صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)

{ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } أي إن وقع غريمٌ من غرمائكم ذو عسرةٍ ، على أن ( كان ) تامة ، وقرىء ذا عسرةٍ على أنها ناقصة { فَنَظِرَةٌ } أي فالحكمُ نظِرةٌ أو فعليكم نظرةٌ أو فلتكم نظرةٌ وهي الإنظارُ والإمهالُ وقرىء فناظِرُه أي مُنتظرُه أو فصاحبُ نَظِرَتِه على طريق النسْب ، وقرىء فناظِرْه أمراً من المفاعلة أي فسامِحْه بالنَّظِرة { إلى مَيْسَرَةٍ } أي إلى يَسار وقرىء بضم السين وهما لغتان كمشْرَقة ومشْرُقة وقرىء بهما مضافتين بحذف التاء عند الإضافة كما في قوله :
وأخلفوك عِدَ الأمرِ الذي وعدوا ... { وَأَن تَصَدَّقُواْ } بحذف أحد التاءين وقرىء بتشديد الصاد أي وأن تتصدقوا على مُعْسري غرمائِكم بالإبراء { خَيْرٌ لَّكُمْ } أي أكثرُ ثواباً من الإنظار أو خيرٌ مما تأخذونه لمضاعفة ثوابه ودوامِه ، فهو ندبٌ إلى أن يتصدقوا برؤوس أموالهم كلاً أو بعضاً على غرمائهم المعسرين كقوله تعالى : { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } وقيل : المرادُ بالتصدّق الإنظارُ لقوله عليه السلام : " لا يحِل دَيْنُ رجل مسلم فيؤخرُه إلا كان له بكل يوم صدقة " { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } جوابُه محذوفٌ أي إن كنتم تعلمون أنه خيرٌ لكم عمِلتموه { واتقوا يَوْمًا } هو يومُ القيامة وتنكيرُه للتفخيم والتهويلِ ، وتعليقُ الإتقاءِ به للمبالغة في التحذير عما فيه من الشدائد والأهوال { تُرْجَعُونَ فِيهِ } على البناء للمفعول من الرَّجْع وقرىء على البناء للفاعل من الرُّجوع والأولُ أدخلُ في التهويل ، وقرىء بالياء على طريق الالتفاتِ وقرىء ترُدّون وكذا تَصيرون { إِلَى الله } لمحاسبة أعمالِكم { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ } من النفوس والتعميمُ للمبالغة في تهويل اليوم أي تعطى كاملاً { مَّا كَسَبَتْ } أي جزاءَ ما عمِلت من خير أو شر { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } حال من كلِّ نفسٍ تفيد أن المعاقبين وإن كانت عقوباتهم مؤبدة غير مظلومين في ذلك لما أنه من قِبَل أنفسِهم ، وجمعُ الضميرِ لأنه أنسبُ بحال الجزاء كما أن الإفراد أوفقُ بحال الكسب . عن ابن عباس رضي الله عنهما : «أنها آخِرُ آيةٍ نزل بها جبريلُ عليه السلام وقال ضَعْها في رأس المائتين والثمانين من البقرة» وعاش رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً . وقيل : أحداً وثمانين وقيل : سبعةَ أيام وقيل : ثلاثَ ساعات .

(1/333)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } شروعٌ في بيان حال المُداينة الواقعةِ في تضاعيف المعاوضات الجاريةِ فيما بينهم ببيع السلعِ بالنقود بعد بيانِ حال الربا ، أي إذا داين بعضُكم بعضاً وعامله نسيئةً معْطِياً أو آخذاً ، وفائدةُ ذكرِ الدين دفعُ توهُّمِ كونِ التدايُن بمعنى المُجازاة أو التنبيهُ على تنوعه إلى الحالِّ والمؤجّل وأنه الباعثُ على الكتابة ، وتعيينُ المرجع للضمير المنصوب المتصل بالأمر { إلى أَجَلٍ } متعلقٌ بتداينتم أو بمحذوف وقع صفةً لدَيْنٍ { مُّسَمًّى } بالأيام أو الأشهرُ ونظائرِهما مما يفيد العِلمَ ويرْفَعُ الجهالة لا بالحصاد والدّياس ونحوِهما مما لا يرفعها { فاكتبوه } أي الدَّين بأجله لأنه أوثقُ وأرفعُ للنزاع ، والجمهورُ على استحبابه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المرادَ به السَّلَم وقال : «لما حرم الله الربا أباح في السَّلَف» { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ } بيان لكيفية الكتابةِ المأمورِ بها وتعيينٌ لمن يتولاها إثرَ الأمرِ بها إجمالاً ، وحذفُ المفعول إما لتعيُّنه أو للقصد إلى إيقاع نفسِ الفعلِ أي ليَفعلِ الكتابةَ ، وقوله تعالى : { بَيْنِكُمْ } للإيذان بأن الكاتبَ ينبغي أن يتوسّط بين المتداينين ويكتُبَ كلامَهما ولا يكتفيَ بكلام أحدِهما ، وقولُه تعالى : { بالعدل } متعلق بمحذوف هو صفةٌ لكاتب أي كاتبٌ كائنٌ بالعدل أي وليكن المتصدِّي للكتابة من شأنه أن يكتُبَ بالسوية من غير مَيل إلى أحد الجانبين لا يزيد ولا ينقُص ، وهو أمرٌ للمتداينين باختيار كاتبٍ فقيهٍ ديِّن حتى يجيء كتابُه موثوقاً به معدّلاً بالشرع ، ويجوز أن يكون حالاً منه أي ملتبساً بالعدل ، وقيل : متعلقٌ بالفعل أي وليكتبْ بالحق { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } أي ولا يمتنعْ أحدٌ من الكُتاب { أَن يَكْتُبَ } كتابَ الدين { كَمَا عَلَّمَهُ الله } على طريقة ما علّمه من كَتْبه الوثائقَ أو كما بينه بقوله تعالى : { بالعدل } أو لا يأب أن ينفعَ الناسَ بكتابته كما نفعه الله تعالى بتعليمِ الكتابة كقوله تعالى : { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } { فَلْيَكْتُبْ } تلك الكتابةَ المُعْلمة ، أَمَر بها بعد النهي عن إبائها تأكيداً لها ، ويجوز أن تتعلقَ الكافُ بالأمر على أن يكون النهيُ عن الامتناع منها مطلقةً ثم الأمرُ بها مقيدة .
{ وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق } الإملال هو الإملاءُ أي وليكن المُمْلي مَنْ عليه الحقُّ لأنه المشهودُ عليه فلا بد أن يكون هو المُقِرَّ { وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } جُمع ما بين الاسمِ الجليلِ والنعتِ الجميل للمبالغة في التحذير ، أي وليتقِ المُمْلي دون الكاتِب كما قيل لقوله تعالى : { وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ } أي من الحق الذي يْمليه على الكاتب { شَيْئاً } فإنه الذي يُتوقع منه البخسُ خاصة ، وأما الكاتبُ فيُتوقع منه الزيادةُ كما يُتوقع منه النقصُ ، فلو أُريد نهيُه لنهى عن كليهما ، وقد فَعل ذلك حيث أمَر بالعدل ، وإنما شُدِّد في تكليف المُمْلي حيث جُمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس لما فيه من الدواعي إلى المنهيِّ عنه ، فإن الإنسان مجبولٌ على دفع الضرر عن نفسه وتخفيفِ ما في ذمته بما أمكن { فَإن كَانَ الذى عَلَيْهِ الحق } صَرَّح بذلك في موضع الإضمار لزيادة الكشفِ والبيان لا لأن الأمرَ والنهيَ لغيره { سَفِيهًا } ناقصَ العقلِ مبذّراً مجازفاً { أَوْ ضَعِيفًا } صبياً أو شيخاً مختلاً { أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } أي غيرَ مستطيعٍ للإملاء بنفسه لخرَسٍ أو عَيَ أو جهلٍ أو غير ذلك من العوارض { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } أي الذي يلي أمرَه ويقوم مقامه من قيِّم أو وكيل أو مترجم { بالعدل } أي من غير نقص ولا زيادة .

(1/334)


لم يكلَّف بعين ما كُلف به من عليه الحقُّ لأنه يُتوقع منه الزيادةُ كما يتوقع منه البخس { واستشهدوا شَهِيدَيْنِ } أي اطلُبوهما ليتحملا الشهادةَ على ما جرى بينكم من المداينة ، وتسميتُهما شهيدين لتنزيل المُشارف منزلةَ الكائن { مّن رّجَالِكُمْ } متعلق باستشهدوا ، ومن ابتدائية أو بمحذوف وقع صفةً لشهيدين ، ومن تبعيضية أي شهيدين كائنين من رجال المسلمين الأحرار إذ الكلامُ في معاملاتهم ، فإن خطاباتِ الشرعِ لا تنتظمُ العبيدَ بطريق العبارة كما بُيِّن في موضعه ، وأما إذا كانت المداينةُ بين الكفَرَة أو كان من عليه الحقُّ كافراً فيجوز استشهادُ الكافر عندنا .
{ فَإِن لَّمْ يَكُونَا } أي الشهيدان جميعاً على طريقة نفي الشمولِ لا شُمولِ النفي { رَّجُلَيْنِ } إما لإعوازهما أو لسببٍ آخرَ من الأسباب { فَرَجُلٌ وامرأتان } أي فليشهد رجلٌ وامرأتانِ يكفُون ، وهذا فيما عدا الحدودَ والقصاصَ عندنا ، وفي الأموال خاصة عند الشافعي { مِمَّن تَرْضَوْنَ } متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لرجل وامرأتان أي كائنون مرضيّين عندكم ، وتخصيصُهم بالوصف المذكور مع تحقق اعتباره في كل شهيد لقلة اتصافِ النساء به ، وقيل : نعتٌ لشهيدين أي كائنين ممن ترضَوْن ، ورُد بأنه يلزم الفصلُ بينهما بالأجنبي ، وقيل : بدل من رجالكم بتكرير العامل ، ورد بما ذكر من الفصل ، وقيل : متعلق بقوله تعالى : { فاستشهدوا } فيلزم الفصل بين اشتراط المرأتين وبين تعليله وقوله عز وجل : { مِنَ الشهداء } متعلق بمحذوف وقع حالاً من الضمير المحذوف الراجعِ إلى الموصول أي ممن ترضَوْنهم كائنين من بعض الشهداء لعلمكم بعد التهم وثقتِكم بهم ، وإدراجُ النساء في الشهداء بطريق التغليب { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاخرى } تعليلٌ لاعتبار العدد في النساء ، والعلةُ في الحقيقة هي التذكيرُ ولكنَّ الضلالَ لما كان سبباً له نُزّل منزلتَه كما في قولك : أعددتُ السلاحَ أن يجيء عدو فأدفعَه ، كأنه قيل : لأجل أن تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلت عن الشهادة بأن نسيتها ، ولعل إيثارَ ما عليه النظم الكريم على أن يقال : أن تضل إحداهما فتذكرَها الأخرى لتأكيد الإبهام والمبالغة في الاحتراز عن توهم اختصاصِ الضلال بإحداهما بعينها ، والتذكيرِ بالأخرى ، وقرىء فتُذْكِرَ من الإذكار وقرىء فتذاكِرَ وقرىء إنْ تضلَّ على الشرط فتذكرُ بالرفع كقوله تعالى :

(1/335)


{ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } { وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ } لأداء الشهادة أو لتحمُّلها ، وتسميتُهم شهداءَ قبل التحمل لما مرَّ من تنزيل المُشارف منزلةَ الواقع وما مزيدة . عن قتادة أنه كان الرجل يطوف في الحِواء العظيم فيه القوم فلا يتبعُه منهم أحد فنزلت .
{ وَلاَ تسأموا } أي لا تَملُّوا من كثرة مدايناتِكم { أَن تَكْتُبُوهُ } الدينَ أو الحقَّ أو الكتابَ وقيل : كنى به عن الكسل الذي هو صفةُ المنافق كما ورد في قوله تعالى : { إِنَّ المنافقين يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ } وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا يقولُ المؤمن كسِلْتُ » { صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا } حال من الضمير أي حالَ كونه صغيراً أو كبيراً أي قليلاً أو كثيراً أو مجملاً أو مفصّلاً { إِلَى أَجَلِهِ } متعلقٌ بمحذوف وقعَ حالاً من الهاء في تكتبوه أي مستقراً في الذمة إلى وقت حلولِه { ذلكم } الذي أقر به المديونُ إشارةً إلى ما أُمر به من الكَتْب ، والخطابُ للمؤمنين { أَقْسَطُ } أي أعدل { عَندَ الله } أي في حكمه تعالى { وَأَقْوَمُ للشهادة } أي أثبتُ لها وأعونُ على إقامتها وهما مبنيان من أقسطَ وأقامَ فإنه قياسيٌّ عند سيبويه أو من قاسط بمعنى ذي قِسط وقويم ، وإنما صحت الواو في أقوم كما صحت في التعجب لجموده { وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ } وأقرب إلى انتفاء رَيبكم في جنس الدَّين وقدرِه وأجله وشهودِه ونحو ذلك { إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } استثناءٌ منقطع من الأمر بالكتابة أي لكنْ وقتَ كونِ تدايُنِكم أو تجارتكم تجارةً حاضرةً بحضور البدلين تُديرونها بينكم بتعاطيهما يداً بيد { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن لا تَكْتُبُوهَا } أي فلا بأسَ بألا تكتبوها لبُعده عن التنازع والنسيان ، وقرىء برفع تجارةٌ على أنها اسم كان وحاضرةٌ صفتُها وتديرونها خبرُها أو على أنها تامة .
{ وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } هذا التبايُعَ أو مطلقاً لأنه أحوطُ ، والأوامرُ الواردةُ في الآية الكريمة للندب عند الجمهور وقيل : للوجوب ثم اختلف في أحكامها ونسخها { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } نهيٌ عن المضارة محتمل للبناءين كما ينبىء عنه قراءةُ من قرأ ولا يضارِرْ بالكسر والفتح وهو نهيهما عن ترك الإجابة والتغييرِ والتحريفِ في الكتابة والشهادة ، أو نهيُ الطالب عن الضرار بهما بأن يُعْجِلَهما عن مَهمّتهما أو يكلفَهما الخروجَ عما حُدّ لهما ، أو لا يعطيَ الكاتبَ جُعلَه وقرىء بالرفع على أنه نفي في معنى النهي { وَإِن تَفْعَلُواْ } ما نُهيتم عنه من الضرار { فَإِنَّهُ } أي فعملُكم ذلك { فُسُوقٌ بِكُمْ } أي خروجٌ عن الطاعة ملتبس بكم { واتقوا الله } في مخالفة أوامرِه ونواهيه التي من جملتها نهيُه عن المضارة { وَيُعَلّمُكُمُ الله } أحكامه المتضمنة لمصالحكم { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } فلا يكاد يخفى عليه حالُكم وهو مجازيكم بذلك ، كُرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث لإدخال الروعة وتربية المهابةِ وللتنبيه على استقلال كلَ منها بمعنى على حياله فإن الأولى حثٌّ على التقوى والثانية وعدٌ بالإنعام والثالثة تعظيمٌ لشأنه تعالى .

(1/336)


وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)

{ وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ } أي مسافرين أو متوجهين إليه { وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا } في المداينة ، وقرىء كِتاباً وكُتُباً وكتاباً { فرهان مَّقْبُوضَةٌ } أي فالذي يُستوثق به أو فعليكم أو فليؤخَذ أو فالمشروعُ رهانٌ مقبوضة ، وليس هذا التعليقُ لاشتراط السفر في شرعية الارتهان كما حسِبه مجاهدٌ والضحاكُ لأنه صلى الله عليه وسلم « رهَن دِرْعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعاً من شعير أخذه لأهله » بل لإقامة التوثقِ بالارتهان مُقام التوثق بالكتابة في السفر الذي هو مِظنةُ إعوازِها وإنما لم يتعرّض لحال الشاهد لما أنه في حكم الكاتب توثقاً وإعوازاً ، والجمهورُ على وجوب القبض في تمام الرهن غيرَ مالك وقرىء فرُهُنٌ كسُقُف وكلاهما جمع رَهْن بمعنى مرهون وقرىء بسكون الهاء تخفيفاً { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } أي بعضُ الدائنين بعضَ المديونين لحسن ظنه به واستغنى بأمانته عن الارتهان ، وقرىء أُومن بعضُكم أي آمنه الناسُ ووصفوه بالأمانة قيل : فيكون انتصابُ بعضاً حينئذ على نزع الخافض أي على متاع بعض { فَلْيُؤَدّ الذى اؤتمن } وهو المديون وإنما عبر عنه بذلك العنوان لتعينه طريقاً للإعلام ولحمله على الأداء { أمانته } أي دينه وإنما سمّي أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به وقرىء ايتُمِن بقلب الهمزة ياء وقرىء بإدغام الياء في التاء وهو خطأ لأن المنقلبة من الهمزة لا تدغم لأنها في حكمها { وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } في رعاية حقوق الأمانة وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة الربوبية من التأكيد والتحذير ما لا يخفى .
{ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة } أيها الشهود أو المديونون أي شهادتكم على أنفسكم عند المعاملة { وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ } آثم خبر إن وقلبُه مرتفعٌ به على الفاعلية كأنه قيل : يأثم قلبه أو مرتفع بالابتداء وآثمٌ خبرٌ مقدّمٌ والجملة خبرُ إن وإسنادُ الإثم إلى القلبِ لأن الكِتمان مما اقترفه ، ونظيرُه نسبةُ الزنا إلى العين والأذن ، أو للمبالغة لأنه رئيسُ الأعضاء وأفعالُه أعظمُ الأفعال كأنه قيل : تمكّن الإثمُ في نفسه وملك أشرفَ مكان فيه وفاق سائر ذنوبه . عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما إن أكبرَ الكبائر الإشراكُ بالله لقوله تعالى : { فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة } وشهادةُ الزور وكتمانُ الشهادة . وقرىء قلبَه بالنصب كما في سفهِ نفسَه وقرىء أثمَ قلبه أي جعله آثماً { والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فيجازيكم به إن خيراً فخيرٌ وإن شرًّا فشر .

(1/337)


لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)

{ للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } من الأمور الداخلة في حقيقتهما والخارجة عنهما المتمكنةِ فيهما من أُولي العلم وغيرِهم ، أي كلُّها له تعالى خَلْقاً ومُلكاً وتصرُّفاً لا شِركةَ لغيره في شيء منها بوجه من الوجوه { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } من السوء والعزمِ عليه بأن تُظهروه للناس بالقول أو بالفعل أو بهما { أَوْ تُخْفُوهْ } بأن تكتُموه منهم ولا تُظهروه بأحد الوجهين ، ولا يندرج فيه ما لا يخلو عنه البشرُ من الوساوس وأحاديث النفس التي لا عقدَ ولا عزيمة فيها إذ التكليفُ بحسب الوُسع { يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } يومَ القيامة وهو حجةٌ على منكري الحساب من المعتزلة والروافض ، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على الفاعل للاعتناء به ، وأما تقديمُ الإبداء على الإخفاء على عكس ما في قوله عز وجل : { قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله } فلِما أن المعلَّق بما في أنفسهم هاهنا هو المحاسبة ، والأصلُ فيها الأعمالُ البادية ، وأما العلمُ فتعلُّقه بها كتعلقه بالأعمال الخافية ، كيف لا وعلمُه سبحانه بمعلوماته متعالٍ عن أن يكون بطريق حصول الصور ، بل وجودُ كل شيءٍ في نفسه في أيّ طور كان علمٌ بالنسبة إليه تعالى وفي هذا لا يختلف الحالُ بين الأشياء البارزةِ والكامنة خلا أن مرتبة الإخفاءِ متقدمةٌ على مرتبة الإبداء إذ ما من شيء يبدى إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمَرٌ في النفس فتعلقُ علمِه تعالى بحالته الأولى متقدمٌ على تعلّقه بحالته الثانية وقد مر في تفسير قوله تعالى : { أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُون } { فَيَغْفِرُ } بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفرُ بفضله { لِمَن يَشَاء } أي يغفر له { وَيُعَذّبَ } بعدله { مَن يَشَآء } أي يعذبه حسبما تقتضيه مشيئته المبنيةُ على الحِكَم والمصالِح ، وتقديمُ المغفرةِ على التعذيب لتقدّم رحمته على غضبه ، وقرىء بجزم الفعلين عطفاً على جواب الشرط ، وقرىء بالجزم من غير فاء على أنهما بدلٌ من الجواب بدلَ البعضِ أو الاشتمالِ ، ونظيره الجزمُ على البدلية من الشرط في قوله :
متى تأتِنا تُلمِمْ بنا في ديارنا ... تجدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تأججا
وإدغام الراء في اللام لحنٌ { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله ، فإن كمالَ قدرته تعالى على جميع الأشياءِ مُوجِبٌ لقدرته سبحانه على ما ذُكر من المحاسبة وما فُرِّع عليه من المغفرة والتعذيب .

(1/338)


آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)

{ آمَنَ لرَّسُولُ } لمّا ذُكر في فاتحة السورة الكريمة أن ما أُنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم الشأنِ هدىً للمتّصفين بما فُصِّل هناك من الصفات الفاضلةِ التي من جملتها الإيمانُ به وبما أنزل قبله من الكتب الإلهيةِ ، وأنهم حائزون لأثَرَتي الهدى والفلاح من غير تعيينٍ لهم بخصوصهم ، ولا تصريحٍ بتحقق اتصافِهم بها إذ ليس فيما يُذكر في حيز الصلةِ حُكمٌ بالفعل وعُقّب ذلك ببيان حال من كَفر به من المجاهرين والمنافقين ثم شَرَح في تضاعيفها من فنون الشرائع والأحكام والمواعظِ والحِكَم وأخبارِ الأمم السالفة وغيرِ ذلك ممَّا تقتضي الحكمةُ شرحَه عُيِّن في خاتمتها المتّصفون بها وحُكم باتصافهم بها على طريق الشهادة لهم من جهته عز وجل بكمال الإيمان وحسنِ الطاعةِ ، وذكرُه صلى الله عليه وسلم بطريق الغيبة مع ذكره هناك بطريق الخطاب لما أن حقَّ الشهادة الباقية على مر الدهور ألا يخاطَبَ بها المشهودُ له ، ولم يتعرض هاهنا لبيان فوزهم بمطالبهم التي من جملتها ما حُكيَ عنهم من الدعوات الآتية إيذاناً بأنه أمرٌ محقق غنيٌّ عن التصريح به لا سيما بعدما نُص عليه فيما سلف ، وإيرادُه عليه السلام بعنوان الرسالة المنبئة عن كونه عليه السلام صاحبَ كتابٍ مجيد وشرع جديد تمهيدٌ لما يعقُبه من قوله تعالى : { بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ } ومزيدُ توضيحٍ لاندراجه في الرسل المؤمَنِ بهم عليهم السلام ، والمرادُ بما أنزل إليه { مّن رَّبّهِ } إيماناً تفصيلياً متعلّقاً بجميع ما فيه من الشرائع والأحكامِ والقصصِ والمواعظ وأحوالِ الرسل والكتُب ، وغير ذلك من حيث إنه منزلٌ منه تعالى ، وأما الإيمانُ بحقية أحكامِه وصدقِ أخباره ونحوُ ذلك فمن فروع الإيمان به من الحيثية المذكورة ، وفي هذا الإجمال إجلالٌ لمحلِّه عليه الصلاة والسلام وإشعارٌ بأن تعلّقَ إيمانِه بتفاصيلِ ما أنزل إليه وإحاطته بجميع ما انطوى عليه من الظهور بحيث لا حاجة إلى ذكره أصلاً وكذا في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام تشريفٌ له وتنبيهٌ على أن إنزاله إليه تربية وتكميلٌ له عليه السلام .
{ والمؤمنون } أي الفريقُ المعروفون بهذا الاسم فاللاَّم عهدية لا موصولة لإفضائها إلى خلو الكلام عن الجدوى وهو مبتدأ ، وقوله عز وجل : { كُلٌّ } مبتدأ ثانٍ ، وقوله تعالى : { آمن } خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأول ، والرابطُ بينهما الضمير الذي ناب منابَه التنوين ، وتوحيدُ الضمير في آمن مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المرادَ بيانُ إيمانِ كل فردِ منهم من غير اعتبار الاجتماعِ كما اعتُبر ذلك في قوله تعالى : { وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين } وتغييرُ سبْكِ النظم الكريمِ عما قبلَه لتأكيد الإشعارِ بما بين إيمانهِ على السلام المبنيِّ على المشاهدة والعِيان وبين إيمانِهم الناشىءِ عن الحجة والبرهانِ من التفاوت البيِّن والاختلاف الجليِّ كأنهما متخالفان من كل وجهٍ حتى في هيئة التركيب الدالِّ عليهما ، وما فيه من تكرير الإسناد لما في الحُكم بإيمان كلِّ واحدٍ منهم على الوجه الآتي من نوعِ خفاءٍ مُحوِجٍ إلى التقوية والتأكيد ، أي كلُّ واحد منهم آمن { بالله } وحده من غير شريكٍ له في الألوهية والمعبودية { وَمَلَئِكَتُهُ } أي من حيث إنهم عبادٌ مُكْرمون له تعالى من شأنهم التوسطُ بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتب وإلقاءِ الوحي ، فإن مدارَ الإيمان بهم ليس من خصوصيات ذواتِهم في أنفسهم بل هو من إضافتهم إليه تعالى من الحيثية المذكورة كما يلُوح به الترتيبُ في النظم .

(1/339)


{ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } أي من حيث مجيئُهما من عنده تعالى لإرشاد الخلقِ إلى ما شرَع لهم من الدين بالأوامر والنواهي لكن لا على الإطلاق بل على أن كلَّ واحدٍ من تلك الكُتُب منْزلٌ منه تعالى إلى رسول معيّنٍ من أولئك الرسلِ عليهم الصلاة والسلام حسبما فُصل في قوله تعالى : { قُولُواْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والاسباط وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى وَمَا } الآية ، ولا على أن مناطَ الإيمان خصوصيةُ ذلك الكتاب أو ذلك الرسولِ بل على أن الإيمانَ بالكل مندرِجٌ في الإيمان بالكتاب المُنْزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومستنِدٌ إليه لِما تُليَ من الآية الكريمة ولا على أن أحكامَ الكتبِ السالفة وشرائعَها باقيةٌ بالكلية ولا على أن الباقيَ منها معتبرٌ بالإضافة إليها بل على أن أحكامَ كلِّ واحد منها كانت حقةً ثابتة إلى ورود كتابٍ آخرَ ناسخٍ له وأن ما لم يُنسَخْ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتةٌ من حيث إنها من أحكام هذا الكتاب المَصونِ عن النسخ إلى يوم القيامة ، وإنما لم يُذكر هاهنا الإيمانُ باليوم الآخر كما ذكر في قوله تعالى : { ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الاخر والملئكة والكتاب والنبيين } لاندراجه في الإيمان بكتُبه وقرىء وكتابِه على أن المرادَ به القرآنُ أو جنسُ الكتاب كما في قوله تعالى : { فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب }
والفرقُ بينه وبين الجمع أنه شائعٌ في أفراد الجنس والجمعِ في جموعه ، ولذلك قيل : الكتابُ أكثرَ من الكتب ، وهذا نوعُ تفصيلٍ لما أُجمل في قوله تعالى : { بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ } اقتُصر عليه إيذاناً بكفايته في الإيمان الإجمالي المتحقِّق في كل فردٍ من أفراد المؤمنين من غير نفيٍ لزيادةٍ ، ضرورةَ اختلاف طبقاتهم وتفاوتِ إيمانهم بالأمور المذكورة في مراتب التفصيل تفاوتاً فاحشاً فإن الإجمالَ في الحكاية لا يوجب الإجمالَ في المحكيِّ ، كيف لا وقد أُجمل في حكاية إيمانه عليه السلام بما أُنزل إليه من ربه مع بداهة كونهِ متعلِّقاً بتفاصيلِ ما فيه من الجلائل والدقائق ، ثم إن الأمورَ المذكورةَ حيث كانت من الأمور الغيبية التي لا يُوقف عليها إلا من جهة العليم الخبير كان الإيمانُ بها مِصداقاً لما ذُكر في صدر السورة الكريمة من الإيمان بالغيب وأما الإيمان بكتُبه تعالى ، فإشارة إلى ما في قوله تعالى :

(1/340)


{ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } هذا هو اللائقُ بشأن التنزيل والحقيقُ بمقداره الجليل ، وقد جُوّز أن يكون قوله تعالى : { والمؤمنون } معطوفاً على { الرسول } فيوقف عليه ، والضميرُ الذي عُوّض عنه التنوينُ راجعٌ إلى المعطوفَيْن معاً كأنه قيل : آمن الرسولُ والمؤمنون بما أُنزل إليه من ربه ، ثم فُصِّل وقيل : كلُّ واحدٍ من الرسل والمؤمنين آمن بالله الخ ، خلا أنه قُدّم المؤمَنُ به على المعطوف اعتناءً بشأنه وإيذاناً بأصالته عليه السلام في الإيمان به ، ولا يخفى أنه مع خلوّه عما في الوجه الأول من كمالِ وإجلالِ شأنهِ عليه السلام وتفخيمِ إيمانه مخلٌّ بجزالة النظمِ الكريم لأنه إنْ حُمل كلٌّ من الإيمانين على ما يليق بشأنه عليه الصلاة والسلام من حيث الذاتُ ومن حيث التعلقُ بالتفاصيل استحالَ إسنادُهما إلى غيره عليه الصلاة والسلام وضاع التكريرُ ، وإن حُملا على ما يليق بشأن آحادِ الأمةِ كان ذلك حطاً لرتبته العليةِ عليه السلام ، وأما حملُهما على ما يليق بكل واحدٍ ممن نُسبا إليه من الآحاد ذاتاً وتعلقاً بأن يُحمَلا بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم على الإيمان العياني المتعلقِ بجميع التفصيل وبالنسبة إلى آحاد الأمةِ على الإيمان المكتسَب من جهته عليه السلام اللائقِ بحالهم في الإجمال والتفصيل فاعتسافٌ بيّن ينبغي تنزيهُ ساحةِ التنزيل عن أمثاله ، وقوله تعالى : { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } في حيز النصب بقولٍ مقدرٍ على صيغة الجمع رعايةً لجانب المعنى ، منصوبٌ على أنه حال من ضمير آمن ، أو مرفوعٌ على أنه خبرٌ آخرُ ( لكلٌّ ) أي يقولون لا نفرّق بينهم بأن نؤمنَ ببعض منهم ونكفُرَ بآخَرين بل نؤمنُ بصحة رسالةِ كلِّ واحدٍ منهم . قيّدوا به إيمانَهم تحقيقاً للحق وتخطِئةً لأهل الكتابين حيث أجمعوا على الكفر بالرسول صلى الله عليه وسلم واستقلت اليهودُ بالكفر بعيسى عليه السلام أيضاً على أن مقصودَهم الأصليَّ إبرازُ إيمانهم بما كفروا به من رسالته عليه السلام لا إظهارُ موافقتهم لهم فيما آمنوا به ، وهذا كما ترى صريحٌ في أن القائلين آحادُ المؤمنين خاصة إذ لا يمكن أن يسند إليه عليه السلام أن يقول : لا أفرق بين أحدٍ من رسله وهو يريد به إظهارَ إيمانه برسالة نفسِه وتصديقَه في دعواها ، وعدمُ التعرُّضِ لنفي التفريق بين الكتُب لاستلزام المذكور إياه وإنما لم يُعكَسْ مع تحقق التلازم من الطرفين لما أن الأصلَ في تفريق المفرِّقين هو الرسلُ ، وكفرُهم بالكتب متفرِّع على كفرهم بهم ، وقرىء بالياء على إسناد الفعل إلى كل ، وقرىء لا يفرِّقون حملاً على المعنى كما في قوله تعالى :

(1/341)


{ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين } فالجملة نفسُها حال من الضمير المذكور ، وقيل : خبرٌ ثان لكلٌّ كما قيل في القول المقدر فلا بد من اعتبار الكلية بعد النفي دون العكس إذ المرادُ شمولُ النفي لا نفيُ الشمول ، والكلام في همزة ( أحدٍ ) وفي دخول ( بين ) عليه قد مر تفصيله عند قوله تعالى : { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } وفيه من الدلالة صريحاً على تحقق عدم التفريقِ بين كل فردٍ فرد منهم وبين مَن عداه كائناً مَنْ كان ما ليس في أن يقال : لا نفرِّق بين رسله ، وإيثارُ إظهارِ الرسلِ على الإضمار الواقعِ مثلُه في قوله تعالى : { وَمَا أُوتِيَ النبيون مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } إما للاحتراز عن توهم اندراج الملائكةِ في الحُكم ، أو للإشعار بعلة عدمِ التفريقِ ، أو للإيماء إلى عنوانه ، لأن المعتبرَ عدمُ التفريق من حيث الرسالةُ دون سائرِ الحيثيات الخاصة { وَقَالُواْ } عطفٌ على آمن ، وصيغةُ الجمعِ باعتبار جانب المعنى وهو حكايةٌ لامتثالهم بالأوامر إثرَ حكايةِ إيمانِهم { سَمِعْنَا } أي فهمنا ما جاءنا من الحق وتيقنا بصحته { وَأَطَعْنَا } ما فيه من الأوامر والنواهي وقيل سمِعنا : أجبنا دعوتك وأطعنا أمرَك { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } أي اغفِرْ لنا غفرانك أو نسألك غُفرانك ذنوبنا المتقدمة أو ما لا يخلو عنه البشرُ من التقصير في مراعاة حقوقِك ، وتقديمُ ذكرِ السمعِ والطاعةِ على طلب الغفران لما أن تقديمَ الوسيلةِ على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول ، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إليهم للمبالغة في التضرُّع والجُؤار .
{ وَإِلَيْكَ المصير } أي الرجوعُ بالموت والبعث لا إلى غيرك ، وهو تذييلٌ لما قبله مقرِّرٌ للحاجة إلى المغفرة لما أن الرجوعَ للحساب والجزاء .

(1/342)


لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)

وقوله تعالى : { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } جملةٌ مستقلة جيءَ بها إثرَ حكايةِ تلقِّيهم لتكاليفه تعالى بحسن الطاعة إظهاراً لما له تعالى عليهم في ضمن التكليف من محاسنِ آثارِ الفضل والرحمة ابتداءً لا بعد السؤال كما سيجيء ، هذا وقد رُوي أنه لما نزل قوله تعالى : { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } الآية ، اشتد ذلك على أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأتَوْه ثم برَكوا على الرُكَب فقالوا : أيْ رسولَ الله كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق ، الصلاةُ والصومُ والحج والجهاد وقد أُنزل إليك هذه الآية ولا نُطيقُها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمِعنا وعصَينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غُفرانَك ربنا وإليك المصير » فقرأها القومُ فأنزل الله عز وجل : { آمَنَ الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون } إلى قوله تعالى : { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير } فمسؤولهُم الغفرانُ المعلَّق بمشيئته عز وعلا في قوله : { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } 3 ) ثم أنزل الله تعالى : { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تهويناً للخطب عليهم ببيانِ أن المرادَ بما في أنفسهم ما عزَموا عليه من السوء خاصة لا ما يعُمُّ الخواطرَ التي لا يُستطاع الاحتراز عنها والتكليفُ إلزامُ ما فيه كُلفةٌ ومشقة ، والوُسعُ ما يسَعُ الإنسانَ ولا يَضيقُ عليه أي سُنّتُه تعالى أنه لا يكلِّف نفساً من النفوس إلا ما يتَّسع فيه طَوقُها ويتيسّر عليها دون مدى الطاقةِ والمجهود فضلاً منه تعالى ورحمةً لهذة الأمة كقوله تعالى : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } وقرىء وَسعها بالفتح وهذا يدل على عدم وقوعِ التكليفِ بالمحال لا على امتناعه وقوله تعالى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } للترغيب في المحافظة على مواجبِ التكليف والتحذيرِ عن الإخلال بها ببيان أن تكليفَ كل نفسٍ مع مقارنته لنعمة التخفيفِ والتيسير تتضمنُ مراعاتُه منفعةً زائدة ، وأنها تعود إليها لا إلى غيرها ويستتبِعُ الإخلالُ به مضرةً تَحيق بها لا بغيرها ، فإن اختصاصَ منفعةِ الفعل بفاعله من أقوى الدواعىِ إلى تحصيله ، واقتصارَ مضرَّتِه عليه من أشد الزواجر عن مباشرته ، أي لها ثوابُ ما كسبت من الخير الذي كُلّفت فعلَه لا لغيرها استقلالاً أو اشتراكاً ضرورةَ شمُول كلمةِ ( ما ) لكل جزءٍ من أجزاءِ مكسوبها ، وعليها لا على غيرها بأحد الطريقين المذكورين عقابُ ما اكتسبت من الشر الذي كُلِّفت تركه ، وإيرادُ الاكتسابِ في جانب الشر لما فيه من اعتمال ناشىءٍ من اعتناء النفسِ بتحصيل الشر وسعيها في طلبه { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } شروعٌ في حكاية بقيةِ دعواتِهم إثرَ بيانِ سرِّ التكليف ، أي لا تؤاخِذنا بما صدر عنا من الأمور المؤدية إلى النسيان أو الخطأ من تفريطٍ وقلةِ مبالاة ونحوِهما مما يدخُل تحت التكليف ، أو بأنفسهما من حيث ترتّبُهما على ما ذكر ، أو مطلقاً إذ لا امتناعَ في المؤاخذة بهما عقلاً ، فإن المعاصيَ كالسُّموم فكما أن تناولها ولو سهواً أو خطأً مؤدَ إلى الهلاك فتعاطي المعاصي أيضاً لا يبعُد أن يفضِيَ إلى العقاب وإن لم يكن عن عزيمة ، ووعدُه تعالى بعدمه لا يوجب استحالةَ وقوعه ، فإن ذلك من آثار فضلِه ورحمتِه كما ينبىء عنه الرفعُ في قوله عليه السلام :

(1/343)


« رُفعَ عن أُمِّتي الخطأُ والنِّسيانُ » . وقد روي أن اليهود كانوا إذا نسُوا شيئاً عُجِّلت لهم العقوبة ، فدعاؤُهم بعد العلم بتحقق الموعود للاستدامة والاعتداد بالنعمة في ذلك كما في قوله تعالى : { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } عطفٌ على ما قبله ، وتوسيطُ النداء بينهما لإبراز مزيدِ الضراعة ، والإصرُ العِبءُ الثقيلُ الذي يأصِرُ صاحبَه أي يحبِسُه مكانه والمرادُ به التكاليفُ الشاقة ، وقيل الإصرُ الذنبُ الذي لا توبةَ له فالمعنى اعصِمْنا من اقترافه ، وقرىء آصاراً ، وقرىء لا تُحَمِّلْ بالتشديد للمبالغة { كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا } في حيز النصب على أنه صفةٌ لمصدر محذوفٍ أي حَمْلاً مثلَ حملِك إياه على مَنْ قبلَنا ، أو على أنه صفةٌ لإصراً أي إصراً مثلَ الإصرِ الذي حَمَلته على مَنْ قبلنا وهو ما كُلّفه بنو إسرائيل من بخْعِ النفس في التوبة ، وقطع موضِعِ النجاسةِ ، وخمسينَ صلاةً في يوم وليلة وصرفِ رُبُع المال للزكاة وغيرِ ذلك من التشديدات فإنهم كانوا إذا أتَوْا بخطيئة حَرُم عليهم من الطعام بعضُ ما كان حلالاً لهم قال الله تعالى : { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } وقد عصمَ الله عز وجل بفضله ورحمته هذه الأمة عن أمثال ذلك وأنزل في شأنهم : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } وقال عليه السلام : « بُعثتُ بالحنيفية السهلة السَّمْحة » وعن العقوبات التي عوقب بها الأولون من المسْخِ والخسْف وغيرِ ذلك قال عليه السلام : « رُفع عن أُمَّتي الخسفُ والمسخُ والغَرَق »
{ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } عطفٌ على ما قبله واستعفاءٌ عن العقوبات التي لا تُطاق بعد الاستعفاء عما يؤدي إليه التفريطُ فيه من التكاليف الشاقة التي لا يكاد مَنْ كُلِّفها يخلو عن التفريط فيها كأنه قيل : لا تكلِّفْنا تلك التكاليفَ ولا تعاقِبْنا بتفريطنا في المحافظة عليها فيكونُ التعبيرُ عن إنزال العقوباتِ بالتحميل باعتبار ما يؤدي إليها ، وقيل : هو تكريرٌ للأول وتصويرٌ للإصر بصورةِ ما لا يُستطاع مبالغة ، وقيل : هو استعفاءٌ عن التكليف بما لا تفي به الطاقةُ البشرية حقيقة ، فيكون دليلاً على جوازه عقلاً وإلا لما سُئل التخلصُ عنه ، والتشديد هاهنا لتعدية الفعل إلى مفعول ثانٍ { واعف عَنَّا } أي آثارِ ذنوبنا { واغفر لَنَا } واستُرْ عيوبَنا ولا تفضَحْنا على رؤوس الأشهادِ { وارحمنا } وتعطَّفْ بنا وتفضَّلْ علينا ، وتقديمُ طلبِ العفوِ والمغفرةِ على طلب الرحمةِ لما أن التخلِيَةَ سابقة على التحلية { أَنتَ مولانا } سيدُنا ونحن عبيدُك أو ناصرُنا أو متولي أمورِنا { فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } فإن من حقّ المولى أن ينصُرَ عبده ومن يتولّى أمرَه على الأعداء ، والمرادُ به عامةُ الكفرة ، وفيه إشارة إلى أن إعلأَ كلمةِ الله والجهادَ في سبيله تعالى حسبما أُمر في تضاعيف السورة الكريمة غايةُ مطالبهم ، رُوي أنه عليه الصلاة والسلام لمّا دعا بهذه الدعواتِ قيل له عند كلِّ دعوةٍ : قد فعلتُ ، وعنه عليه السلام :

(1/344)


الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)

سورة آل عمران
مدنية وهى مائتا آية
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
{ الم الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } قد سلف أن ما لا تكون من هذه الفواتح مفردةً كصاد وقاف ونون ولا موازِنةً لمفردٍ كحاميم وطاسين وياسين الموازنةِ لقابيلَ وهابيلَ وكطاسين ميم الموازنةِ لداراً بجَرَد حسبما ذكره سيبويهِ في الكتابِ فطريقُ التلفظ بها الحكايةُ فقط ، ساكنةُ الأعجاز على الوقف سواءٌ جُعلت أسماءً أو مسرودةً على نمط التعديد وإن لزِمها التقاءُ الساكنين لما أنه مغتفرٌ في باب الوقف قطعاً فحقُّ هذه الفاتحة أن يوقفَ عليها ثم يُبدأ بما بعدها كما فعله أبو بكر رضي الله عنه ، روايةٌ عن عاصم وأما ما فيها من الفتح على القراءة المشهورةِ فإنما هي حركةُ همزة الجلالة ألقيت على الميم لتدل على ثبوتها إذ ليس إسقاطُها للدرج بل للتخفيف ، فهي ببقاء حركتها في حكم الثابتِ المبتدَإِ به ، والميمُ بكون الحركةِ لغيرها في حكم الوقف على السكون دون الحركة كما توهم ، واعتُرض بأنه غيرُ معهود في الكلام ، وقيل : هي حركةٌ لالتقاء السواكن التي هي الياء والميم ولام الجلالة بعد سقوطِ همزتها ، وأنت خبير بأن سقوطَها مبنيٌّ على وقوعها في الدرْج ، وقد عرفت أن سكونَ الميمِ وقفٌ موجبٌ لانقطاعها عما بعدها مستدعٍ لثبات الهمزةِ على حالها لا كما في الحروف والأسماءِ المبنيةِ على السكون فإن حقَّها الاتصالُ بما بعدها وضعاً واستعمالاً فتسقطُ بها همزةُ الوصلِ وتُحرَّك أعجازُها لالتقاء الساكنين ، ثم إن جُعلت مسرودةً على نمط التعديد فلا محل لها من الإعراب كسائر الفواتح ، وإن جُعلت اسماً للسورة فمحلُها إما الرفعُ على أنها خبرُ مبتدإٍ محذوف ، وإما النصبُ على إضمار فعلٍ يليقُ بالمقام كاذكر أو اقرأ أو نحوِهما ، وأما الرفعُ بالابتداء أو النصبُ بتقدير فعلِ القسم ، أو الجرُّ بتقدير حرفِه فلا مساغَ لشيء منها لما أن ما بعدها غيرُ صالح للخبرية ولا للإقسامِ عليه فإن الاسم الجليلَ مبتدأٌ ، وما بعده خبرُه ، والجملةُ مستأنفة أي هو المستحقُّ للمعبودية لا غيرُ وقوله عز وجل : { الحى القيوم } خبرٌ آخرُ له ، أو لمبتدإٍ محذوف أي هو الحي القيومُ لا غيرُه ، وقيل : هو صفةٌ للمبتدأ أو بدلٌ منه أو من الخبر الأول أو هو الخبر ، وما قبله اعتراضٌ بين المبتدأ والخبر ، مقرِّر لما يُفيده الاسمُ الجليلُ أو حال منه وأياً ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاقِ المعبودية به سبحانه وتعالى لما مر من أن معنى الحيِّ : الباقي : الذي لا سبيل عليه للموت والفناء ، ومعنى القيوم : الدائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظِه ، ومن ضرورة اختصاصِ ذينك الوصفين به تعالى اختصاصُ استحقاقِ المعبودية به تعالى لاستحالة تحققِه بدونهما .

(1/345)


وقد روي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : " اسمُ الله الأعظمِ في ثلاث سور : في سورة البقرة { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم } وفي آل عمران { الم * الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم } وفي طه { وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىّ القيوم } " وروي أن بني إسرائيلَ سألوا موسى عليه السلام عن اسم الله الأعظم قال : { الحى القيوم } ويروى أن عيسى عليه السلام كان إذا أراد إحياء الموتى يدعو يا حي يا قيوم ويقال : إن آصفَ بنَ برخيا حين أراد أن يأتيَ بعرش بِلْقيس دعا بذلك وقرىء { الحى } ، وهذا رد على من زعم أن عيسى عليه السلام كان رباً فإنه روي أن وفدَ نجرانَ قدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ستين راكباً فيهم أربعةَ عشرَ رجلاً من أشرافهم ، ثلاثةٌ منهم أكابرُ إليهم يؤولُ أمرُهم ، أحدُهم أميرُهم وصاحبُ مشورتهم العاقبُ ، واسمُه عبدُ المسيحِ وثانيهم وزيرُهم ومشيرُهم السيد واسمُهُ الأيهم ، وثالثهم حَبرُهم وأُسْقفُهم وصاحبُ مِدْارَسِهِمْ أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أحدُ بني بَكْرِ بنِ وائلٍ وقد كان ملوكُ الرومِ شرّفوه وموّلوه وأكرموه لما شاهدوا من علمه واجتهاده في دينهم وبنَوْا له كنائسَ فلما خرجوا من نجرانَ ركِب أبو حارثة بغلته وكان أخوه كُرْزُ بنُ علقمةَ إلى جنبه فبينا بَغْلةُ أبي حارثةَ تسير إذ عثَرت فقال كُرْزٌ : تعساً للأبعد ، يريد به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو حارثة : بل تَعِسَتْ أمُّك فقال كُرْزٌ : ولمَ يا أخي قال : إنه والله النبيُّ الذي كنا ننتظره فقال له كُرز : فما يمنعُك عنه وأنت تعلم هذا؟ قال : لأن هؤلاءِ الملوكَ أعطَوْنا أموالاً كثيرةً وأكرمونا ، فلو آمنا به لأخذوها منا كلَّها ، فوقع ذلك في قلب كرزٍ وأضمره إلى أن أسلم فكان يُحدِّث بذلك . فأتَوا المدينةَ ثم دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العصر عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ فاخرة يقول بعضُ من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ما رأينا وفداً مثلَهم ، وقد حانت صلاتُهم فقاموا ليصلوا في المسجد فقال عليه السلام : «دعُوهم» فصلَّوا إلى المشرق . ثم تكلم أولئك الثلاثةُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تارةً عيسى هو الله لأنه كان يُحيي الموتى ويُبرِىءُ الأكمهَ ويُخبرُ بالغيوب ويخلُق من الطين كهيئة الطير فينفُخُ فيه فيطير ، وتارة أخرى هو ابنُ الله إذ لم يكن له أبٌ يُعْلَم وتارة أخرى إنه ثالثُ ثلاثةٍ لقوله تعالى : { فَعَلْنَا وَقُلْنَا } ولو كان واحداً لقال : فعلت وقلت فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أسلموا " قالوا : أسلمنا قبلك ، قال عليه السلام : " كذبتم يمنعُكم من الإسلام دعاؤكم لله تعالى ولداً "

(1/346)


قالوا : إن لم يكن ولداً لله فمن أبوهُ؟ فقال عليه السلام : « ألستم تعلمون أنه لا يكون ولدٌ إلا ويُشبِهُ أباه؟ » فقالوا : بلى ، قال : « ألستم تعلمون أن ربنا حيٌّ لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ » قالوا : بلى ، قال عليه السلام : « ألستم تعلمون أن ربنا قيّومٌ على كل شيء يحفَظُه ويرزُقُه؟ » قالوا : بلى ، قال عليه السلام : « فهل يملِك عيسى من ذلك شيئاً؟ » قالوا : لا ، فقال عليه السلام : « ألستم تعلمون أن الله تعالى لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء؟ » قالوا : بلى ، قال عليه السلام : « فهل يعلمُ عيسى من ذلك إلا ما علِم؟ » قالوا : بلى ، قال عليه السلام : « ألستم تعلمون أن ربنا صوَّر عيسى في الرحِم كيف شاء وأن ربنا لا يأكلُ ولا يشرب ولا يُحْدِث؟ » قالوا : بلى ، قال عليه السلام : « ألستم تعلمون أن عيسى حملتْه أمُه كما تحمِل المرأة ووضعته كما تضع المرأةُ ولدها ثم غُذّي كما يُغذَّى الصبيُّ ثم كان يطعَم الطعامَ ويشرَبُ الشراب ويُحْدِثُ الحدث؟ » قالوا : بلى ، قال عليه السلام : « فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ » فسكتوا وأبَوا إلا جحوداً فأنزل الله عز وجل من أول السورة إلى نيِّفٍ وثمانين آيةً تقريراً لما احتج به عليه السلام عليهم وأجاب به عن شُبَهِهم وتحقيقاً للحق الذي فيه يمترون .

(1/347)


نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)

{ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب } أي القرآنَ ، عبّر عنه باسم الجنس إيذاناً بكمال تفوُّقه على بقية الأفراد في حيازة كمالاتِ الجنس كأنه هو الحقيقُ بأن يُطلَقَ عليه اسمُ الكتاب دون ما عداه كما يلوح به التصريحُ باسمي التوراةِ والإنجيل ، وصيغة التفعيلِ للدَلالة على التفخيم ، وتقديمُ الظرف على المفعول لما مر من الاعتناءِ بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخَّر ، والجملة إما مستأنفةٌ أو خبرٌ آخرُ عن الاسمِ الجليل أو هي الخبر ، وقولُه تعالى : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } اعتراض أو حال ، وقوله عز وجل : { الحى القيوم } صفةٌ أو بدلٌ كما مر ، وقرىء نَزَلَ عليك الكتابُ بالتخفيف ورفعِ الكتاب ، فالظاهرُ حينئذ أن تكونَ مستأنفةٌ وقيل : يجوزُ كونُها خبراً بحذف العائد أي نزَل الكتابُ من عنده { بالحق } حال من الفاعل أو المفعول أي نزّله مُحِقاً في تنزيله على ما هو عليه أو ملتبساً بالعدل في أحكامه أو بالصدق في أخباره التي من جملتها خبرُ التوحيد وما يليه ، وفي وعده ووعيدِه أو بما يحقِّق أنه من عند الله تعالى من الحجج البينة { مُصَدّقاً } حال من الكتاب بالاتفاق على تقدير كون قولِه تعالى : { بالحق } حالاً من فاعل نزّل ، وأما على تقدير حاليته من الكتاب فهو عند من يجوِّز تعددَ الحال بلا عطف ولا بدلية حالٌ منه بعد حال ، وأما عند من يمنعه فقد قيل : إنه حالٌ من محل الحال الأولى على البدلية وقيل : من المستكنّ في الجار والمجرور ، لأنه حينئذ يتحمّل ضميراً لقيامه مقامَ عاملِه المتحمّل له فيكون حالاً متداخلةً ، وعلى كل حال فهي حالٌ مؤكدة ، وفائدةُ تقييدِ التنزيل بها حثُّ أهلِ الكتابين على الإيمان بالمُنَزّل وتنبيهُهم على وجوبه فإن الإيمانَ بالمصدَّق موجبٌ للإيمان بما يصدِّقه حتماً { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } مفعول لمصدقاً واللامُ دِعامةٌ لتقوية العمل نحوُ { فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } أي مصدقاً لما قبله من الكتب السالفةِ وفيه إيماءٌ إلى حضورها وكمال ظهورِ أمرِها بين الناس ، وتصديقُه إياها في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وتنزيهُ الله عز وجل عما لا يليق بشأنه الجليل والأمرُ بالعدل والإحسان وكذا في أنباء الأنبياءِ والأممِ الخالية وكذا في نزوله على النعت المذكور فيها وكذا في الشرائع التي لا تختلف باختلاف الأممِ والأعصار ظاهرٌ لا ريب فيه أي خبر تصديقه لا ريب فيه وأما في الشرائع المختلفة باختلافهما فمن حيث أن أحكامَ كل واحد منها واردةٌ حسبما تقتضيه الحِكمةُ التشريعية بالنسبة إلى خصوصيات الأمم المكلفةِ بها مشتملةٌ على المصالح اللائقةِ بشأنهم .
{ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل } تعيينٌ لما بين يديه وتبيينٌ لرفعة محلِّه تأكيداً لما قبله وتمهيداً لما بعده إذ بذلك يترقى شأنُ ما يصدّقه رفعةً ونباهةً ويزداد في القلوب قبولاً ومهابةً ويتفاحش حالُ من كفرَ بهما في الشناعة واستتباعِ ما سيذكر من العذاب الشديد والانتقام ، أي أنزلهما جملةً على موسى وعيسى عليهما السلام وإنما لم يُذكرا لأن الكلام في الكتابين لا فيمن أنزِلا عليه وهما اسمان أعجميانِ الأولُ عِبري والثاني سرياني ويعضُده القراءةُ بفتح همزةِ الإنجيل فإن إفعيل ليس من أبنية العربِ ، والتصدي لاشتقاقهما من الورى والنجْل تعسفٌ { مِن قَبْلُ } متعلق بأنزل أي أنزلهما من قبل تنزيلِ الكتاب ، والتصريحُ به مع ظهور الأمر للمبالغة في البيان { هُدًى لّلنَّاسِ } في حيز النصب على أنه عِلة للإنزال أي أنزلها لهداية الناس أو على أنه حالٌ منهما أي أنزلهما حالَ كونهما هدى لهم ، والإفرادُ لما أنه مصدر ، جُعلا نفسَ الهدى مبالغةً أو حذف منه المضاف أي ذوَيْ هدى ، ثم إنْ أريد هدايتهما بجميع ما فيهما من حيث هو جميع ، فالمراد بالناس الأمم الماضية من حين نزولها إلى زمان نسخِهما ، وإن أريد هدايتُهما على الإطلاق وهو الأنسبُ بالمقام فالناسُ على عمومه لما أن هدايتهما بما عدا الشرائعَ المنسوخةَ من الأمور التي يصدّقهما القرآن فيها ومن جملتها البشارةُ بنزوله وبمبعث النبي صلى الله عليه وسلم تعمُّ الناس قاطبة .

(1/348)


{ وَأَنزَلَ الفرقان } الفرقانُ في الأصل مصدرٌ كالغفران أُطلق على الفاعل مبالغة والمرادُ به هاهنا إما جنسُ الكتبِ الإلهية عُبِّر عنها بوصف شامل لما ذُكر منها وما لم يُذكر على طريق التتميم بالتعميم إثرَ تخصيصِ بعضِ مشاهيرها بالذكر كما في قوله عز وجل : { فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً } إلى قوله تعالى : { وفاكهة } وإما نفسُ الكتبِ المذكورة أعيد ذكرها بوصف خاص لم يُذكر فما سبق ، على طريقة العطفِ بتكرير لفظِ الإنزال تنزيلاً للتغايُر الوصفي منزلةَ التغايُر الذاتي كما في قوله سبحانه : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } وأما الزبورُ فإنه مشتمِلٌ على المواعظ الفارقة بين الحقِّ والباطِلِ الداعية إلى الخير والرشاد الزاجرةِ عن الشر والفساد ، وتقديمُ الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولاً لقوة مناسبته للتوراة في الاشتمال على الأحكام والشرائع وشيوعِ اقرانِهما في الذكر وأما القُرآنُ نفسُه فذُكر بنعت مادحٍ له بعد ما ذكر باسم الجنس تعظيماً لشأنه ورفعاً لمكانه وقد بُين أولاً تنزيلُه التدريجيُّ إلى الأرض وثانياً إنزالُه الدفعيّ إلى السماء الدنيا أو أريد بالإنزال القدْرُ المشترك العاري عن قيد التدريج وعدمِه ، وإما المعجزاتُ المقرونةُ بإنزال الكتبِ المذكورة الفارقة بين المُحقِّ والمُبْطل { إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله } وُضع ( الموصول ) موضِعَ الضميرِ العائد إلى ما فُصل من الكتب المنزلة أو منها ومن المعجزات وآيات مضافةً إلى الاسم الجليل تعييناً لحيثية كفرِهم وتهويلاً لأمرهم وتأكيداً لاستحقاقهم العذابَ الشديد وإيذاناً بأن ذلك الاستحقاقَ لا يشترط فيه الكفرُ بالكل بل يكفي فيه الكفرُ ببعضٍ منها ، والمرادُ بالموصول إما أهلُ الكتابين وهو الأنسبُ بمقام المُحاجةِ معهم أو جنسُ الكفَرة وهم داخلون فيه دخولاً أولياً أي إن الذين كفروا بما ذُكر من آيات الله الناطقةِ بالحق لا سيما بتوحيده تعالى وتنزيهِه عما لا يليق بشأنه الجليل كُلاًّ أو بعضاً مع ما بها من النعوت الموجبةِ للإيمان بها بأن كذبوا بالقرآن أصالةً ، وبسائر الكتُب الإلهية تبعاً ، لما أن تكذيبَ المصدق موجب لتكذيب ما يصدِّقُه حتماً وأصالة أيضاً بأن كذبوا بآياتها الناطقةِ بالتوحيد والتنزيه وآياتها المبشرة بنزولِ القرآن ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم وغيّروها { لَهُمْ } بسبب كفرهم بها { عَذَابِ } مرتفعٌ إما على الفاعلية من الجار والمجرور أو على الابتداء ، والجملة خبرُ إن ، والتنوينُ للتفخيم أي أيُّ عذاب { شَدِيدٍ } لا يقادَر قدرُه وهو وعيد جيء به إثرَ تقريرِ أمرِ التوحيد الذاتي والوصفي والإشارةِ إلى ما ينطِقُ بذلك من الكتب الإلهية حملاً على القبول والإذعان وزجراً عن الكفر والعصيان .

(1/349)


{ والله عَزِيزٌ } لا يغالَب يفعل ما يشاء ويحكُم ما يريد { ذُو انتقام } عظيم خارجٍ عن أفراد جنسه ، وهو افتعال من النِقْمة وهي السطوةُ والتسلطُ يقال : انتقم منه إذا عاقبه بجنايته ، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ للوعيد ومؤكد له .

(1/350)


إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)

{ إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الارض وَلاَ فِى السماء } استئنافُ كلامٍ سيق لبيان سعةِ علمِه تعالى وإحاطتِه بجميع ما في العالم من الأشياء التي من جملتها ما صدر عنهم من الكفر والفسوقِ سراً وجهراً إثرَ بيانِ كمالِ قدرتِه وعزته ، تربيةً لما قبله من الوعيد وتنبيهاً على أن الوقوفَ على بعض المغيبات كما كان في عيسى عليه السلام بمعزل من بلوغ رتبةِ الصفاتِ الإلهية وإنما عُبّر عن علمه عز وجل بما ذُكر بعدم خفائِه عليه كما في قوله سبحانه : { وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَىْء فَى الارض وَلاَ فِى السماء } إيذاناً بأن علمَه تعالى بمعلوماته وإن كانت في أقصى الغايات الخفيةِ ليس من شأنه أن يكون على وجهُ يمكن أن يقارِنه شائبةُ خفاءٍ بوجه من الوجوه كما في علوم المخلوقين ، بل هو غاية في الوضوحِ والجلاءِ ، والجملةُ المنفيةُ خبرٍ لإن وتكريرُ الإسنادِ لتقوية الحُكم ، وكلمة ( في ) متعلقة بمحذوف وقع صفةً لشيء مؤكدة لعمومه المستفاد من وقوعه في سياق النفي أي لا يخفى عليه شيء ما كائنٌ في الأرض ولا في السماء أعم من أن يكون ذلك بطريق الاستقرار فيهما أو الجزئية منهما وقيل : متعلقة بيخفى وإنما عبر بهما عن كل العالم لأنهما قُطراه ، وتقديمُ الأرض على السماء لإظهار الاعتناء بشأن أحوالِ أهلِها ، وتوسيطُ حرف النفي بينهما للدَلالة على الترقي من الأدنى إلى الأعلى باعتبار القربِ والبعد منا المستدعِيَين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا وقوله عز وجل : { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الارحام كَيْفَ يَشَاء } جملة مستأنفةٌ ناطقةٌ ببعض أحكام قيّومَّيتِه تعالى وجَرَيانِ أحوالِ الخلق في أطوار الوجودِ حسب مشيئتِه المبنيةِ على الحِكْمة البالغةِ مقرِّرةٌ لكمال علمِه مع زيادة بيانٍ لتعلقه بالأشياء قبل دخولِها تحت الوجود ضرورةَ وجوبِ علمِه تعالى بالصور المختلفة المترتبة على التصوير المترتِّب على المشيئة قبل تحقّقِها بمراتب ، وكلمةُ في متعلقةٌ بيصوِّركم ، أو بمحذوف وقع حالاً من ضمير المفعول أي يصوركم وأنتم في الأرحام مُضَغٌ ، وكيف معمول ليشاءُ والجملةُ في محل النصب على الحالية إما من فاعل يصوركم أي يصورُكم كائناً على مشيئته تعالى أي مُريداً أو من مفعوله أي يصوركم كائنين على مشيئته تعالى تابعين لها في قَبول الأحوالِ المتغايرة من كونكم نُطفاً ثم عَلَقاً ثم مُضَغاً غيرَ مخلّقة ثم مُخلّقة ، وفي الاتصاف بالصفات المختلفةِ من الذكورة والأنوثة والحُسن والقُبح وغير ذلك من الصفات وفيه من الدلالة على بطلان زعْم من زَعَم ربوبيةَ عيسى عليه السلام وهو من جملة أبناءِ النواسيتِ المتقلّبين في هذه الأطوار على مشيئة الباري عز وجل وكمالِ ركاكةِ عقولِهم ما لا يخفى وقرىء تَصَوَّركم على صيغة الماضي من التفعل أي صوّركم لنفسه وعبادتِه { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } إذ لا يتصف بشيء مما ذُكر من الشؤون العظيمةِ الخاصةِ بالألوهية أحدٌ ليُتَوهَّم ألوهيتُه { العزيز الحكيم } المتناهي في القدرة والحِكمة لذلك يخلقُكم على ما ذكر من النمط البديع .

(1/351)


هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)

{ هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب } شروعٌ في إبطال شُبَهِهم الناشئةِ عما نَطَق به القرآن في نعت عيسى عليه السلام بطريق الاستئناف إثرَ بيان اختصاصِ الربوبية ومناطِها به سبحانه وتعالى تارةً بعد أخرى وكونِ كل مَنْ عداه مقهوراً تحت مَلَكوته تابعاً لمشيئته . قيل : إن وفدَ نجرانَ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألست تزعُم يا محمد أن عيسى كلمةُ الله وروح منه؟ قال عليه السلام : «بلى» قالوا : فحسبُنا ذلك . فنعى عليهم زيغَهم وفتنتَهم وبيّن أن الكتابَ مؤسسٌ على أصول رصينةٍ وفروعٍ مَبْنية عليها ناطقةٍ بالحق قاضيةٍ ببطلان ما هم عليه من الضلال ، والمرادُ بالإنزال القدرُ المشتركُ المجرَّدُ عن الدِلالة على قيد التدريج وعدمِه ، ولامُ الكتاب للعهد ، وتقديمُ الظرف عليه لما أشير إليه فيما قبل من الاعتناءِ بشأن بشارتِه عليه السلام بتشريف الإنزال عليه ومن التشويق إلى ما أُنزل ، فإن النفسَ عند تأخير ما حقُّه التقديمُ لا سيما بعد الإشعار برفعة شأنِه أو بمنفعته تبقى مترقبةً له فيتمكن لديها عند ورودِه عليها فضلُ تمكُّنٍ وليتصل به تقسيمه إلى قسميه { مِنْهُ آيات } الظرفُ خبر ، وآياتٌ مبتدأ أو بالعكس بتأويل مر تحقيقه في قوله تعالى : { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ } الآية ، والأولُ أوفقُ بقواعد الصناعة ، والثاني أدخلُ في جزالة المعنى إذ المقصودُ الأصليّ انقسامُ الكتاب إلى القسمين المعهودين لا كونُهما من الكتاب فتذكّرْ ، والجملة مستأنفة في حيز النصب على الحالية من الكتاب أي هو الذي أنزل الكتابَ كائناً على هذه الحال منقسماً إلى مُحْكَمٍ ومتشابهٍ أو الظرفُ هو الحال وحدَه وآياتٌ مرتفعٌ به على الفاعلية { محكمات } صفةُ آياتٌ أي قطعيةُ الدِلالة على المعنى المراد ، مُحْكمةُ العبارةِ محفوظةٌ من الاحتمال والاشتباه { هُنَّ أُمُّ الكتاب } أي أصلٌ فيه وعُمدةٌ يُردُّ إليها غيرُها فالمرادُ بالكتابِ كلُّه ، والإضافة بمعنى في كما في واحد العشرةِ لا بمعنى اللام فإن ذلك يؤدي إلى كون الكتاب عبارةً عما عدا المحكماتِ ، والجملةُ إما صفةٌ لما قبلها أو مستأنفةٌ وإنما أفرد الأم مع تعدد الآيات لما أن المراد بيانُ أصليةِ كل واحدةٍ منها أو بيانُ أن الكل بمنزلة آية واحدة كما في قوله تعالى : { وجعلناها وابنها ءايَةً للعالمين } وقيل : اكتُفيَ بالمفرد عن الجمع كما في قول الشاعر :
بها جِيَفُ الحسْرى فأما عظامُها ... فبِيضٌ وأما جِلْدُها فصَليبُ
أي وأما جلودها { وَأَخَّرَ } نعتُ المحذوف معطوفٌ على آياتٌ أي وآياتٌ أخَرُ وهي جمع أخرى ، وإنما لم ينصَرِفْ لأنه وصف معدول عن الآخِر أو عن آخر من { متشابهات } صفة لأخَرُ وفي الحقيقة صفةٌ للمحذوف أي محتمِلاتٌ لمعانٍ متشابهة لا يمتاز بعضها عن بعض في استحقاق الإرادة بها ولا يتضح الأمرُ إلا بالنظر الدقيق والتأملِ الأنيق ، فالتشابه في الحقيقة وصفٌ لتلك المعاني وُصف به الآياتُ على طريقة وصف الدالِّ بوصف المدلول ، وقيل : لما كان من شأن الأمور المتشابهة أن يعجِزَ العقل عن التمييز بينها سُمِّي كل ما لا يهتدي إليه العقل متشابهاً وإن لم يكن ذلك بسبب التشابه كما أن المُشكِل في الأصل ما دخل في أشكاله وأمثاله ولم يُعلم بعينه ، ثم أطلق على كل غامض وإن لم يكن غموضُه من تلك الجهة ، وإنما جعل ذلك كذلك ليظهر فضلُ العلماء ويزدادَ حِرصهم على الاجتهاد في تدبرها وتحصيل العلوم التي نيط بها استنباطُ ما أريد بها من الأحكام الحقة فينالوا بها وبإتعاب القرائح في استخراج مقاصدِها الرائقة ومعانيها اللائقة المدارجَ العالية ويعرِّجوا بالتوفيق بينها وبين المُحْكمات من اليقين والاطمئنان إلى المعارج القاصيةِ ، وأما قولُه عز وجل :

(1/352)


{ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته } فمعناه أنها حُفِظت من اعتراء الخلل أو من النسخ ، أو أُيِّدت بالحُجج القاطعةِ الدالةِ على حقِّيتها أو جُعلت حكيمةً لانطوائها على جلائل الحِكَم البالغةِ ودقائقِها ، وقوله تعالى : { كتابا متشابها مَّثَانِيَ } معناه متشابهُ الأجزاء أي يشبه بعضُها بعضاً في صحة المعنى وجزالةِ النظم وحقية المدلول .
{ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } أي ميلٌ عن الحق إلى الأهواء الباطلة . قال الراغبُ : الزيغُ الميلُ عن الاستقامة إلى أحد الجانبين ، وفي جعل قلوبهم مقراً للزيغ مبالغةٌ في عدولهم عن سَنن الرشاد وإصرارِهم على الشر والفساد { فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ } مُعْرضين عن المُحْكمات أي يتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب أو بتأويل باطلٍ لا تحرِّياً للحق بعد الإيمان بكونه من عند الله تعالى بل { ابتغاء الفتنة } أي طلبَ أن يفتِنوا الناسَ عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضةِ المُحكم بالمتشابه كما نُقل عن الوفد { وابتغاء تَأْوِيلِهِ } أي وطلبَ أن يؤوّلوه حسبما يشتهونه من التأويلات الزائغةِ والحال أنهم بمعزل من تلك الرتبة وذلك قوله عز وجل : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والرسخون فِي العلم } فإنه حالٌ من ضمير { فَيَتَّبِعُونَ } باعتبار العلة الأخيرة أي يتّبعون المتشابهِ لابتغاء تأويلِه والحالُ أنه مخصوصٌ به تعالى وبمن وفّقه له من عباده الراسخين في العلم أي الذين ثبَتوا وتمكّنوا فيه ولم يتزلزلوا في مزالِّ الأقدام ، وفي تعليل الاتّباعِ بابتغاء تأويلِه دون نفسِ تأويلِه وتجريدِ التأويل عن الوصف بالصحة أو الحقية إيذانٌ بأنهم ليسوا من التأويل في شيء وأن ما يبتغونه ليس بتأويل أصلاً لا أنه تأويلٌ غيرُ صحيح قد يُعذر صاحبه ، ومن وقف على { إِلاَّ الله } فسّر المتشابهَ بما استأثر الله عز وعلا بعلمه كمدة بقاءِ الدنيا ووقتِ قيام الساعة وخواصِّ الأعداد كعدد الزبانية أو بما دل القاطعُ على عدم إرادة ظاهرِه ولم يدل على ما هو المراد به .
{ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } أي بالمتشابه ، وعدمُ التعرُّض لإيمانهم بالمُحْكم لظهوره ، أو بالكتاب والجملة على الأول استئنافٌ موضِّحٌ لحال الراسخين أو حال منه وعلى الثاني خبر لقوله تعالى : { والرسخون } وقوله تعالى : { كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } من تمام المَقول مقرِّر لما قبله ومؤكِّد له أي كلُّ واحدٍ منه ومن المحكم ، أو كلُّ واحدٍ من متشابهه ومحكَمِه منزلٌ من عنده تعالى لا مخالفةَ بينهما ، أو آمنا به وبحقيته على مراده تعالى { وَمَا يَذَّكَّرُ } حقَّ التذكر { إِلاَّ أُوْلُواْ الالباب } أي العقولِ الخاصةِ عن الركون إلى الأهواء الزائغةِ وهو تذييلٌ سيق من جهته تعالى مدحاً للراسخين بجَوْدة الذهن وحسنِ النظر وإشارةً إلى ما به استعدوا للاهتداء إلى تأويله من تجرد العقلِ عن غواشي الحِسِّ ، وتعلقُ الآيةِ الكريمة بما قبلها من حيث إنها جوابٌ عما تشبّث به النصارى من نحو قوله تعالى :

(1/353)


{ وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ } على وجه الإجمال وسيجيء الجوابُ المفصل بقوله تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }

(1/354)


رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)

{ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } من تمام مقالةِ الراسِخين أي لا تُزِغْ قلوبَنا عن نهج الحقِّ إلى اتباع المتشابهِ بتأويلٍ لا ترتضيه ، قال صلى الله عليه وسلم : « قلبُ ابن آدمَ بين أصْبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه على الحقّ وإن شاء أزاغه عنه » وقيل : معناه لا تَبْلُنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا { بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } أي إلى الحق والتأويل الصحيح أو إلى الإيمان بالقسمين وبعد نُصبَ بلا تزِغ على الظرف وإذْ في محل الجر بإضافته إليه خارجٌ من الظرفية أي بعد وقت هدايتِك إيانا وقيل : إنه بمعنى أنْ { وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ } كِلا الجارّين متعلقٌ بهَبْ وتقديم الأول لما مر مراراً ويجوز تعلّقُ الثاني بمحذوف هو حالٌ من المفعول أي كائنة من لدنك ومن لابتداء الغاية المجازية ولدُنْ في الأصل ظرف بمعنى أولُ غايةِ زمانٍ أو مكان أو غيرِهما من الذوات نحوُ من لدُنْ زيدٍ وليست مرادفةً لعند إذ قد تكون فضلة ، وكذا لدى ، وبعضُهم يخُصُّها بظرف المكان وتضاف إلى صريح الزمان كما في قوله :
تنتفضُ الرّعدةُ في ظُهَيْري ... من لدنِ الظُهرِ إلى العُصَيرِ
ولا تُقطع عن الإضافة بحال ، وأكثرُ ما تضاف إلى المفردات وقد تضاف إلى أنْ وصلتِها كما في قوله :
ولم تقْطعَ اصلاً من لدنْ أنْ ولِيتَنا ... قرابةَ ذي رَحْمٍ ولا حقَّ مسلمِ
أي من لدن ولايتِك إيانا وقد تضاف إلى الجملة الاسميةِ كما في قوله :
تَذَكَّرُ نُعماه لدُنْ أنت يافعُ ... وإلى الجملة الفعلية أيضاً كما في قوله :
لزِمنا لدنْ سالمتمونا وِفاقَكم ... فلا يكُ منكم للخِلاف جُنوحُ
وقلما تخلو عن من كما في البيتين الأخيرين { رَحْمَةً } واسعةً تُزلِفُنا إليك ونفوزُ بها عندك أو توفيقاً للثبات على الحق ، وتأخيرُ المفعول الصريح عن الجارّين لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر فإن من حقه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقبةً لوروده لا سيما عند الإشعارِ بكونه من المنافعِ باللام فإذا أورده يتمكن عندها فضلُ تمكّنٍ { إِنَّكَ أَنتَ الوهاب } تعليل للسؤال أو لإعطاء المسؤولِ وأنت إما مبتدأٌ أو فصلٌ أو تأكيدٌ لاسم إنّ وإطلاقُ الوهاب ليتناول كلَّ موهوب ، وفيه دِلالة على أن الهدى والضلال من قِبله تعالى وأنه متفضّلٌ بما يُنعم به على عباده من غير أن يجب عليه شيء .
{ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ } أي لحساب يومِ أو لجزاء يوم حُذف المضاف وأقيم مُقامه المضافُ إليه تهويلاً له وتفظيعاً لما يقع فيه { لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي في وقوعه ووقوعِ ما فيه من الحشر والحسابِ والجزاء ، ومقصودُهم بهذا عرضُ كمالِ افتقارِهم إلى الرحمة وأنها المقصِدُ الأسنى عندهم ، والتأكيدُ لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينةِ وقوة اليقينِ بأحوال الآخرة { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } تعليلٌ لمضمون الجملة المؤكدةِ أو لانتفاء الريب ، والتأكيد لما مر ، وإظهارُ الاسمِ الجليل مع الالتفات لإبراز كمالِ التعظيم والإجلالِ الناشىء من ذكر اليوم المَهيب الهائل بخلاف ما في آخر السورة الكريمة فإنه مقامُ طلب الإنعام كما سيأتي وللإشعار بعلة الحُكم فإن الألوهيةَ منافيةٌ للإخلاف وقد جُوّز أن تكون الجملةُ مَسوقةً من جهته تعالى لتقرير قولِ الراسخين ، والميعادُ مصدرٌ كالميقات واستُدل به الوعيدية وأجيب بأن وعيدَ الفساقِ مشروطٌ بعدم العفو بدلائلَ مفصلةٍ كما هو مشروط بعدم التوبة وِفاقاٌ .

(1/355)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)

{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } إثرَ ما بين الدينَ الحقَّ والتوحيد وذكر أحوالَ الكتب الناطقةِ به وشرح شأن القرآنِ العظيم وكيفيةِ إيمانِ العلماء الراسخين به شَرَع في بيان حال مَنْ كفر به ، والمرادُ بالموصول جنسُ الكفرة الشاملُ لجميع الأصناف ، وقيل : وفدُ نجرانَ أو اليهودُ من قريظةَ والنضِير أو مشركو العرب { لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ } أي لن تنفعَهم وقرىء بالتذكير وبسكون الياء جِدّاً في استثقال الحركة على حروف اللين { أموالهم } التي يبذُلونها في جلب المنافع ودفعِ المضارّ { وَلاَ أولادهم } الذين بهم يتناصرون في الأمور المُهمة وعليهم يعوّلون في الخطوب المُلمة ، وتأخيرُ الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفي بينهما إما لعراقة الأولادِ في كشف الكروب ، أو لأن الأموال أولُ عُدّة يُفزع إليها عند نزول الخطوب { مِنَ الله } من عذابه تعالى { شَيْئاً } أي شيئاً من الإغناء ، وقيل : كلمة من بمعنى البدل والمعنى بدلَ رحمةِ الله أو بدلَ طاعته كما في قوله تعالى : { إَنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئًا } أي بدل الحق ومنه قوله : ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدُّ أي لا ينفعه جَدُّه بدلك أي بدلَ رحمتك كما في قوله تعالى : { وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى } وأنت خبير بأن احتمال سدِّ أموالِهم وأولادهم مسدَّ رحمة الله تعالى أو طاعته مما لا يخطُر ببال أحد حتى يُتصدَّى لنفيه ، والأولُ هو الأليقُ بتفظيع حال الكفرة وتهويل أمرهم والأنسبُ بما بعده من قوله تعالى : { وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النار } ومن قوله تعالى : { فَأَخَذَهُمُ الله } أي أولئك المتّصفون بالكفر حطبُ النار وحصَبُها الذي تُسعّر به ، فإن أريد بيانُ حالِهم عند التسعير فإيثارُ الجملةِ الاسمية للدِلالة على تحقق الأمر وتقرّره ، وإلا فهو للإيذان بأن حقيقة حالِهم ذلك ، وأن أحوالهم الظاهرةَ بمنزلة العدم فهم حال كونهم في الدنيا وَقودُ النار بأعيانهم . وفيه من الدلالة على كمال ملابستهم بالنار ما لا يخفى و { هُمْ } يحتمل الابتداءَ وأن يكون ضميرَ فصلٍ والجملة إما مستأنفةٌ مقرِّره لعدم الإغناء أو معطوفة على خبر إن ، وأيا ما كان ففيها تعيينٌ للعذاب الذي بيّن أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم منه شيئاً . وقرىء وُقود النار بضم الواو وهو مصدر أي أهلُ وقودها { كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } الدأبُ مصدر دأَبَ في العمل إذا كدح فيه وتعِب غلب استعمالُه في معنى الشأن والحال والعادة ، ومحلُّ الكاف الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوف وقد جُوِّز النصبُ بلن تغني أو بالوَقود أي لن تغني عنهم كما لم تغنِ عن أولئك أو توقد بهم النارُ كما توقد بهم ، وأنت خبير بأن المذكور في تفسير الدأب إنما هو التكذيبُ والأخذ من غير تعرُّض لعدم الإغناء لا سيما على تقدير كونِ مِنْ بمعنى البدل كما هو رأيُ المجوِّز ، ولا لإيقاد النار فيُحمل على التعليل وهو خلافُ الظاهر على أنه يلزَمُ الفصلُ بين العامل والمعمول بالأجنبي على تقدير النصب بأن تغني وهو قوله تعالى : { وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النار } إلا أن يُجعل استئنافاً معطوفاً على خبر إن فالوجهُ هو الرفعُ على الخبرية أي دأبُ هؤلاءِ في الكفر وعدمِ النجاة من أخْذِ الله تعالى وعذابه كدأب آلِ فرعون { والذين مِن قَبْلِهِمْ } أي من قبل آلِ فرعونَ من الأمم الكافرة ، فالموصولُ في محل الجر عطفاً على ما قبله وقوله تعالى : { كَذَّبُواْ بئاياتنا } بيانٌ وتفسير لدأبهم الذي فعلوا ، على طريق الاستئناف المبني على السؤال كأنه قيل : كيف كان دأبهم؟ فقيل : كذبوا بآياتنا وقوله تعالى : { فَأَخَذَهُمُ الله } تفسيرٌ لدأبهم الذي فُعل بهم أي فأخذهم الله وعاقبهم ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصاً ، فدأبُ هؤلاء الكفرةِ أيضاً كدأبهم ، وقيل : كذبوا الخ حال من { فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ } على إضمار قد أي دأبُ هؤلاء كدأب أولئك وقد كذبوا الخ ، وأما كونه خبراً عن الموصول كما قيل فمما يذهب برونق النظم الكريم ، والالتفاتُ إلى التكلم أولاً للجري على سنن الكبرياء ، وإلى الغَيبة ثانياً بإظهار الجلالة لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة .

(1/356)


{ بِذُنُوبِهِمْ } إن أريد بها تكذيبُهم بالآيات فالباء للسببية جيء بها تأكيداً لما تفيده الفاء من سببية ما قبلها لما بعدها وإن أريد بها سائرُ ذنوبهم فالباء للملابسة جيء بها للدلالة على أن لهم ذنوباً أخرى أي فأخذهم ملتبسين بذنوبهم غيرَ تائبين عنها كما في قوله تعالى : { وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون } والذنب في الأصل التِلْوُ والتابع ، وسُمّيت الجريمةُ ذنباً لأنها تتلو أي يتبعُ عقابُها فاعلَها { والله شَدِيدُ العقاب } تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله من الأخذ وتكملةٌ له .

(1/357)


قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)

{ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } المرادُ بهم اليهودُ لما رويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهودَ المدينة لما شاهدوا غلبةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على المشركين يومَ بدرٍ قالوا : والله إنه النبيُّ الأميُّ الذي بشرنا به موسى في التوراة نعتُه وهموا باتباعه فقال بعضُهم : لا تعجَلوا حتى ننظُر إلى وقعة له أخرى فلما كان يومُ أحُد شكّوا وقد كان بينهم وبين رسول الله عهدٌ إلى مدة فنقضوه وانطلق كعبُ بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ، وعن سعيد بن جبير وعِكرمةَ عن ابن عباس رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصاب قريشاً ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهودَ في سوق بني قَينُقاع فحذّرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش فقالوا : لا يغرَّنك أنك لقِيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبْتَ منهم فرصة لئن قاتلْتَنا لعلِمْتَ أنا نحنُ الناسُ فنزلت ، أي قل لهم : { سَتُغْلَبُونَ } اْلبتةَ عن قريب في الدنيا وقد صدق الله عز وجل وعدَه بقتل بني قريظة وإجلاءِ بني النضِير وفتح خبير وضربِ الجزية على مَنْ عداهم وهو من أوضح شواهد النبوة وأما ما روي عن مقاتل من أنها نزلت قبل بدر وأن الموصول عبارة عن مشركي مكةَ ولذلك قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر : « إنَّ الله غالبُكم وحاشرُكم إلى جهنم وبئس المهاد » فيؤدي إلى انقطاع الآية الكريمة عما بعدها لنزوله بعد وقعة بدر { وَتُحْشَرُونَ } أي في الآخرة { إلى جَهَنَّمَ } وقرىء الفعلان بالياء على أنه عليه السلام أُمر بأن يحكيَ لهم ما أخبر الله تعالى به من وعيدهم بعبارته كأنه قيل : أدِّ إليهم هذا القول { وَبِئْسَ المهاد } إما من تمام ما يقال لهم أو استئنافٌ لتهويل جهنم وتفظيع حالِ أهلها ، والمخصوصُ بالذم محذوف أي وبئس المهاد جهنمُّ أو ما مَهَدوه لأنفسهم .

(1/358)


قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)

{ قَدْ كَانَ لَكُمْ } جوابُ قسمٍ محذوفٍ وهو من تمام القول المأمور به جيء به لتقرير مضمونِ ما قبله وتحقيقِه ، والخطابُ لليهود أيضاً والظرف خبر كان على أنها ناقصة ولتوسطه بينها وبين اسمها تُرك التأنيث كما في قوله :
إن أمراً غرّه منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرورُ
على أن التأنيث هاهنا غير حقيقي أو هو متعلق بكان على أنها تامة وإنما قدم على فاعلها لما مر مراراً من الاعتناء بما قُدّم والتشويق إلى ما أُخِّر أي والله قد كان لكم أيها المغترون بعددهم وعُدَدهم { ءايَةً } عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم إنكم ستُغلبون { فِي فِئَتَيْنِ } أي فرقتين أو جماعتين فإن المغلوبة منهما كانت مدلة بكثرتها معجبة بعزتها وقد لقِيَها ما لقيها فسيصيبُكم ما يصيبكم ، ومحلُ الظرف الرفعُ على أنه صفة لآيةٌ وقيل : النصب على خبرية كان والظرف الأول متعلق بمحذوف من آية { التقتا } في حيز الجر على أنه صفة فئتين أي تلاقتا بالقتال يوم بدر { فِئَةٌ } بالرفع خبرُ مبتدإٍ محذوف أي إحداهما فئة كما في قوله :
إذا متّ كان الناسُ حزبين : شامت ... وآخَرُ مُثنٍ بالذي كنت أصنعُ
أي أحدهما شامت والآخر مثنٍ وقولِه :
حتى إذا ما استقلّ النجمُ في غلَس ... وغودر البقلُ ملويٌّ ومحصودُ
والجملة مع ما عطف عليها مستأنفةٌ لتقرير ما في الفئتين من الآية وقوله تعالى : { تقاتل فِى سَبِيلِ الله } في محل الرفع على أنه صفةُ { فِئَةٌ } كأنه قيل : فئة مؤمنة ولكن ذُكر مكانه من أحكام الإيمان ما يليقُ بالمقام مدحاً لهم واعتداداً بقتالهم وإيذاناً بأنه المدارُ في تحقق الآية وهي رؤية القليل كثيراً وقرىء يقاتل على تأويل الفئة بالقوم أو الفريق { وأخرى } نعت لمبتدأ محذوف معطوف على ما حذف من الجملة الأولى أي وفئة أخرى وإنما نكرت والقياس تعريفها كقرينتها لوضوح أن التفريق لنفس المثنى المقدم ذكره وعدم الحاجة إلى التعريف وقوله تعالى : { كَافِرَةٌ } خبرُ المبتدأ المحذوف وإنما لم توصف هذه الفئة بما يقابل صفة الفئة الأولى إسقاطاً لقتالهم عن درجة الاعتبار وإيذاناً بأنهم لم يتصدَّوْا للقتال لما اعتراهم من الرعب والهيبة وقيل : كلٌّ من المتعاطِفَين بدل من الضمير في { التقتا } وما بعدهما صفة فلا بد من ضمير محذوفٍ عائدٍ إلى المبدل منه مسوِّغٍ لوصف البدل بالجملة العارية عن ضميره أي فئةٌ منهما تقاتل الخ وفئة أخرى كافرة ، ويجوز أن يكون كلٌّ منهما مبتدأً وما بعدهما خبراً ، وقيل : كل منهما مبتدأ محذوف الخبر أي منمهما فئة تقاتل الخ وقرىء فئةٍ بالجر على البدلية من فئتين بدلَ بعض من كل وقد مر أنه لا بد من ضمير عائد إلى المبدل منه ويسمى بدلاً تفصيلياً كما في قول كثير عزة :

(1/359)


وكنت كذي رِجلين رِجلٍ صحيحة ... ورجلٍ رمى فيها الزمانُ فَشُّلَّت
وقرىء فئة الخ بالنصب على المدح أو على الحالية من ضمير التقتا كأنه قيل : التقتا مؤمنةً وكافرةً فيكون { فِئَةٌ } و { أخرى } توطئةً لما هو الحال حقيقة إذ المقصودُ بالذكر وصْفاهما كما في قولك : جاءني زيد رجلاً صالحاً .
{ يَرَوْنَهُمْ } أي يري الفئةُ الأخيرةُ الفئةُ الأولى ، وإيثارُ صيغة الجمعِ للدلالة على شمول الرؤيةِ لكل واحدٍ واحدٍ من آحاد الفئة ، والجملةُ في محل الرفع على أنها صفةٌ للفئة الأخيرة أو مستأنفة مبيّنةٌ لكيفية الآية { مّثْلَيْهِمْ } أي مثليْ عددِ الرائين ألفين إذا كانوا قريباً من ألف . كانوا تسعمائةٍ وخمسين مقاتلاً رأسَهم عُتْبةُ بنُ ربيعةَ بنِ عَبْد شَمْس وفيهم أبو سفيانَ وأبو جهلٍ وكان فيهم من الخيل والإبل مائةُ فرسٍ وسبعُمائة بعير ومن أصناف الأسلحة عددٌ لا يحصى ، عن محمد بن أبي الفرات عن سعد بن أوس أنه قال : أسرَ المشركون رجلاً من المسلمين فسألوه كم كنتم؟ قال : ثلثُمائةٍ وبضعةَ عشرَ قالوا : ما كنا نراكم إلا تُضعِفون علينا ، أو مثلي عددِ المرئيّين أي ستَّمائةٍ ونيفاً وعشرين حيث كانوا ثلثمائة وثلاثةَ عشرَ رجلاً سبعةٌ وسبعون رجلاً من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعين وكان صاحبَ رايةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه وصاحبَ راية الأنصار سعدُ بن عبادة الخزرجي وكان في العسكر تسعون بعيراً وفَرَسان أحدُهما للمِقداد بن عَمْرو والآخر لمَرْثَد بن أبي مَرْثَد وستُّ أدرع وثمانيةُ سيوف وجميع من استُشهد يومئذ من المسلمين أربعةَ عشرَ رجلاً ستةٌ من المهاجرين وثمانية من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أراهم الله عز وجل كذلك مع قِلتهم ليَهابوهم ويَجبُنوا عن قتالهم مدداً لهم منه سبحانه كما أمدهم بالملائكة عليهم السلام وكان ذلك عند التقاء الفئتين بعد أن قلَّلَهم في أعينهم عند ترائيهما ليجترئوا عليهم ولا يهرُبوا من أول الأمر حين ينجيهم الهرب ، وقيل : يري الفئةُ الأولى الفئةُ الأخيرةَ مثليْ أنفسِهم مع كونهم ثلاثةَ أمثالِهم ليثبُتوا ويطمئنوا بالنصر الموعود في قوله تعالى : { فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } والأول هو الأولى لأن رؤية المِثلين غيرُ متعيّنةٍ من جانب المؤمنين بل قد وقعت رؤيةُ المثل بل أقلَّ منه أيضاً فإنه روي أن ابن مسعود رضي الله عنه قال : نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يُضعِفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً ثم قلّلهم الله تعالى أيضاً في أعينهم حتى رأوهم عدداً يسيراً أقلَّ من أنفسهم .
قال ابن مسعود رضي الله عنه : لقد قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين؟ قال : أراهم مائة ، فأسرنا منهم رجلاً فقلنا : كم كنتم؟ قال : ألفاً ، فلو أريد رؤية المؤمنين المشركين أقلَّ من عددهم في نفس الأمر كما في سورة الأنفال لكانت رؤيتُهم إياهم أقلَّ من أنفسهم أحقَّ بالذكر في كونهم آيةً من رؤيتهم مِثلَيهم على أن إبانةَ آثارِ قُدرةِ الله تعالى وحكمتِه للكفرة بإراءتهم القليلَ كثيراً والضعيفَ قوياً وإلقاءِ الرعب في قلوبهم بسبب ذلك أدخلُ في كونها آيةً لهم وحجةً عليهم وأقربَ إلى اعتراف المخاطبين بذلك لكثرة مخالطتِهم الكفرةَ المشاهدين للحال وكذا تعلقُ الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول ، فجعلُ أقربِ المذكورَين السابقَين فاعلاً وأبعدِهما مفعولاً سواءٌ جعلُ الجملة صفةً أو مستأنفة أولى من العكس هذا ما تقضيه جزالةُ التنزيلِ على قراءة الجُمهور ، ولا ينبغي جعلُ الخطاب لمشركي مكة كما قيل أما إن جُعل الوعيد عبارةً عن هزيمة بدر كما صرحوا به فظاهرٌ لا خفاء فيه وأما إن جُعل عبارةً عن هزيمة أخرى فلأن الفئةَ التي شاهدت تلك الآيةَ الهائلة هم المخاطبون حينئذ بالتعبير عنهم بفئة مُبهمةٍ تارة وموصوفةٍ أخرى ثم إسنادُ المشاهدة إليها مع كون إسنادها إلى المخاطبين أوقعُ في إلزام الحجة وأدخلُ في التبكيت مما لا داعي إليه ، وبهذا يتبين سرُّ جعلِ الخطابِ الثاني للمؤمنين ، وأما قراءة ترونهم بتاء الخطاب فظاهرُها وإن اقتضى توجيهَ الخطابِ الثاني إلى المشركين لكنه ليس بنص في ذلك لأنه وإن اندفع به المحذورُ الأخيرُ فالأولُ باقٍ بحاله فلعل رؤية المشركين نزلت منزلةَ رؤيةِ اليهود لما بينهم من الاتحاد في الكفر والاتفاق في الكلمة لا سيما بعد ما وقع بينهم بواسطة كعب بن الأشرف من العهد والميثاق ، فأُسندت الرؤيةُ إليهم مبالغةً في البيان وتحقيقاً لعُروض مثلِ تلك الحالة لهم فتدبر .

(1/360)


وقيل : المرادُ جميعُ الكفرة ولا ريب في صحته وسَداده ، وقرىء يُرَونهم وتُرَونهم على البناء للمفعول من الإراءة أي يُريهم أو يريكم الله تعالى كذلك { رَأْىَ العين } مصدر مؤكدٌ ليَرَوْنهم إن كانت الرؤية بصريةً ، أو مصدر تشبيهيّ إن كانت قلبية أي رؤيةً ظاهرة مكشوفةً جارية مجرى رؤية العين { والله يُؤَيّدُ } أي يقوي { بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } أي يؤيده من غير توسيط الأسباب العادية كما أيد الفئةَ المقاتلة في سبيله بما ذكر من النصر وهو تمام القول المأمور به { إِنَّ فِى ذَلِكَ } إشارةٌ إلى ما ذكر من رؤية القليل كثيراً المستتبعةِ لغَلَبة القليل العديمِ العُدة على الكثير الشاكي السلاحِ ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببُعد منزلةِ المشار إليه في الفضل { لَعِبْرَةً } العبرة فِعلة من العبور كالرِّكبة من الركوب والجِلْسة من الجلوس والمرادُ بها الاتعاظ فإنه نوعٌ من العبور أي لعبرةً عظيمة كائنة { لاِوْلِى الابصار } لذوي العقولِ والبصائر وقيل : لمن أبصرهم ، وهو إما من تمام الكلام الداخلِ تحت القول مقرِّر لما قبله بطريق التذييل وإما واردٌ من جهته تعالى تصديقاً لمقالته عليه الصلاة والسلام .

(1/361)


زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)

{ زُيّنَ لِلنَّاسِ } كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان حقارةِ شأن الحظوظ الدنيوية بأصنافها وتزهيدٌ للناس فيها وتوجيهٌ لرغباتهم إلى ما عنده تعالى إثرَ بيانِ عدم نفعِها للكفرة الذين كانوا يتعزّزون بها والمرادُ بالناس الجنس { حُبُّ الشهوات } الشهوة نزوعُ النفس إلى ما تريده والمراد هاهنا المشتهَيات ، عبّر عنها بالشهوات مبالغةَ كونِها مشتهاةً مرغوباً فيها كأنها نفسُ الشهوات أو إيذاناً بانْهماكِهم في حبها بحيث أحبوا شهواتِها كما في قوله تعالى : { إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير } أو استرذالاً لها فإن الشهوة مسترذَلةٌ مذمومة من صفات البهائم ، والمزيِّنُ هو الباري سبحانه وتعالى إذ هو الخالقُ لجميع الأفعال والدواعي والحكمةُ في ذلك ابتلاؤهم ، قال تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الارض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ } الآية ، فإنها ذريعة لنيل سعادة الدارين عند كونِ تعاطيها على نهج الشريعةِ الشريفة ووسيلةً إلى بقاء النوع ، وإيثارُ صيغة المبني للمفعول للجري على سَنن الكبرياء ، وقرىء على البناء للفاعل وقيل : المزيِّنُ هو الشيطان لما أن مساقَ الآية الكريمة على ذمها . وفرّق الجبائيّ بين المباحات فأسند تزيينها إليه تعالى ، وبين المحرمات فنسب تزيينها إلى الشيطان { مِنَ النساء والبنين } في محل النصب على أنه حال من الشهوات وهي مفسِّرة لها في المعنى ، وقيل : { مِنْ } لبيان الجنس وتقديمُ النساء على البنين لعراقتهن في معنى الشهوة فإنهن حبائلُ الشيطان وعدم التعرض للبنات لعدم الاطّراد في حبهن { والقناطير المقنطرة } جمعُ قِنطار وهو المالُ الكثير ، وقيل : مائةُ ألفِ دينار وقيل : ملءُ مَسْكِ ثور ، وقيل : سبعون ألفاً وقيل : أربعون ألفَ مثقالٍ ، وقيل : ثمانون ألفاً وقيل : مائةُ رِطل وقيل : ألفٌ ومِائتَا مثقالٍ ، وقيل : ألفُ دينار وقيل : مائة قنطار ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم وقيل : ديةُ النفس واختلف في أن وزنه فعلال أو فنعال ، ولفظُ ( المقنطرة ) مأخوذ منه للتأكيد كقولهم : بَدْرةٌ مُبدَرة ، وقيل : المقنطرة المحْكمة المحْصنة ، وقيل : الكثيرة المُنضّدة بعضُها على بعض أو المدفونة المضروبة المنقوشة .
{ مِنَ الذهب والفضة } بيان للقناطير أو حال { والخيل } عطف على القناطير وقيل : هي جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط ، والواحد فرس وقيل : واحدُه خائل وهو مشتق من الخُيلاء { المسومة } أي المُعْلمة من السِمة وهي العلامة أو المرْعيّة من أسام الدابة وسوَّمها إذا أرسلها وسيَّبها للرعي أو المُطَهّمة التامةُ الخَلقْ { والانعام } أي الإبل والبقر والغنم { والحرث } أي الزرع مصدر بمعنى المفعول .
{ ذلك } أي ما ذكر من الأشياء المعهودة { مَّتَاعَ الحياة الدنيا } أي ما يُتمتّع به في الحياة الدنيا أياماً قلائلَ فتفنى سريعاً { والله عِندَهُ حُسْنُ المأب } حسنُ المرجِع ، وفيه دلالةٌ على أن ليس فيما عُدّد عاقبةٌ حميدة ، وفي تكرير الإسناد بجعل الجلالة مبتدأ وإسنادِ الجملة الظرفية إليه زيادةُ تأكيدٍ وتفخيم ومزيدُ اعتناء بالترغيب فيما عند الله عز وجل من النعيم المقيم ، والتزهيدُ في ملاذّ الدنيا وطيباتها الفانية .

(1/362)


قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)

{ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } إثرَ ما بيّن شأنَ مُزخْرَفات الدنيا وذكر ما عنده تعالى من حسن المآب إجمالاً أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتفصيل ذلك المُجمل للناس مبالغةً في الترغيب ، والخطابُ للجميع والهمزةُ للتقرير أي أأخبرُكم بما هو خير مما فُصّل من تلك المستلذات المزيّنة لكم؟ وإبهامُ الخبر لتفخيم شأنِه والتشويق إليه وقوله تعالى : { لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات } استئنافٌ مبين لذلك المبْهم على أن { جنات } مبتدأ والجارّ والمجرور خبر ، أو على أن جناتٌ مرتفعٌ به على الفاعلية عند من لا يشترط في ذلك اعتمادَ الجار على ما فصل في محله ، والمراد بالتقوى هو التبتُل إلى الله تعالى والإعراضُ عما سواه على ما تنبىء عنه النعوتُ الآتيةُ ، وتعليقُ حصولِ الجنات وما بعدها من فنون الخيراتِ به للترغيب في تحصيله والثباتِ عليه ، و { عِندَ } نُصب على الحالية من جنات ، أو متعلق بما تعلق به الجار والمجرور من معنى الاستقرار مفيد لكمال علو رتبة الجنات وسمو طبقتها ، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المتقين لإظهار مزيد اللطفِ بهم وقيل : اللامُ متعلقة بخير وكذا الظرفُ ، وجنات خبر لمبتدأ محذوف والجملة مبينة لخير ويؤيده قراءة جناتٍ بالجر على البدلية من خير ولا يخفى أن تعليق الإخبار والبيان بما هو خير لطائفة ربما يوهم أن هناك خيراً آخرَ لآخَرين { تَجْرِى } في محل الرفع والجر صفةٌ لجنات على حسب القراءتين { مِن تَحْتِهَا الانهار } متعلق بتجري فإن أريد بالجنات نفسُ الأشجار كما هو الظاهر فجريانُها من تحتها ظاهر وإن أريد بها مجموع الأرض والأشجار فهو باعتبار جزئها الظاهر كما مر تفصيلُه مراراً { خالدين فِيهَا } حال مقدرةٌ من المستكن في { لِلَّذِينَ } والعامل ما فيه من معنى الاستقرار { وأزواج مُّطَهَّرَةٌ } عطف على جنات أي مبرأة مما يستقذر من النساء من الأحوال البدنية والطبيعية { وَرِضْوَانٍ } التنوينُ للتفخيم وقوله تعالى : { مِنَ الله } متعلق بمحذوف وقع صفةً له مؤكدةٌ لما أفاده التنوين من الفخامة ، أيْ رضوانٌ وأيُّ رضوان ، لا يقادَر قدرُه كائنٌ من الله عز وجل وقرىء بضم الراء { والله بَصِيرٌ بالعباد } وبأعمالهم فيثيبُ ويعاقب حسبما يليق بها أو بصير بأحوال الذين اتقَوْا ولذلك أعد لهم ما ذكر ، وفيه إشعار بأنهم المستحقون بالتسمية باسم العبد .

(1/363)


الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)

{ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا } في محل الرفعِ على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ كأنه قيل : مَنْ أولئك المتقون الفائزون بهذه الكرامات السنية فقيل : هم الذين الخ أو النصبِ على المدح أو الجر على أنه تابعٌ للمتقين نعتاً أو بدلاً أو للعباد كذلك والأول أظهر ، وقوله تعالى : { والله بَصِيرٌ بالعباد } حينئذ معترضةٌ ، وتأكيد الجملة لإظهار أن إيمانهم ناشىء من وفور الرغبة وكمال النشاط ، وفي ترتيب الدعاء بقولهم { فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النار } على مجرد الإيمان دَلالةٌ على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار { الصابرين } هو على تقدير كونه الموصول في محل الرفع منصوبٌ على المدح بإضمار أعني وأما على تقدير كونه في محل النصب أو الجر فهو نعت له ، والمراد بالصبر هو الصبر على مشاقّ الطاعات وعلى البأساء والضراء وحين البأس { والصادقين } في أقوالهم ونياتهم وعزائمِهم { والقانتين } المداومين على الطاعات المواظبين على العبادات { والمنافقين } أموالَهم في سبيل الله تعالى { والمستغفرين بالاسحار } قال مجاهدٌ وقَتادةُ والكلبي : هم المصلون بالأسحار ، وعن زيد بن أسلَمَ : هم الذين يصلون الصبحَ في جماعة . وقال الحسن : مدُّوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا . وقال نافع : كان ابن عمرَ رضي الله عنه يحيي الليلة ثم يقول : يا نافع أسْحَرْنا؟ فأقول : لا فيعاود الصلاة فإذا قلت نعم قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح ، وعن الحسن : كانوا يصلون في أول الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار . وتخصيصُ الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقربُ إلى الإجابة إذِ العبادة حينئذ أسبقُ والنفسُ أصفى والروح أجمعُ لا سيما للمتهجّدين ، وتوسيط الواو بين الصفات المعدودة للدلالة على استقلال كلَ منها وكمالهم فيها ، أو لتغايُر الموصوفين بها .
{ شَهِدَ الله أَنَّهُ } بفتح الهمزة أي بأنه أو على أنه { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } أي بيّنَ وحدانيتَه بنصب الدلائل التكوينية في الآفاق والأنفس وإنزالِ الآيات التشريعية الناطقة بذلك . عبر عنه بالشهادة على طريقة الاستعارة إيذاناً بقوته في إثبات المطلوبِ وإشعاراً بإنكار المنكر ، وقرىء إنه بكسر الهمزة إما بإجراء . { شَهِدَ } مُجرى قال ، وإما بجعل الجملة اعتراضاً وإيقاعِ الفعل على قوله تعالى : { إِنَّ الدّينَ } الخ على قراءة أن بفتح الهمزة كما سيأتي وقرىء شهداءٌ لله بالنصب على أنه حال من المذكورين أو على المدح وبالرفع على أنه خبر مبتدإٍ محذوف ومآله الرفع على المدح أي هم شهداء لله وهو إما جمع شهيد كظرفاء في جمع ظريف أو جمع شاهد كشعراء في جمع شاعر .
{ والملئكة } عطف على الاسم الجليل بحمل الشهادة على معنىً مجازيّ شامل للإقرار والإيمان بطريق عموم المجاز أي أقروا بذلك { وَأُوْلُو * العلم } أي آمنوا به واحتجوا عليه بما ذكر من الأدلة التكوينية والتشريعية ، قيل : المرادُ بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل : المهاجرون والأنصار وقيل : علماء مؤمني أهلِ الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابِه وقيل : جميعُ علماء المؤمنين الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة ، وارتفاعُهما على القراءتين الأخيرتين قيل : بالعطف على الضمير في شهداء لوقوع الفصل بينهما وأنت خبير بأن ذلك على قراءة النصبِ على الحالية يؤدي إلى تقييد حالِ المذكورين بشهادة الملائكة وأولي العلم ، وليس فيه كثيرُ فائدةٍ فالوجه حينئذٍ كونُ ارتفاعِهما بالابتداء والخبرُ محذوفٌ لدلالة الكلام عليه أي والملائكة وأولو العلم شهداء ولك أن تحمل القراءتين على المدح نصباً ورفعاً فحينئذ يحسُن العطفُ على المستتر على كل حال وقوله تعالى : { قَائِمَاً بالقسط } أي مقيماً للعدل في جميع أمورِه بيان لكماله تعالى في أفعاله إثرَ بيانِ كماله في ذاته وانتصابُه على الحالية من { الله } كما في قوله تعالى :

(1/364)


{ وَهُوَ الحق مُصَدّقًا } وإنما جاز إفرادُه مع عدم جواز جاء زيد وعمرو راكباً لعدم اللَّبس كقوله تعالى : { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } ولعل تأخيرَه عن المعطوفين للدَلالة على علو رتبتهما وقُرب منزلتهما والمسارعةِ إلى إقامة شهودِ التوحيد اعتناءً بشأنه ورفعاً لمحله ، والسرُّ في تقديمه على المعطوفين مع ما فيه من الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به كما مر في قوله تعالى : { الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون } أو مِنْ { هُوَ } وهو الأوجه ، والعامل فيها معنى الجملة أي تفرّد ، أو أُحِقّه لأنها حال مؤكدة أو على المدح وقبل على أنه صفة للمنفي أي لا إله قائماً الخ والفصل بينهما من قبيل توسعاتهم وهو مندرج في المشهود به إذا جعل صفة أو حالاً من الضمير أو نصباً على المدح منه وقرىء القائمُ بالقسط على البدلية من { هُوَ } فيلزم الفصلُ بينهما كما في الصفة أو على أنه خبر لمبتدإ محذوف وقرىء قيّماً بالقسط .
{ لا إله إِلاَّ هُوَ } تكريرٌ للتأكيد ومزيدِ الاعتناء بمعرفة أدلةِ التوحيد والحُكم به بعد إقامة الحجةِ وليجرِيَ عليه قوله تعالى : { العزيز الحكيم } فيُعلمَ أنه المنعوتُ بهما ، ووجهُ الترتيب إذن تقدمُ العلمِ بقدرته على العلم بحكمته تعالى ورفعُهما على البدلية من الضمير أو الوصفية لفاعل شهد ، أو الخبرية لمبتدأ مُضمَر وقد روي في فضلها أنه عليه السلام قال : " يُجاء بصاحبها يومَ القيامة فيقول الله عز وجل : إن لعبدي هذا عندي عهداً ، وأنا أحقُّ من وفى بالعهد ، أدخلوا عبدي الجنة " وهو دليل على فضل علم أصولِ الدين وشرفِ أهله ، وروي عن سعيد بن جبير أنه كان حول البيت ثلثُمائة وستون صنماً فلما نزلت هذه الآية الكريمة خرَرْنَ سُجّداً . وقيل : نزلت في نصارى نَجرانَ . وقال الكلبي : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم حَبرانِ من أحبار الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدُهما : ما أشبه هذه المدينةَ بصفة مدينة النبي الذي يخرُج في آخر الزمان فلما دخلا عليه عليه السلام عرفاه بصفته فقالا له عليه السلام : أنت محمدٌ؟ قال صلى الله عليه وسلم : «نعم» قالا : وأنت أحمدُ؟ قال عليه السلام : " أنا محمدٌ وأحمد " قالا : فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك قال عليه السلام : «سلا» فقال : أخبِرْنا عن أعظم شهادةٍ في كتاب الله عز وجل فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة فأسلم الرجلان .

(1/365)


إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)

{ إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام } جملةٌ مستأنفة مؤكدةٌ للأولى أي لا دينَ مرضياً لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيدُ والتدرُّع بالشريعة الشريفة ، وعن قتادة أنه شهادةُ { أَن لاَّ إله إِلاَّ الله } والإقرارُ بما جاء من عند الله تعالى وقرىء إن الدين عند الله الإسلام وقرىء أن الدين الخ على أنه بدلُ الكل إن فُسر الإسلامُ بالإيمان أو بما يتضمنه وبدلُ الاشتمال إن فسر بالشريعة أو على أن شهد واقعٌ عليه تقديرُ قراءةِ إنه بالكسر كما أشير إليه { وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب } نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلامَ الذي جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأنكروا نبوّته ، والتعبيرُ عنهم بالموصول وجعْلُ إيتاءِ الكتاب صلةً لزيادة تقبيحِ حالهم فإن الاختلاف ممن أوتي ما يزيلُه ويقطع شأفته في غاية القُبح والسماجة وقوله تعالى : { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم } استثناءٌ مفرَّغ من أعم الأحوال أو أعم الأوقات أي وما اختلفوا في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا بأنه الحقُّ الذي لا محيدَ عنه أو بعد أن علموا حقيقةَ الأمرِ وتمكّنوا من العلم بها بالحُجج النيّرة والآيات الباهرةِ وفيه من الدِلالة على ترامي حالِهم في الضلالة ما لا يزيد عليه فإن الاختلافَ بعد حصول تلك المرتبةِ مما لا يصدر عن العاقل وقوله تعالى : { بَغْياً بَيْنَهُمْ } أي حسداً كائناً بينهم وطلباً للرياسة لا لشبهة وخفاءٍ في الأمر ، تشنيعٌ إثرَ تشنيعٍ .
{ وَمَن يَكْفُرْ بآيات الله } أي بآياته الناطقةِ بما ذكر من أن الدينَ عند الله تعالى هو الإسلامُ ولم يعمَلْ بمقتضاها أو بأية آيةٍ كانت من آياته تعالى على أن يدخل فيها ما نحن فيه دخولاً أولياً { فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } قائمٌ مقامَ جوابِ الشرطِ علةٌ له أي ومن يكفرْ بآياته فإنه يجازيه ويعاقبه عن قريب فإنه سريعُ الحساب أي يأتي حسابُه عن قريب أو يتم ذلك بسرعة ، وإظهارُ الجلالة لتربية المهابة وإدخالِ الروعة ، وفي ترتيب العقاب على مطلق الكفرِ بآياته تعالى من غير تعرضٍ لخصوصية حالِهم من كون كفرِهم بعد إيتاء الكتاب وحصولِ الاطلاع على ما فيه وكونِ ذلك للبغي دلالةٌ على كمال شدة عقابهم { فَإنْ حَاجُّوكَ } أي في كون الدين عند الله الإسلامَ أو جادلوك فيه بعد ما أقمت عليهم الحجج { فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ } أي أخلصتُ نفسي وقلبي وجملتي ، وإنما عبر عنها بالوجه لأنه أشرفُ الأعضاء الظاهرة ومظهرُ القُوى والمشاعر ومجمعُ معظم ما تقع به العبادةُ من السجودِ والقراءة وبه يحصل التوجُّه إلى كل شيء { لِلَّهِ } لا أشرك به فيها غيرَه وهو الدينُ القويم الذي قامت عليه الحججُ ودعت إليه الآياتُ والرسلُ عليهم السلام { وَمَنِ اتبعن } عطفٌ على المتصل في أسلمتُ وحسُن ذلك لمكان الفصل الجاري مجرى التأكيد بالمنفصل أي وأسلم من اتبعني أو مفعول معه { وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب } أي من اليهود والنصارى ، وُضِع الموصولُ موضعَ الضمير لرعاية التقابل بين وصفي المتعاطِفَيْن { والاميين } أي الذين لا كتابَ لهم من مشركي العرب { ءأَسْلَمْتُمْ } متّبعين لي كما فعل المؤمنون فإنه قد أتاكم من البينات ما يوجبه ويقتضيه لا محالة فهل أسلمتم وعمِلتم بمقتضاها ، أو أنتم على كفركم بعدُ؟ كما يقول من لخّص لصاحبه المسألة ولم يدَعْ من طرق التوضيح والبيان مسلكاً إلا سلكه فهل فهِمتها؟ على منهاج قوله تعالى :

(1/366)


{ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } إثرَ تفصيلِ الصوارفِ عن تعاطي الخمر والميسِر وفيه من استقصارهم وتعبيرِهم بالمعاندة وقلةِ الإنصافِ وتوبيخِهم بالبلادة وكلّة القريحةِ ما لا يخفى .
{ فَإِنْ أَسْلَمُواْ } أي كما أسلمتم وإنما لم يصرّح به كما في قوله تعالى : { فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ } حسماً لباب إطلاق اسم الإسلام على شيء آخر بالكلية { فَقَدِ اهتدوا } أي فازوا بالحظ الأوفر ونجَوْا عن مهاوي الضلال { وَإِن تَوَلَّوْاْ } أي أعرضوا عن الاتباع وقَبول الإسلام { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ } قائم مقامَ الجواب أي لم يضرّوك شيئاً إذْ ما علي إلا البلاغُ وقد فعلت على أبلغِ وجه ، رُوي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآيةَ على أهل الكتاب قالوا : أسلمنا ، فقال عليه السلام لليهود : « أتشهدون أن عيسى كلمةُ الله وعبدُه ورسولُه؟ » فقالوا : معاذ الله ، قال عليه الصلاة والسلام للنصارى : « أتشهدون أن عيسى عبدُ الله ورسولُه؟ » فقالوا : معاذ الله أن يكون عيسى عبداً وذلك قولُه عز وجل : { وَإِن تَوَلَّوْاْ } { والله بَصِيرٌ بالعباد } عالم بجميع أحوالهم وهو تذييل فيه وعد ووعيد .

(1/367)


إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21)

إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله } أيَّ آيةٍ كانت فيدخُل فيهم الكافرون بالآيات الناطقةِ بحقية الإسلام على الوجه الذي مر تفصيلُه دخولاً أولياً { وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ } هم أهلُ الكتاب قتل أوّلوهم الأنبياءَ عليهم السلام وقتلوا أتباعَهم وهم راضون بما فعلوا وكانوا قاتلهم الله تعالى حائمين حول قتلِ النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن عصَم الله تعالى ساحتَه المنيعة ، وقد أُشير إليه بصيغة الاستقبال ، وقرىء بالتشديد للتكثير ، والتقييدُ بغير حق للإيذان بأنه كان عندهم أيضاً بغير حق { وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس } أي بالعدل ، ولعل تكريرَ الفعل للإشعار بما بين القتلين من التفاوت أو باختلافهما في الوقت ، عن أبي عبيدة بن الجراح قلتُ : يا رسول الله أيُّ الناسِ أشدُّ عذاباً يوم القيامة؟ قال : « رجل قتل نبياً ، أو رجلاً أمر بمعروف ونهي عن منكر » ثم قرأها ثم قال : « يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيلَ ثلاثةً وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائةٌ واثنا عشرَ رجلاً من عبّاد بني إسرائيل فأمروا قَتلَتهم بالمعروف ونهَوْهم عن المنكر فقُتلوا جميعاً من آخر النهار » وقرىء ويقاتلون الذين { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } خبر إن والفاء لتضمن اسمها معنى الشرط فإنها بالنسخ لا تغير معنى الابتداء بل تزيده تأكيداً وكذا الحال في النسخ بأن المفتوحة كما في قوله تعالى : { واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } وكذا النسخ بلكن كما في قوله :
فوالله ما فارقتُكم عن ملالة ... ولكنّ ما يقضى فسوف يكون
وإنما يتغير معنى الابتداء في النسخ بليت ولعل وقد ذهب سيبويه والأخفش إلى منع دخول الفاء عند النسخ مطلقاً فالخبر عندهما .

(1/368)


أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)

قوله تعالى : { أُولَئِكَ الذين حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والاخرة } كما في قولك : الشيطانُ فاحذر عدوٌ مبين وعلى الأول هو استئناف واسم الإشارة مبتدأ وما فيه من معنى البعد للدِلالة على ترامي أمرهم في الضلال وبُعد منزلتهم في فظاعة الحال ، والموصولُ بما في حيز صلته خبرُه أي أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة أو المبتلون بأسوأ الحال الذين بطلت أعمالُهم التي عمِلوها من البر والحسنات ولم يبق لها أثر في الدارين بل بقي لهم اللعنة والخزيُ في الدنيا وعذاب أليم في الآخرة { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } ينصرونهم من بأس الله وعذابِه في إحدى الدارين ، وصيغةُ الجميع لرعاية ما وقع في مقابلته لا لنفي تعددِ الأنصار من كل واحد منهم كما في قوله تعالى : { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } .
{ أَلَمْ تَرَ } تعجيبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه الرؤيةُ من حال أهل الكتاب وسوءِ صنيعِهم ، وتقرير لما سبق من أن اختلافهم في الإسلام إنما كان بعد ما جاءهم العلم بحقّيته أي ألم تنظرُ { إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } أي التوراةِ على أن اللامَ للعَهدْ وحملُه على جنس الكتبِ الإلهية تطويلٌ للمسافة إذ تمامُ التقريب حينئذ بكون التوراة من جملتها لأن مدار التشنيع والتعجيب إنما هو إعراضُهم عن المحاكمة إلى ما دُعوا إليه وهم لم يُدْعَوا إلا إلى التوراة ، والمرادُ بما أوتوه منها ما بُيِّن لهم فيها من العلوم والأحكام التي من جملتها ما علِموه من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وحقّية الإسلام ، والتعبيرُ عنه بالنصيب للإشعار بكمال اختصاصِه بهم وكونِه حقاً من حقوقهم التي يجبُ مراعاتُها والعملُ بموجبها وما فيه من التنكير للتفخيم ، وحملُه على التحقير لا يساعده مقامُ المبالغة في تقبيح حالِهم { يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله } الذي أوتوا نصيباً منه وهو التوراة ، والإظهارُ في مقام الإضمار لإيجاب الإجابة ، وإضافتُه إلى الاسم الجليلِ لتشريفه وتأكيدِ وجوب المراجعةِ إليه ، والجملةُ استئنافٌ مبيِّنٌ لمحل التعجيب مبنيّ على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل : ماذا يصنعون حتى ينظُرَ إليهم؟ فقيل : يُدعون إلى كتاب الله تعالى ، وقيل : حال من الموصول { لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مِدراسَهم فدعاهم إلى الإيمان فقال له نعيمُ بن عمرو ، والحارث بن زيد : على أيّ دين أنت؟ قال عليه الصلاة والسلام : « على ملة إبراهيم » قالا : إن إبراهيمَ كان يهودياً فقال صلى الله عليه وسلم لهما : « إن بيننا وبينكم التوراةَ فهلُمّوا إليها » فأبيا . وقيل : نزلت في الرجم وقد اختلفوا فيه وقيل : { كتاب الله } القرآنُ فإنهم قد علموا أنه كتابُ الله ولم يشكوا فيه ، وقرىء ليُحكَم على بناء المجهول فيكون الاختلافُ بينهم بأن أسلم بعضُهم كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه وعاداهم الآخرون { ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ } استبعاد لتولّيهم بعد علمِهم بوجوب الرجوع إليه { وَهُم مُّعْرِضُونَ } إما حال من { فَرِيقٌ } لتخصصه بالصفة أي يتولون من المجلس وهم معرضون بقلوبهم ، أو اعتراضٌ أي وهم قوم ديدنُهم الإعراضُ عن الحق والإصرارُ على الباطل .

(1/369)


ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)

{ ذلك } إشارة إلى ما مر من التولي والإعراض ، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى : { بِأَنَّهُمْ } أي حاصل بسبب أنهم { قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار } باقتراف الذنوب وركوب المعاصي { إِلا أَيَّامًا معدودات } وهي مقدارُ عبادتهم العجلَ ، ورسَخ اعتقادُهم على ذلك وهوّنوا على أنفسهم الخطوب { وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من قولهم ذلك وما أشبهه من قولهم : إن آباءنا الأنبياءَ يشفعون لنا أو إن الله تعالى وعد يعقوبَ عليه السلام ألا يعذبَ أولادَه إلا تحِلّةَ القَسَم ولذلك ارتكبوا ما ارتكبوا من القبائح { فَكَيْفَ } ردٌّ لقولهم المذكور وإبطالٌ لما عراهم باستعظام ما سيدهَمُهم وتهويلِ ما سيحيق بهم من الأهوال أي فكيف يكون حالُهم؟ { إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ } أي لجزاءِ يوم { لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي في وقوعه ووقوعِ ما فيه ، روي أن أولَ رايةٍ ترفع يوم القيامة من رايات الكفر رايةُ اليهود فيفضَحُهم الله عز وجل على رؤوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار { وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي جزاءَ ما كسبت من غير نقص أصلاً كما يزعُمون ، وإنما وُضِع المكسوبُ موضعَ جزائه للإيذان بكمال الاتصالِ والتلازم بينهما كأنهما شيء واحد ، وفيه دَلالة على أن العبادة لا تَحْبَط وأن المؤمن لا يخلّد في النار لأن توْفيةَ جزاءِ إيمانِه وعملِه لا تكون في النار ولا قبل دخولها فإذن هي بعد الخلاصِ منها { وَهُمْ } أي كلُّ الناس المدلولِ عليهم بكل نفس { لاَ يُظْلَمُونَ } بزيادة عذابٍ أو بنقص ثواب بل يصيب كلاً منهم مقدارُ ما كسبه { قُلِ اللهم } الميم عوضٌ عن حرف النداء ولذلك لا يجتمعان وهذا من خصائص الاسمِ الجليل كدخوله عليه مع حرف التعريفِ وقطعِ همزتِه ودخولِ تاء القسمِ عليه وقيل : أصلُه يا ألله أُمَّنا بخير أي اقصدنا به فخُفف بحذف حرف النداء ومتعلقاتِ الفعل وهمزته { مالك الملك } أي مالك جنسِ المُلك على الإطلاق مُلكاً حقيقياً بحيث تتصرف فيه كيفما تشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة وتعذيباً وإثابةً من غير مشارِك ولا ممانعٍ وهو نداءٌ ثانٍ عند سيبويه فإن الميم عنده تمنع الوصفية { تُؤْتِى الملك } بيان ق لبعض وجوه التصرفِ الذي تستدعيه مالكيةُ الملك وتحقيقٌ لاختصاصها به تعالى حقيقةً وكونِ مُلك غيرِه بطريق المجاز كما يُنبىءُ عنه إيثارُ الإيتاءِ الذي هو مجردُ الإعطاء على التمليك المؤْذِن بثبوت المالكيةِ حقيقةً { مَن تَشَاء } أي إيتاءه إياه { وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء } أي نزْعَه منه ، فالملكُ الأولُ حقيقي عام ومملوكيتُه حقيقية والآخرانِ مجازيان خاصان ونِسبتُهما إلى صاحبهما مجازية ، وقيل : الملكُ الأول عام والآخرانِ بعضانِ منه فتأمل . وقيل : المراد بالملك النبوة ونزعُها نقلُها من قوم إلى آخرين { وَتُعِزُّ مَن تَشَاء } أن تُعِزَّه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما بالنصر والتوفيق { وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } أن تُذِله في إحداهما أو فيهما من غير ممانعةٍ من الغير ولا مدافعة { بِيَدِكَ الخير } تعريفُ الخير للتعميم ، وتقديمُ الخبر للتخصيص أي بقدرتك الخيرُ كلُّه لا بقدرة أحدٍ غيرِك تتصرف فيه قبضاً وبسطاً حسبما تقتضيه مشيئتُك ، وتخصيصُ الخير بالذكر لما أنه مقضيٌّ بالذات وأما الشرُّ فمقضيٌّ بالعَرَض إذ ما من شر جزئي إلا وهو متضمِّنٌ لخير كلي أو لأن في حصول الشر دخْلاً لصاحبه في الجملة لأنه من أجزية أعماله ، وأما الخير ففضلٌ محضٌ أو لرعاية الأدب أو لأن الكلام فيه فإنه رُوي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرةٍ من أهل المدينة أربعين ذِراعاً وأخذوا يحفِرونه خرج من بطن الخندق صخرةٌ كالتل لم تعمَلْ فيها المعاوِلُ فوجهوا سلمانَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخبره فجاء عليه السلام وأخذ منه المِعْول فضربها ضربة صدعَتْها وبرَقَ منها برقٌ أضاء ما بين لابتيها لكأن مِصباحاً في جوف بيت مظلم فكبر وكبر معه المسلمون وقال :

(1/370)


« أضاءت لي منها قصورُ الحِيرة كأنها أنياب الكلاب » ثم ضرب الثانية فقال : « أضاءت لي منها القصورُ الحُمْرُ من أرض الروم » ثم ضرب الثالثة فقال : « أضاءت لي قصورُ صنعاء وأخبرني جبريلُ أن أمتي ظاهرةٌ على كلها فأبشروا » فقال المنافقون : ألا تعجبون؟ يُمنّيكم ويعِدُكم الباطلَ ويخبركم أنه يُبصر من يثربَ قصورَ الحِيرة ومدائن كسرى وأنها تُفتح لكم وأنتم إنما تحفِرون الخندقَ من الفرَق لا تستطيعون أن تبرُزوا فنزلت { إِنَّكَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } تعليل لما سبق وتحقيقٌ له .

(1/371)


تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)

{ تُولِجُ اليل فِى النهار } أي تُدخِله فيه بتعقيبه إياه أو بنقص الأول وزيادةِ الثاني { وَتُولِجُ النهار فِى اليل } على أحد الوجهين { وَتُخْرِجُ الحى مِنَ الميت } أي تنشىء الحيواناتِ من موادها أو من النطفة ، وقيل : تخرِجُ المؤمنَ من الكافر { وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } أي تخرج النطفة من الحيوان وقيل : تخرج الكافر من المؤمن { وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } قال أبو العباس المَقَّرِي : ورد لفظُ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجهٍ بمعنى التعب قال تعالى : { وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } وبمعنى العدد قال تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } وبمعنى المطالبة قال تعالى : { فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } والباء متعلقة بمحذوف وقع حالاً من فاعل ترزق أو من مفعوله وفيه دَلالةٌ على أن من قدَر على أمثال هاتيك الأفاعيلِ العظامِ المحيِّرة للعقول والأفهام فقُدرته على أن ينزعَ الملكَ من العجم ويُذِلهم ويُؤتيَه العربَ ويُعِزَّهم أهونُ من كل هيّن . عن علي رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن فاتحة الكتاب وآيةَ الكرسيِّ وآيتين من آل عمران شهد الله أنه { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } إلى قوله تعالى : { إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام } و { قُلِ اللهم مالك الملك } إلى قوله : { بِغَيْرِ حِسَابٍ } معلقاتٌ ما بينهن وبين الله تعالى حجابٌ » ، قلن : يا رب تُهبِطُنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ قال الله تعالى : « إني حلفت أنه لا يقرؤكُنّ أحدٌ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ إلا جعلتُ الجنّةَ مثواه على ما كان منه وأسكنتُه في حظيرة القدس ، ونظرت بعيني كل يوم سبعين مرةً وقضيتُ له سبعين حاجة أدناها المغفرة ، وأعذتُه من كل عدو وحاسدٍ ، ونصرتُه عليهم » وفي بعض الكتب : « أنا الله ملكُ الملوك ، قلوبُ الملوكِ ونواصِيهم بيدي فإنِ العبادُ أطاعوني جعلتهم لهم رحمة وإنِ العبادُ عصَوْني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسبِّ الملوك ولكن توبوا إليَّ أُعطِّفْهم عليكم » وهو معنى قوله عليه السلام : « كَما تَكُونُوا يُولَّ عَلَيْكُم »

(1/372)


لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)

{ لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء } نُهوا عن موالاتهم لقرابة أو صداقة جاهلية ونحوِهما من أسباب المصادقة والمعاشرة كما في قوله سبحانه : { الحكيم ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } وقولِه تعالى : { لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء } حتى لا يكونَ حبهم ولا بغضهم إلا لله ، أو عن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية { مِن دُونِ المؤمنين } في موضع الحال أي متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالاً أو اشتراكاً وفيه إشارة إلى أنهم الأحقاءُ بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحةً عن موالاة الكفرة { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } أي اتخاذَهم أولياءَ ، والتعبيرُ عنه بالفعل للاختصار أو لإيهام الاستهجان بذكره { فَلَيْسَ مِنَ الله } أي من ولايته تعالى { فِي شَىْء } يصِح أن يُطلق عليه اسمُ الولاية فإن موالاة المتعاديَيْن مما لا يكاد يدخُل تحت الوقوع قال :
تودُّ عدوِّي ثم تزعُم أنني ... صديقُك ليس النَّوْكُ عنك بعازبِ
والجملة اعتراضية . قوله تعالى : { إِلا أَن تَتَّقُواْ } على صيغة الخطابِ بطريق الالتفاتِ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال ، والعامل فعل النهي معتبَراً فيه الخطابُ كأنه قيل : لا تتخذوهم أولياءَ ظاهراً أو باطناً في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم { مِنْهُمْ } أي من جهتهم { تقاة } أي اتقاءً أو شيئاً يجب اتقاؤه على أن المصدر واقعٌ موقعَ المفعول فإنه يجوز إظهارُ الموالاة حينئذ مع اطمئنان النفس بالعداوة والبغضاء وانتظار زوالِ المانع من قَشْر العصا وإظهار ما في الضمير كما قال عيسى عليه السلام : كن وسَطاً وامشِ جانباً . وأصلُ ( تقاة ) وُقْيَةً ثم أبدلت الواو تاءً كتُخمة وتُهمة وقلبت الياء ألفاً وقرىء تُقْيةً { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } أي ذاتَه المقدسة فإن جواز إطلاقِ لفظِ النفسِ مراداً به الذاتُ عليه سبحانه بلا مشاكلة مما لا كلام فيه عند المتقدمين ، وقد صرح بعضُ محققي المتأخرين بعدم الجواز وإن أريد به الذات بلا مشاكلة ، وفيه من التهديد ما لا يخفى عُظْمُه ، وذكرُ النفس للإيذان بأن له عقاباً هائلاً لا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة { وإلى الله المصير } تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه حتماً { قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ } من الضمائر التي من جملتها ولايةُ الكفرةِ { أَوْ تُبْدُوهُ } فيما بينكم { يَعْلَمْهُ الله } فيؤاخذْكم بذلك عند مصيرِكم إليه ، وتقديمُ الإخفاء على الإبداء قد مر سره في تفسير قوله تعالى : { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } وقوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } { وَيَعْلَمُ مَا فِى * السموات وَمَا فِي الارض } كلامٌ مستأنف غيرُ معطوف على جواب الشرط وهو من باب إيرادِ العام بعد الخاص تأكيداً له وتقريراً { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدِرُ على عقوبتكم بما لا مزيدَ عليه إن لم تنتهوا عما نُهيتم عنه ، وإظهارُ الاسم الجليل في موضع الإضمارِ لتربية المهابة وتهويلِ الخطب وهو تذييلٌ لما قبله مبين لقوله تعالى : { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } بأن ذاته المقدسةَ المتميزةَ عن سائر الذوات المتصفةَ بما لا يتصف به شيء منها من العلم الذاتي المتعلقِ بجميع المعلومات متصفةٌ بالقدرة الذاتية الشاملةِ لجميع المقدورات بحيث لا يخرُج من ملكوته شيءٌ قطُّ .

(1/373)


يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)

{ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ } أي من النفوس المكلفة { مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا } عندها بأمر الله تعالى وفيه من التهويل ما ليس في حاضراً { وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء } عطف على { مَّا عَمِلَتْ } والإحضار معتبرٌ فيه أيضاً إلا أنه خُص بالذكر في الخير للإشعار بكون الخير مراداً بالذات وكونِ إحضارِ الشر من مقتضيات الحكمة التشريعية { تَوَدُّ } عامل في الظرف والمعنى تود وتتمنى يوم تجد صحائفَ أعمالها من الخير والشر أن أجزِيتَها محْضَرة { لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ } أي بين ذلك اليوم { أَمَدَا بَعِيدًا } لشدة هوله وفي إسناد الود إلى كل نفس سواءٌ كان لها عملٌ سيء أو لا بل كانت متمحِّضةً في الخير من الدلالة على كمال فظاعةِ ذلك اليوم وهول مطلعِه ما لا يخفى ، اللهم إنا نعوذ بك من ذلك ويجوز أن يكون انتصابُ يومَ على المفعولية بإضمار اذكروا وتودّ إما حال من كل نفس أو استئنافٌ مبني على السؤال أي اذكروا يوم تجد كل نفس ما عملت من خير وشر محضراً وادّةً أن بينها وبينه أمداً بعيداً أو كأن سائلاً قال حين أمروا بذكر ذلك اليوم : فماذا يكون إذ ذاك؟ قيل : تود لو أن بينها الخ أو { تَجِدُ } مقصورٌ على ما عملت من خير ، وتود خبرُ ما عملت من سوء ولا تكون ما شرطية لارتفاع تود وقرىء ودّت فحينئذ يجوز كونُها شرطيةً لكن الحمل على الخبر أوقعُ معنىً لأنها حكايةُ حالً ماضية وأوفقُ للقراءة المشهورة { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } تكرير لما سبق وإعادة له لكن لا للتأكيد فقط بل لإفادة ما يفيده قوله عز وجل : { والله * رَءوفٌ بالعباد } من أن تحذيرَه تعالى من رأفته بهم ورحمتِه الواسعةِ أو أن رأفته بهم لا تمنعُ تحقيقَ ما حذّرهُموه من عقابه وأن تحذيرَه ليس مبنياً على تناسي صفةِ الرأفة بل هو متحققٌ مع تحققها أيضاً كما في قوله تعالى : { ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم } فالجملة على الأول اعتراضٌ ، وعلى الثاني حال وتكرير الاسم الجليل لتربية المهابة { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى } المحبة ميلُ النفس إلى الشيء لكمالٍ أدركتْه فيه بحيث يحمِلها على ما يقرّبها إليه ، والعبدُ إذا علم أن الكمالَ الحقيقيَّ ليس إلا الله عز وجل وأن كلَّ ما يراه كمالاً من نفسه أو من غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبُّه إلا لله وفي الله ، وذلك مقتضى إرادةِ طاعته والرغبةِ فيما يقرّبه إليه ، فلذلك فُسِّرت المحبةُ بإرادة الطاعة وجُعلت مستلزِمةً لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في عبادته والحرصِ على مطاوعته { يُحْبِبْكُمُ الله } أي يرضَ عنكم { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } أي يكشفِ الحجبَ عن قلوبكم بالتجاوز عما فرَطَ منكم فيقرّبكم من جناب عزِّه ويبوِّئُكم في جوار قدْسِه ، عبّر عنه بالمحبة بطريق الاستعارة أو المشاكلة { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي لمن يتحبّب إليه بطاعته ويتقرّب إليه باتباع نبيِّه عليه الصلاة والسلام فهو تذييلٌ مقررٌ لما قبله مع زيادة وعد الرحمةِ ، ووضعُ الاسمِ الجليل موضع الضمير للإشعار باستتباع وصفِ الألوهية للمغفرة والرحمة ، روي أنها نزلت لما قالت اليهودُ : نحن أبناءُ الله وأحباؤه ، وقيل : نزلت في وفد نجرانَ لما قالوا : إنا نعبدُ المسيحَ حباً لله تعالى ، وقيل : في أقوام زعَموا على عهده عليه الصلاة والسلام أنهم يُحبون الله تعالى فأُمروا أن يجعلوا لقولهم مِصداقاً من العمل .

(1/374)