صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

« أما إن الله تعالى قد قبِلها منك » قيل : وفيه دَلالةٌ على أن إنفاقَ أحبِّ الأموالِ على أقربِ الأقاربِ أفضلُ . وكتب عمرُ رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعريِّ أن يشتريَ له جاريةً من سبْي جَلولأَ يوم فُتِحت مدائنُ كسرى فلما جاءت إليه أعجبتْه فقال : إن الله تعالى يقول : { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } فأعتقها ، وروي أن عمرَ بنَ عبد العزيز كانت لزوجته جاريةٌ بارعةُ الجمال وكان عمرُ راغباً فيها وكان قد طلبها منها مراراً فلم تُعطِها إياه ، ثم لما وليَ الخِلافةَ زيَّنَتْها وأرسلتها إليه فقالت : قد وهبتُكَها يا أميرَ المؤمنين فلتخدُمْك ، قال : من أين ملكتِها ، قالت : جئتُ بها من بيت أبي عبدِ الملك ، ففتش عن كيفية تملُّكِها إياها ، فقيل : إنه كان على فلانٍ العاملِ ديونٌ فلما تُوفيَ أُخِذت من ترِكَته ، ففتش عن حال العاملِ وأحضر ورثتَه وأرضاهم جميعاً بإعطاء المالِ ثم توجّه إلى الجارية وكان يهواها هوىً شديداً ، فقال : أنت حرةٌ لوجه الله تعالى ، فقالت : لمَ يا أميرَ المؤمنين وقد أزحْتَ عن أمرها كلَّ شُبهة؟ قال : لستُ إذن ممن نهى النفسَ عن الهوى . { وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء } ما شرطيةٌ جازمةٌ لتنفقوا منتصبةٌ به على المفعولية ومن تبعيضيةٌ متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لاسم الشرطِ ، أيْ أيَّ شيءٍ تنفقوا كائناً من الأشياء ، فإن المفردَ في مثل هذا الموضعِ واقعٌ موقعَ الجمعِ ، وقيل : محلُّ الجارِّ والمجرور النصبُ على التمييز أيْ أيَّ شيءٍ تنفقوا طيباً تحبُّونه أو خبيثاً تكرَهونه ، { فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } تعليلٌ لجوابِ الشرطِ واقعٌ موقِعَه ، أي فمجازيكم يحسَبه جيداً كان أو رديئاً فإنه تعالى عليمٌ بكل شيءٍ تُنفِقونه علماً كاملاً بحيث لا يخفى عليه شيءٌ من ذاته وصفاته ، وتقديمُ الجارِّ والمجرور لرعاية الفواصلِ ، وفيه من الترغيب في إنفاق الجيدِ والتحذيرِ عن إنفاق الرديء ما لا يخفى .

(1/418)


كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)

{ كُلُّ الطعام } أي كلُّ أفرادِ المطعوم أو كلُّ أنواعِه { كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل } أي حلالاً لهم ، فإن الحلَّ مصدرٌ نُعت به ، ولذلك استوى فيه الواحدُ والجمعُ والمذكرُ والمؤنث كما في قوله تعالى : { لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ } { إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ } استثناءٌ متصلٌ من اسم كان ، أي كان كلُّ المطعوماتِ حلالاً لبني إسرائيلَ إلا ما حرم إسرائيلُ أي يعقوبُ عليه السلام على نفسه وهو لحومُ الإبلِ وألبانُها ، قيل : كان به وجعُ النَّسا فنذَرَ لئن شُفِيَ لا يأكلُ أحبَّ الطعامِ إليه وكان ذلك أحبَّه إليه ، وقيل : فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباءِ ، واحتج به من جوّز للنبي الاجتهادَ . وللمانع أن يقولَ : كان ذلك بإذنٍ من الله تعالى فيه فهو كتحريمه ابتداءً { مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة } متعلقٌ بقوله تعالى : { كَانَ حِلاًّ } ولا ضيرَ في توسيط الاستثناءِ بينهما ، وقيل : متعلق بحرَّمَ وفيه أن تقييدَ تحريمِه عليه السلام بقَبْلية تنزيلِ التوراة ليس فيه مزيدُ فائدة أي كان ما عدا المستثنى حلالاً لهم قبلَ أن تنزّلَ التوراةُ مشتمِلةً على تحريم ما حُرِّم عليهم لظلمهم وبغيهم عقوبةً لهم وتشديداً وهو ردٌّ على اليهود في دعواهم البراءةَ عما نعى عليهم قولُه تعالى : { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } وقوله تعالى : { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } الآيتين ، بأن قالوا : لسنا أولَ من حُرِّمتْ عليه وإنما كانت محرمةً على نوحٍ وإبراهيمَ ومَنْ بعدَهما حتى انتهى الأمرُ إلينا فحرمت علينا ، وتبكيتٌ لهم في منع النسخِ والطعنِ في دعوى الرسولِ صلى الله عليه وسلم موافقتَه لإبراهيمَ عليه السلام بتحليله لحومِ الإبلِ وألبانِها .
{ قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها } أُمر عليه الصلاة والسلام بأن يُحاجَّهم بكتابهم الناطقِ بأن تحريمَ ما حُرِّم عليهم تحريمٌ حادثٌ مترتِّبٌ على ظلمهم وبغي كلما ارتكبوا معصيةً من المعاصي التي اقترفوها حُرِّم عليهم من الطيبات عقوبةً لهم ، ويكلّفهم إخراجَه وتلاوتَه ليُبَكِّتَهم ويُلقِمَهم الحجَرَ ويُظهرِ كذِبَهم ، وإظهارُ اسم التوراةِ لكون الجملةِ كلاماً مع اليهود منقطعاً عما قبله ، وقوله تعالى : { إِن كُنتُمْ صادقين } أي في دعواكم أنه تحريمٌ قديمٌ ، وجوابُ الشرط محذوفٌ لدلالة المذكورِ عليه أي إن كنتم صادقين فأتوا بالتوراة فاتلوها فإن صدْقَكم مما يدعوكم إلى ذلك اْلبتةَ . روي أنهم لم يجسَروا على إخراج التوراةِ فبُهتوا وانقلبوا صاغرين وفي ذلك من الحجة النيرة على صدق النبيِّ صلى الله عليه وسلم وجوازِ النسخ الذي يجحَدونه ما لا يخفى ، والجملةُ مستأنفةٌ مقرِّرة لما قبلها .

(1/419)


فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)

{ فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب } أي اختلقه عليه سبحانه بزعمه أنه حرَّم ما ذُكر قبل نزولِ التوراةِ على بني إسرائيلَ و ( على ) مَنْ تقدَّمهم من الأمم { مِن بَعْدِ ذلك } من بعد ما ذُكر من أمرهم بإحضار التوراةِ وتلاوتِها وما ترتب عليه من التبكيت والإلزامِ ، والتقييدُ به للدَلالة على كمال القبحِ { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلةِ ، والجمعُ باعتبار معناه كما أن الإفراد في الصلة باعتبار لفظِه ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعدِ منزلتِهم في الضلال والطُغيان ، أي فأولئك المُصِرُّون على الافتراء بعد ما ظهرت حقيقةُ الحال وضاقت عليهم حَلْبةُ المُحاجَّة والجدالِ { هُمُ الظالمون } المفْرِطون في الظلم والعُدوان المُبْعِدون فيهما ، والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مَسوقةٌ من جهته تعالى لبيان كمالِ عُتوِّهم ، وقيل : هي في محل النصبِ داخلةٌ تحت القولِ عطفاً على قوله تعالى : { فَأْتُواْ بالتوراة } { قُلْ صَدَقَ الله } أي ظهر وثبت صِدقُه تعالى فيما أنزل في شأن التحريمِ ، وقيل : في قوله تعالى : { مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا } الخ أو صَدَق في كل شأنٍ من الشؤون وهو داخلٌ في ذلك دخولاً أولياً ، وفيه تعريضٌ بكذبهم الصريح { فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم } أي ملةَ الإسلامِ التي هي في الأصل ملةُ إبراهيمَ عليه السلام فإنكم ما كنتم متّبعين لمِلّته كما تزعُمون ، أو فاتّبعوا مِلَّته حتى تتخلصوا من اليهودية التي اضطَرَّتْكم إلى التحريف والمكابدةِ وتلفيقِ الأكاذيبِ لتسوية الأغراضِ الدنيئةِ الدنيويةِ وألزمتكم تحريمَ طيباتٍ محلَّلةٍ لإبراهيمَ عليه السلام ومن تبِعَه للدَلالة على أن ظهورَ صدقِه تعالى موجبٌ للاتباع وتركِ ما كانوا عليه { حَنِيفاً } أي مائلاً عن الأديان الزائغةِ كلِّها { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } أي في أمر من أمور دينِه أصلاً وفرعاً ، وفيه تعريضٌ بإشراك اليهودِ وتصريحٌ بأنه عليه السلام ليس بينه وبينهم علاقةٌ دينيةٌ قطعاً ، والغرضُ بيانُ أن النبي صلى الله عليه وسلم على دين إبراهيمَ عليه السلام في الأصول لأنه لا يدعو إلا إلى التوحيد والبراءةِ عن كل معبودٍ سواه سبحانه وتعالى ، والجملةُ تذييلٌ لما قبلها .
{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } شروعٌ في بيان كفرِهم ببعضٍ آخرَ من شعائر ملتِه عليه السلام إثرَ بيانِ كفرِهم بكون كلِّ المطعومات حِلاًّ له عليه السلام ، رُوي أنهم قالوا : بيتُ المقدس أعظمُ من الكعبة لأنه مُهاجَرُ الأنبياءِ و ( لكونه ) في الأرض المقدسة ، وقال المسلمون : بل الكعبةُ أعظمُ فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فنزلتْ ، أي إن أولَ بيتٍ وُضع للعبادة وجُعِل مُتعبَّداً لهم ، والواضعُ هو الله تعالى ويؤيِّده القراءةُ على البناء للفاعل ، وقوله تعالى : { لَلَّذِى بِبَكَّةَ } خبرٌ لإن وإنما أُخبر بالمعرفة مع كونِ اسمِها نكرةً لتخصُّصها بسببين : الإضافةِ والوصفِ بالجملة بعدها أي لَلْبيتُ الذي ببكةَ أي فيها ، وفي ترك الموصوفِ من التفخيم ما لا يخفى ، وبكةُ لغةٌ في مكةَ ، فإن العربَ تعاقِبُ بين الباء والميم كما في قولهم : ضربةُ لازبٍ ولازم ، والنميطُ والنبيط في اسم موضعٍ بالدَّهناء ، وقولِهم أمرٌ راتبٌ وراتمٌ وسبّد رأسَه وسمّدها وأغبطت الحمى وأغمطت .

(1/420)


وهي عَلَم للبلد الحرام من بكّة إذا زحَمه لازدحام الناس فيه . وعن قتادة يُبكُّ الناسُ بعضُهم بعضاً أو لأنها تُبكُّ أعناقَ الجبابرة أي تدُقُّها ، لم يقصِدْها جبارٌ إلا قصمَه الله عز وجل ، وقيل : بكةُ اسمٌ لبطن مكةَ ، وقيل : لموضع البيتِ ، وقيل : للمسجد نفسِه ، ومكةُ اسمٌ للبلد كلِّه وأيَّد هذا بأن التَّباكَّ وهو الازدحامُ إنما يقع عند الطوافِ ، وقيل : مكةُ اسمٌ للمسجد والمطاف ، وبكةٌ اسمٌ للبلد لقوله تعالى : { لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً } . روي أنه عليه السلام سُئل عن أول بيتٍ وضع للناس فقال : « المسجدُ الحرام ثم بيتُ المقدس » وسئل : كم بينهما؟ فقال : « أربعون سنة » وقيل : أولُ من بناه إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام وقيل : آدمُ عليه السلام ، وقد استوفينا ما فيه من الأقاويل في سورة البقرة ، وقيل : أولُ بيتٍ وضعَ بالشرف لا بالزمان { مُبَارَكاً } كثيرَ الخير والنفعِ لِمَا يحصُل لمن حجَّه واعتمره واعتكف فيه وطاف حوله من الثواب وتكفيرِ الذنوب ، وهو حال من المستكنّ في الظرف ، لأن التقديرَ للذي ببكةَ هو ، والعاملُ فيه ما قُدّر في الظرف من فعل الاستقرار { وهدى للعالمين } لأنه قبلتُهم ومُتعبَّدُهم ولأن فيه آياتٍ عجيبةً دالةً على عظيم قدرتِه تعالى وبالغِ حكمتِه .

(1/421)


فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)

كما قال : { فِيهِ ءايات بينات } واضحاتٌ كانحراف الطيورِ عن موازاة البيتِ على مدى الأعصارِ ومخالطةِ ضواري السباعِ الصيودَ في الحرم من غير تعرُّضٍ لها ، وقهر الله تعالى لكل جبارٍ قصَده بسوء كأصحاب الفيل ، والجملةُ مفسرةٌ للهدى أو حالٌ أخرى { مَّقَامِ إبراهيم } أي أثرُ قدميه عليه السلام في الصخرة التي كان عليه السلام يقوم عليها وقتَ رفعِ الحجارةِ لبناء الكعبةِ عند ارتفاعِه أو عند غسلِ رأسِه على ما رُوي أنه عليه السلام جاء زائراً من الشام إلى مكةَ فقالت له امرأةُ إسماعيلَ عليه السلام : انزلْ حتى أغسِلَ رأسَك فلم ينزِل فجاءته بهذا الحجرِ فوضعتْه على شقه الأيمنِ فوضع قدمَه عليه حتى غسَلت شِقَّ رأسِه ثم حولتْه إلى شقه الأيسرِ حتى غسلت الشِقَّ الآخَرَ فبقيَ أثرُ قدميه عليه . وهو إما مبتدأٌ حُذف خبرُه أي منها مقامُ إبراهيمَ أو بدلٌ من آياتٌ بدلَ البعضِ من الكل ، أو عطفُ بيانٍ إما وحدَه باعتبار كونِه بمنزلة آياتٍ كثيرةٍ لظهور شأنِه وقوةِ دَلالتِه على قدرة الله تعالى وعلى نبوة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى : { إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا } أو باعتبار اشتمالِه على آياتٍ كثيرةٍ فإن كلَّ واحدٍ من أثر قدميه في صخرةٍ صمَّاءَ وغوْصِه فيها إلى الكعبين وإلانةِ بعضِ الصخور دون بعضٍ وإبقائِه دون سائرِ آياتِ الأنبياءِ عليهم السلام وحفظِه مع كثرة الأعداءِ ألفَ سنةٍ آيةٌ مستقلةٌ ، ويؤيده القراءةُ على التوحيد . وإما بما يفهم من قوله عز وجل : { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } فإنه وإن كان جملةً مستأنفةً ابتدائيةً أو شرطيةً لكنها في قوةِ أن يقال : وأَمِنَ مَنْ دَخَله فتكون بحسب المعنى والمآلِ معطوفةً على مقامُ إبراهيمَ ، ولا يخفى أن الأثنينِ نوعٌ من الجمع فيكتفى بذلك أو يحملُ على أنه ذُكر من تلك الآياتِ اثنتان وطُويَ ذكرُ ما عداهما دَلالةً على كثرتها ومعنى أمْنِ داخلِه أمنُه من التعرُّض له كما في قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ } وذلك بدعوة إبراهيمَ عليه السلام : { رَبّ اجعل هذا البلد امِنًا } وكان الرجلُ لوْ جَرَّ كلَّ جريرةٍ ثم لجأ إلى الحرم لم يُطلب . وعن عمرَ رضي الله عنه لو ظفِرتُ فيه بقاتل الخطابِ ما مسَسْتُه حتى يخرُجَ منه . ولذلك قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : من لزِمه القتلُ في الحِلّ بقصاص أو رِدَّةً أو زنىً فالتجأ إلى الحرم لم يُتعرَّضْ له إلا أنه لا يؤوى ولا يُطْعم ولا يسقى ولا يُبايَع حتى يُضْطَرَّ إلى الخروج . وقيل : أمنُه من النار . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « من مات في أحد الحرَمين بُعث يومَ القيامة آمِناً » وعنه عليه الصلاة والسلام :

(1/422)


« الحَجونُ والبقيعُ يؤخذ بأطرافهما ويُنثرَانِ في الجنة » وهما مقبرتا مكةَ والمدينة وعن ابن مسعود رضي الله عنه : وقف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ثنيّة الحَجونِ وليس بها يومئذ مقبرَةٌ فقال : « يبعث الله تعالى من هذه البقعةِ ومن هذا الحرَم كلِّه سبعين ألفاً وجوهُهم كالقمر ليلةَ البدر يدخُلون الجنة بغير حساب يشفعُ كلُّ واحدٍ منهم في سبعين ألفاً وجوهُهم كالقمر ليلة البدر » وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « من صَبَر على حرَّ مكةَ ساعةً من نهار تباعدت عنه جهنمُ مسيرةَ مائتي عام »
{ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } جملةٌ من مبتدإٍ هو حِجُّ البيت وخبرٍ هو لله ، وقولُه تعالى : { عَلَى الناس } متعلقٌ بما تعلق به الخبرُ من الاستقرار أو بمحذوفٍ هو حالٌ من الضمير المستكنِّ في الجار ، والعاملُ فيه ذلك الاستقرارُ ويجوز أن يكونَ { عَلَى الناس } هو الخبرُ ولله متعلقٌ بما تعلق به الخبرُ ، ولا سبيل إلى أن يتعلقَ بمحذوفٍ هو حالٌ من الضمير المستكن في على الناس لاستزامه تقديمَ الحالِ على العامل المعنوي وذلك مما لا مساغَ له عند الجمهور وقد جوّزه ابنُ مالكٍ إذا كانت هي ظرفاً أو حرفَ جر وعاملُها كذلك ، بخلاف الظرف وحرف الجر فإنهما يتقدمان على عاملهما المعنوي ، واللامُ في البيت للعهد ، وحجُّه قصْدُه للزيارة على الوجه المخصوص المعهود ، وكسر الحاء لغةُ نجدٍ ، وقيل : هو اسمٌ للمصدر ، وقرىء بفتحها { مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } في محل الجرِّ على أنه بدلٌ من الناس بدلَ البعضِ من الكل مخصِّصٌ لعمومه ، فالضميرُ العائد إلى المُبدْل منه محذوفٌ أي من استطاع منهم ، وقيل : بدلَ الكلِّ على أن المرادَ بالناس هو البعضُ المستطيعُ فلا حاجةَ إلى الضمير ، وقيل : في محل الرفعِ على أنه خبرُ مبتدإٍ مضمرٍ ، أي هم من استطاع الخ ، وقيل : في حيز النصبِ بتقدير أعني ، وقيل : كلمةُ { مِنْ } شرطيةٌ والجزاءُ محذوفٌ لدَلالة المذكور عليه وكذا العائدُ إلى الناس أي من استطاع منهم إليه سبيلاً فلله عليه حِجُّ البيت ، وقد رُجِّحَ هذا بكون من بعده شرطية ، والضميرُ المجرورُ في إليه راجعٌ إلى البيت أو إلى حِجّ ، والجارُّ متعلقٌ بالسبيل ، قُدِّم عليه اهتماماً بشأنه كما في قوله عز وجل : { فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ } و { هَلْ إلى مَرَدّ مّن سَبِيلٍ } لما فيه من معنى الإفضاءِ والإيصالِ ، كيف لا وهو عبارةٌ عن الوسيلة من مال أو غيرِه فإنه قد روى أنسُ بنُ مالكٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « السبيلُ الزادُ والراحلة » وروى ابنُ عمرَ رضي الله عنهما أن رجلاً قال : يا رسول الله ما السبيلُ؟ قال : « الزادُ والراحلة » وهو المراد بما رُوي أنه عليه السلام فسَّر الاستطاعةَ بالزاد والراحلة وهكذا رُوي عن ابن عباسٍ وابنِ عمرَ رضي الله عنهم وعليه أكثرُ العلماء خلا أن الشافعيَّ أخذ بظاهره فأوجب الاستنابةَ على الزَّمِنِ القادر على أُجرة مَنْ ينوب عنه ، والظاهرُ أن عدمَ تعرُّضِه عليه السلام لصِحة البدنِ لظهور الأمر ، كيف لا والمفسَّرُ في الحقيقة هو السبيلُ الموصِلُ لنفس المستطيع إلى البيت وذا لا يُتصوَّرُ بدون الصِحة .

(1/423)


قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98)

{ قُلْ ياأهل الكتاب } هم اليهودُ والنصارى وإنما خُوطبوا بعنوان أهليةِ الكتابِ الموجبةِ للإيمان به وبما يصدّقه من القرآن العظيمِ مبالغةً في تقبيح حالِهم في كفرهم بها وقوله عز وجل : { لِمَ تَكْفُرُونَ بئيات الله } توبيخٌ وإنكارٌ لأن يكون لكفرهم بها سببٌ من الأسباب وتحقيقٌ لما يوجِبُ الاجتنابَ عنه بالكلية ، والمرادُ بآياته تعالى ما يعُمُّ الآياتِ القرآنيةَ التي من جملتها ما تُليَ في شأن الحجِّ وغيرِه وما في التوراة والأنجيلِ من شواهد نبوَّتِه عليه السلام ، وقولُه تعالى : { والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } حال من فاعل تكفُرون مفيدةٌ لتشديد التوبيخِ وتأكيدِ الإنكار ، وإظهارُ الجلالةِ في موقع الإضمارِ لتربية المهابةِ وتهويلِ الخطبِ ، وصيغةُ المبالغةِ في شهيدٌ للتشديد في الوعيد ، وكلمةُ { مَا } إما عبارةٌ عن كفرهم أو هي على عمومها وهو داخلٌ فيها دُخولاً أولياً ، والمعنى لأي سبب تكفُرون بآياته عز وعلا؟ والحالُ أنه تعالى مبالِغٌ في الاطلاع على جميع أعمالِكم وفي مجازاتكم عليها ولا ريبَ في أن ذلك يسُدُّ جميعَ أنحاءِ ما تأتونه ويقطع أسبابَه بالكلية .

(1/424)


قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)

{ قُلْ ياأهل الكتاب } أمرٌ بتوبيخهم بالإضلال إثرَ توبيخِهم بالضلال ، والتكريرُ للمبالغة في حمله عليه السلام على تقريعهم وتوبيخِهم ، وتركُ عطفِه على الأمر السابقِ للإيذان باستقلالهم كما أن قطْعَ قولِه تعالى : { لِمَ تَصُدُّونَ } عن قوله تعالى : { لِمَ تَكْفُرُونَ } للإشعار بأن كلَّ واحدٍ من كُفرهم وصدِّهم شناعةٌ على حيالها مستقِلةٌ في استتباع اللائمةِ والتقريعِ ، وتكريرُ الخطابِ بعنوان أهليةِ الكتابِ لتأكيد الاستقلالِ وتشديدِ التشنيع فإن ذلك العنوانَ كما يستدعي الإيمانَ بما هو مصدِّقٌ لما معهم يستدعي ترغيبَ الناسِ فيه ، فصدُّهم عنه في أقصى مراتبِ القَباحةِ ولكون صدِّهم في بعض الصورِ بتحريف الكتابِ والكفرِ بالآياتِ الدالةِ على نبُوَّته عليه السلام ، وقرىء تُصِدّون من أصَدَّه { عَن سَبِيلِ الله } أي دينِه الحقِّ الموصلِ إلى السعادة الأبدية ، وهو التوحيدُ وملةُ الإسلام { مَنْ ءامَنَ } مفعول لتصُدُّون قُدِّم عليه الجارُّ والمجرورُ للاهتمام به . كانوا يفتِنون المؤمنين ويحتالون لصدهم عنه ويمنعون من أراد الدخولَ فيه بجُهدهم ، ويقولون : إن صفتَه عليه السلام ليست في كتابهم ولا تقدّمت البِشارةُ به عندهم ، وقيل : أتت اليهودُ الأوسَ والخزرجَ فذكّروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروبِ ليعودا إلى ما كانوا فيه { تَبْغُونَهَا } على إسقاط الجارِّ وإيصالِ الفعل إلى الضمير كما في قوله :
فتولى غلامُهم ثم نادى ... أظليماً أصيدُكم أم حمارا
بمعنى أصيدُ لكم أي تطلُبون لسبيل الله التي هي أقومُ السبل { عِوَجَا } اعوجاجاً بأن تَلْبِسوا على الناس وتُوهِموا أن فيه ميلاً عن الحق بنفي النسخِ وتغييرِ صفةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك . والجملةُ حالٌ من فاعل تصُدّون وقيل : من سبيل الله { وَأَنْتُمْ شُهَدَاء } حالٌ من فاعل تصُدون باعتبار تقييدِه بالحال الأولى أو من فاعل تبغونها أي والحالُ أنكم شهداءُ تشهدون بأنها سبيلُ الله لا يحوم حولَها شائبةُ اعوجاجٍ وأن الصدَّ عنها إضلالٌ قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي شهداءُ ( على ) أن في التوراة إن دينَ الله الذي لا يُقبل غيرُه هو الإسلامُ أو وأنتم عدولٌ فيما بينكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا وعظائمِ الأمور { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } اعتراضٌ تذييليٌ فيه تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ ، قيل : لما كان صدُّهم للمؤمنين بطريق الخُفْية خُتمت الآيةُ الكريمة بما يحسِمُ مادةَ حيلتهم من إحاطة علمِه تعالى بأعمالهم كما أن كفرَهم بآياتِ الله تعالى لمّا كان بطريق العلانيةِ خُتمت الآية السابقةُ بشهادته تعالى على ما يعملون .

(1/425)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)

{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى المؤمنين تحذيراً لهم عن طاعة أهلِ الكتابِ والافتتانِ بفتنتهم إثرَ توبيخِهم بالإغواء والإضلالِ ردعاً لهم عن ذلك ، وتعليقُ الردِّ بطاعة فريقٍ منهم للمبالغة في التحذير عن طاعتهم وإيجابِ الاجتنابِ عن مصاحبتهم بالكلية فإنه في قوة أن يُقال : لا تُطيعوا فريقاً الخ ، كما أن تعميمَ التوبيخِ فيما قبله للمبالغة في الزجر أو للمحافظة على سبب النزولِ فإنه رُوي أن نفراً من الأوس والخزرج كانوا جُلوساً يتحدثون فمرّ بهم شاسُ بنُ قيسٍ اليهوديُّ وكان عظيمَ الكفرِ شديدَ الحسَدِ للمسلمين فغاظه ما رأى منهم من تآلُفِ القلوبِ واتحادِ الكلمةِ واجتماعِ الرأي بعد ما كان بينهم ما كان من العداوة والشنَآنِ ، فأمر شاباً يهودياً كان معه بأن يجلِسَ إليهم ويذكِّرَهم يوم بُعاثَ وكان ذلك يوماً عظيماً اقتتل فيه الحيانِ وكان الظفرُ فيه للأوس ويُنشِدُهم ما قيل فيه من الأشعار ففعل فتفاخرَ القومُ وتغاضبوا حتى تواثبوا وقالوا : السلاحَ السلاحَ فاجتمع من القبيلتين خلقٌ عظيم فعند ذلك جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابُه فقال : « أتدْعون الجاهليةَ وأنا بين أظهُرِكم بعد أن أكرمكم الله تعالى بالإسلام وقطع به عنكم أمرَ الجاهلية وألَّف بينكم؟ » فعلِموا أنها نزعةٌ من الشيطان وكيدٌ من عدوهم فألقَوُا السلاح واستغفروا وعانق بعضُهم بعضاً ، وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الإمامُ الواحديُّ : اصطفوا للقتال فنزلت الآيةُ إلى قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام بين الصفَّيْن فقرأهنّ ورفعَ صوتَه فلما سمعوا صوتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنصَتوا له وجعلوا يستمعون له فلما فرَغ ألقَوا السلاح وعانق بعضُهم بعضاً وجعلوا يبكون . وقوله تعالى : { كافرين } إما مفعولٌ ثانٍ ليردُّوكم ، على تضمين الردِّ معنى التصيير كما في قوله :
رمى الحِدْثانُ نسوةَ آلِ سعد ... بمقدار سمَدْن له سُمودا
فردَّ شعورَهن السودَ بِيضا ... ورد وجوهَهن البيضَ سودا
أو حالٌ من مفعوله ، والأول أدخَلُ في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى الكفر لما فيه من التصريح بكون الكفرِ المفروضِ بطريق القسر ، وإيرادُ الظرفِ مع عدم الحاجةِ إليه ضرورةَ سبقِ الخطابِ بعنوان المؤمنين واستحالةِ تحققِ الردِّ إلى الكفر بدون سبْقِ الإيمانِ مع توسيطه بين المفعولين لإظهار كمالِ شناعةِ الكفرِ وغايةِ بُعدِه من الوقوع إما لزيادة قُبحِه الصارفِ العاقلِ عن مباشرته أو لممانعة الإيمانِ له كأنه قيل : بعد إيمانِكم الراسخِ وفيه من تثبيت المؤمنين ما لا يخفى .

(1/426)


وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)

{ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ } استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى إنكارِ الوقوعِ كما في قوله تعالى : { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ } الخ لا بمعنى إنكار الواقعِ كما في قوله تعالى : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا } الخ وفي توجيه الإنكارِ والاستبعادِ إلى كيفية الكفرِ من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقال : أتكفرون؟ لأن كلَّ موجودٍ لا بد أن يكون وجودُه على حال من الأحوال فإذا أُنكِرَ ونُفيَ جميعُ أحوالِ وجودِه فقد انتفى وجودُه بالكلية على الطريق البرهاني وقوله تعالى : { وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ آيات الله } جملةٌ وقعتْ حالاً من ضمير المخاطَبين في تكفُرون مؤكِّدةٌ للإنكار والاستبعادِ بما فيها من الشؤون الداعيةِ إلى الثبات على الإيمان ، الرادعةِ عن الكفر ، وقوله تعالى : { وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } معطوفٌ عليها داخلٌ في حكمها فإن تلاوةَ آياتِ الله تعالى عليهم وكونَ رسولِه عليه الصلاة والسلام بين أظهُرِهم يعلِّمهم الكتابَ والحِكمةَ ويزكِّيهم بتحقيق الحقِّ وإزاحةِ الشُّبَهِ من أقوى الزواجر عن الكفر ، وعدمُ إسنادِ التلاوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للإيذان باستقلالِ كلَ منهما في الباب .
{ وَمَن يَعْتَصِم بالله } أي ومن يتمسَّكْ بدينه الحقِّ الذي بيَّنه على لسان رسولِه عليه الصلاة والسلام وهو الإسلامُ والتوحيدُ المعبَّرُ عنه فيما سبق بسبيل الله { فَقَدْ هُدِىَ } جوابٌ للشرط وقد لإفادة معنى التحقيقِ كأن الهدى قد حصل فهو يُخْبَر عنه حاصلاً ، ومعنى التوقُّع فيه ظاهرٌ فإن المعتصم به تعالى متوقع للهدى كما أن قاصدَ الكريم متوقّعٌ للندى { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } موصلٍ إلى المطلوب ، والتنوينُ للتفخيم ، والوصفُ بالاستقامة للتصريح بالرد على الذين يبغون له عوجاً ، وهذا وإن كان هو دينَه الحقَّ في الحقيقة والاهتداءُ إليه هو الاعتصامُ به بعينه لكن لمّا اختلف الاعتبارانِ وكان العنوانُ الأخيرُ مما يتنافس فيه المتنافسون أُبرز في معرِض الجوابِ للحثّ والترغيب ، على طريقة قولِه تعالى : { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ . } تكريرُ الخطابِ بعنوان الإيمانِ تشريفٌ إثرَ تشريفٍ { اتقوا الله } الاتقاءُ افتعالٌ من الوقاية وهي فرْطُ الصيانة { حَقَّ تُقَاتِهِ } أي حقَّ تقواه وما يجب منها وهو استفراغُ الوُسعِ في القيام بالموَاجب والاجتنابِ عن المحارم كما في قوله تعالى : { فاتقوا الله مَا استطعتم } وعن ابن مسعود رضي الله عنه : «هو أن يُطاعَ ولا يعصى ويُذكرَ ولا يُنْسَى ويُشكَرَ ولا يُكْفَرَ» وقد روي مرفوعاً إليه عليه السلام . وقيل : هو أن لا تأخُذَه في الله لومةُ لائمٍ ويقومَ بالقسط ولو على نفسه أو ابنِه أو أبيه . وقيل : وهو أن يُنزِّهَ الطاعةَ عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاةِ ، وقد مر تحقيقُ الحقِّ في ذلك عند قوله عز وجل : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } والتقاةُ مِن اتقى كالتُّؤَدة من اتّأَدَ ، وأصلها وُقْيَة قلبت واوُها المضمومةُ تاءً كما في تُهمة وتُخمة وياؤها المفتوحة ألفاً .

(1/427)


{ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } أي مُخلصون نفوسَكم لله تعالى لا تجعلون فيها شِرْكةً لما سواه أصلاً كما في قوله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله } وهو استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال أي لا تموتُنَّ على حال من الأحوال إلا حالَ تحققِ إسلامِكم وثباتِكم عليه كما تنبىء عنه الجملةُ الاسميةُ ، ولو قيل : إلا مسلمين لم يُفِدْ بفائدتها . والعاملُ في الحال ما قبل { إِلا } بعد النقض ، وظاهرُ النظمِ الكريم وإن كان نهياً عن الموت المقيَّد بقيدٍ هو الكونُ على أي حالٍ غيرِ حالِ الإسلام لكنَّ المقصودَ هو النهيُ عن ذلك القيدِ عند الموتِ المستلزمِ للأمر بضده الذي هو الكونُ على حال الإسلامِ حينئذ ، وحيث كان الخطابُ للمؤمنين كان المرادُ إيجابَ الثباتِ على الإسلام إلى الموت ، وتوجيهُ النهي إلى الموت للمبالغة في النهي عن قيده المذكورِ ، فإن النهيَ عن القيَّد في أمثاله نهيٌ عن القيد ورفعٌ له من أصله بالكلية ، مفيدٌ لما لا يفيده النهيُ عن نفس القيدِ ، فإن قولَك : لا تُصلِّ إلا وأنت خاشعٌ يفيد في المبالغة في إيجاب الخشوعِ في الصلاة ما لا يفيده قولُك : لا تترُكِ الخشوعِ في الصلاة ، لما أن هذا نهيٌ عن ترك الخشوعِ فقط وذاك نهيٌ عنه وعما يقارِنُه ومفيدٌ لكون الخشوعِ هو العمدةَ في الصلاة وأن الصلاةَ بدونه حقُّها أن لا تُفعل ، وفيه نوعُ تحذيرٍ عما وراءَ الموتِ .

(1/428)


وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)

وقوله عز وجل : { واعتصموا بِحَبْلِ الله } أي بدين الإسلامِ أو بكتابه لقوله عليه الصلاة والسلام : « القرآنُ حبلُ الله المتينُ لا تنقضي عجائبُه ولا يخلَقُ من كثرة الردِّ ، مَنْ قال به صدَقَ ، ومن عمِل به رَشَد ، ومن اعتصم به هُديَ إلى صراط مستقيم » إما تمثيلٌ للحالة الحاصلةِ من استظهارهم به ووثوقِهم بحمايته بالحالة الحاصلةِ من تمسك المتدلي من مكان رفيعٍ بحبل وثيقٍ مأمونِ الانقطاعِ من غير اعتبار مجازٍ في المفردات ، وإما استعارةٌ للحبل لما ذُكر من الدين أو الكتابِ أو الاعتصامِ ترشيحٌ لها أو مستعارٌ للوثوق به والاعتمادِ عليه { جَمِيعاً } حال من فاعل اعتصموا أي مجتمعين في الاعتصام { وَلاَ تَفَرَّقُواْ } أي لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلافِ بينكم كأهل الكتابِ أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضُكم بعضاً أو لا تُحدِثوا ما يوجب التفرقَ ويُزيل الأُلفةَ التي أنتم عليها { واذكروا نِعْمَةَ الله } مصدر مضافٌ إلى الفاعل ، وقولُه تعالى : { عَلَيْكُمْ } متعلق به أو بمحذوف وقع حالاً منه وقوله تعالى : { إِذْ كُنتُم } ظرفٌ له أو للاستقرار في عليكم أي اذكروا إنعامَه عليكم أوِ اذْكُروا إنعامَه مستقِراً عليكم وقت كونِكم { أَعْدَاء } في الجاهلية بينكم الإحَنُ والعداواتُ والحروبُ المتواصلة ، وقيل : هم الأوسُ والخزرجُ كانا أخوَين لأب وأمٍ فوقعت بين أولادِهما العداوةُ والبغضاءُ وتطاولت الحروبُ فيما بينهم مائةً وعشرين سنةً { فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } بتوفيقكم للإسلام { فَأَصْبَحْتُم } أي فصِرْتم { بِنِعْمَتِهِ } التي هي ذلك التأليفُ { إِخْوَانًا } خبرُ أصبحتم أي إخواناً متحابّين مجتمعين على الأُخوّة في الله متراحمين متناصحين متفقين على كلمة الحقِّ وقيل : معنى فأصبحتم فدخلتم في الصباح فالباء حينئذ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من الفاعل وكذا إخواناً أي فأصبحتم ملتبسين حالَ كونِكم إخواناً .
{ وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار } شفا الحفرةِ وشفَتُها حَرْفها أي كنتم مشرفين على الوقوع في نار جهنَّم لكفركم إذ لو أدرككم الموتُ على تلك الحالةِ لوقعتم فيها { فَأَنقَذَكُمْ } بأن هداكم للإسلام { مِنْهَا } الضميرُ للحفرة أو للنار أو للشَفا والتأنيثُ للمضاف إليه كما في قوله :
كما شرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ ... أو لأنه بمعنى الشَّفة فإن شَفا البئرِ وشفَتَها جانبُها كالجانب والجانبة ، وأصلُه شَفَوٌ قلبت الواوُ ألفاً في المذكر وحذفت في المؤنث { كذلك } إشارةٌ إلى مصدر الفعل الذي بعده ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجةِ المشارِ إليه وبُعدِ منزلتِه في الفضل وكمالِ تميُّزِه به عما عداه وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهَدة ، والكافُ مقحمةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة ومحلُّها النصبُ على أنها صفةٌ لمصدر محذوف أي مثلَ ذلك التبيينِ الواضحِ { يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته } أي دلائلَه { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } طلباً لثباتكم على الهدى وازديادِكم فيه .

(1/429)


وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)

{ وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير } أمرهم الله سبحانه بتكميل الغير وإرشادِه إثرَ أمرِهم بتكميل النفس وتهذيبِها بما قبله من الأوامر والنواهي تثبيتاً للكل على مراعاة ما فيها من الأحكام بأن يقومَ بعضُهم بمواجبها ويحافظَ على حقوقها وحدودِها ويذكرَها الناسَ كافةً ويردَعَهم عن الإخلال بها ، والجمهورُ على إسكان لامِ الأمرِ ، وقرىء بكسرها على الأصل وهو من كان التامة ومِنْ تبعيضيةٌ متعلقةٌ بالأمر أو بمحذوف وقع حالاً من الفاعل وهو { أُمَّةٍ } ويدْعون صفتُها أي لِتوجَدْ منكم أمةٌ داعيةٌ إلى الخير ، والأمةُ هي الجماعةُ التي يؤُمُّها فِرَقُ الناسِ أي يقصِدونها ويقتدون بها ، أو من الناقصة وأمةٌ اسمُها ويدْعون خبرُها ، أي لتكن منكم أمةٌ داعين إلى الخير وأياً ما كان فتوجيهُ الخطابِ إلى الكل مع إسناد الدعوةِ إلى البعض لتحقيق معنى فرضيّتِها على الكفاية وأنها واجبةٌ على الكل لكن بحيث إنْ أقامها البعضُ سقطت عن الباقين ، ولو أخل بها الكلُّ أثِموا جميعاً لا بحيث يتحتّم على الكل إقامتُها على ما يُنبىء عنه قولُه عز وجل : { وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } الآية ، ولأنها من عظائم الأمورِ وعزائمِها التي لا يتولاها إلا العلماءُ بأحكامه تعالى ومراتبِ الاحتساب وكيفية إقامتِها ، فإن من لا يعلمُها يوشِكُ أن يأمرَ بمنكر وينهى عن معروف ويُغلِظَ في مقام اللينِ ويُلينَ في مقام الغِلْظة وينكِرَ على من لا يزيده الإنكارُ إلا التماديَ والإصرارَ ، وقيل : مِنْ بيانية كما في قوله تعالى : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم } الآية ، والأمرُ من كان الناقصة والمعنى كونوا أمةً تدعون الآية كقوله تعالى : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } الآية ، ولا يقتضي ذلك كونَ الدعوةِ فرضَ عينٍ ، فإن الجهادَ من فروض الكفايةِ مع ثبوته بالخطاب العامِّ ، والدعاءُ إلى الخير عبارةٌ عن الدعاء إلى ما فيه صلاحٌ دينيٌّ أو دنيويٌّ ، فعطفُ الأمرِ بالمعروف والنهْيِ عن المنكر عليه بقوله تعالى : { وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } مع اندراجهما فيه من باب عطفِ الخاصِّ على العامّ لإظهار فضلِهما وعلوِّهما على سائر الخيراتِ كعطف جبريلَ وميكالَ على الملائكة عليهم السلام ، وحذْفُ المفعولِ الصريحِ من الأفعال الثلاثة إما للإيذان بظهوره أي يدْعون الناسَ ويأمُرونهم وينهَوُنهم وإما القصدِ إلى إيجاد نفسِ الفعل كما في قولك : فلان يعطي ويمنع أي يفعلون الدعاءَ إلى الخير والأمرَ بالمعروف والنهْيَ عن المنكر { وَأُوْلئِكَ } إشارةٌ إلى الأمة المذكورة باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من النعوت الفاضلةِ وكمالِ تميُّزِهم بذلك عمنْ عداهم وانتظامِهم بسببه في سلك الأمور المشاهَدة ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعلو طبقتِهم وبُعدِ منزلتِهم في الفضل ، والإفرادُ في كاف الخطابِ إما لأن المخاطَب كلُّ من يصلُح للخطاب وإما لأن التعيينَ غيرُ مقصودٍ ، أي أولئك الموصوفون بتلك الصفاتِ الكاملة { هُمُ المفلحون } أي هم الأحِقاءُ بكمال الفلاحِ ، وهم ضميرُ فصلٍ يفصِلُ بين الخبر والصفةِ ويؤكد النسبةَ ويفيد اختصاصَ المسندِ بالمسند إليه أو مبتدأٌ خبرُه المفلحون والجملةُ خبرٌ لأولئك ، وتعريفُ { المفلحون } إما للعهد أو للإشارة إلى ما يعرِفُه كلُّ أحدٍ من حقيقة المفلحين .

(1/430)


روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سُئل عن خير الناسِ فقال : " آمَرُهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلُهم للرحم " وعنه عليه السلام : " مَنْ أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفةُ الله في أرضه وخليفةُ رسولِه وخليفةُ كتابِه " وعنه عليه السلام : " والذي نفسي بِيَدِهِ لتأمُرُنّ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنَّ الله أن يَبْعَثَ عَلَيْكُم عذاباً من عنده ثم لتَدْعُنَّه فلا يُستجاب لكم " وعن علي رضي الله عنه : «أفضلُ الجهادِ الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر ، ومن شنَأَ الفاسقين وغضِب لله غضِبَ الله له» والأمرُ بالمعروف في الوجوب والندبِ تابعٌ للمأمور به ، وأما النهيُ عن المنكر فواجبٌ كلُّه فإن جميعَ ما أنكره الشرعُ حرامٌ والعاصي يجب عليه النهيُ عما ارتكبه إذ يجب عليه تركُه وإنكارُه فلا يسقط بترك أحدِهما وجوبُ شيءٍ منهما ، والتوبيخُ في قوله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } إنما هو على نسيان أنفسِهم لا على أمرهم بالبر ، وعن السلف مُروا بالخير وإن لم تفعلوا .

(1/431)


وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)

{ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ } هم أهلُ الكتابين حيث تفرقت اليهودُ فِرَقاً والنصارى فِرَقاً { واختلفوا } باستخراج التأويلاتِ الزائغةِ وكتمِ الآياتِ الناطقةِ وتحريفِها بما أخلدوا إليه من حُطام الدنيا الدنيئة { مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات } أي الآياتُ الواضحةُ المبينةُ للحق للاتفاق عليه واتحادِ الكلمة ، فالنهيُ متوجهٌ إلى المتصدِّين للدعوة أصالةً وإلى أعقابهم تَبَعاً ، ويجوز تعميمُ الموصولِ للمختلِفين من الأمم السالفةِ المشارِ إليهم بقوله عز وجل : { وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } وقيل : هم المبتدِعة من هذه الأمة ، وقيل : هم الحرَورية وعلى كل تقدير فالمنهيُّ عنه إنما هو الاختلافُ في الأصول دون الفروعِ إلا أن يكون مخالفاً للنصوص البيِّنة أو الإجماعِ لقوله عليه الصلاة والسلام : « اختلافُ أمتي رحمةٌ » وقولِه عليه السلام : « من اجتهد فأصاب فله أجرانِ ومن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ »
{ وَأُوْلئِكَ } إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بما في حيز الصلة وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى : { لَهُمْ } خبرُه وقوله تعالى : { عَذَابٌ عظِيمٌ } مرتفع بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ ، أو مبتدأٌ والظرفُ خبرُه والجملة خبر للمبتدأ الأول . وفيه من التأكيد والمبالغةِ في وعيد المتفرِّقين والتشديدِ في تهديدِ المشبَّهين بهم ما لا يخفى .

(1/432)


يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108)

{ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ } أي وجوه كثيرةٌ وقرىء تبياضُّ { وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } كثيرة وقرىء تسْوادُّ ، وعن عطاءٍ تبيضُّ وجوهُ المهاجرين والأنصارِ وتسْوَدّ وجوهُ بني قرَيظةَ والنَّضير . ويومَ منصوبٌ على أنه ظرفٌ للاستقرار في لهم أي لثبوت العذابِ العظيمِ لهم ، أو على أنه مفعولٌ لمضمر خوطب به المؤمنون تحذيراً لهم عن عاقبة التفرقِ بعد مجيءِ البيناتِ ، وترغيباً في الاتفاق على التمسك بالدين أي اذكُروا يوم تبيض الخ وبياضُ الوجهِ وسوادُه كنايتان عن ظهور بهجةِ السرورِ وكآبةِ الخوفِ فيه ، وقيل : يوسَمُ أهلُ الحقِّ ببياض الوجهِ والصحيفةِ وإشراقِ البَشرَة وسعْيِ النورِ بين يديه وبيمينه ، وأهلُ الباطلِ بأضداد ذلك { فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ } تفصيلٌ لأحوال الفريقين بعد الإشارةِ إليها إجمالاً ، وتقديمُ بيانِ هؤلاءِ لما أن المَقام مقامُ التحذيرِ عن التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين الإجمال والتفصيلِ والإفضاءِ إلى ختم الكلامِ بحسن حالِ المؤمنين كما بُدىء بذلك عند الإجمالِ { أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم } على إرادة القولِ أي فيقال لهم ذلك ، والهمزةُ للتوبيخ والتعجيبِ من حالهم ، والظاهرُ أنهم أهلُ الكتابين وكفرُهم بعد إيمانِهم كفرُهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إيمانِ أسلافِهم أو إيمانِ أنفسِهم به قبل مبعثِه عليه الصلاة والسلام ، أو جميعُ الكفرة حيث كفروا بعد ما أقروا بالتوحيد يومَ الميثاقِ أو بعد ما تمكنوا من الإيمان بالنظر الصحيحِ والدلائلِ الواضحةِ والآياتِ البينةِ ، وقيل : المرتدون ، وقيل : أهلُ البدعِ والأهواءِ والفاء في قوله عز وعلا : { فَذُوقُواْ العذاب } أي العذابَ المعهودَ الموصوفَ بالعِظَم للدِلالة على أن الأمرَ بذَوْق العذابِ على طريق الإهانةِ مترتبٌ على كفرهم المذكورِ كما أن قوله تعالى : { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } صريحٌ في أن نفسَ الذوْقِ معلَّلٌ بذلك ، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبلِ للدَلالةِ على استمرار كفرِهم أو على مُضيِّه في الدنيا { وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الله } أعني الجنةَ والنعيمَ المخلِّدَ ، عُبِّر عنها بالرحمة تنبيهاً على أن المؤمنَ وإن استغرق عمرَه في طاعة الله تعالى فإنه لا يدخُل الجنةَ إلا برحمته تعالى ، وقرىء ابياضَّتْ كما قرىء اسوادَّتْ { هُمْ فِيهَا خالدون } استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من السياق كأنه قيل : كيف يكونون فيها؟ فقيل : هم فيها خالدون لا يظعَنون عنها ولا يموتون . وتقديمُ الظرفِ للمحافظة على رؤوس الآي { تِلْكَ } إشارةٌ إلى الآيات المشتملةِ على تنعيم الأبرارِ وتعذيبِ الكفارِ ، ومعنى البُعدِ للإيذان بعلو شأنِها وسُمّو مكانِها في الشرف وهو مبتدأ وقوله تعالى : { آيات الله } خبرُه وقوله تعالى : { نَتْلُوهَا } جملةٌ حالية من الآيات ، والعاملُ فيها معنى الإشارةِ أو هي الخبرُ وآياتُ الله بدلٌ من اسم الإشارةِ ، والالتفاتُ إلى التكلم بنون العظمةِ مع كون التلاوةِ على لسان جبريلَ عليه السلام لإبراز كمالِ العنايةِ بالتلاوة ، وقرىء يتلوها على إسناد الفعلِ إلى ضميره تعالى وقوله تعالى : { عَلَيْكَ } متعلقٌ بنتلوها ، وقوله تعالى : { بالحق } حالٌ مؤكدةٌ من فاعل نتلوها أو من مفعوله أي ملتبسين ، أو ( التلاوةَ ) ملتبسةً بالحق والعدل ليس في حكمها شائبةُ جَوْر بنقص ثوابِ المحسنِ أو بزيادة عقابِ المسيءِ ، أو بالعقاب من غير جُرْم ، بل كلُّ ذلك مُوفًّى لهم حسبَ استحقاقِهم بأعمالهم بموجب الوعدِ والوعيدِ ، وقوله : { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين } تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه ، فإن تنكيرَ الظلم وتوجيهَ النفي إلى إرادته بصيغة المضارعِ دون نفسِه وتعليقَ الحكمِ بآحاد الجمعِ المعروفِ ، والالتفات إلى الاسم الجليلِ إشعارٌ بعلة الحكمِ وبيانٌ لكمال نزاهتِه عز وجل عن الظلم بما لا مزيدَ عليه أي ما يريد فرداً من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقت من الأوقات فضلاً عن أن يظلِمَهم ، فإن المضارعَ كما يفيد الاستمرارَ في الإثبات يفيده في النفي بحسب المقامِ كما أن الجملةَ الاسميةَ تدلُّ بمعرفة المقامِ على دوام الثبوتِ ، وعند دخولِ حرفِ النفي تدل على دوامِ الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ وفي سبك الجملةِ نوعُ إيماءٍ إلى التعريض بأن الكفرَةَ هم الظالمون ظلموا أنفسَهم بتعريضها للعذاب الخالد كما في قوله تعالى :

(1/433)


{ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }

(1/434)


وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)

{ وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } أي له تعالى وحده من غير شِرْكةٍ أصلاً ، ما فيهما من المخلوقات الفائتةِ للحصر مُلكاً وخلقاً إحياءً وإماتةً وإثابةً وتعذيباً ، وإيرادُ كلمةِ { مَا } إما لتغليب غيرِ العقلاءِ وإما لتنزيلهم منزلةَ غيرِهم إظهاراً لحقارتهم في مقام بيانِ عظمتِه تعالى { وإلى الله } أي إلى حُكمه وقضائِه لا إلى غيره شِرْكةً أو استقلالاً { تُرْجَعُ الامور } أي أمورُهم فيجازي كلاً منهم بما وَعد له وأوعده من غير دخلٍ في ذلك لأحد قطُّ . فالجملةُ مقررةٌ لمضمون ما ورد في جزاء الفريقين ، وقيل : هي معطوفةٌ على ما قبلها مقرّرةٌ لمضمونه فإن كونَ العالمين عبيدَه تعالى ومخلوقَه ومرزوقَه يستدعي إرادةَ الخير بهم
{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } كلامٌ مستأنفٌ سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوةِ إلى الخير ، وكنتم من كان الناقصةِ التي تدل على تحقق شيءٍ بصفة في الزمان الماضي من غير دَلالةٍ على عدم سابقٍ أو لاحق كما في قوله تعالى : { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } وقيل : كنتم كذلك في علم الله تعالى أو في اللوح أو فيما بين الأمم السالفةِ ، وقيل : معناه أنتم خيرُ أمة { أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } صفةٌ لأمة واللام متعلقةٌ بأخرجت أي أظهِرَت لهم ، وقيل : بخير أمةٍ أي كنتم خيرَ الناسِ للناس ، فهو صريحٌ في أن الخيريةَ بمعنى النفعِ للناس وإن فُهم ذلك من الإخراج لهم أيضاً أي أخرجَتْ لأجلهم ومصلحتِهم ، قال أبو هريرة رضي الله عنه : معناه كنتم خيرَ الناسِ للناس تأتون بهم في السلاسل فتُدخِلونهم في الإسلام . وقال قتادة : هم أمةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم لم يُؤمر نبيٌّ قبله بالقتال فهم يقاتلون الكفارَ فيدخلونهم في الإسلام فهم خيرُ أمةٍ للناس .
{ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } استئنافٌ مبينٌ لكونهم خيرَ أمة كما يقال : زيدٌ كريمٌ يطعم الناسَ ويكسوهم ويقوم بمصالحهم ، أو خبرٌ ثانٍ لكنتم ، وصيغةُ المستقبلِ للدِلالة على الاستمرار ، وخطابُ المشافهةِ وإن كان خاصاً بمن شاهد الوحيَ من المؤمنين لكن حُكمَه عامٌ للكل . قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد أمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم . وقال الزجاج : أصلُ هذا الخطابِ لأصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يعمُّ سائرَ أمتِه . وروى الترمذيُّ عن بَهْزِ بنِ حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } : « أنتم تُتِمّون سبعين أمةً أنتم خيرُها وأكرمُها على الله تعالى » . وظاهرٌ أن المرادَ بكل أمةٍ أوائلُهم وأواخرُهم لا أوائلُهم فقط فلا بد أن تكون أعقابُ هذه الأمةِ أيضاً داخلةً في الحكم ، وكذا الحالُ فيما رُوي أن مالك بنَ الصيف ووهْبَ بنَ يهوذا اليهوديَّين مرّا بنفرٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ابنُ مسعود وأبيُّ بنُ كعبٍ ومعاذُ بنُ جبل وسالمٌ مولى حذيفةَ رضوانُ الله عليهم فقالا لهم : نحن أفضلُ منكم ودينُنا خيرٌ مما تدعوننا إليه .

(1/435)


وروى سعيدُ بنُ جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ورُوي عن الضحاك أنهم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً الرواةُ والدعاةُ الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم .
{ وَتُؤْمِنُونَ بالله } أي إيماناً متعلقاً بكل ما يجب أن يؤمَنَ به من رسول وكتابٍ وحساب وجزاءٍ وإنما لم يصرِّح به تفصيلاً لظهور أنه الذي يؤمِن به المؤمنون وللإيذان بأنه هو الإيمانُ بالله تعالى حقيقةً وأن ما خلا عن شيء من ذلك كإيمان أهلِ الكتابِ ليس من الإيمان بالله تعالى في شيء ، قال تعالى : { وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً } وإنما أُخِّر ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجوداً ورُتبةً لأن دَلالتَهما على خيريتهم للناس أظهرُ من دلالته عليها وليقترن به قوله تعالى : { وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } أي لو آمنوا كإيمانكم لكان ذلك خيراً لهم مما هم عليه من الرياسة واستتباعِ العوامِّ ولازدادت رياستُهم وتمتُّعهم بالحظوظ الدنيويةِ مع الفوز بما وُعِدوه على الإيمان من إيتاء الأجرِ مرتين ، وقيل : مما هم فيه من الكفر ، فالخيريةُ إنما هي باعتبار زعمِهم ، وفيه ضربُ تهكّمٍ بهم وإنما لم يتعرَّضْ للمؤمَنِ به أصلاً للإشعار بظهور أنه الذي يُطلق عليه اسمُ الإيمانِ لا يذهب الوهمُ إلى غيره ولو فُصِّل المؤمَنُ به هاهنا أو فيما قبلُ لربما فُهم أن لأهل الكتاب أيضاً إيماناً في الجملة لكن إيمانَ المؤمنين خيرٌ منه وهيهاتَ ذلك { مّنْهُمُ المؤمنون } جملةٌ مستأنفة سيقت جواباً عما نشأ من الشرطية الدالةِ على انتفاء الخيريةِ لانتفاء الإيمانِ عنهم كأنه قيل : هل منهم من آمن أو كلُّهم على الكفر؟ فقيل : منهم المؤمنون المعهودون الفائزون بخير الدارين كعبد اللَّه بن سلام وأصحابه .
{ وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون } المتمرِّدون في الكفر الخارجون عن الحدود .

(1/436)


لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)

{ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } استثناءٌ مفرّغٌ من المصدر العام أي لن يضروكم أبداً ضرراً ما إلا ضررَ أذىً لا يبالى به من طعنٍ وتهديدٍ لا أثر له { وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الادبار } أي ينهزمون من غير أن ينالوا منكم شيئاً من قتل أو أسرٍ { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } عطفٌ على الشرطية وثم للتراخي في الرتبة أي لا يُنصرون من جهة أحدٍ ولا يُمنعون منكم قتلاً وأخذاً . وفيه تثبيتٌ لمن آمن منهم فإنهم كانوا يؤذونهم بالتلهي بهم وتوبيخِهم وتضليلِهم وتهديدِهم ، وبشارةٌ لهم بأنهم لا يقدِرون على أن يتجاوزوا الأذى بالقول إلى ضرر يُعبأ به مع أنه وعدهم الغلَبةَ عليهم والانتقامَ منهم وأن عاقبةَ أمرِهم الخِذلانُ والذلُّ ، وإنما لم يُعطَفْ نفيُ منْصوريّتِهم على الجزاء لأن المقصودَ هو الوعدُ بنفي النصرِ مطلقاً ولو عطف عليه لكان مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبارِ ، وكم بين الوعدين كأنه قيل : ثم شأنُهم الذي أخبركم عنه وأبشرَكم به أنهم مخذولون مُنتفٍ عنهم النصرُ والقوةُ لا ينهضون بعد ذلك بجَناحٍ ولا يقومون على ساق ولا يستقيم لهم أمرٌ وكان كذلك حيث لقيَ بنو قريظةَ والنضيرِ وبنو قينُقاع ويهودُ خيبرَ ما لقُوا .

(1/437)


ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113)

{ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة } أي هدرُ النفسِ والمالِ والأهلِ وذلُّ التمسكِ بالباطل { أَيْنَمَا ثُقِفُواْ } أي وُجدوا { إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله وَحَبْلٍ مّنَ الناس } استثناءٌ من أعم الأحوال أي ضربت عليهم الذلةُ ضربَ القُبةِ على مَنْ هي عليه في جميع الأحوال إلا حالَ كونِهم معتصمين بذمة الله أو كتابِه الذي أتاهم وذمةِ المسلمين أو بذمة الإسلام واتباعِ سبيلِ المؤمنين { وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله } أي رجعوا مستوجبين له ، والتنكيرُ للتفخيم والتهويل ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لغضب مؤكدةً لما أفاده التنكيرُ من الفخامة والهول أي كائنٍ من الله عز وجل { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة } فهي محيطةٌ بهم من جميع جوانبِهم واليهودُ كذلك في غالب الحالِ مساكينُ تحت أيدي المسلمين والنصارى .
{ ذلك } إشارةٌ إلى ما ذكر من ضَرْب الذِلةِ والمسكنةِ عليهم والبَوْءِ بالغضب العظيم { بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله } أي ذلك الذي ذكر كائنٌ بسبب كفرِهم المستمرِّ بآياتِ الله الناطقةِ بنبوة محمدٍ عليه الصلاة والسلام وتحريفِهم لها وبسائر الآياتِ القرآنية { وَيَقْتُلُونَ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ } أي في اعتقادهم أيضاً ، وإسناد القتلِ إليهم مع أنه فعلُ أسلافِهم لرضاهم به كما أن التحريفَ مع كونه من أفعال أحبارِهم يُنسَبُ إلى كل من يسير بسيرتهم { ذلك } إشارةٌ إلى ما ذُكر من الكفر والقتل { بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } أي كائنٌ بسبب عصيانِهم واعتدائِهم حدودَ الله تعالى على الاستمرار فإن الإصرارَ على الصغائر يُفضي إلى مباشرة الكبائِر والاستمرارَ عليها يؤدي إلى الكفر ، وقيل : معناه أن ضربَ الذلةِ والمسكنةِ في الدنيا واستيجابَ الغضبِ في الآخرة كما هو معلَّلٌ بكفرهم وقتلِهم فهو مسبَّبٌ عن عصيانهم واعتدائِهم من حيث إنهم مخاطَبون بالفروع من حيث المؤاخذة { لَيْسُواْ سَوَاء } جملةٌ مستأنفة سيقت تمهيداً لتعداد محاسِن مؤمني أهلِ الكتابِ وتذكيراً لقوله تعالى : { مّنْهُمُ المؤمنون } والضميرُ في ليسوا لأهل الكتاب جميعاً لا للفاسقين منهم خاصة وهو اسمُ ليس وخبرُه سواءً ، وإنما أُفرد لأنه في الأصل مصدرٌ والمرادُ بنفي المساواةِ نفيُ المشاركةِ في أصل الاتصافِ بالقبائح المذكورةِ لا نفيُ المساواةِ في مراتب الاتصافِ بها مع تحقق المشاركة في أصل الاتصافِ بها أي ليس جميعُ أهل الكتابِ متشاركين في الاتصاف بما ذُكر من القبائح والابتلاءِ بما يترتب عليها من العقوبات وقوله تعالى : { مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } استئنافٌ مبينٌ لكيفية عدمِ تساويهم ، ومزيل لما فيه من الإبهام كما أن ما سبق من قوله تعالى : { تَأْمُرُونَ بالمعروف } الآية ، مبينٌ لقوله تعالى : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } الخ ، ووضعُ أهلِ الكتابِ موضعَ الضميرِ العائد إليهم لتحقيق ما به الاشتراكُ بين الفرقين والإيذانِ بأن تلك الأمةَ ممن أوتي نصيباً وافراً من الكتاب لا من أراذلهم . والقائمةُ : المستقيمةُ العادلةُ مِن أقمتُ العودَ فقام بمعنى استقام وهم الذين أسلموا منهم كعبدِ اللَّه بنِ سلام ، وثعلبةَ بنِ سعيد وأُسَيْدِ بنِ عبيد ، وأضرابِهم وقيل : هم أربعون رجلاً من أهل نجرانَ واثنان وثلاثون من الحبشة وثلاثةٌ من الروم كانوا على دين عيسى وصدّقوا محمداً عليهما الصلاة والسلام ، وكان من الأنصار فيهم عدةٌ قبل قدومِ النبي عليه السلام منهم أسعدُ بنُ زُرارة ، والبراءُ بن معرورٍ ، ومحمدُ بنُ مسلمةَ ، وأبو قيس صرمةُ بنُ أنسٍ ، كانوا موحّدين يغتسلون من الجنابة ويقومون بما يعرِفون من شرائع الحنيفيةِ حتى بعث الله النبيُّ صلى الله عليه وسلم فصدّقوه ونصَروه .

(1/438)


وقوله تعالى : { يَتْلُونَ ءايات الله } في محل الرفع على أنه صفةٌ أخرى لأمة ، وقيل : في محل النصب على أنه حالٌ منها لتخصُّصها بالنعت ، والعاملُ فيه الاستقرارُ الذي يتضمنه الجارُّ أو من ضميرها في { قَائِمَةً } أو من المستكنّ في الجار لوقوعه خبراً لأمة والمرادُ بآياتِ الله القرآنُ ، وقوله تعالى : { آناءَ اللَّيْل } ظرفٌ ليتلون أي في ساعاته جمع أَنىً بزنة عصا أو إِنىً بزنة مِعىً ، أو أنْي بزنة ظبْي ، أو إنْي بزنة نِحْي ، أو إنْو بزنة جِرْو .
{ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } أي يصلّون إذ لا تلاوة في السجود ، قال عليه الصلاة والسلام : « ألا إني نُهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً » وتخصيصُ السجودِ بالذكر من بين سائر أركانِ الصلاةِ لكونه أدلَّ على كمال الخضوعِ ، والتصريحُ بتلاوتهم آياتِ الله في الصلاة مع أنها مشتملةٌ عليها قطعاً لزيادة تحقيقِ المخالفةِ وتوضيحِ عدمِ المساواةِ بينهم وبين الذين وُصفوا آنفاً بالكفر بها وهو السرُّ في تقديم هذا النعتِ على نعت الإيمانِ ، والمرادُ بصلاتهم التهجدُ إذ هو أدخلُ في مدحهم وفيه تتسنى لهم التلاوةُ فإنها في المكتوبة وظيفةُ الإمامِ ، واعتبارُ حالِهم عند الصلاةِ على الانفراد يأباه مقامُ المدحِ ، وهو الأنسبُ بالعدول عن إيرادها باسم الجنسِ المتبادرِ منه الصلاةُ المكتوبة وبالتعبير عن وقتها بالآناء المُبهمة ، وقيل : صلاةُ العِشاءِ لأن أهلَ الكتاب لا يصلّونها ، لما رُوي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخّرها ليلةً ثم خرجَ فإذا الناسُ ينتظرون الصلاةَ فقال : « أما إنه ليس من أهل الأديان أحدٌ يذكرُ الله هذه الساعةَ غيرُكم » وقرأ هذه الآية . وإيرادُ الجملةِ اسميةً للدَلالة على الاستمرار ، وتكريرُ الإسنادِ لتقوية الحكمِ وتأكيدِه ، وصيغةُ المضارعِ للدِلالة على التجدد ، والجملةُ حالٌ من فاعل يتلون ، وقيل : هي مستأنفةٌ والمعنى أنهم يقومون تارةً ويسجدون أخرى يبتغون الفضلَ والرحمةَ بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله عز وجل كما في قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما } وقيل : المرادُ بالسجود هو الخضوعُ كما في قوله تعالى : { وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السموات والارض }

(1/439)


يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)

{ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر } صفةٌ أخرى لأُمةٌ مبينةٌ لمُباينتهم اليهودَ من جهة أخرى أي يؤمنون بهما على الوجه الذي نطقَ به الشرعُ ، والإطلاقُ للإيذان بالغنى عن التقييد ، لظهور أنه الذي يُطلق عليه الإيمانُ بهما فلا يذهبُ الوهمُ إلى غيره ، وللتعريض بأن إيمانَ اليهودِ بهما مع قولهم : عزيرٌ ابنُ الله وكفرِهم ببعض الكتبِ والرسلِ ووصفِهم اليومَ الآخِرَ بخلاف صفتِه ليس من الإيمان بهما في شيء أصلاً ولو قُيد بما ذُكر فربما تُوُهِّم أن المنتفيَ عنهم هو القيدُ المذكورُ مع جواز إطلاقِ الإيمانِ على إيمانهم بالأصل وهيهات .
{ وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } صفتان أُخْرَيان لأُمةٌ أُجرِيتا عليهم تحقيقاً لمخالفتهم اليهودَ في الفضائل المتعلقةِ بتكميل الغيرِ إثرَ بيانِ مُباينتِهم لهم في الخصائص المتعلقةِ بتكميل النفسِ ، وتعريضاً بمداهنتهم في الاحتساب بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناسِ وصدِّهم عن سبيل الله فإنه أمرٌ بالمنكر ونهيٌ عن المعروف { ويسارعون فِى الخيرات } صفةٌ أخرى لأمةٌ جامعةٌ لفنون المحاسنِ المتعلقةِ بالنفس وبالغير ، والمسارعةُ في الخير فرطُ الرغبةِ فيه لأن من رغِب في الأمر سارع في تولّيه والقيامِ به وآثر الفَورَ على التراخي أي يبادرون مع كمال الرغبةِ في فعل أصنافِ الخيراتِ اللازمةِ والمتعدية ، وفيه تعريضٌ بتباطؤ اليهودِ فيها بل مبادرتهم إلى الشرور ، وإيثارُ كلمةِ { فِى } على ما وقع في قوله تعالى : { وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ } الخ للإيذان بأنهم مستقِرّون في أصل الخيرِ متقلّبون في فنونه المترتبةِ في طبقات الفضلِ لا أنهم خارجون عنها منتهون إليها { وَأُوْلئِكَ } إشارةٌ إلى الأمة باعتبار اتصافِهم بما فُصّل من النعوت الجليلةِ ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجتِهم وسموّ طبقتِهم في الفضل ، وإيثارُه على الضمير للإشعار بعلة الحُكم والمدح أي أولئك المنعوتون بتلك الصفاتِ الفاضلة بسبب اتصافِهم بها { مّنَ الصالحين } أي من جملة من صلَحَت أحوالُهم عند الله عز وجل واستحقوا رضاه وثناءَه { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } كائناً ما كان مما ذُكر أو لم يُذكر { فَلَنْ يُكْفَروهُ } أي لن يعدَموا ثوابَه اْلبتةَ ، عبّر عنه بذلك كما عبر عن تَوْفية الثوابِ بالشكر إظهاراً لكمال تنزّهِه سبحانه وتعالى عن ترك إثابتِهم بتصويره بصورة ما يستحيل صدورُه عنه تعالى من القبائح ، وتعديتُه إلى مفعولين بتضمين معنى الحرمانِ ، وإيثارُ صيغةِ البناءِ للمفعول للجري على سنن الكبرياء وقرىء الفعلانِ على صيغة الخطاب .
{ والله عَلِيمٌ بالمتقين } تذييلٌ مقرِّرٌ ما قبله ، فإن علمَه تعالى بأحوالهم يستدعي تَوْفيةَ أجورِهم لا محالة ، والمرادُ بالمتقين إما الأمةُ المعهودةُ ، وضع موضِعَ الضميرِ العائدِ إليهم مدحاً لهم وتعييناً لعُنوان تعلّقِ العلمِ بهم وإشعاراً بمناط إثابتِهم هو التقوى المنطويةُ على الخصائص السالفةِ وإما جنسُ المتقين عموماً وهم مندرجون تحت حُكمِه اندراجاً أولياً .

(1/440)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)

{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } أي بما يجب أن يؤمَن به . قال ابن عباسرضي الله عنهما : هم بنو قُريظةَ والنضير فإن معاندتَهم كانت لأجل المالِ ، وقيل : هم مشركو قريشٍ فإن أبا جهلٍ كان كثيرَ الافتخار بماله ، وقيل : أبو سفيان وأصحابُه فإنه أنفق مالاً كثيراً على الكفار يومَ بدرٍ وأحُد ، وقيل : هم الكفارُ كافةً فإنهم فاخروا بالأموال والأولادِ حيث قالوا : نحن أكثرُ أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذّبين ، فردَّ الله عز وجل عليهم وقال : { لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ } أي لن تدفَع عنهم { أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله } أي من عذابه تعالى { شَيْئاً } أي شيئاً يسيراً منه أو شيئاً من الإغناء { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار } أي مصاحبوها على الدوام وملازموها { هُمْ فِيهَا خالدون } أبداً .
{ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هذه الحياة الدنيا } بيانٌ لكيفية عدمِ إغناءِ أموالِهم التي كانوا يعوِّلون عليها في جلب المنافعِ ودفعِ المضارِّ ويعلِّقون بها أطماعَهم الفارغةَ ، و { مَا } موصولةٌ اسميةٌ حُذف عائدُها أي حالُ ما ينفقه الكفرةُ قربةً أو مفاخرةً وسُمعةً أو المنافقون رياءً وخوفاً وقصتُه العجيبةُ التي تجري مجرى المثل في الغرابة { كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } أي بردٌ شديدٌ فإنه في الأصل مصدرٌ وإن شاع إطلاقُه على الريح الباردةِ كالصَّرْصَر ، وقيل : كلمة في تجريدية كما في قوله تعالى : { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } { أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر والمعاصي فباءوا بغضب من الله ، وإنما وُصفوا بذلك لأن الإهلاكَ عن سَخَط أشدُّ وأفظع { فَأَهْلَكَتْهُ } عقوبةً لهم ولم تدَعْ منه أثراً ولا عِثْيَراً والمرادُ تشبيهُ ما أنفقوا في ضياعه وذهابِه بالكلية من غير أن يعودَ إليهم نفعٌ ما بحرْثِ ( قومٍ ) كفارٍ ضربتْه صِرٌّ فاستأصلتْه ولم يبقَ لهم فيه منفعةٌ ما بوجه من الوجوه ، وهو من التشبيه المركبَ الذي مرَّ تفصيلُه في تفسير قولِه تعالى : { كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً } ولذلك لم يبالِ بإيلاء كلمةِ التشبيهِ الريحَ دون الحرثِ ، ويجوز أن يرادَ مثَلُ إهلاكِ ما ينفقون كمثَل إهلاكِ ريحٍ أو مثلُ ما ينفقون كمثَل مهلِكِ ريحٍ وهو الحرثُ وقرىء تنفقون { وَمَا ظَلَمَهُمُ الله } بما بيَّنه من ضياع ما أنفقوا من الأموال { ولكن أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } لما أضاعوها بإنفاقها لا على ما ينبغي ، وتقديمُ المفعولِ لرعاية الفواصلِ لا للتخصيص ، إذ الكلامُ في الفعل باعتبار تعلّقِه بالفاعل لا بالمفعول أي ما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسَهم ، وصيغةُ المضارعِ للدَّلالة على التجدد والاستمرارِ ، وقد جُوِّز أن يكون المعنى وما ظلم الله تعالى أصحابَ الحرْثِ بإهلاكه ولكنهم ظلموا أنفسَهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبةَ ، ويأباه أنه قد مر التعرُّضُ له تصريحاً ، وقرىء ولكنّ بالتشديد على أن أنفسَهم اسمُها ويظلِمون خبرُها والعائدُ محذوفٌ للفاصلة أي ولكنَّ أنفسَهم يظلِمونها ، وأما تقديرُ ضميرِ الشأن فلا سبيلَ إليه لاختصاصه بالشعر ضرورةً كما في قوله :
ولكنَّ منْ يُبصِر جفونَك يعشقِ ...

(1/441)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)

{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً } بطانةُ الرجل ووَليجتُه مَنْ يُعرِّفه أسرارَه ثقةً به ، شُبِّه ببطانة الثوب كما شُبِّه بالشِّعار ، قال عليه الصلاة والسلام : « الأنصارُ شِعار والناسُ دِثار » قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان رجال من المؤمنين يواصلون اليهودَ لما بينهم من القرابة والصداقةِ والمحالفة فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ ، وقال مجاهد : نزلتْ في قوم من المؤمنين كانوا يواصِلون المنافقين فنُهوا عن ذلك ويؤيده قوله تعالى : { هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ } وهي صفةُ المنافق وإياً ما كان فالحكمُ عامٌ للكفرة كافةً { مّن دُونِكُمْ } أي من دون المسلمين وهو متعلقٌ بلا تتخذوا أو بمحذوف وقعَ صفةً لبِطانة أي كائنةً من دونكم مجاوزةً لكم .
{ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } جملةٌ مستأنفةٌ مبينةٌ لحالهم داعيةٌ إلى الاجتناب عنهم أو صفةُ بطانةً ، يقال : أَلا في الأمر إذا أقصَرَ فيه ثم استُعمل مُعدًّى إلى مفعولين في قولهم : لا آلوكَ نُصحاً ولا آلوك جُهداً على تضمين معنى المنْعِ والنقصِ ، والخَبالُ الفسادُ أي لا يُقْصِرون لكم في ( تمني ) الفسادِ { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } أي تمنَّوْا عَنَتَكم أي مشقتَكم وشدةَ ضررِكم وهو أيضاً استئنافٌ مؤكدٌ للنهي موجبٌ لزيادة الاجتنابِ عن المنهيِّ عنه { قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم } استئنافٌ آخرُ مفيدٌ لمزيد الاجتنابِ عن المنهيِّ عنه أي قد ظهرت البغضاءُ في كلامهم لِما أنهم لا يتمالكون مع مبالغتهم في ضبط أنفسِهم وتحاملِهم عليها أن ينفلِتَ من ألسنتهم ما يُعلم به بغضُهم للمسلمين . وقرىء قد بدا البغضاءُ ، والأفواهُ جمعُ فم وأصلُه فوهٌ فلامُه هاءٌ يدل على ذلك جمعُه على أفواه وتصغيرُه على فُوَيه والنسبةُ إليه فوهيٌّ { وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } مما بدا لأن بُدُوَّه ليس عن رَويَّة واختيار { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الايات } الدالةَ على وجوب الإخلاصِ في الدين وموالاةِ المؤمنين ومعاداةِ الكافرين { إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } أي إن كنتم من أهل العقلِ أو إن كنتم تعقِلون ما بُيِّن لكم من الآيات ، والجوابُ محذوفٌ لدِلالة المذكورِ عليه .
{ هَاأَنتُمْ أُوْلاء } جملةٌ من مبتدإٍ وخبرٍ صُدِّرت بحرف التنبيهِ إظهاراً لكمال العنايةِ بمضمونها أي أنتم أولاءِ المخطِئون في موالاتهم . وقوله تعالى : { تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } بيانٌ لخطئهم في ذلك وهو خبرٌ ثانٍ لأنتم أو خبرٌ لأولاءِ والجملةُ خبرٌ لأنتم كقولك : أنت زيدٌ تحبُّه ، أو صلةٌ له أو حالٌ والعاملُ معنى الإشارةِ ، ويجوز أن ينتصِبَ أولاءِ بفعل يفسِّره ما بعده وتكونُ الجملةُ خبراً { وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ } أي بجنس الكتبِ جميعاً وهو حالٌ من ضمير المفعول في { لا يُحِبُّونَكُمْ } والمعنى لا يحبونكم والحالُ أنكم تؤمنون بكتابهم فما بالُكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم؟ وفيه توبيخٌ بأنهم في باطلهم أصلبُ منكم في حقكم { هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ } نفاقاً { وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الانامل مِنَ الغيظ } أي من أجله تأسفاً وتحسراً حيث لم يجدوا إلى التشفي سبيلاً { قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } دعاءٌ عليهم بدوام الغيظِ وزيادتِه بتضاعف قوةِ الإسلامِ وأهلِه إلى أن يهلِكوا به أو باشتداده إلى أن يهلكهم { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } فيعلم ما في صدوركم من العداوة والبغضاء والحنَقِ وهو يحتملُ أن يكون من المَقول أي وقل لهم : إن الله تعالى عليمٌ بما هو أخفى مما تُخفونه من عضّ الأناملِ غيظاً ، وأن يكون خارجاً عنه بمعنى لا تتعجْب من اطْلاعي إياك على أسرارهم فإني عليمٌ بذات الصدور .

(1/442)


وقيل : هو أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطيب النفسِ وقوة الرجاءِ والاستبشار بوعد الله تعالى أن يَهلِكوا غيظاً بإعزاز الإسلامِ وإذلالِهم بقوته من غير أن يكون ثمةَ قولٌ كأنه قيل : حدِّث نفسَك بذلك .

(1/443)


إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)

{ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } بيانٌ لتناهي عداوتِهم إلى حدِّ أنْ حسَدوا ما نالهم من خير ومنفعة وشمِتُوا بما أصابهم من ضر وشدة . وذكرُ المسِّ مع الحسنة والإصابة مع السيئة إما للإيذان بأن مدارَ مساءتِهم أدنى مراتبِ إصابةِ الحسنةِ ومناطَ فرحِهم تمامُ إصابةِ السيئةِ ، وإما لأن المسَّ مستعارٌ لمعنى الإصابة { وَأَن تَصْبِرُواْ } أي على عداوتهم أو على مشاقّ التكاليفِ { وَتَتَّقُواْ } ما حرّم الله تعالى عليكم ونهاكم عنه { لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ } مكرُهم وحيلتُهم التي دبّروها لأجلكم ، وقرىء لا يضِرْكم بكسر الضاد وجزم الراء على جواب الشرط من ضارَه يضيرُه بمعنى ضرّه يضُرّه ، وضمةُ الراءِ في القراءة المشهورة للإتباع كضمة مَدّ { شَيْئاً } نُصب على المصدرية أي لا يضركم شيئاً من الضرر بفضل الله وحفظِه الموعودِ للصابرين والمتقين ولأن المُجِدَّ في الأمر المتدرِّبَ بالاتقاء والصبرِ يكون جريئاً على الخصم { إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ } في عداوتكم من الكيد { مُحِيطٌ } علماً فيعاقبهم على ذلك . وقرىء بالتاء الفوقية أي بما تعملون من الصبر والتقوى فيجازيكم بما أنتم أهلُه .
{ وَإِذْ غَدَوْتَ } كلامٌ مستأنفٌ سيق للاستشهاد بما فيه من استتباع عدمِ الصبرِ والتقوى للضرر ، على أن وجودَهما مستتبِعٌ لما وُعِد من النجاة من مضرَّة كيدِ الأعداءِ وإذْ نُصبَ على المفعولية بمضمر خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم خاصة مع عموم الخطابِ فيما قبله وما بعده له وللمؤمنين لاختصاص مضمونِ الكلامِ به عليه السلام أي واذكر لهم وقت غُدُوِّك ليتذكروا ما وقع فيه من الأحوال الناشئةِ عن عدم الصبرِ فيعلموا أنهم إن لزِموا الصبرَ والتقوى لا يضرُهم كيدُ الكفرةِ ، وتوجيهُ الأمرِ بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغةِ في إيجابها كُرْهاً واستحضارِ الحادثةِ بتفاصيلها كما سلف بيانُه في تفسير قولِه تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة } الخ والمرادُ به خروجُه عليه السلام إلى أُحد وكان ذلك من منزل عائشةَ رضي الله عنها وهو المرادُ بقوله تعالى : { مِنْ أَهْلِكَ } أي من عند أهلِك { تبوئ المؤمنين } أي تنْزِلُهم أو تهيِّيءُ وتسوّي لهم { مقاعد } ويؤيده قراءتُه من قرأ تبويءُ المؤمنين ، والجملة حالٌ من فاعل غدوتَ لكن لا على أنها حالٌ مقدرةٌ أي ناوياً وقاصداً للتبْوِئة كما قيل بل على أن المقصودَ تذكيرُ الزمانِ الممتدِّ المتسعِ لابتداء الخروجِ والتبْوِئة وما يترتب عليها إذْ هو المُذكِّرُ للقصة ، وإنما عُبّر عنه بالغدو الذي هو الخروجُ غُدوةً مع كون خروجِه عليه السلام بعد صلاةِ الجمعةِ كما ستعرفه ، إذْ حينئذٍ وقعت التبوئةُ التي هي العُمدةُ في الباب إذِ المقصودُ بتذكير الوقت تذكيرُ مخالفتِهم لأمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم وتزايُلِهم عن أحيازهم المعيَّنةِ لهم عند التبوئة وعدمِ صبرِهم ، وبهذا يتبين خللُ رأي من احتج به على جواز أداءِ صلاةِ الجمعة قبل الزوال ، واللام في قوله تعالى : { لِلْقِتَالِ } إما متعلقةٌ بتبوِّيء أي لأجل القتالِ وإما بمحذوف وقع صفةً لمقاعدَ أي كائنةً .

(1/444)


ومقاعدُ القتالِ أماكنُه ومواقِفُه فإن استعمالَ المقعدِ والمقامِ بمعنى المكانِ اتساعاً شائعٌ ذائعٌ كما في قوله تعالى : { فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ } وقوله تعالى : { قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ }
روي أن المشركين نزلوا بأُحد يومَ الأربَعاءِ فاستشار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه ودعا عبدُ اللَّه عبدِ اللَّه بنِ أُبيِّ بنِ سَلول ولم يكن دعاه قبل ذلك ، فاستشاره فقال عبدُ اللَّه وأكثرُ الأنصار : يا رسولَ الله أقِم بالمدينة ولا تخرُجْ إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبْنا منه ، فكيف وأنت فينا؟ فدَعْهم فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مَحبِس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجالُ في وجوههم ورماهم النساءُ والصبيانُ بالحجارة ، وإن رجعوا رجعوا خائبين ، وقال بعضُهم : يا رسول الله اخرُجْ بنا إلى هؤلاء الأكلُبِ لا يرَوْن أنا قد جبُنّا عنهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : " إني قد رأيت في منامي بقراً مُذَبَّحةً حولي فأوّلتُها خيراً ورأيت في ذُباب سيفي ثُلَماً فأولتُه هزيمةً ، ورأيتُ كأني أدخلتُ يدي في درعٍ حصينةٍ فأولتُها المدينة ، فإن رأيتم أن تُقيموا بالمدينة فتدعوهم " فقال رجال من المسلمين قد فاتتهم بدرٌ وأكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ : اخرُجْ بنا إلى أعدائنا ، وقال النعمانُ بنُ مالكٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه : يا رسول الله لا تحرِمْني الجنةَ فوالذي بعثك بالحق لأدخُلَنَّ الجنة ثم قال بقوليْ : { أُشْهِدُ أَن لاَّ إله إِلاَّ الله } وأني لا أفِرُّ من الزحف ، فلم يزالوا به عليه السلام حتى دخل فلبِس لاَءْمتَه فلما رأَوْه كذلك ندِموا وقالوا : بئسما صنعنا نشير على رسول الله والوحيُ يأتيه وقالوا : اصنعْ يا رسولَ الله ما رأيت ، فقال : " ما ينبغي لنبيَ أن يلبَسَ لاَءْمتَه فيضعَها حتى يقاتل " فخرج يومَ الجمعة بعد صلاةِ الجمعةِ وأصبح بالشِّعب من أحُد يوم السبْتِ للنصف من شوالٍ لسنةِ ثلاثٍ من الهجرة فمشى على رجليه فجعل يصُفُّ أصحابَه للقتال فكأنما يقوّم بهم القِدْحَ إن رأى صدراً خارجاً قال : «تأخَّرْ» ، وكان نزولُه في عُدوة الوادي وجعل ظهرَه وعسكرَه إلى أحُد وأمَّر عبدَ اللَّه بنَ جُبيرٍ على الرماة وقال لهم : انضَحُوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا ولا تبرَحوا من مكانكم فلن نزالَ غالبين ما ثبتم مكانَكم { والله سَمِيعٌ } لأقوالكم { عَلِيمٌ } بضمائركم والجملةُ اعتراضٌ للإيذان بأنه قد صدر عنهم هناك من الأقوال والأفعال ما لا ينبغي صدورُه عنهم .

(1/445)


إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)

{ إِذْ هَمَّتْ } بدلٌ من إذ غدوت مبينٌ لما هو المقصودُ بالتذكير أو ظرفٌ لسميعٌ عليمٌ ، على معنى أنه تعالى جامعٌ بين سماعِ الأقوالِ والعلمِ بالضمائر في ذلك الوقتِ إذ لا وجهَ لتقييد كونِه تعالى سميعاً عليماً بذلك الوقت . قال الفراءُ : معنى قولِك : ضربتُ وأكرمتُ زيداً أن زيداً منصوبٌ بهما وأنهما تسلّطا عليه معاً . { طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ } متعلقٌ بهمَّتْ والباءُ محذوفةٌ أي بأن تفشَلا أي تجبُنا وتضعُفا وهما حيانِ من الأنصار بنو سلمةَ من الخزرج وبنو حارثةَ من الأوس ، وهما الجناحانِ من عسكر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا ألفَ رجل وقيل : تسعَمائةٍ وخمسين وَعَدهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الفتحَ إن صبَروا فلما قاربوا عسكرَ الكفرةِ وكانوا ثلاثةَ آلافٍ انخذل عبدُ اللَّه بنُ أبيَ بثلث الناسِ فقال : يا قومُ علامَ نَقتُل أنفسَنا وأولادَنا فتبِعَهم عمروُ بنُ حزم الأنصاري فقال : أنشُدكم الله في نبيكم وأنفسِكم ، فقال عبدُ اللَّه : لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم فهمّ الحيانِ باتِّباع عبدِ اللَّه فعصمَهم الله تعالى فمضَوْا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أضمَروا أن يرجِعوا فعزم الله لهم على الرشد فثبَتوا والظاهرُ أنها ما كانت إلا همَّةً وحديثَ نفس قلما تخلو النفسُ عنه عند الشدائدِ { والله وَلِيُّهُمَا } أي عاصِمُهما عن اتباع تلكِ الخَطرةِ ، والجملةُ اعتراضٌ ويجوز أن تكون حالاً من فاعل همَّتْ أو من ضميره في تفشلا مفيدةٌ لاستبعاد فشلِهما أو همِّهما به مع كونهما في ولاية الله تعالى ، وقرىء والله وليُّهم كما في قوله تعالى : { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } { وَعَلَى الله } وحده دون ما عداه مطلقاً استقلالاً أو اشتراكاً { فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } في جميع أمورِهم فإنه حسبُهم . وإظهارُ الاسمِ الجليلِ للتبرك والتأميل فإن الألوهيةَ من موجبات التوكلِ عليه تعالى ، واللامُ في المؤمنين للجنس فيدخلُ فيه الطائفتان دخولاً أولياً ، وفيه إشعارٌ بأن وصفَ الإيمان من دواعي التوكلِ وموجباتِه .

(1/446)


وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)

{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ } جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لإيجاب الصبرِ والتقوى بتذكير ما ترتب عليهما من النصر إثرَ تذكيرِ ما ترتب على عدمهما من الضرر ، وقيل : لإيجاب التوكلِ على الله تعالى بتذكير ما يوجبه ، وبدرٌ اسمُ ماءٍ بين مكةَ والمدينة ، كان رجل اسمُه بدرُ بنُ كِلْدةَ فسُمِّيَ باسمِه ، وقيل : سمِّي به لصفائه كالبدر واستدارتِه ، وقيل : هو اسمُ الموضِعِ أو الوادي وكانت وقعةُ بدرٍ في السابعَ عشرَ من شهر رمضانَ سنةَ اثنتين من الهجرة { وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } حالٌ من مفعول نصركم وأذلةٌ جمعُ ذليلٍ وإنما جُمع جَمْعُ قِلةً للإيذان باتصافهم حينئذ بوصفي القِلة والذِلة إذ كانوا ثلثَمائةٍ وبضعةَ عشرَ وكان ضعفُ حالِهم في الغاية خرجوا على النواضِح يعتقِبُ النفرُ منهم على البعير الواحدِ ولم يكن في العسكر إلا فرسٌ واحدٌ ، وقيل : فرَسانِ للمقداد ومرْثَد وتسعون بعيراً وستُّ أدرعٍ وثمانيةُ سيوفٍ وكان العدو زهاءَ ألفٍ ومعهم مائةُ فرسٍ وشكة وشوْكة { فاتقوا الله } اقتصر على الأمر بالتقوى مع كونه مشفوعاً بالصبر فيما سبق وما لحِق للإشعار بأصالته ، وكونِ الصبرِ من مباديه اللازمةِ له ولذلك قُدم عليه في الذكر وفي ترتيب الأمرِ بالتقوى على الإخبار بالنصر إيذانٌ بأن نصرَهم المذكورَ كان بسبب تقواهم أي إذا كان الأمرُ كذلك فاتقوا الله كما اتقيتم يومئذ { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي راجين أن تشكُروا ما يُنعِم به عليكم بتقواكم من النصرة كما شكرتم فيما قبلُ ، أو لعلكم يُنعم الله عليكم بالنصر كما فعل ذلك من قبل ، فوُضِع الشكرُ موضِعَ سببِه الذي هو الإنعامُ .
{ إِذْ تَقُولُ } تلوينٌ للخطاب بتخصيصه برسول الله صلى الله عليه وسلم لتشريفه والإيذانِ بأن وقوعَ النصرِ كان ببشارته عليه السلام { لَهُمْ } وإذ ظرفٌ لنصَرَكم قدِّم عليه الأمرُ بالتقوى لإظهار كمالِ العنايةِ به ، والمرادُ به الوقتُ الممتدُ الذي وقع فيه ما ذكر بعده وما طُويَ ذكرُه تعويلاً على شهادة الحالِ مما يتعلق به وجودُ النصرِ ، وصيغةُ المضارعِ لحكاية الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها أي نصركم وقت قولك : { لِلْمُؤْمِنِينَ } حين أظهروا العجزَ عن المقاتلة . قال الشعبي : بلغ المؤمنين أن كُرْزَ بنَ جابرٍ الحنفي يريد أن يُمِدَّ المشركين فشق ذلك على المؤمنين فنزل حينئذ ثم حكي هاهنا { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ ربكم بثلاثة آلافٍ } الكفايةُ سدُّ الخَلّةِ والقيامُ بالأمر ، والإمدادُ في الأصل إعطاءُ الشيءِ حالاً بعد حال . قال المفضّل : ما كان منه بطريق التقويةِ والإعانةِ يقال فيه : أمَدَّه يُمِدُّه إمداداً وما كان بطريق الزيادة يقال فيه : مَدَّه يمُدّه مداً ومنه { والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } وقيل : المَدّ في الشر كما في قوله تعالى : { وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ } وقولِه : { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً } والإمدادُ في الخير كما في قوله تعالى : { وأمددناكم بأموال وَبَنِينَ } والتعرُّضُ لعنوان الربوبية هاهنا وفيما سيأتي مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار العنايةِ بهم والإشعارِ بعلةِ الإمداد ، والمعنى إنكارُ عدمِ كفايةِ الإمدادِ بذلك المقدار ونفيُه . وكلمة { لَنْ } للإشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لضعفهم وقلّتِهم وقوةِ العدوّ وكثرتهم { مِنَ الملئكة } بيانٌ أو صفة لآلافٍ أو لما أُضيف إليه أي كائنين من الملائكة { مُنزَلِينَ } صفةٌ لثلاثةِ آلافٍ ثم خمسةِ آلافٍ . وقرىء مبنياً للفاعل من الصيغتين أي مُنزِلين النصرَ .

(1/447)


بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)

{ بلى } إيجابٌ لما بعد { لَنْ } وتحقيقٌ له أي بلى يكفيكم ذلك ثم وعدَهم الزيادةَ بشرط الصبرِ والتقوى حثاً لهم عليهما وتقويةً لقلوبهم فقال : { إِن تَصْبِرُواْ } على لقاء العدو ومناهضتِهم { وَتَتَّقُواْ } معصيةَ الله ومخالفةَ نبيِّه عليه الصلاة والسلام { وَيَأْتُوكُمْ } أي المشركون { مّن فَوْرِهِمْ هذا } أي من ساعتهم هذه ، وهو في الأصل مصدرُ فارَت القِدرُ أي اشتد غَلَيانُها ثم استُعير للسرعة ثم أُطلق على كل حالةٍ لا ريث فيها أصلاً ، ووصفُه بهذا لتأكيد السرعةِ بزيادة تعيينِه وتقريبِه . ونظمُ إتيانِهم بسرعة في سلك شرطَي الإمداد المستتبِعَيْن له وجوداً وعدماً أعني الصبرَ والتقوى مع تحقق الإمدادِ لا محالةَ سواءٌ أسرعوا أو أبطأوا لتحقيق أصلِه أو لبيانِ تحقّقِه على أي حال فُرِضَ ، على أبلغ وجهٍ وآكَدِه بتعليقه بأبعدِ التقاديرِ ليُعلم تحقُّقُه على سائرها بالطريق الأوْلى ، فإن هجومَ الأعداءِ وإتيانَهم بسرعة من مظانّ عدمِ لُحوق المددِ عادةً ، فعُلِّق به تحققُ الإمدادِ إيذاناً بأنه حيث تحقق مع ما ينافيه عادةً فلأَنْ يتحقَّقَ بدونه أولى وأحرى كما إذا أردتَ وصفَ درعٍ بغاية الحَصانة تقول : إن لبستَها وبارزتَ بها الأعداءَ فضربوك بأيدٍ شدادٍ وسيوفٍ حِدادٍ لم تتأثرْ منها قطعاً { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملئكة مُسَوّمِينَ } من التسويم الذي هو إظهارُ سيما الشيءِ أي مُعْلِمين أنفسَهم أو خيلَهم ، فقد رُوي أنهم كانوا بعمائمَ بيضٍ إلا جبريلَ عليه السلام فإنه كان بعمامة صفراءَ على مثال الزبير بنِ العوام ، وروي أنهم كانوا على خيل بُلْقٍ . قال عروةُ بنُ الزبير : كانت الملائكةُ على خيل بُلْق عليهم عمائمُ بيضٌ قد أرسلوها بين أكتافِهم . وقال هشامُ بنُ عروة : عمائمُ صُفْرٌ . وقال قتادة والضحاك : كانوا قد أَعْلموا بالعِهْن في نواصي الخيلِ وأذنابِها ، روي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : « تسوَّموا فإن الملائكةَ قد تسوَّمت » وقرىء مسوَّمين على البناء للمفعول ومعناه مُعْلِمين من جهته سبحانه ، وقيل : مرسَلين من التسويم بمعنى الإسامة .

(1/448)


وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)

{ وَمَا جَعَلَهُ الله } كلامٌ مبتدأٌ غيرُ داخلٍ في حيز القول مَسوقٌ من جنابه تعالى لبيان أن الأسبابَ الظاهرةَ بمعزل من التأثير وأن حقيقةَ النصرِ مختصٌّ به عز وجل ليثق به المؤمنون ولا يقنَطوا منه عند فُقدان أسبابِه وأماراتِه ، معطوفٌ على فعل مقدرٍ ينسحبُ عليه الكلامُ ويستدعيه النظامُ فإن الإخبارَ بوقوع النصرِ على الإطلاق وتذكيرَ وقتِه وحكايةَ الوعدِ بوقوعه على وجه مخصوصٍ هو الإمدادُ بالملائكة مرةً بعد أخرى ، وتعيينُ وقتِه فيما مضى يقضي بوقوعه حينئذ قضاءً قطعياً لكن لم يصرَّحْ به تعويلاً على تعاضُد الدلائلِ وتآخُذ الأماراتِ والمخايل وإيذاناً بكمال الغِنى عنه بل احتراز عن شائبة التكريرِ أو عن إيهام احتمالِ الخُلفِ في الوعد المحتومِ كأنه قيل : عَقيبَ قولِه تعالى : { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملئكة مُسَوّمِينَ } فأمدَّكم بهم وما جعله الله الخ . والجَعلُ متعدٍ إلى واحد هو الضميرُ العائد إلى مصدر ذلك الفعلِ المقدر وأما عَوْدُه إلى المصدر المذكورِ أعني قولَه تعالى : { أَن يُمِدَّكُمْ } أو إلى المصدر المدلولِ عليه بقوله تعالى : { يُمْدِدْكُمْ } كما قيل فغيرُ حقيقٍ بجزالة التنزيلِ لأن الهيئةَ البسيطةَ متقدمةٌ على المركبة ، فبيانُ العلةِ الغائبةِ لوجود الإمداد كما هو المرادُ بالنظم الكريم حقُّه أن يكون بعد بيانِ وجودِه في نفسه ، ولا ريب في أن المصدرَيْنِ المذكورين غيرُ معتبَرَيْنِ من حيث الوجودُ والوقوعُ كمصدر الفعلِ المقدرِ حتى يتصدى لبيان أحكامِ وجودِهما بل الأولُ معتبرٌ من حيث الكفايةُ والثاني من حيث الوعدُ على أن الأولَ هو الإمدادُ بثلاثة آلافٍ وقوله تعالى : { إِلاَّ بشرى لَكُمْ } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم العللِ ، وتلوينُ الخطابِ لتشريف المؤمنين وللإيذان بأنهم المحتاجون إلى البِشارة وتسكينِ القلوب بتوفيق الأسبابِ الظاهرةِ وأن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غنيٌ عنه بما له من التأييد الروحاني أي وما جعل إمدادَكم بإنزال الملائكةِ عِياناً لشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بأنكم تُنْصَرون { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } أي بالإمداد وتسكُنَ إليه كما كانت السكينةُ لبني إسرائيلَ كذلك ، فكلاهما عِلةٌ غائيةٌ للجعل ، وقد نُصب الأولُ لاجتماع شرائطِه من اتحاد الفاعلِ والزمانِ وكونِه مصدراً مَسوقاً للتعليل ، وبقيَ الثاني على حاله لفُقدانها ، وقيل : للإشارة أيضاً إلى أصالته في العلِّية وأهميتِه في نفسه كما في قوله تعالى : { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } وفي قصر الإمدادِ عليهما إشعارٌ بأن الملائكةَ عليهم السلام لم يباشروا يومئذ القتالَ وإنما كان إمدادُهم بتقويةِ قلوبِ المباشرين بتكثير السَّواد ونحوِه كما هو رأيُ بعضِ السلفِ رضي الله عنه . وقيل : الجعلُ متعدٍ إلى اثنين وقولُه عز وجل : { إِلاَّ بشرى لَكُمْ } استثناءٌ من أعمّ المفاعيلِ أي وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشارةً لكم فاللام في قوله تعالى : { وَلِتَطْمَئِنَّ } متعلقةٌ بمحذوف تقديرُه ولتطمئن قلوبُكم به فُعِل ذلك .

(1/449)


{ وَمَا النصر } أي حقيقةُ النصرِ على الإطلاق فيندرِجُ في حكمة النصرُ المعهودُ اندراجاً أولياً { إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } أي إلا كائنٌ من عنده تعالى من غير أن يكون فيه شِرْكةٌ من جهة الأسبابِ والعَدد ، وإنما هي مظاهرُ له بطريق جَرَيانِ سنتِه تعالى أو وما النصرُ المعهودُ إلا من عنده تعالى لا من عند الملائكةِ فإنهم بمعزلٍ من التأثير وإنما قصارى أمرِهم ما ذُكر من البِشارة وتقويةِ القلوب { العزيز } أي الذي لا يغالَب في حكمه وأقضيتِه ، وإجراءُ هذا الوصفِ عليه تعالى للإشعار بعلة اختصاصِ النصرِ به تعالى كما أن وصفَه بقوله : { الحكيم } أي الذي يفعل كلَّ ما يفعل حسبما تقتضيه الحِكمةُ والمصلحة للإيذان بعلة جعْلِ النصرِ بإنزال الملائكةِ فإن ذلك من مقتَضيات الحِكم البالغة .

(1/450)


لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)

{ لِيَقْطَعَ } متعلقٌ بقوله تعالى : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ } ، وما بينهما تحقيقٌ لحقيقته وبيانٌ لكيفية وقوعِه والمقصورُ على التعليل بما ذُكر من البُشرى والاطمئنانِ إنما هو الإمدادُ بالملائكة على الوجه المذكورِ فلا يقدَح ذلك في تعليل أصلِ النصرِ بالقطع وما عُطف عليه أو بما تعلق به الخبرُ في قوله عز وعلا : { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } على تقدير كونِه عبارةً عن النصر المعهودِ ، وقد أُشير إلى أن المعلَّلَ بالبشارة والاطمئنانِ إنما هو الإمدادُ الصوريُّ لا ما في ضِمنه من النصر المعنويِّ الذي هو مَلاكُ الأمر ، وأما تعلقُه بنفس النصرِ كما قيل فمع ما فيه من الفصل بين المصدرِ ومعمولِه بأجنبي هو الخبرُ مُخلٌّ بسَداد المعنى ، كيف لا ومعناه قصرُ النصرِ المخصوصِ المعلَّلِ بعلل معيّنةٍ على الحصول من جهته تعالى ، وليس المرادُ إلا قصرَ حقيقةِ النصرِ أو النصرِ المعهودِ على ذلك ، والمعنى لقد نصركم الله يومئذ أو وما النصرُ الظاهرُ عند إمدادِ الملائكةِ إلا ثابتٌ من عند الله ليقطعَ أي يُهلِكَ ويَنْقُصَ { طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ } أي طائفةٌ منهم بقتل وأسر وقد وقع ذلك حيث قُتل من رؤسائهم وصناديدِهم سبعون وأُسر سبعون { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أي يخزيَهم ويُغيظَهم بالهزيمة ، فإن الكبتَ شدةُ غيظٍ أو وهنٌ يقع في القلب من كَبتَه بمعنى كَبده إذا ضرب كِبدَه بالغيظ والحُرقة ، وقيل : الكبتُ الإصابةُ بمكروه ، وقيل : هو الصرعُ للوجه واليدين ، فالتاء حينئذ غيرُ مُبْدَلةٍ وأو للتنويع { فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ } أي فينهزموا منقطعي الآمالِ غيرَ فائزين من مبتغاهم بشيء كما في قوله تعالى : { وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً }
{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الامر شَىْء } اعتراضٌ وُسِّط بين المعطوف عليه المتعلّقِ بالعاجل والمعطوفِ المتعلّقِ بالآجل لتحقيق أن لا تأثيرَ للمنصورين إثرَ بيانِ أن لا تأثيرَ للناصرين ، وتخصيصُ النفيِ برسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق تلوينِ الخطابِ للدلالة على الانتفاءِ من غيره بالطريق الأولى ، وإنما خُصّ الاعتراضُ بموقعه لأن ما قبله من القطع والكبْتِ من مظانِّ أن يكونَ فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولسائر مباشري القتالِ مدخَلٌ في الجملة { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ } عطفٌ على يكبِتَهم والمعنى أن مالِكَ أمرِهم على الإطلاق هو الله عز وجل نصرَكم عليهم ليُهلِكَهم أو يكبتَهم أو يتوبَ عليهم إن أسلموا أو يعذبَهم إن أصرّوا ( على الكفر ) وليس لك من أمرهم شيءٌ إنما أنت عبدٌ مأمورٌ بإنذارهم وجهادِهم والمرادُ بتعذيبهم التعذيبُ الشديدُ الأخرويُّ المخصوصُ بأشد الكفَرةِ كُفراً ، وإلا فمطلقُ التعذيبِ الأخرويِّ متحققٌ في الفريقين الأولين أيضاً ، ونظمُ التوبةِ والتعذيبِ المذكورِ في سلك العلةِ الغائيةِ للنصر المترتبةِ عليه في الوجود من حيث إن قبولَ توبتِهم فرْعُ تحققِها الناشىءِ من علمهم بحقية الإسلامِ بسبب غلبةِ أهلِه المترتبةِ على النصر ، وأن تعذيبَهم بالعذاب المذكورِ مترتبٌ على إصرارهم على الكفر بعد تبيُّنِ الحقِّ على الوجه المذكورِ .

(1/451)


هذا وقيل : إن عتبة بنَ أبي وقاصٍ شج رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يومَ أحُد وكسرَ رَباعِيَتَه فجعل عليه الصلاة والسلام يمسح الدمَ عن وجهه وسالمٌ مولى أبي حُذيفةَ يغسِلُ عن وجهه الدمَ وهو يقول : كيف يُفلحُ قومٌ خضَبوا وجهَ نبيِّهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم فنزلت { لَيْسَ لَكَ مِنَ الامر شَىْء } الآية . كأنه نوعُ معاتبةٍ على إنكاره عليه السلام لفلاحهم ، وقيل : أراد أن يدعوَ عليهم فنهاه الله تعالى لعلمه بأن منهم من يؤمن فقولُه تعالى : { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } حينئذ معطوفٌ على الأمر أو على شيء بإضمار أنْ أي ليس لك من أمرهم أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيءٌ ، أو ليس لك من أمرهم شيءٌ أو التوبةِ عليهم أو تعذيبِهم . ونُقل عن الفراء وابنِ الأنباري أن { أَوْ } بمعنى إلا أن والمعنى ليس لك من أمرهم شيءٌ إلا أن يتوبَ الله عليهم فتفرَحَ به أو يعذبَهم فتتشفَّى منهم ، وأياً ما كان فهو كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان بعضِ الأمورِ المتعلقة بغزوة أحُدٍ إثرَ بيانِ بعضِ ما يتعلق بغزوة بدرٍ لِما بينهما من التناسُب الظاهرِ لأن كلاًّ منهما مبنيٌّ على اختصاص الأمرِ كلِّه بالله تعالى ومنبىءٌ عن سلبه عما سواه .
وأما تعلقُ كلِّ القصةِ بغزوة أُحد ، على أن قولَه تعالى : { إِذْ تَقُولُ } بدلٌ ثانٍ من إذ غدوتَ وأن ما حُكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقع يومَ أحدٍ وأن الإمدادَ الموعودَ كان مشروطاً بالصبر والتقوى فلما لم يفعلوا لم يتحققِ الموعودُ كما قيل فلا يساعدُه النظمُ الكريمُ أما أوّلاً فلأن المشروطَ بالصبر والتقوى إنما هو الإمدادُ بخمسة آلافٍ لا بثلاثة آلافٍ مع أنه لم يقع الإمدادُ يومئذ ولا بمَلكٍ واحدٍ ، وأما ثانياً فلأنه كان ينبغي حينئذ أن ينعى عليهم جنايتَهم وحِرْمانَهم بسببها تلكَ النعمةَ الجليلة ، ودعوى ظهورِه مع عدم دِلالةِ السباقِ والسياقِ عليه بل مع دَلالتهما على خلافه مما لا يكاد يُسمع ، وأما ثالثاً فلأنه لا سبيل إلى جعل الضمير في قوله تعالى : { وَمَا جَعَلَهُ الله } الخ ، عائداً إلى الإمداد الموعودِ لأنه لم يتحققْ فكيف يبيِّنُ علّته الغائيةَ ، ولا إلى الوعدِ به على معنى أنه تعالى إنما جعل ذلك الوعدَ لبِشارتكم واطمئنانِ قلوبكم فلم تفعلوا ما شرَطَ عليكم من الصبر والتقوى فلم يقع إنجازُ الموعودِ لما أن قوله تعالى : { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله العزيز الحكيم } صريحٌ في أنه قد وقع الإمدادُ الموعودُ لكن أثرَه إنما هو مجردُ البِشارة والاطمئنانِ وقد حصلا ، وأما النصرُ الحقيقيُ فليس ذلك إلا من عنده تعالى .

(1/452)


وجعلُه استئنافاً مقرّراً لعدم وقوعِ الإمداد على معنى أن النصرَ الموعودَ مخصوصٌ به تعالى فلا ينصُر من خالف أمرَه بترك الصبر والتقوى اعتسافٌ بيّنٌ يجب تنزيهُ التنزيلِ عن أمثاله على أن قولَه تعالى : { لِيَقْطَعَ طَرَفاً } الآية ، متعلقٌ حينئذ بما تعلق به قولُه تعالى : { مِنْ عِندِ الله } من الثبوت والاستقرارِ ضرورةَ أن تعلقَه بقوله تعالى : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ } الآية ، مع كون ما بينهما من التفصيل متعلقاً بوقعة أحُدٍ من قبيل الفصلِ بين الشجرِ ولِحائِه فلا بد من اعتبار وجودِ النصرِ قطعاً لأن تفصيلَ الأحكامِ المترتبةِ على وجود شيءٍ بصدد بيانِ انتفائِه مما لا يُعهدْ في كلام الناسِ فضلاً عن الكلام المَجيد . فالحقُّ الذي لا محيدَ عنه أن قولَه تعالى : { إِذْ تَقُولُ } ظرفٌ لنصرَكم وأن ما حُكي في أثنائه إلى قوله تعالى : { خَائِبِينَ } متعلقٌ بيومِ بدرٍ قطعاً وما بعده محتملٌ للوجهين المذكورين ، وقوله تعالى : { فَإِنَّهُمْ ظالمون } تعليلٌ على كل حال لقوله تعالى : { أَوْ يُعَذّبَهُمْ } مبينٌ لكون ذلك من جهتهم وجزاءٌ لظلمهم .

(1/453)


وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)

{ وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان اختصاصِ ملكوتِ كلِّ الكائناتِ به عز وجل إثرَ بيانِ اختصاصِ طرَفٍ من ذلك به سبحانه تقريراً لما سبق وتكملةً له . وتقديمُ الجارِّ للقصر ، وكلمةُ { مَا } شاملةٌ للعقلاء أيضاً تغليباً أي له ما فيهما من الموجودات خلقاً ومُلكاً لا مدخَلَ فيه لأحد أصلاً فله الأمرُ كلُّه { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } أن يغفرَ له مشيئةً مبنيةً على الحِكمة والمصلحة { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } أن يعذِّبَه بعمله مشيئةً كذلك . وإيثارُ كلمة { مِنْ } في الموضعين لاختصاص المغفرةِ والتعذيبِ بالعقلاء ، وتقديمُ المغفرة على التعذيب للإيذان بسبق رحمتِه تعالى غضبَه وبأنها من مقتَضيات الذاتِ دونه فإنه من مقتضيات سيئاتِ العُصاة ، وهذا صريحٌ في نفي وجوبِ التعذيبِ ، والتقييدُ بالتوبة وعدمِها كالمنافي له { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييلٌ مقرر لمضمون قوله تعالى : { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } مع زيادة ، وفي تخصيص التذييلِ به دون قرينةٍ من الاعتناء بشأن المغفرةِ والرحمةِ ما لا يخفى .
{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا } كلامٌ مبتدأٌ مشتمِلٌ على ما هو مَلاكُ الأمرِ في كل باب لا سيما في باب الجهادِ من التقوى والطاعةِ وما بعدهما من الأمور المذكورةِ على نهج الترغيبِ والترهيبِ جيء به في تضاعيفِ القصةِ مسارعةً إلى إرشاد المخاطَبين إلى ما فيه ، وإيذاناً بكمالِ وجوبِ المحافظةِ عليه فيما هم فيه من الجهاد ، فإن الأمورَ المذكورةَ فيه مع كونها مناطاً للفوز في الدارين على الإطلاق عُمدةٌ في أمر الجهادِ ، عليها يدورُ فلكُ النُّصرةِ والغلَبة ، كيف لا ولو حافظوا على الصبر والتقوى وطاعةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم لما لقُوا ما لقُوا ، ولعل إيرادَ النهي عن الربا في أثنائها لِما أن الترغيبَ في الإنفاق في السراء والضراءِ الذي عُمدتُه الإنفاقُ في سبيل الجهادِ متضمنٌ للترغيب في تحصيل المالِ فكان مظِنةَ مبادرةِ الناسِ طرق الاكتساب ومن جملتها الربا ، فنُهوا عن ذلك ، والمرادُ بأكله أخذُه ، وإنما عُبر عنه بالأكل لما أنه مُعظم ما يقصَد بالأخذ ، ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة تشنيعٍ ، وقولُه عز وجل : { أضعافا مضاعفة } ليس لتقييد النهي به بل لمراعاةِ ما كانوا عليه ممن العادة توبيخاً لهم بذلك إذ كان الرجلُ يُرْبي إلى أجلٍ فإذا حل قال للمَدين : زدْني في المال حتى أزيدك في الأجل فيفعلُ ، وهكذا عند محلِّ كلِّ أجلٍ فيستغرق بالشيء الطفيفِ مالَه بالكلية . ومحلُه بالنصبُ على الحالية من الربا وقرىء مُضَعَّفَةً { واتقوا الله } فيما نُهيتم عنه من الأعمال التي من جملتها الربا { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } راجين للفلاح { واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين } بالتحرُّر عن متابعتهم وتعاطي ما يتعاطَوْنه . كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : هي أخوفُ آيةٍ في القرآن حيث أوعدَ الله المؤمنين بالنار المُعَدَّة للكافرين إن لم يتّقوه في اجتناب محارمِه .

(1/454)


وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)

{ وَأَطِيعُواْ الله } في كل ما أمركم به ونهاكم عنه { والرسول } الذي يبلّغكم أوامرَه ونواهيَه { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } راجين لرحمته . عقّب الوعيدَ بالوعد ترهيباً عن المخالفة وترغيباً في الطاعة ، وإيرادُ { لَعَلَّ } في الموضعين للإشعار بعزة منالِ الفلاحِ والرحمة . قال محمدُ بنُ إسحاقَ : هذه الآيةُ معاتبةٌ للذين عصَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم يومَ أحُد .
{ وَسَارِعُواْ } عطفٌ على أطيعوا ، وقرىء بغير واو على وجه الاستئنافِ أي بادروا وأقبلوا وقرىء وسابقوا { إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } أي إلى ما يؤدي إليهما ، وقيل : إلى الإسلام ، وقيل : إلى التوبة ، وقيل : إلى الإخلاص ، وقيل : إلى الجهاد ، وقيل : إلى أداء جميعِ الواجباتِ وتركِ جميعِ المنهيَّاتِ فيدخُل فيها ما مر من الأمور المأمورِ بهاوالمنهيَّ عنها دخولاً أولياً . وتقديمُ المغفرةِ على الجنة لما أن التخليةَ متقدِّمةٌ على التحلية ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لمغفرة أي كائنةٍ من ربكم . والتعرض لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين لإظهار مزيدِ اللطفِ بهم ، وقولُه تعالى : { عَرْضُهَا السموات والارض } أي كعرضهما صفةٌ لجنةٍ ، وتخصيصُ العَرْض بالذكر للمبالغة في وصفها بالسِّعة والبسطةِ على طريقة التمثيلِ فإن العَرْضَ في العادة أدنى من الطول . وعن ابن عباس رضي الله عنهما كسبع سمواتٍ وسبعِ أرضينَ لو وُصل بعضُها ببعض { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } في حيز الجرِّ على أنه صفةٌ أخرى لجنة أو في محل النصبِ على الحالية منها لتخصُّصها بالصفة ، أي هُيِّئَتْ لهم . وفيه دليلٌ على أن الجنةَ مخلوقةٌ الآن وأنها خارجةٌ عن هذا العالم { الذين يُنفِقُونَ } في محل الجر على أنه نعتٌ للمتقين مادحٌ لهم أو بدلٌ منه أو بيانٌ أو في حيز النصبِ أو الرفعِ على المدح ، ومفعولُ ينفقون محذوفٌ ليتناولَ كلَّ ما يصلُح للإنفاق أو متروكٌ بالكلية كما في قولك : يُعطي ويمنَع { فِى السَّرَّاء والضراء } في حالتي الرخاءِ والشدة واليُسر والعُسر ، أو في الأحوال كلِّها إذ الإنسانُ لا يخلو عن مَسَرة أو مضَرَّة أي لا يخلُون في حالٍ بإنفاق ما قدَروا عليه من قليل أو كثير .
{ والكاظمين الغيظ } عطفٌ على الموصول ، والعدولُ إلى صيغة الفاعلِ للدِلالة على الاستمرار ، وأما الإنفاقُ فحيث كان أمراً متجدداً عبّر عنه بما يفيد الحدثَ وهو التجدد ، والكظمُ الحبسُ يقال : كظَم غيظه أي حبَسه ، قال المُبرِّدُ : تأويلُه أنه كتمه على امتلائه منه ، يقال : كظمتُ السقاءَ إذا ملأتُه وشددتُ عليه أي المُمْسِكين عليه الكافّين عن إمضائه مع القُدرة عليه ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « من كظم غيظاً وهو قادرٌ على إنفاذِه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً » { والعافين عَنِ الناس } أي التركين عقوبةَ من استحق مؤاخذتَه . رُوي أنه ينادي منادٍ يومَ القيامة : أين الذين كانت أجورُهم على الله تعالى؟ فلا يقوم إلا من عفا .

(1/455)


وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « إن هؤلاءِ في أمتي قليلٌ ألا من عصَم الله وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت » وفي هذين الوصفين إشعارٌ بكمال حُسنِ موقعِ عفوِه عليه الصلاة والسلام عن الرماة وتركِ مؤاخذتِهم بما فعلوا من مخالفة أمرِه عليه السلام وندبٌ له عليه السلام إلى ترك ما عزَم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا بحمزةَ رضي الله عنه حيث قال حين رآه قد مُثِّل به : « لأمثّلنّ بسبعين مكانك »
{ والله يُحِبُّ المحسنين } اللامُ إما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً وإما للعهد ، عبّر عنهم بالمحسنين إيذاناً بأن النعوتَ المعدودةَ من باب الإحسانِ الذي هو الإتيانُ بالأعمال على الوجه اللائقِ الذي هو حُسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحُسنها الذاتي ، وقد فسره عليه السلام بقوله : « أن تعبدَ الله كأنكَ تَرَاهُ فإنْ لم تكُنْ تراهُ فإنَّهُ يَرَاكَ » والجملةُ تذييلٌ يقرِّر مضمونَ ما قبلها .

(1/456)


وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)

{ والذين } مرفوعٌ على الابتداء ، وقيل : مجرورٌ معطوفٌ على ما قبله من صفات المتقين ، وقوله تعالى : { والله يُحِبُّ المحسنين } اعتراضٌ بينهما مشيرٌ إلى ما بينهما من التفاوت ، فإن درجةَ الأولين من التقوى أعلى من درجة هؤلاءِ وحظِّهم ، أو على نفس المتقين فيكونُ التفاوتُ أكثرَ وأظهرَ { إِذَا فَعَلُواْ فاحشة } أي فَعلةً بالغةً في القُبح كالزنا { أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } بأن أتَوْا ذنباً أيَّ ذنبٍ كان ، وقيل : الفاحشةُ الكبيرةُ ، وظلمُ النفسِ الصغيرة ، أو الفاحشةُ ما يتعدّى إلى الغير ، وظلمُ النفس ما ليس كذلك . قيل : قال المؤمنون : يا رسولَ الله كانت بنو إسرائيلَ أكرمَ على الله تعالى منا ، كان أحدُهم إذا أذنب أصبحت كفارةُ ذنبِه مكتوبةً على عَتَبة دارِه افعلْ كذا فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ . وقيل : إن نبهانَ التمار أتتْه امرأةٌ حسناءُ تطلُب منه تمراً فقال لها : هذا التمرُ ليس بجيد وفي البيت أجودُ منه فذهب بها إلى بيته فضمّها إلى نفسه وقبّلها فقالت له : اتق الله فتركها وندِم على ذلك وأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك فنزلت ، وقيل : جرى مثلُ هذا بين أنصاريُّ وامرأةِ رجلٍ ثقفي كان بينهما مؤاخاةٌ فندم الأنصاريُّ وحثا على رأسه الترابَ وهام على وجهه وجعل يسيح في الجبال تائباً مستغفِراً ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت . وأياً ما كان فإطلاقُ اللفظِ ينتظم ما فعله الزُناةُ انتظاماً أولياً { ذَكَرُواْ الله } تذكّروا حقَّه العظيمَ وجلالَه الموجبَ للخشية والحياء أو وعيدَه أو حُكمَه وعقابَه .
{ فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ } بالتوبة والندمِ ، والفاء للدَلالة على أن ذكرَه تعالى مستتبعٌ للاستغفار لا محالة { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب } استفهامٌ إنكاريٌّ ، والمرادُ بالذنوب جنسُها كما في قولك : فلان يلبَس الثيابَ ويركب الخيلَ لا كلُّها حتى يُخِلّ بما هو المقصودُ من استحالة صدورِ مغفرةِ فردٍ منها عن غيره تعالى ، وقوله تعالى : { إِلاَّ الله } بدلٌ من الضمير المستكن في يغفر أي لا يغفرُ جنسَ الذنوبِ أحدٌ إلا الله خلا أن دَلالة الاستفهامِ عن الانتفاء أقوى وأبلغُ لإيذانه بأن كلَّ أحدٍ ممن له حظٌّ من الخطاب يعرِف ذلك الانتفاءَ فيسارع إلى الجواب به ، والمرادُ به وصفُه سبحانه بغاية سَعةِ الرحمةِ وعمومِ المغفرةِ ، والجملةُ معترضةٌ بين المعطوفين أو بين الحالِ وصاحبِها لتقرير الاستغفارِ والحث عليه والإشعارِ بالوعد بالقَبول { وَلَمْ يُصِرُّواْ } عطفٌ على فاستغفروا ، وتأخيرُه عنه مع تقدم عدمِ الإصرار على الاستغفار رتبةً لإظهار الاعتناءِ بشأن الاستغفارِ واستحقاقِه للمسارعة إليه عَقيبَ ذكرِه تعالى أو حال من فاعله ولم يُقيموا أو غيرَ مقيمين { على مَا فَعَلُواْ } أي ما فعلوه من الذنوب فاحشةً كانت أو ظلماً أو على فعلهم . روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرةً » وأنه لا كبيرةَ مع الاستغفار ولا صغيرةَ مع الإصرار { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } حال من فاعل يُصِروا أي لم يُصروا على ما فعلوا وهم عالمون بقُبحه والنهيِ عنه والوعيدِ عليه . والتقييدُ بذلك لما أنه قد يُعذر من لا يعلم ذلك إذا لم يكن التقصيرُ في تحصيل العلم به .

(1/457)


أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)

{ أولئك } إشارةٌ إلى المذكورين آخِراً باعتبار اتصافِهم بما مرَّ من الصفات الحميدةِ ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببعيد منزلتِهم وعلوِّ طبقتِهم في الفضل ، وهو مبتدأٌ وقوله تعالى : { جَزَآؤُهُمْ } بدلُ اشتمالٍ منه وقوله تعالى : { مَغْفِرَةٌ } خبرٌ له أو جزاؤهم مبتدأٌ ثانٍ ومغفرةٌ خبر له ، والجملةُ خبرٌ لأولئك ، وهذه الجملةُ خبر لقوله تعالى { والذين إِذَا فَعَلُواْ } الخ على الوجه الأولِ وهو الأظهرُ الأنسبُ بنظم المغفرةِ المنبئةِ عن سابقة الذنبِ في سلك الجزاءِ ، إذ على الوجهين يكون قولُه تعالى : { أولئك } الخ جملةً مستأنفةً مبينةً لما قبلها كاشفةً عن حال كلا الفريقين المحسنين والتائبين ، ولم يُذكَرْ من أوصاف الأولين ما فيه شائبةُ الذنبِ حتى يُذكَرَ في مطلَع الجزاءِ الشاملِ لهما المغفرةُ ، وتخصيصُ الإشارةِ بالآخِرين مع اشتراكهما في حكم إعدادِ الجنةِ لهما تعسُّفٌ ظاهر { مّن رَّبّهِمُ } متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لمغفرةٌ مؤكدةً لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتيةِ بالفخامة الإضافيةِ أي كائنةٌ من جهته تعالى . والتعرضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم للإشعار بعلة الحُكمِ والتشريفِ { وجنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } عطفٌ على مغفرةٌ ، والتنكيرُ المُشعِرُ بكونها أدنى من الجنة السابقةِ مما يؤيد رُجحانَ الوجهِ الأول { خالدين فِيهَا } حالٌ مقدّرةٌ من الضمير في جزاؤهم لأنه مفعولٌ به في المعنى لأنه في قوة يجزيهم الله جناتٌ خالدين فيها ، ولا مَساغَ لأن يكون حالاً من جناتٌ في اللفظ وهي لأصحابها في المعنى إذ لو كان كذلك لبرز الضمير .
{ وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } المخصوصُ بالمدح محذوفٌ أي ونعم أجرُ العاملين ذلك ، أي ما ذُكر من المغفرة والجناتِ ، والتعبيرُ عنهما بالأجر المشعرِ بأنهما يُستحقان بمقابلة العمل وإن كان بطريق التفضُّل لمزيد الترغيبِ في الطاعات والزجرِ عن المعاصي ، والجملةُ تذييلٌ مختصٌّ بالتائبين حسبَ اختصاصِ التذييلِ السابقِ بالأولين وناهيك مضمونُهما دليلاً على ما بين الفريقين من التفاوت النيِّرِ والتبايُنِ البيِّن ، شتانَ بين المحسنين الفائزين بمحبة الله عز وجل وبين العاملين الحائزين لأُجرتهم وعمالتِهم .
{ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } رجوعٌ إلى تفصيل بقيةِ القصةِ بعد تمهيدِ مبادىءِ الرشدِ والصلاح وترتيبِ مقدماتِ الفوزِ والفلاحِ . والخلوُّ المُضِيُّ ، والسننُ الوقائعُ ، وقيل : الأممُ . والظرفُ إما متعلقٌ بخلَتْ أو بمحذوف وقع حالاً من سننٌ أي قد مضت من قبل زمانِكم أو كائنةً من قبلكم وقائعُ سنّها الله تعالى في الأمم المكذِّبة كما في قوله تعالى : { وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً سُنَّةَ الله فِى الذين خَلَوْاْ } الخ ، والفاءُ في قوله تعالى : { فَسِيرُواْ فِى الارض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } للدِلالة على سببية خلوِّها للسير والنظر أو للأمر بهما ، وقيل : المعنى على الشرط : أي إنْ شككتم فسيروا الخ ، وكيف خبرٌ مقدمٌ لكان معلقٌ بفعل النظر ، والجملةُ في محل النصبِ بعد نزعِ الخافضِ لأن الأصلَ استعمالُه بالجار .

(1/458)


هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)

{ هذا } إشارةٌ إلى ما سلف من قوله تعالى : { قَدْ خَلَتْ } إلى آخره { بَيَانٌ لّلنَّاسِ } أي تبيينٌ لهم ، على أن اللامَ متعلقةٌ بالمصدر أو كائنٌ لهم على أنها متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً له ، وتعريفُ الناس للعهد وهم المكذبون أي هذا إيضاحٌ لسوء عاقبةِ ما هم عليه من التكذيب فإن الأمرَ بالسير والنظرِ وإن كان خاصاً بالمؤمنين لكن العملَ بموجبه غيرُ مختصَ بواحد دون واحدٍ ففيه حملٌ للمكذبين أيضاً على أن ينظُروا في عواقب مَنْ قبلَهم من أهل التكذيبِ ويعتبروا بما يعانون من آثار دمارِهم وإن لم يكن الكلامُ مَسوقاً لهم { وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ } أي وزيادةُ بصيرةٍ وموعظةٍ لكم وإنما قيل : { لّلْمُتَّقِينَ } للإيذان بعلة الحُكمِ فإن مدارَ كونِه هدىً وموعظةً لهم إنما هو تقواهم . ويجوز أن يُرادَ بالمتقين الصائرين إلى التقوى والهدى والموعظة على ظاهرهما ، أي هذا بيانٌ لمآل أمرِ الناسِ وسوءِ مَغبّتِه ، وهدايةٌ لمن اتقى منهم وزجرٌ لهم عما هم عليه من التكذيب ، وأن يُراد به ما يعُمّهم ويعُم غيرَهم من المتقين بالفعل ، ويُرادَ بالهدى والموعظةِ أيضاً ما يعُم ابتداءَهما والزيادةَ فيهما ، وإنما قُدّم كونُه بياناً للمكذبين مع أنه غيرُ مَسوق له على كونه هدىً وموعظةً للمتقين ، مع أنه المقصودُ بالسياق لأن أولَ ما يترتب على مشاهدة آثارِ هلاكِ أسلافِهم ظهورُ حالِ أخلافِهم ، وأما زيادةُ الهدى أو أصلِه فأمرٌ مترتبٌ عليه ، وتخصيصُ البيانِ للناس مع شموله للمتقين أيضاً لما أن المرادَ به مجردُ البيانِ العاري عن الهدى والعظةِ ، والاقتصار عليهما في جانب المتقين مع ترتّبهما على البيان لما أنهما المقصِدُ الأصليُّ ، ويجوز أن يكون تعريفُ الناسِ للجنس أي هذا بيانٌ للناس كافةً ، وهدى وموعظةٌ للمتقين منهم خاصة . وقيل : كلمةُ هذا إشارةٌ إلى ما لُخِّص من أمر المتقين والتائبين والمُصِرِّين . وقوله تعالى : { قَدْ خَلَتْ } الآية ، اعتراضٌ للحث على الإيمان وما يُستحَقّ به ما ذُكر من أجر العاملين . وأنت خبيرٌ بأن الاعتراضَ لا بد أن يكون مقرِّراً لمضمون ما وقع في خلاله ، ومعاينةُ آثارِ هلاكِ المكذبين مما لا تعلقَ له بحال أحدِ الأصنافِ الثلاثةِ للمؤمنين وإن كان باعثاً على الإيمان زاجراً عن التكذيب ، وقيل : إشارةٌ إلى القرآن ولا يخفى بُعدُه .
{ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا } تشجيعٌ للمؤمنين وتقويةٌ لقلوبهم وتسليةٌ عما أصابهم يوم أحُدٍ من القتل والقرحِ ، وكان قد قُتل يومئذ خمسةٌ من المهاجرين : حمزةُ بنُ عبدِ المطلّب ومصعبُ بنُ عميرٍ صاحبُ رايةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعبدُ اللَّه بنُ جحشٍ ابنُ عمةِ النبي صلى الله عليه وسلم وعثمانُ بنُ مظعونٍ وسعدٌ مولى عتبةَ رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعين ، ومن الأنصار سبعون رجلاً رضي الله عنهم أي لا تضعُفوا عن الجهاد بما نالكم من الجراح ولا تحزَنوا على مَنْ قتل منكم { وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ } جملةٌ حاليةٌ من فاعل الفعلين ، أي والحالُ أنكم الأعلَوْن الغالبون دون عدوِّكم فإن مصيرَ أمرِهم إلى الدمار حسبما شاهدتم من أحوال أسلافِهم فهو تصريحٌ بالوعد بالنصر والغلبةِ بعد الإشعارِ به فيما سبق ، أو وأنتم المعهودون بغاية علوِّ الشانِ لما أنكم على الحق وقتالُكم لله عز وجل وقَتْلاكم في الجنة ، وهم على الباطل وقتالُهم للشيطان وقَتْلاهم في النار ، وقيل : وأنتم الأعلَوْن حالاً منهم ، حيث أصبتم منهم يومَ بدرٍ أكثرَ مما أصابوا منكم اليوم { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } متعلقٌ بالنهي أو بالأعلون وجوابُه محذوفٌ لدَلالة ما تعلق به عليه ، أي إن كنتم مؤمنين فلا تهِنوا ولا تحزَنوا فإن الإيمانَ يوجب قوةَ القلب والثقةَ بصنع الله تعالى وعدمَ المبالاة بأعدائه ، أو إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلَوْن فإن الإيمانَ يقتضي العلوَّ لا محالةَ أو إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى فأنتم الأعلَوْن .

(1/459)


وأياً ما كان فالمقصودُ تحقيقُ المعلَّقِ به كما في قوله الأجير : إن كنتُ عمِلتُ لك فأعطني أجري ولذلك قيل : معناه إذ كنتم مؤمنين ، وقيل : معناه إنْ بقِيتم على الإيمان .

(1/460)


إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)

{ ِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ } القرحُ بالفتح والضم لغتان كالضَّعف والضُّعف وقد قرىء بهما ، وقيل : هو بالفتح الجراحُ وبالضم ألَمُها ، وقرىء بفتحتين ، وقيل : القرح والقرح كالطرد والطرد ، والمعنى إن نالوا منكم يومَ أحُدٍ فقد نِلتم منهم قبله يومَ بدرٍ ثم لم يُثَبِّطْهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أحقُّ بأن لا تضعُفوا فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون . وقيل : كلا المَسَّيْنِ كان يوم أحُد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، قَتلوا منهم نيفاً وعشرين رجلاً منهم صاحبُ لوائِهم وجرحوا عدداً كثيراً وعقَروا عامة خيلِهم بالنبل { وَتِلْكَ الايام } إشارةٌ إلى الأيام الجاريةِ فيما بين الأممِ الماضيةِ والآتيةِ كافةً لاإلى الأيامِ المعهودةِ خاصةً من يوم بدرٍ ويومِ أحدٍ بل هي داخلةٌ فيها دخولاً أولياً ، والمرادُ بها أوقاتُ الظَفَرِ والغَلَبةِ { نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } نُصَرِّفها بينهم نُديلُ لهؤلاء تارةً ولهؤلاء أخرى كقول من قال :
فيوماً علينا ويوماً لنا ... ويوماً نُساءُ ويوماً نُسَرّ
والمداولةُ كالمعاورة ، يقال : داولتُه بينهم فتداولوه أي عاورْتُه فتعاوروه . واسمُ الإشارةِ مبتدأ والأيامُ إما صفةٌ له أو بدلٌ منه أو عطفُ بيانٍ له ونداولها خبرُه أو خبره ونداولها حالٌ من الأيام والعاملُ معنى اسمِ الإشارةِ أو خبرٌ بعد خبرٍ وصيغةُ المضارعِ الدالةُ على التجدد والاستمرارِ للإيذان بأن تلك المداولةَ سنةٌ مسلوكةٌ فيما بين الأممِ قاطبةً سابقتِها ولاحقتِها وفيه ضربٌ من التسلية ، وقوله عز وجل : { وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } إما من باب التمثيلِ أي ليعامِلَكم معاملةَ من يريد أن يَعلمَ المخلِصين الثابتين على الإيمان من غيرهم ، أو العلمُ فيه مجازٌ عن التمييز بطريق إطلاقِ اسمِ السببِ على المسبَّب أي ليُميِّزَ الثابتين على الإيمان من غيرهم كما في قوله تعالى : { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب } أو هو على حقيقته معتبَرٌ من حيث تعلُّقُه بالمعلوم من حيث إنه موجودٌ بالفعل إذ هو الذي يدور عليه فلكُ الجزاءِ لا من حيث أنه موجودٌ بالقوة .
وإطلاقُ الإيمانِ مع أن المرادَ هو الرسوخُ والإخلاصُ فيه للإيذان بأن اسمَ الإيمانِ لا ينطلق على غيره ، والالتفاتُ إلى الغَيبة بإسناده إلى اسم الذاتِ المستجمِعِ للصفات لتربية المهابةِ والإشعارِ بأن صدورَ كلِّ واحدٍ مما يُذكر بصدد التعليلِ من أفعاله تعالى باعتبار منشإٍ معيّنٍ من صفاته تعالى مغايرٌ لمنشإ الآخَر ، والجملةُ علةٌ لما هو فردٌ من أفراد مُطلقِ المداولةِ التي نطقَ بها قولُه تعالى : { نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } من المداولة المعهودةِ الجاريةِ بين فريقي المؤمنين والكافرين ، واللامُ متعلقةٌ بما دل عليه المطلقُ من الفعل المقيَّدِ بالوقوع بين الفريقين المذكورين أو بنفس الفعلِ المطلقِ باعتبار وقوعِه بينهما ، والجملةُ معطوفةٌ على علة أخرى لها معتبرةٍ إما على الخصوص والتعيينِ محذوفة لدَلالة المذكورةِ عليها لكونها من مبادئها ، كأنه قيل : نداولها بينكم وبين عدوِّكم ليظهرَ أمرُكم وليَعلَمَ الخ ، فإن ظهورَ أعمالِهم وخروجَها من القوة إلى الفعل من مبادىء تمييزِهم عن غيرهم ومواجبِ تعلّقِ العلمِ الأزليِّ بها من تلك الحيثيةِ ، وكذا الحالُ في باب التمثيل فتأملْ .

(1/461)


وإما على العموم والإبهامِ للتنبيه على أن العللَ غيرُ منحصِرَةٍ فيها عُدِّد من الأمور وأن العبدَ يسوؤه ما يجري عليه من النوائب ، ولا يشعُر بأن الله تعالى جعل له في ذلك من الألطاف الخفيةِ ما لا يخطرُ ببال . كأنه قيل : نداولُها بينكم ليكونَ من المصالح كيت وكيت وليَعلَمَ الخ ، وفيه من تأكيد التسليةِ ومزيدِ التبصِرَة ما لا يخفى . وتخصيصُ البيان بعلة هذا الفردِ من مطلقِ المداولةِ دون سائر أفرادِها الجاريةِ فيما بين بقيةِ الأممِ تعييناً أو إبهاماً لعدم تعلقِ الغرضِ العلميِّ ببيانها ولك أن تجعلَ المحذوفَ المبْهَمَ عبارةً عن علل سائرِ أفرادِها للإشارة إجمالاً إلى أن كلَّ فردٍ من أفرادها له علةٌ داعيةٌ إليه كأنه قيل : نداولها بين الناس كافةً ليكونَ كيت وكيت من الحِكَم الداعيةِ إلى تلك الأفرادِ وليَعلمَ الخ ، فاللامُ الأولى متعلقةٌ بالفعل المطلقِ باعتبار تقيُّدِه بتلك الأفرادِ ، والثانيةُ باعتبار تقيّدِه بالفرد المعهودِ ، وقيل : هي متعلقةٌ بمحذوفٍ مؤخَّرٍ تقديرُه وليعلمَ الله الذين آمنوا فَعَل ذلك .
{ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } جمعُ شهيدٍ أي ويُكرِمَ ناساً منكم بالشهادة ، وهم شهداءُ أحُدٍ . فمِنْ ابتدائيةٌ أو تبعيضيةٌ متعلقةٌ بيتخذ ، أو بمحذوف وقعَ حالاً من شهداءَ أو جمعُ شاهدٍ أي ويتخذ منكم شهوداً معدلين بما ظهر منهم من الثبات على الحق والصبرِ على الشدائد وغيرِ ذلك من شواهد الصدقِ ليشهدوا على الأمم يومَ القيامةِ ، فمِنْ بيانيةٌ لأن تلك الشهادةَ وظيفةُ الكلِّ دون المستشهَدين فقط ، وأياً ما كان ففي لفظ الاتخاذ المُنْبىءِ عن الاصطفاء والتقريبِ من تشريفهم وتفخيمِ شأنِهم ما لا يخفى . وقوله تعالى : { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } اعتراضٌ مقررٌ لمضمون ما قبله ، ونفيُ المحبةِ كنايةٌ عن البغض ، وفي إيقاعه على الظالمين تعريضٌ بمحبته تعالى لمقابليهم ، والمرادُ بهم إما غيرُ الثابتين على الإيمان فالتقريرُ من حيث إن بغضَه تعالى لهم من دواعي إخراجِ المخلِصينَ المصطَفَيْنَ للشهادة من بينهم ، وإما الكفرةُ الذين أُديل لهم ، فالتقريرُ من حيث إن ذلك ليس بطريق النُصرةِ لهم ، فإنها مختصةٌ بأوليائه تعالى ، بل لِما ذُكر من الفوائد العائدةِ إلى المؤمنين .

(1/462)