صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
{ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } الكلامُ فيه كالذي مر في نظائره خلا أن الدَيْن هاهنا موصوفٌ بوصف الوصيةِ جرياً على قاعدة تقييدِ المعطوفِ مما قُيِّد به المعطوفُ عليه لاتفاق الجمهورِ على اعتبار عدمِ المُضارَّةِ فيه أيضاً وذلك إنما يتحقق فيما يكون ثبوتُه بالإقرار في المرض ، كأنه قيل أو دينٍ يوصى به { غَيْرَ مُضَارّ } حال من فاعل فعلٍ مُضمر يدل عليه المذكورُ وما حُذف من المعطوف اعتماداً عليه كما أنّ رجالٌ في قوله تعالى : { يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والاصال رِجَالٌ } على قراءة المبنيِّ للمفعول فاعل لفعل ينبىء عنه المذكورُ ومن فاعل الفعلِ المذكورِ والمحذوفِ اكتفاءً به على قراءة البناءِ للفاعل ، أي يوصى بما ذكر من الوصية والدَّيْن حالَ كونِه غيرَ مضارَ للورثة ، أي بأن يوصيَ بما زاد على الثلث أو تكونُ الوصية لقصد الإضرارِ بهم دون القُربةِ وبأن يُقِرَّ في المرض بدَين كاذباً ، وتخصيصُ هذا القيدِ بهذا المقام لما أن الورثةَ مَظِنةٌ لتفريط الميتِ في حقهم { وَصِيَّةً مّنَ الله } مصدرٌ مؤكدٌ لفعل محذوفٍ وتنوينُه للتفخيم ، ومن متعلقةٌ بمضمر وقع صفةً له مؤكدةً لفخامته الذاتية بالفخامة الإضافية ، أي يوصيكم بذلك وصيةً كائنةً من الله كقوله تعالى : { فَرِيضَةً مّنَ الله } ولعل السرَّ في تخصيص كلَ منهما بمحله الإشعارُ بما بين الأحكامِ المتعلقةِ بالأصول والفروعِ وبين الأحكامِ المتعلّقةِ بغيرهم من التفاوت حسب تفاوُتِ الفريضةِ والوصية وإن كانت كلتاهما واجبة المراعاةِ ، أو منصوبٌ بغيرَ مُضارَ على أنه مفعولٌ به فإنه اسمُ فاعلٍ معتمدٍ على ذي الحالِ ، أو منفيٌّ معنىً فيعمل في المفعول الصريحِ ، ويعضُده القراءةُ بالإضافة أي غيرَ مضارٍ لوصية اللَّهِ ، وعهدُه لا في شأن الأولادِ فقط كما قيل إذ لا تعلقَ لهم بالمقام بل في شأن الورثةِ المذكورةِ هاهنا ، فإن الأحكامَ المفصَّلةَ كلَّها مندرجةٌ تحت قوله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله } جاريةٌ مَجرى تفسيرِه وبيانه ، ومُضارّتُها الإخلالُ بحقوقهم ونقصُها بما ذُكر من الوصية بما زاد على الثلث والوصيةِ لقصد الإضرارِ دون القُربةِ والإقرارِ بالدين كاذباً ، وإيقاعُها على الوصية مع أنها واقعةٌ على الورثة حقيقةً كما في قوله : (2/48)
يا سارقَ اللَّيلةِ أهلَ الدارِ ... للمبالغة في الزجر عنها بإخراجها مُخرجَ مُضارَّةِ أمرِ اللَّهِ تعالى ومضادَّتهِ ، وجعلُ الوصيةِ عبارةً عن الوصية بالثلث فما دونه يقتضي أن يكونَ ( غيرَ مضارَ ) حالاً من ضمير الفعلِ المتعلقِ بالوصية فقط وذلك يؤدي إلى الفصل بين الحالِ وعاملِها بأجنبيَ هو المعطوفُ على وصية مع أنه لا تنحسِمُ به مادةُ المُضارّةِ لبقاء الإقرارِ بالدين عن إطلاقه { والله عَلِيمٌ } بالمُضارِّ وغيرِه { حَلِيمٌ } لا يعاجل بالعقوبة فلا يَغترَّ بالإمهال ، وإيرادُ الاسمِ الجليلِ مع كفاية الإضمارِ لإدخال الروعةِ وتربيةِ المهابة . (2/49)
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13)
{ تِلْكَ } إشارةٌ إلى الأحكام التي تقدمت في شؤون اليتامى والمواريثِ وغيرِ ذلك { حُدُودُ الله } أي شرائعُه المحدودةُ التي لا تجوز مجاوزتُها { وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ } في جميع الأوامرِ والنواهي التي من جملتها ما فُصّل هاهنا ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لما ذكر آنفاً { يُدْخِلْهُ جنات } نُصب على الظرفية عند الجمهورِ وعلى المفعولية عند الأخفشِ { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } صفةٌ لجنات منصوبة حسب انتصابِها { خالدين فِيهَا } حالٌ مقدرةٌ من مفعول يدخِلْه ، وصيغةُ الجمعِ بالنظر إلى جمعية ( مَنْ ) بحسب المعنى كما أن إفرادَ الضميرِ بالنظر إلى إفراده لفظاً { وَذَلِكَ } إشارةٌ إلى ما مر من دخول الجناتِ الموصوفةِ على وجه الخلودِ ، وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان بكمال علوِّ درجتِه { الفوز العظيم } الذي لا فوزَ وراءَه . وُصف الفوزُ وهو الظفرُ بالخير بالعظيم إما باعتبار مُتعلّقِه أو باعتبار ذاتهِ فإن الفوزَ بالعظيم عظيمٌ والجملةُ اعتراض . (2/50)
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)
{ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } ولو في بعض الأوامرِ والنواهي قال مجاهد فيما اقتُصَّ من المواريث وقال عكرمة عن ابن عباس من لم يرضَ بقَسْم اللَّهِ تعالى ويتعدَّ ما قال اللَّهُ تعالى ، وقال الكلبي يعني ومن يكفرْ بقسمة اللَّهِ المواريثَ ويتعدَّ حدودَه استحلالاً . والإظهارُ في موقع الإضمارِ للمبالغة في الزجر بتهويل الأمرِ وتربيةِ المهابة { وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } شرائعَه المحدودة في جميع الأحكامِ فيدخُل فيها ما نحن فيه دخولاً أولياً { يُدْخِلْهُ } وقرىء بنون العظمةِ في الموضعين { نَارًا } أي عظيمةً هائلةً لا يقادَرُ قدرُها { خَالِداً فِيهَا } حال كما سبق ، ولعل إيثارَ الإفرادِ هاهنا نظراً إلى ظاهر اللفظِ ، واختيارُ الجمعِ هناك نظراً إلى المعنى للإيذان بأن الخلودَ في دار الثوابِ بصفة الاجتماعِ أجلبُ للأنس كما أن الخلودَ في دار العذاب بصفة الانفرادِ أشدُّ في استجلاب الوحشة { وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } أي وله مع عذاب الحريقِ الجُسماني عذابٌ آخرُ مُبهمٌ لا يعرف كُنهُه ، وهو العذابُ الروحاني كما يُؤْذِنُ به وصفُه والجملةُ حالية . (2/51)
{ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ } شروعٌ في بيان بعضٍ آخَرَ من الأحكام المتعلقةِ بالنساءِ إثرَ بيانِ أحكامِ المواريثِ ، واللاَّتي جمعُ التي بحسب المعنى دون اللفظِ وقيل جمعٌ على غير قياسٍ ، والفاحشةُ الفَعلةُ القبيحةُ أريد بها الزنا لزيادة قُبحِه ، والإتيانُ الفعلُ والمباشرةُ يقال أتى الفاحشةَ أي فعلها وباشرها وكذا جاءها ورهَقها وغشِيَها ، وقرىء بالفاحشة ، فالإتيانُ بمعناه المشهورِ ، و ( من ) متعلقةٌ بمحذوف وقعَ حالاً من فاعل يأتي أي اللاَّتي يفعلْن الزنا كائناتٍ من نسائكم أي من أزواجكم كما في قوله تعالى : { والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ } وقوله تعالى : { مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } وبه قال السدي { فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ } خبرٌ للموصول ، والفاءُ للدلالة على سببية ما في حيز الصلةِ للحكم ، أي فاطلبوا أن يشهَدَ عليهن بإتيانها أربعةٌ من رجال المؤمنين وأحرارِهم .
{ فَإِن شَهِدُواْ } عليهن بذلك { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البيوت } أي فاحبِسوهن فيها واجعلوها سِجْناً عليهن { حتى يَتَوَفَّاهُنَّ } أي إلى أن يستوفيَ أرواحَهن { الموت } وفيه تهويلٌ للموت وإبرازٌ له في صورة من يتولى قبضَ الأرواحِ ويتوفاها ، أو يتوفاهن ملائكةُ الموتِ { أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً } أي يشرع لهن حكماً خاصًّا بهن ولعل التعبيرَ عنه بالسبيل للإيذان بكونه طريقاً مسلوكاً فليس فيه دَلالةٌ على كونه أخفَّ من الحبس كما قاله أبو مسلم .
وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17)
{ واللذان يأتيانها مِنكُمْ } هما الزاني والزانيةُ تغليباً ، قال السدي أُريد بهما البِكْران منهما كما ينبىء عنه كونُ عقوبتهِما أخفَّ من الحبس المخلّد وبذلك يندفع التكرارُ إلا أنه يبقى حكمُ الزاني المحصَنِ مبهماً لاختصاص العقوبةِ الأولى بالمحصنات ، وعدمِ ظُهورِ إلحاقهِ بأحد الحكمين دلالةٌ لخفاء الشِرْكة في المناط { فَئَاذُوهُمَا } أي بالتوبيخ والتقريعِ ، وقيل بالضرب بالنعال أيضاً والظاهرُ أن إجراءَ هذا الحكمِ أيضاً إنما يكون بعد الثبوتِ لكنْ ترك ذكره تعويلاً على ما ذكر آنفاً { فَإِن تَابَا } عما فعلا من الفاحشة بسبب ما لقيا من زواجرِ الأذيةِ وقوارعِ التوبيخِ كما ينبىء عنه الفاء { وَأَصْلَحَا } أي أعمالهما { فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا } بقطع الأذيةِ والتوبيخِ فإن التوبةَ والصلاحَ مما يمنع استحقاقَ الذمِّ والعقابِ . وقد جُوِّز أن يكون الخطابُ للشهود الواقفين على هَناتهما ، ويراد بالإيذاء ذمُّهما وتعنيفُهما وتهديدُهما بالرفع إلى الولاة ، وبالإعراض عنهما تُرك التعرُّضُ لهما بالرفع إليهم . قيل كانت عقوبةُ الفريقين المذكورين في أوائل الإسلامِ على ما مر من التفصيل ثم نُسخ بالحدّ لما روي أن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال : « خُذوا عني خُذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً الثيبُ تُرجم والبِكرُ تُجلد » . وقيل هذه الآية سابقة على الأولى نزولاً وكانت عقوبةُ الزناةِ الطلقاءِ الأذى ثم الحبسُ ثم الجلدُ ثم الرجمُ ، وقد جُوِّز أن يكون الأمرُ بالحبس غيرَ منسوخٍ بأن يُتركَ ذكرُ الحدِّ لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصى بإمساكهن في البيوت بعد إقامةِ الحدِّ صيانةً لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروجِ من البيوت والتعرُّضِ للرجال . ولا يخفى أنه مما لا يساعده النظمُ الكريمُ وقال أبو مسلم وعزاه إلى مجاهد : إن الأولى في السّحّاقات وهذه في اللوّاطين وما في سورة النورِ في الزناة والزواني متمسكاً بأن المذكورَ في الأولى صيغةُ الإناثِ خاصةً وفي الثانية صيغةُ الذكورِ ولا ضرورةَ للمصير إلى التغليب على أنه لا إمكانَ له في الأولى ويأباه الأمرُ باستشهاد الأربعةِ فإنه غيرُ معهودٍ في الشرع فيما عدا الزنا { إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً } مبالغاً في قبول التوبةِ { رَّحِيماً } واسعَ الرَّحمةِ وهو تعليلٌ للأمر بالإعراض . (2/52)
{ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله } استئنافٌ مَسوقٌ لبيان أن قبولَ التوبةِ من الله تعالى ليس على إطلاقه كما ينبىء عنه وصفُه تعالى بكونه تواباً رحيماً بل هو مقيدٌ بما سينطِق به النصُّ الكريمُ ، فقولُه تعالى التوبةُ مبتدأٌ وقوله تعالى : { لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء } خبرُه ، وقولُه تعالى على الله متعلقٌ بما تعلق به الخبرُ من الاستقرار ، فإن تقديمَ الجارِّ والمجرورِ على عامله المعنويِّ مما لا نزاعَ في جوازه وكذا الظرفُ ، أو بمحذوف وقع حالاً من ضمير المبتدإ المستكنِّ فيما تعلق به الخبرُ على رأي من جوَّز تقديمَ الحالِ على عاملها المعنويِّ عند كونِها ظرفاً أو حرفَ جر كما سبق في تفسير قوله تعالى :
{ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } وأيًّا ما كان فمعنى كونِ التوبةِ عليه سبحانه صدورُ القَبولِ عنه تعالى ، وكلمةُ على للدِلالة على التحقق ألبتةَ بحكم جري العادةِ وسبْقِ الوعدِ حتى كأنه من الواجبات عليه سبحانه ، وهذا مُراد مَنْ قال : كلمةُ على بمعنى مِنْ وقيل هي بمعنى عند ، وعن الحسن يعني التوبةَ التي يقبلُها اللَّهُ تعالى وقيل هي التوبةُ التي أوجب اللَّهُ تعالى على نفسه بفضله قبولَها ، وهذا يشير إلى أن قوله تعالى : { عَلَى الله } صفةٌ للتوبة بتقديرِ مُتعلَّقِه معرفةً على رأي من جوّز حذفَ الموصولِ مع بعض صلتِه أي إنما التوبةُ الكائنةُ على الله ، والمرادُ بالسوء المعصيةُ صغيرةً كانت أو كبيرة ، وقيل الخبرُ على الله وقوله تعالى للذين متعلقٌ بما تعلق به الخبرُ أو بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكنِّ في مُتعلَّق الخبر ، وليس فيه ما في الوجه الأولِ من تقديم الحال على العامل المعنويِّ إلا أن الذي يقتضيه المقامُ ويستدعيه النظامُ هو الأولُ لما أن ما قبله من وصفه تعالى بكونه تواباً رحيماً إنما يقتضي بيانَ اختصاصِ قبولِ التوبةِ منه تعالى بالمذكورين وذلك إنما يكونُ بجعل قولهِ تعالى للذين الخ خبراً ، ألا ترى إلى قوله عز وجل : { وَلَيْسَتِ التوبة الذين يَعْمَلُونَ السيئات } الخ فإنه ناطقٌ بما قلنا كأنه قيل إنما التوبةُ لهؤلاء لا لهؤلاء { بِجَهَالَةٍ } متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من فاعل يعملون أي يعملون السوءَ متلبّسين بها أي جاهلين سفهاءَ ، أو بيعملون على أن الباءَ سببيةٌ أي يعملونه بسبب الجهالةِ لأن ارتكابَ الذنبِ مما يدعو إليه الجهلُ ، وليس المرادُ به عدمَ العلمِ بكونه سوءاً بل عدمَ التفكرِ في العاقبة كما يفعله الجاهلُ قال قتادة : اجتمع أصحابُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم فرأوْا أن كلَّ شيء عصى به ربَّه فهو جهالةٌ عمداً كان أو خطأ . وعن مجاهد من عصى الله تعالى فهو جاهلٌ حتى ينزِعَ عن جهالته وقال الزجاج يعني بقوله ( بجهالة ) اختيارَهم اللذة الفانيةَ على اللذة الباقية { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } أي من زمان قريب وهو ما قبلَ حضورِ الموتِ كما ينبىء عنه ما سيأتي من قوله تعالى : { حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت } الخ فإنه صريح في أن وقتَ الاحتضارِ هو الوقتُ الذي لا تقبل فيه التوبةُ فبقيَ ما وراءَه في حيِّز القَبول . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قبل أن ينزِلَ به سلطانُ الموتِ وعن الضحاك كلُّ توبةٍ قبل الموتِ فهو قريبٌ . (2/53)
وعن إبراهيمَ النَخَعيِّ : ما لم يُؤخَذْ بكَظَمِه وهو مجرى النفَس ، وروى أبو أيوبَ عن النبي صلى الله عليه وسلم « أن اللَّهَ تعالى يقبل توبةَ العبدِ ما لم يُغرغِرْ » وعن عطاءٍ لو قبل موته بفُواق ناقة ، وعن الحسن أن إبليسَ قال حين أُهبط إلى الأرض وعزتِك لا أفارق ابنَ آدمَ ما دام روحُه في جسده ، فقال تعالى :
« وعزتي لا أُغلق عليه بابَ التوبةِ ما لم يُغرغِرْ » ومن تبعيضيةٌ أي يتوبون بعضَ زمانٍ قريبٍ كأنه سُمِّي ما بين وجودِ المعصيةِ وبين حضورِ الموتِ زماناً قريباً ففي أي جُزءٍ تاب من أجزاب هذا الزمانِ فهو تائب { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى المذكورين من حيث اتصافُهم بما ذكر ، وما فيه من معنى البُعد باعتبار كونِهم بانقضاء ذكرِهم في حكم البعيدِ ، والخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلُح للخطاب وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : { يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ } وما فيه من تكرير الإسنادِ لتقوية الحكم وهذا وعدٌ بقَبول توبتهم إثرَ بيانِ أن التوبة لهم والفاءُ للدِلالة على سببيتها للقَبول { وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً } مبالِغاً في العلم والحِكمةِ فيبني أحكامَه وأفعالَه على أساس الحِكمةِ والمصلحةِ والجملةُ اعتراضيةٌ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلَها ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ للإشعار بعلة الحُكمِ ، فإن الألوهية أصلٌ لاتصافه تعالى بصفات الكمالِ . (2/54)
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)
{ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات } تصريحٌ بما فُهم من قصر القَبولِ على توبة من تاب من قريب ، وزيادةُ تعيينٍ له ببيان أن توبةَ مَنْ عداهم بمنزلة العدمِ ، وجمعُ السيئاتِ باعتبار تكررِ وقوعِها في الزمان المديدِ لا لأن المرادَ بها جميعُ أنواعِها وبما مرّ من السوء نوعٌ منها { حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّى تُبْتُ الان } حتى حرفُ ابتداءٍ والجملةُ الشرطيةُ بعدها غايةٌ لما قبلها أي ليس قبولُ التوبةِ للذين يعملون السيئاتِ إلى حضور موتِهم وقولهم حينئذٍ إني تبتُ الآنَ ، وذكرُ الآن لمزيد تعيينِ الوقتِ ، وإيثارُ قال على تاب لإسقاط ذلك عن درجة الاعتبارِ والتحاشي عن تسميته توبةً { وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } عطفٌ على الموصول الذي قبله أي ليس قبولُ التوبةِ لهؤلاء ولا لهؤلاء وإنما ذُكر هؤلاء مع أنه لا توبةَ لهم رأساً مبالغةً في بيان عدمِ قبولِ توبةِ المُسوِّفين وإيذاناً بأن وجودَها كعدمها بل في تكرير حرفِ النفيِ في المعطوف إشعارٌ خفيٌّ بكون حالِ المسوِّفين في عدم استتباعِ الجدوى أقوى من حال الذين يموتون على الكفر ، والمرادُ بالموصولَيْن إما الكفارُ خاصةً وإما الفساقُ وحدهم ، وتسميتُهم في الجملة الحاليةِ كفاراً للتغليظ كما في قوله تعالى : { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين } ، وأما ما يعمُّ الفريقين جميعاً فالتسميةُ حينئذٍ للتغليب ، ويجوز أن يراد بالأول الفسقَةُ وبالثاني الكفرةُ ، ففيه مبالغةٌ أخرى { أولئك } إشارةٌ إلى الفريقين ، وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان بترامي حالهم في الفظاعة وبُعدِ منزلتِهم في السوء ، وهو مبتدأٌ خبرُه { أَعْتَدْنَا لَهُمْ } أي هيأنا لهم { عَذَاباً أَلِيماً } تكريرُ الإسناد لما مر من تقوية الحُكمِ ، وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول الصريحِ لإظهار الاعتناءِ بكون العذابِ مُعدًّا لهم ووصفُه للتفخيم الذاتي والوصفي . (2/55)
{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً } كان الرَّجلُ إذا مات قريبُه يُلْقي ثوبَه على امرأته أو على خِبائها ويقول أَرِثُ امرأته كما أرث مالَه فيصير بذلك أحقَّ بها من كل أحدٍ ثم إن شاء تزوّجها بلا صَداقٍ غيرَ الصَّداقِ الأولِ وإن شاء زوَّجَها غيرَه وأخذ صَداقَها ولم يُعْطِها منه شيئاً وإن شاء عضَلها لتفتديَ نفسها بما ورِثَتْ من زوجها ، وإن ذهبت المرأةُ إلى أهلها قبل إلقاءِ الثوبِ فهي أحقُّ بنفسها فنُهوا عن ذلك ، وقيل لهم لا يحِلُّ لكم أن تأخُذوهن بطريق الإرثِ على زعمكم كما تُحازُ المواريثُ وهن كارهاتٌ لذلك أو مُكْرهاتٌ عليه ، وقيل كانوا يُمسِكونهن حتى يَمُتْن ويرِثوا منهن فقيل لهم لا يحل لكم ذلك وهن غيرُ راضياتٍ بإمساككم ، وقرىء لا تحِلُّ بالتاء الفوقيةِ على أنّ ( أنْ ترثوا ) بمعنى الوراثة ، وقرىء كُرْهاً بضم الكاف وهي لغة كالضَّعْف والضُّعف ، وكان الرجلُ إذا تزوج امرأةً ولم تكن من حاجته حَبَسها مع سوء العِشرةِ والقهرِ وضيَّقَ عليها لتفتديَ نفسَها منه بمالها وتختلِعَ فقيل لهم { وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } عطفاً على ترِثوا و ( لا ) لتأكيد النفْي ، والخطابُ للأزواج ، والعضْلُ الحبسُ والتضييقُ ومنه عضَلت المرأةُ بولدها إذا اختنقت رحِمُها فخرج بعضُه وبقيَ بعضُه أي ولا أن تُضَيِّقوا عليهن { لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } أي من الصَّداق بأن يدفعن إليكم بعضَه اضطراراً فتأخُذوه منهن ، وإنما لم يُتعرَّضْ لفعلهن إيذاناً بكونه بمنزلة العدمِ لصدوره عنهن اضطراراً ، وإنما عُبّر عن ذلك بالذهاب به لا بالأخذ ولا بالإذهاب للمبالغة في تقبيحه ببيان تضمُّنِه لأمرين كلٌّ منهما محظورٌ شنيعُ الأخذِ والإذهابِ منهن ، لأنه عبارةٌ عن الذهاب مستصحباً به { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } على صيغة الفاعلِ من بيَّن بمعنى تَبيَّن ، وقرىء على صيغة المفعولِ وعلى صيغة الفاعل من أبان بمعنى تبين أي بيِّنةِ القُبحِ : من النشوز وشكاسةِ الخلُقِ وإيذاءِ الزوجِ وأهلِه بالبَذاء والسَّلاطةِ ، ويعضُده قراءة أُبي إلا أن يُفْحِشْن عليكم ، وقيل الفاحشة الزنا ، وهو استثناءٌ من أعم الأحوالِ أو أعمِّ الأوقاتِ أو أعمِّ العللِ أي ولا يحلِ لكم عضْلُهن في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات أو لعلة من العِللِ إلا في حال إتيانِهن بفاحشة أو إلا في وقت إتيانِهن أو إلا لإتيانهن بها فإن السببَ حينئذٍ يكون من جهتهن وأنتم معذورون في طلب الخُلْع .
{ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف } خطابٌ للذين يُسيئون العِشرةَ معهن ، والمعروفُ ما لا يُنكِرُه الشرعُ والمروءةُ ، والمرادُ هاهنا النَّصَفَةُ في المبيت والنفقةُ والإجمالُ في القول ونحو ذلك { فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ } وسئِمْتم صُحبتَهن بمقتضى الطبيعةِ من غير أن يكون من قِبَلهن ما يوجب ذلك من الأمور المذكورةِ فلا تفارِقوهن بمجرد كراهةِ النفسِ واصبِروا على معاشرتهن { فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } علةٌ للجزاء أُقيمت مُقامه للإيذان بقوة استلزامِها إياه ، كأنه قيل فإن كرِهتُموهن فاصبِروا عليهن مع الكراهة فلعل لكم فيما تكرَهونه خيراً كثيراً ليس فيما تُحبّونه ، وعسى تامةٌ رافعةٌ لما بعدها مُستغنيةٌ عن تقدير الخبرِ ، أي فقد قرَّبتْ كراهتُكم شيئاً وجعل اللَّهُ فيه خيراً كثيراً ، فإن النفسَ ربما تكره ما هو أصلحُ في الدين وأحمدُ عاقبةً وأدنى إلى الخير ، وتحبُّ ما هو بخلافه فليكنْ نظرُكم إلى ما فيه خيرٌ وصلاحٌ دون ما تهوى أنفسُكم ، وذكرُ الفعلِ الأولِ مع الاستغناء عنه وانحصارُ العلية في الثاني للتوسل إلى تعميم مفعولِه ليُفيدَ أن ترتيبَ الخيرِ الكثيرِ من الله تعالى ليس مخصوصاً بمكروه دون مكروهٍ بل هو سنةٌ إلهية جاريةٌ على الإطلاق حسَبَ اقتضاءِ الحكمةِ ، وأن ما نحن فيه مادةٌ من موادّها ، وفيه من المبالغة في الحمل على ترك المفارقةِ وتعميمِ الإرشادِ ما لا يخفى . وقرىء ويجعلُ مرفوعاً على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ ، والجملةُ حاليةٌ تقديرُه وهو أي ذلك الشيءُ يجعل اللَّهُ فيه خيراً كثيراً ، وقيل تقديرُه واللَّهُ يجعل بوضع المُظهر موضِعَ المُضمرِ ، وتنوينُ خيراً لتفخيمه الذاتي ووصفُه بالكثرة لبيان فخامتِه الوصفيةِ والمرادُ بها هاهنا الولدُ الصالحُ وقيل الأُلفةُ والمحبة . (2/56)
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20)
{ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ } أي تزوُّجَ امرأةٍ ترغبون فيها { مَّكَانَ زَوْجٍ } ترغبون عنها بأن تُطلقوها { وآتيتُمْ إحْدَاهُنَّ } أي إحدى الزوجاتِ فإن المرادَ بالزوج هو الجنسُ ، والجملةُ حاليةٌ بإضمار قد لا معطوفةٌ على الشرط أي وقد آتيتم التي تريدون أن تطلقوها { قِنْطَاراً } أي مالاً كثيراً { فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ } أي من ذلك القنطارِ { شَيْئاً } يسيراً فضلاً عن الكثير { أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً } استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير النهْي والتنفيرِ عن المنهيِّ عنه ، والاستفهامُ للإنكار والتوبيخِ ، أي أتأخذونه باهتين وآثمين ، أو للبهتان والإثم ، فإن أحدَهم كان إذا تزوج امرأةً بَهَت التي تحته بفاحشة حتى يُلجِئَها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرِفه إلى تزوج الجديدةِ فنُهوا عن ذلك ، والبهتانُ الكذبُ الذي يبهَتُ المكذوبَ عليه ويُدهِشه ، وقد يستعمل في الفعل الباطلِ ولذلك فُسِّر هاهنا بالظلم . (2/57)
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)
وقوله عز وجل : { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ } إنكارٌ لأخذه إثرَ إنكارٍ وتنفيرٌ عنه بعد تنفيرٍ ، وقد بولغ فيه حيث وُجّه الإنكارُ إلى كيفية الأخذِ إيذاناً بأنه مما لا سبيل له إلى التحقق والوقوعِ أصلاً لأن ما يدخُل تحت الوجودِ لا بد أن يكون على حال من الأحوال فإذا لم يكن لشيء حالٌ أصلاً لم يكن له حظٌّ من الوجود قطعاً ، وقوله عز وجل : { وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ } حالٌ من فاعل تأخُذونه مفيدةٌ لتأكيد النكيرِ وتقريرِ الاستبعادِ ، أي على أي حالٍ أو في أي حالٍ تأخُذونه والحالُ أنه قد جرى بينكم وبينهن أحوالٌ منافيةٌ له من الخَلْوة وتقرُّرِ المَهرِ وثبوتِ حقِّ خِدْمتِهن لكم وغير ذلك { وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً } عطفٌ على ما قبله داخلٌ في حكمه أي أخذْنَ منكم عهداً وثيقاً وهو حقُّ الصحبةِ والمعاشرةِ أو ما وثّق اللَّهُ تعالى عليهم في شأنهن بقوله تعالى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } أو ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام : « أخذتُموهن بأمانةِ اللَّهِ واستحللتم فروجَهن بكلمة الله تعالى » (2/58)
{ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } شروعٌ في بيان من يحْرُم نكاحُها من النساء ومَنْ لا يحرُم ، وإنما خُصَّ هذا النكاحُ بالنهي ولم يُنْظَمْ في سلك نكاحِ المحرِّماتِ الآتيةِ مبالغةً في الزجر عنه حيث كانوا مُصِرِّين على تعاطيه قال ابنُ عباسٍ وجمهورُ المفسِّرين : كان أهلُ الجاهليةِ يتزوّجون بأزواج آبائِهم فنُهوا عن ذلك ، واسمُ الآباءِ ينتظِمُ الأجدادَ مجازاً فتثبُت حرمةُ ما نكحوها نصاً وإجماعاً ، ويستقِلُّ في إثبات هذه الحُرمةِ نفس النكاحِ إذا كان صحيحاً وأما إذا كان فاسداً فلا بد في إثباتها من الوطء أو ما يجري مجراه من التقبيل والمسِّ بشهوة ونحوِهما ، بل هو المثبِتُ لها في الحقيقة حتى لو وقع شيءٌ من ذلك بحكم مِلكِ اليمينِ أو بالوجه المحرَّمِ تثبتُ به الحُرمةُ عندنا خلافاً للشافعي في المحرّم أي لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم ، وإيثارُ ( ما ) على مَنْ للذهاب إلى الوصف ، وقيل ما مصدريةٌ على إرادة المفعولِ من المصدر { مّنَ النساء } بيانٌ لما نُكِح على الوجهين { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } استثناءٌ مما نكَحَ مفيدٌ للمبالغة في التحريم بإخراج الكلامِ مُخرَجَ التعليقِ بالمُحال على طريقةِ قولهِ :
ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم ... بهنّ فُلولٌ من قراع الكتائبِ
والمعنى لا تنكِحوا حلائلَ آبائِكم إلا من ماتت منهن ، والمقصودُ سدُّ طريقِ الإباحةِ بالكلية ونظيرُه قوله تعالى : { حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } وقيل : هو استثناء مما يستلزِمُه النهي ويستوجبه مباشرةً المنهيُّ عنه كأنه قيل : لا تنكِحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنه موجبٌ للعقاب إلا ما قد مضى فإنه معفوٌّ عنه ، وقيل : هو استثناءٌ منقطعٌ معناه لكنْ ما قد سلف لا مؤاخذةَ عليه لا أنه مقرَّرٌ ، ويأباهما قولُه تعالى : { إِنَّهُ كَانَ فاحشة وَمَقْتاً } فإنه تعليلٌ للنهي وبيانٌ لكون المنهيِّ عنه في غاية القُبحِ مبغوضاً أشدَّ البُغضِ وأنه لم يزَلْ في حكم الله تعالى وعلمِه موصوفاً بذلك ما رَخَّص فيه لأمة من الأمم فلا يلائم أن يُوسَّطَ بينهما ما يُهوِّن أمرَه من ترك المؤاخذةِ على ما سلفَ منه { وَسَاء سَبِيلاً } في كلمة { سَاء } قولانِ : أحدُهما أنها جاريةٌ مَجرى بئسَ في الذم والعملِ ففيها ضميرٌ مُبْهمٌ يفسِّره ما بعده والمخصوصُ بالذم محذوفٌ تقديرُه وساء سبيلاً سبيلُ ذلك النكاحِ كقوله تعالى :
{ بِئْسَ الشراب } أي ذلك الماءُ ، وثانيهما أنها كسائر الأفعالِ وفيها ضميرٌ يعود إلى ما عاد إليه ضميرُ { أَنَّهُ } ، وسبيلاً تمييز ، والجملةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو معطوفةٌ على خبر كان محكيةٌ بقول مُضْمرٍ هو المعطوفُ في الحقيقة تقديرُه ومقولاً في حقه ساء سبيلاً ، فإن ألسنةَ الأممِ كافةً لم تزَلْ ناطقةً بذلك في الأعصار والأمصار . قيل : مراتبُ القُبحِ ثلاثٌ : القبحُ الشرعيُّ والقبحُ العقليُّ والقبحُ العاديُّ ، وقد وصف الله تعالى هذا النكاحَ بكل ذلك ، فقولُه تعالى : { فاحشة } مرتبةُ قُبحِه العقليِّ وقولُه تعالى : { وَمَقْتاً } مرتبةُ قبحِه الشرعيِّ وقولُه تعالى : { وَسَاء سَبِيلاً } مرتبةُ قبحِه العاديِّ ، وما اجتمع فيه هذه المراتبُ فقد بلغَ أقصى مراتبِ القُبحِ . (2/59)
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)
{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الاخ الاخ وَبَنَاتُ الاخت } ليس المرادُ تحريمَ ذواتِهن بل تحريمَ نكاحِهن وما يُقصد به من التمتع بهن وبيانَ امتناعِ ورودِ مِلكِ النكاحِ عليهن وانتفاءِ محلِّيتِهن له أصلاً ، وأما حرمةُ التمتُّع بهن بملك اليمينِ في الموادّ التي يُتصور فيها قرارُ المِلكِ كما في بعض المعطوفاتِ على تقدير رِقِّهن فثابتةٌ بدِلالة النصِّ لاتحاد المدارِ الذي هو عدمُ مَحلّيةِ أبضاعِهن للمِلْك لا بعبارته بشهادة سباقِ النظمِ الكريمِ وسياقِه ، وإنما لم يوجب المدارُ المذكورُ امتناعَ ورودِ مِلكِ اليمينِ عليهن رأساً ، ولا حرمةَ سببِه الذي هو العقدُ أو ما يجري مَجراه كما أوجب حرمةَ عقدِ النكاحِ وامتناعَ ورودِ حُكمِه عليهن لأن مورِدَ مِلكِ اليمينِ ليس هو البُضعَ الذي هو مورِدُ ملكِ النكاحِ حتى يفوتَ بفوات مَحلِّيتِه له كملك النكاحِ فإنه حيث كان موردُه ذلك فات بفوات محلّيتِه له قطعاً ، وإنما مورِدُه الرقبةُ الموجودةُ في كل رقيق فيتحقق بتحقق محلِّه حتماً ثم يزول بوقوع العِتقِ في المواد التي سببُ حرمتِها محضُ القرابةِ النَّسَبية كالمذكورات ويبقى في البواقي على حاله مستتبِعاً لجميع أحكامِه المقصودةِ منه شرعاً ، وأما حلُّ الوطءِ فليس من تلك الأحكامِ فلا ضيرَ في تخلُّفه عنه كما في المجوسية . والأمهاتُ تعُمُّ الجداتِ وإن عَلَوْن ، والبناتُ تتناول بناتِهن وإن سفَلْن والأخواتُ ينتظِمْن الأخواتِ من الجهات الثلاثِ وكذا الباقياتُ ، والعمةُ كلُّ أنثى ولدَها مَنْ وَلدَ والدَك ، والخالةُ كلُّ أنثى ولدَها مَنْ ولدَ والدتَك قريباً أو بعيداً ، وبناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ تتناول القريبةَ والبعيدةَ { وأمهاتكم الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مّنَ الرضاعة } نزّل الله تعالى الرَّضاعة منزلةَ النَسَب حتى سمَّى المُرضِعةَ أماً للرضيع والمُرْضَعة أختاً ، وكذلك زوجُ المرضعةِ أبوه وأبواه جدّاه ، وأختُه عمتُه ، وكلُّ ولدٍ وُلد له من غير المُرْضِعة قبلَ الرّضاعِ وبعده فهم إخوتُه وأخواتُه لأبيه ، وأمُّ المرضعةِ جدتُه وأختُها خالتُه ، وكلٌّ مِنْ ولدِها من هذا الزوجِ فهم إخوتُه وأخواتُه لأبيه وأمه ، ومِنْ ولدها من غيره فهم إخوتُه وأخواتُه لأمه ، ومنه قولُه عليه السلام : « يحرُم من الرَّضاع ما يحرُم من النَسَب » وهو حكمٌ كليٌّ جارٍ على عمومه ، وأما أمُّ أخيه لأب وأختُ ابنِه لأم وأمُّ أمِّ ابنِه وأمُّ عمِّه وأمُّ خالِه لأب فليست حرمتُهن من جهة النسبِ حتى يحِلَّ بعمومه ضرورةَ حلِّهن في صور الرضاعِ بل من جهة المصاهرةِ ألا يرى أن الأولى موطوءةُ أبيه والثانيةَ بنتُ موطوءتِه والثالثةَ أمُّ موطوءتِه والرابعةَ موطوءةُ جدِّه الصحيحِ والخامسةَ موطوءةُ جدِّه الفاسد (2/60)
{ وأمهات نِسَائِكُمْ } شروعٌ في بيان المحرَّماتِ من جهة المصاهرةِ إثرَ بيان المحرَّماتِ من جهة الرَّضاعةِ التي لها لُحمةٌ كلُحمةِ النَسبِ ، والمرادُ بالنساء المنكوحاتُ على الإطلاق سواءٌ كن مدخولاً بهن أو لا وعليه جمهورُ العلماء .
روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في رجل تزوج امرأةً ثم طلقها قبل أن يدخُلَ بها إنه لا بأس بأن يتزوجَ ابنتَها ولا يحِلُّ له أن يتزوجَ أمَّها . وعن عمرَ وعِمرانَ بنِ الحصين رضي الله عنهما : أن الأمَّ تحرُم بنفس العقدِ ، وعن مسروقٍ : هي مُرسلةٌ فأرسِلوا ما أرسلَ الله . وعن ابن عباس : أبهِموا ما أبهم الله ، خلا أنه روي عنه وعن علي وزيد وابنِ عمرَ وابنِ الزبيرِ رضي الله عنهم أنهم قرَؤا وأمهاتُ نسائِكم اللاتي دخلتم بهن ، وعن جابر روايتان وعن سعيدِ بنِ المسيِّبَ عن زيد أنه إذا ماتت عنده فأخذ ميراثَها كُره أن يخلُفَ على أمها وإذا طلقها قبل أن يدخُل بها فإن شاء فَعَل ، أقام الموتَ في ذلك مُقام الدخولِ كما قام مقامَه في باب المهرِ والعِدّةِ ، ويُلحقُ بهن الموطوءاتُ بوجه من الوجوه المعدودةِ فيما سبَق والممسوساتُ ونظائرُهن . والأمهاتُ تعم المرضِعاتِ كما تعم الجداتِ حسبما ذكر { وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ } الربائبُ جمعُ ربيبة فعيل بمعنى مفعول ، والتاء للنقل إلى الاسمية والربيبُ ولدُ المرأةِ من آخَرَ سمي به لأنه يرُبُّه غالباً كما يرُبُّ ولدَه وإن لم يكن ذلك أمراً مطَّرِداً ، وهو المعنيُّ بكونهن في الحُجور فإن شأنهن الغالبَ المعتادَ أن يكنّ في حضانة أمهاتِهن تحت حمايةِ أزواجِهن لا كونُهن كذلك بالفعل ، وفائدةُ وصفِهن بذلك تقويةُ عِلةِ الحُرمةِ وتكميلُها كما أنها هي النُّكتةُ في إيرادهن باسم الربائبِ دون بناتِ النساءِ فإن كونَهن بصدد احتضانِهم لهن وفي شرف التقلّبِ في حجورهم وتحت حمايتِهم وتربيتِهم مما يقوِّي الملابسةَ والشبَهَ بينهن وبين أولادِهم ويستدعي إجراءَهن مُجرى بناتِهم ، لا تقييدُ الحرمةِ بكونهن في حجورهم بالفعل ، كما روي عن علي رضي الله عنه وبه أخذ داودُ ، ومذهبُ جمهورِ العلماءِ ما ذكر أولاً بخلاف ما في قوله تعالى : { مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } فإنه لتقييدها به قطعاً فإن كلمةَ مِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من ربائبكم اللاتي استقرَرْنَ في حجوركم كائناتٍ من نسائكم الخ ، ولا مساغَ لجعله حالاً من أمهاتُ أو مما أضيفت هي إليه خاصةً وهو بيِّنٌ لا سِترةَ به ولا مع ما ذكر أو لا ضرورةَ أن حاليتَه من ربائبكم أو من ضميرها تقتضي كونَ كلمةِ مِنْ ابتدائيةً وحاليتُه من أمهاتُ أو من نسائكم تستدعي كونَها بيانيةً ، وادعاءُ كونِها اتصاليةً منتظمةٌ لمعنى الابتداءِ والبيان ، وجعلُ الموصولِ صفةً للنساءَيْنِ مع اختلاف عاملَيْهما مما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن أمثاله مع أنه سعيٌ في إسكات ما نطَق به النبيُّ عليه الصلاة والسلام واتفق عليه الجمهورُ حسبما ذُكر فيما قبلُ ، وأما ما نقل من القراءة فضعيفةُ الروايةِ وعلى تقدير الصحةِ محمولةٌ على النسخ ومعنى الدخولِ بهن إدخالُهن السِّترَ ، والباءُ للتعدية وهي كنايةٌ عن الجماع كقولهم : بنى عليها وضرَب عليها الحجابَ وفي حكمه اللمسُ ونظائرُه كما مر { فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ } أي فيما قبل { دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } أصلاً { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أي في نكاح الربائبِ ، وهو تصريحٌ بما أَشعَرَ به ما قبله ، والفاءُ الأولى لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن بيانَ حكمِ الدخولِ مستتبِعٌ لبيانِ حكمِ عدمِه { وحلائل أَبْنَائِكُمُ } أي زوجاتُهم ، سُمّيت الزوجةُ حليلةً لحِلّها للزوج أو لحلولها في محله ، وقيل : لَحِلّ كلَ منهما إزارَ صاحبِه ، وفي حكمهن مزْنياتُهم ومَن يجرين مَجراهن من الممسوسات ونظائرِهن ، وقولُه تعالى : { الذين مِنْ أصلابكم } لإخراج الأدعياءِ دون أبناءِ الأولادِ والأبناءِ من الرَّضاع فإنهم وإن سفَلوا في حكم الأبناءِ الصُلْبيين { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين } في حيز الرفعِ عطفاً على ما قبله من المحرمات ، والمرادُ به جمعُهما في النكاح لا في مِلك اليمينِ ، وأما جمعُهما في الوطء بملك اليمينِ فملحقٌ به بطريق الدِلالةِ لاتحادهما في المدار ولقوله عليه الصلاة والسلام : (2/61)
« مَنْ كان يؤمن بالله واليومِ الآخرِ فلا يجمَعَنّ ماءَه في رحم أختين » بخلاف نفسِ ملكِ اليمينِ فإنه ليس في معنى النكاحِ في الأفضاء إلى الوطء ولا مستلزِماً له ، ولذلك يصَحُّ شراءُ المجوسيةِ دون نكاحِها حتى لو وطِئهما لا يحِلّ له وطءُ إحداهما حتى يحرُمَ عليه وطءُ الأخرى بسبب من الأسباب ، وكذا لو تزوج أختَ أَمَتِه الموطوءةِ لا يحل له وطءُ إحداهما حتى يحرُم عليه الأخرى ، لأن المنكوحةَ موطوءةٌ حكماً فكأنه جمعهما وطئاً ، وإسنادُ الحرمةِ إلى جمعهما لا إلى الثانية منهما بأن يقال : وأخواتُ نسائِكم للاحتراز عن إفادة الحُرْمةِ المؤبدةِ كما في المحرماتِ السابقاتِ ولكونه بمعزل من الدِلالة على حرمة الجمعِ بينهما على سبيل المعية ، ويسترك في هذا الحكمِ الجمعُ بين المرأةِ وعمتِها ونظائرِها ، فإن مدارَ حرمةِ الجمعِ بين الأختين إفضاؤُه إلى قطع ما أمر الله بوصله وذلك متحققٌ في الجمع بين هؤلاءِ بل أولى ، فإن العمةَ والخالةَ بمنزلة الأمِّ فقوله عليه السلام : « لا تُنكحُ المرأةُ على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها » من قبيل بيان التفسيرِ لا بيانِ التغييرِ ، وقيل : هو مشهورٌ يجوز به الزيادةُ على الكتاب { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } استثناءٌ منقطعٌ أي لكن ما قد مضى لا تؤاخذون به ولا سبيل إلى جعله متصلاً بقصد التأكيدِ والمبالغةِ كما مر فيما سلف لأن قوله تعالى : { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } تعليلٌ لما أفاده الاستثناءُ فيتحتم الانقطاعُ ، وقال عطاء والسدي : معناه إلا ما كان من يعقوبَ عليه السلام فإنه قد جمع بين لي أمِّ يهوذا وبين راحيلَ أمِّ يوسفَ عليه الصلاة والسلام ، ولا يساعده التعليلُ لأن ما فعله يعقوبُ عليه السلام كان حلالاً في شريعته ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : كان أهلُ الجاهليةِ يحرِّمون ما حرم الله تعالى إلا امرأةَ الأبِ والجمعَ بين الأختين . وروى هشامُ بنُ عبدِ اللَّه عن محمد بنِ الحسنِ أنه قال : كان أهلُ الجاهلية يعرِفون هذه المحرماتِ إلا اثنتين : نكاحَ امرأةِ الأبِ والجمعَ بين الأختين ، ألا يُرى أنه قد عُقِّب النهيُ عن كل منهما بقوله تعالى : { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } وهذا يُشير إلى كون الاستثناءِ فيهما على سَنن واحدٍ ويأباه اختلافُ التعليلين . (2/62)
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)
{ والمحصنات } بفتح الصاد وهن ذواتُ الأزواجِ أحصنهنّ التزوجُ أو الأزواجُ أو الأولياءُ أي أَعَفَّهن عن الوقوع في الحرام ، وقرىء على صيغة اسمِ الفاعلِ فإنهن أحصَنَّ فزوجَهن عن غير أزواجِهن ، أو أحصَنَّ أزواجَهن . وقيل : الصيغةُ للفاعل على القراءة الأولى أيضاً وفتحُ الصادِ محمولٌ على الشذوذ كما في نظيريه مُلقَح ومسهَب من ألقح وأسهب ، قيل : قد ورد الإحصانُ في القرآن على أربعة معانٍ ، الأولُ : التزوجُ كما في هذه الآية الكريمةِ ، والثاني : العفةُ كما في قوله تعالى : { مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين } ، الثالث : الحريةُ كما في قوله تعالى : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات } والرابع : الإسلامُ كما في قوله تعالى : { فَإِذَا أُحْصِنَّ } قيل في تفسيره : أي أسلمن وهي معطوفةٌ على المحرمات السابقة ، وقوله تعالى : { مّنَ النساء } متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً منها أي كائناتٍ من النساء ، وفائدتُه تأكيدُ عمومِها في دفع توهُّمِ شمولِها للرجال بناءً على كونها صفةً للأنفس كما تُوهِّم { إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } استثناءٌ من المحصَنات استثناءَ النوعِ من الجنس ، أي ملكتُموه ، وإسنادُ المِلكِ إلى الأَيْمان لما أن سببَه الغالبَ هو الصفةُ الواقعةُ بها وقد اشتهر ذلك في الإرِقاء ، لا سيما في إناثهم وهن المراداتُ هاهنا رعايةً للمقابلة بينه وبين مِلكِ النكاحِ الواردِ على الحرائر ، والتعبيرُ عنهن بما لإسقاطهن بما فيهن من قصور الرقِّ عن رتبة العقلاءِ ، وهي إما عامةٌ حسب عمومِ صلتِها فالاستثناءُ حينئذ ليس لإخراج جميعِ أفرادِها من حكم التحريمِ بطريق شمولِ النفي بل بطريق نفيِ الشمولِ المستلزِمِ لإخراج بعضِها أي حُرمت عليكم المحصَناتُ على الإطلاق إلا المحصناتِ اللاتي ملكتُموهن فإنهن لسن من المحرمات على الإطلاق بل فيهن من لا يحرُم نكاحُهن في الجملة وهن المسْبياتُ بغير أزواجِهن أو مطلقاً حسب اختلافِ الرأيين ، وإما خاصةٌ بالمذكورات فالمعنى : حُرمت عليكم المحصناتُ إلا اللاتي سُبِين فإن نكاحَهن مشروعٌ في الجملة أي لغير مُلاّكِهن ، وأما حِلُّهن لهم بحكم ملكِ اليمينِ فمفهومٌ بدِلالة النصِّ لاتحاد المَناطِ لا بعبارته لما عرفت من أن مَساقَ النظمِ الكريمِ لبيان حرمةِ التمتعِ بالمحرمات المعدودةِ بحكم ملكِ النكاحِ ، وإنما ثبوتُ حرمةِ التمتعِ بهن بحكم مِلكِ اليمينِ بطريق دِلالةِ النصِّ وذلك مما لا يجري فيه الاستثناءُ قطعاً ، وأما عدُّهن من ذوات الأزواج مع تحقق الفُرقةِ بينهن وبين أزواجِهن قطعاً يالتبايُن أو بالسبْي على اختلاف الرأيين فمبنيٌّ على اعتقاد الناسِ حيث كانوا حينئذ غافلين عن الفُرقة ، ألا ترى إلى ما رُوي عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه من أنه قال : أصبْنا يومَ أوطاس سبايا لهن أزواجٌ فكرِهْنا أن نقَع عليهن فسألنا النبيَّ عليه السلام . وفي رواية عنه قلنا : يا رسولَ الله كيف نقَع على نساءٍ قد عرَفنا أنسابَهن وأزواجَهن؟ فنزلت ، والمحصناتُ من النساء إلا ما ملكت إيمانُكم فاستحللناهن . (2/63)
وفي رواية أخرى عنه ونادى منادي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم : ألا لا توطأَ حاملٌ حتى تضَعَ ولا حائلٌ حتى تحيضَ فأباح وطأَهن بعد الاستبراءِ ، وليس في ترتيب هذا الحكمِ على نزول الآيةِ الكريمةِ ما يدل على كونها مَسوقةً له فإن ذلك إنما يتوقف على إفادتها له بوجه من وجوه الدِلالةِ لا على إفادتها بطريق العبارةِ أو نحوِها . (2/64)
هذا وقد روي عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال : إنها نزلت من نساءٍ كنّ يهاجِرْن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواجٌ فيتزوجُهن بعضُ المسلمين ثم يقدَمُ أزواجُهن مهاجرين فنهى عن نكاحهن ، فالمحصناتُ حينئذ عبارةٌ عن المهاجرات اللاتي يَتَحقق أو يُتوقع من أزواجهن الإسلامُ والمهاجَرَة ، ولذلك لم يزُلْ عنهن اسمُ الإحصانِ ، والنهيُ للتحريم المحقق ، وتعرُّفِ حالِ المتوقعِ ، وإلا فما عداهن بمعزل من الحُرمة واستحقاقِ إطلاقِ الاسمِ عليهن ، كيف لا وحين انقطعت العلاقةُ بين المَسْبيةِ وزوجِها مع اتحادهما في الدين فلأَنْ تنقطِعَ ما بين المهاجِرَةِ وزوجِها أحقُّ وأولى كما يُفصح عنه قولُه عز وجل : { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } الآية .
{ كتاب الله } مصدرٌ مؤكّدٌ أي كتَبَ الله { عَلَيْكُمْ } تحريمَ هؤلاءِ كتاباً وفرضه فرضاً ، وقيل : منصوبٌ على الإغراء بفعل مضمرٍ أي الزَموا كتابَ الله وعليكم متعلقٌ إما بالمصدر وإما بمحذوف وقع حالاً منه وقيل : هو إغراءٌ آخَرُ مؤكدٌ لما قبله قد حُذف مفعولُه لدِلالة المذكورِ عليه أو بنفس عليكم على رأي من جوّز تقديمَ المنصوبِ في باب الإغراءِ كما في قوله :
يا أيها المائحُ دَلْوي دونكا ... إني رأيتُ الناسَ يحمَدونكا
وقرىء كُتُبُ الله بالجمع والرفع أي هذه فرائضُ الله عليكم وقرىء كتَبَ الله بلفظ الفعل { وَأُحِلَّ لَكُمْ } عطفٌ على حُرّمت عليكم الخ ، وتوسيطُ قوله تعالى : { كتاب الله عَلَيْكُمْ } بينهما للمبالغة في الحمل على المحافظة عن المحرمات المذكورةِ ، وقرىء على صيغة المبنيِّ للفاعل فيكون معطوفاً على الفعل المقدّرِ ، وقيل : بل على حرمت الخ ، فإنهما جملتانِ متقابلتانِ مؤسِّستانِ للتحريم والتحليلِ المنوطَيْن بأمر الله تعالى ولا ضير في اختلاف المُسندِ إليه بحسب الظاهِرِ لا سيما بعد ما أُكّدت الأولى بما يدل على أن المحرِّمَ هو الله تعالى { مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } إشارةٌ إلى ما ذُكر من المحرمات المعدودةِ أي أُحِلَّ لكم نِكاحُ ما سواهن انفراداً وجمعاً ، ولعل إيثارَ اسمِ الإشارةِ المتعرِّضِ لوصف المشارِ إليه وعنوانِه على الضمير المتعرِّضِ للذات فقط لتذكير ما في كل واحدةٍ منهن من العنوان الذي يدور عليه حُكمُ الحرمةِ فيُفهم مشاركةُ مَنْ في معناهن لهن فيها بطريق الدلالةِ فإن حرمةَ الجمعِ بين المرأةِ وعمتِها وبينها وبين خالتِها ليست بطريق الدِلالةِ كما سلف ، وقيل : ليس المرادُ بالإحلالِ مطلقاً أي على جميع الأحوالِ حتى يردَ أنه يلزمُ منه حِلُّ الجمعِ بين المرأةِ وعمتِها وبينها وبين خالتِها ، بل إنما هو إحلالُهن في الجملة أي على بعض الأحوالِ ولا ريب في حل نكاحِهن بطريق الانفرادِ ، ولا يقدَحُ في ذلك حرمتُه بطريق الجمعِ ، ألا ترى أن حرمةَ نكاحِ المعتدّةِ والمطلقةِ ثلاثاً والخامسةِ ونكاحِ الأمةِ على الحرة ونكاحِ الملاعنةِ لا تقدَحُ في حل نكاحِهن بعد العدةِ ، وبعد التحليلِ ، وبعد تطليقِ الرابعةِ وانقضاءِ العدةِ ، وبعد تطليقِ الحرةِ ، وبعد إكذابِ الملاعِنِ نفسَه
وأنت خبير بأن الحلَّ يجب أن يتعلق هاهنا بما تعلق به الحرمةُ فيما سلف وقد تعلق هناك بالجمع فلا بد أن يتعلق الحِلُّ هاهنا به أيضاً { أَن تَبْتَغُواْ } متعلقٌ بالمفعولين المذكورين على أنه مفعولٌ له لكن لا باعتبار ذاتِهما بل باعتبار بيانِهما وإظهارِهما أي بيّن لكم تحريمَ المحرماتِ المعدودةِ وإحلالَ ما سواهن إرادةَ أن تبتغوا بأموالكم ، والمفعولُ محذوفٌ أي تبتغوا النساءَ ، أو متروكٌ أي تفعلوا الابتغاءَ { بأموالكم } بصَرْفها إلى مهورهن ، أو بدلُ اشتمالٍ مما وراءَ ذلكم بتقدير ضميرِ المفعولِ { مُّحْصِنِينَ } حالٌ من فاعل تبتغوا والإحصانُ العفةُ وتحصينُ النفسِ عن الوقوع فيما يوجب اللومَ والعِقابَ { غَيْرَ مسافحين } حالٌ ثانيةٌ منه أو حالٌ من الضمير محصِنين ، والسِفاحُ الزنا والفجورُ من السَّفْح الذي هو صبُّ المنيِّ ، سُمّي به لأنه الغرضُ منه ، ومفعولُ الفعلين محذوفٌ أي محصِنين فروجَكم غيرَ مسافحين الزّواني ، وهي في الحقيقة حالٌ مؤكدةٌ لأن المحصَنَ غيرُ مسافحٍ ألبتةَ ، وما في قوله تعالى : { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ } إما عبارةٌ عن النساء أو عما يتعلق بهن من الأفعال ، وعلى التقديرين فهي إما شرطيةٌ ما بعدها شرطُها ، وإما موصولةٌ ما بعدها صلتُها ، وأياً ما كان فهي مبتدأٌ خبرُها على تقدير كونِها شرطيةً : إما فعلُ الشرطِ أو جوابُه أو كلاهما على الخلاف المعروفِ ، وعلى تقدير كونِها موصولةً قولُه تعالى : { فآتوهنَّ أجورهُنَّ } والفاءُ لتضمُّن الموصولِ معنى الشرطِ ثم على تقدير كونِها عبارةً عن النساء فالعائدُ إلى المبتدأ هو الضميرُ المنصوبُ في فآتوهن ، سواءٌ كانت شرطيةً أو موصولةً ، ومن بيانيةٌ أو تبعيضيةٌ محلُّها النصبُ على الحالية من الضمير المجرورِ في به ، والمعنى فأيُّ فردٍ استمتعتم به أو فالفردُ الذي استمتعتم به حالَ كونِه من جنس النساءِ أو بعضِهن فآتوهن ، وقد روعيَ تارةً جانبُ اللفظِ فأُفرِدَ الضميرُ أولاً ، وأخرى جانبُ المعنى فجمع ثانياً وثالثاً ، وأما على تقدير كونِها عبارةً عما يتعلق بهن فمن ابتدائيةٌ متعلقةٌ بالاستمتاع والعائدُ إلى المبتدأ محذوفٌ والمعنى أيُّ فعلٍ استمتعتم به من جهتهن من نكاح أو خلوةٍ أو نحوِهما ، أو فالفعلُ الذي استمتعتم به من قِبَلهن من الأفعال المذكورةِ فآتوهن أجورَهن لأجله أو بمقابلته والمرادُ بالأجور المهورُ فإنها أجورُ أبضاعِهن .
{ فَرِيضَةً } حالٌ من الأجور بمعنى مفروضةً أو نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي إيتاءً مفروضاً أو مصدرٌ مؤكدٌ أي فُرض ذلك فريضةً أي لهن عليكم { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ } أي لا إثمَ عليكم فيما تراضيتم به من الحط عن المهر أو الإبراءِ منه على طريقة قولِه تعالى : (2/65)
{ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ } إثرَ قولِه تعالى : { وَءاتُواْ النساء صدقاتهن } وقوله تعالى : { إَّلا أَن يَعْفُونَ } وتعميمُه للزيادة على المسمى لا يساعدُه رفعُ الجُناحِ عن الرجال لأنها ليست مَظِنةَ الجُناحِ إلا أن يُجعلَ الخِطابُ للأزواج تغليباً فإن أخذَ الزيادةِ على المسمّى مظِنةُ الجُناحِ على الزوجة ، وقيل : فيما تراضيتم به من نفقة ونحوِها ، وقيل : من مقام أو فِراقٍ ، ولا يساعدُه قوله تعالى : { مِن بَعْدِ الفريضة } إذ لا تعلقَ لهما بالفريضة إلا أن يكون الفِراقُ بطريق المخالعةِ ، وقيل : نزلت في المتعة التي هي النكاحُ إلى وقت معلومٍ من يوم أو أكثرَ ، سُمِّيت بذلك لأن الغرضَ منها مجردُ الاستمتاعِ بالمرأة واستمتاعِها بما يُعطى ، وقد أبيحت ثلاثةَ أيامٍ حين فُتحت مكةُ شرَّفها الله تعالى ثم نُسخت لما روي أنه عليه السلام أباحها ثم أصبح يقول : « ياأيها الناسُ إني كنتُ أمرتُكم بالاستمتاع من هذه النساءِ ألا أنَّ الله حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يومِ القَيامَةِ » وقيل : أُبيح مرتين وحُرِّم مرتين ، ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رجَع عن القول بجوازه عند موتِه ، وقال : « اللهم إني أتوبُ إليك من قولي بالمتعة وقولي في الصرْف » { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بمصالح العبادِ { حَكِيماً } فيما شرَع لهم من الأحكام ولذلك شرَع لكم هذه الأحكامَ اللائقةَ بحالكم . (2/66)
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)
{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ } مَنْ إما شرطيةٌ ما بعدها شرطُها ، أو موصولةٌ ما بعدها صلتُها والظرفُ متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من فاعل يستطِعْ أي حالَ كونِه منكم وقوله تعالى : { طُولاً } أي غنىً وسعة أي اعتلاءً ونيلاً ، وأصلُه الزيادةُ والفضلُ ، مفعولٌ ليستطِعْ وقوله عز وجل : { أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات } إما مفعولٌ صريح لطَولاً ، فإن أعمالَ المصدرِ المنوَّنِ شائعٌ ذائعٌ كما في قوله تعالى : { أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ } كأنه قيل : ومن لم يستطعْ منكم أن ينال نكاحَهن ، وإما بتقدير حرفِ الجرِّ أي ومن لم يستطعْ منكم غِنىً إلى نكاحهن أو لنكاحهن ، فالجارُّ في محل النصبِ صفةٌ لطولاً أي طَوْلاً مُوصِلاً إليه أو كائناً له أو على نكاحهن ، على أن الطَولَ بمعنى القُدرة . في القاموس الطَّوْلُ والطائلُ والطائلةُ الفَضْلُ والقُدْرَةُ والغِنَى والسَّعَةُ ، ومحلُّ أن بعد حذفِ الجارِّ نَصْبٌ عند سيبويهِ والفراءِ وجرٌّ عند الكسائيِّ والأخفشِ ، وإما بدلٌ من طولاً لأن الطَوْلَ فضلٌ والنكاحُ قدرةٌ ، وإما مفعولٌ ليستطِعْ وطَوْلاً مصدرٌ مؤكدٌ له لأنه بمعناه ، إذ الاستطاعةُ هي الطَّوْلُ ، أو تمييزٌ ، أي ومن لم يستطع منكم نكاحَهن استطاعةً أو من جهة الطَوْل والغِنى أي لا من جهة الطبيعةِ والمزاجِ فإن عدمَ الاستطاعةِ من تلك الجهةِ لا تعلقَ له بالمقام ، والمرادُ بالمحصنات الحرائرُ بدليل مقابلتِهن بالمملوكات ، فإن حريتَهن أحصَنَتْهن عن ذل الرقِّ والابتذالِ وغيرِهما من صفات القصورِ والنقصان . وقوله عز وجل : { وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم } إما جوابٌ للشرط أو خبرٌ للموصول ، والفاءُ لتضمُّنه معنى الشرطِ ، والجارُّ متعلقٌ بفعل مقدرٍ حُذف مفعولُه ، وما موصولةٌ أي فلينكِح امرأةً أو أمةً من النوع الذي ملكتْه أيمانُكم وهو في الحقيقة متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لذلك المفعولِ والمحذوفِ ، ومِنْ تبعيضيةٌ أي فلينكِح امرأةً كائنةً من ذلك النوعِ ، وقيل : مِنْ زائدةٌ والموصولُ مفعولٌ للفعل المقدر أي فلينكِحْ ما ملكتْه أيمانُكم وقولُه تعالى : { مّن فتياتكم المؤمنات } في محل النصبِ على الحالية من الضمير المقدر في ملكت الراجعِ إلى ما ، وقيل : هو المفعولُ للفعل المقدر على زيادة ومما ملكتْ متعلقٌ بنفس الفعلِ ومن لابتداء الغايةِ ، أو بمحذوف وقع حالاً من فتياتكم ومِنْ للتبعيض أي فلينكِحْ فتياتِكم كائناتٍ بعضَ ما ملكت أيمانُكم والمؤمناتِ صفةٌ لفتياتكم على كل تقدير ، وقيل : هو المفعولُ للفعل المقدرِ ومما ملكت على ما تقدم آنفاً ومن فتياتكم حالٌ من العائد المحذوفِ . (2/67)
وظاهرُ النظمِ الكريمِ يفيد عدمَ جوازِ نكاحِ الأمةِ الكتابيةِ أصلاً كما هو رأيُ أهلِ الحجازِ ، وقد جوزهما أبو حنيفة رحمه الله تعالى متمسكاً بالعمومات فمَحْمَلُ الشرطِ والوصفِ هو الأفضليةُ ولا نِزاعَ فيها لأحد ، وقد رُوي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال : ومما وسع الله على هذه الأمةِ نكاحُ الأمةِ واليهوديةِ والنصرانيةِ وإن كان موسِراً وقوله تعالى : { والله أَعْلَمُ بإيمانكم } جملةٌ معترضةٌ جيء بها لتأنيسهم بنكاح الإماءِ واستنزالِهم من رتبة الاستنكافِ منه ببيان أن مناطَ التفاضُل ومدارَ التفاخُرِ هو الإيمانُ دون الأحساب والأنسابِ على ما نطَق به قولُه عز قائلاً :
{ يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَائِلَ لتعارفوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } والمعنى أنه تعالى أعلمُ منكم بمراتبكم في الإيمان الذي به تنتظِمُ أحوالُ العبادِ وعليه يدور فلَكُ المصالحِ في المعاش والمعادِ ولا تعلّقَ له بخصوص الحريةِ والرقِّ ، فرُبّ أمةً يفوق إيمانُها إيمانَ الحرائرِ ، وقولُه تعالى : { بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } إن أريد به الاتصالُ من حيث الدينُ فهو بيانٌ لتناسبهم من تلك الحيثيةِ إثرَ بيانِ تفاوتِهم في ذلك ، وإن أريد به الاتصالُ من حيث النسبُ فهو اعتراضٌ آخرُ مؤكدٌ للتأنيس من جهة أخرى ، والخطابُ في الموضعين إما لمن كما في الخطاب الذي يعقُبه قد روعيَ فيما سبق جانبُ اللفظِ وهاهنا جانبُ المعنى ، والالتفاتُ للاهتمام بالترغيب والتأنيس وإما لغيرهم من المسلمين كالخِطابات السابقةِ لحصول الترغيبِ بخطابهم أيضاً ، وأياً ما كان فإعادةُ الأمرِ بالنكاح على وجه الخطابِ في قوله تعالى : { فانكحوهن } مع انفهامه من قوله تعالى : { وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم } حسبما ذُكر لزيادة الترغيبِ في نكاحهن ، وتقييدُه بقوله تعالى : { بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } وتصديرُه بالفاء للإيذان بترتبه على ما قبله أي وإذْ قد وقفتم على جلية الأمرِ فانكِحوهن بإذن مواليهن ولا تترفعوا عنهن ، وفي اشتراط إذنِ الموالي دون مباشرتِهم للعقد إشعارٌ بجواز مباشرتِهن له { وآتوهنَّ أجُورَهُنَّ } أي مهورَهن { بالمعروف } متعلقٌ بآتوهن أي أدّوا إليهن مهورَهن بغير مَطْلٍ وضِرارٍ وإلجاءٍ إلى الاقتضاء واللزِّ حسبما يقتضيه الشرعُ والعادةُ ومن ضرورته أن يكون الأداءُ إليهن بإذن الموالي فيكونُ ذكرُ إيتائِهن لبيان جوازِ الأداءِ إليهن لا لكون المهورِ لهن ، وقيل : أصلُه آتُوا موالِيَهن فحُذف المضافُ وأُوصل الفعلُ إلى المضاف إليه { محصنات } حال من مفعول فانكِحوهن أي حال كونِهن عفائفَ عن الزنا . (2/68)
{ غَيْرَ مسافحات } حالٌ مؤكدةٌ أي غيرَ مجاهراتٍ به { وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } عطفٌ على مسافحات و { لا } لتأكيد ما في { غَيْرِ } من معنى النفي ، والخِدْنُ : الصاحُب ، قال أبو زيد : الأخدانُ الأصدقاءُ على الفاحشة والواحد خِدنٌ وخَدين والجمعُ للمقابلة بالانقسام على معنى ألا يكونَ لواحدة منهن خِدنٌ لا على معنى ألا يكونَ لها أخدانٌ ، أي غيرَ مجاهراتٍ بالزنا ولا مُسِرّاتٍ له وكان الزنا في الجاهلية منقسماً إلى هذين قسمين { فَإِذَا أُحْصِنَّ } أي بالتزويج وقرىء على البناء للفاعل أي أحصَنَّ فزوجَهن أو أزواجَهن { فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة } أي فعلْن فاحشةً وهي الزنا { فَعَلَيْهِنَّ } وجبَ عليهن شرعاً { نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات } أي الحرائرِ الأبكارِ { مّنَ العذاب } من الحد الذي هو جَلدُ مائةٍ فنصفُه خمسون كما هو كذلك قبل الإحصانِ ، فالمرادُ بيانُ عدمِ تفاوتِ حدِّهن بالإحصان كتفاوت حدِّ الحرائرِ ، فالفاءُ في { فَإِنْ أَتَيْنَ } جواب إذا ، والثانيةُ جوابُ إنْ والشرطُ الثاني مع جوابه مترتبٌ على وجود الأولِ كما في قولك : إذا أتيتَني فإنْ لم أكرِمْك فعبدي حرٌّ { ذلك } أي نكاحُ الإماءِ { لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ } أي لمن خاف وقوعَه في الإثم الذي تؤدّي إليه غلبةُ الشهوةِ ، وأصلُ العنَتِ انكسارُ العظْمِ بعد الجبْرِ فاستُعير لكل مشقةٍ وضررٍ يعتري الإنسانَ بعد صلاحِ حالِه ولا ضررَ أعظمُ من مُواقَعه المآثمِ بارتكاب أفحشِ القبائحِ وقيل : أريد به الحدُّ لأنه إذا هَوِيَها يخشى أن يواقِعَها فيُحَدَّ .
والأولُ اللائقُ بحال المؤمنِ دون الثاني لإيهامه أن المحذورَ عنده الحدُّ لا ما يوجبه { وَأَن تَصْبِرُواْ } أي عن نكاحهن متعفِّفين كآفّين أنفسَكم عما تشتهيه من المعاصي { خَيْرٌ لَّكُمْ } من نكاحهن وإن سبَقَت كلمةُ الرُّخصةِ فيه لما فيه من تعريض الولدِ للرق ، قال عمرُ رضي الله عنه : «أيُّما حرَ تزوّج بأمة فقد أرَقَّ نصفَه» . وقال سعيد بن جبير : «ما نكاحُ الأمةِ من الزنا إلا قريبٌ» . ولأن حقَّ المولى فيها أقوى فلا تخلُصُ للزوج خُلوصَ الحرائرِ ولأن المولى يقدِرُ على استخدامها كيفما يريد في السفر والحضَرِ وعلى بيعها للحاضرِ والبادي وفيه من اختلال حالِ الزوجِ وأولادِه ما لا مزيدَ عليه ، ولأنها مُمتهنةٌ مبتذَلةٌ خرّاجةٌ ولاّجةٌ ، وذلك كلُّه ذلٌّ ومهانةٌ ساريةٌ إلى الناكح ، والعزةُ هي اللائقةُ بالمؤمنين ولأن مَهرَها لمولاها فلا تقدِر على التمتع به ولا على هِبته للزوج فلا ينتظم أمرُ المنزلِ وقد قال عليه السلام : " الحرائِرُ صلاحُ البيتِ والإماءُ هلاكُ البيتِ " { والله غَفُورٌ } مبالِغٌ في المغفرة فيغفرُ لمن لم يصبِرْ عن نكاحهن ما في ذلك من الأمور المنافيةِ لحال المؤمنين { رَّحِيمٌ } (2/69)
مبالغٌ في الرحمة ولذلك رَخّص لكم في نكاحهن .
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)
{ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ } استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير ما سبق من الأحكام وبيانِ كونِها جاريةً على مناهج المهتدين من الأنبياء والصالحين ، قيل : أصلُ النظمِ الكريمِ يُريد الله أن يبين لكم فزيدت اللامُ لتأكيد معنى الاستقبالِ اللازمِ للإرادة ، ومفعولُ يبين محذوفٌ ثقةً بشهادة السباقِ والسياقِ ، أي يريد الله أن يبين لكم ما هو خفيٌ عنكم من مصالحكم وفضائلِ أعمالِكم أو ما تعبَّدَكم به من الحلال والحرامِ ، وقيل : مفعولُ يريد محذوفٌ تقديرُه يريد الله تشريعَ ما شرَع من التحريم والتحليلِ لأجل التبيينِ لكم ، وهذا مذهبُ البصريين ويعزى إلى سيبويهِ ، وقيل : إن اللامَ بنفسها ناصبةٌ للفعل من غير إضمارِ أن وهي وما بعدها مفعولٌ للفعل المتقدمِ فإن اللامَ قد تقام مَقامَ أن في فعل الإرادةِ والأمرِ فيقال : أردت لأذهبَ وأن أذهبَ وأمرتك لتقومَ وأن تقوم ، قال تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله } وفي موضع : { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ } وقال تعالى : { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ } وفي موضع : { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ } وفي آخر : { وَأُمِرْتُ لاِعْدِلَ بَيْنَكُمُ } أي أن أعدل بينكم وهذا مذهبُ الكوفيين ، ومنعه البصريون وقالوا : إن وظيفةَ اللامِ هي الجرُّ والنصبُ فيما قالوا بإضمار أن أي أُمِرنا بما أمرنا لنُسلم ويريدون ما يريدون ليطفئوا ، وقيل : يؤوّل الفعلُ الذي قبل اللامِ بمصدر مرفوعِ بالابتداء ويُجعل ما بعده خبراً له ، كما في : «تَسْمَعُ بالمُعَيْديّ خيرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ» أي أن تسمَعَ به ، ويُعزى هذا الرأيُ إلى بعض البصْريين { وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ } من الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } إذا أنبتم إليه تعالى عما يقع منكم من التقصير والتفريطِ في مراعاة ما كُلّفتموه من الشرائع فإن المكلفَ قلما يخلو من تقصير يستدعي تلافِيَه بالتوبة ، ويغفرُ لكم ذنوبَكم أو يُرشدُكم إلى ما يردعكم عن المعاصي ويحثُكم على التوبة أو إلى ما يكون كفارةً لسيئاتكم وليس الخطابُ لجميع المكلفين حتى يتخلفَ مرادُه تعالى عن إرادته فيمن لم يتُبْ منهم بل لطائفة معينةٍ حصَلت لهم هذه التوبةُ { والله عَلِيمٌ } مبالِغٌ في العلم بالأشياء التي من جملتها ما شرَع لكم من الأحكام { حَكِيمٌ } مُراعٍ في جميع أفعالِه الحكمةَ والمصلحةَ . (2/70)
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)
{ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } جملةٌ مبتدأةٌ مَسوقةٌ لبيان كمالِ منفعةِ ما أراده الله تعالى وكمالِ مضرّةِ ما يريد الفَجَرةُ لا لبيان إرادتِه تعالى لتوبته عليهم حتى يكونَ من باب التكريرِ للتقرير ، ولذلك غُيّر الأسلوبُ إلى الجملة الاسميةِ دلالةً على دوام الإرادةِ ولم يُفعلْ ذلك في قوله تعالى : { وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات } للإشارة إلى الحدوثِ وللإيماء إلى كمالِ المباينةِ بين مضموني الجملتين كما مر في قوله تعالى : { الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ } الآية ، والمراد بمتّبعي الشهواتِ الفَجَرةُ فإن اتّباعَها الائتمارُ بها ، وأما المتعاطي لما سوّغه الشرعُ من المشتهَيات دون غيرِه فهو متّبعٌ له لا لها ، وقيل : هم اليهودُ والنصارى ، وقيل : هم المجوسُ حيث كانوا يُحِلون الأخواتِ من الأب وبناتِ الأخِ وبناتِ الأختِ فلما حرَّمهن الله تعالى قالوا : فإنكم تُحِلون بنتَ الخالةِ مع أن العمةَ والخالةَ عليكم حرامٌ فانكِحوا بناتِ الأخِ والأختِ فنزلت { أَن تَمِيلُواْ } عن الحق بموافقتهم على اتباع الشهواتِ واستحلالِ المحرماتِ وتكونوا زناةً مثلَهم ، وقرىء بالياء التحتانية والضميرُ للذين يتبعون الشهواتِ { مَيْلاً عَظِيماً } أي بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئةً على نُدرة بلا استحلالٍ . (2/71)
{ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } بما مر من الرُخَص فيما في عهدتكم من مشاقّ التكاليفِ ، والجملةُ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب { وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً } عاجزاً عن مخالفة هواه غيرَ قادرٍ على مقابلة دواعيه وقواه حيث لا يصبِرُ عن اتباع الشهواتِ ولا يستخدم قواه في مشاقِّ الطاعاتِ . وعن الحسن أن المرادَ ضَعفُ الخِلْقةِ ، ولا يساعده المقام ، فإن الجملةَ اعتراضٌ تذييليٌّ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من التخفيف بالرُخصة في نكاح الإماءِ ، وليس لضعف البُنيةِ مدخلٌ في ذلك ، وإنما الذي يتعلق به التخفيفُ في العبادات الشاقةِ . وقيل : المراد به ضعفُه في أمر النساءِ خاصة حيث لا يصبِرُ عنهن ، وعن سعيد بن المسيِّب : ما أيِسَ الشيطانُ من بني آدمَ قطُّ إلا أتاهم من قبل النساءِ فقد أتى عليَّ ثمانون سنةً وذهبت إحدى عينيَّ وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوفَ ما أخاف على نفسي فتنةُ النساءِ .
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما وخَلَق الإنسانَ على البناء للفاعل والضميرُ لله عز وجل ، وعنه رضي الله عنه : ثماني آياتٍ في سورة النساء هنّ خيرٌ لهذه الأمةِ مما طلعت عليه الشمسُ وغربت { يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ } { والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } { يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها } { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } { مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ } { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل } شروعٌ في بيان بعضِ الحرماتِ المتعلقةِ بالأموال والأنفسِ إثرَ بيانِ الحرماتِ المتعلقةِ بالأبضاع ، وتصديرُ الخطابِ بالنداء والتنبيهِ لإظهار كمالِ العنايةِ بمضمونه والمرادُ بالباطل ما يخالف الشرعَ كالغصب والسرقةِ والخيانةِ والقِمارِ وعقودِ الربا وغيرُ ذلك مما لا يُبِحْه الشرعُ ، أي لا يأكلْ بعضُكم أموالَ بعض بغير طريقٍ شرعي { إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } استثناءٌ منقطِعٌ ، وعن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لتجارةً أي إلا أن تكون التجارةُ تجارةً صادرةً عن تراض كما في قوله :
إذا كان يوماً ذا كواكِبَ أشْعَنا ... أي إذا كان اليومُ يوماً الخ ، أو إلا أن تكون الأموالُ أموالَ تجارة ، وقرىء تجارةٌ بالرفع على أنّ كان تامةٌ أي ولكن اقصِدوا كونَ تجارةً عن تراض أي وقوعَها ، أو ولكن وجودَ تجارةً عن تراض غيرِ منهيَ عنه ، وتخصيصُها بالذكر من بين سائرِ أسبابِ المُلكِ لكونها معظَمَها وأغلبَها وقوعاً وأوفقَها لذوي المروءاتِ ، والمرادُ بالتراضي مراضاةُ المتبايعَيْن فيما تعاقدا عليه في حال المبايعةِ وقتَ الإيجابِ والقبولِ عندنا ، وعند الشافعيِّ رحمه الله حالةَ الافتراقِ عن مجلس العقد . (2/72)
{ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } أي مَنْ كان من جنسكم من المؤمنين فإن كلَّهم كنفس واحدةٍ ، وعن الحسن : لا تقتُلوا إخوانَكم ، والتعبيرُ عنهم بالأنفس للمبالغة في الزجر عن قتلهم بتصويره بصورة ما لا يكاد يفعلُه عاقلٌ ، أو لا تُهلِكوا أنفسَكم بتعريضها للعقاب باقتراف ما يُفضي إليه فإنه القتلُ الحقيقيُّ كما يُشعِرُ به إيرادُه عَقيبَ النهي عن أكل الحرامِ فيكونُ مقرَّراً للنهي السابقِ ، وقيل : لا تقتلوا أنفسَكم بالبخْع كما يفعله بعضُ الجهلةِ ، أو بارتكاب ما يؤدي إلى القتل من الجنايات ، وقيل : بإلقائها في التهلُكة ، وأُيِّد بما رُوي عن عمْرو بنِ العاص أنه تأوله بالتيمم لخوف البردِ فلم يُنْكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام ، وقرىء ولا تُقتِّلوا بالتشديد للتكثير ، وقد جُمع في التوصية بين حفظِ النفسِ وحفظِ المالِ لما أنه شقيقُها من حيث إنه سببٌ لقِوامها وتحصيلِ كمالاتِها واستيفاءِ فضائلِها ، وتقديمُ النهي عن التعرض له لكثرة وقوعِه { إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } تعليل للنهي بطريق الاستئنافِ أي مبالغاً في الرحمة والرأفةِ ، ولذلك نهاكم عما نهاكم عنه ، فإن في ذلك رحمةً عظيمةً لكم بالزجر عن المعاصي وللذين هم في معرِض التعرُّض لهم بحفظ أموالِهم وأنفسِهم ، وقيل : معناه إنه كان بكم يا أمةَ محمدٍ رحيماً حيث أمرَ بني إسرائيلَ بقتلهم أنفسَهم ليكون توبةً لهم وتمحيصاً لخطاياهم ولم يكلِّفْكم تلك التكاليفَ الشاقةَ .
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)
{ وَمَن يَفْعَلْ ذلك } إشارةٌ إلى القتل خاصةً أو لما قبله من أكل الأموالِ ، وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان ببُعْد منزلتِهم في الفساد { عدوانا وَظُلْماً } أي إفراطاً في التجاوز عن الحد وإتياناً بما لا يستحقّه ، وقيل : أُريد بالعدوان التعدّي على الغير وبالظلم الظلمُ على النفس بتعريضها للعقاب ، ومحلُّهما النصبُ على الحالية أو على التعليل ، أي متعدياً وظالماً أو للعدوان والظلم ، وقرىء عِدواناً بكسرالعين { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ } جوابٌ للشرط أي ندخلُه ، وقرىء بالتشديد من صلّى وبفتح النون من صَلاة يَصْليه ومنه شاةٌ مَصْليةٌ ، ويُصليه بالياء والضمير لله تعالى أو لذلك من حيث أنه سببٌ للصَّلْي { نَارًا } أي ناراً مخصوصةً هائلةً شديدةَ العذابِ { وَكَانَ ذلك } أي إصلاؤُه النار { عَلَى الله يَسِيراً } لتحقق الداعي وعدمِ الصارفِ ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ بطريق الالتفاتِ لتربية المهابةِ وتأكيدِ استقلالِ الاعتراضِ التذييليِّ . (2/73)
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)
{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } أي كبائرَ الذنوبِ التي نهاكم الشرعُ عنها مما ذكر هاهنا وما لم يُذكرْ ، وقرىء كبيرَ على إرادة الجنسِ { نُكَفّرْ عَنْكُمْ } بنون العظمةِ على طريقة الالتفاتِ ، وقرىء بالياء بالإسنادِ إليه تعالى ، والتكفيرُ إماطةُ المستحَقِّ من العقاب بثوابٍ أُريد أو بتوبة أي نغفِرْ لكم { سَيّئَاتِكُمْ } صغائرَكم ونمحُها عنكم ، قال المفسرون : «الصلاةُ إلى الصلاة والجمعةُ إلى الجمعة ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لما بينهن من الصغائر إذا اجتُنِبَت الكبائرُ» . واختلف في الكبائر والأقربُ أن الكبيرةَ كلُّ ذنبٍ رتّب الشارعُ عليه الحدَّ أو صرح بالوعيد فيه ، وقيل : ما عُلم حرمتُه بقاطع ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها سبعٌ : الإشراكُ بالله تعالى وقتلُ النفسِ التي حرمها الله تعالى وقذفُ المحصناتِ وأكلُ مالِ اليتيمِ والربا والفِرارُ من الزحف وعقوقُ الوالدين . وعن علي رضي الله عنه : التعقيبُ بعد الهجرةِ مكان عقوقِ الوالدين ، وزاد ابنُ عمر رضي الله عنهما : السحرَ واستحلالَ البيتِ الحرامِ ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال له : الكبائر سبعٌ ، قال : هي إلى سبعمائةٍ أقربُ منها إلى سبع ، وروي عنه إلى سبعين إذْ لا صغيرةَ مع الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار ، وقيل : أريد به أنواعُ الشركِ لقوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } وقيل : صِغرُ الذنوب ( وكِبَرُها ) بالإضافة إلى ما فوقها وما تحتها وبحسب فاعلِها ( فقط ) بل بحسب الأوقاتِ والأماكنِ أيضاً ، فأكبرُ الكبائرِ الشركُ وأصغرُ الصغائرِ حديثُ النفسِ ، وما بينهما وسائطُ يصدُق عليه الأمران فمن له أمرانِ منهما ودعت نفسُه إليهما بحيث لا يتمالك فكفّها عن أكبرهما كُفّر عنه ما ارتكبه لِما استحق على اجتناب الأكبرِ من الثواب { وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً } بضم الميم اسمُ مكانٍ هو الجنة { كَرِيماً } أي حسَناً مَرْضياً أو مصدرٌ ميميٌّ أي إدخالاً مع كرامةً ، وقرىء بفتح الميم وهو أيضاً يحتمل المكانَ والمصدر ، ونصبُه على الثاني بفعل مقدرٍ مطاوِعٍ للمذكور أي ندخلكم فتدخلون مدخلاً أو دخولاً كريماً كما في قوله : (2/74)
وعضّةُ دهرٍ يا ابنَ مروانَ لم تَدَع ... من المال إلا مُسْحَتٌ أو مُجلّفُ
أي لم تدع فلم يبْقَ إلا مسحتٌ الخ .
{ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ } أي عليكم ، ولعل إيثارَ الإبهامِ عليه للتفادي عن المواجهة بما يشُقُّ عليهم . قال القفال : لما نهاهم الله تعالى عن أكل أموالِ الناسِ بالباطل وقتلِ الأنفسِ عقّبه بالنهي عما يؤدّي إليه من الطمع في أموالهم وتمنّيها ، وقيل : نهاهم أولاً عن التعرض لأموالهم بالجوارح ثم عن التعرّض لها بالقلب على سبيل الحسدِ لتطهير أعمالِهم الظاهرةِ والباطنةِ فالمعنى لا تتمنَّوْا ما أعطاه الله تعالى بعضَكم من الأمور الدنيويةِ كالجاه والمالِ وغيرِ ذلك مما يجري فيه التنافسُ دونكم فإن ذلك قسمةٌ من الله تعالى صادرةٌ عن تدبير لائقٍ بأحوال العبادِ مترتبٍ على الإحاطة بجلائلِ شؤونِهم ودقائقِها فعلى كلّ أحدٍ من المفضّل عليهم أن يرضى بما قسم الله له ولا يتمنى حظَّ المفضَّلِ ولا يحسُده عليه لما أنه معارَضةٌ لحكمِ القدرِ المؤسسِ على الحِكَم البالغةِ لا لأن عدمَه خيرٌ له ولا لأنه لو كان خلافَه لكان مفسدةً له كما قيل إذ لا يساعدُه ما سيأتي من الأمر بالسؤال من فضله تعالى فإنه ناطِقٌ بأن المنهيَّ عنه تمنِّي نصيبِ الغيرِ لا تمنِّي ما زاد على نصيبه مطلقاً .
هذا وقد قيل : لما جعل الله تعالى في الميراث للذكر مثلَ حظِّ الأنثيين قالت النساءُ : نحن أحوجُ أن يكون لنا سهمانِ وللرجال سهمٌ واحد لأنا ضعفاءُ وهم أقوياءُ وأقدرُ على طلب المعاشِ منا فنزلت وهذا هو الأنسبُ بتعليل النهي بقوله عز وجل : { لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبن } فإنه صريحٌ في جريان التمني بين فريقي الرجالِ والنساءِ ، ولعل صيغةَ المذكرِ في النهي بالبعض والمعنى لكلَ من الفريقين في الميراث نصيبٌ معينُ المقدارِ مما أصابه بحسَب استعدادِه ، وقد عُبّر عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارةِ التبعيةِ المبنيةِ على تشبيه اقتضاءِ حالِه لنصيبه باكتسابه إياه تأكيداً لاستحقاق كلَ منهما لنصيبه وتقويةً لاختصاصه به بحيث لا يتخطاه إلى غيره فإن ذلك مما يوجبه الانتهاءُ عن التمني المذكور . (2/75)
وقوله تعالى : { واسألوا الله مِن فَضْلِهِ } عطفٌ على النهي ، وتوسيطُ التعليلِ بينهما لتقرير الانتهاءِ مع ما فيه من الترغيب في الامتثالِ بالأمر كأنه قيل : لا تتمنَّوا ما يختصُّ بغيركم من نصيبه المكتَسبِ له واسألوا الله تعالى من خزائن نِعمِه التي لا تنفَذُ ، وحُذف المفعولُ الثاني للتعميم ، أي واسألوه ما تريدون فإنه تعالى يعطيكُموه ، أو لكونه معلوماً من السياق أي واسألوه مثلَه ، وقيل : مِنْ زائدةٌ والتقديرُ واسألوه فضلَه وقد جاء في الحديث : " لا يتمنّينّ أحدُكم مالَ أخيه ولكن ليقل : اللهم ارزُقني اللهم أعطِني مثلَه " وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : " سَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ فإنَّهُ يُحِبُّ أن يُسألَ ، وأفضلُ العبادةِ انتظارُ الفرجِ " . وحملُ النصيبِ على الأجر الأُخرويِّ وإبقاءُ الاكتسابِ على حقيقته بجعل سببِ النزولِ ما رُوي أن أمَّ سلَمةَ رضي الله عنها قالت : «ليت الله كتب علينا الجهادَ كما كتبه على الرجال فيكونَ لنا من الأجر مثلُ ما لَهم» على أن المعنى لكلَ من الفريقين نصيبٌ خاصٌّ به من الأجر مترتبٌ على عمله ، فللرجال أجرٌ بمقابلة ما يليق بهم من الأعمال كالجهاد ونحوِه فلا تَتَمنَّ النساءُ خصوصيةَ أجرِ الرجالِ ولْيَسألْنَ من خزائن رحمتِه تعالى ما يليق بحالهن من الأجر لا يساعده سياقُ النظمِ الكريمِ المتعلق بالمواريث وفضائلِ الرجالِ { إِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً } ولذلك جعل الناسَ على طبقات ورفَع بعضَهم على بعض درجاتٍ حسب مراتبِ استعداداتِهم الفائضةِ عليهم بموجب المشيئةِ المبنيةِ على الحِكَم الأبية .
وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)
{ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون } جملةٌ مبتدأةٌ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها ، ولكلَ مفعولٌ ثانٍ لجعلنا قُدّم عليه لتأكيد الشمولِ ودفعِ توهُّمِ تعلقِ الجعلِ بالبعض دون البعض كما في قوله تعالى : { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } أي ولكل تركةٍ جعلنا ورثة متفاوتةً في الدرجة يلونها ويُحرِزون منها أنصباءَهم بحسب استحقاقِهم المنوطِ بما بينهم وبين المورِّثِ من العلاقة ، ومما ترك بيانٌ لكلَ قد فُصل بينهما بما عَمِل فيه كما فُصِل في قوله تعالى : { قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ * السموات والارض } بين لفظِ الجلالةِ وبين صفتِه بالعامل فيما أضيف إليه أعني غيرَ ، أو لكل قومٍ جعلناهم مواليَ أي وارثٍ نصيبٌ معينٌ مغايرٌ لنصيب قومٍ آخرين مما ترك الوالدان والأقربون ، على أن جعلنا مواليَ صفةٌ لكلَ ، والضميرُ الراجعُ إليه محذوفٌ والكلامُ مبتدأٌ وخبرٌ على طريقة قولك : لكلِّ مَنْ خلقه الله إنساناً من رزق الله أي حظٌّ منه . (2/76)
وأما ما قيل من أن المعنى لكل أحدٍ جعلنا موالي مما ترك أي وُرّاثاً منه على أن مِنْ صلةُ موالي لأنه في معنى الوارثِ وفي ترَك ضميرٌ مستكنٌّ عائدٌ إلى كل ، وقولُه تعالى : { الوالدان والاقربون } استئنافٌ مفسرٌ للموالي كأنه قيل : مَنْ هم؟ فقيل : الوالدانِ ففيه تفكيكٌ للنظم الكريمِ لأن ببيان الموالي بما ذُكر يفوتُ الإبهامُ المصحِّحُ لاعتبار التفاوتِ بينهم وبه يتحقق الانتظامُ كما أشير إليه في تقرير الوجهين الأولَيْن مع ما فيه من خروج الأولادِ من الموالي ، إذ لا يتناولهم الأقربون كما لا يتناول الوالدين . { والذين عَقَدَتْ أيمانكم } هم موالي الموالاةِ ، كان الحليفُ يرِثُ السدسَ من مال حليفِه فنُسخ بقوله تعالى : { وَأُوْلُو الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } وعند أبي حنيفة رحمه الله إذا أسلم رجلٌ على يد رجلٍ وتعاقدا على أن يرثَه ويعقِلَ عنه صح وعليه عقْلُه وله إرثُه إن لم يكن له وارثٌ أصلاً ، وإسنادُ العقدِ إلى الأَيْمان لأن المعتادَ هو المماسحةُ بها عند العقدِ ، والمعنى عقَدَتْ أَيمانُكم عهودَهم فحُذف العهودُ وأقيم المضافُ إليه مُقامَه ثم حُذف ، وقرىء عقّدتْ بالتشديد وعاقدَتْ بمعنى عاقدتْهم أيمانُكم وماسحتُموهم وهو مبتدأٌ متضمِّنٌ لمعنى الشرطِ ، ولذلك صُدِّر الخبرُ أعني قولَه تعالى : { وَلِكُلٍ جَعَلْنَا } بالفاء ، أو منصوبٌ بمضمر يفسّره ما بعده كقولك : زيداً فاضرِبْه ، أو مرفوعٌ معطوفٌ على الوالدان والأقربون ، وقوله تعالى : { فَئَاتُوهُمْ } الخ ، جملةٌ مبيِّنةٌ للجملة قبلها ومؤكِّدةٌ لها والضميرُ للموالي { إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء } من الأشياء التي من جملتها الإيْتاءُ والمنعُ { شَهِيداً } ففيه وعدٌ ووعيد .
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)
{ الرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النساء } كلامٌ مُستأنفٌ مَسوقٌ لبيان سببِ استحقاقِ الرجالِ الزيادةَ في الميراث تفصيلاً إثرَ بيانِ تفاوتِ استحقاقِهم إجمالاً ، وإيرادُ الجملةِ اسميةً والخبرِ على صيغة المبالغةِ للإيذان بعراقتهم في الاتصاف بما أُسند إليهم ورسوخِهم فيه ، أي شأنُهم القيامُ عليهن بالأمر والنهْي قيامَ الولاةِ على الرعية ، وعلل ذلك بأمرين : وهبيٌّ وكسبيٌّ فقيل : { بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } الباءُ سببيةٌ متعلقةٌ بقوامون أو بمحذوف وقع حالاً من ضميره وما مصدريةٌ والضميرُ البارزُ لكِلا الفريقين تغليباً أي قوامون عليهن بسبب تفضيلِ الله تعالى إياهم عليهن أو ملتبسين بتفضيله تعالى الخ ، ووضعُ البعضِ موضِعَ الضميرين للإشعار بغاية ظهورِ الأمرِ وعدمِ الحاجةِ إلى التصريح بالمفضّل والمفضّل عليه أصلاً ولذلك لم يصرَّحْ بما به التفضيلُ من صفات كمالِه التي هي كمالُ العقلِ وحسنُ التدبيرِ ورزانةُ الرأي ومزيدُ القوة في الأعمال والطاعاتِ ولذلك خُصّوا بالنبوة والإمامةِ والولايةِ وإقامةِ الشعائرِ والشهادةِ في جميع القضايا ووجوبِ الجهادِ والجمعةِ وغير ذلك { وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم } الباءُ متعلقةٌ بما تعلقت به الأولى وما مصدريةٌ وموصولةٌ حُذف عائدُها من الصلة ، ومِنْ تبعيضيةٌ أو ابتدائيةٌ متعلقةٌ بأنفقوا أو بمحذوف وقع حالاً من العائد المحذوفِ أي وبسبب إنفاقِهم من أموالِهم أو بسبب ما أنفقوه من أموالهم أو كائناً من أموالهم وهو ما أنفقوه من المَهر والنفقة . روي أن سعدَ بنَ الربيعِ أحدَ نقباءِ الأنصارِ رضي الله عنهم نشَزَت عليه امرأتُه حبيبةُ بنتُ زيدِ بنِ أبي زُهير فلَطَمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا فقال عليه السلام : « لتقتصَّ منه » فنزلت فقال عليه السلام : « أردْنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراده الله خيرٌ » (2/77)
{ فالصالحات } شروعٌ في تفصيل أحوالِهن وبيانِ كيفية القيامِ عليهن بحسب اختلافِ أحوالِهن أي فالصالحاتُ منهن { قانتات } أي مطيعاتٌ لله تعالى قائماتٌ بحقوق الأزواج { حفظات لّلْغَيْبِ } أي لِمَواجب الغيبِ أي لما يجب عليهن حفظُه في حال غيبةِ الأزواجِ من الفروج والأموال . عن النبي صلى الله عليه وسلم : « خيرُ النساءِ امرأةٌ إن نظَرتَ إليها سرّتْك وإن أمرتها أطاعتْك وإذا غِبت عنها حفِظَتْك في مالها ونفسها » وتلا الآية ، وقيل : لأسرارهم وإضافةُ المالِ إليها للإيذان بأن مالَه في حق التصرفِ في حكم مالِها كما في قوله تعالى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم } الآية { بِمَا حَفِظَ الله } ما مصدرية أي بحفظه تعالى إياهن بالأمر بحفظ الغيبِ والحثِّ عليه بالوعد والوعيد والتوعيدِ والتوفيقِ له ، أو موصولةٌ أي بالذي حفِظَ الله لهن عليهم من المَهر والنفقةِ والقيامِ بحفظهن والذبِّ عنهن وقرىء بما حفِظ الله بالنصب على حذف المضافِ أي بالأمر الذي حفِظ حقَّ الله تعالى وطاعتَه وهو التعففُ والشفقة على الرجال .
{ واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } خطابٌ للأزواج وإرشادٌ لهم إلى طريق القيامِ عليهم . والخوفُ حالةٌ تحصُل في القلب عند حدوثِ أمرٍ مكروهٍ أو عند الظنِّ أو العلمِ بحدوثه وقد يُراد به أحدُهما أي تظنون عِصيانَهن وترفُّعَهن عن مطاوعتكم من النشَز وهو المرتفع من الأرض { فَعِظُوهُنَّ } فانصحوهن بالترغيب والترهيب { واهجروهن } بعد ذلك إن لم ينفَع الوعظُ والنصيحةُ { فِى المضاجع } أي في المراقد فلا تُدْخِلوهن تحت اللحف ولا تباشِروهن فيكون كنايةً عن الجماع ، وقيل : المضاجعُ المبايتُ أي لا تبايتوهن ، وقرىء في المضْجَع وفي المُضْطجع { واضربوهن } إن لم ينجَعْ ما فعلتم من العظة والهُجران ضرباً غيرَ مبرِّحٍ ولا شائنٍ { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } بذلك كما هو الظاهرُ لأنه منتهى ما يعد زاجراً { فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } بالتوبيخ والأذيةِ أي فأزيلوا عنهن التعرّضَ واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن فإن التائبَ من الذنب كمن لا ذنب له . (2/78)
{ إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } فاحذَروه فإنه تعالى أقدرُ عليكم منكم على مَنْ تحت أيديكم أو أنه تعالى على علو شأنِه يتجاوز عن سيئاتكم ويتوبُ عليكم عند توبتِكم فأنتم أحقُّ بالعفو عن أزواجكم عند إطاعتِهن لكم أو أنه يتعالى ويكبُر أن يظلمَ أحداً أو ينقُصَ حقَّه ، وعدمُ التعرضِ لعدم إطاعتِهن لهم للإيذان بأن ذلك ليس مما ينبغي أن يتحققَ أو يُفرضَ تحققُه وأن الذي يُتوقع منهن ويليق بشأنهن لا سيما بعدما كان ما كان من الزواجر هو الإطاعةُ ولذلك صُدِّرت الشرطيةُ بالفاء المُنْبئةِ عن سببية ما قبلها لما بعدها .
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)
{ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى الحكام واردٌ على بناء الأمرِ على التقدير المسكوتِ عنه أعني عدمَ الإطاعةِ المؤدِّي إلى المخاصمة والمرافعةِ إليهم . والشقاقُ المخالفةُ إما لأن كلاً منهما يريد أن يشُق على الآخر وإما لأن كلاً منهما في شِق أي جانبٍ غيرِ شقِ الآخَر ، والخوفُ هاهنا بمعنى العلم قاله ابن عباس ، والجزمُ بوجود الشقاقِ لا ينافي بعثَ الحَكَمين لأنه لرجاء إزالتِه لا لتعرُّفِ وجودِه بالفعل وقيل : بمعنى الظنِّ وضميرُ التثنيةِ للزوجين وإن لم يجْرِ ذكرُهما لجري ما يدل عليهما ، وإضافةُ الشقاقِ إلى الظرف إما على إجرائه مُجرى المفعولِ به كما في قوله : يا سارقَ الليلةِ أو مُجرى الفاعل كما في قولك : نهارُه صائمٌ أي إن علمتم أو ظننتم تأكّدَ المخالفةِ بحيث لا يقدِر الزوجُ على إزالتها { فابعثوا } أي إلى الزوجين لإصلاح ذاتِ البَينِ { حُكْمًا } رجلاً وسطاً صالحاً للحكومة والإصلاحِ { مّنْ أَهْلِهِ } من أهل الزوج { وَحَكَماً } آخرَ على صفة الأولِ { مّنْ أَهْلِهَا } فإن الأقاربَ أعرفُ ببواطن الأحوالِ وأطلبُ للصلاح وهذا على وجه الاستحبابِ فلو نُصِبا من الأجانب جاز واختلف في أنهما هل يليان الجمعَ والتفريقَ إن رأيا ذلك فقيل : لهما ذلك وهو المروى عن علي رضي الله عنه وبه قال الشعبيُّ ، وعن الحسن : يَجمعان ولا يفرِّقان وقال مالكٌ : لهما أن يتخالعا إن كان الصلاحُ فيه { إِن يُرِيدَا } أي الحَكَمان { إصلاحا } أي إن قصدا إصلاحَ ذاتِ البينِ وكانت نيتُهما صحيحةً وقلوبُهما ناصحةً لوجه الله تعالى { يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا } يوقِع بين الزوجين الموافقةَ والأُلفةَ وألقى في نفوسهما المودةَ والرأفةَ ، وعدمُ التعرضِ لذكر عدمِ إرادتِهما الإصلاحَ لما ذُكر من الإيذان بأن ذلك ليس مما ينبغي أن يُفرَضُ صدورُه عنهما وأن الذي يليق بشأنهما ويُتوَقّعُ صدورُه عنهما هو إرادةُ الإصلاحِ ، وفيه مزيدُ ترغيبٍ للحَكَمين في الإصلاح وتحذيرٌ عن المساهلة لكيلا يُنسَبَ اختلالُ الأمرِ إلى عدم إرادتِهما فإن الشرطيةَ الناطقةَ بدَوَران وجودِ التوفيقِ على وجود الإرادةِ منبئةٌ عن دوران عدمِه على عدمها ، وقيل : كلا الضميرين للحكَمين أي إن قصدا الإصلاحِ يوفقِ الله بينهما فتتّفقَ كلمتُهما ويحصُلَ مقصودُهما ، وقيل : كلاهما للزوجين أي إن أرادا إصلاحَ ما بينَهما من الشقاق أوقع الله تعالى بينهما الأُلفةَ والوِفاقَ وفيه تنبيهٌ على أن من أصلح نيتَه فيما يتوخاه وفقه الله تعالى لمبتغاه { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً } بالظواهر والبواطنِ فيعلم كيف يرفعُ الشقاقَ ويوقعُ الوفاقَ . (2/79)
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)
{ واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لبيان الأحكامِ المتعلقةِ بحقوق الوالدين والأقاربِ ونحوِهم إثرَ بيانِ الأحكامِ المتعلقةِ بحقوق الأزواجِ ، صُدِّر بما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي آكَدُ الحقوقِ وأعظمُها تنبيهاً على جلالة شأنِ حقوقِ الوالدين بنظمها في سلكها في سائر المواقعِ وشيئاً نُصب على أنه مفعول أي لا تشركوا به شيئاً من الأشياء صنماً أو غيرَه أو على أنه مصدرٌ أي لا تشركوا به شيئاً من الإشراك جلياً أو خفياً { وبالوالدين إحسانا } أي أحسنوا إليهما إحساناً { وَبِذِى القربى } أي بصاحب القرابةِ من أخ أو عمَ أو خالٍ أو نحو ذلك { واليتامى والمساكين } من الأجانب { والجار ذِى القربى } أي الذي قرُب جوارُه وقيل له : مع الجِوار قُربٌ واتصالٌ بنسب أو دِين وقرىء بالنصب على الاختصاص تعظيماً لحق الجارِ ذي القربى { والجار الجنب } أي البعيدِ أو الذي لا قرابةَ له وعنه عليه الصلاة والسلام : « الجيرانُ ثلاثةٌ ، فجارٌ له ثلاثةُ حقوقٍ : حقُّ الجِوارِ وحقُّ القرابةِ وحق الإسلامِ وجارٌ له حقان : حقُّ الجوارِ وحقُّ الإسلام وجارٌ له حقٌّ واحدٌ وهو حقُّ الجِوارِ وهو الجارُ من أهل الكتابِ » وقرىء والجار الجنب { والصاحب بالجنب } أي الرفيقِ في أمر حسنٍ كتعلُّم وتصرُّف وصناعةٍ وسفرٍ فإنه صحِبَك وحصل بجانبك ، ومنهم من قعد بجنبك في مسجد أو مجلسٍ أو غيرِ ذلك من أدنى صحبةٍ التَأَمَتْ بينك وبينه . وقيل : هي المرأةُ { وابن السبيل } هو المسافرُ المنقطِعُ به أو الضيفُ { وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم } من العبيد والإماءِ { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً } أي متكبراً يأنف عن أقاربه وجيرانِه وأصحابِه ولا يلتفت إليهم { فَخُوراً } يتفاخرُ عليهم ، والجملةُ تعليلٌ للأمر السابق . (2/80)
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38)
{ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل } بضم الباءِ وسكون الخاءِ وقرىء بفتح الأولِ وبفتحهما وبضمِّهما ، والموصولُ بدلٌ من قوله تعالى : { مَن كَانَ } أو نصبٌ على الذم أو رفعٌ عليه أي هم الذين أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ تقديرُه الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون أحقّاءُ بكل مَلامةٍ { وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } أي من المال والغِنى ، أو من نعوته عليه السلام التي بيّنها لهم في التوراة وهو أنسبُ بأمرهم للناس بالبخل ، فإن أحبارَهم كانوا يكتُمونها ويأمرون أعقابَهم بكتمها { وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } وُضع الظاهرُ موضعَ المُضمرِ إشعاراً بأن مَنْ هذا شأنُه فهو كافرٌ بنعمة الله تعالى ومن كان كافراً بنعمة الله تعالى فله عذابٌ يُهينُه كما أهان النعمةَ بالبخل والإخفاءِ ، والآيةُ نزلت في طائفة من اليهود كانوا يقولون للأنصار بطريق النصيحةِ : لا تُنفِقوا أموالَكم فإنا نخشى عليكم الفقرَ ، وقيل : في الذين كتموا نعتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبلها . (2/81)
{ والذين يُنْفِقُونَ أموالهم رِئَاء الناس } أي للفَخار وليقالَ : ما أسخاهم وما أجْودَهم لا ابتغاءَ وجهِ الله تعالى ، وهو عطفٌ على الذين يبخلون أو على الكافرين وإنما شاركوهم في الذم والوعيدِ لأن البخل والسَّرَفَ الذي هو الإنفاقُ فيما لا ينبغي من حيث إنهما طرفا تفريطٍ وإفراطٍ سواءٌ في القُبح واستتباعِ اللائمةِ والذمِّ ، ويجوز أن يكون العطفُ بناءً على إجراء التغايُرِ الوصفيِّ مُجرى التغايُرِ الذاتي كما في قوله :
إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهُمام ... وليثِ الكتائبِ في المزْدَحَمْ
أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ يدل عليه قوله تعالى : { وَمَن يَكُنِ } الخ ، كأنه قيل : والذين ينفقون أموالَهم رثاءَ الناسِ { وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الاخر } ليتحرَّوْا بالإنفاق مراضِيَه تعالى وثوابَه وهم مشركو مكةَ المنفقون أموالَهم في عداوة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقيل : المنافقون { وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً } أي فقرينُهم الشيطانُ وإنما حُذف للإيذان بظهوره واستغنائِه عن التصريح به ، والمرادُ به إبليسُ وأعوانُه حيث حَمَلوهم على تلك القبائحِ وزيَّنوها لهم كما في قوله تعالى : { إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين } ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأن الشيطانَ يُقرَنُ بهم في النار .
وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)
{ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ } أي على من ذُكر من الطوائف { لَوْ ءامَنُواْ بالله واليوم الاخر وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله } أي ابتغاءَ وجهِ الله تعالى وإنما لم يصرَّحْ به تعويلاً على التفصيل السابقِ واكتفاءً بذكر الإيمانِ بالله واليومِ الآخرِ فإنه يقتضي أن يكون الإنفاقُ لابتغاء وجهِه تعالى وطلَبِ ثوابه الْبتةَ أي وما الذي عليهم أو وأي تَبعةٍ ووبالٍ عليهم في الإيمان بالله والإنفاقِ في سبيله ، وهو توبيخٌ لهم على الجهل بمكان المنفعةِ والاعتقادِ في الشيء بخلاف ما هو عليه وتحريضٌ على التفكر لطلب الجوابِ لعله يؤدّي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلةِ والعوائدِ الجميلةِ وتنبيهٌ على أن المدعوَّ إلى أمر لا ضررَ فيه ينبغي أن يُجيبَ إليه احتياطاً فكيف إذا كان فيه منافعُ لا تحصى . وتقديمُ الإيمانِ بهما لأهميته في نفسه ولعدم الاعتدادِ بالإنفاق بدونه ، وأما تقديمُ إنفاقِهم رئاءَ الناسِ على عدم إيمانِهم بهما مع كون المؤخَّرِ أقبحَ من المقدَّمِ فلرعاية المناسبةِ بين إنفاقِهم ذلك وبين ما قبله من بُخلهم وأمرِهم للناس به { وَكَانَ الله بِهِم } وبأحوالهم المحقّقةِ { عَلِيماً } فهو وعيدٌ لهم بالعقاب أو بأعمالهم المفروضةِ ، وبيانٌ لإثابته تعالى إياهم ولو كانوا قد آمنوا وأنفقوا كما يُنْبىء عنه قولُه تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } المثقالُ مِفعالٌ من الثِقْل كالمقدار من القدْر وانتصابُه على أنه نعتٌ للمفعول قائمٌ مَقامَه سواءٌ كان الظلمُ بمعنى النقصِ أو بمعنى وضعِ الشيءِ في غير موضعِه أي لا ينقُص من الأجر ولا يزيد في العقاب شيئاً مقدارَ ذرةٍ ، أو على أنه نعتٌ للمصدر المحذوفِ نائبٌ منابَه أي لا يظلم ظلماً مقدارَ ذرةٍ وهي النملةُ الصغيرةُ أو كلُّ جزءٍ من أجزاء الهَباءِ في الكُوَّة وهو الأنسبُ بمقام المبالغةِ فإن قِلَّته في الثقل أظهرُ من قلة النملة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أدخَلَ يدَه في التراب ثم نفَخ فيه فقال : كلُّ واحدة من هؤلاء ذرة . (2/82)
{ وَإِن تَكُ حَسَنَةً } أي وإن تك مثقالَ ذرةٍ حسنةً ، أنَّث لتأنيث الخبرِ أو لإضافته إلى الذرة ، وحُذِف النونُ من غير قياسٍ تشبيهاً بحروف العلةِ وتخفيفاً لكثرة الاستعمالِ ، وقرىء حسَنةٌ بالرفع على أن كان تامةٌ { يضاعفها } أي يضاعفْ ثوابَها ، جعل ذلك مضاعفةً لنفس الحسَنةِ تنبيهاً على كمال الاتصالِ بينهما كأنهما شيءٌ واحدٌ ، وقرىء يُضْعِفْها وكلاهما بمعنى واحد ، وقرىء نُضاعِفْها بنون العظمةِ على طريقة الالتفات . عن عثمانَ النهدي أنه قال لأبي هريرة رضي الله عنه : بلغني عنك أنك تقول : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الله تعالى يعطي عبدَه المؤمنَ بالحسنة ألفَ ألفِ حسنةٍ » قال أبو هريرة : لا بل سمعتُه صلى الله عليه وسلم يقول : « يُعطيه ألفَيْ ألفِ حسنةٍ » ثم تلا هذه الآيةَ ، والمرادُ الكثرةُ لا التحديد { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ } ويعطِ صاحِبَها من عنده على نهج التفضُّلِ زائداً على ما وعده في مقابلة العملِ { أَجْراً عَظِيماً } عطاء جزيلاً وإنما سماه أجراً لكونه تابعاً للأجر مَزيداً عليه .
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)
{ فَكَيْفَ } محلُّها إما الرفعُ على أنها خبرٌ لمبتدإ محذوفٍ وإما النصبُ بفعل محذوفٍ على التشبيه بالحال كما هو رأيُ سيبويهِ أو على التشبيه بالظرف كما هو رأيُ الأخفش أي كيف حالُ هؤلاءِ الكفرةِ من اليهود والنصارى وغيرِهم ، أو كيف يصنعون { إِذَا جِئْنَا } يومَ القيامة { مِن كُلّ أمَّةٍ } من الأمم { بِشَهِيدٍ } يشهَدُ عليهم بما كانوا عليه من فساد العقائدِ وقبائحِ الأعمالِ ، وهو نبيُّهم كما في قوله تعالى : { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } والعاملُ في الظرف مضمونُ المبتدأ والخبرِ من هول الأمرِ وعِظَمِ الشأنِ أو الفعلُ المقدرُ ومِنْ متعلقةٌ بجئنا { وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد { على هَؤُلاء } إشارةٌ إلى الشهداء المدلولِ عليهم بما ذكر { شَهِيداً } تشهَدُ على صدقهم لعلمك بعقائدهم لاستجماع شرعِك لمجامعِ قواعدِهم ، وقيل : إلى المكذبين المستفهَمِ عن حالهم تشهد عليهم بالكفر والعصيانِ كما يشهد سائرُ الأنبياءِ على أممهم ، وقيل : إلى المؤمنين كما في قوله تعالى : { لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول } استئنافٌ لبيان حالِهم التي أُشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله تعالى : { فَكَيْفَ } فإن أريد بهم المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالتعبيرُ عنهم بالموصول لا سيما بعد الإشارةِ إليهم بهؤلاء لذمِّهم بما في حيِّز الصلةِ والإشعارِ بعلة ما اعتراهم من الحال الفظيعةِ والأمرِ الهائلِ ، وإيرادُه عليه السلام بعنوان الرسالةِ لتشريفه وزيادةِ تقبيحِ حالِ مكذّبيه فإن حقَّ الرسولِ أو يؤمَنَ به ويُطاعَ لا أن يُكفَرَ به ويعصى وإن أريد بهم جنسُ الكفرَةِ فهم داخلون في إمرتهم دخولاً أولياً ، والمرادُ بالرسول حينئذ الجنسُ المنتظِمُ للنبي عليه السلام انتظاماً أولياً ، وأياً ما كان ففيه من تهويل الأمرِ وتفظيعِ الحالِ ما لا يقادَر قدرُه وقوله تعالى : { وَعَصَوُاْ } عطفٌ على كفروا داخلٌ معه في الصلة ، والمرادُ معاصيهم المغايرةُ لكفرهم ففيه دلالةٌ على أن الكفارَ مخاطَبون بفروع الشرائعِ في حق المؤاخذةِ ، وقيل : حالٌ من ضمير كفروا ، وقيل : صلةٌ لموصول آخرَ أي يودّ في ذلك اليومِ الذين جمعوا بين الكفرِ وعصيانِ الرسولِ ، أو الذين كفروا وقد عصَوُا الرسولَ أو الذين كفروا والذين عصَوُا الرسول . و { لَوْ } في قوله تعالى : { لَوْ تسوى بِهِمُ الارض } إن جُعلت مصدريةً فالجملةُ مفعولٌ ليوَدّ أي يودون أن يُدفنوا فتُسوَّى بهم الأرضُ كالموتى ، وقيل : يودّون أنهم لم يُبْعثوا أو لم يُخلَقوا وكأنهم والأرضَ سواءٌ ، وقيل : تصير البهائمُ تراباً فيودّون حالَها ، وإن جُعلت على بابها فالمفعولُ محذوفٌ لدِلالة الجملةِ عليه أي يودون تسويةَ الأرضِ بهم ، وجوابُ لو أيضاً محذوفٌ إيذاناً بغاية ظهورِه أي لسُرُّوا بذلك ، وقوله تعالى : { وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً } عطف على يود أي ولا يقدِرون على كتمانه لأن جوارحَهم تشهد عليهم ، وقيل : الواو للحال أي يودون أن يُدفنوا في الأرض وهم لا يكتُمون منه تعالى حديثاً ولا يكذبونه بقولهم : { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ( إذ رُوي أنهم إذا قالوا ذلك ختمَ الله على أفواههم فتشهدُ عليهم جوارحُهم فيشتد الأمرُ عليهم فيتمنَّوْن أن تُسوَّى بهم الأرضُ ) وقرىء تَسَّوَّى على أن أصله تتسوى فأُدغم التاءُ في السين وقرىء تَسَوَّى بحذف التاء الثانية ، يقال : سوّيتُه فتَسوَّى . (2/83)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)
{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } لما نُهوا فيما سلف عن الإشراك به تعالى نُهوا هاهنا عما يؤدِّي إليه من حيث لا يحتسبون فإنه ( روى أن عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ رضي الله عنه صنع طعاماً وشراباً حين كانت الخمرُ مباحةً فدعا نفراً من الصحابة رضي الله عنهم فأكلوا وشربوا حتى ثمِلوا وجاء وقتُ صلاةِ المغربِ فتقدم أحدُهم ليصليَ بهم فقرأ أعبُدُ ما تعبدون فنزلت ) . وتصديرُ الكلامِ بحرفَي النداءِ والتنبيهِ للمبالغة في حملهم على العمل بموجب النهي وتوجيهُ النهي إلى قُرب الصلاةِ مع أن المرادَ هو النهيُ عن إقامتها للمبالغة في ذلك ، وقيل : المرادُ النهيُ عن قُربان المساجدِ لقوله عليه السلام : « جنِّبوا مساجدَكم صِبيانَكم ومجانينَكم » ويأباه قوله تعالى : { حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } فالمعنى لا تُقيموها في حالة السُكرِ حتى تعلموا قبل الشروعِ ما تقولونه ، إذْ بتلك التجرِبةِ يظهر أنهم يعلمون ما سيقرؤونه في الصلاة . وحملُ ما تقولون على ما في الصلاة يستدعي تقدُّمَ الشروعِ فيها على غاية النهي ، وحملُ العلمِ على ما بالقوة على معنى حتى تكونوا بحيث تعلمون ما ستقرؤونه في الصلاة تطويلٌ بلا طائل لأن تلك الحيثيةِ إنما تظهرُ بما ذُكر من التجربة ، على أن إيثارَ ما تقولون على ما تقرؤون حينئذ يكون عارياً عن الداعي ، وقيل : المرادُ بالسكر سُكرُ النعاسِ وغلبةُ النوم ، وأياً ما كان فليس مرجِعُ النهي هو المقيدُ مع بقاء القيدِ مُرخصاً بحاله بل إنما هو القيدُ مع بقاء المقيدِ على حاله { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً } كأنه قيل : يا أيها الذين آمنوا لا تسْكَروا في أوقات الصلاة ، وقد روي أنهم كانوا بعد ما نزلت الآيةُ لا يشربون الخمرَ في أوقات الصلاة فإذا صلَّوُا العِشاءَ شرِبوها فلا يُصْبحون إلا وقد ذهب عنهم السكرُ وعلموا ما يقولون . (2/84)
{ وَلاَ جُنُباً } عطفٌ على قوله تعالى : { وَأَنتُمْ سكارى } فإنه في حيز النصبِ كأنه قيل : لا تقرَبوا الصلاةَ سكارى ولا جنباً والجنبُ من أصابه الجنابةُ يستوي فيه المذكرُ والمؤنثُ والواحدُ والجمع لجَرَيانه مجرى المصدر { إِلاَّ عَابِرِى سبِيلِ } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوالِ محلُّه النصبُ على أنه حالٌ من ضمير لا تقربوا باعتبار تقيُّدِه بالحال الثانيةِ دون الأولى ، والعاملُ فيه فعلُ النهي أي لا تقربوا الصلاةَ جُنباً في حال من الأحوال إلا حالَ كونِكم مسافرين على معنى أن في حالة السفرِ ينتهي حكمُ النهي لكن لا بطريق شمولِ النفْي لجميع صورِها بل بطريق نفي الشمّولِ في الجملة من غير دَلالةٍ على انتفاء خصوصيةِ البعضِ المنتفي ولا على بقاء خصوصيةِ البعضِ الباقي ولا على ثبوت نقيضِه لا كلياً ولا جزئياً ، فإن الاستثناءَ لا يدل على ذلك عبارةً .
نعم يشير إلى مخالفة حكمِ ما بعده لما قبله إشارةً إجماليةً يكتفى بها في المقامات الخِطابيةِ لا في إثبات الأحكامِ الشرعيةِ فإن مَلاكَ الأمرِ في ذلك إنما هو الدليلُ وقد ورد عَقيبَه على طريقة البيانِ ، وقيل : هو صفةٌ لجنُباً على أن إلا بمعنى غير ، أي ولا جُنُباً غيرَ عابري سبيل ، ومن حَملَ الصلاةَ على مواضعها فسَّر العُبورَ بالاجتياز بها وجوّز للجنب عُبورَ المسجدِ وبه قال الشافعيُّ رحمه الله وعندنا لا يجوز ذلك إلا أن يكون الماءُ أو الطريقُ فيه ، وقيل : إن رجالاً من الأنصار كانت أبوابُهم في المسجد وكان يُصيبهم الجنابةُ ولا يجدون ممرّاً إلا في المسجد فرُخِّص لهم ذلك { حتى تَغْتَسِلُواْ } غايةٌ للنهي عن قُربان الصلاةِ حالةَ الجنابةِ ولعل تقديمَ الاستثناءِ عليه للإيذان من أول الأمرِ بأن حكمَ النهي في هذه الصورةِ ليس على الإطلاق كما في صورة السُّكرِ تشويقاً إلى البيان ورَوْماً لزيادة تقرّرِه في الأذهان ، وفي الآية الكريمةِ إشارةٌ إلى أن المصلِّي حقُّه أن يتحرَّزَ عما يُلْهيه ويشغَلُ قلبَه وأن يزكيَ نفسَه عما يدنّسها ولا يكتفي بأدنى مراتبِ التزكية عند إمكان أعاليها . (2/85)
{ وَإِنْ كُنتُم مرضى } شروعٌ في تفصيل ما أُجملَ في الاستثناء وبيانِ ما هو في حكم المستثنى من الأعذار ، والاقتصارُ فيما قبلُ على استثناء السفرِ مع مشاركة الباقي له في حكم الترخيصِ للإشعار بأنه العذرُ الغالبُ المُنْبيءُ عن الضرورة التي عليها يدور أمرُ الرُخصةِ ، كأنه قيل : ولا جنباً إلا مضْطرين ، وإليه مرجِعُ ما قيل من أنه جُعل عابري سبيلٍ كنايةً عن مطلق المعذورين ، والمرادُ بالمرض ما يمنع من استعمال الماءِ مطلقاً سواءٌ كان ذلك بتعذر الوصولِ إليه أو بتعذر استعمالِه ، { أَوْ على سَفَرٍ } عطفٌ على مرضى أي أو كنتم على سفر ما طال أو قصُر ، وإيرادُه صريحاً مع سبق ذكرُه بطريق الاستثناءِ لبناء الحكمِ الشرعيِّ عليه وبيانِ كيفيتِه فإن الاستثناءَ كما أشير إليه بمعزل من الدِلالة على ثبوته فضلاً عن الدِلالة على كيفيته ، وتقديمُ المرضِ عليه للإيذان بأصالته واستقلالِه بأحكام لا توجد في غيره كالاشتداد باستعمال الماءِ ونحوِه { أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط } هو المكانُ الغائرُ المطمئنُّ ، والمجيءُ منه كنايةٌ عن الحدث لأن المعتادَ أو مَنْ يريدُه يذهب إليه ليُوارِيَ شخصَه عن أعين الناسِ ، وإسنادُ المجيءِ منه إلى واحد منهم من المخاطبين دونهم للتفادي عن التصريح بنسبتهم إلى ما يُستحيا منه أو يُستهجن التصريحُ به وكذلك إيثارُ الكنايةِ فيما عُطف عليه من قوله عز وجل : { أَوْ لامستم النساء } على التصريح بالجِماع ونظمُهما في سلك سَبَبَيْ سقوطِ الطهارةِ والمصيرُ إلى التيمم مع كونهما سببَيْ وجوبِها ليس باعتبار أنفسِهما بل باعتبار قيدِهما المستفادِ من قوله تعالى : { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً } بل هو السببُ في الحقيقة وإنما ذُكرا تمهيداً له وتنبيهاً على أنه سببٌ للرخصة بعد انعقادِ سببِ الطهارةِ الصغرى والكبرى ، كأنه قيل : أوْلم تكونوا مرضى أو مسافرين بل كنتم فاقدين للماء بسبب من الأسباب مع تحقق ما يوجب استعمالَه ، وتخصيصُ ذكرِه بهذه الصورة مع أنه معتبرٌ في صورة المرضِ والسفرِ أيضاً لنُدرة وقوعِه فيها واستغنائِهما عن ذكره إما لأن الجنايةَ معتبرةٌ فيهما قطعاً فيُعلم من حكمها حكمُ الحدثِ الأصغرِ بدِلالة النصِّ لأن تقديرَ النظمِ : لا تقربوا الصلاةَ في حال الجنابةِ إلا حالَ كونِكم مسافرين فإن كنتم كذلك أو كنتم مرضى الخ ، وإما لما قيل من أن عمومَ إعوازِ الماءِ في حق المسافرِ غالبٌ ، والعجزُ عن استعمال الماءِ القائمِ مَقامَ عدمِه في حق المريض مغنٍ عن ذكره لفظاً ، وما قيل من أن هذا القيدَ راجعٌ إلى الكل وأن قيدَ وجوبِ التطهرِ المكنى عنه بالمجيء من الغائط والملامسةِ معتبرٌ في الكل مما لا يساعده النظمُ الكريم .
{ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً } فتعمَّدوا شيئاً من وجه الأرضِ طاهراً ، قال الزجاجُ : الصعيدُ وجهُ الأرضِ تراباً أو غيرَه وإن كان صخراً لا ترابَ عليه لو ضرب المتيممُ يدَه عليه ومسَحَ لكان ذلك طَهورَه وهو مذهبُ أبي حنيفةَ رحمه الله ، وعند الشافعيِّ رحمه الله لا بد أن يعلَقَ باليد شيءٌ من التراب { فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } أي إلى المِرْفقين لما روي أنه عليه السلام تيمّم ومسح يديه إلى مِرْفقيه . ولأنه بدلٌ من الوضوء فيُقدّر بقَدَره { إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً } تعليلٌ للترخيص والتيسيرِ وتقريرٌ لهما فإن مَنْ عادتُه المستمرَّةُ أن يعفوَ عن الخاطئين ويغفرَ للمذنبين لا بد أن يكون ميسِّراً لا معسراً ، وقيل : هو كنايةٌ عنهما فإن الترفيهَ والمسامحةَ من روادف العفوِ وتوابعِ الغُفران . (2/86)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44)
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لتعجب المؤمنين من سوء حالِهم والتحذيرِ عن موالاتهم ، والخطابُ لكل من يتأتّى منه الرؤيةُ من المؤمنين وتوجيهُه فيما بعدُ إلى الكل معاً للإيذان بكمال شهرةِ شناعةِ حالِهم وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجّبُ منها كلُّ مِنْ يراها والرؤيةُ بَصَريةٌ أي ألم تنظُرْ إليهم فإنهم أحِقّاءُ أن تشاهِدَهم وتتعجب من أحوالهم ، وتجويزُ كونِها قلبيةً على أن { إلى } تتضمن معنى الانتهاءِ لما فعلوه يأباه مقامُ تشهيرِ شنائعِهم ونظمِها في سلك الأمورِ المشاهدةِ والمرادُ بهم أحبارُ اليهود . (2/87)
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في حَبْريْنِ من أحبار اليهودِ كانا يأتيان رأسَ المنافقين عبدَ اللَّه بنَ أُبيَ ورهطَه يُثبِّطانِهم عن الإسلام . وعنه رضي الله عنه أيضاً أنها نزلت في رُفاعةَ بنِ زيدٍ ومالكِ بنِ دخشم كانا إذا تكلم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لَوَيا لسانَهما وعاباه . والمرادُ بالكتاب هو التوراةُ وحملُه على جنس الكتابِ المنتظِمِ لها انتظاماً أولياً تطويلٌ للمسافة ، وبالذي أوتوه ما بُيِّن لهم فيها من الأحكام والعُلومِ التي من جملتها ما علِموه من نُعوت النبيِّ صلى الله عليه وسلم وحقِّيةِ الإسلامِ ، والتعبيرُ عنه بالنصيب المنبىءِ عن كونه حقاً من حقوقهم التي يجب مراعاتُها والمحافظةُ عليها للإيذان بكمال ركاكةِ آرائِهم حيث ضيّعوه تضييعاً ، وتنوينُه تفخيميٌّ مؤيدٌ للتشنيع عليهم والتعجيبِ من حالهم ، فالتعبيرُ عنهم بالموصول للتنبيه بما في حيز الصلةِ على كمال شناعتِهم والإشعارِ بمكان ما طُويَ ذكرُه في المعاملة المَحْكيةِ عنهم من الهدى الذي هو أحدُ العِوَضَيْنِ ، وكلمةُ { مِنْ } متعلقةٌ إما بأُوتوا أو بمحذوف وقع صفةً لنصيباً مبينةً لفخامته الإضافيةِ إثرَ بيانِ فخامتِه الذاتيةِ أي نصيباً كائناً من الكتاب وقوله تعالى : { يَشْتَرُونَ الضلالة } قيل : هو حالٌ مقدرةٌ من واوِ { أُوتُواْ } ولا ريب في أن اعتبارَ تقديرِ اشترائِهم المذكورِ في الإيتاء مما لا يليقُ بالمقام ، وقيل : هو حالٌ من الموصولِ أي ألم تنظُرْ إليهم حال اشترائِهم ، وأنت خبيرٌ بأنه خالٍ عن إفادة أن مادةَ التشنيعِ والتعجيبِ هو الاشتراءُ المذكورُ وما عطف عليه ، والذي تقتضيه جزالةُ النظمِ الكريمِ أنه استئنافٌ مبينٌ لمناط التشنيعِ ومدارِ التعجيبِ المفهومَيْن من صدر الكلامِ على وجه الإجمالِ والإبهامِ ، مبنيٌّ على سؤال نشأ منه كأنه قيل : ماذا يصنعون حتى يُنظَرَ إليهم؟ فقيل : يأخذون الضلالةَ ويترُكون ما أُوتوه من الهداية ، وإنما طُويَ ذكرُ المتروك لغاية ظهورِ الأمرِ لا سيما بعد الإشعارِ المذكورِ ، والتعبيرُ عن ذلك بالاشتراء الذي هو عبارةٌ عن استبدال السلعةِ بالثمن أي أخذِها بدلاً منه أخذاً ناشئاً عن الرغبة فيها والإعراضِ عنه للإيذان بكمال رغبتِهم في الضلالة التي حقُّها أن يُعرَضَ عنها كلَّ الإعراضِ ، وإعراضِهم عن الهداية التي يتنافس فيها المتنافسون ، وفيه من التسجيل على نهاية سخافةِ عقولِهم وغايةِ ركاكةِ آرائِهم ما لا يخفى حيث صُوِّرت حالُهم بصورة ما لا يكاد يتعاطاه أحدٌ ممن له أدنى تمييزٍ ، وليس المرادُ بالضلالة جنسَها الحاصلَ لهم من قبلُ حتى يُخِلَّ بمعنى الاشتراءِ المنبيءِ عن تأخُّرِها عنه بل هو فردُها الكاملُ وهو عنادُهم وتماديهم في الكفر بعد ما علموا بشأن النبيِّ عليه السلام وتيقنوا بحقِّية دينه وأنه هو النبيُّ العربيُّ المبشَّرُ به في التوراة ، ولا ريب في أن هذه الرتبةَ لم تكن حاصلةً لهم قبل ذلك وقد مر في أوائل سورة البقرة .
{ وَيُرِيدُونَ } عطفٌ على يشترون شريكٌ له في بيان محلِّ التشنيعِ والتعجبِ ، وصيغةُ المضارعِ فيهما للدِلالة على الاستمرار التجدّدي ، فإن تجددَ حُكمِ اشترائِهم المذكورِ وتكررَ العملِ بموجبه في قوة تجدّدِ نفسِه وتكرُّرِه ، أي لا يكتفون بضلال أنفسِهم بل يريدون بما فعلوا من كتمان نعوتِه عليه السلام { أَن تَضِلُّواْ } أنتم أيضاً أيها المؤمنون { السبيل } المستقيمَ الموصِلَ إلى الحق . (2/88)
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)
{ والله أَعْلَمُ } أي منكم { بِأَعْدَائِكُمْ } جميعاً ومن جملتهم هؤلاءِ وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما يريدون بكم لتكونوا على حذر منهم ومن مخالطتهم أو هو أعلمُ بحالهم ومآلِ أمرِهم ، والجملةُ معترضةٌ لتقرير إرادتِهم المذكورةِ { وكفى بالله وَلِيّاً } في جميع أمورِكم ومصالِحِكم { وكفى بالله نَصِيراً } في كل المواطنِ فثِقوا به واكتفُوا بولايته ونُصرتِه ولا تتولَّوْا غيرَه ، أو لا تُبالوا بهم وبما يسومونَكم من السوء فإنه تعالى يكفيكم مكرَهم وشرَّهم ففيه وعدٌ ووعيدٌ ، والباءُ مزيدةٌ في فاعل كفَى لتأكيد الاتصالِ الإسناديِّ بالاتصال الإضافيِّ ، وتكريرُ الفعلِ في الجملتين مع إظهار الجلالةِ في مقام الإضمارِ لا سيما في الثاني لتقوية استقلالِهما المناسبِ للاعتراض ، وتأكيدِ كفايتِه عز وجل في كلَ من الولاية والنُّصرةِ والإشعارِ بعلّيتهما ، فإن الألوهية من موجباتهما لا محالة { مّنَ الذين هَادُواْ } قيل : هو بيانٌ لأعدائكم وما بينهما اعتراضٌ ، وفيه أنه لا وجهَ لتخصيص علمِه سبحانه بطائفة من أعدائهم لا سيما في معرِض الاعتراضِ الذي حقُّه العمومُ والإطلاقُ وانتظامُ ما هو المقصودُ في المقام انتظاماً أولياً كما أشير إليه ، وقيل : هو صلةٌ لنصيراً أي ينصرُكم من الذين هادوا كما في قوله تعالى : { فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله } وفيه ما فيه من تحجير واسعِ نُصرتِه عز وجل مع أنه لا داعيَ إلى وضع الموصولِ موضِعَ ضميرِ الأعداءِ لأن ما في حيز الصلةِ ليس بوصفٍ ملائمٍ للنصر ، وقيل : هو خبرُ مبتدإٍ محذوف وقع وقوله تعالى : { يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } صفةٌ له أي من الذين هادوا قومٌ أو فريق يحرفون الخ ، وفيه أنه يقتضي كونَ الفريقِ السابقِ بمعزل من التحريف الذي هو المصداقُ لاشترائهم في الحقيقة ، فالذي يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ أنه بيانٌ للموصول الأولِ المتناولِ بحسب المفهومِ لأهل الكتابين قد وُسِّط بينهما ما وسط لمزيد الاعتناءِ ببيان محلِّ التشنيعِ والتعجيبِ والمسارعةِ إلى تنفير المؤمنين منهم وتحذيرِهم عن مخالطتهم والاهتمامِ بحملهم على الثقة بالله عز وجل ، والاكتفاءِ بولايته ونُصرتِه ، وأن قولَه تعالى : { يُحَرّفُونَ } وما عُطف عليه بيانٌ لاشترائهم المذكورِ وتفصيلٌ لفنون ضلالتِهم ، وقد رُوعيت في النظم الكريمِ طريقةُ التفسير بعد الإبهامِ والتفصيلِ إثرَ الإجمالِ رَوْماً لزيادة تقريرٍ يقتضيه الحالُ . (2/89)
والكَلِمُ اسمُ جنسٍ واحدُه كلِمةٌ كتَمْر وتمرة ، وتذكيرُ ضميرِه باعتبار إفرادِه لفظاً ، وجمعيةُ مواضعِه باعتبار تعدُّدِه معنى ، وقرىء بكسر الكاف وسكون اللام جمع كِلْمة تخفيف كَلِمة وقرىء يحرِّفون الكلامَ والمرادُ به هاهنا إما ما في التوراة خاصةً وإما ما هو أعمُّ منه ومما سيحكى عنهم من الكلمات المعهودةِ الصادرةِ عنهم في أثناء المحاروةِ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مساغَ لإرادة تلك الكلماتِ خاصة بأن يُجعلَ عطفُ قولِه تعالى : { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } الخ ، على ما قبله عطفاً تفسيرياً لما ستقف على سره ، فإن أريد به الأولُ كما هو رأيُ الجمهورِ فتحريفُه إزالتُه عن مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها من التوراة كتحريفهم في نعت النبيِّ عليه السلام ( أسمرُ رَبعةٌ ) عن موضعه في التوراة بأن وضعوا مكانه آدمُ طُوالٌ وكتحريفهم الرجمَ بوضعهم بدله الحدَّ أو صرفِه عن المعنى الذي أنزله الله تعالى فيه إلى ما لا صِحةَ له بالتأويلات الزائغةِ الملائمةِ لشهواتهم الباطلةِ ، وإن أُريد به الثاني فلا بد من أن يُرادَ بمواضعه ما يليق به مطلقاً سواءٌ كان ذلك بتعيينه تعالى صريحاً كمواضِعِ ما في التوراة ، أو بتعيين العقلِ أو الدين كمواضعِ غيرِه ، وأياً ما كان فقولُهم : { سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } ينبغي أن يجريَ على إطلاقه من غير تقييدٍ بزمان أو مكانٍ ولا تخصيصٍ بمادة دون مادةٍ ، بل وأن يُحمَلَ على ما هو أعمُّ من القول الحقيقيِّ ومما يُترجِم عنه عِنادُهم ومكابَرتُهم ليندرجَ فيه ما نَطقَتْ به ألسنةُ حالِهم عند تحريفِ التوراةِ فإن من لا يتفوّه بتلك العظيمةِ لا يكاد يتجاسرُ على مثل هذه الجنايةُ ، وإلا فحملُه على ما قالوه في مجلس النبيِّ صلى الله عليه وسلم من القبائح خاصةً يستدعي اختصاصَ حُكمِ الشرطيةِ الآتيةِ وما بعدها بهن من غير تعرُّضٍ لتحريفهم التوراةَ مع أنه معظمُ جناياتِهم المعدودةِ ، ومن هاهنا انكشف لك السرُّ الموعودُ فتأمل .
أي يقولون في كل أمرٍ مخالفٍ لأهوائهم الفاسدةِ سواءٌ كان بمحضر النبيِّ صلى الله عليه وسلم أوْ لا ، بلسان المقالِ أو الحال : سمعنا وعصينا عِناداً وتحقيقاً للمخالفة وقوله تعالى : { واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ } عطف على سمِعنا وعصينا داخلٌ تحت القولِ أي ويقولون ذلك في أثناء مخاطبتِه عليه السلام خاصةً وهو كلامٌ ذو وجهين محتمِلٌ للشر بأن يُحملَ على معنى اسمَعْ حالَ كونِك غيرَ مسمَعٍ كلاماً أصلاً بصمم أو موت أي مدعواً عليك بلا سمِعْتَ أو غيرَ مسمَعٍ كلاماً ترضاه ، فحينئذ يجوز أن يكون نصبُه على المفعولية ، وللخير بأن يُحمل على اسمَعْ منا غيرَ مسمَعٍ مكروهاً . كانوا يخاطبون به النبيَّ صلى الله عليه وسلم استهزاءً به مُظْهرين له عليه السلام إرادةَ المعنى الأخيرِ وهم مضمِرون في أنفسهم المعنى الأولَ مطمئنون به { وراعنا } عطفٌ على اسمَعْ غيرَ مسمَعٍ ، أي ويقولون في أثناء خِطابِهم له عليه السلام هذا أيضاً ، يوردون كلاًّ من العظائمِ الثلاثِ في مواقعها . وهي أيضاً كلمةٌ ذاتُ وجهينِ محتملة للخير بحملها على معنى ارقُبْنا وانظُرْنا نُكلّمْك ، وللشر بحملها على السبّ بالرُّعونة أي الحَمق ، أو بإجرائها مجرى ما يُشبِهُها من كلمة عبرانيةٍ أو سريانية كانوا يتسابُّون بها وهي راعينا كانوا يخاطبونه عليه السلام بذلك ينوون الشتيمةَ والإهانةَ ويُظهرون التوقيرَ والاحترامَ ، ومصيرُهم إلى مسلك النفاقِ في القولين الأخيرَين مع تصريحهم بالعصيان في الأول لما قالوا من أن جميعَ الكفرةِ كانوا يواجهونه بالكفر والعصيانِ ولا يواجهونه بالسبِّ ودُعاءِ السوءِ وقيل : كانوا يقولون الأولَ فيما بينهم ، وقيل : يجوز أن لا ينطِقوا بذلك ولكنهم لمّا لم يؤمنوا به صاروا كأنهم نطَقوا به . (2/90)
{ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } أي فتْلاً بها وصرفاً للكلام عن نهجه إلى نسبة السبِّ حيث وضعوا غيرَ مُسمَعٍ لا أن سمعت مكروهاً وأجْرَوا راعِنا المشابِهةَ لراعينا مُجْرى انظُرنا أو فتلاً بها وضمّاً لما يُظهرونه من الدعاء والتوقير إلى ما يُضمِرونه من السبِّ والتحقير { وَطَعْناً فِى الدين } أي قدحاً فيه بالاستهزاءِ والسُّخريةِ ، وانتصابُهما على التعليل ليقولون باعتبار تعلّقِه بالقولين الأخيرين أي يقولون ذلك لصرف الكلامِ عن وجهه إلى السب والطعن في الدين ، أو على الحالية أي لاوِينَ طاعِنين في الدين { وَلَوْ أَنَّهُمْ } عندما سمعوا شيئاً من أوامر الله تعالى ونواهيه { قَالُواْ } بلسان المقالِ أو بلسان الحالِ مكانَ قولِهم : سمعنا وعصَينا { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } إنما أعيد سمِعْنا مع أنه متحقِّقٌ في كلامهم وإنما الحاجةُ إلى وضْعِ أطعنا مكانَ عصينا لا للتنبيه على عدم اعتبارِه بل على اعتبار عدمه كيف لا وسماعُهم سماعُ الردِّ ومُرادُهم بحكايته الإعلامُ بأن عِصيانَهم للأمر بعد سماعِه والوقوفِ عليه فلا بد من إزالته وإقامةِ سماعِ القَبول مُقامَه . (2/91)
{ واسمع } أي لو قالوا عند مخاطبةِ النبي عليه الصلاة والسلام بدلَ قولِهم اسمَعْ غيرَ مُسمَعٍ : اسمع { وانظرنا } أي ولو قالوا ذلك بدلَ قولِهم : راعِنا ولم يدُسّوا تحت كلامِهم شراً وفساداً ، أي لو ثبت أنهم قالوا هذا مكانَ ما قالوا من الأقوال { لَكَانَ } قولُهم ذلك { خَيْراً لَّهُمْ } مما قالوا { وَأَقْوَمُ } أي أعدلَ وأسدَّ في نفسه ، وصيغةُ التفضيلِ إما على بابها واعتبارِ أصلِ الفضلِ في المفضَّلِ عليه بناءً على اعتقادهم أو بطريق التهكمِ ، وإما بمعنى اسمِ الفاعلِ وإنما قُدّم في البيان حالُه بالنسبة إليهم على حاله في نفسه لأن هِممَهم مقصورةٌ على ما ينفعهم .
{ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ } أي ولكن لم يقولوا ذلك واستمرُّوا على كفرهم فخذلهم الله تعالى وأبعدَهم عن الهدى بسبب كفرِهم بذلك { فَلاَ يُؤْمِنُونَ } بعد ذلك { إِلاَّ قَلِيلاً } قيل : أي إلا إيماناً قليلاً لا يُعبأ به وهو الإيمانُ ببعض الكتُبِ والرسلِ أو إلا زماناً قليلاً وهو زمانُ الاحتضارِ فإنهم يؤمنون حين لا ينفعهم الإيمانُ ، قال تعالى : { وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } وكلاهما ليس بإيمان قطعاً ، وقد جُوِّز أن يراد بالقِلة العدمُ بالكلية على طريقة قوله تعالى : { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى } أي إن كان الإيمانُ المعدومُ إيماناً فهم يُحدِثون شيئاً من الإيمان فهو في المعنى تعليقٌ بالمحال وأنت خبيرٌ بأن الكلَّ يأباه ما يعقُبه من الأمر بالإيمان بالقرآنِ الناطقِ بهذا لإفضائه إلى التكليف بالمُحال الذي هو إيمانُهم بعدم إيمانِهم المستمرِّ ، أما على الوجه الأخيرِ فظاهرٌ وأما على الأولين فلاِءَن أمرَهم بالإيمان المُنْجَزِ بجميع الكتبِ والرسلِ تكليفٌ لهم بإيمانهم ببعض الكتبِ والرسلِ وبعدم إيمانِهم إلى وقت الاحتضارِ ، فالوجهُ أن يُحملَ القليلُ على مَنْ يؤمنون لإفضائه إلى وقوعِ إيمانِ مَنْ لعنه الله تعالى وخَذَله مع ما فيه من نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختارِ بل بجعله ضميرَ المفعولِ في لعنهم أي ولكن لعنهم الله إلا فريقاً قليلاً فإنه تعالى لم يلعنْهم فلم ينسَدَّ عليهم بابُ الإيمانِ وقد آمن بعد ذلك فريقٌ من الأحبار كعبد اللَّه بنِ سلام وكعبٍ وأضرابِهما كما سيأتي .