صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)
حافظوا عَلَى الصلوات } أي داوموا على أدائها لأوقاتها من غير إخلالٍ بشيء منها كما تنبىء عنه صيغةُ المفاعلة المفيدة للمبالغة ، ولعل الأمرَ بها في تضاعيف بيان أحكامِ الأزواج والأولاد قبل الإتمام للإيذان بأنها حقيقةٌ بكمال الاعتناءِ بشأنها والمثابرة عليها من غير اشتغالٍ بشأنهم وبشأن أنفسهم أيضاً كما يفصح عنه الأمر بها في حالة الخوف ولذلك أمر بها في خلال بيان ما يتعلق بهم من الأحكام الشرعية المتشابكةِ الآخذِ بعضُها بحُجْزَة بعض { حافظوا عَلَى } أي المتوسطة بينها أو الفُضلى منها وهي صلاةُ العصر لقوله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : « شغَلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر ملأ الله تعالى بيوتَهم ناراً » وقال عليه السلام : « إنها الصلاةُ التي شُغل عنها سليمانُ بنُ داود عليهما الصلاة والسلام » وفضلُها لكثرة اشتغال الناسِ في وقتها بتجارتهم ومكاسبهم واجتماعِ ملائكة الليل وملائكة النهار حينئذ ، وقيل : هي صلاةُ الظهر لأنها في وسط النهار وكانت أشقَّ الصلواتِ عليهم لما أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يصليها بالهاجرة فكانت أفضلَها لقوله عليه السلام : « أفضلُ العبادات أحمزُها » وقيل : هي صلاة الفجر لأنها بين صلاتي الليل والواقعةُ في الحد المشترك بينهما ولأنها مشهودةٌ كصلاة العصر وقيل : هي صلاةُ المغرب لأنها متوسطة من حيث العددُ ومن حيث الوقوعُ بين صلاتي النهار والليل ووتر النهار ولا تُنقص في السفر وقيل : هي صلاة العِشاء لأنها بين الجهريتين الواقعتين في طرفي الليل والنهار وعن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أنه عليه السلام كان يقرأ والصلاة الوسطى وصلاة العصر فتكون حينئذ إحدى الأربعِ قد خُصت بالذكر مع العصر لانفرادها بالفضل وقرىء وعلى الصلاة الوسطى وقرىء بالنصب على المدح ، وقرىء الوسطى { وَقُومُواْ لِلَّهِ } أي في الصلاة { قانتين } ذاكرين له تعالى في القيام لأن القنوتَ هو الذكر فيه وقيل : هو إكمالُ الطاعة وإتمامُها بغير إخلال بشيء من أركانها وقيل : خاشعين ، وقال ابن المسيِّب : المراد به القنوتُ في الصبح . (1/296)
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)
{ فَإِنْ خِفْتُمْ } أي من عدو أو غيرِه { فَرِجَالاً } جمع راجل كقيام وقائم أو رجل بمعنى راجل وقرىء بضم الراء مع التخفيف وبضمها مع التشديد أيضاً وقرىء فرَجِلاً أي راجلاً { أَوْ رُكْبَانًا } جمع راكب أي فصلوا راجلين أو راكبين حسبما يقتضيه الحالُ ولا تُخِلّوا بها ما أمكن الوقوفُ في الجملة وقد جوّز الشافعيُّ رحمه الله أداءها حال المسايفة أيضاً { فَإِذَا أَمِنتُمْ } بزوال الخوف { فاذكروا الله } أي فصلّوا صلاةَ الأمن وعبر عنها بالذكر لأنه معظمُ أركانِها { كَمَا عَلَّمَكُم } متعلق بمحذوف وقع وصفاً لمصدر محذوف أي ذكراً كائناً كما علمكم أي كتعليمه إياكم { مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } من كيفية الصلاة ، والمرادُ بالتشبيه أن تكون الصلاةُ المؤداة موافقةً لما علّمه الله تعالى ، وإيرادُها بذلك العنوانِ لتذكير النعمةِ أو اشكُروا الله تعالى شكراً يوازي تعليمَه إياكم ما لم تكونوا تعلمونه من الشرائع والأحكامِ التي من جملتها كيفيةُ إقامةِ الصلاة حالتي الخوفِ والأمن . هذا وفي إيراد الشرطية الأولى بكلمة إن المفيدةِ لمشكوكية وقوعِ الخوفِ ونُدرته وتصديرِ الشرطيةِ الثانية بكلمة إذا المُنبئة عن تحقق وقوعِ الأمن وكثرته مع الإيجاز في جواب الأولى والإطنابِ في جواب الثانية المبنيّين على تنزيل مقامِ وقوعِ المأمور به فيهما منزلةَ مقامِ وقوعِ الأمر تنزيلاً مستدعياً لإجراءِ مقتضى المقام الأولِ في كل منهما مُجرى مقتضى المقام الثاني من الجزالة ولطفِ الاعتبار ما فيه عبرةٌ لأولي الأبصار { والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا } عَودٌ إلى بيانِ بقيةِ الأحكامِ المفصَّلة فيما سلف إثرَ بيانِ أحكامٍ توسطتْ بينهما لما أشير إليه من الحكمة الداعيةِ إلى ذلك { وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم } أي يوصون أو لِيُوصوا أو كتب الله عليهم وصيةً ، ويؤيد هذا قراءةُ مَنْ قرأ كتب عليكم الوصية لأزواجكم وقرىء بالرفع على تقدير مضاف في المبتدأ أو الخبر أي حُكمُ الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصيةٌ لأزواجهم ، أو والذين يُتوفون أهل وصية لأزواجهم أو كُتِب عليهم وصيةٌ أو عليهم وصيةٌ وقرىء { متاع * لاّزْوَاجِهِم } بدل وصية { متاعا إِلَى الحول } منصوبٌ بيوصون إن أضمَرْته وإلا فبالوصية أو بمتاع على القراءة الأخيرة { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } بدل منه أو مصدر مؤكد كما في قولك : هذا القولُ غيرُ ما تقول أو حال من أزواجهم أي غيرَ مُخرَجاتٍ والمعنى يجب على الذين يُتوفَّوْن أن يوصوا قبل الاحتضار لأزواجهم بأن يُمتّعْنَ بعدهم حولاً بالنفقة والسكنى وكان ذلك أولَ الإسلام ثم نُسخت المدة بقوله تعالى : { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } فإنه وإن كان متقدماً في التلاوة فهو متأخرٌ في النزول وسقطت النفقة بتوريثها الربعَ أو الثمنَ وكذلك السكنى عندنا ، وعند الشافعيّ هي باقية ، { فَإِنْ خَرَجْنَ } عن منزل الأزواج باختيارهن { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها الأئمة { فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ * مِن مَّعْرُوفٍ } لا ينكِرُه الشرْعُ كالتزيُّن والتطيُّب وتركِ الحِدادِ والتعرّضِ للخُطّاب ، وفيه دلالةٌ على أن المحظورَ إخراجُها عند إرادة القرارِ وملازمةِ مسكنِ الزوجِ والحداد من غير أن يجب عليها ذلك وأنها كانت مخيّرة بين الملازمة مع أخذ النفقةِ وبين الخروج مع تركها { والله عَزِيزٌ } غالبٌ على أمره يعاقِبُ من خالفه { حَكِيمٌ } يراعي في أحكامه مصالحَ عباده . (1/297)
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243)
{ وللمطلقات } سواءٌ كن مدخولاً بهن أو لا { متاع } أي مطلقُ المتعة الشاملة الواجبةِ والمستحبة وأوجبها سعيدُ بنُ جبير ، وأبو العالية ، والزُهري للكل وقيل : المراد بالمتاع نفقةُ العِدة وقيل : اللام للعهد والمراد غيرُ المدخول بهن والتكريرُ للتأكيد { بالمعروف } شرعاً وعادة { حَقّا عَلَى المتقين } أي مما ينبغي { كذلك } أي مثلَ ذلك البيانِ الواضح { يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته } الدالةَ على أحكامه التي شرعها لعباده { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي تفهموا ما فيها وتعملوا بموجبها . (1/298)
{ أَلَمْ تَرَ } تقريرٌ لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأربابِ الأخبار من شأنهم البديع فإن سماعَهم لها بمنزلة الرؤية النظريةِ أو العلمية أو لكل أحدٍ ممن له حظٌّ من الخطاب إيذاناً بأن قصتهم من الشهرة والشيوع بحيث يحِقُّ لكل أحد أن يُحمل على الإقرار برؤيتهم وسماع قصتهم ويعجب بها وإن لم يكن ممن رآهم أو سمع بقصتهم فإن هذا الكلامَ قد جرى مجرى المَثلِ في مقام التعجيب لما أنه شُبّه حالُ غيرِ الرائي لشيءٍ عجيب بحال الرائي له بناءً على ادعاء ظهورِ أمره وجلائِه بحيث استوى في إدراكه الشاهدُ والغائبُ ثم أُجريَ الكلامُ معه كما يجري مع الرائي قصداً إلى المبالغة في شهرته وعَراقتِه في التعجب ، وتعديةُ الرؤيةِ بإلى في قوله تعالى : { إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم } على تقدير كونِها بمعنى الأنصار باعتبار معنى النظر على تقدير كونِها إدراكاً قلبياً لتضمين معنى الوصول والانتهاء على معنى ألم ينتهِ علمُك إليهم { وَهُمْ أُلُوفٌ } أي ألوف كثيرة قيل : عشرةُ آلاف وقيل : ثلاثون وقيل : سبعون ألفاً ، والجملةُ حال من فاعل خرَجوا وقوله عز وجل : { حَذَرَ الموت } مفعول له . رُوي أن أهلَ داوردان قرية قبل واسِط وقع فيهم الطاعونُ فخرجوا منها هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا ألا مفرَّ من حكم الله عز سلطانُه وقضاؤه ، وقيل : مر عليهم حِزْقيلُ بعد زمان طويل وقد عرِيَتْ عظامُهم وتفرقت أوصالُهم فلوى شدقيه وأصابعَه تعجباً مما رأى من أمرهم فأُوحيَ إليه نادِ فيهم أن قوموا بإذن الله فنادى فإذا هم قيام يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت . وقيل : هم قومٌ من بني إسرائيلَ دعاهم ملكُهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت فأماتهم الله تعالى ثمانية أيامٍ ثم أحياهم . وقوله عز وجل : { فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ } إما عبارةٌ عن تعلق إرادته تعالى بموتهم دفعةً ، وإما تمثيلٌ لإماتته تعالى إياهم مِيتةَ نفسٍ واحدة في أقرب وقتٍ وأدناه وأسرعِ زمان وأوحاه بأمر آمرٍ مطاعٍ لمأمور مطيع كما في قوله تعالى : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } { ثُمَّ أحياهم } عطفٌ إما على مقدَّر يستدعيه المقامُ أي فماتوا ثم أحياهم وإنما حُذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلُّف مرادِه تعالى عن إرادته وإما على قال لما أنه عبارةٌ عن الإماته ، وفيه تشجيعٌ للمسلمين على الجهاد والتعرُّضِ لأسباب الشهادةِ وأن الموتَ حيث لم يكن منه بدٌّ ولم ينفعْ منه المفرُّ فأولى أن يكون في سبيل الله تعالى { إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ } عظيمٍ { عَلَى الناس } قاطبةً ، أما أولئك فقد أحياهم ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة العظمى ، وأما الذين سمِعوا قِصتَهم فقد هداهم إلى مسلك الاعتبارِ والاستبصار { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } أي لا يشكرون فضلَه كما ينبغي ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبارُ والاستبصارُ ، وإظهارُ الناس في مقام الإضمار لمزيد التشنيع .
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)
{ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } عطفٌ على مقدر يعيِّنه ما قبله كأنه قيل : فاشكروا فضلَه بالاعتبار بما قص عليكم وقاتلوا في سبيله لما علمتم أن الفِرارَ لا يُنْجي من الحِمام وأن المقدرَ لا مردَّ له ، فإن كان قد حان الأجلُ فموتٌ في سبيل الله عز وجل وإلا فنصرٌ عزيزٌ وثواب { واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ } يسمع مَقالة السابقين والمتخلّفين { عَلِيمٌ } بما يُضمِرونه في أنفسهم وهو من وراء الجزاء خيراً أو شراً فسارعوا إلى الامتثال واحذروا المخالفة والمساهلة . (1/299)
{ مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله } من استفهامية مرفوعةُ المحلِّ بالابتداء وذا خبرُه ، والموصولُ صفة له أو بدل منه ، وإقراضُ الله تعالى مَثَلٌ لتقديم العمل العاجل طلباً للثواب الآجل ، والمراد هاهنا إما الجهادُ الذي هو عبارةٌ عن بذل النفسِ والمالِ في سبيل الله عز وجل ابتغاءً لمرضاته وإما مطلقُ العملِ الصالحِ المنتظم له انتظاماً أولياً { قَرْضًا حَسَنًا } أي إقراضاً مقروناً بالإخلاص وطيبِ النفسِ أو مقرضاً حلالاً طيباً { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } بالنصب على جواب الاستفهام حملاً على المعنى فإنه في معنى أَيُقرِضُه وقرىء بالرفع أي يضاعفُ أجرَه وجزاءَه ، جعل ذلك مضاعفةً له بناءً على ما بينهما من المناسبة بالسببية والمسبَّية ظاهراً ، وصيغةُ المفاعلة للمبالغة وقرىء فيُضْعِفُه بالرفع بالنصب { أَضْعَافًا } جمعُ ضِعف ، ونصبُه على أنه حال من الضمير المنصوب أو مفعولٌ بأن يُضمَّنَ المضاعفةُ معنى التصيير ، أو مصدرٌ مؤكد على أن الضِعْفَ اسم للمصدر والجمع للتنوين { كَثِيرَةٍ } لا يعلم قدرَها إلا الله تعالى وقيل : الواحد بسبعمائة { والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } أي يقتّر على بعض ويوسّع على بعض أو يقتِّر تارةً ويوسّع أخرى حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحِكَم والمصالح فلا تبخلوا عليه بما وسَّع عليكم كي لا يبدِّل أحوالَكم . ولعل تأخيرَ البسط عن القبض في الذكر للإيماء إلى أنه يعقُبه في الوجود تسليةً للفقراء وقرىء يبصُط بالصاد لمجاورة الطاء { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازِيكم على ما قدّمتم من الأعمال خيراً وشراً .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)
{ أَلَمْ تَرَ } تقريرٌ وتعجيب كما سبق قُطع عنه للإيذان باستقلاله في التعجب مع أن له مزيدَ ارتباطٍ بما وُسِّط بينهما من الأمر بالقتال { إِلَى الملإ مِن بَنِى إِسْرءيلَ } الملأُ من القوم وجوهُهم وأشرافُهم وهم اسمٌ للجماعة لا واحدَ له من لفظه كالرهط والقوم ، سْموا بذلك لما أنهم يملأوُن العيونَ مهابةً والمجالسَ بهاءً أو لأنهم مليئون بما يبتغى منهم ، ومن تبعيضية و ( من ) في قوله تعالى : { مِن بَعْدِ موسى } ابتدائيةٌ وعاملُها مقدرٌ وقع حالاً من الملأ أي كائنين بعضَ بني إسرائيلَ من بعد وفاة موسى ، ولا ضيرَ في اتحاد الحرفين لفظً عند اختلافهما معنى { إِذْ قَالُواْ } منصوبٌ بمُضمر يستدعيه المقامُ أي ألم ترَ إلى قصة الملأ أو حديثهم حين قالوا : { لِنَبِىّ لَّهُمُ } هو يوشَعُ بنُ نونِ بنِ أفرائيم بن يوسف عليهما السلام وقيل : شمعون بنُ صعبة بنِ علقمة من ولد لاوي بنِ يعقوبَ عليهما السلام وقيل : أشمويلُ بنُ بالِ بنِ علقمة وهو بالعبرانية إسماعيل . قال مقاتل : هو من نسل هارونَ عليه السلام وقال مجاهد : أشمويلُ بنُ هلقايا { ابعث لَنَا مَلِكًا نقاتل فِى سَبِيلِ الله } أي أَنهِضْ للقتال معنا أميراً نُصدِرُ في تدبير أمرِ الحرب عن رأيه وقرىء نقاتلُ بالرفع على أنه حالٌ مقدرة أي ابعثه لنا مقدّرين القتالَ أو استئنافٌ مبني على السؤال وقرىء يقاتلْ بالياء مجزوماً ومرفوعاً على الجواب للأمر والوصف لملِكاً { قَالَ } استئناف وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الذهنُ كأنه قيل : فماذا قال لهم النبيُّ حينئذ؟ فقيل قال : { هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تقاتلوا } فُصل بين عسى وخبرِه بالشرط للاعتناء به أي هل قاربتم ألا تقاتلوا كما أتوقعه منكم؟ والمرادُ تقريرُ أن المتوقَّعَ كائنٌ وإنما لم يُذكر في معرض الشرط ما التمسوه بأن قيل : هل عسَيتم إن بعثتُ لكم ملكاً الخ مع أنه أظهر تعلقاً بكلامهم بل ذَكَر كتابةَ القتالِ عليهم للمبالغة في بيان تخلّفِهم عنه فإنهم إذا لم يقاتلوا عند فرضيةِ القتالِ عليهم بإيجاب الله تعالى فلأَن لا يقاتلوا عند عدم فرضيتِه أولى ، ولأن إيراد ما ذكروه ربما يوهِمُ أن سبب تخلفِهم عن القتال هو المبعوث لا نفسُ القتال وقرىء عسِيتم بكسر السين وهي ضعيفة { قَالُواْ } استئناف كما سبق { وَمَا لَنَا أَلاَّ نقاتل } أي أيُّ سبب لنا في ألا نقاتلَ { فِى سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا } أي والحال أنه قد عَرَض لنا ما يوجب القتالَ إيجاباً قوياً من الإخراج عن الديار والأوطان والاغترابِ من الأهل والأولاد ، وإفرادُ الأبناء بالذكر لمزيد تقوية أسبابِ القتال وذلك أن جالوت رأسَ العمالقةِ وملكهم وهو جبارٌ من أولاد عمليق بن عاد كان هو ومن معه من العمالقة يسكنون ساحلَ بحرِ الرومِ بين مصر وفلسطين وظهروا على بني إسرائيلَ وأخذوا ديارَهم وسبَوْا أولادهم وأسرُوا من أبناء ملوكهم أربعَمائة وأربعين نفساً وضربوا عليهم الجزيةَ وأخذوا توراتَهم { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال } بعد سؤال النبيِّ عليه السلام ذلك وبعْثِ الملك { تَوَلَّوْاْ } أي أعرضوا وتخلفوا لكنْ لا في ابتداء الأمرِ بل بعدَ مشاهدةِ كثرةِ العدوِّ وشوكتِه كما سيجيء تفصيلُه وإنما ذكر هاهنا ما آل إليه أمرُهم إجمالاً إظهاراً لما بين قولِهم وفعلهم من التنافي والتبايُن { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم الذين اكتفَوا بالغُرفة من النهر وجاوزوه وهم ثلثُمائةٍ وثلاثةَ عَشرَ بعدد أهل بدر { والله عَلِيمٌ بالظالمين } وعيد لهم على ظلمهم بالتولي عن القتال وتركِ الجهاد وتنافي أقوالِهم وأفعالِهم والجملة اعتراضٌ تذييليٌّ . (1/300)
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)
{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ } شروعٌ في تفصيل ما جرى بينه عليه السلام وبينهم من الأقوال والأفعال إثرَ الإشارةِ الإجمالية إلى مصير حالِهم أي قال لهم بعد ما أُوحي إليه ما أوحي : { إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا } طالوتُ علمٌ عِبْريٌّ كداودَ ، وجعلُه فَعْلوتاً من الطول يأباه منعُ صرفِه و { مَلَكًا } حال منه . رُوي أنه عليه السلام لما دعا ربه أن يجعل لهم ملِكاً أتى بعصاً يُقاس بها من يملِكُ عليهم فلم يساوِها إلا طالوتُ { قَالُواْ } استئناف كما مر { أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا } أي من أين يكون أو كيف يكون ذلك { وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ المال } الواو الأولى حاليةٌ والثانيةُ عاطفةٌ جامعةٌ للجملتين في الحُكم أي كيف يتملّك علينا والحالُ أنه لا يستحِقُّ التملكُ لوجود من هو أحقُّ منه ولعدم ما يتوقف عليه الملكُ من المال ، وسبب هذا الاستبعادِ أن النبوةَ كانت مخصوصةً بسِبطٍ معينٍ من أسباط بني إسرائيلَ ، وهو سِبطُ لاوي بنِ يعقوبَ عليه السلام والمملكةِ بسبطِ يهوذا ومنه داودُ وسليمانُ عليهما السلام ولم يكن طالوتُ من أحد هذين السِبطين بل من ولد بنيامين قيل : كان راعياً وقيل : دبّاغاً وقيل : سقّاءً . (1/301)
{ قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ } لمّا استبعدوا تملُّكَه بسقوط نسَبِه وبفقره ردَّ عليهم ذلك أولاً بأن مَلاكَ الأمرِ هو اصطفاءُ الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم ، وثانياً بأن العُمدة فيه وُفورُ العلم ليتمكَّنَ به من معرفة أمورِ السياسةِ ، وجسامةُ البدن ليعظُم خطرُه في القلوب ويقدِرَ على مقاومة الأعداءِ ومكابدةِ الحروب وقد خصه الله تعالى منهما بحظَ وافرٍ وذلك قولُه عز وجل : { وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم } أي العلمِ المتعلِّقِ بالمُلك أو به وبالديانات أيضاً وقيل : قد أوحي إليه ونُبِّىءَ { والجسم } قيل : بطول القامة فإنه كان أطولَ من غيره برأسه ومنكبيه حتى إن الرجلَ القائم كان يمد يدَه فينال رأسه وقيل : بالجمال وقيل : بالقوة { والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء } لما أنه مالِكُ المُلكِ والملَكوتِ فعّالٌ لما يريد فله أن يؤتِيَه من يشاءُ من عباده { والله واسع } يوسِّع على الفقير ويُغنيه { عَلِيمٌ } بمن يليقُ بالملك ممن لا يليق به ، وإظهارُ الاسم الجليلِ لتربية المهابة .
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)
{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ } توسيطُه فيما بين قوليه المحكِيَّيْن عنه عليه السلام للإشعار بعدم اتصالِ أحدِهما بالآخر ، وتخلُّلُ كلامٍ من جهة المخاطبين متفرِّعٌ على السابق مستتبِعٌ للاحق كأنهم طلبوا منه عليه السلام آيةً تدل على أنه تعالى اصطفى طالوتَ وملّكه عليهم . رُوي أنهم قالوا : ما آيةُ مُلكِه فقال : { وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أن يأتيكم التابوت } أي الصُندوقُ وهو فَعْلوتٌ من التَّوْب الذي هو الرجوعُ لما أنه لا يزال يرجِعُ إليه ما يخرُج منه ، وتاؤه مزيدةٌ لغير التأنيث كمَلَكوت ورَهَبوت والمشهورُ أن يوقف على تائه من غير أن تُقلبَ هاءً ومنهم من يقلِبُها إياها ، والمراد به صُندوقُ التوراةِ ، وكان قد رفعه الله عز وجل بعد وفاةِ موسى عليه السلام سُخطاً على بني إسرائيلَ لما عَصَوا واعتدَوْا فلما طلب القوم من نبيهم آيةً تدل على مُلك طالوتَ قال لهم : «إن آية ملكِه أن يأتيَكم التابوتُ من السماءِ والملائكةُ يحفَظونه» فأتاهم كما وصف والقومُ ينظرون إليه حتى نزل عند طالوتَ . وهذا قولُ ابن عباس رضي الله عنهما وقال : أربابُ الأخبارِ إن الله تعالى أنزل على آدمَ تابوتاً فيه تماثيلُ الأنبياء عليهم السلام من أولاده وكان من عُود الشمشاد نحواً من ثلاثة أذرُعٍ في ذراعين فكان عند آدمَ عليه السلام إلى أن توفي فتوارثه أولادُه واحدٌ بعد واحدٍ إلى أن وصلَ إلى يعقوبَ عليه السلام ثم بقي في أيدي بني إسرائيلَ إلى أن وصلَ إلى موسى عليه السلام فكان عليه الصلاة والسلام يضعُ فيه التوراةَ وكان إذا قاتل قدّمه فكانت تسكُن إليه نفوسُ بني إسرائيلَ وكان عنده إلى أن توُفي ثم تداولتْه أيدي بني إسرائيلَ وكانوا إذا اختلفوا في شيء تحاكَموا إليه فيكلِّمهم ويحكُم بينهم وكانوا إذا حضروا القتالَ يقدِّمونه بين أيديهم ويستفتِحون به على عدوهم وكانت الملائكةُ تحمِلُه فوق العسكر ثم يقاتلون العدوَّ فإذا سمعوا من التابوت صيحةً استيقنوا النصرَ فلما عصَوا وأفسدوا سلّط الله عليهم العمالقةَ فغلبوهم على التابوت وسلبوه وجعلوه في موضع البولِ والغائطِ فلما أراد الله تعالى أن يُملِّك طالوتَ سلط عليهم البلاء حتى إن كلَّ من بال عنده ابتُلي بالبواسير وهلكت من بلادهم خمسُ مدائنَ فعلم الكفارُ أن ذلك بسبب استهانتهم بالتابوت فأخرجوه وجعلوه على ثورَيْن فأقبل الثورانِ يسيران وقد وكل الله تعالى بهما أربعةً من الملائكة يسوقونهما حتى أتَوا منزلَ طالوت فلما سألوا نبيَّهم البينةَ على مُلك طالوتَ قال لهم النبيُّ : «إن آيةَ مُلكِه أنكم تجِدون التابوتَ في داره» فلما وجدوه عنده أيقنوا بمُلكه . { فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } أي في إتيانِه سكونٌ لكم وطُمَأْنينةٌ كائنةٌ من ربكم أو في التابوت ما تسكُنون إليه وهو التوراةُ المُودَعة فيه بناءً على ما مر من أن موسى عليه السلام إذا قاتل قدَّمه فتسكُن إليه نفوسُ بني إسرائيلَ وقيل : السكينةُ صورةٌ كانت فيه من زَبَرْجَدٍ أو ياقوتٍ «لها رأسٌ وذنبٌ كرأس الهرِّ وذنبِه وجناحانِ فتئِنُّ فيزحَفُ التابوتُ نحوَ العدوِّ وهم يمضُون معه فإذا استقر ثبتوا وسكَنوا ونزل النصرُ» وعن علي رضي الله عنه كان لها وجهٌ كوجه الإنسان وفيها ريحٌ هفّافة { وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ موسى وَءالُ هارون } هي رضاض الألواحِ وعصا موسى وثيابُه وشيءٌ من التوراة ، وكان قد رفعه الله تعالى بعد وفاةِ موسى عليه السلام ، وآلُهما أبناؤُهما أو أنفسُهما ، والآلُ مقحَمٌ لتفخيم شأنهما ، أو أنبياءُ بني إسرائيلَ { تَحْمِلُهُ الملائكة } حال من التابوت أي إن آيةَ ملكِه إتيانُه حال كونِه محمولاً للملائكة وقد مر كيفيةُ ذلك ولعل حملَ الملائكةِ على الرواية الأخيرة عبارةٌ عن سَوْقهم للثورين الحاملين له { إِنَّ فِى ذَلِكَ } إشارةٌ إلى ما ذكر من شأن التابوت فهو من تمام كلامِ النبي عليه السلام لقومه أو إلى نَقلِ القصة وحكايتها ، فهو ابتداءُ كلامٍ من جهة الله تعالى جيءَ به قبل تمامِ القصةِ إظهاراً لكمال العنايةِ به ، وإفرادُ حرفِ الخطاب مع تعدُّد المخاطَبين على التقديرين بتأويل الفريق أو غيرِه كما سلف { لآيَةً } عظيمةً { لَكُمْ } دالةً على مُلك طالوتَ أو على نبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بهذه التفاصيل على ما هي عليه من غير سماعٍ من البشر { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي مصدِّقين بتكليمه أو بشيءٍ من الآيات ، وإن شرطيةٌ والجواب محذوفٌ ثقةً بما قبله وقيل : هي بمعنى إذ . (1/302)
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)
{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود } أي انفصل بهم عن بيت المقدسِ والأصلُ فصلَ نفسَه ، ولما اتحد فاعلُه ومفعولُه شاع استعمالُه محذوفَ المفعول حتى نزل منزِلة القاصِرِ كانفصل ، وقيل : فصَل فصُولاً وقد جُوّز كونه أصلاً برأسه ممتازاً من المتعدي بمصدره كوقف وقوفاً ووقَفه وقفاً وكصدَّ صُدوداً وصدَّه صداً ورجَع رجوعاً ورجَعه رجعاً ، والباء متعلقة بمحذوف وقع حالاً من طالوت أي ملتبساً بهم ومصاحباً لهم . رُوي أنه قال لقومه : «لا يخرج معي رجل بنى بناءً لم يفرُغْ منه ولا تاجرٌ مشتغلٌ بالتجارة ولا متزوجٌ بامرأة لم يبْنِ عليها ولا أبتغي إلا الشابَّ النشيطَ الفارغ» فاجتمع إليه ممن اختارهم ثمانون ألفاً وكان الوقت قَيظاً وسلكوا مفازةً فسألوا أن يُجرِيَ الله تعالى لهم نهراً فبعد ما ظهر له ما تعلقت به مشيئتُه تعالى من جهة النبي عليه السلام أو بطريق الوحي عند من يقول بنبوته { قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } بفتح الهاء وقرىء بسكونها { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ } أي ابتدأ شُربه من النهر بأن كرَع لأنه الشرب منه حقيقة { فَلَيْسَ مِنّي } أي من جُملتي وأشياعي المؤمنين وقيل : ليس بمتصلٍ بي ومتحدٍ معي من قولهم : فلان مني كأنه بعضُه لكمال اختلاطِهما { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } أي لم يذُقه من طعِم الشيءَ إذا ذاقه مأكولاً كان أو مشروباً أو غيرَهما قال : (1/303)
وإن شئت حرمتُ النساءَ سواكم ... وإن شئت لم أطعَمْ نُقاخاً ولا بردا
أي نوماً { فَإِنَّهُ مِنّى إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ } استثناء من قوله تعالى : { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } وإنما أُخّر عن الجملة الثانية لإبراز كمالِ العناية بها ومعناه الرخصةُ في اغتراف الغرفةِ باليد دون الكَرْع والغرفة ما يُغرَف ، وقرىء بفتح الغين على أنها مصدرٌ والباء متعلقةٌ باغترف أو بمحذوف وقعَ صفةً لغرفة أي غرفةً كائنةً بيده . يروى أن الغرفة كانت تكفي الرجل لشربه وإدواتِه ودوابِّه وأما الذين شرِبوا منه فقد اسودت شفاهُهم وغلبهم العطشُ { فَشَرِبُواْ مِنْهُ } عطفٌ على مقدر يقتضيه المقامُ أي فابتلُوا به فشرِبوا منه { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم المشارُ إليهم فيما سلف بالاستثناء من التولي وقرىء إلا قليلٌ منهم ميلاً إلى جانب المعنى وضرباً عن عُدوة اللفظِ جانباً فإن قوله تعالى : { فَشَرِبُواْ مِنْهُ } في قوة أن يقال : فلم يُطيعوه فحُقَّ أن يرد المستثنى مرفوعاً كما في قول الفرزدق :
وعضُّ زمانٍ يا ابنَ مروانَ لم يدَع ... من المال إلا مُسحَتٌ أو مُجلِّفُ
فإن قوله لم يدع في حكم لم يبق { فَلَمَّا جَاوَزَهُ } أي النهرَ { هُوَ } أي طالوتُ { والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } عطفٌ على الضمير المتصلِ المؤكدِ بالمنفصل ، والظرفُ متعلقٌ بجاوزَ لا بآمنوا وقيل : الواوُ حالية والظرفُ متعلقٌ بمحذوف وقع خبراً من الموصول كأنه قيل : فلما جاوزه والحالُ أن الذين آمنوا كائنون معه وهم أولئك القليلُ وفيه إشارةٌ إلى أن مَنْ عداهم بمعزل من الإيمان { قَالُواْ } أي بعضُ مَنْ معه من المؤمنين لبعضٍ { لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } أي بمحاربتهم ومقاومتِهم فضلاً عن أن يكونَ لنا غلبةٌ عليهم لما شاهدوا من الكثرة والشدة ، قيل : كانوا مائةَ ألفِ مقاتلٍ شاكي السِّلاح { قَالَ } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قال مخاطبُهم؟ فقيل قال : { الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله } قيل : أي الخُلَّصُ منهم الذين يوقنون بلقاءِ الله تعالى بالبعث ويتوقّعون ثوابَه ، وإفرادُهم بذلك الوصف لا ينافي إيمانَ الباقين فإن درجاتِ المؤمنين في التيقن والتوقع مُتفاوتةٌ أو الذين يعلمون أنهم يُستشهدون عما قريب فيلقَوْن الله تعالى ، وقيل : الموصولُ عبارةٌ عن المؤمنين كافةً والضميرُ في قالوا للمنخذِلين عنهم كأنهم قالوه اعتذاراً عن التخلُّف والنهرُ بينهما .
{ كَم مّن فِئَةٍ } أي فِرْقة وجماعة من الناس من فأَوْتُ رأسَه إذا شققتها أو من فاء إليه إذا رجَع فوزنُها على الأول فِعةٌ وعلى الثاني فِلَةٌ { قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً } وكم خبرية كانت أو استفهامية مفيدةٌ للتكثير وهي في حيز الرفعِ بالابتداء خبرُها غلبتْ أي كثيرٌ من الفئات القليلةِ غلبت الفئاتِ الكثيرةَ { بِإِذُنِ الله } أي بحُكمه وتيسيرِه فإن دورانَ كافةِ الأمور على مشيئته تعالى فلا يذِلُّ من نصرَه وإن قل عددُه ولا يعِزُّ مَنْ خَذله وإن كثُرت أسبابُه وعُددُه وقد روُعيَ في الجواب نُكتةٌ بديعة حيث لم يقُلْ أطاقت بفئة كثيرةٍ حسبما وقع في كلام أصحابهم مبالغةً في رد مقالتِهم وتسكينِ قلوبهم ، وهذا كما ترى جواب ناشىء من كمال ثقتِهم بنصر الله تعالى وتوفيقه ولا دخل في ذلك لظن لقاءِ الله تعالى بالبعث لا سيما بالاستشهاد فإن العلمَ به ربما يورِثُ اليأسَ من الغَلَبة ولا لتوقُّع ثوابِه تعالى ولا ريب في أن ما ذُكر في حيز الصلةِ ينبغي أن يكونَ مداراً للحكم الواردِ على الموصول فلا أقلَّ من أن يكون وصفاً ملائماً له ، فلعل المرادَ بلقائه تعالى لقاءُ نصرِه وتأييدُه عُبر عنه بذلك مبالغةً كما عُبر عن مقارَنةِ نصرِه تعالى لمعيَّته سبحانه حيث قيل : { والله مَعَ الصابرين } فإن المرادَ به معيّةُ نصرِه وتوفيقِه حتماً ، وحملُها على المعية بالإثابة كما فعل يأباه أنهم إنما قالوه تتميماً لجوابهم وتأييداً له بطريق الاعتراضِ التذييليِّ تشجيعاً لأصحابهم وتثبيتاً لهم على الصبر المؤدي إلى الغَلَبة ، ولا تعلّقَ له بما ذكر من المعية بالإثابة قطعاً وكذا الحالُ إذا جُعل ذلك ابتداءَ كلامٍ من جهة الله تعالى جيء به تقريراً لكلامهم ، والمعنى قال الذين يظنون أو يعلمون من جهة النبي أو من جهة التابوتِ والسكينة أنهم ملاقوا نصرِ الله العزيزِ : كم من فئةٍ قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله تعالى فنحن أيضاً نغلِبُ جالوتَ وجنودَه ، وإيرادُ خبرِ أن اسماً مع أن اللقاءَ مستقبلٌ للدَلالة على تقرره وتحققه . (1/304)
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)
{ وَلَمَّا بَرَزُواْ } أي ظهر طالوتُ ومن معه من المؤمنين وصاروا إلى براز من الأرض في موطن الحرب { لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } وشاهدوا ما هم عليه من العَدد والعُدد وأيقنوا أنهم غيرُ مطيقين لهم عادة { قَالُواْ } أي جميعاً عند تقوى قلوب الفريقُ الأولُ منهم بقول الفريق الثاني متضرعين إلى الله تعالى مستعينين به { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } على مقاساة شدائِد الحربِ واقتحامِ مواردِه الصعبةِ الضيقة وفي التوسل بوصف الربوبية المُنبىء عن التبليغ إلى الكمال وإيثارِ الإفراغِ المعرب عن الكثرة وتنكيرِ الصبر المفصح عن التفخيم من الجزالة ما لا يخفى { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } في مداحض القتالِ ومزالِّ النزال وثباتُ القدم عبارةٌ عن كمال القوةِ والرسوخِ عند المقارعة وعدمِ التزلزل وقت المقاومة لا مجرد التقرّر في حيز واحد { وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } بقهرهم وهزمِهم ، ووضعُ الكافرين في موضع الضمير العائد إلى جالوتَ وجنودِه للإشعار بعِلة النصرِ عليهم ، ولقد راعَوْا في الدعاء ترتيباً بديعاً حيث قدموا سؤالَ إفراغِ الصبر الذي هو مِلاكُ الأمر ثم سؤالَ تثبيتِ القدم المتفرغِ عليه ثم سؤالَ النصرِ الذي هو الغاية القصوى { فَهَزَمُوهُم } أي كسروهم بلا مكث { بِإِذُنِ الله } بنصره وتأييده إجابةً لدعائهم ، وإيثارُ هذه الطريقة على طريقة قوله عز وجل : { فاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا } الخ للمحافظة على مضمون قولِهم : غلَبتْ فئةً كثيرةً بإذن الله { وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ } كان إيشى أبو داودَ في عسكر طالوتَ معه ستةٌ من بنيه وكان داودُ عليه السلام سابعَهم وكان صغيراً يَرعى الغنم فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوتَ فطلبه من أبيه فجاء ، وقد مر في طريقه بثلاثة أحجار قال له كل منها : احمِلنا فإنك بنا تقتُل جالوتَ فحملها في مِخْلاته وقيل : لما أبطأ على أبيه خبرُ إخوته في المصافِّ أرسل داودُ إليهم ليأتيَه بخبرهم فأتاهم وهم في القراع وقد برز جالوتُ بنفسه إلى البِراز ولا يكاد يبارزه أحدٌ وكان ظلُّه ميلاً فقال داودُ لإخوته : أما فيكم من يخرجُ إلى هذا الأقلفِ فزجروه فتنحّى ناحية أخرى ليس فيها أخوتُه وقد مر به طالوتُ وهو يحرِّض الناسِ على القتال فقال له داودُ : ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلفَ؟ قال طالوتُ : أُنكِحُه ابنتي وأعطيه شطرَ مملكتي فبرز له داودُ فرماه بما معه من الأحجار بالمِقلاع فأصابه في صدره فنفذت الأحجارُ منه وقتلت بعده ناساً كثيرين . وقيل : إنما كلمته الأحجارُ عند بروزه لجالوتَ في المعركة فأنجز له طالوتُ ما وعده وقيل : إنه حسده وأخرجه من مملكته ثم ندم على ما صنعه فذهب يطلبه إلى أن قُتل ، ومُلِّك داودُ عليه السلام وأعطيَ النبوةَ وذلك قوله تعالى : { وآتاه الله الملك } أي مُلكَ بني إسرائيلَ في مشارقِ الأرض المقدسةِ ومغاربِها { والحكمة } أي النبوةَ ولم يجتمع في بني إسرائيلَ الملكُ والنبوةُ قبله إلا له بل كان الملكُ في سِبط والنبوة في سبط آخرَ وما اجتمعوا قبله على ملك قط { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } أي مما يشاء الله تعالى تعليمَه إياه لا مما يشاء داودُ عليه السلام كما قيل لأن معظم ما علمه تعالى إياه مما لا يكاد يخطرُ ببال أحد ولا يقع في أمنية بشرٍ ليتمكنَ من طلبه ومشيئته كالسَّرَد بإِلانةِ الحديد ومنطقِ الطير والدوابِّ ونحو ذلك من الأمور الخفية . (1/305)
{ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم } الذين يباشرون الشر والفساد { بِبَعْضِ } آخرَ منهم بردِّهم عما هم عليه بما قدر الله تعالى من القتل كما في القصة المحكية أو غيره ، وقرىء دِفاعُ الله على أن صيغةَ المغالبة للمبالغة { لَفَسَدَتِ الارض } وبطلت منافعُها وتعطلت مصالحُها من الحرْث والنسل وسائر ما يعمُر الأرضَ ويُصلِحها . وقيل : لولا أن الله ينصُر المسلمين على الكافرين لفسدت الأرضُ بعيثهم وقتلهم المسلمين أو لو يدفعهم بالمسلمين لعم الكفر ونزلت السخطة فاستؤصلَ أهلُ الأرض قاطبة { ولكن الله ذُو فَضْلٍ } عظيم لا يقادَر قدرُه { عَلَى العالمين } كافةً وهذا إشارةٌ إلى قياس استثنائي مؤلفٍ من وضعِ نقيضِ المقدّمِ المنتج لنقيض التالي خلا أنه قد وُضع موضعَه ما يستتبعه ويستوجبه أعني كونه تعالى ذا فضلٍ على العالمين إيذاناً بأنه تعالى متفضِّلٌ في ذلك الدفع من غير أن يجبَ عليه ذلك وأن فضلَه تعالى غيرُ منحصرٍ فيه بل هو فردٌ من أفراد فضلِه العظيم ، كأنه قيل : ولكنه تعالى يدفع فسادَ بعضِهم ببعض فلا تفسُدُ الأرضُ وتنتظم به مصالِحُ العالمِ وتنصَلِحُ أحوالُ الأمم . (1/306)
تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)
{ تِلْكَ } إشارة إلى ما سلف من حديث الألوفِ وخبرِ طالوتَ على التفصيل المرقومِ ، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو شأنِ المشارِ إليه { آيات الله } المنزلةُ من عنده تعالى ، والجملةُ مستأنفة ، وقوله تعالى : { نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } أي بواسطة جبريلَ عليه السلام إما حالٌ من الآيات والعاملُ معنى الإشارة وإما جملةٌ مستقلة لا محل لها من الإعراب { بالحق } في حيز النصبِ على أنه حالٌ من مفعول نتلوها أي ملتبسةً باليقين الذي لا يرتاب فيه أحد من أهل الكتاب وأربابِ التواريخ لما يجدونها موافقةً لما في كتبهم ، أو من فاعلِه أي نتلوها عليك ملتبسين بالحق والصواب ، أو من الضمير المجرور أي ملتبساً بالحق والصدق { وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } أي من جملة الذين أُرسلوا إلى الأمم لتبليغ رسالاتِنا وإجراءِ أوامرِنا وأحكامنا عليهم فإن هذه المعاملةَ لا تجري بيننا وبين غيرهم فهي شهادة منه سبحانه برسالته عليه الصلاة والسلام إثرَ بيانِ ما يستوجبها ، والتأكيدُ من مقتضيات مقامِ الجاحدين بها . (1/307)
{ تِلْكَ الرسل } استئنافٌ فيه رمزٌ إلى أنه عليه الصلاة والسلام من أفاضلِ الرسلِ العظامِ عليهم الصلاة والسلام إثرَ بيانِ كونِه من جملتهم والإشارةُ إلى الجماعة الذين من جملتهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فاللام في المآل للاستغراق وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو طبقتِهم وبُعدِ منزلتهم وقيل : إلى الذين ذُكرت قِصصُهم في السورة وقيل : إلى الذين ثبت علمُه صلى الله عليه وسلم بهم { فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } في مراتب الكمالِ بأن خصَصْناه حسبما تقتضيه مشيئتُنا بمآثِرَ جليلةٍ خلا عنها غيرُه { مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله } تفصيلٌ للتفصيل المذكور إجمالاً أي فضله بأن كلمهُ تعالى بغير سفيرٍ وهو موسى عليه الصلاة والسلام حيث كلمهُ تعالى ليلةَ الخِيْرة وفي الطور وقرىء { كلام الله } بالنصب وقرىء كالَمَ الله من المكالمة فإنه كلّم الله تعالى كما أنه تعالى كلمه ، ويؤيده كليمُ الله بمعنى مكالمِه ، وإيرادُ الاسمِ الجليلِ بطريق الالتفات لتربية المهابةِ ، والرمزِ إلى ما بين التكليم والرفعِ وبين ما سبَقَ من مطلق التفضيل وما ألحق من إيتاء البيناتِ والتأييدِ بروحِ القدسِ من التفاوت { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات } أي ومنهم من رفعه على غيره من الرسل المتفاوتين في معارجِ الفضل بدرجات قاصيةٍ ومراتبَ نائيةٍ ، وتغييرُ الأسلوب لتربية ما بينهم من اختلاف الحالِ في درجات الشرفِ ، والظاهرُ أنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كما ينبىء عنه الإخبارُ بكونه عليه الصلاة والسلام منهم فإن ذلك في قوة بعضهم فإنه قد خُصَّ بالدعوة العامة والحُجج الجمة والمعجزاتِ المستمرة والآياتِ المتعاقبة بتعاقُب الدهور والفضائلِ العلمية والعمليةِ الفائتة للحصر ، والإبهامُ لتفخيم شأنه وللإشعار بأنه العلَمُ الفردُ الغنيُّ عن التعيين وقيل : إنه إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام حيث خصه تعالى بكرامة الخُلّة وقيل : إدريسُ عليه السلام حيث رفعه مكاناً علياً وقيل : أوُلو العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام .
{ وآتينا عيسى ابن مَرْيَمَ البيِّنات } الآياتِ الباهرةَ والمعجزاتِ الظاهرةَ من إحياء الموتى وإبراءِ الأكمة والأبرصِ والإخبارِ بالمغيّبات ، أو الإنجيلَ { وأيدناه } أي قويناه { بِرُوحِ القدس } بضم الدال وقرىء بسكونها أي بالروح المقدسة كقولك : رجلُ صِدْقٍ وهي روحُ عيسى وإنما وصفت بالقدس للكرامة أو لأنه عليه السلام لم تضمَّه الأصلابُ والأرحامُ الطوامث وقيل : بجبريلَ وقيل : بالإنجيلِ كما مر ، وإفرادُه عليه السلام بما ذكر لرد ما بين أهلِ الكتابين في شأنه عليه السلام من التفريط والإفراط ، والآيةُ ناطقة بأن الأنبياءَ عليهم السلام متفاوتةُ الأقدار ، فيجوزُ تفضيلُ بعضِهم على بعض ولكن بقاطع { وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم } أي جاءوا من بعد الرسلِ من الأمم المختلفة أي لو شاء الله عدمَ اقتتالهم ما اقتتلوا بأن جعلَهم متفقين على اتباع الرسلِ المتفقةِ على كلمة الحقِّ فمفعولُ المشيئةِ محذوفٌ لكونه مضمونَ الجزاءِ على القاعدة المعروفة وقيل : تقديرُه ولو شاء هدى الناس جميعاً ما اقتتل الخ وليس بذاك { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ } من جهة أولئك الرسلِ { البينات } المعجزاتُ الواضحةُ والآياتُ الظاهرة الدالةُ على حقية الحقِّ الموجبةِ لاتباعهم ، الزاجرةُ عن الإعراض عن سَننهم المؤدِّي إلى الاقتتال ( فمِنْ ) متعلقةٌ باقتتل { ولكن اختلفوا } استدراك من الشرطية أُشير به إلى قياس استثنائي مؤلفٍ من وضع نقيض مقدّمها المنتج لنقيض تاليها إلا أنه قد وُضع فيه الاختلافُ موضعَ نقيضِ المقدم المترتب عليه للإيذان بأن الاقتتالَ ناشىء من قِبَلهم لا من جهته تعالى ابتداءً كأنه قيل : ولكن لم يشأ عدمَ اقتتالِهم لأنهم اختلفوا اختلافاً فاحشاً { فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ } بما جاءت به أولئك الرسلُ من البينات وعمِلوا به { وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ } بذلك كفراً لا ارعواءَ له عنه فاقتضت الحِكمةُ عدمَ مشيئتِه تعالى لعدم اقتتالِهم فاقتتلوا بموجبِ اقتضاءِ أحوالِهم { وَلَوْ شَاء الله } عدمَ اقتتالهم بعد هذه المرتبة أيضاً من الاختلاف والشقاق المستتبعين للاقتتال بحسب العادة { مَا اقتتلوا } وما نبَض منهم عِرقُ التطاول والتعادي لما أن الكل تحت ملَكوتِه تعالى ، فالتكريرُ ليس للتأكيد كما ظُن بل للتنبيه على أن اختلافهم ذلك ليس موجباً لعدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم كما يفهم ذلك من وضعه في الاستدراك موضعه بل هو سبحانه مختار في ذلك حتى لو شاء بعد ذلك عدم اقتتالهم ما اقتتلوا كما يفصح عنه الاستدراك بقوله عز وجل : { ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } (1/308)
أي من الأمور الوجودية والعدمية التي من جملتها عدم مشيئته عدم اقتتالهم فإن الترك أيضاً من جملة الأفعال أي يفعل ما يريد حسبما يريد من غير أن يوجبه عليه موجب أو يمنعه منه مانع وفيه دليل بيّن على أن الحوادث تابعة لمشيئته سبحانه خيراً كان أو شراً إيماناً كان أو كفراً .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)
{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ } في سبيل الله { مِمَّا رزقناكم } أي شيئاً مما رزقناكموه على أن ( ما ) موصولة حُذف عائدُها ، والتعرضُ لوصوله منه تعالى للحث على الإنفاق كما في قوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } والمرادُ به الإنفاقُ الواجبُ بدلالة ما بعده من الوعيد { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة } كلمةُ ( مِن ) متعلقةٌ بما تعلقت به أختها ولا ضير فيه لاختلاف معنييهما فإن الأولى تبعيضيةٌ وهذه لابتداء الغايةِ أي أنفِقوا بعضَ ما رزقناكم من قبل أنْ يأتيَ يومٌ لا تقدِرون على تلافي ما فرّطتم فيه إذ لا تبايُعَ فيه حتى تتبايعوا ما تُنفقونه أو تفتدون به من العذاب ولا خُلةٌ حتى يسامحَكم به أخلاؤكم أو يُعينوكم عليه ولا شفاعةٌ إلا لمن أذِنَ له الرحمن ورضِيَ له قولاً حتى تتوسلوا بشفعاءَ يشفعون لكم في حطّ ما في ذمتكم ، وإنما رُفعت الثلاثةُ مع قصد التعميم لأنها في التقدير جوابُ هل فيه بيعٌ أو خلةٌ أو شفاعةٌ وقرىء بفتح الكل { والكافرون } أي والتاركون للزكاة ، وإيثارُه عليه للتغليظ والتهديد كما في قوله تعالى : { وَمَن كَفَرَ } مكانَ ومَنْ لم يحُجّ وللإيذان بأن تركَ الزكاة من صفات الكفار قال تعالى : { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة } { هُمُ الظالمون } أي الذين ظلموا أنفسَهم بتعريضها للعقاب ووضعوا المالَ في غير موضعِه وصرفوه إلى غير وجهه { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } مبتدأٌ وخبرٌ أي هو المستحِقُّ للمعبودية لا غير ، وفي إضمار خبرِ لا مِثلَ في الوجود أو يصِح أن يوجد خلاف للنحاة معروفٌ { الحى } الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء ، وهو إما خبرٌ ثانٍ أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ أو بدل من لا إله إلا هو ، أو بدلٌ من الله أو صفة له ، ويعضُده القراءة بالنصب على المدح لاختصاصه بالنعت { القيوم } فَيْعولٌ ، من قام بالأمر إذا حفِظه أي دائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظه ، وقيل : هو القائمُ بذاته المقيمُ لغيره { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } السِنةُ ما يتقدم النومَ من الفتور قال عديُّ بنُ الرقاعِ العاملي : (1/309)
وَسْنانُ أقصده النعاسُ فرنَّقت ... في عينه سِنةٌ وليس بنائمِ
والنومُ حالةٌ تعرِضُ للحيوان من استرخاء أعصابِ الدماغِ من رُطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقِف المشاعرُ الظاهرةُ عن الإحساس رأساً والمرادُ بيان انتفاءِ اعتراءِ شيءٍ منهما له سبحانه لعدم كونهما من شأنه تعالى لا لأنهما قاصران بالنسبة إلى القوة الإلهية فإنه بمعزل من مقامِ التنزيهِ فلا سبيلَ إلى حمل النظم الكريمِ على طريقة المبالغةِ والترقي بناءً على أن القادرَ على دفع السِنة قد لا يقدرُ على دفع النوم القويِّ كما في قولك : فلانٌ يقِظٌ لا تغلِبُه سِنةٌ ولا نوم وإنما تأخيرُ النوم للمحافظة على ترتيب الوجودِ الخارجي ، وتوسيطُ كلمةِ لا للتنصيص على شمول النفي لكلَ منهما كما في قوله عز وجل :
{ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً } الآية . وأما التعبيرُ عن عدم الاعتراءِ والعُروضِ بعدم الأخذ فلمراعاة الواقع إذ عُروضُ السِنةِ والنومِ لمعروضهما إنما يكون بطريق الأخذِ والاستيلاء ، وقيل : هو من باب التكميل ، والجملةُ تأكيدٌ لما قبلها من كونه تعالى حياً قيّوماً فإن مَنْ يعتريه أحدُهما يكونُ موقوفَ الحياةِ قاصراً في الحفظ والتدبيرِ وقيل : استئنافٌ مؤكدٌ لما سبق وقيل : حال مؤكدةٌ من الضمير المستكِّن في القيوم { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض } تقريرٌ لقيّوميّته تعالى واحتجاجٌ به على تفرّده في الألوهية ، والمرادُ بما فيهما ما هو أعمُّ من أجزائهما الداخلةِ فيهما ومن الأمور الخارجةِ عنهما المتمكّنة فيهما من العقلاء وغيرهم . (1/310)
{ مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } بيانٌ لكبرياء شأنه وأنه لا يدانيه أحدٌ ليقدِر على تغيير ما يريده شفاعةً وضراعةً فضلاً عن أن يُدافعه عِناداً أو مُناصبةً { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } أي ما قبلهم وما بعدهم أو بالعكس لأنك مستقبِلُ المستقبَل ومستدبِرُ الماضي ، أو أمورَ الدنيا أو أمورَ الآخرة أو بالعكس أو ما يُحسّونه ، وما يعقِلونه أو ما يدركونه وما لا يدركونه ، والضميرُ لما في السموات والأرض بتغليب ما فيهما من العقلاء على غيرهم أو لما دل عليه من ذا الذي من الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } أي من معلوماته { إِلاَّ بِمَا شَاء } أن يعلموه ، وعطفُه على ما قبله لما أنهما جميعاً دليلٌ على تفرّده تعالى بالعلم الذاتي التامِّ الدالِّ على وحدانيته { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والارض } الكرسي ما يُجلَس عليه ولا يفضُلُ عن مقعد القاعد ، وكأنه منسوبٌ إلى الكِرْس الذي هو المُلبَّد ، وليس ثمةَ كُرسيٌّ ولا قاعدٌ ولا قُعود وإنما هو تمثيل لعظمةِ شأنه عز وجل وسَعة سلطانه وإحاطةِ علمه بالأشياء قاطبةً على طريقة قوله عز قائلاً : { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والارض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ } وقيل : كرسيُّه مجازٌ عن علمِه أخذاً من كرسيِّ العالِم وقيل : عن مُلكه أخذاً من كرسيّ المُلك فإن الكرسيَّ كلما كان أعظمَ تكون عظمةُ القاعدِ أكثرَ وأوفرَ فعبر عن شمول علمه أو بسطةِ ملكه وسلطانِه بسَعة كرسيِّه وإحاطته بالأقطار العلوية والسفلية وقيل : هو جِسمٌ بين يدي العرشِ محيطٌ بالسموات السبْع لقوله صلى الله عليه وسلم : « ما السموات السبعُ والأرضونَ السبعُ مع الكرسي إلا كحلقةٍ في فلاة وفضلُ العرشِ على الكرسيِّ كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة » ولعله الفلَكُ الثامن ، وعن الحسن البصريّ أنه العرش .
{ وَلاَ يَؤُودُهُ } أي لا يُثقِله ولا يشُقُّ عليه { حِفْظُهُمَا } أي حفظُ السموات والأرضِ وإنما لم يتعرَّضْ لذكر ما فيهما لما أن حفظهما مستتبعٌ لحفظه { وَهُوَ العلى } المتعالي بذاته عن الأشباه والأنداد { العظيم } الذي يُستحْقَر بالنسبة إليه كلُّ ما سواه ولما ترى من انطواء هذه الآيةِ الكريمةِ على أمهات المسائل الإلهية المتعلقةِ بالذات العليةِ والصفاتِ الجلية فإنها ناطقةٌ بأنه تعالى موجودٌ متفردٌ بالإلهية متصفٌ بالحياة واجبُ الوجود لذاته موجدٌ لغيره لما أن القيومَ هو القائمُ بذاته المقيمُ لغيره منزَّهٌ عن التحيز والحلول مبرأٌ عن التغير والفتور ، لا مناسبةَ بينه وبين الأشباح ولا يعتريه ما يعتري النفوسَ والأرواحَ مالكُ المُلك والملكوتِ ومُبدعُ الأصولِ والفروع ، ذو البطش الشديد لا يشفَع عنده إلا من أذِن له فيه ، العالِمُ وحده بجميع الأشياء جليِّها وخفيِّها كليِّها وجزئيِّها واسعُ الملك والقدرة لكل ما من شأنه أن يُملَكَ ويُقدَرَ عليه لا يشُقّ عليه شاقٌّ ولا يشغَلُه شأنٌ عن شأن ، متعالٍ عما تناله الأوهامُ ، عظيمٌ لا تُحدق به الأفهام ، تفردت بفضائلَ رائقةٍ وخواصَّ فائقة خلت عنها أخواتُها قال صلى الله عليه وسلم :
« إن أعظمَ آيةٍ في القرآن آيةُ الكرسي . من قرأها بعث الله تعالى ملِكاً يكتُب من حسناته ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة » وقال عليه الصلاة والسلام : « ما قُرئت هذه الآيةُ في دار إلا هجرتْها الشياطينُ ثلاثين يوماً ولا يدخُلها ساحرٌ ولا ساحرةٌ أربعينَ ليلةً » وقال : « يا عليُّ علِّمْها ولدَك وأهلَك وجيرانَك فما نزلت آيةٌ أعظمُ منها » وقال عليه السلام : « مَنْ قرأ آيةَ الكرسيِّ في دُبُرِ كلِّ صلاة مكتوبةٍ لم يمنعْه من دخول الجنةِ إلا الموتُ ولا يواظِبُ عليها إلا صدِّيق أو عابدٌ ومن قرأها إذا أخذ مضجعَه أَمَّنَه الله تعالى على نفسه وجارِه ، وجار جاره ، والأبياتِ حوله » وقال عليه الصلاة والسلام : « سيدُ البشر آدمُ وسيد العربِ محمدٌ ولا فخرٌ وسيدُ الفُرس سلمانُ وسيدُ الرومِ صُهيبٌ وسيدُ الحبشةِ بلالٌ وسيد الجبال الطورُ وسيدُ الأيام يومُ الجمعة وسيدُ القرآنِ سورةُ البقرة وسيدُ البقرةِ آيةُ الكرسي » وتخصيصُ سيادته صلى الله عليه وسلم للعرب بالذكر في أثناء تعدادِ السيادات الخاصةِ لا يدل على نفي ما دلت عليه الأخبارُ المستفيضةُ وانعقد عليه الإجماعُ من سيادته عليه السلام لجميع أفرادِ البشر . (1/311)
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)
{ لا إِكْرَاهَ فِى الدين } جملةٌ مستأنفة جِيء بها إثرَ بيانِ تفرُّدِه سبحانه وتعالى بالشؤون الجليلةِ الموجبةِ للإيمان به وحده إيذاناً بأن مِنْ حق العاقلِ ألا يحتاجَ إلى التكليف والإلزام بل يختارُ الدينَ الحقَّ من غير ترددٍ وتلعثم وقيل : هو خبرٌ في معنى النهي أي لا تُكرِهوا في الدين فقيل : منسوخٌ بقوله تعالى : { جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ } وقيل : خاصٌّ بأهل الكتاب حيث حصَّنوا أنفسَهم بأداءِ الجزية ورُوي أنه كان لأنصاريَ من بني سالم بن عوفٍ ابنان قد تنصّرا قبل مبعثه عليه السلام ثم قدِما المدينة فلزِمهما أبوهما وقال : والله لا أدَعُكما حتى تُسلما فأَبَيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فخلاّهما { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } استئنافٌ تعليلي صُدّر بكلمة التحقيقِ لزيادة تقريرِ مضمونِه كما في قوله عز وجل : { قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً } أي إذ قد تبين بما ذُكر من نعوته تعالى التي يمتنع توهُّمُ اشتراك غيرِه في شيء منها الإيمانُ الذي هو الرشدُ الموصل إلى السعادة الأبدية من الكفر الذي هو الغيُّ المؤدي إلى الشقاوة السرمدية { فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت } هو بناءُ مبالغة من الطغيان كالمَلَكوت والجَبَروت قُلب مكانُ عينه ولامِه فقيل : هو في الأصل مصدر وإليه ذهب الفارسيُّ وقيل : اسمُ جنسٍ مُفرَدٍ مذكر ، وإنما الجمعُ والتأنيثُ لإرادة الآلهةِ وهو رأيُ سيبويه ، وقيل : هو جمعٌ وهو مذهبُ المبرِّد وقيل : يستوي فيه المُفرَد والجمعُ والتذكيرُ والتأنيثُ أي فمن يعملْ إثرَ ما تميز الحقُّ من الباطل بموجب الحُججِ الواضحةِ والآياتِ البينة ويكفرْ بالشيطان أو بالأصنام أو بكل ما عُبد من دون الله تعالى أو صَدَّ عن عبادته سبحانه تعالى لِما تبيّن له كونُه بمعزل من استحقاق العبادة { وَيُؤْمِن بالله } وحدَه لِما شاهد من نعوتِه الجليلةِ المقتضيةِ لاختصاص الألوهيةِ به عز وجل الموجبةِ للإيمان والتوحيدِ ، وتقديمُ الكفرِ بالطاغوت على الإيمان به تعالى لتوقفه عليه فإن التخليةَ متقدّمةٌ على التحلية { فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى } أي بالغَ في التمسُّك بها كأنه وهو ملتبسٌ به يطلُبُ من نفسه الزيادةَ فيه والثباتَ عليه { لاَ انفصام لَهَا } الفصْم الكسرُ بغير صوت كما أن القَصْم هو الكسرُ بصوت ، ونفيُ الأول يدل على انتفاءِ الثاني بالأولوية ، والجملةُ إما استئنافٌ مقرِّر لما قبلها من وَثاقة العُروة وإما حالٌ من العروة والعاملُ استمسك أو من الضمير المستتر في الوثقى ولها في حيز الخبر ، أي كائن لها والكلامُ تمثيلٌ مبنيٌّ على تشبيه الهيئة العقليةِ المنتزَعةِ من ملازمة الاعتقادِ الحقِّ الذي لا يحتمل النقيضَ أصلاً لثبوته بالبراهين النيِّرة القطعية بالهيئة الحِسّية المنتزَعه من التمسُّك بالحبل المُحْكَم المأمونِ انقطاعُه فلا استعارةَ في المفردات ويجوز أن تكونَ العُروةُ الوثقى مستعارةً للاعتقاد الحقِّ الذي هو الإيمانُ والتوحيدُ لا للنظر الصحيح المؤدّي إليه كما قيل فإنه غيرُ مذكورٍ في حيز الشرط ، والاستمساكُ بها مستعاراً لِما ذكر من الملازمة أو ترشيحاً للاستعارة الأولى { والله سَمِيعٌ } بالأقوال { عَلِيمٌ } بالعزائم والعقائدِ ، والجملةُ اعتراضٌ تذييلي حاملٌ على الإيمان رادِعٌ عن الكفر والنفاق بما فيه من الوعد . (1/312)
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)
{ اللَّهُ وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ } أي مُعينُهم أو متولي أمورِهم ، والمرادُ بهم الذين ثبتَ ففي علمه تعالى إيمانُهم في الجملة مآلاً أو حالاً { يُخْرِجُهُم } تفسيرٌ للولاية أو خبرٌ ثانٍ عند من يجوِّز كونَه جملةً أو حال من الضمير في وليّ { مِنَ الظلمات } التي هي أعمُّ من ظلمات الكفرِ والمعاصي وظلماتِ الشُبَه بل مما في بعض مراتبِ العلوم الاستدلالية من نوعِ ضعفٍ وخفاءٍ بالقياس إلى مراتبها القوية الجليةِ بل مما في جميع مراتبِها بالنظر إلى مرتبة العِيان كما ستعرفه { إِلَى النور } الذي يعمُّ نورَ الإيمان ونورَ الإيقان بمراتبه ونورَ العِيان ، أي يُخرج بهدايته وتوفيقِه كلَّ واحد منهم من الظُلمة التي وقع فيها إلى ما يقابلها من النور ، وإفرادُ النور لتوحيد الحق كما أن جمعَ الظلمات لتعدد فنون الضلال { والذين كَفَرُواْ } أي الذين ثبت في علمه تعالى كفرُهم { أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت } أي الشياطينُ وسائرُ المضلين عن طريق الحق فالموصولُ مبتدأ وأولياؤُهم مبتدأٌ ثانٍ والطاغوتُ خبرُه والجملةُ خبرٌ للأول والجملةُ الحاصلةُ معطوفةٌ على ما قبلها ، ولعل تغييرَ السبك للاحتراز عن وضع الطاغوتِ في مقابلة الاسم الجليل ولقصد المبالغة بتكرير الإسناد مع الإيماء إلى التباين بين الفريقين من كل وجهٍ حتى من جهة التعبير أيضاً { يُخْرِجُونَهُم } بالوساوس وغيرِها من طرق الإضلال والإغواء { مّنَ النور } الفِطري الذي جُبل عليه الناسُ كافةً أو من نور البيناتِ التي يشاهدونها من جهة النبيِّ صلى الله عليه وسلم بتنزيل تمكُّنِهم من الاستضاءة بها منزلةَ نفسِها { إِلَى الظلمات } ظلماتِ الكفر والانهماكِ في الغِل وقيل : نزلت في قوم ارتدّوا عن الإسلام والجملةُ تفسير لولاية الطاغوت أو خبرٌ ثانٍ كما مر وإسنادُ الإخراجِ من حيث السببيةُ إلى الطاغوت لا يقدَحُ في استناده من حيث الخلقُ إلى قدرته سبحانه { أولئك } إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلة وما يتبعه من القبائح { أصحاب النار } أي ملابسوها وملازموها بسبب ما لهم من الجرائم { هُمْ فِيهَا خالدون } ماكثون أبداً . (1/313)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ } استشهادٌ على ما ذكر من أن الكفَرةَ أولياؤُهم الطاغوتُ وتقريرٌ له على طريقة قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ } كما أن ما بعده استشهاد على ولايته تعالى للمؤمنين وتقريرٌ لها وإنما بُدىء بهذا لرعاية الاقترانِ بينه وبين مدلولِه ولاستقلاله بأمر عجيبٍ حقيق بأن يُصدَّر به المقالُ وهو اجتراؤه على المُحاجّة في الله عز وجل وما أتى بها في أثنائها من العظيمة المنادية بكمال حماقته ولأن فيما بعده تعدداً وتفصيلاً يورث تقديمُه انتشار النظم على أنه قد أشير في تضاعيفه إلى هداية الله تعالى أيضاً بواسطة إبراهيمَ عليه السلام فإن يحكى عنه من الدعوة إلى الحق وإدحاضِ حجةِ الكافر من آثار ولايته تعالى ، وهمزةُ الاستفهامِ لإنكار النفي وتقريرِ المنفي أي ألم تنظُرْ أو ألم ينتهِ علمُك إلى هذا الطاغوت المارد كيف تصدى لإضلال الناس وإخراجهم من النور إلى الظلمات أي قد تحققت الرؤيةُ وتقرَّرت بناءً على أن أمره من الظهور بحيث لا يكاد يخفى على أحد ممن له حظٌّ من الخطاب فظهر أن الكفَرةَ أولياؤُهم الطاغوتُ وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام تشريفٌ له وإيذانٌ بتأييده في المُحاجة { أَنْ آتاه الله الملك } أي لاِءَنْ آتاه إياه حيث أبطره ذلك وحملَه على المُحاجّة أو حاجه لأجله وضعاً للمُحاجّة التي هي أقبحُ وجوهِ الكفر موضعَ ما يجبُ عليه من الشكر كما يقال : عاديتني لاِءَن أحسنتُ إليك ، أو وقتَ أن آتاه الله الملكَ وهو حجةٌ على من منع إيتاءَ الله المُلك للكافر . (1/314)
{ إِذْ قَالَ إبراهيم } ظرفٌ لحاجَّ أو بدلٌ من آتاه على الوجه الأخير { رَبّيَ الذى يُحْىِ وَيُمِيتُ } بفتح ياء ربي وقرىء بحذفها . رُوي أنه عليه الصلاة والسلام لما كسر الأصنام سجنه ثم أخرجه فقال : من ربُّك الذي تدعو إليه؟ قال : « ربي الذي يُحيي ويميت » أي يخلُق الحياةَ والموتَ في الأجساد { قَالَ } استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل : كيف حاجّه في هذه المقالة القوية الحقة؟ فقيل قال : { أنا أحيى وأميت } رُوي أنه دعا برجلين فقتل أحدَهما وأطلق الآخر فقال ذلك { قَالَ إبراهيم } استئنافٌ كما سلف كأنه قيل : فماذا قال إبراهيمُ لمن في هذه المرتبة من الحماقة وبماذا أفحمه؟ فقيل قال : { فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق } حسبما تقتضيه مشيئتُه { فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب } إن كنت قادراً على مثل مقدوراته تعالى فلم يلتفِتْ عليه السلام إلى إبطال مقالةِ اللعين إيذاناً بأن بطلانها من الجلاءِ والظهورِ بحيث لا يكاد يخفى على أحد وأن التصديَ لإبطالها من قبيل السعي في تحصيل الحاصل وأتى بمثال لا يجد اللعين فيه مجالاً للتمويه والتلبيس { فَبُهِتَ الذى كَفَرَ } أي صار مبهوتاً وقرىء على بناء الفاعل على أن الموصول مفعوله أي فغلب إبراهيمُ الكافر وأسكته ، وإيراد الكفر في حيز الصلة للإشعار بعلة الحكم والتنصيص على كون المحاجة كفراً { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله أي لا يهدي الذين ظلموا أنفسَهم بتعريضها للعذاب المخلد بسبب إعراضِهم عن قبول الهداية إلى مناهج الاستدلالِ أو إلى سبيل النجاة أو إلى طريق الجنةِ يوم القيامة .
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)
{ أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ } استشهادٌ على ما ذكر من ولايته تعالى للمؤمنين وتقريرٌ له معطوفٌ على الموصول السابق ، وإيثارُ أو الفارقةِ على الواو الجامعة للاحتراز عن توهّم اتحادِ المستشهد عليه من أول الأمر والكاف إما اسميةٌ كما اختاره قوم جيء بها للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارِها فيما ذكر كما في قولك : الفعلُ الماضي مثلُ نصر وإما زائدة كما ارتضاه آخرون ، والمعنى أَوَ لَمْ تَرَ إلى مثل الذي أو إلى الذي مرَّ على قرية كيف هداه الله تعالى وأخرجه من ظُلمة الاشتباه إلى نور العِيان والشهود ، أي قد رأيت ذلك وشاهدتَه فإذن لا ريب في أن الله وليُّ الذين آمنوا الخ . هذا وأما جعلُ الهمزةِ لمجرد التعجيبِ على أن يكون المعنى في الأول ألم تنظرُ إلى الذي حاجّ الخ أي انظُر إليه وتعجبْ من أمره وفي الثاني أو أرأيتَ مثلَ الذي مرَّ الخ إيذاناً بأن حالَه وما جرى عليه في الغرابة بحيث لا يُرى له مَثَلٌ كما استقر عليه رأي الجمهور فغيرُ خليقٍ بجزالة التنزيلِ وفخامة شأنه الجليل ، فتدبر . والمارُّ هو عُزيرُ بنُ شرخيا قاله : قتادةُ والربيع وعِكْرِمةُ وناجية بن كعب وسليمان بن يزيدَ والضحاك والسدي رضي الله عنهم وقيل : هو أرميا بن حلقيا من سبط هارونَ عليه السلام قاله : وهب وعبيدُ اللَّه بنُ عمير وقيل : أرميا هو الخَضِرُ بعينه قال مجاهد كان المارُّ رجلاً كافراً بالبعث ، وهو بعيد ، والقريةُ بيتُ المقدِس قاله : وهْبٌ وعكرِمة والربيع ، وقيل : هي ديرُ هِرَقل على شط دِجْلةَ وقال الكلبي : هي ديرُ سابر آباد وقال السدي : هي دير سلما باد والأول هو الأظهر والأشهر . (1/315)
رُوي أن بني إسرائيلَ لما بالغوا في تعاطي الشرِّ والفسادِ وجاوزوا في العتوِّ والطغيانِ كلَّ حدّ معتادٍ سلط الله تعالى عليهم بُختَ نَصَّر البابليَّ فسار إليهم في ستمائة ألفِ رايةٍ حتى وطِىءَ الشامَ وخرَّب بيتَ المقدِس وجعل بني إسرائيلَ أثلاثاً ثلثٌ منهم قتلَهم وثلثٌ منهم أسكنهم بالشام وثلثٌ منهم سباهم وكانوا مائةَ ألفِ غلام يافعٍ وغيرِ يافع فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل ملك منهم أربعة غِلمة وكان عُزير من جملتهم فلما نجاه الله تعالى منهم بعد حين مرّ بحماره على بيتَ المقدِس فرآه على أفظع مرأىً وأوحشَ منظرٍ وذلك قوله عز وجل : { وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } أي ساقطة على سقوفها بأن سقطت العروشُ ثم الحيطانُ من خوَى البيتُ إذا سقط أو من خوَت الأرضُ أي تهدمت والجملة حال من ضمير { مَرَّ } أو من { قَرْيَةٌ } عند من يجوِّز الحالَ من النكرة مطلقاً { قَالَ } أي تلهفاً عليها وتشوقاً إلى عِمارتها مع استشعار اليأس عنها { أنَّى يُحيِى هذه الله } وهي على ما يُرى من الحالة العجيبةِ المباينة للحياة ، وتقديمُها على الفاعل للاعتناء بها من حيث أن الاستبعاد ناشىء من جهتها لا من جهة الفاعل وأنّى نُصب على الظرفية إن كانت بمعنى متى ، وعلى الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف والعامل يُحيي وأياً ما كان فالمرادُ استبعادُ عمارتها بالبناء والسكان من بقايا أهلها الذين تفرقوا أيديَ سَبَاْ ومن غيرِهم ، وإنما عبر عنها بالإحياء الذي هم علَمٌ في البعد عن الوقوع عادةً تهويلاً للخطب وتأكيداً للاستبعاد كما أنه لأجله عبر عن خرابها بالموت حيث قيل : { بَعْدَ مَوْتِهَا } وحيث كان هذا التعبيرُ معرِباً عن استبعاد الإحياء بعد الموت على أبلغ وجهٍ وآكَدِه أراه الله عز وجل آثِرَ ذي أثيرٍ أبعدَ الأمرين في نفسه ثم في غيره ثم أراه ما استبعده صريحاً مبالغةً في إزاحة ما عسى يختلِجُ في خلَده ، وأما حملُ إحيائها على إحياء أهلها فيأباه التعرُّضُ لحال القرية دون حالهم والاقتصارَ على ذكر موتهم دون كونهم تراباً وعظاماً مع كونه أدخلَ في الاستبعاد لشدة مباينتِه للحياة وغايةِ بعدِه عن قَبولها على أنه لم تتعلقْ إرادتُه تعالى بإحيائهم كما تعلقت بعمارتها ومعاينةِ المارِّ لها كما ستحيط به خبراً .
{ فَأَمَاتَهُ الله } وألبثه على الموت { مِاْئَةَ عَامٍ } رُوي أنه لما دخل القريةَ ربطَ حمارَه فطاف بها ولم يرَ بها أحداً فقال ما قال ، وكانت أشجارُها قد أثمرت فتناول من التين والعنب وشرِب من عصيره ونام فأماته الله تعالى في منامه وهو شابٌّ وأماتَ حماره وبقيةُ تينِه وعِنَبه وعصيرِه عنده ثم أعمى الله تعالى عنه عيونَ المخلوقاتِ فلم يرَه أحد فلما مضى من موته سبعون سنةً وجّه الله عز وعلا ملِكاً عظيماً من ملوك فارسَ يقال له يوشَكُ إلى بيت المقدس ليعمُرَه ومعه ألفُ قَهْرمانٍ مع كل قهرمانٍ ثلثُمائة ألفِ عاملٍ فجعلوا يعمُرونه وأهلك الله تعالى بُخْتَ نَصَّر ببعوضة دخلتْ دماغَه ونجى الله تعالى من بقيَ من بني إسرائيلَ وردَّهم إلى بيت المقدِس وتراجَع إليه من تفرَّق منهم في الأكناف فعمروه ثلاثين سنةً وكثُروا وكانوا كأحسنِ ما كانوا عليه فلما تمت المائةُ من موت عُزير أحياه الله تعالى وذلك قوله تعالى : { ثُمَّ بَعَثَهُ } وإيثارُه على أحياه للدلالة على سرعته وسهولةِ تأتِّيه على البارىء تعالى كأنه بعثه من النوم وللإيذان بأنه أعاده كهيئته يومَ موته عاقلاً فاهماً مستعداً للنظر والاستدلال ، { قَالَ } استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قال له بعد بعثه؟ فقيل : قال : { كَمْ لَبِثْتَ } ليُظهرَ له عجزَه عن الإحاطة بشؤونه تعالى وأن إحياءَه ليس بعد مدة يسيرةٍ ربما يُتوَهم أنه هيِّنٌ في الجملة بل بعد مدةٍ طويلةٍ وينحسِم به مادةُ استبعادِه بالمرة ويطلُع في تضاعيفه على أمر آخرَ من بدائع آثارِ قُدرتِه تعالى وهو إبقاءُ الغذاء المتسارعِ إلى الفساد بالطبع على ما كان عليه دهراً طويلاً من غي تغيّرٍ ما ، وكم نُصبَ على الظرفية مميِّزُها محذوفٌ أي كم وقتاً لبِثَ والقائلُ هو الله تعالى أو ملَكٌ مأمورٌ بذلك من قِبَله تعالى قيل : نُوديَ من السماء يا عزيرُ كم لبثت بعد الموت؟ (1/316)
{ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } قاله بناءً على التقريب والتخمين أو استقصاراً لمدة لُبثِه ، وأما ما يقال من أنه مات ضُحىً وبُعث بعد المائة قبيل الغروب فقال : قبلَ النظرِ إلى الشمس يوماً فالتفت إليها فرأى منها بقيةً فقال : أو بعضَ يوم على وجه الإضراب فبمعزلٍ عن التحقيق إذ لا وجهَ للجزم بتمام اليوم ولو بناءً على حُسبان الغروب لتحقق النُقصان من أوله { قَالَ } استئنافٌ كما سلف { بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } عطف على مقدر أي ما لبثتَ ذلك القدرَ بل هذا المقدارَ { فانظر } لتُعايِنَ أمراً آخرَ من دلائلِ قدرتنا { إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } أي لم يتغيرْ في هذه المدة المتطاولة مع تداعيه إلى الفساد .
رُوي أنه وجد تينَه وعِنَبه كما جَنَى وعصيرَه كما عَصَر ، والجملة المنفيةُ حالٌ بغير واو كقوله تعالى : { لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } إما من الطعام والشراب وإفرادُ الضمير لجَرَيانهما مجرى الواحدِ كالغذاء وإما من الأخير اكتفاءً بدلالة حالِه على حال الأول ويؤيده قراءةُ من قرأ وهذا شرابُك لم يتسنَّ والهاء أصليةٌ أو هاءُ سَكْتٍ ، واشتقاقُه من السنة لما أن لامها هاءٌ أو واوٌ وقيل : أصلُه لم يتسنّنْ من الحمأ المسنون فقلبت نونُه حرفَ علة كما في تقضى البازي وقد جوز أن يكون معنى لم يتسنهْ لم يمرَّ عليه السنونَ التي مرت لا حقيقةً بل تشبيهاً أي هو على حاله كأنه لم يلبَثْ مائةَ عامٍ وقرىء لم يَسَّنَّهْ بإدغام التاء في السين . (1/317)
{ وانظر إلى حِمَارِكَ } كيف نخِرَتْ عظامُه وتفرقت وتقطعت أوصالُه وتمزقتْ ليتبيَّن لك ما ذُكرَ من لُبثك المديدِ وتطمئِنَّ به نفسُك ، وقولُه عز وجل : { وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } عطفٌ على مقدر متعلقٍ بفعل مقدرٍ قبله بطريق الاستئنافِ مقرِّرٌ لمضمون ما سبق ، أي فعلنا ما فعلنا من إحيائك بعد ما ذكر لتُعايِنَ ما استبعَدْتَه من الإحياء بعد دهرٍ طويلٍ ولنجعلَك آيةً للناس الموجودين في هذا القرنِ بأن يشاهدوك وأنت من أهل القرونِ الخاليةِ ويأخذوا منك ما طُوِي عنهم منذ أحقابٍ مِنْ علمِ التوراة كما سيأتي ، أو متعلقٌ بفعل مقدرٍ بعده ، أي ولنجعلك آية لهم على الوجه المذكور فعلنا ما فعلنا فهو على التقديرين دليلٌ على ما ذكر من اللُبث المديدِ ولذلك فُرِّق بينه وبين الأمرِ بالنظر إلى حماره ، وتكريرُ الأمر في قوله تعالى : { وانظر إِلَى العظام } مع أن المرادَ عظامُ الحمار أيضاً لما أن المأمور به أولاً هو النظرُ إليها من حيث دِلالتُها على ما ذكر من اللُبث المديد ، وثانياً هو النظرُ إليها من حيث تعتريها الحياةُ ومباديها ، أي وانظرْ إلى عظام الحمار لتشاهِدَ كيفيةَ الإحياء في غيرك بعد ما شاهدتَ نفسَه في نفسك { كَيْفَ نُنشِزُهَا } بالزاي المعجمة أي نرفَعُ بعضَها إلى بعض ونردُّها إلى أماكنها من الجسد فنركبُها تركيباً لائقاً بها ، وقال الكسائي : نُلِينُها ونُعْظِمُها .
ولعل من فسره بنُحييها أراد بالإحياء هذا المعنى وكذا من قرأ نُنْشِرُها بالراء من أَنْشَر الله تعالى الموتى أي أحياها لا معناه الحقيقي لقوله تعالى : { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } أي نستُرها به كما يُستر الجسدُ باللباس ، وأما من قرأ نَنشُرُها بفتح النون وضم الشين فلعله أراد به ضِدَّ الطيِّ كما قال الفراء ، فالمعنى كيف نبسُطها ، والجملةُ إما حالٌ من العظام أي وانظُر إليها مركبةً مكسُوَّةً لحماً ، أو بدلُ اشتمالٍ أي وانظُرْ إلى العظام كيفيةِ إنشازِها وبسطِ اللحم عليها ، ولعل عدمَ التعرض لكيفية نفخِ الروحِ لما أنها مما لا تقتضي الحِكمةُ بيانَه . رُوي أنه نودي : «أيتها العظامُ الباليةُ إن الله يأمرُك أن تجتمعي» فاجتمعَ كلُّ جزءٍ من أجزائها التي ذهبَ بها الطيرُ والسِّباعُ وطارت بها الرياح من كل سهلٍ وجبلٍ فانضم بعضُها إلى بعض والتصق كلُّ عضوٍ بما يليق به الضِّلْعُ والذراعُ بمحلها والرأسُ بمَوْضِعها ثم الأعصابُ والعروق ثم انبسط عليه اللحمُ ثم الجلدُ ثم خرجت منه الشعورُ ثم نُفخ فيه الروحُ فإذا هو قائم ينهَقُ . (1/318)
{ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } أي ما دل عليه الأمرُ بالنظر إليه من كيفية الإحياءِ بمباديه ، والفاءُ للعطف على مقدر يستدعيه الأمرُ المذكور ، وإنما حذف للإيذان بظهور تحققِه واستغنائِه عن الذكر ، وللإشعار بسرعة وقوعِه كما في قوله عز وجل : { فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } بعد قوله : { قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب أَنَاْ ءاتِيكَ } كأنه قيل : فأنشَزَها الله تعالى وكساها لحماً فنظرَ إليها فتبيّن له كيفيتُه فلما تبين له ذلك أي اتضح اتضاحاً تاماً { قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء } من الأشياء التي من جملتها ما شاهده في نفسه وفي غيره من تعاجيبِ الآثارِ { قَدِيرٌ } لا يستعصي عليه أمرٌ من الأمور ، وإيثارُ صيغةِ المضارعِ للدَلالة على أن علمَه بذلك مستمِرٌّ نظراً إلى أن أصلَه لم يتغيرْ ولم يتبدل ، بل إنما تبدل بالعِيان وصفُه ، وفيه إشعارٌ بأنه إنما قال ما قال بناءً على الاستبعاد العادي واستعظاماً للأمر . وقد قيل : فاعلُ تبيَّن مُضمرٌ يفسرُه مفعولُ { أَعْلَمُ } ، أي فلما تبيّن له أن الله على كل شيء قدير قال أعلم أن الله على كل شيء قدير فتدبر . وقرىء تُبُيِّن له على صيغة المجهول وقرىء : قالَ اعْلَمْ على صيغة الأمر ، رُوي أنه ركب حماره وأتى مَحَلّته وأنكره الناسُ وأنكر الناسَ وأنكر المنازلَ فانطلق على وهْمٍ منه حتى أتى منزلَه فإذا هو بعجوزٍ عمياءَ مُقعَدةٍ قد أدركت زمنَ عُزيرٍ فقال لها عزيرٌ : يا هذه هذا منزلُ عزيرٍ؟ قالت : نعم وأين ذكرى عزير وقد فقدناه منذ كذا وكذا فبكت بكاءً شديداً قال : فإني عزيرٌ قالت : سبحان الله أنى يكونُ ذلك؟ قال : قد أماتني الله مائة عام ثم بعثني قالت : إن عزيراً كان رجلاً مستجابَ الدعوة فادعُ الله لي يردُّ عليَّ بصري حتى أراك فدعا ربه ومسَحَ بيده عينيها فصحَّتا فأخذ بيدها فقال لها : قومي بإذن الله فقامت صحيحةً كأنها نشِطَتْ من عِقالٍ فنظرت إليه فقالت : أشهدُ أنك عزيرٌ فانطلقت إلى مَحَلّة بني إسرائيلَ وهم في أنديتهم وكان بها ابنٌ لعزير قد بلغ مائة وثمانيَ عشْرةَ سنةً وبنو بنيه شيوخ فنادت هذا عزيرٌ قد جاءكم فكذبوها فقالت : انظُروا فإني بدعائه رجعت إلى هذه الحالة فنهض الناسُ فأقبلوا إليه فقال ابنه : كان لأبي شامةٌ سوداءُ بين كتِفَيه مثلَ الهلالِ فكشف فإذا هو كذلك وقد كان قتل بُختُ نَصَّرُ ببيت المقدس من قرّاء التوراةِ أربعين ألفِ رجل ولم يكن يومئذ بينهم نسخةٌ من التوراة ولا أحدٌ يعرفُ التوراةَ فقرأها عليهم عن ظهر قلبه من غير أن يخْرِم منها حرفاً فقال رجل من أولاد المَسْبيّين ممن ورد بيتَ المقدس بعد مهلِك بُختَ نَصَّرَ : حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراةَ يوم سُبينا في خابيةٍ في كَرْم فإن أرَيتُموني كرمَ جدّي أخرجتُها لكم فذهبوا إلى كرم جدِّه ففتشوا فوجدوها فعارضوها بما أملى عليهم عُزيرٌ من ظهر القلب فما اختلفا في حرف واحد فعند ذلك قالوا : هو ابنُ الله ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)
{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم } دليلٌ آخرُ على ولايته تعالى للمؤمنين وإخراجِه لهم من الظلمات إلى النور وإنما لم يسلُك به مسلكَ الاستشهاد كما قبله بأن يقال أو كالذي قال : ربِّ الخ لجَرَيان ذكره عليه السلام في أثناء المُحاجَّة ولأنه لا دخْلَ لنفسه عليه السلام في أصل الدليل كدأب عُزيرٍ عليه السلام فإن ما جَرى عليه من إحيائه بعد مائةِ عامٍ من جملة الشواهد على قدرته تعالى وهدايته ، والظرفُ منتصبٌ بمُضمرٍ صُرِّح بمثله في نحو قوله تعالى : { واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء } أي واذكر وقت قوله عليه السلام وما وقع حينئذ من تعاجيب صنعِ الله تعالى لتقِفَ على ما مرَّ من ولايته تعالى وهدايته . وتوجيهُ الأمرِ بالذكر في أمثال هذه المواقعِ إلى الوقت دون ما وقع فيه من الواقعات مع أنها المقصودة بالتذكير لما ذُكر غير مرة من المبالغة في إيجاب ذكرِها لما أن إيجابَ ذكرِ الوقت إيجابٌ لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني ولأن الوقتَ مشتمِلٌ عليها مفصّلةً فإذا استُحضِرَ كانت حاضرةً بتفاصيلها بحيث لا يشِذُّ عنها شيءٌ مما ذكر عند الحكاية أو لم يُذْكَرْ كأنها مشاهدةٌ عِياناً { رَبّ } كلمة استعطافٍ قُدّمت بين يدي الدعاء مبالغةً في استدعاء الإجابة { أَرِنِى } من الرؤية البَصَرية المتعدِّية إلى واحدٍ وبدخول همزةِ النقل طلبَتْ مفعولاً آخرَ هو الجملةُ الاستفهامية المعلِّقةُ لها فإنها تعلِّق كما يُعلَّق النظرُ البصَريُّ أي اجعلني مبصراً { كَيْفَ تُحْىِ الموتى } بأن تحيِيهَا وأنا أنظرُ إليها ، وكيف في محل نصبٍ على التشبيه بالظرف عند سيبويه ، وبالحال عند الأخفش ، والعاملُ فيها تحيي أي في أيِّ حال أو على أيِّ حالٍ تحيي . قال القرطبيُّ : الاستفهامُ بكيف إنما هو سؤالٌ عن حال شيءٍ متقررِ الوجود عند السائلِ والمسؤولِ ، فالاستفهامُ هاهنا عن هيئة الإحياءِ المتقرّر عند السائل أي بصِّرْني كيفيةَ إحيائِك للموتى ، وإنما سأله عليه السلام ليتأيّد إيقانُه بالعِيان ويزدادَ قلبُه اطمئناناً على اطمئنان ، وأما ما قيل من أن نمرودَ لما قال : أنا أحيي وأميت قال إبراهيمُ عليه السلام : «إن إحياءَ الله تعالى بردِّ الأرواح إلى الأجساد» فقال نمرودُ : هل عاينتَه فلم يقدِرْ على أن يقول : نعم فانتقل إلى تقريرٍ آخرَ ثم سأل ربه أن يُرِيَه ذلك فيأباه تعليلُ السؤال بالاطمئنان . (1/319)
{ قَالَ } استئناف كما مر غيرَ مرة { أَوَلَمْ تُؤْمِن } عطفٌ على مقدرٍ أي ألم تعلمْ ولم تؤمنْ بأني قادرٌ على الإحياء كيف أشاء حتى تسألَني إراءتَه قال عز وعلا وهو أعلم بأنه عليه السلام أثبتُ الناسِ إيماناً وأقواهم يقيناً : ليجيبَ بما أجاب به فيكون ذلك لطفاً للسامعين { قَالَ بلى } علِمت وآمنتُ بأنك قادر على الإحياء على أي كيفية شئت { ولكن } سألت ما سألت { لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } بمُضامَّة العِيانِ إلى الإيمان والإيقان وأزدادَ بصيرةً بمشاهدته على كيفية معينة .
{ قَالَ فَخُذْ } الفاءُ لجواب شرطٍ محذوف أي إن أردت ذلك فخُذ { أَرْبَعَةً مّنَ الطير } قيل : هو اسمٌ لجمعِ طائر ، كرَكْبٍ وسَفْرٍ وقيل : جمعٌ له كتاجرٍ وتَجْرٍ وقيل : هو مصدرٌ سمي به الجنسُ وقيل : هو تخفيفُ طيّرٍ بمعنى طائر كهيْنٍ في هيّن ، ومِنْ متعلقة بخُذ أو بمحذوف وقع صفةً لأربعةً أي أربعةً كائنة من الطير ، قيل : هي طاووسٌ وديكٌ وغرابٌ وحَمامةٌ وقيل : نَسْرٌ بدلَ الأخير ، وتخصيصُ الطير بذلك لأنه أقربُ إلى الإنسان وأجمعُ لخواصِّ الحيوان ولسهولةِ تأتيِّ ما يُفعلُ به من التجزئة والتفريق وغيرِ ذلك { فَصُرْهُنَّ } من صارَه يصورُه أي أماله وقرىء بكسر الصاد من صاره يَصيره ، أي أمِلْهن واضمُمْهن وقرىء فصُرَّهن بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء من صرَّه يصِرُّه ويصُره إذا جمعه وقرىء فصَرِّهِنّ من التَّصْرية بمعنى الجمع أي اجمَعْهن { إِلَيْكَ } لتتأملَها وتعرِفَ شِياتِها مفصَّلةً حتى تعلم بعد الإحياءِ أن جزءاً من أجزائها لم ينتقِلْ من موضعه الأول أصلاً ، روي أنه أُمر بأن يذبَحها وينتِفَ ريشها ويقطّعها ويفرِّق أجزاءها ويخلِطَ ريشها ودماءَها ولحومَها ويمسك رؤسها ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال وذلك قوله تعالى : { ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا } أي جزِّئهن وفرِّق أجزاءَهن على ما بحضرتك من الجبال قيل : كانت أربعة أجبُل وقيل : سبعة ، فجعل على كل جبل رُبُعاً أو سُبعاً من كل طائر ، وقرىء جُزُؤاً بضمتين وجُزّاً بالتشديد بطرح همزته تخفيفاً ثم تشديدِه عند الوقف ثم إجراءِ الوصل مْجرى الوقف . (1/320)
{ ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ } في حيز الجزمِ على أنه جواب الأمر ولكنه بُني لاتصاله بنون جمع المؤنث { سَعْيًا } أي ساعيات مسرعات أو ذواتِ سعيٍ طيراناً أو مشياً وإنما اقتصر على حكاية أوامره عز وجل من غير تعرضٍ لامتثاله عليه السلام ولا لما ترتب عليه من عجائب آثارِ قدرتِه تعالى كما روي أنه عليه السلام نادى فقال : « تعالَيْنَ بإذن الله » فجعل كلُّ جزءٍ منهن يطير إلى صاحبه حتى صارت جثثاً ثم أقبلْن إلى رؤوسهن فانضمَّتْ كلُّ جثةٍ إلى رأسها فعادت كلُّ واحدة منهن إلى ما كانت عليه من الهيئة للإيذان بأن ترتب تلك الأمورِ على الأوامر الجليلةِ واستحالةَ تخلّفها عنها من الجلاء والظهورِ بحيث لا حاجة له إلى الذكر أصلاً وناهيك بالقصة دليلاً على فضل الخليل ويُمْنِ الضراعة في الدعاء وحُسنِ الأدب في السؤال حيث أراه الله تعالى ما سأله في الحال على أيسرِ ما يكون من الوجوه وأرى عُزيراً ما أراد بعدما أماته مائة عام { واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ } غالبٌ على أمره لا يُعجزُه شيء عما يريده { حَكِيمٌ } ذو حكمةٍ بالغة في أفاعيله فليس بناءُ أفعاله على الأسباب العادية لعجزه عن إيجادها بطريق آخرَ خارقٍ للعادات بل لكونه متضمناً للحِكَم والمصالح .
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)
{ مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله } أي في وجوه الخيرِ من الواجب والنفل { كَمَثَلِ حَبَّةٍ } لا بد من تقديرِ مضافٍ في أحد الجانبين أي مَثلُ نفقتِهم كمثلِ حبةً أو مَثلُهم كمَثلِ باذرِ حبة { أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } أي خرَّجت ساقاً تشعّب منها سبعُ شُعبٍ لكل واحدة منها سنبلة { فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } كما يشاهَد ذلك في الذُرة والدخن في الأراضي المغلة بل أكثر من ذلك ، وإسنادُ الإنباتِ إلى الحبة مجازيٌ كإسناده إلى الأرض والربيع ، وهذا التمثيلُ تصويرٌ للأضعاف كأنها حاضرةٌ بين يدَي الناظر { والله يضاعف } تلك المضاعفةَ أو فوقها إلى ما شاء الله تعالى { لِمَن يَشَاء } أن يضاعِفَ له بفضله على حسب حالِ المنفِق من إخلاصه وتعبِه ولذلك تفاوتت مراتبُ الأعمال في مقادير الثواب { والله واسع } لا يَضيقُ عليه ما يتفضّل به من الزيادة { عَلِيمٌ } بنية المنفقِ ومقدارِ إنفاقِه وكيفيةِ تحصيلِ ما أنفقه { الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله } جملةٌ مبتدأةٌ جيء بها لبيان كيفيةِ الإنفاق الذي بُيِّن فضلُه بالتمثيل المذكور { ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ } أي ما أنفقوه أو إنفاقَهم { مَنّا وَلا أَذًى } المن أن يَعتدَّ على مَنْ أحسن إليه بإحسانه ويُريَه أنه أوجبُ بذلك حقاً والأذى أن يتطاولَ عليه بسبب إنعامه عليه وإنما قُدم المن لكثرة وقوعِه ، وتوسيطُ كلمة { لا } للدَلالة على شمول النفي لإتباع كل واحدٍ منهما و { ثُمَّ } لإظهار علوِّ رتبة المعطوف ، قيل : نزلت في عثمان رضي الله عنه حين جهز جيش العُسرة بألفِ بعير بأقتابها وأحلاسها وعبدِ الرحمن بنِ عوف رضي الله عنه حين أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقةً ولم يكَدْ يخطُر ببالها شيءٌ من المن أو الأذى { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } أي حسبما وُعدَ لهم في ضمن التمثيل ، وهو جملةٌ من مبتدأ وخبر وقعت خبراً عن الموصول ، وفي تكرير الإسناد وتقييدِ الأجر بقوله : { عِندَ رَبّهِمْ } من التأكيد والتشريفِ ما لا يخفى ، وتخليةُ الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها للإيذان بأن ترتبَ الأجر على ما ذكر من الإنفاق وتركَ إِتباعِ المن والأذى أمرٌ بيِّن لا يحتاج إلى التصريح بالسببية وأما إيهامُ أنهم أهلٌ لذلك وإن لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا فيأباه مقامُ الترغيب في الفعل والحث عليه { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } في الدارين من لحوق مكروهٍ من المكاره { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } لفوات مطلوبٍ من المطالب قلَّ أو جلَّ ، أي لا يعتريهم ما يوجبه لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم خوفٌ وحزن أصلاً بل يستمرون على النشاط والسرور ، كيف لا واستشعارُ الخوف والخشية استعظاماً لجلال الله وهيبته واستقصاراً للجِد والسعي في إقامة حقوقِ العبودية من خواصِّ الخاصةِ والمقرَّبين ، والمرادُ بيانُ دوامِ انتفائِهما لا بيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يوهمه كونُ الخبر في الجملة الثانية مضارعاً عالماً أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيدُ الدوام والاستمرار بحسب المقام . (1/321)
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)
{ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } أي كلام جميل تقبله القلوبُ ولا تُنكِره يُرد به السائلُ من غير إعطاء شيءٍ { وَمَغْفِرَةٌ } أي سَترٌ لما وقع من السائل من الإلحاف في المسألة وغيره مما يَثقُل على المسؤول وصفحٌ عنه . وإنما صح الابتداءُ بالنكرة في الأول لاختصاصها بالوصف وفي الثاني بالعطف أو بالصفة المقدرة أي ومغفرة كائنة من المسؤول { خَيْرٌ } أي للسائل { مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى } لكونها مشوبةً بضررِ ما يتبعها وخلوصِ الأولَيْن من الضرر ، والجملة مستأنفةٌ مقرِّرة لاعتبار ترك إتباعِ المن والأذى ، وتفسيرُ المغفرة بنيل مغفرةٍ من الله تعالى بسبب الرد الجميل أو بعفو السائل بناءً على اعتبار الخيرية بالنسبة إلى المسؤول يؤدّي إلى أن يكون في الصدقة الموصوفةِ بالنسبة إليه خيرٌ في الجملة مع بطلانها بالمرة { والله غَنِىٌّ } لا يُحوِجُ الفقراءَ إلى تحمل مؤنةِ المنِّ والأذى ويرزقُهم من جهةٍ أخرى { حَلِيمٌ } لا يعاجل أصحابَ المن والأذى بالعقوبة لا أنهم لا يستحقونها بسببهما ، والجملةُ تذييلٌ لما قبلها مشتمِلٌ على الوعد والوعيد مقرِّرٌ لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعاً . { يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } أقبل عليهم بالخطاب إثرَ بيانٍ ما بطريق الغَيبة مبالغةً في إيجاب العمل بموجب النهي { لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والاذى } أي لا تُحبِطُوا أجرَها بواحدٍ منهما { كالذى } في محل النصب إما على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي لا تُبطِلوها إبطالَ الذي { يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس } وإما على أنه حالٌ من فاعل لا تُبطلوها مشابهين الذي ينفق ، أي الذي يُبطل إنفاقَه بالرياء ، وقيل من ضمير المصدر المقدر على ما هو رأيُ سيبويه ، وانتصابُ رئاءَ إما على أنه عِلةٌ لينفق أي لأجل رئائهم أو على أنه حال من فاعله أي ينفق ماله مرائياً والمراد به المنافقُ لقوله تعالى : { وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الاخر } حتى يرجوَ ثواباً أو يخشى عقاباً . (1/322)
{ فَمَثَلُهُ } الفاء لربط ما بعدها بما قبلها أي فمثل المرائي في الإنفاق وحالته العجيبة { كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } أي حَجَرٍ أملسَ { عَلَيْهِ تُرَابٌ } أي شيء يسير منه { فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } أي مطرٌ عظيمُ القطر { فَتَرَكَهُ صَلْدًا } أملسَ ليس عليه شيءٌ من الغبار أصلاً { لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ } لا ينتفعون بما فعلوا رياءً ، ولا يجدون له ثواباً قطعاً كقوله تعالى : { فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } والجملة استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل : فماذا يكونُ حالُهم حينئذٍ فقيل : لا يقدِرون الخ ومن ضرورة كونِ مَثَلِهم كما ذُكر كونُ مَثَلِ من يُشبِهُهم وهم أصحابُ المن والأذى كذلك والضميران الأخيران للموصول باعتبار المعنى كما في قوله عز وجل : { وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ } لما أن المراد به الجنسُ أو الجمعُ أو الفريق كما أن الضمائرَ الأربعةَ السابقة له باعتبار اللفظ { والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } إلى الخير والرشاد ، والجملةُ تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله ، وفيه تعريضٌ بأن كلاًّ من الرياء والمنِّ والأذى من خصائص الكفارِ ولا بد للمؤمنين أن يجتنبوها .
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)
{ وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتَ الله } أي لطلب رضاه { وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } أي ولتثبيت بعضِ أنفسِهم على الإيمان فمن تبعيضية كما في قولهم : هزّ مِنْ عِطفه وحرك مِنْ نشاطه فإن المالَ شقيقُ الروح فمن بذل مالَه لوجه الله تعالى فقد ثبّت بعضَ نفسه ومن بذل مالَه وروحَه فقد ثبتها كلها ، أو تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسِهم فمن ابتدائية كما في قوله تعالى : { حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } ويحتمل أن يكون المعنى وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقةُ الإيمان مخلصةٌ فيه ، ويعضُده قراءةُ من قرأ وتبييناً من أنفسهم وفيه تنبيهٌ على أن حكمةَ الإنفاق للمنفق تزكيةُ النفس عن البخل وحبِّ المال الذي هو رأسُ كل خيئة . (1/323)
{ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } الرَّبوة بالحركات الثلاث وقد قرىء بها المكانُ المرتفع أي مثَلُ نفقتِهم في الزكاء كمثل بُستان كائنٍ بمكان مرتفعٍ مأمونٍ من أن يصطلِمَه البردُ لِلطافة هوائهِ بهبوب الرياحِ المُلطّفة له فإن أشجارَ الرُبا تكون أحسنَ منظراً وأزكى ثمراً وأما الأراضي المنخفضةُ فقلما تسلم ثمارُها من البرد لكثافة هوائِها بركود الرياحِ وقرىء كمثل حبةٍ { أَصَابَهَا وَابِلٌ } مطر عظيمُ القطر { فَأَتَتْ أُكُلَهَا } ثمرتها وقرىء بسكون الكاف تخفيفاً { ضِعْفَيْنِ } أي مِثليْ ما كانت تُثمر في سائر الأوقات بسبب ما أصابها من الوابل ، والمرادُ بالضِعف المِثْلُ وقيل : أربعةُ أمثال ، ونصبُه على الحال من { أُكُلُهَا } أي مضاعفاً { فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } أي فطلٌ يكفيها لجودتها وكَرَمِ منبتِها ولَطافةِ هوائِها وقيل : فيصيبها طلٌّ وهو المطرُ الصغيرُ القطرِ وقيل : فالذي يصيبها طلٌّ والمعنى أن نفقاتِ هؤلاءِ زاكيةٌ عند الله تعالى لا تَضيعُ بحال وإن كانت تتفاوتُ باعتبار ما يقارنها من الأحوال ، ويجوزُ أن يعتبر التمثيلُ بين حالهم باعتبار ما صدر عنهم من النفقة الكثيرةِ والقليلةِ وبين الجنةِ المعهودةِ باعتبار ما أصابها من المطر الكثير واليسير ، فكما أن كلَّ واحد من المطرين يُضعِفُ أُكُلَها فكذلك نفقتُهم جلّت أو قلَّت بعد أن يُطلَبَ بها وجهُ الله تعالى زاكيةٌ زائدةٌ في زُلفاهم وحسنِ حالهم عند الله { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا يخفى عليه شيء منه وهو ترغيبٌ في الإخلاص مع تحذير من الرياء ونحوه .
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)
{ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ } الوُدُّ حبُّ الشيء مع تمنِّيه ولذلك يُستعمل استعمالَهما والهمزةُ لإنكار الوقوع كما في قوله : أأضرب أبي؟ لا لإنكار الواقع كما في قولك : أتضرب أباك؟ على أن مناطَ الإنكارِ ليس جميعَ ما تعلّق به الوُدّ بل إنما هو إصابةُ الإعصارِ وما يتبعُها من الاحتراق { أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ } وقرىء جناتٌ { مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } أي كائنةٍ منهما على أن يكون الأصلُ والركنُ فيها هذين الجنسينِ الشريفينِ الجامعين لفنون المنافع والباقي من المستتبِعات لا على ألا يكونَ فيها غيرُهما كما ستعرِفه ، والجنَّةُ تطلق على الأشجار الملتفة المتكاتفة قال زهير : (1/324)
كأن عينيَّ في غربيِّ مفتلة ... من النواضِحِ تسقي جنةً سحقاً
وعلى الأرض المشتملةِ ، عليها والأولُ هو الأنسبُ بقوله عز وجل : { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } إذ على الثاني لا بد من تقدير مضافٍ أي من تحت أشجارها وكذا لا بد من جعل إسناد الاحتراق إليها فيما سيأتي مجازياً ، والجملةُ في محل الرفع على أنها صفةُ جنةٍ كما أن قوله تعالى : { مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } كذلك أوفى محل النصب على أنها حالٌ منها لأنها موصوفة { لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات } الظرفُ الأولُ خبرٌ والثاني حالٌ والثالثُ مبتدأ أي صفة للمبتدأ قائمة مَقامه أي له رزقٌ من كل الثمرات كما في قوله تعالى : { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } أي وما منا أحد إلا له الخ وليس المرادُ بالثمرات العمومَ بل إنما هو التكثيرُ كما في قوله تعالى : { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } { وَأَصَابَهُ الكبر } أي كِبَرُ السنِّ الذي هو مَظِنَّةُ شدَّةِ الحاجة إلى منافعها ومئنة كمالِ العجز عن تدارُك أسبابِ المعاش ، والواو حالية أي وقد أصابه الكبر { وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء } حالٌ من الضمير في أصابه أي أصابه الكِبَرُ والحال أن له ذريةٌ صِغاراً لا يقدرون على الكسب وترتيب مبادىء المعاش وقرىء ضعاف { فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ } أي ريحٌ عاصفةٌ تستدير في الأرض ثم تنعكس منها ساطعةً إلى السماء على هيئة العَمود { فِيهِ نَارٌ } شديدةٌ { فاحترقت } عطفٌ على ( فأصابها ) وهذا كما ترى تمثيلٌ لحال من يعمل أعمالَ البرِّ والحسناتِ ويضُمُّ إليها ما يُحبِطُها من القوادح ثم يجدُها يوم القيامة عند كمال حاجته إلى ثوابها هباءً منثوراً بها في التحسّر والتأسّف عليها { كذلك } توحيدُ الكاف مع كون المخاطَب جمعاً قد مر وجهُه مراراً أي مثلَ ذلك البيان الواضحِ الجاري في الظهور مجرى الأمورِ المحسوسة { يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } كي تتفكروا فيها وتعتبروا بما فيها من العِبَر وتعملوا بموجبها .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)
{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ } بيانٌ لحال ما يُنفَقُ منه إثرَ بيانِ أصلِ الإنفاق وكيفيته ، أي أنفقوا من حلال ما كسبتم وجيادِه لقوله تعالى : { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ * مَّا تُحِبُّونَ } { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الارض } أي من طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمار والمعادِن فحذف المضافُ لدِلالة ما قبله عليه { وَلاَ تَيَمَّمُواْ } بفتح التاء أصله ولا تتيمّموا ، وقرىء بضمها ، وقرىء ولا تأَمّموا والكلّ بمعنى القصد أي لا تقصِدوا { الخبيث } أي الرديءَ الخسيسَ وهو كالطيب من الصفات الغالبة التي لا تُذكرُ موصوفاتها { مِنْهُ تُنفِقُونَ } الجارُّ متعلق بتنفقون والضميرُ للخبيث والتقديمُ للتخصيص والجملةُ حال من فاعل تيمّموا أي لا تقصِدوا الخبيثَ قاصرين الإنفاقَ عليه أو من الخبيث أي مختصًّا به الإنفاقُ ، وأيًّا ما كان فالتخصيصُ لتوبيخهم بما كانوا يتعاطَوْنه من إنفاق الخبيثِ خاصة لا لتسويغ إنفاقِه مع الطيب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم كانوا يتصدقون بحشَفِ التمر وشِرارِه فنُهوا عنه وقيل : متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من الخبيث ، والضميرُ للمال المدلول عليه بحسب المقام أو للموصولَين على طريقة قوله : (1/325)
كأنه في الجلد توليعُ البَهَقْ ... أو للثاني ، وتخصيصُه بذلك لما أن التفاوتَ فيه أكثرُ ، وتنفقون حال من الفاعل المذكور أي ولا تقصِدوا الخبيث كائناً من المال أو مما كسبتم ، ومما أخرجنا لكم منفِقين إياه وقوله تعالى : { وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ } حال على كل حال من واو تنفقون أي والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في وقت من الأوقات أو بوجه من الوجوه { إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } أي إلا وقتَ إغماضِكم فيه وهو عبارةٌ عن المسامحة بطريق الكِناية أو الاستعارة يقال : أغمضَ بصرَه إذا غضّه ، وقرىء على البناء للمفعول على معنى إلا أن تُحمَلوا على الإغماض وتدخُلوا فيه أو توجَدوا مغمِضين ، وقرىء وتَغمِضوا وتَغمُضوا بضم الميم وكسرها وقيل : تم الكلام عند قوله تعالى : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث } ثم استُؤنف فقيل : على طريقة التوبيخ والتقريع : منه تنفِقون والحالُ أنكم لا تأخُذونه إلا إذا أغمَضْتم فيه ، ومآلُه الاستفهامُ الإنكاريُّ فكأنه قيل : أمِنْه تنفقون الخ { واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ } عن إنفاقكم وإنما يأمرُكم به لمنفعتكم . وفي الأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور علمِهم به توبيخٌ لهم على ما يصنعون من إعطاء الخبيث وإيذانٌ بأن ذلك من آثار الجهلِ بشأنه تعالى فإن إعطاءَ مثلِه إنما يكون عادةً عند اعتقادِ المعطي أن الآخذَ محتاجٌ إلى ما يعطيه بل مضطرٌ إليه { حَمِيدٌ } مستحِقٌّ للحمد على نعمه العِظام وقيل : حامد بقبول الجيّد والإثابة عليه . { الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر } الوعدُ هو الإخبارُ بما سيكون من جهة المخبِر مترتباً على شيء من زمان أو غيره يُستعمل في الشر استعمالَه في الخير قال تعالى :
{ النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ } أي يعدُكم في الإنفاق الفقرَ ويقول : إن عاقبة إنفاقِكم أن تفتقِروا وإنما عبر عن ذلك بالوعد مع أن الشيطان لم يُضِف مجيءَ الفقرِ إلى جهته للإيذان بمبالغته في الإخبار بتحقق مجيئه كأنه نزّله في تقرّر الوقوعِ منزلةَ أفعالِه الواقعةِ بحسب إرادته ، أو لوقوعه في مقابلة وعدِه تعالى على طريقة المشاكلة وقرىء بضم الفاء والسكون وبضمتين وبفتحتين { وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء } أي بالخَصلة الفحشاء أي ويغريكم على البخل ومنه الصدقاتُ إغراءُ الآمرِ للمأمور على فعل المأمور به والعربُ تسمي البخيلَ فاحشاً قال طرفةُ بن العبد : (1/326)
أرى الموتَ يعتامُ الكرامَ ويصطفي ... عقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدِّدِ
وقيل بالمعاصي والسيِّئات { والله يَعِدُكُم } أي في الإنفاق { مَغْفِرَةٍ } لذنوبكم والجارُّ في قوله تعالى : { مِنْهُ } متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ لمغفرةً مؤكدةٌ لفخامتها التي أفادها تنكيرُها أي مغفرةً أيَّ مغفرةٍ كائنةً منه عز وجل { وَفَضْلاً } صفتُه محذوفةٌ لدلالة المذكور عليها كما في قوله تعالى : { فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ } ونظائرِه أي وفضلاً كائناً منه تعالى أي خلَفاً مما أنفقتم زائداً عليه في الدنيا ، وفيه تكذيبٌ للشيطان ، وقيل : ثواباً في الآخرة { والله واسع } قدرةً وفضلاً فيحقق ما وعدكم به من المغفرة وإخلافِ ما تنفقونه { عَلِيمٌ } مبالِغٌ في العلم فيعلم إنفاقَكم فلا يكاد يُضيع أجرَكم أو يعلمُ ما سيكون من المغفرة والفضل فلا احتمال للخُلْف في الوعد ، والجملةُ تذييلٌ مقررٌ لمضمون ما قبله .
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)
{ يُؤْتِى الْحِكْمَةَ } قال مجاهد الحِكمةُ هي القرآنُ والعلمُ والفِقهُ . روي عن ابن أبي نجيح أنها الإصابة في القول والعمل ، وعن إبراهيم النخعي أنها معرفة معاني الأشياء وفهمُها وقيل : هي معرفةُ حقائِقِ الأشياءِ وقيل : هي الإقدامُ على الأفعال الحسنةِ الصائبة . وعن مقاتل أنها تفسر في القرآن بأربعة أوجهٍ : فتارةً بمواعظِ القرآنِ وأخرى بما فيه من عجائب الأسرار ، ومرةً بالعلم والفهم وأخرى بالنبوة ولعل الأنسبَ بالمقام ما ينتظم الأحكامَ المبينة في تضاعيف الآياتِ الكريمةِ من أحد الوجهين الأولين ومعنى إيتائِها تبيينُها والتوفيقُ للعلم والعمل بها أي يبينها ويوفِّقُ للعلم والعمل بها { مَن يَشَآء } من عباده أن يؤتيها إياه بموجب سعةِ فضلِه وإحاطةِ علمه كما آتاكم ما بيّنه في ضمن الآي من الحِكَم البالغة التي يدور عليها فلَكُ منافعِكم فاغتنموها وسارعوا إلى العمل بها ، والموصولُ مفعول ، أول ليؤتي قدم عليه الثاني للعناية به والجملةُ مستأنفة مقرّرةٌ لمضمون ما قبلها { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ } على بناء المفعول وقرىء على البناء للفاعل أي ومن يؤتهِ اللَّهُ الحكمةَ والإظهارُ في مقام الإضمار لإظهار الاعتناءِ بشأنها وللإشعار بعِلة الحِكم { فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } أي أيَّ خيرٍ كثير فإنه قد خِيرَ له خيرُ الدارين { وَمَا يَذَّكَّرُ } أي وما يتعظ بما أوتي من الحكمة أو وما يتفكر فيها { إِلاَّ أُوْلُواْ الالباب } أي العقولِ الخالصةِ عن شوائب الوهم والرّكونِ إلى مشايعة الهوى وفيه من الترغيب في المحافظة على الأحكام الواردةِ في شأن الإنفاق ما لا يخفى ، والجملةُ إما حالٌ أو اعتراضٌ تذييلي . (1/327)
وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)
{ وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } بيانٌ لحكمٍ كلي شاملٍ لجميع أفراد النفقاتِ وما في حكمها إثرَ بيانِ حكمِ ما كان منها في سبيل الله ، و { مَا } إما شرطية أو موصولة حُذف عائدُها من الصلة أي وما أنفقتموه من نفقة أيِّ نفقةٍ كانت في حق أو باطلٍ في سرَ أو علانية قليلةٍ أو كثيرة { أَوْ نَذَرْتُم } النذرُ عقدُ الضمير على شيءٍ والتزامُه ، وفعلُه كضرب ونصر { مّن نَّذْرٍ } أيِّ نذرٍ كان في طاعةٍ أو معصية بشرطٍ أو بغير شرط متعلقٍ بالمال أو بالأفعال كالصيامِ والصلاةِ ونحوهما { فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ } الفاء على الأول داخلةٌ على الجواب وعلى الثاني مزيدةٌ في الخبر وتوحيدُ الضمير مع تعدّدِ متعلَّق العلم لاتحاد المرجع بناءً على كون العطف بكلمة أو كما في قولك : زيدٌ أو عمرٌو أكرمتُه ، ولا يقال : أكرمتُهما ولهذا صِرنا إلى التأويل في قوله تعالى : { إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا } بل يعادُ الضميرُ تارةً إلى المقدَّم رعايةً للأولية كما في قوله عز وعلا : { وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } وأخرى إلى المؤخَّر رعايةً للقُرب كما في هذه الآية الكريمة وفي قوله تعالى : { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } وحملُ النظم على تأويلهما بالمذكور ونظائِره أو على حذف الأول ثقةً بدلالة الثاني عليه كما في قوله تعالى : { والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله } وقوله : (1/328)
نحنُ بما عندنا وأنت بما ... عندكَ راضٍ والرأيُ مختلفُ
ونحوِهما مما عُطف فيه بالواو الجامعةِ تعسفٌ مستغنىً عنه . نعم يجوز إرجاعُ الضمير إلى { مَا } على تقدير كونِها موصولةً ، وتصديرُ الجملة بإن لتأكيدِ مضمونِها إفادةً لتحقيق الجزاء ، أي فإنه تعالى يجازيكم عليه ألبتةَ إن خيراً فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ فهو ترغيبٌ وترهيب ووعدٌ ووعيد { وَمَا للظالمين } بالإنفاق والنذر في المعاصي أو بمنع الصدقاتِ وعدمِ الوفاء بالنذر أو بإنفاق الخبيثِ أو بالرياء والمنِ والأذى وغيرِ ذلك مما ينتظمُه معنى الظلم الذي هو عبارة عن وضع الشيءِ في غير موضعِه الذي يحِقُّ أن يوضعَ فيه { مِنْ أَنصَارٍ } أي أعوان ينصرونهم من بأس الله وعقابِه لا شفاعةً ولا مدافعةً ، وإيرادُ صيغة الجمع لمقابلة الظالمين أي وما لظالم من الظالمين من نصيرٍ من الأنصار ، والجملةُ استئنافٌ مقرِّرٌ لما فيما قبله من الوعيد مفيد لفظاعة حالِ مَنْ يفعل ما يفعل من الظالمين لتحصيل الأعوانِ ورعاية الخُلاّن .
{ إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِىَ } نوعُ تفصيلٍ لبعض ما أُجمل في الشرطية وبيان له ولذلك تُرك العطف بينهما أي إن تُظهِروا الصدقاتِ فنِعمَ شيئاً إبداؤُها بعد أن لم يكن رياءٌ وسمعةٌ وقرىء بفتح النون وكسر العين على الأصل وقرىء بكسر النون وسكون العين وقرىء بكسر النون وإخفاءِ حركة العين ، وهذا في الصدقات المفروضة وأما في صدقة التطوعِ فالإخفاءُ أفضلُ وهي التي أريدت بقوله تعالى : { وَإِن تُخْفُوهَا } أي تعطوها خُفية { وَتُؤْتُوهَا الفقراء } ولعل التصريحَ بإيتائها الفقراءَ مع أنه واجبٌ في الإبداء أيضاً لما أن الإخفاءَ مظِنةُ الالتباسِ والاشتباه فإن الغنيَّ ربما يدّعي الفقرَ ويُقدمُ على قَبول الصدقةِ سرًّا ولا يفعل ذلك عند الناس { فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي فالإخفاءِ خيرٌ لكم من الإبداء وهذا في التطوع ، ومن لم يعرف بالمال وأما في الواجب فالأمرُ بالعكس لدفع التهمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : صدقةُ السر في التطوع تفضُل علانيتها سبعين ضعفاً وصدقةُ الفريضة علانيتُها أفضلُ من سرّها بخمسة وعشرين ضِعفاً { وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ } أي والله يكفرُ أو الإخفاءُ و { مِنْ } تبعيضية أي شيئاً من سيئاتكم كما سترتموها وقيل مزيدةٌ على رأي الأخفش وقرىء بالتاء مرفوعاً ومجزوماً على أن الفعل للصدقات وقرىء بالنون مرفوعاً عطفاً على محل ما بعد الفاء أو على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوف أي ونحن نكفرُ أو على أنها جملةٌ مبتدأةٌ من فعل وفاعل وقرىء مجزوماً عطفاً على محل الفاء وما بعده لأنه جوابُ الشرط { والله بِمَا تَعْمَلُونَ } من الإسرار والإعلان { خَبِيرٌ } فهو ترغيب في الإسرار .
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)
{ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } أي لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى فعلِ ما أُمروا به من المحاسن والانتهاءِ عما نُهوا عنه من القبائح المعدودة وإنما الواجبُ عليك الإرشادُ إلى الخير والحثُ عليه والنهيُ عن الشر والردعُ عنه بما أوحي إليك من الآياتِ والذكرِ الحكيم { ولكن الله يَهْدِى } هدايةً خاصةً موصلةً إلى المطلوب حتماً { مَن يَشَآء } هدايتَه إلى ذلك ممن يتذكر بما ذُكّر ويتبعُ الحق ويختار الخيرَ ، والجملةُ معترضة جيء بها على طريق تلوينِ الخطاب ، وتوجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الالتفات إلى الغَيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بالمكلفين مبالغةً في حملهم على الامتثال ، فإن الإخبارَ بعدم وجوب تدارُك أمرِهم على النبي صلى الله عليه وسلم مُؤْذنٌ بوجوبه عليهم حسبما ينطِق به ما بعده من الشرطية . وقيل : لما كثُر فقراءُ المسلمين نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التصدق على المشركين كي تحمِلَهم الحاجة على الدخول في الإسلام فنزلت . أي ليس عليك هُدى مَنْ خالفك حتى تمنعَهم الصدقةَ لأجل دخولهم في الإسلام فلا التفاتَ حينئذٍ في الكلام ، وضميرُ الغيبة للمعهودين من فقراءِ المشركين بل فيه تلوينٌ فقط وقوله تعالى : { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ } على الأول التفاتٌ من الغَيبة إلى خطاب المكلفين لزيادة هزّهم نحو الامتثال ، وعلى الثاني تلوينٌ للخطاب بتوجيهه إليهم وصرفهِ عن النبي صلى الله عليه وسلم و { مَا } شرطية جازمة و { تُنفِقُواْ } منتصبة به على المفعولية ومن تبعيضية متعلقة بمحذوفٍ وقعَ صفةً لاسم الشرط مبيّنةٌ ومخصصةٌ له أي أيِّ شيءٍ تنفقوا كائنٌ من مال { فَلاِنفُسِكُمْ } أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيرُكم فلا تمنوا على من أعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبيث ، أو فنفعُه الدينيَّ لكم لا لغيركم من الفقراء حتى تمنعوه ممن لا ينتفع به من حيث الدينُ من فقراء المشركين { وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله } استثناءٌ من أعم العللِ أو أعم الأحوال أي ليست نفقتُكم لشيء من الأشياء إلا لابتغاء وجه الله ، أو ليست في حال من الأحوال إلا حال ابتغاء وجه الله فما بالُكم تمنون بها وتنفقون الخبيثَ الذي لا يوجّه مثلُه إلى الله تعالى وقيل : هو نفيٌ في معنى النهي { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } أي أجرُه وثوابُه أضعافاً مضاعفة حسبما فُصّل فيما قبلُ فلا عذرَ لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه على أحسن الوجوهِ وأجملها فهو تأكيد وبيانٌ للشرطية السابقة ، أو يوفَّ إليكم ما يُخلِفُه وهو من نتائج دعائه عليه السلام بقوله : « اللَّهم اجعل للمنفق خلَفاً وللمُمْسِك تلفاً » وقيل : حجت أسماءُ بنت أبي بكرٍ فأتتها أمُّها تسألها وهي مشركة فأبت أن تعطِيَها . (1/329)
وعن سعيد بنِ جبير أنهم كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين . وروي أن ناساً من المسلمين كانت لهم أصهارٌ في اليهود ورَضاعٌ كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام فلما أسلموا كرِهوا أن ينفقوا عليهم فنزلت وهذا في غير الواجب وأما الواجب فلا يجوز صرفُه إلى الكافر وإن كان ذميًّا { وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } لا تنقصون شيئاً مما وُعدتم من الثواب المضاعف أو من الخلَف .
لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)
{ لِلْفُقَرَاء } متعلق بمحذوفٍ ينساقُ إليه الكلامُ كما في قوله عز وجل في تسع آيات إلى فرعون أي اعمِدوا للفقراء أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء أو صدقاتِكم للفقراء { الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله } بالغزو والجهاد { لاَ يَسْتَطِيعُونَ } لاشتغالهم به { ضَرْبًا فِى الارض } أي ذهاباً فيها للكسب والتجارة وقيل : هم أهلُ الصُّفة كانوا رضي الله عنهم نحواً من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صُفّة المسجدِ يستغرقون أوقاتَهم بالتعلم والجهاد وكانوا يخرجون في كل سَريةٍ بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم { يَحْسَبُهُمُ الجاهل } بحالهم { أَغْنِيَاء مِنَ التعفف } أي من أجل تعفّفهم عن المسألة { تَعْرِفُهُم بسيماهم } أي تعرِف فقرَهم واضطرارهم بما تعايِنُ منهم من الضعف ورَثاثةِ الحال ، والخطابُ للرسول عليه السلام أو لكل أحدٍ ممن له حظ من الخطاب ، مبالغةً في بيان وضوحِ فقرهم { لاَ يسألون الناس إلحافاً } أي إلحاحاً وهو أن يلازِمَ السائلُ المسؤولَ حتى يعطيَه من قولهم لَحفني من فضل لِحافِه أي أعطاني من فضل ما عنده والمعنى لا يسألونهم شيئاً ، وإن سألوا لحاجةٍ اضْطَرَّتهم إليه لم يُلِحّوا ، وقيل : هو نفيٌ لكلا الأمرين جميعاً على طريقة قوله : (1/330)
على لاحِبٍ لا يُهتدَى لمنارهِ ... أي لا منارَ ولا اهتداء { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } فيجازيكم بذلك أحسنَ جزاء فهو ترغيبٌ في التصدق لا سيما على هؤلاء . { الَّذِينَ يُنفِقُونَ أموالهم باليل والنهار سِرّا وَعَلاَنِيَةً } أي يعُمّون الأوقاتَ والأحوالَ بالخير والصدقة ، وقيل : نزلت في شأن الصديقِ رضي الله عنه حيث تصدّق بأربعينَ ألفَ دينارٍ ، عشرةَ آلافٍ منه بالليل وعشرة بالنهار وعشرةٌ سراً وعشرةٌ علانية . وقيل : في علي رضي الله عنه حين لم يكن عنده إلا أربعةُ دراهمَ فتصدق بكل واحد منها على وجهٍ من الوجوه المذكورة ، ولعل تقديمَ الليل على النهارِ والسرّ على العلانية للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار ، وقيل : في رباط الخيل والإنفاق عليها { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } خبرٌ للموصول ، والفاءُ للدَلالة على سببية ما قبلها لما بعدَها وقيل : للعطف والخبر محذوف أي ومنهم الذين الخ ولذلك جُوِّز الوقفُ على علانية { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تقدم تفسيره .
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)
{ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الربا } أي يأخُذونه والتعبيرُ عنه بالأكل لما أنه معظمُ ما قُصد به ولشيوعه في المطعومات مع ما فيه من زيادة تشنيعٍ لهم وهو الزيادةُ في المقدار أو في الأجل حسبما فُصّل في كتب الفقه ، وإنما كتب بالواو كالصلوة على لغة من يفخّم في أمثالها وزيدت الألفُ تشبيهاً بواو الجمع { لاَ يَقُومُونَ } أي من قبورهم إذا بُعثوا { إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان } أي إلا قياماً كقيام المصروعِ ، وهو وارد على ما يزعُمون أن الشيطانَ يخبِط الإنسانَ فيُصرعُ ، والخبطُ : الضربُ بغير استواءٍ كخَبْط العشواء { مِنَ المس } أي الجنون ، وهذا أيضاً من زَعَماتهم أن الجِنيَّ يمَسّه فيختلِط عقلُه فلذلك يقال : جُنَّ الرجل ، وهو متعلّق بما قبله من الفعل المنفي أي لا يقومون من المس الذي بهم بسبب أكلِهم الربا ، أو بيقوم أو بيتخبّطه فيكون نهوضُهم وسقوطُهم كالمصروعين لا لاختلال عقولِهم بل لأن الله تعالى أربى في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم فصاروا مُخْبَلين ينهضون ويسقطون ، تلك سيماهم يُعرَفون بها عند أهل الموقف { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من حالهم وما في اسم الإشارةِ من معنى البعد للإيذان بفظاعة المشارِ إليه { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا } أي ذلك العقابُ بسبب أنهم نَظَموا الربا والبيعَ في سلك واحدٍ لإفضائهما إلى الرِّبح فاستحلّوه استحلالَه وقالوا : يجوز بيعُ درهمٍ بدرهمين كما يجوز بيعُ ما قيمتُه درهمٌ بدرهمين بل جعلوا الربا أصلاً في الحِل وقاسوا به البيعَ مع وضوح الفرق بينهما فإن أحدَ الدرهمين في الأول ضائعٌ حتماً وفي الثاني منجبرٌ بمِساس الحاجة إلى السلعة أو بتوقّع رَواجها . (1/331)
{ وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا } إنكارٌ من جهة الله تعالى لتسويتهم وإبطالٌ للقياس لوقوعه في مقابلة النص ، مع ما أشير إليه من عدم الاشتراك في المناطِ ، والجملةُ ابتدائيةٌ لا محلَّ لها من الإعراب { فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ } أي فمن بلغه وعظٌ وزجرٌ كالنهي عن الربا وقرىء جاءتْه { مّن رَّبّهِ } متعلق بجاءه أو بمحذوف وقعَ صفةً لموعظةٌ ، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة للإشعار بكون مجيءِ الموعظةِ للتربية { فانتهى } عطفٌ على جاءه أي فاتّعظَ بلا تراخٍ وتبِعَ النهيَ { فَلَهُ مَا سَلَفَ } أي ما تقدم أخذُه قبل التحريم ولا يُستردّ منه و { مَا } مرتفعٌ بالظرف إنْ جُعلت ( مَنْ ) موصولةً وبالابتداء إن جُعلت شرطيةً على رأي سيبويهِ لعدم اعتماد الظرفِ على ما قبله { وَأَمْرُهُ إِلَى الله } يجازيه على انتهائه إن كان عن قَبول الموعظةِ وصِدْقِ النية وقيل : يَحْكُم في شأنه ولا اعتراضَ لكم عليه { وَمَنْ عَادَ } أي إلى تحليل الربا { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى { مِنْ * عَادٍ } والجمعُ باعتبار المعنى كما أن الإفرادَ في عاد باعتبار اللفظ وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعد منزلتِهم في الشر والفساد { أصحاب النار } أي ملازموها { هُمْ فِيهَا خالدون } ماكثون فيها أبداً والجملةُ مقررة لما قبلها .
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)
{ يَمْحَقُ الله الربا } أي يذهب ببركته ويُهلِكُ المالَ الذي يدخُل فيه { وَيُرْبِى الصدقات } يُضاعفُ ثوابَها ويبارُك فيها ويزيدُ المالَ الذي أُخرجَتْ منه الصدقة . روي عنه صلى الله عليه وسلم : " أن الله يقبلُ الصدقةَ ويُربيها كما يربّي أحدُكم مُهرَه " وعنه عليه الصلاة والسلام : " ما نقصَ مالٌ من صدقةٍ قطُّ " { والله لاَ يُحِبُّ } أي لا يرضى لأن الحبَّ مختصٌّ بالتوابين { كُلَّ كَفَّارٍ } مُصِرَ على تحليل المحرَّمات { أَثِيمٍ } مُنهمِكٍ في ارتكابه { إِنَّ الذين ءامَنُواْ } بالله ورسوله وبما جاءهم به { وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكواة } تخصيصُهما بالذكر مع اندراجهما في الصالحات لإنافتهما على سائر الأعمالِ الصالحة على طريقة ذكرِ جبريلَ وميكالَ عَقيبَ الملائكةِ عليهم السلام { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } جملةٌ من مبتدإٍ وخبرٍ واقعةٌ خبراً لإنَّ أي لهم أجرُهم الموعودُ لهم وقولُه تعالى : { عِندَ رَبّهِمْ } حال من أجرهم ، وفي التعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم مزيدُ لطفٍ وتشريفٍ لهم { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من مكروه آتٍ { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } من محبوبٍ فات . (1/332)
{ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله } أي قوا أنفسَكم عقابَه { وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا } أي واترُكوا بقايا ما شرَطْتم منه على الناس تركاً كلياً { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } على الحقيقة فإن ذلك مستلزِمٌ لامتثال ما أُمِرْتم به اْلبتةَ وهو شرطٌ حُذفَ جوابُه ثقةً بما قبله أي إن كنتم مؤمنين فاتقوا وذرُوه الخ ، رُوي أنه كان لثقيفٍ مالٌ على بعض قريشٍ فطالبوهم عند المَحِلّ بالمال والربا فنزلت { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } أي ما أُمرتم به من الاتقاء وتركِ البقايا إما مع إنكار حُرمتِه وإما مع الاعتراف بها { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } أي فاعلَموا بها من أذِن بالشيء إذا علِمَ به ، أما على الأول فكَحربِ المرتدين وأما على الثاني فكحرب البغاة ، وقرىء فآذِنوا أي فأَعْلموا غيرَكم قيل : هو من الأذان وهو الاستماع فإنه من طرُق العلم ، وقرىء فأيقِنوا وهو مؤيِّد لقراءة العامة ، وتنكيرُ حربٍ للتفخيم ، و ( من ) متعلقة بمحذوف وقع صفةً لها مؤكدةً لفخامتها أي بنوعٍ من الحرب عظيمٍ لا يقادَرُ قدرُه كائنٍ من عند الله ورسوله .
روي أنه لما نزلت قالت ثقيفٌ : لا يدَ لنا بحرب الله ورسوله { وَإِن تُبتُمْ } من الارتباء مع الإيمان بحرمتها بعدما سمعتموه من الوعيد { فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم } تأخُذونها كَمَلاً { لاَ تُظْلَمُونَ } غُرماءَكم بأخذ الزيادة ، والجملةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو حالٌ من الضمير في لكم والعاملُ ما تضمّنه الجارُّ من الاستقرار { وَلاَ تُظْلَمُونَ } عطفٌ على ما قبله ، أي لا تُظلَمون أنتم من قِبَلهم بالمَطْل والنقص ، ومن ضرورة تعليقِ هذا الحكمِ بتوبتهم عدمُ ثبوتِه عند عدمها ، إن كان مع إنكار الحرمةِ فهم مرتدون ، ومالُهم المكسوبُ في حال الرِّدة فيءً للمسلمين عند أبي حنيفةَ رضي الله عنه وكذا سائرُ أموالهم عند الشافعيِّ وعندنا هو لورثتهم ، ولا شيءَ لهم على كل حال ، وإن كان مع الاعتراف بها فإن كان لهم شوكةٌ فهم على شرف القتل لم تسلَم لهم رؤوسُهم فكيف برؤوس أموالهم وإلا فكذلك عند ابن عباس رضي الله عنهما فإنه يقول : «مَنْ عاملَ الربا يستتاب وإلا ضُرب عنقُه» وأما عند غيرِه فهم محبوسون إلى أن تظهرَ توبتُهم لا يُمَكّنون من التصرفات أصلاً فما لم يتوبوا لم يسلَمْ لهم شيءٌ من أموالهم بل إنما يسلَم بموتهم لورثتهم .