صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)
{ قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول } أي في جميع الأوامرِ والنواهي فيدخلُ في ذلك الطاعةُ في اتباعه عليه الصلاة والسلام دخولاً أولياً ، وإيثارُ الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات لتعيين حيثية الإطاعة والإشعارِ بعلّتها فإن الإطاعة المأمورَ بها إطاعتُه عليه الصلاة والسلام من حيث إنه رسولُ الله لا من حيث ذاتُه ولا ريب في أن عنوانَ الرسالة من موجبات الإطاعةِ ودواعيها { فَإِن تَوَلَّوْاْ } إما من تمام مقولِ القول فهي صيغة المضارعِ المخاطَب بحذف إحدى التاءين أي تتولوا وإما كلام متفرِّعٌ عليه مَسوقٌ من جهته تعالى فهي صيغةُ الماضي الغائب ، وفي ترك ذكرِ احتمالِ الطاعةِ كما في قوله تعالى : { فَإِنْ أَسْلَمُواْ } تلويحٌ إلى أنه غيرُ محتمَلٍ منهم { فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين } نفي المحبة كنايةٌ عن بغضه تعالى لهم وسُخطِه عليهم أي لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم ، وإيثارُ الإظهارِ على الإضمار لتعميم الحكمِ لكل الكفَرَة والإشعار بعلّته فإن سخطه تعالى عليهم بسبب كفرهم والإيذان بأن التولّيَ عن الطاعة كفرٌ وبأن محبتَه عز وجل خاصة بالمؤمنين . (1/375)
{ إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إبراهيم وَءالَ عمران عَلَى العالمين } لما بيّن الله تعالى أن الدين المرضيِّ عنده هو الإسلامُ والتوحيدُ وأن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو للبغي والحسد وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته منوطٌ باتباع الرسولِ صلى الله عليه وسلم وطاعته شرَعَ في تحقيق رسالته وكونِه من أهل بيت النبوة القديمةِ فبدأ ببيان جلالةِ أقدارِ الرسل عليهم الصلاة والسلام كافةً وأتبعه ذكرَ مبدأ أمرِ عيسى عليه الصلاة والسلام وأمِّه وكيفيةِ دعوتِه للناس إلى التوحيد والإسلام تحقيقاً للحق وإبطالاً لما عليه أهلُ الكتابين في شأنهما من الإفراط والتفريط ثم بين بطلانَ مُحاجّتهم في إبراهيم عليه الصلاة والسلام وادعائِهما الانتماءَ إلى ملته ونزّه ساحتَه العلية عما هم عليه من اليهودية والنصرانية ثم نص على أن جميعَ الرسل عليهم الصلاة والسلام دعاةٌ إلى عبادة الله عز وجل وحده وطاعتِه منزَّهون عن احتمال الدعوة إلى عبادة أنفسِهم أو غيرِهم من الملائكة والنبيين وأن أممهم قاطبةً مأمورون بالإيمان بمن جاءهم من رسولٍ مصدقٍ لما معهم تحقيقاً لوجوب الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابه المصدِّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل ووجوب الطاعة له حسبما سيأتي تفصيلُه ، وتخصيصُ آدمَ عليه الصلاة والسلام بالذكر لأنه أبو البشر ومنشأ النبوة وكذا حالُ نوحٍ عليه السلام فإنه آدمُ الثاني ، وأما ذكرُ آل إبراهيمَ فلترغيب المعترفين باصطفائهم في الإيمان بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستمالتِهم نحوَ الاعترافِ باصطفائه بواسطة كونِه من زُمرتهم مع ما مر من التنبيه على كونه عليه الصلاة والسلام عريقاً في النبوة من زمرة المصطفَيْنَ الأخيار ، وأما ذكرُ آلِ عمرانَ مع اندراجهم في آل إبراهيمَ فلإظهار مزيدِ الاعتناء بتحقيق أمرِ عيسى عليه الصلاة والسلام لكمال رسوخِ الخلاف في شأنه فإن نسبةَ الاصطفاءِ إلى الأب الأقرب أدلُّ على تحققه في الآل وهو الداعي إلى إضافة الآلِ إلى إبراهيمَ دون نوحٍ وآدمَ عليهم الصلاة والسلام ، والاصطفاء أخذُ ما صفا من الشيء كالاستصفاء ، مثّل به اختيارَه تعالى إياهم النفوسَ القدسية وما يليق بها من الملكات الروحانيةِ والكمالاتِ الجُسمانية المستتبعةِ للرسالة في نفس المصطفى كما في كافة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، أو فيمن يلابسه وينشأ منه كما في مريمَ ، وقيل : اصطفى آدمَ عليه الصلاة والسلام بأن خلقه بيده في أحسنِ تقويمٍ وبتعليم الأسماء وإسجادِ الملائكة له وإسكانِ الجنة ، واصطفى نوحاً عليه الصلاة والسلام بكونه أولَ من نسخ الشرائعَ إذ لم يكن قبل ذلك تزويجُ المحارم حراماً وبإطالة عُمره وجعْلِ ذريتِه هم الباقين واستجابةِ دعوتِه في حق الكفرة والمؤمنين ، وحملِه على متن الماء ، والمرادُ بآل إبراهيمَ إسماعيلُ وإسحاقُ والأنبياءُ من أولادهما الذين من جملتهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وأما اصطفاءُ نفسِه عليه الصلاة والسلام فمفهومٌ من اصطفائهم بطريق الأولوية ، وعدمُ التصريح به للإيذان بالغنى عنه لكمال شهرةِ أمرِه في الخِلّة وكونِه إمامَ الأنبياء وقدوةً للرسل عليهم الصلاة والسلام وكونِ اصطفاء آله بدعوته بقوله :
{ رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } الآية ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ » . وبآل عمرانَ عيسى وأمُّه مريمُ ابنةُ عِمرانَ بنِ ماثانَ بنِ أبي بور بن رب بابل بن ساليان بن يوشيان بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحز بن يوثم بن عزياهو بن يهوشافاط بن أسا بن رحبعم بن سليمانَ بنِ داودَ عليهما الصلاة والسلام ابن بيشا بن عوفيذ بن بوعز بن سلمون بن نحشون بن عمينوذب بن رم بن حصرون بن بارص بن يهوذا بنِ يعقوبَ عليه الصلاة والسلام ، وقيل : موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب عليه الصلاة والسلام وبين العمرانين ألفٌ وثمانمائة سنة فيكون اصطفاءُ عيسى عليه الصلاة والسلام حينئذ بالاندراج في آل إبراهيمَ عليه السلام والأولُ هو الأظهرُ بدليل تعقيبِه بقصة مريمَ واصطفاءِ موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام بالانتظام في سلك آلِ إبراهيمَ عليه السلام انتظاماً ظاهراً ، والمرادُ بالعالمين أهلُ زمان كل واحدٍ منهم أي اصطفى كل واحد منهم على عالمي زمانه . (1/376)
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)
{ ذُرّيَّةِ } نُصب على البدلية من الآلَيْن أو على الحالية منهما وقد مر بيانُ اشتقاقها في قوله تعالى : { وَمِن ذُرّيَتِى } وقوله تعالى : { بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } في محل النصب على أنه صفةٌ لذرية أي اصطفى الآلَيْن حالَ كونهم ذريةً متسلسلةً متشعّبةَ البعضِ من البعض في النسَب كما يُنْبىء عنه التعرُّضُ لكونه ذرية وقيل : بعضُها من بعض في الدين فالاستمالةُ على الوجه الأول تقريبيةٌ وعلى الثاني برهانية { والله سَمِيعٌ } لأقوال العباد { عَلِيمٌ } بأعمالهم البادية والخافية فيصطفي مِن بينِهم لخِدمته مَنْ تظهر استقامتُه قولاً وفعلاً على نهج قوله تعالى : { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها . (1/377)
إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)
إِذْ قَالَتِ امرأت عمران } في حيِّز النصب على المفعولية بفعل مقدَّرٍ على طريقة الاستئنافِ لتقرير اصطفاءِ آلِ عمرانَ وبيانِ كيفيته أي اذكر لهم وقت قولِها الخ وقد مر مراراً وجهُ توجيهِ التذكيرِ إلى الأوقات مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيها من الحوادث ، وقيل : هو منصوبٌ على الظرفية لما قبله أي سميع لقولها المحكيِّ عليمٌ بضميرها المَنْويّ ، وقيل : هو ظرفٌ لمعنى الاصطفاء المدلول عليه باصطفى المذكور كأنه قيل : واصطفى آلَ عمران إذ قالت الخ فكان من عطف الجُمل على الجمل دون عطفِ المفردات على المفردات ليلزَمَ كونُ اصطفاءِ الكلِّ في ذلك الوقت ، وامرأةُ عمرانَ هي حنّةُ بنتُ فاقوذا جدةُ عيسى عليه الصلاة والسلام وكانت لعِمرانَ بنِ يَصْهرَ بنتٌ اسمُها مريمُ أكبرُ من موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام فظن أن المراد زوجتُه وليس بذاك ، فإن قضيةَ كفالةِ زكريا عليه الصلاة والسلام قاضيةٌ بأنها زوجةُ عمرانَ بنِ ماثانَ لأنه عليه الصلاة والسلام كان معاصراً له وقد تزوج إيشاع أختَ حنة أم يحيى عليه الصلاة والسلام وأما قولُه عليه الصلاة والسلام في شأن يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام : « هما ابنا خالة » فقيل : تأويلُه أن الأختَ كثيراً ما تُطلق على بنت الأخت وبهذا الاعتبار جعلهما عليهما الصلاة والسلام ابنيْ خالة وقيل : كانت إيشاعُ أختَ حنةَ من الأم وأختَ مريمَ من الأب ، على أن عمرانَ نكحَ أولاً أمَّ حنة فولدت له إيشاع ثم نكح حنة بناءً على نكاح الربائبِ في شريعتهم فولدَتْ مريمَ فكانت إيشاعُ أختَ مريمَ من الأب وخالتَها من الأم لأنها أخت حنة من الأم ، روي أنها كانت عجوزاً عاقراً فبينما هي ذاتَ يوم في ظل شجرة إذ رأت طائراً يُطعم فرخَه فحنّت إلى الولد ، وتمنتْه ، وقالت : اللهم إن لك عليَّ نذراً إن رَزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكونَ من سَدَنته . وكان هذا النذرُ مشروعاً عندهم في الغلمان ثم هلك عِمرانُ وهي حامل . وحينئذ فقولها : { رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي } لا بد من حمله على التكرير لتأكيد نذرِها وإخراجِه عن صورة التعليق إلى هيئة التنجيز ، والتعرضُ لوصف الربوبية المنبئة عن إفاضة ما فيه صلاحُ المربوب مع الإضافة إلى ضميرها لتحريك سلسلة الإجابة ، ولذلك قيل : إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه فليدعُ الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته ، وتأكيدُ الجملة لإبراز وفورِ الرغبة في مضمونها ، وتقديمُ الجارّ والمجرور لكمال الاعتناءِ به ، وإنما عُبّر عن الولد ( بما ) لإبهام أمرِه وقصورِه عن درجه العقلاء { مُحَرَّرًا } أي مُعْتقاً لخدمة بيتِ المقدس لا يشغَلُه شأن عنه ، أو مُخلَصاً للعبادة ، ونصبُه على الحالية من الموصول والعامل فيه { نَذَرْتُ } وقيل : من ضميره في الصلة والعامل معنى الاستقرار فإنها في قوة ما استقر في بطني ، ولا يخفى أن المراد تقييدُ فعلِها بالتحرير ليحصُل به التقربُ إليه تعالى لا تقييدُ ما لا دخلَ لها فيه من الاستقرار في بطنها { فَتَقَبَّلْ مِنّي } أي ما نذرتُه والتقبُّل أخذُ الشيء على وجه الرضا وهذا في الحقيقة استدعاءٌ للولد إذ لا يُتصور القَبولُ بدون تحقيق المقبول بل للولد الذكَرِ لعدم قَبول الأنثى { إِنَّكَ أَنتَ السميع } لجميع المسموعات التي من جملتها تضرعي ودعائي { العليم } بكل المعلومات التي من زمرتها ما في ضميري لا غير ، وهو تعليلٌ لاستدعاء القبول لا من حيث إن كونه تعالى سميعاً لدعائها عليماً بما في ضميرها مصحّحٌ للتقبل في الجملة بل من حيث إن علمَه تعالى بصحة نيتها وإخلاصِها مستدعٍ لذلك تفضلاً وإحساناً ، وتأكيدُ الجملة لعرض قوةِ يقينها بمضمونها ، وقصرُ صفتي السمعِ والعلم عليه تعالى لعرض اختصاص دعائِها به تعالى وانقطاعِ حبل رجائها عما عداه بالكلية مبالغةً في الضراعة والابتهال . (1/378)
فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)
{ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } أي ما في بطنها ، وتأنيثُ الضمير العائد إليه لما أن المقامَ يستدعي ظهورَ أنوثتِه واعتبارَه في حيز الشرط إذ عليه يترتب جوابُ لما ، أعني قوله تعالى : { قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى } لا على وضع ولدٍ ما كأنه قيل : فلما وضعت بنتاً قالت الخ ، قيل : تأنيثُه لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله تعالى أو لأنه مؤوّلٌ بالمرة من الحَبَل أو النفْس أو النَّسَمة وأنت خبير بأن اعتبارَ شيءٍ مما ذُكر في حيز الشرط لا يكون مداراً لترتب الجواب عليه وقولُه تعالى : { أنثى } حال مؤكّدة من الضمير أو بدلٌ منه ، وتأنيثُه للمسارعة إلى عَرْض ما دَهَمها من خيبة الرجاء أو لما مر من التأويل بالحبْلةِ أو النسمة فالحال حينئذ مبيِّنة وإنما قالته تحزُّناً وتحسّراً على خيبة رجائِها وعكسِ تقديرِها لما كانت ترجو أن تلدَ ذكَراً ولذلك نذرَتْه محرّراً للسِّدانة ، والتأكيدُ للرد على اعتقادها الباطل { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } تعظيمٌ من جهته تعالى لموضوعها وتفخيمٌ لشأنه وتجهيلٌ لها بقدره أي والله أعلم بالشيء الذي وضعتْه وما علِقَ به من عظائم الأمور وجعلِه وابنَه { للعالمين } وهي غافلةٌ عن ذلك والجملة اعتراضية وقرىء { وَضَعَتْ } على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدرَ هذا الموهوبِ وما أودع الله فيه من علو الشأنِ وسموِّ المقدار وقرىء وَضَعَتْ على صيغة التكلم مع الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة إظهاراً لغاية الإجلال فيكون ذلك منها اعتذاراً إلى الله تعالى حيث أتت بمولود لا يصلُح لما نذرته من السدانة ، أو تسليةً لنفسها على معنى لعل لله تعالى فيه سراً وحكمة ولعل هذه الأنثى خيرٌ من الذكر فوجهُ الالتقاتِ حينئذ ظاهر وقوله تعالى : { وَلَيْسَ الذكر كالانثى } اعتراض آخرُ مبيِّن لما في الأول من تعظيم الموضوعِ ورفع منزلتِه ، واللامُ في الذكَر والأنثى للعهد أي ليس الذكرُ الذي كانت تطلُبه وتتخيل كماله ليكون كواحد من السَّدَنة كالأنثى التي وُهِبتْ لها فإن دائرةَ علمِها وأمنيتها لا تكاد تُحيط بما فيها من جلائل الأمور . هذا على القراءتين الأُولَيَيْن وأما على التفسير الأخير للقراءة الأخيرة فمعناه وليس الذكر كهذه الأنثى في الفضيلة بل أدنى منها ، وأما على تفسير الأول لها فمعناها تأكيدُ الاعتذارُ ببيان أن الذكر ليس كالأنثى في الفضيلة والمزية وصلاحيةِ خدمة المتعبّدات فإنهن بمعزل من ذلك فاللامُ للجنس ، وقوله تعالى : { وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } عطف على إني وضعتُها أنثى وغرضُها من عَرْضها على علام الغيوب التقربُ إليه تعالى واستدعاءُ العصمة لها فإن مريمَ في لغتهم بمعنى العابدة . قال القرطبي : معناه خادمُ الرب ، وإظهارُ أنها غيرُ راجعة عن نيّتها وإن كان ما وضعته أنثى وأنها وإن لم تكن خليقةً بسِدانة بيت المقدس فلتكنْ من العابدات فيه { وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ } عطف على إني سميتها وصيغةُ المضارع للدَلالة على الاستمرار أي أُجيرُها بحفظك ، وقرىء بفتح ياء المتكلم في المواضع التي بعدها همزةٌ مضمومة إلا في موضعين (1/379)
{ بِعَهْدِى أُوفِ } { اتُونِى أُفْرِغْ } { وَذُرّيَّتَهَا } عطف على الضمير ، وتقديمُ الجار والمجرور عليه لإبراز كمالِ العناية به { مِنَ الشيطان الرجيم } أي المطرود ، وأصلُ الرجم الرميُ بالحجارة . عن النبي صلى الله عليه وسلم : « ما من مولودٍ يولد إلا والشيطانُ يَمَسه حين يولد فيستهِلُّ صارخاً من مسّه إلا مريمَ وابنَها » ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كلِّ مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن الله تعالى عصَمهما ببركة هذه الاستعاذة . (1/380)
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
{ فَتَقَبَّلَهَا } أي أخذ مريمَ ورضيَ بها في النذر مكانَ الذكَر { رَبُّهَا } مالكها ومُبلِّغها إلى كمالها اللائق بها وفيه من تشريفَها ما لا يخفى { بِقَبُولٍ حَسَنٍ } قيل : الباء زائدة والقَبول مصدرٌ مؤكِّد للفعل السابق بحذف الزوائد أي تقبّلها قبولاً حسناً وإنما عدَلَ عن الظاهر للإيذان بمقارنة التقبُّل لكمال الرضا وموافقته للعناية الذاتية فإن صيغة التفعُّل مُشعِرةٌ بحسب أصل الوضعِ بالتكليف ، وكونِ الفعل على خلاف طبع الفاعل وإن كان المرادُ بها في حقه تعالى ما يترتب عليه من كمال قوةِ الفعل وكثرتِه وقيل : القبولُ ما يقبل به الشيء كالسَّعوط واللَّدود لما يُسعَط به ويلُدّ ، وهو اختصاصُه تعالى إياها بإقامتها مُقام الذكَر في النَّذر ، ولم تُقبلْ قبلها أنثى أو بأنْ تُسلِّمها أمُّها عَقيبَ الولادة قبل أن تنشأ وتصلُحَ للسِّدانة . روي أن حنة حين ولدتها ، لفّتها في خرقة ، وحملتْها إلى بيت المقدس ، ووضعتها عند الأحبار أبناءِ هارونَ وهم في بيت المقدس كالحَجَبة في الكعبة فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنتَ إمامِهم ، وصاحبِ قُربانهم ، فإن بني ماثانَ كانت رؤوسَ بني إسرائيلَ وملوكَهم ، وقيل : لأنهم وجدوا أمرَها وأمرَ عيسى عليه الصلاة والسلام في الكتب الإلهية فقال زكريا عليه الصلاة والسلام : «أنا أحقُّ بها لأن عندي خالتَها» فأبوا إلا القُرْعةَ ، وكانوا سبعةً وعشرين ، فانطلقوا إلى نهر فألقَوْا فيه أقلامَهم فطفا قلمُ زكريا ورسبَتْ أقلامُهم فتكفلها . وقيل : هو مصدر وفيه مضافٌ مقدرٌ أي فتقبلها بذي قبولٍ أي بأمرٍ ذي قَبول حسن ، وقيل : تقبّل بمعنى استقبل كتقصَّى بمعنى استقصى وتعجَّل بمعنى استعجل أي استقبلها في أول أمرِها حين وُلدت بقبول حسن { وَأَنبَتَهَا } مجازٌ عن تربيتها بما يُصلِحها في جميع أحوالها { نَبَاتًا حَسَنًا } مصدر مؤكّدٌ للفعل المذكور بحذف الزوائد وقيل : بل لفعل مُضمر موافقٍ له تقديرُه فنبتت نباتاً حسناً { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } أي جعله عليه الصلاة والسلام كافلاً لها وضامناً لمصالحها قائماً بتدبير أمورِها لا على طريقة الوحي بل على ما ذُكر من التفصيل فإن رغبتَه عليه الصلاة والسلام في كفالتها وطُفوَّ قلمِه ورسوبَ أقلامِهم وغيرَ ذلك من الأمور الجارية بينهم كلُّها من آثار قدرته تعالى ، وقرىء أَكفلَها وقرىء زكرياءَ بالنصب والمد وقرىء بتخفيف الفاء وكسرِها ورفع زكرياءُ ممدوداً وقرىء وتقبَّلْها ربَّها وأنبِتْها وكفَّلْها على صيغة الأمر في الكل ونصبِ ربها على الدعاء أي فاقبلها يا ربها وربِّها تربيةً حسنةً واجعلْ زكريا كافلاً لها فهو تعيينٌ لجهة التربية . قيل : بنى عليه الصلاة والسلام لها مِحْراباً في المسجد أي غرفةً يُصعد إليها بسُلّم وقيل : المحرابُ أشرفُ المجالس ومُقدَّمُها كأنها وضعت في أشرف موضعٍ من بيت المقدس وقيل : كانت مساجدُهم تسمى المحاريب . (1/381)
روي أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده وإذا خرج غلّق عليها سبعة أبواب { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب } تقديمُ الظرف على الفاعل لإظهار كمالِ العناية بأمرِها ونصبُ المحراب على التوسّع وكلمة { كُلَّمَا } ظرف على أن ما مصدرية والزمان محذوف ، أو نكرةٌ موصوفة معناها الوقتُ والعائد محذوفٌ والعامل فيها جوابُها أي كلَّ زمانِ دخولِه عليها أو كلَّ وقتٍ دخل عليها فيه { وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } أي نوعاً منه غيرَ معتاد إذ كان ينزل ذلك من الجنة . وكان يجد عندها في الصيف فاكهةَ الشتاء وفي الشتاء فاكهةَ الصيف ولم ترضَعْ ثدياً قط { قَالَ } استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قال زكريا عليه الصلاة والسلام عند مشاهدةِ هذه الآية؟ فقيل قال : { قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا } أي من أين جاء لك هذا الذي لا يُشبه أرزاقَ الدنيا والأبوابُ مغلقةٌ دونك؟ وهو دليل على جواز الكرامةِ للأولياء ومن أنكرها جعلَ هذا إرهاصاً وتأسيساً لرسالة عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأما جعلُه معجزةً لزكريا عليه الصلاة والسلام فيأباه اشتباهُ الأمر عليه ، عليه السلام ، وإنما خاطبها عليه الصلاة والسلام بذلك مع كونها بمعزلٍ من رتبة الخطاب لما علم بما شاهده أنها مؤيَّدةٌ من عند الله تعالى بالعلم والقدرة { قَالَتْ } استئناف كما قبله كأنه قيل : فماذا صنعت مريمُ وهي صغيرة لا قدرة لها على فهم السؤال ورد الجواب؟ فقيل قالت : { هُوَ مِنْ عِندِ الله } فلا تعجبْ ولا تستبعد { إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء } أن يرزُقَه { بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي بغير تقدير لكثرته أو بغير استحقاقٍ تفضلاً منه تعالى وهو تعليل لكونه من عند الله إما من تمام كلامِها فيكونُ في محل النصب وإما من كلامه عز وجل فهو مستأنفٌ ، روي أن فاطمة الزهراءَ رضي الله عنها أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رغيفين وبضعةَ لحم فرجع بها إليها فقال : " هلُمّي يا بنية " فكشف عن الطبق فإذا هو مملوءٌ خبزاً ولحماً فقال لها : " أنى لك هذا؟ " قالت : «هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب» ، فقال عليه الصلاة والسلام : " الحمدُ لله الذي جعلك شبيهةً بسيدة بني إسرائيلَ " ، ثم جمع علياً والحسنَ والحسينَ وجميعَ أهلِ بيته رضوانُ الله عليهم أجمعين فأكلوا وشبِعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت على جيرانها . (1/382)
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)
{ هُنَالِكَ } كلامٌ مستأنفٌ وقصةٌ مستقلة سيقت في تضاعيف حكايةِ مريمَ لما بينهما من قوة الارتباطِ وشدةِ الاشتباك مع ما في إيرادها من تقرير ما سيقت له حكايتُها من بيان اصطفاءِ آلَ عمران ، فإن فضائلَ بعض الأقرباء أدلةٌ على فضائل الآخَرين ، وهنا ظرفُ مكانٍ واللامُ للدِلالة على البُعد والكافُ للخطاب أي في ذلك المكان حيث هو قاعدٌ عند مريمَ في المحراب أو في ذلك الوقت إذ يستعار هنا وثمَةَ وحيث للزمان { دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } لما رآى كرامةَ مريمَ على الله ومنزلتَها منه تعالى رغِب في أن يكون له من إيشاعَ ولدٌ مثلُ ولدِ حنّةَ في النجابة والكرامة على الله تعالى وإن كانت عاقِراً عجوزاً فقد كانت حنة كذلك وقيل : لما رأى الفواكهَ في غير إِبّانِها تنبه لجواز ولادةِ العجوز العاقرِ من الشيخ الفاني فأقبل بالدعاء من غير تأخير كما يُنبىء عنه تقديمُ الظرف على الفعل لا على معنى أن ذلك كان هو الموجبَ للإقبال على الدعاء فقط بل كان جزءاً أخيراً من العلة التامة التي من جملتها كِبَرُ سِنّه عليه الصلاة والسلام وضَعفُ قواه وخوفُ مَواليه حسبما فُصِّل في سورة مريم { قَالَ } تفسيرٌ للدعاء وبيانٌ لكيفيته لا محل له من الإعراب { رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ } كلا الجارَّين متعلقٌ بهَبْ لاختلاف معنييهما فاللامُ صلةٌ له و { مِنْ } لابتداء الغايةِ مجازاً أي أعطني من مَحْض قدرتِك من غير وسطٍ معتاد { ذُرّيَّةً طَيّبَةً } كما وهبتَها لحنّةَ ، ويجوز أن يتعلق مِنْ بمحذوفٍ وقع حالاً من { ذُرّيَّةِ } أي كائنة من لدنك ، والذريةُ النسلُ تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد هاهنا ولدٌ واحد فالتأنيث في الصفة لتأنيث لفظ الموصوف كما في قول من قال : (1/383)
أبوك خليفةٌ ولدتْه أُخرى ... وأنت خليفةٌ ، ذاك الكمالُ
وهذا إذا لم يُقصَدْ به واحدٌ معين أما إذا قُصد به المعيَّنُ امتنع اعتبارُ اللفظِ نحو طلحة وحمزة فلا يجوز أن يقال : جاءت طلحة وذهبت حمز { إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء } أي مجيبُه وهو تعليلٌ لما قبله وتحريكٌ لسلسلة الإجابة .
فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)
{ فَنَادَتْهُ الملئكة } كان المناديَ جبريلُ عليه الصلاة والسلام كما تُفصح عنه قراءةُ من قرأ فناداه جبريلُ ، والجمع كما في قولهم : فلان يركب الخيلَ ويلبَس الثياب وما له غيرُ فرس وثوب ، قال الزجاج : أي أتاه النداءُ من هذا الجنس الذين هم الملائكة وقيل : لما كان جبرائيل عليه الصلاة والسلام رئيسَهم عَبّر عنه باسم الجماعة تعظيماً له وقيل : الرئيسُ لا بد له من أتباع فأسند النداء إلى الكل مع كونه صادراً عنه خاصة وقرىء { فنادِاه } بالإمالة { وَهُوَ قَائِمٌ } جملة حالية من مفعول النداء مقرِّرةٌ لما أفاده الفاءُ من حصول البِشارة عَقيب الدعاء ، وقوله تعالى : { يُصَلّى } إما صفةٌ لقائمٌ أو خبرٌ ثانٍ عند من يرى تعدُّدَه عند كونِ الثاني جملةً كما في قوله تعالى : { فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى } أو حال أخرى منه على القول بتعددها بلا عطف ولا بدلية أو حالٌ من المستكنِّ في قائم وقوله تعالى : { فِى المحراب } أي في المسجد أو في غرفةِ مريمَ متعلق بيصلي أو بقائم على تقدير كونِ يصلّي حالاً من ضمير قائمٌ لأن العامل فيه وفي الحال حينئذ شيء واحد فلا يلزم الفصلُ بالأجنبي كما يلزم على التقادير الباقية . (1/384)
{ أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } أي بأن الله وقرىء بكسر الهمزة على تقدير القول أو إجراء النداء مُجراه لكونه نوعاً منه وقرىء يُبْشِرُك من الإبشار ويَبْشُرُك من الثلاثي وأياً ما كان ينبغي أن يكون هذا الكلام إلى آخره محكياً بعبارته عن الله عز وجل على منهاج قوله تعالى : { قُلْ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله } الآية ، كما يلوح من مراجعته عليه الصلاة والسلام في الجواب إليه تعالى بالذات لا بواسطة الملك ، والعدولُ عن إسناد التبشير إلى نون العظمة حسبما وقع في سورة مريم للجري على سنن الكبرياء كما في قول الخلفاء : أميرُ المؤمنين يرسُم لك بكذا وللإيذان بأن ما حُكي هناك من النداء والتبشير وما يترتّب عليه من المحاورة كان كلُّ ذلك بتوسط الملك بطريق الحِكاية عنه سبحانه لا بالذات كما هو المتبادر ، وبهذا يتضح اتحادُ المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل . ويحيى اسمٌ أعجمي وإن جعل عربياً فمنعُ صرفه للتعريف ووزن الفعل .
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنما سُمّي يحيى لأن الله تعالى أحيا به عُقرَ أمِه . وقال قتادة : لأنه تعالى أحيا قلبه بالإيمان ، قال القرطبيُّ : كان اسمُه في الكتاب الأول حيا ، ولا بد من تقدير مضافٍ يعود إليه الحالُ أي بولادة يحيى فإن التبشيرَ لا يتعلق بالأعيان { مُصَدّقاً } حال مقدرة من يحيى { بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } أي بعيسى عليه الصلاة والسلام وإنما سمي كلمة لأنه وجد بكلمة كائنة منه تعالى قيل : هو أولُ من آمن به وصدق بأنه كلمةُ الله ورُوحٌ منه وقال السدي : لقِيَتْ أم يحيى أم عيسى فقالت : «يا مريم أشَعرتِ بحبَلي؟» ، فقالت مريم : «وأنا أيضاً حُبلى» ، قالت : «فإني وجدتُ ما في بطنك» ، فذلك قوله تعالى : { مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ } الخ وقال ابن عباس رضي الله عنهما : «إن يحيى كان أكبرَ من عيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهرٍ» ، وقيل : بثلاث سنين ، وقتل قبل رفعِ عيسى عليهما الصلاة والسلام بمدة يسيرةٍ وعلى كل تقديرٍ يكون بين ولادة يحيى وبين البشارة بها زمانٌ مديد لما أن مريمَ ولَدت وهي بنتُ ثلاثَ عشرةَ سنة أو بنتُ عشرِ سنين وقيل : { بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } أي بكتابِ الله سمّي كلمةً كما قيل : كلمة الحويدرة لقصيدته { وَسَيّدًا } عطفٌ على مصدقاً أي رئيساً يسود قومَه ويفوقهم في الشرف وكان فائقاً للناس قاطبةً فإنه لم يُلِمَّ بخطيئة ولم يَهُمَّ بمعصية فيا لها من سيادة ما أسناها { وَحَصُورًا } عطف على ما قبله أي مبالِغاً في حصر النفس وحبسِها عن الشهوات مع القدرة ، روي أنه مرَّ في صباه بصبيان فدعَوْه إلى اللعب فقال : «ما لِلَّعب خُلقنا» { وَنَبِيّا } عطف على ما قبله مترتب على ما عُدِّد من الخصال الحميدة { مّنَ الصالحين } أي ناشئاً منهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو كائناً من جملة المشهورين بالصلاح كما في قوله تعالى :
{ وَإِنَّهُ فِى الاخرة لَمِنَ الصالحين } والمراد بالصلاح ما فوق الصلاحِ الذي لا بد منه في منصِب النبوة من أقاصي مراتبه ، وعليه مبنيٌّ دعاءُ سليمانَ عليه السلام : { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين } (1/385)
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)
{ قَالَ } استئناف مبني عن السؤال كأنه قيل : فماذا قال زكريا عليه السلام حينئذ؟ فقيل قال : { رَبّ } لم يخاطِب الملَكَ المناديَ له بملابسة أنه المباشرُ للخطاب وإن كان ذلك بطريق الحكاية عنه تعالى بل جرى نهجُ دعائه السابق مبالغةً في التضرع والمناجاة وجِدّاً في التبتل إليه تعالى واحترازاً عما عسى يوهم خطابُ الملَكِ من توهّم أن علمه سبحانه بما يصدُر عنه يتوقف على توسّطه كما يتوقف وقوفُ البشر على ما يصدر عنه سبحانه على توسّطه في عامة الأحوال وإن لم يتوقف عليه في بعضها { أنى يَكُونُ لِي غلام } فيه دَلالةٌ على أنه قد أخبر بكونه غلاماً عند التبشير كما في قوله تعالى : { إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام اسمه يحيى } وأنى بمعنى كيف أو من أين وكان تامة وأنى واللام متعلقتان بها وتقديمُ الجارِّ على الفاعل لما مر مراراً من الاعتناء بما قُدم والتشويقِ إلى ما أُخر ، أي كيف أو من أين يحدُث لي غلام ويجوزُ أن تتعلق اللامُ بمحذوف وقع حالاً من غلام إذ لو تأخر لكان صفة له ، أو ناقصة واسمُها ظاهرٌ وخبرها إما أنى واللام متعلقة بمحذوف كما مر أو هو الخبر وأنى منصوب على الظرفية { وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } حال من ياء المتكلم أي أدركني كِبَرُ السِّنِّ وأثّر فيَّ ، كقولهم : أدركته السنُّ وأخذته السن ، وفيه دلالةٌ على أن كبرَ السن من حيث كونُه من طلائع الموت طالبٌ للإنسان لا يكاد يتركه ، قيل : كان له تسعٌ وتسعون سنة ، وقيل : اثنتان وتسعون ، وقيل : مائة وعشرون ، وقيل : ستون ، وقيل : خمس وستون ، وقيل : سبعون ، وقيل : خمس وسبعون ، وقيل : خمس وثمانون ولامرأته ثمانٍ وتسعون { وامرأتى عَاقِرٌ } أي ذاتُ عُقر وهو أيضاً حال من الياء في لي عند من يجوز تعدد الحال أو من ياء { بَلَغَنِي } أي كيف يكون لي ذلك والحال أني وامرأتي على حالة منافية له كلَّ المنافاة وإنما قاله عليه الصلاة والسلام مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينه بقدرة الله تعالى عليه لا سيما بعد مشاهدته عليه الصلاة والسلام للشواهد السالفة استعظاماً لقدرة الله سبحانه وتعجيباً منها واعتداداً بنعمته عز وجل عليه في ذلك لا استبعاداً له وقيل : بل كان ذلك للاستبعاد حيث كان بين الدعاء والبشارة ستون سنةً وكان قد نسِيَ دعاءَه وهو بعيد ، وقيل : كان ذلك استفهاماً عن كيفية حدوثه { قَالَ } استئناف كما سلف { كذلك } إشارةٌ إلى مصدر { يَفْعَلُ } في قوله عز وجل : { الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء } أي ما يشاء أن يفعلَه من عجيب الأفاعيل الخارقةِ للعادات فالله مبتدأ ويفعل خبره والكاف في محل النصب على أنها في الأصل نعتٌ لمصدر محذوف أي الله يفعل ما يشاء أن يفعله فعلاً مثلَ ذلك الفعل العجيبِ والصنعِ البديعِ الذي هو خلقُ الولد من شيخٍ فانٍ وعجوزٍ عاقر ، فقُدِّم على العامل لإفادة القصر بالنسبة إلى ما هو أدنى من المشار إليه ، واعتبرت الكافُ مقحمةً لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } أو على أنها حال من ضمير المصدرِ المقدر معرِفةٌ أي يفعل ما يشاء بيانٌ لذلك الشأن المبهم أو كذلك خبرٌ لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقوله تعالى : { الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء } بيانٌ له . (1/386)
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)
{ قَالَ رَبّ اجعل لِّى ءايَةً } أي علامة تدلني على تحقق المسؤول ووقوعِ الحبَل وإنما سألها لأن العلوقَ أمرٌ خفيٌّ لا يوقف عليه فأراد أن يُطلعه الله تعالى عليه ليتلقّى تلك النعمةَ الجليلة من حين حصولِها بالشكر ولا يؤخِّرَه إلى أن يظهر ظهوراً معتاداً ، ولعل هذا السؤالَ وقع بعد البشارة بزمانٍ مديد إذ به يظهر ما ذُكر من كون التفاوت بين سِني يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهر أو بثلاثِ سنينَ لأن ظهورَ العلامة كان عَقيبَ تعيينها لقوله تعالى في سورة مريم : { فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب فأوحى إِلَيْهِمْ } الآية ، اللهم إلا أن تكونَ المجاوَبةُ بين زكريا ومريمَ في حالة كِبَرها وقد عُدت من جملة من تكلم في الصِغَر بموجب قولها المحكي والجعلُ إبداعيّ واللام متعلقة به والتقديم لما مر مراراً من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أُخر أو بمحذوف وقع حالاً من آية وقيل : هو بمعنى التصيير المستدعي لمفعولين أولُهما { ءايَةً } وثانيهما { لِى } والتقديم لأنه لا مسوّغ لكون آيةٌ مبتدأً عند انحلال الجملة إلى مبتدأ وخبر سوى تقديم الجار فلا يتغير حالهما بعد دخول الناسخ { قَالَ آيتك ألا تُكَلّمَ الناس } أي أن تقدر على تكليمهم { ثلاثة أَيَّامٍ } أي متوالية لقوله تعالى في سورة مريم : { ثلاث لَيَالٍ سَوِيّاً } مع القدرة على الذكر والتسبيح وإنما جُعلت آيتُه ذلك لتخليص المدة لذكر الله تعالى وشكره قضاءً لحق النعمة كأنه قيل : آيةُ حصولِ المطلوب ووصول النعمة أن تحبِسَ لسانك إلا عن شكرها ، وأحسنُ الجواب ما اشتق من السؤال { إِلاَّ رَمْزًا } أي إشارةً بيد أو رأس أو نحوِهما وأصلُه التحركُ يقال : ارتمزَ أي تحرك ومنه قيل للبحر : الراموز ، وهو استثناء منقطعٌ لأن الإشارة ليست من قبيل الكلام ، أو متصلٌ على أن المراد بالكلام ما فهم منه المرام ولا ريب في كون الرمز من ذلك القبيل وقرىء رَمَزاً بفتحتين على أنه جمع رامز كخَدَم وبضمتين على أنه جمع رَموز كرُسُل على أنه حال منه ومن الناس معاً بمعنى مترامزين كقوله : (1/387)
متى ما تلْقني فردَيْنِ ترجُف ... روانف إليَتَيكَ وتُستطارا
{ واذكر رَّبَّكَ } أي في أيام الحبس شكراً لحصول التفضُّل والإنعام كما يُؤْذِن به العَرْضُ لعنوان الربوبية { كَثِيراً } أي ذكراً كثيراً أو زماناً كثيراً { وَسَبّحْ } أي سبحه تعالى أو افعل التسبيحَ { بالعشى } أي من الزوال إلى الغروب وقيل : من العصر إلى ذهاب الليل { والإبكار } من طلوع الفجرِ إلى الضحى ، قيل : المرادُ بالتسبيح الصلاةُ بدليل تقييده بالوقت كما في قوله تعالى : { فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } وقيل : الذكر اللساني كما أن المراد بالذكر الذكرُ القلبي وقرىء الأبكار بفتح الهمزة على أنه جمعُ بكَر كسحرَ وأسحار .
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)
{ وَإِذْ قَالَتِ الملئكة } شروعٌ في شرح بقيةِ أحكامِ اصطفاء آلِ عمران إثرَ الإشارةِ إلى نُبَذٍ من فضائل بعضِ أقاربهم أعني زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام لاستدعاء المقامِ إياهما حسبما أشير إليه ، وقرىء بتذكير الفعل ، والمرادُ بالملائكة جبريلُ عليه الصلاة والسلام وقد مر ما فيه من الكلام ، وإذ منصوبٌ بمُضمر معطوفٍ على المُضمر السابق عطفَ القِصة على القصة ، وقيل : معطوفٌ على الظرف السابق أعني قولَه : { إِذْ قَالَتِ امرأت عمران } منصوبٌ بناصبة فتدبرْ . أي واذكر أيضاً من شواهد اصطفائِهم وقتَ قولِ الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام { يا مَرْيَمَ } وتكريرُ التذكير للإشعار بمزيد الاعتناء بما يحكى من أحكام الاصطفاءِ والتنبيهِ على استقلالها وانفرادِها عن الأحكام السابقة فإنها من أحكام التربية الجُسمانية اللائقة بحال صِغَر مريمَ وهذه من باب التربية الروحانية بالتكاليف الشرعيةِ المتعلقة بحال كِبَرها ، قيل : كلّموها شِفاهاً كرامةً لها أو إرهاصاً لنبوة عيسى عليه الصلاة والسلام لمكان الإجماعِ على أنه تعالى لم يَستنبِىء امرأةً وقيل : ألهموها { إِنَّ الله اصطفاك } أولاً حيث تقبّلك من أمك بقبولٍ حسن ولم يتقبل غيرَك أنثى وربّاك في حِجْرِ زكريا عليه السلام ورزقك من رزق الجنةِ وخصّك بالكرامات السنية { وَطَهَّرَكِ } أي مما يُستقذر من الأحوال والأفعال ومما قذفك به اليهودُ بإنطاق الطفلِ { واصطفاك } آخِراً { على نِسَاء العالمين } بأن وهبَ لك عيسى عليه الصلاة والسلام من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء وجعلكما آيةً للعالمين ، فعلى هذا ينبغي أن يكون تقديمُ حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتِها بعيسى عليه الصلاة والسلام لما مر مراراً من التنبيه على أن كلاً منهما مستحِقٌّ للاستقلال بالتذكير ، ولو رُوعي الترتيبُ الخارجيُّ لتبادر كونُ الكل شيئاً واحداً وقيل : المرادُ بالاصطفاءين واحدٌ والتكريرُ للتأكيد وتبيينِ مَن اصطفاها عليهن فحينئذ لا إشكالَ في ترتيب النظم الكريم إذ يُحمل حينئذ الاصطفاءُ على ما ذُكر أولاً ، وتُجعل هذه المقاولةُ قبل بشارتها بعيسى عليه الصلاة والسلام إيذاناً بكونها قبل ذلك متوفرةً على الطاعات والعبادات حسبما أُمِرت بها مجتهدةً فيها مُقْبِلةً على الله تعالى مُتبتِّلةً إليه تعالى منسلخةً عن أحكام البشرية مستعدةً لفيضان الروح عليها . (1/388)
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)
{ ياَ مَرْيَمُ } تكريرُ النداءِ للإيذان بأن المقصودَ بالخطاب ما يرِدُ بعده وأن ما قبله من تذكير النِعم كان تمهيداً لذِكره وترغيباً في العمل بموجبه { اقنتى لِرَبّكِ } أي قومي في الصلاة أو أطيلي القيام فيها له تعالى ، والتعرضُ لعنوان ربوبيته تعالى لها للإشعار بعلة وجوبِ الامتثالِ بالأمر { واسجدى واركعى مَعَ الركعين } أُمِرت بالصلاة بالجماعة بذكر أركانها مبالغةً في إيجاب رعايتها وإيذاناً بفضيلة كلَ منها وأصالتِه ، وتقديمُ السجود على الركوع إما لكون الترتيب في شريعتهم كذلك وإما لكون السجودِ أفضلَ أركانِ الصلاة وأقصى مراتبِ الخضوع ، ولا يقتضي ذلك كونَ الترتيب الخارجيِّ كذلك بل اللائقُ به الترقي من الأدنى إلى الأعلى وإما لِيَقْترِن اركعي بالراكعين للإشعار بأن من لا ركوعَ في صلاتهم ليسوا مصلّين . وأما ما قيل من أن الواوَ لا توجب الترتيبَ فغايتُه التصحيحُ لا الترجيح ، وتجريدُ الأمر بالرُكنين الأخيرين عما قُيِّد به الأولُ لما أن المراد تقييدُ الأمر بالصلاة بذلك وقد فعل حيث قيد به الركن الأول منها ، وقيل : المرادُ بالقنوت إدامةُ الطاعات كما في قوله تعالى : { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً } وبالسجود الصلاةُ لما مر من أنه أفضلُ أركانها وبالركوع الخشوعُ والإخباتُ ، قيل : لمّا أُمِرَت بذلك قامت في الصلاة حتى ورِمَتْ قدَماها وسالت دماً وقيحاً { ذلك } إشارةٌ إلى ما سلف من الأمور البديعة ، وما فيه من معنى البعد للتنبيه على علوِّ شأنِ المشارِ إليه وبُعد منزلتِه في الفضل ، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى : { مِنْ أَنبَاء الغيب } أي من الأنباء المتعلقةِ بالغيب ، والجملةُ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب وقوله تعالى : { نُوحِيهِ إِلَيْكَ } جملةٌ مستقلة مبينةٌ للأولى وقيل : الخبرُ هو الجملة الثانية و { مِنْ أَنبَاء الغيب } إما متعلق بنوحيه أو حال من ضميره أي نوحي من أنباء الغيب أو نوحيه حال كونه من جملة أنباء الغيب وصيغةُ الاستقبال للإيذان بأن الوحيَ لم ينقطعْ بعد { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } أي عند الذين اختلفوا وتنازعوا في تربية مريمَ وهو تقريرٌ وتحقيق لكونه وحياً على طريقة التهكم بمُنكِريه كما في قوله تعالى : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى } الآية { وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } الآية ، فإن طريقَ معرفةِ أمثالِ هاتيك الحوادثِ والواقعات إما المشاهدةُ وإما السماعُ ، وعدمُه محققٌ عندهم فبقيَ احتمالُ المعاينة المستحيلةِ ضرورةً فنُفِيَت تهكماً بهم { إِذْ يُلْقُون أقلامهم } ظرفٌ للاستقرار العامل في لديهم و { أقلامهم } أقداحُهم التي اقترعوا بها وقيل : اقترعوا بأقلامهم التي كانوا يكتُبون بها التوراة تبركاً { أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } متعلقٌ بمحذوف دلَّ عليه { يُلْقُون أقلامهم } أي يُلْقونها ينْظرون أو ليعلموا أيُّهم يكفلها { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أي في شأنها تنافُساً في كفالتها حسبما ذكر فيما سبق . وتكريرُ ما كنت لديهم مع تحقق المقصودِ بعطف { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } على إذ يُلقون كما في قوله عز وجل : { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نجوى } للدِلالة على أن كلَّ واحدٍ من عدم حضورِه عليه السلام عند إلقاءِ الأقلام وعدمِ حضوره عند الاختصام مستقلٌ بالشهادة على نبوَّته عليه السلام لا سيما إذا أريد باختصامهم تنازعُهم قبل الاقتراعِ فإن تغييرَ الترتيبِ في الذكر مؤكدٌ له . (1/389)
إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)
{ إِذْ قَالَتِ الملئكة } شروعٌ في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام وهو بدلٌ من { وَإِذْ قَالَتِ الملئكة } منصوبٌ بناصبه وما بينهما اعتراضٌ جيءَ به تقريراً لما سبق وتنبيهاً على استقلاله وكونِه حقيقاً بأن يُعدَّ كنظائره من شواهدِ النبوةِ ، وتركُ العطف بينهما بناءً على اتحاد المخاطِب والمخاطَب وإيذاناً بتقارُن الخطابين أو تقاربُهما في الزمان ، وقيل : منصوبٌ بمُضمرٍ معطوفٍ على ناصبه وقيل : بدل من { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } كأنه قيل : وما كنت حاضراً في ذلك الزمان المديد الذي وقع في طرفٍ منه الاختصامُ وفي طرفٍ آخرَ هذا الخطابُ إشعاراً بإحاطته عليه الصلاة والسلام بتفاصيلِ أحوالِ مريمَ من أولها إلى آخرها والقائلُ جبريلُ عليه الصلاة والسلام ، وإيرادُ صيغة الجمعِ لما مر { يامريم إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } مِنْ لابتداءِ الغاية مَجازاً متعلقةٌ بمحذوف وقعَ صفةً لكلمة أي بكلمة كائنةٍ منه عز وجل { اسمه } ذُكر الضميرُ الراجعُ إلى الكلمة لكونها عبارةً عن مذكّر وهو مبتدأ خبرُه { المسيح } وقوله تعالى : { عِيسَى } بدل منه أي عطفُ بيانٍ ، وقيل : خبرٌ آخرُ وقيل : خبرُ مبتدإ محذوفٍ وقيل : منصوبٌ بإضمار أعني مدحاً ، وقوله تعالى : { ابن مَرْيَمَ } صفة لعيسى وقيل : المرادُ بالاسم ما به يتميز المسمَّى عمن سواه فالخبرُ حينئذ مجموعُ الثلاثةِ إذ هو المميّز له عليه الصلاة والسلام تمييزاً عن جميع مَنْ عداه والمسيحُ لَقَبُه عليه الصلاة والسلام وهو من الألقاب المشرّفة كالصّدّيق ، وأصلُه بالعبرية مشيحاً ومعناه المبارَك وعيسى معرّبٌ من إيشوع والتصدّي من المسْح والعَيْس وتعليلُه بأنه عليه الصلاة والسلام مُسِحَ بالبركة أو بما يطهِّره من الذنوب أو مسَحَه جبريلُ عليهما الصلاة والسلام أو مسَح الأرضَ ولم يُقِمْ في موضع ، أو كان عليه الصلاة والسلام يمسَح ذا العاهةِ فيبرَأُ وبأنه كان في لونه عيس أي بياض يعلوه حُمرةٌ من قبيل الرَّقْم على الماء وإنما قيل : ابنُ مريم مع كون الخطابِ لها تنبيهاً على أنه يُولدُ من غير أبٍ فلا يُنسب إلا إلى أمه وبذلك فُضّلت على نساء العالمين ، { وَجِيهًا فِي الدنيا والاخرة } الوجيهُ ذو الجاه وهو القوةُ والمنَعةُ والشرَفُ وهو حال مقدرة من { كَلِمَةَ } فإنها وإن كانت نكرةً لكنها صالحة لأن ينتصِبَ بها الحال وتذكيرُها باعتبار المعنى والوجاهةُ في الدنيا النبوةُ والتقدمُ على الناس وفي الآخرة الشفاعةُ وعلوُّ الدرجة في الجنة { وَمِنَ المقربين } أي من الله عز وجل وقيل : هو إشارةٌ إلى رفعه إلى السماء وصُحبةِ الملائكة ، وهو عطفٌ على الحال الأولى وقد عُطف عليه . (1/390)
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)
قوله تعالى : { وَيُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلاً } أي يكلمهم حال كونِه طفلاً وكهلاً كلام الأنبياء من غير تفاوت ، والمهدُ مصدرٌ سُمِّي به ما يُمْهَد للصبيِّ أي يُسوَّى من مضجعه وقيل : إنه رفع شاباً والمراد وكهلاً بعد نزوله وفي ذكر أحوالِه المختلفة المتنافيةِ إشارةٌ إلى أنه بمعزلٍ من الألوهية { وَمِنَ الصالحين } حالٌ أخرى من كلمة معطوفة على الأحوال السالفة أو من الضمير في يكلم . (1/391)
{ قَالَتْ } استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل : فماذا قالت مريمُ حين قالت لها الملائكةُ ما قالت؟ فقيل : قالت متضرعةً إلى ربها : { رَبّ أنى يَكُونُ } أي كيف يكونُ أو من أين يكون { لِى وَلَدٌ } على وجه الاستبعاد العادي والتعجب واستعظامِ قدرةِ الله عز وجل وقيل : على وجه الاستفهامِ والاستفسارِ بأنه بالتزوج أو بغيره يكون الولدُ ، ويكون إما تامةٌ وأنى واللام متعلقتان بها ، وتأخيرُ الفاعل عن الجار والمجرور لما مر من الاعتناء بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخر ، ويجوز أن تتعلق اللامُ بمحذوفٍ وقع حالاً من ولد إذ لو تأخرَ لكان صفة له ، وإما ناقصةٌ واسمُها ولد وخبرها إما أنى واللامُ متعلقةٌ بمضمر وقع حالاً كما مر ، أو خبر وأنى نصبَ على الظرفية وقوله تعالى : { وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } جملةٌ حالية محقّقةٌ للاستبعاد أي والحال أني على حالة منافيةٍ للولادة { قَالَ } استئنافٌ كما سلف والقائلُ هو الله تعالى أو جبريلُ عليه الصلاة والسلام { كذلك الله يَخْلُقُ مَا يَشَاء } الكلامُ في إعرابه كما مر في قصة زكريا بعينه خلا أن إيراد { يَخْلُقُ } هاهنا مكانَ يفعلُ هناك لما أن ولادةَ العذراءِ من غير أن يمسَّها بشرٌ أبدعُ وأغربُ من ولادة عجوزٍ عاقرٍ من شيخ فانٍ ، فكان الخلقُ المُنبىءُ عن الاختراع أنسبَ بهذا المقام من مطلق الفعل ، ولذلك عقّب ببيان كيفيته فقيل : { إِذَا قَضَى أَمْرًا } من الأمور أي أراد شيئاً كما في قوله تعالى : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً } وأصلُ القضاءِ الأحكامُ أُطلق على الإرادة الإلهية القطعيةِ المتعلقةِ بوجود الشيءِ لإيجابها إياه البتةَ ، وقيل : الأمرُ ومنه قوله تعالى : { وقضى رَبُّكَ } { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ } لا غيرُ { فَيَكُونُ } من غير تريثٍ وهو كما ترى تمثيلٌ لكمال قدرته تعالى وسهولةِ حصولِ المقدوراتِ حسبما تقتضيه مشيئتُه وتصويرٌ لسرعة حدوثِها بما هو علم فيها من طاعة المأمورِ المطيعِ للآمرِ القويّ المطاعِ ، وبيانٌ لأنه تعالى كما يقدِر على خلق الأشياءِ مُدرَجاً بأسباب وموادَّ معتادةٍ يقدِر على خلقها دفعةً من غير حاجة إلى شيء من الأسباب والمواد .
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)
{ وَيُعَلّمُهُ الكتاب } أي الكتابةَ أو جنسَ الكتُبِ الإلهية { والحكمة } أي العلومَ وتهذيبَ الأخلاق { والتوراة والإنجيل } إفرادُهما بالذكر على تقدير كونِ المرادِ بالكتاب جنسَ الكتب المنزلِ لزيادة فضلِهما وإنافتِهما على غيرهما ، والجملةُ عطف على { يُبَشّرُكِ } أو على { وَجِيهاً } أو على { يَخْلُقُ } أو كلام مبتدأ سيق تطييباً لقلبها وإزاحةً لما أهمّها من خوف اللائمةِ لمّا علِمَت أنها تلِدُ من غير زوجٍ ، وقرىء ونعلِّمه بالنون { وَرَسُولاً إلى بَنِى إسراءيل } منصوبٌ بمُضْمر يعود إليه المعنى معطوفٌ على يُعلّمه أي ويجعله رسولاً إلى بني إسرائيلَ أي كلِّهم ، وقال بعضُ اليهود إنه كان مبعوثاً إلى قوم مخصوصين ثم قيل : كان رسولاً حال الصِّبا وقيل : بعد البلوغ ، وكان أولَ أنبياءِ بني إسرائيلَ يوسفُ عليه الصلاة والسلام وآخِرُهم عيسى عليه الصلاة والسلام وقيل : أولُهم موسى وآخِرُهم عيسى عليهم الصلاة والسلام وقوله تعالى : { أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } معمولٌ لرسولاً لما فيه من معنى النُطقِ أي رسولاً ناطقاً بأني الخ وقيل : منصوبٌ بمضمر معمولٍ لقول مضمرٍ معطوفٍ على يعلِّمه أي ويقول : أُرسِلتُ رسولاً بأني قد جئتُكم الخ وقيل : معطوفٌ على الأحوال السابقةِ ، ولا يقدَحُ فيه كونُها في حكم الغَيبة مع كونِ هذا في حكم التكلّم لِما عرَفتَ من أن فيه معنى النُطقِ ، كأنه قيل : حالَ كونه وجيهاً ورسولاً ناطقاً بأني الخ وقرىء ورسولٍ بالجر عطفاً على { كَلِمَةَ } والباء في قوله تعالى : { بِآيَةٍ } متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل الفعلِ على أنها للملابسة ، والتنوينُ للتفخيم دون الوحدة لظهور تعددها وكثرتها وقرىء بآيات . أو بجئتُكم على أنها للتعدية ومِنْ في قوله تعالى : { مّن رَّبّكُمْ } لابتداء الغاية مجازاً متعلقةٌ بمحذوف وقعَ صفةً لآيةٍ أي قد جئتُكم ملتبساً بآية عظيمةٍ كائنةٍ من ربكم أو أتيتكم بآية عظيمة كائنة منه تعالى والتعرضُ لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين لتأكيد إيجاب الامتثالِ بما سيأتي من الأوامر وقولُه تعالى : { أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير } بدلٌ من قوله تعالى : { أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } ومحلُه النصبُ على نزع الجارِّ عند سيبويهِ والفراء ، والجرُّ على رأي الخليلِ والكسائيّ ، أو بدلٌ من آية وقيل : منصوبٌ بفعل مقدرٍ أي أعني أني الخ وقيل : مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدإ محذوفٍ أي هي { أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ } وقرىء بكسر الهمزةِ على الاستئناف أي أقدّرُ لكم أي لأجل تحصيلِ إيمانِكم ودفعِ تكذيبِكم إيايَ من الطين شيئاً مثلَ صورةِ الطير { فَأَنفُخُ فِيهِ } الضمير للكاف أي في ذلك الشيءِ المماثلِ لهيئة الطيرِ ، وقرىء فأنفخُ فيها عل أن الضميرَ للهيئة المقدّرةِ أي أخلُق لكم من الطين هيئةً كهيئة الطيرِ فأنفخُ فيها { فَيَكُونُ طَيْرًا } حياً طياراً كسائر الطيور { بِإِذُنِ الله } بأمرِه تعالى أشارَ عليه الصلاة والسلام بذلك إلى أن إحياءَه من الله تعالى لا منه ، قيل : لم يَخْلُقْ غيرَ الخفاش ، رُوي أنه عليه الصلاة والسلام لما ادعى النبوةَ وأظهر المعجزاتِ طالبوه بخلق الخفاشِ فأخذ طيناً وصوَّره ونفخَ فيه فإذا هو يطيرُ بين السماء والأرض ، قال وهْبٌ : «كان يطير ما دام الناسُ ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز من خلق الله تعالى» ، قيل : إنما طالبوه خلق الخفاشِ لأنه أكملُ الطير خلقاً وأبلغ دلالة على القدرة لأن له ثُدِيّاً وأسناناً وهي تحيض وتطُهر وتلِد كسائر الحيوان وتضحك كا يضحك الإنسانُ وتطير بغير ريش ولا تُبصِرُ في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل وإنما ترى في ساعتين : ساعةٍ بعد الغروب وساعةٍ بعد طلوع الفجر وقيل : خَلَق أنواعاً من الطير { وَأُبْرِىء الاكمه } أي الذي وُلد أعمى أو الممسوحُ العين { والابرص } المبتلى بالبَرَص ، لم تكن العربُ تنفِرُ من شيءٍ نَفْرتَها منه ويقال له : الوَضَح أيضاً ، وتخصيصُ هذين الداءين لأنهما مما أعيا الأطباءَ وكانوا في غاية الحَذاقةِ في زمنه عليه الصلاة والسلام فأراهم الله تعالى المعجزةَ من ذلك الجنس . (1/392)
روي أنه عليه الصلاة والسلام ربما كان يجتمعُ عليه ألوفٌ من المرضى مَنْ أطاق منهم أتاه ومن لم يُطِقْ أتاه عيسى عليه الصلاة والسلام وما يداويه إلا بالدعاء { وَرَسُولاً إلى بَنِى إسراءيل } كرَّره مبالغةً في دفع وَهْمِ مَنْ توهّم فيه اللاهوتية . قال الكلبيُّ : كان عليه الصلاة والسلام يُحيي الموتى بيا حيُّ يا قيُّومُ ، أحيا عازَرَ وكان صديقاً له فعاش وولد له ومر على ابن عجوز ميت فدعا الله تعالى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له وبنت العاشر أحياها وولدت بعد ذلك فقالوا : إنك تحيي من كان قريبَ العهدِ من الموت فلعلهم لم يموتوا بل أصابتهم سكتةٌ فأحْييِ لنا سامَ بنَ نوحٍ فقال : «دُلوني على قبره» ففعلوا فقام على قبره فدعا الله عز وجل فقام من قبره وقد شاب رأسُه فقال عليه الصلاة والسلام : " كيف شِبْتَ ولم يكن في زمانكم شيبٌ؟ " قال : يا روحَ الله لما دعَوْتَني سمعتُ صوتاً يقول : أجبْ روحَ الله فظننتُ أن الساعةَ قد قامت فمِنْ هِولِ ذلك شِبْتُ فسأله عن النزْع قال : يا روحَ الله إن مرارتَه لم تذهَبْ من حَنْجَرَتي وكان بينه وبين موته أكثرُ من أربعةَ آلافِ سنةٍ وقال للقوم : صدِّقوه فإنه نبيُّ الله فآمن به بعضُهم وكذبه آخرون ، فقالوا : هذا سحرٌ فأرِنا آيةً فقال : " يا فلان أكلتَ كذا ويا فلان خُبِىءَ لك كذا " وذلك قولُه تعالى : { وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } أي بالمغيَّبات من أحوالكم التي لا تشكّون فيها ، وقرىء تَذْخَرون بالذال والتخفيف { إِنَّ فِى ذَلِكَ } إشارةٌ إلى ما ذكر من الأمور العِظام { لآيَةً } عظيمةً وقرىء لآياتٍ { لَكُمْ } دالةً على صِحة رسالتي دَلالةً واضحة { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } جوابُ الشرطِ محذوفٌ لانصباب المعنى إليه أو دِلالةِ المذكورِ عليه أي انتفعتم بها ، أو إن كنتم ممن يتأتَّى منهم الإيمانُ دلَّتْكم الآية على صحة رسالتي والإيمانِ بها . (1/393)
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50)
{ وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة } عطفٌ على المضمر الذي تعلَّق به قولُه تعالى : { بآيَةٍ } أي قد جئتُكم ملتبساً بآية الخ ومصدِّقاً لما بين يديَّ الخ أو على { رَسُولاً } على الأوجه الثلاثةِ فإن مصدِّقاً فيه معنى النُطقِ كما في رسولاً ، أي ويجعله مصدِّقاً ناطقاً بأني أُصَدِّق الخ أو ويقول : «أُرسلتُ رسولاً بأني قد جئتُكم» الخ و«مصدقاً» الخ أو حالَ كونه «مصدقاً بأني أُصدّق» الخ أو منصوبٌ بإضمار فعلٍ دلَّ عليه «قد جئتُكم مصدقاً» الخ وقولُه : { مِنَ التوراة } إما حالٌ من الموصول والعاملُ { مُصَدّقاً } وإما من ضميره المستترِ في الظرف الواقعِ صلةً والعاملُ الاستقرارُ المُضْمرُ في الظرف أو نفسُ الظرف لقيامه مَقامَ الفعل { وَلاِحِلَّ لَكُم } معمولٌ لِمُضمرٍ دل عليه ما قبله أي «وجئتكم لأُحِل» الخ وقيل : عطفٌ على معنى مصدقاً كقولهم : جئتُه معتذراً ولأجتلِبَ رضاه كأنه قيل : «قد جئتُكم لأصدِّق ولأحِل» الخ وقيل : عطفٌ على { بِآيَةٍ } أي «قد جئتُكم بآية من ربكم ولأُحِلَّ لكم» { بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ } أي في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام من الشحومِ والثُروبِ والسمكِ ولحومِ الإبلِ والعملِ في السبت ، قيل : أحَلَّ لهم من السمك والطير ما لا صئصئة له ، واختلف في إحلال السبت ، وقرىء حَرَّم على تسمية الفاعل وهو ما بين يديّ أو الله عز وجل ، وقرىء حَرُم بوزن كَرُم وهذا يدل على أن شرعَه كان ناسخاً لبعض أحكام التوراةِ ولا يُخِل ذلك بكونه مصدِّقاً لها لما أن النسخَ في الحقيقة بيانٌ وتخصيصٌ في الأزمان ، وتأخيرُ المفعول عن الجارِّ والمجرور لما مر مراراً من المبادرة إلى ذكر ما يسُرُّ المخاطَبين وللتشويق إلى ما أُخِّر { وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } شاهدةٍ على صحة رسالتي وقرىء بآيات { فاتقوا الله } في عدم قَبولها ومخالفةِ مدلولها { وَأَطِيعُونِ } فيما آمرُكم به وأنهاكم عنه بأمر الله تعالى وتلك الآية هي قولي : (1/394)
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)
{ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } فإنه الحقُّ الصريحُ الذي أجمع عليه الرسلُ قاطبةً فيكون آيةً بيِّنة على أنه عليه الصلاة والسلام من جملتهم وقرىء { إِنَّ الله } بالفتح بدلاً من آية أي «قد جئتكم بآية على أن الله ربي وربُّكم» وقولُه : { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } اعتراض ، والظاهرُ أنه تكريرٌ لما سبق ، أي «قد جئتكم بآية بعد آية مما ذكرتُ لكم من خلق الطير وإبراءِ الأكمهِ والأبرصِ والإحياءِ والإنباءِ بالخفيات وغيرِه من ولادتي بغير أبٍ ومن كلامي في المهد وغير ذلك» ، والأولُ لتمهيد الحجة والثاني لتقريبها إلى الحكم ولذلك رُتّب عليه بالفاء قولُه : { فاتقوا الله } أي «لِمَا جئتُكم بالمعجزات الباهرةُ والآياتِ الظاهرة فاتقوا الله في المخالفة وأطيعونِ فيما أدعوكم إليه» ومعنى قراءةِ من فتح : «ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه» كقوله تعالى : { لإيلاف قُرَيْشٍ } الخ ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال : { إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ } إشارةً إلى أن استكمالَ القوةِ النظريةِ بالاعتقاد الحقِّ الذي غايتُه التوحيدُ وقال : { فاعبدوه } إشارةً إلى استكمال القوةِ العمليةِ فإنه يلازِمُ الطاعة التي هي الإتيانُ بالأوامر والانتهاءُ عن المناهي ثم قرر ذلك بأن بيّن أن الجمعَ بين الأمرين هو الطريقُ المشهودُ له بالاستقامة ، ونظيرُه قوله عليه الصلاة والسلام : " قُلْ آمَنْتُ بالله ثم اسْتَقِمْ " { فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر } شروعٌ في بيان مآلِ أحوالِه عليه السلام إثرَ ما أشير إلى طرَفٍ منها بطريق النقلِ عن الملائكة ، والفاءُ فصيحة تُفصِحُ عن تحقُّق جميعِ ما قالته الملائكةُ ، وخروجُه من القوة إلى الفعل حسبما شرحتُه كما في قوله تعالى : { فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } بعد قوله تعالى : { قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب أَنَاْ ءاتِيكَ } كأنه قيل : فحمَلته فولدتْه فكان كيتَ وكيت وقال : ذيتَ وذيت وإنما لم يذكُرْه اكتفاءً بحكاية الملائكةِ وإيذاناً بعدم الخُلْفِ وثقةً بما فُصّل في المواضع الأُخَرِ . وأما عدمُ نظمِ بقية أحوالِه عليه الصلاة والسلام في سلك النقلِ فإما للاعتناء بأمرِها أو لعدم مناسبتها للمقام فيها من ذكر مُقاساتِه عليه الصلاة والسلام للشدائد ومعاناتِه للمكايد ، والمرادُ بالإحساس الإدراكُ القويُّ الجاري مَجرَى المشاهدةِ ، وبالكفر إصرارُهم عليه وعتوُّهم ومكابرتُهم فيه مع العزيمة على قتله عليه الصلاة والسلام كما ينبىء عنه الإحساسُ فإنه إنما يُستعمل في أمثال هذه المواقعِ عند كونِ مُتعلّقِه أمراً محذوراً مكروهاً كما في قوله عز وجل : { فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ } وكلمةُ مِنْ متعلقةٌ بأحسّ والضميرُ المجرورُ لبني إسرائيلَ أي ابتدأ الإحساسَ من جهتهم ، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريحِ لما مر غيرَ مرةٍ من الاعتناء بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤخَّر ، وقيل : متعلقةٌ بمحذوف وقعَ حالاً من الكفر { قَالَ } أي لِخُلّصِ أصحابِه لا لجميعِ بني إسرائيلَ لقوله تعالى : (1/395)
{ كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ } الآية . وقوله تعالى : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ أنصار الله كَمَا } ليس بنص في توجيه الخطابِ إلى الكل بل يكفي فيه بلوغُ الدعوة إليهم { مَنْ أَنصَارِى } الأنصارُ جمع نصير كأشراف جمع شريف . (1/396)
{ إِلَى الله } متعلقٌ بمحذوف وقعَ حالاً من الياء أي مَنْ أنصاري متوجهاً إلى الله ملتجئاً إليه أو بأنصاري متضمناً معنى الإضافةِ كأنه قيل : «مَنِ الذين يُضيفون أنفسَهم إلى الله عز وجل ينصُرونني كما ينصُرني» وقيل : { إلى } بمعنى في ، أي في سبيل الله وقيل : بمعنى اللام وقيل : بمعنى مع { قَالَ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال ينساقُ إليه الذهنُ كأنه قيل : فماذا قالوا في جوابه عليه الصلاة والسلام؟ فقيل قال : { الحواريون } جمعُ حَواريّ يقال : فلان حَواري فلان أي صفوتُه وخالصتُه من الحَوَر وهو البياضُ الخالص ومنه الحوارياتُ للحَضَريات لخُلوص ألوانِهن ونقائِهن ، سُمّي به أصحابُ عيسى عليه الصلاة والسلام لخُلوص نياتِهم ونقاءِ سرائرِهم ، وقيل : لِمَا عليهم من آثار العبادةِ وأنوارِها ، وقيل : كانوا ملوكاً يلبَسون البياضَ وذلك أن واحداً من الملوك صنعَ طعاماً وجمع الناسَ عليه وكان عيسى عليه الصلاة والسلام على قصعةٍ لا يزال يأكلُ منها ولا تنقُص ، فذكروا ذلك للملك فاستدعاه عليه الصلاة والسلام فقال له : من أنت؟ قال : «عيسى بن مريم» ، فترك مُلكَه وتبِعه مع أقاربه فأولئك هم الحَواريون ، وقيل : كانوا صيادين يصطادون السمكَ يلبَسون الثيابَ البيض فيهم شمعونُ ويعقوبُ ويوحنا فمرّ بهم عيسى عليه الصلاة والسلام فقال لهم : «أنتم تصيدون السمكَ فإن اتبعتموني صَرْتم بحيث تصيدون الناسَ بالحياة الأبدية» قالوا : من أنت؟ قال : «عيسى بنُ مريم عبدُ اللَّه ورسولُه» فطلبوا منه المعجزة ، وكان شمعونُ قد رمى شبكتَه تلك الليلةَ فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى عليه الصلاة والسلام بإلقائها في الماء مرةً أخرى ففعل فاجتمع في الشبكة من السمك ما كادَتْ تتمزقُ واستعانوا بأهل سفينةٍ أخرى وملأوا السفينتين ، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام وقيل : كانوا اثنيْ عشرَ رجلاً آمنوا به عليه الصلاة والسلام واتبعوه وكانوا إذا جاعوا قالوا : جُعْنا يا روحَ الله فيضرِب بيده الأرضَ فيخرُجُ منها لكل واحد رغيفان ، وإذا عطِشوا قالوا : عطِشنا فيضرب بيده الأرضَ فيخرُج منها الماءُ فيشربون فقالوا : من أفضلُ منا؟ قال عليه الصلاة والسلام : " أفضلُ منكم من يعمل بيدِه ويأكلُ من كَسْبه " فصاروا يغسِلون الثيابَ بالأُجرة فسُمّوا حَواريين . وقيل : إن أمَّه سلّمتْه إلى صبّاغ فأراد الصباغُ يوماً أن يشتغل ببعض مَهمَّاتِه فقال له عليه الصلاة والسلام : هاهنا ثيابٌ مختلفة قد جَعَلْتُ لكل واحدٍ منها علامةً معينةً فاصبِغْها بتلك الألوانِ ، فغاب فجعلها عليه الصلاة والسلام كلَّها في جُبَ واحدٍ وقال : " كوني بإذن الله كما أُريد " فرجع الصبَّاغُ فسأله فأخبره بما صنع فقال : أفسدتَ عليّ الثيابَ قال : «قمْ فانظرْ» فجعل يُخرِجُ ثوباً أحمرَ وثوباً أخضرَ وثوباً أصفرَ إلى أن أخرج الجميعَ على أحسنِ ما يكون حسبما كان يريد فتعجَّبَ منه الحاضرون وآمنوا به عليه الصلاة والسلام وهم الحواريون ، قال القفالُ : ويجوزُ أن يكون بعضُ هؤلاء الحواريين الاثنيْ عشرَ من الملوك وبعضُهم من صيادي السمك وبعضُهم من القصّارين وبعضُهم من الصبَّاغين والكلُّ سُمّوا بالحَواريين لأنهم كانوا أنصارَ عيسى عليه الصلاة والسلام وأعوانَه والمخلِصين في طاعته ومحبتِه .
{ نَحْنُ أَنْصَارُ الله } أي أنصار دينه ورسولِه { آمنَّا بالله } استئنافٌ جارٍ مَجرى العلةِ لما قبله فإن الإيمانَ به تعالى موجبٌ لنُصرة دينِه والذبِّ عن أوليائه والمحاربةِ مع أعدائه { واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } مخلِصون في الإيمانِ منقادون لما تريد منا من نُصرتك ، طلبوا منه عليه الصلاة والسلام الشهادةَ بذلك يومَ القيامة يوم أُشهِدَ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام لأُممهم وعليهم إيذاناً بأن مرمى غرضِهم السعادةُ الأخروية . (1/397)
رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)
{ رَبَّنَا ءامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ } تضرّعٌ إلى الله عز وجل وعرْضٌ لحالهم عليه تعالى بعد عرضِها على الرسول مبالغةً في إظهار أمرِهم { واتبعنا الرسول } أي في كل ما يأتي ويذرُ من أمور الدينِ فيدخُل فيه الاتّباعُ في النُّصرة دخولاً أولياً { فاكتبنا مَعَ الشاهدين } أي مع الذين يشهدون بوحدانيتك أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم أو مع أمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام فإنهم شهداءُ على الناس قاطبةً ، وهو حالٌ من مفعول اكتبنا . (1/398)
{ وَمَكَرُواْ } أي الذين علِمَ عيسى عليه الصلاة والسلام كفرَهم من اليهود بأن وكلّوا به من يقتُله غِيلةً { وَمَكَرَ الله } بأن رفعَ عيسى عليه الصلاة والسلام وألقى شَبَهَه على من قصد اغتيالَه حتى قُتل ، والمكرُ من حيث أنه في الأصل حيلةٌ يُجلَب بها غيرُه إلى مَضرّة لا يمكن إسنادُه إليه سبحانه إلا بطريق المشاكلة ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ملِكَ بني إسرائيلَ لما تصد قتلَه عليه الصلاة والسلام أمره جبريلُ عليه الصلاة والسلام أن يدخُلَ بيتاً فيه روزنة فرفعه جبريل من تلك الروزنة إلى السماء فقال الملكُ لرجل خبيثٍ منهم : أدخُل عليه فاقتُله فدخل البيت ، فألقى الله عز وجل شَبَهَه عليه فخرج يُخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وقيل إنه عليه الصلاة والسلام جمع الحواريين ليلةً وأوصاهم ثم قال : « لَيَكفرَنّ بي أحدُكم قبل أن يَصيح الديكُ ويَبيعَني بدراهِمَ يسيرة » فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهودُ تطلُبه فنافق أحدُهم فقال لهم : ما تجعلون لي إن دَلَلْتُكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً فأخذها ودلهم عليه فألقى الله عز وجل عليه شبهَ عيسى عليه الصلاة والسلام ورفعه إلى السماء فأخذوا المنافِقَ وهو يقول : أنا دليلُكم فلم يلتفتوا إلى قوله وصَلَبوه ثم قالوا : وجهُه يُشبه وجهَ عيسى وبَدَنُه يشبه بدنَ صاحبِنا فإن كان هذا عيسى فأين صاحبُنا وإن كان صاحِبَنا فأين عيسى؟ فوقع بينهم قتالٌ عظيم وقيل : لما صُلب المصلوب جاءت مريمُ ومعها امرأةٌ أبرأها الله تعالى من الجنون بدعاء عيسى عليه الصلاة والسلام وجعلتا تبكِيان على المصلوب فأنزل الله تعالى عيسى عليه الصلاة والسلام فجاءهما فقال : علام تبكيان؟ فقالتا : عليك فقال : إن الله تعالى رفعني ولم يُصِبني إلا خيرٌ وإن هذا شيءٌ شُبِّه لهم . قال محمد بنُ إسحاقَ : إن اليهودَ عذبوا الحواريين بعد رفعِ عيسى عليه الصلاة والسلام ولقُوا منهم الجَهْدَ فبلغ ذلك ملكَ الرومِ وكان ملكُ اليهود من رعيته فقيل له : إن رجلاً من بني إسرائيلَ ممن تحت أمرِك كان يخبرهم أنه رسولُ الله وأراهم إحياءَ الموتى وإبراءَ الأكمهِ والأبرص وفعل وفعل فقال : لو علِمْتُ ذلك ما خلَّيْتُ بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم ، وسألهم عن عيسى عليه الصلاة والسلام فأخبروه فبايعهم على دينهم وأنزل المصلوبَ فغيّبه وأخذ الخشبةَ فأكرمها ثم غزا بني إسرائيلَ وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصلُ النصرانيةِ في الروم ثم جاء بعده ملِكٌ آخرُ يقال له : تيتوس وغزا بيتَ المقدس بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسلام بنحوٍ من أربعين سنةً فقتلَ وسبَى ولم يترُكْ في مدينة بيتِ المقدسِ حجراً على حجر ، فخرج عند ذلك قريظةُ والنضيرُ إلى الحجاز .
قال أهلُ التواريخ : حملت مريم بعيسى عليه الصلاة والسلام وهي بنتُ ثلاثَ عشرةَ سنةً وولدته ببيتَ لَحْمَ من أرض «أورى شلم» لمُضيِّ خمسٍ وستين سنةً من غلبة الإسكندرِ على أرض بابلَ ، وأوحى الله تعالى إليه على رأس ثلاثينَ سنةً ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضانَ وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً وعاشت أمُه بعد رفعِه ستَّ سنين { والله خَيْرُ الماكرين } أقواهم مكراً وأنفذُهم كيداً وأقدرُهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب ، وإظهارُ الجلالة في موقع الإضمارَ لتربية المهابة ، والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله . (1/399)
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)
{ إِذْ قَالَ الله } ظرفٌ لمكرَ الله أو لمضمر نحوُ وقع ذلك { ياعيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ } أي مستوفي أجلِك ومؤخرُك إلى أجلك المسمَّى عاصِماً لك من قتلهم أو قابضُك من الأرض ، من توفيتُ مالي ، أو متوفيك نائماً إذ رُوي أنه رُفع وهو نائم ، وقيل : مميتُك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعُك الآن أو مميتُك من الشهوات العائقة عن التزوج إلى عالم الملكوت ، وقيل : أماته الله تعالى سبعَ ساعاتٍ ثم رفعه إلى السماء وإليه ذهبت النصارى ، قال القرطبيُّ : والصحيحُ أن الله تعالى رفعه من غير وفاةٍ ولا نومٍ كما قال الحسنُ وابنُ زيد وهو اختيارُ الطبري وهو الصحيحُ عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وأصل القصة أن اليهودَ لما عزموا على قتله عليه الصلاة والسلام اجتمع الحواريون وهم اثنا عشرَ رجلاً في غرفة فدخل عليهم المسيحُ من مِشكاة الغرفةِ فأخبر بهم إبليسُ جميعَ اليهود فركِبَ منهم أربعةُ آلافِ رجلٍ فأخذوا باب الغرفة فقال المسيحُ للحواريين : أيُكم يخرجُ ويُقتل ويكونُ معي في الجنة؟ فقال واحد منهم : أنا يا نبيَّ الله ، فألقى عليه مدرعة من صوفٍ وعِمامةٍ من صوف وناوله عكّازَه وأُلقيَ عليه شبَهُ عيسى عليه الصلاة والسلام فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه ، وأما عيسى عليه الصلاة والسسلام فكساه الله الريشَ والنورَ وألبسه النورَ وقطع عنه النورُ شهوةَ المطعمِ والمشرب وذلك قوله تعالى : { إِنّي مُتَوَفّيكَ } فطار مع الملائكة ثم إن أصحابه حين رأَوْا ذلك تفرَّقوا ثلاثَ فِرَقٍ فقالت فِرقةٌ : كان الله فينا ثم صعِدَ إلى السماء وهم اليعقوبيةُ ، وقالت فرقة أخرى : كان فينا ابنُ الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهم النسطوريةُ ، وقالت فرقةٌ أخرى منهم : كان فينا عبدُ الله ورسولُه ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء هم المسلمون فتظاهرت عليهم الفرقتانِ الكافرتان فقتلوهم فلم يزل الإسلامُ منطمساً إلى أن بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم . (1/400)
{ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } أي إلى محل كرامتي ومقرِّ ملائكتي { وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } أي من سوء جوارِهم وخبثِ صُحبتِهم ودنَسِ معاشرتِهم { وَجَاعِلُ الذين اتبعوك } قال قتادةُ والربيعُ والشعبيُّ ومقاتِلٌ والكلبيُّ : هم أهل الإسلام الذين صدّقوه واتبعوا دينَه من أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم دون الذين كذّبوه وكذَبوا عليه من النصارى { فَوْقَ الذين كَفَرُواْ } وهم الذين مكَروا به عليه الصلاة والسلام ومن يسير بسيرتهم من اليهود فإن أهلَ الإسلام فوقهم ظاهرين بالعزة والمَنَعة والحُجة ، وقيل : هم الحواريون فينبغي أن تُحمل فوقيتُهم على فوقية المسلمين بحكم الاتحادِ في الإسلام والتوحيد ، وقيل : هم الرومُ وقيل : هم النصارى ، فالمرادُ بالاتباع مجرَّدُ الادعاء والمحبة وإلا فأولئك الكفرةُ بمعزل من اتّباعه عليه الصلاة والسلام { إلى يَوْمِ القيامة } غايةٌ للجعل أو للاستقرار المقدّرِ في الظرف لا على معنى أن الجعلَ أو الفوقيةَ تنتهي حينئذ ويتخلّص الكفرةُ من الذِلة بل على معنى أن المسلمين يعلُونهم إلى تلك الغاية فأما بعدها فيفعل الله تعالى بهم ما يريد { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } بالبعث ، وثم للتراخي ، وتقديمُ الجار والمجرور للقصر المفيدِ لتأكيد الوعدِ والوعيد ، والضمير لعيسى عليه الصلاة والسلام وغيرِه من المتبعين له والكافرين به على تغليب المخاطَب على الغائب في ضمن الالتفاتِ فإنه أبلغُ في التبشير والإنذار { فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } يومئذ إثرَ رجوعِكم إليّ { فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من أمور الدين و { فِيهِ } متعلقٌ بتختلفون وتقديمُه عليه لرعاية الفواصل .
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56)
{ فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } تفسيرٌ للحكم الواقعِ بين الفريقين وتفصيلٌ لكيفيته ، والبدايةُ ببيانِ حالِ الكفرة لما أن مساقَ الكلامِ لتهديدهم وزجرِهم عما هم عليه من الكفر والعِناد ، وقولُه تعالى : { فِى الدنيا والاخرة } متعلقٌ بأعذبهم لا بمعنى إيقاعِ كلِّ واحدٍ من التعذيب في الدنيا والتعذيبِ في الآخرة وإحداثِهما يومَ القيامة بل بمعنى إتمامِ مجموعِهما يومئذ ، وقيل : إن المرجِعَ أعمُّ من الدنيوي والأخروي ، وقولُه تعالى : { إلى يَوْمِ القيامة } غايةٌ للفوقية لا للجعلِ ، والرجوعُ متراخٍ عن الجعل وهو غيرُ محدودٍ لا عن الفوقية المحدودةِ على نهج قولِك : سأُعيرك سكني هذا البيتَ شهراً ثم أخلَع عليك خلْعةً فيلزَمُ تأخرُ الخُلع عن الإعارة لا عن الشهر { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } يُخلِّصونهم من عذاب الله تعالى في الدارين وصيغةُ الجمعِ لمقابلة ضميرِ الجمعِ أي ليس لواحد منهم ناصرٌ واحدٌ . (1/401)
وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)
{ وَأَمَّا الذين ءامَنُوا } بما أُرسِلْتُ به { وَعَمِلُواْ الصالحات } كما هو ديدَنُ المؤمنين { فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } أي يعطيهم إياها كاملةً ، ولعل الالتفاتَ إلى الغَيبة للإيذان بما بين مصدري التعذيبِ والإثابةِ من الاختلاف من حيث الجلالُ والجمال ، وقرىء فنُوفيهم جرياً على سَنن العظمةِ والكبرياء { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } أي بعضَهم فإن هذه الكنايةَ فاشيةٌ في جميع اللغاتِ جاريةٌ مَجرى الحقيقةِ ، وإيرادُ الظلم للإشعار بأنهم بكفرهم متعدّون متجاوزوا الحدودِ واضعون الكفر مكانَ الشكرِ والإيمانِ ، والجملةُ تذييلٌ لما قبله مقرِّرٌ لمضمونه . (1/402)
{ ذلك } إشارةٌ إلى ما سلف من نبأ عيسى عليه الصلاة والسلام ، وما فيه من معنى البُعد للدِلالة على عِظَمِ شأنِ المُشار إليه وبُعدِ منزلتِه في الشرف وعلى كونه في ظهور الأمرِ ونباهةِ الشأن بمنزلة المشاهَد المعايَن ، وهو مبتدأٌ وقولُه عز وجل : { نَتْلُوهُ } خبرُه وقولُه تعالى : { عَلَيْكَ } متعلقٌ بنتلوه وقولُه تعالى : { مِنَ الايات } حالٌ من الضمير المنصوب أو خبرٌ بعد خبرٍ ، أو هو الخبرُ وما بينهما حالٌ من اسمِ الإشارة أو { ذلك } خبرٌ لمبتدإ مضمرٍ أي الأمرُ ذلك ونتلوه حالٌ كما مر ، وصيغةُ الاستقبال إما لاستحضار الصورةِ أو على معناها إذ التلاوةُ لم تتِمَّ بعدُ { والذكر الحكيم } أي المشتملِ على الحِكَم أو المُحكمِ الممنوعِ من تطرُّق الخللِ إليه ، والمرادُ به القرآنُ فمن تبعيضيةٌ أو بعضٌ مخصوصٌ منه فمن بيانيةٌ ، وقيل : هو اللوحُ المحفوظُ فمن ابتدائية { إِنَّ مَثَلَ عيسى } أي شأنَه البديعَ المنتظِمَ لغرابته في سلك الأمثال { عَندَ الله } أي في تقديره وحُكمِه { كَمَثَلِ ءادَمَ } أي كحاله العجيبةِ التي لا يرتاب فيها مرتابٌ ولا ينازِعُ فيها منازِع { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } تفسيرٌ لما أُبهم في المَثَل وتفصيلٌ لما أُجمِلَ فيه وتوضيحٌ للتمثيل ببيان وجهِ الشبهِ بينهما وحسمٌ لمادة شُبهة الخصومِ فإن إنكارَ خلقِ عيسى عليه الصلاة والسلام بلا أبٍ ممن اعترف بخلقِ آدمَ عليه الصلاة والسلام بغير أبٍ وأمٍ مما لا يكاد يصح ، والمعنى خلق قالَبَه من تراب { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن } أي أنشأه بَشَراً كما في قوله تعالى : { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } أو قدّر تكوينَه من التراب ثم كوّنه ويجوز كونُ { ثُمَّ } لتراخي المُخبَرِ به { فَيَكُونُ } حكايةُ حالٍ ماضية ، روي أن وفد نجرانَ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : مالك تشتمُ صاحبَنا؟ قال : « وما أقول؟ » قالوا : تقول إنه عبدٌ قال : « أجل هو عبدُ الله ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى العذراء البتولِ » فغضِبوا وقالوا : هل رأيتَ إنساناً من غير أبٍ؟ فحيثُ سلَّمتَ أنه لا أبَ له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله فقال عليه الصلاة والسلام : « إن آدمَ عليه الصلاة والسلام ما كان له أبٌ ولا أم ولم يلزم من ذلك كونُه ابناً لله سبحانه وتعالى فكذا حالُ عيسى عليه الصلاة والسلام » .
{ الْحَقُّ مِن رَّبّكَ } خبرُ مبتدإ محذوفٍ أي هو الحقُّ أي ما قصصنا عليك من نبإ عيسى عليه الصلاة والسلام وأمِّه ، والظرفُ إما حالٌ أي كائناً من ربك أو خبرٌ ثانٍ أي كائنٌ منه تعالى وقيل : هما مبتدأٌ وخبرٌ أي الحقُّ المذكورُ من الله تعالى ، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبِ لتشريفه عليه الصلاة والسلام والإيذانِ بأن تنزيلَ هذه الآياتِ الحقةِ الناطقةِ بكنه الأمر تربيةٌ له عليه الصلاة والسلام ولُطفٌ به { فَلاَ تَكُنْ مّن الممترين } في ذلك ، والخطابُ إما للنبي صلى الله عليه وسلم على طريقة الإلهابِ والتهييجِ لزيادة التثبيتِ والإشعارِ بأن الامتراءَ في المحذورية بحيث ينبغي أن ينهى عنه من لا يكاد يمكن صدورُه عنه فكيف بمن هو بصدد الامتراء؟ وإما لكل من له صلاحيةُ الخطاب . (1/403)
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)
{ فَمَنْ حَاجَّكَ } أي من النصارى إذ هم المتصدّرون للمُحاجّة { فِيهِ } أي في شأن عيسى عليه الصلاة والسلام وأمِّه زعماً منهم أنه ليس على الشأن المحكي { مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم } أي ما يُوجِبُه إيجاباً قطعياً من الآيات البيناتِ وسمعوا ذلك منك فلم يرعَوُوا عما هم عليه من الغي والضلال { فَقُلْ } لهم { تَعَالَوْاْ } أي هلُمّوا بالرأي والعزيمة { نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ } اكتُفيَ بهم عن ذكر البناتِ لظهور كونِهم أعزَّ منهن وأما النساءُ فتعلُّقُهن من جهة أخرى { وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ } أي ليدعُ كلٌّ منا ومنكم نفسَه وأعِزَّةَ أهلِه وألصقَهم بقلبه إلى المباهَلة ويحمِلْهم عليها ، وتقديمُهم على النفس في أثناء المباهلةِ التي هي من باب المهالكِ ومظانِّ التلفِ مع أن الرجلَ يخاطرُ لهم بنفسه ويحارب دونهم للإيذان بكمال أمنِه عليه الصلاة والسلام وتمامِ ثقتِه بأمره وقوةِ يقينِه بأنه لن يُصيبَهم في ذلك شائبةُ مكروهٍ أصلاً وهو السرُّ في تقديم جانبِه عليه السلام على جانب المخاطَبين في كل من المقدم والمؤخرِ مع رعاية الأصلِ في الصيغة فإن غيرَ المتكلم تبعٌ له في الإسناد . (1/404)
{ ثُمَّ نَبْتَهِلْ } أي نتباهلْ بأن نلعنَ الكاذبَ منا والبُهلةُ بالضم والفتح اللعنةُ وأصلُها التركُ من قولهم : بَهَلْتُ الناقةَ أي تركتُها بلا صِرار { فَنَجْعَل لَّعْنَتُ الله عَلَى الكاذبين } عطفٌ على نبتهل مبينٌ لمعناه ، روي أنهم لما دُعوا إلى المباهلة قالوا : حتى نرجِعَ وننظُرَ فلما خلَوْا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم : يا عبدَ المسيح ما ترى؟ فقال : والله لقد عرفتم يا معشرَ النصارى أن محمداً نبيٌّ مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبِكم ، والله ما باهل قومٌ نبياً قط فعاش كبيرُهم ولا نبت صغيرُهم ، ولئن فعلتم لتهلِكُنّ ، فإن أبيتم إلا إلفَ دينِكم والإقامةِ على ما أنتم عليه فوادِعوا الرجلَ وانصرِفوا إلى بلادكم ، فأتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضِناً الحسينَ آخذاً بيد الحسنِ وفاطمةُ تمشي خلفَه وعليٌّ خلفها رضي الله عنهم أجمعين وهو يقول : « إذا أنا دعوتُ فأمِّنوا » فقال أسقفُ نجرانَ : يا معشرَ النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يُزيل جبلاً من مكانه لأزاله ، فلا تُباهلوا فتهلِكوا ولا يبقى على وجه الأرضِ نصرانيٌّ إلى يوم القيامة ، فقالوا : يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهِلَك وأن نُقِرَّك على دينك ونثبُتَ على ديننا ، قال صلى الله عليه وسلم : « فإذا أبيتم المباهلةَ فأسلِموا يكنْ لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين » فأبَوْا ، قال عليه الصلاة والسلام : « فإني أناجِزُكم » فقالوا : ما لنا بحربِ العربِ طاقةٌ ولكن نصالِحُك على ألا تغزونا ولا تُخيفَنا ولا ترُدَّنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كلَّ عامٍ ألفي حُلةٍ ، ألفاً في صَفَر وألفاً في رجبٍ وثلاثين درعاً عادية من حديد ، فصالحهم على ذلك وقال : « والذي نفسي بيده إن الهلاكَ قد تدلَّى على أهل نجرانَ ، ولو لاعنوا لَمُسِخوا قِردةً وخنازيرَ ولاضْطَرمَ عليهم الوادي ناراً ولاستأصَلَ الله نجرانَ وأهلَه حتى الطيرَ على رؤوس الشجر ، ولما حال الحولُ على النصارى كلِّهم حتى يهلكوا »
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)
{ إِنَّ هَذَا } أي ما قُصّ من نبأ عيسى وأمِّه عليهما السلام { لَهُوَ القصص الحق } دون ما عداه من أكاذيبِ النصارى ، فهو ضميرُ الفصلِ دخلتْه اللامُ لكونه أقربَ إلى المبتدإ من الخبر ، وأصلها أن تدخُلَ المبتدأَ ، وقرىء لهْوَ بسكون الهاء ، والقصصُ خبرُ إن والحقُّ صفتُه ، أو مبتدأٌ والقصصُ خبرُه والجملةُ خبرٌ لإن { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } صرّح فيه بمن الاستغراقية تأكيداً للرد على النصارى في تثليثهم { وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز } القادرُ على جميع المقدوراتِ { الحكيم } المحيطُ بالمعلومات لا أحدَ يشاركُه في القدرة والحِكمة ليشاركَه في الألوهية { فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن التوحيد وقَبولِ الحقِّ الذي قصَصْنا عليك بعد ما عاينوا تلك الحُججَ النَّيرة والبراهينَ الساطعة { فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين } أي بهم ، وإنما وُضِعَ موضعَه ما وُضِع للإيذان بأن الإعراضَ عن التوحيد والحقِّ الذي لا محيدَ عنه بعد ما قامت به الحججُ إفسادٌ للعالم وفيه من شدة الوعيدِ ما لا يخفى { قُلْ ياأهل * أَهْلِ الكتاب } أمرٌ بخطاب أهلِ الكتابين وقيل : بخطاب وفدِ نجْرانَ وقيل : بخطاب يهودِ المدينةِ { تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } لا يختلف فيها الرسلُ والكتبُ وهي { أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله } أي نوحِّدُه بالعبادة ونُخلِصُ فيها { وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } ولا نجعلَ غيرَه شريكاً له في استحقاق العبادةِ ولا نراه أهلاً لأن يُعبد { وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله } بأن نقولَ عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابنُ الله ولا نُطيعَ الأحبارَ فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلاً منهم بعضُنا بشرٌ مثلُنا ، روي أنه لما نزلت { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله } قال عديُّ بنُ حاتم : ما كنا نعبُدهم يا رسولَ الله ، فقال عليه السلام : « أليس كانوا يُحِلّون لكم ويحرِّمون فتأخذون بقولهم » قال : نعم ، قال عليه السلام : « هو ذاك » { فَإِن تَوَلَّوْاْ } عما دعوتَهم إليه من التوحيد وتركِ الإشراك { فَقُولُواْ } أي قل لهم أنت والمؤمنون : { اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي لزِمْتكم الحُجةُ فاعترِفوا بأنا مسلمون دونكم أو اعترِفوا بأنكم كافرون بما نطَقَتْ به الكتُب وتطابقت عليه الرسلُ عليهم السلام . (1/405)
{ تنبيه } انظُر إلى ما روعيَ في هذه القصة من المبالغة في الإرشاد وحسنِ التدرُّجِ في المُحاجَّة حيث بيّن أولاً أحوالَ عيسى عليه السلام وما توارد عليه من الأطوار المنافيةِ للإلهية ثم ذُكر كيفيةُ دعوتِه للناس إلى التوحيد والإسلامِ فلما ظهر عندهم دُعُوْا إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ثم لما أعرَضوا عنها وانقادوا بعضَ الانقياد دُعوا إلى ما اتفق عليه عيسى عليه السلام والإنجيلُ وسائرُ الأنبياء عليهم السلام والكتُب ، ثم لما ظهر عدمُ إجدائِه أيضاً أُمِرَ بأن يقال لهم : اشهدوا بأنا مسلمون .
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69)
{ ياْ أَهْلِ الكتاب } من اليهود والنصارى { لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إبراهيم } أي في مِلّته وشريعتِه . تنازعت اليهودُ والنصارى في إبراهيمَ عليه السلام وزعم كلٌّ منهم أنه عليه السلام منهم وترافَعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ، والمعنى لم تدعون أنه عليه السلام كان منكم { وَمَا أُنزِلَتِ التوراة } على موسى عليه الصلاة والسلام { والإنجيل } على عيسى عليه الصلاة والسلام { إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } حيث كان من بينه وبين موسى عليهما السلام ألفُ سنةٍ وبين موسى وعيسى عليهما السلام ألفا سنةٍ فكيف يمكن أن يتفوَّهَ به عاقلٌ { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أي ألا تتفكرون فلا تعقِلون بطلانَ مذهبِكم أو أتقولون ذلك فلا تعقلون بُطلانه { هأَنتُمْ هؤلاء } جملةٌ من مبتدإ وخبر صُدِّرت بحرف التنبيه ثم بُيِّنت بجملة مستأنفة إشعاراً بكمال غفلتِهم أي أنتم هؤلاءِ الأشخاصُ الحمق حيث { حاججتم فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } في الجملة حيث وجدتموه في التوراة والإنجيل ، { فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } أصلاً إذ لا ذِكْرَ لدين إبراهيمَ في أحد الكتابين قطعاً وقيل : هؤلاء بمعنى الذين وحاججتم صلتُه وقيل : ها أنتم أصلُه أأنتم على الاستفهام للتعجب قلبت الهمزةُ هاءً { والله يَعْلَمُ } ما حاججتم فيه أو كلَّ شيءٍ فيدخُل فيه ذلك دخولاً أولياً { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } أي محلَّ النزاعِ أو شيئاً من الأشياء التي من جملتها ذلك { مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا } تصريحٌ بما نطَق به البرهانُ المقرِّر { وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا } أي مائلاً عن العقائد الزائغةِ كلِّها { مُسْلِمًا } أي منقاداً لله تعالى ، وليس المرادُ أنه كان على مِلَّة الإسلامِ وإلا لاشترك الإلزامُ { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } تعريضٌ بأنهم مشركون بقولهم : عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابنُ الله وردٌّ لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام { إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم } أي أقربَهم إليه وأخصَّهم به { لَلَّذِينَ اتبعوه } أي في زمانه { وهذا النبى والذين ءامَنُواْ } لموافقتهم له في أكثرِ ما شُرع لهم على الأصالة ، وقرىء النبيَّ بالنصب عطفاً على الضمير في اتبعوه وبالجر عطفاً على إبراهيمَ { والله وَلِىُّ المؤمنين } ينصُرهم ويجازيهم الحسنى بإيمانهم ، وتخصيصُ المؤمنين بالذكر ليثبُتَ الحكمُ في النبيِّ صلى الله عليه وسلم بدَلالة النصِّ { وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } نزلت في اليهود حين دعَوا حُذيفةَ وعماراً ومُعاذاً إلى اليهودية و { لَوْ } بمعنى أن { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } جملةٌ حاليةٌ جيء بها للدَلالة على كمال رسوخِ المخاطبين وثباتِهم على ما هم عليه من الدين القويم أي وما يتخطاهم الإضلالُ ولا يعود وبالُه إلا إليهم لما أنه يُضاعفُ به عذابُهم وقيل : وما يُضِلّون إلا أمثالَهم ويأباه قوله تعالى : { وَمَا يَشْعُرُونَ } أي باختصاص وبالِه وضررِه بهم . (1/406)
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73)
{ يأَهْلَ الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بأيات الله } أي بما نَطَقتْ به التوراةُ والإنجيلُ ودلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } أي والحالُ أنكم تشهدون أنها آياتُ الله أو بالقرآن وأنتم تشهدون نعتَه في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حقٌّ { ياأهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل } بتحريفكم وإبرازِ الباطِلِ في صورته أو بالتقصير في التمييز بينهما ، وقرىء تلَبّسون بالتشديد وتلْبَسون بفتح الباء أي تلبَسون الحقَّ مع الباطل كما في قوله عليه السلام : « كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ » { وَتَكْتُمُونَ الحق } أي نبوةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ونعتَه { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي حقِّيتَه { وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب } وهم رؤساؤُهم ومفسدوهم لأعقابهم { ءامِنُواْ بالذى أنزِلَ على الَّذِينَ آمنُوا } أي أظهِروا الإيمانَ بالقرآن المنْزلِ عليهم { وَجْهَ النهار } أي أولَه { واكفروا } أي أظهِروا ما أنتم عليه من الكفر به { ءاخِرَهُ } مُرائين لهم أنكم آمنتم به بادِيَ الرأي من غير تأملٍ ثم تأملتم فيه فوقَفتم على خلل رأيِكم الأولِ فرجعتم عنه { لَعَلَّهُمْ } أي المؤمنين { يَرْجِعُونَ } عما هم عليه من الإيمان به كما رجعتم والمرادُ بالطائفة كعبُ بنُ الأشرفِ ومالكُ بنُ الصيفِ قالا لأصحابهما لما حُوِّلت القِبلة : آمِنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلّوا إليها أولَ النهار ثم صلوا إلى الصخرة آخِرَه لعلهم يقولون : هم أعلمُ منا وقد رجَعوا فيرجِعون ، وقيل : هم اثنا عشرَ رجلاً من أحبار خيبَر اتفقوا على أن يدخُلوا في الإسلام أولَ النهار ويقولوا آخرَه : نظرنا في كتابنا وشاوَرْنا علماءَنا فلم نجِدْ محمداً بالنعت الذي ورد في التوراة ، لعل أصحابه يشكّون فيه . (1/407)
{ وَلاَ تُؤْمِنُواْ } أي لا تُقِرّوا بتصديقٍ قلبيَ { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } أي لأهل دينِكم أو لا تُظهِروا إيمانَكم وجهَ النهار إلا لمن كان على دينكم من قبلُ ، فإن رجوعَهم أرجى وأهمُّ { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } يهدي به من يشاءُ إلى الإيمان ويُثبِّته عليه { أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } متعلِّقٌ بمحذوفٍ أي دبّرتم ذلك وقلتم لأن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم ، أو بلا تؤمنوا أي ولا تظهِروا إيمانَكم بأن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا لأشياعكم ولا تُفْشوه إلى المسلمين لئلا يزيدَ ثباتُهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام ، وقولُه تعالى : { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } اعتراضٌ مفيدٌ لكون كيدِهم غيرَ مُجدٍ لطائل أو خبر إن على هدى الله بدل من الهدى ، وقرىء أن يؤتى على الاستفهام التقريعي وهو مؤيدٌ للوجه الأولِ أي لأن يُؤتى أحدٌ الخ دبرتم؟ وقرىء أن على أنها نافيةٌ فيكونُ من كلام الطائفةِ ، أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبِعَ دينَكم وقولوا لهم : ما يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } عطفٌ على { أَن يؤتى } على الوجهين الأولين وعلى الثالث معناه حتى يحاجوكم عند ربِّكم فيدحَضوا حُجتَكم ، والواوُ ضميرُ { أَحَدٌ } لأنه في معنى الجمع إذ المرادُ به غيرُ أتباعِهم { قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ } ردٌّ لهم وإبطالٌ لما زعموه بالحجة الباهرةِ .
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
{ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } أي يجعل رحمتَه مقصورةً على { مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم } كلاهما تذييلٌ لما قبله مقرِّرٌ لمضمونه . (1/408)
{ وَمِنْ أَهْلِ الكتاب } شروعٌ في بيان خيانتِهم في المال بعد بيانِ خيانتِهم في الدين ، والجارُّ والمجرورُ في محل الرفع على الابتداء حسبما مر تحقيقُه في تفسير قوله تعالى : { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ } الخ خبرُه قوله تعالى : { مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ } على أن المقصودَ بيانُ اتّصافِهم بمضمون الجملةِ الشرطية لا كونُهم ذواتِ المذكورين كأنه قيل : بعضُ أهلِ الكتاب بحيث إن تأمنْه بقنطار أي بمالٍ كثيرٍ يؤدِّه إليك كعبد اللَّه بن سلامٍ استودَعه قرشيٌّ ألفاً ومِائتيْ أوقيةٍ ذهباً فأداها إليه { وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } كفِنحاصَ بنِ عازوراءَ استودعه قرشيٌّ آخرُ ديناراً فجحَده وقيل : المأمونون على الكثير النصارى إذ الغالبُ فيهم الأمانةُ والخائنون في القليل اليهودُ إذ الغالبُ فيهم الخيانة { إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال أو الأوقات أي لا يؤده إليك في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا في حال دوام قيامِك أو في وقت دوامِ قيامِك على رأسه مبالِغاً في مطالبته بالتقاضي وإقامةِ البينة { ذلك } إشارةٌ إلى ترك الأداءِ المدلولِ عليه بقوله تعالى : { لاَّ يُؤَدِّهِ } وما فيه من معنى البُعد للإيذن بكمال غُلوِّهم في الشر والفساد { بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم { قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الاميين } أي في شأنِ مَنْ ليس من أهل الكتاب { سَبِيلٍ } أي عتابٌ ومؤاخذة { وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب } بادعائهم ذلك { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون مفترون على الله تعالى وذلك لأنهم استحلوا ظُلْمَ من خالفهم وقالوا لم يُجعل في التوراة في حقهم حُرمةٌ وقيل : عامل اليهودُ رجالاً من قريشٍ فلما أسلموا تقاضَوْهم فقالوا : سقط حقُّكم حيث تركتم دينَكم وزعَموا أنه كذلك في كتابهم ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزولِها : « كذَب أعداءُ الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانةَ فإنها مؤداةٌ إلى البَرِّ والفاجر »
بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)
{ بلى } إثباتٌ لما نفَوْه أي بلى عليهم فيهم سبيلٌ ، وقولُه تعالى : { مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ واتقى فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } استئنافٌ مقرِّر للجملة التي سد { بلى } مسدَّها والضميرُ المجرور لمن أو لله تعالى وعمومِ المتقين نائبٌ منابَ الراجعِ من الجزاء إلى مَنْ ومُشعِرٌ بأن التقوى مَلاكُ الأمرِ ، عامٌّ للوفاء وغيرِه من أداء الواجباتِ والاجتنابِ عن المناهي { إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ } أي يستبدلون ويأخُذون { بِعَهْدِ الله } أي بدلَ ما عاهدوا عليه من الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم والوفاءِ بالأمانات { وأيمانهم } وبما حلفوا به من قولهم : والله لنُؤمِنن به ولننصُرَنّه { ثَمَناً قَلِيلاً } هو حُطامُ الدنيا { أولئك } الموصوفون بتلك الصفاتِ القبيحةِ { لاَ خلاق } لا نصيبَ { لَهُمْ فِى الاخرة } من نعيمها { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله } أي بما يسُرّهم أو بشيء أصلاً وإنما يقع ما يقع من السؤال والتوبيخِ والتقريعِ في أثناء الحساب من الملائكة عليهم السلام أو لا ينتفعون بكلماتِ الله تعالى وآياتِه ، والظاهرُ أنه كنايةٌ عن شدة غضبِه وسَخَطِه نعوذ بالله من ذلك لقوله تعالى : { وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة } فإنه مَجازٌ عن الاستهانة بهم والسخطِ عليهم متفرِّعٌ على الكناية في حق من يجوزُ عليه النظرُ لأن مَن اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره بصرَه ثم كثُر حتى صار عبارةً عن الاعتداد والإحسانِ وإن لم يكن ثَمَّةَ نظَرٌ ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظرُ مجرد المعنى من الإحسان مَجازاً عما وقع كنايةً عنه فيمن يجوزُ عليه النظر ، ويومَ القيامة متعلقٌ بالفعلين وفيه تهويل للوعيد { وَلاَ يُزَكّيهِمْ } أي لا يُثني عليهم أو لا يُطَهِّرهم من أوضار الأوزار { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } على ما فعلوه من المعاصي قيل إنها نزلت في أبي رافعٍ ولُبابةَ بنِ أبي الحقيق وحُيَيِّ بنِ أخطَبَ حرّفوا التوراة وبدلوا نعتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا الرِّشوةَ على ذلك . وقيل : نزلت في الأشعث بنِ قيسٍ حيث كان بينه وبين رجل نزاعٌ في بئر فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : « شاهداك أو يمينُه » فقال الأشعث : إذن يحلِفُ ولا ببالي ، فقال صلى الله عليه وسلم : « مَنْ حلف على يمين يستحِقُّ بها مالاً هو فيها فاجرٌ لقِيَ الله وهو عليه غضبان » ، وقيل : في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يكن اشتراها به . { وَإِنَّ مِنْهُمْ } أي من اليهود المحرِّفين { لَفَرِيقًا } ككعب بنِ الأشرفِ ومالكِ بنِ الصيف وأضرابِهما { يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب } أي يفتلونها بقراءته فيُميلونها عن المُنزّل إلى المحرّف أو يعطِفونها بشَبَه الكتاب ، وقرىء يُلوّون بالتشديد ويلُون بقلب الواو المضمومة همزةً ثم تخفيفِها بحذفها وإلقاء حركتها على ما قبلها من الساكن { لِتَحْسَبُوهُ } أي المحرِّفَ المدلولَ عليه بقوله تعالى : { يَلْوُونَ } الخ وقرىء بالياء والضميرُ للمسلمين { مّنَ الكتاب } أي من جملته وقولُه تعالى : { وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب } حالٌ من الضمير المنصوبِ أي والحالُ أنه ليس منه في نفس الأمرِ وفي اعتقادهم أيضاً { وَيَقُولُونَ } مع ما ذكر من اللَّيِّ والتحريف على طريقة التصريحِ لا بالتورية والتعريض { هُوَ } أي المحرفُ { مِنْ عِندِ الله } أي منزلٌ من عند الله { وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله } حالٌ من ضمير المبتدأ في الخبر أي والحالُ أنه ليس من عنده تعالى في اعتقادهم أيضاً وفيه من المبالغة في تشنيعهم وتقبيحِ أمرِهم وكمالِ جرأتهم ما لا يخفى ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ والكتاب في محل الإضمارِ لتهويل ما أقدموا عليه من القول . (1/409)
{ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون ومفترون على الله تعالى وهو تأكيدٌ وتسجيلٌ عليهم بالكذبِ على الله والتعمُّد فيه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم اليهودُ الذين قدِموا على كعب بنِ الأشرف وغيَّروا التوراةَ وكتبوا كتاباً بدَّلوا فيه صِفةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذت قريظةُ ما كتبوا فخلَطوا بالكتاب الذي عندهم . (1/410)
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)
{ مَا كَانَ لِبَشَرٍ } بيانٌ لافترائهم على الأنبياء عليهم السلام حيث قال نصارى نجرانَ : إن عيسى عليه السلام أمرنا أن نتخِذَه رباً حاشاه عليه السلام ، وإبطالٌ له إثرَ بيانِ افترائِهم على الله سبحانه وإبطالِه ، أي ما صح وما استقام لأحد وإنما قيل : { لِبَشَرٍ } إشعاراً بعلة الحُكم فإن البشريةَ منافية للأمر الذي أسنده الكفرَةُ إليهم { أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب } الناطقَ بالحق الآمرَ بالتوحيد الناهيَ عن الإشراك { والحكم } هو الفهمُ والعلم أو الحكمةُ وهي السنة ، { والنبوة ثُمَّ يَقُولَ } ذلك البشرُ بعدما شرّفه الله عز وجل بما ذُكر من التشريفات وعرّفه الحقَّ وأطلعه على شؤونه العالية { لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى } الجارُّ متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ لعباد أي عباداً كائنين { مِن دُونِ الله } متعلقٌ بلفظ عباداً لما فيه من معنى الفعل أو صفةٌ ثانيةٌ له ويحتمِلُ الحاليةَ لتخصُّص النكرةِ بالوصف أي متجاوزين الله تعالى سواءٌ كان ذلك استقلالاً أو اشتراكاً فإن التجاوزَ متحققٌ فيهما حتماً . قيل : إن أبا رافعٍ القُرَظيّ والسيدَ النجرانيَّ قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتريد أن نعبُدَك ونتخِذَك رباً؟ فقال عليه السلام : « معاذَ الله أن يُعبَدَ غيرُ الله تعالى وأن نأمرَ بعبادة غيرِه تعالى فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرَني » فنزلت . وقيل : قال رجل من المسلمين : يا رسول الله نسلِّم عليك كما يُسلّم بعضُنا على بعض أفلا نسجُد لك؟ قال عليه السلام : « لا ينبغي أن يُسجَدَ لأحد من دون الله تعالى ولكن أكرِموا نبيَّكم واعرِفوا الحقَّ لأهله » { ولكن كُونُواْ } أي ولكن يقولُ كونوا { ربانيين } الربانيُّ منسوبٌ إلى الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني والرقباني وهو الكاملُ في العلم والعمل ، الشديدُ التمسكِ بطاعة الله عز وجل ودينِه { بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } أي بسبب مُثابرتِكم على تعليم الكتابِ ودراستِه أي قراءتِه فإن جعْلَ خبرِ كان مضارعاً لإفادة الاستمرارِ المتجدِّد وتكريرُ بما كنتم للإيذان باستقلال كلَ من استمرار التعليمِ واستمرارِ القراءةِ بالفضل وتحصيلِ الربانية ، وتقديمُ التعليم على الدراسة لزيادة شرفِه عليها أو لأن الخطابَ الأولَ لرؤسائهم والثاني لمن دونهم وقرىء تَعْلمون بمعنى عالمين وتُدَرِّسون من التدريس وتُدْرِسون من الإدراس بمعنى التدريس كأكرم بمعنى كرُم ويجوز أن تكون القراءةُ المشهورةُ أيضاً بهذا المعنى على تقدير بما تدْرُسونه على الناس . (1/411)
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)
{ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا } بالنصب عطفاً على ثم يقولَ و { لا } مزيدةٌ لتأكيد معنى النفي في قوله تعالى : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } أي ما كان لبشر أن يستنبِئَه الله تعالى ثم يأمرَ الناس بعبادة نفسِه ويأمرَ باتخاذ الملائكةِ والنبيين أرباباً ، وتوسيطُ الاستدراك بين المعطوفَين للمسارعة إلى تحقيق الحقِّ ببيان ما يليق بشأنه ويحِقُّ صدورُه عنه إثرَ تنزيهِه عما لا يليقُ بشأنه ويمتنِعُ صدورُه عنه ، وأما ما قيل من أنها غيرُ مزيدةٍ على معنى أنه ليس له أن يأمُرَ بعبادته ولا يأمرَ باتخاذِ أكفائِه أرباباً بل ينهى عنه وهو أدنى من العبادة فيقضي بفساده ما ذُكِر من توسيط الاستدراكِ بين الجملتين المتعاطفتين ضرورةَ أنهما حينئذ في حكم جملةٍ واحدة وكذا قوله تعالى : { أَيَأْمُرُكُم بالكفر } فإنه صريحٌ في أن المرادَ بيانُ انتفاءِ كِلا الأمرَين قصداً لا بيانُ انتفاءِ الأولِ لانتفاءِ الثاني ، ويعضُده قراءةُ الرفعِ على الاستئناف ، وتجويزُ الحالية بتقدير المبتدإ أي وهو لا يأمرَكم إلى آخره بيِّنُ الفساد لما عرَفته آنفاً ، وقولُه تعالى : { بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } يدل على أن الخطابَ للمسلمين وهم المستأذنون للسجود له عليه السلام { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين } منصوبٌ بمضمر خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أي اذكرْ وقتَ أخذِه تعالى ميثاقَهم { لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } قيل : هو ظاهره وإذا كان هذا حكمَ الأنبياءِ عليهم السلام كان الأممُ بذلك أولى وأحرى ، وقيل : معناه أخذُ الميثاقِ من النبيين وأممِهم ، واستُغنيَ بذكرهم عن ذكرهم ، وقيل : إضافةُ الميثاقِ إلى النبيين إضافةٌ إلى الفاعل والمعنى وإذْ أخذ الله الميثاقَ الذي وثّقه الأنبياءُ على أممهم ، وقيل : المرادُ أولادُ النبيين على حذف المضافِ وهم بنو إسرائيلَ أو سماهم نبيين تهكّماً بهم لأنهم كانوا يقولون : نحن أولى بالنبوة من محمد صلى الله عليه وسلم لأنا أهلُ الكتاب والنبيون كانوا منا ، واللام في { لَّمّاً } موطئةٌ للقسم لأن أخذَ الميثاق بمعنى الاستخلافِ ، وما تحتملُ الشرطيةَ ، ولتُؤمِنُنّ سادٌّ مسدَّ جوابِ القسم والشرط ، وتحتمل الخبرية ، وقرىء { لَّمّاً } بالكسر على أن ما مصدرية أي لأجل إيتائي إياكم بعضَ الكتاب ثم لمجيء رسولٍ مصدقٍ أخذَ الله الميثاقَ لتؤمِنُنَّ به ولتنصُرُنه ، أو موصولةٌ والمعنى أخذُه الذي آتيتُكموه وجاءكم رسولٌ مصدقٌ له وقرىء لَمّا بمعنى حين آتيتُكم أو لَمِنْ أجل ما آتيتُكم على أن أصله لَمِنْ ما بالإدغام فحُذف إحدى الميمات الثلاثِ استثقالاً . (1/412)
{ قَالَ } أي الله تعالى بعدما أخذَ الميثاقَ { ءأَقْرَرْتُمْ } بما ذُكر { وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى } أي عهدي سُمّيَ به لأنه يؤصَرُ أي يُشَدّ وقرىء بضم الهمزة إما لغةٌ كعبر وعبر أو جمع إصار وهو ما يشد به { قَالُواْ } استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل : فماذا قالوا عند ذلك؟ فقيل قالوا : { أَقْرَرْنَا } وإنما لم يُذكر أخذُهم الإصرارَ اكتفاءً بذلك { قَالَ } تعالى { فَأَشْهِدُواْ } أي فليشهدْ بعضُكم على بعض بالإقرار وقيل : الخطابُ فيه للملائكة { وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين } أي وأنا أيضاً على إقراركم ذلك وتشاهُدِكم به شاهدٌ ، وإدخالُ مع على المخاطبين لما أنهم المباشِرون للشهادة حقيقةً وفيه من التأكيد والتحذيرِ ما لا يخفى .
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)
{ فَمَنْ تولى } أي أعرض عما ذكر { بَعْدَ ذَلِكَ } الميثاقِ والتوكيدِ بالإقرار والشهادة ، فمعنى البُعد في اسم الإشارةِ لتفخيم الميثاق { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى مَنْ ، والجمعُ باعتبار المعنى كما أن الإفرادَ في تولى باعتبار اللفظ ، وما فيه من معنى البُعد للدِلالة على ترامي أمرِهم في السوء وبُعد منزلتِهم في الشر والفساد أي فأولئك المُتولُّون المتّصفون بالصفات القبيحةِ { هُمُ الفاسقون } المتمرِّدون الخارجون عن الطاعة من الكَفَرة فإن الفاسقَ من كل طائفةٍ مَنْ كان متجاوزاً عن الحد . (1/413)
{ أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ } عطفٌ على مقدّر أي أيتوَلَّوْن فيبغون غيرَ دينِ الله؟ وتقديمُ المفعولِ لأنه المقصودُ إنكارُه ، أو على الجملة المتقدمةِ والهمزةُ متوسطةٌ بينهما للإنكار وقرىء بتاء الخطاب على تقدير وقل لهم { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السموات والارض } جملةٌ حاليةٌ مفيدةٌ لوكادة الإنكار { طَوْعًا وَكَرْهًا } أي طائعين بالنظر واتباعِ الحجةِ وكارهين بالسيف ومعاينةِ ما يُلجىء إلى اللإسلام كنَتْق الجبلِ وإدراكِ الغرقِ والإشرافِ على الموت ، أو مختارين كالملائكة والمؤمنين ومسخَّرين كالكَفَرة فإنهم لا يقدِرون على الامتناع عما قُضيَ عليهم { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } أي مَنْ فيهما والجمعُ باعتبار المعنى ، وقرىء بتاء الخطاب ، والجملةُ إما معطوفةٌ على ما قبلها منصوبة على الحالية وإما مستأنفةٌ سيقت للتهديد والوعيد { قُلْ ءامَنَّا بالله } أمرٌ للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يُخبرَ عن نفسه ومَنْ معه من المؤمنين بالإيمان بما ذُكر ، وجمعُ الضمير في قوله تعالى : { وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } وهو القرآنُ لما أنه منزلٌ عليهم أيضاً بتوسط تبليغِه إليهم أو لأن المنسوبَ إلى واحد من الجماعة قد يُنسَب إلى الكل ، أو عن نفسه فقط وهو الأنسبُ بما بعده والجمعُ لإظهار جلالةِ قدرِه عليه السلام ورفعةِ محلِّه بأمره بأن يتكلَّم عن نفسه على دَيْدَن الملوكِ ، ويجوز أن يكون الأمرُ عاماً ، والإفرادُ لتشريفه عليه السلام والإيذانِ بأنه عليه السلام أصلٌ في ذلك كما في قوله تعالى : { الحكيم يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } ، { وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم * وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ } من الصحُف ، والنزولُ كما يعدى بإلى لانتهائه إلى الرسل يعدى بعلى لأنه من فوق ، ومن رام الفرق بأن على لكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وإلى لكون الخطاب للمؤمنين فقد تعسف ألا يُرى إلى قوله تعالى : { بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } الخ وقوله : { بالذي أُنزِلَ عَلَى الذين الذين كَفَرُواْ } الخ وإنما قدم المُنْزلُ على الرسول صلى الله عليه وسلم على ما أنزِل على سائر الرسل عليهم السلام مع تقدّمه عليه نزولاً لأنه المعروفُ له والعيار عليه . والأسباطُ جمع سِبْط وهو الحافد والمرادُ بهم حفَدَةُ يعقوبَ عليه السلام وأبناؤه الاثنا عشرَ وذراريهم فإنهم حفدةُ إبراهيمَ عليه السلام { وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى } من التوراة والإنجيلِ وسائرِ المعجزاتِ الظاهرةِ بأيديهما كما يُنبىء عنه إيثارُ الإيتاءِ على الإنزال الخاصِّ بالكتاب ، وتخصيصُهما بالذكر لما أن الكلامَ مع اليهود والنصارى { والنبيون } عطفٌ على موسى وعيسى عليهما السلام أي وما أوتي النبيون من المذكورين وغيرِهم { مّن رَّبّهِمُ } من الكتب والمعجزات { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } كدأبِ اليهودِ والنصارى آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض ، بل نؤمن بصِحةِ نبوةِ كلَ منهم وبحقّية ما أُنزل إليهم في زمانهم ، وعدمُ التعرّضِ لنفي التفريق بين الكتبِ لاستلزام المذكورِ إياه وقد مرّ تفصيلُه في تفسير قولِه تعالى :
{ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } وهمزة أحدٍ إما أصلية فهو اسمٌ موضوعٌ لمن يصلُح أن يخاطَبَ يستوي فيه المفردُ والمثنى والمجموعُ والمذكرُ والمؤنث ولذلك صح دخولُ بين عليه كما في مثل المالُ بين الناس ، وإما مُبدلةٌ من الواو فهو بمعنى واحد ، وعمومُه لوقوعه في حيز النفي ، وصِحةُ دخولِ { بَيْنَ } عليه باعتبار معطوفٍ قد حُذف لظهوره أي بين أحدٍ منهم وغيرِه كما في قول النابغة : (1/414)
فما كان بين الخيرِ إذ جاء سالما ... أبو حَجَرٍ إلا ليالٍ قلائلُ
أي بين الخير وبيني { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي منقادون أو مخلصون أنفسَنا له تعالى لا نجعلُ له شريكاً فيها ، وفيه تعريضٌ بإيمان أهلِ الكتاب فإنه بمعزل من ذلك .
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)
{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام } أي غيرَ التوحيد والانقيادِ لحكم الله تعالى كدأب المشركين صريحاً والمدّعين للتوحيد مع إشراكهم كأهل الكتابين { دِينًا } ينتحِلُ إليه وهو نصبٌ على مفعولٌ ليبتغ ، وغيرَ الإسلام حال منه لما أنه كان صفةً له فلما قُدِّمت عليه انتصبت حالاً ، أو هو المفعولُ وديناً تمييز لما فيه من الإبهام أو بدلٌ من غيرَ الإسلام { فَلَن يُقْبَلَ } ذلك { مِنْهُ } أبداً بل يُردّ أشدَّ ردَ وأقبحَه ، وقوله تعالى : { وَهُوَ فِى الاخرة مِنَ الخاسرين } إما حالٌ من الضمير المجرور أو استئنافٌ لا محل له من الإعراب أي من الواقعين في الخُسران والمعنى أن المعرض عن الإسلامَ والطالبُ لغيره فاقدٌ للنفع واقعٌ في الخسران بإبطال الفطرةِ السليمةِ التي فُطر الناسُ عليها وفي ترتيب الرد والخُسران على مجرد الطلبِ دَلالةٌ على أن حالَ من تديّن بغير الإسلام واطمأنّ بذلك أفظعُ وأقبحُ . واستُدل به على أن الإيمانَ هو الإسلامُ إذْ لو كان غيرَه لم يقبل ، والجوابُ أنه ينفي قَبولَ كلِّ دينٍ يُغايرُه لا قبولَ كل ما يغايرُه . (1/415)
{ كَيْفَ يَهْدِى الله } إلى الحق { قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم } قيل : هم عشرَةُ رهطٍ ارتدوا بعد ما آمنوا ولحِقوا بمكةَ ، وقيل : هم يهودُ قُريظةَ والنَّضِير ومَنْ دان بدينهم كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين به قبل مَبْعثِه { وَشَهِدُواْ أَنَّ الرسول حَقٌّ وَجَاءهُمُ البينات } استبعادٌ لأن يهديَهم الله تعالى ، فإن الحائدَ عن الحق بعد ما وضَحَ له منهمِكٌ في الضلال بعيدٌ عن الرشاد ، وقيل : نفيٌ وإنكار له وذلك يقتضي أن لا تقبلَ توبةُ المرتد ، وقوله تعالى : { وَشَهِدُواْ } عطفٌ على إيمانهم باعتبار انحلالِه إلى جملة فعليةٍ كما في قوله تعالى : { إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله } الخ فإنه في قوة أن يقال : بعد أن آمنوا ، أو حالٌ من ضمير كفروا بإضمار قد ، وهو دليلٌ على أن الإقرارَ باللسان خارجٌ عن حقيقة الإيمان { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } أي الذين ظلموا أنفسَهم بالإخلال بالنظر ووضعِ الكفر موضِعَ الإيمان فكيف مَن جاءه الحقُّ وعرَفه ثم أعرض عنه ، والجملةُ اعتراضية أو حالية .
أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)
{ أولئك } إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بما مر من الصفات الشنيعة وما فيه من معنى البعدِ لما مر مراراً أو هو مبتدأ وقوله تعالى : { جَزَآؤُهُمْ } مبتدأ ثانٍ وقوله تعالى : { أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله والملئكة والناس أَجْمَعِينَ } خبرُه والجملةُ خبرٌ لأولئك وهذا يدلُّ بمنطوقه على جواز لعنِهم وبمفهومِه ينفي جوازَ لعنِ غيرِهم ، ولعل الفرقَ بينهم وبين غيرِهم أنهم مطبوعٌ على قلوب ممنوعون عن الهدى آيِسون من الرحمة رأساً بخلاف غيرِهم ، والمرادُ بالناس المؤمنون أو الكلُّ فإن الكافرَ أيضاً يلعن مُنكِرَ الحقِّ والمرتدِّ عنه ، ولكن لا يعرِف الحقَّ بعينه { خالدين فِيهَا } في اللعنة أو العقوبةِ أو النار وإن لم تُذكر لدَلالة الكلامِ عليها { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } أي يُمهَلون { إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك } أي من بعد الارتدادِ { وَأَصْلَحُواْ } أي ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فيَقبلُ توبتَهم ويتفضّلُ عليهم وهو تعليلٌ لما دل عليه الاستثناءُ ، وقيل : نزلت في الحارثِ بنِ سويد حين ندِم على رِدَّته فأرسل إلى قومه أن يسألوا : هل لي من توبة؟ فأرسل إليه أخوه ( الجُلاّس ) الآيةَ فرجَع إلى المدينة فتاب { إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا } كاليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيلِ بعد الإيمانِ بموسى عليه الصلاة والسلام والتوراة ، ثم ازدادوا كفراً حيث كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآنِ أو كفروا به عليه السلام بعد ما آمنوا به قبل مبعثِه ثم ازدادوا كفراً بالإصرار عليه والطعنِ فيه والصدِّ عن الإيمان ونقضِ الميثاق أو كقوم ارتدوا ولحِقوا بمكةَ ثم ازدادوا كفراً بقولهم : نتربّصُ به رَيْبَ المنون أو نرجِعُ إليه فننافِقُه بإظهار الإيمان . (1/416)
{ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } لأنهم لا يتوبون إلا عند إشرافِهم على الهلاك فكنّى عن عدم توبتِهم بعدم قبولِها تغليظاً في شأنهم وإبرازاً لحالهم في صورة حالِ الآيسين من الرحمة ، أو لأن توبتَهم لا تكونُ إلا نفاقاً لارتدادهم وازديادِهم كفراً ، ولذلك لم تدخُلْ فيه الفاء { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون } الثابتون على الضلال .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)
{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الارض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ } لمّا كان الموتُ على الكفر سبباً لامتناع قبولِ الفِديةِ زيدت الفاءُ هاهنا للإشعار به ، وملءُ الشيءِ ما يُملأ به ، وذهباً تمييزٌ وقرىء بالرفع على أنه بدلٌ من ملء ، أو خبرٌ لمحذوفِ { وَلَوِ افتدى } محمولٌ على المعنى ، كأنه قيل : فلن يُقبل من أحدهم فديةٌ ولو افتدى بملء الأرضِ ذهباً أو معطوف على مضمر تقديرُه فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهباً لو تصدق به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة ، أو المرادُ ولو افتدى بمثلِه كقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الارض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ } والمِثلُ يحذف ويراد كثيراً لأن المِثلَين في حكم شيءٍ واحد { أولئك } إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بالصفات الشنيعةِ المذكورة { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلمٌ . اسمُ الإشارةِ مبتدأ والظرفُ خبرُه ولاعتماده على المبتدأ ارتفع به عذابٌ أليم على الفاعلية { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } في دفع العذابِ عنهم أو في تخفيفه ، و { مِنْ } مزيدةٌ للاستغراق ، وصيغةُ الجمعِ لمراعاة الضميرِ أي ليس لواحد منهم ناصرٌ واحد . (1/417)
{ لَن تَنَالُواْ البر } مِنْ ناله نيلاً إذا أصابه ، والخطابُ للمؤمنين وهو كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان ما ينفعُ المؤمنين ويُقبلُ منهم إثرَ بيانِ ما لا ينفعُ الكفرةَ ولا يُقبل منهم . أي لن تبلُغوا حقيقةَ البِرِّ الذي يتنافس فيه المتنافسون ولن تُدركوا شأوَه ولن تلحَقوا بزُمْرة الأبرارِ أو لن تنالوا برَّ الله تعالى وهو ثوابُه ورحمتُه ورضاه وجنتُه { حتى تُنفِقُواْ } أي في سبيل الله عز وجل رغبةً فيما عنده ، و { مِنْ } في قوله تعالى : { مِمَّا تُحِبُّونَ } تبعيضيّة ويؤيده قراءةُ من قرأ بعضَ ما تحبون ، وقيل : بيانيةٌ و { مَا } موصولةٌ أو موصوفة ، أي مما تهوَوْن ويُعجبُكم من كرائمِ أموالِكم وأحبَّها إليكم كما في قوله تعالى : { أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ } أو مما يعُمّها وغيرَها من الأعمال والمُهَج ، على أن المرادَ بالإنفاق مطلقُ البذلِ وفيه من الإيذان بعزة منالِ البرِّ ما لا يخفى ، وكان السلفُ رضي الله عنهم إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله عز وجل ، ورُوي أنها لما نزلت جاء أبو طلحةَ فقال : يا رسولَ الله إن أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرحاءُ فضعْها يا رسولَ الله حيث أراك الله ، فقال عليه السلام : « بخٍ بخٍ ذاك مالٌ رائجٌ أو رابحٌ وإني أرى أن تجعلَها في الأقربين » ، فقسَمها في أقاربه ، وجاء زيدُ بنُ حارثةَ بفرسٍ له كان يحبُّها فقال : هذه في سبيل الله فحمل عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أسامةَ بنَ زيدٍ فكأن زيداً وجَدَ في نفسه وقال : إنما أردتُ أن أتصدقَ بها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :