سيما بالنسبة إلى ما فات عنهم بترك العمل بها ، وإنما عبَّر عن المشترى الذي هو العُمدةُ في عقود المعاوضة والمقصِدُ الأصليُّ بالثمن الذي شأنه أن يكونَ وسيلةً إلى تحصيله ، وأُبرزَتِ الآياتُ التي حقُّها أن يتنافسَ فيها المتنافسون في معرِض الآلات والوسائطِ حيث قُرنت بالباء التي تصحَبُ الوسائلَ إيذاناً بمبالغتهم في التعكيس بأن جَعلوا المقصِدَ الأقصى وسيلةً والوسيلةَ الأدنى مقصِداً { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله } كائناً من كان دون المخاطبين خاصة فإنهم مندرجون فيه اندراجاً أولياً أي من لم يحكم بذلك مستهيناً به منكِراً كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى اقتضاءً بيناً { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى ( من ) ، والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظِها { هُمُ الكافرون } لاستهانتهم به ، و ( هم ) إما ضميرُ الفعل أو مبتدأ وما بعده خبره ، والجملة لأولئك ، وقد مر تفصيلُه في مطلع سورة البقرة ، والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها أبلغَ تقريرٍ ، وتحذيرٌ عن الإخلال به أشدَّ تحذير حيث علّق فيه الحكمَ بالكفر بمجرد ترك الحُكْم بما أنزل الله تعالى ، فكيف وقد انضم إليه الحكمُ بخلافه ، لا سيما مع مباشرة ما نُهوا عنه من تحريفه ووضع غيره موضِعَه ، وادعاءِ أنه من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً؟

(2/245)


وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)

{ وَكَتَبْنَا } عطفٌ على ( أنزلنا التوراة ) { عَلَيْهِمْ } أي على الذين هادوا ، وقرىء وأنزل الله على بني إسرائيلَ { فِيهَا } أي في التوراة { أَنَّ النفس بالنفس } أي تُقاد بها إذا قَتلتْها بغير حق { والعين } تُفقأ { بالعين } إذا فُقئَتْ بغير حق { والانف } يُجدَع { بالانف } المقطوعِ بغير حق { والاذن } تُصْلَم { بالاذن } المقطوعة ظلماً { والسن } تُقلعُ { بالسن } المقلوعة بغير حق { والجروح قِصَاصٌ } أي ذاتُ قصاص إذا كانت بحيث تُعرف المساواة ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا لا يقتُلون الرجلَ بالمرأة فنزلت ، وقرىء ( وإنّ الجروحَ قصاص ) وقرىء ( والعينُ ) إلى آخره بالرفع عطفاً على محل ( أن النفس ) لأن المعنى كتبنا عليهم : النفسُ بالنفس إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا ، وإما لأن معنى الجملة التي هي قولك : النفسُ بالنفس مما يقع عليه الكَتْبُ كما يقع عليه القراءة ، تقول : كتبت ( الحمدُ لله ) وقرأتُ { سُورَةٌ أنزلناها } { فَمَن تَصَدَّقَ } أي من المستحقين { بِهِ } أي بالقصاص ، أي فمن عفا عنه ، والتعبيرُ عنه بالتصديق للمبالغة في الترغيب فيه { فَهُوَ } أي التصديق { كَفَّارَةٌ لَّهُ } أي للمتصدق يكفّر الله تعالى بها ذنوبَه ، وقيل : للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحقِّ سقطَ عنه ما لزِمه ، وقُرىء ( فهو كفارته له ) ، أي فالمتصدقُ كفارتُه التي يستحقُّها بالتصدق له لا ينقُصُ منها شيء وهو تعظيمٌ لما فَعَل ، كقوله تعالى : { فَأَجْرُهُ عَلَى الله }
{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم } كائناً من كان فيتناول من لا يرى قتلَ الرجل بالمرأة من اليهود تناولاً بيناً { بِمَا أنزَلَ الله } من الأحكام والشرائع كائناً ما كان فيدخل فيها الأحكامُ المحكية دخولاً أولياً { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } المبالغون في الظلم المتعدُّون لحدودِه تعالى الواضعون للشيء في غير موضعه ، والجملة تذييلٌ مقرِّر لإيجاب العمل بالأحكام المذكورة .

(2/246)


وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)

{ وَقَفَّيْنَا على ءاثارهم } شروعٌ في بيان أحكام الإنجيلِ إثْرَ بيانِ أحكام التوراة وهو عطفٌ على ( أنزلنا التوراة ) أي آثارِ النبيين المذكورين ، يقال : قَفَّيتُه بفلان إذا أتبعتُه إياه ، فحذَفَ المفعولَ لدلالة الجار والمجرور عليه أي قفيناهم { بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ } أي أرسلناه عَقيبَهم { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة } حالٌ من عيسى عليه السلام { وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيل } عطفٌ على قفَّينا وقرىء بفتح الهمزة { فِيهِ هُدًى وَنُورٌ } كما في التوراة وهو في محل النصْب على أنه حال من الإنجيل أي كائناً فيه ذلك كأنه قيل : مشتملاً على هدى ونور ، وتنوينُ هدىً ونورٌ للتفخيم ، ويندرج في ذلك شواهدُ نبوتِه عليه السلام { وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة } عطف عليه داخلٌ في حكم الحالية وتكريرُ ( ما بين يديه من التوراة ) لزيادة التقرير { وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } عطفٌ على مصدقاً منتظمٌ معه في سلك الحالية جُعل كلُّه هدىً بعد ما جُعل مشتملاً عليه حيث قيل : ( فيه هدى ) وتخصيصُ كونِه هدىً وموعظةً بالمتقين لأنهم المهتدون بهداه والمنتفعون بجَدْواه .
{ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ } أمرٌ مبتدأٌ لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائلُ رسالتِه عليه الصلاة والسلام وشواهدُ نبوته وما قرَّرت الشريعة الشريفةُ من أحكامه ، وأما أحكامُه المنسوخةُ فليس الحكمُ بهما حكماً بما أنزل الله فيه بل هو إبطالٌ وتعطيلٌ له ، إذ هو شاهدٌ بنسخها وانتهاءِ وقت العمل بها ، لأن شهادته بصحة ما ينسَخُها من الشريعة شهادةٌ بنسخها ، وبأن أحكامَه ما قرَّرتْه تلك الشريعةُ التي شهد بصحتها كما سيأتي في قوله تعالى : { قُلْ ياأهل الكتاب لَسْتُمْ على شَىْء حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل } الآية ، وقيل : هو حكايةٌ للأمر الوارد عليهم بتقدير فعلٍ معطوف على آتيناه أي وقلنا : ليحكم أهلُ الإنجيل الخ ، وقرىء ( وأن ) ليحكم على أنّ ( أنْ ) موصولةٌ بالأمر كما في قولك : أمرته بأن قم ، كأنه قيل : وآتيناه الإنجيل وأمَرْنا بأن يحكُمَ أهلُ الإنجيل الخ ، وقرىء عل صيغة المضارع ولام التعليل على أنها متعلقةٌ بمقدَّر كأنه قيل : ولِيَحْكُمَ أهلُ الإنجيل بما أنزل الله فيه آتيناه إياه ، وقد عُطِفَ على ( هدى وموعظة ) على أنهما مفعول لهما ، كأنه قيل : وللهدى والموعظة آتيناه إياه وللحُكْم بما أنزل الله فيه .
{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله } منكراً له مستهيناً به { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } المتمردون الخارجون عن الإيمان ، والجملة تذييلٌ مقرِّر لمضمون الجملة السابقة ومؤكِّد لوجوب الامتثال بالأمر ، وفيه دلالة على أن الإنجيلَ مشتملٌ على الأحكام ، وأن عيسى عليه السلام كان مستقلاً بالشرع مأموراً بالعمل بما فيه من الأحكام قلَّت أو كثُرت ، لا بما في التوراة خاصة ، وحملُه على معنى وليحكم بما أنزل الله فيه من إيجابِ العملِ بأحكام التوراة خلافُ الظاهر .

(2/247)


وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)

{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } أي الفردَ الكاملَ الحقيقيَّ بأن يسمى كتاباً على الإطلاق لحيازته جميعَ الأوصافِ الكمالية لجنس الكتابِ السماويِّ وتفوقِه على بقية أفراده وهو القرآنُ الكريم ، فاللام للعهد والجملةُ عطف على ( أنزلنا ) وما عُطِف عليه ، وقوله تعالى : { بالحق } متعلق بمحذوفٍ وقع حالاً مؤكّدة من الكتاب أي ملتبساً بالحق والصدق ، وقيل : من فاعل أنزلنا ، وقيل : من الكاف في ( إليك ) وقوله تعالى : { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } حال من الكتاب أي حالَ كونِه مصدقاً لما تقدَّمَه إما من حيث إنه نازلٌ حسْبما نُعِتَ فيه ، أو من حيث إنه موافقٌ له في القِصصِ والمواعيدِ والدعوة إلى الحق والعدلِ بين الناس والنهْيِ عن المعاصي والفواحش ، وأما ما يتراءى من مخالفتِه له في بعض جزئياتِ الأحكام المتغيِّرة بسبب تغيُّرِ الأعصارِ فليست بمخالفةٍ في الحقيقة بل هي موافِقةٌ لها من حيث إن كلاًّ من تلك الأحكام حقٌّ بالإضافة إلى عصره ، متضمِّنٌ للحكمة التي عليها يدور أمرُ الشريعة ، وليس في المتقدم دلالةٌ على أبديةِ أحكامِه المنسوخة حتى يخالفَه الناسخُ المتأخِّرُ ، وإنما يدل على مشروعيتها مطلقاً من غير تعرُّض لبقائها وزوالِها ، بل نقول : هو ناطقٌ بزوالها لما أن النطقَ بصحة ما ينسخها نطقٌ بنَسْخِها وزوالِها وقوله تعالى : { مّنَ الكتاب } بيانٌ ( لِما ) ، واللام للجنس ، إذ المراد هو الكتابُ السماوي وهو بهذا العنوان جنسٌ برأسه ، وإن كان في نفسه نوعاً مخصوصاً من مدلول لفظ الكتاب ، وعن هذا قالوا : اللام للعهد ، إلا أن ذلك لا ينتهي إلى خصوصية الفردية بل إلى خصوصية النوعية التي هي أخصُّ من مُطلقِ الكتاب وهو ظاهر ، ومن الكتاب السماوي أيضاً حيث خُصَّ بما عدا القرآن { وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } أي رقيباً على سائر الكتبِ المحفوظة من التغيير لأنه يشهد بالصحة والثبات ويقرِّر أصولَ شرائعها وما يتأبد من فروعها ، ويعيِّن أحكامَها المنسوخةَ ببيان انتهاءِ مشروعيتها المستفادة من تلك الكتب وانقضاءِ وقت العمل بها ، ولا ريب في أن تمييزَ أحكامِها الباقيةِ على المشروعية أبداً عما انتهى وقتُ مشروعيتِه وخرج عنها من أحكام كونِه مهيمناً عليه ، وقرىء ( ومُهيمَناً عليه ) على صيغة المفعول أي هُومِنَ عليه وحُوفظ من التغيير والتبديل كقوله عز وجل : { لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } والحافظُ إما من جهته تعالى كما في قوله : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ } أو الحفاظُ في الأعصار والأمصار والفاء في قوله تعالى : { فاحكم بَيْنَهُمْ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن كونَ شأنِ القرآن العظيم حقاً مصدِّقاً لما قبله من الكتب المنزلة على الأمم مهيمناً عليه من مُوجباتِ الحكم المأمور به ، أي إذا كان القرآن كما ذُكِر فاحكمْ بين أهل الكتابين عند تحاكُمِهم إليك { بِمَا أنزَلَ الله } أي بما أنزله إليك ، فإنه مشتملٌ على جميع الأحكام الشرعية الباقيةِ في الكتب الإلهية ، وتقديمُ ( بينهم ) للاعتناء ببيانِ تعميمِ الحكم لهم ، ووضعُ الموصول موضعَ الضمير للتنبيه على عِلِّيَّةِ ما في حيز الصلة للحكم ، والالتفات بإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار بعِلَّة الحكم .

(2/248)


{ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } الزائغة { عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق } الذي لا محيدَ عنه ، و ( عن ) متعلقة بلا تتَّبعْ على تضمين معنى العُدول ونحوِه ، كأنه قيل : ولا تعدِلْ عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم ، وقيل : بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعله ، أي لا تتبع أهواءهم عادلاً عما جاءك ، وفيه أن ما وقع حالاً لا بد أن يكون فعلاً عاماً ، ووضع الموصول موضع ضمير الموصول الأول للإيماء بما في حيز الصلة من مجيء الحق إلى ما يوجب كمالَ الاجتناب عن اتباع الأهواء . وقوله تعالى : { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } كلام مستأنَفٌ جيءَ به لحمل أهل الكتابين من معاصِريه عليه الصلاة والسلام على الانقياد لحُكمه بما أُنزل إليه من القرآن الكريم ببيان أنه هو الذي كُلِّفوا العملَ به دون غيره من الكتابين ، وإنما الذين كلفوا العملَ بهما مَنْ مَضَى قبل نسخهما من الأمم السالفة ، والخطابُ بطريق التلوين والالتفات للناس كافة لكن لا للموجودين خاصة بل للماضين أيضاً بطريق التغليب ، واللام متعلقة ( بجعلنا ) المتعدي لواحد ، وهو إخبارٌ بجَعَلَ ، ماضٍ لا إنشاءٌ ، وتقديمها عليه للتخصيص و ( منكم ) متعلق بمحذوفٍ وقعَ صفةً لِما عُوِّض عنه تنوينُ كلَ ، ولا ضيرَ في توسط ( جعلنا ) بين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى : { غَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ * السموات } الخ ، والمعنى لكل أمة كائنةٍ منكم أيها الأمم الباقية والخالية جعلنا أي عيّنّا ووضعنا شرعةً ومنهاجاً خاصَّين بتلك الأمة لا تكاد أمةٌ تتخطى شَرْعيتها التي عُيِّنت لها ، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام شرعِيَّتُهم التوراة والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبي عليهما الصلاة والسلام شرعتهم الإنجيل ، وأما أنتم أيها الموجودون فشِرْعتُكم القرآنُ ليس إلا ، فآمنوا به واعملوا بما فيه ، والشِّرْعةُ والشريعة هي الطريقة إلى الماء شُبِّه بها الدينُ لكونه سبيلاً موصولاً إلى ما هو سببٌ للحياة الأبدية ، كما أن الماء سببٌ للحياة الفانية ، والمنهاجُ الطريق الواضح في الدين من نهَجَ الأمرُ إذا وضَحَ ، وقرىء ( شَرْعة ) بفتح الشين ، قيل : فيه دليل على أنا غيرُ مُتعبَّدين بشرائِعِ مَنْ قبلنا ، والتحقيق أنا متعبَّدون بأحكامها الباقية من حيث إنها أحكامُ شرعتِنا لا من حيث إنها شرعة للأولين .
{ وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة } متفقةٌ على دين واحد في جميع الأعصار من غير اختلاف بينكم وبين من قبلكم من الأمم في شيء من الأحكام الدينية ، ولا نسخَ ولا تحويل ، ومفعولُ المشيئة محذوفٌ على دلالة الجزاء عليه ، أي ولو شاء الله أن يجعلكم أمة واحدة لجعلكم الخ ، وقيل : المعنى لو شاء الله اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه .

(2/249)


{ ولكن لّيَبْلُوَكُمْ } متعلِّقٌ بمحذوف يستدعيه النظام ، أي ولكن لم يشأ ذلك أي أن يجعلكم أمةً واحدة بل شاء ما عليه السنةُ الإلهية الجاريةُ فيما بين الأمم ليعامِلَكم معاملةَ من يبتليكم { فِيمَا ءاتاكم } من الشرائع المختلفة المناسبة لأعصارها وقرونِها هل تعملون بها مذعِنين لها معتقدين أن اختلافَها بمقتضى المشيئةِ الإلهية المبنيةِ على أساس الحِكَم البالغةِ والمصالحِ النافعة لكم في معاشكم ومعادِكم أو تزيغون عن الحق وتتبعون الهوَى وتستبدلون المضَرَّة بالجدوى وتشترون الضلالة بالهدى ، وبهذا اتضح أن مدارَ عدم المشيئةِ المذكورة ليس مجردَ الابتلاء ، بل العمدةُ في ذلك ما أشير إليه من انطواءِ الاختلاف على ما فيه مصلحتُهم معاشاً ومعاداً كما ينبىء عنه قوله عز وجل : { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } أي إذا كان الأمر كما ذُكر فسارعوا إلى ما هو خيرٌ لكم في الدارين من العقائد الحَقَّة والأعمالِ الصالحة المندرجة في القرآن الكريم ، وابتدروها انتهازاً للفرصة وإحرازاً لسابقةِ الفَضْل والتقدم ، ففيه من تأكيد الترغيبِ في الإذعان للحق وتشديدِ التحذير عن الزيغ ما لا يخفى ، وقوله تعالى : { إلى الله مَرْجِعُكُمْ } استئنافٌ مَسوقٌ مَساقَ التعليل لاستباق الخيرات بما فيه من الوعد والوعيد ، وقوله تعالى : { جَمِيعاً } حال من ضمير الخطاب ، والعامل فيه إما المصدرُ المنحلُّ إلى حرفٍ مصدريَ وفعل مبني للفاعل أو مبني للمفعول وإما الاستقرارُ المقدَّر في الجار { فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } أي فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بين المُحِقّ والمُبطل ما لا يبقى لكم معه شائبةُ شكٍ فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا ، وإنما عبر عن ذلك بما ذكر لوقوعه موقع إزالة الاختلاف التي هي وظيفة الإخبار .

(2/250)


وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)

{ وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } عطف على الكتاب ، أي أنزلنا إليك الكتابَ والحُكْمَ بما فيه ، والتعرُّضُ لعنوان إنزاله تعالى إياه لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر ، أو على الحق أي أنزلناه بالحق وبأن احكم ، وحكايةُ إنزال الأمر بهذا الحكم بعد ما مر من الأمر الصريح بذلك تأكيد له وتمهيدٌ لما يعقُبه من قوله تعالى : { واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ } أي يصرِفونك عن بعضه ولو كان أقلَّ قليلٍ بتصوير الباطل بصورة الحق ، وإظهارُ الاسم الجليل لتأكيدِ الأمر بتهويل الخطب ، و ( أن ) بصلته بدلُ اشتمالٍ من ضمير ( هم ) أي احذر فتنتهم ، أو مفعول له أي احذرهم مخافة أن يفتنوك ، وإعادة ما أنزل الله لتأكيد التحذير بتهويل الخطب .
رُوي ( أن أحبارَ اليهود قالوا : اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتِنُه عن دينه ، فذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا أبا القاسم قد عرفت أنّا أحبارُ اليهود وأنّا إن اتبعناك اتبعنا اليهودُ كلهم ، وإن بيننا وبين قومنا خصومةً فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك ، فأبى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ) { فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي أعرَضوا عن الحكم بما أنزل الله تعالى وأرادوا غيره { فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } أي بذنب تولِّيهم عن حكم الله عز وجل ، وإنما عبر بذلك إيذاناً بأن لهم ذنوباً كثيرة ، هذا مع كمال عَظَمةِ واحدٍ من جملتها ، وفي هذا الإبهام تعظيمٌ للتولِّي كما في قول لبيد :
أو يرتبطْ بعضَ النفوس حِمامُها ... يريد به نفسه أي نفساً كبيرة ونفساً أيَّ نفس { وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس لفاسقون } أي متمردون في الكفر مصرُّون عليه خارجون عن الحدود المعهودة وهو اعتراض تذييليٌّ مقررٌ لمضمون ما قبله .

(2/251)


أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)

{ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ } إنكار وتعجيبٌ من حالهم وتوبيخ لهم ، والفاء للعطف على مقدّرٍ يقتضيه المقام ، أي أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية؟ وتقديمُ المفعول للتخصيص المفيدِ لتأكيد الإنكار والتعجيب ، لأن التولَّيَ عن حكمه عليه الصلاة والسلام وطلبَ حكمٍ آخرَ منكرٌ عجيب ، وطلبُ حكم الجاهلية أقبح وأعجب ، والمراد بالجاهلية إما المِلةُ الجاهلية التي هي متابعةُ الهوى الموجبةُ للميل والمداهنةُ في الأحكام فيكون تعييراً لليهود بأنهم مع كونهم أهلَ كتاب وعلمٍ يبغون حكمَ الجاهلية التي هي هوى وجهلٌ لا يصدُر عن كتاب ولا يرجِعُ إلى وحي ، وإما أهلُ الجاهلية ، وحكمُهم ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى ، حيث رُوي ( أن بني النضيرِ لما تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومةِ قتلِ وقعت بينهم وبين بني قريظة طلبوا إليه عليه الصلاة والسلام أن يحكم بينهم بما كان عليه أهلُ الجاهلية من التفاضل ، فقال عليه الصلاة والسلام : « القتلى سواءٌ » فقال بنو النضير : نحن لا نرضى بذلك فنزلت ) ، وقرىء برفع ( الحكم ) على أنه مبتدأ ويبغون خبرُه والراجعُ محذوفٌ حذْفَه في قوله تعالى : { أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً } وقد استُضعف ذلك في غير الشعر ، وقرىء بتاء الخطاب إما بالالتفات لتشديد التوبيخ وإما بتقدير القول أي قل لهم أفحكم الخ ، وقرىء بفتح الحاء والكاف أي أفحاكماً كحكام الجاهلية يبغون { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً } إنكار لأن يكون أحدٌ حكمُه أحسنُ من حكمه تعالى أو مساوٍ له ، وإن كان ظاهرُ السبك غيرَ متعرِّضٍ لنفي المساواة وإنكارِها ، وقد مر تفصيله في تفسير قوله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله } { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي عندهم ، واللام كما في ( هَيْتَ لك ) ، أي هذا الاستفهام لهم فإنهم الذين يتدبرون الأمور بأنظارهم ، فيعلمون يقيناً أن حكم الله عز وجل أحسنُ الأحكام وأعدلُها . { يأيها الذين آمنوا } خطاب يعُمّ حكمُه كافةَ المؤمنين من المخلصين وغيرهم ، وإن كان سببُ ورودِه بعضاً منهم كما سيأتي ، ووصفُهم بعنوان الإيمان لحملَهم من أول الأمر على الانزجار عما نُهوا عنه بقوله عز وجل : { لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء } فإن تذكيرَ اتصافِهم بضد صفات الفريقين من أقوى الزواجر عن موالاتِهما ، أي لا يتخذْ أحدٌ منكم أحداً منهم ولياً ، بمعنى لا تُصافوُهم ولا تعاشِروهم مُصافاةَ الأحباب ومعاشرَتَهم لا بمعنى لا تجعلوهم أولياءَ لكم حقيقة ، فإنه أمرٌ ممتنِعٌ في نفسه لا يتعلق به النهي { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } أي بعضُ كلِّ فريق من ذَيْنِك الفريقَيْن أولياءُ بعضٍ آخَرَ من ذلك الفريق لا من الفريق الآخر ، وإنما أوثر الإجمالُ في البيان تعويلاً على ظهور المُراد لوضوح انتفاءِ الموالاة بين فريقَي اليهود والنصارى رأساً ، والجملة مستأنفةٌ مَسوقة لتعليل النهي وتأكيدِ إيجاب الاجتناب عن المنْهيِّ عنه أو ( بعضُهم أولياء بعض ) متفقون على كلمة واحدة في كل ما يأتون وما يذرون ومن ضرورته إجماعُ الكل على مُضادَّتكم ومضارَّتِكم بحيث يسومونكم السوءَ ويبغونكم الغوائل ، فكيف يُتصورُ بينكم وبينهم موالاة؟ وقوله تعالى : { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } حكمٌ مستنتَجٌ منه ، فإن انحصارَ الموالاة فيما بينهم يستدعي كونَ من يواليهم منهم ، ضرورةَ أن الاتحادَ في الدين الذي عليه يدور أمرُ الموالاة حيث لم يكن بكونهم ممن يواليهم من المؤمنين ، تعيّنَ أن يكون ذلك بكَوْنِ من يواليهم منهم ، وفيه زجرٌ شديد للمؤمنين عن إظهار صورةِ الموالاة لهم وإن لم تكن موالاةً في الحقيقة وقوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } تعليلٌ لكون من يتولاهم منهم أي لا يهديهم إلى الإيمان بل يخليهم وشأنَهم فيقعون في الكفر والضلالة ، وإنما وَضعَ المُظْهَرَ موضع ضميرِهم تنبيهاً على أن تولِّيهم ظلمٌ ، لما أنه تعريضٌ لأنفسهم للعذاب الخالد ووضعٌ للشيء في غير موضعه .

(2/252)


فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)

وقوله تعالى : { فَتَرَى الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } بيان لكيفية توليهم ، وإشعارٌ بسببه وبما يؤول إليه أمرُهم ، والفاء للإيذان بترتُّبه على عدم الهداية ، والخطابُ إما للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين ، وإما لكل أحدٍ ممن له أهليةٌ له ، وفيه مزيدُ تشنيع للتشنيع ، أي لا يهديهم بل يذرهم وشأنَهم فتراهم الخ ، وإنما وُضع موضعَ الضمير الموصولُ ليُشارَ بما في حيز صلته إلى أن ما ارتكبوه من التولي بسبب ما في قلوبهم من مرض النفاق ورَخاوة العَقْد في الدين ، وقوله تعالى : { يسارعون فِيهِمْ } حال من الموصول والرؤية بصرية ، وقيل : مفعولٌ ثانٍ والرؤية قلبية ، والأول هو الأنسبُ بظهور نفاقهم ، أي تراهم مسارعين في موالاتهم ، وإنما قيل : فيهم مبالغةً في بيان رغبتِهم فيها وتهالُكِهم عليها ، وإيثارُ كلمة ( في ) على كلمة ( إلى ) للدلالة على أنهم مستقرون في الموالاة ، وإنما مسارعتُهم من بعضِ مراتبها إلى بعضٍ آخر منها كما في قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يسارعون فِى الخيرات } لا أنهم خارجون عنها متوجِّهون إليها كما في قوله تعالى : { وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } وقرىء ( فيَريَ ) بياء الغَيْبة على أن الضمير لله سبحانه ، وقيل : لمن تصِحُّ منه الرؤية ، وقيل : الفاعل هو الموصولُ والمفعول هو الجملة على حذف أن المصدرية ، والرؤية قلبية أي ويرى القومُ الذين في قلوبهم مرض أن يسارعوا فيهم ، فلما حُذفت أنْ انقلب الفعلُ مرفوعاً كما في قول من قال :
ألا أيُّهذا الزَّاجِريْ أحْضُرُ الوغى ... والمراد بهم عبدُ اللَّه بنُ أُبيّ وأضرابُه الذين كانوا يسارعون في مُوادَّةِ اليهود ونَصارى نجرانَ ، وكانوا يعتذرون إلى المؤمنين بأنهم لا يأمنون أن تصيبَهم صروفُ الزمان وذلك قوله تعالى : { يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } وهو حال من ضمير يسارعون ، والدائرةُ من الصفات الغالبة التي لا يُذكر معها موصوفُها ، أي تدور علينا دائرةٌ من دوائر الدهر ودَوْلةٌ من دُولِه بأن ينقلبَ الأمرُ وتكون الدولةُ للكفار ، وقيل : نخشى أن يصيبنا مكروهٌ من مكاره الدهر كالجدْب والقَحْط فلا يعطونا المِيرةَ والقَرْض . روي ( أن عبادة بنَ الصامت رضي الله تعالى عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لي مواليَ من اليهود كثيراً عددُهم وإني أبرأ إلى الله ورسولِه من وَلايتهم ، وأُوالي الله ورسوله . فقال عبد اللَّه بنُ أُبي : إني رجل أخاف الدوائرَ لا أبرأ من وِلاية مواليَّ ) وهم يهودُ بني قَيْقُناع ، ولعله يُظهرُ للمؤمنين أنه يريد بالدوائر المعنى الأخيرَ ويُضمِرُ في نفسه المعنى الأول وقوله تعالى : { فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح } رد من جهة الله تعالى لعللهم الباطلة وقطعٌ لأطماعهم الفارغة وتبشيرٌ للمؤمنين بالظفر ، فإن ( عسى ) منه سبحانه وعدٌ محتوم ، لما أن الكريمَ إذا أطْمَعَ أطعم لا محالة فما ظنك بأكرمِ الأكرمين؟ و ( أن يأتي ) في محل النصب على أنه خبرُ عسى وهو رأي الأخفش ، أو على أنه مفعول به وهو رأيُ سيبويه ، لئلا يلزَمَ الإخبارُ عن الجُثَّة بالحدَث كما في قولك : عسى زيد أن يقوم ، والمراد بالفتح فتحُ مكةَ ، قاله الكلبي والسُّديّ ، وقال الضحاك : فتحُ قُرى اليهودِ من خيبرَ وفَدَك ، وقال قَتادة ومقاتِلٌ : هو القضاءُ الفصلُ بنصره عليه الصلاة والسلام على من خالفه وإعزازِ الدين { أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } بقطع شأفةِ اليهود من القتل والإجلاء { فَيُصْبِحُواْ } أي أولئك المنافقون المتعلَّلون بما ذُكر وهو عطفٌ على ما يأتي داخلٌ معه في حيز خبرِ عسى ، وإن لم يكن فيه ضميرٌ يعود إلى اسمها ، فإن فاء السببية مغنيةٌ عن ذلك ، فإنها تجعل الجملتين كجملة واحدة { على مَا أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نادمين } وهو ما كانوا يكتمونه في أنفسهم من الكفر والشك في أمره عليه الصلاة والسلام ، وتعليقُ الندامة به لا بما كانوا يُظهرونه من موالاة الكفرة لِما أنه الذي كان يحمِلُهم على الموالاة ويُغريهم عليها فدل ذلك على ندامتهم عليها بأصلها وسببها .

(2/253)


وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)

{ وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ } كلام مبتدأ مَسوقٌ لبيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة وقُرىء بغير واو على أنه جواب سؤال نشأ مما سبق كأنه قيل : فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ وقرىء ( ويقولَ ) بالنصب عطفاً على يصبحوا ، وقيل : على ( يأتيَ ) باعتبار المعنى كأنه قيل : فعسى أن يأتيَ الله بالفتح ويقولَ الذين آمنوا والأولُ أوجهُ ، لأن هذا القول إنما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامةِ المنافقين لا عند إتيان الفتح فقط ، والمعنى ويقول الذين آمنوا مخاطِبين لليهود مشيرين إلى المنافقين الذين كانوا يوالونهم ويرجون دولتَهم ويُظهرون لهم غاية المحبة وعدمَ المفارقة عنهم في السراء والضراء عند مشاهدتهم لخَيْبة رجائِهم وانعكاسِ تقديرهم بوقوع ضدِّ ما كانوا يترقبونه ويتعللون به ، تعجيباً للمخاطَبين من حالهم وتعريضاً بهم { أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ } أي بالنصر والمعونة كما قالوا فيما حُكيَ عنهم ( وإن قوتلتم لننصُرَنَّكم ) واسمُ الإشارة مبتدأ وما بعده خبرُه ، والمعنى إنكارُ ما فعلوه واستبعادُه وتخطئتُهم في ذلك ، أو يقولُ بعضُ المؤمنين لبعضٍ مشيرين إلى المنافقين أيضاً أهؤلاء الذين أقسموا للكَفَرة إنهم لمعكم؟ فالخطابُ في ( معكم ) لليهود على التقديرين إلا أنه على الأول من جهةِ المؤمنين وعلى الثاني من جهة المُقْسِمين ، وهذه الجملةُ لا محلَّ لها من الإعراب لأنها تفسيرٌ وحكايةٌ لمعنى أقسَموا لكن لا بألفاظهم وإلا لقيل : إنا معكم ، وجَهدُ الأيْمان أغلظُها وهو في الأصل مصدر ونصبُه على الحال على تقدير وأقسموا بالله يَجْهَدون جَهدَ أيمانهم ، فحُذِفَ الفعلُ وأقيم المصدرُ مُقامَه ، ولا يبالى بتعريفه لفظاً لأنه مؤوَّلٌ بنكرة أي مجتهدين في أيْمانهم أو على المصدر أي أقسموا إقسامَ اجتهادٍ في اليمين وقوله تعالى : { حَبِطَتْ أعمالهم فَأَصْبَحُواْ خاسرين } إما جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ من جهته تعالى لبيان مآلِ ما صنعوه من ادِّعاء الولاية والإقسام على المعيَّةِ في المنشَطِ والمكره إثرَ الإشارة إلى بُطلانه بالاستفهام الإنكاري ، وإما خبرٌ ثانٍ للمبتدأ عندَ مَنْ يجوِّزُ كونَه جملةً كما في قوله تعالى : { فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى } أو هو الخبرُ والموصول مع ما في حيز صلتِه صفةٌ لاسم الإشارة ، فالاستفهامُ حينئذٍ للتقرير ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل : ما أحبَطَ أعمالَهم فما أخسرَهم ، والمعنى بطلتْ أعمالُهم التي عمِلوها في شأن موالاتكم وسعوا في ذلك سعياً بليغاً حيث لم تكن لكم دولةٌ فينتفعوا بما صنعوا من المساعي وتحمَّلوا من مكابدة المشاق ، وفيه من الاستهزاء بالمنافقين والتقريع للمخاطَبين ما لا يخفي ، وقيل : قاله بعضُ المؤمنين مخاطِباً لبعض تعجباً من سوء حال المنافقين واغتباطاً بما منّ الله تعالى على أنفسهم من التوفيق للإخلاص : أهؤلاءِ الذين أقسموا لكم بأغلظِ الأيْمان أنهم أولياؤُكم ومعاضِدوكم على الكفار؟ بطَلتْ أعمالُهم التي كانوا يتكلّفونها في رأيِ أعينِ الناس ، وأنت خبير بأن هذا الكلامَ من المؤمنين إنما يليقُ بما لو أظهرَ المنافقون حينئذ خلافَ ما كانوا يدَّعونه ويُقسِمون عليه من ولاية المؤمنين ومعاضَدَتِهم على الكفار فظهر كذِبُهم وافتُضحوا بذلك على رؤوس الأشهاد وبطَلتْ أعمالُهم التي كانوا يتكلفونها في رأي أعين المؤمنين ، ولا ريب في أنهم يومئذ أشدُّ ادعاءً وأكثر إقساماً منهم قبل ذلك ، فضلاً عن أن يظهروا خلافَ ذلك ، وإنما الذي يظهر منهم الندامةُ على ما صنعوا وليس ذلك علامةً ظاهرةَ الدلالة على كفرهم وكذبهم في ادعائهم ، فإنهم يدّعون أنْ ليست ندامتُهم إلا على ما أظهروه من موالاة الكَفَرةِ خشيةَ إصابةِ الدائرة .

(2/254)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } وقرىء ( يرتدِدْ ) بالفك على لغة الحجاز ، والإدغام لغة تميم ، لمّا نهيَ فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى وبيّن أن موالاتَهم مستدعيةٌ للارتداد عن الدين وفصَّل مصيرَ أمْرِ من يواليهم من المنافقين شَرَع في بيان حال المرتدين على الإطلاق وهذا من الكائنات التي أخبر عنها القرآنُ قبل وقوعِها . ( روي أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشرة فِرقةً ، ثلاثٌ في عهد رسولِ الله عليه الصلاة والسلام بنو مدلج ورئيسُهم ذو الخِمار ، وهو الأسود العنْسي ، كان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده فأخرج منها عُمّالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب عليه الصلاة والسلام إلى معاذِ بنِ جبلٍ وإلى ساداتِ اليمنِ فأهلكه الله تعالى على يَدَيْ فيروزَ الدَّيْلمي ، بيَّته فقتله ، وأخبر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقتلِه ليلةَ قُتل ، فسُرَّ به المسلمون وقُبضَ عليه الصلاة والسلام من الغدِ ، وأتى خبرُه في آخرِ شهرِ ربيع الأول ، وبنو حنيفةَ قومُ مسيلِمَةَ الكذاب تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مسيلِمةَ رسولِ الله إلى محمدٍ رسولِ الله أما بعد فإن الأرضَ نصفُها لي ونصفُها لك .
فأجاب عليه الصلاة والسلام : " من محمدٍ رسولِ الله إلى مسيلِمَةَ الكذاب ، أما بعد فإن الأرضَ لله يورثُها من يشاء من عباده والعاقبةُ للمتقين " فحاربه أبو بكر رضي الله عنه بجنودِ المسلمين ، وقتل على يدَيْ وحشيَ قاتلِ حمزةَ رضي الله عنه . وكان يقول : قتلتُ في جاهليتي خيرَ الناس وفي إسلامي شرَّ الناس ، وبنو أسد قومُ طليحةَ بنِ خويلد ، تنبأ فبعث إليه أبو بكر رضي الله عنه خالدَ بن الوليد فانهزم بعد القتال إلى الشامِ فأسلم وحسُنَ إسلامُه ، وسبعٌ في عهد أبي بكر رضي الله عنه فَزارةُ قومُ عيينةَ بنِ حِصْن ، وغطَفانُ قوم قرَّةَ بنِ سلمة القشيري ، وبنو سُلَيم قومُ الفُجاءة بنُ عبدِ ياليلَ ، وبنو يَرْبوعٍ قومُ مالكِ بنِ نُوَيرة ، وبعضُ تميم قومُ سَجاح بنتِ المنذر المتنبّئة ، التي زوَّجَتْ نفسها من مسيلِمة الكذاب ، وفيها يقول أبو العلاء المعري في كتاب ( استغفرْ واستغفري
آمتْ سَجاحِ ووالاها مسيلِمة ... كذابةٌ في بني الدنيا وكذّابُ
وكِندةُ قومُ الأشعث بن قيس ، وبنو بكر بنِ وائل بالبحرَيْن قومُ الحطَمِ بنِ زيد ، وكفى الله تعالى أمرَهم على يد أبي بكر رضي الله عنه ، وفِرقة واحدةٌ في عهد عمرَ رضي الله عنه غسانُ قومُ جَبَلةَ بنِ الأيهم نصَّرتْه اللطمة ، وسيَّرتْه إلى بلاد الروم وقصتُه مشهورة وقوله تعالى : { فَسَوْفَ يَأْتِى الله } جواب الشرط والعائد إلى اسم الشرط محذوفٌ أي فسوف يأتي الله مكانهم بعد إهلاكهم { بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ } أي يريد بهم خيري الدنيا والآخرة ، ومحل الجملة الجرُّ على أنها صفة لقوم ، وقوله تعالى : { وَيُحِبُّونَهُ } أي يريدون طاعته ويتحرّزون عن معاصيه ، معطوفٌ عليها داخلٌ في حكمها ، قيل : هم أهلُ اليمن لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال قومُ هذا ، وقيل : هم الأنصارُ رضي الله عنهم ، وقيل : هم الفرسُ لما روي أنه عليه السلام سئل عنهم فضرب بيده الكريمة على عاتق سَلمان رضي الله عنه وقال : «هذا وذوُوه» ثم قال : «لو كان الإيمانُ معلقاً بالثريا لنالَه رجالٌ من أبناء فارسَ» وقيل : ( هم ألفان من النخَع وخمسةُ آلافٍ من كِندةَ وثلاثةُ آلاف من أفياءِ الناس جاهدوا يوم القادسية ) .

(2/255)