صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
وعن قتادةَ : «كان الرجلُ يعتكِفُ فيخرُجُ إلى امرأته فيباشرُها ثم يرجِع فنُهوا عن ذلك» وفيه دليلٌ على أن الاعتكافَ يكون في المسجد غيرَ مختص ببعضٍ دون بعضٍ وأن الوطءَ فيه حرامٌ ومفسدٌ له لأن النهيَ في العبادات يوجبُ الفساد { تِلْكَ حُدُودُ الله } أي الأحكامُ المذكورةُ حدودٌ وضعها الله تعالى لعباده { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } فضلاً عن تجاوُزها ، نهْيٌ أن يُقرَبَ الحدُّ الحاجزُ بين الحقِّ والباطل مبالغةً في النهي عن تخطِّيها كما قال صلى الله عليه وسلم : " إن لكل ملكٍ حِمىً وحِمى الله محارمُه فمن رتَعَ حولَ الحِمى يُوشك أن يقَعَ فيه " ويجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمُه ومناهيه { كذلك } أي مثلَ ذلك التبين البليغ { يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ } الدالةَ على الأحكام التي شرعها { لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } مخالفةَ أوامرِه ونواهيه . (1/256)
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)
{ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل } نهيٌ عن أكل بعضِهم أموالَ بعضٍ على خلاف حُكم الله تعالى بعد النهيِ عن أكل أموالِ أنفسِهم في نهار رمضانَ أي لا يأكل بعضكم أموال بعض بالوجه الذي لم يُبِحْه الله تعالى و ( بيْن ) نصبٌ على الظرفية أو الحالية من أموالكم { وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام } عطفٌ على المنهيِّ عنه أو نُصِبَ بإضمار أن ، والإدلاءُ الإلقاءُ أي ولا تُلقوا حكومتَها إلى الحكام { لِتَأْكُلُواْ } بالتحاكم إليهم { فَرِيقًا مّنْ أَمْوَالِ الناس بالإثم } بما يوجبُ إثماً كشهادة الزورِ واليمينِ الفاجرةِ أو ملتبسين بالإثم { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنكم مُبْطلون فإن ارتكابَ المعاصي مع العلم بها أقبحُ . رُوي أن عبدانَ الحضْرمي ادَّعى على امرىءِ القيسِ الكنديِّ قطعةَ أرضٍ ولم يكن له بينةٌ فحَكَم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحلِفَ امرُؤُ القيسِ فهمّ به فقرأ عليه الصلاة والسلام : { إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلا } الآية ، فارتدَعَ عن اليمين فسلّم الأرضَ إلى عبدان فنزلت . ورُوي أنه اختصم إليه خصمان فقال عليه السلام : « إنما أنا بشرٌ مثلُكم وأنتم تختصِمون إلي ، ولعل بعضَكم ألحنُ بحجَّته من بعضٍ فأقضِيَ له على نحو ما أسمَع منه ، فمن قضَيْتُ له بشيءٍ من حقِّ أخيه فإنما أقضي له قطعة من نار » فبَكَيا فقال كلُّ واحدٍ منهما : حقي لصاحبي فقال : « اذهبا فتآخَيا ثم ليُحِلَّ كلُّ واحدٍ منكما صاحبَه » (1/257)
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)
{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة } سألهُ معاذُ بنُ جبلٍ وثعلبةُ بنُ غنم فقالا : ما بالُ الهلالِ يبدو رقيقاً كالخيط ثم يزيد حتى يستويَ ثم لا يزال ينقُص حتى يعودَ كما بدأ؟ { قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج } كانوا قد سألوه عليه الصلاة والسلام عن الحِكمة في اختلاف حالِ القمرِ وتبدُّل أمرِه فأمره الله العزيزُ الحكيمُ أن يُجيبهم بأن الحِكمةَ الظاهرةَ في ذلك أن تكون معالِمَ للناس في عبادتهم لا سيما الحجُّ فإن الوقتَ مراعىً فيه أداءً وقضاءً وكذا في معاملاتهم على حسب ما يتّفقون عليه ، والمواقيتُ جمع ميقاتٍ من الوقت ، والفرقُ بينه وبين المدة والزمان أن المدةَ المطلقةَ امتدادُ حركةِ الفلك من مبدَئها إلى منتهاها والزمانُ مدةٌ مقسومةٌ إلى الماضي والحالِ والمستقبل ، والوقتُ الزمان المفروضُ لأمرٍ { وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا } كانت الأنصارُ إذا أحْرَموا لم يدخُلوا داراً ، ولا فُسطاطاً من بابه ، وإنما يدخُلون ويخرُجون من نَقْبٍ ، أو فُرجةٍ وراءَها ، ويعدّون ذلك بِرَّاً . فبين لهم أنه ليس ببر فقيل : { ولكن البر مَنِ اتقى } أي بِرَّ من اتقى المحارمَ والشهواتِ ، ووجهُ اتصالِه بما قبله أنهم سألوا عن الأمرين أو أنه لما ذكر أنها مواقيتُ للحج ذكر عَقيبه ما هو من أفعالهم في الحجِّ استطراداً أو أنهم لمّا سألوا عما لا يَعنيهم ولا يتعلَّق بعِلمِ النبوة فإنه عليه الصلاة والسلام مبعوثٌ لبيان الشرائعِ لا لبيان حقائِقِ الأشياءِ وتركوا السؤال عما يَعنيهم ويختصُّ بعلم الرسالةِ عقّبَ بذكره جوابَ ما سألوا عنه تنبيهاً على أن اللائقَ بهم أن يسألوا عن أمثال ذلك ويهتموا بالعلم بها أو أريد به التنبيهُ على تعكيسهم في السؤال وكونِه من قبيل دخولِ البيتِ من ورائه ، والمعنى وليس البرُّ بأن تعكسوا في مسائِلكم ولكنّ البرَّ من اتقى ذلك ولم يجترِىءْ على مثله ، { وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها } إذ ليس في العُدول بِرٌّ أو باشروا الأمورَ من وجوهها { واتقوا الله } في تغيير أحكامِه أو في جميع أموركم . أمرَ بذلك صريحاً بعد بيان أن البِرَّ برٌّ من اتقى إظهاراً لزيادة الاعتناءِ بشأن التقوى وتمهيداً لقوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي لكي تظفَروا بالبرِّ والهدى . (1/258)
{ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } أي جاهِدوا لإعزاز دينِه وإعلاءِ كلمتِه ، وتقديمُ الظرفِ على المفعول الصريحِ لإبراز كمالِ العنايةِ بشأن المقدّم { الذين يقاتلونكم } قيل : كان ذلك قبل ما أُمِروا بقتال المشركين كافةَ المقاتلين منهم والمحاجزين وقيل : معناه الذين يناصبونكم القتالَ ويُتوقعُ منهم ذلك دون غيرهم من المشايخ والصبيان والرُهبان والنساء أو الكفَرَةُ جميعاً ، فإن الكلَّ بصدد قتالِ المسلمين ويؤيد الأولَ ما رُوي أن المشركين صدُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامَ الحُديبية وصالحوه على أن يرجِع من قابل فيُخَلّوا له مكةَ شرفها الله تعالى ثلاثةَ أيامٍ فرجَع لعمُرة القضاء فخاف المسلمون أن لا يفوا لهم وأن يقاتلوهم في الحَرم والشهرِ الحرام وكرِهوا ذلك فنزلت ويعضُده إيرادُه في أثناء بيان أحكامِ الحج { وَلاَ تَعْتَدُواْ } بابتداء القتالِ أو بقتال المعاهَد والمفاجأة به من غير دعوةٍ أو بالمُثلة وقتلِ من نُهيتم عن قتلِه من النساء والصِّبيان ومن يجري مَجراهم { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } أي لا يريد بهم الخير وهو تعليل للنهي .
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)
{ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } أي حيث وجدتمُوهم من حِلَ أو حَرَم وأصلُ الثقَفِ الحذَقُ في إدراك الشيء علماً أو عملاً وفيه معنى الغلبة ولذلك استعمل فيها قال : (1/259)
فإما تَثْقَفوني فاقتُلوني ... فمَنْ أثقَفْ فليس إلى خلود
{ وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } أي من مكةَ وقد فُعل بهم ذلك يوم الفتح بمن لم يُسلم من كفارها { والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل } أي المحنة التي يُفتتن بها الإنسانُ كالإخراج من الوطن أصعبُ من القتل لدوام تعبها وبقاءِ ألم النفس بها ، وقيل : شركُهم في الحرم وصدُّهم لكم عنه أشدُّ من قتلكم إياهم فيه { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام } أي لا تفاتحوهم بالقتل هناك ولا تهتِكوا حرمةَ المسجد الحرام { حتى يقاتلوكم فِيهِ فَإِن قاتلوكم } ثمَةَ { فاقتلوهم } فيه ولا تُبالوا بقتالهم ثمةَ لأنهم الذين هتَكوا حُرمتَه فاستحقُّوا أشدَّ العذاب وفي العُدول عن صِيغة المفاعَلة التي بها وردَ النهيُ والشرطُ عِدَةً بالنصر والغلبة وقرىء ولا تقتُلوهم حتى يقتُلوكم فإن قاتلوكم فاقتلوهم والمعنى حتى يقتُلوا بعضَكم كقولهم : قتلتْنا بنو أسدٍ { كذلك جَزَاء الكافرين } يُفعلُ بهم مثلُ ما فعلوا بغيرهم { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن القتال والكفر بعد ما رأَوا قتالَكم { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفرُ لهم ما قد سلف { وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي شِرْكٌ { وَيَكُونَ الدين للَّهِ } خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } بعد مقاتَلتِكم عن الشِّرك { فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين } أي فلا تعتَدوا عليهم إذ لا يحسُن الظلمُ إلا لمن ظَلَم ، فوضعُ العلة موضعَ الحُكم وتسميةُ الجزاءِ بالعُدوان للمشاكلة كما في قوله عز وجل : { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ } أو إنكم إنْ تعرَّضتم للمنتهين صِرْتم ظالمين وتنعكس الحالُ عليكم ، والفاءُ الأولى للتعقيب والثانيةُ للجزاء .
{ الشهر الحرام بالشهر الحرام } قاتلَهم المشركون عامَ الحُديبية في ذي القَعدة فقيل لهم عند خروجِهم لعُمرة القضاء في ذي القَعدة أيضاً وكراهتِهم القتالَ فيه : هذا الشهرُ الحرامُ بذلك الشهر الحرامِ وهتكُه بهتكه فلا تبالوا به { والحرمات قِصَاصٌ } أي كلُّ حرمةٍ وهي ما يجب المحافظةُ عليه يجري فيها القصاصُ فلما هتكوا حُرمة شهرِكم بالصَّد فافعلوا بهم مثلَه وادخُلوا عليهم عُنوةً فاقتُلوهم إن قاتلوكم كما قال الله تعالى : { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ } وهي فذلَكةٌ مقرِّرة لما قبلها { واتقوا الله } في شأن الانتصار واحذروا أن تعتدوا إلى ما لم يُرَخَّصْ لكم { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } فيحرُسُهم ويُصلح شؤونهم بالنصر والتمكين .
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)
{ وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله } أمرٌ بالجهاد بالمال بعد الأمرِ به بالأنفس ، أي ولا تُمسِكوا كلَّ الإمساك ، { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } بالإسراف وتضييعِ وجهِ المعاش أو بالكفِّ عن الغزو والإنفاق فيه فإن ذلك مما يقوِّي العدوَّ ويُسلِّطُه عليكم . ويؤيدُه ما رُوي عن أبي أيوبَ الأنصاريِّرضي الله عنه أنه قال : لما أعزَّ الله الإسلامَ وكثُر أهلُه رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نُقيمُ فيها ونُصلِحها فنزلت ، أو بالإمساك وحبِّ المال فإنه يؤدّي إلى الهلاك المؤبَّد ولذلك سُمي البخلُ هلاكاً وهو في الأصل انتهاءُ الشيء في الفساد ، والإلقاءُ طرحُ الشيء ، وتعديتُه بإلى لتضمُّنه معنى الانتهاء والباءُ مزيدةٌ ، والمرادُ بالأيدي الأنفسُ والتهلُكة مصدر كالتنصُرَة والتستُرة وهي والهُلك واحدٌ أي لا توقِعوا أنفسَكم إليها فحُذِف المفعول { وَأَحْسِنُواْ } أي أعمالَكم وأخلاقَكم أو تفضّلوا على الفقراء { إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } أي يريد بهم الخيرَ وقوله تعالى : { وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ } بيانٌ لوجوب إتمامِ أفعالهما عند التصدي لأدائهما وإرشادٍ للناس إلى تدارُك ما عسى يعتريهم من العوارض المُخِلَّة بذلك من الإحصار ونحوه من غير تعرُّضٍ لحالهما في أنفسهما من الوجوب وعدمِه كما في قوله تعالى : { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل } فإنه بيانٌ لوجوب مدِّ الصيام إلى الليل من غير تعرُّضٍ لوجوب أصلِه وإنما هو بقوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } الآية ، كما أن وجوبَ الحج بقوله تعالى : { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } الآية ، فإن الأمرَ بإتمام فعلٍ من الأفعال ليس أمراً بأصله ولا مستلزماً له أصلاً فليس فيه دليل على وجوب العُمرة قطعاً ، وادعاءُ أن الأمرَ بإتمامهما أمرٌ بإنشائهما تامين كاملين حسبما تقتضيه قراءةُ { وَأَقِيمُواْ * الحج والعمرة } وأن الأمرَ للوجوب ما لم يدلَّ على خلافه دليل مما لا سَدادَ له ضرورةَ أنْ ليس البيانُ مقصوراً على أفعال الحجِّ المفروضِ حتى يُتصوَّرَ ذلك ، بل الحقُّ أن تلك القراءةُ أيضاً محمولةٌ على المشهورة ناطقةٌ بوجوب إقامةِ أفعالهما كما ينبغي من غير تعرُّضٍ لحالهما في أنفسهما فالمعنى أكمِلوا أركانَهما وشرائطَهما وسائرَ أفعالِهما المعروفةِ شرعاً لوجه الله تعالى من غير إخلالٍ منكم بشيء منها . (1/260)
هذا وقد قيل : «إتمامُهما أن تحرِمَ بهما من دُوَيرَة أهلِك» . رُوي ذلك عن عليَ وابن عباسٍ وابن مسعود رضي الله عنهم وقيل : «أن تُفرِدَ لكل واحدٍ منها سَفَراً» كما قال محمد : حَجةٌ كوفية وعُمرةٌ كوفية أفضلُ . وقيل : هو جعلُ نفقتِهما حلالاً وقيل : أن تُخلِصوهما للعبادة ولا تشوبوهما بشيء من الأغراض الدنيوية وأياً ما كان فلا تعرُّضَ في الآية الكريمة لوجوب العُمرة أصلاً وأما ما رُوي أن ابنَ عباس رضي الله عنهما قال : إن العمرةَ لقرينةُ الحجِّ ، وقولُ عمرَ رضي الله عنه : هُديتَ لسنة نبيِّك حين قال له رجلٌ وجدتُ الحجَّ والعمرة مكتوبين علي فأهلَلْتُ بهما .
وفي رواية فأهللتُ بهما جميعاً فبمعزلٍ من إفادة الوجوب مع كونه معارَضاً بما رُوي عن جابرٍ أنه قال : يا رسولَ الله العمرةُ واجبةٌ مثلَ الحجِّ؟ قال : « لا ولكن أن تعتمِرَ خيرٌ لك » ، وبقوله عليه السلام : « الحجُّ جهاد والعُمرةُ تطوُّعٌ فتدبر » { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } أي مُنعتم من الحج يقال : حصَره إذا حبَسه ومنعه من المُضيِّ لوجهه مثلُ صَدَّه وأصدّه والمرادُ منعُ العدو عند مالكٍ والشافعيِّ رضي الله عنهما لقوله تعالى : { فَإِذَا أَمِنتُمْ } ولنزوله في الحديبية ولقولِ ابنِ عباسٍ : لا حصْرَ إلا حصرُ العدوِّ وكلُّ منعٍ من عدو أو مرضٍ أو غيرهما عند أبي حنيفة رضي الله عنه ، لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من كُسِر أو عَرَج فعليه الحجُّ من قابل { فَمَا استيسر مِنَ الهدى } أي فعليكم أو فالواجبُ ما استيسر أو فاهدوا ما استيسر والمعنى أن المُحرِم إذا أُحصر وأراد أن يتحلّل تحلَّل بذبح هدْي مما تيسر عليه من بدَنة أو بقرةٍ أو شاة حيث أُحصر عند الأكثر ، وعندنا يَبعث به إلى الحرَم ويجعلُ للمبعوث بيده يومَ أمارٍ فإذا جاء اليومُ وظن أنه ذبح تحلّل لقوله تعالى : { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ } أي لا تُحِلوا حتى تعلموا أن الهديَ المبعوثَ إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن يُنْحَر فيه ، وحمل الأولون بلوغَ الهدْي مَحِلّه على ذبحه فيه حِلاًّ كان أو حَرَماً ومرجعُهم في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبحَ عامَ الحديبية بها وهي من الحِل قلنا : كان مُحْصَرُه عليه الصلاة والسلام طرفَ الحديبية الذي إلى أسفلِ مكةَ وهو من الحَرَم ، وعن الزُهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحرَ هديَه في الحَرَم ، وقال الواقديُّ : الحديبيةُ هي طرفُ الحرم على تسعة أميالٍ من مكةَ والمَحِلُّ بالكسر يُطلق على المكان والزمان ، والهدْيُ جمع هَدْية كجَدْي وجَدْية وقرىء من الهَدِيّ جمع هَديّة كمَطِيّ ومطية { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } مرَضاً مُحوجاً إلى الحَلْق { أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ } كجراحة أو قُمَّلٍ { فَفِدْيَةٌ } أي فعليه فديةُ إن حلق { مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } بيانٌ لجنس الفدية وأما قدرُها فقد رُوي أنه صلى الله عليه وسلم قال لكعب بنِ عُجرةَ : « لعلك آذاك هَوامُّك » قال : نعم يا رسولَ الله قال : « احلِقْ وصُم ثلاثةَ أيام أو تصدّقْ بفَرْقٍ على ستةِ مساكينَ أو انسُك شاةً والفَرْقُ ثلاثة آصُع » { فَإِذَا أَمِنتُمْ } أي الإحصار أو كنتم في حال أمن أو سعة { فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج } أي فمن انتفع بالتقرُّب إلى الله تعالى بالعُمرة قبل الانتفاعِ بتقرّبه بالحج في أشهره ، وقيل : من استمتع بعد التحلُّل من عُمرته باستباحة محظوراتِ الإحرام إلى أن يُحرِم بالحج (1/261)
{ فَمَا استيسر مِنَ الهدى } أي فعليه دمٌ استيسر عليه بسبب التمتع وهو دمُ جُبرانٍ يذبحه إذا أحرَمَ بالحج ، ولا يأكلُ منه عند الشافعي وعندنا هو كالأضحية { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } أي الهديَ { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج } أي في أشهره بين الإحرامين ، وقال الشافعيُّ في أيام الاشتغالِ بأعماله بعد الإحرام وقبل التحلل ، والأحب أن يصومَ سابعَ ذي الحِجة وثامنَه وتاسعَه فلا يصح يومَ النحرِ وأيامَ التشريق { وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } أي نفَرْتم وفرَغتم من أعماله وفي أحدِ قولي الشافعيِّ إذا رجعتم إلى أهليكم ، وقُرىء وسبعةً بالنصب عطفاً على محل ثلاثةِ أيام { تِلْكَ عَشَرَةٌ } فذلكةُ الحسابِ وفائدتُها ألا يُتَوَهّم أن الواوَ بمعنى أو كما في قولك : جالسِ الحسنَ وابنَ سيرين ، وأن يُعلم العددُ جملةً كما عُلم تفصيلاً فإن أكثرَ العرب لا يعرِفُ الحسابَ وأن المرادَ بالسبعة هو العددُ المخصوصُ دون الكثرة كما يراد بها ذلك أيضاً { كَامِلَةٌ } صفةٌ مؤكدةٌ لعشَرة تفيد المبالغةَ في المحافظة على العدد أو مبيِّنةٌ لكمال العشرة فإنها أولُ عددٍ كاملٍ إذْ بهِ ينتهي الآحادُ ويتم مراتبُها أو مقيِّدة تفيدُ كمالَ بَدَليتها من الهدْي { ذلك } إشارةٌ إلى التمتع عندنا وإلى الحكم المذكورِ عند الشافعي { لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام } وهو مَنْ كان من الحرَم على مسافة القصْرِ عند الشافعي ومن كان مسكنُه وراءَ الميقاتِ عندنا وأهلُ الحل عند طاوس وغيرُ أهل مكةَ عند مالك { واتقوا الله } في المحافظة على أوامره ونواهيه لا سيما في الحج { واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } لمن لم يَتَّقْهِ كي يصُدَّكم العلمُ به عن العِصيان ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضعِ الإضمارِ لتربية المهابةِ وإدخالِ الرَّوْعة . (1/262)
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)
{ الْحَجُّ } أي وقته { أَشْهُرٌ معلومات } معروفاتٌ بين الناس هي شوَّالٌ وذو القَعدة وعشرُ ذي الحِجة عندنا وتسعةٌ بليلةِ النحر عند الشافعي وكلُّه عند مالكٍ ، ومدارُ الخلافِ أن المرادَ بوقته وقتُ إحرامِه أو وقتُ أعماله ومناسِكهُ أو ما لا يحسُن فيه غيرُه من المناسِك مطلقاً فإن مالِكاً كرِه العُمرةَ في بقية ذي الحِجة ، وأبو حنيفةَ وإن صحَّح الإحرامَ به قبل شوالٍ فقد استكرهه وإنما سُمي شهران وبعضُ شهرٍ أشهراً إقامةً للبعض مُقامَ الكل أو إطلاقاً للجمع على ما فوق الواحدِ ، وصيغةُ جمعِ المذكر في غيرِ العقلاء تجيء بالألف والتاء { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج } أي أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن أو بالتلبية أو بسَوْق الهدْي { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ } أي لا جِماعَ أو فلا فحشَ من الكلام ولا خروجَ من حدود الشرعِ بارتكاب المحظوراتِ وقيل : بالسِّباب والتنابز بالألقاب { وَلاَ جِدَالَ } أي لا مِراءَ مع الخدَم والرِفقة { فِي الحج } أي في أيامه والإظهارُ في مقام الإضمارِ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بشأنه ، والإشعارِ بعِلة الحُكم فإن زيارةَ البيت المعظَّم والتقرُّبَ بها إلى الله عز وجل من موجبات تركِ الأمورِ المذكورة ، وإيثارُ النفي للمبالغة في النهي والدَلالة على أن ذلك حقيقٌ بأن لا يكون ، فإن ما كان مُنْكراً مستقبَحاً في نفسه ففي تضاعيفِ الحجِّ أقبحُ كلبُس الحريرِ في الصلاة والتطريبِ بقراءة القرآن لأنه خروجٌ عن مقتضى الطبعِ والعادةِ إلى محض العبادةِ ، وقرىء الأولان بالرفع على معنى لا يكونن رَفثٌ ولا فسوقٌ والثالثُ بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الخلافِ في الحج ، وذلك أن قريشاً كانت تخالف سائرَ العرب فتقفُ بالمشعَر الحرام فارتفعَ الخلافُ بأن أُمروا بأن يقفوا أيضاً بعَرَفاتٍ { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله } فيجزي به خيرَ جزاءٍ وهو حثٌّ على فعل الخيرِ إِثرَ النهْي عن الشر { وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى } أي تزوّدوا لمِعَادكم التقوى فإنه خيرُ زادٍ وقيل : نزلت في أهل اليمن كانوا يحُجُّون ولا يتزوّدون ويقولون : نحن متوكلون فيكونون كَلاًّ على الناس فأُمروا أن يتزوّدوا ويتقوا الإبرامَ في السؤال والتثقيل على الناس { واتقون يأُوْلِى الالباب } فإن قضيةَ اللُبِ استشعارُ خشيةِ الله عز وجل وتقواه ، حثهم على التقوى ثم أمرَهم بأن يكون المقصودُ بذلك هو الله تعالى فيتبرّؤا من كل شيءٍ سواه وهو مقتضى العقلِ المعرَّى عن شوائبِ الهوى فلذلك خُصَّ بهذا الخطاب أُولوا الألباب . (1/263)
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)
{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ } أي في أن تبتغوا أي تطلُبوا { فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } عطاءً ورزقاً منه أي الربحَ بالتجارة وقيل : كان عُكاظُ ومَجنّةُ وذو المَجازِ أسواقَهم في الجاهلية يُقيمونها أيامَ مواسمِ الحج وكانت معايشُهم منها فلما جاء الإسلامُ تأثّموا منه فنزلت { فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات } أي دفعتم منها بكثرة من أفضتُ الماء إذا صبَبْتُه بكثرة وأصلُه أفضتم أنفسَكم فحُذِفَ المفعولُ حذفَه من دفعتُ من البَصْرة ، وعَرَفاتٌ جمعٌ سُمّي به كأذرِعات وإنما نوّن وكُسر وفيه علميةٌ وتأنيثٌ لما أن تنوين الجمعِ تنوينُ المقابلة لا تنوينُ التمكن ولذلك يُجمع مع اللام وذهابُ الكسرة تبعُ ذهابِ التنوين من غير عِوَض لعدم الصرْف وههنا ليس كذلك أو لأن التأنيثَ إما بالتاء المذكورة وهي ليست بتاء التأنيث وإنما هي مع الألف التي قبلها علامةُ جمعِ المؤنَّث أو بتاءٍ مقدَّرةٍ كما في سُعادَ ولا سبيل إليه لأن المذكورةَ تأبى تقديرَها لما أنها كالبدل منها لاختصاصِها بالمؤنث كتاءِ بنت ، وإنما سمي الموقفُ عَرَفة لأنه نُعِتَ لإبراهيمَ عليه السلام فلما أبصره عَرَفه ، أو لأن جبريلَ عليه السلام كان يدور به في المشاعر فلما رآه قال : «عرَفتُ» ، أو لأن آدمَ وحواءَ التقيا فيه فتعارَفا ، أو لأن الناسَ يتعارفون فيه وهي من الأسماءِ المُرْتجلة إلا من يجعلها جمعَ عارف ، قيل : وفيه دليلٌ على وجوب الوقوف بها لأن الإفاضةَ لا تكون إلا بعده وهي مأمور بها بقوله تعالى : { ثُمَّ أَفِيضُواْ } وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الحجُّ عَرَفةُ " فمن أدرك عَرَفةَ فقد أدرك الحجَّ ، أو مقدمة للذكر المأمور به وفيه نظرٌ إذ الذكرُ غيرُ واجب والأمرُ به غيرُ مطلق { فاذكروا الله } بالتلبية والتهليلِ والدعاء وقيل : بصلاة العشاءين { عِندَ المشعر الحرام } هو جبلٌ يقف عليه الإمامُ ويسمى قُزَح وقيل : ما بين مأزمي عرفةَ ووادي مُحسِّر ويؤيد الأول ما روى جابرٌ أنه عليه الصلاة والسلام لما صلى الفجرَ يعني بالمزدَلِفةِ بغَلَسٍ ركِب ناقتَه حتى أتى المشعَرَ الحرامَ فدعا فيه وكبّر وهلَّل ولم يزَلْ واقفاً حتى أسفَر . وإنما سُمِّي مَشعَراً لأنه مَعْلمُ العبادة ووُصِف بالحرام لحُرمته ومعنى عند المشعر الحرامِ ما يليه ويقرُب منه فإنه أفضلُ وإلا فالمزدلفةُ كلُها موقفٌ الإوادِيَ مُحَسِّر { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } أي كما علَّمكم أو اذكُروه ذِكراً حسناً كما هداكم هدايةً حسَنةً إلى المناسك وغيرِها وما مصدرية أو كافّة { وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ } من قبل ما ذُكر من هدايتِه إياكم { لَمِنَ الضالين } غيرِ العاملين بالإيمان والطاعة ، وإن المخففةُ واللامُ هي الفارقة وقيل : هي نافية واللامُ بمعنى إلا كما في قوله عز وعلا : { وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين } { ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس } أي من عرَفةَ لا من المزدَلِفة والخطابُ لقريش لمّا كانوا يقفون بجمعٍ وسائرُ الناس بعرَفةَ ويرَوْن ذلك ترفعاً عليهم فأُمروا بأن يُساووهم و ( ثم ) لتفاوتِ ما بين الإفاضتين كما في قولك : أحسِنْ إلى الناس ثم لا تُحسِنْ إلا إلى كريم وقيل : من مزدلفةَ إلى مِنىً بعد الإفاضةِ من عرَفة إليها ، والخطابُ عام وقرىء الناسِ بكسر السين أي الناسي على أن يراد به آدمُ عليه السلام من قوله تعالى : (1/264)
{ فَنَسِىَ } والمعنى أن الإفاضةَ من عرفه شرعٌ قديم فلا تغيِّروه { واستغفروا الله } من جاهليتكم في تغيير المناسكِ { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفرُ ذنبَ المستغفِر ويُنعِمُ عليه فهو تعليلٌ للاستغفار أو للأمر به . (1/265)
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)
{ فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم } عبادتِكم المتعلّقةَ بالحج وفرَغتم منها { فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ } أي فاكثِروا ذكرَه تعالى وبالغوا في ذلك كما تفعلون بذكر آبائِكم ومفاخرِهم وأيامِهم ، وكانت العربُ إذا قضَوْا مناسكهم وقفوا بمنىً بين المسجد والجبل فيذكرون مفاخِرَ آبائِهم ومحاسِنَ أيامِهم . { أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } إما مجرورٌ معطوفٌ على الذكر بجعله ذاكراً على المجاز والمعنى فاذكروا الله ذكراً كائناً مثلَ ذكرِكم آباءَكم أو كذكرٍ أشدَّ منه وأبلغَ أو على ما أضيف إليه بمعنى أو كذكر قومٍ أشدَّ منكم ذكراً أو منصوبٌ بالعطف على آباءَكم ، وذكراً من فعل المذكور بمعنى أو كذكركم أشدَّ مذكورٍ من آبائكم أو بمضمر دلَّ عليه المعنى تقديرُه أو كونوا أشدَّ ذكراً لله منكم لآبائكم { فَمِنَ الناس } تفصيلٌ للذاكرين إلى من يطلُب بذكر الله الدنيا وإلى من يطلُب به خيرَ الدارَيْن والمرادُ به الحثُّ على الإكثار والانتظامِ في سلك الآخَرين { مَن يِقُولُ } أي في ذكره { رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا } أي اجعل إيتاءَنا ومِنحَتَنا في الدنيا خاصة { وَمَا لَهُ فِى الاخرة مِنْ خلاق } أي من حظَ ونصيبٍ لاقتصار همِّه على الدنيا فهو بيانٌ لحاله في الآخرة أو من طلبِ خَلاقٍ فهو بيانٌ لحاله في الدنيا وتأكيدٌ لقصر دعائه على المطالب الدنيوية { وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً } هي الصِّحةُ والكَفاف والتوفيقُ للخير { وَفِي الاخرة حَسَنَةً } هي الثوابُ والرحمة { وَقِنَا عَذَابَ النار } بالعفو والمغفرةِ ورُوي عن علي رضي الله عنه أن الحسنةَ في الدنيا المرأةُ الصالحة ، وفي الآخرةِ الحورُ ، وعذابُ النار امرأةُ السوءِ ، وعن الحَسَن أن الحسنةَ في الدنيا العلمُ والعبادة ، وفي الآخرة الجنة . وقنا عذابَ النار معناه احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدِّية إلى النار { أولئك } إشارةٌ إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من النعوت الجميلةِ ، وما فيه من معنى البُعد لما مر مراراً من الإشارة إلى علوِّ درجتِهم وبُعْدِ منزلتِهم في الفضل وقيل : إليهما معاً فالتنوينُ في قوله تعالى : { لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ } على الأول للتفخيم وعلى الثاني للتنويعِ أي لكلِّ نوعٍ منهم نصيبٌ من جنس ما كسَبوا أو من أجله كقوله تعالى : { مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ } أو مما دَعَوْا به نعطيهم منه ما قدّرناه ، وتسميةُ الدعاء كسْباً لما أنه من الأعمال { والله سَرِيعُ الحساب } يحاسبُ العبادَ على كثرتهم وكثرةِ أعمالهم في مقدار لمحة فاحذَروا من الإخلال بطاعةِ مَنْ هذا شأنُ قدرتِه أو يوشك أن يُقيمَ القيامةَ ويحاسِبَ الناسَ فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات . (1/266)
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)
{ واذكروا الله } أي كبِّروه في أعقاب الصلواتِ وعند ذبحِ القرابينِ ورمي الجمارِ وغيرِها { فِى أَيَّامٍ معدودات } هي أيامُ التشريق { فَمَن تَعَجَّلَ } أي استعجَلَ في النفر أو النفْرَ فإن التفعّل والاستفعال يجيئان لازمين ومتعدّيين يقال : تعجل في الأمر واستعجل فيه وتعجله واستعجله والأول أوفقُ للتأخر كما في قوله : (1/267)
قد يُدرك المتأني بعضَ حاجتِه ... وقد يكون من المستعجل الزللُ
{ فِى يَوْمَيْنِ } أي في تمامِ يومين بعد يوم النحر وهو القرُّ ويومُ الرؤس واليومُ بعده ينفِر إذا فرَغ من رمي الجمار { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } بتعجله { وَمَن تَأَخَّرَ } في النفر حتى رمى في اليوم الثالثِ قبل الزوالِ أو بعده ، وعند الشافعيّ بعده فقط { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } بما صنعَ من التأخُّرِ ، والمرادُ التخييرُ بين التعجل والتأخر ، ولا يقدح فيه أفضليةُ الثاني وإنما ورد بنفي الإثم تصريحاً بالرد على أهل الجاهلية حيث كانوا مختلفين فمن مُؤثِّمٍ للمتعجل ومؤثمٍ للمتأخر { لِمَنِ اتقى } خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي الذي ذُكر من التخيير ونفي الإثم عن المتعجّل والمتأخر ، أو من الأحكام لمن اتقى لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به أو لأجله حتى لا يتضرِّرَ بترك ما يُهمُّه منهما { واتقوا الله } في مَجامِع أمورِكم بفعل الواجبات وترك المحظورات ليعبأَ بكم وتنتظِموا في سلك المغتنمين بالأحكام المذكورة والرُخَص أو احذروا الإخلالَ بما ذُكر من الأحكام ، وهو الأنسبُ بقوله عز وجل : { واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي للجزاء على أعمالكم بعد الإحياءِ والبعث ، وأصلُ الحشر الجمعُ والضمُّ المتفرّق ، وهو تأكيدٌ للأمر بالتقوى وموجب للامتثال به ، فإن من علِم بالحشر والمحاسبة والجزاءِ كان ذلك من أقوى الدواعي إلى ملازمة التقوى .
{ وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ } تجريدٌ للخطاب وتوجيهٌ له إليه عليه الصلاة والسلام وهو كلامٌ مبتدأ سيق لبيان تحزُّب الناسِ في شأن التقوى إلى حِزبين وتعيينِ مآلِ كلَ منهما و ( من ) موصولة أو موصوفة وإعرابُه كما بينا في قوله تعالى :
{ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله وباليوم الأخر } أي ومنهم من يروقْك كلامُه ويعظُم موقعُه في نفسك لما تشاهد فيه من ملاءمة الفحوى ولُطف الأداءِ ، والتعجُّب حِيْرةٌ تعرِضُ للإنسان بسبب عدمِ الشعور بسبب ما يتعجّب منه { في الحياة الدنيا } متعلق بقولُه أي ما يقوله في حق الحياة الدنيا ومعناها فإنها الذي يريده بما يدّعيه من الإيمان ومحبةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ، وفيه إشارةٌ إلى أن له قولاً آخرَ ليس بهذه الصفة أو بيُعجبُك أي يعجبك قولُه في الدنيا بحلاوته وفصاحتِه لا في الآخرة لما أنه يظهر هناك كذِبُه وقُبحُه وقيل : لما يُرهِقه من الحبْسة واللُكنة وأنت خبيرٌ بأنه لا مبالغة حينئذ في سوء حالِه فإن مآلَه بيانُ حسنِ كلامِه في الدنيا وقبُحِه في الآخرة وقيل : معنى في الحياة الدنيا أي لا يصدُر منه فيها إلا القولُ الحسن { وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ } أي بحسَب ادِّعائِه حيث يقول : الله يعلم أن ما في قلبي موافِقٌ لما في لساني وهو عطفٌ على يُعجبُك ، وقرىء ويُشهدُ الله ، فالمرادُ بما في قلبه ما فيه حقيقةً ، ويؤيده قراءةُ ابنِ عباس رضي الله عنهما ( والله يشهَدُ على ما في قلبه ) على أن كلمةَ على لكون المشهودِ به مُضِرّاً له ، فالجملةُ اعتراضية وقرىء ويستشهدُ الله { وَهُوَ أَلَدُّ الخصام } أي شديد العداوةِ والخصومةِ للمسلمين على أن الخِصامَ مصدرٌ وإضافة ( ألدُّ ) إليه بمعنى في كقولكم : ثبْتُ العذرِ ، أو أشدُّ الخصوم لهم خصومةً على أنه جمع خَصْم كصَعْب وصِعاب قيل : نزلت في الأخنس بنِ شُرَيقٍ الثقفي وكان حسنَ المنظر حلوَ المنطق يوالي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ويدعي الإسلامَ والمحبة وقيل : في المنافقين والجملةُ حال من الضمير المجرور في قوله أو من المستكن في يُشهد وعطف على ما قبلها على القراءتين المتوسطتين .
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)
{ وَإِذَا تولى } أي من مجلسك وقيل : إذا صار والياً { سعى فِى الارض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل } كما فعله الأخنسُ بثقيفٍ حيث بيتهم وأحرَق زروعَهم وأهلَك مواشيَهم أو كما يفعله ولاةُ السوء بالقتل والإتلاف أو بالظلم حتى يمنع الله تعالى بشؤمه القَطْرَ فيهلِكَ الحرثَ والنسلَ وقرىء ويَهلِكَ الحرثُ والنسلُ على إسناد الهلاك إليهما عطفاً على سعى وقرىء بفتح اللام وهي لغة وقرىء على البناء للمفعول من الإهلاك { والله لاَ يُحِبُّ الفساد } أي لا يرتضيه بل يُبغضه ويغضَبُ على من يتعاطاه وهو اعتراضٌ تذييلي . (1/268)
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُ } على نهْج العِظة والنصيحة { اتق الله } واترُكْ ما تباشِرُه من الفساد أو النفاق واحذرْ سوءَ مغبَّتِه { أَخَذَتْهُ العزة بالإثم } أي حملتْه الأَنَفةُ وحَمِيةُ الجاهلية على الإثم الذي نُهِيَ عنه لَجاجاً وعِناداً من قولك أخذتُه بكذا إذا حملتُه عليه أو ألزمْتُه إياه { فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } مبتدأٌ وخبر أي كافِيهِ جهنَّمُ ، وقيل جهنمُ فاعلٌ لحسبُه سادٌّ مسدَّ خبرِه وهو مصدر بمعنى الفاعل ، وقويَ لاعتماده على الفاء الرابطة للجملة بما قبلها وقيل حسبُ اسمُ فعلٍ ماضٍ أي كفتْه جهنَّمُ { وَلَبِئْسَ المهاد } جوابُ قسمٍ مقدَّرٍ والمخصوصُ بالذم محذوفٌ لظهوره وتعيُّنه والمِهادُ الفِراش وقيل ما يوطأ للجَنْب والجملةُ اعتراض { وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ } مبتدأ وخبرٌ كما مر أي يبيعها ببذْلِها في الجهاد ومشاقِّ الطاعات وتعريضِها للمهالك في الحروب ، أو يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر وإن ترتب عليه القتلُ { ابتغاء مرضات الله } أي طلباً لرضاه وهذا كمالُ التقوى ، وإيرادُه قسيماً للأول من حيث إن ذلك يأنفُ من الأمر بالتقوى وهذا يأمرُ بذلك وإن أدى إلى الهلاك ، وقيل : نزلت في صهيبِ بنِ سنانٍ الروميّ ، أخذه المشركون وعذبوه ليرتدَّ فقال إني شيخٌ كبير لا أنفعُكم إن كنت معكم ولا أضرُّكم إن كنت عليكم فخلُّوني وما أنا عليه وخُذوا مالي فقَبِلوا منه مالَه فأتى المدينة ، فيشري حينئذٍ بمعنى يشتري لجريان الحال على صورة الشراء { والله رَءوفٌ بالعباد } ولذلك يكلفهم التقوى ويعرِّضهم للثواب ، والجملةُ اعتراضٌ تذييلي .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)
{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ادخلوا فِي السلم } أي الاستسلام والطاعةِ ، وقيل الإسلام ، وقرىء بفتح السين وهو لغة فيه وبفتح اللام أيضاً ، وقوله تعالى : { كَافَّةً } حال من الضمير في ادخُلوا أو من السِّلم أو منهما معاً في قوله : (1/269)
خرجتُ بها تمشي تجرُّ وراءَنا ... على أَثَريْنا ذيلَ مِرْطٍ مُرَجَّل
وهي في الأصل اسمُ الجماعة تكفُّ مُخالِفَها ثم استعملت في معنى جميعاً وتاؤُها ليست للتأنيث حتى يُحتاجَ إلى جعل السِّلم مؤنثاً مثلَ الحربِ كما في قوله عزَّ وجل : { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا } وفي قوله :
السلمُ تأخذُ منها ما رضِيتَ به ... والحربُ يكفيك من أنفاسها جُرَعُ
وإنَّما هي للنقل كما في عامة وخاصة وقاطبة والمعنى استسلموا لله تعالى وأطيعوه جملةً ظاهراً وباطناً ، والخطابُ للمنافقين أو ادخُلوا في الإسلام بكلّيته ولا تخلِطوا به غيَره ، والخطابُ لمؤمني أهلِ الكتاب فإنهم كانوا يراعون بعضَ أحكام دينهم القديمِ بعد إسلامِهم ، أو في شرائع الله تعالى كلِّها بالإيمان بالأنبياء عليهم السلام والكتبِ جميعاً والخطابُ لأهل الكتاب كلِّهم ، ووصفُهم بالإيمان إما على طريقة التغليب وإما بالنظر إلى إيمانهم القديم ، أو في شعب الإسلام وأحكامِه كلِّها فلا يُخِلوا بشيء منها والخطاب للمسلمين وإنما خوطب أهلُ الكتاب بعنوان الإيمان مع أنه لا يصحّ الإيمانُ إلا بما كلَّفوه الآن إيذاناً بأن ما يدّعونه لا يتمّ بدونه { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } بالتفرُّق والتفريقِ أو بمخالفة ما أُمرتم به { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهرُ العداوة أو مُظْهِرٌ لها وهو تعليلٌ للنهي أو الانتهاءِ ، { فَإِن زَلَلْتُمْ } أي عن الدخول في السلم وقرىء بكسر اللام وهي لغة فيه { مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ } الآياتُ { البينات } والحججُ القطعية الدالَّةُ على حقيقته المُوجبة للدخول فيه { فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ } غالبٌ على أمره لا يُعجِزُه الانتقامُ منكم { حَكِيمٌ } لا يترُكُ ما تقتضيه الحِكمةُ من مؤاخذة المجرمين المستعصين على أوامره .
{ هَلْ يَنظُرُونَ } استفهامٌ إنكاري في معنى النفي أي ما ينتظرون بما يفعلون من العِناد والمخالفة في الامتثال ، بما أُمِروا به والانتهاء عما نُهوا عنه { إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله } أي أمرُه وبأسُه أو يأتيَهم اللَّهُ بأمره وبأسِه فحُذف المأتيُّ به لدِلالة الحال عليه ، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان بأن سوءَ صنيعهم موجبٌ للإعراض عنهم ، وحكايةُ جنايتهم لمن عداهم من أهل الإنصاف على طريق المباثة ، وإيرادُ الانتظارِ للإشعار بأنهم لانهماكهم فيما هم فيه من موجبات العقوبة كأنهم طالبون لها مترقبون لوقوعها { فِي ظُلَلٍ } جمع ظُلة كقُلل جمع قُلَّة وهي ما أظلك وقرىء في ظلال كقلال في جمع قلة { مّنَ الغمام } أي السحاب الأبيض وإنما أتاهم العذابُ فيه لما أنه مظنة الرحمة فإذا أتى منه العذاب كان أفظعَ وأقطعَ للمطامع فإن إتيان الشر من حيث لا يُحتسب صعبٌ فكيف بإتيانه من حيث يرجى منه الخير؟ { والملئكة } عطف على الاسم الجليل أي ويأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة وتوسيط الظرف بينهما للإيذان بأن الآتي أو لا من جنس ما يلابس الغمام ويترتب عليه عادة وأما الملائكة وإن كان إتيانهم مقارناً لما ذكر من الغمام لكن ذلك ليس بطريق الاعتياد وقرئ بالجر عطفاً على ظلل أو الغمام { وَقُضِىَ الامر } أي تمَّ أمرُ إهلاكهم وفُرغ منه وهو عطفٌ على ( يأتيَهم ) داخل في حيز الانتظار ، وإنما عُدل إلى صيغة الماضي دَلالة على تحققه فكأنه قد كان ، أو جملةٌ مستأنفة جيءَ بها إنباءً عن وقوع مضمونها ، وقرىء وقضاءُ الأمر عطفاً على الملائكةُ { وإلى الله } لا إلى غيره { تُرْجَعُ الامور } بالتأنيث على البناء للمفعول من الرَّجْع ، وقرىء بالتذكير وعلى البناء للفاعل بالتأنيث من الرجوع .
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)
{ سَلْ بَنِى إسراءيل } الخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ من أهل الخطابِ ، والمرادُ بالسؤال تبكيتُهم وتقريعُهم بذلك ، وتقريرٌ لمجيءِ البينات { كَمْ آتيناهم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ } مُعجِزَةٌ ظاهرة على أيدي الأنبياءِ عليهم السلام وآيةٌ ناطقة بحقّية الإسلامِ المأمورِ بالدخول فيه ، و ( كم ) خبريةٌ أو استفهاميةٌ مقرِّرةٌ ومحلها النصبُ على المفعولية أو الرفع بالابتداء على حذف العائدِ من الخبر ، وآيةٍ مميِّزُها { وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله } التي هي آياته الباهرةِ فإنها سببٌ للهدى الذي هو أجلُّ النعم ، وتبديلُها جعلُها سبباً للضلالة وازديادِ الرِّجس ، أو تحريفُها وتأويلُها الزائغ { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ } ووصلتْ إليه وتمكَّن من معرفتها ، والتصريحُ بذلك مع أن التبديلَ لا يُتصوَّرُ قبل المجيءِ للإشعار بأنهم قد بدَّلوها بعد ما وقفوا على تفاصيلها كما في قوله عزَّ وجلَّ : { ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قيل : تقديرِه فبدّلُوها ومن يبدل ، وإنما حُذف للإيذان بعدم الحاجةِ إلى التصريح به لظهوره { فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } تعليلٌ للجواب كأنه قيل : ومن يُبدّلْ نعمةَ الله يعاقبْه أشدَّ عقوبةٍ فإنه شديدُ العقاب ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية المهابةِ وإدخالِ الرَّوْعة { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا } أي حسُنت في أعينهم وأُشرِبت محبتُها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وتهافتوا فيها معرِضين عن غيرها ، والتزيينُ من حيث الخلقُ والإيجادُ مستنِدٌ إليه سبحانه كما يُعرِبُ عنه القراءةُ على البناء للفاعل إذْ ما مِنْ شيءٍ إلا وهو خالقُه ، وكلٌّ من الشيطان والقُوى الحيوانية وما في الدنيا من الأمور البهيَّة والأشياءِ الشهيةِ مُزيَّنٌ بالعَرْض { وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } عطفٌ على ( زُين ) وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ للدلالة على استمرار السُّخريةِ منهم وهم فقراء المؤمنين كبلالٍ وعمارٍ وصهيبٍ رضي الله عنهم كانوا يسترذلونهم ويستهزؤن بهم على رفضهم الدُّنيا وإقبالِهم على العقبى ومن ابتدائية فكأنهم جعلوا السخرية مبتدأة منهم . { والذين اتقوا } هم الذين آمنوا بعينهم وإنما ذُكروا بعنوان التقوى للإيذان بأن إعراضَهم عن الدنيا للاتقاء عنها لكونها مُخِلَّةً بتبتُّلهم إلى جناب القدسِ شاغلةً عنه { فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة } لأنَّهم في أعلى عِلّيين وهم في أسفل سافلين أو لأنهم في أوج الكرامةِ وهم في حضيض الذلِّ والمهانةِ أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخَرون منهم كما سخِروا منهم في الدنيا ، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها ، وإيثارُ الاسمية للدلالة على دوام مضمونِها { والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء } أي في الدارين { بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقدير ، فيوسِّعُ في الدنيا استدراجاً تارةً وابتلاءً أخرى . (1/270)
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)
{ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } متَّفقين على كلمة الحقِّ ودينِ الإسلام ، وكان ذلك بين آدمَ وإدريسَ أو نوحٍ عليهم السَّلام أو بعدَ الطوفان { فَبَعَثَ الله النبيين } أي فاختلفوا فبَعَثَ إلخ ، وهي قراءةُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه وقد حُذف تعويلاً على ما يُذكر عَقيبه { مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } عن كعب : الذي علمتُه من عدد الأنبياء عليهم السَّلام مائةٌ وأربعةٌ وعشرون ألفاً ، والمرسَلُ منهم ثلثُمائةٍ وثلاثة عشرَ ، والمذكورُ في القرآن ثمانيةٌ وعشرون ، وقيل كان الناسُ أمَّةً واحدةً متَّفقةً على الكفر والضلال في فترة إدريسَ أو نوحٍ فبعث اللَّهُ النبيين فاختلفوا عليهم والأولُ هو الأنسبُ بالنظم الكريم { وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب } أي جنسَ الكتابِ أو مع كلِّ واحدٍ منهم ممن له كتابٌ كتابُه الخاصُّ به لا مع كل واحد منهم على الإطلاق إذ لم يكنْ لبعضهم كتابٌ وإنما كانوا يأخُذون بكتب مَن قبلَهم ، وعمومُ النبيين لا ينافي خصُوصَ الضمير العائد إليه بمعونة المقام { بالحق } حال من الكتاب أي ملتبساً بالحق أو متعلق بأنزل كقوله عزَّ وعلاَّ : { وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ } { لِيَحْكُمَ } أي الكتابُ أو الله سُبحانه وتعالى أو كلُّ واحد من النبيين { بَيْنَ الناس } أي المذكورين ، والإظهارُ في موضع الإضمارِ لزيادة التعيين { فِيمَا اختلفوا فِيهِ } أي في الحق الذي اختلفوا فيه أو فيما التَبَس عليهم . (1/271)
{ وَمَا اختلف فِيهِ } أي في الحق أو في الكتاب المُنْزل ملتبساً به ، والواوُ حالية { إِلاَّ الذين أُوتُوهُ } أي الكتابَ المنزلَ لإزالة الاختلاف وإزاحةِ الشقاق ، والتعبيرُ عن الإنزال بالإيتاء للتنبيه من أول الأمرِ على كمال تمكُّنِهم من الوقوف على ما في تضاعيفه من الحق فإن الإنزالَ لا يفيد تلك الفائدةَ أي عكسوا الأمرَ حيث جعلوا ما أُنزل لإزالة الاختلافِ سبباً لاستحكامه ورسوخِه { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } أي رَسَخَتْ في عقولهم و ( مِنْ ) متعلِّقة بمحذوف يدل عليه الكلامُ أي فاختلفوا وما اختلف فيه إلخ وقيل بالملفوظ بناءً على عدم منع إلا عنه كما في قولك ما قام إلا زيدٌ يوم الجمعة { بَغْياً بَيْنَهُمْ } متعلِّقٌ بما تعلقتْ به ( من ) أي اختلفوا بغياً وتهالُكاً على الدنيا { فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ } بالكتاب { لِمَا اختلفوا فِيهِ } أي للحق الذي اختَلَف فيه من اختَلَف { مِنَ الحق } بيانٌ لما ، وفي إبهامه أولاً وتفسيرِه ثانياً ما لا يخفى من التفخيم { بِإِذْنِهِ } بأمره أو بتيسيره ولطفهِ { والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } موصِلٍ إلى الحقّ وهو اعتراضٌ مقرِّر لمضمون ما سبق .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)
{ أَمْ حَسِبْتُمْ } خوطب به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين حثًّا لهم على الثبات على المصابرة على مخالفة الكفَرَة وتحمُّل المشاقِّ من جهتهم إثر بيانِ اختلافِ الأممِ على الأنبياء عليهم السلام ، وقد بُيّن فيه مآلُ اختلافِهم وما لَقِيَ الأنبياءُ ومَنْ معهم من قبلهم من مكابدة الشدائد ومقاساة الهموم وأن عاقبة أمرِهم النصرُ وأم منقطعة والهمزةُ فيها للإنكار والاستبعاد أي بل أحسبتم { أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين أي والحال أنه لم يأتِكم مثلُهم بعد ولم تبتلوا بما ابتُلوا به من الأحوال الهائلةِ التي هي مَثَلٌ في الفظاعة والشدّة وهو متوقَّعٌ ومنتظَرٌ { مَسَّتْهُمْ } استئنافٌ وقعَ جواباً عما ينساقُ إليه الذهن كأنه قيل وكيف كان مثلهم فقيل : مسَّتْهم { البأساء } أي الشدَّةُ من الخوف والفاقةِ { والضراء } أي الآلامُ والأمراضُ { وَزُلْزِلُواْ } أي أزْعجوا إزعاجاً شديداً بما دَهَمهم من الأهوال والأفزاعِ { حتى يَقُولَ الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } أي انتهى أمرُهم من الشدة إلا حيث اضطَرَّهم الضَّجرُ إلى أن يقول الرسولُ وهو أعلمُ الناس بشؤون اللَّهِ تعالى وأوثقُهم بنصره والمؤمنون المقتدون بآثاره المستضيئون بأنواره { متى } أي متى يأتي { نَصْرُ الله } طلباً وتمنياً له واسْتطالةً لمدة الشدة والعناءِ ، وقرىء حتى يقولُ بالرفع على أنه حكايةُ حالٍ ماضيةٍ وهذا كما ترى غايةُ الغاياتِ القاصيةِ ونهايةُ النهايات النائيةِ كيف لا والرسلُ مع علوّ كعبهم في الثبات والاصطبارِ حيث عيلَ صبرُهم وبلغوا هذا المبلغَ من الضجر والضجيج عُلم أن الأمرَ بلغ إلى غاية لا مطمَحَ وراءَها { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } على تقدير القولِ أي فقيل لهم حينئذٍ ذلك إسعافاً لمرامهم ، والمرادُ بالقرب القُربُ الزمانيُّ ، وفي إيثار الجملة الاسميةِ على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقيق مضمونها ما لا يخفى ، واختيارُ حكاية الوعد بالنصر لما أنها في حكم إنشاء الوعدِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاقتصارُ على حكايتها دون حكايةِ نفسِ النصر مع تحققه للإيذان بعدم الحاجة إلى ذلك لاستحالة الخُلْف ويجوز أن يكون هذا وارداً من جهته تعالى عند الحكاية على نهج الاعتراض لا وارداً عند وقوعِ المحكي ، وفيه رمزٌ إلى أن الوصولَ إلى جناب القدسِ لا يتسنَّى إلا برفض اللذاتِ ومكابدةِ المشاقِّ كما يُنبىء عنه قولُه عليه السلام : « حُفّتِ الجنَّةُ بالمكاره وحُفّتِ النَّارُ بالشَّهواتِ » (1/272)
{ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } أي من أصناف أموالِهم { قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ } ما إما شرطية وإما موصولة حُذف العائدُ إليها أي ما أنفقتموه من خير أي خير كان ففيه تجويزُ الإنفاق من جميع أنواعِ الأموالِ وبيانٌ لما في السؤال ، إلا أنه جُعل من جملة ما في حيز الشرطِ أو الصلة وأُبرِز في معرِض بيانِ المصرِفِ حيث قيل : { فللوالدين والاقربين } للإيذان بأن الأهمَّ بيانُ المصارفِ المعدودة لأن الاعتدادَ بالإنفاق بحسب وقوعِه في موقعه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه جاء عمْرُو بنُ الجَموحِ وهو شيخٌ هِمٌّ له مالٌ عظيم فقال : يا رسول الله ماذا نُنفق من أموالنا وأين نضعُها؟ فنزلت { واليتامى } أي المحتاجين منهم { والمساكين وابن السبيل } ولم يتعرضْ للسائلين والرقاب إما اكتفاءً بما ذكر في المواقع الأُخَرِ ، وإما بناءً على دخولهم تحت عموم قوله تعالى : { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } فإنه شاملٌ لكل خير واقعٍ في أي مصرِفٍ كان { فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } فيوفّي ثوابَه ، وليس في الآية ما ينافيه فرضُ الزكاة ليُنْسخَ به كما نُقل عن السُدي .
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)
{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال } ببناء الفعل للمفعول ورفعِ القتال أي قتالُ الكفرة ، وقرىء ببنائه للفاعل وهو اللَّهُ عز وجل ونصب القتالَ وقرىء كُتِب عليكم القَتْلُ أي قتلُ الكفرة ، والواو في قوله تعالى : { وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } حالية أي والحال أنه مكروهٌ لكم طبعاً على أن الكُرهَ مصدرٌ وُصف به المفعولُ مبالغة ، أو بمعنى المفعولِ كالخُبز بمعنى المخبوز وقرىء بالفتح على أنه بمعنى المضموم كالضَّعف والضُّعف ، أو على أنه بمعنى الإكراه مَجازاً كأنهم أُكرهوا عليه لشدة كراهتِهم له ومشقتِه عليهم { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } وهو جميعُ ما كُلّفوه من الأمور الشاقةِ التي من جملتها القتالُ فإن النفوسَ تكرَهُه وتنفِرُ عنه والجملة اعتراضية دالَّةٌ على أن في القتال خيراً لهم { وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } وهو جميع ما نُهوا عنه من الأمور المستلَذة وهو معطوفٌ على ما قبله لا محلَّ لهما من الإعراب { والله يَعْلَمُ } ما هو خيرٌ لكم فلذلك أمرَكم به { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } أي لا تعلَمونه ، ولذلك تكرَهونه أو واللَّهُ يعلم ما هو خيرٌ وشرٌّ لكم وأنتم لا تعلمونهما فلا تتبعوا في ذلك رأيَكم وامتثلوا بأمره تعالى . (1/273)
{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام } رُوِيَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد اللَّه بن جَحْشٍ على سرية في جُمادى الآخِرَة قبل قتالِ بدرٍ بشهرين ليترصَّدوا عِيراً لقُريش فيهم عمرُو بنُ عبدِ اللَّه الحَضْرمي وثلاثةٌ معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العِير بما فيها من تجارة الطائفِ ، وكان ذلك أولَ يوم من رجبٍ وهم يظنونه من جمادى الآخِرة فقالت قريشٌ : قد استحل محمَّدٌ الشهرَ الحرامَ شهراً يأمنُ فيه الخائفُ ويبذعِرُ فيه الناسُ إلى معايشهم ، فوقف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم العِيرَ وعظَّم ذلك على أصحاب السرية وقالوا : ما نبرح حتى تنزِلَ توبتُنا وردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم : « العِيرَ والأُسارى » وعن ابن عباس رضي الله عنهما لما نزلت أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة ، والمعنى يسألك الكفارُ أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرامِ على أن قوله عز وجل : { قِتَالٍ فِيهِ } بدلُ اشتمالٍ من الشهر ، وتنكيرُه لما أن سؤالهم كان عن مُطلق القتال الواقعِ في الشهر الحرام لا عن القتال المعهودِ ، ولذلك لم يقل يسألونك عن القتال في الشهر الحرام ، وقرىء عن قتالٍ فيه { قُلْ } في جوابهم { قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } جملة من مبتدأ وخبرٍ محلّها النصبُ بقل وإنما جاز وقوعُ ( قتالٌ ) مبتدأً مع كونه نكرةً لتخصُّصه إما بالوصف إنْ تعلق الظرفُ بمحذوفٍ وقع صفةً له أي قتالٌ كائن فيه وإما بالعمل إن تعلق به ، وإنما أوثر التنكيرُ احترازاً عن توهم التعيين وإيذاناً بأن المرادَ مطلقُ القتال الواقعِ فيه أيِّ قتالٍ كان .
عن عطاءٍ أنه سُئل عن القتال في الشهر الحرام فحلف بالله ما يحِلّ للناس أن يغزوا في الحَرَم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وما نُسخت ، وأكثرُ الأقاويل أنها منسوخة بقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } { وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله } مبتدأ قد تخصَّصَ بالعمل فيما بعده أي ومَنْعٌ عن الإسلام الموصِلِ للعبد إلى الله تعالى { وَكُفْرٌ بِهِ } عطفٌ على صدٌّ عاملٌ فيما بعده مثلَه أي وكفرٌ بالله تعالى وحيث كان الصدُ عن سبيل الله فرداً من أفراد الكفرِ به تعالى لم يقدَحِ العطفُ المذكورُ في حسن عطفِ قوله تعالى : { والمسجد الحرام } على سبيل الله ، لأنه ليس بأجنبيَ محضٍ ، وقيل : هو أيضاً معطوف على صدٌ بتقدير المضاف أي وصدُ المسجدِ الحرام { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ } وهو النبيُّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون { مِنْهُ } أي من المسجد الحرام وهو عطفٌ على ( وكفر به ) . { أَكْبَرُ عِندَ الله } خبرٌ للأشياء المعدودةِ ، أي كبائرُ السائلين أكبر عند الله مما عُنوا بالسؤال عنه وهو ما فعلته السريةُ خطأً وبناءً على الظن ، وأفعلُ يستوي فيه الواحدُ والجمعُ والمذكرُ والمؤنث { والفتنة } أي ما ارتكبوه من الإخراج والشركِ وصدِّ الناسِ عن الإسلام ابتداءً وبقاءً { أَكْبَرُ مِنَ القتل } أي أفظعُ من قتل الحَضْرميّ . (1/274)
{ وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم } بيانٌ لاستحكام عداوتهم وإصرارِهم على الفتنة في الدين { حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } الحقِّ إلى دينهم الباطلِ ، وإضافةُ الدين إليهم لتذكير تأكُّدِ ما بينهما من العلاقة الموجبةِ لامتناع الافتراق { إِنِ اسْتَطَاعُواْ } إشارةٌ إلى تصلُّبهم في الدين وثباتِ قدمِهم فيه ، كأنه قيل وأنى لهم ذلك { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } تحذيرٌ من الارتداد ، أي ومن يفعلْ ذلك بإضلالهم وإغوائهم { فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } بأن لم يرجِعْ إلى الإسلام ، وفيه ترغيبٌ في الرجوعِ إلى الإسلام بعد الارتداد { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيِّز الصلةِ من الارتداد والموتِ عليه ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعْد منزلتِهم في الشر والفساد ، والجمعُ للنظر إلى المعنى أي أولئك المُصِرُّون على الارتداد إلى حينِ الموتِ { حَبِطَتْ أعمالهم } الحسنةُ التي كانوا عمِلوها في حالة الإسلام حُبوطاً لا تلافيَ له قطعاً { فِى الدنيا والاخرة } بحيث لم يبْقَ لها حكمٌ من الأحكام الدنيوية والأخروية { وَأُوْلئِكَ } الموصوفون بما ذكر سابقاً ولاحقاً من القبائح { أصحاب النار } أي مُلابِسوها ومُلازِموها { هُمْ فِيهَا خالدون } كدأب سائرِ الكَفَرة .
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)
إِنَّ الذين ءامَنُواْ } نزلت في أصحاب السريةِ لما ظُنَّ بهم أنهم إنْ سلِموا من الإثم فلا أجرَ لهم { والذين هَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله } كرَّر الموصولَ مع أن المرادَ بهما واحدٌ لتفخيم شأنِ الهجرةِ والجهاد فكأنهما مستقلانِ في تحقيق الرجاء { أولئك } المنعوتون بالنُّعوتِ الجليلة المذكورة { يَرْجُونَ } بما لهم من مبادىءِ الفوزِ { رَّحْمَةِ الله } أي ثوابه ، أثبت لهم الرجاءَ دون الفوز بالمرجوِّ للإيذان بأنهم عالمون بأن العملَ غيرُ موجبٍ للأجر وإنما هو على طريق التفضُّلِ منه سبحانه لا لأن في فوزهم اشتباهاً { والله غَفُورٌ } مبالِغٌ في مغفرةِ ما فرَط من عباده خطأً { رَّحِيمٌ } يُجزِل لهم الأجرَ والثوابَ ، والجملةُ اعتراضٌ محقَّقٌ لمضمون ما قبلها . (1/275)
{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر } تواردَتْ في شأن الخمر أربعُ آياتٍ نزلت بمكة : { وَمِن ثمرات النخيل والاعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } فطفِق المسلمون يشربونها ، ثم إن عمرَ ، ومُعاذاً ونفراً من الصحابة رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعين قالوا : أَفْتِنا يا رسولَ الله في الخمر فإنها مُذهبةٌ للعقل فنزلت هذه الآية ، فشرِبها قومٌ وتركها آخرون ، ثم دعا عبدُ الرحمن بنُ عَوْف ناساً منهم ، فشرِبوا فسكِروا ، فأما أحدُهم فقرأ : { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } فنزلت { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } الآية ، فقلَّ من يشرَبُها ثم دعا عتبانُ بن مالك سعدَ بنَ أبي وقاصٍ في نفرٍ فلما سكِروا تفاخَروا وتناشدوا حتى أنشد سعدٌ شعراً فيه هجاءٌ للأنصار فضرَبه أنصاريٌّ بلَحْي بعيرٍ فشجه شجة موُضِحَة فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت { إِنَّمَا الخمر والميسر } إلى قوله تعالى : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } فقال عمرُ رضي الله عنه : «انتهينا يا رب» وعن علي رضي الله عنه : «لو وقعت قطرةٌ منها في بئر فبُنيت في مكانها مَنارةٌ لم أؤذّنْ عليها ولو وقعت في بحر ثم جَفَّ فنبت فيه الكلأُ لم أَرْعَه» . وعن ابن عمرَ رضي الله عنهما : «لو أدخلتُ أُصبَعي فيها لم تَتْبَعْني» وهذا هو الإيمانُ والتقى حقاً رضوان الله تعالى عليهم أجمعين . والخمرُ مصدرُ خمرَه أي ستره سُمّي به من عصير العنب ما غلى واشتد وقذف بالزبد لتغطيتها العقلَ والتمييزَ كأنها نفسُ السَّتر ، كما سُميت سكَراً لأنها تسكُرهما أي تحجزهما . والميسِرُ مصدرٌ ميميٌّ من يَسَر كالموعِد والمرجِع يقال : يسَرْته إذا قمَرْته ، واشتقاقه إما من اليُسر لأنه أخذُ المال بيُسرٍ من غير كدّ و ( لا ) تعب ، وإما من اليَسار لأنه سلبٌ له ، وصفتُه أنه كانت لهم عشرةُ قِداح هي الأزلامُ والأقلام : الفذُّ والتوأمُ والرقيبُ والجَلْس والنافسُ والمُسبِلُ والمعلى والمَنيح والسَفيح والوغد لكل منها نصيبٌ معلوم من جَزور ينحرونها ويُجزّئونها عشرةَ أجزاء ، وقيل : ثمانيةً وعشرين إلا الثلاثة وهي المنيحُ والسفيحُ والوغدُ للفذ سهمٌ وللتوأم سهمان وللرقيب ثلاثة وللجَلْس أربعة وللنافس خمسة وللمُسبل ستة وللمعلَّى سبعة يجعلونها في الربابة وهي خريطةٌ ويضعونها على يديْ عدلٍ ثم يجلجلها ويُدخِلُ يده فيُخرِج باسم رجلٍ رجلٍ قِدْحاً قدحاً فمن خرج له قِدْحٌ من ذوات الأنصباء أخذ النصيب المعيّنَ لها ومن خرج له من تلك الثلاثة غَرِم ثمنَ الجزور مع حِرمانه وكانوا يبيعون تلك الأنصباءَ إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمّون من لا يدخُل فيه ويسمّونه البرم وفي حكمه جميعُ أنواعِ القمارِ من النرْدِ والشطرنج وغيرهما وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" إياكم وهاتين اللعبتين المشؤمتين فإنهما مياسِرُ العجم " وعن علي كرم الله وجهه أن النرد والشطرنج من الميسر ، وعن ابن سيرين كلُّ شيء فيه خطرٌ فهو من الميسر . والمعنى يسألونك عن حُكمهما وعما في تعاطيهما . (1/276)
{ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } أي في تعاطيهما ذلك لما أن الأولَ مسلبةٌ للعقول التي هي قطبُ الدين والدنيا مع كون كلَ منهما مَتلفةً للأموال { ومنافع لِلنَّاسِ } من كسب الطرَب واللذة ومصاحبةِ الفتيان وتشجيعِ الجبان وتقوية الطبيعة ، وقرىء إثمٌ كثير بالمثلثة ، وفي تقديم بيانِ إثمِه ووصفُه بالكِبَر وتأخيرِ ذكر منافعِه مع تخصيصها بالناس من الدِلالة على غلبة الأول ما لا يخفى على ما نطقَ به قوله تعالى : { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } أي المفاسدُ المترتبةُ على تعاطيهما أعظمُ من الفوائد المترتبة عليه وقرىء أقربُ من نفعهما .
{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر } عطفٌ على يسألونك عن الخمر الخ عطفَ القصة على القصة ، أي أيُّ شيءٍ ينفقونه قيل : هو عمْرو بنُ الجموح أيضاً سأل أولاً من أيّ جنسٍ ينفق من أجناس الأموال فلما بُيّن جوازُ الإنفاق من جميع الأجناس سأل ثانياً من أي أصنافها نُنفِقُ أمن خيارها أم من غيرها أو سأل عن مقدار ما يُنفقه منه فقيل : { قُلِ العفو } بالنصب أي ينفقون العفوَ أو أنفقوا العفوَ وقرىء بالرفع على أن ما استفهامية وذا موصولةٌ ، صلتُها ينفقون أي الذي ينفقونه العفوُ قال الواحدي : أصلُ العفوِ في اللغة الزيادة ، وقال القفال : العفوُ ما سُهل وتيسر مما فضَل من الكفاية وهو قول قتادةَ وعَطاءٍ والسدي ، وكانت الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين يكسِبون المالَ ويُمسكون قدرَ النفقة ويتصدقون بالفضل . ورُوي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغانم فقال : خذها مني صدقة فأعرض عنه فكرر ذلك مراراً حتى قال عليه السلام مغضباً : هاتِها فأخذها فحذَفها عليه حَذْفاً لو أصابته لشجته ثم قال : «يأتي أحدُكم بماله كلِّه يتصدق به ويجلِس يتكفّف الناسَ إنما الصدقةُ عن ظهر غنى» { كذلك } إشارةٌ إلى مصدر الفعل الآتي ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلو درجة المشارِ إليه في الفضل مع كمال تميّزِه وانتظامِه بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة ، والكافُ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة ، وإفرادُ حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين باعتبار القَبيل أو الفريق ، أو لعدم القصد إلى تعيين المخاطب كما مر ، ومحلُه النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي مثلَ ذلك البيان الواضحِ الذي هو عبارةٌ عما مضى في أجوبة الأسئلة المارّة { يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } الدالةَ على الأحكام الشرعية المذكورة لا بياناً أدنى منه ، وقد مر تمامُ تحقيقِه في قوله تعالى :
{ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } وتبيين الآياتِ تنزيلُها ظاهرةَ الفحوى ، واضحةَ المدلول لا أنه تعالى يبيّنها بعد أن كانت مشْتبهةً ملتبسةً ، وصيغةُ الاستقبال لاستحضار الصورة { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } لكي تتفكروا فيها وتقِفوا على مقاصدها وتعملوا بما في تضاعيفها . (1/277)
فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)
وقولُه تعالى : { فِى الدنيا والاخرة } متعلقٌ إما بيُبيْن أي يبين لكم فيما يتعلق بالدنيا والآخرة الآيات وإما بمحذوفٍ وقع حالاً من الآيات أي يبينها لكم كائنةً فيهما أي مبيِّنةً لأحوالكم المتعلقةِ بهما ، وإنما قدم عليه التعليلُ لمزيد الاعتناءِ بشأن التفكر ، وإما بقوله تعالى : { تَتَفَكَّرُونَ } أي تتفكرون في الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة في الأحكام الواردةِ في أجوبة الأشئلةِ المارّة فتختارون منها ما يصلُح لكم فيهما وتجتنبون عن غيره . وهذا التخصيصُ هو المناسبُ لمقام تعدادِ الأحكام الجزئيةِ ويجوزُ التعميمُ لجميع الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة بذلك حينئذ إشارةً إلى ما مر من البيانات كلاً أو بعضاً لا إلى مصدر ما بعده فإنه حينئذ فعلٌ مستقلٌ ليس بعبارة عن تلك البيانات والمرادُ بالآيات غيرُ ما ذكر والمعنى مثلَ ذلك البيان الوارد في الأجوبة المذكورة يبين الله لكم الآياتِ والدلائلَ لعلكم تتفكرون في أموركم المتعلقة بالدنيا والآخرة وتأخذون بما يصلح لكم وينفعُكم فيهما وتذرون ما يضرُّكم حسبما تقتضيه تلك الآياتُ المبينة . (1/278)
{ ويسألونك عن اليتامى } عطفٌ على ما قبله من نظيره رُوي أنه لما نزلت { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } الآية ، تحامى الناسُ عن مخالطة اليتامى وتعهُّد أموالهم فشق عليهم ذلك فذكروه للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت { قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } أي التعرضُ لأحوالهم وأموالهم على طريق الإصلاح خيرٌ من مجانبتهم اتقاءً . { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } وتعاشِروهم على وجهٍ ينفعهم { فَإِخوَانُكُمْ } أي فهم إخوانُكم أي في الدين الذي هو أقوى من العلاقة النسبية ، ومن حقوق الأخوة ومواجبها المخالطةُ بالأصلاح والنفعِ ، وقد حُمل المخالطةُ على المصاهرة { والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح } العلم بمعنى المعرفة المتعدية إلى واحد و ( من ) لتضمينه معنى التمييز أي يعلم مَنْ يفسد في أمورهم عند المخالطة أو مَنْ يقصِد بمخالطته الخيانةَ والإفسادَ مُميِّز له ممن يُصلح فيها أو يقصد الإصلاح فيجازي كلاً منهما بعمله ، ففيه وعدٌ ووعيد خلا أن في تقديم المفسد مزيدَ تهديدٍ وتأكيداً للوعيد { وَلَوْ شَاء الله لاعْنَتَكُمْ } أي لو شاء أن يُعْنِتَكم أو يكلفَكم ما يشق عليكم من العنت وهو المشقة لفعل ولم يجوِّزْ لكم مداخلتَهم { أَنَّ الله عَزِيزٌ } غالبٌ على أمره لا يعِزُّ عليه أمر من الأمور التي من جملتها إعناتُكم فهو تعليلٌ لمضمون الشرطية ، وقولُه عز وجل : { حَكِيمٌ } أي فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمةُ الداعيةُ إلى بناء التكليف على أساس الطاقة ، دليلٌ على ما تفيده كلمة «لو» من انتفاء مقدمها .
{ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات } أي لا تَتَزوجوهن وقرىء بضم التاء من الإنكاح أي لا تُزوِّجوهن من المسلمين { حتى يُؤْمِنَّ } والمرادُ بهن إما ما يعم الكتابياتِ أيضاً حسبما يقتضيه عمومُ التعليلين الآتيين لقوله تعالى :
{ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله } إلى قوله : { سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ } فالآية منسوخةٌ بقوله تعالى : { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } وأما غيرُ الكتابيات فهي ثابتة ورُوي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعث مَرْثدَ بنَ أبي مرثد الغنوي إلى مكةَ ليُخرج منها ناساً من المسلمين وكان يهوى امرأةً في الجاهلية اسمُها عَنَاق فأتته فقالت : ألا تخلو؟ فقال : ويحك إن الإسلامَ حال بيننا فقالت : هل لك أن تتزوّجَ بي؟ قال : نعم ولكن أرجِعُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأستأمِرُه فاستأمَره فنزلت { وَلأمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ } تعليل للنهي عن مواصلتهن وترغيبٌ في مواصلة المؤمنات ، صُدِّر بلام الابتداء الشبيهةِ بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغةً في الحمل على الانزجار ، وأصلُ أمة أمو حذفت لامها على غير قياس وعوِّض منه تاء التأنيث ودليلُ كون لامِها واواً رجوعُها في الجمع ، قال الكلابي : (1/279)
أما الإماءُ فلا يدعونني ولدا ... إذا تداعى بنو الأمواتِ بالعار
وظهورُها في المصدر يقال : هي أَمةٌ بيِّنة الأُموَّة وأقرَّتْ له بالأموّة وقد وقعت مبتدأ لما فيها من لام الابتداء والوصف أي ولأمة مؤمنة مع ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر { خَيْرٌ } بحسب الدين والدنيا { مّن مُّشْرِكَةٍ } أي امرأة مشركة مع مالها من شرف الحرية ورفعة الشأن { وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } قد مر أن كلمة ( لو ) في أمثال هذه المواقع ليست لبيان انتفاءِ الشيء في الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يلاحَظَ لها جوابٌ قد حذف ثقةً بدلالة ما قبلها عليه مع انصباب المعنى على تقديره بل هي لبيان تحقيقِ ما يفيدُه الكلام السابق من الحكم على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهرَ بثبوته معه ثبوتُه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولوية لما أن الشيءَ متى تحقق مع المُنافي القويِّ فلأَنْ يتحققَ مع غيره أولى ، ولذلك لا يُذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفةِ للجملة على نظيرتها المقابلة لها المتناولةِ لجميع الأحوال المغايرة لها وهذا معنى قولهم : إنها لاستقصاء الأحوالِ على وجه الإجمال كأنه قيل : لو لم تعجبْكم ولو أعجبتكم والجملةُ في حيِّز النصبِ على الحالية من مشركة إذ المآل ولأمة مؤمنة خيرٌ من امرأة مشركة حال عدمِ إعجابها إياكم بجمالها ومالِها ونسبها وغيرِ ذلك من مبادىء الإعجابِ وموجباتِ الرغبة فيها أي على كل حال ، وقد اقتُصر على ذكر ما هو أشدُّ منافاةً للخيرية تنبيهاً على أنها حيث تحققت معه فلأَنْ تتحققَ مع غيره أولى وقيل : الواوُ حاليةٌ وليس بواضح وقيل : اعتراضيةٌ وليس بسديد ، والحقُّ أنها عاطفة مستتبعةٌ لما ذكر من الاعتبار اللطيف . نعم يجوز أن تكونَ الجملةُ الأولى مع عاطف عليها مستأنفةً مقرِّرةً لمضمون ما قبلها فتدبر .
{ وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين } من الإنكاح والمراد بهم الكفار على الإطلاق ، لما مر أي لا تُزوِّجوا منهم المؤمناتِ سواءٌ كن حرائرَ أو إماءً { حتى يُؤْمِنُواْ } ويتركوا ما هم فيه من الكفر { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ } مع ما به من ذل المملوكية { خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ } مع ما له من عز المالكية { وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } بما فيه من دواعي الرغبة فيه الراجعةِ إلى ذاته وصفاته { أولئك } استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون التعليلين المارَّيْن أي أولئك المذكورون من المشركات والمشركين { يَدَّعُونَ } من يقارِنُهم ويعاشِرُهم { إِلَى النار } أي إلى ما يؤدي إليها من الكفر والفسوق فلا بد من الاجتناب عن مقارنتهم ومقاربتِهم { والله يَدْعُو } بواسطة عبادِه المأمنين مَنْ يقارِنُهم { إِلَى الجنة والمغفرة } أي إلى الاعتقاد الحق والعملِ الصالحِ الموصلَيْن إليهما ، وتقديمُ الجنة على المغفرة مع أن حق التخلية أن تُقدَّم على التحلية لرعاية مقابلة النار ابتداءً { بِإِذْنِهِ } متعلق بيدعو أي يدعو ملتبساً بتوفيقه الذي من جملته إرشادُ المؤمنين لمقارِنيهم إلى الخير ونصيحتُهم إياهم فهم أحقاءُ بالمواصلة { وَيُبَيِنُ آياته } المشتملةَ على الأحكام الفائقةِ والحِكَمِ الرائقة { لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي لكي يتذكروا ويعلموا بما فيها فيفوزوا بما دُعوا إليه من الجنة والغفران .
هذا وقد قيل : معنى واللَّهُ يَدْعُو وأولياءُ الله يدْعون وهم المؤمنون على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامه تشريفاً لهم . وأنت خبيرٌ بأن الضميرَ في المعطوف على الخبر أعني قوله تعالى : { وَيُبَيّنُ الله * تَعَالَى } فيلزم التفكيكُ وقيل : معناه والله يدعو بأحكامه المذكورة إلى الجنة والمغفرة فإنها موصلةٌ لمن عمِل بها إليهما . وهذا وإن كان مستدعياً لاتحاد مرجِع الضميرين الكائنين في الجملتين المتعاطفتين الواقعتين خبراً للمبتدأ لكنْ يفوِّت حينئذ حسنَ المقابلة بينه وبين قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النار } ولعل الطريق الأسلمَ ما أوضحناه أولاً ، وإيرادُ التذكرِ هاهنا للإشعار بأنه واضحٌ لا يحتاج إلى التفكر كما في الأحكام السابقة . (1/280)
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)
{ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض } عطفٌ على ما تقدم من مثله ولعل حكايةَ هذه الأسئلة الثلاثةِ بالعطف لوقوع الكلِّ عند السؤال عن الخمر ، وحكاية ما عداها بغير عطف لوقوع كلَ من ذلك في وقت على حِدَة والمحيض مصدر من حاضت المرأة كالمجيء والمبيت . روي أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحُيَّضَ ولا يؤاكلونهن كدأب اليهودِ والمجوسِ واستمر الناسُ على ذلك إلى أن سأل عن ذلك أبو الدحداحِ في نفر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فنزلت . { قُلْ هُوَ أَذًى } أي شيء يُستقذرُ منه ويؤذي من يقرَبُه نفرةً منه وكراهةً له { فاعتزلوا النساء فِي المحيض } أي فاجتنبوا مجامعتَهن في حالة المحيض . قيل : أخذ المسلمون بظاهر الاعتزال فأخرجوهن من بيوتهم فقال ناسٌ من الأعراب : يا رسولَ الله البردُ شديدٌ والثيابُ قليلة فإن آثرناهن هلك سائرُ أهل البيت وإن استأثرنا بها هلكت الحُيَّض فقال صلى الله عليه وسلم : « إنما أُمِرْتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حِضْنَ ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم » وقيل : إن النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض ، واليهودُ كانوا يفرِّطون في الاعتزال فأُمر المسلمون بالاقتصاد بين الأمرَيْن { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ } تأكيدٌ لحكم الاعتزال وتنبيه على أن المراد به عدمُ قربانهن لا عدمُ القربِ منهن وبيانٌ لغايته وهو انقطاعُ الدم عند أبي حنيفة رحمه الله فإن كان كذلك في أكثر المدة حلَّ القُربان كما انقطع وإلا فلا بدَّ من الاغتسال أو من مُضيِّ وقت صلاة وعند الشافعي رحمه الله أن يغتسلن بعد الانقطاع كما تُفصح عنه القراءة بالتشديد وينبىء عنهه قوله عز وجل : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } فإن التطهرَ هو الاغتسال { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } من المأتى الذي حلله لكم وهو القُبُل { إِنَّ الله يُحِبُّ التوبين } مما عسى يبدُر منهم من ارتكاب بعض ما نُهوا عنه ومن سائر الذنوب { وَيُحِبُّ المتطهرين } المتنزِّهين عن الفواحش والأقذار ، وفي ذكر التوبة إشعارٌ بمِساس الحاجة إليها بارتكاب بعضِ الناسِ لما نُهوا عنه ، وتكريرُ الفعل لمزيد العناية بأمر التطهر . (1/281)
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)
{ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } أي مواضعُ حرثٍ لكم شُبِّهن بها لما بين ما يلقى في أرحامهن وبين البذورِ من المشابهة من حيث إن كلاً منهما مادةٌ لما يحصُل منه { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } لما عبّر عنهن بالحرث عبّر عن مجامعتهن بالإتيان وهو بيانٌ لقوله تعالى : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } { أنى شِئْتُمْ } من أيِّ جهة شئتم . (1/282)
روي أن اليهود كانوا يزعُمون أن مَنْ أتى امرأتَه في قبُلها من دبرها يأتي ولده أحول فذُكِر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت { وَقَدّمُواْ لاِنفُسِكُمْ } أي ما يُدخَّر لكم من الثواب وقيل : هو طلبُ الولد وقيل : هو التسمية عند المباشرة { واتقوا الله } بالاجتناب عن معاصيه التي من جملتها ما عُدَّ من الأمور { واعلموا أَنَّكُم ملاقوه } فتعرَّضوا لتحصيل ما تنتفعون به حينئذ واجتنبوا اقترافَ ما تُفتَضَحون به { وَبَشّرِ المؤمنين } الذين تلقَّوا ما خوطبوا به من الأوامر والنواهي بحسب القَبول والامتثال بما يقصُر عنه البيان من الكرامة والنعيم المقيم ، أو بكل ما يُبشَّر به من الأمور التي تُسرُّ بها القلوب وتَقَرُّ بها العيونُ ، وفيه مع ما في تلوين الخطاب وجعلِ المبشِّرِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من المبالغة في تشريف المؤمنين ما لا يخفى { وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لايمانكم } قيل : نزلت في عبد اللَّه بنِ رَواحةَ حين حلَف أن لا يكلم خَتَنه بشرَ بنَ النعمان ولا يُصلِحَ بينه وبين أخته ، وقيل : في الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا يُنفِقَ على مِسْطَحٍ لخوضه في حديث الأفك والعُرضة فُعلة بمعنى مفعول كالقُبضة والغرفة تطلق على ما يعرض دون الشيء قيصيرُ حاجزاً عنه كما يقال : فلان عُرضة للخير وعلى المَعْرِض للأمر كما في قوله :
فلا تجعلوني عُرضة لِلَّوائمِ ... فالمعنى على الوجه الأول لا تجعلوا الله مانعاً من الأمور الحسنة التي تحلِفون على تركها وعبر عنها بالإيمان لملابستها بها كما في قوله عليه السلام لعبد اللَّه بنِ سَمُرةَ « إذا حَلَفتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرَها خيراً منها فأتِ الذي هو خيرٌ وكفِّر عن يمينك » وقوله تعالى : { أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس } عطفُ بيانٍ لأَيْمانكم أو بدلٌ منها لما عرفت أنها عبارةٌ عن الأمور المحلوف عليها ، واللام في لأيمانكم متعلقة بالفعل أو بعُرضةً لما فيها من معنى الاعتراض أي لا تجعلوا الله لبِرِّكم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس عُرضةً أي برزخاً حاجزاً بأن تحلِفوا به تعالى على تركها أو لا تجعلوه تعالى عرضة أي شيئاً يَعترِض الأمورَ المذكورة ويحجُزُها بما ذُكر من الحَلِف به تعالى على تركها ، وقد جُوِّز أن تكون اللامُ للتعليل ويتعلق أن تبروا الخ بالفعل أو بعرضة فيكون الأيمانُ بمعناها ، وأنت خبير بأنه يؤدي إلى الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي وعلى الوجه الثاني لا تجعلوا الله مَعْرِضاً لأيمانكم تبتذلونه بكثرة الحلف به ولذلك ذُمَّ من نزلت فيه { وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } بأشنعِ المذامِّ وجُعل الحلاّفُ مقدمتَها و { أَن تَبَرُّواْ } حينئذ علة للنهي أي إرادةَ أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا ، لأن الحلافَ مجترِىءٌ على الله سبحانه غيرُ معظِّمٍ له فلا يكون بَرَّاً متقياً ثقةً بين الناس فيكون بمعزل من التوسط في إصلاح ذاتِ البين { والله سَمِيعٌ } يسمع أَيْمانكم { عَلِيمٌ } يعلم نياتِكم فحافظوا على ما كُلفتموه .
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)
{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم } اللغوُ ما سقط من الكلام عن درجة الاعتبارِ والمرادُ به في الأيمان ما لا عقدَ معه ولا قصْدَ كما ينبىء عنه قوله تعالى : { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الايمان } وهو المعنيُّ بقوله عز وجل : { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } وقد اختُلف فيه فعندنا هو أن يحلِف على شيءٍ يظنُّه على ما حلف عليه ثم يظهرُ خلافُه فإنه لا قصْدَ فيه إلى الكذبَ وعند الشافعي رحمه الله هو قولُ العرب لا والله وبلى والله مما يؤكِّدون به كلامَهم من غير إخطار الحلِف بالبال فالمعنى على الأول لا يؤاخذُكم الله أي لا يعاقبُكم بلغو اليمين الذي يحلِفه أحدُكم ظاناً أنه صادقٌ فيه ولكن يعاقبُكم بما اقترفتْه قلوبُكم من إثم القصْد إلى الكذب في اليمين وذلك في الغَموس ، وعلى الثاني لا يلزمُكم الكفارةُ بما لا قصدَ معه إلى اليمين ولكن يلزمُكُموها بما نوَتْ قلوبُكم وقصَدَتْ به اليمينَ ولم يكن كسبَ اللسان فقط { والله غَفُورٌ } حيث لم يؤاخذْكم باللغو مع كونه ناشئاً من عدم التثبّت وقلةِ المبالاة { حَلِيمٌ } حيث لم يعجَلْ بالمؤاخذة ، والجملةُ اعتراض مقرِّرٌ لمضمون قوله تعالى : لا يؤاخذكم الخ وفيه إيذانٌ بأن المرادَ بالمؤاخذة المعاقبة لا إيجابُ الكفارة إذ هي التي يتعلق بها المغفرةُ والحِلْمُ دونه . (1/283)
{ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } الإيلاءُ الحلِفُ وحقُّه أن يستعمل بعلى واستعمالُه بمن لتضمينه معنى البُعد أي للذين يحلِفون متباعدين من نسائهم ويُحتمل أن يراد لهم من نسائهم { تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } كقولك : لي منك كذا وقرىء آلَوْا من نسائهم وقرىء يُقسمون من نسائهم والإيلاءُ من المرأة أن يقول : والله لا أقرَبُك أربعةَ أشهرٍ فصاعداً على التقييد بالأشهر ، أو لا أقربك على الإطلاق ، ولا يكون فيما دون ذلك وحكمه أنه إن فاء إليها في المدة بالوطء إن أمكن أو بالقول إن عجِز عنه صح الفيءُ وحنِث القادرُ ولزِمَتْه كفارةُ اليمين ، ولا كفارةَ على العاجز ، وإن مضت الأشهرُ الأربعةُ بانت بتطليقه والتربُّص الانتظارُ والتوقف أضيف إلى الظرف اتساعاً أي لهم أن ينتظروا في هذه المدة من غير مطالبة بفيء أو طلاق { فَإِن فَآءوا } أي رَجَعوا عن اليمين بالحِنْث ، والفاء للتفصيل كما إذا قلت أنا نزيلُكم هذا الشهرَ فإن حمِدتُكم أقمتُ عندكم إلى آخره وإلا لم ألبَثْ إلا ريثما أتحوّل { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفرُ للمُولي بفيئته التي هي كتَوْبته إثرَ حنثه عند تكفيره أو ما قصَد بالإيلاء من ضرار المرأة .
{ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق } وأجمعوا عليه { فَإِنَّ الله سَمِيعٌ } بما جرى منهم من الطلاق وما يتعلق به من الدمدمة والمقاولةِ التي لا تخلو عنها الحالُ عادة { عَلِيمٌ } بنياتهم وفيه من الوعيد على الإصرار وترك الفَيئة ما لا يخفى .
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)
{ والمطلقات } أي ذواتُ الأقراءِ من الحرائر المدخولِ بهن لما قد بُين أن لا عدةَ على غير المدخولِ بها وأنَّ عدَّةَ من لا تحيضُ لصِغَرٍ أو كِبَرٍ أو حملٍ بالأشهر ووضعِ الحمل وأن عدة الأَمَةِ قُرآنِ أو شهران { يَتَرَبَّصْنَ } خبرٌ في معنى الأمر مفيدٌ للتأكيد بإشعاره بأن المأمور به مما يجب أن يُتلقَّ بالمسارعة إلى الإتيان به فكأنهن امتثلن بالأمر بالتربُّص فتخبر به موجوداً متحققاً ، وبناؤه على المبتدأ مفيدٌ لزيادة تأكيد { بِأَنفُسِهِنَّ } الباء للتعدية أي يقمَعْنها ويحمِلْنها على ما لا تشتهيه بل يشق عليها من التربص وفيه مزيدُ حثَ لهن على ذلك لما فيه من الإنباء عن الاتصاف بما يستنكفْن منه من كون نفوسِهن طوامِحَ إلى الرجال فيحملُهن ذلك على الإقدام على الإتيان بما أمر به { ثلاثة قُرُوء } نُصب على الظرفية أو المفعولية بتقدير مضافٍ أي يتربصن مدةَ ثلاثةِ قروء أو يتربصن مُضِيَّ ثلاثةِ قروءٍ وهو جمع قُرءٍ والمراد به الحيضُ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : « دعي الصَّلاةَ أيامَ أقرائِك » وقوله صلى الله عليه وسلم : « طلاقُ الأمَةِ تطليقتانِ وعِدَّتُها حَيْضتان » وقوله تعالى : { واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ } ولأن المقصودَ الأصليَّ من العدة استبراءُ الرحِم ومدارُه الحيضُ دون الطهر ويقال : أقْرَأت المرأة إذا حاضت وقوله تعالى : { فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } معناه مستقبلاتٍ لعدتهن وهي الحِيَضُ الثلاثُ ، وإيرادُ جمع الكثرة في مقام جمع القِلة بطريق الاتساع فإن إيراد كلَ من الجمعين مكانَ الآخر شائع ذائع ، وقرىء ثلاثة قُرو بغير همز { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ } من الحَيْض والوَلَدِ استعجالاً للعِدة وإبطالاً لحقِّ الرَّجْعة وفيه دليل على قبول قولهِن في ذلك نفياً وإثباتاً { إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الاخر } جوابُ الشرط محذوفٌ يدل عليه ما قبله دَلالةً واضحة أي فلا يجترئن على ذلك ، فإن قضيةَ الإيمان بالله تعالى واليومِ الآخِرِ الذي يقع فيه الجزاءُ والعقوبةُ منافيةٌ له قطعاً { وَبُعُولَتُهُنَّ } البعولةُ جمعُ بعلٍ وهو في الأصل السيدُ المالك والتاءُ لتأنيث الجمع كما في الحزونة والسهولة أو مصدرٌ بتقدير مضافٍ أي أهلُ بعولتهن أي أزواجُهن الذين طلقوهن طلاقاً رَجْعياً كما ينبىء عنه التعبيرُ عنهم بالبعولة ، والضميرُ لبعض أفراد المطلقات { أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } إلى مِلْكهم بالرَّجْعة إليهن { فِي ذلك } أي في زمانِ التربُّص ، وصيغة التفضيلِ لإفادة أن الرجلَ إذا أراد الرجعةَ والمرأةُ تأباها وجبَ إيثارُ قولِه على قولها لا أن لها أيضاً حقاً في الرجعة { إِنْ أَرَادُواْ } أي الأزواجُ بالرجعة { إصلاحا } لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن ولم يريدوا مضارَّتَهن ، وليس المرادُ به شرطيةَ قصْدِ الإصلاح بصحة الرجعة بل هو الحثُّ عليه والزجرُ عن قصد الضِّرار { وَلَهُنَّ } عليهم من الحقوق { مِثْلُ الذى } لهم { عَلَيْهِنَّ بالمعروف } من الحقوق التي يجب مراعاتُها ويتحتم المحافظةُ عليها { وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } أي زيادةٌ في الحق لأن حقوقَهم في أنفسهن وحقوقَهن في المَهْر والكَفاف وتركِ الضِّرار ونحوها ، أو مزيةٌ في الفضل لما أنهم قوامون عليهن حُرَّاسٌ لهن ولما في أيديهن يشاركونهن في الغرَض من الزواج ويستبدّون بفضيلة الرعاية والإنفاق { والله عَزِيزٌ } يقدِرُ على الانتقام ممن يخالفُ أحكامَه { حَكِيمٌ } تنطوي شرائعهُ على الحِكَم والمصالح . (1/284)
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)
{ الطلاق } هو بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم والمراد به الرجعيُّ لما أن السابقَ الأقربُ حكمُه ، ولما رُوي أنه عليه السلام سُئل عن الثالثة فقال عليه السلام : « أو تسريحٌ بإحسان » وهو مبتدأ بتقدير مضافٍ خبرُه ما بعده أي عددُ الطلاق الذي يستحقُّ الزوجُ فيه الردَّ والرجعة حسبما بيّن آنفاً { مَرَّتَانِ } أي اثنانِ ، وإيثارُ ما ورد به النظمُ الكريم عليه للإيذان بأن حقَّهما أن يقعا مرةً بعد مرة لا دفعةً واحدة وإن كان حكمُ الرد ثابتاً حينئذٍ أيضاً { فَإِمْسَاكٌ } فالحكمُ بعدهما إمساكٌ لهن بالرجعة { بِمَعْرُوفٍ } أي بحسن عِشرةٍ ولطفِ معاملة { أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } بالطلقة الثالثة كما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أو بعدم الرجعةِ إلى أن تنقضيَ العِدَّةُ فَتَبينُ ، وقيل : المرادُ به الطلاقُ الشرعيُّ وبالمرتين مطلقُ التكرير لا التثنيةُ بعينها كما في قوله تعالى : { ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } أي كرةً بعد كرة والمعنى أن التطليق الشرعيَّ تطليقةٌ بعد تطليقةٍ على التفريق دون الجمع بين الطلقتين أو الثلاثِ فإن ذلك بدعةٌ عندنا فقوله تعالى : { فَإِمْسَاكٌ } الخ ، حُكمٌ مبتدأٌ وتخييرٌ مستأنف ، والفاء فيه للترتيب على التعليم كأنه قيل : إذا علمتم كيفية التطليق فأمرُكم أحدُ الأمرين { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ } منهن بمقابلة الطلاق { مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } أي من الصدقات وتخصيصُها بالذكر وإن شاركها في الحكم سائرُ أموالِهن إما لرعاية العادة أو للتنبيه على أنه إذا لم يحِلَّ لهم أن يأخُذوا مما آتَوْهن بمقابلة البُضْع عند خروجه عن ملكهم فلأَنْ لا يحِلَّ أن يأخذوا مما لا تعلُّقَ له بالبُضع أولى وأحرى { شَيْئاً } أي نزْراً يسيراً فضلاً عن الكثير ، وتقديمُ الظرفِ عليه لما مر مراراً ، والخطابُ مع الحكام ، وإسنادُ الأخذِ والإيتاءِ إليهم لأنهم الآمرون بهما عند المرافعة ، وقيل : مع الأزواج وما بعده مع الحكام وذلك مما يشوش النظمَ الكريمَ على القراءة المشهورة { إِلاَّ أَن يَخَافَا } أي الزوجان وقرىء يظنّوا وهو مؤيد لتفسير الخوف بالظن { أَن لا * يُقِيمَا حُدُودَ الله } أي أن لا يراعِيا مواجبَ أحكام الزوجية وقرىء يُخافا على البناء للمفعول وإبدال أن بصلته من الضمير بدلَ الاشتمال وقرىء تخافا وتُقيما بتاء الخطاب { فَإِنْ خِفْتُمْ } أيها الحكامُ { أَن لا يُقِيمَا } أي الزوجان { حُدُودَ الله } بمشاهدة بعض الأماراتِ والمخايل { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي على الزوجين { فِيمَا افتدت بِهِ } لا على الزوج في أخذ ما افتدت به ولا عليها في إعطائه إياه ، رُوي أن جميلة بنتَ عبدِ اللَّه بن أبيِّ بنِ سَلولٍ كانت تُبغض زوجَها ثابتَ بنَ قيس فأتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالت : لا أنا ولا ثابت ، لا يجمع رأسي ورأسَه شيء ، والله ما أعيبُ عليه في دين ولا خلُق ، ولكن أكره الكفرَ بعد الإسلام ما أُطيقه بغضاً إني رفعت جانبَ الخِباء فرأيتُه أقبلَ في عِدَّةٍ فإذا هو أشدُهم سواداً وأقصرُهم قامة وأقبحُهم وجهاً فنزلت فاختلعَتُ منه بحديقة كان أصْدقَها إياها . (1/285)
{ تِلْكَ } أي الأحكامُ المذكورة { حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا } بالمخالفة والرفض { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُوْلَئِكَ } المتعدّون والجمعُ باعتبار معنى الموصول { هُمُ الظالمون } أي لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه ، ووضعُ الاسمِ الجليل في المواقع الثلاثة الأخيرة موقعَ الضمير لتربية المهابةِ وإدخال الروعةِ ، وتعقيبُ النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد . (1/286)
{ فَإِن طَلَّقَهَا } أي بعد الطلقتين السابقتين { فَلاَ تَحِلُّ } هي { لَهُ مِن بَعْدُ } أي من بعد هذا الطلاقِ .
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)
{ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } أي حتى تتزوج غيره فإن النكاحَ أيضاً يُسند إلى كلَ منهما . وتعلَّقَ بظاهره من اقتصر على العقد والجمهورُ على اشتراط الإصابة لما رُوي أن امرأة رُفاعةَ قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن رُفاعةَ طلقني فبتَّ طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني ، وإن ما معه مثلُ هُدْبة الثوب فقال صلى الله عليه وسلم : " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة " قالت : نعم ، قال صلى الله عليه وسلم : " لا إلا أن تذوقي عُسَيْلَتَه ويذوقَ عُسَيْلَتَكِ " وبمثله تجوز الزيادةُ على الكتاب وقيل : النكاحُ بمعنى الوطء والعقدُ مستفاد من لفظ الزوج ، والحكمةُ من هذا التشريع الردعُ عن المسارعة إلى الطلاق والعودُ إلى المطلقة ثلاثاً والرغبة فيها ، والنكاحُ بشرط التحليل مكروهٌ عندنا ، ويُروى عدمُ الكراهة فيما لم يكن الشرطُ مصرَّحاً به وفاسدٌ عند الأكثرين لقوله صلى الله عليه وسلم : " لعن الله المحلِّل والمحلَّل له " فَإِن طَلَّقَهَا } أي الزوجُ الثاني { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي على الزوج الأول والمرأة { أَن يَتَرَاجَعَا } أن يرجِعَ كلٌّ منهما إلى الآخَر بالعقد { إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله } التي أوجب مراعاتِها على الزوجين من الحقوق ، ولا وجهَ لتفسير الظنِّ بالعلم لما أن العواقبَ غيرُ معلومةٍ ولأن ( أن ) الناصبة للتوقع المنافي للعلم ولذلك لا يكاد يقال : علمتُ أن يقومَ زيد . (1/287)
{ وَتِلْكَ } إشارة إلى الأحكام المذكورة إلى هنا { حُدُودَ الله } أي أحكامُه المعيّنة المحمية من التعرض لها بالتغيير والمخالفة { يُبَيّنُهَا } بهذا البيان اللائق أو سيبينها فيما سيأتي بناءً على أن بعضَها يلحقُه زيادةُ كشفٍ وبيانٌ بالكتاب والسنةَ ، والجملة خبرٌ ثانٍ عند من يجوِّزُ كونَه جملةً كما في قوله تعالى : { فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى } أو حالٌ من حدود الله والعامل معنى الإشارة { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي يفهمون وتخصيصُهم بالذكر مع عموم الدعوة والتبليغِ لما أنهم المنتفعون بالبيان أو لأن ما سيلحق بعضَ النصوص من البيان لا يقف عليه إلا الراسخون في العلم . { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي آخِرَ عدَّتِهن فإن الأجل كما ينطلِقُ على المدة ينطلق على منتهاها ، والبلوغُ هو الوصولُ إلى الشيء وقد يقال : للدنو منه اتساعاً وهو المراد هاهنا لقوله عز وجلَّ : { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } إذ لا إمكان للإمساك بعد تحققِ بلوغِ الأجلِ أي فراجعوهن بغير ضِرارٍ أو خلُّوهن حتى ينقضِيَ أجلُهن بإحسان من غير تطويل ، وهذا كما ترى إعادةٌ للحكم في بعض صورِه اعتناءً بشأنه ومبالغةً في إيجاب المحافظةِ عليه { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } تأكيدٌ للأمر بالإمساك بمعروف وتوضيحٌ لمعناه وزجزٌ صريحٌ عما كانوا يتعاطَوْنه أي لا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن «كأنْ يترُكَ المعتدةَ حتى إذا شارفت انقضاءَ الأجلِ يراجعها لا لرغبة فيها بل ليطوِّل عليها العدةَ فنُهي عنه» بعدما أُمر بضده لما ذكر ، وضِراراً نُصب على العِلّية أو الحالية أي لا تمسكوهن للمضارة أو مضارّين واللام في قوله : { لّتَعْتَدُواْ } متعلقة بضراراً أي لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء .
{ وَمَن يَفْعَلْ ذلك } أي ما ذكر من الإمساك المؤدّي إلى الظلم ، وما فيه من معنى البعد للدلالة على بعد منزلته في الشر والفساد { فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } في ضمن ظلمِه لهن بتعريضها للعقاب { وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله } المنطويةَ على الأحكام المذكورة أو جميعَ آياتهِ وهي داخلة فيها دخولاً أولياً { هُزُواً } أي مَهُزوًّا بها بأن تُعرِضوا عنها وتتهاونوا في المحافظة على ما في تضاعيفها من الأحكام والحدود من قولهم لمن لم يجِدَّ في الأمر : أنت هازىءٌ ، كأنه نُهي عن الهُزْؤ بها وأريد ما يستلزمه من الأمر بضده أي جِدُّوا في الأخذ بها والعمل بما فيها وارعَوْها حقَّ رعايتها وإلا فقد أخذتموها هُزُؤاً ولعباً . ويجوز أن يراد به النهيُ عن الإمساك ضراراً فإن الرجعةَ بلا رغبة فيها عملٌ بموجب آياتِ اللَّهِ تعالى بحسب الظاهر دون الحقيقة وهو معنى الهُزْؤ ، وقيل : كان الرجل ينكِحُ ويطلِّقُ ويُعتِقُ ثم يقول : إنما كنت ألعَبُ فنزلت ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : « ثلاثٌ جِدُّهن جدٌ وهزلُهن جدٌّ النكاحُ والطلاقُ والعِتاق » { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } حيث هداكم إلى ما فيه سعادتُكم الدينية والدنيوية أي قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها ، والظرفُ متعلق بمحذوف وقع حالاً من نعمة الله أي كائنةً عليكم أو صفةً لها على رأي من يجوِّز حذفَ الموصول مع بعض صلته أي الكائنة عليكم ويجوز أن يتعلق بنفسها إن أريد بها الإنعام لأنها اسم مصدر كنبات من أنبت ولا يقدح في عمله تاءُ التأنيث لأنه مبنيٌّ عليها كما في قوله : (1/288)
فلولا رجاءُ النصرِ منك ورهبة ... عِقابَك قد كانوا لنا كالموارد
{ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم } عطفٌ على { فَكُلُواْ مِمَّا } وما موصولة حذف عائدُها من الصلة و ( مِنْ ) في قوله عز وجل : { مّنَ الكتاب والحكمة } بيانية أي من القرآن والسنة أو القرآن الجامع للعنوانين على أن العطف لتغايُر الوصفين كما في قوله :
إلى الملكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمام ... وفي إبهامه أولاً ثم بيانه من التفخيم ما لا يخفى ، وفي إفراده بالذكر مع كونه أولَ ما دخل في النعمة المأمورِ بذكرها إبانةٌ بخطره ومبالغةٌ في الحث على مراعاة ما ذكر قبله من الأحكام { يَعِظُكُمْ بِهِ } أي بما أنزل ، حال من فاعل أَنزل أو من مفعوله أو منهما معاً { واتقوا الله } في شأن المحافظة عليه والقيام بحقوقه الواجبة { واعلموا أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } فلا يخفى عليه شيءٌ مما تأتون وما تذرون فيؤاخذُكم بأفانينِ العقاب .
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232)
{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } بيانٌ لحكم ما كانوا يفعلونه عند بلوغِ الأجل حقيقةً بعد بيانِ حُكمِ ما كانوا يفعلونه عند المشارفة إليه ، والعضْلُ الحبسُ وللتضييق ومنه عضَلت الدجاجةُ إذا نشِبَ بيضُها ولم يخرج والمراد المنعُ والخطاب إما للأولياء لما رُوي أنها نزلت في معقِل بنِ يسارَ حين عضَل أخته جميلة أن ترجِع إلى زوجها الأول بالنكاح وقيل : نزلت في جابرِ بن عبدِ اللَّه حين عضَل ابنةَ عمَ له ، وإسنادُ التطليق إليهم لتسبُّبهم فيه كما ينبىء عنه تصدّيهم للعضل ولعل التعرضَ لبلوغ الأجل مع جواز التزوج بالزوج الأول قبله أيضاً لوقوع العضلِ المذكور حينئذ وليس فيه دلالةٌ على أن ليس للمرأة أن تزوِّج نفسَها وإلا لما احتيج إلى نهي الأولياء عن العضل لما أن النهيَ لدفع الضرر عنهن فإنهن وإن قدَرْن على تزويج أنفسِهن لكنهن يحترزن عن ذلك مخافةً للوم والقطيعة ، وإما للأزواج حيث كانوا يعضُلون مطلقاتِهم ولا يدَعونهن يتزوجْن ظُلما وقسراً لحمية الجاهلية ، وإما للناس كافة فإن إسناد ما فعله واحد منهم إلى الجميع شائعٌ مستفيضٌ والمعنى إذا وجد فيكم طلاق فلا يقعْ فيما بينكم عضلٌ سواء كان ذلك من قبل الأولياء أو من جهة الأزواج أو من غيرهم ، وفيه تهويلٌ لأمر العضل وتحذيرٌ منه وإيذانٌ بأن وقوع ذلك بين ظَهرانيهم وهم ساكتون عنه بمنزلة صدوره عن الكل في استتباع اللائمةِ وسِرايةِ الغائلة { أَن يَنكِحْنَ } أي مِنْ أن ينكِحن فمحلُه النصبُ عند سيبويه والفراء والجرُّ عند الخليل على الخلاف المشهور وقيل : هو بدل اشتمال من الضمير المنصوب في تعضُلوهن وفيه دَلالةٌ على صحة النكاح بعبارتهن { أزواجهن } إن أريد بهم المطلقون فالزوجية إما باعتبار ما كان وإما باعتبار ما يكون وإلا فباعتبار الأخير { إِذَا تراضوا } ظرفٌ لِلا تعضُلوا ، وصيغةُ التذكير باعتبار تغليبِ الخطاب على النساء ، والتقييدُ به لأنه المعتاد لا لتجويز المنع قبل تمام التراضي وقيل : ظرفٌ لأن ينكحن وقوله تعالى : { بَيْنَهُمْ } ظرفٌ للتراضي مفيدٌ لرسوخه واستحكامه { بالمعروف } الجميلِ عند الشرع المستحسنِ عند الناس ، والباءُ إما متعلقةٌ بمحذوف حالٍ من فاعل تراضوا أو نعتٍ لمصدر محذوفٍ أي تراضِياً كائناً بالمعروف ، وإما بتراضَوا بما يحسُن في الدين والمروءة وفيه إشعارٌ بأن المنعَ من التزوج بغير كفؤ أو بما دون مَهرِ المثل ليس من باب العضْل . (1/289)
{ ذلك } إشارةٌ إلى ما فصل من الأحكام ، وما فيه من البُعد لتعظيم المشار إليه ، والخطابُ لجميع المكلفين كما فيما بعده والتوحيدُ إما باعتبار كلِّ واحدٍ منهم ، وإما بتأويل القَبيل والفريق ، وإما لأن الكافَ لمجرد الخطابِ والفرقِ بين الحاضِرِ والمنقضي دون تعيينِ المخاطَبين أو للرسول صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى : { الحكيم يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } للدلالة على أن حقيقةَ المشارِ إليه أمرٌ لا يكاد يعرِفه كلُّ واحد { يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بالله واليوم الاخر } فيسارع إلى الامتثال بأوامرِه ونواهيه إجلالاً له وخوفاً من عقابه ، وقوله تعالى : { مّنكُمْ } إما متعلق بكان عند من يجوز عملها في الظروف وشبهها ، وإما بمحذوف وقع حالاً من فاعل يؤمن أي كائناً منكم { ذلكم } أي الاتعاظُ به والعملُ بمقتضاه { أزكى لَكُمْ } أي أنمى وأنفعُ { وَأَطْهَرُ } من أدناس الآثام وأوضارِ الذنوب { والله يَعْلَمُ } ما فيه من الزكاء والطُهر { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك ، أو والله يعلمُ ما فيه صلاحُ أمورِكم من الأحكام والشرائعَ التي من جملتها ما بينه هاهنا وأنتم لا تعلمونها فدعُوا رأيكم وامتثِلوا أمرَه تعالى ونهيَه في كل ما تأتون وما تذرون .
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)
{ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن } شروعٌ في بيان الأحكام المتعلقة بأولادهن خصوصاً واشتراكاً وهو أمرٌ أُخرِجَ مُخرجَ الخبر مبالغةً في الحمل على تحقق مضمونِه ومعناه الندبُ أو الوجوبُ إن خص بمادة عدم قَبول الصبيِّ ثديَ الغير أو فقدانِ الظِئْر أو عجزِ الوالدِ عن الاستئجار ، والتعبيرُ عنهن بالعنوان المذكور لِهزّ عَطفِهن نحوَ أولادِهن ، والحكمُ عام للمطلقات وغيرهن ، وقيل : خاصٌّ بهن إذ الكلامُ فيهن { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } التأكيدُ بصفة الكمال لبيان أن التقديرَ تحقيقيٌّ لا تقريبيٌّ مبني على المسامحة المعتادة { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } بيانٌ لمن يُتوجّه إليه الحكمُ أي ذلك لمن أراد إتمامَ الرضاعة وفيه دلالةٌ على جواز النقص وقيل : اللام متعلقة بيرضعن فإن الأبَ يجبُ عليه الإرضاعُ كالنفقة ، والأمُ ترضع له كما يقال : أرضعت فلانةٌ لفلان ولدَه { وَعلَى المولود لَهُ } أي الوالد فإن الولد يولد له ويُنسَب إليه ، وتغييرُ العبارة للإشارة إلى المعنى المقتضي لوجوب الإرضاعِ ، ومؤونة المرضعة عليه { رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } أجرةٌ لهن ، واختلف في استئجار الأمِّ وهو غيرُ جائز عندنا ما دامت في النكاح أو العدة ، جائزٌ عند الشافعي رحمه الله { بالمعروف } حسبما يراه الحاكم ويفي به وسعَه { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } تعليل لإيجاب المُؤَن بالمعروف أو تفسيرٌ للمعروف وهو نص على أنه تعالى لا يكلف العبدَ ما لا يُطيقُه وذلك لا ينافي إمكانه . (1/290)
{ لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } تفصيلٌ لما قبله وتقريرٌ له ، أي لا يكلِّف كلُّ واحد منهما الآخَرَ ما لا يُطيقه ، ولا يُضارُّه بسبب ولده وقرىء لا تضارُّ بالرفع بدلاً من لا تكلف وأصله على القراءتين لا تضارِّ بالكسر على البناء للمفعول وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون بمعنى تضرّ والباء من صلته أي لا يُضَر الوالدان بالولد فيُفَرَّط في تعهده ويُقصَّر فيما ينبغي له وقرىء لا تضارّ بالسكون مع التشديد على نية الوقف وبه مع التخفيف على أنه من ضاره يَضيرُه وإضافة الولد إلى كل منهما لاستعطافهما إليه وللتنبيه على أنه جدير بأن ينفِقا على استصلاحه ولا ينبغي أن يُضَرَّا به أو يُتضارّا بسببه .
{ وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك } عطف على قوله تعالى : { على المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ } الخ وما بينهما تعليل أو تفسيرٌ معترِضٌ ، والمرادُ به وارثُ الصبيِّ ممن كان ذا رحِمٍ محرَمٍ منه وقيل : عَصَباتُه وقال الشافعي رحمه الله : هو وارثُ الأب وهو الصبيُّ أي تُمأنُ المرضعةُ من ماله عند موت الأب ، ولا نزاعَ فيه وإنما الكلام فيما إذا لم يكن للصبيِّ مالٌ وقيل : الباقي من الأبوين من قوله عليه الصلاة والسلام : « واجعله الوارثَ منا » وذلك إشارةٌ إلى ما وجب على الأب من الرزق والكسوةِ { فَإِنْ أَرَادَا } أي الوالدان { فِصَالاً } أي فِطاماً عن الرَّضاع قبل تمام الحولين ، والتنكيرُ للإيذان بأنه فصال غيرُ معتاد { عَن تَرَاضٍ } متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهنُ أي صادراً عن تراض { مِنْهُمَا } أي من الوالدين لا من أحدهما فقط لاحتمال إقدامه على ما يضُرُّ بالولد بأن تمَلَّ المرأةُ الإرضاعِ ويبخَلَ الأبُ بإعطاء الأجرة { وَتَشَاوُرٍ } في شأن الولد وتفحُّصٍ عن أحواله وإجماعٍ منهما على استحقاقه للفِطام والتشاور من المَشورة وهي استخراجُ الرأي من شُرتُ العسلَ إذا استخرجته وتنكيرُهما للتفخيم { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } في ذلك لما أن تراضِيَهما إنما يكون بعد استقرار رأيِهما أو اجتهادِهما على أن صلاحَ الولدِ في الفِطام وقلما يتفقان على الخطأ { وَإِنْ أَرَدْتُّمُ } بيانق لحكم عدم اتفاقِهما على الفطام ، والالتفاتُ إلى خطاب الآباءِ لجذبهم إلى الامتثال بما أُمروا به { أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم } بحذف المفعول الأول استغناءً عنه أي أن تسترضعوا المراضِعَ لأولادكم يقال : أرضعتِ المرأةُ الصبيَّ واسترضعتُها إياه ، وقيل : إنما يتعدَّى إلى الثاني بحرف الجرِّ يقال : استرضعتُ المرأةَ للصبيِّ أي أن تسترضعوا المراضِعَ لأولادكم فحُذف حرفُ الجر أيضاً كما في قوله تعالى :
{ وَإِذَا كَالُوهُمْ } أي كالوا لهم { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أي في الاسترضاع وفيه دلالة على أن للأب أن يسترضِعَ للولد ويمنعَ الأمَّ من الإرضاع { إِذَا سَلَّمْتُم } أي إلى المراضع { مَّا ءاتَيْتُم } أي ما أردتم إيتاءَه كما في قوله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله } وقرىء ما أَتيتم من أتى إليه إحساناً إذا فعله وقرىء ما أُوتيتم أي من جهة الله عز وجل كما في قوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } وفيه مزيدُ بعثٍ لهم إلى التسليم { بالمعروف } متعلقٌ بسلَّمتم أي بالوجه المتعارَفِ المستحسَن شرعاً ، وجوابُ الشرط محذوفٌ لدلالة المذكور عليه وليس التسليمُ بشرطٍ للصحة والجواز ، بل هو ندبٌ إلى ما هو الأليقُ والأَولى فإن المراضعَ إذا أُعطين ما قُدّر لهن ناجزاً يداً بيد كان ذلك أدخلَ في استصلاح شؤون الأطفال { واتقوا الله } في شأن مراعاةِ الأحكامِ المذكورة { واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم بذلك ، وإظهارُ الاسم الجليلِ في موضع الإضمارِ لتربية المهابة ، وفيه من الوعيد والتهديد ما لا يخفى . (1/291)
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)
{ والذين } على حذف المضافِ أي وأزواجُ الذين { يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } أي تُقبض أرواحُهم بالموت فإن التوفيَ هو القبضُ يقال : توفّيتُ مالي من فلان واستوفيتُه منه أي أخذته وقبضته ، والخطاب لكافة الناس بطريق التلوينِ { وَيَذَرُونَ أزواجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } أو على حذف العائد إلى المبتدأ في الخبر أي يتربصن بعدَهم كما في قولهم : السمنُ مَنَوانِ بدرهم أي مَنَوانِ منه وقرىء يَتَوفون بفتح الياء أي يستوفون آجالَهم ، وتذكيرُ العشر باعتبار الليالي لأنها غُررُ الشهور والأيام ولذلك تراهم لا يكادون يستعملون التذكير في مثله أصلاً حتى إنهم يقولون : صُمت عشراً ومن البين في ذلك قولُه تعالى : { إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } ثم { إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } ولعل الحكمةَ في هذا التقديرِ أن الجنينَ إذا كان ذكراً يتحرك غالباً لثلاثة أشهر وإن كان أنثى يتحرك لأربعة فاعتُبر أقصى الأجلين وزيد عليه الأيام العشر استظهاراً إذ ربما تضعف الحركة فلا يُحس بها . وعمومُ اللفظ يقتضي تساوي المسلمة والكتابية والحرة والأمة في هذا الحكم ولكن القياسَ اقتضى التنصيفَ في الأَمَة ، وقولُه عز وجل : { وأولات الاحمال } خَصَّ الحاملَ منه . وعن علي وابنِ عباس رضي الله عنهم أنها تعتدُّ بأبعد الأجلين احتياطاً { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي انقضت عدتُهن { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها الحكامُ والمسلمون جميعاً { فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } من التزيُّن والتعرُّض للخُطّاب وسائرِ ما حُرِّم على المعتدة { بالمعروف } بالوجه الذي لا ينكره الشرعُ ، وفيه إشارةٌ إلى أنهن لو فعلن ما ينكره الشرعُ فعليهم أن يكفّوهن عن ذلك وإلا فعليهم الجُناحُ { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فلا تعملوا خلافَ ما أُمرتم به . (1/292)
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)
{ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } خطابٌ للكل { فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ } التعريضُ والتلويحُ إبهامُ المقصودِ بما لم يوضَعْ له حقيقةً ولا مجازاً كقول السائل : جئتُك لأُسلِّم عليك وأصلُه إمالةُ الكلام عن نهجه إلى عُرُضٍ منه أي جانب والكناية هي الدِلالةُ على الشيء بذكر لوازمِه وروادِفه كقولك : طويلُ النِّجاد للطويل وكثيرُ الرماد للمِضْياف { مِنْ خِطْبَةِ النساء } الخِطبة بالكسر كالقِعدة والجِلسة ما يفعلُه الخاطبُ من الطلب والاستلطاف بالقول والفعل فقيل : هي مأخوذةٌ من الخَطْب أي الشأن الذي له خطرٌ لما أنها شأن من الشؤون ونوع من الخُطوب وقيل : من الخطاب لأنها نوعُ مخاطبة تجري بين جانب الرجل وجانب المرأة والمرادُ بالنساء المعتداتُ للوفاة والتعريضُ لخطبتهن أن يقول لها : إنك لجميلةٌ أو صالحةٌ أو نافعة ، ومن غرضي أن أتزوَّجَ ونحوُ ذلك مما يوهم أنه يريد نِكاحَها حتى تحبِسَ نفسَها عليه إن رغبت فيه ولا يصرح بالنكاح { أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ } أي أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه تصريحاً ولا تعريضاً { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } ولا تصبِرون على السكوت عنهن وعن إظهار الرغبة فيهن وفيه نوعُ توبيخٍ لهم على قلة التثبت { ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } استدراكٌ محذوفٌ دل عليه { سَتَذْكُرُونَهُنَّ } أي فاذكُروهن ولكن لا تواعدوهن نِكاحاً بل اكتفوا بما رُخّص لكم من التعريض ، والتعبيرُ عن النكاح بالسر لأن مُسبَّبَه الذي هو الوطء مما يُسرّ به وإيثارُه على اسمه للإيذان بأنه ينبغي أن يُسرّ به ويكتَم ، وحملُه على الوطء ربما يُوهم الرُّخصة في المحظور الذي هو التصريحُ بالنكاح وقيل : انتصابُ سراً على الظرفية أي لا تواعدوهن في السر على أن المراد بذلك المواعدةُ بما يُستهجن وفيه ما فيه { إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } استثناءٌ مفرَّغ مما يدل عليه النهي أي لا تواعدوهن مواعدةً ما إلا مواعدةً معروفة غيرَ منْكرةٍ شرعاً وهي ما يكون بطريق التعريض والتلويح أو إلا مواعدةً بقول معروف ، أو لا تواعدوهن بشيء من الأشياء إلا بأن تقولوا قولاً معروفاً وقيل : هو استثناءٌ منقطعٌ من ( سراً ) وهو ضعيف لأدائه إلى جعل التعريض موعوداً وليس كذلك { وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح } من عزم الأمرَ إذا قصده قصداً جازماً وحقيقتُه القطع بدليل قوله عليه السلام : « لا صيامَ لمن لم يعزِمِ الصيامَ من الليل » وروي « لمن لم يبيّت الصيام » والنهي عنه للمبالغة في النهي عن مباشرة عقدِ النكاح أي لا تعزِموا عُقدة النكاح { حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ } أي ( تبلُغَ ) العدةُ المكتوبة المفروضةُ آخِرَها وقيل : معناه لا تقطعوا { على أَنفُسِكُمْ } عقدة النكاحِ أي لا تُبرِموها ولا تلزَموها ولا تَقَدَّموا عليها ، فيكونُ نهياً عن نفس الفعل لا عن قصده . (1/293)
{ واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ } من ذواتِ الصُدور التي من جملتها العزمُ على ما نُهيتم عنه { فاحذروه } بالاجتناب عن العزم ابتداءً أو إقلاعاً عنه بعد تحققِه { واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ } يغفِرُ لمن يُقلعُ عن عزمه خشيةً منه تعالى { حَلِيمٌ } لا يعاجلُكم بالعقوبة فلا تستدلوا بتأخيرها على أن ما نُهيتم عنه من العزم ليس مما يستتبعُ المؤاخذةَ ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لإدخال الروعة .
لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)
{ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أي لا تِبعةَ من مهرٍ وهو الأظهرُ وقيل : من وِزْر ، إذ لا بدعةَ في الطلاق قبل المسيس وقيل : كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يكثر النهيَ عن الطلاق فظُن أن فيه جُناحاً فنُفيَ ذلك { إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } أي ما لم تجامعوهن ، وقرىء تُماسُّوهن بضم التاء في جميع المواقع أي مدة عدمِ مِساسِكم إياهن ، على أن ما مصدريةٌ ظرفية بتقدير المضاف ، ونقل أبو البقاءِ أنها شرطية بمعنى إن فيكون من باب اعتراض الشرط على الشرط فيكون الثاني قيداً للأول كما في قولك : إنْ تأتِني إن تُحسِنْ إلي أكرمْك أي إن تأتني محسِناً إليَّ والمعنى إن طلقتموهن غيرَ ماسِّين لهن ، وهذا المعنى أقعَدُ من الأول لما أن ما الظرفية إنما يحسُن موقعُها فيما إذا كان المظروفُ أمراً ممتداً منطبقاً على ما أضيف إليها من المدة أو الزمان كما في قوله تعالى : { خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والارض } وقوله تعالى : { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } ولا يخفى أن التطليقَ ليس كذلك ، وتعليقُ الظرف بنفي الجُناحِ ربما يوهم إمكانَ المسيسِ بعد الطلاق ، فالوجهُ أن يقدَّرَ الحالُ مكان الزمان والمدة { أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } أي إلا أن تفرِضوا أو حتى تفرضوا لهن عند العقد مَهراً ، على أن فريضة فعلية بمعنى مفعول ، والتاءُ لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية ، وانتصابُه على المفعولية ويجوز أن يكون مصدراً صيغةً وإعراباً ، والمعنى أنه لا تِبعَةَ على المطلِّق بمطالبة المَهر أصلاً إذا كان الطلاقُ قبل المسيس على كل حال إلا في حال تسمية المهرِ فإن عليه حينئذٍ نصفَ المسمَّى ، وفي حال عدمِ تسميتِه عليه المتعةُ لا نصفُ مَهرِ المثل وأما إذا كان بعد المسيسِ فعليه في صورة التسمية تمامُ المسمَّى ، وفي صورة عدمها تمامُ مَهر المثل وقيل : كلمةُ أو عاطفةٌ لمدخولها على ما قبلها من الفعل المجزومِ على معنى ما لم يكن منكم مسيسٌ ولا فرضُ مَهرٍ . (1/294)
{ وَمَتّعُوهُنَّ } عطفٌ على مقدّر ينسحبُ عليه الكلام أي فطلِّقوهن ومتِّعوهن ، والحكمةُ في إيجاب المتعة جبرُ إيحاش الطلاقِ وهي دِرعٌ ومِلْحفة وخِمار على حسب الحال كما يُفصِحُ عنه قوله تعالى : { عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ } أي ما يليق بحال كلَ منهما وقرىء بسكون الدال وهي جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مبينةٌ لمقدار المتعة بالنظر إلى حال المطلِّق إيساراً وإقتاراً ، أو حالٌ من فاعل متِّعوهن بحذف الرابط أي على الموسع منكم الخ أو على جعل الألف واللام عوضاً من المضاف إليه عند من يجوّزه أي على موسعكم الخ وهذا إذا لم يكن مهرُ مثلِها أقل من ذلك فإن كان أقل فلها الأقلُ من نصف مهر المثل ومن المتعة ولا يُنقص عن خمسة دراهم { متاعا } أي تمتيعاً { بالمعروف } أي بالوجه الذي تستحسنه الشريعةُ والمروءة { حَقّاً } صفةٌ لمتاعاً أو مصدرٌ مؤكد أي حُقَّ ذلك حقاً { عَلَى المحسنين } أي الذين يُحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال ، أو إلى المطلقات بالتمتيع بالمعروف وإنما سموا محسنين اعتباراً للمشارفة وترغيباً وتحريضاً .
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)
{ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ } قبل ذلك { فَرِيضَةً } أي وإن طلقتموهن من قبل المسيسِ حال كونِكم مُسمِّين لهن فيما سبق أي عند النكاحِ مَهراً على أن الجملةَ حالٌ من فاعل طلقتُموهن ويجوزُ أن تكون حالاً من مفعوله لتحقق الرابطِ بالنسبة إليهما . ونفس الفرض من المبني للفاعل أو للمفعول وإن لم يقارِنْ حالةَ التطليق لكن اتصاف المطلقِ بالفارضية فيما سبق مما لا ريب في مقارنته لها وكذا الحال في اتصاف المطلقة بكونها مفروضاً لها فيما سبق . (1/295)
{ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } أي فلهن نصفُ ما سمّيتم لهن من المَهر ، فالواجبُ عليكم ذلك ، وهذا صريحٌ في أن المنفي في الصورة السابقة إنما هو تبِعةُ المهر وقرىء بالنصب أي فأدوا نصفَ ما فرَضتم ولعل تأخيرَ حكمِ التسمية مع أنها الأصلُ في العقد والأكثرُ في الوقوع لما أن الآية الكريمة نزلت في أنصاريَ تزوج امرأةً من بني حنيفةَ وكانت مفوضةً فطلقها قبل الدخول بها فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام عند إظهار أن لا شيءَ له : « متِّعْها بقَلَنْسُوتك » { إَّلا أَن يَعْفُونَ } استثناءٌ مفرغٌ من أعم الأحوال أي فلهن نصفُ المفروض معيناً في كل حال إلا حالَ عفوِهن فإنه يسقُط ذلك حينئذ بعد وجوبه ، وظاهرُ الصيغة في نفسها يحتمل التذكيرَ والتأنيث وإنما الفرقُ في الاعتبار والتحقيق فإن الواوَ في الأولى ضميرٌ والنون علامة الرفع ، وفي الثانية لامُ الفعل والنون ضمير والفعل مبنيّ ولذلك لم يؤثرْ فيه إنما تأثيرُه فيما عُطِفَ على محله من قوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَاْ } بالنصب وقرىء بسكون الواو { الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } أي يتركُ الزوجُ المالك لعقده وحَلّه ما يعود إليه من نصفِ المَهر الذي ساقه إليها كاملاً على ما هو المعتاد تكرماً فإن تركَ حقِّه عليها عفواً بلا شُبهة ، أو سمي ذلك عفواً في صورة عدم السَوْق مشاكلةً أو تغليباً لحال السَوْق على حال عدمِه فمرجِعُ الاستثناء حينئذ إلى منع الزيادةِ في المستثنى منه كما أنه في الصورة الأولى إلى منع النقصانِ فيه أي فلهن هذا القدرُ بلا زيادة ولا نقصان في جميع الأحوال إلا في حال عفوهن فإنه حينئذ لا يكون لهن القدرُ المذكور بل ينتفي ذلك أو ينحطّ ، أو في حال عفو الزوج فإنه حينئذ يكون لهن الزيادة على ذلك القدر هذا على التفسير الأول وأما على التفسير الثاني فلا بد من المصير إلى جعل الاستثناء منقطعاً لأن في صورة عفوِ الزوجِ لا يُتصور الوجوبُ عليه هذا عندنا ، وفي القول القديم للشافعي رحمه الله أن المراد عفوُ الولي الذي بيده عقدةُ نكاحِ الصغيرة وهو ظاهرُ المأخذ خلا أن الأول أنسبُ بقوله تعالى : { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } إلى آخره فإن إسقاط حقِّ الصغيرة ليس في شيء من التقوى . وعن جُبير بن مُطعِم أنه تزوج امرأةً وطلقها قبل الدخول وأكمل لها الصَّداقَ وقال : أنا أحق بالعفو وقرىء بالياء { وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ } أي لا تتركوا أن يتفضل بعضُكم على بعض كالشيء المنسيِّ وقرىء بكسر الواو ، والخطاب في الفعلين للرجال والنساء جميعاً بطريق التغليب { إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فلا يكاد يُضيع ما عمِلتم من التفضل والإحسان .