صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)

{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } وعدٌ ووعيدٌ للمصدِّق والمكذبِ ، وقرىء ذائقةٌ الموتَ بالتنوين وعدمِه كما في قوله : ولا ذاكرٌاً الله إلا قليلاً { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } أي تُعطَوْن جزاءَ أعمالِكم على التمام والكمالِ { يَوْمُ القيامة } أي يوم قيامِكم من القبور ، وفي لفظ التوفيةِ إشارةٌ إلى أن بعضَ أجورِهم يصل إليهم قبله كما ينبىء عنه قوله عليه الصلاة والسلام : « القبرُ روضةٌ من رياض الجنة أو حُفرةٌ من حُفَر النيرانِ » { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار } أي بعُد عنها يومئذ ونجا والزحزحةُ في الأصل تكريرُ الزحِّ وهو الجذبُ بعجلة { وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } بالنجاة ونيلِ المرادِ والفوزِ الظفر بالبُغية وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « من أحب أن يُزَحْزحَ عن النار ويدْخَلَ الجنةَ فلتُدْرِكْه منيّتُه وهو يؤمن بالله واليومِ الآخِر ويأتي إلى الناس بما يحب أن يؤتى إليه » { وَمَا الحياة الدنيا } أي لذاتها وزخارفُها { إِلاَّ متاع الغرور } شبِّهت بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويُغَرّ حتى يشتريَه ، وهذا لمن آثرها على الآخرة فأما من طلب بها الآخِرةَ فهي له متاعٌ بلاغٌ ، والغُرور إما مصدرٌ أو جمعُ غار { لَتُبْلَوُنَّ } شروعٌ في تسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وممن معه من المؤمنين عما سيلقَوْنه من جهة الكفرةِ من المكاره إثرَ تسليتِهم عما قد وقع منهم ليوطِّنوا أنفسَهم على احتماله عند وقوعِه ويستعدوا للقائه ويقابلوه بحسن الصبرِ والثباتِ ، فإن هجومَ الأوجالِ مما يزلزل أقدامَ الرجالِ وللاستعدادِ للكروب مما يهوِّن الخطوبَ ، وأصلُ البلاء الاختبارُ أي تُطلب الخِبرةُ بحال المُختَبِر بتعريضه لأمر يشُقُّ عليه غالباً ملابستُه ومفارقتُه ، وذلك إنما يُتصورُ حقيقةً مما لا وقوفَ له على عواقب الأمورِ ، وأما من جهة العليم الخبيرِ فلا يكونُ إلا مجازاً من تمكينه للعبدِ من اختيار أحدِ الأمرين أو الأمورِ قبل أن يرتب عليه شيئاً هو من مباديه العاديةِ كما مر ، والجملةُ جوابُ قسمِ محذوف أي والله لتُبلونَّ أي لتعامَلُن معاملةَ المُختبَرِ ليَظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأعمالِ الحسنة . وفائدةُ التوكيدِ إما تحقيقُ معنى الابتلاءِ تهويناً للخطب وإما تحقيقُ وقوعِ المبتلى به مبالغةً في الحث على ما أريد منهم من التهيؤ والاستعدادِ { فِى أموالكم } بما يقع فيها من ضروب الآفاتِ المؤديةِ إلى هلاكها ، وأما إنفاقُها في سبيل الخيرِ مطلقاً فلا يليق نظمُه في سلك الابتلاءِ لما أنه من باب الإضعافِ لا من قبيل الإتلافِ { وأَنفُسَكُمْ } بالقتل والأسرِ والجراحِ وما يرِدُ عليها من أصناف المتاعبِ والمخاوفِ والشدائدِ ونحوِ ذلك ، وتقديمُ الأموالِ لكثرة وقوعِ الهلكةِ فيها { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } أي من قبل إيتائِكم القرآنَ وهم اليهودُ والنصارى ، عبّر عنهم بذلك للإشعار بمدار الشقاقِ والإيذان بأن بعضَ ما يسمعونه منهم مستنِدٌ على زعمهم إلى الكتاب كما في قوله تعالى :

(2/5)


{ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا } الخ ، والتصريحُ بالقَبْلية لتأكيد الإشعارِ وتقويةِ المدارِ فإن قِدَمَ نزولِ كتابِهم مما يؤيد تمسّكَهم به { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } من الطعن في الدين الحنيف والقدحِ في أحكام الشرعِ الشريفِ وصدِّ من أراد أن يؤمِنَ وتخطئةِ من آمن ، وما كان من كعب بنِ الأشرفِ وأضرابِه من هجاء المؤمنين وتحريضِ المشركين على مضادة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ونحوِ ذلك مما لا خير فيه { وَإِن تَصْبِرُواْ } أي على تلك الشدائد والبلوى عند ورودِها وتقابلوها بحسن التجمُّل { وَتَتَّقُواْ } أي تَبَتَّلوا إلى الله تعالى بالكلية معرضين عما سواه بالمرة بحيث يتساوى عندكم وصولُ المحبوب ولقاءُ المكروه { فَإِنَّ ذلك } إشارةٌ إلى الصبر والتقوى ، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتِهما وبُعدِ منزلتِهما ، وتوحيدُ حرفِ الخطابِ إما باعتبار كلِّ واحدٍ من المخاطبين وإما لأن المرادَ بالخطاب مجرد التنبيه من غير ملاحظةِ خصوصيةِ أحوالِ المخاطبين { مِنْ عَزْمِ الامور } من معزوماتها التي يتنافس فيها المتنافسون أي مما تجب أن يعزِمَ عليه كلُّ أحدٍ لما فيه من كمال المزيَّةِ والشرفِ أو مما عزَم الله تعالى عليه وأمر به وبالغَ فيه ، يعني أن ذلك عزمةٌ من عَزَمات الله تعالى لا بد أن تصبِروا وتتقوا ، والجملةُ تعليلٌ لجواب الشرطِ واقعٌ موقِعَه كأنه قيل : وإن تصبروا وتتقوا فهو خيرٌ لكم أو فافعلوا أو فقد أحسنتم أو فقد أصبتم فإن ذلك الخ ، ويجوزُ أن يكون ذلك إشارةً إلى صبر المخاطَبين وتقواهم ، فالجملةُ حينئذٍ جوابُ الشرط ، وفي إبراز الأمرِ بالصبر والتقوى في صورة الشرطيةِ من إظهار كمالِ اللطفِ بالعباد ما لا يخفى .

(2/6)


وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)

{ وَإِذْ أَخَذَ الله } كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان بعضِ أذِيّاتِهم وهو كِتمانُهم ما في كتابهم من شواهدِ نبوتِه عليه الصلاة والسلام وغيرِها وإذ منصوبٌ على المفعولية بمضمر أُمر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم خاصة بطريق تجريدِ الخطابِ إثرَ الخطابِ الشامل له عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لكون مضمونِه من الوظائف الخاصةِ به عليه الصلاة والسلام ، وتوجيهُ الأمرِ بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرِها على ما مر بيانُه في تفسير قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ } الخ ، أي اذكر وقت أخذِه تعالى { ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب } وهم علماءُ اليهودِ والنصارى ، ذُكروا بعنوان إيتاءِ الكتابِ مبالغةً في تقبيح حالِهم { لَتُبَيّنُنَّهُ } حكايةٌ لما خوطبوا به ، والضميرُ للكتاب وهو جوابٌ لقسم يُنبىء عنه أخذُ الميثاقِ كأنه قيل لهم : بالله لتُبيِّنُنه { لِلنَّاسِ } وتُظْهِرُنّ جميعَ ما فيه من الأحكام والأخبارِ التي من جملتها أمرُ نبوتِه عليه الصلاة والسلام وهو المقصودُ بالحكاية . وقرىء بالياء لأنهم غُيَّب { وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } عطفٌ على الجواب وإنما لم يؤكدْ بالنون لكونه منفياً كما في قولك : والله لا يقوم زيد ، وقيل : اكتُفي بالتأكيد في الأول لأنه تأكيدٌ له ، وقيل : هو حالٌ من ضمير المخاطبين إما على إضمار مبتدإٍ بعد الواوِ ، أي وأنتم لا تكتمونه ، وإما على رأي مَنْ جوز دخولَ الواوِ على المضارع المنفيِّ عند وقوعِه حالاً أي لتبينُنّه غيرَ كاتمين ، والنهيُ عن الكتمان بعد الأمرِ بالبيان إما للمبالغة في إيجاب المأمورِ به وإما لأن المرادَ بالبيان المأمورِ به ذكرُ الآياتِ الناطقةِ بنبوته عليه الصلاة والسلام ، وبالكتمان المنهيِّ عنه إلقاءُ التأويلاتِ الزائغةِ والشبهاتِ الباطلة ، وقرىء بالياء كما قبله { فَنَبَذُوهُ } النبذُ الرميُ والإبعادُ أي طرحوا ما أُخذ منهم من الميثاق الموثقِ بفنون التأكيدِ وألقَوْه { وَرَاء ظُهُورِهِمْ } ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه أصلاً فإن نبذَ الشيءِ وراءَ الظهرِ مَثَلٌ في الاستهانة به والإعراضِ عنه بالكلية ، كما أن جعلَه نُصبَ العينِ علمٌ في كمال العنايةِ به ، وفيه من الدَلالة على تحتّم بيانِ الحقِّ على علماء الدين وإظهارِ ما مُنحوه من العلم للناس أجمعين وحُرمةِ كتمانِه لغرض من الأغراض الفاسدة أو لطمع في عرض من الأعراض الفانيةِ الكاسدةِ ما لا يخفى . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « من كتم علماً عن أهله أُلجم بلجامٍ من نار » وعن طاوس أنه قال لوهْب بن منبّه : إني أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتُب وقال : والله لو كنتَ نبياً فكتمتَ العلم كما تكتُمه لرأيت أن الله سيعذبك . وعن محمد بن كعب : لا يحِلُّ لأحد من العلماء أن يسكُت على علمه ولا يحِلُّ لجاهل أن يسكُت على جهله حتى يَسأل .

(2/7)


وعن علي رضي الله عنه : «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعلِّموا» { واشتروا بِهِ } أي بالكتاب الذي أُمروا ببيانه ونُهوا عن كِتمانه فإن ذكرَ نبذِ الميثاقِ يدل على ذلك دَلالةً واضحةً ، وإيقاعُ الفعل على الكل مع أن المرادَ به كتمُ بعضِه كدلائل نبوتِه عليه الصلاة والسلام ونحوِها لما أن ذلك كتمٌ للكل إذْ به يتم الكتابُ ، كما أن رفضَ بعضِ أركانِ الصلاة رفضٌ لكلها ، أو بمنزلة كتمِ الكلِّ من حيث إنهما سيان في الشناعة واستجرار العقاب كما في قوله تعالى : { وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } والاشتراءُ مستعارٌ لاستبدال متاعِ الدنيا بما كتَموه أي تركوا ما أُمروا به وأخذوا بدلاً منه { ثَمَناً قَلِيلاً } أي شيئاً تافهاً حقيراً من حُطام الدنيا وأعراضِها ، وفي تصوير هذه المعاملةِ بعقد المعاوضةِ لا سيما بالاشتراء المُؤْذِنِ بالرغبة في المأخوذ والإعراض عن المعطى والتعبيرِ عن المشترى الذي هو العُمدةُ في العقد والمقصودُ بالمعاملة بالثمن الذي شأنُه أن يكون وسيلةً إليه ، وجعلِ الكتابِ الذي حقُّه أن يتنافسَ فيه المتنافسون مصحوباً بالباء الداخلةِ على الآلات والوسائلِ من نهاية الجزالةِ والدلالةِ على كمال فظاعةِ حالِهم وغايةِ قبحِها بإيثارهم الدنيءِ الحقير على الشريف الخطيرِ وتعكيسِهم بجعلهم المقصِدَ الأصليَّ وسيلةً والوسيلةَ مقصِداً ما لا يخفى جلالةُ شأنِه ورفعةُ مكانِه { فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } { مَا } نكرةٌ منصوبةٌ مفسرةٌ لفاعل بئس ، و { يَشْتَرُونَ } صفتُه ، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي بئس شيئاً يشترونه ذلك الثمن .

(2/8)


لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)

{ لاَ تَحْسَبَنَّ } الخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن يصلُح له { الذين يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ } أي بما فعلوا كما في قوله تعالى : { إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } ويدل عليه قراءة أُبيّ : يفرحون بما فعلوا ، وقرىء بما آتَوا بمعنى أعطَوا وبما أُوتوا أي بما أوتوه عن علم التوراة . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هم اليهودُ حرفوا التوراةَ وفرِحوا بذلك وأحبوا أن يوصفوا بالديانة والفضل . روي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سأل اليهودَ عن شيء مما في التوراة فكتموا الحقَّ وأخبروه بخلافه وأرَوْه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرِحوا بما فعلوا ، وقيل : فرِحوا بكِتمان النصوصِ الناطقةِ بنبوته عليه الصلاة والسلام ، وأحبوا أن يُحمَدوا بأنهم متبعون ملةَ إبراهيمَ عليه السلام . فالموصولُ عبارةٌ عن المذكورين أو عن مشاهيرهم وضع موضِعَ ضميرهم ، والجملةُ مَسوقةٌ لبيان ما تستتبعُه أعمالُهم المحكيةُ من العقاب الأخرويِّ إثرَ بيانِ قباحتِها ، وقد أُدمج فيها بيانُ بعضٍ آخرَ من شنائعهم وهو إصرارُهم على ما هم عليه من القبائح وفرَحُهم بذلك ومحبتُهم لأن يوصَفوا بما ليس فيهم من الأوصاف الجميلةِ ، وقد نُظم ذلك في سلك الصلةِ التي حقُّها أن تكون معلومةَ الثبوتِ للموصول عند المخاطَبِ إيذاناً بشهرة اتصافِهم بذلك ، وقيل : هو قومٌ تخلّفوا عن الغزو ثم اعتذروا بأنهم رأوا المصلحةَ في ذلك واستحمدوا به ، وقيل : هم المنافقون كافةً وهو الأنسبُ بظاهر قوله تعالى : { وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } لشهرةِ أنهم كانوا يفرحون بما فعلوا من إظهار الإيمانِ وقلوبُهم مطمئنةٌ بالكفر ويستحمِدون إلى المسلمين بالإيمان وهم عن فعله بألفِ منزلٍ ، وكانوا يُظهرون محبةَ المؤمنين وهم في الغاية القاصيةِ من العداوة ، فالموصولُ عبارةٌ عن طائفة معهودةٍ من المذكورين وغيرِهم ، فإن أكثرَ المنافقين كانوا من اليهود ، ولعل الأولى إجراءُ الموصولِ على عمومه شاملاً لكل من يأتي بشيء من الحسنات فيفرحُ به فرحَ إعجابٍ ويوَدُّ أن يمدحَه الناسُ بما هو عارٍ منه من الفضائل منتظماً للمعهودين انتظاماً أولياً ، وأياً ما كان فهو مفعولٌ أولٌ لتحسبن ، وقوله تعالى : { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } تأكيدٌ له والفاءُ زائدةٌ والمفعولُ الثاني قوله تعالى : { بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب } أي ملتبسين بنجاة منه ، على أن المفازةَ مصدرٌ ميميٌ ولا يضُر تأنيثُها بالتاء لما أنها مبنية عليها وليست للدلالة على الوحدة كما في قوله :
فلولا رجاءُ النصرِ منك ورهبة ... عقابَك قد كانوا لنا بالمواردِ
ولا سبيل إلى جعلها اسمَ مكانٍ على أن الجارَّ متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لها أي بمفازة كائنةٍ من العذاب لأنها ليست من العذاب ، وتقديرُ فعلٍ خاصَ ليصِحَّ به المعنى أي بمفازة مُنْجيةٍ من العذاب مع كونه خلافَ الأصلِ تعسفٌ مستغنىً عنه .

(2/9)


وقرىء بضم الباء في الفعلين على أن الخطابَ شاملٌ للمؤمنين أيضاً ، وقرىء بياء الغَيبة وفتحِ الباءِ فيهما على أن الفعلَ له عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ممن يتأتى منه الحُسبان ، ومفعولاه كما ذكر ، وقرىء بضم الباء في الثاني فقط على أن الفعلَ للموصول ، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ لكونه عينَ الفاعلِ ، والثاني بمفازة أي لا يحسبَنّ الذين يفرحون أنفسَهم فائزين ، وقوله تعالى : { فَلا } تأكيدٌ للأول ، والفاءُ زائدةٌ كما مر ويجوز أن يُحملَ الفعلُ الأولُ على حذف المفعولين معاً اختصاراً لدِلالة مفعولي الثاني عليهما على عكس ما في قوله :
بأيِّ كتابٍ أو بأيةِ سنة ... ترى حبَّهم عاراً عليَّ وتحسَبُ
حيث حُذف فيه مفعولا الثاني لدَلالة مفعولي الأولِ عليهما ، أو على أن الفعلَ الأولَ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل حاسب ، ومفعولُه الأولُ الموصولُ والثاني محذوفٌ لدَلالة مفعولِ الفعلِ الثاني عليه ، والفعلُ الثاني مسندٌ إلى ضمير الموصولِ والفاءُ للعطف لظهور تفرُّعِ حُسبانِهم على عدم حُسبانِه عليه السلام ومفعولاه الضميرُ المنصوبُ وقوله تعالى : { تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ } ، وتصديرُ الوعيدِ بنهيهم عن الحسبان المذكورِ للتنبيه على بُطلان آرائِهم الركيكةِ وقطعِ أطماعِهم الفارغةِ حيث كانوا يزعُمون أنهم ينجون بما صنعوا من عذاب الآخرةِ كما نجَوْا به من المؤاخذة الدنيويةِ وعليه كان مبني فرحِهم وأما نهيُه عليه السلام فللتعريض بحسبانهم المذكورِ لا لاحتمال وقوعِ الحُسبانِ من جهته عليه السلام { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } بعد ما أُشير إلى عدم نجاتِهم من مطلق العذابِ حُقِّق أن لهم فرداً منه لا غايةَ له في المدة والشدة ، كما تلوحُ به الجملةُ الاسميةُ والتنكيرُ التفخيميُّ والوصفُ .

(2/10)


وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)

{ وَللَّهِ } أي خاصةً { مُلْكُ السموات والارض } أي السلطانُ القاهرُ فيهما بحيث يتصرف فيهما وفيما فيهما كيفما يشاء ويريد ، إيجاداً وإعداماً إحياءً وإماتةً تعذيباً وإثابةً من غير أن يكون لغيره شائبةُ دخلٍ في شيء من ذلك بوجه من الوجوه ، فالجملةُ مقرِّرة لما قبلها ، وقوله تعالى : { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تقريرٌ لاختصاص مُلكِ العالَمِ الجُسماني المعبَّر عنه بقُطريه به سبحانه وتعالى قادراً على الكل بحيث لا يشِذ من ملكوته شيءٌ من الأشياء يستدعي كونَ ما سواه كائناً ما كان مقدوراً له ومن ضرورته اختصاصُ القدرةِ به تعالى واستحالةُ أن يشاركه شيءٌ من الأشياء في القُدرة على شيء من الأشياء فضلاً عن المشاركة في ملك السمواتِ والأرضِ ، وفيه تقريرٌ لما مر من ثبوت العذابِ الأليمِ لهم وعدمِ نجاتِهم منه . وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لتربية المهابةِ والإشعارِ بمناطِ الحكمِ ، فإن شمولَ القدرةِ لجميع الأشياءِ من أحكام الألوهيةِ مع ما فيه من الإشعار باستقلال كلَ من الجملتين بالتقرير .
{ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات } جملةٌ مستأنفة سيقت لتقرير ما سبق من اختصاصه تعالى بالسلطان القاهرِ والقُدرة التامةِ صُدِّرت بكلمة التأكيدِ اعتناءً بتحقيق مضمونِها أي في إنشائها على ما هي عليه في ذواتها وصفاتِها من الأمور التي يَحار في فهم أجلاها العقولُ { والارض } على ما هي عليه ذاتاً وصفةً { واختلاف اليل والنهار } أي في تعاقُبهما في وجه الأرضِ وكونِ كلَ منهما خِلْفةً للآخر بحسَب طلوعِ الشمسِ وغروبِها التابعَين لحركات السمواتِ وسكونِ الأرض ، أو في تفاوتهما بازدياد كلَ منهما بانتقاص الآخرِ وانتقاصِه بازدياده ، باختلاف حالِ الشمسِ بالنسبة إلينا قُرباً وبُعداً بحسب الأزمنةِ أو في اختلافهما وتفاوتِهما بحسب الأمكنةِ ، أما في الطول والقِصَر فإن البلادَ القريبةَ من القُطب الشماليِّ أيامُها الصيفيةُ أطولُ ولياليها الصيفيةُ أقصرُ من أيام البلادِ البعيدةِ منه ولياليها ، وأما في أنفسها فإن كرويةَ الأرضِ تقتضي أن يكون بعضُ الأماكنِ ليلاً وفي مقابله نهاراً وفي بعضها صباحاً وفي بعضها ظهراً أو عصراً أو غيرَ ذلك .
والليلُ قيل : إنه اسمُ جنسٍ يُفرَّق بين واحدِه وجمعِه بالتاء كتمْر وتمرةٍ ، والليالي جمعُ جمعٍ والصحيحُ أنه مفردٌ ولا يُحفظ له جمعٌ ، والليالي جمعُ ليلةٍ وهو جمعٌ غريبٌ كأنهم توهموا أنها ليلاةٌ كما في كَيْكة وكياكي كأنها جمعُ كيكاة ، والنهارُ اسمٌ لما بين طلوعِ الفجرِ وغروبِ الشمسِ قاله الراغب ، وقال ابن فارس : هو ضياءُ ما بينهما ، وتقديمُ الليلِ على النهار إما لأنه الأصل فإن غُررَ الشهورِ تظهر في الليالي ، وإما لتقدمه في الخلفية حسبما ينبىء عنه قوله تعالى : { وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار } أي نزيلُه منه فيخلُفه { لاَيَاتٍ } اسمُ إن دخلته اللامُ لتأخُّره عن خبرها ، والتنكيرُ للتفخيم كماً وكيفاً أي لآياتٍ كثيرةً عظيمةً لا يُقادر قدرُها دالةٌ على تعاجيب شؤونِه التي من جُملتها ما مر من اختصاص المُلكِ العظيمِ والقدرةُ التامةُ به سبحانه .

(2/11)


وعدمُ التعرضِ لما ذُكر في سورة البقرة من الفُلك والمطرِ وتصريفِ الرياحِ والسحابِ لما أن المقصودَ هاهنا بيانُ استبدادِه تعالى بما ذُكر من المُلك والقدرةِ فاكتُفي بمعظم الشواهدِ الدالةِ على ذلك ، وأما هناك فقد قُصِد في ضمن بيانِ اختصاصِه تعالى بالألوهية بيانُ اتصافِه تعالى بالرحمة الواسعةِ فنُظمت دلائلُ الفضلِ والرحمةِ في سلك دلائلِ التوحيدِ فإن ما فصل هناك ( هو ) من آيات رحمتِه تعالى كما أنه من آيات ألوهيتِه ووحدتِه .
{ لاِوْلِى الالباب } أي لذوي العقول المجلُوَّة الخالصةِ عن شوائب الحسِّ والوهمِ المتجرِّدَين عن العلائق النفسانيةِ المتخلّصين من العوائق الظُلمانيةِ ، المتأملين في أحوال الحقائقِ وأحكامِ النعوتِ ، المراقبين في أطوار الملكِ وأسرارِ الملكوتِ ، المتفكرين في بدائع صنائعِ الملِكِ الخلاق ، المتدبرين في روائع حُكمِه المودَعةِ في الأنفس والآفاق ، الناظرين إلى العالم بعين الاعتبارِ والشهودِ ، المتفحّصين عن حقيقة سرِّ الحقِّ في كل موجود ، المثابرين على مراقبته وذِكراه غيرَ ملتفتين إلى شيء مما سواه إلا من حيث إنه مرآةٌ لمشاهدة جمالِه وآلةٌ لملاحظة صفاتِ كمالِه ، فإن كلَّ ما ظهر في مظاهر الإبداعِ وحضر محاضِرَ التكوينِ والاختراع سبيلٌ سوِيّ إلى عالم التوحيد ودليلٌ قوي على الصانع المجيدِ ناطقٌ بآيات قدرتِه ، فهل من سامع واعٍ ومخبِرٍ بأنباء علمِه وحكمتِه فهل له من داعٍ يكلم الناسَ على قدر عقولِهم ويرُدّ جوابَهم بحسب مقولِهم ، يحاور تارة بأوضح عبارةٍ ويلوّح أخرى بألطفِ إشارةٍ مراعياً في الحوار إبهامَهم وتصريحَهم : { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } فتأمل في هذه الشؤونِ والأسرارِ إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار . عن عائشة رضي الله عنها أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : « هل لك يا عائشةُ أن تأذني لي الليلةَ في عبادة ربي؟ » فقلت : يا رسولَ الله إني لأُحِبُّ قُربَك وأحِبُّ هواك قد أذِنت لك ، فقام إلى قِربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يُكثر من صب الماءِ ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموعُ حِقْوَيه ثم جلس فحمِد الله تعالى وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعَه قد بلت الأرضَ فأتاه بلالٌ يؤْذِنه بصلاة الغداةِ فرآه يبكي فقال له : يا رسولَ الله أتبكي وقد غفَر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال : « يا بلال أفلا أكونُ عبداً شكوراً؟ » ثم قال : « ومالي لا أبكي وقد أنزل الله تعالى علي هذه الليلةِ إن في خلق السموات والأرض؟ » الخ ، ثم قال : « ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها » وروي : « ويلٌ لمن لاكها بين فكّيه ولم يتأملْها » وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول : « إن في خلق السموات والأرض » الخ .

(2/12)


الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)

{ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله } الموصولُ إما موصولٌ بأولي الألباب مجرورٌ على أنه نعتٌ كاشفٌ له بما في حيز الصلةِ وإما مفصولٌ عنه مرفوعٌ أو منصوبٌ على المدح ، أو مرفوعٌ على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ ، وقيل : هو مرفوعٌ على الابتداء والخبرُ هو القولُ المقدرُ قبل قولِه تعالى : { رَبَّنَا } ، وفيه من تفكيك النظمِ الجليلِ ما لا يخفى . وأياً ما كان فقد أشير بما في حيز صلتِه أن المرادَ بهم الذين لا يغفُلون عنه تعالى في عامة أوقاتِهم لاطمئنان قلوبِهم بذكره واستغراقِ سرائرِهم في مراقبته لما أيقنوا بأن كلَّ ما سواه فائضٌ منه وعائدٌ إليه فلا يشاهدون حالاً من الأحوال في أنفسهم ، وإليه أشير بقوله عز وجل : { قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبُهُمْ } ولا في الآفاق وإليه أشير بما بعده إلا وهم يعاينون في ذلك شأناً من شؤونه تعالى ، فالمرادُ به ذكرُه تعالى مطلقاً سواءٌ كان ذلك من حيث الذاتُ أو من حيث الصفاتُ والأفعالُ ، وسواءٌ قارنه الذكرُ اللسانيُّ أو لا .
وأما ما يُحكى عن ابن عمرَ وعروةَ بنِ الزبير وجماعةٍ رضي الله عنهم من أنهم خرجوا يوم العيدِ إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضُهم : أما قال الله تعالى : { الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً } فقاموا يذكرون الله على أقدامهم فليس مرادُهم به تفسيرَ الآيةِ وتحقيقَ مِصداقِها على التعيين وإنما أرادوا به التبركَ بنوع موافقةٍ لها في ضمن الإتيانِ بفرد من أفرادِ مدلولِها ، وأما حملُ الذكرِ على الصلاة في هذه الأحوالِ حسب الاستطاعةِ كما قال عليه السلام لعِمرانَ بنِ الحصين : « صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطعْ فعلى جنب تومىء إيماءً » فمما لا يساعده سباقُ النظمِ الجليلِ ولا سياقُه .
والقيامُ والقعودُ جمعُ قائمٍ وقاعدٍ كنيام ورُقودٍ جمعُ نائمٍ وراقد ، وانتصابُهما على الحالية من ضمير يذكرُون أي يذكرونه قائمين وقاعدين ، وقولُه تعالى : { وعلى جُنُوبِهِمْ } متعلقٌ بمحذوف معطوفٍ على الحالين أي وكائنين على جنوبهم أي مضطجعين ، والمرادُ تعميمُ الذكرِ للأوقات كما مر ، وتخصيصُ الأحوالِ المذكورةِ بالذكر ليس لتخصيص الذكرِ بها بل لأنها الأحوالُ المعهودةُ التي لا يخلو عنها الإنسانُ غالباً { وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والارض } عطفٌ على { يَذَّكَّرُونَ } منتظمٌ معه في حيِّز الصلةِ فلا محلَّ له من الإعراب ، وقيل : محلُّه النصبُ على أنه معطوفٌ على الأحوال السابقةِ وليس بظاهر ، وهو بيانٌ لتفكرهم في أفعاله سبحانه إثرَ بيانِ تفكرِهم في ذاته تعالى على الإطلاق وأشار إلى نتيجته التي يؤدّي إليها من معرفة أحوالِ المعادِ حسبما نطقت به ألسنةُ الرسلِ وآياتُ الكتبِ ، فكما أنها آياتٌ تشريعيةٌ هاديةٌ للخلق إلى معرفته تعالى ووجوبِ طاعتِه كذلك المخلوقاتُ آياتٌ تكوينيةٌ مرشدةٌ لهم إلى ذلك ، فالأُولى منبِّهاتٌ لهم على الثانية ودواعٍ إلى الاستشهاد بها كهذه الآيةِ الكريمةِ ونحوِها مما ورد في مواضعَ غيرِ محصورةٍ من التنزيل ، والثانيةُ مؤيِّداتٌ للأولى وشواهدُ دالةٌ على صحة مضمونِها وحقّيةِ مكنونِها ، فإن من تأمل في تضاعيف خلقِ العالَمِ على هذا النمطِ البديعِ قضى باتصاف خالقِه تعالى بجميع من نطقت به الرسلُ والكتبُ من الوجوب الذاتيِّ والوَحدةِ الذاتيةِ والمُلك القاهِرِ والقُدرةِ التامةِ والعلمِ الشاملِ والحِكمةِ البالغةِ وغيرِ ذلك من صفات الكمالِ ، وحكمَ بأن مَن قدَر على إنشائه بلا مثال يِحتذيه أو قانونٍ ينتحيه فهو على إعادته بالبعث أقدرُ ، وحكمَ بأن ذلك ليس إلا لحكمة باهرةٍ هي جزاءُ المكلَّفين بحسب استحقاقِهم المنوطِ بأعمالهم أي علومِهم واعتقاداتِهم التابعةِ لأنظارهم فيما نُصب لهم من الحُجج والدلائلِ والأَماراتِ والمَخايلِ وسائرِ أعمالِهم المتفرّعةِ على ذلك ، فإن العملَ غيرُ مختصَ بعمل الجوارحِ بل متناولٌ للعمل القلبيِّ ، وهو أشرفُ أفراده لما أن لكلٍ من القلب والقالَب عملاً خاصاً .

(2/13)


ومن قضية كونِ الأولِ أشرفَ من الثاني كونُ عملِه أيضاً أشرفَ من عملِه ، كيف لا ، ولا عملَ بدون معرفتِه تعالى التي هي أولُ الواجباتِ على العباد ، والغايةُ القُصوى من الخلق على ما نطَق به عز وجل : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } أي ليعرفونِ كما أَعرَب عنه قولُه عليه الصلاة والسلام : " يقول الله تعالى : «كُنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعْرَفَ فخلقتُ الخلقَ لأُعرف " وإنما طريقُها النظرُ والتفكرُ فيما ذُكر من شؤونه تعالى . وقد روي عنه عليه السلام أنه قال : " لا تُفضِّلوني على يونسَ بنِ متى فإنه كان يُرفع له كلَّ يومٍ مثلُ عملِ أهلِ الأرض "
قالوا : وإنما كان ذلك التفكّرَ في أمر الله تعالى ولذلك قال عليه السلام : " لا عبادةَ مثلُ التفكر " وقد عرفت أنه مستتبِعٌ لتحقيق ما جاءت به الشريعةُ الحقةُ ، وإلا لما فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والارض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } بقوله عليه الصلاة والسلام : " أيُكم أحسنُ عقلاً وأورَعُ عن محارم الله تعالى " فإن التورعَ عن محارمه سبحانه موقوفٌ على معرفة الحلالِ والحرامِ المنوطةِ بالكتاب والسنة ، فحينئذ تتصادقُ الآياتُ التكوينيةُ وتتوافق الأدلةُ السمعيةُ والعقليةُ وهو السرُّ في نظم ما حُكي عن المتفكرين من الأمور المستدعِيةِ للإيمان بالشريعة في سلك نتيجةِ تفكُّرِهم كما ستقف عليه .
وإظهارُ خلقِ السمواتِ والأرضِ مع كفاية الإضمارِ لإبراز كمالِ العنايةِ ببيان حالِهم ، والإيذانِ بكون تفكرِهم على وجه التحقيقِ والتفصيلِ وعدمِ التعرضِ لإدراج اختلافِ المَلَوْينِ في سلك التفكر مع ذكره فيما سلف إما للإيذان بظهور اندراجِه فيه لما أن ذلك من الأحوال التابعةِ لأحوال السمواتِ والأرضِ كما أشير إليه ، وإما للإشعار بمسارعتهم إلى الحُكم بالنتيجة بمجرد تفكرِهم في بعض الآياتِ من غير حاجةٍ إلى بعض آخَرَ منها في إثبات المطلوب .

(2/14)


والخلقُ مصدرٌ على حاله أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعِهما بما فيهما من عجائبِ المصنوعات ، وقيل : بمعنى المخلوقِ على أن الإضافةَ بمعنى في أي يتفكرون فيما خُلق فيهما أعمُّ من أن يكون بطريق الجزئيةِ منهما أو بطريق الحلولِ فيهما أو على أنها بيانية .
{ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } كلمةُ { هذا } إشارةٌ إلى السموات والأرضِ متضمّنةٌ لضرب من التعظيم كما في قوله تعالى : { إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } والتذكيرُ لما أنهما باعتبار تعلّقِ الخلقِ بهما في معنى المخلوقِ ، أو إلى الخلق على تقدير كونِه بمعنى المخلوقِ ، و { باطلا } إما صفةٌ لمصدر مؤكدٍ محذوفٍ أو حالٌ من المفعول به ، أي ما خلقتَ هذا المخلوقَ البديعَ العظيمَ الشأنِ عبثاً عارياً عن الحكمة خالياً عن المصلحة كما تُنبىء عنه أوضاعُ الغافلين عن ذلك ، المعرِضين عن التفكر فيه ، بل منتظِماً لحكمة جليلةٍ ومصالحَ عظيمةٍ من جملتها أن يكون مداراً لمعايش العبادِ ومناراً يُرشدهم إلى معرفة أحوالِ المبدأ والمعادِ حسبما أَفْصحت عنه الرسلُ والكتبُ الإلهية كما تحققتَه مفصلاً .
والجملة بتمامها في حيز النصبِ بقولٍ مقدرٍ هو على تقدير كونِ الموصولِ نعتاً لأولي الألباب استئنافٌ مبينٌ لنتيجة التفكرِ ومدلولِ الآياتِ ، ناشىءٌ مما سبق فإن النفسَ عند سماعِ تخصيصِ الآياتِ المنصوبةِ في خلق العالمِ بأولي الألباب ثم وصفَهم بذكر الله تعالى والتفكرِ في محالِّ تلك الآياتِ تبقى مترقبةً لما يظهر منهم من آثارها وأحكامِها ، كأنه قيل : فماذا يكونُ عند تفكرِهم في ذلك وماذا يترتب عليه من النتيجة؟ فقيل : كيتَ وكيتَ مما ينبىء عن وقوفهم على سر الخلقِ المؤدِّي إلى معرفة صدقِ الرسلِ وحقية الكُتب الناطقةِ بتفاصيل الأحكامِ الشرعيةِ على التفصيل الذي وقفت عليه . هذا وأما جعلُه حالاً من المستكنِّ في الفعل كما أطبق عليه الجمهورُ فمما لا يساعده جزالةُ النظمِ الكريمِ لما أن ما في حيز الصلةِ وما هو قيدٌ له حقُّه أن يكون من مبادىء الحُكمِ الذي أُجريَ على الموصول ودواعي ثبوته له ، كذكرهم الله عز وجل في عامة أوقاتِهم وتفكرِهم في خلق السموات والأرض ، فإنهما مما يؤدي إلى اجتلاء تلك الآياتِ والاستدلالِ بها على المطلوب ، ولا ريب في أن قولَهم ذلك ليس من مبادىء الاستدلال المذكورِ بل من نتائجه المترتبةِ عليه فاعتبارُه قيداً لما في حيز الصلةِ مما لا يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ . نعم هو حال من ذلك على تقدير كونِ الموصولِ مرفوعاً أو منصوباً على المدح ، أو مرفوعاً على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ إذ لا اشتباهَ في أن قولَهم ذلك مبادىءُ مدحِهم ومحاسنُ مناقبهم ، وفي إبراز هذا القولِ في معرض الحالِ دون الخبرِ إشعارٌ بمقارنته لتفكرهم من غير تلعثم وترددٍ في ذلك .

(2/15)


وقوله تعالى : { سبحانك } أي تنزيهاً لك عما لا يليق بك من الأمور التي من جملتها خلقُ ما لا حكمةَ فيه اعتراضٌ مؤكدٌ لمضمون ما قبله ممهّد لما بعده من قوله تعالى : { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } فإن معرفةَ سرِّ خلقِ العالمِ وما فيه من الحكمةِ البالغةِ والغايةِ الحميدةِ والقيامَ بما تقتضيه من الأعمال الصالحةِ وتنزيهَ الصانعِ تعالى عن العبث من دواعي الاستعاذة مما يَحيق بالمُخلِّين بذلك من وجهين : أحدُهما الوقوفُ على تحقق العذابِ فالفاءُ لترتيب الدعاءِ على ما ذُكر والثاني الاستعدادُ لقبول الدعاءِ ، فالفاءُ لترتيب المدعوِّ أعني الوقايةَ على ذلك كأنه قيل : وإذ قد عرَفنا سرَّك وأطعنا أمرَك ونزّهناك عما لا ينبغي فقِنا عذابَ النارِ الذي هو جزاءُ الذين لا يعرِفون ذلك . { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله } الموصولُ إما موصولٌ بأولي الألباب مجرورٌ على أنه نعتٌ كاشفٌ له بما في حيز الصلةِ وإما مفصولٌ عنه مرفوعٌ أو منصوبٌ على المدح ، أو مرفوعٌ على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ ، وقيل : هو مرفوعٌ على الابتداء والخبرُ هو القولُ المقدرُ قبل قولِه تعالى : { رَبَّنَا } ، وفيه من تفكيك النظمِ الجليلِ ما لا يخفى . وأياً ما كان فقد أشير بما في حيز صلتِه أن المرادَ بهم الذين لا يغفُلون عنه تعالى في عامة أوقاتِهم لاطمئنان قلوبِهم بذكره واستغراقِ سرائرِهم في مراقبته لما أيقنوا بأن كلَّ ما سواه فائضٌ منه وعائدٌ إليه فلا يشاهدون حالاً من الأحوال في أنفسهم ، وإليه أشير بقوله عز وجل : { قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبُهُمْ } ولا في الآفاق وإليه أشير بما بعده إلا وهم يعاينون في ذلك شأناً من شؤونه تعالى ، فالمرادُ به ذكرُه تعالى مطلقاً سواءٌ كان ذلك من حيث الذاتُ أو من حيث الصفاتُ والأفعالُ ، وسواءٌ قارنه الذكرُ اللسانيُّ أو لا .
وأما ما يُحكى عن ابن عمرَ وعروةَ بنِ الزبير وجماعةٍ رضي الله عنهم من أنهم خرجوا يوم العيدِ إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضُهم : أما قال الله تعالى : { الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً } فقاموا يذكرون الله على أقدامهم فليس مرادُهم به تفسيرَ الآيةِ وتحقيقَ مِصداقِها على التعيين وإنما أرادوا به التبركَ بنوع موافقةٍ لها في ضمن الإتيانِ بفرد من أفرادِ مدلولِها ، وأما حملُ الذكرِ على الصلاة في هذه الأحوالِ حسب الاستطاعةِ كما قال عليه السلام لعِمرانَ بنِ الحصين : « صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطعْ فعلى جنب تومىء إيماءً » فمما لا يساعده سباقُ النظمِ الجليلِ ولا سياقُه .
والقيامُ والقعودُ جمعُ قائمٍ وقاعدٍ كنيام ورُقودٍ جمعُ نائمٍ وراقد ، وانتصابُهما على الحالية من ضمير يذكرُون أي يذكرونه قائمين وقاعدين ، وقولُه تعالى : { وعلى جُنُوبِهِمْ } متعلقٌ بمحذوف معطوفٍ على الحالين أي وكائنين على جنوبهم أي مضطجعين ، والمرادُ تعميمُ الذكرِ للأوقات كما مر ، وتخصيصُ الأحوالِ المذكورةِ بالذكر ليس لتخصيص الذكرِ بها بل لأنها الأحوالُ المعهودةُ التي لا يخلو عنها الإنسانُ غالباً { وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والارض } عطفٌ على { يَذَّكَّرُونَ } منتظمٌ معه في حيِّز الصلةِ فلا محلَّ له من الإعراب ، وقيل : محلُّه النصبُ على أنه معطوفٌ على الأحوال السابقةِ وليس بظاهر ، وهو بيانٌ لتفكرهم في أفعاله سبحانه إثرَ بيانِ تفكرِهم في ذاته تعالى على الإطلاق وأشار إلى نتيجته التي يؤدّي إليها من معرفة أحوالِ المعادِ حسبما نطقت به ألسنةُ الرسلِ وآياتُ الكتبِ ، فكما أنها آياتٌ تشريعيةٌ هاديةٌ للخلق إلى معرفته تعالى ووجوبِ طاعتِه كذلك المخلوقاتُ آياتٌ تكوينيةٌ مرشدةٌ لهم إلى ذلك ، فالأُولى منبِّهاتٌ لهم على الثانية ودواعٍ إلى الاستشهاد بها كهذه الآيةِ الكريمةِ ونحوِها مما ورد في مواضعَ غيرِ محصورةٍ من التنزيل ، والثانيةُ مؤيِّداتٌ للأولى وشواهدُ دالةٌ على صحة مضمونِها وحقّيةِ مكنونِها ، فإن من تأمل في تضاعيف خلقِ العالَمِ على هذا النمطِ البديعِ قضى باتصاف خالقِه تعالى بجميع من نطقت به الرسلُ والكتبُ من الوجوب الذاتيِّ والوَحدةِ الذاتيةِ والمُلك القاهِرِ والقُدرةِ التامةِ والعلمِ الشاملِ والحِكمةِ البالغةِ وغيرِ ذلك من صفات الكمالِ ، وحكمَ بأن مَن قدَر على إنشائه بلا مثال يِحتذيه أو قانونٍ ينتحيه فهو على إعادته بالبعث أقدرُ ، وحكمَ بأن ذلك ليس إلا لحكمة باهرةٍ هي جزاءُ المكلَّفين بحسب استحقاقِهم المنوطِ بأعمالهم أي علومِهم واعتقاداتِهم التابعةِ لأنظارهم فيما نُصب لهم من الحُجج والدلائلِ والأَماراتِ والمَخايلِ وسائرِ أعمالِهم المتفرّعةِ على ذلك ، فإن العملَ غيرُ مختصَ بعمل الجوارحِ بل متناولٌ للعمل القلبيِّ ، وهو أشرفُ أفراده لما أن لكلٍ من القلب والقالَب عملاً خاصاً .

(2/16)


ومن قضية كونِ الأولِ أشرفَ من الثاني كونُ عملِه أيضاً أشرفَ من عملِه ، كيف لا ، ولا عملَ بدون معرفتِه تعالى التي هي أولُ الواجباتِ على العباد ، والغايةُ القُصوى من الخلق على ما نطَق به عز وجل : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } أي ليعرفونِ كما أَعرَب عنه قولُه عليه الصلاة والسلام : " يقول الله تعالى : «كُنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعْرَفَ فخلقتُ الخلقَ لأُعرف " وإنما طريقُها النظرُ والتفكرُ فيما ذُكر من شؤونه تعالى . وقد روي عنه عليه السلام أنه قال : " لا تُفضِّلوني على يونسَ بنِ متى فإنه كان يُرفع له كلَّ يومٍ مثلُ عملِ أهلِ الأرض "
قالوا : وإنما كان ذلك التفكّرَ في أمر الله تعالى ولذلك قال عليه السلام : " لا عبادةَ مثلُ التفكر " وقد عرفت أنه مستتبِعٌ لتحقيق ما جاءت به الشريعةُ الحقةُ ، وإلا لما فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والارض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }

(2/17)


بقوله عليه الصلاة والسلام : « أيُكم أحسنُ عقلاً وأورَعُ عن محارم الله تعالى » فإن التورعَ عن محارمه سبحانه موقوفٌ على معرفة الحلالِ والحرامِ المنوطةِ بالكتاب والسنة ، فحينئذ تتصادقُ الآياتُ التكوينيةُ وتتوافق الأدلةُ السمعيةُ والعقليةُ وهو السرُّ في نظم ما حُكي عن المتفكرين من الأمور المستدعِيةِ للإيمان بالشريعة في سلك نتيجةِ تفكُّرِهم كما ستقف عليه .
وإظهارُ خلقِ السمواتِ والأرضِ مع كفاية الإضمارِ لإبراز كمالِ العنايةِ ببيان حالِهم ، والإيذانِ بكون تفكرِهم على وجه التحقيقِ والتفصيلِ وعدمِ التعرضِ لإدراج اختلافِ المَلَوْينِ في سلك التفكر مع ذكره فيما سلف إما للإيذان بظهور اندراجِه فيه لما أن ذلك من الأحوال التابعةِ لأحوال السمواتِ والأرضِ كما أشير إليه ، وإما للإشعار بمسارعتهم إلى الحُكم بالنتيجة بمجرد تفكرِهم في بعض الآياتِ من غير حاجةٍ إلى بعض آخَرَ منها في إثبات المطلوب . والخلقُ مصدرٌ على حاله أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعِهما بما فيهما من عجائبِ المصنوعات ، وقيل : بمعنى المخلوقِ على أن الإضافةَ بمعنى في أي يتفكرون فيما خُلق فيهما أعمُّ من أن يكون بطريق الجزئيةِ منهما أو بطريق الحلولِ فيهما أو على أنها بيانية .
{ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } كلمةُ { هذا } إشارةٌ إلى السموات والأرضِ متضمّنةٌ لضرب من التعظيم كما في قوله تعالى : { إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } والتذكيرُ لما أنهما باعتبار تعلّقِ الخلقِ بهما في معنى المخلوقِ ، أو إلى الخلق على تقدير كونِه بمعنى المخلوقِ ، و { باطلا } إما صفةٌ لمصدر مؤكدٍ محذوفٍ أو حالٌ من المفعول به ، أي ما خلقتَ هذا المخلوقَ البديعَ العظيمَ الشأنِ عبثاً عارياً عن الحكمة خالياً عن المصلحة كما تُنبىء عنه أوضاعُ الغافلين عن ذلك ، المعرِضين عن التفكر فيه ، بل منتظِماً لحكمة جليلةٍ ومصالحَ عظيمةٍ من جملتها أن يكون مداراً لمعايش العبادِ ومناراً يُرشدهم إلى معرفة أحوالِ المبدأ والمعادِ حسبما أَفْصحت عنه الرسلُ والكتبُ الإلهية كما تحققتَه مفصلاً .
والجملة بتمامها في حيز النصبِ بقولٍ مقدرٍ هو على تقدير كونِ الموصولِ نعتاً لأولي الألباب استئنافٌ مبينٌ لنتيجة التفكرِ ومدلولِ الآياتِ ، ناشىءٌ مما سبق فإن النفسَ عند سماعِ تخصيصِ الآياتِ المنصوبةِ في خلق العالمِ بأولي الألباب ثم وصفَهم بذكر الله تعالى والتفكرِ في محالِّ تلك الآياتِ تبقى مترقبةً لما يظهر منهم من آثارها وأحكامِها ، كأنه قيل : فماذا يكونُ عند تفكرِهم في ذلك وماذا يترتب عليه من النتيجة؟ فقيل : كيتَ وكيتَ مما ينبىء عن وقوفهم على سر الخلقِ المؤدِّي إلى معرفة صدقِ الرسلِ وحقية الكُتب الناطقةِ بتفاصيل الأحكامِ الشرعيةِ على التفصيل الذي وقفت عليه . هذا وأما جعلُه حالاً من المستكنِّ في الفعل كما أطبق عليه الجمهورُ فمما لا يساعده جزالةُ النظمِ الكريمِ لما أن ما في حيز الصلةِ وما هو قيدٌ له حقُّه أن يكون من مبادىء الحُكمِ الذي أُجريَ على الموصول ودواعي ثبوته له ، كذكرهم الله عز وجل في عامة أوقاتِهم وتفكرِهم في خلق السموات والأرض ، فإنهما مما يؤدي إلى اجتلاء تلك الآياتِ والاستدلالِ بها على المطلوب ، ولا ريب في أن قولَهم ذلك ليس من مبادىء الاستدلال المذكورِ بل من نتائجه المترتبةِ عليه فاعتبارُه قيداً لما في حيز الصلةِ مما لا يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ .

(2/18)


نعم هو حال من ذلك على تقدير كونِ الموصولِ مرفوعاً أو منصوباً على المدح ، أو مرفوعاً على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ إذ لا اشتباهَ في أن قولَهم ذلك مبادىءُ مدحِهم ومحاسنُ مناقبهم ، وفي إبراز هذا القولِ في معرض الحالِ دون الخبرِ إشعارٌ بمقارنته لتفكرهم من غير تلعثم وترددٍ في ذلك .
وقوله تعالى : { سبحانك } أي تنزيهاً لك عما لا يليق بك من الأمور التي من جملتها خلقُ ما لا حكمةَ فيه اعتراضٌ مؤكدٌ لمضمون ما قبله ممهّد لما بعده من قوله تعالى : { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } فإن معرفةَ سرِّ خلقِ العالمِ وما فيه من الحكمةِ البالغةِ والغايةِ الحميدةِ والقيامَ بما تقتضيه من الأعمال الصالحةِ وتنزيهَ الصانعِ تعالى عن العبث من دواعي الاستعاذة مما يَحيق بالمُخلِّين بذلك من وجهين : أحدُهما الوقوفُ على تحقق العذابِ فالفاءُ لترتيب الدعاءِ على ما ذُكر والثاني الاستعدادُ لقبول الدعاءِ ، فالفاءُ لترتيب المدعوِّ أعني الوقايةَ على ذلك كأنه قيل : وإذ قد عرَفنا سرَّك وأطعنا أمرَك ونزّهناك عما لا ينبغي فقِنا عذابَ النارِ الذي هو جزاءُ الذين لا يعرِفون ذلك .

(2/19)


رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)

{ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } مبالغةٌ في استدعاء الوقايةِ وبيانٌ لسببه . وتصديرُ الجملةِ بالنداء للمبالغةِ في التضرع والجُؤار ، وتأكيدُها لإظهار كمالِ اليقينِ بمضمونها والإيذانِ بشدة الخوفِ ، وإظهارُ النارِ في موضع الإضمارِ لتهويلِ أمرِها ، وذكرُ الإدخالِ في مورد العذابِ لتعيين كيفيتِه وتبيينِ غاية فظاعتِه . قال الواحدي : للإخزاء معانٍ متقاربةٌ يقال : أخزاه الله أي أبعده ، وقيل : أهانه ، وقيل : أهلكه ، وقيل : فضحه . قال ابن الأنباري : الخزيُ لغةً الهلاكُ بتلف أو بانقطاع حجةٍ أو بوقوع في بلاء ، والمعنى فقد أخزيته خِزياً لا غايةَ وراءَه كقولهم : من أدرك مَرْعى الصمّانِ فقد أدرك ، أي المرعى الذي لا مرعى بعدَه ، وفيه من الإشعار بفظاعة العذابِ الروحاني ما لا يخفى . وقولُه تعالى : { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } تذييلٌ لإظهار نهايةِ فظاعةِ حالِهم ببيان خلودِ عذابِهم بفُقدان من ينصُرهم ويقوم بتخليصهم ، وغرضُهم تأكيدُ الاستدعاءِ ووضعُ الظالمين موضعَ ضميرِ المُدخَلين لذمهم والإشعارِ بتعليل دخولِهم النارَ بظلمهم ووضعِهم الأشياء في غير مواضعِها ، وجمعُ الأنصارِ بالنظر إلى جمع الظالمين أي ما لظالم من الظالمين نصيرٌ من الأنصار ، والمرادُ به من ينصُر بالمدافعة والقهر فليس في الآية دِلالةٌ على نفي الشفاعةِ ، على أن المرادَ بالظالمين هم الكفارُ .
{ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى للإيمان } حكايةٌ لدعاء آخرَ لهم مبنيٌّ على تأملهم في الدليل السمعيِّ بعد حكايةِ دعائِهم السابقِ المبنيِّ على التفكر في الأدلة العقليةِ ، وتصديرُ مقدمةِ الدعاءِ بالنداء لإظهار كمالِ الضراعةِ والابتهالِ ، والتأكيدُ للإيذان بصدور المقالِ عنهم بوفور الرغبةِ وكمالِ النشاطِ ، والمرادُ بالنداء الدعاءُ وتعديتُهما بإلى لتضمُّنهما معنى الإنهاءِ ، وباللام لاشتمالها على معنى التخصيص والمرادُ بالمنادي الرسولُ صلى الله عليه وسلم ، وتنوينُه للتفخيم ، وإيثارُه على الداعي للدلالة على كمال اعتنائِه بشأن الدعوةِ وتبليغِها إلى الداني والقاصي لما فيه من الأيذان برفع الصوتِ و { يُنَادِى } صفةٌ لمنادياً عند الجمهورِ كما في قولك : سمعتُ رجلاً يقول : كيت وكيت ولو كان معرفةً لكان حالاً منه كما إذا قلت : سمعت زيداً يقول الخ ، ومفعولٌ ثانٍ لسمعنا عند الفارسي وأتباعِه ، وهذا أسلوبٌ بديعٌ يُصار إليه للمبالغة في تحقيق السماعِ والإيذانِ بوقوعه بلا واسطةٍ عند صدورِ المسموعِ عن المتكلم وللتوسل إلى تفصيله واستحضارِ صورتِه ، وقد اختص النظمُ الكريمُ بمزية زائدةٍ على ذلك حيث عبَّر عن المسموع منه بالمنادي ثم وَصَفه بالنداء للإيمان على طريقة قولك : سمعت متكلماً يتكلم بالحِكمة لما أن التفسيرَ بعد الإبهامِ والتقييدَ بعد الإطلاقِ أوقعُ عند النفسِ وأجدرُ بالقبول . وقيل : المنادي القرآنُ العظيمُ { أنْ آمِنُوا } أي آمنوا على أن { ءانٍ } تفسيريةٌ أو بأنْ آمِنوا على أنها مصدريةٌ { بِرَبّكُمْ } بمالككم ومتوليِّ أمورِكم ومبلِّغِكم إلى الكمال ، وفي إطلاق الإيمانِ ثم تقييدِه تفخيمٌ لشأنه .
{ فَئَامَنَّا } أي فامتثلنا بأمره وأجبنا نداءَه { رَبَّنَا } تكريرٌ للتضرُّع وإظهارٌ لكمال الخضوعِ وعرضٌ للاعتراف بربوبيته مع الإيمان به ، والفاءُ في قوله تعالى : { فاغفر لَنَا } الفاء لترتيب المغفرةِ أو الدعاءِ بها على الإيمان به تعالى والإقرار بربوبيته فإن ذلك من دواعي المغفرةِ والدعاءِ بها { ذُنُوبَنَا } أي كبائرَنا فإن الإيمان يجُبُّ ما قبله { وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا } أي صغائرَنا فإنها مكفَّرةٌ عمن اجتنبَ الكبائرَ { وَتَوَفَّنَا مَعَ الابرار } أي مخصوصين بصُحبتهم مغتنمين لجوارهم ، معدودين من زُمرتهم ، وفيه إشعارٌ بأنهم كانوا يحبون لقاءَ الله «ومن أحب لقاءَ الله أحب الله لقاءَه» والأبرارُ جمع بارَ أو بَرَ كأصحاب وأرباب .

(2/20)


رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)

{ رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } حكايةٌ لدعاءٍ آخرَ لهم مسبوقٍ بما قبله معطوفٍ عليه لتأخّر التحليةِ عن التخلية ، وتكريرُ النداء لما مر مكرراً ، والمرادُ بالموعود الثوابُ و { على } إما متعلقةٌ بالوعد كما في قولك : وعد الله الجنةَ على الطاعة أي وعدتَنا على تصديق رسلِك ، أو بمحذوف وقع صفةً لمصدر مؤكدٍ محذوفٍ أي وعدتنا وعداً كائناً على ألسنة رسلِك ، وقيل : التقديرُ منزلاً على رسلك أو محمولاً على رسلك ، ولا يخفى أن تقديرَ الأفعالِ الخاصةِ في مثل هذه المواقعِ تعسفٌ ، وجمعُ الرسلِ مع أن المناديَ هو الرسولُ صلى الله عليه وسلم وحده لما أن دعوتَه عليه السلام لا سيما في باب التوحيدِ وما أجمع عليه الكلُّ من الشرائع منطويةٌ على دعوة الكلِّ فتصديقُه تصديقٌ لهم عليهم السلام ، كيف لا وقد أخذ منهم الميثاقَ بالإيمان به عليه السلام لقوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب } الآية ، وكذا الموعودُ على لسانه من الثواب موعودٌ على ألسنة الكلِّ ، وإيثارُ الجمعِ لإظهار كمالِ الثقةِ بإنجاز الموجودِ بناءً على كثرة الشهود .
{ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } قصَدوا بذلك تذكيرَ وعدِه تعالى بقوله : { يَوْمٌ لاَّ يخزِى الله النَّبىّ والَّذِينَ آمنُوا مَعَهُ } مُظْهرين أنهم ممن آمن معه رجاءً للانتظام في سلكهم يومئذ ، وقوله تعالى : { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } تعليلٌ لتحقيق ما نَظَموا في سلك الدعاءِ ، وهذه الدعواتُ وما في تضاعيفها من كمالِ الضراعةِ والابتهالِ ليست لخوفهم من إخلاف الميعادِ بل لخوفهم من ألا يكونوا من جملة الموجودين بتغير الحالِ وسوءِ الخاتمةِ والمآلِ ، فمرجِعُها إلى الدعاء بالتثبيت ، أو للمبالغة في التعبُّد والخشوعِ . والميعادُ الوعدُ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه البعثُ بعد الموت وفي الآثار عن جعفر الصادق : من حزَ به أمرٌ فقال ربنا خمسَ مراتٍ أنجاه اللَّهُ مما يخاف وأعطاه ما أراد ، وقرأ هذه الآية .

(2/21)


فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)

{ فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ } الاستجابةُ بمعنى الإجابة ، وقال تاجُ القراء : الإجابة عامةٌ والاستجابة خاصةٌ بإعطاء المسؤولِ ، وتتعدى باللام وبنفسها كما في قوله :
فلم يستجبْهُ عند ذاك مُجيبُ ... وهو عطفٌ على الاستئنافِ المقدَّرِ فيما سلف ، مترتبٌ على ما في حيزه من الأدعية كما أن قوله عز وجل : { ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } الخ عطفٌ على قيل المقدَّرِ قبل الآنَ ، أي قيل لهم آلآْنَ آمنتم به؟ ثم قيل الآية وكما أن قوله تعالى في سورة الأعراف : { وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ } معطوفٌ على ما دل عليه معنى { أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ } الخ كأنه قيل يغفُلون عن الهداية ونطبَع الخ ولا ضيرَ في اختلافهما صيغةً لما أن صيغةَ المستقبلِ هناك للدِلالة على الاستمرار المناسبِ لمقام الدعاءِ ، وصيغةَ الماضي هاهنا للإيذان بتحقيق الاستجابةِ وتقرّرِها كما لا ضير في الاختلاف بين قوله تعالى : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } وبين ما عُطف عليه من قوله تعالى : { فاستجاب لَكُمْ } كما سيأتي ، ويجوز أن يكون معطوفاً على مضمَرٍ ينساق إليه الذهنُ ، أي دَعَوا بهذه الأدعيةِ فاستجاب الخ وأما على تقدير كونِ المقدرِ حالاً فهو عطفٌ على يتفكرون باعتبار مقارنتِه لما وقع حالاً من فاعله ، أعني قوله تعالى ربنا ربنا الخ فإن الاستجابةَ مترتبةٌ على دَعَواتهم لا على مجرد تفكّرِهم ، وحيث كانت هي من أوصافهم الجميلةِ المترتبةِ على أعمالهم بالآخرة استحقت الانتظامَ في سلك محاسِنهم المعدودةِ في أثناء مدحِهم ، وأما على تقدير كونِ الموصولِ نعتاً لأولي الألبابِ فلا مَساغَ لهذا العطفِ أصلاً لما عرفتَ من أن حقَّ ما في حيِّز الصلةِ أن يكون من مبادي جَرَيانِ الحُكمِ على الموصول ، وقد عرفت أن دَعَواتِهم السابقةَ ليست كذلك ، فأين الاستجابةُ المتأخرةُ عنها؟ وفي التعرض لعنوان الربوبيةِ المنبئةِ عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافةِ إلى ضميرهم من تشريفهم وإظهارِ اللطفِ بهم ما لا يخفى .
{ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } أي بأني ، وهكذا قرأ أُبيٌّ رضي الله عنه ، والباءُ للسببية كأنه قيل فاستجاب لهم ربُّهم بسبب أنه لا يُضيع عملَ عامل منهم أي سُنّتُه السنيةُ مستمرَّةٌ على ذلك ، والالتفاتُ إلى التكلم ، والخطابُ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بشأن الاستجابةِ وتشريفِ الداعين بشرف الخطاب ، والمرادُ تأكيدُها ببيان سببها والإشعارُ بأن مدارَها أعمالهم التي قدموها على الدعاء لا مجردُ الدعاءِ . وتعميمُ الوعدِ لسائر العاملين وإن لم يبلُغوا درجةَ أولي الألبابِ لتأكيد استجابةِ الدعواتِ المذكورةِ ، والتعبيرُ عن ترْك الإثابةِ بالإضاعة مع أنه ليس بإضاعة حقيقةٍ إذ الأعمالُ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزَمَ من تخلّفه عنها ضياعُها لبيان كمالِ نزاهتِه تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدورُه عنه من القبائح ، وإبرازِ الإثابةِ في معرض الأمورِ الواجبةِ عليه .
وقرىء بكسر الهمزةِ على إرادة القولِ أي قائلاً إني الخ فلا التفاتَ حينئذٍ وقرىء لا أُضيِّع بالتشديد ، ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لعامل ، أي عاملٍ كائنٍ منكم ، وقولُه تعالى : { مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } بيانٌ لعامل وتأكيدٌ لعمومه ، وقوله تعالى : { بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } جملةٌ معترضةٌ مبينةٌ لسبب انتظامِ النساءِ في سلك الرجالِ في الوعد ، فإن كونَ كلَ منهما من الآخَر لتشعُّبهما من أصل واحدٍ أو لفرط الاتصالِ بينهما أو لاتفاقهما في الدين والعملِ بما يستدعي الشركةَ والاتحادَ في ذلك .

(2/22)


روي أن أمَّ سلمةَ رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أسمعُ اللَّهَ تعالى يذكرُ الرجالَ في الهجرة ولا يذكرُ النساءَ فنزلت .
وقوله تعالى : { فالذين هاجروا } ضربُ تفصيلٍ لما أُجمل في العمل وتعدادٌ لبعض أحاسنِ أفرادِه على وجه المدحِ والتعظيمِ ، أي فالذين هجَروا الشركَ أو الأوطانَ والعشائرَ للدين ، وقوله تعالى : { وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم } على الأول عبارةٌ عن نفس الهجرةِ وعلى الثاني عن كيفيتها وكونِها بالقسر والاضطرار { وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } أي بسبب اللَّهِ ومن أجله ، وهو متناولٌ لكل أذيةٍ نالتهم من قِبَل المشركين { وَقَاتِلُواْ } أي الكفارَ في سبيل اللَّهِ تعالى { وَقُتّلُواْ } استُشهدوا في القتال ، وقرىء بالعكس لما أن الواوَ لا تستدعي الترتيبَ أو لأن المرادَ قتلُ بعضِهم وقتالُ آخَرين ، إذ ليس المعنى على اتصاف كلِّ فردٍ من أفراد الموصولِ المذكورِ بكل واحدٍ مما ذكر في حيز الصلةِ بل على اتصاف الكلِّ بالكل في الجملة ، سواءً كان ذلك باتصاف كلِّ فردٍ من الموصول بواحد من الأوصاف المذكورةِ أو بإثنين منها أو بأكثرَ ، إما بطريق التوزيعِ أو بطريق حذفِ بعضِ الموصولاتِ من البعض كما هو رأيُ الكوفيين كيف لا ولو أُدير الحُكمُ على اتصاف كلِّ فردٍ بالكل لكان قد أُضيع عملُ من اتصف بالبعض ، وقرىء وقتِّلوا بالتشديد .
{ لاكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم } جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي واللَّهِ لأكفِّرن ، والجملةُ القسميةُ خبرٌ للمبتدأ الذي هو الموصولُ ، وهذا تصريحٌ بوعد ما سأله الداعون بخصوصه بعد ما وَعَد ذلك عموماً وقوله تعالى : { وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } إشارة إلى ما عبَّر عنه الداعون فيما قبلُ بقولهم وآتنا ما وعدتنا على رسلك وتفسيرٌ له { ثَوَاباً } مصدرٌ مؤكِّدٌ لما قبله ، فإن تكفيرَ السيئاتِ وإدخالَ الجنَّةِ في معنى الإثابة ، وقوله تعالى : { مِنْ عِندِ الله } متعلق بمحذوف هو صفةٌ له مبينةٌ لشرفه أي لأُثيبنَّهم إثابةً كائنةً أو تثويباً كائناً من عنده تعالى بالغاً إلى المرتبة العاليةِ من الشرف ، وقوله تعالى : { والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب } اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله ، والاسمُ الجليلُ مبتدأٌ خبرُه عنده ، وحسنُ الثوابِ مرتفعٌ بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ ، أو هو مبتدأٌ ثانٍ والظرفُ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأولِ ، والعنديةُ عبارةٌ عن الاختصاص به تعالى مثلُ كونِه بقدرته تعالى وفضلِه بحيث لا يقدِرُ عليه غيرُه بحال شيءٍ يكون بحضرة أحدٍ لا يدَ عليه لغيره ، فالاختصاصُ مستفادٌ من التمثيل سواءٌ جُعل عنده خبراً مقدماً لحسن الثوابِ أو لا ، وفي تصدير الوعدِ الكريمِ بعدم إضاعةِ العملِ ثم تعقيبه بمثل هذا الإحسانِ الذي لا يُقدَّر قدرُه من لُطف المسلكِ المُنبىءِ عن عظم شأنِ المحسِنِ ما لا يخفى .

(2/23)


لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)

{ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِى البلاد } بيانٌ لقبح ما أوتي الكفرةُ من حظوظ الدنيا وكشفٌ عن حقارة شأنِها وسوءِ مَغَبَّتِها إثرَ بيانِ حُسنِ ما أوتيَ المؤمنون من الثواب ، والخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم على أن المرادَ تثبيتهُ على ما هو عليه كقوله تعالى : { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } أو على أن المرادَ نهيُ المؤمنين كما يُوجَّهُ الخطابُ إلى مَدارِهِ القومِ ورؤسائِهِم ، والمرادُ أفناؤهم ، ولكل أحد ممن يصلُح للخطاب من المؤمنين والنهيُ للمخاطب ، وإنما جُعل للتقلب مبالغةً أي لا تنظُر إلى ما عليه الكفرةُ من السعة ووفورِ الحظِّ ولا تغترَّ بظاهر ما ترى منهم من التبسّط في المكاسب والمتاجرِ والمزارع . روي أن بعضَ المؤمنين كانوا يرَوْن المشركين في رخاء ولين عيشٍ فيقولون إن أعداءَ اللَّهِ تعالى فيما نرى من الخير وقد هلَكْنا من الجوع والجهد فنزلت . وقرىء لا يغُرَّنك بالنون الخفيفة { متاع قَلِيلٌ } خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هو متاعٌ قليلٌ لا قدرَ له في جنب ما ذُكر من ثواب اللَّهِ تعالى قال عليه السلام : « ما الدنيا في الآخرة إلا مثلُ ما يجعل أحدُكم أصبَعَه في اليمّ فلينظُر بم يرجِعُ » فإذن لا يُجدي وجودُه لواجديه ولا يضُرُّ فقدانُه لفاقديه { ثُمَّ مَأْوَاهُمْ } أي مصيرُهم الذي يأوون إليه لا يبرَحونه { جَهَنَّمُ } التي لا يوصف عذابُها وقوله تعالى : { وَبِئْسَ المهاد } ذمٌّ لها وإيذانٌ بأن مصيرَهم إليها مما جنته أنفسُهم وكسبتْه أيديهم ، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي بئس ما مَهدوا لأنفسهم جهنَّمُ { لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا } بيانٌ لكمال حسنِ حالِ المؤمنين غِبَّ بيانٍ وتكريرٌ له إثرَ تقرير مع زيادة خلودِهم في الجنَّاتِ ليتم بذلك سرورُهم ويزدادَ تبجُّحُهم ، ويتكاملَ به سوءُ حالِ الكفرةِ .
وإيرادُ التقوى في حيز الصلةِ للإشعار بكون الخصالِ المذكورةِ من باب التقوى ، والمرادُ به الاتقاءُ من الشرك والمعاصي ، فالموصولُ مبتدأ والظرفُ خبرُه وجناتٌ مرتفعٌ به على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ ، أو الظرفُ خبرٌ لجناتٌ والجملةُ خبرٌ للموصول ، وخالدين فيها أي في الجنات حالٌ مقدرةٌ من الضمير أو من جناتٌ لتخصّصها بالوصف ، والعاملُ ما في الظرف من معنى الاستقرارِ { نُزُلاٍ مّنْ عِندِ الله } وقرىء بسكون الزاي وهو ما يُعدّ للنازل من طعام وشرابٍ وغيرِهما قال أبو الشعر الضبي :
وكنا إذا الجبارُ بالجيش ضافنا ... جعلنا القَنا والمرهفاتِ له نُزْلا
وانتصابُه على الحالية من جناتٌ لتخصصها بالوصف ، والعاملُ فيه ما في الظرف من معنى الاستقرارِ ، وقيل هو مصدرٌ مؤكدٌ كأنه قيل رِزقاً أو عطاءً من عند الله { وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ } مبتدأ وخبرٌ وقوله تعالى : { لّلابْرَارِ } متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ لخيرٌ أي ما عنده تعالى من الأمور المذكورةِ الدائمةِ خيرٌ كائنٌ للأبرار ، أي مما يتقلب فيه الفجارُ من المتاع القليلِ الزائلِ ، والتعبيرُ عنهم بالأبرار للإشعار بأن الصفاتِ المعدودَة من أعمال البرِّ كما أنها من قبيل التقوى ، والجملةُ تذييل لما قبلها .

(2/24)


وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)

{ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله } جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لبيان أن أهلَ الكتابِ ليس كلُّهم كمن حُكِيت هَناتُهم من نبذ الميثاقِ وتحريفِ الكتابِ وغير ذلك ، بل منهم من له مناقبُ جليلةٌ . قيل هم عبدُ اللَّهِ بنُ سلامٍ وأصحابُه وقيل هم أربعون من أهل نجرانَ واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانيةٌ من الروم كانوا نصارى فأسلموا ، وقيل المرادُ به أصحْمةُ النجاشيُّ فإنه لما مات نعاه جبريلُ إلى النبي عليه فقال عليه السلام : « أخرُجوا فصلُّوا على أخٍ لكم ماتَ بغير أرضكم » ، فخرج إلى البقيع فنظر إلى أرض الحبشةِ فأبصر سريرَ النجاشيِّ وصلى عليه واستغفر له ، فقال المنافقون انظُروا إلى هذا يصلي على عِلْج نصراني لم يرَه قطُّ وليس على دينه ، فنزلت . وإنما دخلت لامُ الابتداءِ على اسم إنّ لفصل الظرفِ بينهما كما في قوله تعالى : { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } من القرآن { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } من الكتابَين ، وتأخيرُ إيمانِهم بهما عن إيمانهم بالقرآن في الذكر مع أن الأمرَ بالعكس في الوجود لما أنه عيارٌ ومهيمِن عليهما ، فإن إيمانَهم بهما إنما يُعتبر بتبعية إيمانِهم به إذ لا عبرةَ بأحكامهما المنسوخةِ ، وما لم يُنسَخْ منها إنما يعتبر من حيث ثبوتُه بالقرآن ، ولتعلّق ما بعده بهما ، والمرادُ بإيمانهم بهما إيمانُهم بهما من غير تحريفٍ ولا كَتْمٍ كما هو دَيدَنُ المحرِّفين وأتباعِهم من العامة { خاشعين للَّهِ } حالٌ من فاعل يؤمن ، والجمعُ باعتبار المعنى { لاَ يَشْتَرُونَ بئايات الله ثَمَناً قَلِيلاً } تصريحٌ بمخالفتهم للمحرِّفين ، والجملةُ حالٌ كما قبله ونظمُها في سلك محاسِنهم ليس من حيث عدمُ الاشتراءِ فقط بل لتضمُّن ذلك لإظهار ما في الكتابَيْن من شواهدِ نبوته عليه السلام { أولئك } إشارةٌ إليهم من حيث اتصافُهم بما عُدّ من صفاتهم الحميدةِ ، وما فيه من معنى البعد للدَلالة على رتبتهم وبُعد منزلتِهم في الشرف والفضيلةِ ، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : { لَهُمْ } وقوله { أَجْرَهُمْ } أي المختصُّ بهم الموعودُ لهم بقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } وقولهِ تعالى : { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } مرتفعٌ بالظرف على الفاعلية أو على الابتداء ، والظرفُ خبره والجملةُ خبرٌ لأولئك ، وقوله تعالى : { عِندَ رَبّهِمْ } نُصب على الحالية من ( أجرُهم ) والمرادُ به التشريفُ كالصفة .
{ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } لنفوذ علمِه بجميع الأشياءِ فهو عالمٌ بما يستحقه كلُّ عاملٍ من الأجر من غير حاجةٍ إلى تأمل ، والمرادُ بيانُ سرعةِ وصولِ الأجر الموعودِ إليهم .
{ يا أيُّهَا الذين آمَنُوا } إثرَ ما بيّن في تضاعيف السورةِ الكريمةِ فنونَ الحُكم والأحكامِ خُتمت بما يوجب المحافظة عليها فقيل { اصبروا } أي على مشاقِّ الطاعاتِ وغيرِ ذلك من المكاره والشدائدِ { وَصَابِرُواْ } أي غالبوا أعداءَ اللَّهِ تعالى بالصبر في مواطن الحروبِ ، وأعدى عدوِّكم بالصبر على مخالفة الهوى ، وتخصيصُ المصابرةِ بالأمر بعد الأمرِ بمطلق الصبرِ لكونها أشدَّ منه وأشقَّ { وَرَابِطُواْ } أي أقيموا في الثغور رابطين خيلَكم فيها مترصِّدين للغزو مستعدّين له قال تعالى :

(2/25)


{ وَمِن رّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ } وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « مَنْ رابط يوماً وليلةً في سبيل اللَّهِ كان كعَدْل صيامِ شهرِ رمضانَ وقيامه لا يُفطِرُ ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة » { واتقوا الله } في مخالفة أمرِه على الإطلاق فيندرجُ فيه ما ذكر في تضاعيف السورةِ الكريمةِ اندراجاً أولياً { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } كي تنتظِموا في زُمرة المفلحين الفائزين بكل مطلوبٍ الناجين من كل الكروب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : { من قرأ سورةَ آلِ عِمرانَ أعطيَ بكل آيةٍ منها أماناً على جسر جهنَّم } وعنه صلى الله عليه وسلم : « من قرأ السورةَ التي يُذكر فيها آلُ عمرانَ يوم الجمعةِ صلى الله عليه وملائكتُه حتى تُحجَبَ الشَّمسُ » والله أعلم .

(2/26)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)

سورة النساء مدنية وهي مائة وست وسبعون آية
{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم }
{ يا أَيُّهَا الناس } خطابٌ يعمُّ حكمُه جميعَ المكلفين عند النزولِ ومَنْ سينتظِمُ في سلكهم من الموجودين حينئذٍ والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامةِ عند انتظامِهم فيه لكنْ لا بطريق الحقيقةِ فإن خطابَ المشافهةِ لا يتناول القاصرين عن درجة التكليفِ إلا عند الحنابلةِ بل إما بطريق تغليبِ الفريقِ الأولِ على الأخيرين وإما بطريق تعميمِ حُكمِه لهما بدليل خارجيَ فإن الإجماعَ منعقدٌ على أن آخِرَ الأمةِ مكلفٌ بما كُلّف به أولُها كما ينبىء عنه قولُه عليه السلام : « الحلالُ ما جرى على لساني إلى يوم القيامةِ والحرامُ ما جرى على لساني إلى يوم القيامة » وقد فُصل في موضعه وأما الأممُ الدارجةُ قبل النزولِ فلا حظَّ لهم في الخطاب لاختصاص الأوامرِ والنواهي بمن يُتصوَّر منه الامتثالُ ، وأما اندراجُهم في خطاب ما عداهما مما له دخلٌ في تأكيد التكليفِ وتقويةِ الإيجابِ فستعرِفُ حالَه ، ولفظُ النَّاسِ ينتظمُ الذكورَ والإناثَ حقيقةً ، وأما صيغةُ جمعِ المذكرِ في قوله تعالى : { اتقوا رَبَّكُمُ } فواردةٌ على طريقة التغليب لعدم تناولِها حقيقةً للإناث عند غيرِ الحنابلة ، وأما إدخالهن في الأمر بالتقوى بما ذُكر من الدليل الخارجيِّ وإن كان فيه مراعاةُ جانبِ الصيغةِ لكنه يستدعي تخصيصَ لفظِ النَّاسِ ببعض أفرادِه . والمأمورُ به إما مطلقُ التقوى التي هي التجنبُ عن كل ما يؤثِمُ من فعلٍ أو تركٍ وإما التقوى فيما يتعلق بحقوق أبناءِ الجنسِ أي اتقوه في مخالفة أوامره ونواهيه على الإطلاق أو في مخالفة تكاليفه الواردةِ هاهنا .
وأيًّا ما كان فالتعرضُ لعنوان الربوبيةِ المنبئةِ عن المالكية والتربيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأييد الأمرِ وتأكيدِ إيجابِ الامتثالِ به على طريقة الترغيبِ والترهيبِ ، وكذا وصفُ الرب بقوله تعالى : { الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } فإن خلْقَه تعالى إياهم على هذا النمطِ البديعِ لإنبائه عن قدرة شاملةٍ لجميع المقدوراتِ التي من جُملتها عقابُهم على معاصيهم وعن نعمة كاملةٍ لأقدارها من أقوى الدواعي إلى الاتقاء من موجبات نقمتهِ وأتمِّ الزواجرِ عن كُفران نعمته ، وكذا جعلُه تعالى إياهم صِنواناً مُفرَّعةً من أرومةٍ واحدة هي نفسُ آدمَ عليه السلام من موجبات الاحترازِ عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوةِ . وتعميمُ الخطابِ في ربّكم وخلقَكم للأمم السالفة أيضاً مع اختصاصه فيما قبلُ بالمأمورين بناءً على أن تذكيرَ شمولِ ربوبيته تعالى وخلقِه للكل من مؤكِّدات الأمرِ بالتقوى وموجباتِ الامتثالِ به تفكيك للنظم الكريمِ مع الاستغناء عنه ، لأن خلقَه تعالى للمأمورين من نفس آدم عليه السلام حيث كان بواسطة ما بينهم وبينه عليه السلام من الآباء والأمهاتِ كان التعرّضُ لخلقهم متضمِّناً للتعرّض لخلق الوسايطِ جميعاً ، وكذا التعرضُ لربوبيته تعالى لهم متضمِّنٌ للتعرض لربوبيته تعالى لأصولهم قاطبةً لا سيما وقد نطقَ بذلك قوله عز وجل : { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } فإنه مع ما عُطف عليه صريحٌ في ذلك وهو معطوفٌ إما على مقدر ينبىءُ عنه سَوقُ الكلامِ لأن تفريغَ الفروعِ من أصل واحد يستدعي إنشاءَ ذلك الأصلِ لا محالة ، كأنه قيل خلقكم من نفس واحدةٍ خلقها أولاً وخلق منها زوجَها إلخ وهو استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير وَحدةِ المبدأ وبيانِ كيفيةِ خلْقِهم منه وتفصيلِ ما أُجمل أولاً ، أو صفةٌ لنفسٍ مفيدةٌ لذلك ، وإما على خلقَكم داخلٌ معه في حيز الصلةِ مقررٌ ومبينٌ لما ذكر ، وإعادةُ الفعلِ مع جواز عطفِ مفعوله على مفعول الفعلِ الأول كما في قوله تعالى : { ياأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ } الخ لإظهار ما بين الخلقين من التفاوت ، فإن الأولَ بطريق التفريعِ من الأصل والثاني بطريق الإنشاءِ من المادة ، فإنه تعالى خلقَ حواءَ من ضِلْعِ آدمَ عليه السلام .

(2/27)


روي أنه عز وجل لما خلقه عليه السلام وأسكنه الجنة ألقى عليه النومَ فبينما هو بين النائمِ واليقظانِ خَلَق حواءَ من ضِلْع من أضلاعه اليسرى فلما انتبه وجدها عنده ، وتأخيرُ ذكرِ خلقِها عن ذكر خلقِهم لما أن تذكيرَ خلقهم أدخلُ في تحقيق ما هو المقصودُ من حملهم على الامتثال بالأمر بالتقوى من تذكير خلقها ، وتقديمُ الجار والمجرور للاعتناء ببيان مبدئيتهِ عليه السلام لها مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر كما مر مراراً ، وإيرادُها بعنوان الزوجيةِ تمهيدٌ لما بعده من التناسل .
{ وَبَثَّ مِنْهُمَا } أي نشرَ من تلك النفس وزوجها المخلوقةِ منها بطريقِ التوالدِ والتناسلِ { رِجَالاً كَثِيراً } نعتٌ لرجالاً مؤكّدٌ لما أفادَهُ التنكيرُ من الكثرةِ والإفرادِ باعتبار معنى الجمع أو العددِ وقيلَ هو نعتٌ لمصدرٍ مؤكدٍ للفعل أي بثاً كثيراً { وَنِسَاء } أي كثيرة ، وتركُ التصريحِ بها للاكتفاء بالوصف المذكورِ ، وإيثارُهما على ذكوراً وإناثاً لتأكيد الكثرةِ والمبالغةِ فيها بترشيح كلِّ فردٍ من الأفراد المبثوثةِ لمبدئيّة غيره ، وقرىء وخالقٌ وباثٌّ على حذف المبتدأ أي وهو خالقٌ وباث { واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ } تكريرٌ للأمر وتذكيرٌ ببعض آخَرَ من موجبات الامتثالِ به فإن سؤالَ بعضِهم بعضاً بالله تعالى بأن يقولوا أسألُك بالله وأنشُدك اللَّهَ على سبيل الاستعطافِ يقتضي الاتقاءَ من مخالفة أوامرِه ونواهيه ، وتعليقُ الاتقاءِ بالاسمِ الجليلِ لمزيد التأكيدِ والمبالغةِ في الحمل على الامتثال بتربية المهابةِ وإدخالِ الروعةِ ، ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته وتساءلون أصلُه تتساءلون فطُرحت إحدى التاءين تخفيفاً ، وقرىء بإدغام تاءِ التفاعلِ في السين لتقاربهما في الهمس وقرىء تَسْألون من الثلاثي أي تسألون به غيرَكم ، وقد فسِّر به القراءةُ الأولى والثانية ، وحملُ صيغةِ التفاعلِ على اعتبار الجمعِ كما في قولك رأيت الهلال وتراءياه وبه فسر عم يتساءلون على وجه وقرىء تَسَلون بنقل حركةِ الهمزةِ إلى السين .

(2/28)


{ والارحام } بالنصب عطفاً على محل الجارِّ والمجرور كقولك مررتُ بزيد وعمراً وينصره قراءةُ تساءلون به وبالأرحام فإنهم كانوا يقرُنونها في السؤال والمناشدةِ بالله عز وجل ، ويقولون أسألك بالله وبالرَّحمِ ، أو عطفاً على الاسم الجليلِ أي اتقوا اللَّهَ والأرحامَ وصِلوها ولا تقطعوها فإن قطعيتها مما يجب أن يُتقّى وهو قولُ مجاهدٍ وقتادة والسدي والضحاك والفراءِ والزجاج ، وقد جَوّز الواحديُ نصبَه على الإغراء أي والزَموا الأرحامَ وصِلوها وقرىء بالجر عطفاً على الضمير المجرورِ وبالرفع على أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ تقديره : والأرحامُ كذلك أي مما يُتقى أو يُتساءلُ به ، وقد نبه سبحانه وتعالى حيث قرنها باسمه الجليلِ على أن صلتَها بمكان منه كما في قوله تعالى : { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا } وعنه عليه السلام : « الرحِمُ معلقةٌ بالعرش تقول : مَنْ وَصَلني وصله اللَّهُ ومَنْ قَطَعني قَطَعَهُ اللَّه » { إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } أي مراقباً ، وهي صيغةٌ من رقَب يرقُب رَقْباً ورُقوباً ورُقباناً إذا أحدّ النظرَ لأمر يريد تحقيقَه ، أي حافظاً مطلعاً على جميع ما يصدُر عنك من الأفعال والأقوالِ وعلى ما في ضمائركم من النيات مُريداً لمجازاتكم بذلك ، وهو تعليلٌ للأمر ووجوبِ الامتثالِ به ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتأكيده وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ لرعاية الفواصل .

(2/29)


وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)

{ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } شروعٌ في تفصيل مواردِ الاتقاءِ ومظانّةِ بتكليف ما يقابلها أمراً ونهياً عَقيبَ الأمرِ بنفسِه مرة بعد أخرى ، وتقديمُ ما يتعلق باليتامى لإظهار كمالِ العنايةِ بأمرهم ولملابستهم بالأرحام إذ الخِطابُ للأولياء والأوصياءِ وقلما تُفوَّض الوصايةُ إلى الأجانب ، واليتيمُ من مات أبوه ، من اليُتم وهو الانفرادُ ومنه الدرةُ اليتيمةُ ، وجمعُه على يتامى إما أنه لما جرى مَجرى الأسماءِ جُمع على يتائِمَ ثم قُلب فقيل : يتامى ، أو لأنه لما كان من وادي الآفاتِ جُمع على يَتْمى ثم جُمع يَتمى على يتامى ، والاشتقاقُ يقتضي صحةَ إطلاقِه على الكبار أيضاً ، واختصاصُه بالصغار مبنيٌّ على العُرف ، وأما قولُه عليه السلام : « لا يُتمَ بعد الحُلُم » ، فتعليمٌ للشريعة لا تعيينٌ لمعنى اللفظِ أي لا يجري على اليتيم بعده حكمُ الأيتام .
والمرادُ بإيتاء أموالِهم قطعُ المخاطَبين أطماعَهم الفارغةَ عنها وكفُّ أكُفِهم الخاطفةِ عن اختزالها ، وتركُها على حالها غيرَ مُتعرَّضٍ لها بسوء حتى تأتيَهم وتصلَ إليهم سالمةً كما ينبىء عنه ما بعده عن النهي عن التبدّل والأكلِ لا الإعطاءِ بالفعل فإنه مشروطٌ بالبلوغ وإيناسِ الرُشدِ على ما ينطِق به قوله تعالى : { حتى إِذَا بَلَغُواْ } الآية ، وإنما عبّر عما ذُكر بالإيتاء مجازاً للإيذان بأنه ينبغي أن يكونَ مرادُهم بذلك إيصالاً إليهم لا مجردَ تركِ التعرّضِ لها ، فالمرادُ بهم إما الصغارُ على ما هو المتبادرُ ، والأمرُ خاصٌّ بمن يتولى أمرَهم من الأولياء والأوصياءِ وشمولُ حكمِه لأولياء مَن كان بالغاً عند نزولِ الآيةِ بطريق الدِلالةِ دون العبارة ، وأما من جرى عليه اليتمُ في الجملة مجازاً أعمُّ من أن يكون كذلك عند النزولِ ، أو بالغاً فالأمرُ شاملٌ لأولياء الفريقين صيغة موجب عليهم ما ذكر من حفظ أموالِهم والتحفظِ عن إضاعتها مطلقاً ، وأما وجوبُ الدفعِ إلى الكبار فمستفادٌ مما سيأتي من الأمر به ، وقيل : المرادُ بهم الصغارُ وبالإيتاء الإعطاءُ في الزمان المستقبلِ ، وقيل : أُطلق اسمُهم على الكبار بطريق الاتساعِ لقرب عهدِهم باليتم حثاً للأولياء على المسارعة إلى دفع أموالِهم إليهم أولَ ما بلغوا قبل أن يزولَ عنهم اسمُهم المعهودُ ، فالإيتاءُ بمعنى الإعطاءِ بالفعل ، ويأباهما ما سيأتي من قوله تعالى : { وابتلوا اليتامى } الخ ، فإن ما فيه من الأمر بالدفع واردٌ على وجه التكليفِ الابتدائيِّ لا على وجه تعيينِ وقتِه أو بيانِ شرطِه فقط كما هو مقتضى القولين ، وأما تعميمُ الاسمِ للصغار والكبارِ مجازاً بطريق التغليبِ مع تعميم الإيتاءِ للإيتاء حالاً وللإيتاء مآلاً وتعميمِ الخطابِ لأولياء كِلا الفريقين على أن مَنْ بلغ منهم فوليُّه مأمورٌ بالدفع إليه بالفعل وأن من لم يبلُغْ بعدُ فوليُّه مأمورٌ بالدفع إليه عند بلوغِه الرشدَ ، فمع ما سبق تكلفٌ لا يخفى ، فالأنسبُ ما تقدم من حمل إيتاءِ أموالِهم إليهم على ما يؤدي إليه من ترك التعرضِ لها بسوءٍ كما يلوحُ من التعبير عن الإعطاء بالفعل بالدفع سواءٌ أريد باليتامى الصغارُ أو ما يعمُّ الصغارَ والكبارَ حسبما ذُكر آنفاً .

(2/30)


وأما ما روي من أن رجلاً من غطَفان كان معه مال كثيرٌ لابن أخٍ له فلما بلغ طلب منه مالَه فمنعه فنزلت فلما سمِعها قال : أطعنا الله وأطعنا الرسولَ نعوذ بالله من الحُوب الكبير ، فغيرُ قادحٍ في ذلك لما أن العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوص السببِ . { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب } نهيٌ عن أخذ مالِ اليتيمِ على الوجه المخصوصِ بعد النهي الضِّمني عن أخذه على الإطلاق . وتبدلُ الشيء بالشيء واستبدالُه به أخذُ الأول بدلَ الثاني بعد أن كان حاصلاً له أو في شرف الحصولِ يُستعملان أبداً بإفضائهما إلى الحاصل بأنفسهما وإلى الزائل بالياء كما في قوله تعالى : { وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان } الخ ، وقوله تعالى : { أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ } وأما التبديلُ فيستعمل تارة كذلك كما في قوله تعالى : { وبدلناهم بجناتهم جَنَّتَيْنِ } الخ ، وأخرى بالعكس كم في قولك : بدّلت الحلقةَ بالخاتم إذا أذبتَها وجعلتَها خاتماً نص عليه الأزهري ، وتارة أخرى بإفضائه إلى مفعوليه بنفسه كما في قوله تعالى : { يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } والمرادُ بالخبيث والطيبِ إن كان هو الحرامُ والحلالُ فالمنهيُّ عنه استبدالُ مالِ اليتيمِ بمال أنفسِهم مطلقاً كما قال الفراءُ والزجاجُ ، وقيل : معناه لا تذَروا أموالَكم الحلالَ وتأكُلوا الحرامَ من أموالهم فالمنهيُّ عنه أكلُ مالِه مكانَ مالِهم المحقّقِ أو المقدّرِ ، وقيل : هو اختزالُ مالِه مكان حفظِه ، وأياً ما كان فإنما عبّر عنهما بهما تنفيراً عما أخذوه وترغيباً فيما أُعْطوُه وتصويراً لمعاملتهم بصورة ما لا يصدُر عن العاقل ، وإن كان هو الرديءُ والجيدُ فموردُ النهي ما كانوا عليه من أخذ الجيّدِ من مال اليتيمِ وإعطاءِ الرديءِ من مال أنفسِهم وبه قال سعيدُ بنُ المسيِّب والنخعيُّ والزُّهري والسدي ، وتخصيصُ هذه المعاملةِ بالنهي لخروجها مَخرجَ العادةِ لا لإباحة ما عداها ، وأما التعبيرُ عنها بتبدُّل الخبيثِ بالطيب مع أنها تبديلُه به أو تبدلُ الطيبِ بالخبيث فللإيذان بأن الأولياءَ حقُّهم أن يكونوا في المعاوضات عاملين لليتيم لا لأنفسهم مُراعين لجانبه قاصدين لجلب المجلوبِ إليه مشترىً كان أو ثمناً لا لسَلَب المسلوبِ عنه { وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم } نهيٌ عن منكر آخرَ كانوا يتعاطَوْنه أي لا تأكلوها مضمومةً إلى أموالكم ولا تُسوّوا بينهما وهذا حلالٌ وذاك حرامٌ وقد خُصَّ من ذلك مقدارُ أجرِ المِثلِ عند كونِ الولي فقيراً { إِنَّهُ } أي الأكلُ المفهومُ من النهي { كَانَ حُوباً } أي ذنباً عظيماً ، وقرىء بفتح الحاء وهو مصدرُ حاب حَوْباً وقرىء حاباً وهو أيضاً مصدرٌ كقال قولاً وقالا : { كَبِيراً } مبالغةٌ في بيان عِظَمِ ذنبِ الأكلِ المذكورِ كأنه قيل : من كبار الذنوبِالعظيمةِ لا من أفنائها .

(2/31)


وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)

{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى اليتامى } الإقساطُ العدلُ وقرىء بفتح التاء فقيل : هو مِنْ قَسَط أي جار ولا مزيدةٌ كما في قوله تعالى : { لّئَلاَّ يَعْلَمَ } وقيل : هو بمعنى أقسطَ فإن الزجاجَ حَكى أن قسَط يُستعمل استعمالَ أقسطَ ، والمرادُ بالخوف العلمُ كما في قوله تعالى : { فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا } عبّر عنه بذلك إيذاناً بكون المعلومِ مَخوفاً محذوراً لا معناه الحقيقي لأن الذي عُلّق به الجوابُ هو العلمُ بوقوع الجَورِ المَخوفِ لا الخوفُ منه وإلا لم يكنِ الأمرُ شاملاً لمن يُصِرُّ على الجور ولا يخافه ، وهذا شروعٌ في النهي عن منكر آخَرَ كانوا يباشرونه متعلقٌ بأنفس اليتامى أصالةً وبأموالهم تبعاً عَقيبَ النهي عما يتعلق بأموالهم خاصةً ، وتأخيرُه عنه لقلة وقوعِ المنهيِّ عنه بالنسبة إلى الأول ونزولِه منه بمنزلة المركّبِ من الفرد وذلك أنهم كانوا يتزوّجون من تحِلُّ لهم من اليتامى اللاتي يلُونهنّ لكن لا لرغبة فيهن بل في مالهن ويُسيئون في الصحبة والمعاشرةِ ويتربّصون بهن أن يمُتْنَ فيرِثوهن ، وهذا قولُ الحسنِ وقيل : هي اليتيمةُ التي تكونُ في حِجْر وليِّها فيرغب في مالها وجمالِها ويريد أن ينكِحَها بأدنى مِنْ مَهر نسائِها فنُهوا أن ينكِحوهن إلا أن يُقسِطوا لهن في إكمال الصَّداقِ ، وأُمروا أن ينكِحوا ما سواهن من النساء ، وهذا قولُ الزهري روايةً عن عروةَ عن عائشة رضي الله عنها ، وأما اعتبارُ اجتماعِ عددِ كثيرٍ منهن كما أطبق عليه أكثرُ أهلِ التفسيرِ حيث قالوا : كان الرجلُ يجد اليتيمةَ لها مالٌ وجمالٌ ويكون وليَّها فيتزوجها ضَناً بها عن غيره فربما اجتمعت عنده عشرٌ منهن الخ فلا يساعده الأمرُ بنكاح غيرِهن فإن المحذورَ حينئذ يندفع بتقليل عددِهن ، أي وإن خفتم أن لا تعدِلوا في حق اليتامى إذا تزوجتم بهن بإساءة العِشرةِ أو بنقصِ الصَّداق { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ } { مَا } موصولةٌ أو موصوفةٌ ، ما بعدها صلتُها أو صفتُها أُوثِرَت على مَنْ ذهاباً إلى الوصف وإيذاناً بأنه المقصودُ بالذات والغالبُ في الاعتبار لا بناءً على أن الإناثَ من العقلاء يجرين مَجرى غيرِ العقلاءِ لإخلاله بمقام الترغيبِ فيهن ، وقرأ ابنُ أبي عَبْلةَ : من طاب . و { مِنْ } في قوله تعالى : { مّنَ النساء } بيانيةٌ وقيل : تبعيضيةٌ والمرادُ بهن غيرُ اليتامى بشهادة قرينةِ المقامِ أي فانكِحوا مَن استطابَتْهن نفوسُكم من الأجنبيات ، وفي إيثار الأمرِ بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى مع أنه المقصودُ بالذات مزيدُ لطفٍ في استنزالهم عن ذلك ، فإن النفسَ مجبولةٌ على الحِرص على ما مُنِعت منه كما أن وصفَ النساءِ بالطيب على الوجه الذي أشير إليه فيه مبالغةٌ في الاستمالة إليهن والترغيبِ فيهن ، وكلُّ ذلك للاعتناء بصَرْفهم عن نكاح اليتامى ، وهو السرُّ في توجيه النهي الضمنيِّ إلى النكاح المُتَرقَّبِ مع أن سببَ النزولِ هو النكاحُ المحققُ لما فيه من المسارعة إلى دفع الشرِّ قبل وقوعِه فرب واقعٍ لا يُرفع ، والمبالغةِ في بيان حالِ النكاحِ المحققِ فإن محظوريةَ المترقَّبِ حيث كانت للجَور المترقَّبِ فيه فمحظوريةُ المحقِّقِ مع تحقق الجَوْر فيه أولى ، وقيل : المرادُ بالطيب الحِلُّ أي ما حل لكم شرعاً لأن ما استطابوه شاملٌ للمحرمات ، ولا مخصصَ له بمن عداهن وفيه فِرارٌ من محذور ووقوعٍ فيما هو أفظعُ منه لأن ما حل لهم مُجملٌ ، وقد تقرر أن النصَّ إذا تردد بين الإجمالِ والتخصيصِ يُحمل على الثاني لأن العامَّ المخصوصَ حجةٌ في غير محلّ التخصيصِ والمُجملُ ليس بحجة قبل ورودِ البيانِ أصلاً ، ولئن جُعل قوله تعالى :

(2/32)


{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } الخ ، دالاً على التفصيل بناءً على ادعاء تقدّمِه في التنزيل فلْيُجْعل دالاً على التخصيص { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } معدولةٌ عن أعداد مكررةٍ غيرُ منصرفةٍ لما فيها من العدْلين : عدلِها عن صِيَغها وعدلِها عن تكرُّرِها ، وقيل : للعدل والصفةِ ، فإنها بُنيت صفاتٍ وإن لم تكن أصولُها كذلك . وقرىء وثُلَثَ ورُبَعَ على القصر من ثلاثَ ورُباعَ ومحلُّهن النصبُ على أنها حالٌ من فاعل طاب مؤكدةٌ لما أفاده وصفُ الطيّبِ من الترغيب فيهن والاستمالةِ إليهن بتوسيع دائرةِ الإذْنِ ، أي فانكِحوا الطيباتِ لكم معدوداتٍ هذا العددَ ثنتين ثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً حسبما تريدون على معنى أن لكل واحدٍ منهم أن يختار أيَّ عددٍ شاء من الأعداد المذكورةِ لاأن بعضَها لبعض منهم وبعضَها لبعض آخرَ كما في قولك : اقتسِموا هذه البَدْرةَ درهمينِ درهمينِ وثلاثةً ثلاثةً وأربعةً أربعة ، ولو أُفردت لفُهم منه تجويزُ الجمعِ بين تلك الأعدادِ دون التوزيعِ ، ولو ذكرت بكلمة أو لفات تجويزُ الاختلافِ في العدد ، هذا وقد قيل في تفسير الآيةِ الكريمةِ لما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالِهم من الحُوب الكبيرِ : أخذ الأولياءُ يتحرّجون من ولايتهم خوفاً من لُحوق الحُوب بترك الإقساطِ مع أنهم كانوا لا يتحرّجون من ترك العدلِ في حقوق النساءِ حيث كان تحت الرجلِ منهم عشرٌ منهن فقيل لهم : إن خفتم تركَ العدلِ في حقوق اليتامى فتحرّجتم منها فخافوا أيضاً تركَ العدلِ بين النساءِ فقلِّلوا عددَ المنكوحاتِ لأن من تحرّج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكبٌ مثلَه فهو غيرُ متحرِّجٍ ولا تائبٍ عنه وقيل : كانوا لا يتحرجون من الزنى وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى ، فقيل : إن خفتم الجَوْرَ في حق اليتامى فخافوا الزنى فانكِحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حولَ المحرَّماتِ ، ولا يخفى أنه لا يساعدهما جزالةُ النظمِ الكريمِ لبنائهما على تقدّم نزولِ الآيةِ الأولى وشيوعِها بين الناسِ مع ظهور توقفِ حُكمِها على ما بعدها من قوله تعالى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم }

(2/33)


إلى قوله تعالى : { وكفى بالله حَسِيباً } { فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُواْ } أي فيما بينهن ولو في أقل الأعدادِ المذكورةِ كما خِفتُموه في حق اليتامى أو كما لم تعدِلوا في حقهن أو كما لم تعدِلوا فيما فوق هذه الأعدادِ { فواحدة } أي فالزَموا أو فاختاروا واحدةً وذروا الجمعَ بالكلية ، وقرىء بالرفع أي فالمُقنِعُ واحدةٌ أو فحسبُكم واحدةٌ { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } أي من السراري بالغةً ما بلغت من مراتب العددِ وهو عطفٌ على واحدةً على أن اللزومَ والاختيارَ فيه بطريق التسرِّي لا بطريق النكاحِ كما فيما عُطف عليه لاستلزامه ورودَ ملكِ النكاحِ على ملك اليمينِ بموجب اتحادِ المخاطَبين في الموضعين بخلاف ما سيأتي من قوله تعالى : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم } فإن المأمورَ بالنكاح هناك غيرُ المخاطَبين بملك اليمين وإنما سُوِّي في السهولة واليُسرِ بين الحرةِ الواحدةِ وبين السراري من غير حصرٍ في عددٍ لقلةِ تَبِعتِهن وخِفةِ مؤنتِهن وعدمِ وجوبِ القَسْمِ بينهن . وقرىء { أَوْ ما مَلَكَتْ أيمانكم } وما في القراءة المشهورةِ للإيذان بقصور رتبتِهن عن رتبة العقلاءِ { ذلك } إشارةٌ إلى اختيار الواحدةِ والتسرّي { أدنى أَن لا تَعُولُواْ } العَول الميلُ من قولهم : عال الميزانُ عَوْلاً إذا مال ، وعال في الحكم أي جار ، والمرادُ هنا الميلُ المحظورُ المقابلُ للعدل أي ما ذُكر من اختيار الواحدةِ والتسرّي أقربُ بالنسبة إلى ما عداهما من أن لا تميلوا ميلاً محظوراً لانتفائه رأساً بانتفاء محلِّه في الأول وانتفاءِ خطرِه في الثاني بخلاف اختيارِ العددِ في المهائر فإن الميلَ المحظورَ متوقَّعٌ فيه لتحقق المحلِّ والخطرِ ، ومن هاهنا تبين أن مدارَ الأمرِ هو عدمُ العولِ لا تحققُ العدلِ كما قيل ، وقد فُسِّر بأن لا يكثُر عيالُكم على أنه من عال الرجلُ عيالَه يعولُهم أي مانَهم ، فعبر عن كثرة العيالِ بكثرة المَؤُونةِ على طريقة الكتابةِ ويؤيده قراءةُ أن تُعيلوا من أعال الرجلُ إذا كثُر عيالُه ، ووجهُ كونِ التسري مَظِنَّةَ قلةِ العِيالِ مع جواز الاستكثارِ من السراري أنه يجوز العزلُ عنهن بغير رضاهن ولا كذلك المهائرُ ، والجملةُ مستأنفةٌ جارية مما قبلها مَجرى التعليلِ .

(2/34)


وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)

{ وَءاتُواْ النساء } أي اللاتي أُمر بنكاحهن { صدقاتهن } جمعُ صَدُقة كسمُرة وهي المَهرُ وقرىء بسكون الدالِ على التخفيف وبضم الصادِ وسكونِ الدال جمعُ صُدْقة كغرفة ، وبضمهما على التوحيد وهو تثقيلُ صُدْقة كظُلُمة في ظُلْمة { نِحْلَةً } قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد : فريضةً من الله تعالى لأنها مما فرضه الله في النِحْلة أي المِلةِ والشِرْعة والديانةِ ، فانتصابُها على الحالية من الصَّدُقات أي أعطوهن مهورَهن حالَ كونِها فريضةً منه تعالى ، وقال الزجاجُ : تديُّناً فانتصابُها على أنها مفعولٌ له أي أعطوهن ديانةً وشِرْعيةً ، وقال الكلبي : نحلةً أي هِبةً وعطيةً من الله وتفضّلاً منه عليهن فانتصابُه على الحالية منها أيضاً وقيل : عطيةً من جهة الأزواجِ من نَحَله كذا إذا أعطاه إياه ووهبَه له عن طِيبةٍ من نفسه نِحْلةً ونُحْلاً ، والتعبير عن إيتاء المهورِ بالنِّحلة مع كونها واجبةً على الأزواج لإفادة معنى الإيتاءِ عن كمال الرضا وطيبِ الخاطرِ ، وانتصابُها على المصدرية لأن الإيتاءَ والنحلةَ بمعنى الإعطاءِ ، كأنه قيل : وانحَلوا النساءَ صَدُقاتِهن نِحْلةً أي أعطوهن مهورَهن عن طيبةِ أنفسِكم ، أو على الحالية من ضمير { أَتَوْا } أي آتوهن صَدُقاتِهن ناحلين طيِّبي النفوسِ بالإعطاء أو من الصَّدُقات أي منحولةً مُعطاةً عن طيبة الأنفسِ ، فالخطابُ للأزواج وقيل : للأولياء لأنهم كانوا يأخُذون مهورَ بناتِهم وكانوا يقولون : هنيئاً لك النافجةُ ، لِمَن يولدُ له بنتٌ ، يعنون تأخُذ مَهرَها فتنفج به مالَك أي تعظّمه { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ } الضميرُ للصدُقات وتذكيرُه لإجرائه مُجرى ذلك فإنه يشار به إلى المتعدد كما في قوله عز وجل : { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } بعد ذكر الشهواتِ المعدودةِ وقد رُوي عن رؤبةَ أنه حين قيل له في قوله :
فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَق ... كأنه في الجِلْد تَوليعُ البَهَقْ
إن أردت الخطوطَ ينبغي أن تقول : كأنها وإن أردت السوادَ والبلَقَ ينبغي أن تقول : كأنهما ، قال : لكني أردتُ كأن ذلك . أو للصَّداق الواقعِ موقعَه صدُقاتِهن كأنه قيل : وآتوا النساءَ صَداقَهن كما في قوله تعالى : { فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن } حيث عَطفَ أكنْ على ما دل عليه المذكورُ ووقع موقعَه ، كأنه قيل : إن أخرتني أصَّدقْ وأكنْ ، واللامُ متعلقةٌ بالفعل وكذا عن لكن بتضمينه معنى التجافي والتجاوزِ ، ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لشيء أي كائنٍ من الصَّداق ، وفيه بعثٌ لهن على تقليل الموهوبِ { نَفْساً } تمييزٌ والتوحيدُ لما أن المقصودَ بيانُ الجنسِ أي إن وهَبْن لكم شيئاً من الصَّداق متجافياً عنه نفوسُهن طيباتٍ غيرَ مُخْبثاتٍ بما يَضطرُّهن إلى البذل من شكاسة أخلاقِكم وسوءِ معاشرتِكم لهن ، عَدَل عن لفظ الهبةِ والسماحةِ إلى ما عليه النظمُ الكريمُ إيذاناً بأن العُمدة في الأمر إنما هو طيبُ النفسِ وتجافيها عن الموهوب بالمرة { فَكُلُوهُ } أي فخذوا ذلك الشيءَ الذي طابت به نفوسُهن وتصرفوا فيه تملُّكاً ، وتخصيصُ الأكلِ بالذكر لأنه معظمُ وجوهِ التصرفاتِ المالية { هَنِيئاً مَّرِيئاً } صفتان من هنُؤَ الطعامُ ومرُؤَ إذا كان سائغاً لا تنغيصَ فيه ، وقيل : الهنيءُ الذي يلَذُّه الآكِلُ والمريءُ ما يُحمد عاقبتُه ، وقيل : ما ينساغ في مجراه الذي هو المريءُ وهو ما بين الحُلْقوم إلى فم المعِدةِ سُمِّي بذلك لمروءِ الطعامِ فيه أي انسياغِه ، ونصبُهما على أنهما صفتانِ للمصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً أو على أنهما حالانِ من الضمير المنصوبِ أن كُلوه وهو هنيءٌ مريءٌ وقد يوقف على كلوه ، ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مُقامَ المصدرين ، كأنه قيل : هنْأً ومَرْأً ، وهذه عبارةٌ عن التحليل والمبالغةِ في الإباحة وإزالةِ التبعة .

(2/35)


روي أن ناساً كانوا يتأثمون أن يَقْبل أحدُهم من زوجته شيئاً مما ساقه إليها فنزلت .

(2/36)


وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)

{ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم } رجوعٌ إلى بيان بقيةِ الأحكامِ المتعلقةِ بأموال اليتامى ، وتفصيلُ ما أُجمل فيما سبق من شرط إيتائِها ووقتِه وكيفيتِه إثرَ بيانِ بعضِ الأحكامِ المتعلقةِ بأنفسهن ، أعني نكاحَهن وبيانِ بعضِ الحقوقِ المتعلقةِ بغيرهن من الأجنبيات من حيث النفسُ ومن حيث المالُ استطراداً ، والخطابُ للأولياء ، نُهوا أن يؤتوا المبذرين من اليتامى أموالَهم مخافةَ أن يضيِّعوها وإنما أضيفت إليهم وهي لليتامى لا نظراً إلى كونها تحتَ ولايتِهم كما قيل فإنه غيرُ مصحِّحٍ لاتصافها بالوصف الآتي بل تنزيلاً لاختصاصها بأصحابها منزلةَ اختصاصِها بالأولياء ، فكأن أموالَهم عينُ أموالِهم لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسيِّ والنَّسَبي مبالغةً في حملهم على المحافظة عليها كما في قوله تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } أي لا يقتُلْ بعضُكم بعضاً حيث عبّر عن بني نوعِهم بأنفسهم مبالغةً في زجرهم عن قتلهم فكأن قتلَهم قتلُ أنفسِهم ، وقد أيد ذلك حيث عبّر عن جعلها مناطاً لمعاشِ الأولياء فقيل : { التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } أي جعلها الله شيئاً تقومون به وتنتعشون على حذف الأولِ ، فلو ضيَّعتُموه لضِعْتم ثم زيد في المبالغة حتى جُعل ما به القيامُ قياماً فكأنها في أنفسها قيامُكم وانتعاشُكم ، وقيل : إنما أضيفت إلى الأولياء لأنها من جنس ما يقيم به الناسُ معايشَهم حيث لم يُقصَدْ بها الخصوصيةُ الشخصيةُ بل الجنسيةُ التي هي معنى ما يقام به المعاشُ وتميل إليه القلوبُ ويُدّخر لأوقات الاحتياج ، وهي بهذا الاعتبارِ لا تختص باليتامى ، وأنت خبيرٌ بأن ذلك بمعزل من حمل الأولياءِ على المحافظة المذكورةِ كيف لا والوحدةُ الجنسيةُ الماليةُ ليست مختصّةً بما بين أموال اليتامى وأموالِ الأولياءِ بل هي متحققةٌ بين أموالِهم وأموالِ الأجانبِ ، فإذن لا وجهَ لاعتبارها أصلاً وقرىء اللاتي واللواتي وقرىء قَيْماً بمعنى قياماً كما جاء عَوْذاً بمعنى عِياذاً وقرىء قِواماً بكسر القاف وهو ما يقام به الشيءُ ، أو مصدرُ قاوم وقرىء بفتحها { وارزقوهم فِيهَا واكسوهم } أي واجعلوها مكاناً لرزقهم وكسوتِهم بأن تتّجروا وتربحوا حتى تكون نفقاتُهم من الأرباح لا من صُلْب المالِ ، وقيل : الخطابُ لكل أحدٍ كائناً مَنْ كان ، والمرادُ نهيُه عن أن يفوِّض أمرَ مالِه إلى من لا رُشدَ له من نسائه وأولادِه ووكلائِه وغير ذلك ، ولا يخفى أن ذلك مُخِلٌّ بجزالة النظمِ الكريم { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } أي كلاماً ليناً تطيب به نفوسُهم ، وعن سعيد بن جبير ومجاهد وابن جريج : عِدوْهم عِدةً جميلةً بأن تقولوا إذا صلَحتم ورشَدتم سلَّمْنا إليكم أموالَكم ، وكلُّ ما سكَنت إليه النفسُ لحسنه شرعاً أو عقلاً من قول أو عمل فهو معروفٌ وما أنكَرَتْه لقُبحه شرعاً أو عقلاً فهو منكر .

(2/37)


وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)

{ وابتلوا اليتامى } شروعٌ في تعيين وقتِ تسليمِ أموالِ اليتامى إليهم وبيانِ شرطِه بعد الأمرِ بإيتائها على الإطلاق والنهيِ عنه عند كونِ أصحابِها سفهاءَ ، أي واختبروا من ليس منهم بيِّن السَّفَهِ قبل البلوغِ بتتبُّع أحوالِهم في صلاح الدينِ والاهتداءِ إلى ضبط المالِ وحسنِ التصرفِ فيه ، وجرِّبوهم بما يليق بحالهم فإن كانوا من أهل التجارةِ فبأن تعطوهم من المال ما يتصرفون فيه بيعاً وشراءً وإن كانوا ممن له ضِياعٌ وأهلٌ وخدَمٌ فبأن تعطوهم منه ما يصرفونه إلى نفقة عبيدِهم وخدمِهم وأُجَرائِهم وسائرِ مصارفِهم حتى تتبين لكم كيفيةُ أحوالِهم { حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } بأن يحتلموا لأنهم يصلُحون حينئذ للنكاح { وابتلوا اليتامى } أي شاهدتم وتبينتم وقرىء أحَسْتم بمعنى أحسستم كما في قول من قال :
خلا أن العتاقَ من المطايا ... أحَسْنَ به وهنّ إليه شوُسُ
{ مّنْهُمْ رُشْداً } أي اهتداءً إلى وجوه التصرفاتِ من غير عجز وتبذيرٍ ، وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ، أو للاعتداد بمبدئيته له . والتنوينُ للدِلالة على كفاية رُشدٍ في الجملة وقرىء بفتح الراء والشين وبضمهما { فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم } من غير تأخيرٍ عن حد البلوغِ ، وفي إيثار الدفعِ على الإيتاء الواردِ في أول الأمرِ إيذانٌ بتفاوتهما بحسب المعنى كما أشير إليه فيما سلف ، ونظم الآية الكريمة أن حتى هي التي تقع بعدها الجملُ كالتي في قوله :
فما زالت القتلى تمُجُّ دماءَها ... بدِجلةَ حتى ماءُ دِجلةَ أشكلُ
وما بعدها جملةٌ شرطيةٌ جُعلت غايةً للابتلاء ، وفعلُ الشرطِ { بَلَغُواْ } وجوابُه الشرطيةُ الثانيةُ كأنه قيل : وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغِهم واستحقاقِهم دفعَ أموالِهم إليهم بشرط إيناسِ الرُشدِ منهم ، وظاهرُ الآيةِ الكريمةِ أن من بلغ غيرَ رشيدٍ إما بالتبذير أو بالعجز لا يدفع إليه مالُه أبداً وبه أخذ أبو يوسفَ ومحمدٌ ، وقال أبو حنيفة : ينتظر إلى خمس وعشرين سنةً لأن البلوغ بالسن ثماني عشرة سنةً فإذا زادت عليها سبعُ سنين وهي مدةٌ معتبرةٌ في تغير أحوالِ الإنسانِ لما قاله عليه الصلاة والسلام : « مروهم بالصلاة لسبع » دفع إليه مالَه أُونِسَ منه أو لم يُؤْنَس { وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ } أي مسرفين ومبادرين كِبرَهم إو لإسرافكم ومبادرتِكم كِبرَهم تفرِّطون في إنفاقها وتقولون : نُنفق كما نشتهي قبل أن يكبَرَ اليتامى فينتزعوها من أيدينا ، والجملة تأكيدٌ للأمر بالدفع وتقريرٌ لها وتمهيدٌ لما بعدها من قوله تعالى : { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } الخ ، أي من كان من الأولياء والأوصياءِ غنياً فليتنزَّهْ عن أكلها وليقنَعْ بما آتاه الله تعالى من الغنى والرزقِ إشفاقاً على اليتيم وإبقاءً على ماله { وَمَن كَانَ } من الأولياء والأوصياءِ { فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } بقدْر حاجتِه الضروريةِ وأُجرةِ سعيِه وخِدمتِه ، وفي لفظ الاستعفافِ والأكلِ بالمعروف ما يدل على أن للوصيّ حقاً لقيامه عليها .

(2/38)


عن النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلاً قال له : إن في حِجري يتيماً أفآكلُ من ماله؟ قال : « بالمعروف غيرَ متأثِّلٍ مالاً ولا واقٍ مالَك بماله » وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن وليَّ يتيمٍ قال له : أفأشرب من لبن إبلِه؟ قال : « إن كنت تبغي ضالّتَها وتلوطُ حوضَها وتهنأ جَرْباها وتسقيها يوم ورودِها فاشرَبْ غير مُضِرٍ بنسل ولا ناهكٍ في الحلب » وعن محمد بن كعب يتقرَّمُ كما تتقرّم البهيمة ويُنزِل نفسَه منزلةَ الأجيرِ فيما لا بد منه . وعن الشعبي : يأكلُ من ماله بقدر ما يُعين فيه . وعنه : كالميتة يتناول عند الضرورة . وعن مجاهد : يستسلف فإذا أيسرَ أدى . وعن سعيد بن جبير : إن شاء شرِب فضلَ اللبن وركِبَ الظهرَ ولبس ما يستُره من الثياب وأخَذَ القوتَ ولا يجاوزُه فإن أيسر قضاه وإن أعسر فهو في حل . وعن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه : إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى منزلةَ وليَّ اليتيمِ إن استغنيتُ استعففتُ وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف وإذا أيسرتُ قضيت . واستعفَّ أبلغُ من عفّ كأنه يطلب زيادةَ العفة { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم } بعد ما راعيتم الشرائطَ المذكورةَ وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول الصريحِ للاهتمام به { فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } بأنهم تَسَلَّموها وقبضوها وبرِئَتْ عنها ذممُكم لما أن ذلك أبعدُ من التهمة وأنفى للخصومة وأدخَلُ في الأمانة وبراءةِ الساحةِ وإن لم يكن ذلك واجباً عند أصحابنا ، فإن الوصيَّ مُصدِّقٌ في الدفع مع اليمين خلافاً لمالكٍ والشافعيِّ رحمهما الله { وكفى بالله حَسِيباً } أي محاسباً فلا تُخالفوا ما أمركم به ولا تُجاوزوا ما حَدَّ لكم .

(2/39)


لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)

{ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون } شروعٌ في بيان أحكامِ المواريثِ بعد بيانِ أحكامِ أموالِ اليتامى المنتقلةِ إليهم بالإرث ، والمرادُ بالأقربين المتوارثون منهم ، ومِنْ في مما متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لنصيبٌ أي لهم نصيبٌ كائنٌ مما ترَك ، وقد جُوِّز تعلُّقها بنصيب { وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون } إيرادُ حكمِهن على الاستقلال دون الدرْجِ في تضاعيف أحكامِهم بأن يقالَ للرجال والنساءِ الخ ، للاعتناء بأمرهن والإيذانِ بأصالتهن في استحقاق الإرثِ والإشارةِ من أول الأمرِ إلى تفاوت ما بين نصيبَي الفريقين والمبالغةِ في إبطال حكمِ الجاهليةِ فإنهم لم يكونوا يُورِّثون النساءَ والأطفالَ ويقولون : إنما يرث مَنْ يحارِبُ ويذُبُّ عن الحَوْزة .
روي أن أوسَ بنَ ثابت الأنصاريَّ خلّف زوجتَه أمَّ كجة وثلاثَ بناتٍ فزوى أبناءُ عمِّه سويدٌ وعرفطةُ أو قتادةُ وعَرْفجةُ ميراثَه عنهن على سنة الجاهلية فجاءت أمُّ كجةَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه فقال : « ارجِعي حتى أنظُر ما يُحدِثه الله تعالى » فنزلت ، فأرسل إليهما إن الله قد جعل لهن نصيباً ولم يبيِّنْ فلا تُفرِّقا من مال أوسٍ شيئاً حتى يبين فنزل يوصيكم الله الخ ، فأعطى أمَّ كجةَ الثمنَ والبناتِ الثلثين والباقي لابني العمِّ وهو دليلٌ على جواز تأخيرِ البيانِ عن الخطاب ، وقولُه تعالى : { مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ } بدلٌ من { مَا } الأخيرةِ بإعادة الجارِّ وإليها يعود الضميرُ المجرورُ ، وهذا البدلُ مرادٌ في الجملة الأولى أيضاً محذوفٌ للتعويل على المذكور ، وفائدتُه دفعُ توهُّمِ تخصيصِ بعضِ الأموالِ ببعض الورثةِ كالخيل وآلاتِ الحربِ للرجال ، وتحقيقُ أن لكلَ من الفريقين حقاً من كل ما جلّ ودقّ { نَصِيباً مَّفْرُوضاً } نُصب على أنه مصدرٌ مؤكّدٌ كقوله تعالى : { فَرِيضَةً مّنَ الله } كأنه قيل : قسمةً مفروضةً أو على الحالية إذ المعنى ثبَت لهم نصيبٌ كائنٌ مما ترك الوالدان والأقربون حالَ كونِه مفروضاً ، أو على الاختصاص أي أعني نصيباً مقطوعاً مفروضاً واجباً لهم ، وفيه دليلٌ على أن الوارثَ لو أعرض عن نصيبه لم يسقُطْ حقُّه .

(2/40)


وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)

{ وَإِذَا حَضَرَ القسمة } أي قسمةَ التركةِ ، وإنما قُدّمت مع كونها مفعولاً لأنها المبحوثُ عنها ولأن في الفاعل تعدداً فلو رُوعي الترتيبُ يفوتُ تجاوبُ أطرافِ الكلام { أُوْلُواْ القربى } ممن لا يرث { واليتامى والمساكين } من الأجانب { فارزقوهم مّنْهُ } أي أعطوهم شيئاً من المال المقسومِ المدلولِ عليه بالقسمة ، وقيل : الضميرُ لما وهو أمرُ ندبٍ كُلف به البالغون من الورثة تطييباً لقلوب الطوائفِ المذكورةِ وتصدقاً عليهم ، وقيل : أمرُ وجوبٍ ثم اختلف في نَسْخه { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } وهو أن يدعوا لهم ويستقِلّوا ما أعطَوْهم ويعتذروا من ذلك ولا يُمنّوا عليهم { وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ } أمرٌ للأوصياء بأن يخشَوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يُحبون أن يُفعلَ بذراريهم الضعافِ بعد وفاتِهم ، أو لمن حضر المريضَ من العُواد عند الإيصاء بأن يخشَوا ربَّهم أو يخشوا أولادَ المريضِ ويُشفقوا عليهم شفقتَهم على أولادهم فلا يتركوه أن يُضِرَّ بهم بصرف المالِ عنهم ، أو للورثة بالشفقة على من حضَر القسمةَ من ضعفاء الأقاربِ واليتامى والمساكينِ متصوّرين أنهم لو كانوا أولادَهم بقُوا خلفهم ضِعافاً مثلَهم هل يجوّزون حِرمانَهم؟ أو للموصين بأن ينظُروا للورثة فلا يُسرِفوا في الوصية .
و { لَوْ } بما في حيزها صلةٌ للذين على معنى وليخشَ الذين حالُهم وصفتُهم أنهم لو شارفوا أن يخلّفوا ورثةً ضِعافاً خافوا عليهم الضياعَ ، وفي ترتيب الأمرِ عليه إشارةٌ إلى المقصود منه ، والعلةِ فيه وبعثٌ على التراحم وأن يُحب لأولاد غيرِه ما يحب لأولاد نفسِه ، وتهديدٌ للمخالف بحال أولادِه ، وقرىء ضعفاءَ وضعافي وضعافى { فَلْيَتَّقُواّ الله } في ذلك ، والفاءُ لترتيب ما بعدَها على ما قبلَها { وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } أمرهم بالتقوى التي هي غايةُ الخشيةِ بعد ما أمرهم بها مراعاةً للمبدأ والمنتهى إذ لا نفعَ للأول بدون الثاني ، . ثم أمرهم بأن يقولوا لليتامى مثلَ ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحُسنِ الأدبِ ، أو للمريض ما يصُده عن الإسراف في الوصية وتضييعِ الورثةِ يذكّره التوبةَ وكلمةَ الشهادةِ أو لحاضري القسمةِ عذراً ووعداً حسناً أو يقولوا في الوصية ما لا يؤدّي إلى تجاوز الثلث .

(2/41)


إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)

وقوله تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } أي على وجه الظلمِ أو ظالمين ، استئنافٌ جيء به لتقرير مضمونِ ما فُصِّل من الأوامر والنواهي { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ } أي ملءَ بطونِهم { نَارًا } أي ما يُجرُّ إلى النار ويؤدِّي إليها ، وعن أبي برزة أنه صلى الله عليه وسلم قال : « يبعث الله تعالى قوماً من قبورهم تتأجّج أفواهُهم ناراً » فقيل : من هم؟ فقال عليه السلام : « ألم تر أن الله يقول : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } » { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } أي سيدخُلون ناراً هائلةً مبْهمةَ الوصفِ وقرىء بضم الياء مخففاً ومشدداً من الإصلاء والتصلية ، يقال : صِليَ النار قاسي حرَّها وصلَيتُه وشويتُه وأصليتُه وصلّيتُه ألقيته فيها . والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعَرتُ النارَ إذا ألهبتُها . روي أن آكلَ مالِ اليتيم يبعث يوم القيامةِ والدخانُ يخرج من قبره ومِنْ فيه وأنفِه وأُذنيه وعينيه فيعرف الناسُ أنه كان يأكلُ مالَ اليتيمِ في الدنيا . وروي أنه لما نزلت هذه الآيةُ ثقُل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية فصعب الأمرُ على اليتامى فنزل قوله تعالى : { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } الأية .
{ يُوصِيكُمُ الله } شروعٌ في تفصيل أحكامِ المواريثِ المُجملةِ في قوله تعالى : { لّلرّجَالِ نَصِيبٌ } الخ ، وأقسامُ الورثةِ ثلاثةٌ : قسمٌ لا يسقُط بحال وهو الآباءُ والأولادُ والأزواج فهؤلاء قسمانِ والثالثُ الكلالة . أي يأمركم ويعهَدُ إليكم { فِى أولادكم } أولاد كلِّ واحدٍ منكم أي في شأن ميراثِهم . بُدىءَ بهم لأنهم أقربُ الورثةِ إلى الميتِ وأكثرُهم بقاءً بعد المورِّث { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين } جملةٌ مستأنفةٌ جيء بها لتبيين الوصيةِ وتفسيرِها ، وقيل : محلُّها النصبُ بيوصيكم على أن المعنى يفرِض عليكم ويشرَع لكم هذا الحُكمَ ، وهذا قريبٌ مما رآه الفراءُ فإنه يجري ما كان بمعنى القولِ من الأفعال مَجراه في حكاية الجملةِ بعدَه ، ونظيرُه قولُه تعالى : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ } الآية ، وقولُه تعالى : { لِلذّكْرِ } لا بد له من ضمير عائدٍ إلى الأولاد محذوفٍ ثقةً بظهوره كما في قولهم : السمنُ مَنَوانِ بدرهم . أي للذكر منهم ، وقيل : الألفُ واللامُ قائمٌ مقامَه ، والأصلُ لذكرهم ، ومِثلُ صفةٌ لموصوف محذوفٍ أي للذكر منهم حظُّ الأنثيين ، والبَداءةُ ببيان حكمِ الذكرِ لإظهار مَزيّتِه على الأنثى ، كما أنها المناطُ في تضعيف حظِّه ، وإيثارُ اسمَي الذكرِ والأنثى على ما ذُكر أولاً من الرجال والنساءِ للتنصيص على استواء الكبارِ والصغارِ من الفريقين في الاستحقاق من غير دخلٍ للبلوغ والكِبَرِ في ذلك أصلاً كما هو زعمُ أهلِ الجاهليةِ حيث كانوا لا يورِّثون الأطفالَ كالنساء . { فَإِن كُنَّ } أي الأولادُ والتأنيثُ باعتبار الخبرِ وهو قوله تعالى : { نِسَاء } أي خُلَّصاً ليس معهن ذكرٌ { فَوْقَ اثنتين } خبرٌ ثانٍ أو صفةٌ لنساءً أي نساءً زائداتٍ على اثنتين { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } أي المتوفى المدلولُ عليه بقرينة المقامِ { وَإِن كَانَتْ } أي المولودةُ { واحدة } أي امرأةً واحدةً ليس معها أخٌ ولا أختٌ .

(2/42)


وعدمُ التعرّضِ للموصوف لظهوره مما سبق { فَلَهَا النصف } مما ترك ، وقرىء واحدةٌ على كان التامة .
واختلف في الثنتين فقال ابنُ عباس : حكمُهما حكمُ الواحدةِ لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما ، وقال الجمهورُ : حكمُهما حكمُ ما فوقهما لأنه تعالى لما بيّن أن حظَّ الذكرِ مثلُ حظِّ الأنثيين إذا كان معه أنثى وهو الثلثان اقتضى ذلك أن فرضَهما الثلثان ، ثم لما أوهم ذلك أن يُزاد النصيبُ بزيادة العددِ رُدَّ ذلك بقوله تعالى : { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين } ويؤيد ذلك أن البنتَ الواحدةَ لما استحقَّت الثُلُثَ مع أخيها الأقوى منها في الاستحقاق فلأَنْ تستحِقَّه مع مثلها أولى وأحرى وأن البنتين أمسُّ رَحِماً من الأختين وقد فرض الله لهما الثلثين حيث قال تعالى : { فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ } .
{ وَلأَبَوَيْهِ } أي لأبوي الميت . غُيِّر النظمُ الكريمُ لعدم اختصاصِ حُكمِه بما قبله من الصور { لِكُلّ واحد مّنْهُمَا } بدلٌ منه بتكرير العاملِ ، وُسِّط بين المبتدأ الذي هو قوله تعالى : { السدس } وبين خبرِه الذي هو لأبويه ، ونُقل الخبريةُ إليه تنصيصاً على استحقاق كلَ منهما السدسَ وتأكيداً له بالتفصيل بعد الإجمالِ وقرىء السدْسُ بسكون الدال تخفيفاً ، وكذلك الثلْثُ والربْعُ والثمْنُ { مّمَّا تَرَكَ } متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من السدس ، والعاملُ الاستقرارُ المعتبرُ في الخبر أي كائناً مما ترك المتوفى { إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ } أو ولدُ ابنٍ ذكراً كان أو أنثى واحداً أو متعدداً غير أن الأبَ في صورة الأنوثةِ بعد ما أخذ فرضَه المذكورَ يأخذ ما بقيَ من ذوي الفروضِ بالعصوبة { فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ } ولا ولدُ ابنٍ { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } فحسْبُ { فَلاِمّهِ الثلث } مما ترك والباقي للأب ، وإنما لم يُذكَرْ لعدم الحاجةِ إليه لأنه لما فُرض انحصارُ الوارثِ في أبويه ، وعُيِّن نصيبُ الأم عُلمَ أن الباقيَ للأب ، وتخصيصُ جانبِ الأمِّ بالذِكر وإحالةُ جانبِ الأبِ على دَلالة الحالِ مع حصولِ البيانِ بالعكس أيضاً لما أنَّ حظَّها أخصَرُ واستحقاقَه أتمُّ وأوفرُ ، أو لأن استحقاقَه بطريق العصوبةِ دون الفرضِ هذا إذا لم يكن معهما أحدُ الزوجين أما إذا كان معهما ذلك فللأم ثلثُ ما بقيَ بعد فرضِ أحدِهما لا ثلثُ الكلِّ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما فإنه يُفضي إلى تفضيل الأمِّ على الأب مع كونه أقوى منها في الإرث بدليل إضعافِه عليها عند انفرادِهما عن أحد الزوجين وكونِه صاحبَ فرضٍ وعصبةٍ وذلك خلافُ وضعِ الشرع .
{ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } أي عددٌ ممن له أخوةٌ من غير اعتبارِ التثليثِ سواءٌ كانت من جهة الأبوين أو من جهة أحدِهما وسواءٌ كانوا ذكوراً أو إناثاً أو مختلِطين وسواءٌ كان لهم ميراثٌ أو كانوا محجوبين بالأب { فَلاِمِهِ السدس } أما السدسُ الذي حجبوها عنه فهو للأب عند وجودِه ولهم عند عدمِه وعليه الجمهورُ ، وعند ابنِ عباس رضي الله عنهما أنه لهم على كلِّ حالٍ خلا أن هذا الحجبَ عنده لا يتحقق بما دون الثلاثِ وبالأخوات الخُلَّص ، وقرىء فلإِمِّه بكسر الهمزةِ إتْباعاً لما قبلها { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ } خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ ، والجملةُ متعلقةٌ بما تقدم جميعاً لا بما يليها وحدَه ، أي هذه الأنصباءُ للورثة من بعد إخراجِ وصيةٍ { يُوصِى بِهَا } أي الميتُ وقرىء مبنياً للمفعول مخففاً ومبنياً للفاعل مشدداً يوصّي ، وفائدةُ الوصفِ الترغيبُ في الوصية والندبُ إليها { أَوْ دَيْنٍ } عطفٌ على وصيةٍ إلا أنه غيرُ مقيدٍ بما قُيدتْ به من الوصف بل هو مُطلقٌ يتناول ما ثبت بالبينة أو الإقرارِ في الصحةِ ، وإيثارُ { أَوْ } المفيدةِ للإباحة على الواو للدِلالة على تساويهما في الوجوب وتقدُّمِهما على القِسْمة مجموعَيْن أو منفردَيْن ، وتقديمُ الوصيةِ على الديْن ذكراً مع تأخّرها عنه حُكماً لإظهار كمالِ العنايةِ بتنفيذها لكونها مظِنةً للتفريط في أدائها ولاطّرادها بخلاف الدَّين { آباؤكم وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً } الخطابُ للورثة فآباؤكم مبتدأ وأبناؤكم عطفٌ عليه ولا تدرون خبرُه وأيُّهم مبتدأٌ وأقربُ خبرُه ، ونفعاً نُصب على التمييز منه ، وهو منقول من الفاعلية كأنه قيل : أيُّهم أقربُ لكم نفعُه؟ والجملةُ في حيز النصبِ بلا تدرون ، والجملةُ الكبيرةُ اعتراضيةٌ مؤكِّدةٌ لوجوب تنفيذِ الوصيةِ أي أصولُكم وفروعُكم الذين يُتَوَفَّون لا تدرون أيُّهم أنفعُ لكم أمَنْ يوصي ببعض مالِه فيُعرِّضَكم لثواب الآخرةِ بتنفيذ وصيتِه أم مَنْ لا يوصي بشيء فيوفرَ عليكم عَرَضَ الدنيا؟ وليس المرادُ بنفي الدرايةِ عنهم بيانَ اشتباهِ الأمرِ عليهم وكونَ أنفعيةِ كلَ من الأول والثاني في حيز الاحتمال عندهم من غير رجحانِ أحدِهما على الآخر كما في قوله عليه الصلاة والسلام :

(2/43)


« مثلُ أمتي مثلُ المطرِ لا يدرى أولُه خيرٌ أمْ آخرُه » فإن ذلك بمعزل من إفادة التأكيدِ المذكورِ والترغيبِ في تنفيذ الوصيةِ بل تحقيقَ أنفعيةِ الأولِ في ضمن التعريضِ بأن لهم اعتقاداً بأنفعية الثاني مبنياً على عدم الدراية ، وقد أشير إلى ذلك حيث عبّر عن الأنفعية بأقربيّة النفعِ تذكيراً لمناط زعمِهم وتعييناً لمنشأ خطئِهم ومبالغةً في الترغيب المذكورِ بتصوير الثوابِ الآجلِ بصورة العاجلِ لأن الطباعَ مجبولةٌ على حب الخيرِ الحاضرِ كأنه قيل : لا تدرون أيُّهم أنفعُ لكم فتحكُمون نظراً إلى ظاهر الحالِ وقربِ المنالِ بأنفعية الثاني مع أن الأمرَ بخلافه ، فإن ثوابَ الآخرةِ لتحقق وصولِه إلى صاحبه ودوامِ تمتّعِه به مع غاية قصْرِ مدةِ ما بينهما من الحياة الدنيا أقربُ وأحضرُ ، وعرَضُ الدنيا لسرعة نفادِه وفنائِه أبعدُ وأقصى . وقيل : الخطابُ للمورِّثين ، والمعنى لا تعلمون من أنفعُ لكم ممن يرِثُكم من أصولكم وفروعِكم عاجلاً وآجلاً فتحَرَّوا في شأنهم ما أوصاكم الله تعالى به ولا تعمِدوا إلى تفضيلِ بعضٍ وحرمانِ بعض .

(2/44)


روي أن أحدَ المتوالدين إذا كان أرفعَ درجةً من الآخر في الجنة سأل الله تعالى أن يرفعَ إليه صاحبَه فيُرفعُ إليه بشفاعته . قيل : فالجملةُ الاعتراضيةُ حينئذ مؤكدةٌ لأمر القِسْمةِ وأنت خبيرٌ بأنه مُشعرٌ بأن مدارَ الإرثِ ما ذُكر من أقربية النفعِ أنه العلاقةُ النسبية { فَرِيضَةً مّنَ الله } نُصِبت نصْبَ مصدرٍ مؤكدٍ لفعل محذوفٍ أي فرض الله ذلك فرضاً أو لقوله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله } فإنه في معنى يأمركم ويفرِض عليكم { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } أي بالمصالح والرُّتَب { حَكِيماً } في كل ما قضى وقدر فيدخُل فيه الأحكامُ المذكورةُ دخولاً أولياً .

(2/45)


وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)

{ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم } من المال . شروعٌ في بيان أحكامِ القِسمِ الثاني من الورثة ، ووجهُ تقديمِ حكمِ ميراثِ الرجالِ مما لا حاجة إلى ذكره { إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ } أي ولدٌ وارثٌ من بطنها أو من صُلْب بنيها أو بني بنيها وإن سفَلَ ذكراً كان أو أنثى واحداً كان أو متعدداً لأن لفظ الولدِ ينتظِمُ الجميعَ منكم أو من غيركم ، والباقي لورثتهن من ذوي الفروضِ والعِصاباتِ أو غيرِهم ، ولبيت المالِ إن لم يكن لهن وارثٌ آخرُ أصلاً { فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ } على نحو ما فُصِّل والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ذِكرَ تقديرِ عدمِ الولدِ وبيانِ حكمِه مستتبِعٌ لتقدير وجودِه وبيانِ حكمِه { فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ } من المال والباقي لباقي الورثةِ { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ } متعلق بكلتا الصورتين لا بما يليه وحده { يُوصِينَ بِهَا } في محل الجرِّ على أنه صفةٌ لوصيةٍ ، وفائدتُها ما مر من ترغيب الميتِ في الوصية وحثِّ الورثةِ على تنفيذها { أَوْ دَيْنٍ } عطفٌ على وصيةٍ سواءٌ كان ثبوتُه بالبينة أو بالإقرار ، وإيثارُ { أَوْ } على الواو لما مر من الدِلالة على تساويهما في الوجوب والتقدمِ على القسمة ، وكذا تقديمُ الوصيةِ على الدين ذِكْراً من إبراز كمالِ العنايةِ بتنفيذها { وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ } على التفصيل المذكورِ آنفاً والباقي لبقية ورثتِكم من أصحاب الفروضِ والعصباتِ أو ذوي الأرحامِ إو لبيت المالِ إن لم يكن لكم وارثٌ آخرُ أصلاً { فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ } على النحو الذي فُصل { فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم } من المال والباقي للباقين { مّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } الكلامُ فيه كما فُصِّل في نظيرَيْه ، فُرض للرجل بحق الزواجِ ضعفُ ما فرض للمرأة كما في النسب لمزيَّته عليها وشرفِه الظاهِرِ ، ولذلك اختُص بتشريف الخطابِ ، وهكذا قياسُ كلِّ رجلٍ وامرأةٍ اشتركا في الجهة والقُرب ، ولا يستثنى منه إلا أولادُ الأمِّ والمُعتِقُ والمعتقةُ ، وتستوي الواحدةُ والعددُ منهن في الربع والثمن .
{ وَإِن كَانَ رَجُلٌ } شروع في بيان أحكامِ القسمِ الثالثِ من الورثة المحتمِلِ للسقوط ، ووجهُ تأخيرِه عن الأولَيْن بيِّنٌ ، والمرادُ بالرجل الميتُ وقوله تعالى : { يُورَثُ } على البناء للمفعول من ورِث لا من أَوْرث ، خبر كان أي يورث منه { كلالة } الكلالةُ في الأصل مصدرٌ بمعنى الكَلالِ وهو ذهابُ القوةِ من الإعياء ، استُعيرت للقرابة من غير جهة الوالدِ والولدِ لضَعفهما بالإضافة إلى قرابتهما ، وتُطلق على من لم يخلِّفْ ولداً ولا والداً وعلى مَن ليس بوالد ولا ولد من المخلفين بمعنى ذي كلالة ، كما تطلق القَرابةُ على ذوي القرابة ، وقد جُوِّز كونُها صفةً كالهَجاجَة والفَقَاقة للأحمق ، فنصبُها إما على أنها مفعولٌ له أي يورثُ منه لأجل القرابةِ المذكورةِ أو على أنها حالٌ من ضمير يورث أي حالَ كونِه ذا كلالةٍ أو على أنها خبرٌ لكان ويورث صفةٌ لرجل أي إن كان رجلٌ موروثٌ ذا كلالةٍ ليس له والدٌ ولا ولدٌ وقرىء يُورِّثُ على البناء للفاعل مخففاً ومشدداً ، فانتصابُ كلالةً إما على أنها حالٌ من ضمير الفعلِ والمفعولُ محذوفٌ أي يُورِثُ وارثَه حال كونِه ذا كلالةً وإما على أنها مفعولٌ به أي يورِّث ذا كلالةً وإما على أنه مفعولٌ له أي يورَث لأجل الكلالة { أَو امرأة } عطف على رجلٌ مقيدٌ بما قُيِّد به أي أو امرأةٌ تورث كذلك ، ولعل فَصْلَ ذكرِها عن ذكره للإيذان بشرفه وأصالتِه في الأحكام { وَلَهُ } أي للرجل ففيه تأكيدٌ للإيذان المذكورِ حيث لم يتعرَّضْ لها بعد جَرَيانِ ذكرِها أيضاً ، وقيل : الضميرُ لكل منهما { أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } أي من الأم فحسب وقد قرىء كذلك فإن أحكامَ بني الأعيانِ والعَلاّتِ هي التي ذُكرت في آخر السورةِ الكريمةِ والجملةُ في محل النصبِ على أنها حالٌ من ضمير يورَث أو من رجلٌ على تقدير كونِ { يُورَثُ } صفةً ، وسيقت لتصوير المسألةِ ، وذكرُ الكَلالةِ لتحقيق جريانِ الحكمِ المذكورِ وإن كان مع مَنْ ذُكر ورَثةٌ أخرى بطريق الكلالة ، وأما جرَيانُه في صورة وجودِ الأمِّ أو الجدةِ مع أن قرابتَهما ليست بطريق الكَلالة فبإجماعٍ { فَلِكُلّ واحد مّنْهُمَا } من الأخ والأختِ { السدس } من غير تفضيلٍ للذكر على الأنثى لأن الإدلأَ إلى الميت بمحض الأنوثة .

(2/46)


{ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك } أي أكثرَ من الأخ أو الأختِ المنفردَيْن بواحد أو بأكثرَ ، والفاءُ لما مر أن ذكرَ احتمالِ الانفرادِ مستتبِعٌ لذكر احتمالِ التعدد { فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثلث } يقتسمونه بالسوية والباقي لبقية الورثةِ من أصحاب الفروضِ والعَصَباتِ . هذا وأما جوازُ أن يكون يُورَث في القراءة المشهورة مبنياً للمفعول من أورث على أن المرادَ به الوراثُ ، والمعنى وإن كان رجلٌ يجعل وارثاً لأجل الكلالةِ أو ذا كلالةٍ أي غيرَ والدٍ أو ولدٍ ، ولذلك الوارث أخٌ أو أختٌ فلكل واحدٍ من ذلك الوارثِ وأخيه أو أختِه السدسُ فإن كانوا أكثرَ من ذلك أي من الاثنين بأن كانوا ثلاثةً أو أكثرَ فهم شركاءُ في الثلث المُوزَّعِ للاثنين لا يزاد عليه شيءٌ فبمعزل من السَّداد ، أما أولاً : فلأن المعتبرَ على ذلك التقديرِ إنما هو الأخوةُ بين الوارثِ وبين شريكِه في الإرث من أخيه أو أختِه لا ما بينه وبين مورِّثه من الأخوة التي عليها يترتبُ حكمُ الإرثِ وبها يتِمُّ تصويرُ المسألةِ ، وإنما المعتبرُ بينهما الوراثةُ بطريق الكلالةِ وهي عامةٌ لجميع صورِ القَراباتِ التي لا تكون بالولادة فلا يكون نصيبُه ولا نصيبُ شريكِه مما ذكر بعينه ، ومن ادَّعى اختصاصَها بالإخوة لأمَ متمسكاً بالإجماع على أن المرادَ بالكلالة هاهنا أولادُ الأمِّ فقد اعترف ببطلان رأيه من حيث لا يحتسب ، كيف لا ومبناه إنما هو الإجماعُ على أن المرادَ بالإخوة في قوله تعالى : { وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } هو الإخوةُ لأم خاصةً حسبما شهِدت به القراءةُ المحْكيةُ والآيةُ الآتيةُ في آخر السورةِ الكريمةِ ، ولولا أن الرجلَ عبارةٌ عن الميت والأُخوّةُ معتبرةٌ بينه وبين ورثتِه لما أمكن كونُ الكلِّ أولادَ الأمِّ ، ثم إن الكلالةَ كما نبّهتُ عليه باقيةٌ على إطلاقها ليس فيها شائبةُ اختصاصٍ بأولاد الأمِّ فضلاً عن الإجماع على ذلك ، وإلا لاقتصر البيانُ على حكم صورةِ انحصارِ الورثةِ فيهم ، وإنما الإجماعُ فيما ذكر من أن المرادَ بالأخ والأختِ مَنْ كان لأمَ خاصةً ، وأنت خبير بأن ذلك في قوة الإجماعِ على أن يُورَثَ من ورِث لا من أَورَثَ فتدبر ، وأما ثانياً : فلأنه يقتضي أن يكون المعتبرُ في استحقاق الورثةِ في الفرض المذكورِ إخوةً بعضَهم لبعض من جهة الأمِّ فقط لما ذُكر من الإجماع مع ثبوت الاستحقاقِ على تقدير الأُخوةِ من الجهتين ، وأما ثالثاً : فلأن حُكمَ صورةِ انفرادِ الوارثِ عن الأخ والأختِ يبقى حينئذ غيرَ مُبيِّنٍ ، وليس من ضرورة كونِ حظِّ كلَ منهما السدسَ عند الإجماع كونُه كذلك عند الانفراد ، ألا يرى أن حظ كلَ من الأختين الثلثُ عند الاجتماعِ والنصفُ عند الانفراد؟ وأما رابعاً : فلأن تخصيصَ أحدِ الورثةِ بالتوريث وجعلَ غيرِه تبعاً له فيه مع اتحادِ الكلِّ في الإدلاءِ إلى المُورِّث مما لا عهدَ به .

(2/47)