صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
« والذي نفسي بيده لَزَوالُ الدُّنيا عند الله أهونُ من قتلِ مؤمن » وقوله عليه الصلاة والسلام : « لو أن رجلاً قُتل بالمشرق وآخَرُ رضِي بالمغرب لأَشرَك في دمه » وقوله عليه الصلاة والسلام : من أعان على قتل مؤمنٍ ولو بشَطْر كلمةٍ جاء يوم القيامةِ مكتوبٌ بين عينيه آيسٌ من رحمة الله تعالى وبنحو ذلك من القوارع تمسكت الخوارجُ والمعتزلةُ بها في خلود مَنْ قتل المؤمنَ عمداً في النار ولا مُتمَسَّك لهم فيها إلا لِما قيل من أنها في حق المستحِلِّ كما هو رأيُ عِكرِمةَ وأضرابِه بدليل أنها نزلت في مقيسِ بنِ ضبابةَ الكِناني المرتدِّ حسبما مرت حكايتُه فإن العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوص السببِ بل لأن المرادَ بالخلود هو المكثُ الطويلُ لا الدوامُ لتظاهر النصوصِ الناطقةِ بأن عصاةَ المؤمنين لا يدوم عذابُهم ، وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أنه لا توبةَ لقاتل المؤمنِ عمداً ) وكذا ما روي عن سفيانَ أن أهلَ العلم كانوا إذا سُئلوا قالوا : لا توبةَ له محمول على الاقتداء بسنة الله تعالى في التشديد والتغليظِ وعليه يُحمل ما روي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : « أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمنِ توبة » كيف لا وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً سأله : ألِقاتلِ المؤمنِ توبةٌ؟ قال : لا ، وسأله آخَرُ؟ ألقاتل المؤمن توبةٌ؟ فقال : نعم ، فقيل له : قلت لذلك كذا ولهذا كذا ، قال : كان الأولُ لم يقتُلْ بعد فقلت ما قلت كيلا يقتُلَ وكان هذا قد قتل فقلت له ما قلت لئلا ييأسَ ، وقد روي عنه جوازُ المغفرةِ بلا توبة أيضاً حيث قال في قوله تعالى : { فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } الآيةُ ، هي جزاؤُه فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، ورُوي مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « هو جزاؤُه إن جازاه » وبه قال عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ وبكرُ بنُ عبدِ اللَّه المزني وأبو صالح قالوا : قد يقول الإنسانُ لمن يزجُره عن أمر إن فعلتَه فجزاؤُك القتلُ والضربُ ثم إن لم يجازِه بذلك لم يكن ذلك منه كذباً ، قال الواحدي : والأصلُ في ذلك أن الله عز وجل يجوزُ أن يُخلِفَ الوعيدَ وإن امتنع أن يُخلِف الوعد . بهذا وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أنسٍ رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال : « من وعده الله تعالى على عمله ثواباً فهو مُنجِزُه له ، ومن أوعده على عمله عِقاباً فهو بالخيار » والتحقيقُ أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل المذكورِ لأنه إخبارٌ منه تعالى بأن جزاءَه ذلك لا بأنه يجزيه بذلك . كيف لا وقد قال الله تعالى : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } ولو كان هذا إخباراً بأنه تعالى يجزي كلَّ سيئةٍ بمثلها لعارضه قوله تعالى : { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } . (2/136)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)
{ يأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } إثرَ ما بيّن حكمَ القتلِ بقسميه وأن ما يُتصوّر صدورُه عن المؤمن إنما هو القتلُ خطأً شرَعَ في التحذير عما يؤدي إليه من قلة المبالاةِ في الأمور { إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله } أي سافرتم في الغزو ، ولِمَا في إذا من معنى الشرطِ صُدِّر قولُه تعالى : { فَتَبَيَّنُواْ } بالفاء ، فاطلُبوا بيانَ الأمرِ في كل ما تأتوُن وما تذرون ولا تعجَلوا فيه بغير تدبرٍ ورويّة ، وقرىء فتثبّتوا أي اطلُبوا إثباته وقوله تعالى : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام } نهيٌ عما هو نتيجةٌ لترك المأمورِ به وتعيينٌ لمادّة مُهمّةٍ من الموادّ التي يجب فيها التبيينُ ، وقرىء السِّلْمَ بغير ألف وبكسر السين وسكون اللام أي لا تقولوا بغير تدبرٍ لمن حياكم بتحية الإسلامِ أو لمن ألقى إليكم مقاليدَ الاستسلام والانقيادِ { لَسْتَ مُؤْمِناً } وإنما أظهرتَ ما أظهرتَ متعوِّذاً بلِ اقبَلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه ، وقرىء مُؤمَناً بالفتح أي مبذولاً لك الأمانُ ، وهذا أنسبُ بالقراءتين الأخيرتين ، والاقتصارُ على ذكر تحيةِ الإسلامِ في القراءة الأولى مع كونها مقرونةً بكلمتي الشهادةِ كما سيأتي في سبب النزول للمبالغة في النهي والزجرِ والتنبيهِ على كمال ظهورِ خطئِهم ببيان أن تحية الإسلامِ كانت كافيةً في المُكافّة والانزجارِ عن التعرض لصاحبها فكيف وهي مقرونةٌ بهما ، وقوله تعالى : { تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا } حال من فاعل لا تقولوا منبىءٌ عما يحمِلُهم على العَجَلة وتركِ التأنّي لكن لا على أن يكون النهيُ راجعاً إلى القيد فقط كما في قولك : لا تطلُبَ العلمَ تبتغي به الجاهَ ، بل إليهما جميعاً أي لا تقولوا له ذلك حالَ كونِكم طالبين لمالِه الذي هو حُطامٌ سريعُ النفادِ ، وقولُه تعالى : { فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } تعليلٌ للنهي عن ابتغاء مالِه بما فيه من الوعد الضِّمني كأنه قيل : لا تبتغوا مالَه فعند الله مغانمُ كثيرةٌ يُغنِمُكموها فيغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتموه ، وقولُه تعالى : { كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ } تعليلٌ للنهي عن القول المذكورِ ، ولعل تأخيرَه لما فيه من نوع تفصيل ربما يُخِلُّ تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم ، مع ما فيه من مراعاة المقارنةِ بين التعليلِ السابقِ وبين ما عُلِّل به كما في قوله تعالى : { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ } الخ ، وتقديمُ خبرِ كان للقصر المقيّدِ لتأكيد المشابهةِ بين طرفي التشبيهِ ، وذلك إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلةِ والفاء في فمن للعطف على كنتم أي مثلَ ذلك الذي ألقى إليكم السلامَ كنتم أيضاً في بدء إسلامِكم لا يظهرُ منكم للناس غيرُ ما ظهر منه لكم من تحية الإسلامِ ونحوِها فمنّ الله عليكم بأن قبل منكم تلك المرتبةَ وعصَم بها دماءَكم وأموالَكم ولم يأمُرْ بالتفحُّص عن سرائركم ، والفاءُ في قوله تعالى : { فَتَبَيَّنُواْ } فصيحةٌ أي إذا كان الأمرُ كذلك فاطلُبوا بيانَ هذا الأمرِ البيِّنِ وقيسوا حالَه بحالكم وافعلوا به ما فُعل بكم في أوائلِ أمورِكم من قَبول ظاهرِ الحالِ من غير وقوفٍ على تواطُؤِ الظاهِرِ والباطنِ ، هذا هو الذي تقتضيه جزالةُ التنزيلِ وتستدعيه فخامةُ شأنِه الجليلِ ، و { مِنْ } حسِبَ أن المعنى أولُ ما دخلتم في الإسلام سُمعت من أفواهكم كلمةُ الشهادةِ فحصَّنَتْ دماءَكم وأموالَكم من غير انتظارِ الاطلاعِ على مواطأة قلوبِكم لألسنتكم فمنّ الله عليكم بالاستقامة والاشتهارِ بالإيمان والتقدّمِ فيه ، وأنْ صِرْتم أعلاماً فيه ، فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فُعل بكم وأن تعتبروا ظاهِرَ الإسلامِ في الكف ولا تقولوا الخ فقد أبعدَ عن الحق ، لأن المرادَ كما عرفتَ بيانُ أن تحصينَ الدماءِ والأموالِ حُكمٌ مترتِّبٌ على ما فيه المماثلةُ بينه وبينهم من مجرد التفوُّه بكلمة اشهادةِ وإظهارِ أن ترتُّبَه عليه في حقهم يقتضي ترتبه عليه في حقه أيضاً إلزاماً لهم وإظهاراً لخطئهم ، ولا يخفى أن ذلك إنما يتأتى بتفسيرٍ منه تعالى عليهم المترتب على كونهم مثلَه بتحصين دمائِهم وأموالِهم حسبما ذكر حتى يظهرَ عندهم وجوبُ تحصينِ دمِه ومالِه أيضاً بحكم المشاركةِ فيما يوجبه ، وحيث لم يفعل ذلك بل فسّره به لم يبقَ في النظم الكريمِ ما يدل على ترتب تحصينِ دمائِهم وأموالِهم على ما ذكر فمِنْ أين له أن يقول : فحصَّنَتْ دماءَكم وأموالَكم حتى يتأتى البيانُ وارتكابُ تقديرِه بناءً على اقتضاء ما ذُكر في تفسير المنِّ إياه بناءً على أساس واهٍ؟ كيف لا وإنما ذِكرُه بصدد التفسيرِ وإن كان أمراً متفرعاً على ما فيه المماثلةُ مبنياً عليه في حقهم لكنه ليس بحكم أريد إثباتُه في حقه بناءً على ثبوته في حقهم كالتحصين المذكورِ حتى يستحقَّ أن يُتعرَّض له ولا بأمر له دخلٌ في وجوب اعتبارِ ظاهرِ الإسلامِ من الداخلين فيه حتى يصِحَّ نظمُه في سلك ما فُرِّع عليه قولُه : فعليكم أن تفعلوا الخ . (2/137)
وحملُ الكلامِ على معنى أنكم في أول الأمرِ كنتم مثلَه في قصور الرتبة في الإسلام فمنّ الله عليكم وبلغتم هذه الرتبةَ العاليةَ منه فلا تستقصروا حالتَه نظراً إلى حالتكم هذه بل اعتدّوا بها نظراً إلى حالتكم السابقةِ يردُّه أن قتلَه لم يكن لاستقصار إسلامِه بل لتوهم عدمِ مطابقةِ قلبِه للسانه فإن الآيةَ الكريمةَ نزلت في شأن مِرْداسِ بنِ نهيكٍ من أهل فدَكٍ وكان قد أسلم ولم يُسلمْ من قومه غيرُه فغزتْهم سريةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم غالبُ بنُ فَضالةَ الليثي فهربوا وبقيَ مرداسٌ لثقته بإسلامه فلما رأى الخيلَ ألجأ غنمَه إلى عاقول من الجبل وصعِد فلما تلاحقوا وكبّروا كبّر وقال : لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله السلامُ عليكم فقتله أسامةُ بنُ زيدٍ واستاق غنمَه فأخبروا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فوجَد وجْداً شديداً وقال : (2/138)
" قتلتموه إرادةَ ما معه " فقال أسامةُ : إنه قال بلسانه دون قلبِه وفي رواية إنما قالها خوفاً من السلاح ، فقال عليه الصلاة والسلام : " هلا شقَقْتَ عن قلبه " وفي رواية " أفلا شقَقْتَ عن قلبه " ثم قرأ الآيةَ على أسامةَ فقال : يا رسولَ الله استغفِرْ لي ، فقال : " كيف بلا إله إلا الله " قال أسامة : فما زال عليه الصلاة والسلام يعيدُها حتى ودِدتُ أن لم أكن أسلمتُ إلا يومئذ ، ثم استغفرَ لي وقال : " أعتِقْ رقبة " وقيل : نزلت في رجل قال : يا رسول الله كنا نطلُب القومَ وقد هزمهم الله تعالى فقصَدْتُ رجلاً فلما أحسَّ بالسيف قال : إني مسلمٌ فقتلتُه ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أقتلتَ مسلماً؟ قال : إنه كان متعوّذاً ، فقال عليه الصلاة والسلام : " أفلا شقَقْتَ عن قلبه " { إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الأعمال الظاهرةِ والخفيةِ وبكيفياتها { خَبِيراً } فيجازيكم بحسبها إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرٌّ فلا تتهاونوا في القتل واحتاطوا فيه ، والجملةُ تعليلٌ لما قبلها بطريق الاستئنافِ وقرىء بفتح إن على أنها معمولُه لِتَبَيَّنوا أو على حذف لامِ التعليل . (2/139)
لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95)
{ لاَّ يَسْتَوِى القاعدون } بيانٌ لتفاوت طبقاتِ المؤمنين بحسب تفاوتِ درجاتِ مساعيهم في الجهاد بعد ما مر من الأمر به وتحريضِ المؤمنين عليه ليأنَفَ القاعدُ عنه ويترفَّعَ بنفسه عن انحطاط رتبتِه فيهتزّ له رغبةً في ارتفاع طبقتِه ، والمرادُ بهم الذين أُذِن لهم في القعود عن الجهاد اكتفاءً بغيرهم . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هم القاعدون عن بدْر والخارجون إليها ، وهو الظاهرُ الموافقُ لتاريخ النزولِ لا ما روي عن مقاتل من أنهم الخارجون إلى تبوك ، فإنه مما لا يوافقه التاريخُ ولا يساعده الحالُ إذا لم يكن للمتخلّفين يومئذ هذه الرخصةُ . (2/140)
وقولُه تعالى : { مِنَ المؤمنين } متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من القاعدين أي كائنين من المؤمنين وفائدتُها الإيذانُ من أول الأمرِ بعدم إخلالِ وصفِ القعودِ بإيمانهم ، والإشعارُ بعلة استحقاقِهم لما سيأتي من الحُسنى { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } صفةٌ للقاعدين لجرَيانه مجرى النكرةِ حيث لم يُقصَدْ به قومٌ بأعيانهم ، أو بدلٌ منه ، وقرىء بالنصب على أنه حالٌ منه أو استثناء ، وبالجر على أنه صفةٌ للمؤمنين أو بدلٌ منه والضررُ المرضُ أو العاهةُ من عمىً أو عرَجٍ أو زَمانةٍ أو نحوها ، وفي معناه العجزُ عن الأُهبة . عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أنه قال : كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشِيَتْه السكينةُ فوقعت فخِذُه على فخذي حتى خشِيتُ أن ترُضَّها ثم سُرِّيَ عنه فقال : «اكتبْ» فكتبتُ { لاَّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين والمجاهدون } فقال ابنُ أمِّ مكتومٍ وكان أعمى : يا رسول الله وكيف بمن لا يستطيع الجهادَ من المؤمنين فغشيتْه السكينةُ كذلك ثم سُرِّي عنه فقال : «اكتب» { لاَّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِى الضرر } { والمجاهدون } إيرادُهم بهذا العنوانِ دون الخروجِ المقابلِ لوصف المعطوفِ عليه كما وقع في عبارة ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما وكذا تقييدُ المجاهدةِ بكونها { فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ } لمدحهم بذلك والإشعارِ بعلة استحقاقِهم لعلو المرتبةِ مع ما فيه من حسن موقعِ السبيلِ في مقابلة القعودِ وتقديمِ القاعدين في الذكر ، والإيذانِ من أول الأمرِ بأن القصورَ الذي يُنبىء عنه عدمُ الاستواءِ من جهتهم لا من جهة مقابليهم ، فإن مفهومَ عدمِ الاستواءِ بين الشيئين المتفاوتين زيادةً ونُقصاناً وإن جاز اعتبارُه بحسب زيادةِ الزائدِ لكن المتبادِرَ اعتبارُه بحسب قصورِ القاصر ، وعليه قولُه تعالى : { هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمات والنور } إلى غير ذلك وأما قولُه تعالى : { هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } فلعل تقديمَ الفاضلِ فيه لأن صلتَه ملكةٌ لصلة المفضولِ ، وقولُه عز وجل : { فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً } استئنافٌ مَسوقٌ لتفصيل ما بين الفريقين من التفاضل المفهومِ من ذكر عدمِ استوائِهما إجمالاً ببيان كيفيتِه وكمِّيتِه مبنيٌّ على سؤال ينساق إليه المقالُ كأنه قيل : كيف وقع ذلك؟ فقيل : فضّل الله الخ ، وأما تقديرُ ما لهم لا يستوون فإنما يليق بجعل الاستئنافِ تعليلاً لعدم الاستواءِ مَسوقاً لإثباته ، وفيه عكسٌ ظاهرٌ فإن الذي يحِقُّ أن يكونَ مقصوداً بالذات إنما هو بيانُ تفاضُلِ الفريقين على درجات متفاوتة ، وأما عدمُ استوائِهما فقُصارى أمرِه أن يكون توطئةً لذكره ، ولامُ المجاهدين والقاعدين للعهد ، فقيدُ كونِ الجهادِ في سبيل الله معتبرٌ في الأول كما أن قيدَ عدمِ الضررِ معتبرٌ في الثاني ، و { دَرَجَةً } نُصب على المصدرية لوقوعها موقعَ المرَّةِ من التفضيل أي فضل الله تفضيلةً أو على نزع الخافضِ أي بدرجة ، وقيل : على التمييز ، وقيل : على الحالية من المجاهدين أي ذوي درجةٍ وتنوينُها للتفخيم ، وقوله تعالى : { وَكُلاًّ } مفعولٌ أولٌ لما يعقُبه قُدّم عليه لإفادة القصرِ تأكيداً للوعد أي كلَّ واحدٍ من المجاهدين والقاعدين { وَعَدَ الله الحسنى } أي المثوبةَ الحسنى وهي الجنةُ لا أحدَهما فقط كما في قوله تعالى :
{ وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً } على أن اللامَ متعلقةٌ برسولاً والجملةُ اعتراضٌ جيء به تداركاً لما عسى أن يُوهِمَهُ تفضيلُ أحدِ الفريقين على الآخَر من حرمانِ المفضولِ ، وقولُه عز وجل : { وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين } عطفٌ على قوله تعالى : { فَضَّلَ الله } الخ ، واللامُ في الفريقين مُغْنيةٌ لهما عن ذكر القيودِ التي تُركت على سبيل التدريجِ وقوله تعالى : { أَجْراً عَظِيماً } مصدرٌ مؤكّدٌ لفضّل على أنه بمعنى أَجَر ، وإيثارُه على ما هو مصدرٌ من فعله للإشعار بكون ذلك التفضيلِ أجر لأعمالهم ، أو مفعولٌ ثانٍ له بتضمينه معنى الإعطاءِ أي أعطاهم زيادةً على القاعدين أجراً عظيماً ، وقيل : هو منصوبٌ بنزع الخافضِ أي فضّلهم بأجر عظيم . (2/141)
دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)
وقولُه تعالى : { درجات } بدلٌ من أجراً بدلَ الكلِّ مبينٌ لكمية التفضيلِ ، وقوله تعالى : { مِنْهُ } متعلق بمحذوف وقعَ صفةً لدرجاتٍ دالةً على فخامتها وجلالةِ قدْرِها أي درجاتٍ كائنةً منه تعالى . قال ابن محيريز : هي سبعون درجةً ما بين كلِّ درجتين عدْوُ الفرسِ الجوادِ المُضْمرِ سبعين خريفاً . وقال السدي : هي سبعُمائةِ درجةٍ ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : « إنَّ في الجنةِ مائةَ درجةٍ أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيله ما بين الدرجتين كما بين السماءِ والأرضِ » ويجوز أن يكونَ انتصابُ درجاتٍ على المصدرية كما في قولك : ضربه أسواطاً أي ضرباتٍ كأنه قيل : فضّلهم تفضيلاً ، وقوله تعالى : { وَمَغْفِرَةٌ } بدلٌ من أجراً بدلَ البعضِ لأن بعضَ الأجرِ ليس من باب المغفرة ، أي مغفرةً لما فَرَط منهم من الذنوب التي لا يكفرها سائرُ الحسناتِ التي يأتي بها القاعدون أيضاً حتى تُعدَّ من خصائصهم وقولُه تعالى : { وَرَحْمَةً } بدل الكلِّ من أجراً ومثلُه درجاتٍ ويجوز أن يكون انتصابُهما بإضمار فعلِهما أي غَفَر لهم مغفرةً ورحِمَهم رحمة . (2/142)
هذا ولعل تكريرَ التفضيلِ بطريق العطفِ المنبىءِ عن المغايرة ، وتقييدَه تارةً بدرجة وأخرى بدرجاتٍ مع اتحاد المفضّلِ والمفضلِ عليه حسبما يقتضيه الكلامُ ويستدعيه حسنُ النظامِ إما التنزيل الاختلاف العنوانيِّ بين التفضيلين وبين الدرجةِ والدرجاتِ منزلةَ الاختلافِ الذاتي تمهيداً لسلوك طريقِ الإبهامِ ثم التفسيرِ رَوْماً لمزيد التحقيقِ والتقريرِ كما في قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } كأنه قيل : فضّل الله المجاهدين على القاعدين درجةً لا يقادَر قدرُها ولا يُبلَغُ كُنهُها وحيث كان تحقّقُ هذا البونِ البعيدِ بينهما مُوهِماً لحِرمان القاعدين قيل : وكلا وعد الله الحسنى ثم أريد تفسيرُ ما أفاده التنكيرُ بطريق الإبهامِ بحيث يقطَعُ احتمالَ كونِه للوِحْدة فقيل ما قيل ، ولله درُّ شأنِ التنزيلِ وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين وبين الدرجةِ والدرجاتِ على أن المرادَ بالتفضيل الأولِ ما خوّلهم الله تعالى عاجلاً في الدنيا من الغنيمة والظَّفَر والذِكْرِ الجميلِ الحقيقِ بكونه درجةً واحدةً وبالتفضيل الثاني ما أنعم به في الآخرة من الدرجات العاليةِ الفائتةِ للحصر ، كما ينبىء عنه تقديمُ الأولِ وتأخيرُ الثاني وتوسيطُ الوعدِ بالجنة بينهما كأنه قيل : وفضّلهم عليهم في الدنيا درجةً واحدةً ، وفي الآخرة درجاتٍ لا تحصى ، وقد وُسِّط بينهما في الذكر ما هو متوسِّط بينهما في الوجود أعني الوعدَ بالجنة توضيحاً لحالهما ومسارعةً إلى تسلية المفضولِ والله سبحانه أعلم . هذا ما بين المجاهدين وبين القاعدين غيرِ أولي الضررِ ، وأما أولو الضررِ فهم مساوون للمجاهدين عند القائلين بمفهوم الصفةِ وبأن الاستثناءَ من النفي إثباتٌ ، وأما عند من لا يقول بذلك فلا دِلالة لعبارة النصِّ عليه وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
« لقد خلّفتم في المدينة أقواماً ما سِرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم » وهم الذين صحّت نياتُهم ونصَحَتْ جيوبُهم وكانت أفئدتُهم تهوى إلى الجهاد ، وبهم ما يمنعهم من المسير من ضرر أو غيره . وبعبارة أخرى « إن في المدينة لأقواماً ما سِرتم من مسير ولا قطعتم من وادٍ إلا كانوا معكم فيه » قالوا : يا رسولَ الله وهم بالمدينة؟ قال : « نعم وهم بالمدينة حبَسهم العُذرُ » قالوا : هذه المساواة مشروطة بشريطة أخرى سوى الضرر قد ذكرت في قوله تعالى : { لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى } إلى قوله : { إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } وقيل : القاعدون الأُوَلُ هم الأضراءُ والثاني غيرُهم وفيه من تفكيك النظمِ الكريمِ ما لا يخفى ، ولا ريب في أن الأضّراءَ أفضلُ من غيرهم درجةً كما لا ريب في أنهم دون المجاهدين بحسب الدرجةِ الدنيوية { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } تذييلٌ مقرِّرٌ لما وَعَد من المغفرة والرحمة . (2/143)
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)
{ إِنَّ الذين توفاهم الملئكة } بيانٌ لحال القاعدين عن الهجرة بعد بيانِ حالِ القاعدين عن الجهاد ، وتوفاهم يحتمل أن يكون ماضياً ويؤيده قراءةُ من قرأ توفتْهم وأن يكون مضارعاً قد حُذف منه إحدى التاءينِ وأصلُه تتوفاهم على حكاية الحالِ الماضيةِ والقصدِ إلى استحضار صورتِها ، ويعضُده قراءةُ من قرأ تُوَفاهم على مضارع وُفِّيَتْ بمعنى أن الله تعالى يُوفيّ الملائكةَ أنفسِهم فيتوفّونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها { ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } حالٌ من ضمير تَوَفاهم فإنه وإن كان مضافاً إلى المعرفة إلا أنه نكرةٌ في الحقيقة لأن المعنى على الانفصال وإن كان موصولاً في اللفظ كما في قوله تعالى : { غَيْرَ مُحِلّى الصيد } و { هَدْياً بالغ الكعبة } و { ثَانِىَ عِطْفِهِ } أي مُحلّين الصّيدَ وبالغاً الكعبةَ وثانياً عِطْفَه كأنه قيل : ظالمين أنفسَهم وذلك بترك الهجرةِ واختيارِ مجاورةِ الكفارِ الموجبةِ للإخلال بأمور الدينِ فإنها نزلت في ناس من أهل مكةَ قد أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرةُ فريضة { قَالُواْ } أي الملائكةُ للمُتوفَّيْن تقريراً لهم بتقصيرهم في إظهار إسلامِهم وإقامةِ أحكامِه من الصلاة ونحوها وتوبيخاً لهم بذلك { فِيمَ كُنتُمْ } أي في أي شيءٍ كنتم من أمور دينِكم { قَالُواْ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية سؤالِ الملائكةِ ، كأنه قيل : فماذا قالوا في الجواب؟ فقيل : قالوا : متجانِفين عن الإقرار الصريحِ بما هم فيه من التقصير متعلِّلين بما يوجبه على زعمهم { كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الارض } أي في أرض مكةَ عاجزين عن القيام بمواجب الدينِ فيما بين أهلِها { قَالُواْ } إبطالاً لتعللهم وتبكيتاً لهم { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا } إلى قطر منها تقدِرون فيه على إقامة أمورِ الدينِ كما فعله من هاجر إلى المدينة وإلى الحبشة ، وأما حملُ تعلُّلِهم على إظهار العجزِ عن الهجرة وجعلُ جوابِ الملائكةِ تكذيباً لهم في ذلك فيرده أن سببَ العجز عنها لا ينحصر في فُقدان دار الهجرةِ بل قد يكون لعدم الاستطاعةِ للخروج بسبب الفقرِ أو لعدم تمكينِ الكفَرة منه فلا يكون بيانُ سعةِ الأرضِ تكذيباً لهم ورداً عليهم بل لا بد من بيان استطاعتِهم أيضاً حتى يتم التبكيتُ ، وقيل : كانت الطائفةُ المذكورةُ قد خرجت مع المشركين إلى بدرٍ منهم قيسُ بنُ الفاكِهِ بنِ المغيرةِ وقيسُ بنُ الوليدِ بنِ المغيرة وأشباهُهما فقُتلوا فيها فضَرَبت الملائكةُ وجوهَهم وأدبارَهم ، وقالوا لهم ما قالوا فيكون ذلك منهم تقريعاً وتوبيخاً لهم بما كانوا فيه من مساعدة الكَفَرةِ وانتظامِهم في عسكرهم ، ويكون جوابُهم بالاستضعاف تعلّلاً بأنهم مقهورين تحت أيديهم وأنهم أَخرجوهم كارهين فرُدَّ عليهم بأنهم كانوا بسبيل من الخلاص عن قهرهم متمكّنين من المهاجرة { فَأُوْلَئِكَ } الذين حُكِيت أحوالُهم الفظيعةُ { مَأْوَاهُمْ } أي في الآخرة { جَهَنَّمُ } كما أن مأواهم في الدنيا دارُ الكفرِ لتركهم الفريضةَ المحتومةَ فمأواهم مبتدأٌ وجهنمُ خبرُه ، والجملةُ خبرٌ لأولئك ، وهذه الجملةُ خبرُ إن والفاءُ فيه لتضمُّن اسمِها معنى الشرطِ ، وقولُه تعالى : { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } حالٌ من الملائكة بإضمار قد عند من يشترطه ، أو هو الخبرُ والعائدُ منه محذوفٌ أي قالوا لهم ، والجملةُ المصدرةُ بالفاء معطوفةٌ عليه مستنتَجَةٌ منه ومما في حيّزه { وَسَاءتْ مَصِيراً } أي مصيراً لهم أي جهنم ، وفي الآية الكريمةِ إرشادٌ إلى وجوب المهاجرةِ من موضع لا يتمكن الرجلُ من إقامة أمورِ دينِه بأي سبب كان ، وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم : (2/144)
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)
{ إِلاَّ المستضعفين } استثناءٌ منقطعٌ لعدم دخولِهم في الموصول وضميرِه والإشارةِ إليه . ومِنْ في قوله تعالى : { مِنَ الرجال والنساء والولدان } متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من المستضعفين أي كائنين منهم ، وذِكرُ الوِلدان إن أريد بهم المماليكُ أو المراهقون ظاهرٌ ، وأما إن أريد بهم الأطفالُ فللمبالغة في أمر الهجرةِ والإيذانِ بأنها بحيث لو استطاعها غيرُ المكلّفين لوجبت علهم ، والإشعارِ بأنهم لا محيصَ لهم عنها البتةَ تجب عليهم ( إذا ) بلغوا حتى كأنها واجبةٌ عليهم قبل البلوغِ لو استطاعوا أن يهاجروا بهم متى أمكنت ، وقوله تعالى : { لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } صفةٌ للمستضعفين فإن ما فيه من اللام ليس للتعريف ، أو حالٌ منه أو من الضمير المستكنِّ فيه ، وقيل : تفسيرٌ لنفس المستضعفين لكثرة وجوهِ الاستضعافِ ، واستطاعةُ الحيلةِ وُجدانُ أسبابِ الهجرةِ ومباديها ، واهتداءُ السبيلِ معرفةُ طريقِ الموضعِ المهاجَرِ إليه بنفسه أو بدليل { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى المستضعفين الموصوفين بما ذُكر من صفات العجزِ { عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } جيء بكلمة الإطماعِ ولفظِ العفوِ إيذاناً بأن الهجرةَ من تأكُّدِ الوجوبِ بحيث ينبغي أن يُعدَّ تركُها ممن تحقق عدمُ وجوبِها عليه ذنباً يجب طلبُ العفوِ عنه رجاءً وطمعاً لا جزماً وقطعاً { وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً } تذييلٌ مقررٌ لما قبله . (2/145)
وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)
{ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الارض مُرَاغَماً كَثِيراً } ترغيبٌ في المهاجَرَة وتأنيسٌ لها أي يجدْ فيها متحوَّلاً ومهاجَراً وإنما عبّر عنه بذلك تأكيداً للترغيب لما فيه من الإشعار بكون ذلك المتحوَّلِ بحيث يصل فيه المهاجرُ من الخير والنعمةِ إلى ما يكون سبباً لرغم أنفِ قومِه الذين هاجرهم ، والرُّغمُ الذلُّ والهوانُ وأصلُه لصوقُ الأنفِ بالرَّغام وهو التراب ، وقيل : يجد فيها طريقاً يراغِمُ بسلوكه قومَه أي يفارقهم على رَغم أنوفِهم { واسعة } أي من الرزق { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت } أي قبل أن يصل إلى المقصِد وإن كان ذلك خراجَ بابِه كما ينبىء عنه إيثارُ الخروجِ من بيته على المهاجَرة ، وهو عطفٌ على فعل الشرطِ وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ ، وقيل : هو حركةُ الهاءِ نُقلت إلى الكاف على نية الوقفِ ، كما في قوله : (2/146)
من عنزي سبني إذ لم أضرِبُه ... عجبتُ والدهرُ كثيرٌ عجبُهْ
وقرىء بالنصب على إضمار أنْ كما في قوله :
وألحقُ بالحجاز فأستريحا ... { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } أي ثبت ذلك عنده تعالى ثبوتَ الأمرِ الواجبِ . روي ( أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لما بَعَث بالآيات المتقدمةِ إلى مسلمي مكةَ قال جُندُبُ بنُ ضَمْرةَ لبنيه وكان شيخاً كبيراً : احمِلوني فإني لستُ من المستضعفين وإني لأهتدي الطريقَ والله لا أبيتُ الليلةَ بمكةَ فحمَلوه على سرير متوجِّهاً إلى المدينة فلما بلغ التنعيمَ أشرفَ على الموت فصفق بيمينه على شماله ثم قال : اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايُعك على ما بايعك رسولُك فمات حميداً فبلغ خبرُه أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : لو تُوفيَ بالمدينة لكان أتمَّ أجراً فنزلت . قالوا : كلُّ هجرةٍ في غرض دينيَ من طلبِ علمٍ أو حجَ أو جهادٍ أو نحو ذلك فهي هجرةٌ إلى الله عز وجل وإلى رسوله عليه الصلاة والسلام .
{ وَكَانَ الله غَفُوراً } مبالِغاً في المغفرة فيغفرُ له ما فَرَط منه من الذنوب التي من جملتها القعودُ عن الهجرة إلى وقت الخروجِ { رَّحِيماً } مبالِغاً في الرحمة فيرحَمُه بإتمام ثوابِ هجرتِه .
{ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الارض } شروعٌ في بيان كيفيةِ الصلاةِ عند الضروراتِ من السفر ولقاءِ العدوِّ والمرضِ والمطرِ ، وفيه تأكيدٌ لعزيمة المهاجِرِ على المهاجَرة وترغيبٌ له فيها لما فيه من تخفيف المؤنةِ ، أي إذا سافرتم أيَّ مسافرةٍ كانت ولذلك لم يُقيَّد بما قُيِّد به المهاجَرة { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } أي لا حرجَ ( ولا ) مأثمَ { أَن تَقْصُرُواْ } أي في أن تقصُروا ، والقصرُ خلافُ المدِّ يقال : قصَرْت الشيءَ أي جعلته قصيراً بحذف بعضِ أجزائِه أو أوصافِه ، فمُتعلَّقُ القصرِ حقيقةً إنما هو ذلك الشيءُ لا بعضُه فإنه متعلَّقُ الحذفِ دون القصرِ وعلى هذا فقوله تعالى : { مِنَ الصلاة } ينبغي أن يكون مفعولاً لتقصُروا على زيادة مِنْ حسبما رآه الأخفش ، وأما على تقدير أن تكون تبعيضيةً ويكونَ المفعولُ محذوفاً كما هو رأيُ سيبويهِ أي شيئاً من الصلاة فينبغي أن يُصارَ إلى وصف الجزءِ بصفة الكلِّ أو يرادَ بالقصر معنى الحبْس ، يقال : قصَرتُ الشيءَ إذا حبستْه أو يرادَ بالصلاة الجنسُ ليكون المقصورُ بعضاً منها وهي الرُّباعياتُ ، أي فليس عليكم جُناحٌ في أن تقصروا بعضَ الصلاةِ بتنصيفها ، وقرىء تُقْصِروا من الإقصار وتُقَصِّروا من التقصير ، والكل بمعنى .
وأدنى مدةِ السفرِ الذي يتعلق به القصرُ عند أبي حنيفةَ مسيرةَ ثلاثةِ أيام ولياليها بسير الإبلِ ، ومشيِ الأقدام بالاقتصاد ، وعند الشافعيِّ مسيرةَ يومين ، وظاهرُ الآية الكريمة التخييرُ وأفضليةُ الإتمام وبه قال الشافعيّ وبما رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أتم في السفر . وعن عائشة رضي الله عنها أنها أتمت تارةً وقصرت أخرى . وعن عثمانَ رضي الله عنه أنه كان يُتمّ ويَقصُر ، وعندنا يجب القصرُ لا محالة خلا أن بعضَ مشايخنا سماه عزيمةً وبعضُهم رُخصةَ إسقاطٍ بحيث لا مَساغَ للإتمام لا رخصةَ ترفيهٍ ، إذ لا معنى للتخيير بين الأخفِّ والأثقلِ وهو قولُ عمرَ وعليَ وابن عباس وابنِ عمرَ وجابر رضوانُ الله عليهم وبه قال الحسنُ وعمرُ بنُ عبد العزيز وقتادةُ وهو قول مالك . (2/147)
وقد رُوي عن عمرَ رضي الله عنه ( صلاةُ السفر ركعتانِ تمامٌ غيرُ قصرٍ على لسان نبيِّكم عليه السلام ) وعن أنس رضي الله عنه ( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكةَ فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة ) وعن عمرانَ بنِ حُصين رضي الله عنه ما رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر إلا ركعتين وصلى بمكةَ ركعتين ثم قال : « أتمُّوا فإنَّا قومٌ سَفْرٌ » وحين سمع ابنُ مسعودٍ أن عثمانَ رضي الله عنه صلى بمِنىً أربعَ ركعاتٍ استرجع ثم قال : صليت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام بمنى ركعتين وصليتُ مع أبي بكر رضي الله عنه بمِنىً ركعتين وصليت مع عمرَ رضي الله عنه بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعاتٍ ركعتان مُتقبَّلتان . وقد اعتذر عثمانُ رضي الله عنه عن إتمامه بأنه تأهّل بمكة ، وعن الزهريّ أنه إنما أتمّ لأنه أزمع الإقامةَ بمكة ، وعن عائشة رضي الله عنها أولُ ما فُرضت الصلاةُ فُرضتْ ركعتين ركعتين فأُقِرَّت في السفر وزيدت في الحضر . وفي صحيح البخاري أنها قالت : فرضَ الله الصلاةَ حين فرضها ركعتين في الحضَر والسفر ، وزيد في صلاة الحضر ، وأما ما روي عنها من الإتمام فقد اعتذر عنه وقالت : أنا أمُّ المؤمنين فحيث حللتُ فهي داري ، وإنما ورد ذلك بنفي الجُناحِ لما أنهم ألِفوا الإتمامَ فكانوا مظِنةَ أن يخطُر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فصرح بنفي الجناحِ عنهم لتطيب به نفوسُهم ويطمئنوا إليه كما في قوله تعالى :
{ فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } مع أن ذلك الطوافَ واجبٌ عندنا ركنٌ عند الشافعيِّ . وقوله تعالى : { إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ } جوابُه محذوفٌ لدِلالة ما قبله عليه أي إن خفتم أن يتعرّضوا لكم بما تكرهونه من القتال وغيرِه فليس عليكم جُناح الخ ، وهو شرطٌ معتبرٌ في شرعية ما يُذكر بعده من صلاة الخوفِ المؤداةِ بالجماعة ، وأما في حق مُطلقِ القصرِ فلا اعتبار له اتفاقاً لتظاهُر السننِ على مشروعيته حسبما وقفتَ على تفاصيلها . وقد ذكر الطحاويُّ في شرح الآثارِ مسنداً إلى يعلى بن أميةَ أنه قال : قلت لعمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه إنما قال الله : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ } وقد أمِن الناسُ ، فقال عمر رضي الله عنه : عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال : « صدقةٌ تصدّقَ الله بها عليكم فاقبَلوا صدقتَه » وفيه دليلٌ على عدم جوازِ الإكمالِ لأن التصدقَ بما لا يحتمل التمليكَ إسقاطٌ محضٌ لا يحتمل الردَّ كما حُقّق في موضعه ، ولا يُتَوهّمنّ أنه مخالفٌ للكتاب لأن التقييدَ بالشرط عندنا إنما يدل على ثبوت الحُكمِ عند وجودِ الشرطِ وأما عدمُه عند عدمِه فمسكوتٌ عنه فإن وجدَ له دليلٌ ثبت عنده أيضاً وإلا بقي على حاله لعدم تحققِ دليلِه لا لتحقق دليلِ عدمِه ، وناهيك بما سمعتَ من الأدلة الواضحةِ ، وأما عند القائلين بالمفهوم فلأنه إنما يدل على نفي الحُكمِ عند عدم الشرط إذا لم يكن له فائدةٌ أخرى وقد خرج الشرطُ هاهنا مخرجَ الأغلبِ كما في قوله تعالى : { وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } بل نقول : إن الآيةَ الكريمةَ مجملةٌ في حق مقدارِ القصرِ وكيفيتِه وفي حق ما يتعلق به من الصلوات وفي مقدار مدةِ الضربِ الذي نيط به القصرُ فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من القصر في حال الأمن وتخصيصِه بالرُباعيات على وجه التنصيف وبالضرب في المدة المعينة بيانٌ لإجمال الكتابِ ، وقد قيل : إن قوله تعالى : { إِنْ خِفْتُمْ } الخ ، متعلقٌ بما بعده من صلاة الخوفِ منفصلٌ عما قبله فإنه روي عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ رضي الله عنه أنه قال : نزل قولُه تعالى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الارض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة } ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حولٍ فنزل : { إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ } { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } الخ ، وقد قرىء من الصلاة أن يفتنكم بغير إن خفتم على أنه مفعول له لما دل عليه الكلام ، كأنه قيل : شرُع لكم ذلك كراهةَ أن يفتنكم الخ ، فإن استمرارَ الاشتغالِ بالصلاة مَظِنةٌ لاقتدارهم على إيقاع الفتنةِ ، وقوله تعالى : { إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } تعليلٌ لذلك باعتبار تعلُّلِه بما ذُكر أو لما يُفهم من الكلام من كون فتنتِهم متوقَّعةً فإن كمالَ عداوتِهم للمؤمنين من موجبات التعرُّض لهم بسوء . (2/148)
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)
وقولُه تعالى : { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ } بيانٌ لما قبله من النص المُجملِ الواردِ في مشروعية القصرِ بطريق التفريعِ ، وتصويرٌ لكيفيته عند الضرورةِ التامةِ . وتخصيصُ البيانِ بهذه الصورة مع الاكتفاء فيما عداها بالبيان بطريق السنةِ لمزيد حاجتِها إليه لما فيها من كثرة التغييرِ عن الهيئة الأصليةِ ، ومن هنا ظهر لك أن مورِدَ النصِّ الشريفِ على المقصورة ، وحكمُ ما عداها مستفادٌ من حكمها ، والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق التجريدِ ، وبظاهره يَتعلّق من لا يرى صلاةَ الخوفِ بعده عليه السلام ، ولا يخفى أن الأئمةَ بعده نُوّابُه عليه السلام قُوّامٌ بما كان يقوم به فيتناولهم حكمُ الخطابِ الواردِ له عليه السلام كما في قوله تعالى : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } وقد روي أن سعيدَ بنَ العاصِ لما أراد أن يصليَ بطَبْرستانَ صلاةَ الخوفِ قال : من شهِد منكم صلاةَ الخوفِ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقام حُذيفةُ بنُ اليمانِ رضي الله عنه فوصف له ذلك فصلى بهم كما وصَف ، وكان ذلك بحضرة الصحابةِ رضي الله عنهم فلم يُنْكِرْه أحدٌ فحل محلَّ الإجماعِ . وروي في السنن أنهم غزَوْا معَ عبد الرحمن بنِ سَمُرةَ كابُل فصلى بهم صلاةَ الخوفِ { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ } أي أردت أن تقيم بهم الصلاة . (2/149)
{ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } بعد أن جعلتَهم طائفتين ولتقِف الطائفةُ الأخرى بإزاء العدوِّ ليحرسوكم منهم ، وإنما لم يصرَّحْ به لظهوره { وَلْيَأْخُذُواْ } أي الطائفةُ القائمة معك { أَسْلِحَتَهُمْ } أي لا يضعوها ولا يُلْقوها إنما عبّر عن ذلك بالأخذ للإيذان بالاعتناء باستصحابها كأنهم يأخُذونها ابتداءً { فَإِذَا سَجَدُواْ } أي القائمون معك وأتمّوا الركعة { فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } أي فلينصرِفوا إلى مقابلة العدوِّ للحراسة { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ } بعدُ ، وهي الطائفةُ الواقفة تجاه العدوِّ للحراسة وإنما لم تُعرَفْ لما أنها لم تُذكرْ فيما قبل { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } الركعةَ الباقيةَ ، ولم يبيِّنْ في الآية الكريمة حالَ الركعةِ الباقيةِ لكل من الطائفتين ، وقد بُيِّن ذلك بالسنة حيث روي عن ابن عمر وابنِ مسعود رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى صلاةَ الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعةً وبالطائفة الأخرى ركعةً كما في الآية الكريمة ، ثم جاءت الطائفةُ الأولى وذهبت هذه إلى مقابلة العدوِّ حتى قضت الأولى الركعة الأخيرةَ بلا قراءة وسلّموا ، ثم جاءت الطائفةُ الأخرى وقضَوا الركعةَ الأولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان { وَلْيَأْخُذُواْ } أي هذه الطائفة { حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } لعل زيادة الأمرِ بالحذرِ في هذه المرة لكونها مظِنّةً لوقوف الكَفَرة على كون الطائفةِ القائمةِ مع النبي صلى الله عليه وسلم في شغل شاغلً وأما قبلها فربما يظنونهم قائمين للحرب ، وتكليفُ كلَ من الطائفتين بما ذكر لما أن الاشتغالَ بالصلاة مظنةٌ لإلقاء السلاحِ والإعراض عن غيرها ، ومظِنةٌ لهجوم العدوِّ كما ينطِقُ به قوله تعالى : { وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة } فإنه استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل الأمرِ المذكورِ والخطابُ للفريقين بطريق الالتفاتِ أي تمنَّوا أن ينالوا منكم غِرّةً وينتهزوا فرصةً فيشدّوا عليكم شدةً واحدةً ، والمرادُ بالأمتعة ما يُتمتع به في الحرب لا مطلقاً ، وهذا الأمرُ للوجوب لقوله تعالى : { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ } حيث رُخّص لهم في وضعها إذا ثقُل عليهم استصحابُها بسبب مطرٍ أو مرضٍ ، وأُمروا مع ذلك بالتيقظ والاحتياطِ فقيل : { وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } لئلا يهجُمَ العدوُّ عليكم غِيلةً .
روى الكلبي عن أبي صالح أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غزا محارباً وبني أنمار فنزلوا ولا يرَوْن من العدو أحداً فوضع الناسُ أسلحتَهم وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له وقد وضَع سلاحَه حتى قطع الواديَ والسماءُ ترُشّ فحال الوادي بينه عليه السلام وبين أصحابِه فجلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فبصُرَ به غَوْرَثُ بنُ الحارثِ المحاربي فقال : قتلني الله إن لم أقتلْك ، ثم انحدر من الجبل ومعه السيفُ فلم يشعُرْ به رسولُ اللها صلى الله عليه وسلم إلا هو قائمٌ على رأسه وقد سل سيفَه من غِمْدِهِ فقال : يا محمد من يعصِمك مني الآن؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : « الله عز وجل » ثم قال : « اللهم اكفِني غَوْرَثَ بنَ الحارث بما شئت » ثم أهوى بالسيفِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ليضرِبه فأكبَّ لوجهه من زلخة زلخها بين كتفيه فبدر سيفه فقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ثم قال : « يا غَوْرَثُ من يمنعك مني الآن؟ » قال : لا أحد ، قال عليه الصلاة والسلام : « تشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدُه ورسولُه وأعطيك سيفَك؟ » ، قال : لا ، ولكن أشهد أن لا أقاتِلَك أبداً ولا أُعينَ عليك عدواً ، فأعطاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سيفَه فقال غورثُ : والله لأنت خيرٌ مني ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : { أنا أحقُّ بذلك منك } فرجَع غَوْرَثُ إلى أصحابه فقصَّ عليهم قِصتَه فآمن بعضُهم ، قال : وسكن الوادي فقطع عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأخبرهم بالخبر . وقوله تعالى : { إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } تعليلٌ للأمر بأخذ الحذرِ أي أعد لهم عذاباً مهيناً بأن يخذُلهم وينصُرَكم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تُهمِلوا في مباشرة الأسباب ليحِلَّ بهم عذابُه بأيديكم ، وقيل : لما كان الأمرُ بالحذر من العدو مُوهماً لتوقّع غلبتِه واعتزازِه نُفي ذلك الإيهامُ بأن الله تعالى ينصُرهم ويُهين عدوَّهم لتقوى قلوبُهم . (2/150)
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)
{ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة } أي صلاةَ الخوفِ أي أديتموها على الوجه المبيّنِ وفرَغتم منها { فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ } أي فداوموا على ذكر الله تعالى وحافِظوا على مراقبته ومناجاتِه ودعائِه في جميع الأحوالِ حتى في حال المسايفة والقتالِ ، كما في قوله تعالى : { إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } { فَإِذَا اطمأننتم } سكنَت قلوبُكم من الخوف وأمِنتم بعدما وضعت الحربُ أوزارَها { فأقِيمُوا الصَّلاةَ } أي الصلاةَ التي دخل وقتُها حينئذ أي أدُّوها بتعديل أركانِها ومراعاةِ شرائطِها ، وقيل : المرادُ بالذكر في الأحوال الثلاثةِ الصلاةُ فيها أي فإذا أردتم أداءَ الصلاةِ فصلّوا قِياماً عند المسايفةِ وقعوداً جاثين على الرّكَب عند المراماةِ وعلى جنوبكم مُثخَنين بالجِراح ، فإذا اطمأننتم في الجملة فاقضُوا ما صليتم في تلك الأحوالِ التي هي ( من ) أحوال القلقِ والانزعاجِ ، وهو رأيُ الشافعيِّ رحمه الله وفيه من البعد ما لا يخفى . (2/151)
{ إنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً } أي فرضاً موقتاً ، قال مجاهدٌ : وقّته الله عليهم فلا بد من إقامتها في حالة الخوفِ أيضاً على الوجه المشروحِ ، وقيل : مفروضاً مقدّراً في الحضَر أربَعَ ركعاتٍ وفي السفر ركعتين فلا بد أن تؤدى في كل وقتٍ حسبما قُدِّر فيه .
{ وَلاَ تَهِنُواْ فِى ابتغاء القوم } أي لا تضعُفوا ولا تتوانَوا في طلب الكفارِ بالقتال والتعرّضِ لهم بالحِراب ، وقوله تعالى : { إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ } تعليلٌ للنهي وتشجيعٌ لهم ، أي ليس ما تقاسونه من الآلام مختصاً بكم بل هو مشترَكٌ بينكم وبينهم ، ثم إنهم يصبِرون على ذلك فما لكم لا تصبِرون؟ مع أنكم أولى به منهم حيث ترجُون من الله من إظهار دينِكم على سائر الأديانِ ومن الثواب في الآخرة ما لا يخطُر ببالهم . وقرىء أن تكونوا بفتح الهمزة أي لا تهِنوا لأن تكونوا تألمون ، وقوله تعالى : { فَإِنَّهُمْ } تعليلٌ للنهي عن الوهن لأجلهه ، والآيةُ نزلت في بدرٍ الصُّغرى { وَكَانَ الله عَلِيماً } مبالِغاً في العلم فيعلم أعمالَكم وضمائرَكم { حَكِيماً } فيما يأمُر وينهى فجِدُّوا في الامتثال بذلك فإن فيه عواقبَ حميدةً .
إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108)
{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } رُوي ( أن رجلاً من الأنصار يقال له طُعمةُ بنُ أُبيرِقَ من بني ظفَرٍ سرَق دِرعاً من جاره قتادةَ بنِ النعمانِ في جرابِ دقيقٍ فجعل الدقيقُ ينْتثِرُ من خَرْقٍ فيه فخبأها عند زيد بنِ السمين اليهودي فالتمست ( بنو ظفر ) الدرعَ عند طعمةَ فلم توجد ، وحلف ما أخذها وما لَه بها علمٌ فتركوه واتبعوا أثرَ الدقيقِ حتى انتهى إلى منزل اليهوديِّ فأخذوها فقال : دفعها إليّ طعمةُ وشهِد له ناسٌ من اليهود ، فقالت بنو ظفر : انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وشهِدوا ببراءته وسرقةِ اليهوديِّ فهمّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل فنزلت ) . وروي ( أن طعمةَ هرب إلى مكةَ وارتدّ ونقَبَ حائطاً بمكةَ ليسرِقَ أهلَه فسقَط الحائطُ عليه فقتله ) . وقيل : ( نزل على رجل من بني سليم من أهل مكة يقال له الحجّاجُ بنُ علاط فنقَبَ بيتَه فسقط عليه حجرٌ فلم يستطِع الدخولَ ولا الخروجَ فأخذ ليقتل فقيل : دعه فإنه قد لجأ إليك فتركه وأخرجوه من مكةَ فالتحق بتجارٍ من قضاعةَ نحوَ الشام فنزلوا منزلاً فسرق بعضَ متاعِهم وهرب فأخذوه ورجموه بالحجارة حتى قتلوه ) . وقيل ( إنه ركب سفينةً إلى جُدّة فسرَق فيها كيساً فيه دنانيرُ فأُخذ وألقيَ في البحر ) . (2/152)
{ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله } أي بما عرّفك وأوحى به إليك { وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ } أي لأجلهم والذبِّ عنهم وهم طُعمةُ ومن يُعينُه من قومه ، أو هو ومن يسير بسيرته { خَصِيماً } مخاصماً للبراءة أي لا تخاصِم اليهودَ لأجلهم ، والنهيُ معطوفٌ على أمر ينسحب عليه النظمُ الكريمُ كأنه قيل : فاحكم به ولا تكن الخ { واستغفر الله } مما هممتَ به تعويلاً على شهادتهم { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } مبالغاً في المغفرة والرحمةِ لمن يستغفره .
{ وَلاَ تجادل عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } أي يخونونها بالمعصية كقوله تعالى : { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } جُعلت معصيةُ العُصاةِ خيانةً منهم لأنفسهم كما جُعلت ظلماً لها لرجوع ضررِها إليهم ، والمرادُ بالموصول إما طعمةٌ وأمثالُه وأما هو ومن عاونه وشهد ببراءته من قومه فإنهم شركاءُ في الإثم والخيانةِ { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً } مُفرِطاً في الخيانة مُصِراً عليها { أَثِيماً } منهمكاً فيه ، وتعليقُ عدمِ المحبةِ الذي هو كنايةٌ عن البغضِ والسُّخطِ بالمبالِغ في الخيانة والإثمِ ليس لتخصيصه به ، بل لبيان إفراطِ طُعمةَ وقومِه فيهما .
{ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس } يستترون منهم حياءً وخوفاً من ضررهم { وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله } أي لا يستحيون منه سبحانه وتعالى وهو أحقُّ بأن يُستحيا منه ويُخافَ من عقابه { وَهُوَ مَعَهُمْ } عالمٌ بهم وبأحوالهم فلا طريقَ إلى الاستخفاء منه سوى تركِ ما يستقبِحُه ويؤاخِذُ به { إِذْ يُبَيّتُونَ } يدبرون ويزورون { مَا لاَ يَرْضَى مِنَ القول } مِنْ رَمْي البريءِ والحلِفِ الكاذب وشهادةِ الزور { وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ } من الأعمال الظاهرةِ والخافية { مُحِيطاً } لا يعزُب عنه شيءٌ منها ولا يفوت .
هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112)
{ هأَنتُمْ هؤلاء } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إليهم بطريق الالتفاتِ إيذاناً بأن تعديد جناياتِهم يوجب مشافهتَهم بالتوبيخ والتقريعِ والجملةُ مبتدأٌ وخبرٌ وقوله تعالى : { جادلتم عَنْهُمْ فِى الحياة الدنيا } جملةٌ مبيِّنةٌ لوقوع أولاءِ خبراً ويجوز أن يكون أولاءِ اسماً موصولاً بمعنى الذين وجادلتم الخ صلة له ، والمجادَلةُ أشدُّ المخاصَمَة ، والمعنى هَبُوا أنكم خاصمتم عن طُعمةَ وأمثالِه في الدنيا { فَمَن يجادل الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة } فمن يخاصم عنهم يومئذ عند تعذيبهم وعقابِهم { أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } حافظاً ومحامياً من بأس الله تعالى وانتقامه . (2/153)
{ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً } قبيحاً ليَسوءَ به غيره كما فعلَ طُعمة بقتادةَ واليهوديِّ { أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } بما يختص به كالحلِف الكاذبِ ، وقيل : السوءُ ما دون الشركِ ، وقيل : هما الصغيرةُ والكبيرة { ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله } بالتوبة الصادقة { يَجِدِ الله غَفُوراً } لذنوبه كائنةً ما كانت { رَّحِيماً } متفضّلاً عليه . وفيه مزيدُ ترغيبٍ لطعمةَ وقومِه في التوبة والاستغفارِ لما أن مشاهَدةَ التائبِ لآثار المغفرةِ والرحمةِ نعمةٌ زائدةٌ كما مر .
{ وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً } من الآثام { فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ } حيث لا يتعدّى ضررُه ووبالُه إلى غيره فليحترز عن تعريضها للعقاب والعذابِ عاجلاً وآجلاً { وَكَانَ الله عَلِيماً } مبالغاً في العلم { حَكِيماً } مراعياً للحكمة في كل ما قَدَّر وقضى ، ولذلك لا تَحمِلُ وازِرَةٌ وزرَ أخرى { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً } صغيرة أو ما لا عمْدَ فيه من الذنوب وقرىء ومن يَكِسِّبْ بكسر الكاف وتشديد السين وأصله يكتسب { أَوْ إِثْماً } كبيرةً أو ما كان عن عمد { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ } أي يقذِفْ به ويُسنده ( إليه ) ، وتوحيدُ الضميرِ مع تعدد المرجِعِ لمكان { أَوْ } وتذكيره لتغليب الإثم على الخطيئة كأنه قيل : ثو يرم بأحدهما ، وقرىء يرمِ بهما ، وقيل : الضمير للكسبِ المدلولِ عليه بقوله تعالى : { يَكْسِبْ } ، وثم للتراخي في الرتبة { بَرِيئاً } أي مما رماه به ليُحمِّلَه عقوبتَه العاجلةَ كما فعله طعمةُ بزيدٍ { فَقَدِ احتمل } أي بما فعل من تحميل جريرتِه على البريء { بهتانا } وهو الكذِبُ على الغير بما يُبَهتُ منه ويُتَحيَّر عند سَماعِه لفظاعته وهولِه ، وقيل : هو الكذبُ الذي يُتحيَّر في عِظَمه { وَإِثْماً مُّبِيناً } أي بيناً فاحشاً وهو صفة لإثماً وقد اكتُفي في بيان عِظَمِ البهتانِ بالتنكير التفخيميّ كأنه قيل : بهتاناً لا يقادَرُ قدرُه وإثماً مبيناً على أن وصفَ الإثمِ بما ذُكر بمنزلة وصفِ البهتانِ به لأنهما عبارةٌ عن أمر واحد هو رميُ البريءِ بجناية نفسِه ، قد عبّر عنه بهما تهويلاً لأمره وتفظيعاً لحاله ، فمدارُ العِظَم والفخامةِ كونُ المرميِّ به للرامي فإن رميَ البريءِ بجناية ما خطيئةً كانت أو إثماً بهتانٌ وإثمٌ في نفسه ، أما كونُه بهتاناً فظاهرٌ وأما كونُه إثماً فلأن كونَ الذنبِ بالنسبة إلى مَنْ فعله خطيئةً لا يلزم منه كونُه بالنسبة إلى مَنْ نسبه إلى البريءِ منه أيضاً كذلك بل لا يجوزُ ذلك قطعاً ، كيف لا وهو كذِبٌ محرَّمٌ في جميع الأديانِ فهو في نفسه بهتانٌ وإثمٌ لا محالةَ وبكون تلك الجنايةِ للرامي يتضاعفُ ذلك شدةً ويزداد قُبحاً لكنْ لا لانضمام جنايتِه المكسوبةِ إلى رمي البريءِ وإلا لكان الرميُ بغير جنايةٍ مع تبرئةِ نفسِه كذلك في العِظَم ، بل لاشتماله على قصد تحميلِ جنايتِه على البريء وإجراءِ عقوبتِها عليه كما يُنبىءُ عنه إيثارُ الاحتمالِ على الاكتساب ونحوِه لما فيه من الإيذان بانعكاس تقديرِه مع ما فيه من الإشعار بثِقَل الوِزرِ وصعوبةِ الأمرِ .
نعم بما ذُكر من انضمام كسبِه وتبرئةِ نفسِه إلى رمي البريءِ تزداد الجنايةُ قبحاً لكنّ تلك الزيادةَ وصفٌ للمجموع لا للإثم . (2/154)
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)
{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ } بإعلامك ما هم عليه بالوحي وتنبيهِك على الحق ، وقيل : بالنبوة والعِصمة { لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } أي من بني ظفَر وهم الذابّون عن طُعمةَ ، وقد جُوِّز أن يكون المرادُ بالطائفة كلَّهم ، ويكونُ الضميرُ راجعاً إلى الناس وقيل : هم وفدُ بني ثقيفٍ قدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : جئناك لنبايعَك على أن لا تكسِرَ أصنامَنا ولا تعشِّرَنا فردّهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم { أَن يُضِلُّوكَ } أي بأن يضلوك عن القضاء بالحق مع علمهم بكُنه الأمرِ ، والجملةُ جوابُ لولا وإنما نفى همَّهم مع أن المنفيَّ إنما هو تأثيرُه فقط إيذاناً بانتفاء تأثيرِه بالكلية ، وقيل : المرادُ هم الهمُّ المؤثّر ، ولا ريب في انتفائه حقيقةً ، وقيل : الجوابُ محذوفٌ أي لأضلوك ، وقوله تعالى : { لَهَمَّتْ } جملةٌ مستأنفةٌ أي لقد همت طائفة الخ { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } لاقتصار وبالِ مكرِهم عليهم من غير أن يُصيبَك منه شيءٌ والجملةُ اعتراضٌ ، وقوله تعالى : { وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } عطفٌ عليه ومحلُّ الجارِّ والمجرور النصبُ على المصدرية أي وما يضرونك شيئاً من الضرر لما أنه تعالى عاصمُك ، وأما ما خطرَ ببالك فكان عملاً منك بظاهر الحالِ ثقةً بأقوال القائلين من غير أن يخطُر ببالك أن الحقيقةَ على خلاف ذلك { وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة } أي القرآنَ الجامعَ بين العنوانين ، وقيل : المرادُ بالحكمة السنة { وَعَلَّمَكَ } بالوحي من خفيّات الأمورِ التي من جملتها وجوهُ إبطالِ كيدِ المنافقين ، أو من أمور الدين وأحكامِ الشرع { مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } ذلك إلى وقت التعليم { وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً } إذ لا فضلَ أعظمُ من النبوة العامةِ والرياسة التامّة . (2/155)
لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)
{ لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } أي في كثير من تناجي الناسِ { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ } أي إلا في نجوى مَنْ أمرَ { بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ } وقيل : المرادُ بالنجوى المتناجون بطريق المجازِ ، وقيل : النجوى جمع نُجا نقله الكرماني وأياً ما كان فالاستثناءُ متصلٌ ويجوز الانقطاعُ أيضاً على معنى لكنْ مَنْ أمر بصدقة الخ ، ففي نجواه الخير . والمعروفُ كلُّ ما يستحسنه الشرعُ ولا يُنكره العقلُ فينتظم أصنافَ الجميلِ وفنونَ أعمالِ البِرِّ ، وقد فُسِّر هاهنا بالقَرْض وإغاثةِ الملهوف وصدقةِ التطوعِ على أن المرادَ بالصدقة الصدقةُ الواجبة { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } عند وقوعِ المُشاقّةِ والعِداءِ بينهم من غير أن يجاوزَ في ذلك حدودَ الشرعِ الشريفِ ، وبين إما متعلقٌ بنفس إصلاحٍ ، يقال : أصلحتُ بين القوم أو بمحذوف هو صفةٌ له أي كائنٍ بين الناسِ . عن أبي أيوبَ الأنصاري رضي الله تعالى عنه ( أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال له : « ألا أدلك على صدقةٍ خيرٍ لك من حُمْرِ النَّعَم » ، قال : بلى يا رسول الله ، قال : « تُصلح بين الناسِ إذا تفاسدوا وتُقرِّب بينهم إذا تباعدوا » ، قالوا : ولعل السرَّ في إفراد هذه الأقسامِ الثلاثةِ بالذكر أن عملَ الخيرِ المتعدِّي إلى الناس إما لإيصال المنفعةِ أو لدفع المضرَّةِ ، والمنفعةُ إما جُسمانية كإعطاء المالِ وإليه الإشارةُ بقوله تعالى : { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } وإما روحانيةٌ وإليه الإشارةُ بالأمر بالمعروف ، وأما دفعُ الضرر فقد أشير إليه بقوله تعالى : { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } . (2/156)
{ وَمَن يَفْعَلْ ذلك } إشارةٌ إلى الأمور المذكورةِ أعني الصدقةَ والمعروفَ والإصلاحَ فإنه يشار به إلى متعدد ، وما فيه من معنى البُعدِ مع قُرب العهدِ بها للإيذان ببُعد منزلتِها ورفعةِ شأنِها ، وترتيبُ الوعدِ على فعلها إثرَ بيانِ خيريةِ الأمرِ بها لما أن المقصودَ الأصليَّ هو الترغيبُ في الفعل وبيانُ خيريةِ الأمرِ به للدِلالة على خيريته بالطريق الأولى لما أن مدارَ حُسنِ الأمرِ وقُبحِه حسنُ المأمورِ به وقبحُه فحيث ثبت خيريةُ الأمرِ بالأمور المذكورةِ فخيريةُ فعلِها أثبتُ ، وفيه تحريضٌ للأمر بها على فعلها أو إشارةٌ إلى الأمر بها كأنه قيل : ومن يأمْر بها ، والكلامُ في ترتيب الوعدِ على فعلها كالذي مر في الخيرية فإن استتباعَ الأمرِ بها الأجر العظيمِ إنما هو لكونه ذريعةً ( وسبباً ) إلى فعلها فاستتباعُه له أولى وأحقُّ . { ابتغاء مَرْضَاتَ الله } علةٌ للفعل ، والتقييدُ به لأن الأعمالَ بالنيات وأن من فعل خيراً لغير ذلك لم يستحِقَّ به غيرَ الحِرْمان { فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ } بنون العظمةِ على الالتفاتِ وقرىء بالياء { أَجْراً عَظِيماً } يقصُر عنه الوصفُ { وَمَن يُشَاقِقِ الرسول } التعرُّض لعنوان الرسالةِ لإظهار كمالِ شناعةِ ما اجترأوا عليه من المُشاقة والمخالفةِ ، وتعليلِ الحُكمِ الآتي بذلك { مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى } ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات الدالة على ثبوته { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين } أي غيرَ ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل وهو الدين القيم { نُوَلّهِ مَا تولى } أي نجعله والياً لِمَا تولى من الضلال ونخذُله بأن نُخلِّيَ بينه وبين ما اختاره { وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } أي نُدخله إياها ، وقرىء بفتح النون من صَلاه { وَسَاءتْ مَصِيراً } أي جهنم ، وفيها دِلالةٌ على حجية الإجماعِ وحُرمةِ مخالفتِه .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118)
{ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } قد مر تفسيرُه فيما سبق ، وهو تكريرٌ للتأكيد والتشديد ، أو لقصة طُعمةَ وقد مرّ موتُه كافراً . وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أن شيخاً من العرب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني شيخٌ منهمِكٌ في الذنوب إلا أني لم أشرِكْ بالله شيئاً منذ عرفتُه وآمنتُ به ولم أتخذ من دونه ولياً ولم أواقع المعاصيَ جراءةً على الله تعالى وما توهّمتُ طرفةَ عينٍ أني أُعجِزُ الله هرباً وإني لنادم تائبٌ مستغفرٌ فما ترى حالي عند الله تعالى فنزلت ) { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً } عن الحق فإن الشركَ أعظمُ أنواعِ الضلالةِ وأبعدُها عن الصواب والاستقامةِ كما أنه افتراءٌ وإثمٌ عظيمٌ ، ولذلك جُعل الجزاءُ في هذه الشرطيةِ فقد ضل الخ ، فيما سبق فقد افترى إثماً عظيماً حسبما يقتضيهِ سباقُ النظمِ الكريم وسياقُه . (2/157)
{ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } أي ما يعبدون من دونه عز وجل { إِلاَّ إناثا } يعني اللاتَ والعُزَّى ومناةَ ونحوَها . عن الحسن أنه لم يكن من أحياء العربِ حيٌّ إلا كان لهم صنمٌ يعبُدونه يسمُّونه أنثى بني فلان ، قيل : لأنهم كانوا يقولون في أصنامهم هن بناتُ الله ، وقيل : لأنهم كانوا يُلْبِسونها أنواعَ الحَلْي ويُزيِّنونها على هيئات النِّسوانِ ، وقيل : المرادُ الملائكةُ ، لقولهم : الملائكةُ بناتُ الله ، وقيل : تسميتُها إناثاً لتأنيث أسمائِها أو لأنها في الأصل جمادٌ والجماداتُ تؤنَّثُ من حيث أنها ضاهت الإناثَ لانفعالها ، وإيرادُها بهذا الاسم للتنبيه على فرط حماقةِ عَبَدتِها وتناهي جهلِهم ، والإناثُ جمع أنثى كرِباب وربى وقرىء على التوحيد ، وأُنُثاً أيضاً على أنه جمع أنيث كقليب وقلُب ، أو جمع أَنَثٍ كثمار وثمر وقرىء وثنا واثنا بالتخفيف والتثقيل جمع وثن كقولك : أسد وأسد وآسد على الأصل وقلبِ الواو ألفاً نحو أُجوه في وجوه { وَإِن يَدْعُونَ } وما يعبدون بعبادتها { إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً } إذ هو الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها فكانت طاعتُهم له عبادةً والمَريد والمارد هو الذي لا يتعلق بخير ، وأصلُ التركيبِ للملاسة ومنه صرحٌ مُمرّد وشجرةٌ مرداءُ للتي تناثر ورقُها { لَّعَنَهُ الله } صفةٌ ثانيةٌ لشيطاناً { وَقَالَ لاَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } عطفٌ على الجملة المتقدمةِ أي شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنةِ الله وهذا القولِ الشنيعِ الصادرِ عنه عند اللعنِ ولقد برهن على أن عبادةَ الأصنام غايةُ الضلال بطريق التعليلِ بأن ما يعبدونها ينفعل ولا يفعل فعلاً اختيارياً وذلك ينافي الألوهيةَ غايةَ المنافاةِ ثم استُدل عليه بأن ذلك عبادةٌ للشيطان وهو أفظعُ الضلالِ من وجوه ثلاثةٍ : الأولُ منهمكٌ في الغي لا يكاد يعلَق بشيء من الخير والهدى فتكون طاعتُه ضلالاً بعيداً عن الحق ، والثاني أنه ملعونٌ لضلاله فلا تستتبعُ مطاوعتُه سوى اللعنِ والضلالِ ، والثالثُ أنه في غاية السعي في إهلاكهم وإضلالِهم ، فموالاةُ مَنْ هذا شأنُه غايةُ الضلالِ فضلاً عن عبادته ، والمفروضُ : المقطوعُ أي نصيباً قُدّر لي وفُرض ، من قولهم : فرَضَ له في العطاء .
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)
{ وَلاَضِلَّنَّهُمْ وَلامَنّيَنَّهُمْ } الأمانيَّ الباطلةَ كطول الحياةِ وألاّ بعْثَ ولا عقابَ ونحوَ ذلك { وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام } أي فلَيقْطَعُنَّها بموجب أمري ويشُقُّنّها من غير تلعثم في ذلك ولا تأخير وذلك ما كانت العربُ تفعله بالبحائر والسوائب { وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ } ممتثلين به { خَلَقَ الله } عن نهجه صورةً أو صفةً وينتظم فيه ما قيل من فقءِ عين الحامي وخِصاءِ العبيدِ والوشمِ والوشْرِ ونحوِ ذلك ، وعمومُ اللفظِ يمنع الخِصاءَ مطلقاً لكن الفقهاء رخّصوا في البهائم لمكان الحاجةِ وهذه الجملُ المحكيةُ عن اللعين مما نطق به لسانُه مقالاً أو حالاً وما فيها من اللامات كلَّها للقَسَم ، والمأمورُ به في الموضعين محذوفٌ ثقةً بدلالة النظمِ عليه { وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله } بإيثار ما يدعو إليه على ما أمر الله تعالى به ومجاوزتِه عن طاعة الله تعالى إلى طاعته { فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } لأن ضيَّع رأسَ مالِه بالكلية واستبدل بمكانه من الجنة مكانَه من النار { يَعِدُهُمْ } أي ما لا يكاد يُنجِزُه { وَيُمَنّيهِمْ } أي الأمانيَّ الفارغةَ أو يفعل لهم الوعدَ والتمنيةَ على طريقة فلان يُعطي ويمنَعُ والضميران لمن والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في يتخذ وخسر باعتبار لفظها . (2/158)
{ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً } وهو إظهارُ النفعِ فيما فيه الضررُ ، وهذا الوعدُ إما بإلقاء الخواطرِ الفاسدةِ أو بألسنة أوليائِه ، وغروراً إما مفعولٌ ثانٍ للوعد أو مفعولٌ لأجله أو نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي وعداً ذا غرورٍ أو مصدرٌ على غير لفظ المصدرِ لأنّ { يَعِدُهُمْ } في قوة يغرّهم بوعده ، والجملةُ اعتراضٌ وعدمُ التعرّضِ للتمنية لأنها بابٌ من الوعد { أولئك } إشارةٌ إلى أولياء الشيطان ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعد منزلتِهم في الخُسران ، وهو مبتدأٌ وقوله تعالى : { مَأْوَاهُمْ } مبتدأٌ ثانٍ وقولُه تعالى : { جَهَنَّمُ } خبرٌ للثاني والجملةُ من الثاني ( وخبره ) خبرٌ للأول { وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً } أي معدِلاً ومهرَباً من حاص الحمارُ إذا عدَل ، وقيل : خلَص ونجا ، وقيل : الحَيْصُ هو الرَّوَغانُ بنفور ، و { عَنْهَا } متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من محيصاً أي كائناً عنها ، ولا مَساغَ لتعلُّقه بمحيصاً ، أما إذا كان اسمَ مكانٍ فظاهرٌ ، وأما إذا كان مصدراً فلأنه لا يعمل فيما قبله .
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123)
{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : { سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا أَبَداً } قرَن وعيدَ الكفرةِ بوعد المؤمنين زيادةً لمَسرَّة هؤلاءِ ومَساءةِ أولئك { وَعْدَ الله حَقّا } أي وعَده وعداً وحقَّ ذلك حقاً ، فالأولُ مؤكدٌ لنفسه لأن مضمونَ الجملةِ الاسميةِ وعدٌ ، والثاني مؤكدٌ لغيره ويجوز أن ينتصِبَ الموصولُ بمضمر يفسِّره ما بعده وينتصب { وَعَدَ الله } بقوله تعالى : { سَنُدْخِلُهُمْ } لأنه في معنى نعِدُهم إدخالَ جناتٍ الخ ، وحقاً على أنه حال من المصدر { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً } جملةٌ مؤكدةٌ بليغةٌ ، والمقصودُ من الآية معارضَةُ مواعيدِ الشيطانِ الكاذبةِ لقرنائه بوعد الله الصادقِ لأوليائه والمبالغةُ في تأكيده ترغيباً للعباد في تحصيله ، والقيلُ مصدرٌ كالقول والقال ، وقال ابنُ السِّكِّيتِ : القيلُ والقالُ اسمانِ لا مصدرانِ ونصبُه على التمييز وقرىء بإشمام الصادِ ، وكذا كلُّ صادٍ ساكنةٍ بعدها دالٌ . (2/159)
{ لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب } أي ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصُل بأمانيكم إيها المسلمون ولا بأمانيِّ أهلِ الكتابِ وإنما يحصُل بالإيمان والعملِ الصالحِ ، ولعل نظمَ أمانيِّ أهلِ الكتابِ في سلك أمانيِّ المسلمين مع ظهور حالِها للإيذان بعدم إجداءِ أمانيِّ المسلمين أصلاً كما في قوله تعالى : { وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } كما سلف ، وعن الحسن ليس الإيمانُ بالتمنِّي ولكنْ ما وقر في القلب وصدّقه العملُ ، إن قوماً ألهتْهم أمانيُّ المغفرةِ حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنةَ لهم وقالوا : نُحسِنُ الظنَّ بالله وكذَبوا لو أحسنوا الظنَّ به لأحسنوا العملَ . وقيل : ( إن المسلمين وأهلَ الكتاب افتخروا فقال أهلُ الكتاب : نبيُّنا قبل نبيِّكم وكتابُنا قبل كتابِكم فنحن أولى بالله تعالى منكم ، فقال المسلمون : نحنُ أولى منكم نبيُّنا خاتمُ النبيين وكتابُنا يقضي على الكتب المتقدمةِ فنزلت ) . وقيل : ( الخطابُ للمشركين ) ويؤيده تقدّمُ ذكرِهم أي ليس الأمرُ بأمانيِّ المشركين وهو قولُهم : لا جَنةَ ولا نارَ ، وقولُهم : إن كان الأمرُ كما يزعُم هؤلاء لنكونَنّ خيراً منهم وأحسنَ حالاً ، وقولُهم : لأوتين مالاً وولداً ، ولا أمانيِّ أهلِ الكتاب ، وهو قولُهم : { لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } وقولُهم { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } ثم قرر ذلك بقوله تعالى : { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } عاجلاً أو آجلاً ( لما روي أَنَّهُ لما نزلت قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : فمن ينجو مع هذا يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أما تحزنُ أو تمرَضُ أو يصيبُك البلاء؟ » قال : بلى يا رسول الله ، قال : « هو ذاك » { وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله } أي مجاوزاً لموالاة الله ونُصرتِه { وَلِيّاً } يواليه { وَلاَ نَصِيراً } ينصُره في دفع العذاب عنه .
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125)
{ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات } أي بعضَها أو شيئاً منها فإن كلَّ أحدٍ لا يتمكن من كلها وليس مكلَّفاً بها { مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } في موضع الحالِ من المستكنّ في { يَعْمَلُ } ومن للبيان أو من الصالحات فمن للابتداء أي كائنةً من ذكر الخ ، { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } حالٌ ، شرَط اقترانَ العملِ بها في استدعاء الثوابِ المذكورِ تنبيهاً على أنه لا اعتدادَ به دونه { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى { مِنْ } بعنوان اتصافِه بالإيمان والعملِ الصالحِ ، والجمعُ باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظِها وما فيه من معنى البُعد لما مر غيرَ مرةٍ من الإشعار بعلوّ رُتبةِ المُشار إليه وبُعد منزلتِه في الشرف { يَدْخُلُونَ الجنة } وقرىء يُدخَلون مبنياً للمفعول من الإدخال { وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } أي لا يُنقصون شيئاً حقيراً من ثواب أعمالِهم فإن النقيرَ عَلَم في القلة والحَقارةِ وإذا لم يُنقص ثوابُ المطيعِ فلأَنْ لا يزادَ عقابُ العاصي أولى وأحرى ، كيف لا والمجازي ( هو ) أرحمُ الراحمين ، وهو السرُّ في الاقتصار على ذكره عَقيبَ الثواب . (2/160)
{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله } أي أخلص نفسَه له تعالى لا يعرِف له رباً سواه ، وقيل : بذل وجهَه له في السجود ، وقيل : أخلصَ عملَه له عز وجل ، وقيل : فوّض أمرَه إليه تعالى ، وهذا إنكارٌ واستبعادٌ لأن يكون أحدٌ أحسنَ ديناً ممن فعل ذلك أو مساوياً له وإن لم يكن سبكُ التركيبِ متعرِّضاً لإنكار المساواةِ ، ونفيُها يُرشِدُك إليه العُرفُ المطّردُ والاستعمالُ الفاشي ، فإنه إذا قيل : مَنْ أكرمُ من فلان أو لا أفضلَ من فلان ، فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريم وأفضلُ من كل فاضلٍ ، وعليه مساقُ قوله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى } ونظائرِه ، وديناً نُصب على التمييز من أحسنُ منقولٌ من المبتدأ ، والتقديرُ ومن دينُه أحسنُ من دين مَنْ أسلم الخ ، فالتفضيلُ في الحقيقة جارٍ بين الدينين لا بين صاحبيهما ففيه تنبيه على أن ذلك أقصى ما تنتهي إليه القوةُ البشرية { وَهُوَ مُحْسِنٌ } أي آتٍ بالحسنات تاركٌ للسيئات ، أو آتٍ بالأعمال الصالحة على الوجه اللائقِ الذي هو حسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحسنها الذاتي ، وقد فسره عليه الصلاة والسلام بقوله : « أن تعبُدَ الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك » والجملةُ حال من فاعل أسلم { واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم } الموافقةُ لدين الإسلامِ المتّفق على صحتها وقبولِها { حَنِيفاً } مائلاً عن الأديان الزائغةِ وهو حال من فاعل اتبع أو ( حال ) من إبراهيم .
{ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً } اصطفاه وخصَّه بكرامات تُشبه كراماتِ الخليلِ عند خليلِه ، وإظهارُه عليه الصلاة والسلام في موقع الإضمار لتفخيم شأنِه والتنصيصِ على أنه الممدوحُ ، وتأكيدِ استقلالِ الجملةِ الاعتراضية ، والخُلّةُ من الخِلال فإنه ودٌّ تخلَّل النفسَ وخالطَها .
وقيل : من الخَلَل فإن كل واحد من الخليلين يسد خلَلَ الآخَر ، أو من الخل وهو الطريقُ في الرمل فإنهما يتوافقان في الطريقة أو من الخَلّة بمعنى الخَصْلة فإنهما يتوافقان في الخِصال ، وفائدةُ الاعتراضِ جَمّةٌ من جملتها الترغيبُ في اتباع ملتِه عليه السلام فإن من بلغ من الزُّلفى عند الله تعالى مَبْلغاً مصحِّحاً لتسميته خليلاً حقيقٌ بأن يكون اتباعُ طريقتِه أهمَّ ما يمتد إليه أعناقُ الهِمم وأشرفَ ما يَرمُق نحوه أحداقُ الأُمم ، قيل : ( إنه عليه الصلاة والسلام بَعث إلى خليل له بمصرَ في أزمة أصابت الناسَ يمتارُ منه ، فقال خليلُه : لو كان إبراهيمُ يطلب المِيرةَ لنفسه لفعلت ، ولكنه يُريدها للأضياف ، وقد أصابنا ما أصاب الناسَ من الشدة ، فرجَع غِلمانُه عليه الصلاة والسلام فاجتازوا ببطحاءَ لينة فملأوا منها الغرائرَ حياءً من الناس وجاءوا بها إلى منزل إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام وألقَوْها فيه وتفرّقوا وجاء أحدُهم فأخبر إبراهيمَ بالقصة فاغتم لذلك غماً شديداً لا سيما لاجتماع الناسِ ببابه رجاءَ الطعام فغلبته عيناه وعمَدت سارةُ إلى الغرائر فإذا فيها أجودُ ما يكون من الحُوَّارَى فاختبزت ، وفي رواية فأطعمت الناسَ وانتبه إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام فاشتم رائحةَ الخبزِ فقال : من أين لكم ، قالت سارة : من خليلك المِصريِّ ، فقال : بل من عند خليلي الله عز وجل فسماه الله تعالى خليلاً . (2/161)
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)
{ وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } جملةٌ مبتدأةٌ سيقت لتقرير وجوبِ طاعة الله تعالى على أهل السموات والأرضِ ببيانِ أن جميعَ ما فيهما من الموجودات له تعالى خلقاً ومُلكاً لا يخرُج عن مَلَكوته شيءٌ منها فيجازي كلاًّ بموجب أعمالِه خيراً أو شراً ، وقيل : لبيان أن اتخاذَه عز وجل لإبراهيمَ عليه السلام خليلاً ليس لاحتياجه سبحانه إلى ذلك في شأنٍ من شؤونه كما هو دأبُ الآدميين فإن مدار خُلَّتِهم افتقارُ بعضِهم إلى بعض في مصالحهم ، بل لمجرد تكرمتِه وتشريفِه عليه السلام ، وقيل : لبيان أن الخُلة لا تخرجه عن رتبة العبوديةِ ، وقيل : لبيان أن اصطفاءَه عليه السلام للخُلّة بمحض مشيئتِه تعالى أي له تعالى ما فيهما جميعاً يختار منهما ما يشاء لمن يشاء وقوله عز وجل : { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله على الوجوه المذكورةِ فإن إحاطتَه تعالى علماً وقُدرةً بجميع الأشياءِ التي من جملتها ما فيهما من المكلفين وأعمالِهم مما يقرِّرُ ذلك أكملَ تقرير . (2/162)
{ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء } أي في حقهن على الإطلاق كما ينبىء عنه الأحكامُ الآتية لا في حق ميراثِهن خاصة فإنه صلى الله عليه وسلم قد سُئل عن أحوال كثيرةٍ مما يتعلق بهن ، فما بُيِّن حكمُه فيما سلف أحيل بيانُه على ما ورد في ذلك من الكتاب ، وما لم يُبيَّن حُكمُه بعدُ بُيِّن هاهنا ، وذلك قوله تعالى : { قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِى الكتاب } بإسناد الإفتاءِ الذي هو بيانُ المُبهم وتوضيحُ المُشكلِ إليه تعالى وإلى ما تُليَ من الكتاب فيما سبق باعتبارين على طريقة قولِك : أغناني زيدٌ وعطاؤُه بعطف { مَا } على المبتدأ أو ضميرِه في الخبر لمكان الفصلِ بالمفعول والجارِّ والمجرور ، وإيثارُ صيغة المضارعِ للإيذان باستمرار التلاوةِ ودوامِها و { فِى الكتاب } إما متعلقٌ بيُتلى أو بمحذوف وقع حالاً من المستكنّ فيه أي يتلى كائناً فيه ويجوز أن يكون ما يتلى عليكم مبتدأً وفي الكتاب خبرُه على أن المرادَ به اللوحُ المحفوظُ ، والجملةُ معترضةٌ مسوقةٌ لبيان عِظَمِ شأن المتلوِّ عليهم وأن العدلَ في الحقوق المبنيّة فيه من عظائم الأمورِ التي يجب مراعاتُها والمحافظةُ عليها فيما يتلى حينئذ متناولٌ لما تُليَ وما سيتلى ويجوز أن يكون مجروراً على القسم المُنبىءِ عن تعظيم المقسَم به وتفخيمِه كأنه قيل : قل الله يُفتيكم فيهن وأُقسِم بما يتلى عليكم في الكتاب ، فالمرادُ بقوله تعالى : { يُفْتِيكُمْ } بيانُه السابقُ واللاحقُ ولا مساغَ لعطفه على المجرور من فيهن لاختلاله لفظاً ومعنى ، وقولُه تعالى : { فِى يتامى النساء } على الوجه الأولِ وهو الأظهرُ متعلقٌ بيتلى أي ما يتلى عليكم في شأنهن ، وعلى الأخيرين بدلٌ من فيهن ، وهذه الإضافةُ بمعنى من لأنها إضافةُ الشيءِ إلى جنسه وقرىء ييامى بقلب همزةِ أيامى ياءً .
{ اللاتى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } أي ما فُرض لهن من الميراث وغيره { وَتَرْغَبُونَ } عطفٌ على الصلة عطفَ جملةٍ مُثبتةٍ على جملة منفية ، وقيل : حال من فاعل تؤتونهن بتأويل وأنتم ترغبون ، ولا ريب في أنه لا يظهر لتقييدِ عدمِ الإيتاءِ بذلك فائدةٌ إلا إذا أريد بما كُتب لهن صَداقُهن { أَن تَنكِحُوهُنَّ } أي في أن تنكِحوهن لا لأجل التمتعِ بهن بل لأكل مالِهن أو في أن تنكوحهن بغير إكمالِ الصَّداقِ وذلك ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها من أنها اليتيمةُ تكون في حِجْر وليِّها فيرغب في مالها وجمالِها ويرد أن ينكِحَها بأدنى من سُنة نسائِها فنُهوا أن ينكِحوهن إلا أن يُقسِطوا لهن في إكمال الصَّداقِ أو عن أن تنكِحوهن ، وذلك ما روي عنها رضي الله عنها أنها يتيمةٌ يرغب وليُّها عن نكاحها ولا يُنكِحُها فيعضُلها طمعاً في ميراثها ، وفي رواية عنها رضي الله عنها هو الرجلُ يكون عنده يتيمةٌ هو وليُّها ووارثُها وشريكُها في المال حتى في العِذْق فيرغب أن ينكِحَها ويكره أن يزوِّجَها رجلاً فيَشرُكَه في ماله بما شرَكَتْه فيعضُلها ، فالمرادُ بما كُتب لهن على الوجه الأولِ والأخير ميراثُهن وبما يتلى في حقهن قولُه تعالى : { وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } وقولُه تعالى : { وَلاَ تَأْكُلُوهَا } ونحوُهما من النصوص الدالةِ على عدم التعرّضِ لأموالهم وعلى الوجه الثاني صَداقُهن وبما يتلى فيهن قوله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى } الآية . (2/163)
{ والمستضعفين مِنَ الولدان } عطفٌ على يتامى النساءِ وما يتلى في حقهم وقولِه تعالى : { يُوصِيكُمُ الله } الخ ، وقد كانوا في الجاهلية لا يورِّثونهم كما لا يورِّثون النساءَ ، وإنما يورِّثون الرجالَ القوّامين بالأمور . رُوي أن عيينةَ بنَ حصنٍ الفزاريَّ جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أُخبرنا بأنك تعطي الابنةَ النصفَ والأختَ النصفَ وإنما كنا نورِّث من يشهدُ القِتالَ ويجوز الغنيمة ، فقال عليه الصلاة والسلام : « كذلك أُمِرْتُ » { وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط } بالجر عطفٌ على ما قبله ، وما يتلى في حقهم قولُه تعالى : { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم } ونحوُ ذلك مما لا يكاد يحصُر هذا على تقدير كونِ { فِى يتامى النساء } متعلقاً بيتلى ، وأما على تقدير كونِه بدلاً من فيهن فالوجهُ نصبُه عطفاً على موضع { فِيهِنَّ } أي يفتيكم أن تقوموا ويجوز نصبُه بإضمار فعلٍ ، أي ويأمركم ، وهو خطابٌ للولاة أو الأولياء والأوصياءِ { وَمَا تَفْعَلُواْ } في حقوق المذكورين { مّنْ خَيْرٍ } حسبما أُمرتم به أو ما تفعلوه من خير على الإطلاق ، فيندرجُ فيه ما يتعلق بهم اندراجاً أولياً { فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً } فيجازيكم بحسبه .
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)
{ وَإِنِ امرأة خافت } شروعٌ في بيان ما لم يُبيَّن فيما سلف من الأحكام أي إن توقعت امرأةٌ { مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً } أي تجافياً عنها وترفّعاً عن صحبتها كراهةً لها ومنعاً لحقوقها { أَوْ إِعْرَاضاً } بأن يُقِلَّ محادثَتَها ومؤانستَها لما يقتضي ذلك من الدواعي والأسباب { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } حينئذ { أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } أي في أن يصلحا بينهما بأن تحُطَّ عنه المَهرَ أو بعضَه أو القَسْمَ كما فعلت سَودةُ بنتُ زَمعةٍ حين كرِهت أن يفارِقَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فوهَبت يومَها لعائشة رضي الله عنها أو بأن تهَبَ له شيئاً تستميلُه ، وقرىء يَصّالحا من يتصالحا ويصَّلِحا من يصطلحا ويُصالِحا من المفاعلة ، وصُلحاً إما منصوبٌ بالفعل المذكورِ على كل تقديرٍ على أنه مصدرٌ منه بحذف الزوائدِ ، وقد يُعبّر عنه باسم المصدرِ كأنه قيل : إصلاحاً أو تصَالُحاً أو اصطلاحاً حسبما قُرىء الفعل أو بفعل مترتبٍ على المذكور أي فيُصلِح حالَهما صلحاً ، وبينهما ظرفٌ للفعل أو حال من صُلحاً ، والتعرُّضُ لنفي الجُناحِ عنهما مع أنه ليس من جنابها الأخذُ الذي هو المَظِنَّةُ للجُناح لبيان أن هذا الصلحَ ليس من قبيل الرَّشوةِ المحرمة للمعطي والآخذ . (2/164)
{ والصلح خَيْرٌ } أي من الفُرقة أو من سوء العِشرةِ أو من الخصومة فاللامُ للعهد أو هو خيرٌ من الخيور فاللامُ للجنس والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله وكذا قوله تعالى : { وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح } أي جعلت حاضرةً له مطبوعةً عليه لا تنفك عنه أبداً ، فلا المرأةُ تسمح بحقوقها من الرجل ولا الرجلُ يجود بحسن المعاشرةِ مع دمامتها فإن فيه تحقيقاً للصلح وتقريراً له بحثِّ كلَ منهما عليه لكنْ لا بالنظر إلى حال نفسِه فإن ذلك يستدعي التماديَ في المماسكة والشقاقِ بل بالنظر إلى حال صاحبِه فإن شحَّ نفسِ الرجلِ وعدمَ ميلِها عن حالتها الجِبِلِّية بغير استمالةٍ مما يحمِل المرأةَ على بذل بعض حقوقِها إليه لاستمالته وكذا شحُّ نفسِها بحقوقها مما يحمل الرجلَ على أن يقتنع من قِبَلها بشيء يسير ولا يُكلّفَها بذلَ الكثيرِ فيتحقق بذلك الصلح { وَإِن تُحْسِنُواْ } في العِشرة { وَتَتَّقُواْ } النشوزَ والإعراضَ مع تعاضُد الأسبابِ الداعيةِ إليهما وتصبِروا على ذلك مراعاةً لحقوق الصُّحبةِ ولم تَضْطَرُّوهن إلى بذل شيءٍ من حقوقهن { فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي من الإحسان والتقوى أو بما تعملون جميعاً فيدخُل ذلك فيه دخولاً أولياً { خَبِيراً } فيجازيكم ويثبتُكم على ذلك البتةَ لاستحالة أن يُضيِّعَ أجرَ المحسنين . وفي خطاب الأزواجِ بطريق الالتفاتِ والتعبيرِ عن رعاية حقوقِهن بالإحسان ولفظِ التقوى المنبىءِ عن كون النشوزِ والإعراض مما يُتوقى منه وترتيبِ الوعدِ الكريمِ عليه من لطف الاستمالةِ والترغيب في حسن المعاملةِ ما لا يخفى . روي أنها نزلت في عَمرةَ بنتِ محمدِ بنِ مَسلمةَ وزوجِها سعدِ بنِ الربيع تزوّجها وهي شابةٌ فلما علاها الكِبَرُ تزوج شابةً وآثرها عليها وجفاها فأتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وشكت إليه ذلك ، وقيل : نزلت في أبي السائب ، كانت له امرأةٌ قد كبِرَت وله منها أولادٌ فأراد أن يطلقَها ويتزوجَ غيرَها فقالت : لا تُطلِّقَني ودعني على أولادي فاقسِمْ لي من كل شهرين وإن شئت فلا تقسِمْ لي ، فقال : إن كان يصلُح ذلك فهو أحبُّ إلي فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فنزلت .
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131)
{ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء } أي مُحال أن تقدِروا على أن تعدِلوا بينهن بحيث لا يقع ميلٌ ما إلى جانب إحداهن في شأن من الشؤون البتةَ وقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقسِمُ بين نسائِه فيعدِلُ ثم يقول : « اللهم هذا قَسْمي فيما أملِك فلا تؤاخِذْني فيما تملِكُ ولا أملِكُ » وفي رواية « وأنت أعلم بما لا أملك » يعني فرطَ محبتِه لعائشة رضي الله عنها { وَلَوْ حَرَصْتُمْ } أي على إقامة العدلِ وبالغتم في ذلك { فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل } أي فلا تجوروا على المرغوب عنها كلَّ الجَوْرِ واعدِلوا ما استطعتم فإن عجْزَكم عن حقيقة العدلِ إنما يصحح عدمَ تكليفِكم بها لا بما دونها من المراتب الداخلةِ تحت استطاعتِكم { فَتَذَرُوهَا } أي التي مِلْتم عنها { كالمعلقة } التي ليست ذاتَ بعلٍ أو مطلقة وقرىء كالمسجونة وفي الحديث : « مَنْ كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحدُ شِقَّيه مائلٌ » { وَإِن تُصْلِحُواْ } ما كنتم تُفسِدون من أمورهن { وَتَتَّقُواْ } الميلَ فيما يستقبل { فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً } يغفرُ لكم ما فرَط منكم من الميل { رَّحِيماً } يتفضل عليكم برحمته . (2/165)
{ وَإِن يَتَفَرَّقَا } وقرىء يتفارقا أي وإن يفارقْ كلٌّ منهما صاحبَه بأن لم يتفِقْ بينهما وِفاقٌ بوجه ما من الصلح وغيرِه { يُغْنِ الله كُلاًّ } منهما أي يجعلْه مستغنياً عن الآخَر ويُكْفِه مُهمّاتِه { مّن سَعَتِهِ } من غناه وقُدرته ، وفيه زجرٌ لهما عن المفارقة رُغماً لصاحبه { وَكَانَ الله واسعا حَكِيماً } مقتدراً متْقِناً في أفعاله وأحكامِه ، وقولُه تعالى : { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } أي من الموجودات كائناً ما كان من الخلائق وأرزاقُهم وغيرُ ذلك ، جملةٌ مستأنفةٌ منبّهةٌ على كمال سعتِه وعِظَم قدرتِه { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } أي أمرناهم في كتابهم وهم اليهودُ والنصارى ومَنْ قبلهم من الأمم ، واللامُ في الكتاب للجنس ، و { مِنْ } متعلقة بوصّينا أو بأوتوا { وإياكم } عطف على الموصول { أَنِ اتقوا الله } أي وصينا كلاًّ منكم ومنهم بأن اتقوا الله على أنّ أنْ مصدريةٌ حُذف منها الجارُّ ويجوز أن تكون مفسِّرةً ، لأن التوصيةَ في معنى القولِ فقوله تعالى : { وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } حينئذ من تتمة القولِ المحكيِّ أي ولقد قلنا لهم ولكم : اتقوا الله وإن تكفروا إلى آخلا الآية ، وعلى تقدير كونِ أنْ مصدرية مبني الكلام وإرادة القول أي أمرناهم وإياكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم : إن تكفروا الآية ، وقيل : هي جملةٌ مستأنفةٌ خوطب بها هذه الأمةُ ، وأياً ما كان فالمترتبُ على كفرهم ليس مضمونَ قولِه تعالى : { فَإِنَّ الله } الآية ، بل هو الأمرُ بعلمه كأنه قيل : وإن تكفروا فاعلَموا أن لله ما في السموات وما في الأرض من الخلائق قاطبةً مفتقرون إليه في الوجود وسائرِ النعمِ المتفرِّعةِ عليه لا يستغنون عن فيضه طرفةَ عينٍ فحقُّه أن يُطاع ولا يعصى ويتقى عقابُه ويرجى ثوابُه وقد قرر ذلك بقوله تعالى : { وَكَانَ الله غَنِيّاً } أي عن الخلق وعبادتِهم { حَمِيداً } محموداً في ذاته حمِدوه أو لم يحْمَدوه فلا يتضرر بكفرهم ومعاصيهم كما لا ينتفع بشكرهم وتقواهم وإنما وصّاهم بالتقوى لرحمته لا لحاجته .
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)
{ وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ للمخاطبين توطئةً لما بعده من الشرطية غيرُ داخلٍ تحت القول المحكيِّ أي له سبحانه ما فيهما من الخلائق خلقاً ومُلكاً يتصرف فيهم كيفما يشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة . (2/166)
{ وكفى بالله وَكِيلاً } في تدبير أمورِ الكلِّ وكلِّ الأمور فلا بد من أن يُتوكلَ عليه لا على أحد سواه { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } أي يُفْنِكم ويستأصِلْكم بالمرة { وَيَأْتِ بِآخَرِينَ } أي ويوجِدْ دفعةً مكانكم قوماً آخرين من البشر أو خلقاً آخرين مكانَ الإنسِ ، ومفعولُ المشيئةِ محذوفٌ لكونه مضمونَ الجزاءِ أي إن يشأ إفناءَكم وإيجادَ آخرين يذهبْكم الخ ، يعني أن إبقاءَكم على ما أنتم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم ولعدم تعلقِ مشيئتِه المبنيةِ على الحِكَم البالغةِ بإفنائكم لا لعجزه سبحانه ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً { وَكَانَ الله على ذلك } أي على إفنائكم بالمدة وإيجاد آخرين دفعة مكانكم { قَدِيراً } بليغَ القدرةِ فيه لا سيما في توسط الخطابِ بين الجزاءِ وما عُطف عليه من تشديد التهديد ما لا يخفى ، وقيل : خطاب لمن عادى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من العرب ، أي إن يشأ يُمِتْكم ويأتِ بأناس آخرين يوالونه فمعناه هو معنى قوله تعالى : { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم } ويروى أنها لما نزلت ضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمانَ وقال : « إنهم قومُ هذا يريد أبناءَ فارسَ » { مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا } كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة { فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والاخرة } أي فعنده تعالى ثوابُهما له إن أراده فما له يطلُب أخسَّهما فليطلُبْهما كمن يقول : ربنا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً أو لِيَطلُبْ أشرفَهما فإن من جاهد خالصاً لوجه الله تعالى لم تُخطِئْه الغنيمةُ وله في الآخرة ما هي في جنبه كَلاَ شيءٍ أي فعند الله ثوابُ الدارين فيعطي كلاًّ ما يريده كقوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاخرة نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ } الآية ، { وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً } عالماً بجميع المسموعاتِ والمُبصَرات فيندرج فيها ما صدَر عنهم من الأقوال والأعمالِ المتعلقةِ بمراداتهم اندراجاً أولياً .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)
{ ياأيها الذين ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط } مبالِغين في العدْل وإقامةِ القسطِ في جميع الأمورِ مجتهدين في ذلك حقَّ الاجتهاد { شُهَدَاء الله } بالحق تقيمون شهاداتِكم لوجه الله تعالى وهو خبرٌ ثانٍ وقيل : حال { وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } أي لو كانت الشهادةُ على أنفسكم بأن تُقِرُّوا عليها على أن الشهادةَ عبارةٌ عن الإخبار بحق الغيرِ سواءٌ كان ذلك عليه أو على ثالث بأن تكونَ الشهادةُ مستتبِعةً لضرر ينالكم من جهة المشهودِ عليه { أَوِ الوالدين والاقربين } أي ولو كانت على والدِيكم وأقاربِكم { إِن يَكُنَّ } أي المشهودُ عليه { غَنِيّاً } يبتغى في العادة رضاه ويتقى سَخَطُه { أَوْ فَقَيراً } يُترحّم عليه غالباً ، وقرىء إن يكن غنيٌّ أو فقيرٌ على أن كان تامةٌ وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة قوله تعالى : { فالله أولى بِهِمَا } عليه فلا يمتنعوا عنها طلباً لرضا الغِنى أو ترحماً على الفقير فإن الله تعالى أَولى بجنسي الغنيِّ والفقير المدلولِ عليهما بما ذكر ولو أن الشهادةَ عليهما مصلحةٌ لهما لما شرَعها وقرىء أَوْلى بهم { فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى أَن تَعْدِلُواْ } أي مخافةَ أن تعدِلوا عن الحق فإن اتباعَ الهوى من مظانِّ الجَوْرِ الذي حقُّه أن يُخافَ ويُحذر ، وقيل : كراهةَ أن تعدِلوا بين الناسِ أو إرادةَ أن تعدِلوا بين الناسِ أو إرادةَ أن تعدِلوا عن الحق { وَإِن تَلْوُواْ } أي ألسنتَكم عن شهادة الحقِّ أو حكومةِ العدلُ بأن تأتوا بها لا على وجهها ، وقرىء وإن تلُوا من الولاية والتصدي أي وإن وَلِيتم إقامةَ الشهادة { أَوْ تُعْرِضُواْ } أي عن إقامتها رأساً { فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ } مِن لَيِّ الألسنةِ والإعراضِ بالكلية أو من جميعِ الأعمالِ التي من جُملتها ما ذكر { خَبِيراً } فيجازيكم لا محالة على ذلك فهو على القراءة المشهورةِ وعيدٌ محضٌ وعلى القراءة الأخيرةِ متضمِّنٌ للوعيد . (2/167)
{ يأيُّها الَّذِينَ آمنُوا } خطابٌ لكافة المسلمين فمعنى قولِه تعالى : { آمنُوا بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذى نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ } اثبُتوا على الإيمان بذلك ودُوموا عليه وازدادوا فيه طُمأْنينةً ويقيناً أو آمِنوا بما ذُكر متصلاً بناء على أن إيمانَ بعضِهم إجماليٌّ ، والمرادُ بالكتاب الثاني الجنسُ المنتظِمُ لجميع الكتب السماوية لقوله تعالى : { وَكُتُبِهِ } وبالإيمان به الإيمانُ بأن كلَّ كتاب من تلك الكتبِ مُنزَّلٌ منه تعالى على رسول معينٍ لإرشاد أمتِه إلى ما شرَع لهم من الدين بالأوامر والنواهي لكن لا على أن مدارَ الإيمانِ بكل واحدٍ من تلك الكتبِ خصوصيةُ ذلك الكتابِ ، ولا على أن أحكامَ تلك الكتبِ وشرائعَها باقيةٌ بالكلية ولا على أن الباقيَ منها معتبرٌ بالإضافة إليها بل على أن الإيمانَ بالكل مندرجٌ تحت الإيمانِ بالكتاب المنزلِ على رسوله وأن أحكامَ كلَ منها كانت حقةً ثابتةً إلى ورود ما نسخها وأن ما لم ينسَخْ منها إلى الآن من الشرائع والأحكامِ ثابتةٌ من حيث إنها من أحكام هذا الكتابِ الجليلِ المصونِ عن النسخ والتبديلِ كما مر في تفسير خاتمةِ سورة البقرةِ ، وقرىء نُزل وأُنزل على البناء للمفعول ، وقيل : ( هو خطابٌ لمؤمني أهلِ الكتابِ لما أن عبدَ اللَّه بنَ سلام وابنَ أختِه سلامةَ وابنَ أخيه سَلَمةَ وأسَداً وأُسيداً بنيْ كعبٍ وثعلبةَ بنَ قيسٍ ويامينَ بنَ يامينَ أتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراةِ وعزيرٍ ، ونكفر بما سواه من الكتب والرسُلِ ، فقال عليه السلام :
« بل آمِنوا بالله ورسولِه محمدٍ وكتابه القرآنِ وبكل كتابٍ كان قبله » ، فقالوا : لا نفعل فنزلت ) فآمنوا كلُّهم فأمرهم بالإيمان بالكتاب المتناوِلِ للتوراة مع أنهم مؤمنون بها من قبلُ ليس لكون المرادِ بالإيمان ما يعُمّ إنشاءَه والثباتَ عليه ولا لأن متعلَّقَ الأمر حقيقةً هو الإيمانُ بما عداها كأنه قيل : آمِنوا بالكل ولا تخُصُّوه بالبعض بل لأن المأمورَ له إنما هو الإيمانُ بها في ضمن الإيمانِ بالقرآن على الوجه الذي أشير إليه آنفاً لا إيمانُهم السابقُ ، ولأن فيه حملاً لهم على التسوية بينها وبين سائر الكتبِ في التصديق لاشتراك الكلِّ فيما يوجبه وهو النزولُ من عند الله تعالى ، وقيل : خطابٌ لأهل الكتابين فالمعنى آمنوا بالكل لا ببعض دون بعضٍ وأمرٌ لكل طائفةٍ بالإيمان بكتابه في ضمن الأمرِ بالإيمان بجنس الكتابِ لما ذكر ، وقيل : هو للمنافقين ، فالمعنى آمِنوا بقلوبكم لا بألسنتكم فقط { وَمَن يَكْفُرْ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليوم الاخر } أي بشيء من ذلك { فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً } عن المقصِد بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه ، وزيادةُ الملائكةِ واليومِ الآخرِ في جانب الكفرِ لما أنه بالكفر بأحدهما لا يتحقق الإيمانُ أصلاً ، وجمعُ الكتبِ والرسلِ لما أن الكفرَ بكتاب أو برسول كفرٌ بالكل ، وتقديمُ الرسولِ فيما سبق لذكر الكتابِ بعنوان كونِه منزلاً عليه ، وتقديمُ الملائكة والكتبِ على الرسل لأنهم وسائطُ بين الله عز وجل وبين الرسلِ في إنزال الكتب . (2/168)
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138)
{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } قال قتادة : هم اليهودُ آمنوا بموسى { ثُمَّ كَفَرُواْ } بعبادتهم العجلَ { ثُمَّ آمنوا } عند عَودِه إليهم { ثُمَّ كَفَرُواْ } بعيسى والإنجيل { ثُمَّ ازدادوا كُفْراً } بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : هم قومٌ تكررَ منهم الارتدادُ وأصرّوا على الكفر وازدادوا تمادياً في الغي { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } لما أنه يُستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبُتوا على الإيمان فإن قلوبَهم قد ضربت بالكفر وتمرّنت على الرِّدة ، وكان الإيمانُ عندهم أهونَ شيء وأدونَه لا أنهم لو أخلصوا الإيمانَ لم يُقبل منهم ولم يغفَرْ لهم ، وخبرُ كان محذوفٌ أي مريداً ليغفر لهم . وقولُه عز وجل : { بَشّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } يدل على أن المرادَ بالمذكورين الذين آمنوا في الظاهر نِفاقاً وكفروا في السر مرةً بعد أخرى ثم ازدادوا كفراً ونفاقاً ، ووضعُ التبشيرِ موضعَ الإنذار تهكماً بهم . (2/169)
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)
{ الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء } في محل نصبٍ أو الرفعُ على الذم بمعنى أريد بهم الذين ، أو هم الذين ، وقيل : نُصب على أنه صفةٌ للمنافقين وقوله تعالى : { مِن دُونِ المؤمنين } حال من فاعل يتخذون أي يتخذون الكفرةَ أنصاراً متجاوزين ولايةَ المؤمنين وكانوا يوالونهم ويقول بعضُهم لبعض : لا يتم أمرُ محمدٍ عليه الصلاة والسلام فتولَّوا اليهود { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة } إنكارٌ لرأيهم وإبطالٌ له وبيانٌ لخيبة رجائِهم وقطعٌ لأطماعهم الفارغةِ ، والجملةُ معترضةٌ مقررةٌ لما قبلها أي أيطلُبون بموالاة الكَفرةِ القوةَ والغلبة؟ قال الواحدي : أصلُ العزة الشدةُ ومنه قيل للأرض الشديدة الصُلبة : عَزازٌ ، وقوله تعالى : { فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } تعليلٌ لما يفيده الاستفهامُ الإنكاريُّ من بطلان رأيِهم وخَيبةُ رجائهم فإن انحصارَ جميعِ أفرادِ العزةِ في جنابه عز وعلا بحيث لا ينالها إلا أولياؤُه الذين كُتب لهم العزةُ والغَلَبةُ ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } يقضي ببطلان التعززِ بغيره سبحانه وتعالى واستحالةِ الانتفاعِ به ، وقيل : هو جوابُ شرط محذوفٍ كأنه قيل : إن يبتغوا عندهم العزةَ فإن العزةَ لله ، وجميعاً حال من المستكنّ في قوله تعالى : { لِلَّهِ } لاعتماده على المبتدأ { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ } خطابٌ للمنافقين بطريق الالتفاتِ مفيدٌ لتشديد التوبيخِ الذي يستدعيه تعدادُ جناياتِهم وقرىء مبنياً للمفعول من التنزيل والإنزالِ ونزَلَ أيضاً مخففاً والجملةُ حال من ضمير يتخذون أيضاً مفيدةٌ لكمال قباحةِ حالِهم ونهاية استعصائِهم عليه سبحانه ببيان أنهم فعلوا ما فعلوا من موالاة الكفرة مع تحقق ما يمنعهم من ذلك وهو ورودُ النهي الصريحِ عن مجالستهم المستلزمِ للنهي عن موالاتهم على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه إثرَ بيانِ انتفاءِ ما يدعوهم إليه بالجملة المعترضة ، كأنه قيل : تتخذونهم أولياءَ والحالُ أنه تعالى قد نزّل عليكم قبل هذا بمكة { فِى الكتاب } أي القرآنِ الكريم { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايات الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ } وذلك قوله تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } الآية ، وهذا يقتضي الانزجارَ عن مجالستهم في تلك الجالةِ القبيحةِ فكيف بموالاتهم والاعتزازِ بهم؟ . (2/170)
وأنْ هي المخففةُ من أنّ وضميرُ الشأنِ الذي هو اسمُها محذوفٌ ، والجملةُ الشرطية خبرُها ، وقولُه تعالى : { يَكْفُرُ بِهَا } حالٌ من آيات الله ، وقوله تعالى : { وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } عطفٌ عليه داخلٌ في حكم الحاليةِ ، وإضافةُ الآياتِ إلى الاسم الجليلِ لتشريفها وإبانةِ خطرِها وتهويلِ أمر الكفرِ بها ، أي نزل عليكم في الكتاب أنه إذا سمعتم آياتِ الله مكفوراً بها ومستهزَأً بها ، وفيه دِلالةٌ على أن المنزلَ على النبي عليه السلام وإن خوطب به خاصةً منزلٌ على الأمة وأن مدارَ الإعراضِ عنهم هو العلمُ بخوضهم في الآيات ولذلك عبّر عن ذلك تارةً بالرؤية وأخرى بالسماع ، وأن المرادَ بالإعراض إظهارُ المخالفةِ بالقيام عن مجالسهم لا الإعراضُ بالقلب أو بالوجه فقط والضميرُ في معهم للكفرة المدلولِ عليهم بقوله تعالى : { يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } .
{ إِنَّكُمْ أَذِنَ مّثْلُهُمْ } جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لتعليل النهي غيرُ داخلةٍ تحت التنزيلِ وإذن ملغاةٌ عن العمل لوقوعها بين المبتدأ والخبر ، أي لا تقعدوا معهم في ذلك الوقتِ إنكم إن فعلتموه كنتم مثلَهم في الكفر واستتباعِ العذابِ ، وإفرادُ المثلِ لأنه كالمصدر أو للاستغناء بالإضافة إلى الجمع وقرىء شاذاً مثلَهم بالفتح لإضافته إلى غير متمكّن كما في قوله تعالى : { مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } وقيل : هو منصوب على الظرفية أي في مثل حالهم وقوله تعالى : { إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً } تعليلٌ لكونهم مثلَهم في الكفر ببيان ما يستلزمه من شِرْكتهم لهم في العذاب والمرادُ بالمنافقين إما المخاطَبون وقد وُضع موضِعَ ضميرِهم الظاهِرِ تسجيلاً بنفاقهم وتعليلاً للحكم بمأخذ الاشتقاقِ ، وإما الجنسُ وهم داخلون تحته دخولاً أولياً ، وتقديمُ المنافقين على الكافرين لتشديد الوعيدِ على المخاطبين ونصبُ جميعاً مثلُ ما قبله . (2/171)
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)
{ الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى المؤمنين بتعديد بعضٍ آخرَ من جنايات المنافقين وقبائحِهم وهو إما بدلٌ من الذين يتخذون أو صفةٌ للمنافقين فقط إذ هم المتربصون دون الكافرين ، أو مرفوعٌ أو منصوب على الذم أي ينتظرون أمرَكم وما يحدُث لكم من ظفَر أو إخفاقٍ ، والفاء في قوله تعالى : { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله } لترتيب مضمونِه على ما قبلها فإن حكايةَ تربُّصِهم مستتبعةٌ لحكاية ما يقع بعد ذلك كما أن نفس التربُّص يستدعي شيئاً ينتظر المتربَّصُ وقوعَه . (2/172)
{ قَالُواْ } أي لكم { أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } أي مُظاهرين لكم فأسهموا لنا في الغنيمة { وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ } من الحرب فإنها سِجالٌ { قَالُواْ } أي للكفرة { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } أي ألم نغلِبْكم ونتمكنْ من قتلكم وأسرِكم فأبقَينا عليكم { وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين } بأن ثبّطناهم عنكم وخيّلنا لهم ما ضَعُفَت به قلوبُهم ومرِضوا في قتالكم وتوانَينا في مظاهرتهم وإلا لكنتم نُهبةً للنوائب فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم ، وتسميةُ ظفرِ المسلمين فتحاً وما للكافرين نصيباً لتعظيم شأنِ المسلمين وتحقيرِ حظِّ الكافرين ، وقرىء ونمنعَكم بإضمار أن { فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة } حكماً يليق بشأن كلَ منكم من الثواب والعقاب ، وأما في الدنيا فقد أُجريَ على من تفوه بكلمة الإسلام حُكمُه ولم يضع السيفَ على من تكلم بها نفاقاً { وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً } حينئذ كما قد يجعل ذلك في الدنيا بطريق الابتلاءِ والاستدراجِ أو في الدنيا على أن المرادَ بالسبيل الحجة .
{ إِنَّ المنافقين يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ } كلام مبتدأٌ سيق لبيان طرفٍ آخرَ من قبائح أعمالِهم أي يفعلون ما يفعل المخادِعُ من إظهار الإيمانِ وإبطانِ نقيضِه والله فاعلٌ بهم ما يفعل الغالبُ في الخدّاع حيث تركهم في الدنيا معصومي الدماء والأموالِ وأعد لهم في الآخرة الدرْكَ الأسفلَ من النار ، وقد مر التحقيقُ في صدر سورة البقرةِ ، وقيل : يُعطَوْن على الصراط نوراً كما يعطى المؤمنون فيمضون بنورهم ثم يُطفأ نورُهم ويبقى نورُ المؤمنين فينادون انظُرونا نقتبِسْ من نوركم .
{ وإذا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كسالى } متثاقلين كالمكره على الفعل ، وقرىء بفتح الكاف وهما جَمْعا كَسْلانَ { يُرَاءونَ الناس } ليحسَبوهم مؤمنين والمراءاةُ مفاعلة بمعنى التفعيل كنَعِم وناعم أو للمقابلة فإن المرائيَ يُري غيرَه عملَه وهو يُريه استحسانَه ، والجملةُ إما استئنافٌ مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : فماذا يريدون بقيامهم إليها كُسالى؟ فقيل : يراءون الخ ، أو حالٌ من ضمير قاموا { وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } عطف على يراءون أي لا يذكرونه سبحانه إلا ذكراً قليلاً وهو ذكرُهم باللسان فإنه بالإضافة إلى الذكر بالقلب قليلٌ أو إلا زماناً قليلاً أو لا يصلّون إلا قليلاً لأنهم لا يصلّون إلا بمرأى من الناس وذلك قليلٌ ، وقيل : لا يذكرونه تعالى في الصلاة إلا قليلاً عند التكبيرِ والتسليمِ .
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)
{ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك } حال من فاعل يراءون أو منصوبٌ على الذمِّ وذلك إشارةٌ إلى الإيمان والكفرِ المدلولِ عليهما بمعونة المقامِ أي متردّدين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطانُ ، وحقيقةُ المذبذبِ ما يُذَبّ ويُدفع عن كِلا الجانبين مرةً بعد أخرى ، وقرىء بكسر الذالِ أي مذَبْذِبين قلوبَهم أو رأيَهم أو دينَهم أو بمعنى متذبذبين كما جاء صَلْصَل بمعنى تَصَلْصَل وفي مصحف ابن مسعودٍ رضي الله عنه متذبذبين وقرىء مدبدبين بالدال غير المعجمة وكأن المعنى أخذ بهم تارة في دُبَّةٍ أي طريقة وأخرى في أخرى . (2/173)
{ لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء } أي لا منسوبين إلى المؤمنين ولا منسوبين إلى الكافرين أوْ لا صائرين إلى الأولين ولا إلى الآخَرين فمحلُّه النصبُ على أنه حالٌ من ضمير مذبذبين ، أو على أنه بدلٌ منه أو بيانٌ وتفسيرٌ له { وَمَن يُضْلِلِ الله } لعدم استعدادِه للهداية والتوفيق { فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } موصِلاً إلى الحق والصواب فضلاً عن أن تهديَه إليه ، والخطابُ لكل من يصلُح له كائناً من كان { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين } نُهوا عن موالاة الكفرةِ صريحاً وإن كان في بيان حالِ المنافقين زجرٌ عن ذلك مبالغةً في الزجر والتحذير { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } أي أتريدون بذلك أن تجعلوا لله عليكم حجةً بيّنةً على أنكم منافقون فإن موالاتَهم أوضحُ أدلةِ النفاقِ أو سلطاناً يُسلِّط عليكم عقابَه .
وتوجيهُ الإنكارِ إلى الإرادة دون متعلَّقِها بأن يقال : أتجعلون الخ ، للمبالغة في إنكارِه وتهويلِ أمرِه ببيان أنه مما لا يصدُر عن العاقل إرادتُه فضلاً عن صدور نفسِه كما في قوله عز وجل : { أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ }
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148)
{ إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ } وهو الطبقة التى فى قعر جهنم وإنما كان ذلك لأنهم أخبث الكفرة حيث ضموا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله وخداعهم وأما قوله صلى الله عليه وسلم « ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان » ونحوه فمن باب التشديد والتهديد والتغليظ مبالغة فى الزجر وتسمية طبقاتها السبع دركات لكونها متداركة متتابعة بعضها تحت بعض وقرئ بفتح الراء وهو لغة كالسطر ويعضده أن جمعه أدراك { ولن تجد لهم نصيراً } يخلصهم منه والخطاب كما سبق { إلا الذين تابوا } أى عن النفاق وهو استثناء من المنافقين بل من ضميرهم فى الخبر { وأصلحوا } ما أفسدوا من أحوالهم فى حال النفاق { واعتصموا بالله } أى وثقوا به وتمسكوا بدينه { وأخلصوا دينهم } أى جعلوه خالصاً { لله } لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه { فأولئك } إشاة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد المنزلة وعلو الطبقة { مع المؤمنين } أى المؤمنين المعهودين الذين لم يصدر عنهم نفاق أصلا منذ آمنوا وإلا فهم أيضاً مؤمنون أى معهم فى الدرجات العالية من الجنة وقد بين ذلك قوله تعالى { وسوف يؤتى الله المؤمنين أجراً عظيماً } لا يقادر قدره فيساهمونهم فيه { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } استئناف مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم وجوداً وعدماً إنما هو كفرهم لا شئ آخر فيكون مقرراً لما قبله من إثابتهم عن توبتهم وما استفهامية مفيدة للنفى على أبلغ وجه وآكده أى أى شئ يفعل الله سبحانه بتعذيبكم أيتشفى به من الغيظ أم يدرك به الثأر أم يستجلب به نفعاً أم يستدفع به ضرراً كما هو شأن الملوك وهو الغنى المتعالى عن أمثال ذلك وإنما هو أمر يقتضيه كفركم فإذا زال ذلك بالإيمان والشكر انتفى التعذيب لا محالة وتقديم الشكر على الإيمان لما أنه طريق موصل إليه فإن النظر يدرك أولا ما عليه من النعم الأنفسية والآنانية فيشكر شكراً مبهماً ثم يترقى إلى معرفة المنعم فيؤمن به وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه { وكان الله شاكراً } الشكر من الله سبحانه هو الرضا باليسير من طاعة عباده وأضعاف الثواب بمقابلته { عليماً } مبالغاً فى العلم بجميع المعلومات التى من جملتها شكركم وإيمانكم فيستحيل أن لا يوفيكم أجوركم { لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول } عدمُ محبتِه تعالى لشيء كنايةٌ عن سَخَطه والباءُ متعلقةٌ بالجهر ، ومِنْ بمحذوف وقع حالاً من السوء أي لا يحب الله تعالى أن يجهرَ أحدٌ بالسوء كائناً من القول { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } أي إلا جهرَ مَن ظُلم بأن يدعُوَ على ظالمه أو يَتظلَّمَ منه ويذكرَه بما فيه من السوء فإن ذلك غيرُ مسخوط عنده سبحانه ، وقيل : هو أن يبدأ بالشتيمة فيردَّ على الشاتم { وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ } الآية ، وقيل : ( ضافَ رجلٌ قوماً فلم يُطعِموه فاشتكاهم فعوتب على الشكاية فنزلت ) . وقرىء إلا من ظَلَم على البناء للفاعل فالاستثناءُ منقطِعٌ أي ولكنِ الظالمُ يرتكب ما لا يُحبه الله تعالى فيجهر بالسوء { وَكَانَ الله سَمِيعاً } لجميع المسموعاتِ فيندرجُ فيها كلامُ المظلومِ والظالم { عَلِيماً } بجميع المعلوماتِ التي من جملتها حالُ المظلومِ والظالم ، فالجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لما يفيده الاستثناء . (2/174)
إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151)
{ إِن تُبْدُواْ خَيْراً } أيَّ خيرٍ كان من الأقوال والأفعالِ { أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء } مع ما سُوِّغ لكم من مؤاخذة المسيءِ والتنصيفِ عليه مع اندراجه في إبداء الخيرِ وإخفائه لما أنه الحقيقُ بالبيان ، وإنما ذُكر إبداءُ الخير وإخفاؤه بطريق التسبيب له كما ينبىء عنه قوله عز وجل : { فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً } فإن إيرادَه في معرِض جوابِ الشرطِ يدل على أن العُمدة هو العفوُ مع القدرة أي كان مبالِغاً في العفو مع كمال قدرتِه على المؤاخذة . وقال الحسن : يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسُنة الله تعالى ، وقال الكلبي : هو أقدر على عفو ذنوبِكم منكم على عفو ذنوبِ مَنْ ظلمكم ، وقيل : عفُوّاً عمن عفا قديراً على إيصال الثوابِ إليه { إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ } أي يؤدِّي إليه مذهبُهم ويقتضيه رأيُهم لا أنهم يصرِّحون بذلك كما ينبىء عنه قولُه تعالى : { وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ } أي بأن يؤمنوا به تعالى ويكفُروا بهم لكن لا بأن يصرِّحوا بالإيمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبةً بل بطريق الاستلزامِ كما يحكيه قوله تعالى : { وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } أي نؤمن ببعض الأنبياءِ ونكفُر ببعضهم كما قالت اليهودُ بموسى والتوراةِ وعزيرٍ ، ونكفر بما وراء ذلك وما ذاك إلا كفرٌ بالله تعالى ورسُلِه وتفريقٌ بين الله تعالى ورسُله في الإيمان لأنه تعالى قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياءِ عليهم السلام وما من نبيَ من الأنبياء إلا وقد أخبر قومَه بحقية دينِ نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم وعليهم أجمعين ، فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل وبالله تعالى أيضاً من حيث لا يحتسب { وَيُرِيدُونَ } بقولهم ذلك { أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك } أي بين الإيمان والكفرِ { سَبِيلاً } يسلُكونه مع أنه لا واسطةَ بينهما قطعاً إذِ الحقُّ لا يتعدد وماذا بعد الحقِّ إلا الضلال . (2/175)
{ أولئك } الموصوفون بالصفات القبيحةِ { هُمُ الكافرون } الكاملون في الكفر لا عبرةَ بما يدّعونه ويسمونه إيماناً أصلاً { حَقّاً } مصدرٌ مؤكدٌ لمضمون الجملةِ أي حَقَّ ذلك أي كونُهم كاملين في الكفر حقاً ، أو صفةٌ لمصدر الكافرين أي هم الذين كفروا كفراً حقاً أي ثابتاً يقيناً لا ريب فيه { وَأَعْتَدْنَا للكافرين } أي لهم وإنما وُضع المُظهرُ مكان المُضمرِ ذماً لهم وتذكيراً لوصفهم أو لجميع الكافرين وهم داخلون في زُمرتهم دخولاً أولياً { عَذَاباً مُّهِيناً } سيذوقونه عند حُلولِه .
وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152) يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153)
{ والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ } أي على الوجه الذي بُيّن في تفسير قولِه تعالى : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } الآية ، { وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخَرين كما فعله الكفرة ، ودخولُ { بَيْنَ } على أحد قد مر تحقيقه في سورة البقرة بما لا مزيدَ عليه { أولئك } المنعوتون بالنعوت الجليلةِ المذكورةِ { سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } الموعودةَ لهم وتصديرُه بسوف لتأكيد الوعدِ والدلالةِ على أنه كائنٌ لا محالةَ وإنْ تراخى ، وقرىء نُؤتيهم بنون العظمة { وَكَانَ الله غَفُوراً } لما فرَط منهم { رَّحِيماً } مبالغاً في الرحمة بتضعيف حسناتِهم . (2/176)
{ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء } نزلت ( في أحبار اليهودِ حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت نبياً فأتِنا بكتاب من السماء جملةً كما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام ) وقيل : كتاباً محرَّراً بخطَ سماويَ على اللوح كما نزلت التوراةُ ، أو كتاباً نُعايِنُه حين يَنزِل ، أوْ كتاباً إلينا بأعياننا بأنك رسولُ الله ، وما كان مقصِدُهم بهذه العظيمة إلا التحكمَ والتعنّتَ . قال الحسنُ : ولو سألوه لكي يتبيَّنوا الحقَّ لأعطاهم وفيما آتاهم كفاية { فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك } جوابُ شرطٍ مقدّر ، أي إن استكبرتَ ما سألوه منك فقد سألوا موسى شيئاً أكبرَ منه ، وقيل : تعليلٌ للجواب أي فلا تُبالِ بسؤالهم فقد سألوا موسى أكبرَ منه ، وهذه المسألةُ وإن صدَرت عن أسلافهم لكنهم لما كانوا مقتدين بهم في كل ما يأتون وما يذرون أُسنِدت إليهم ، والمعنى أن لهم في ذلك عِرْقاً راسخاً وأن ما اقترحوه عليك ليس أولَ جهالاتِهم { فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً } أي أرِناه نَرَهُ جهرةً أي عِياناً أو مجاهرين معاينين له ، والفاءُ تفسيريةٌ { فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة } أي النارُ التي جاءتهم من السماء فأهلكتهم ، وقرىء الصعقةُ { بِظُلْمِهِمْ } أي بسبب ظلمِهم وهو تعنتُهم وسؤالُهم لما يستحيل في تلك الحالةِ التي كانوا عليها ، وذلك لا يقتضي امتناعَ الرؤيةِ مطلقاً { ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } أي المعجزاتِ التي أظرها لفرعون من العصا واليدِ البيضاءِ وفلْقِ البحر وغيرِها ، لا التوراةُ ، لأنها لم تنزلْ عليهم بعد { فَعَفَوْنَا عَن ذلك } ولم نستأصِلْهم وكانوا أحقاءَ به . قيل : هذا استدعاءٌ لهم إلى التوبة كأنه قيل : إن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم أيضاً حتى نعفوَ عنكم .
{ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن } سلطاناً ظاهراً حيث أمرهم بأن يقتُلوا أنفسَهم توبةً عن معصيتهم .