صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155)

{ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم } أي بسبب ميثاقِهم ليُعطوه على ما روي أنهم هموا بنقضه فرفع الله تعالى عليهم الجبلَ فجاؤا وأقلعوا عن النقض وهو الأنسبُ بما سيأتي من قوله عز وجل : { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً } { وَقُلْنَا لَهُمُ } على لسان موسى عليه السلام والطورُ يظلِّلهم { ادخلوا الباب } قال قتادة : كنا نحدَّث أنه بابٌ من أبواب بيتِ المقدس ، وقيل : هو إيليا ، وقيل : هو أريحا ، وقيل : هو اسمُ قريةٍ ، وقيل : بابُ القُبةِ التي كانوا يصلون إليها فإنهم لم يدخُلوا بيتَ المقدسِ في حياة موسى عليه السلام { سُجَّدًا } أي متطامنين خاضعين { وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ } أي لا تظلِموا باصطياد الحيتانِ { فِى السبت } وقرىء لا تعتدوا ولا تعَدّوا بفتح العين وتشديد الدال على أن أصله تعتدوا فأدغمت التاءُ في الدال لتقاربهما في المخرج بعد نقل حركتها إلى العين { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ } على الامتثال بما كُلّفوه { ميثاقا غَلِيظاً } مؤكداً وهو العهدُ الذي أخذه الله عليهم في التوراة ، قيل : إنهم أعطَوا الميثاقَ على أنهم إن همّوا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذِّبهم بأي أنواع العذاب أراد .
{ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } ما مزيدةٌ للتأكيد أو نكرةٌ تامةٌ ونقضُهم بدلٌ منها والباءُ متعلقةٌ بفعل محذوفٍ أي فسبب نقضِهم ميثاقَهم ذلك فعلْنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخِ وغيرِهما من العقوبات النازلةِ عليهم أو على أعقابهم . روي أنهم اعتَدَوا في السبت في عهد داودَ عليه السلام فلُعنوا ومُسِخوا قِردةً ، وقيل : متعلقةٌ بحَرَّمْنا على أن قوله تعالى : { فَبِظُلْمٍ } بدل من قوله تعالى : { فَبِمَا } وما عطف عليه فيكون التحريمُ معلّلاً بالكل ، ولا يخفى أن قولَهم : إنا قتلنا المسيحَ وقولَهم على مريمَ البهتانُ متأخرٌ عن التحريم ولا مساغ لتعلّقها بما دل عليه قوله تعالى : { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } لأنه رد لقولهم : { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } فيكون من صلة قولِه تعالى : { وَقَوْلِهِمْ } المعطوفِ على المجرور فلا يعمل في جاره { وَكُفْرِهِم بئايات الله } أي بالقرآن أو بما في كتابهم { وَقَتْلِهِمُ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ } كزكريا ويحيى عليهما السلام { وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } جمعُ أغلفَ أي هي مغشاةٌ بأغشية جِبِلِّيةٍ لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم أو هو تخفيفُ غُلُفٌ جمع غِلاف أي هي أوعيةٌ للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره قاله ابن عباس وعطاء ، وقال الكلبي : يعنون أن قلوبَنا بحيث لا يصل إليها حديثٌ إلا وعتْه ولو كان في حديثك خيرٌ لوعتْه أيضاً { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } كلامٌ معترِضٌ بين المعطوفَين جيء به على وجه الاستطرادِ مسارعةً إلى رد زعمِهم الفاسدِ أي ليس كفرُهم وعدمُ وصولِ الحقِّ إلى قلوبهم لكونها غُلفاً بحسب الجِبِلّة بل الأمرُ بالعكس حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم أو ليست قلوبُهم كما زعموا بل هي مطبوعٌ عليها بسبب كفرِهم { فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } منهم كعبد اللَّهِ بن سلام وأضرابِه أو إلا إيماناً قليلاً لا يُعبأ به .

(2/177)


وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)

{ وَبِكُفْرِهِمْ } أي بعيسى عليه السلام ، وهو عطفٌ على { قولهم } وإعادةُ الجارِّ لطول ما بينهما بالاستطراد ، وقد جُوِّز عطفُه على بكفرهم فيكون هو وما عُطف عليه من أسباب الطبعِ ، وقيل : هذا المجموعُ معطوفٌ على مجموع ما قبلَه ، وتكريرُ ذكر الكفرِ للإيذان بتكرُّر كفرِهم حيث كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد عليهم الصلاة والسلام { وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً } لا يقادَر قدرُه حيث نسبوها إلى ما هي عنه بألف منزل { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله } نظمُ قولِهم هذا في سلك جناياتِهم التي نُعيت عليهم ليس لمجرد كونِه كذباً بل لتضمُّنه لابتهاجهم بقتل النبيِّ عليه السلام والاستهزاءِ به فإن وصفَهم له عليه السلام بعنوان الرسالةِ إنما هو بطريق التهكّم به عليه السلام كما في قوله تعالى : { وَقَالُواْ يأَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر } الخ ، ولإنبائه عن ذكرهم له عليه السلام بالوجه القبيحِ على ما قيل من أن ذلك وُضِع للذكر الجميلِ من جهته تعالى مدحاً له ورفعاً لمحله عليه السلام ، وإظهاراً لغاية جَراءتِهم في تصدِّيهم لقتله ونهايةِ وقاحتِهم في افتخارهم بذلك { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ } حالٌ أو اعتراض .
{ ولكن شُبّهَ لَهُمْ } ( رُوي أن رهطاً من اليهود سبُّوه عليه السلام وأُمَّه فدعا عليهم فمسخهم الله تعالى قردةً وخنازيرَ فأجمعت اليهودُ على قتله فأخبره الله تعالى بأنه سيرفعه إلى السماء فقال لأصحابه : أيُّكم يرضى بأن يُلقى عليه شبَهي فيُقتلَ ويصْلَبَ ويدخُلَ الجنة؟ فقال رجل منهم : أنا ، فألقَى الله تعالى عليه شبَهَه فقتل وصُلب ) ، وقيل : كان رجل ينافق عيسى عليه السلام فلما أرادوا قتلَه قال : أنا أدلُّكم عليه فدخل بيتَ عيسى عليه السلام فرُفعَ عيسى عليه السلام وأُلقي شبَهُه على المنافق فدخلوا عليه وقتلوه وهم يظنون أنه عيسى عليه السلام . وقيل : إن ططيانوسَ اليهوديَّ دخل بيتاً كان هو فيه فلم يجده وألقى الله تعالى عليه شبَهه فلما خرج ظُن أنه عيسى عليه السلام فأُخذ وقُتل ، وأمثالُ هذه الخوارقِ لا تستبعد في عصر النبوةِ ، وقيل : إن اليهودَ لما همّوا بقتله عليه السلام فرفعه الله تعالى إلى السماء خاف رؤساءُ اليهودِ من وقوع الفتنةِ بين عوامِّهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبّسوا على الناس وأظهروا لهم أنه هو المسيحُ وما كانوا يعرفونه إلا بالاسم لعدم مخالطتِه عليه السلام لهم إلا قليلاً ، وشُبّه مسندٌ إلى الجار والمجرور كأنه قيل : ولكن وقع لهم التشبيهُ بين عيسى عليه السلام والمقتولِ ، أو في الأمر على قول من قال : لم يُقتَلْ أحدٌ ولكنِ أُرجِفَ بقتله فشاع بين الناسِ ، أو إلى ضمير المقتولِ لدِلالة { إِنَّا قَتَلْنَا } على أن ثمَّ مقتولاً .
{ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ } أي في شأن عيسى عليه السلام فإنه لما وقعت تلك الواقعةُ اختلف الناسُ فقال بعضُ اليهودِ : إنه كان كاذباً فقتلناه حتماً ، وتردد آخرون فقال بعضُهم : إن كان عيسى فأين صاحبُنا ، وقال بعضُهم : الوجهُ وجهُ عيسى والبدنُ بدنُ صاحبِنا ، وقال مَنْ سمِع منه عليه السلام إن الله يرفعني إلى السماء : إن رُفع إلى السماء ، وقال قوم : صُلب الناسوتُ وصعِدَ اللاهوت ( وقد مر ) { لَفِى شَكّ مّنْهُ } لفي تردد ، والشكُ كما يطلق على ما لم يترجح أحدُ طرفيه يُطلق على مطلق الترددِ وعلى ما يقابل العلم ولذلك أكد بقوله تعالى : { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن } استثناءٌ منقطعٌ أي لكنهم يتبعون الظن ، ويجوز أن يفسَّر الشكُ بالجهل والعلمُ بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفسُ جزماً كان أو غيرَه فالاستثناءُ حينئذ متصلٌ { وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً } أي قتلاً يقيناً كما زعموا بقولهم : إنا قتلنا المسيحَ ، وقيل : معناه وما علموه يقيناً كما في قول من قال :

(2/178)


كذاك تُخبِرُ عنها العالماتُ بها ... وقد قَتَلْتُ بعلمي ذلكم يقَناً
من قولهم : قتلتُ الشيءَ علماً ونحَرتُه علماً إذا تَبالغَ علمُك فيه ، وفيه تهكمٌ بهم لإشعاره بعلمهم في الجملة وقد نُفيَ ذلك عنهم بالكلية .

(2/179)


بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)

{ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } ردٌّ وإنكارٌ لزعمهم قتلَه وإثباتٌ لرفعه { وَكَانَ الله عَزِيزاً } لا يغالَب فيما يريده { حَكِيماً } في جميع أفعالِه فيدخُل فيها تدبيراتُه تعالى في أمر عيسى عليه السلام دخولاً أولياً { وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب } أي من اليهود والنصارى ، وقوله تعالى : { إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } جملةٌ قَسَمية وقعت صفةً لموصوف محذوفٍ إليه يرجع الضميرُ الثاني والأول لعيسى عليه السلام ، أي وما من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمِنَنّ بعيسى عليه السلام قبل أن تَزهَقَ روحُه بأنه عبدُ الله ورسولُه ولاتَ حينَ إيمانٍ لاتقطاع وقتِ التكليفِ ، ويعضُده أنه قرىء ليؤمِنُنّ به قبل موتهم بضم النون لِما أن أحداً في معنى الجمعِ ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أنه فسّره كذلك فقال له عِكرِمة : فإن أتاه رجلٌ فضَرَبَ عُنقَه؟ قال : لا تخرُجُ نفسُه حتى يُحرِّك بها شفتيه . قال : فإن خرَّ من فوق بيت أو احترق أو أكله سبُعٌ؟ قال : يتكلم بها في الهواء ولا تخرُجُ روحُه حتى يؤمِنَ به ) . وعن شهرِ بنِ حَوْشبَ ( قال لي الحجاج : آيةٌ ما قرأتُها إلا تَخالَج في نفسي شيءٌ منها يعني هذه الآيةَ ، وقال : إني أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضربُ عُنقَه فلا أسمعُ منه ذلك ، فقلت : إن اليهوديَّ إذا حضره الموتُ ضربت الملائكةُ دُبُرَه ووجهَه وقالوا : يا عدوَّ الله أتاك عيسى عليه السلام نبياً فكذبتَ به ، فيقول : آمنتُ أنه عبدٌ نبيٌّ ، وتقول للنصراني : أتاك عيسى عليه السلام نبياً فزعمتَ أنه الله أو ابنُ الله فيؤمنُ أنه عبدُ الله ورسولُه حيث لا ينفعه إيمانُه ، قال : وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليَّ وقال : ممن سمعتَ هذا؟ قلت : حدثني محمدُ بنُ عليَ بنِ الحنفيةِ فأخذ ينكُث الأرضَ بقضيبه ثم قال : لقد أخذتُها من عين صافية ) ، والإخبارُ بحالهم هذه وعيدٌ لهم وتحريضٌ على المسارعة إلى الإيمان به قبل أن يُضْطروا إليه مع انتفاء جدواه ، وقيل : كلا الضميرين لعيسى ، والمعنى وما من أهل الكتابِ الموجودين عند نزولِ عيسى عليه السلام أحدٌ إلا ليؤمِنَنّ به قبل موته . رُوي ( أنه عليه السلام ينزِلُ من السماء في آخر الزمانِ فلا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلا يؤمنُ به حتى تكونَ الملةُ واحدةً وهي ملةُ الإسلام ، ويُهلك الله في زمانه الدجالَ وتقعُ الأمنة حتى ترتعَ الأسودُ مع الإبلِ والنمورُ مع البقر ، والذئابُ مع الغنمِ ويلعب الصبيانُ بالحيّاتِ ويلبث في الأرض أربعين سنةً ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفِنونه ) ، وقيل : الضميرُ الأولُ يرجِعُ إلى الله تعالى ، وقيل : إلى محمد صلى الله عليه وسلم { وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ } أي عيسى عليه السلام { عَلَيْهِمْ } على أهل الكتاب { شَهِيداً } فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم دعَوْه ابنَ الله ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .

(2/180)


فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

{ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ } لعل ذكرَهم بهذا العنوانِ للإيذان بكمالِ عِظَمِ ظلمهم بتذكير وقوعِه بعد ما هادُوا أي تابوا من عبادة العجلِ مثلَ تلك التوبةِ الهائلةِ المشروطةِ ببخْع النفوسِ إثرَ بيانِ عِظَمِه في حد ذاتِه بالتنوين التفخيميِّ ، أي بسبب ظلمٍ عظيمٍ خارجٍ عن حدود الأشباهِ والأشكالِ صادرٍ عنهم { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } ولِمن قبلَهم لا بشيء غيرِه كما زعموا فإنهم كانوا كلما ارتكبوا معصيةً من المعاصي التي اقترفوها يُحرَّم عليهم نوعٌ من الطيبات التي كانت محلَّلةً لهم ولمن تقدّمهم من أسلافهم عُقوبةً لهم ، وكانوا مع ذلك يفترون على الله سبحانه ( الكذب ) ويقولون : لسنا بأولِ مَنْ حُرّمت عليه وإنما كانت محرمةً على نوح وإبراهيمَ ومَنْ بعدهم حتى انتهى الأمرُ إلينا فكذبهم الله عز وجل في مواقعَ كثيرةٍ وبكّتهم بقوله تعالى : { كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين } أي في ادعائكم أنه تحريم قديم . روي أنه عليه السلام لما كلفهم إخراجَ التوراةِ لم يجسُرْ أحدٌ على إخراجها لِما أن كونَ التحريمِ بظلمهم كان مسطوراً فيها فبُهتوا وانقلبوا صاغرين { وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً } أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً { وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } فإن الربا كان محرَّماً عليهم كما هو محرَّمٌ علينا ، وفيه دليلٌ على أن النهيَ يدل على حرمة المنهيِّ عنه { وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل } بالرّشوة وسائرِ الوجوهِ المحرَّمةِ { وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ } أي للمُصِرِّين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم { عَذَاباً أَلِيماً } سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبةَ التحريم .
{ لكن الراسخون فِى العلم مِنْهُمْ } استدراكٌ من قوله تعالى : { وَأَعْتَدْنَا } الخ ، وبيانٌ لكون بعضِهم على خلاف حالِهم عاجلاً وآجلاً أي لكن الثابتون في العلم منهم المُتقِنون المستبصِرون فيه غيرُ التابعين للظن كأولئك الجَهَلة والمرادُ بهم عبدُ اللَّهِ بنُ سلام وأصحابُه { والمؤمنون } أي منهم وُصفوا بالإيمان بعدما وُصِفوا بما يوجبُه من الرسوخ في العلم بطريق العطفِ المنبىءِ عن المغايرة بين المعطوفَين تنزيلاً للاختلاف العنواني منزلةَ الاختلافِ الذاتي ، وقوله تعالى : { يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } حالٌ من المؤمنين مبيِّنةٌ لكيفية إيمانِهم ، وقيل : اعتراضٌ مؤكدٌ لما قبله ، وقوله عز وجل : { والمقيمين الصلاة } قيل : نُصب بإضمار فعلٍ تقديرُه وأعني المقيمين الصلاةَ على أن الجملةَ معترضةٌ بين المبتدأ والخبر ، وقيل : هو عطفٌ على ما أُنزل إليك على أن المرادَ بهم الأنبياءُ عليهم السلام أي يؤمنون بالكتب وبالأنبياء أو الملائكة . قال مكي : أي ويؤمنون بالملائكة الذين صِفتُهم إقامةُ الصلاةِ لقوله تعالى : { يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } وقيل : عطفٌ على الكاف في إليك أي يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ وهم الأنبياءُ ، وقيل : على الضمير المجرورِ في منهم أي لكنِ الراسخون في العلم منهم ومِن المقيمين الصلاةَ ، وقرىء بالرفع على أنه معطوفٌ على المؤمنون بناءً على ما مر من تنزيل التغايُرِ العنوانيِّ منزلة التغايُر الذاتيِّ وكذا الحالُ فيما سيأتي من المعطوفَين فإن قوله تعالى : { والمؤتون الزكواة } عطفٌ على المؤمنون مع اتحاد الكلِّ ذاتاً ، وكذا الكلامُ في قوله تعالى : { والمؤمنون بالله واليوم الاخر } فإن المرادَ بالكل مؤمنوا أهلِ الكتابِ قد وُصِفوا أولاً بكونهم راسِخين في علم الكتابِ إيذاناً بأن ذلك موجبٌ للإيمان حتماً وأن مَنْ عداهم إنما بقُوا مُصرِّين على الكفر لعدم رسوخِهم فيه ثم بكونهم مؤمنين بجميع الكتبِ المنزلةِ على الأنبياء ثم بكونهم عاملين بما فيها من الشرائع والأحكامِ ، واكتُفي من بينها بذكر إقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ المستتبعين لسائر العباداتِ البدنيةِ والماليةِ ثم بكونهم مؤمنين بالمبدأ والمعادِ تحقيقاً لحيازتهم الإيمانَ بفطرته وإحاطتِهم به من طرفيه وتعريضاً بأن مَنْ عداهم من أهل الكتابِ ليسوا بمؤمنين بواحد منهما حقيقةً فإنهم مشركون بالله سبحانه بقولهم : عزيرٌ ابنُ الله ، وبقولهم : لن تمسنا النارُ إلا أياماً معدودةً كافرون باليوم الآخِرِ ، وقولُه تعالى : { أولئك } إشارةٌ إليهم باعتبار اتصافِهم بما عُدِّد من الصفات الجميلةِ ، وما فيه من معنى البُعدِ للإشعار بعلو درجتِهم وبُعدِ منزلتِهم في الفضل ، وهو مبتدأ وقوله تعالى : { سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً } خبرُه ، والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الذي هو الراسخون وما عطف عليه ، والسينُ لتأكيد الوعدِ ، وتنكيرُ الأجرِ للتفخيم وهذا أنسبُ بتجاوُبِ طرَفي الاستدراكِ حيث أُوعِد الأولون بالعذاب الأليم ووُعِد الآخَرون بالأجر العظيم ، كأنه قيل إثر قولِه تعالى :

(2/181)


{ وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } لكنِ المؤمنون منهم سنؤتهم أجراً عظيماً . وأما ما جنَح إليه الجمهورُ من جعل قوله تعالى : { يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } الخ ، خبراً للمبتدأ ففي كمالِ السَّداد أنه غيرُ متعرِّض لتقابُلِ الطرفين وقرىء سيؤتيهم بالياء مراعاةً لظاهر قولِه تعالى : { والمؤمنون بالله } .

(2/182)


إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163)

{ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ } جوابٌ لأهل الكتابِ عن سؤالهم رسولَ الله عليه الصلاة والسلام أن ينزلَ عليهم كتاباً من السماء ، واحتجاجٌ عليهم بأنه ليس بِدْعاً من الرسل وإنما شأنُه في حقيقة الإرسالِ وأصلِ الوحي كشأن سائرِ مشاهيرِ الأنبياءِ الذين لا ريب لأحد في نبوَّتهم ، والكافُ في محل نصبٍ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي إيحاءً مثلَ إيحائِنا إلى نوح ، أو على أنه حالٌ من ذلك المصدرِ المقدر معرّفاً كما هو رأيُ سيبويهِ أي أوحينا الايحاءَ حال كونِه مشبهاً لإيحائنا الخ ، ومن بعدِه متعلقٌ بأوحينا وإنما بُدىء بذكر نوحٍ لأنه أبو البشر وأولُ نبيَ شرَع الله تعالى على لسانه الشرائعَ والأحكامَ وأولُ نبيَ عُذّبت أمتُه لردهم دعوتَه وقد أهلك الله بدعائه أهلَ الأرضِ { وَأَوْحَيْنَا إلى إبراهيم } عطفٌ على أوحينا إلى نوح داخلٌ معه في حكم التشبيهِ أي وكما أوحينا إلى إبراهيم { وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ } وهم أولادُ يعقوبَ عليهم السلام { وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وهارون وسليمان } خُصوا بالذكر مع ظهور انتظامِهم في سلك النبيين تشريفاً لهم وإظهاراً لفضلهم كما في قوله تعالى : { مَن كَانَ عَدُوّا الله وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال } وتصريحاً بمن ينتمي إليهم اليهودُ من الأنبياء ، وتكريرُ الفعلِ لمزيد تقريرِ الإيحاء والتنبيهِ على أنهم طائفةٌ خاصةٌ مستقلةٌ بنوع مخصوصٍ من الوحي .
{ وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً } قال القرطبي : كان فيه مائةٌ وخمسون سورةً ليس فيها حكم من الأحكام وإنما هي حِكَمٌ ومواعظُ وتحميدٌ وتمجيدٌ وثناءٌ على الله تعالى ، وقُرىء بضم الزاءِ وهو جمعُ زِبْرٍ بمعنى مزبور ، والجملةُ عطف على أوحينا داخلٌ في حكمه لأن إيتاءَ الزبورِ من باب الإيحاءِ أي وكما آتينا داودَ زبوراً ، وإيثارُه على { أَوْحَيْنَا إلى دَاوُودُ } لتحقيق المماثلة في أمر خاصَ هو إيتاءُ الكتابِ بعد تحقيقِها في مطلق الإيحاءِ ثم أشير إلى تحقيقها في أمر لازمٍ لهما لزوماً كلياً وهو الإرسالُ فإن قوله تعالى

(2/183)


وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)

{ وَرُسُلاً } نُصب بمضمر يدل عليه أوحينا معطوفٍ عليه داخلٍ معه في حُكم التشبيهِ كما قبله أي وكما أرسلنا رسلاً لا بما يفسِّره قولُه تعالى : { قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ } أي وقصصنا رسلاً كما قالوا وفرّعوا عليه أن قولَه تعالى : { قَدْ قصصناهم } على الوجه الأول منصوبٌ على أنه صفةٌ لرسلاً وعلى الوجه الثاني لا محل له من الإعراب فإنه مما لا سبيلَ إليه كما ستقف عليه ، وقرىء برفع رسلٌ وقولُه تعالى : { مِن قَبْلُ } متعلقٌ بقصصنا أي قصصنا من قبلِ هذه السورةِ أو اليوم .
{ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ } عطفٌ على رسلاً منصوبٌ بناصبه ، وقيل : كلاهما منصوبٌ بنزع الخافضِ والتقديرُ كما أوحينا إلى نوحٍ وإلى رسل الخ ، والحقُّ أن يكون انتصابُهما بأرسلنا فإن فيه تحقيقاً للمماثلة بين شأنِه عليه الصلاةُ والسلام وبين شؤونِ من يعترفون بنبوته من الأنبياء عليهم السلام في مطلق الإيحاءِ ثم إيتاءِ الكتابِ ثم في الإرسال ، فإن قوله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } منتظِمٌ لمعنى آتيناك وأرسلناك حتماً ، كأنه قيل : إنا أوحينا إليك إيحاءً مثلَ ما أوحينا إلى نوح ومثلَ ما أوحينا إلى إبراهيمَ ومَنْ بعده ، وآتيناك الفرقانَ إيتاءً مثلَ ما آتينا داودَ زبوراً وأرسلناك إرسالاً مثلَ ما أرسلنا رسلاً قد قصصناهم عليك من قبلُ ورسلاً آخَرين لم نقصُصْهم عليك من غير تفاوتٍ بينك وبينهم في حقيقة الإيحاءِ ، وأصلِ الإرسالِ ، فما للكفرة يسألونك شيئاً لم يُعطَه أحدٌ من هؤلاء الرسلِ عليهم السلام؟ ومن هاهنا اتضح أن رسلاً لا يمكن نصبُه بقصصنا فإن ناصبَه يجب أن يكون معطوفاً على أوحينا داخلاً معه في حُكم التشبيهِ الذي يدور فلَكُ الاحتجاجِ على الكفرة ولا ريب في أن قصصنا لا تعلُّقَ له بشيء من الإيحاء والإيتاءِ حتى يمكنَ اعتبارُه في ضمن قولِه تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } ثم يعتبرُ بينه وبين المذكورِ مماثلةٌ مصحِّحةٌ للتشبيه على أن تقديرَه في رسلاً الأوّلِ يقتضي تقديرَ نفيِه في الثاني وذلك أشدُّ استحالةً وأظهرُ بطلاناً .
{ وَكَلَّمَ الله موسى } برفع الجلالةِ ونصبِ موسى ، وقرىء على القلب ، وقوله تعالى : { تَكْلِيماً } مصدرٌ مؤكدٌ رافعٌ لاحتمال المجازِ . قال الفراء : العربُ تسمِّي ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريقٍ وصل ما لم يؤكَّدْ بالمصدر فإذا أُكّد به لم يكنْ إلا حقيقةُ الكلامِ ، والجملةُ إما معطوفةٌ على قوله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } عطفَ القصةِ على القصة لا على آتينا وما عطف عليه ، وإما حالٌ بتقدير قد كما ينبىء عنه تغييرُ الأسلوبِ بالالتفات ، والمعنى أن التكليمَ بغير واسطةٍ منتهى مراتبِ الوحي خُصَّ به موسى من بينهم فلم يكن ذلك قادحاً في نبوة سائرِ الأنبياءِ عليهم السلام فكيف يُتوَّهم كونُ نزولِ التوراةه عليه عليه السلام جملةً قادحاً في صحة نبوةِ من أنزل عليه الكتابُ مفصلاً مع ظهور أن نزولَها كذلك لحِكَمٍ مقتضيةٍ لذلك من جملتها أن بني إسرائيلَ كانوا في العِناد وشدةِ الشكيمة بحيث لو لم يكن نزولُها كذلك لما آمنوا بها ، ومع ذلك ما آمنوا بها إلا بعد اللّتيا والتي وقد فضل الله تعالى نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بأن أعطاه مثلَ ما أعطى كلَّ واحدٍ منهم صلى الله عليهم وسلم تسليماً كثيراً .

(2/184)


رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)

{ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } نُصب على المدح أو بإضمار أرسلنا أو على الحال بأن يكون رسلاً موطئاً لما بعده أو على البدلية من رُسلاً الأولِ أي مبشرين لأهل الطاعةِ بالجنة ونذرين للعُصاة بالنار ، { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ } أي مَعذرةٌ يعتذرون بها قائلين : لولا أرسلتَ إلينا رسولاً فيبينَ لنا شرائعَك ويُعلّمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك ، لقصور القوةِ البشريةِ عن إدراك جزئياتِ المصالحِ وعجْزِ أكثرِ الناسِ عن إدراك كلياتِها كما في قوله عز وجل : { وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك } الآية ، وإنما سُمِّيت حجةً مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه حجةٌ في فعل من أفعاله بل له أن يفعلَ ما يشاء كما يشاء للتنبيه على أن المعذرةَ في القَبول عنده تعالى بمقتضى كرمِه ورحمتِه لعباده بمنزلة الحجةِ القاطعةِ التي لا مرد لها ولذلك قال تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ما أحدٌ أغيرُ مِنَ الله تعالى ، ولذلك حرَّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن ، وما أحدٌ أحبُّ إليه المدحُ من الله تعالى ولذلك مدح نفسَه ، وما أحدٌ أحبُّ إليه الإعذارُ من الله تعالى ولذلك أرسلَ الرسلَ وأنزلَ الكتُب » فاللامُ متعلقةٌ بأرسلنا ، وقيل : بقوله تعالى : { مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } وحجةٌ اسمُ كان وللناس خبرُها وعلى الله متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من حجةٌ أي كائنةً على الله أو هو الخبرُ وللناس حالٌ على الوجه المذكور ، ويجوز أن يتعلق كلٌّ منهما بما تعلق به الآخرُ الذي هو الخبرُ ولا يجوز التعلقُ بحجة لأن معمولَ المصدرِ لا يتقدم عليه ، وقوله تعالى : { بَعْدَ الرسل } أي بعد إرسالِهم وتبليغِ الشرائعِ إلى الأمم على ألسنتهم ، متعلقٌ بحجة أو بمحذوف وقع صفةً لها لأن الظلاروفَ يوصف بها الأحداثُ كما يُخبر بها عنها نحو القتالُ يومُ الجمعة { وَكَانَ الله عَزِيزاً } لا يغالَب في أمر من أموره ومن قضيته الامتناعُ عن الإجابة إلى مسألة المتعنّتين { حَكِيماً } في جميع أفعالِه التي من جملتها إرسالُ الرسلِ وإنزالُ الكتبِ فإن تعددَ الرسلِ والكتبِ واختلالَها في كيفية النزولِ وتغايُرَها في بعض الشرائعِ والأحكامِ إنما هو لتفاوت طبقاتِ الأممِ في الأحوال التي عليها يدور فلكُ التكليفِ ، فكما أنه سبحانه وتعالى برَأَهم على أنحاءَ شتى وأطوارٍ متباينةٍ حسبما تقتضيه الحِكمةُ التكوينيةُ كذلك تعبّدهم بما يليق بشأنهم وتقتضيه أحوالُهم المتخالفةُ واستعداداتُهم المتغايرةُ من الشرائع والأحكامِ حسبما تستدعيه الحِكمةُ التشريعيةُ ، وراعى في إرسال الرسلِ وإنزالِ الكتبِ وغيرِ ذلك من الأمور المتعلقةِ بمعاشهم ومعادِهم ما فيه مصلحتُهم ، فسؤالُ تنزيلِ الكتابِ جملةً اقتراحٌ فاسدٌ إذ حينئذ تتفاقم التكاليفُ فيثقُل على المكلَّف قَبولُها والخروجُ عن عُهدتها ، وأما التنزيلُ المُنَجَّم الواقعُ حسب الأمورِ الداعيةِ إليه فهو أيسرُ قَبولاً وأسهلُ امتثالاً .

(2/185)


لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168)

{ لكن الله يَشْهَدُ } بتخفيف النون ورفع الجلالة ، وقرىء بتشديد النونِ ونصبِ الجلالةِ ، وهو استدراك عما يُفهم مما قبله كأنهم لما تعنّتوا عليه بما سبق من السؤال واحتَجّ عليهم بقوله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا } الخ ، قيل : إنهم لا يشهدون بذلك لكنَّ الله يشهد { بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } على البناء للفاعل ، وقرىء على البناء للمفعولِ والباءُ صلةٌ للشهادة أي يشهد بحقية ما أنزل إليك من القرآن المعجزِ الناطِقِ بنبوتك ، وقيل : ( لما نزل قوله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } قالوا : ما نشهد لك بذلك فنزل ) لكنِ الله يشهد .
{ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } أي ملتبساً بعلمه الخاصِّ الذي لا يعلمه غيرُه وهو تأليفُه على نمط بديعٍ يَعجِز عنه كلُّ بليغٍ ، أو بعلمه بحال مَنْ أنزله عليه واستعدادِه لاقتباس الأنوارِ القدسية ، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناسُ في معاشهم ومعادِهم ، فالجارُّ والمجرورُ على الأولين حال من الفاعل وعلى الثالث من المفعولِ ، والجملةُ في موقع التفسيرِ لما قبلها وقرىء نزّله ، وقولُه تعالى : { والملئكة يَشْهَدُونَ } أي بذلك ، مبتدأٌ وخبرٌ والجملةُ عطفٌ على ما قبلها ، وقيل : حالٌ من مفعول أنزله ، أي أنزله والملائكةُ يشهدون بصدقه وحقِّيتِه { وكفى بالله شَهِيداً } على صحة نُبوّتِك حيث نصَبَ لها معجزاتٍ باهرةً وحججاً ظاهرةً مغْنيةً عن الاستشهاد بغيرها .
{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } أي بما أنزل الله تعالى وشهِد به أو بكل ما يجب الإيمانُ به وهو داخلٌ فيه دخولاً أولياً ، والمرادُ بهم اليهودُ حيث كفروا به { وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } وهو دينُ الإسلام مَنْ أراد سلوكَه بقولهم : ما نعرِف صفةَ محمدٍ في كتابنا ، وقرىء صُدُّوا مبنياً للمفعول { قَدْ ضَلُّواْ } بما فعلوا من الكفر والصدِّ عن طريق الحق { ضلالا بَعِيداً } لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلالِ ولأن المُضِل يكون أعرقَ في الضلال وأبعدَ من الإقلاع عنه .
{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } أي بما ذكر آنفاً { وَظَلَمُواْ } أي محمداً صلى الله عليه وسلم بإنكار نبوّتِه وكتمانِ نعوتِه الجليلةِ ووضعِ غيرِها مكانَها ، أو الناسَ بصدهم عما فيه صلاحُهم في المعاش والمعاد { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ } لاستحالة تعلّقِ المغفرةِ بالكافر { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً } .

(2/186)


إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170)

{ إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } لعدم استعدادِهم للهداية إلى الحق والأعمالِ الصالحةِ التي هي طريقُ الجنةِ ، والمرادُ بالهداية المفهومةِ من الاستثناء بطريق الإشارةِ خلقُه تعالى لأعمالهم السيئة المؤديةِ بهم إلى جهنمَ عند صرفِ قدرتِهم واختيارِهم إلى اكتسابها ، أو سوقُهم إليها يوم القيامة بواسطة الملائكةِ والطريقُ على عمومه ، والاستثناءُ متصل ، وقيل : خاصٌّ بطريق الحقِّ والاستثناءُ منقطع { خالدين فِيهَا } حالٌ مقدرةٌ من الضمير المنصوب والعاملُ فيها ما دل عليه الاستثناءُ دلالةً واضحةً كأنه قيل : يُدخلهم جهنمَ خالدين فيها الخ ، وقوله تعالى : { أَبَدًا } نصبٌ على الظرفية رافعٌ لاحتمال حملِ الخلودِ على المكث الطويل { وَكَانَ ذلك } أي جعلهم خالدين في جهنم { عَلَى الله يَسِيراً } لاستحالة أن يتعذّر عليه شيءٌ من مراداته تعالى .
{ يأَيُّهَا الناس } بعد ما حكَى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعللَ اليهودِ بالأباطيل واقتراحَهم الباطلَ تعنتاً وردّ عليهم ذلك بتحقيق نبوتِه عليه الصلاة والسلام وتقريرِ رسالتِه ببيان أن شأنَه عليه الصلاة والسلام في أمر الوحي والإرسالِ كشؤون من يعترفون بنبوته من مشاهير الأنبياءِ عليهم السلام وأكد ذلك بشهادته سبحانه وشهادةِ الملائكة أمرَ المكلّفين كافةً على طريق تلوينِ الخطابِ بالإيمان بذلك أمراً مشفوعاً بالوعد بالإجابة ، والوعيدِ على الرد تنبيهاً على أن الحجةَ قد لزِمَت ولم يبقَ بعد ذلك لأحد عذرٌ في عدم القَبول ، وقولُه عز وجل : { قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ } تكريرٌ للشهادة وتقريرٌ لحقية المشهودِ به وتمهيدٌ لما يعقُبه من الأمر بالإيمانِ ، وإيرادُه عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالةِ لتأكيد وجوبِ طاعتِه ، والمرادُ بالحق هو القرآنُ الكريمُ ، والباء متعلقةٌ بجاءكم فهي للتعدية أو بمحذوف وقع حالاً من الرسول أي ملتبساً بالحق ، ومِنْ أيضاً متعلقةٌ إما بالفعل وإما بمحذوف هو حالٌ من الحق ، أي جاءكم به من عنده تعالى أو جاءكم بالحق كائناً من عنده تعالى ، والتعرُّضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين للإيذان بأن ذلك لتربيتهم وتبليغِهم إلى كمالهم اللائقِ بهم ترغيباً لهم في الامتثال بما بعده من الأمر ، والفاء في قوله عز وجل : { فَآمِنُواْ } للدِلالة على إيجاب ما قبلها لما بعدها أي فآمنوا به وبما جاء به من الحق ، وقولُه تعالى : { خَيْراً لَّكُمْ } منصوبٌ على أنه مفعولٌ لفعل واجبِ الإضمار كما هو رأيُ الخليل وسيبويهِ ، أي اقصِدوا أو ائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر ، أو على أنه نعت لمصدر محذوف كما هو رأي الفراء أي آمنوا إيماناً خيراً لكم أو على أنه خبر كان المضمرةِ الواقعةِ جواباً للأمر لا جزاءً للشرط الصناعيّ وهو رأيُ الكسائي وأبي عبيدةَ أي يكنِ الإيمانُ خيراً لكم { وَإِن تَكْفُرُواْ } أي أن تُصِرُّوا وتستمروا على الكفر به { فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السموات والارض } من الموجودات سواء كانت داخلةً في حقيقتهما وبذلك يُعلم حالُ أنفسِهما على أبلغ وجهٍ وآكَدِه أو خارجةً عنهما مستقرةً فيهما من العقلاء وغيرِهم فيدخلُ في جملتهم المخاطَبون دخولاً أولياً ، أي كلُّها له عز وجل خلقاً ومُلكاً وتصرفاً لا يخرُج من ملكوته وقهرِه شيءٌ منها .

(2/187)


فمَنْ هذا شأنُه فهو قادرٌ على تعذيبكم بكفركم لا محالة أو فمن كان كذلك فهو غنيٌّ عنكم وعن غيركم لا يتضرّر بكفركم ولا ينتفع بإيمانكم ، وقيل : فمَنْ كان كذلك فله عبيدٌ يعبُدونه وينقادون لأمره { وَكَانَ الله عَلِيماً } مبالِغاً في العلم فهو عالمٌ بأحوال الكلِّ فيدخُل في ذلك علمُه تعالى بكفرهم دخولاً أولياً { حَكِيماً } مراعياً للحِكمة في جميع أفعالِه التي من جملتها تعذيبُه تعالى إياهم بكفرهم .

(2/188)


يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)

{ ياْ أَهْلِ الكتاب } تجريدٌ للخطاب وتخصيصٌ له بالنصارى زجراً لهم عما هم عليه من الكفر والضلال { لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } بالإفراط في رفع شأنِ عيسى عليه السلام وادعاءِ ألوهيتِه ، وأما غلوُّ اليهودِ في حط رتبتِه عليه السلام ورميِهم له بأنه وُلد لغير رَشْدةٍ فقد نعى عليهم ذلك فيما سبق { وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } أي لا تصِفوه بما يستحيل اتصافُه به من الحلول والاتحادِ واتخاذِ الصاحبةِ والولدِ ، بل نزّهوه عن جميع ذلك { إِنَّمَا المسيح } قد مر تفسيرُه في سورة آلِ عمرانَ ، وقرىء بكسر الميم وتشديد السين كالسِّكّيت على صيغة المبالغة وهو مبتدأٌ ، وقوله تعالى : { عِيسَى } بدلٌ منه أو عطفُ بيانٍ له ، وقولُه تعالى : { ابن مَرْيَمَ } صفةٌ له مفيدةٌ لبطلان ما وصفوه عليه السلام به من بُنوَّته لله تعالى ، وقوله تعالى : { رَسُولِ الله } خبرٌ للمبتدأ ، والجملةُ مستأنفةٌ مسوقةٌ لتعليل النهي عن القول الباطلِ المستلزِم للأمر بضده ، أعني الحقَّ ، أي إنه مقصورٌ على رتبة الرسالةِ لا يتخطاها { وَكَلِمَتُهُ } عطف على رسولُ الله أي مُكوَّن بكلمته وأمرِه الذي هو كنْ من غير واسطةِ أبٍ ولا نطفة { ألقاها إلى مَرْيَمَ } أي أوصلها إليها وجعلها فيها بنفخ جبريلَ عليه السلام ، وقيل : أعلمها إياها وأخبرَها بها بطريق البِشارةِ وذلك قولُه تعالى : { إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى * ابن مَرْيَمَ } وقيل : الجملةُ حالٌ من ضميره عليه السلام المستكنِّ فيما دل عليه وكلمتُه من معنى المشتق الذي هو العاملُ فيها وقد مقدَّرة معها .
{ وَرُوحٌ مّنْهُ } قيل : هو الذي نفخ جبريلُ عليه السلام في دِرْع مريم فحملت بإذن الله تعالى ، سُمِّي النفخُ روحاً لأنه ريحٌ تخرج من الروح ، ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً لا تبعيضية كما زعمت النصارى . يُحكى أن طبيباً حاذقاً نصرانياً للرشيد ناظر عليَّ بنَ حسين الواقديَّ المَرْوِذيَّ ذاتَ يوم فقال له : إن في كتابكم ما يدلُّ على أن عيسى عليه السلام جزءٌ منه تعالى وتلا هذه الآية فقرأ الواقديُّ : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السموات والارض جَمِيعاً مّنْهُ } فقال : إذن يلزم أن يكونَ جميعُ تلك الأشياءِ جزءاً منه ، تعالى علواً كبيراً ، فانقطع النصرانيُّ فأسلم وفرِح الرشيدُ فرحاً شديداً ، ووصل الواقديَّ بصلة فاخرة . وهي متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لروح أي كائنةٌ من جهته تعالى جعلت منه تعالى وإن كانت بنفخ جبريلَ عليه السلام لكون النفخِ بأمره سبحانه ، وقيل : سُمِّي روحاً لإحيائه الأمواتَ ، وقيل : لإحيائه القلوبَ ، كما سمي به القرآنُ لذلك في قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } وقيل : أريد بالروح الوحيُ الذي أُوحيَ إلى مريمَ بالبشارة ، وقيل : جرت العادةُ بأنهم إذا أرادوا وصفَ شيءٍ بغاية الطهارة والنظافة قالوا : إنه روحٌ ، فلما كان عيسى عليه السلام متكوِّناً من النفخ لا من النطفة وُصِف بالروح ، وتقديمُ كونِه عليه السلام رسولَ الله في الذكر من تأخّره عن كونه كلمتَه تعالى وروحاً منه في الوجود لتحقيق الحقِّ من أول الأمرِ بما هو نصٌّ فيه غيرُ محتملٍ للتأويل ، وتعيينُ مآلِ ما يحتمله وسدِّ بابِ التأويلِ الزائغ .

(2/189)


{ فآمِنُوا باللهِ } وخُصّوه بالألوهية { وَرُسُلِهِ } أجمعين وصِفوهم بالرسالة ولا تُخرجوا بعضَهم عن سلكهم بوصفه بالألوهية { وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة } أي الألهةُ ثلاثةٌ : الله والمسيحُ ومريمُ كما ينبىء عنه قوله تعالى : { قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ } أو الله ثلاثةٌ إن صح أنهم يقولون : الله جوهرٌ واحدٌ ثلاثةُ أقانيمَ : أقنومُ الأبِ وأقنومُ الابنِ وأُقنومُ روحِ القدس ، وأنهم يريدون بالأول الذاتَ ، وقيل : الوجودَ وبالثاني العلمَ وبالثالث الحياةَ { انتهوا } أي عن التثليث { خَيْراً لَّكُمْ } قد مر وجوهُ انتصابِه { إِنَّمَا الله إله واحد } أي بالذات مُنزَّه عن التعدد بوجهٍ من الوجوه ، فالله مبتدأٌ وإله خبرُه وواحدٌ نعتٌ أي منفردٌ في ألوهيته { سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } أي أسبّحه تسبيحاً من أن يكون له ولد أو سبِّحوه تسبيحاً من ذلك فإنه إنما يُتصوَّر فيمن يماثله شيءٌ ويتطرق إليه فناء ، والله سبحانه منزّه عن أمثاله ، وقرىء إنْ يكونُ أي سبحانه ما يكون له ولد ، وقوله تعالى : { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض } جملةٌ مستأنفةٌ مسوقةٌ لتعليل التنزيهِ وتقريرِه ، أي له ما فيهما من الموجودات خلقاً وملكاً وتصرفاً لا يخرُج عن ملكوته شيءٌ من الأشياء التي من جملتها عيسى عليه السلام فكيف يُتوَّهم كونُه ولداً له تعالى؟ { وكفى بالله وَكِيلاً } إليه يكِلُ الخلقُ أمورَهم وهو غني عن العالمين فأنى يُتصوَّر في حقه اتخاذُ الولدِ الذي هو شأنُ العَجَزة المحتاجين في تدبير أمورِهم إلى من يَخلُفهم ويقوم مقامهم .

(2/190)


لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172)

{ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح } استئنافٌ مقررٌ لما سبق من التنزيه ، والاستنكافُ الأنَفةُ والترفعُ من نكفتَ الدمعَ إذا نحيتَه عن وجهك بالأصبع أي لن يأنف ولن يترفع { أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ } أي عن أن يكون عبداً له تعالى مستمراً على عبادته وطاعتِه حسبما هو وظيفةُ العبودية ، كيف وإن ذلك أقصى مراتبِ الشرفِ ، والاقتصارُ على ذكر عدمِ استنكافِه عليه السلام عنه مع أن شأنه عليه السلام المباهاةُ به كما يدل عليه أحوالُه ويُفصِحُ عنه أقوالُه ، ألا يُرى أن أولَ مقالةٍ قالها للناس قولُه : { قَالَ إِنّى عَبْدُ الله ءاتَانِىَ الكتاب وَجَعَلَنِى } لوقوعه في موقع الجوابِ عما قاله الكفرة . روي ( أن وفد نجرانَ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لِمَ تَعيبُ صاحبَنا ، قال : « ومن صاحبُكم؟ » قالوا : عيسى ، قال : « وأيُّ شيء أقول؟ » قالوا : تقول له عبدُ الله ، قال : « إنه ليس بعار أن يكون عبداً لله » ، قالوا : بلى فنزلت ) ، وهو السرُّ في جعل المستنكَفِ عنه كونَه عليه السلام عبداً له تعالى دون أن يقال عن عبادة الله ونحوُ ذلك مع إفادة فائدةٍ جليلةٍ هي كمالُ نزاهتِه عليه السلام عن الاستنكافِ بالكلية فإن كونَه عبداً له تعالى حالةٌ مستمرةٌ مستتبِعةٌ لدوام العبادةِ قطعاً ، فعدمُ الاستنكافِ عنه مستلزِمٌ لعدم الاستنكافِ عن عبادته تعالى كما أشير إليه بخلاف عبادتِه تعالى فإنها حالةٌ متجدِّدة غيرُ مستلزِمةٍ للدوام يكفي في اتّصاف موصوفِها بما يُحققها مرةً ، فعدمُ الاستنكافِ عنها لا يستلزِمُ عدمَ الاستنكافِ عن دوامها .
{ وَلاَ الملئكة المقربون } عطفٌ على المسيح أي ولا يستنكف الملائكةُ المقربون أن يكونوا عبيداً لله تعالى ، وقيل : أن أريد بالملائكة كلُّ واحد منهم لم يُحتَجْ إلى التقدير ، واحتَجّ بالآية من زعم فضلَ الملائكةِ على الأنبياء عليهم السلام وقال : مَساقُه لرد النصارى في رفع المسيحِ عن مقام العبوديةِ ، وذلك يقتضي أن يكون المعطوفُ أعلى درجةً من المعطوف عليه حتى يكون عدمُ استنكافِهم مستلزماً لعدم استنكافِه عليه السلام ، وأجيب بأن مناطَ كفرِ النصارى ورفعِهم له عليه السلام عن رتبة العبوديةِ لمّا كان اختصاصُه عليه السلام وامتيازُه عن سائر أفرادِ البشرِ بالولادة من غير أبٍ وبالعلم بالمُغيِّبات وبالرفع إلى السماء عُطف على عدم استنكافِه عن عبوديته تعالى عدمُ استنكافِ مَنْ هو أعلى درجةً منه فيما ذكر ، فإن الملائكةَ مخلوقون من غير أبٍ ولا أمَ ، وعالمون بما لا يعلمه البشرُ من المغيبات ، ومَقارُّهم السمواتُ العلا ، ولا نزاعَ لأحد في علو درجتِهم من هذه الحيثيةِ وإنما النزاعُ في علوّها من حيث كثرةُ الثوابِ على الطاعات ، وبأن الآيةَ ليست للرد على النصارى فقط بل على عبَدة الملائكةِ أيضاً فلا اتجاه لما قالوا حينئذ وإنْ سَلِم اختصاصُها بالرد على النصارى فلعله أُريد بالعطف المبالغةُ باعتبار التكثيرِ والتفصيلِ لا باعتبار التكبيرِ والتفضيلِ ، كما في قولك : أصبح الأميرُ لا يخالفه رئيسٌ ولا مرؤوسٌ ، ولئن سُلّم إرادةُ التفضيلِ فغايةُ الأمرِ الدلالةُ على أفضلية المقربين منهم ، وهم الكروبيون الذين حول العرشِ أو من هو أعلى منهم رتبةً من الملائكة عليهم السلام على المسيح من الأنبياء عليهم السلام وليس يلزم من ذلك فصلُ أحدِ الجنسين على الآخر مطلقاً ، وهل التشاجرُ إلا فيه؟ { وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ } أي عن طاعته فيشمل جميعَ الكفرةِ لعدم طاعتِهم له تعالى مما لا سبيلَ لهم إلى إنكار اتصلفِهم به .

(2/191)


إن قيل : لم عبّر عن عدم طاعتِهم له تعالى بالاستنكاف عنها مع أن ذلك منهم كان بطريق إنكارِ كونِ الأمرِ من جهته تعالى لا بطريق الاستنكافِ ، قلنا : لأنهم كانوا يستنكفون عن طاعة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهل هو إلا استنكافٌ عن طاعة الله تعالى؟ إذ لا أمرَ له عليه الصلاة والسلام سوى أمرِه تعالى { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } { وَيَسْتَكْبِرْ } الاستكبارُ الأنَفةُ عما لا ينبغي أن يُؤنَفَ عنه وأصلُه طلبُ الكِبْر لنفسه بغير استحقاقٍ له لا بمعنى طلب تحصيلِه مع اعتقاد عدمِ حصولِه فيه بل بمعنى عدِّ نفسِه كبيراً واعتقادِه كذلك ، وإنما عبّر عنه بما يدل على الطلب للإيذان بأن مآلَه محضُ الطلبِ بدون حصولِ المطلوب وقد عبر عن مثل ذلك بنفس الطلب في قوله تعالى : { يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } فإنهم ما كانوا يطلبون ثبوتَ العِوِجِ لسبيل الله مع اعتقادهم لاستقامتها بل كانوا يعدّونها ويعتقدونها مُعْوجّةً ويحكمون بذلك ولكن عبّر عن ذلك بالطلب لِما ذكر من الإشعار بأن ليس هناك شيءٌ سوى الطلبِ والاستكبارِ دون الاستنكافِ المنبىءِ عن توهم لُحوقِ العارِ والنقصِ من المستنكَفِ عنه .
{ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } أي المستنكِفين ومقابليهم المدلولَ عليهم ، ذُكر عدمُ استنكافِ المسيحِ والملائكةِ عليهم السلام ، وقد تُرك ذكرُ أحدِ الفريقين في المفصل تعويلاً على إنباء التفصيلِ عنه وثقةً بظهور اقتضاءِ حشرِ أحدِهما لحشر الآخرِ ضرورةَ عمومِ الحشرِ للخلائق كافةً ، كما تُرك ذكرُ أحدِ الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى : { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله } الآية ، مع عموم الخطابِ لهما اعتماداً على ظهور اقتضاءِ إثابةِ أحدِهما لعقاب الآخر ضرورةَ شمولِ الجزاءِ للكل ، وقيل : الضميرُ للمستنكِفين وهناك مقدَّرٌ معطوفٌ عليه ، والتقديرُ فسيحشرهم إليه يوم يحشرُ العبادَ لمجازاتهم ، وفيه أن الأنسبَ بالتفصيلِ الآتي اعتبارُ حشرِ الكلِّ في الإجمال على نهج واحدٍ ، وقرىء فسِيحشُرهم بكسسر السين وهي لغة وقرىء فسنحشرهم بنون العظمةِ بطريق الالتفات .

(2/192)


فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174)

{ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } بيانٌ لحال الفريقِ المنويِّ ذكرُه في الإجمال ، قُدّم على بيان حالِ ما يقابله إبانةً لفضله ومسارعةً إلى بيان كونِ حشرِه أيضاً معتبراً في الإجمال ، وإيرادُه بعنوان الإيمانِ والعمل الصالحِ لا يوصْفِ عدمِ الاستنكافِ المناسبِ لما قبله وما بعده للتنبيه على أنه المستتبِعُ لما يعقبُه من الثمرت { فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } من غير أن ينقُص منها شيئاً أصلاً { وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } بتضعيفها أضعافاً مضاعفةً وبإيفاء ما لا عين رأتْ ولا أُذنٌ سمعت ولا خطَر على قلب بشر { وَأَمَّا الذين استنكفوا } أي من عبادته عز وجل { واستكبروا فَيُعَذّبُهُمْ } بسبب استنكافِهم واستكبارِهم { عَذَاباً أَلِيماً } لا يُحيط به الوصف { وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيّاً } يلي أمورَهم ويدبّر مصالحَهم { وَلاَ نَصِيراً } ينصُرهم من بأسه تعالى وينجِّيهم من عذابه .
{ يَا أَيُّهَا الناس } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ إلى كافة المكلفين إثرَ بيانِ بطلانِ ما عليه الكفرةُ من فنون الكفرِ والضلالِ وإلزامِهم بالبراهين القاطعةِ التي تخِرُّ لها صُمُّ الجبالِ ، وإزاحةِ شُبَهِهم الواهيةِ بالبينات الواضحةِ ، وتنبيهٌ لهم على أن الحجةَ قد تمت ( عليهم ) فلم يبقَ بعد ذلك علةٌ لمتعلِّلٍ ولا عُذرٌ لمعتذر .
{ قَدْ جَاءكُمُ } أي وصل إليكم وتقرَّرَ في قلوبكم بحيث لا سبيلَ لكم إلى الإنكار { بُرْهَانَ } البرهانُ ما يُبرهَنُ به على المطلوب ، والمرادُ به القرآنُ الدالُّ على صحة نبوةِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام المُثبِتُ لما فيه من الأحكام التي من جملتها ما أشير إليه مما أثبتته الآياتُ الكريمةُ من حقية الحقِّ وبُطلانِ الباطل . وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام عبَّر عنه به لما معه من المعجزات التي تشهد بصدقه ، وقيل : هو المعجزاتُ التي أظهرها ، وقيل : هو دينُ الحقِّ الذي أتى به ، وقوله تعالى : { مّن رَّبّكُمْ } إما متعلق بجاءكم أو بمحذوف وقع صفةً مشرّفةً لبرهانٌ مؤكدةً لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتيةِ بالفخامة الإضافيةِ أي كائنٌ منه تعالى ، على أن مِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً ، وقد جُوِّز على الثاني كونُها تبعيضيةً بحذف المضافِ أي كائنٌ من براهينِ ربِّكم . والتعرضُ لعنوان الربوبيّة مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين لإظهار اللُّطفِ بهم والإيذانِ بأن مجيئَه إليهم لتربيتهم وتكميلِهم { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } أريد به أيضاً القرآنُ الكريمُ ، عبّر عنه تارة بالبُرهان لما أشير إليه آنفاً وأخرى بالنور النيِّرِ بنفسه المنوَّرِ لغيره إيذاناً بأنه بيِّنٌ بنفسه مستغنٍ في ثبوت حقِّيتِه وكونِه من عند الله تعالى بإعجازه ، غيرُ محتاجٍ إلى غيره مبينٌ لغيره من الأمور المذكورةِ وإشعاراً بهدايته للخلق وإخراجِهم من ظلمات الكفرِ إلى نور الإيمانِ ، وقد سلك به مسلك العطفِ المبنيِّ على تغايُر الطرفين تنزيلاً للمغايرة العُنوانيةِ منزلةَ المغايَرَةِ الذاتية ، وعبِّر عن لابسته للمخاطَبين تارةً بالمجيء المسنَدِ إليه المنبىءِ عن كمال قوتِه في البرهانية كأنه يجيء بنفسه فيُثبِتُ أحكامَه من غير أن يجيءَ به أحدٌ ، ويجيءُ على شُبَه الكفرةِ بالإبطال وأخرى بالإنزال الموُقَعِ عليه الملائمِ لحيثية كونِه نوراً توفيراً له باعتبار كلِّ واحدٍ من عنوانية حظِّه اللائقِ به ، وإسنادُ إنزالِه إليه تعالى بطريق الالتفاتِ لكمال تشريفِه ، هذا على تقدير كونِ البرهانِ عبارةً عن القرآن العظيمِ ، وأما على تقدير كونِه عبارةً عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن المعجزات الظاهرةِ على يده أو عن الدينِ الحقِّ فالأمرُ هيِّنٌ ، وقولُه تعالى : { إِلَيْكُمْ } متعلقٌ بأنزلنا فإن إنزالَه بالذات وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لكنه منزلٌ إليهم أيضاً بواسطته عليه الصلاة والسلام ، وإنما اعتُبر حالُه بالواسطة دون حالِه بالذات كما في قوله تعالى :

(2/193)


{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس } ونظائرِه لإظهار كمالِ اللطفِ بهم والتصريحِ بوصوله إليهم مبالغةً في الإعذار ، وتقديمُه على المفعول الصريح مع أن حقَّه التأخرُ عنه لما مر غير مرة من الاهتمام بما قُدّم والتشويقِ إلى ما أُخِّر ، وللمحافظة على فواصلِ الآي الكريمة .

(2/194)


فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)

{ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله } حسبما يوجبُه البرهانُ الذي أتاهم { واعتصموا بِهِ } أي عصَموا به أنفسَهم مما يُرديها من زيغ الشيطانِ وغيره { فَسَيُدْخِلُهُمْ رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ } قال ابنُ عباس رضي الله تعالى عنهما : هي الجنةُ وما يُتفضَّل عليهم ( به ) مما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمِعت ولا خطَر على قلب بشر . وعبّر عن إفاضة الفضلِ بالإدخال على طريقةِ قوله :
علفتُها تبناً وماءً بارداً ... وتنوينُ رحمةً وفضلٍ تفخيميٌّ ومنه متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً مشرِّفة لرحمة { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ } أي إلى الله عز وجل ، وقيل : إلى الموعود ، وقيل : إلى عبادته { صراطا مُّسْتَقِيماً } هو الإسلامُ والطاعةُ في الدينا وطريقُ الجنةِ في الآخرة . وتقديمُ ذكرِ الوعد بإدخال الجنةِ على الوعد بالهداية إليها على خلاف الترتيبِ في الوجود بين الموعودَين للمسارعة إلى التبشير بما هو المقصِدُ الأصليُّ . قيل : انتصابُ صِراطاً على أنه مفعولٌ لفعلٍ محذوف يُنبىءُ عنه يهديهم أي يعرِفهم صراطاً مستقيماً .
{ يَسْتَفْتُونَكَ } أي في الكلالة ، استُغني عن ذكره بوروده في قوله تعالى : { قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة } وقد مر تفسيرُها في مطلع السورة الكريمةِ ، والمستفتي جابرُ بنُ عبد اللَّه رضي الله تعالى عنه ، يروى أنه أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكةَ عام حَجةِ الوداعِ فقال : إن لي أختاً فكم آخذُ من ميراثها إن ماتت؟ ، وقيل : ( كان مريضاً فعاده رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني كَلالةٌ فكيف أصنع في مالي؟ ) . وروي عنه رضي الله عنه أنه قال : ( عادني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضٌ لا أعقِل ، فتوضأ وصبَّ من وَضوئه عليَّ فعقَلْت فقلت : يا رسولَ الله لمن الميراثُ وإنما يرثني كلالةٌ فنزلت ) وقولُه تعالى : { إِن امرؤ هَلَكَ } استئنافٌ مبينٌ للفُتيا ، وارتفع امرؤٌ بفعل يفسّره المذكورُ ، وقوله تعالى : { لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } صفةٌ له ، وقيل : حال من الضمير في هلَك . ورُدّ بأنه مفسِّرٌ للمحذوف غيرُ مقصودٍ في الكلام أي إن هلَك امرؤٌ غيرُ ذي ولدٍ ذكراً كان أو أنثى واقتُصر على ذكر عدمِ الولدِ مع أن عدمَ الوالدِ أيضاً معتبرٌ في الكلالة ثقةً بظهور الأمرِ ودَلالةِ تفضيلِ الورثةِ عليه ، وقوله تعالى : { وَلَهُ أُخْتٌ } عطفٌ عُطف على قوله تعالى : { لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } أو حالٌ والمرادُ بالأخت من ليست لأم فقط فإن فرضَها السدسُ ، وقد مر بيانُه في صدر السورةِ الكريمة { فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } أي بالفرض والباقي للعَصَبة ، أو لها بالرد إن لم يكن عَصَبة { وَهُوَ } أي المرءُ المفروضُ { يَرِثُهَا } أي أختَه المفروضةَ إن فُرض هلاكُها مع بقائه { إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ } ذكراً كان أو أنثى ، فالمرادُ بإرثه لها إحرازُ جميعِ ما لها إذ هو المشروطُ بانتفاء الولدِ بالكلية لا إرثُه لها في الجملة فإنه يتحقق مع وجود بنتِها ، وليس في الآية ما يدل على سقوط الإخوةِ بغير الولدِ ولا على عدمِ سقوطِهم ، وإنما دلت السنةُ الشريفةُ على سقوطهم في الأب { فَإِن كَانَتَا اثنتين } عطفٌ على الشرطية الأولى أي اثنتين فصاعداً { فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ } الضميرُ لمن يرث بالأخُوّة ، والتأنيثُ والتثنيةُ باعتبار المعنى ، قيل : وفائدةُ الإخبارِ عنها باثنتين مع دَلالة ألفِ التثنية على الاثْنَيْنِيّة التنبيهُ على أن المعتبرَ في اختلاف الحُكْمِ هو العددُ دون الصِغَر والكِبَر وغيرِهما { وَإِن كَانُواْ } أي من يرث بطريق الأخُوّة { إِخْوَةً } أي مختلطة { رّجَالاً وَنِسَاء } بدلٌ من إخوةٍ والأصلُ وإن كانوا إخوةً وأخواتٍ فغلَبَ المذكرُ على المؤنث { فَلِلذَّكَرِ } أي فللذكر منهم { مِثْلُ حَظِ الانثيين } يقتسمون التركةَ على طريقة التعصيبِ ، وهذا آخر ما أُنزل من كتاب الله تعالى في الأحكام ، رُوي أن الصديقَ رضي الله تعالى عنه قال في خطبته : ألا إن الآيةَ التي أنزلها الله تعالى في سورة النساءِ في الفرائض فأولُها في الولد والوالد وثانيها في الزوج والزوجة والأخُوَّة من الأم والآيةُ التي خَتَم بها السورةَ في الأخوة والأخوات لأبوين أو لأب والآيةُ التي خَتَم بها سورةَ الأنفالِ أنزلها في أولي الأرحام .

(2/195)


{ يُبَيّنُ الله لَكُمْ } أي حكمَ الكلالةِ أو أحكامَه وشرائعَه التي من جملتها حِكَمُها { أَن تَضِلُّواْ } أي كراهةَ أن تضلوا في ذلك وهذا رأيُ البصريين صرّح به المبرَّدُ ، وذهب الكسائيُّ والفراءُ وغيرُهما من الكوفيين إلى تقدير اللام ولا في طرفي أن ، أي لئلا تضِلوا ، وقال الزجاج : هو مثلُ قوله تعالى : { إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والارض أَن تَزُولاَ } وقال أبو عبيد : رويتُ للكسائي حديثَ ابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنهما وهو لا يدعُوَنّ أحدُكم على ولده أن يوافقَ من الله إجابةً أي لئلا يوافقَ ، فاستحسنه وليس ما ذكر من الآية والحديثِ نصاً فيما ذهب إليه الكسائي وأضرابُه فإن التقديرَ فيهما عند البصْريين كراهةَ أن تزولا وكراهةَ أن يوافِقَ الخ ، وقيل : ليس هناك حذفٌ ولا تقديرٌ وإنما هو مفعولُ يبيِّن أي يُبين لكم ضلالَكم الذي هو من شأنكم إذا خُلِّيتم وطباعَكم لتحترزوا عنه وتتحرَّوا خلافَه . وأنت خبير بأن ذلك إنما يليقُ بما إذا كان بيانُه تعالى التعيينَ ، على طريقة مواقع الخطأ والضلالِ من غير تصريح بما هو الحقُّ والصواب وليس كذلك .
{ والله بِكُلّ شَيْء } من الأشياء التي من جملتها أحوالُكم المتعلقةُ بمحياكم ومماتِكم { عَلِيمٌ } مبالِغٌ في العلم فيبيِّنُ لكم ما فيه مصلحتُكم ومنفعتُكم . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ سورةَ النساءِ فكأنما تصدّق على كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ ورِث ميراثاً ، وأُعطي من الأجر كمن اشترى محرَّراً أو برِىء من الشرك وكان في مشيئة الله تعالى من الذين يُتجاوز عنهم » والله أعلم .

(2/196)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)

( سورة المائدة مدنية وهي مائة وعشرون آية )
{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } { عَلِيمٌ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود } الوفاءُ القيامُ بموجَبِ العَقْد ، وكذا الإيفاء ، والعقد هو العهدُ الموَثَّقُ المشبَّه بعقد الحبل ونحوه ، والمراد بالعقود ما يعمّ جميعَ ما ألزمه الله تعالى عبادَه وعقَده عليهم من التكاليف والأحكام الدينية وما يعقِدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها ، مما يجب الوفاء به ، أو يحسنُ دِيناً بأن يُحمل الأمرُ على معنىً يعمّ الوجوبَ والندبَ . أُمرَ بذلك أولاً على وجه الإجمال ، ثم شُرِعَ في تفصيلِ الأحكام التي أمر بالإيفاء بها وبُدىء بما يتعلّق بضروريات مَعايشِهم فقيل :
{ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام } البهيمةُ كلُّ ذات أربع ، وإضافتُها إلى الأنعام للبيان كثوب الخزّ ، وإفرادُها لإرادة الجنس ، أي أحِلّ لكم أكلُ البهيمة من الأنعام ، وهي الأزواجُ الثمانية المعدودة في سورة الأنعام ، وأُلحِق بها الظباءُ وبقَرُ الوَحْش ونحوُهما ، وقيل : هي المرادة بالبهيمة هاهنا لتقدّم بيان حِلِّ الأنعام ، والإضافةُ لما بينهما من المشابهة والمماثلة في الاجترار وعدم الأنياب ، وفائدتُها الإشعارُ بعِلة الحكم المشتركة بين المضافَيْن ، كأنه قيل : أُحلت لكم البهيمةُ الشبيهة بالأنعام التي بَيَّن إحلالَها فيما سبق ، المماثِلةُ لها في مَناطِ الحُكم . وتقديم الجارّ والمجرور على القائم مَقام الفاعل لما مر مراراً من إظهار العناية بالمقدَّم ، لما فيه من تعجيل المسرَّة والتشويق إلى المؤخَّر ، فإن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقِّبةً إلى وروده ، فيتمكّن عندها فضلُ تمكّن .
{ إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } استثناء من ( بهيمةُ ) أي إلا مُحرَّمَ ما يتلى عليكم من قوله تعالى : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } ونحوَه ، أو إلا ما يُتلى عليكم آيةُ تحريمه . { غَيْرَ مُحِلّى الصيد } أي الاصطيادِ في البَرّ أو أكلِ صيده ، وهو نصبٌ على الحالية من ضمير لكم ، ومعنى عدمِ إحلالِهم له تقريرُ حرمته عملاً واعتقاداً ، وهو شائع في الكتاب والسنة ، وقوله تعالى : { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أي مُحرمون ، حال من الضمير في مُحِلِّي ، وفائدةُ تقييد إحلالِ بهيمةِ الأنعام بما ذُكر من عدم إحلالِ الصيد حالَ الإحرام على تقدير كونِ المراد بها الظباءَ ونظائرَها ظاهرةٌ ، لما أن إحلالها غيرُ مُطلق ، كأنه قيل : أحل لكم الصيدُ حالَ كونِكم ممتنعين عنه عند إحرامكم .
وأما على التقدير الأول ففائدته إتمامُ النعمة وإظهارُ الامتنان بإحلالها بتذكير احتياجهم إليه ، فإن حرمةَ الصيد في حالة الإحرام من مظانِّ حاجتهم إلى إحلال غيرِه حينئذ ، كأنه قيل : أحلت لكم الأنعام مطلقاً حالَ كونكم ممتنِعين عن تحصيل ما يُغنيكم عنها في بعض الأوقات محتاجين إلى إحلالها . وفي إسناد عدم الإحلال إليهم بالمعنى المذكور مع حصول المراد بأن يقال : غيرُ محلَّلٍ لكم ، أو محرماً عليكم الصيدُ حال إحرامكم مزيدُ تربيةٍ للامتنان ، وتقرير للحاجة ببيان علتها القريبة ، فإن تحريم الصيد عليهم إنما يوجب حاجتهم إلى إحلال ما يغنيهم عنه باعتبار تحريمهم له عملاً واعتقاداً ، مع ما في ذلك من وصفهم بما هو اللائق بهم ، { إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } من الأحكام حسبما تقتضيه مشيئتُه المبْنيةُ على الحِكَم البالغة ، فيدخل فيها ما ذُكر من التحليل والتحريم دخولاً أولياً ، ومعنى الإيفاء بهما الجرَيانُ على موجبهما عقداً وعملاً ، والاجتنابُ عن تحليل المحرمات وتحريم بعضِ المحلَّلاتِ كالبَحيرة ونظائرِها التي سيأتي بيانها .

(2/197)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)

{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله } لمّا بيّن حُرمةَ إحلال الإحرام الذي هو من شعائر الحج عقّب ذلك ببيان حرمة إحلال سائر الشعائر ، وإضافتُها إلى الله عز وجل لتشريفها وتهويلِ الخطب في إحلالها ، وهي جمع شعيرةٍ وهي اسم لما أُشعِر ، أي جُعل شِعاراً وعَلَماً للنُسُك من مواقيت الحج ومرامي الجمار والمطافِ والمسعى ، والأفعالِ التي هي علاماتُ الحج يُعرف بها ، من الإحرام والطوافِ والسعْي والحلق والنحر ، وإحلالُها أن يُتهاوَن بحرمتها ويُحال بينها وبين المتنسّكين بها ويُحدَثَ في أشهر الحج ما يُصَدّ به الناسُ عن الحج . وقيل : المراد بها دينُ الله لقوله تعالى : { وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله } أي دِينه ، وقيل : حرماتِ الله ، وقيل : فرائضَه التي حدّها لعباده ، وإحلالُها الإخلالُ بها ، والأول أنسبُ بالمقام . { وَلاَ الشهر الحرام } أي لا تُحِلّوه بالقتال فيه ، وقيل : بالنّسيء ، والأول هو الأولى بحالة المؤمنين ، والمراد به شهر الحج ، وقيل : الأشهر الأربعة الحرم ، والإفراد لإرادة الجنس { وَلاَ الهدى } بأن يُتعرَّضَ له بالغَضْب أو بالمنع عن بلوغِ مَحِلِّه ، وهو ما أُهدِيَ إلى الكعبة من إبل أو بقر أو شاءِ ، جمعُ هَدْيَة كجَدْيٍ وجَدْية { وَلاَ القلائد } هي جمعُ قِلادة ، وهي ما يُقلَّد به الهدْيُ من نعلٍ أو لِحاءِ شجرٍ ليُعلم به أنه هدْيٌ فلا يُتعرَّضَ له ، والمراد النهيُ عن التعرض لذوات القلائد من الهدْي وهي البُدْن ، وعطفُها على الهدي مع دخولها فيه لمزيد التوصية بها لمزيتها على ما عداها ، كما عَطفَ جبريلَ وميكالَ على الملائكة عليهم السلام ، كأنه قيل : والقلائدَ منه خصوصاً ، أو النهيُ عن التعرض لنفس القلائدِ مبالغةً في النهي عن التعرض لأصحابها ، على معنى لا تُحِلّوا قلائدَها فضلاً عن أن تحلوها ، كما نهى عن إبداء الزينة بقوله تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } مبالغةً في النهي عن إبداء مواقِعِها { وَلاَ الشهر الحرام وَلاَ } أي لا تُحلّوا قوماً قاصدين زيارته بأن تصُدّوهم عن ذلك بأي وجه كان ، وقيل : هناك مضافٌ محذوف أي قتالَ قومٍ أو أذى قوم آمين الخ ، وقُرىء ولا آمِّي البيتِ الحرامِ بالإضافة ، وقوله تعالى : { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ ورضوانا } حالٌ من المستكنِّ في آمين لا صفةٌ له ، لأن المختار أن اسم الفاعل إذا وُصف بطَلَ عملُه أي قاصدين زيارته حال كونهم طالبين أن يُثيبَهم الله تعالى ويرضَى عنهم . وتنكيرُ ( فضلاً ورضواناً ) للتفخيم ، و ( من ربهم ) متعلق بنفس الفعل ، أو بمحذوفٍ وقع صفة لفضلاً مُغنيةً عن وصفِ ما عُطف عليه بها ، أي فضلاً كائناً من ربهم ورضواناً كذلك .
والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم والإشعارِ بحصول مبتغاهم . وقُرىء ( تَبْتغون ) على الخطاب ، فالجملة حينئذ حال من ضمير المخاطَبين في ( لا تُحلوا ) على أن المرادَ بيانُ منافاة حالهم هذه للمنهيِّ عنه لا تقييدُ النهي بها ، وإضافة الرب إلى ضمير الآمّين للإيماء إلى اقتصار التشريف عليهم ، وحِرمانِ المخاطَبين عنه وعن نيل المبتغى ، وفي ذلك من تعليلِ النهْي وتأكيدِه والمبالغة في استنكار المنهيّ عنه ما لا يخفى ، ومن هاهنا قيل : المراد بالآمّين هم المسلمون خاصة ، وبه تمسك من ذهب إلى أن الآية مُحْكمة ، وقد رُوي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(2/198)


« سورة المائدة من آخِرِ القرآن نزولاً فأحِلّوا حَلالَها وحرِّموا حرامَها » وقال الحسن رحمه الله تعالى : ليس فيها منسوخ ، وعن أبي ميسرة : فيها ثماني عشرةَ فريضةً وليس فيها منسوخ .
وقد قيل : هم المشركون خاصة لأنهم المحتاجون إلى نهي المؤمنين عن إحلالهم دون المؤمنين ، على أن حرمة إحلالهم ثبتت بطريق دلالة النص ، ويؤيده أن الآية نزلت في الحطم بنِ ضبيعة البَكْري وقد كان أتى المدينة فخلّف خيلَه خارجها فدخل على النبي عليه الصلاة والسلام وحده ووعده أن يأتيَ بأصحابه فيُسلموا ، ثم خرج من عنده عليه السلام فمر بسَرْح المدينة فاستاقه ، فلما كان في العام القابل خرج من اليمامة حاجاً في حُجّاج بكرِ بنِ وائل ومعه تجارة عظيمة وقد قلّدوا الهدْي ، فسأل المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم أن يُخلِّيَ بينهم وبينه فأباه النبي عليه الصلاة والسلام فأنزل الله عز وجل : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله } الآية ، وفُسِّر ابتغاءُ الفضل بطلب الرزق بالتجارة ، وابتغاءُ الرضوان بأنهم كانوا يزعُمون أنهم على سِدادٍ من دَيْنهم ، وأن الحج يقرّبهم إلى الله تعالى ، فوصفهم الله تعالى بظنهم ، وذلك الظنُّ الفاسد وإن كان بمعزل من استتباع رضوانِه تعالى لكن لا بُعدَ في كونه مداراً لحصول بعض مقاصدهم الدنيوية وخلاصِهم عن المكاره العاجلة لا سيما في ضمن مراعاة حقوق الله تعالى وتعظيم شعائره ، وقال قتادة : هو أن يُصلح معايشَهم في الدنيا ولا يعجّلَ لهم العقوبة فيها ، وقيل : هم المسلمون والمشركون ، لما رُوي عن ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما أن المسلمين والمشركين كانوا يُحجّون جميعاً فنهى الله المسلمين أن يمنعوا أحداً عن حج البيت بقوله تعالى : { لاَ تُحِلُّواْ } الآية ، ثم نزل بعد ذلك ، { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام } وقوله تعالى : { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله } وقال مجاهد والشعبي : ( لا تحلوا ) نُسخ بقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } ولا ريب في تناول الآمّين للمشركين قطعاً ، إما استقلالاً وإما اشتراكاً لما سيأتي من قوله تعالى : { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ } الخ ، فيتعين النسخُ كُلاًّ أو بعضاً ، ولا بد في الوجه الأخير من تفسير الفضل والرضوان بما يناسب الفريقين ، فقيل : ابتغاء الفضل أي الرزق للمؤمنين والمشركين عامة ، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة ، ويجوز أن يكون الفضلُ على إطلاقه شاملاً للفضل الأخروي أيضاً ، ويختص ابتغاؤه بالمؤمنين { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا } تصريح بما أشير إليه بقوله تعالى : { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } من انتهاء حرمة الصيد بانتفاء موجِبِها ، والأمر للإباحة بعد الحظر كأنه قيل : إذا حَلَلْتم فلا جُناح عليكم في الاصطياد ، وقرىء أَحْللتم ، وهو لغة في حلَّ ، وقُرىء بكسر الفاء بإلقاءِ حركة همزة الوصل عليها وهو ضعيف جداً .

(2/199)


{ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } نهَى عن إحلال قومٍ من الآمِّين خُصّوا به مع اندراجهم في النَهْي عن إحلال الكلِّ كافة ، لاستقلالهم بأمور ربما يُتوهَّم كونُها مُصحِّحةً لإحلالهم ، داعيةً إليه . وجَرَم جارٍ مَجْرى كَسَبَ في المعنى وفي التعدِّي إلى مفعول واحد وإلى اثنين ، يقال : جَرَم ذنباً نحوُ كسبَه ، وجرَمتُه ذنباً نحو كَسَبْتُه إياه ، خلا أن جَرَم يستعمل غالباً في كسْبِ ما لا خير فيه ، وهو السبب في إيثارِه هاهنا على الثاني . وقد يُنقل الأولُ من كلَ منهما بالهمزة إلى معنى الثاني ، فيقال : أجرمته ذنباً وأكسبته إياه ، وعليه قراءة من قرأ يُجرِمَنَّكم بضم الياء { شَنَانُ قَوْمٍ } بفَتْح النون وقرىء بسكونها ، وكلاهما مصدرٌ أضيف إلى مفعوله ، لا إلى فاعله كما قيل ، وهو شدة البغض وغاية المقت { أَن صَدُّوكُمْ } متعلق بالشنآن بإضمار لام العلة أي لاِءَنْ صدوكم عامَ الحُدَيْبية { عَنِ المسجد الحرام } عن زيارته والطواف به للعمرة ، وهذه آية بيّنةٌ في عموم آمّين للمشركين قطعاً ، وقُرىء إِنْ صدوكم على أنه شرط معترضٌ أغنى عن جوابه ( لا يجرمنكم ) ، قد أبرز الصدَّ المحقّقَ فيما سبق في معرِض المفروض ، للتوبيخ والتنبيه على أن حقه ألا يكون وقوعُه إلا على سبيل الفرض والتقدير { أَن تَعْتَدُواْ } أي عليهم ، وإنما حُذف تعويلاً على ظهوره وإيماءً إلى أن المقصِدَ الأصلي من النهْي منعُ صدورِ الاعتداء عن المخاطَبين محافظةً على تعظيم الشعائر ، لا منعُ وقوعِه على القوم مراعاة لجانبهم ، وهو ثاني مفعولَيْ ( يجرمنكم ) ، أي لا يَكسِبَنَّكم شدةُ بغضِكم لهم لصدهم إياكم عن المسجد الحرام اعتداءَكم عليهم وانتقامَكم منهم للتشفّي ، وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهياً للشنآن عن كسب الاعتداء للمخاطَبين ، لكنه في الحقيقة نهيٌ لهم عن الاعتداء على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه ، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤديةِ إليه نهيٌ عنه بالطريق البرهاني ، وإبطالٌ للسببية ، وقد يوجِّه النهيُ إلى المسبَّب ويراد النهيُ عن السبب كما في قوله : لا أُرَيَنّك هاهنا . يريد به نهي مخاطِبَه عن الحضور لديه ، ولعل تأخير هذا النهي عن قوله تعالى : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا } مع ظهور تعلقِه بما قبله للإيذان بأن حرمة الاعتداء لا تنتهي بالخروج عن الإحرام كانتهاء حرمة الاصطياد به ، بل هي باقية ما لم تنقطع علاقتُهم عن الشعائر بالكلية وبذلك يُعلم بقاءُ حرمة التعرضِ لسائر الآمّين بالطريق الأَوْلى .
{ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى } لما كان الاعتداءُ غالباً بطريق التظاهرُ والتعاون أُمروا إِثْرَ ما نُهوا عنه بأن يتعاونوا على كل ما هو من باب البر والتقوى ، ومتابعةِ الأمر ومجانبةِ الهوى ، فدخل فيه ما نحن بصدده من التعاون على العفو والإغضاءِ عما وقع منهم دخولاً أولياً ، ثم نُهُوا عن التعاون في كل ما هو من مَقولة الظلمِ والمعاصي بقوله تعالى : { وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } فاندرج فيه النهيُ عن التعاون على الاعتداء والانتقام بالطريق البرهاني ، وأصل ( لا تعاونوا ) لا تتعاونوا فحذَفَ منه إحدى التاءين تخفيفاً ، وإنما أَخَّر النهْي عن الأمر مع تقدُّم التخلية على التحلية مسارعةً إلى إيجاب ما هو مقصود بالذات ، فإن المقصود من إيجاب تركِ التعاونِ على الإثم والعدوان إنما هو تحصيلُ التعاون على البر والتقوى ، ثم أُمروا بقوله تعالى : { واتقوا الله } بالاتقاء في جميع الأمور التي من جملتها مخالفةُ ما ذُكر من الأوامر والنواهي ، فثبت وجوبُ الاتقاءِ فيها بالطريق البرهاني ثم علل ذلك بقوله تعالى : { أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } أي لمن لا يتقيه فيعاقبكم لا محالة إن لم تتقوه ، وإظهارُ الاسم الجليل لما مرّ مراراً من إدخال الرَّوْعة وتربية المهابةِ وتقويةِ استقلال الجملة .

(2/200)


حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)

{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } شروعٌ في بيان المُحرَّمات التي أشير إليها بقوله تعالى : { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } والميتة ما فارقه الروحُ من غير ذبح { والدم } أي المسفوحُ منه لقوله تعالى : { أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } وكان أهلُ الجاهلية يصُبّونه في الأمعاء ويشْوونه ، ويقولون : لم يُحرَّمْ مِنْ فَزْدٍ له أي من فصْدٍ له { وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } أي رفعُ الصوت لغير الله عند ذبحِه ، كقولهم : باسم اللات والعزى { والمنخنقة } أي التي ماتت بالخنق { والموقوذة } أي التي قُتلت بالضرب بالخشب ونحوِه ، مِنْ وَقَذْتُه إذا ضربته { والمتردية } أي التي تردّت مِنْ علوَ أو إلى بئرٍ فماتت { والنطيحة } أي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح ، والتاء للنقل ، وقرىء والمنطوحة { وَمَا أَكَلَ السبع } أي وما أكل منه السبُعُ فمات وقرىء بسكون الباء ، وقرىء وأكيلُ السبع ، وفيه دليلٌ على أن جوارحَ الصيد إذا أكلت مما صادته لم يحِلّ { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } إلا ما أدركتم ذَكاتَه وفيه بقيةُ حياةٍ يضطرِبُ اضطرابَ المذبوح . وقيل : الاستثناء مخصوص بما أكل السبع .
والذَكاةُ في الشرع بقطع الحُلقومِ والمَرِيء بمُحدَّد { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } قيل : هو مفردٌ ، وقيل : جمع نِصاب ، وقرىء بسكون الصاد ، وأياً ما كان فهو واحد الأنصاب ، وهي أحجار كانت منصوبةً حول البيت يَذبَحون عليها ويعدّون ذلك قُربة ، وقيل : هي الأصنام { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالازلام } جمع زَلَم وهو القدح أي وحرم عليكم الاستقسام بالقِداح وذلك أنهم إذا قصدوا فعلاً ضربوا ثلاثة قداحٍ مكتوب على أحدها أمرني ربي ، وعلى الثاني نهاني ربي ، وعلى الثالث غُفْل ، فإن خرج الآمرُ مضَوا ذلك ، وإن خرج الناهي اجتنبوا عنه ، وإن خرج الغافل أجالوها مرة أخرى ، فمعنى الاستقسام طلبُ معرفةِ ما قُسِم لهم بالأزلام ، وقيل : هو استقسامُ الجَزورِ بالأقداح على الأنْصِباء المعهودة { ذلكم } إشارة إلى الاستقسام بالأزلام ، ومعنى البعد فيه للإشارة إلى بُعد منزلتِه في الشر { فِسْقٌ } تمرّدٌ وخروجٌ عن الحد ودخولٌ في علم الغيب ، وضلال باعتقاد أنه طريق إليه ، وافتراء على الله سبحانه إن كان هو المراد بقولهم ربي ، وشركٌ وجهالة إن كان هو الصنم ، وقيل : ذلكم إشارةٌ إلى تناول المحرَّماتِ المعدودةِ لأن معنى تحريمها تحريمُ تناولِها .
{ اليوم } اللام للعَهْد ، والمراد به الزمان الحاضرُ وما يتصل به من الأزمنة الماضية والآتية وقيل : ( يومُ نزولِها ، وقد نزلت بعد عصر الجمعةِ يومَ عَرَفةَ في حَجةِ الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم واقفٌ بعَرَفاتٍ على العضباء ) ، فكادت عضُدُ الناقة تندق لثقلها فبرَكَت ، وأياً ما كان فهو منصوب على أنه ظرف لقوله تعالى : { يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } أي من إبطالِه ورُجوعِكم عنه بتحليل هذه الخبائِثِ أو غيرِها ، أو مِنْ أن يغلِبوكم عليه لِمَا شاهدوا من أن الله عز وجل وفى بوعدِه حيث أظهره على الدين كلِّه وهو الأنسب بقوله تعالى : { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } أي أنْ يظهرَوا عليكم { واخشون } أي وأخْلِصوا إليّ الخشية { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } بالنصر والإظهار على الأديان كلها ، أو بالتنصيص على قواعد العقائد ، والتوقيفِ على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد .

(2/201)


وتقديمُ الجار والمجرور للإيذان من أول الأمرِ بأن الإكمالَ لمنفعتهم ومصلحتهم ، كما في قوله تعالى : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } وعليكم في قوله تعالى : { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } متعلِّقٌ بأتممت لا بنعمتي لأن المصدرَ لا يتقدم عليه معمولُه ، وتقديمه على المفعول الصريح لما مرّ مراتٍ ، أي أتممتُها بفتح مكةَ ودخولِها آمنين ظاهرين ، وهدمِ منارِ الجاهلية ومناسكِها والنهْيِ عن حجِّ المشرك وطوافِ العُرْيان ، أو بإكمال الدينِ والشرائع ، أو بالهداية والتوفيق ، قيل : معنى أتممت عليكم نعمتي أنجزتُ لكم وعدي بقولي : { وَلاِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } { وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً } أي اخترتُه لكم من بين الأديان وهو الدينُ عند الله لا غيرُ . عن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله تعالى عنه أن رجلاً من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين آيةٌ في كتابكم تقرؤنها لو علينا معشرَ اليهود نزلت لاتخذْنا ذلك اليوم عيداً ، قال : أي آية؟ قال : { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } الآية . قال عمر رضي الله تعالى عنه : قد عرفنا ذلك اليومَ والمكانَ الذي أنزلت فيه على النبي عليه الصلاة والسلام وهو قائم بعرفَةَ يومَ الجمعة ، أشار رضي الله تعالى عنه إلى أن ذلك اليومَ عيدٌ لنا ، ورُوي أنه لما نزلت هذه الآيةُ بكى عمرُ رضي الله تعالى عنه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : «ما يُبكيك يا عمر؟» قال : أبكاني أنا كنا في زيادةٍ من دينِنا ، فإذا كَمَلَ فإنه لا يكملُ شيءٌ إلا نقَصَ ، فقال عليه الصلاة والسلام : «صدقت» فكانت هذه الآيةُ نعْيَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فما لبِثَ بعد ذلك إلا أحداً وثمانين يوماً .
{ فَمَنِ اضطر } متصلٌ بذكر المحرمات ، وما بينهما اعتراضٌ بما يوجبُ أن يُجتنَبَ عنه ، وهو أن تناوُلَها فسوقٌ ، وحرمتُها من جملة الدينِ الكاملِ والنعمةِ التامةِ والإسلامِ المَرْضِيِّ ، أي فمن اضطُر إلى تناول شيءٍ من هذه المحرمات { فِى مَخْمَصَةٍ } أي في مجاعة يَخافُ معها الموتَ أو مبادِيَه { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } قيل : غيرَ مائلٍ ومنحرفٍ إليه ، بأن يأكُلَها تلذُّذاً أو مُجاوِزٍ حدَّ الرُّخصة أو ينتزِعَها من مضطرٍ آخَرَ كقوله تعالى : { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لا يؤاخذه بذلك .

(2/202)


يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)

{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } شروع في تفصيل المحلَّلاتِ التي ذَكَر بعضَها على وجه الإجمال إِثْرَ بيانِ المحرمات كأنهم سألوا عنها عند بيان أضدادِها ، ولِتَضَمُّنِ السؤال معنى القولِ أوقعُ على الجملة ، ف ( ماذا ) مبتدأ و ( أحل لهم ) خبرُه ، وضميرُ الغَيْبَة لِمَا أنّ يسألون بلفظ الغيبة فإنه كما يُعتبرُ حالُ المحكيِّ عنه فيقال : أقسمَ زيدٌ لأفعلَنّ ، يُعتبرُ حالُ الحاكي ، فيقال : أقسمَ زيدٌ ليفعَلَنّ ، والمسؤول ما أحل لهم من المطاعم { قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } أي ما لم تستخبثْه الطّباعُ السليمة ولم تنفِرْ عنه كما في قوله تعالى : { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث } { وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح } عطفٌ على الطيبات بتقدير المضاف على أن ( ما ) موصولٌ والعائد محذوف ، أي وصيدُ ما علَّمتُموه ، أو مبتدأ على أن ( ما ) شرطيةٌ والجوابُ فكلوا ، وقد جوَّزَ كونَها مبتدأً على تقديرِ كونِها موصولةً أيضاً والخبرُ كلوا ، وإنما دخلته الفاء تشبيهاً للموصول باسم الشرط و ( من الجوارح ) حالٌ من الموصول أو ضميرِه المحذوف ، والجوارحُ الكواسبُ من سباع البهائم والطير ، وقيل : سميت بها لأنها تجرَحُ الصيدَ غالباً { مُكَلّبِينَ } أي معلِّمين لها الصيدَ والمكلِّبُ مؤدّبُ الجوارحِ ومُضْرِيها بالصيد ، مشتقٌ من الكَلْب لأن التأديب كثيراً ما يقع فيه ، أو لأن كلَّ سبُعٍ يسمى كَلْباً لقوله عليه الصلاة والسلام في حق عُتبةَ بنِ أبي لهبٍ حين أراد سفرَ الشأم ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : « اللهم سلِّطْ عليه كلباً من كلابك » فأكلَه الأسد . وانتصابُه على الحالية من فاعلِ ( علَّمتم ) وفائدتُها المبالغةُ في التعليم لما أن اسم المكلّب لا يقع إلا على التحرير في علمِه . وقرىء مُكْلِبين بالتخفيف والمعنى واحد { تُعَلّمُونَهُنَّ } حال ثانية منه أو حالٌ من ضمير مكلِّبين أو استئناف { مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله } من الحِيَل وطُرُق التعليم والتأديب ، فإن العلمَ به إلهامٌ من الله تعالى أو مكتسَبٌ بالعقل الذي هو منحةٌ منه أو مما عرَّفَكم أن تعلموه من اتباعِ الصيدِ بإرسالِ صاحبِه وانزجارِه بزَجْرِه وانصرافِه بدعائه وإمساكِ الصيد عليه وعدمِ أكلِه منه { فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } قد مر فيما سبق أن هذه الجملةَ على تقدير كونِ ما شرطيةً جوابُ الشرط ، وعلى تقدير كونِها موصولةً مرفوعةٌ على الابتداءِ خبرٌ لها ، وأما على تقدير كونِها عطفاً على الطيبات فهي جُملةٌ متفرِّعةٌ على بيان حلِّ صيدِ الجوارح المُعْلَمة مبيِّنةٌ للمضاف المقدَّر الذي هو المعطوف ، وبه يتعلق الإحلالُ حقيقةً ، ومشيرةٌ إلى نتيجةِ التعليم وأثره ، داخلةٌ تحت الأمر ، فالفاء فيها كما في قوله :
أمرتُك الخيرَ فافعَلْ ما أُمِرْتَ به ... ومِنْ تبعيضيةٌ لما أن البعضَ مما لا يتعلق به الأكلُ كالجلودِ والعظامِ والريش وغير ذلك ، وما موصولةٌ أو موصوفةٌ حذِفَ عائدُها و ( على ) متعلقة بأمسكن أي فكلوا بعض ما أمسَكْنه عليكم وهو الذي لم يأكُلْن منه ، وأما ما أكلن منه فهو مما أمسَكْنه على أنفسِهن لقوله عليه الصلاة والسلام لعديِّ بن حاتم :

(2/203)


« وإن أكل منه فلا تأكل ، إنما أمْسَكَ على نفسِهِ » وإليه ذهب أكثرُ الفقهاء .
وقال بعضُهم : لا يشترط عدمُ الأكل في سباعِ الطير لما أن تأديبَها إلى هذه الدرجة متعذِّر ، وقال آخرون : لا يُشترط ذلك مطلقاً ، وقد رُوي عن سَلمانَ وسعدِ بن أبي وقاص ، وأبي هريرة ، رضي الله تعالى عنهم أنه إذا أكل الكلبُ ثلثيه وبقيَ ثلثُه وقد ذكرتَ اسم الله عليه فكُل { واذكروا اسم الله عَلَيْهِ } الضميرُ لما عَلَّمتم أي سمُّوا عليه عند إرسالِه ، أو لِما أمسكنه ، أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاتَه { واتقوا الله } في شأن محرماته { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } أي سريعُ إتيانِ حسابه ، أو سريعُ تمامِه ، إذا شرَعَ فيه يتِمُّ في أقربِ ما يكون من الزمان ، والمعنى على التقديرين أنه يؤاخِذُكم سريعاً في كل ما جل ودق ، وإظهارُ الاسم الجليل في موقع الإضمار لتربية المهابة وتعليلِ الحُكْم .

(2/204)


الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)

{ اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } قيل : المرادُ بالأيام الثلاثة وقتٌ واحدٌ ، وإنما كرر للتأكيد ، ولاختلافِ الأحداثِ الواقعةِ فيه حَسُنَ تكريرُه ، والمراد بالطيبات ما مر { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب } أي اليهود والنصارى واستثنى عليٌّ رضي الله تعالى عنه نصارَى بني تغلِبَ ، وقال : ليسوا على النصرانية ، ولم يأخُذوا منها إلا شرْبَ الخمر ، وبه أخذ الشافعي رضي الله عنه ، والمراد بطعامهم ما يتناولُ ذبائِحَهم وغيرَها { لَكُمُ الطيبات } أي حلال ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال : لا بأسَ ، وهو قول عامة التابعين ، وبه أخذ أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابُه ، وحُكمُ الصابئين حكْمُ أهلِ الكتاب عنده . وقال صاحباه : هما صنفان ، صنفٌ يقرؤون الزَّبورَ ويعبُدون الملائكة عليهم السلام ، وصنفٌ لا يقرؤون كتاباً ، ويعبُدون النجوم ، فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب . وأما المجوسُ فقد سُنَّ بهم سُنةَ أهل الكتاب في أخذ الجزيةِ منهم دون أكل ذبائحهم ونكاحِ نسائهم ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " سُنوا بهم سُنّةَ أهلِ الكتاب غيرَ ناكِحِي نسائِهم " { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } فلا عليكم أن تُطعِموهم وتَبيعوه منهم ، ولو حُرِّم عليهم لم يجز ذلك .
{ والمحصنات مِنَ المؤمنات } رفع على أنه مبتدأ حُذف خبرُه لدلالةِ ما تقدم عليه أي حِلٌّ لكم أيضاً ، والمرادُ بهن الحرائرُ العفائِف ، وتخصيصُهن بالذكر للبعث على ما هو الأَوْلى لا لنَفْيِ ما عداهن ، فإن نكاحَ الإماءِ المسلماتِ صحيحٌ بالاتفاق ، وكذا نكاحُ غيرِ العفائِفِ منهن ، وأما الإماءُ الكتابياتُ فهن كالمسلمات عند أبي حنيفة رضي الله عنه ، خلافاً للشافعي رضي الله عنه { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } أي هن أيضاً حل لكم ، وإن كنّ حَرْبيات ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : «لا تَحِلُّ الحربيات» { اليوم أُحِلَّ لَكُمُ } أي مُهورَهن ، وتقييدَ الحِلِّ بإيتائِها لتأكيد وجوبها ، والحثِّ على الأولى ، وقيل : المرادُ بإيتائها التزامُها ، وإذا ظرفيةٌ عاملُها حَلَّ المحذوف ، وقيل : شرطية حُذِف جوابُها ، أي إذا آتيتموهن أجورهن حَلَلْنَ لكم { مُّحْصِنِينَ } حال من فاعل آتيتموهن أي حال كونِكم أعفّاءَ بالنكاح وكذا قوله تعالى : { غَيْرَ مسافحين } وقيل : حال من ضمير محصنين ، وقيل : صفة لمحصِنين ، أي غيرَ مجاهِرين بالزنا { وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } أي ولا مُسرِّين به والخِدْنُ الصديق يقع على الذكر والأنثى ، وهو إما مجرورٌ عطفاً على مسافحين وزِيدت لا لتأكيد النفي المستفادِ من غير ، أو منصوبٌ عطفاً على ( غير مسافحين ) باعتبار أوجُهِهِ الثلاثة { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان } أي ومن ينكرْ شرائعَ الإسلام التي من جملتها ما بُيِّن هاهنا من الأحكام المتعلقة بالحِلِّ والحرمة ، ويمتنعْ عن قَبولها { فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } الصالح الذي عمِلَه قبل ذلك { وَهُوَ فِى الاخرة مِنَ الخاسرين } هو مبتدأ ( من الخاسرين ) خبرُه ، و ( في ) متعلِّقةٌ بما تعلق به الخبرُ من الكون المطلق ، وقيل : بمحذوف دل عليه المذكورُ أي خاسر في الآخرة ، وقيل : بالخاسرين على أن الألف واللام للتعريف لا موصولة ، لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها ، وقيل : يُغتفرُ في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله :
ربَّيْتُه حتى إذا تمَعْددا ... كان جزائي بالعَصا أن أُجْلدا

(2/205)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)

{ يأيها الذين آمنوا } شروعٌ في بيان الشرائع المتعلقةِ بدِينهم بعد بيانِ ما يتعلقُ بدنياهم { إذا قمتم إلى الصلاة } أي أردتم القيامَ إليها كما في قوله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله } عبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبَّبِ عنها مَجازاً للإيجاز ، والتنبيه على أن من أراد الصلاةَ حقُّه أن يبادِرَ إليها بحيث لا ينفك عن إرادتها ، أو إذا قصدتم الصلاةَ إطلاقاً لاسمِ أحدِ لازميها على لازمِها الآخَرِ ، وظاهرُ الآية الكريمةِ يوجبُ الوضوءَ على كل قائمٍ إليها وإن لم يكنْ محدِثاً ، لما أن الأمرَ للوجوب قطعاً ، والإجماعُ على خلافِه ، وقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الصلواتِ الخمسَ يومَ الفتح بوُضوءٍ واحد ، فقال عمرُ رضي الله تعالى عنه : صنعتَ شيئاً لم تكنْ تصنَعُه ، فقال عليه الصلاة والسلام : «عمداً فعلتُه يا عمر» يعني بياناً للجواز ، وحُمل الأمرُ بالنسبة إلى غيرِ المحدثِ على الندب مما لا مَساغَ له ، فالوجهُ أن الخِطابَ خاصٌّ بالمُحْدِثين بقرينةِ دَلالةِ الحال ، واشتراطِ الحدَثِ في التيمم الذي هو بدلُه ، وما نُقل عن النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء من أنهم كانوا يتوضّؤون لكل صلاةٍ فلا دلالة فيه على أنهم كانوا يفعلونه بطريق الوجوبِ أصلاً ، كيف لا وما رُوي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله : " من توضَّأ على طُهْرٍ كتبَ الله له عشرَ حسنات " صريحٌ في أن ذلك كان منهم بطريق الندب ، وما قيل من أنه كان ذلك أولَ الأمرِ ثم نُسخ يردُّه قوله عليه الصلاة والسلام : " المائدةُ من آخِرِ القرآن نزولاً فأحِلُّوا حلالها وحرِّموا حرامها " { فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } أي أمِرُّوا عليها الماء ، ولا حاجةَ إلى الدلك خلافاً لمالك { وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق } الجمهورُ على دخول المِرْفَقَين في المغسول ، ولذلك قيل : ( إلى ) بمعنى مَعَ كما في قوله تعالى : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ } وقيل : هي إنما تُفيد معنى الغاية مطلقاً ، وأما دخولُها في الحُكْم أو خروجُها منه فلا دلالة لها عليه ، وإنما هو أمرٌ يدور على الدليلِ الخارجي ، كما في حفِظْتُ القرآنَ من أولِه إلى آخِرِه ، وقوله تعالى : { فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } فإن الدخولَ في الأول والخروجَ في الثاني مُتيقَّنٌ بناءً على تحقُّق الدليل ، وحيث لم يتحققْ ذلك في الآية وكانت الأيدي متناوِلةً للمرافِقِ حُكِمَ بدخولها فيها احتياطاً ، وقيل : ( إلى ) من حيث إفادتُها للغاية تقتضي خروجَها ، لكن لما لم تتميَّزِ الغايةُ هاهنا عن ذي الغايةِ وجبَ إدخالُها احتياطياً .
{ وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ } الباءُ مزيدةٌ وقيل : للتبعيض ، فإنه الفارقُ بين قولِك مسَحْتُ المِنْديلَ ومسحتُ بالمنديل ، وتحقيقُه أنها تدل على تضمينِ الفعل معنى الإلصاق ، فكأنه قيل : وألصِقوا المسحَ برؤوسِكم ، وذلك لا يقتضي الاستيعابَ كما يقتضيه ما لو قيل : وامسحُوا رؤوسَكم ، فإنه كقوله تعالى : { فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } واختلف العلماء في القدر الواجب ، فأوجب الشافعيُّ أقلَّ ما ينطلِقُ عليه الاسمُ أخذاً باليقين ، وأبو حنيفةَ ببيانِ رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث مسح على ناصيته وقدِّرها برُبُعِ الرأس ، ومالكٌ مسَحَ الكُلَّ أخذاً بالاحتياط { وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين } بالنْصب عطفاً على ( وجوهَكم ) ، ويؤيده السنةُ الشائعةُ وعَمَلُ الصحابةِ وقولُ أكثرِ الأئمةِ والتحديدُ ، إذِ المسْحُ لم يُعهَدْ محدوداً ، وقرىء بالجرِّ على الجِوار ، ونظيرُه في القرآن كثير ، كقوله تعالى :

(2/206)


{ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } ونظائرِه ، وللنحاة في ذلك بابٌ مفرَدٌ ، وفائدتُه التنبيهُ على أنه ينبغي أن يقتصِدَ في صبِّ الماء عليها ويغسِلَها غسلاً قريباً من المسح ، وفي الفصل بينه وبين أخواتِه إيماءٌ إلى أفضلية الترتيب ، وقرىء بالرفع أي وأرجلُكم مغسولةٌ { وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا } أي فاغتسِلوا وقرىء ( فاطْهُروا ) أي فطهِّروا أبدانَكم وفي تعليق الأمرِ بالطهارة الكبرى بالحدثِ الأكبر إشارةٌ إلى اشتراط الأمر بالطهارةِ الصغرى بالحدث الأصغر .
{ وَإِنْ كُنتُم مرضى } مرضاً يُخاف به الهلاكُ أو ازديادُه باستعمال الماء { أَوْ على سَفَرٍ } أي مستقرِّين عليه { أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط أَوْ لامستم النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ } مِنْ لابتداء الغاية ، وقيل : للتبعيض ، وهي متعلقةٌ بامسحوا ، وقرىء فأمُوُّا صعيداً وقد مر تفسيرُ الآية الكريمة مشبَعاً في سورة النساء فليرجَعْ إليه ، ولعل التكريرَ ليتّصِلَ الكلامُ في أنواع الطهارة { مَا يُرِيدُ الله } أي ما يريد بالأمرِ بالطهارة للصلاةِ أو بالأمرِ بالتيمم { لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } من ضيقٍ في الامتثال به .
{ ولكن يُرِيدُ } ما يريد بذلك { لّيُطَهّرَكُمْ } أي ليُنظِّفَكم أو ليطهِّرَكم عن الذنوب ، فإن الوضوءَ مكفِّرٌ لها ، أو ليطهرَكم بالتراب إذا أعْوَزَكم التطَهُّر بالماء ، فمفعولُ ( يريد ) في الموضعين محذوفٌ ، واللام للعلة ، وقيل : مزيدة ، والمعنى ما يريد الله أن يجعلَ عليكم من حرجٍ في باب الطهارة حتى لا يُرَخَّصَ لكم في التيمم ، ولكن يريد أن يطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهّرُ بالماء { وَلَّيْتُم } بشرعه ما هو مُطَهِّرَةٌ لأبدانكم ومُكفِّرةٌ لذنوبكم { نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } في الدين ، أو ليُتم برُخَصِه إنعامَه عليكم بعزائمِه { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته .
ومن لطائف الآية الكريمة أنها مشتملةٌ على سبعةِ أمور كلُّها مثنى ، طهارتانِ : أصلٌ وبدلٌ ، والأصلُ اثنان : مستوعَبٌ وغيرُ مستوعبٍ ، وغيرُ المستوعَبِ باعتبار الفعل غسلٌ ومسح ، وباعتبار المحلِّ محدودٌ وغيرُ محدود ، وأن آلتَهما مائعٌ وجامِد ، وموجِبُهما حدثٌ أصغرُ وأكبرُ ، وأن المبيحَ للعُدول إلى البدلِ مَرَضٌ وسفر ، وأن الموعودَ عليهما تطهيرُ الذنوب وإتمامُ النعمة .

(2/207)


وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)

{ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } بالإسلام لتُذكِّرَكم المنعِمَ وتُرغِّبَكم في شكره { وميثاقه الذى وَاثَقَكُم بِهِ } أي عهدَه المؤكَّدَ الذي أخذه عليكم وقوله تعالى : { إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ظرفٌ ل ( واثقكم به ) ، أو لمحذوفٍ وقع حالاً من الضمير المجرور في به ، أو مِنْ ميثاقه ، أي كائناً وقت قولِكم سمعنا وأطعنا ، وفائدةُ التقييدِ به تأكيدُ وجوب مراعاته بتذكر قبولهم والتزامهم بالمحافظة عليه وهو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسولُ الله عليه الصلاة والسلام على السمع والطاعة في حال العُسر واليُسر والمنشَطِ والمَكْره ، وقيل : هو الميثاقُ الواقعُ ليلةَ العقبة وفي بَيْعةِ الرضوان ، وإضافتُه إليه مع صدورِه عنه عليه الصلاة والسلام ، لكنّ المرجِعَ إليه كما نطق به قولُه تعالى : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } وقال مجاهد : هو الميثاقُ الذي أخذه الله تعالى على عباده حين أخرجهم من صُلْب آدمَ عليه السلام { واتقوا الله } أي في نِسيان نعمتِه ونقضِ ميثاقِه ، أو في كلِّ ما تأتون وما تذرون ، فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أي بخفيّاتِها الملابِسةِ لها ملابَسةً تامة مصحِّحة لإطلاق الصاحبِ عليها فيجازيكم عليها ، فما ظنُّكم بجَلِيَّاتِ الأعمال ، والجُملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ وتعليلٌ للأمر بالاتقاءِ ، وإظهارُ الاسمِ الجليل في موقعِ الإضمار لتربيةِ المهابة وتعليلِ الحُكْم وتقويةِ استقلال الجملة .

(2/208)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)

{ يَا أَيُّهَا الذين آمنُوا } شروعٌ في بيان الشرائع المتعلقةِ بما يجري بينهم وبين غيرِهم إثْرَ بيانِ ما يتعلق بأنفسهم { كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ } مقيمين لأوامره ممتثلين لها معظِّمين لها مراعين لحقوقها { شُهَدَاء بالقسط } أي بالعدل { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } أي لا يحمِلَنَّكم { شَنَانُ قَوْمٍ } أي شدةُ بغضِكم لهم { عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ } فلا تشهَدوا في حقوقهم بالعدل أو فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحِلُّ كَمُثلةٍ وقَذْفٍ وقتلِ نساءٍ وصِبْيةٍ ونقضِ عهدٍ تشفياً وغيرِ ذلك { اعدلوا هُوَ } أي العدلُ { أَقْرَبُ للتقوى } الذي أمرتم به ، صرح لهم بالأمر بالعدل وبيّن أنه بمكانٍ من التقوى بعد ما نهاهم عن الجَوْر ، وبيَّن أنه مقتضى الهوى ، وإذا كان وجوبُ العدل في حق الكفار بهذه المثابة فما ظنُّك بوجوبه في حق المسلمين { واتقوا الله } أمرَ بالتقوى إثْرَ ما بين أن العدلَ أقربُ له اعتناءً بشأنه وتنبيهاً على أنه مَلاكُ الأمر { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الأعمال فيجازيكم بذلك وتكريرُ هذا الحُكم إما لاختلاف السببِ ، كما قيل إن الأولَ نزل في المشركين وهذا في اليهود ، أو لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاءِ ثائرةِ الغيظ والجملة تعليلٌ لما قبلها وإظهارُ الجلالة لما مرَّ مرات .
وحيث كان مضمونُها منبئاً عن الوعد والوعيد عقَّب بالوعد لمن يُحافظ على طاعته تعالى وبالوعيد لمن يُخِلُّ بها فقيل : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } التي من جملتها العدل والتقوى . { لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } حُذفَ ثانِيَ مفعولي وَعَدَ استغناءً عنه بهذه الجملة ، فإنه استئنافٌ مبيِّنٌ له وقيل : الجملةُ في موقع المفعول ، فإن الوعدَ ضربٌ من القول ، فكأنه قيل : وعدَهم هذا القولَ { والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا } التي من جملتها ما تُلِيَ من النصوص الناطقة بالأمر بالعدل والتقوى { أولئك } الموصوفون بما ذُكر من الكفر وتكذيبِ الآيات { أصحاب الجحيم } ملابسوها ملابَسةً مؤبَّدة . من السُنة السنية القرآنية شفْعُ الوعدِ بالوعيد ، والجمعُ بين الترغيب والترهيب ، إيفاءً لحق الدعوة بالتبشير والإنذار .

(2/209)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)

{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } تذكيرٌ لنعمة الإنجاءِ من الشرِّ إثرَ تذكيرِ نعمةِ إيصالِ الخير الذي هو نعمةُ الإسلام وما يتبَعُها من الميثاق ، وعليكم متعلِّقٌ بنعمة الله ، أو بمحذوفٍ وقع حالاً منها وقوله تعالى : { إِذْ هَمَّ قَوْمٌ } على الأول ظرفٌ لنفس النعمة ، وعلى الثاني لِما تعلَّق به عليكم ، ولا سبيلَ إلى كونه ظرفاً لاذْكُروا لتنافي زمانَيْهما ، أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم ، أو اذكروا نعمته كائنةً عليكم في وقت همِّهم { أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } أي بأن يبطِشوا بكم بالقتل والإهلاك ، يقال : بسَطَ إليه يدَه ، وبسط إليه لسانَه إذا شتمه ، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان رجوعِ ضررِ البسطِ وغائلتِه إليهم ، حملاً لهم من أول الأمرِ على الاعتداد بنعمةِ دفعِه ، كما أن تقديم ( لكم ) في قوله عز وجل : { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض } للمبادرة إلى بيان كونِ المخلوق من منافعِهم تعجيلاً للمَسَرّة { فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } عطفٌ على هم ، وهو النعمة التي أُريد تذكيرُها ، وذكراً لهم للإيذان بوقوعها عند مزيد الحاجةِ إليها ، والفاءُ للتعقيب المفيدِ لتمام النعمة وكمالِها ، وإظهارُ ( أيديهم ) في موقع الإضمار لزيادة التقرير ، أي منَعَ أيديَهم أن تُمدَّ إليكم عقيب همِّهم بذلك ، لا أنه كفها عنكم بعد ما مدُّوها إليكم ، وفيه من الدلالة على كمالِ النعمة من حيثُ إنها لم تكن مشوبةً بضَرَر الخوف والانزعاجِ الذي قلما يعْرَى عنه الكفُّ بعد المد ما لا يخفى مكانُه ، وذلك ( ما رُوي أن المشركين لما رأوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه بعَسفانَ في غزوة ذي أنمار ، وهي غزوةُ ذاتِ الرَّقاع وهي السابعةُ من مغازيه عليه الصلاة والسلام ، قاموا إلى الظهر معاً فلما صلَّوْا ندِمَ المشركون ألا كانوا قد أكبُّوا عليهم ، فقالوا إن لهم بعدها صلاةً هي أحبُّ إليهم من آبائهم وأبنائِهم يعنون صلاةَ العصر ، وهمُّوا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها ، فرد الله تعالى كيدَهم بأن أنزلَ صلاةَ الخوف ) ، وقيل : ( هو ما رُوي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أتى بني قُرَيْظَةَ ومعه الشيخانِ وعليٌّ رضي الله تعالى عنهم ، يستقرِضُهم لدِيَةِ مسلمَيْن قتلهما عمْرُو بنُ أميةَ الضَّمُريُّ خطأً يحسَبُهما مشرِكَيْن ، فقالوا : نعم يا أبا القاسم ، اجلِسْ حتى نُطعِمَك ونعطِيك ما سألت ، فأجلسوه في صُفَّةٍ وهمّوا بالفتك به ، وعمَد عمرُو بنُ جِحاش إلى رَحا عظيمةٍ يطرَحُها عليه فأمسك الله تعالى يده ، ونزل جبريلُ عليه السلام فأخبره ، فخرج عليه الصلاة والسلام ) . وقيل : ( هو ما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام ، نزل منزِلاً وتفرّق أصحابُه في العِضاة يستظلون بها ، فعلّق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سيفَه بشجرة ، فجاء أعرابيٌّ فأخذه وسله فقال : مَنْ يمنعُك منيِّ ، فقال صلى الله عليه وسلم : «الله تعالى» فأسقطه جبريلُ عليه السلام من يده ، فأخذه الرسول عليه الصلاة والسلام فقال : «من يمنعك مني» فقال : لا أحدَ ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله ) { واتقوا } عطفٌ على ( اذكُروا ) أي اتقوه في رعاية حقوقِ نعمتِه ولا تُخِلُّوا بشكرِها أو في كلِّ ما تأتون وما تذرون ، فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً { وَعَلَى الله } أي عليه تعالى خاصةً دون غيرِه استقلالاً واشتركاً { فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } فإنه يكفيهم في إيصال كلِّ خيرٍ ودفع كل شر ، والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبله ، وإيثارُ صيغة أمْرِ الغائبِ وإسسنادُها إلى المؤمنين لإيجابِ التوكل على المخاطَبين بالطريق البرهاني ، وللإيذان بأن ما وُصفوا به عند الخطابِ من وصف الإيمان داعٍ إلى ما أُمروا به من التوكل والتقوى ، وازعٌ عن الإخلال بهما ، وإظهارُ الاسم الجليل في موقع الإضمار لتعليل الحُكْمِ وتقوية استقلالِ الجملة التذييلية .

(2/210)


وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)

{ وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل } كلامٌ مستأنفٌ مشتمِلٌ على ذكر بعضِ ما صدَر عن بني إسرائيلَ من الخِيانة ونقضِ الميثاق وما أدّى إليه ذلك من التّبِعاتِ ، مَسوقٌ لتقرير المؤمنين على ذكر نعمةِ الله تعالى ومراعاةِ حقِّ الميثاقِ الذي واثقهم به ، وتحذيرِهم من نقضِه ، أو لتقرير ما ذُكر من الهم بالبطش وتحقيقِه ، على تقدير كون ذلك من بني قريظة حسْبما مرّ من الرواية ببيان أن الغدرَ والخيانة عادةٌ لهم قديمةٌ توارثوها من أسلافهم ، وإظهار الاسمِ الجليل لتربية المهابةِ وتفخيمِ الميثاق وتهويلِ الخطبِ في نقضه ، مع ما فيه من رعاية حقِّ الاستئنافِ المستدعي للإنقطاع عما قبله ، والالتفاتُ في قوله تعالى : { وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً } للجري على سَننِ الكِبْرِياء ، أو لأن البعثَ كان بواسطةِ موسى عليه السلام كما سيأتي ، وتقديمُ الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مرّ مراراً من الاهتمامِ بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤخَّر ، والنقيبُ فعيل بمعنى فاعل مشتقٌ من النَّقْب ، وهو التفتيش ، ومنه قوله تعالى : { فَنَقَّبُواْ فِى البلاد } سُمِّيَ بذلك لتفتيشِه عن أحوال القومِ وأسرارِهم . قال الزجاجُ : وأصله من النقْب وهو الثقب الواسع . رُوي ( أن بني إسرائيلَ لما استقروا بمصْرَ بعد مَهْلِكِ فرعونَ أمرهم الله عز وجل بالمسير إلى أَرِيحاءِ أرضِ الشام ، وكان يسكُنها الجبابرةُ الكَنعانيون ، وقال لهم : إني كتبتُها لكم داراً وقراراً فاخرُجوا إليها وجاهِدوا من فيها وإني ناصِرُكم ، وأمر موسى عليه السلام أن يأخُذَ من كلِّ سِبطٍ نقيباً أميناً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أُمروا به توثِقَةً عليهم ، فاختارَ النقباءَ وأُخذ الميثاقُ على بني إسرائيلَ وتكفَّلَ إليهم النُقباء ، وسار بهم ، فلما دنا من أرض كنعانَ بعث النقباءُ يتجسّسون فرأَوْا أجراماً عظيمةً وقوةً وشَوْكة ، فهابوا ورَجَعوا وحدَّثوا قومَهم بما رأوا ، وقد نهاهم موسى عن ذلك ، فنكثوا الميثاقَ إلا كالبَ بنَ يوقنا نقيبَ سبطِ يَهوذا ، ويُوشَعَ بنَ نونٍ نقيبَ سِبطِ أفراييمَ بن يوسُفَ الصّديقِ عليه الصلاة والسلام ) ، قيل : لما توجه النقباءُ إلى أرضهم للتجسس لقِيَهم عوجُ بنُ عنق ، وكان طولُه ثلاثة آلاف سنة ، وكان على رأسه حُزمةُ حطب ، فأخذهم وجعلهم في الحُزمة وانطلق بهم إلى امرأته ، وقال : انظُري إلى هؤلاء الذين يزعُمون أنهم يريدون قتالنا ، فطرَحهم بين يدَيْها وقال : ألا أطحَنُهم برِجْلي ، فقالت : لا بل خلِّ عنهم حتى يُخبِروا قومَهم بما رأوا ، ففعل فجعلوا يتعرّفون أحوالَهم ، وكان لا يحمِلُ عنقودَ عِنبِهم إلا خمسةُ رجال ، أو أربعة ، فلما خرج النقباءُ قال بعضُهم لبعض : إن أخبرتم بني إسرائيلَ بخبر القومِ ارتدوا عن نبي الله ، ولكنِ اكتُموه إلا عن موسى وهارونَ عليهما السلام ، فيكونان هما يَريانِ رأيَهما ، فأخذ بعضُهم على بعضٍ الميثاقَ ثم انصرفوا إلى موسى عليه السلام وكان معهم حبةٌ من عنبِهم وِقْرَ رجل ، فنكثوا عهدَهم وجعل كلٌّ منهم ينهى سِبْطه عن قتالِهم ، ويُخبرهم بما رأى إلا كالبَ ويوشعَ ، وكان معسكرُ موسى فرسخاً في فرسخ فجاء عوج حتى نظر إليهم ثم رجع إلى الجبل ، فقور منه صخرة عظيمة على قدْرِ المعسكر ثم حملها على رأسه ليُطبِقَها عليهم فبعث الله تعالى الهُدُهُد فقوَّر من الصخرة وسَطَها المحاذِيَ لرأسه ، فانتقبت فوقعت في عُنُق عوج ، وطوقته فصرَعَتْه ، وأقبل موسى عليه السلام وطولُه عشرةُ أذرُعٍ ، وكذا طولُ العصا ، فترامى في السماء عشرةَ أذرع ، فما أصاب العصا إلا كعبَه وهو مصروعٌ فقتله ، قالوا : فأقبلت جماعةٌ ومعهم الخناجرُ حتى حزّوا رأسَه .

(2/211)


{ وَقَالَ الله } أي لبني إسرائيل فقط إذ هم المحتاجون إلى ما ذُكر من الترغيب والترهيب كما يُنْبىءُ عنه الالتفاتُ مع ما فيه من تربية المهابة وتأكيدِ ما يتضمنه الكلام من الوعد { إِنّى مَعَكُمْ } أي بالعلم والقدرة والنُّصرة ، لا بالنصرة فقط ، فإن تنبيهَهم على علمِه تعالى بكل ما يأتون وما يذرون وعلى كونهم تحت قُدرته وملكوتِه مما يحمِلُهم على الجد في الامتثال بما أمروا به والانتهاء عما نُهوا عنه ، كأنه قيل : إني معكم أسمع كلامَكم وأرى أعمالَكم وأعلم ضمائِرَكم ، فأجازيكم بذلك ، هذا وقد قيل : المرادُ بالميثاق هو الميثاقُ بالإيمان والتوحيد ، وبالنقباءِ ملوكُ بني إسرائيلَ الذين ينقُبون أحوالَهم ، ويَلُون أمورَهم بالأمر والنهي ، وإقامةِ العدل ، وهو الأنسب بقوله تعالى : { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكواة وَآمَنتُم بِرُسُلِي } أي بجميعِهم واللامُ موطِّئةٌ للقسم المحذوفِ وتأخيرُ الإيمان عن إقامة الصلاة وإيتاءِ الزكاة مع كونهم من الفروع المترتبةِ عليه لِما أنهم كانوا معترفين بوجوبِهما مع ارتكابِهم لتكذيبِ بعضِ الرسل عليهم السلام ، ولمراعاة المقارَنةِ بينه وبين قوله تعالى : { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } أي نصرتموهم وقوَّيتموهم ، وأصله الذّبُّ وقيل : التعظيمُ والتوقيرُ والثناءُ بخير . وقرىء ( وعزَزْتُموهم ) بالتخفيف { وَأَقْرَضْتُمُ الله } بالإنفاق في سبيل الخير ، أو بالتصدق بالصدقات المندوبة ، وقوله تعالى : { قَرْضًا حَسَنًا } إما مصدرٌ مؤكّدٌ وارد على غير صيغة المصدر ، كما في قوله تعالى : { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } أو مفعولٌ ثانٍ لأقرضتم على أنه اسم للمال المُقْرَض ، وقوله تعالى : { لاكَفّرَنَّ عَنْكُمْ } جوابٌ للقسم المدلولِ عليه باللام سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط { سيئاتكم وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } عطفٌ على ما قبله داخل معه في حُكم الجواب ، متأخرٌ عنه في الحصول أيضاً ، ضرورةَ تقدُّمِ التخلية على التحلية . { فَمَن كَفَرَ } أي برسلي أو بشيءٍ مما عُدِّد في حيِّز الشرط ، والفاءُ لترتيب بيانِ حُكمِ من كفَر على بيان حُكمِ من آمن ، تقويةً للترغيب بالترهيب { بَعْدَ ذَلِكَ } الشرطِ المؤكّدِ المُعلَّقِ به الوعدُ العظيمُ الموجِبُ للإيمان قطعاً { مّنكُمْ } متعلِّقٌ بمُضْمَرٍ وقعَ حالاً من فاعل كفَرَ ، ولعل تغييرَ السبْكِ حيث لم يقل وإن كفرتم عطفاً على الشرطية السابقة لإخراج كفرِ الكلِّ عن حيِّز الاحتمال ، وإسقاطِ من كفَرَ عن رُتبة الخطاب ، وليس المرادُ إحداثَ الكفر بعد الإيمان ، بل ما يعمُّ الاستمرارَ عليه أيضاً ، كأنه قيل : فمن اتّصفَ بالكفر بعد ذلك ، خلا أنه قصَدَ بإيراد ما يدلّ على الحدوث بيانَ ترقِّيهم في مراتب الكفر ، فإن الاتصافَ بشيءٍ بعد ورودِ ما يوجبُ الإقلاعَ عنه ، وإن كان استمراراً عليه لكنه بحسَب العنوان فعلٌ جديدٌ وصنعٌ حادث { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } أي وسَطَ الطريق الواضحَ ضلالاً بيناً ، وأخطأه خطأً فاحشاً ، لا عذرَ معه أصلاً ، بخلافِ من كفر قبل ذلك ، إذْ ربما يمكنُ أن يكون له شُبْهةٌ ، ويُتَوهَّمُ له معذرةً .

(2/212)


فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)

{ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } الباء سببية ، و ( ما ) مزيدةٌ لتأكيد الكلام وتمكينِه في النفس ، أي بسبب نقضِهم ميثاقَهم المؤكَّدَ لا بشيءٍ آخرَ استقلالاً أو انضماماً { لعناهم } طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا ، أو مسخناهم قِرَدَةً وخنازيرَ ، أو أذللناهم بضرب الجزيةِ عليهم . وتخصيصُ البيان بما ذُكر مع أن حقَّه أن يبيَّنَ بعد بيانِ تحققِ نفسِ اللعنِ والنقضِ ، بأن يقال مثلاً : فنقَضوا ميثاقَهم فلعنّاهم ضرورةَ تقدّمِ هيئةِ الشيءِ البسيطةِ على هيئتِه المُركّبة للإيذانِ بأن تحققَهما أمرٌ جليٌّ غنيٌّ عن البيان ، وإنما المحتاجُ إلى ذلك ما بينهما من السببية والمُسبَّبية { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } بحيث لا تتأثرُ من الآيات والنذُر ، وقيل : أملينا لهم ولم نعاجِلْهم بالعقوبة حتى قَسَتْ ، أو خذلناهم ومنعناهم الألطافَ حتى صارت كذلك وقرىء ( قَسِيّة ) ، وهي إما مبالغةُ قاسية ، وإما بمعنى رديئة ، من قولهم : دِرْهمٌ قِسيٌّ ، أي رديء ، إذا كان مغشوشاً له يَبْسٌ وخشونة ، وقرىء بكسر القاف إتباعاً لها بالسين { يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } استئنافٌ لبيان مرتبةِ قساوةِ قلوبهم فإنه لا مرتبةَ أعظمُ مما يصحح الاجتراءَ على تغيير كلامِ الله عز وجل والافتراءَ عليه ، وصيغةُ المضارع للدلالة على التجدُّد والاستمرار ، وقيل : حالٌ من مفعول لعناهم { وَنَسُواْ حَظَّا } أي تركوا نصيباً وافراً { مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } من التوراة ومن اتّباع محمدٍ عليه الصلاة والسلام ، وقيل : حرفوا التوراةَ وزلَّتْ أشياءُ منها عن حفظهم ، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : ( قد ينسى المرءُ بعضَ العلم بالمعصية ) وتلا هذه الآية { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ } أي خيانةٍ على أنها مصدرٌ كلاغيةٍ وكاذبةٍ أو فَعْلةٍ خائنة ، أي ذاتِ خيانة ، أو طائفةٍ خائنة ، أو شخصٍ خائنةٍ ، على أن التاء للمبالغة ، أو نفسٍ خائنةٍ ، و ( منهم ) متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لها ، خلا أن ( مِنْ ) على الوجهين الأولين ابتدائيةٌ ، أي على خيانةٍ أو على فعلةٍ خائنةٍ كائنةٍ منهم صادرةٍ عنهم ، وعلى الوجوه الباقيةِ تبعيضية ، والمعنى أن الغدرَ والخيانة عادةٌ مستمرة لهم ولأسلافهم بحيث لا يكادون يترُكونها ويكتُمونها فلا تزال ترى ذلك منهم .
{ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } استثناء من الضمير المجرور في ( منهم ) على الوجوه كلِّها ، وقيل : مِنْ خائنة على الوجوه الثلاثةِ الأخيرة ، والمرادُ بهم الذين آمنوا منهم كعبد اللَّه بنِ سَلام وأضرابِه ، وقيل : من خائنة على الوجه الثاني ، فالمرادُ بالقليل الفعلُ القليل ، ومِنْ ابتدائيةٌ كما مر ، أي إلا فعلاً قليلاً كائناً منهم { فاعف عَنْهُمْ واصفح } أي إن تابوا وآمنوا أو عاهدُوا والتزموا الجزية ، وقيل : مطلقٌ نُسخ بآيةِ السيف { إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } تعليلٌ للأمر وحثٌّ على الامتثال به ، وتنبيهٌ على أن العفوَ على الإطلاقِ من باب الإحسان .
{ وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا ميثاقهم } بيانٌ لقبائح النصارى وجناياتهم إثرَ بيان قبائحِ اليهود وخياناتِهم ، و ( مِن ) متعلقة ( بأخذنا ) ، إذِ التقديرُ وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم ، وتقديمُ الجار والمجرور للاهتمام به ، ولأن ذكرَ حال إحدى الطائفتين مما يوقعُ في ذهن السامع أن حالَ الأخرى ماذا؟ فكأنه قيل : ومن الطائفة الأخرى أيضاً أخذنا ميثاقهم ، وقيل : هي متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع خبراً لمبتدأ محذوفٍ قامت صفتُه أو صلتُه مَقامه ، أي ومنهم قومٌ أخذنا ميثاقهم ، أو مَنْ أخذنا ميثاقهم ، وضميرُ ( ميثاقَهم ) راجعٌ إلى الموصوف المقدر ، وأما في الوجه الأولِ فراجعٌ إلى الموصول ، وقيل : راجع إلى بني إسرائيل ، أي أخذنا من هؤلاء ميثاق أولئك ، أي مثل ميثاقهم من الإيمان بالله والرسل ، وبما يتفرع على ذلك من أفعال الخير ، وإنما نَسَب تسميتَهم نصارى إلى أنفسهم دون أن يُقال ومن النصارى إيذاناً بأنهم في قولهم نحن أنصارُ الله بمعزلٍ من الصدق ، وإنما هو تقوّلٌ محْضٌ منهم ، وليسوا من نُصْرة الله تعالى في شيء ، أو إظهاراً لكمال سوء صنيعهم ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم ، فإن ادعاءهم لنُصْرته تعالى يستدعي ثباتَهم على طاعته تعالى ومراعاة ميثاقه { فَنَسُواْ } عَقيبَ أخذِ الميثاق من غير تلعثم { حَظّاً } وافراً { مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } في تضاعيف الميثاق من الإيمان بالله تعالى وغير ذلك حسبما مرَّ آنفاً ، وقيل : هو ما كُتب عليهم في الإنجيل من أن يُؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام فتركوه ونبذوه وراء ظهورهم ، واتبعوا أهواءهم فاختلفوا وتفرقوا نِسطوريةً ويعقوبيةً وملكانية أنصاراً للشيطان ، { فَأَغْرَيْنَا } أي ألزمنا وألصَقنا ، من غرِيَ بالشيء إذا لزمه ولصِق به ، وأغراه غيرُه ، ومنه الغِراء ، وقوله تعالى : { بَيْنَهُمْ } إما ظرف لأغرينا أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من مفعوله ، أي أغرينا { العداوة والبغضاء } كائنة بينهم ، ولا سبيل إلى جعله ظرفاً لهما ، لأن المصدر لا يعمل فيما قبله ، وقوله تعالى : { إلى يَوْمِ القيامة } إما غاية للإغراء أو للعداوة والبغضاء ، أي يتعادَوْن ويتباغضون إلى يوم القيامة حسبما تقتضيه أهواؤهم المختلفة وآراؤُهم الزائغة المؤدية إلى التفرق إلى الفرق الثلاثة ، فضمير ( بينهم ) لهم خاصة ، وقيل : لهم ولليهود ، أي أغرينا العداوة والبغضاء بين اليهود والنصارى { وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } وعيد شديد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعّده : سأخبرك بما فَعَلت ، أي يجازيهم بما عملوه على الاستمرار من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذُكِّروا به ، و ( سوف ) لتأكيد الوعيد ، والالتفاتُ إلى ذكر الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة لتشديد الوعيد ، والتعبيرُ عن العمل بالصنع للإيذان برسوخهم في ذلك ، وعن المجازاة بالتنبئة للتنبيه على أنهم لا يعلمون حقيقةَ ما يعملونه من الأعمال السيئة واستتباعِها للعذاب ، فيكونُ ترتيبُ العذاب عليها في إفادة العلم بحقيقة حالها بمنزلة الإخبار بها .

(2/213)


يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15)

{ يَا أَهْلِ الكتاب } التفاتٌ إلى خطاب الفريقين على أن الكتاب جنسٌ شاملٌ للتوراة والإنجيل إثرَ بيانِ أحوالهما من الخيانة وغيرها من فنون القبائح ودعوةٌ لهم إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وإيرادُهم بعنوان أهلية الكتاب لانطواء الكلامِ المصدَّر به على ما يتعلق بالكتاب وللمبالغة في التشنيع ، فإن أهلية الكتاب من موجباتِ مراعاته والعمل بمقتضاه وبيان ما فيه من الأحكام ، وقد فعلوا من الكَتم والتحريف ما فعلوا وهم يعلمون { قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا } الإضافة للتشريف ، والإيذانِ بوجوب اتباعه وقوله تعالى : { يُبَيّنُ لَكُمْ } حال من رسولنا ، وإيثارُ الجملة الفعلية على غيرها للدَلالة على تجدّد البيان ، أي قد جاءكم رسولُنا حال كونه مبيناً لكم على التدريج حسبما تقتضيه المصلحة { كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب } أي التوراةِ والإنجيل كبِعثةِ محمد عليه الصلاة والسلام ، وآيةِ الرجم في التوراة وبشارةِ عيسى بأحمدَ عليهما السلام في الإنجيل ، وتأخيرُ ( كثيراً ) عن الجار والمجرور لما مر مراراً من إظهار العناية بالمُقدَّم ، لما فيه من تعجيل المَسَرَّة والتشويق إلى المؤخر لأن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخّر لا سيما مع الإشعار بكونه من منافع المخاطَب تبقَى النفسُ مترقبة إلى وروده ، فيتمكن عندها إذا ورد فضلُ تمكنٍ ، ولأن في المؤخَّر ضربَ تفصيل رمبا يُخِلُّ تقديمُه بتجاذب أطرافِ النظم الكريم ، فإن ( مما ) متعلقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لكثيراً ، و ( ما ) موصولة اسمية وما بعدها صلتُها ، والعائدُ إليها محذوف ، و ( من الكتاب ) متعلق بمحذوف هو حال من العائد المحذوف ، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم على الكتم والإخفاء ، أي يبين لكم كثيراً من الذي تخفونه على الاستمرار حال كونه من الكتاب الذي أنتم أهله والمتمسكون به { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } أي ولا يُظهر كثيراً مما تخفونه ، إذا لم تدعُ إليه داعيةٌ دينية صيانةً لكم عن زيادة الافتضاح كما يُفصحُ عنه التعبير عن عدم الإظهار بالعفو ، وفيه حثّ لهم على عدم الإخفاء ترغيباً وترهيباً ، والجملة معطوفة على الجملة الحالية داخلةٌ في حكمها ، وقيل : يعفو عن كثيرٍ منكم ولا يؤاخذه ، وقوله تعالى : { قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ } جملة مستأنفةٌ مسوقةٌ لبيان أن فائدةَ مجيءِ الرسول ليست منحصرةً فيما ذُكر من بيانِ ما كانوا يُخفونه ، بل له منافعُ لا تحصى ، و ( من الله ) متعلقٌ بجاء ، و ( من ) لابتداء الغاية مجازاً ، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من نور ، وأياً ما كان فهو تصريحٌ بما يشعر به إضافةُ الرسول من مجيئه من جنابه عز وجل ، وتقديمُ الجار والمجرور على الفاعل للمسارعة إلى بيان كون المجيء من جهته العالية ، والتشويق إلى الجائي ، ولأن فيه نوعَ تطويلٍ يُخلُّ تقديمُه بتجاوب أطراف النظم الكريم ، كما في قوله تعالى : { وَجَاءكَ فِى هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } وتنوين ( نور ) للتفخيم ، والمراد به وبقوله تعالى : { وكتاب مُّبِينٌ } القرآن ، لما فيه من كشف ظلمات الشرْك والشك وإبانة ما خفِيَ على الناس من الحق والإعجاز البيِّن ، والعطف لتنزيل المغايَرَة بالعنوان منزلة المُغايرة بالذات ، وقيل : المرادُ بالأول هو الرسول عليه الصلاة والسلام وبالثاني القرآن .

(2/214)


يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)

{ يَهْدِى بِهِ الله } توحيد الضمير المجرور لاتحاد المرجِع بالذات أو لكونهما في حكم الواحد أو أريد يهدي بما ذُكر ، وتقديم الجار والمجرور للاهتمام ، وإظهارُ الجلالة لإظهار كمال الاعتناء بأمر الهداية ، ومحل الجملة الرفع على أنها صفة ثانية لكتاب ، أو النصبُ على الحالية منه لتخصصه بالصفة { مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ } أي رضاه بالإيمان به ، و ( مَنْ ) موصولةٌ أو موصوفة { سُبُلَ السلام } أي طرق السلامة من العذاب والنجاة من العقاب ، أو سبل الله تعالى وهي شريعتُه التي شرعها للناس ، قيل : هو مفعول ثان ( ليهدي ) ، والحقُّ أن انتصابه بنزع الخافض على طريقة قوله تعالى : { واختار موسى قَوْمَهُ } وإنما يُعدَّى إلى الثاني بإلى أو باللام كما في قوله تعالى : { إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } { وَيُخْرِجُهُمْ } الضمير لمن ، والجمع باعتبار المعنى كما أن الإفراد في ( اتبع ) باعتبار اللفظ { مِنَ الظلمات } أي ظلمات فنون الكفر والضلال { إِلَى النور } إلى الإيمان { بِإِذْنِهِ } بتيسيره أو بإرادته { وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } هو أقرب الطرق إلى الله تعالى ، ومؤدَ إليه لا محالة ، وهذه الهداية عينُ الهداية إلى سبل السلام ، وإنما عُطفت عليها تنزيلاً للتغاير الوَصْفيِّ منزلة التغايُر الذاتي كما في قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ }

(2/215)