صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140)
وكلمة ( أم ) في قوله تعالى : { أَمْ تَقُولُونَ } إما معادلة للهمزة في قوله تعالى : { أَتُحَاجُّونَنَا } داخلةٌ في حيز الأمر على معنى أيَّ الأمرين تأتون إقامةَ الحجة وتنويرَ البرهان على حقية ما أنتم عليه والحال ما ذكر أم التشبّثَ بذيل التقليد والافتراءِ على الأنبياء وتقولون : { إِنَّ إبراهيم * وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى } فنحن بهم مقتدون والمرادُ إنكارُ كِلا الأمرين والتوبيخُ عليهما ، وإما منقطعةٌ مقدرةٌ ببل والهمزة دالةٌ على الإضراب والانتقالِ من التوبيخِ على المُحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياء عليهم السلام وقرىء أم يقولون على صيغة الغَيْبة فهي منقطعةٌ لا غير ، غيرُ داخلةٍ تحت الأمر واردةٌ من جهته تعالى توبيخاً لهم وإنكاراً عليهم لا من جهته عليه السلام على نهج الالتفات كما قيل . (1/215)
هذا ، وأما ما قيل من أن المعنى أتحاجوننا في شأن الله واصطفائِه نبياً من العرب دونكم؟ لما رُوي أن أهلَ الكتاب قالوا الأنبياءُ كلُهم منا فلو كنت نبياً لكنت منا فنزلت . ومعنى قوله تعالى : { وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم } أنه لا اختصاصَ له تعالى بقوم دون قومٍ يصيب برحمته من يشاء من عباده فلا يبعدُ أن يكرِمنا كما أكرمَكم بأعمالكم كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحلونه إفحاماً وتبكيتاً ، فإن كرامة النبوة إما تفضلٌ من الله تعالى على من يشاء فالكل فيه سواء ، وإما إفاضةُ حقَ على المستحقين لها بالمواظبة على الطاعة والتخلِّي بالإخلاص فكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله تعالى في إعطائها فلنا أيضاً أعمالٌ ونحن له مخلصون أي لا أنتم ، فمَعَ عدم ملاءمتِه لسياق النظم الكريم ولا سيما على تقدير كونِ كلمةِ أم معادلةً للهمزة غيرُ صحيح في نفسه لما أن المرادَ بالأعمال من الطرفين ما أشير إليه من الأعمال الصالحة والسيئة ، ولا ريب في أن أمرَ الصلاحِ والسوءِ يدورُ على موافقة الدين المبنيِّ على البعثة ومخالفته فكيف يتصور اعتبارُ تلك الأعمال في استحقاق النبوة واستعدادِها المتقدم على البعثة بمراتِبَ { قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله } إعادةُ الأمر ليس لمجرد تأكيدِ التوبيخِ وتشديدِ الإنكار عليهم بل للإيذان بأن ما بعده ليس متصلاً بما قبله بل بينهما كلامٌ للمخاطبين مترتب على ما سبق مستتبِعٌ لما أنه الحقُّ قد أُضرب عنه الذكرُ صفحاً لظهوره وهو تصريحُهم بما وُبِّخوا عليه من الافتراء على الأنبياء عليهم السلام كما في قوله عز وجل قال : { وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون } وقولِه عز قائلاً : { قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذى كَرَّمْتَ على } فإن تكريرَ قال في الموضعين وتوسيطَه بين قولي قائلٍ واحد للإيذان بأن بينهما كلاماً لصاحبه متعلقاً بالأول والثاني بالتبعية والاستتباع كما حُرر في محله أي كذِبُهم في ذلك ونُكثُهم قائلاً : إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون وقد نَفَى عن إبراهيم عليه السلام كلا الأمرين حيث قال :
{ مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا } واحتُج عليه بقوله تعالى : { وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } وهؤلاء المعطوفون عليه السلام أتباعُه في الدين وِفاقاً فكيف تقولون ما تقولون سبحان الله عما تصفون { وَمَنْ أَظْلَمُ } إنكارٌ لأن يكون أحدٌ أظلم { مِمَّنْ كَتَمَ شهادة } ثابتة { عِندَهُ } كائنة { مِنَ الله } وهي شهادتُه تعالى له عليه السلام بالحنيفية والبراءةِ من اليهودية والنصرانية حسبما تلى آنفاً ، فعنده صفةٌ لشهادة وكذا ( من الله ) جيء بهما لتعليل الإنكار وتأكيدِه فإن ثبوتَ الشهادةِ عنده وكونَها من جانب الله عز وجل من أقوى الدواعي إلى إقامتها وأشدِّ الزواجر عن كِتمانها ، وتقديمُ الأول مع أنه متأخرٌ في الوجود لمراعاة طريقةِ الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، والمعنى أنه لا أحدَ أظلمُ من أهل الكتاب حيث كتموا هذه الشهادةَ وأثبتوا نقيضَها بما ذُكر من الافتراء ، وتعليقُ الأظلمية بمُطلق الكِتمان للإيماء إلى أن مرتبةَ مَنْ يردُّها ويشهد بخلافها في الظلم خارجةٌ عن دائرة البيان أو لا أحدَ أظلمُ منا لو كتمناها ، فالمرادُ بكتمها عدمُ إقامتها في مقامِ المُحاجة ، وفيه تعريضٌ بغاية أظلمية أهلِ الكتابِ على نحو ما أشير إليه ، وفي إطلاق الشهادة مع أن المرادَ بها ما ذكر من الشهادة المعينةِ تعريضٌ بكتمانها شهادةَ الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } من فنون السيئاتِ فيدخُل فيها كتمانُهم لشهادته سبحانه وافتراؤهم على الأنبياء عليهم السلام دُخولاً أولياً أي هو محيطٌ بجميع ما تأتون وما تذرون فيعاقبُكم بذلك أشدَّ عقاب ، وقرىء ( عما يعملون ) على صيغة الغَيْبة فالضميرُ إما لمن كَتَم باعتبار المعنى ، وإما لأهلِ الكتاب ، وقولُه تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ } إلى آخر الآية ، مسوقٌ من جهته تعالى لوصفهم بغاية الظلمِ وتهديدِهم بالوعيد . (1/216)
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)
{ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } تكريرٌ للمبالغة في الزجر عما هم عليه من الافتخارِ بالآباء والاتكالِ على أعمالهم وقيل : الخطابُ السابق لهم وهذا لنا تحذيرٌ عن الاقتداء بهم وقيل : المرادُ بالأُمة الأولى الأنبياءُ عليهم السلام وبالثانيةِ أسلافُ اليهود . (1/217)
{ سَيَقُولُ السفهاء } أي الذين خفّت أحلامُهم واستمهنوها بالتقليد والإعراضِ عن التدبر والنظرِ من قولهم ثوبٌ سفيهٌ إذا كان خفيفَ النسج وقيل : السفيهُ البهّاتُ الكذابُ المتعمدُ خلافَ ما يَعلم ، وقيل : الظلومُ الجهولُ والمراد بالسفهاء هم اليهودُ على ما رُوي عن ابن عباس ومجاهدٍ رضي الله عنهم قالوه إنكاراً للنسخ وكراهةً للتحويل حيث كانوا يأنَسون بموافقته عليه الصلاة والسلام لهم في القِبلة الأولى وبُطلان الثانية إذ ليس كلُّهم من اليهود وقيل : هم المشركون ولم يقولوه كراهة للتحويل إلى مكةَ بل طعناً في الدين فإنهم كانوا يقولون رغِبَ عن قِبلة آبائه ثم رجَع إليها ولَيَرْجِعَنّ إلى دينهم أيضاً وقيل : هم القادحون في التحويل منهم جميعاً فيكون قوله تعالى : { مِنَ الناس } أي الكفرةِ لبيانِ أن ذلك القول المَحْكيِّ لم يصدُر عن كل فردٍ فردٍ من تلك الطوائف الثلاث بل عن أشقيائهم المعتادين للخوض في فنون الفساد وهو الأظهر ، إذ لو أريد بهم طائفة مخصوصة منهم لما كان لبيان كونِهم من الناس مزيدُ فائدة ، وتخصيصُ سفهائهم بالذكر لا يقتضي تسليمَ الباقين للتحويل وارتضاءَهم إياه بل عدم التفوه بالقدح مطلقاً أو بالعبارة المحكية .
{ مَا ولاهم } أي أيُّ شيءٍ صرفهم ، والاستفهامُ للإنكار والنفي { عَن قِبْلَتِهِمُ } القبلة فِعلة من المقابلة كالوِجْهة وهي الحالة التي يقابِلُ الشيءُ غيرَه عليها كالجِلسة للحالة التي يقع عليها الجلوسُ يقال : لا قِبلة له ولا دِبْرَةَ إذا لم يهتدِ لجهة أمرِه ، غلَبت على الجهة التي يستقبلها الإنسانُ في الصلاة ، والمراد بها ههنا بيتُ المقدس ، وإضافتُها إلى ضمير المسلمين ووصفُها بقوله تعالى : { التى كَانُواْ عَلَيْهَا } أي ثابتين مستمرين على التوجه إليها ومراعاتِها واعتقادِ حقّيتِها لتأكيد الإنكار ، فإن الاختصاصَ بالشيء والاستمرارَ عليه باعتقاد حقّيتِه مما ينافي الانصرافَ عنه فإن أريد بالقائلين اليهودُ فمدَارُ الإنكارِ كراهتُهم للتحويل عنها وزعمُهم أنه خطأ وإن أريد بهم المشركون فمدارُه مجردُ القصدِ إلى الطعن في الدين والقدحِ في أحكامه ، وإظهارُ أن كلاً من التوجه إليها والانصرافِ عنها واقعٌ بغير داعٍ إليه لا لكراهتهم الانصرافَ عنها أو التوجهَ إلى مكةَ وتعليقُ الإنكار بما يولّيهم عنها لا بما يوجههم إلى غيرها ، مع تلازمهما في الوجود لما أن تركَ الدين القديمِ أبعدُ عن العقول وإنكارُ سببه أدخلُ لا للإيذان بأن المنكِرين هم اليهودُ بناءً على أن المنكرَ عندهم هو التحويلُ عن خصوصية بيتِ المقدس الذي هو القِبلة الحقَّةُ عندهم لا التوجهُ إلى خصوصية قبلةٍ أخرى أو هم المشركون بناءً على أن المنكرَ عندهم تركُ القبلة القديمةِ على وجه الطعن والقدحِ لا التوجهُ إلى الكعبة لأنه الحقُّ عندهم فإنه بمعزلٍ عن ذلك كيف لا والمنافقون من أحد الفريقين لا محالة ، والإخبارُ بذلك قبل الوقوعِ مع كونه من دلائل النبوة حيث وقع كما أُخبر لتوطين النفوس وإعدادِ ما يُبَكّتُهم فإن مفاجأةَ المكروهِ على النفس أشقُّ وأشدُّ ، والجوابُ العتيد لشغَب الخصمِ الألدِّ أردُّ ، وقولُه عز وجل : { قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا أقول عند ذلك؟ فقيل : قل الخ أي لله تعالى ناحيتا الأرضِ أي الجهاتُ كلُّها مُلْكاً وتصرفاً فلا اختصاصَ لناحيةٍ منها لذاتها بكونها قبلةً دون ما عداها بل إنما هو بأمر الله سبحانه ومشيئتِه { يَهْدِى مَن يَشَآء } أن يهديَه ، مشيئةٌ تابعةٌ للحِكَم الخفية التي لا يعلمها إلا هو { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } موصِلٍ إلى سعادة الدين وقد هدانا إلى ذلك حيث أمرنا بالتوجه إلى بيت المقدس تارة وإلى الكعبة أخرى حسبما تقتضيه مشيئتُه المقارِنة لحِكَم أبيّةٍ ومصالِحَ خفية .
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)
{ وكذلك جعلناكم } توجيه للخطاب إلى المؤمنين بين الخطابين المختصين بالرسول صلى الله عليه وسلم لتأييد ما في مضمون الكلامِ من التشريف وذلك إشارةٌ إلى مصدر جعلناكم لا إلى جعل آخرَ مفهوم مما سبق كما قيل ، وتوحيدُ الكاف مع القصد إلى المؤمنين لِما أن المرادَ مجردُ الفَرْق بين الحاضر والمنقضي دون تعيين المخاطبين ، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلوِّ درجةِ المشار إليه وبُعدِ منزلتِه في الفضل وكمالِ تميُّزه به وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهدة ، والكاف لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة ومحلُها في الأصل النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ وأصلُ التقدير جعلناكم أمة وسَطاً جَعْلاً كائناً مثل ذلك الجعلِ فقُدّم على الفعل لإفادة القصْرِ ، واعتُبرت الكاف مُقحَمَةً للنكتة المذكورةِ فصار نفسَ المصدر المؤكدِ لا نعتاً له أي ذلك الجعلَ البديعَ جعلناكم { أُمَّةً وَسَطًا } لا جعلاً آخرَ أدنى منه والوسَطُ في الأصل اسمٌ لما يستوي نِسبةُ الجوانبِ إليه كمركز الدائرة ثم استُعير للخصال المحمودةِ البشرية لكن لا لأن الأطرافَ يتسارع إليها الخللُ والإعوازُ ، والأوساطُ محميّةٌ مَحوطَةٌ كما قيل ، واستُشهد عليه بقول ابن أوسٍ الطائي : (1/218)
كانت هي الوسَطَ المَحْمِيَّ فاكتَنَفَت ... بها الحوادثُ حتى أصبحت طَرَفا
فإن تلك العلاقةَ بمعزل من الاعتبار في هذا المقام إذ لا ملابَسةَ بينها وبين أهليةِ الشهادة التي جُعلت غايةً للجعل المذكور لكون تلك الخصالِ أوساطاً للخصال الذميمةِ المكتنفة بها من طرفي الإفراطِ والتفريطِ كالعِفة التي طرفاها الفجورُ والخمودُ ، وكالشجاعة التي طرفاها التهوّرُ والجُبن وكالحِكمة التي طرفاها الجريرةُ والبَلادةُ وكالعدالة التي هي كيفية متشابهةٌ حاصلةٌ من اجتماع تلك الأوساط المحفوفة بأطرافها ، ثم أطلقَ على المتصِّف بها مبالغةً كأنه نفسُها . وسُوّي فيه بين المفرد والجمعِ والمذكرِ والمؤنث رعايةً لجانب الأصلِ كدأب سائر الأسماءِ التي يوصف بها ، وقد روُعيت ههنا نُكتةٌ رائقةٌ هي أن الجعلَ المشارَ إليه عبارةٌ عما تقدم ذكرُه من هدايته تعالى إلى الحق الذي عبَّر عنه بالصراط المستقيم الذي هو الطريقُ السويُ الواقعُ في وسط الطرُق الجائرةِ عن القصد إلى الجانبين ، فإنا إذا فرضنا خطوطاً كثيرةً واصلةً بين نُقطتين متقابلتين فالخطُ المستقيم إنما هو الخطُ الواقعُ في وسط تلك الخطوطِ المنحنية ، ومن ضرورة كونِه وسطاً بين الطرُق الجائرةِ كونُ الأمةِ المَهْديّة إليه أمةً وسطاً بين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائغة أي متصفةً بالخصال الحميدةِ خياراً وعدُولاً مُزَكَّيْنَ بالعلم والعمل { لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } بأن الله عز وجل قد أوضح السبُل وأرسل الرُسل فبلّغوا ونصَحوا وذكّروا فهل من مُدَكِّرٍ وهي غاية للجعل المذكور مترتبةٌ عليه فإن العدالة كما أشير إليه حيث كانت هي الكيفيةُ المتشابهةُ المتألّفةُ من العفة التي هي فضيلةُ القوة الشَّهْوية البهيمية والشجاعة التي هي فضيلةُ القوةِ الغضبيةِ السَّبُعية ، والحكمة التي هي فضيلةُ القوةِ العقلية المَلَكية المشارِ إلى رتبتها بقوله عز وعلا :
{ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } كان المتّصِفُ بها واقفاً على الحقائقِ المودَعةِ في الكتاب المبين المنطوي على أحكام الدين وأحوالِ الأممِ أجمعين حاوياً بالشرائط الشهادةَ عليهم . رُوي أن الأممَ يوم القيامة يجحدون تبليغَ الأنبياءِ عليهم السلام فيطالبهم الله تعالى بالبينة وهو أعلم ، إقامةً للحجة على المنكرين وزيادةً لخِزْيهم بأن كذَّبهم مَنْ بعدهم من الأمم فيؤتى بأمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم فيشهدون فيقول الأممُ : من أين عرفتم؟ فيقولون : علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطقِ على لسان نبيِّه الصادقِ ، فيؤتى عند ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم ويُسأل عن حال أمته فيزكِّيهم ويشهَد بعدالتها وذلك قولُه عز قائلاً : { وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } وكلمةُ الاستعلاءِ لما في الشهيد من معنى الرقيب والمهيمِن ، وقيل : لتكونوا شهداءَ على الناس في الدنيا فيما لا يُقبل فيه الشهادةُ إلا من العدول الأخيار ، وتقديمُ الظرف للدلالة على اختصاص شهادتِه عليه السلام بهم { وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا } جُرِّد الخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم رمزاً إلى أن مضمونَ الكلام من الأسرار الحقيقةِ بأن تُخَصَّ معرفتُه بها عليه السلام وليس الموصولُ صفةً للقِبلة بل هو مفعولٌ ثانٍ للجعل ، وما قيل من أن الجعلَ تحويلُ الشيء من حالة إلى أخرى فالملتبسُ بالحالة الثانية هو المفعول الثاني كما في قولك : جعلتُ الطينَ خَزَفاً فينبغي أن يكون المفعولُ الأول هو الموصولَ والثاني هو القِبلةَ فهو كلامٌ صناعي ينساق إليه الذهن بحسب النظرِ الجليلِ ، ولكنَّ التأملَ اللائقَ يهدي إلى العكس فإن المقصودَ إفادتُه أنه ليس جعلَ الجهة قبلةً لا غيرُ كما يفيده ما ذُكر بل هو جعلُ القبلةِ المحققةِ الوجود هذه الجهةَ دون غيرِها والمرادُ بالموصولِ هي الكعبةُ فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إليها أولاً ثم لما هاجرَ أُمِر بالصلاة إلى الصخرة تألّفاً لليهود ، أو هي الصخرةُ لِما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما من أن قِبلته عليه السلام بمكة كانت بيتَ المقدس إلا أنه كان يجعلُ الكعبةَ بينه وبينه وعلى هذه الرواية لا يمكن أن يرادَ بالقبلة الأولى الكعبةُ ، وأما الصخرةُ فيتأتى إرادتُها على الروايتين ، والمعنى على الأول وما جعلنا القِبلة الجهةَ التي كنت عليها قبل هذا الوقت وهي الصخرة { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم العلل أي وما جعلنا ذلك الشيء من الأشياء إلا لنمتحنَ الناسَ أي نعاملهم معاملةَ من يمتحنُهم ونعلم حينئذ { مَن يَتَّبِعُ الرسول } في التوجّه إلى ما أُمر به من الدين أو القِبلة والالتفاتِ إلى القبلة مع إيراده عليه السلام بعنوان الرسالة للإشعار بعلة الاتباعِ { مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ } يرتدُّ عن دين الإسلامِ أو لا يتوجه إلى القِبلة الجديدة أو لنعلمَ الآن من يتبعُ الرسولَ ممن لا يتبعُه وما كان لعارضٍ يزول بزواله ، وعلى الأول ما رددناك إلى ما كنت عليه إلا لنعلم الثابتَ على الإسلام والناكصَ على عَقِبيه لقلقه وضعفِ إيمانِه ، والمرادُ بالعلم ما يدور عليه فلَكُ الجزاءِ من العلم الحالي أي ليتعلّق علمُنا به موجوداً بالفعلِ ، وقيل : المرادُ علمُ الرسولِ عليه السلام والمؤمنين ، وإسنادُه إليه سبحانه لما أنعم على خواصه وليتميَّزَ الثابتَ على المتزلزل ، كقوله تعالى : (1/219)
{ لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب } فوضَع العلمَ موضِعَ التمييزِ الذي هو مسبَّبٌ عنه ، ويشهد له قراءةُ ليُعْلَمَ على بناء المجهول من صيغة الغَيبة ، والعلمُ إما بمعنى المعرفة أو متعلقٌ بما في «مَنْ» من معنى الاستفهام ، أو مفعوله الثاني ممن ينقلب الخ أي لنعلم من يتبعُ الرسولَ متميِّزاً ممن ينقلب على عقبيه { وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } أي شاقة ثقيلة ، وإنْ هي المخففةُ من الثقيلة دخَلتْ على ناسخ المبتدأ والخبر ، واللامُ هي الفارقةُ بينها وبين النافية كما في قوله تعالى : { إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً } وزعم الكوفيون أنها نافية واللام بمعنى إلا أي ما كانت إلا كبيرة ، والضميرُ الذي هو اسم كان راجعٌ إلى ما دل عليه قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا } من الجعلة أو التولية أو التحويلة أو الردة أو القِبلة وقرىء لكبيرةٌ بالرفع على أن كان مزيدة كما في قوله : (1/220)
وإخوانٍ لنا كانوا كرامِ ... وأصله وإنْ هي لكبيرةٌ كقوله : إن زيدٌ لمنطلقٌ { إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله } أي إلى سرِّ الأحكام الشرعية المبنيةِ على الحِكمَ والمصالح إجمالاً وتفصيلاً وهم المهديّون إلى الصراط المستقيم الثابتون على الإيمان واتباعِ الرسول عليه السلام : { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } أي ما صحَّ وما استقام له أن يُضيعَ ثباتَكم على الإيمان بل شكرَ صنيعَكم وأعدَّ لكم الثوابَ العظيمَ وقيل : أيمانَكم بالقِبلة المنسوخةِ وصلاتَكم إليها لما رُوي أنه عليه السلام لما توجّه إلى الكعبة قالوا : كيف حالُ إخوانِنا الذين مضَوْا وهم يصلون إلي بيت المقدس؟ فنزلت . واللام في ليُضيعَ إما متعلقةٌ بالخبر المقدر لكان كما هو رأيُ البَصْرية وانتصابُ الفعل بعدها بأن المقدرة أي ما كان الله مريداً أو متصدياً لأن يُضيعَ الخ ففي توجيه النفي إلى إرادة الفعل تأكيدٌ ومبالغةٌ ليس في توجيهه إلى نفسه ، وإما مزيدةٌ للتأكيد ناصبةٌ للفعل بنفسها كما هو رأيُ الكوفية ، ولا يقدح في ذلك زيادتُها كما لا يقدح زيادةُ حروفِ الجر في عملها ، وقوله تعالى : { إِنَّ الله بالناس لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } تحقيقٌ وتقريرٌ للحُكم وتعليلٌ له ، فإن اتصافَه عز وجل بهما يقتضي لا محالة أن لا يُضيعَ أجورَهم ولا يدَعَ ما فيه صلاحُهم ، والباءُ متعلقةٌ برؤوف وتقديمُه على رحيم مع كونه أبلغَ منه لما مر في وجه تقديمِ الرحمن على الرحيم ، وقيل : الرحمة أكثرُ من الرأفة في الكمية والرأفةُ أقوى منها في الكيفية لأنها عبارة عن إيصال النعم الصافية من الآلام ، والرحمةُ إيصالُ النعمة مطلقاً وقد يكون مع الألم كقطعِ العضوِ المتأكّل ، وقرىء رَؤُفٌ بغير مد كندس .
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)
{ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء } أي تردُّدَه وتصرُّفَ نظرِك في جهتها تطلعاً للوحي وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقع في رَوْعة ويتوقعُ من ربه عز وجل أن يحوله إلى الكعبة لأنها قِبلةُ إبراهيمَ وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتُهم ومزارُهم ومَطافُهم ولمخالفة اليهود ، فكان يُراعي نزولَ جبريلَ بالوحي بالتحويل { فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً } الفاء للدلالة على سببية ما قبلها لما بعدها وهي في الحقيقة داخلةٌ على قسمٍ محذوف يدل عليه اللام أي فوالله لنولِّينَّك أي لنُعطِينَّكها ولنُمَكِّنَنَّك من استقبالها من قولك : ولَّيتُه كذا أي صيّرته والياً له أو لنَجْعَلَنك تلي جِهتَها أو لنُحَوِّلنَّك على أن نَصْبَ ( قبلةً ) بحذف الجار أي إلى قبلة وقيل : هو متعدٍ إلى مفعولين { تَرْضَاهَا } تحبها وتشتاق إليها لمقاصدَ دينيةٍ وافقتْ مشيئتَه تعالى وحِكْمتَه { فَوَلّ وَجْهَكَ } الفاء لتفريع الأمرِ بالتولية على الوعد الكريمِ ، وتخصيصُ التوليةِ بالوجه لما أنه مدارُ التوجه ومعيارُه وقيل : المرادُ به كلُّ البدنِ أي فاصرِفْه { شَطْرَ المسجد الحرام } أي نحوَه وهو نصبٌ على الظرفية من نولِّي أو على نزع الخافض أو على أنه مفعول ثانٍ له ، وقيل : الشطرُ في الأصل اسمٌ لما انفصل من الشيء ، ودارٌ شَطورٌ إذا كانت منفصلةً عن الدور ، ثم استعمل لجانبه وإن لم ينفصِلْ كالقُطر ، والحرامُ المُحرَّم أي محرم فيه القتالُ أو ممنوعٌ من الظَلَمة أن يتعرضوا له ، وفي ذكر المسجد الحرامِ دون الكعبة إيذانٌ بكفاية مراعاةِ الجهةِ لأن في مراعاةِ العينِ من البعيد حرجاً عظيماً بخلاف القريب . رُوي عن البراء بن عازبٍ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قدِم المدينةَ فصلَّى نحوَ بيتِ المقدس ستةَ عشرَ شهراً ثم وُجِّه إلى الكعبة وقيل : كان ذلك في رجبٍ بعد زوال الشمسِ قبل قتال بدرٍ بشهرين ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سَلَمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوَّل في الصلاة واستقبل الميزاب وحوّل الرجالَ مكانَ النساء والنساءَ مكانَ الرجال فسُمِّيَ المسجدُ مسجدَ القِبلتين { وحيثما كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } خُصَّ الرسولُ صلى الله عليه وسلم بالخطاب تعظيماً لجنابه وإيذاناً بإسعاف مرامِه ثم عُمّم الخطابُ للمؤمنين مع التعرُّض لاختلاف أماكنِهم تأكيداً للحُكم وتصريحاً بعُمومه لكافة العباد من كل حاضِرٍ وبادٍ وحثاً للأمة على المتابعة ، وحيثما شرطية وكنتم في محل الجزاء بها ، وقوله تعالى : { فَوَلُّواْ } جوابُها ، وتكون هي منصوبةً على الظرفية بكنتم نحوُ قوله تعالى : { أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الاسماء الحسنى } { وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب } من فريقي اليهود والنصارى { لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ } أي التحويل أو التوجهَ المفهومَ من التولية { الحق } لا غيرُ لعلمهم بأن عادتَه سبحانه وتعالى جاريةٌ على تخصيص كلِّ شريعةٍ بقِبلة ومعاينتِهم لما هو مسطورٌ في كتبهم من أنه عليه الصلاة والسلام يصلِّي إلى القِبلتين كما يُشعر بذلك التعبيرُ عنهم بالاسم الموصول بإيتاء الكتاب ، وأن مع اسمها وخبرِها سادٌ مسدَّ مفعولي يعلمون أو مسدَّ مفعولِه الواحد على أن العلم بمعنى المعرفة ، وقولُه تعالى : { مّن رَّبّهِمُ } متعلقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من الحق أي كائناً من ربهم أو صفةً له على رأي من يجوِّز حذفَ الموصول مع بعض صلتِه أي الكائنَ من ربهم { وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ } وعد ووعيد للفريقين والخطابُ للكل تغليباً ، وقرىء على صيغة الغَيْبة فهو وعيدٌ لأهل الكتاب . (1/221)
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)
{ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب } وضْعُ الموصولِ موضِعَ المضمرِ للإيذان بكمال سوءِ حالِهم من العناد مع تحقيق ما يُرْغِمُهم منه من الكتاب الناطق بحقِّية ما كابروا في قبوله { بِكُلّ ءايَةٍ } أي حجةٍ قطعيةٍ دالةٍ على حقية التحويل ، واللامُ موطئة للقسم ، وقولُه تعالى : { مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ } جوابٌ للقسم المضمَر سادٌ مسدَّ جوابِ الشرط ، والمعنى أنهم ما تركوا قبلَتك لشُبهةٍ تُزيلها الحجةُ وإنما خالفوك مكابرةً وعِناداً ، وتجريدُ الخطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد تعميمِه للأمة لما أن المُحاجةَ والإتيانَ بالآية من الوظائف الخاصة به عليه السلام ، وقولُه تعالى : { وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } جملةٌ معطوفةٌ على الجملة الشرطية لا على جوابها ، مسوقةٌ لقطع أطماعِهم الفارغةِ حيث قالت اليهودُ لو ثبتَّ على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبَنا الذي ننتظرُه تغريراً له عليه الصلاة والسلام وطمعاً في رجوعه ، وإيثارُ الجملة الاسميةِ للدلالة على دوامِ مضمونِها واستمرارِه ، وإفراد قبلتَهم مع تعدُّدِها باعتبار اتحادِها في البُطلان ومخالفةِ الحق ، ولئلا يُتوَهّم أن مدارَ النفي هو التعدُّدُ ، وقرىء بتابعِ قبلتِهم على الإضافة { وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } فإن اليهودَ تستقبلُ الصخرةَ والنصارى مطلِعَ الشمس ، ولا يرجى توافقُهم كما لا يرجى موافقتُهم لك لتصلُّب كلِّ فريقٍ فيما هو فيه . (1/222)
{ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم } الزائغةَ المتخالفة { مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم } ببطلانها وحقّيةِ ما أنت عليه . وهذه الشرطيةُ الفرَضية واردةٌ على منهاج التهييج والإلهابِ للثبات على الحق أي ولئن اتبعت أهواءَهم فرضاً { إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين } وفيه لطفٌ للسامعين وتحذيرٌ لهم عن متابعة الهوى فإن مَنْ ليس من شأنه ذلك إذا نُهيَ عنه ورُتِّبَ على فرض وقوعِه ما رُتِّبَ من الانتظام في سِلكِ الراسخين في الظلم فما ظنُّ من ليس كذلك؟ وإذن حرفُ جوابٍ وجزاءٍ توسطت بين اسمِ إن وخبرِها لتقرير ما بينهما من النسبة إذ كان حقُها أن تتقدمَ أو تتأخر فلم تتقدمْ لئلا يُتوَهَّم أنها لتقرير النسبةِ التي بين الشرط وجوابِه المحذوفِ لأن المذكورَ جوابُ القسم ولم تتأخرْ لرعاية الفواصل ، ولقد بولغ في التأكيد من وجوهٍ تعظيماً للحق المعلومِ وتحريضاً على اقتفائه وتحذيراً عن متابعة الهوى واستعظاماً لصدورِ الذنبِ من الأنبياء عليهم السلام .
الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)
{ الَّذِينَ ءاتيناهم الكتاب } أي علماؤُهم إذْ هم العمدةُ في إيتائه ، ووضعُ الموصول موضعَ المضمرِ مع قرب العهد للإشعار بعلّية ما في حيز الصلةِ للحكم ، والضميرُ المنصوبُ في قوله تعالى : { يَعْرِفُونَهُ } للرسول صلى الله عليه وسلم والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان بأن المراد ليس معرفتَهم له عليه السلام من حيث ذاتُه ونسبُه الزاهرُ بل من حيث كونُه مسطوراً في الكتاب منعوتاً فيه بالنعوت التي من جملتها أنه عليه السلام يصلي إلى القبلتين ، كأنه قيل : الذين آتيناهم الكتابَ يعرِفون مَنْ وصفناه فيه . وبهذا يظهر جزالةُ النظم الكريم ، وقيل : هو إضمارٌ قبل الذكر للإشعار بفخامة شأنِه عليه الصلاة والسلام أنه عِلْمٌ معلوم بغير إعلامٍ فتأمل ، وقيل : الضميرُ للعلم أو سببِه الذي هو الوحيُ أو القرآنُ أو التحويل ، ويؤيد الأولَ قولُه عز وجل : { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ } أي يعرِفونه عليه الصلاة والسلام بأوصافه الشريفة المكتوبة في كتابهم ، ولا يشتبِهُ عليهم كما لا يشتبه أبناؤُهم ، وتخصيصُهم بالذكر دون ما يعم البناتِ لكونهم أعرفَ عندهم منهن بسبب كونِهم أحبَّ إليهم . (1/223)
عن عمرَ رضي الله عنه أنه سأل عبد اللَّه بنَ سلام رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنا أعلم به مني بابني قال : ولِمَ؟ قال : لأني لست أشكُّ فيه أنه نبي ، فأما ولدي فلعل والدتَه خانت فقبّل عمرُ رأسه رضي الله عنهما . { وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ } هم الذين كابروا وعاندوا الحقَّ والباقون هم الذين آمنوا منهم فإنهم يُظهرون الحقَّ ولا يكتُمونه ، وأما الجهلةُ منهم فليست لهم معرفةٌ بالكتاب ولا بما في تضاعيفه ، فما هم بصدد الإظهارِ ولا بصدد الكَتْم وإنما كفرُهم على وجه التقليد { الحق } بالرفع على أنه مبتدأ ، وقولُه تعالى : { مِن رَبّكَ } خبرُه واللامُ للعهد والإشارةِ إلى ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الحقِّ الذي يكتُمونه أو للجنس ، والمعنى : أن الحقَّ ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه لا غيرُه كالذي عليه أهلُ الكتاب أو على أنه خبر مبتدإٍ محذوفٍ أي هو الحقُّ ، وقولُه تعالى : { مِن رَبّكَ } إما حالٌ أو خبرٌ بعد خبر ، وقرىء بالنصب على أنه بدلٌ من الأول ، أو مفعولٌ ليعلمون . وفي التعرُّض لوصف الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من إظهار اللطفِ به عليه السلام ما لا يخفى { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } أي الشاكّين في كتمانهم الحقَّ عالمين به وقيل في أنه من ربك ، وليس المرادُ نهيَ الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشك لأنه غيرُ متوقعٍ منه عليه الصلاة والسلام وليس بقصد واختيار بل إما تحقيقُ الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه ناظر ، أو أمرُ الأمةِ باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ .
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)
{ وَلِكُلّ } أي ولكل أمةٍ من الأمم ، على أن التنوين عوضٌ من المضاف إليه { وِجْهَةٌ } أي قِبلة وقد قرىء كذلك أو لكل قومٍ من المسلمين جانبٌ من جوانب الكعبة { هُوَ مُوَلّيهَا } أحدُ المفعولين محذوفٌ أي موليها وجهَه أو الله موليها إياه وقرىء ولكلِّ وِجهةٍ بالإضافة والمعنى ولكلَ وجهةٌ الله مولِّيها أهلَها واللام مزيدة للتأكيد وجبرِ ضعفِ العامل ، وقرىء مولاها أي مولى تلك الجهةِ قد وَلِيهَا { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } أي تسابقوا إليها بنزع الجار كما في قوله : (1/224)
ثنائي عليكم آلَ حربٍ ومنْ يمِل ... سواكم فإني مهتدٍ غيرُ مائلِ
وهو أبلغَ من الأمر بالمسارعة لما فيه من الحث على إحراز قصَبِ السبْقِ والمرادُ بالخيرات جميعُ أنواعِها من أمر القِبلة وغيرِه مما يُنال به سعادةُ الدارين أو الفاضلاتُ من الجهات وهي المسامتة للكعبة { أَيْنَمَا تَكُونُواْ * يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا } أي في أيّ موضعٍ تكونوا من موافِقٍ أو مخالفٍ مجتمعِ الأجزاء أو متفرقِها يحشُرُكم الله تعالى إلى المَحْشَر للجزاء ، أو أينما تكونوا من أعماق الأرضِ وقُلل الجبال يقبضُ أرواحَكم ، أو أينما تكونوامن الجهات المختلفةِ المتقابلةِ يجعلُ صلواتِكم كأنها صلاةٌ إلى جهة واحدة { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } فيقدِر على الإماتة والإحياء والجمعِ ، فهو تعليل للحكم السابق { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } تأكيدٌ لحكم التحويل وتصريحٌ بعدم تفاوت الأمرِ في حالتي السفر والحضَر ومنْ متعلقة بقوله تعالى : { فَوَلّ } أو بمحذوفٍ عُطف هو عليه أي من أيِّ مكان خرجت إليه للسفر فولِّ { وَجْهَكَ } عند صلاتك { شَطْرَ المسجد الحرام } أو افعل ما أُمرت به من أي مكانٍ خرجت إليه فول الخ { وَأَنَّهُ } أي هذا الأمرَ { لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } أي الثابتُ الموافق للحِكمة { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } فيجازيكم بذلك أحسنَ جزاءٍ فهو وعدٌ للمؤمنين وقرىء يعملون على صيغة الغيبة فهو وعيد للكافرين { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } إليه في أسفارك ومغازيك من المنازل القريبةِ والبعيدةِ { فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام } الكلام فيه كما مر آنفاً { وحيثما كُنتُمْ } من أقطار الأرضِ مقيمين أو مسافرين حسبما يُعربُ عنه إيثارُ ( كنتم ) على خرجتم فإن الخطابَ عامٌ لكافة المؤمنين المنتشرين في الآفاق من الحاضرين والمسافرين ، فلو قيل : وحيثما خرجتم لما تناول الخطابُ المقيمين في الأماكن المختلفة من حيث إقامتُهم فيها { فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ } من مَحالِّكم { شَطْرَهُ } والتكريرُ لما أن القِبلةَ لها شأنٌ خطير ، والنسخُ من مظانِّ الشبهةِ والفتنة فبالحَريِّ أن يؤكَّد أمرُها مرة بعد أخرى مع أنه قد ذُكر في كل مرة حِكمةٌ مستقلة { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } متعلقٌ بقوله تعالى : { فَوَلُّواْ } وقيل : بمحذوفٍ يدل عليه الكلامُ كأنه قيل : فعلنا ذلك لئلا الخ والمعنى أن التوليةَ عن الصخرة تدفع احتجاجَ اليهود بأن المنعوتَ في التوراة من أوصافه أنه يحوِّلُ إلى الكعبة ، واحتجاجُ المشركين بأنه يدَّعي ملةَ إبراهيمَ ويخالف قِبلتَه { إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } وهم أهلُ مكةَ ، أي لئلا يكونَ لأحد من الناس حجةٌ إلا المعاندين منهم الذين يقولون ما تحوَّلَ إلى الكعبة إلا مَيْلاً إلى دين قومِه وحباً لبلده أو بَدا لَهُ فرجَع إلى قِبلةِ آبائِه ، ويوشك أن يرجِعَ إلى دينهم .
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)
{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ } متصلٌ بما قبله ، والظرفُ الأول متعلقٌ بالفعل قُدِّم على مفعوله الصريحِ لما في صفاته من الطول ، والظرفُ الثاني متعلق بمُضمرٍ وقع صفةً لرسولاً مبينةً لتمام النعمةِ ، أي ولأتمَّ نعمتي عليكم في أمر القِبلة أو في الآخرة إتماماً كائناً كإتمامي لها بإرسال رسولٍ كائنٍ منكم ، فإن إرسالَ الرسول لا سيما المجانسُ لهم نعمةٌ لا يكافئُها نعمة قطُّ ، وقيل : متصلٌ بما بعده أي كما ذُكِّرْتم بالإرسال فاذكروني الخ وإيثارُ صيغةِ المتكلم مع الغير بعد التوجيه فيما قبله افتنانٌ وجَرَيانٌ على سَنن الكبرياء { يَتْلُو عَلَيْكُمْ * ءاياتنا } صفة ثانيةٌ لرسول كاشفةٌ لكمال النعمة { وَيُزَكِيكُمْ } عطفٌ على يتلو أي يحمِلُكم على ما تصيرون به أزكياءَ { وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب والحكمة } صفةٌ أخرى مترتبةٌ في الوجود على التلاوة وإنما وسَّطَ بينهما التزكية التي هي عبارةٌ عن تكميل النفسِ بحسَبِ القوةِ العملية وتهذيبِها المتفرِّعِ على تكميلها بحسَب القوة النظرية الحاصلِ بالتعليم المترتب على التلاوة للإيذان بأن كلاً من الأمور المترتبة نعمةٌ جليلةٌ على حِيالها مستوجبةٌ للشكر ، فلو رُوعيَ ترتيبُ الوجود كما في قوله تعالى : { وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } لتبادَر إلى الفهم كونُ الكلِّ نعمةً واحدةً كما مر نظيرُه في قصة البقرة ، وهو السرُّ في التعبير عن القرآن تارة بالآيات وأخرى بالكتابِ والحِكمة رمزاً إلى أنه باعتبار كلِّ عنوانٍ نعمةٌ على حِدةٍ ، ولا يقدح فيه شمولُ الحكمةِ لما في تضاعيف الأحاديثِ الشريفةِ من الشرائع ، وقولُه عز وجل : { وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } صريحٌ في ذلك فإن الموصولَ مع كونه عبارةً عن الكتاب والحِكمة قطعاً قد عُطف تعليمُه على تعليمها ، وما ذلك إلا لتفصيل فنونِ النعم في مقامٍ يقتضيه كما في قوله تعالى : { وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } عقيب قوله تعالى : { نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا } والمراد بعدم علمِهم أنه ليس من شأنهم أن يعلموه بالكفر والنظر وغيرِ ذلك من طرق العلم لانحصار الطريقِ في الوحي . (1/225)
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)
{ فاذكرونى } الفاءُ للدلالة على ترتب الأمرِ على ما قبله من موجباته أي فاذكروني بالطاعة { أَذْكُرْكُمْ } بالثواب ، وهو تحريضٌ على الذكر مع الإشعار بما يوجبُه { واشكروا لِي } ما أنعمتُ به عليكم من النعم { وَلاَ تَكْفُرُونِ } بجَحدها وعِصيان ما أمرتُكم به . (1/226)
{ يا أيُّهَا الذين آمنوا } وصفَهم بالإيمان إثرَ تعدادِ ما يوجبه ويقتضيه تنشيطاً لهم وحثاً على مراعاة ما يعقُبه من الأمر { استعينوا } في كل ما تأتون وما تذرون { بالصبر } على الأمور الشاقةِ على النفس التي من جملتها معاداةُ الكَفَرة ومقابلتُهم المؤديةُ إلى مقاتلتهم { والصلاة } التي هي أمُّ العبادات ومِعراجُ المؤمنين ومناجاةُ ربِّ العالمين { إِنَّ الله مَعَ الصابرين } تعليل للأمر بالاستعانة بالصبر خاصة لما أنه المحتاجُ إلى التعليل ، وأما الصلاةُ فحيث كانت عند المؤمنين أجلَّ المطالب كما يُنبىء عنه قولُه عليه الصلاة والسلام : « وجُعلت قُرةُ عيني في الصلاة » لم يفتقر الأمرُ بالاستعانة بها إلى التعليل ، ومعنى المعية الولايةُ الدائمةُ المستتبِعة للنُصرة وإجابةِ الدعوة ، ودخول مع على الصابرين لما أنهم المباشِرون للصبر حقيقةً فهم متبوعون من تلك الحيثية { وَلاَ تَقُولُواْ } عطف على استعينوا الخ مَسوقٌ لبيان أنْ لا غايةَ للمأمور به وإنما الشهادةُ التي ربما يؤدي إليها الصبرُ حياةٌ أبدية { لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ } أي هم أموات { بَلْ أَحْيَاء } أي بل هم أحياءٌ { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } بحياتهم وفية رمزٌ إلى أنها ليست مما يُشعِر به بالمشاعر الظاهرةِ من الحياة الجُسمانية وإنما هي أمرٌ روحاني لا يُدرَكُ بالعقل بل بالوحي ، وعن الحسن رحمه الله أن الشهداءَ أحياءٌ عند الله تُعرَضُ أرزاقُهم على أرواحِهم فيصلُ إليهم الرَّوْحُ والفَرَحُ ، كما تُعرض النارُ على آل فِرعونَ غدُوّاً وعشياً فيصلُ إليهم الألمُ والوجَع .
قلت : رأيت في المنام سنة تسعٍ وثلاثين وتسعمائة أني أزور قبورَ شهداءِ أُحدٍ رضي الله تعالى عنهم أجمعين وأنا أتلو هذه الآيةَ وما في سورة آلِ عمرانَ وأردّدهما متفكراً في أمرهم وفي نفسي أن حياتَهم روحانية لا جثمانية ، فبينما أنا على ذلك إذ رأيتُ شاباً منهم قاعداً في قبره تامَّ الجسدِ كامِلَ الخِلْقة في أحسن ما يكونُ من الهيئة والمنظر ، ليس عليه شيءٌ من اللباس قد بدا منه ما فوق السُرةِ والباقي في القبر خلا أني أعلم يقيناً أن ذلك أيضاً كما ظهر وإنما لا يظهر لكونه عورةً فنظرت إلى وجهه فرأيته ينظُر إلي متبسّماً كأنه ينبِّهُني على أن الأمر بخلاف رأيي فسُبحان من عَلَتْ كلمتُه وجلّت حِكمتُه .
وقيل : الآية نزلت في شهداءِ بدرٍ وكانوا أربعةَ عشرَ ، وفيها د2لالة على أن الأرواحَ جواهرُ قائمةٌ بأنفسها مغايرةٌ لما يُحَسُّ به من البدن تبقى بعد الموت دراكة ، وعليه جمهورُ الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وبه نطقت السنن ، وعلى هذا فتخصيصُ الشهداء بذلك لما يستدعيه مقامُ التحريض على مباشرة مباديَ الشهادةِ ولاختصاصهم بمزيد القُرب من الله عز وعلا .
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُم } لنُصيبنَّكم إصابةَ من يختبرُ أحوالَكم أتصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء { بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع } أي بقليلٍ من ذلك فإن ما وقاهم عنه أكثرُ بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة وكذا ما يصيبُ به معانديهم ، وإنما أَخبرَ به قبل الوقوعِ ليُوطِّنوا عليه نفوسَهم ويزدادَ يقينُهم عند مشاهدتهم له حسبما أَخبرَ به وليعلموا أنه شيءٌ يسير له عاقبةٌ حميدة { وَنَقْصٍ مّنَ الاموال والانفس والثمرات } عطفٌ على شيءٍ وقيل : على الخوف ، وعن الشافعيِّ رحمه الله : الخوفُ خوفُ الله والجوعُ صومُ رمضانَ ، ونقصٌ من الأموال الزكاةُ والصدقاتُ ومن الأنفس الأمراضُ ومن الثمرات موتُ الأولاد . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا مات ولدُ العبد قال الله تعالى للملائكة : أقبضتم روحَ عبدي؟ فيقولون : نعم فيقول عز وجل : أقبضتم ثمرةَ قلبِه؟ فيقولون : نعم فيقول الله تعالى : ماذا قال عبدي؟ فيقولون : حمِدَك واسترجَع فيقول الله عز وعلا : ابنُوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمُّوه بيتَ الحمد » { وَبَشّرِ الصابرين * الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } الخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البِشارة ، والمصيبةُ ما يصيب الإنسانَ من مكروه لقوله عليه السلام : « كلُّ شيءٍ يؤذي المؤمنَ فهو له مصيبةٌ » وليس الصبرُ هو الاسترجاعُ باللسان بل بالقلب بأن يَتصوَّرَ ما خُلق له وأنه راجِعٌ إلى ربه ويتذكرَ نِعمَ الله تعالى عليه ويرى أن ما أبقى عليه أضعافُ ما استردّ منه ، فيهونُ ذلك على نفسه ويستسلم ، والمبشَّرُ به محذوفٌ دل عليه ما بعده { أولئك } إشارة إلى الصابرين باعتبار اتصافِهم بما ذكر من النعوت ، ومعنى البعد فيه للإيذان بعلوِّ رُتبتِهم { عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ } الصلاةُ من الله سبحانه المغفرةُ والرأفةُ ، وجمعُها للتنبيه على كثرتها وتنوُّعِها والجمعُ بينها وبين الرحمةِ للمبالغة كما في قوله تعالى : { رَأْفَةً وَرَحْمَةً } { لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } والتنوين فيهما للتفخيم ، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لإظهارِ مزيدِ العناية بهم أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من النعوت الجليلةِ عليهم فنونُ الرأفةِ الفائضةِ من مالك أمورِهم ومبلِّغِهم إلى كمالاتها اللائقةِ بهم . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « من استرجعَ عند المصيبةِ جَبر الله مصيبَته وأحسن عُقباه وجعل له خَلَفاً صالحاً يرضاه » { وَأُوْلئِكَ } إشارةٌ إليهم إما بالاعتبار السابقِ ، والتكريرُ لإظهارِ كمالِ العناية بهم ، وإما باعتبار حيازتِهم لما ذُكر من الصلوات والرحمة المترتبِ على الاعتبار الأول ، فعلى الأول المرادُ بالاهتداء في قوله عز وجل : { هُمُ المهتدون } هو الاهتداءُ للحق والصواب مطلقاً لا الاهتداءُ لما ذكر من الاسترجاعِ والاستسلامِ خاصة ، لما أنه متقدمٌ عليهما فلا بدّ لتأخيره عما هو نتيجةٌ لهما من داعٍ يوجبُه ، وليس بظاهر . والجملة اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله كأنه قيل : وأولئك هم المختصون بالاهتداء لكل حقَ وصواب ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى ، وعلى الثاني هو الاهتداءُ والفوزُ بالمطالب ، والمعنى أولئك هم الفائزون بمباغيهم الدينيةِ والدنيويةِ فإن مَنْ نال رأفةَ الله تعالى ورحمتَه لم يفُتْه مَطلبٌ . (1/227)
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)
{ إِنَّ الصفا والمروة } علمانِ لجبلين بمكةَ المعظمةِ كالصَّمّان والمُقَطَّم { مِن شَعَائِرِ الله } من أعلام مناسكِه جمعُ شعيرةٍ وهي العلامة { فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر } الحجُّ في اللغة القصدُ والاعتمارُ الزيارة غلباً في الشريعة على قصدِ البيت وزيارتِه على الوجهين المعروفين كالبيت والنجم في الأعيان ، وحيث أُظهر البيتُ وجب تجريدُه عن التعلق به { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } أي في أن يطوفَ بهما أصلُه يتطوف ، قلبت التاءُ طاءً فأدغمت الطاءُ في الطاء ، وفي إيراد صيغةِ التفعُّل إيذانٌ بأن من حق الطائفِ أن يتكلف في الطواف ويبذُل فيه جُهدَه ، وهذا الطواف واجبٌ عندنا ، وعن الشافعي ومالك رحمهما الله أنه ركنٌ ، وإيرادُه بعدم الجُناح المشعرِ بالتخيير لما أنه كان في عهد الجاهلية على الصفا صنمٌ يقال له إساف ، وعلى المروة آخرُ اسمُه نائلة وكانوا إذا سعَوْا بينهما مسَحوا بهما ، فلما جاء الإسلامُ وكسَّر الأصنامَ تحرَّج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك ، فنزلت . وقيل : هو تطوُّع ، ويعضُده قراءةُ ابنِ مسعود فلا جُناحَ عليه أن لا يطوفَ بهما { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } أي فعلَ طاعةً فرضاً كان أو نفلاً أو زاد على ما فُرض عليه من حج أو عمرةٍ أو طوافٍ ، وخيراً حينئذ نُصب على أنه صفةٌ لمصدر محذوفٍ أي تطوعاً خيراً ، أو على حذف الجار وإيصال الفعل إليه ، أو على تضمين معنى فَعلَ ، وقرىء يَطوَّع وأصلُه يتطوع مثل يطَّوّف وقرىء ومن يَتَطَوَّع بخيرٍ { فَإِنَّ الله شَاكِرٌ } أي مُجازٍ على الطاعة عُبّر عن ذلك بالشكر مبالغةً في الإحسان إلى العباد { عَلِيمٌ } مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم مقاديرَ أعمالِهم وكيفياتِها فلا يَنْقُصُ من أجورهم شيئاً ، وهو علةٌ لجواب الشرطِ قائم مقامَه ، كأنه قيل : ومن تطوعَ خيراً جازاه الله وأثابه فإن الله شاكرٌ عليم . (1/228)
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)
{ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ } قيل : نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا ما في التوراة من نُعوت النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأحكام . وعن ابن عباس ومجاهدٍ وقَتادةَ والحسنِ والسُّدي والربيع والأصمِّ أنها نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وقيل : نزلت في كل من كتم شيئاً من أحكام الدين لعموم الحكمِ للكل ، والأقربُ هو الأول فإن عمومَ الحُكم لا يأبى خصوصَ السبب والكَتم والكتمان تركُ إظهارِ الشيء قصداً مع مساس الحاجة إليه وتحققِ الداعي إلى إظهاره ، وذلك قد يكون بمجرد سَترِه وإخفائِه وقد يكون بإزالته ووضْعِ شيءٍ آخرَ في موضعه ، وهو الذي فعله هؤلاء . (1/229)
{ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات } من الآيات الواضحة الدالةِ على أمر محمد صلى الله عليه وسلم { والهدى } أي والآياتِ الهاديةِ إلى كُنه أمرِه ووجوب اتباعِه والإيمانِ به ، عَبَّر عنها بالمصدر مبالغةً ولم يُجمَعْ مراعاةُ للأصل وهي المرادة بالبينات أيضاً والعطفُ لتغايُر العنوان كما في قوله عز وجل : { هُدًى لّلنَّاسِ وبينات } الخ وقيل : المراد بالهدى الأدلةُ العقلية ويأباه الإنزالُ والكتم { مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ } متعلق بيكتمون والمرادُ بالناس الكلُّ لا الكاتمون فقط واللام متعلقة ببيناه ، وكذا الظرف في قوله تعالى : { فِى الكتاب } فإن تعلقَ جارَّيْن بفعلٍ واحدٍ عند اختلافِ المعنى مما لا ريب في جوازه أو الأخيرُ متعلقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من مفعوله أي كائناً في الكتاب وتبيينُها لهم تلخيصُه وإيضاحُه بحيث يتلقاه كلُّ أحد منهم من غير أن يكون له فيه شُبهةٌ ، وهذا عنوانٌ مغايرٌ لكونه بيناً في نفسه ، و ( هدىً ) مؤكداً لقبح الكتم ، أو تفهيمُه لهم بواسطة موسى عليه السلام والأول أنسبُ بقوله تعالى في الكتاب ، والمرادُ بكتمه إزالتُه ووضعُ غيرِه في موضعه فإنهم محَوْا نعته عليه الصلاة والسلام وكتبوا مكانه ما يخالفه كما ذكرناه في تفسير قوله عز وعلا : { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب } الخ { أولئك } إشارةٌ إليهم باعتبار ما وصفوا به للإشعار بعلِّيته لما حاق بهم ، وما فيه من معنى البعدُ للإيذان بتَرامي أمرهم وبُعد منزلتِهم في الفساد { يَلْعَنُهُمُ الله } أي يطرُدهم ويبعدهم من رحمته ، والالتفاتُ إلى الغَيبة بإظهار اسمِ الذاتِ الجامعِ للصفاتِ لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعةِ والإشعارِ بأن مبدأ صدورِ اللعن عنه سبحانه صفةُ الجلالِ المغايرةِ لما هو مبدأ الإنزال والتبيينِ من وصَفِ الجمالِ والرحمة { وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون } أي الذين يتأتى منهم اللعنُ أي الدعاءُ عليهم باللعن من الملائكة ومؤمني الثقلين ، والمرادُ بيانُ دوام اللعنِ واستمرارُه ، وعليه يدور الاستثناءُ المتصلُ في قوله تعالى : { إِلاَّ الذين تَابُواْ } أي عن الكِتمان { وَأَصْلَحُواْ } أي ما أفسدوا بأن أزالوا الكلامَ وكتبوا مكانه ما كانوا أزالوه عند التحريف { وَبَيَّنُواْ } للناس معانيَه فإنه غير الإصلاح المذكور ، أو بينوا لهم ما وقع منهم أولاً وآخراً ، فإنه أدخلُ في إرشاد الناس إلى الحق ، وصرفُهم عن طريق الضلال الذي كانوا أوقعوهم فيه أو بيّنوا توبتَهم ليمحُوا به سِمةَ ما كانوا فيه ويقتديَ بهم أضرابُهم ، وحيث كانت هذه التوبة المقرونةُ بالإصلاح والتبيين مستلزمةً للتوبة عن الكفر مبينةً عليها لم يصرَّحْ بالإيمان .
وقولُه تعالى : { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى الموصولِ باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلةِ للإشعار بعلّيته للحكم ، والفاءُ لتأكيد ذلك { أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } أي بالقَبول وإفاضةِ المغفرة والرحمة ، وقوله تعالى : { وَأَنَا التواب الرحيم } أي المبالغُ في قبول التوْب ونشرِ الرحمةِ ، اعتراضٌ تذييليٌّ محققٌ لمضمون ما قبله ، والالتفاتُ إلى التكلم للافتنان في النظمِ الكريم مع ما فيه من التلويحِ والرمزِ إلى ما مر من اختلاف المبدأ في فِعليه تعالى السابقِ واللاحِقِ . (1/230)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)
{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } جملةٌ مستأنفة سيقت لتحقيق بقاءِ اللعن فيما وراء الاستثناءِ وتأكيدِ دوامِه واستمرارِه على غير التائبين حسبما يفيده الكلام ، والاقتصارُ على ذكر الكفر في الصلة من غير تعرضٍ لعدم التوبة والإصلاحِ والتبيينِ مبنيٌّ على ما أشير إليه فكما أن وجودَ تلك الأمور الثلاثةِ مستلزِمٌ للإيمان الموجبِ لعدم الكفر كذلك وجودُ الكفر مستلزمٌ لعدمها جميعاً أي أن الذين استمروا على الكفر المستتبِع للكتمان وعدمِ التوبة { وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } لا يرعوون عن حالتهم الأولى { أولئك } الكلامُ كما فيما قبله { عَلَيْهِمْ } أي مستقِرٌّ عليهم { لَعْنَةُ الله والملئكة والناس أَجْمَعِينَ } ممن يُعتَدُّ بلعنهم ، وهذا بيانٌ لدوامها الثبوتي بعد بيان دوامِها التجدّدي ، وقيل : الأولُ لعنتَهم أحياءً وهذا لعنتُهم أمواتاً . وقرىء والملائكةُ والناسُ أجمعون عطفاً على محلِّ اسم الله لأنه فاعلٌ في المعنى ، كقولك : أعجبني ضربُ زيدٍ وعمروٍ ، تريد مِنْ أنْ ضَربَ زيدٌ وعمروٌ ، كأنه قيل : أولئك عليهم أنْ لعنهم الله والملائكةُ الخ وقيل : هو فاعل لفعل مقدرٍ أي ويلعنهم الملائكة { خالدين فِيهَا } أي في اللعنة أو في النار على أنها أُضمرت من غير ذكرٍ تفخيماً لشأنها وتهويلاً لأمرِها { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب } إما مستأنفٌ لبيان كثرة عذابِهم من حيث الكيفُ إثرَ بيانِ كثرتِه من حيث الكمُّ أو حال من الضمير في خالدين على وجه التداخُل أو من الضمير في عليهم على طريقة الترادُف { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } عطفٌ على ما قبله جارٍ فيه ، وإيثارُ الجملةِ الاسميةِ لإفادة دوامِ النفي واستمراره أي لا يُمهلون ولا يُؤجّلون أو لا يُنتظرون ليعتذروا أو لا يُنظر إليهم نَظَر رحمة { وإلهكم } خطابٌ عام لكافة الناس أي المستحِقُّ منكم للعبادة { إله واحد } أي فردٌ في الإلهية لا صحةَ لتسمية غيرِه إلها أصلاً { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } خبرٌ ثانٍ للمبتدأ أو صفةٌ أخرى للخبر أو اعتراضٌ ، وأياً ما كان فهو مقرِّرٌ للوحدانية ومُزيحٌ لما عسى أن يُتوهّم أن في الوجود إلها لكن لا يستحق العبادة { الرحمن الرحيم } خبران آخرانِ للمبتدأ أو لمبتدأ محذوفٍ وهو تقريرٌ للتوحيد فإنه تعالى حيث كان مُولياً لجميع النعم أصولِها وفروعِها جليلِها ودقيقِها وكان ما سواه كائناً ما كان مفتقراً إليه في وجوده وما يتفرَّع عليه من كمالاته تحققتْ وحدانيتُه بلا ريب وانحصر استحقاقُ العبادةِ فيه تعالى قطعاً . (1/231)
قيل : كان للمشركين حول الكعبة المكرمة ثلثُمائة وستون صنماً فلما سمعوا هذه الآيةَ تعجبوا وقالوا : إن كنت صادقاً فأتِ بآيةٍ نعرِفْ بها صدقك فنزلت .
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)
{ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والارض } أي في إبداعهما على ما هما عليه مع ما فيهما من تعاجيب العِبَر وبدائِع صنائعَ يعجِزُ عن فهمها عقولُ البشر ، وجمعُ السموات لما هو المشهورُ من أنها طبقاتٌ متخالفة الحقائقِ دون الأرض { واختلاف اليل والنهار } أي اعتقابِهما وكونِ كلَ منهما خلَفاً للآخر كقوله تعالى : { وَهُوَ الذى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً } أو اختلافُ كل منهما في أنفسهما ازدياداً وانتقاصاً على ما قدّره الله تعالى { والفلك التى تَجْرِى فِى البحر } عطفٌ على ما قبله ، وتأنيثُه إما بتأويل السفينة أو بأنه جمعٌ فإن ضمةَ الجمعِ مغايرةٌ لضمة الواحد في التقدير إذ الأُولى كما في حُمُر والثانية كما في قُفْل وقرىء بضم اللام { بِمَا يَنفَعُ الناس } أي ملتبسة بالذي ينفعُهم مما يُحمل فيها من أنواع المنافعِ أو بنفعهم { وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء مِن مَّاء } عطفٌ على الفلك ، وتأخيرُه عن ذكرها مع كونه أعمَّ منها نفعاً لما فيه من مزيد تفصيلٍ وقيل : المقصودُ الاستدلالُ بالبحر وأحوالِه ، وتخصيصُ الفلك بالذكر لأنه سببُ الخوض فيه والاطلاعِ على عجائبه ، ولذلك قدِّم على ذكر المطرِ والسحابِ لأن منشأهما البحرُ في غالب الأمر ، و ( من ) الأولى ابتدائيةٌ والثانية بيانية أو تبعيضية ، وأيا ما كان فتأخيرُها لما مرَّ مراراً من التشويقِ ، والمرادُ بالسماء الفَلَكُ أو السحابُ أو جهةُ العلوِّ { فأحيا بِهِ الارض } بأنواع النباتِ والإزهارِ وما عليها من الأشجار { بَعْدَ مَوْتِهَا } باستيلاء اليُبوسةِ عليها حسبما تقتضيه طبيعتُها كما يوزن به إيرادُ الموت في مقابلة الإحياء { وَبَثَّ فِيهَا } أي فرَّق ونشر { مِن كُلّ دَابَّةٍ } من العقلاء وغيرهم ، والجملة معطوفةٌ على ( أنزل ) داخلةٌ تحت حكمِ الصلةِ ، وقوله تعالى : فأحيا الخ متصلٌ بالمعطوف عليه بحيث كانا في حكم شيءٍ واحد ، كأنه قيل : وما أَنزل في الأرض من ماءٍ وبثَّ فيها الخ أو على أحيا بحذف الجارِّ والمجرور العائدِ إلى الموصول ، وإن لم تتحقق الشرائِطُ المعهودةُ كما في قوله : (1/232)
وإن لساني شَهْدةٌ يشتفى بها ... ولكنْ على مَنْ صَبَّه الله علقمُ
أي علقمٌ عليه وقولِه :
لعلَّ الذي أصْعَدْتَني أن يرُدَّني ... إلى الأرضِ إن لم يقدِرِ الخيرَ قادِرُهْ
على معنى فأحيا بالماء الأرضَ وبث فيها من كل دابةٍ فإنهم ينمُون بالخصب ويعيشون بالحَيا { وَتَصْرِيفِ الرياح } عطفٌ على ( ما أنزل ) أي تقليبِها من مقلبٍ إلى آخرَ أو من حال إلى أخرى ، وقرىء على الإفراد { والسحاب } عطفٌ على تصريفِ أو الرياحِ ، وهو اسمُ جنسٍ واحده سَحابةٌ سمي بذلك لانسحابه في الجو { المسخر بَيْنَ السماء والارض } صفةٌ للسحاب باعتبار لفظه ، وقد يُعتبر معناه فيوصف بالجمع كما في قوله تعالى : { سَحَابًا ثِقَالاً } وتسخيرُه تقليبُه في الجو بواسطة الرياحِ حسبما تقتضيه مشيئةُ الله تعالى ، ولعل تأخيرَ تصريفِ الرياحِ وتسخيرِ السحاب في الذكر عن جريان الفُلك وإنزال الماء مع انعكاس الترتيب الخارجيّ لما مر في قصة البقرة من الإشعار باستقلال كلَ من الأمور المعدودة في كونها آيةً ، ولو رُوعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لربما تُوهُم كونُ المجموعِ المترتبِ بعضُه على بعضٍ آيةً واحدة { لاَيَاتٍ } اسمُ ( إن ) دخلته اللامُ لتأخرّه عن خبرها ، والتنكيرُ للتفخيم كماً وكيفاً ، أي آياتٍ عظيمةً كثيرةً دالةً على القدرة القاهرة والحِكمة الباهرةِ ، والرحمةِ الواسعة المقتضيةِ لاختصاص الألوهية به سبحانه { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون العقول ، وفيه تعريضٌ بجهل المشركين الذين اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم آيةً تصدِّقه في قوله تعالى : { وإلهكم إله واحد } وتسجيلٌ عليهم بسخافة العقولِ وإلا فمن تأمل في تلك الآيات وجدَ كلاً منها ناطقةً بوجوده تعالى ووحدانيته وسائرِ صفاتِه الكماليةِ الموجبةِ لتخصيص العبادةِ به تعالى واستُغني بها عن سائرها فإن كل واحدٍ من الأمور المعدودةِ قد وجد على وجه خاصَ من الوجوه الممكنةِ دون ما عداه مستتبعاً لآثار معينةٍ وأحكامٍ مخصوصةٍ من غير أن تقتضي ذاتُه وجودَه فضلاً عن وجوده على نمطٍ معين مستتبعٍ لحكمٍ مستقل ، فإذن لا بد له حتماً من موجدٍ قادر حكيمٍ يوجده حسبما تقتضيه حكمتُه وتستدعيه مشيئتُه متعالٍ عن معارضة الغير ، إذ لو كان معه آخرُ يقدِر على ما يقدر عليه لزمَ إما اجتماعُ المؤثِّرَيْن على أثر واحدٍ ، أو التمانعُ المؤدي إلى فساد العالم .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
{ وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله } بيانٌ لكمال ركاكةِ آراءِ المشركين إثرَ تقريرِ وحدانيتِه سبحانه وتحريرِ الآياتِ الباهرةِ المُلجئةِ للعقلاء إلى الاعتراف بها الفائضةِ باستحالة أن يشاركَه شيءٌ من الموجودات في صفة من صفات الكمالِ فضلاً عن المشاركة في صفات الألوهية ، والكلامُ في إعرابه كما فُصّل في قوله تعالى : { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله وباليوم الأخر } الخ ومن دون الله متعلق بيتخذ أي من الناس مَنْ يتخذ من دون ذلك الإله الواحدِ الذي ذُكرتْ شؤونُه الجليلةُ ، وإيثارُ الاسمِ الجليل لتعيينه تعالى بالذات غِبَّ تعيينه بالصفات { أَندَاداً } أي أمثالاً وهم رؤساؤُهم الذين يتبعونهم فيما يأتون وما يذرون ، لا سيما في الأوامر والنواهي كما يُفصح عنه ما سيأتي من وصفهم بالتبرِّي من المتّبعين وقيل : هي الأصنام ، وإرجاعُ ضميرِ العقلاءِ إليها في قوله عز وعلا : { يُحِبُّونَهُمْ } مبنيٌّ على آرائهم الباطلةِ في شأنها ، وصفَهم بما لا يوصف به إلا العقلاءُ ، والمحبةُ ميلُ القلب ، من الحب استُعير لحبَّة القلبِ ثم اشتُق منه الحبُ لأنه أصابها ورسخ فيها ، والفعل منها حبَّ على حد مَدّ لكن الاستعمالَ المستفيضَ على أحب حباً ومحبةً فهو مُحِب وذاك محبوبٌ ومُحَبّ قليل ، وحابّ أقلُ منه ومحبةُ العبد لله سبحانه إرادةُ طاعته في أوامره ونواهيه ، والاعتناءُ بتحصيل مراضيه ، فمعنى يُحبونهم يطيعونهم ويعظمونهم والجملة في حيز النصبِ إما صفةٌ لأنداداً أو حالٌ من فاعل يتخذ وجمعُ الضمير باعتبار معنى مَنْ كما أن إفرادَه باعتبار لفظِها { كَحُبّ الله } مصدر تشبيهيٌّ أو نعتٌ لمصدر مؤكدٍ للفعل السابق ومن قضية كونِه مبنياً للفاعل كونُه أيضاً كذلك ، والظاهرُ اتحادُ فاعلِهما فإنهم كانوا يُقِرّون به تعالى أيضاً ويتقربون إليه فالمعنى حباً كائناً كحبهم لله تعالى ، أي يسوّون بينه تعالى وبينهم في الطاعة والتعظيم ، وقيل : فاعلُ الحبِّ المذكورِ همُ المؤمنون فالمعنى حباً كائناً كحب المؤمنين له تعالى ، فلا بد من اعتبار المشابهة بينهما في أصل الحبِّ لا في وصفِه كماً أو كيفاً لما سيأتي من التفاوت البين وقيل : هو مصدر من المبنيّ للمفعول أي كما يُحب الله تعالى ويعظم ، وإنما استُغني عن ذكر مَنْ يحبه لأنه غير ملبس ، وأنت خبير بأنه لا مشابهةَ بين محبتِهم لأندادهم وبين محبوبيتِه تعالى ، فالمصيرُ حينئذ ما أسلفناه في تفسير قوله عز قائلاً : { كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ } وإظهارُ الاسم الجليلِ في مقام الإضمارِ لتربية المهابة ، وتفخيمِ المضاف وإبانةِ كمال قُبحِ ما ارتكبوه . (1/233)
{ والذين ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } جملة مبتدأة جيءَ بها توطئةً لما يعقُبها من بيان رخاوةِ حبِّهم وكونِه حسرة عليهم ، والمفضلُ عليه محذوفٌ أي المؤمنون أشدُّ حباً له تعالى منهم لأندادهم ، ومآلُه أن حبَّ أولئك له تعالى أشدُّ من حب هؤلاءِ لأندادهم فيه من الدَلالة على كون الحبِّ مصدراً من المبني للفاعل ما لا يخفى ، وإنما لم يُجعل المفضلُ عليه حبَّهم لله تعالى لما أن المقصودَ بيانُ انقطاعِه وانقلابِه بغضاً وذلك إنما يُتصور في حبهم لأندادهم لكونه منوطاً بمبانٍ فاسدةٍ ومبادٍ موهومةٍ يزول بزوالها ، قيل : ولذلك كانوا يعدلون عنها عند الشدائد إلى الله سبحانه وكانوا يعبُدون صنماً أياماً فإذا وجدوا آخَرَ رفضوه إليه .
وقد أكلت باهلةُ إلها عام المجاعةِ وكان من حيس . وأنت خبير بأن مدارَ ذلك اعتبارُ اختلال حبِّهم لها في الدنيا ، وليس الكلام فيه بل في انقطاعه في الآخرة عند ظهورِ حقيقةِ الحال ومعاينةِ الأهوال كما سيأتي بل اعتبارُه مخِلٌّ بما يقتضيه مقامُ المبالغة في بيان كمالِ قبحِ ما ارتكبوه وغايةِ عظم ما اقترفوه ، وإيثارُ الإظهار في موضع الإضمار لتفخيم الحُبِّ والإشعارِ بعلّته { وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ } أي باتخاذ الأنداد ووضعِها موضعَ المعبود { إِذْ يَرَوْنَ العذاب } المُعدَّ لهم يومَ القيامة أي لو علِموا إذا عاينوه ، وإنما أوثر صيغةُ المستقبل لجريانها مجرى الماضي في الدلالة على التحقيق في أخبار علامِ الغيوب { أَنَّ القوة لِلَّهِ جَمِيعًا } سادّ مسدَّ مفعولي يرى { وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب } عطفٌ عليه وفائدتُه المبالغةُ في تهويل الخطبِ وتفظيعِ الأمر فإن اختصاصَ القوة به تعالى لا يوجب شدةَ العذاب لجواز تركِه عفواً مع القدرة عليه ، وجوابُ لو محذوفٌ للإيذان بخروجه عن دائرة البيانِ ، إما لعدم الإحاطةِ بكنهه وإما لضيق العبارةِ عنه وإما لإيجاب ذكرِه ما لا يستطيعه المعبِّر أو المستمِعُ من الضجر والتفجُّع عليه أي لو علموا إذ رأوُا العذابَ قد حل بهم ولم يُنقِذْهم منه أحدٌ من أندادهم أن القوة لله جميعاً ، ولا دخل لأحد في شيء أصلاً لوقعوا من الحسرة والندم فيما لا يكاد يوصف وقرىء ولو ترى بالتاء الفوقانية على أن الخطابَ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلُح للخطاب فالجوابُ حينئذ لرأيتَ أمراً لا يوصَف من الهول والفظاعة ، وقرىء إذ يُرَوْن على البناء للمفعول وأن الله شديد العذاب على الاستئناف وإضمارِ القول . (1/234)
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166)
{ إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا } بدلٌ من ( إذ يرون ) أي إذ تبرأ الرؤساء { مِنَ الذين اتبعوا } من الأتْباع بأن اعترفوا ببطلان ما كانوا يدّعونه في الدنيا ويدْعونهم إليه من فنون الكفر والضلالِ واعتزلوا عن مخالطتهم وقابلوهم باللعن كقول إبليس : إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ وقرىء بالعكس أي تبرأ الأتْباعُ من الرؤساء والواو في قوله عز وجل : { وَرَأَوُاْ العذاب } حالية وقد مضمرةٌ ، وقيل : عاطفةٌ على ( تبرأ ) والضمير في رأوا للموصوفين جميعاً { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الاسباب } الوصلةُ التي كانت بينهم من التبعية والمتبوعيةِ والاتّفاقِ على الملة الزائغةِ والأغراضِ الداعيةِ إلى ذلك ، وأصلُ السبب الحبلُ الذي يرتقى به الشجرُ ونحوُه ، والجملةُ معطوفةٌ على ( تبرأ ) وتوسيطُ الحال بينهما للتنبيه على علة التبرّي ، وقد جُوّز عطفُها على الجملة الحالية . (1/235)
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)
{ وَقَالَ الذين اتبعوا } حين عاينوا تبرُؤَ الرؤساءِ منهم وندِموا على ما فعلوا من اتّباعهم لهم في الدنيا { لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } أي ليت لنا رجعةً إلى الدنيا { فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ } هناك { كَمَا تبرءوا منا } اليوم { كذلك } إشارةٌ إلى مصدر الفعلِ الذي بعده لا إلى شيءٍ آخرَ مفهومٍ مما سبق ، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجةِ المشارِ إليه وبُعد منزلتِه مع كمال تميُّزِه عما عداه وانتظامِه في سلك الأمورِ المشاهدة ، والكافُ مُقحَمةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامةِ ، ومحلُه النصبُ على المصدرية أي ذلك الإراءَ الفظيعَ { يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات عَلَيْهِمْ } أي نداماتٍ شديدةً فإن الحسرةَ شدةُ الندم والكمَدِ ، وهي تألمُ القلبِ وانحسارُه عما يُؤْلمه ، واشتقاقُه من قولهم بعير حسيرٌ أي منقطعٌ القوة وهي ثالثُ مفاعيلِ يُري إن كان من رؤية القلبِ وإلا فهي حالٌ ، والمعنى أن أعمالَهم تنقلبُ حسراتٍ عليهم فلا يرَوْن إلا حسراتٍ مكانَ أعمالِهم { وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار } كلامٌ مستأنفٌ لبيان حالِهم بعد دخولِهم النارَ ، والأصلُ وما يخرجون ، والعدولُ إلى الاسمية لإفادة دوامِ نفي الخروج ، والضميرُ للدَلالة على قوةِ أمرِهم فيما أُسند إليهم كما في قوله : (1/236)
هُمُ يفرُشون اللِّبْدَ كُلَّ طِمِرَّة ... وأجردَ سبّاقٍ يبزّ المُغالبا
{ يأَيُّهَا الناس كُلُواْ مِمَّا فِى الارض } أي بعضِ ما فيها من أصناف المأكولات التي من جملتها ما حرّمتموه افتراءً على الله من الحرْثِ والأنعام . قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في قومٍ من ثقيفٍ وبني عامرِ بنِ صَعْصَعةَ وخُزاعةَ وبني مدلج حرَّموا على أنفسهم ما حرّموا من الحرْث والبحائرِ والسوائبِ والوصائل والحامِ ، وقولُه تعالى : { حلالا } حال من الموصول أي كلوه حال كونه حلالاً ، أو مفعولٌ لكلوا على أنّ مِنْ ابتدائيةٌ وقد جُوِّز كونُه صفةً لمصدر مؤكَّدٍ أي أكلاً حلالاً ، ويؤيد الأولَيْن قولُه تعالى : { طَيّباً } فإنه صفةٌ له ووصفُ الأكل به غيرُ معتاد ، وقيل : نزلت في قوم من المؤمنين حرموا على أنفسهم رفيعَ الأطعمة والملابس ، ويردّه قوله عز وجل : { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } أي لا تقتدوا بها في اتباع الهوى فإنه صريحٌ في أن الخطابَ للكفرة ، كيف لا وتحريمُ الحلال على نفسه تزهيداً ليس من باب اتباع خطواتِ الشيطانِ فضلاً عن كونه تقوُّلاً وافتراءً على الله تعالى ، وإنما الذي نزل فيهم ما في سورة المائدة من قوله تعالى : ا { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ } الآية ، وقرىء ( خُطْواتِ ) بسكون الطاء وهما لغتان في جمع خُطْوة وهي ما بين قدمي الخاطي ، وقرىء بضمتين وهمزة ، جعلت الضمةُ على الطاء كأنها على الواو ، وبفتحتين على أنها جمعُ خَطْوة وهي المرة من الخَطْو { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } تعليل للنهي ، أي ظاهرُ العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يُظهر الولاية لمن يُغويه ، ولذلك سُمِّي ولياً في قوله تعالى : { أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت }
إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)
{ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء والفحشاء } استئنافٌ لبيان كيفيةِ عداوتِه وتفصيلٌ لفنون شرِّه وإفسادِه وانحصارِ معاملتِه معهم في ذلك ، والسوءُ في الأصل مصدرُ ساءه يسوؤُه سُوءاً ومَساءةً إذا أحزنه يُطلقُ على جميع المعاصي سواءٌ كانت من أعمال الجوارحِ أو أفعالِ القلوب ، لاشتراك كلِّها في أنها تسوءُ صاحبَها ، والفحشاءُ أقبحُ أنواعِها وأعظمُها مساءةً { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } عطفٌ على الفحشاء ، أي وبأن تفتروا على الله بأنه حرّم هذا وذاك ، ومعنى ما لا تعلمون أن الله تعالى أمرَ به ، وتعليقُ أمرِه بتقوُّلِهم على الله تعالى ما لا يعلمون وقوعَه منه تعالى لا بتقوُّلهم عليه ما يعلمون عدمَ وقوعِه منه تعالى ، مع أن حالَهم ذلك للمبالغة في الزجر ، فإن التحذيرَ من الأول مع كونه في القُبْحِ والشناعةِ دون الثاني تحذيرٌ عن الثاني على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه وللإيذان بأن العاقلَ يجب عليه ألا يقولَ على الله تعالى ما لا يعلم وقوعَه منه تعالى مع الاحتمال فضلاً عن أن يقول عليه ما يعلم عدمَ وقوعِه منه تعالى ، قالوا : وفيه دليلٌ على المنع من اتباع الظنِّ رأساً ، وأما اتباعُ المجتهدِ لما أدَّى إليه ظنُّه فمستنِدٌ إلى مَدْرَكٍ شرعيَ فوجوبُه قطعيٌّ والظنُّ في طريقه { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله } التفاتٌ إلى الغَيْبة تسجيلاً بكمال ضلالِهم وإيذاناً بإيجاب تعدادِ ما ذُكر من جناياتهن لصرف العذابِ عنهم وتوجيهِه إلى العقلاء ، وتفصيلُ مساوي أحوالِهم لهم على نهج المَبائةِ أي إذا قيل لهم على وجه النصيحةِ والإرشادِ : اتبعوا كتاب الله الذي أنزله { قَالُواْ } لا نتبعه { بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } أي وجدناهم عليه ، إما على أن الظرفَ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من آباءَنا وألفَيْنا متعدَ إلى واحد ، وإما على أنه مفعولٌ ثانٍ له مقدمٌ على الأول . نزلت في المشركين أُمروا باتباع القرآنِ وسائرِ ما أنزل الله تعالى من الحجج الظاهرةِ والبينات الباهرةِ فجنحوا للتقليد ، والموصولُ إما عبارةٌ عما سبق من اتخاذ الأندادِ وتحريمِ الطيبات ونحوِ ذلك وإما باقٍ على عمومه ، وما ذُكر داخلٌ فيه دخولاً أولياً وقيل : نزلت في طائفة من اليهود دعاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا : بل نتبعُ ما وجدْنا عليه آباءَنا لأنهم كانوا خيراً منا وأعلم ، فعلى هذا يعُمّ ما أنزل الله تعالى التوراةَ لأنها أيضاً تدعو إلى الإسلام ، وقوله عز وجل : { أولو كانَ آبَاؤهُمْ لاَ يَعْقِلُون شَيئاً وَلاَ يَهْتَدُون } استئنافٌ مَسوقٌ من جهته تعالى رداً لمقالتهم الحمقاءِ وإظهاراً لبطلان آرائِهم ، والهمزة لإنكار الواقعِ واستقباحِهِ والتعجبِ منه ، لا لإنكار الوقوعِ كالتي في قوله تعالى : { أَوَلَوْ كُنَّا كارهين } وكلمة لو في أمثال هذا المقامِ ليست لبيان انتفاءِ الشيءِ في الزمان الماضي لانتفاء غيرِه فيه ، فلا يلاحَظُ لها جوابٌ قد حُذف ثقةً بدلالة ما قبلها عليه بل هي لبيان تحققِ ما يفيده الكلامُ السابقُ بالذات أو بالواسطة من الحُكم الموجَبِ أو المنفيّ على كل حالٍ مفروضٍ من الأحوال المقارِنةِ له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهرَ بثبوته أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولية ، لما أن الشيءَ متى تحقّق مع المنافي القويِّ فَلأَنْ يتحقَّقَ مع غيره أولى ولذلك لا يُذكر معه شيءٌ من سائر الأحوال ، ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفةِ للجملة على نظيرتها المقابلةِ لها المتناولةِ لجميع الأحوالِ المغايرةِ لها ، وهذا معنى قولِهم إنها لاستقصاء الأحوالِ على سبيل الإجمال ، وهذا المعنى ظاهرٌ في الخبر الموجَبِ والمنفيِّ والأمرِ والنهي ، كما في قولك : فلانٌ جوادٌ يُعطي ولو كان فقيراً ، وبخيلٌ لا يعطي ولو كان غنياً ، وقولِك : أحسنْ إليه ولو أساءَ إليك ولا تُهِنْه ولو أهانك ، لبقائه على حاله ، وأما فيما نحن فيه ففيه نوعُ خفاءٍ ناشىءٍ من ورود الإنكارِ عليه لكن الأصلَ في الكل واحدٌ إلا أن كلمةَ ( لو ) في الصور المذكورة متعلقةٌ بنفس الفعل المذكورِ قبلها وأن ما يُقصدُ بيانُ تحققِه على كل حالٍ هو نفسُ مدلولِه وأن الجملةَ حالٌ من ضميره أو مما يتعلّق به ، وأن ما في حيِّز ( لو ) باقٍ على ما هو عليه من الاستبعاد غالباً بخلاف ما نحن فيه ، لما أن كلمةَ لو متعلقةٌ فيه بفعل مقدرٍ يقتضيه المذكورُ وأن ما يُقصد بيانُ تحققِه على كل حالٍ مدلولُه لا مدلولُ المذكور من حيث هو مدلولُه ، وأن الجملةَ حالٌ مما يتعلّق به لا مما يتعلق بالمذكور من حيث هو متعلِّقٌ به وأن المقصودَ الأصليَّ إنكارُ مدلولِه باعتبار مقارنته للحالة المذكورة ، وأما تقديراً لمقارنته لغيرها فلتوسيع الدائرة وأن ما في حيز ( لو ) لا يُقصد استبعادُه في نفسه بل يقصد الإشعارُ بأنه أَمْرٌ محقَّق إلا أنه أُخرج مُخرَجَ الاستبعادِ معاملةً مع المخاطَبين على معتقدهم لئلا يلبَسوا من التصريح بنسبة آبائهم إلى كمال الجهالةِ والضلالةِ جلدَ النَّمِرِ فيركبوا متنَ العِناد ، ومبالغةً في الإنكار من جهة اتباعهم لآبائهم حيث كان منكراً مستقبحاً عند احتمالِ كونِ آبائهم كما ذُكر احتمالاً بعيداً فلأَنْ يكونَ مُنْكراً عند تحققِ ذلك أولى ، والتقديرُ أيتبعون ذلك لو لم يكن آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون للصواب ، ولو كانوا كذلك فالجملةُ في حيز النصب على الحالية من آبائهم على طريقة قولِه تعالى : (1/237)
{ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } كأنه قيل : أيتبعون دين آبائهم حالَ كونِهم غافلين وجاهلين ضالّين إنكاراً لما أفاده كلامُهم من الاتّباع على أيّ حالةٍ كانت من الحالتين غير أنه اكتُفيَ بذكر الحالةِ الثانية تنبيهاً على أنها هي الواقعةُ في نفس الأمرِ وتعويلاً على اقتضائها للحالة الأولى اقتضاءً بيّناً ، فإن اتباعهم الذي تعلق به الإنكارُ حيث تحقق مع كون آبائِهم جاهلين ضالين فلأَنْ يتحقّقَ مع كونهم عاقلين ومُهتدين أوْلى . (1/238)
إن قلتَ : الإنكارُ المستفادُ من الاستفهام الإنكاريِّ بمنزلة النفي ولا ريب في أن الأولويةَ في صورة النفي معتبرةٌ بالنسبة إلى النفي ألا يرى أن الأولى بالتحقق فيما ذكر من مثال النفي عند الحالة المسكوتِ عنها أعني عدمَ الغنى هو عدمُ الإعطاء لا نفسُه فكان ينبغي أن يكون الأولى بالتحقق فيما نحن فيه عند الحالةِ المسكوتِ عنها وهي حالة كونِ آبائهم عاقلين ومهتدين إنكارُ الاتباعِ لا نفسُه إذ هو الذي يدل عليه أيتبعون الخ فلم اختلفت الحالُ بينهما؟ قلت : لما أن مناطَ الأولوية هو الحكمُ الذي إريد بيانُ تحققه على كل حال ، وذلك في مثال النفي عدمُ الإعطاء المستفادِ من الفعل المنفيِّ المذكور وأما فيما نحن فيه فهو نفسُ الاتباعِ المستفاد من الفعل المقدر إذ هو الذي يقتضيه الكلامُ السابقُ أعني قولَهم بل نتبعُ الخ وأما الاستفهامُ فخارجٌ عنه واردٌ عليه لإنكار ما يُفيدُه واستقباحِ ما يقتضيه لا أنه من تمامه كما في صورة النفي وكذا الحالُ فيما إذا كانت الهمزةُ لإنكار الوقوعِ ونفْيِه مع كونه بمنزلة صريح النفي كما سيأتي تحقيقُه في قوله تعالى : { أَوَلَوْ كُنَّا كارهين } وقيل : الواوُ حالية ، ولكن التحقيقَ أن المعنى يدور على معنى العطفِ في سائر اللغات أيضاً . (1/239)
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)
{ وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ } جملةٌ ابتدائيةٌ واردة لتقرير ما قبلها بطريق التصوير ، وفيها مضافٌ قد حُذف لدِلالة مَثَلُ عليه ، ووضعُ الموصول موضعَ الراجع إلى ما ترجِعُ إليه الضمائر السابقةُ لذمهم بما في حيز الصلة ، وللإشعار بعِلّة ما أثبت لهم من الحُكم ، والتقديرُ مثلُ ذلك القائلِ وحالِه الحقيقةِ لغرابتها بأن تسمَّى مَثَلاً وتسير في الآفاق فيما ذُكر من دعوته إياهم إلى اتباع الحقِّ وعدمِ رفعِهم إليه رأساً لانهماكهم في التقليد وإخلادِهم إلى ما هم عليه من الضلال وعدمِ فهمهم من جهة الداعي إلى الدعاء من غير أن يُلقوا أذهانَهم إلى ما يلقى عليهم { كَمَثَلِ الذى يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء } من البهائم فإنها لا تسمع إلا صوتَ الراعي وهَتفَه بها من غير فهم لكلامه أصلاً ، وقيل : إنما حُذف المضافُ من الموصول الثاني لدلالة كلمة ما عليه فإنها عبارةٌ عنه مُشعِرَةٌ مع ما في حيز الصلة بما هو مدارُ التمثيل أي مَثَلُ الذين كفروا فيما ذُكر من انهماكهم فيما هم فيه وعدمِ التدبر فيما أُلقيَ إليهم من الآيات كمثل بهائمِ الذي ينعِق بها وهي لا تسمع منه إلا جرسَ النغمة ودويَّ الصوت ، وقيل : المرادُ تمثيلُهم في دعائهم الأصنام بالناعق في نعقه ، وهو تصويتُه على البهائم وهذا غنيٌّ عن الإضمار لكن لا يساعدُه قولُه : ( إلا دعاءً ونداءً ) فإن الأصنام بمعزلٍ من ذلك وقد عرفتَ أن حسنَ التمثيل فيما تشابه أفرادُ الطرفين { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } بالرفع على الذم أي هم صمّ الخ { فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } شيئاً لأن طريقَ التعقل هو التدبّر في مبادي الأمورِ المعقولة والتأمل في ترتيبها وذلك إنما يحصُلُ باستماعِ آياتِ الله ومشاهدةِ حُججِه الواضحةِ والمفاوضة مع من يؤخَذ منه العُلوم ، فإذا كانوا صماً بكماً عمياً فقد انسدّ عليهم أبوابُ التعقل وطرُقُ الفهم بالكلية { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم } أي مستلَذّاتِه { واشكروا للَّهِ } الذي رزقَكُموها ، والالتفاتُ لتربية المهابة { إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } فإن عبادتَه تعالى لا تتِمّ إلا بالشكر له . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « يقول الله عز وجل إني والإنسُ والجنُ في نبإٍ عظيمٍ أخلُقُ ويُعبد غيري وأرزُقُ ويُشكَر غيري » (1/240)
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)
{ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة } أي أكلها والانتفاعَ بها وهي التي ماتت على غير ذَكاةٍ ، والسمكُ والجرادُ خارجان عنها بالعُرف أو باستثناء الشرعِ كخروج الطحال من الدم { والدم وَلَحْمَ الخنزير } إنما خُصّ لحمُه مع أن سائر أجزائه أيضاً في حكمه لأنه معظمُ ما يؤكل من الحيوان ، وسائرُ أجزائِه بمنزلة التابع له { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله } أي رُفِعَ به الصوتُ عند ذبحه للصنم ، والإهلالُ أصلُه رؤيةُ الهلالِ لكن لما جرت العادةُ برفع الصوتِ بالتكبير عندها سمِّي ذلك إهلالاً ثم قيل : لرفع الصوت وإن كان لغيره { فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ } بالاستئثار على مضطر آخرَ { وَلاَ عَادٍ } سدَّ الرمق والجَوْعة وقيل : غير باغ على الوالي ولا عادٍ بقطع الطريق وعلى هذا لا يُباح للعاصي بالسفر وهو ظاهرُ مذهب الشافعي وقولُ أحمدَ رحمهما الله { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } في تناوله { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بالرخصة ، إن قيل كلمة إنما تفيد قصرَ الحُكمِ على ما ذُكر وكم من حرام لم يُذكَرْ قلنا : المرادُ قصرُ الحرمة على ما ذُكر مما استحلوه لا مطلقاً ، أو قصرُ حرمتِه على حالة الاختيارِ كأنه قيل : إنما حُرِّم عليكم هذه الأشياءُ ما لم تضطروا إليها . (1/241)
{ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب } المشتمل على فنون الأحكام التي من جملتها أحكامُ المحلَّلات والمحرَّمات حسبما ذكر آنفاً . وقال ابنُ عباس رضي الله عنهما : نزلت في رؤساء اليهود حين كتموا نعت النبي صلى الله عليه وسلم { وَيَشْتَرُونَ بِهِ } أي يأخذون بدلَه { ثَمَناً قَلِيلاً } عِوَضاً حقيراً ، وقد مر سرُّ التعبير عن ذلك بالثمن الذي هو وسيلة في عود المعاوضة ، وقولُه تعالى : { أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلة من الوصفَين الشنيعين المميَّزين لهم عمن عداهم أكملَ تمييز الجاعلَيْن إياهم بحيث كأنهم حُضّارٌ مشاهِدون على ما هم عليه ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بغاية بُعدِ منزلتِهم في الشر والفساد ، وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى : { مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار } والجملةُ خبرٌ لإن ، أو اسمُ الإشارة مبتدأٌ ثانٍ أو بدلٌ من الأول والخبر ما يأكلون الخ ومعنى أكلِهم النارَ أنهم يأكلون في الحال ما يستتبِعُ النار ويستلزمُها فكأنه عينُ النار ، وأكلُه أكلُها كقوله :
أكلتُ دماً إن لم أَرُعْكِ بضَرَّة ... بعيدةِ مهوى القُرط طيّبةِ النشْرِ
أو يأكلون في المآل يوم القيامة عينَ النار عقوبةً على أكلهم الرِّشا في الدنيا و ( في بطونهم ) متعلقٌ بيأكلون وفائدتُه تأكيدُ الأكلِ وتقريرُه ببيان مقرِّ المأكول ، وقيل : معناه ملءَ بطونهم كما في قولهم : أكل في بطنه وأكل في بعض بطنه ومنه «كُلوا في بعض بطنِكم تعفّوا» فلا بد من الالتجاء إلى تعليقه بمحذوف وقعَ حالاً مقدّرة من النار مع تقديمه على حرف الاستثناء وإلا فتعليقُه بيأكلون يؤدّي إلى قصْر ما يأكلونه إلى الشبع على النار والمقصود قصرُ ما يأكلونه مطلقاً عليها { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة } عبارة عن غضبه العظيم عليهم وتعريضٌ بحرمانهم ما أتيح للمؤمنين من فنون الكرامات السنية والزلفى { وَلاَ يُزَكّيهِمْ } لا يُثني عليهم { وَلَهُمْ } مع ما ذكر { عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم .
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)
{ أولئك } إشارة إلى ما أشير إليه بنظيره بالاعتبار المذكور خاصة لا مع ما يتلوه من أحوالهم الفظيعةِ إذ لا دخل لها في الحكم الذي يراد إثباتُه ههنا فإن المقصود تصويرُ ما باشروه من المعاملة بصورة قبيحة تنفِر منها الطباعُ ولا يتعاطاها عاقلٌ أصلاً ببيان حقيقةِ ما نبذوه وإظهار كُنهِ ما أخذوهُ وإبداءِ فظاعة تِبعاتِه ، وهو مبتدأ خبرُه الموصولُ أي أولئك المشترون بكتاب الله عز وجل ثمناً قليلاً ليسوا بمشترين للثمن وإن قل ، بل هم { الذين اشتروا } بالنسبة إلى الدنيا { الضلالة } التي ليست مما يمكن أن يشترى قطعاً { بالهدى } الذي ليس من قبيل ما يُبذل بمقابلة شيء وإن جل { والعذاب } أي اشتروا بالنظر إلى الآخرة العذاب الذي لا يُتوَهَّم كونُه مما يشترى { بالمغفرة } التي يتنافس فيها المتنافسون { فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار } تعجيبٌ من حالهم الهائلة التي هي ملابستُهم بما يوجب النارَ إيجاباً قطعياً كأنه عينها و ( ما ) عند سيبويهِ نكرةٌ تامة مفيدة لمعنى التعجيب مرفوعةٌ بالابتداء وتخصيصُها كتخصُّص شرَ في «شرٌّ أَهَرَّ ذَا نَابٍ» خبرُها ما بعدها أي شيءٌ ما عظيم جعلهم صابرين على النار ، وعند الفراء استفهامية وما بعدها خبرها أي أيُّ شيءٍ أصبرَهم على النار وقيل : هي موصولة وقيل : موصوفة بما بعدها والخبر محذوف أي الذي أصبرهم على النار أو شيءٌ أصبرهم على النار أمرٌ فظيع { ذلك } العذاب { بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب } أي جنس الكتاب { بالحق } أي ملتبساً به فلا جرم أن يكون من يرفضه بالتكذيب والكتمان ويركب متنَ الجهل والغَواية مُبتلىً بمثل هذا من أفانينِ العذاب { وَإِنَّ الذين اختلفوا فِى الكتاب } أي في جنس الكتابِ الإلهي بأن آمنوا ببعض كتبِ الله تعالى وكفروا ببعضها أو اختلفوا في التوراة بأن آمنوا ببعض آياتِها وكفروا ببعضٍ كالآيات المُغيَّرة المشتملةِ على أمر بِعثةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ونعوته الكريمة فمعنى الاختلافِ التخلفُ عن الطريق الحق أو الاختلافُ في تأويلها أو في القرآن بأن قال بعضهم أنه سحرٌ وبعضُهم أنه شعرٌ وبعضهم أساطيرُ الأولين كما حكى عن المفسرين { لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } عن الحق والصواب مستوجب لأشد العذاب { لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب } البِرُّ اسمٌ جامع لمراضِي الخصالِ ، والخطابُ لأهل الكتابين فإنهم كانوا أكثروا الخوضَ في أمر القِبلة حين حُوِّلت إلى الكعبة وكان كلُّ فريقٍ يدّعي خيريةَ التوجُّه إلى قبلته من القُطرين المذكورين ، وتقديمُ المشرق على المغرب مع تأخر زمانِ الملّةِ النصرانية إما لرعاية ما بينهما من الترتيب المتفرِّع على ترتيب الشروق والغروب وإما لأن توجّه اليهودِ إلى المغرب ليس لكونه مَغرِباً بل لكون بيتِ المقدس من المدينة المنورة واقعاً في جانب فقيل لهم : ليس البر ما ذكرتم من التوجه إلى تينك الجهتين ، على أن البر خبرُ ليس مقدم على اسمها كما في قوله : (1/242)
سلي إن جهِلتِ عني وعنهم ... فليس سواءً عالمٌ وجَهولُ (1/243)
وقوله :
أليس عظيماً أن تُلمَّ مُلِمَّة ... وليس علينا في الخطوب مقولُ
وإنما أخر ذلك لما أن المصدرَ المؤولَ أعرفُ من المحلَّى باللام لأنه يُشبهُ الضمير من حيث أنه لا يوصف ولا يوصف به والأعرفُ أحق بالاسمية ولأن في الاسم طولاً فلو روعيَ الترتيبُ المعهود لفات تجاوبُ أطرافِ النظم الكريم وقرىء برفع البرُّ على أنه اسمها وهو أقوى بحسب المعنى لأن كل فريق يدعي أن البرَّ هذا فيجب أن يكون الردُّ موافقاً لدعواهم وما ذلك إلا بكَوْن البِرِّ اسماً كما يُفصح عنه جعلُه مُخْبَراً عنه في الاستدراك بقوله عز وجل : { ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله } وهو تحقيقٌ للحق بعد بيانِ الباطلِ وتفصيلٌ لخِصال البِر مما لا يختلف باختلاف الشرائعِ وما يختلف باختلافها ، أي ولكن البِرَّ المعهود الذي يحِقّ أن يُهتَمَّ بشأنه ويُجَدَّ في تحصيله بِرُّ مَنْ آمن بالله وحده إيماناً بريئاً من شائبة الإشراكِ لا كإيمان اليهودِ والنصارى المشركين بقولهم عزيرٌ ابنُ الله وقولِهم المسيحُ ابن الله { واليوم الاخر } أي على ما هو عليه لا كما يزعُمون من أن النارَ لن تمسَّهم إلا أياماً معدوداتٍ وأن آباءَهم الأنبياءَ يشفعون لهم ، ففيه تعريضٌ بأن إيمانَ أهلِ الكتابين حيث لم يكن كما ذكر من الوجه الصحيحِ لم يكن إيماناً ، وفي تعليق البِرِّ بهما من أول الأمر عَقيبَ نفيه عن التوجُّه إلى المشرق والمغرب من الجزالة ما لا يخفى ، كأنه قيل : ولكن البِر هو التوجُّه إلى المبدأ والمَعاد اللذيْن هما المشرِقُ والمغرِب في الحقيقة { والملئكة } أي وآمن بهم وبأنهم عبادٌ مُكْرَمون متوسِّطون بينه تعالى وبين أنبيائِه بإلقاء الوحي وإنزالِ الكتب { والكتاب } أي بجنس الكتابِ الذي من أفراده الفرقانُ الذي نبذوه وراءَ ظهورِهم ، وفيه تعريضٌ بكِتمانهم نعوتَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم واشترائِهم بما أنزل الله تعالى ثمناً قليلاً { والنبيين } جميعاً من غير تفرقةٍ بين أحدٍ منهم كما فعل أهلُ الكتابَيْن ، ووجهُ توسيط الكتابِ بين حَمَلةِ الوحي وبين النبيين واضحٌ وسيأتي في قوله تعالى : { كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } { وآتى المالَ عَلَى حُبِّه } حالٌ من الضمير في آتى ، والضميرُ المجرورُ راجعٌ للمال أي آتاه كائناً على حب المالِ كما في قوله صلى الله عليه وسلم حين سُئِل : أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ : « أن تُؤتِيَه وأنت صحيحٌ شحيحٌ » وقولِ ابن مسعود رضي الله عنه : أن تؤتيَه وأنت صحيحٌ شحيحٌ تأمُلُ العيشَ وتخشى الفقرَ ولا تُمهِلَ حتى إذا بلغت الحُلقومَ قلت لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا ، وقيل : الضمير لله تعالى أي آتاه كائناً على محبته تعالى لا على قصد الشرِّ والفساد ، ففيه نوعُ تعريضٍ لباذلي الرِّشا وآخذيها لتغيير التوراة ، وقيل : للمصدر أي كائناً على حب الإيتاء { ذَوِى القربى } مفعولٌ أولٌ لآتى قُدِّم عليه مفعولُه الثاني أعني المالَ للاهتمام به أو لأن في الثاني مع ما عُطف عليه طُولاً لو رُوعي الترتيبُ لفات تجاوبُ الأطرافِ في الكلام وهو الذي اقتضى تقديمَ الحال أيضاً وقيل : هو المفعولُ الثاني { واليتامى } أي المحاويجَ منهم على ما يدل عليه الحال وتقديمُ ذوي القربى عليهم لما أن إيتاءَهم صدقةٌ وصِلَة { والمساكين } جمعُ مِسكينٍ وهو الدائمُ السُكون لما أن الخَلّة أسكنَتْهُ بحيث لا حَراكَ به أو دائمُ السكون إلى الناس { وابن السبيل } أي المسافرَ سُمي به لملازمته إياه كما سمِّي القاطِعُ ابنَ الطريق وقيل : الضيف { والسائلين } الذين أَلْجأتهم الحاجةُ والضرورةُ إلى السؤال قال عليه الصلاة والسلام :
« أعطُوا السائلَ ولو جاء على فرَسٍ » { وَفِي الرقاب } أي وضَعَه في فكّ الرقابِ بمعاونة المكاتَبين حتى يفُكّوا رِقابَهم وقيل : في فك الأُسارى وقيل : في ابتياع الرقابِ وإعتاقِها وأياً ما كان فالعدولُ عن ذكرهم بعنوان مُصححٍ للمالكية كالذين من قبلهم إما للإيذان بعدم قرارِ مِلكِهم فيما أوتوا كما في الوجهين الأولين أو بعدم ثبوتِه رأساً كما في الوجه الأخير وإما للإشعار برسوخهم في الاستحقاق والحاجةِ لما أن ( في ) للظرفية المُنْبئة عن محلِّيتهم لما يؤتى { وأقامَ الصَّلاَةَ } أي المفروضةَ منها { وآتَى الزَّكَاةَ } أي المفروضة على أن المرادَ بما مرَّ من إيتاءِ المالِ التنفّلُ بالصدقات قُدِّم على الفريضة مبالغةً في الحثِّ عليه أو المرادُ بهما المفروضةُ ، والأول لبيان المصارفِ والثاني لبيان وجوب الأداءِ { والموفون بِعَهْدِهِمْ } عطفٌ على مَنْ آمن فإنه في قوة أن يقال ومَنْ أوفَوْا بعهدهم ، وإيثارُ صيغة الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاءِ والمرادُ بالعهد ما لا يحرِّم حلالاً ولا يُحلِّل حَراماً من العهود الجارية فيما بين الناس ، وقولُه تعالى : { إِذَا عاهدوا } للإيذان بعدمِ كونِه من ضروريات الدين { والصابرين } نُصب على الاختصاص ، غُيِّر سبكُه عما قبله تنبيهاً على فضيلة الصبر ومزِيَّتِه وهو في الحقيقة معطوفٌ على ما قبله . قال أبو علي : إذا ذُكرتْ صفاتٌ للمدح أو الذمِّ فخولفَ في بعضها الإعرابُ فقد خولف للافتنان ويسمَّى ذلك قطعاً ، لأن تغييرَ المألوفِ يدل على زيادة ترغيبٍ في استماع المذكورِ ومزيدِ اهتمامٍ بشأنه كما مر في صدر السورة ، وقد قرىء الصابرون كما قرىء والموفين { فِى البأساء } أي في الفقر والشدة { والضراء } أي المرض والزَّمانة { وَحِينَ البأس } أي وقتَ مجاهدةِ العدوِّ في مواطن الحرب ، وزيادةُ الحينِ للإشعار بوقوعه أحياناً وسرعةِ انقضائِه { أولئك } إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتّصافِهم بالنعوت الجميلةِ المعدودة ، وما فيه من معنى البُعد لما مر مراراً من التنبيه عن علوِّ طبقتِهم وسُموِّ رُتبتِهم { الذين صَدَقُوا } أي في الدين واتباعِ الحقِّ وتحرَّى البِرِّ حيث لم تغيِّرْهم الأحوالُ ولم تُزلزلهم الأهوال { وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون } عن الكفر وسائرِ الرذائلِ وتكريرُ الإشارة لزيادة تنويهِ شأنِهم ، وتوسيطُ الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم والآيةُ الكريمة كما ترى حاويةٌ لجميع الكمالات البشرية برُمَّتها تصريحاً أو تلويحاً لما أنها مع تكثُّر فنونها وتشعُّب شجونِها منحصرةٌ في خِلالِ ثلاث : صحةِ الاعتقاد وحسنِ المعاشرة مع العباد وتهذيبِ النفس ، وقد أشير إلى الأولى بالإيمان بما فُصِّل وإلى الثانية بإيتاء المالِ وإلى الثالثة بإقامة الصلاة الخ ولذلك وُصف الحائزون لها بالصدق نظراً إلى إيمانهم واعتقادِهم وبالتقوى اعتباراً بمعاشرتهم مع الخلق ومعاملتهم مع الحق وإليه يشير قولُه صلى الله عليه وسلم : (1/244)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)
{ يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا } شروعٌ في بيان بعض الأحكامِ الشرعية على وجه التلافي لما فرَط من المُخِلّين بما ذكر من أصول الدين وقواعدِه التي عليها بُنيَ أساسُ المَعاش والمَعاد { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } أي فُرض وأُلزم عند مطالبةِ صاحبِ الحق فلا يقدَحُ فيه قدرةُ الوليِّ على العفو ، فإن الوجوبَ إنما اعتُبر بالنسبة إلى الحكّام أو القاتلين { القصاص فِي القتلى } أي بسبب قتلِهم كما في قوله صلى الله عليه وسلم : « إن امرأةً دخلت النارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْها » أي بسبب ربطها إياها { الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والانثى بالانثى } كان في الجاهلية بين حيَّيْنِ من أَحياء العربِ دماءٌ وكان لأحدهما طَوْلٌ على الآخر فأقسموا لنقتُلَنَّ الحرَّ منكم بالعبد والذكرَ بالأنثى فلما جاء الإسلامُ تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت . فأمرهم أن يتباوَؤُا وليس فيها دِلالةٌ على عدم قتل الحرِّ بالعبد عند الشافعي أيضاً لأن اعتبارَ المفهومِ حيث لم يظهر للتخصيص بالذكر وجهٌ سوى اختصاصِ الحُكم بالمنطوقِ . وقد رأيتَ الوجهَ ههنا وإنما يتمسك في ذلك هو ومالكٌ رحمهما الله بما روى عليٌ رضي الله عنه أن رجلاً قتل عبدَه فجلده رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ونفاه سنةً ولم يُقِدْه ، وبما رُوي عنه رضي الله عنه أنه قال : من السنة أن لا يُقتلَ مسلمٌ بذي عهدٍ ولا حرٌّ بعبد ، وبأن أبا بكر وعمرَ رضي الله عنهما كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة من غير نكيرٍ ، وبالقياس على الأطراف ، وعندنا يُقتل الحرُّ بالعبد لقوله تعالى : { أَنَّ النفس بالنفس } فإن شريعة مَنْ قبلَنا إذا قُصَّتْ علينا من غير دلالة على نسخها فالعملُ بها واجبٌ على أنها شريعةٌ لنا ولأن القصاصَ يعتمدُ المساواةُ في العصمة وهي بالدين أو بالدار وهما سِيّانِ فيهما وقرىء كَتب على البناء للفاعل ونصْبِ القصاص { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } أي شيء من العفو لأن عفا لازمٌ وفائدتُه الإشعار بأن بعض العفو بمنزلة كلّه في إسقاط القصاصِ وهو الواقع أيضاً في العادة إذ كثيراً ما يقعُ العفوُ من بعض الأولياءِ فهو شيءٌ من العفو وقيل : معنى عُفي تُرك وشيء مفعولٌ به وهو ضعيف إذ لم يثبُتْ عفاه بمعنى تركه بل أعفاه ، وحُمل العفو على المحو كما في قول من قال : (1/245)
ديارٌ عفاها جَوْرُ كل معاندِ ... وقوله :
عفاها كلُّ هتان ... كثيرِ الوبل هَطّالِ
فيكونُ المعنى فمن مُحيَ له من أخيه شيءٌ صرفاً للعبارة المتداولة في الكتاب والسنةِ عن معناها المشهور المعهودِ إلى ما ليس بمعهود فيهما وفي استعمال الناس ، فإنهم لا يستعملون العفوَ في باب الجنايات إلا فيما ذكرَ من قبلُ . وعفا يُعدَّى بعن إلى الجاني والذنب قال تعالى :
{ عَفَا الله عَنْكُمْ } وقال : { عَفَا الله عَنْهَا } فإذا تعدَّى إلى الذنب قيل : عفوْتُ لفلان عما جنى كأنه قيل : فمن عُفي له عن جنايته من جهة أخيه يعني وليَّ الدم ، وإيرادُه بعنوان الأخوّة الثابتةِ بينهما بحكم كونِهما من بني آدمَ عليه السلام لتحريك سلسلة الرقةِ والعطف عليه { فاتباع بالمعروف } فالأمرُ اتباعٌ أو فليكُنِ اتباعٌ ، والمرادُ وصيةُ العافي بالمسامحة ومطالبتُه بالديَة بالمعروف من غير تعسفٍ ، وقوله عز وجل : { وَأَدَاء إِلَيْهِ بإحسان } حثٌّ للمعفوِّ عنه على أن يؤدِّيَها بإحسانٍ من غير مماطلةٍ ولا بخس { ذلك } أي ما ذكر من الحُكم { تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } لما فيه من التسهيل والنفعِ وقيل : كُتب على اليهود القصاصُ وحده وحرِّم عليهم العفوُ والدية ، وعلى النصارى العفوُ على الإطلاق وحرِّم عليهم القصاصُ والدية ، وخُيِّرت هذه الأمةُ بين الثلاث تيسيراً عليهم وتنزيلاً للحُكم على حسَب المنازل { فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك } بأن قتلَ غيرَ القاتل بعد ورود هذا الحُكم أو قتلَ القاتلَ بعد العفو أو أخذِ الدية { فَلَهُ } باعتدائه { عَذَابٌ أَلِيمٌ } أما في الدنيا فبالاقتصاص لما قتله بغير حقَ وأما في الآخرة فبالنار . (1/246)
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)
{ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة } بيانٌ لمحاسِنِ الحُكم المذكور على وجهٍ بديعٍ لا تُنال غايتُه حيث جُعل الشيءُ محلاً لضِدِّه ، وعُرِّف القصاص ونُكِّر الحياةُ ليدل على أن في هذا الجنس نوعاً من الحياة عظيماً لا يبلُغه الوصفُ وذلك لأن العلمَ به يردَعُ القاتلَ عن القتل فيتسبَّب لحياةِ نفسَيْن ، ولأنهم كانوا يقتُلون غيرَ القاتل والجماعةَ بالواحد فتثورُ الفتنةُ بينهم ، فإذا اقتُصَّ من القاتل سلِم الباقون فيكون ذلك سبباً لحياتهم ، وعلى الأول فيه إضمارٌ وعلى الثاني تخصيصٌ وقيل : المرادُ بالحياة هي الأُخروية فإن القاتلَ إذا اقتُصَّ منه في الدنيا لم يؤخَذْ به في الآخرة ، والظَّرْفان إما خبرانِ ( لحياةٌ ) أو أحدُهما خبرٌ والآخَرُ صِلةٌ له أو حالٌ من المستكنِّ فيه وقرىء في القَصَصِ أي فيما قُصَّ عليكم من حُكم القتل حياةٌ أو في القرآن حياة أو في القرآنِ حياةٌ للقلوب { يأُوْلِي الالباب } أي ذوي العقولِ الخالصةِ عن شَوْب الأوهام ، خوطبوا بذلك بعد ما خُوطبوا بعنوان الإيمان تنشيطاً لهم إلى التأمل في حِكمة القصاص { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي تتقون أنفسَكم من المساهلة في أمره والإهمالِ في المحافظة عليه والحُكمِ به والإذعانِ له ، أو في القصاص فتكُفّوا عن القتل المؤدِّي إليه { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } بيانٌ لحكمٍ آخَرَ من الأحكام المذكورة { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت } أي حضر أسبابُه وظهرَ أماراتُه أو دنا نفسُه من الحضور ، وتقديمُ المفعول لإفادة كمال تمكنِ الفاعلِ عند النفسِ وقت ورودِه عليها { إِن تَرَكَ خَيْرًا } أي مالاً وقيل : مالاً كثيراً لما رُوي عن علي رضي الله عنه أن مولىً له أراد أن يوصِيَ وله سبعُمائة درهمٍ فمنعه وقال : قال الله تعالى : { إِن تَرَكَ خَيْرًا } وإن هذا لشيء يسيرٌ فاترُكْه لعيالك . وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً أراد الوصيةَ وله عيالٌ وأربعُمائة دينارٍ فقالت : ما أرى فيه فضلاً . وأراد آخرُ أن يوصِيَ فسألته كم مالُك؟ فقال : ثلاثةُ آلافِ درهم قالت : كم عيالُك؟ قال : أربعة قالت : إنما قال الله تعالى : إنْ ترك خيراً وإن هذا لشيءٌ يسيرٌ فاترُكْه لعيالك { الوصية للوالدين والاقربين } مرفوعٌ بكُتِبَ ، أُخِّر عما بينهما لما مر مراراً ، وإيثارُ تذكيرِ الفعلِ مع جواز تأنيثِه أيضاً للفصل أو على تأويل أن يوصِيَ ، أو الإيصاءُ ، ولذلك ذُكّر الضميرُ في قوله تعالى : { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ } وإذا ظرفٌ محضٌ والعاملُ فيه كُتب لكن لا من حيث صدورُ الكتْب عنه تعالى بل من حيث تعلُّقُه بهم تعلقاً فِعلياً مستتبِعاً لوجوب الأداءِ كما يُنبىء عنه البناءُ للمفعول وكلمةُ الإيجاب ، ولا مساغَ لجعل العامل هو الوصيةُ لتقدّمه عليها ، وقيل : هو مبتدأ خبرُه للوالدين ، والجملةُ جوابُ الشرط بإضمار الفاءِ كما في قوله : (1/247)
مَنْ يفعلِ الحسناتِ الله يشكُرُها ...
ورد بأنه صحّ فمن ضرورةِ الشعر ومعنى كُتب فُرض ، وكان هذا الحكمُ في بدء الإسلام ثم نسخ عند نزول آيةِ المواريثِ ، بقوله عليه السلام : « إنّ الله قد أعطى كلَّ ذي حق حقَّه ألا لا وصيةَ لوارثٍ » فإنه وإن كان من أخبار الآحادِ لكن حيثُ تلقته الأمةُ بالقَبول انتظم في سلك المتواتِر في صلاحيته للنسخ عند الحنفيةِ على أن التحقيقَ أن الناسخَ حقيقةً هي آيةُ المواريث ، وإنما الحديثُ مُبيّنٌ لجهة نسخِها ببيانِ أنه تعالى كان قد كتب عليكم أن تؤدوا إلى الوالدين والأقربين حقوقَهم بحسب استحقاقهم من غير تبيين لمراتب استحقاقِهم ولا تعيين لمقادير أنصبائِهم بل فوض ذلك إلى آرائكم حيث قال : { بالمعروف } أي بالعدْل ، فالآن قد رَفَعَ ذلك الحُكمَ عنكم لتبيين طبقاتِ استحقاقِ كلِّ واحدٍ منهم وتعيينِ مقاديرِ حقوقِهم بالذات وأعطى كلَّ ذي حق منهم حقه الذي يستحقه بحكم القرابة من غير نقصٍ ولا زيادة ولم يدَعْ ثمةَ شيئاً فيه مدخلٌ لرأيكم أصلاً حسبما تُعرِب عنه الجملةُ المنفيَّةُ بلا النافية للجنس وتصديرُها بكلمة التنبيه ، إذا تحققتَ هذا ظهر لك أن ما قيل مِنْ أن آيةَ المواريثِ لا تعارضُه بل تحقِّقه وتؤكّدُه من حيث إنها تدلُ على تقديمِ الوصيةِ مطلقاً والحديثُ من الآحاد ، وتلقّي الأمةِ إياه بالقَبول لا يُلحِقُه بالمتواتر ولعله احترَز عنه مَنْ فسَّر الوصيةَ بما أوصى به الله عز وجل من توريثِ الوالدَيْن والأقرَبين بقوله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله } أو بإيصاءِ المُحتَضَرِ لهم بتوفير ما أوصى به الله تعالى عليهم بمعزلٍ من التحقيق وكذا ما قيل من أن الوصيةَ للوارث كانت واجبةً بهذه الآية من غير تعيينٍ لأنصبائهم فلما نزلت آيةُ المواريثِ بياناً للأنصباء بلفظ الإيصاءِ فُهم منها بتنبيه النبي صلى الله عليه وسلم أن المرادَ منه هذه الوصيةُ التي كانت واجبة ، كأنه قيل : إن الله تعالى أوصى بنفسه تلك الوصيةَ ولم يُفَوِّضْها إليكم فقام الميراثُ مقامَ الوصيةِ فكان هذا معنى النسخِ لا أن فيها دلالةً على رفع ذلك الحُكمِ ، فإن مدلولَ آيةِ الوصيةِ حيث كان تفويضاً للأمر إلى آراء المكلَّفين على الإطلاق وتسنّي الخروجِ عن عُهدة التكليف بأداءِ ما أدَّى إليه آراؤُهم بالمعروف ، فتكون آيةُ المواريثِ الناطقةِ بمراتب الاستحقاقِ وتفاصيل مقاديرِ الحقوقِ القاطعةِ بامتناعِ الزيادةِ والنقصِ بقوله تعالى : { فَرِيضَةً مّنَ الله } ناسخةً لها رافعةً لحُكمها مما لا يَشتبهُ على أحد ، وقولُه تعالى : { حَقّا عَلَى المتقين } مصدرٌ مؤكد أي حَقَّ ذلك حقاً . (1/248)
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)
{ فَمَن بَدَّلَهُ } أي غيَّره من الأوصياء والشهود { بَعْدِ مَا سَمِعَهُ } أي بعد ما وصل إليه وتحقّق لديه { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ } أي إثمُ الإيصاءِ المُغيِّر أو إثمُ التبديل { عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ } لأنهم خانوا وخالفوا حكمَ الشرعِ ، ووضعُ الموصولِ في موضع الضميرِ الراجعِ إلى ( مَنْ ) لتأكيد الإيذان بعِلّية ما في حيز الصلة الأولى ، وإيثارُ الجمعِ للإشعار بتعدُّد المبدّلين أنواعاً أو كثرتِهم أفراداً والإيذانِ بشمول الإثمِ لجميع الأفراد { إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } وعيدٌ شديد للمبدلين . (1/249)
فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)
{ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ } أي توقعَ وعلِم من قولهم أخاف أن يُرسِلَ السماءَ وقرىء من مُوَصَ { جَنَفًا } أي ميلاً بالخطأ في الوصية { أَوْ إِثْماً } أي تعمداً للجنف { فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } أي بين الموصى لهم بإجرائهم على منهاج الشريعةِ الشريفةِ { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } أي في هذا التبديل لأنه تبديلُ باطلٍ إلى حق بخلاف الأول { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وعدٌ للمُصْلِح ، وذكرُ المغفرة لمطابقة ذكرِ الإثم وكونِ الفعل من جنس ما يُؤثِم { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } بيان لحكمٍ آخرَ من الأحكام الشرعية وتكريرُ النداء لإظهارِ مزيدِ الاعتناءِ ، والصيامُ والصومُ في اللغة الإمساك عما تُنازِعُ إليه النفسُ ومنه قوله تعالى : { إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ } الآية ، وقيل : هو الإمساك عن الشيء مطلقاً ومنه صامت الريحُ إذا أمسكت عن الهبوب ، والفرسُ إذا أمسكت عن العدْو قال : (1/250)
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمة ... تحت العَجاجِ وأُخرى تعلِكُ اللُّجُما
وفي الشريعة هو الإمساكُ نهاراً مع النية عن المفطِرات المعهودة التي هي معظمُ ما تشتهيه الأنفس { كَمَا كُتِبَ } في حيِّز النصبِ على أنه نعتٌ للمصدر المؤكَّد أي كتاباً كائناً كما كُتب أو على أنه حالٌ من المصدر المعْرِفة أي كتب عليكم الصيامُ الكَتْبَ مُشْبَهاً بما كُتب فما على الوجهين مصدريةٌ أو على أنه نعتٌ لمصدر من لفظ الصيام أي صوماً مماثلاً للصوم المكتوبِ على مَنْ قبلَكم فما موصولةٌ أو على أنه حال من الصيام أي حالَ كونِه مماثلاً لما كتِب { عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ } من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأممِ من لدُنْ آدمَ عليه السلام وفيه تأكيدٌ للحكم وترغيبٌ فيه وتطييبٌ لأنفس المخاطبين به فإن الشاقَّ إذا عمّ سهُل عملُه ، والمرادُ بالمماثلة إما المماثلةُ في أصل الوجوب ، وإما في الوقت والمقدار كما رُوي أن صومَ رمضانَ كان مكتوباً على اليهود والنصارى ، أما اليهودُ فقد تركتْه وصامَتْ يوماً من السنة زعَموا أنه يومَ غرِقَ فرعونُ وكذبوا في ذلك فإنه كان يومَ عاشورا ، وأما النصارى فإنهم صاموا رمضانَ حتى صادفوا حرّاً شديداً فاجتمعت آراءُ علمائهم على تعيين فصلٍ واحدٍ بين الصيف والشتاء فجعلوه في الربيع وزادوا عليه عشَرةَ أيامِ كفارةً لما صنعوا فصار أربعين ثم مرِضَ ملكُهم أو وقع فيهم موتٌ فزادوا عشرةَ أيامٍ فصار خمسين { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي المعاصيَ فإن الصومَ يكسِرُ الشهوةَ الداعيةَ إليها كما قال عليه الصلاة والسلام : « فعليه بالصومِ فإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ » أو تتقون الإخلالَ بأدائه لأصالته أو تصِلون بذلك إلى رتبة التقوى .
{ أَيَّامًا معدودات } مؤقتاتٍ بعدد معلومٍ أو قلائلَ فإن القليلَ من المال يُعدّ عداً والكثير يُهال هَيْلاً والمرادُ بها إما رمضانُ أو ما وجب في بدء الإسلام ثم نُسخ به من صوم عاشوراءَ وثلاثةِ أيامٍ من كل شهر ، وانتصابُه ليس بالصيام كما قيل لوقوع الفصلِ بينهما بأجنبي ، بل بمضمرٍ دل هو عليه أعني صوموا إما على الظرفية أو المفعولية اتساعاً وقيل : بقوله تعالى :
{ كتاب } على أحد الوجهين وفيه أن الأيامَ ليست محلاً له بل للمكتوب فلا تتحققُ الظرفيةُ ولا المفعولية المتفرِّعةُ عليها اتساعاً { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } أي مرَضاً يضُره الصومُ أو يعسُر معه { أَوْ على سَفَرٍ } مستمرّين عليه ، وفيه تلويحٌ ورمزٌ إلى أن من سافر في أثناء اليوم لم يُفطر { فَعِدَّةٌ } أي فعليه صومُ عدةِ أيامِ المرضِ والسفر { مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } إن أفطر ، فحُذِفَ الشرطُ والمضافُ ثقةً بالظهور ، وقرىء بالنصب أي فليصُم عِدةً وهذا على سبيل الرخصة وقيل : على وجوب وإليه ذهب الظاهرية وبه قال أبو هريرة رضي الله عنه { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } أي وعلى المُطيقين للصيام إن أفطروا { فِدْيَةٌ } أي إعطاءَ فديةٍ وهي { طَعَامُ مساكين } وهو نصفُ صاعٍ من بُرِّ أو صاعٌ من غيره عند أهل العراق ، ومُدٌّ عند أهل الحجاز وكان ذلك في بدء الإسلامِ لما أنه قد فُرض عليهم الصومُ وما كانوا متعوِّدين له فاشتد عليهم فرُخِّص لهم في الإفطار والفِدية ، وقرىء يطوقونه أي يكلَّفونه أو يُقلَّدونه ويتطوَّقونه ويطَّوَقونه بإدغام التاء في الطاء ويَطَّيّقونه ويطوقونه بمعنى يتطيقونه وأصلهما يطَّيْوَقونه ويتطوَّقونه من فيعل وتفيعل من الطوْق فأُدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كقولهم : تدبّر المكان وما بها ديّار ، وفيه وجهان أحدُهما نحوُ معنى يُطيقونه والثاني يكلَّفونه أو يَتَكلفونه على جهدٍ منهم وعُسر وهم الشيوخُ والعجائزُ وحكمُ هؤلاءِ الإفطارُ والفديةُ وهو حينئذ غيرُ منسوخٍ ، ويجوز أن يكون هذا معنى يطيقونه أو يصومونه جهدَهم وطاقتَهم ومبلغَ وسعهم { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } فزاد في الفدية { فَهُوَ } أي التطوُّعُ أو الخيرُ الذي تطوَّعه { خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ } أيها المُطيقون أو المُطوِّقون وتحمِلوا على أنفسكم وتجهَدوا طاقتَكم أو المرَخَّصون في الإفطار من المرضى والمسافرين { خَيْرٌ لَّكُمْ } من الفدية أو من تطوُّعَ الخير أو منهما أو من التأخير إلى أيام أُخَرَ ، والالتفاتُ إلى الخطاب للهز والتنشيط { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي ما في صومِكم مع تحقّق المبيحِ للإفطار من الفضيلة ، والجوابُ محذوفٌ ثقةً بظهوره أي اخترتموه أو سارعتم إليه وقيل : معناه إن كنتم من أهلِ العلمِ والتدبُّر علمتم أن الصومَ خيرٌ من ذلك . (1/251)
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)
{ شَهْرُ رَمَضَانَ } مبتدأٌ سيأتي خبرُه أو خبرٌ لمبتدإٍ محذوف ، أي ذلك شهرُ رمضانَ أو بدلٌ من الصيام على حذف المضافِ أي صيامُ شهرِ رمضانَ وقرىء بالنصب على إضمار صُوموا أو على أنه مفعولُ تصوموا أو بدلٌ من ( أياماً معدودات ) ورمضانُ مصدرُ رمِضَ أي احترق من الرمضاء فأضيفَ إليه الشهرُ وجُعل علماً ومُنع الصرفَ للتعريف والألفِ والنون كما قيل : ابنُ دأْيةَ للغراب فقولُه عليه السلام : « من صام رمضانَ » الحديثُ واردٌ على حذف المضافِ للأمن من الالتباس وإنما سُمِّي بذلك إما لارتماضِهم فيه من الجوع والعطشِ وإما لارتماض الذنوب بالصيام فيه أو لوقوعه في أيام رَمَضِ الحرِّ عند نَقْل أسماء الشهور عن اللغة القديمة { الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن } خبرٌ للمبتدأ على الوجه الأول وصفةٌ لشهر رمضانَ على الوجوه الباقية ، ومعنى إنزالِه فيه أنه ابتُدىء إنزالُه فيه وكان ذلك ليلةَ القدرِ ، أو أنزل فيه جملةَ إلى السماء الدنيا ثم نزل مُنَجَّماً إلى الأرض حسبما تقتضيه المشيئةُ الربانية أو أُنزل في شأنه القرآنُ وهو قولُه عز وجل : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « نزلتْ صحفُ إبراهيمَ أولَ ليلةٍ من رمضانَ وأُنزلت التوراةُ لستٍ مضَيْن منه والإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ منه ، والقرآنُ لأربع وعشرين » { هُدًى لّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان } حالان من القرآن أي أُنزل حال كونه هدايةً للناس بما فيه من الإعجاز وغيرِه وآياتٍ واضحةٍ مرشدةً إلى الحق فارقةً بينه وبين الباطل بما فيه من الحُكم والأحكام { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ } أي حضرَ فيه ولم يكن مسافراً ، ووضعُ الظاهر موضعَ الضمير للتعظيم والمبالغة في البيان ، والفاءُ للتفريعِ والترتيب ، أو لتضمُّن المبتدإ معنى الشرط ، أو زائدةٌ على تقدير كونِ ( شهرُ رمضانَ ) مبتدأً والموصولُ صفة له ، وهذه الجملةُ خبرٌ له وقيل : هي جزائية كأنه قيل : لما كُتب عليكم الصيامُ في ذلك الشهر فمنْ حضَرَ فيه { فَلْيَصُمْهُ } أي فليصم فيه بحذف الجار وإيصالِ الفعل إلى المجرور اتساعاً وقيل : من شهد منكم هلالَ الشهرِ فليصمْه على أنه مفعولٌ به كقولك : شهِدتُ الجمعةَ أي صلاتها فيكونُ ما بعده مخصِّصاً له كأنه قيل : { وَمَن كَانَ مَرِيضًا } وإن كان مقيماً حاضِراً فيه { أَوْ على سَفَرٍ } وإن كان صحيحاً { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } أي فعليه صيامُ أيامٍ أخَرَ لأن المريضَ والمسافرَ ممن شهد الشهرَ ، ولعل التكريرَ لذلك أو لئلا يُتَوَهم نسخُه كما نُسخ قرينُه { يُرِيدُ الله } بهذا الترخيص { بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } لغاية هي رأفتُه وسعةُ رحمتِه { وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } تعليلٌ لفعلٍ محذوف يدلُّ عليه ما سبق أي ولهذه الأمورِ شُرِعَ ما مرَّ من أمرِ الشاهد بصوْمِ الشهر وأمرِ المرخَّص لهم بمراعاة عدةِ ما أَفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر ، فقوله تعالى : { لتكملوا } علةُ الأمر بمراعاة العِدة ولتكبروا علةُ ما عَلِمه من كيفية القضاء ، { هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علةُ الترخيص والتيسيرِ ، وتعديةُ فعل التكبير بعلى لتضمُّنه معنى الحمد كأنه قيل : ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم ، ويجوز أن تكون معطوفةً على علة مقدرةٍ مثلُ ليُسهل عليكم أو لتعلموا ما تعملون ولتكملوا الخ ويجوز عطفُها على ( اليُسرَ ) أي يريد بكم لتكملوا الخ كقوله تعالى : (1/252)
{ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ } الخ والمعنى بالتكبير تعظيمُه تعالى بالحمد والثناءِ عليه ، وقيل : تكبيرُ يومِ العيد وقيل : التكبيرُ عند الإهلال ، و ( ما ) تحتمل المصدرية والموصولة أي على هدايته إياكم أو على الذي هداكم إليه وقرىء ولِتُكَمِّلوا بالتشديد . (1/253)
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)
{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي } في تلوين الخطابِ وتوجيهِه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من تشريفِه ورفعِ محله { فَإِنّي قَرِيبٌ } أي فقل لهم إني قريبٌ وهو تمثيلٌ لكمال علمِه بأفعال العبادِ وأقوالِهم واطلاعِه على أحوالهم بحال من قُرب مكانُه ، رُوي أن أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أقريبٌ ربُّنا فنتاجيَه أم بعيدٌ فنناديَه؟ فنزلت { أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ } تقريرٌ للقُرب وتحقيقٌ له ووعدٌ للداعي بالإجابة { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى } إذا دعوتُهم للإيمان والطاعةِ كما أجيبهم إذا دعَوْني لمُهمّاتهم { وَلْيُؤْمِنُواْ بِى } أمرٌ بالثبات على ما هم عليه { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } راجين إصابةَ الرُشْد أي الحقِّ وقرىء بفتح الشين وكسرِها ، ولمّا أمرهم الله تعالى بصوم الشهرِ ومراعاةِ العِدةِ وحثَّهم على القيام بوظائفِ التكبير والشكرِ عقّبه بهذه الآيةِ الكريمةِ الدالةِ على أنه تعالى خبيرٌ بأحوالهم سميعٌ لأقوالهم مجيبٌ لدعائهم مجازيهم على أعمالهم تأكيداً له وحثاً عليه ثم شرَع في بيان أحكام الصيام فقال : (1/254)
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)
{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ } رُوي : «أن المسلمين كانوا إذا أمسَوْا حلَّ لهم الأكلُ والشربُ والجِماعُ إلى أن يُصلّوا العشاءَ الأخيرة أو يرقُدوا ، ثم أن عمرَ رضي الله عنه باشر بعد العِشاء فندِم ، وأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم واعتذر إليه فقام رجالٌ فاعترفوا بما صنعوا بعد العِشاء فنزلت» وليلةُ الصيام الليلةُ التي يصبِحُ منها صائماً والرفثُ كنايةٌ عن الجماع لأنه لا يكاد يخلو من رفث ، وهو الإفصاحُ بما يجب أن يكنَّى عنه ، وعُدِّي بإلى لتضمُّنه معنى الإفضاءِ والإنهاء ، وإيثارُه ههنا لاستقباح ما ارتكبوه ولذلك سمِّي خيانةً وقرىء الرُفوث ، وتقديمُ الظرف على القائم مقامَ الفاعل لما مرَّ مراراً من التشويق فإن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقبةً إليه فيتمكن وقتَ ورودِه فضلَ تمكن { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } استئنافٌ مبينٌ لسبب الإحلالِ وهو صعوبةُ الصبر عنهنّ مع شِدة المخالطة وكَثرةِ الملابَسة بهن ، وجُعل كلٌّ من الرجل والمرأة لِباساً للآخرَ لاعتناقهما واشتمال كلَ منهما على الآخر بالليل قال : (1/255)
إذا ما الضجيعُ ثَنَى عِطفَها ... تثنَّتْ فكانت عليه لِباساً
أو لأن كلاً منهما يستُر حالَ صاحبِه ويمنعُه من الفجور { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } استئنافٌ آخرُ مبين لما ذُكر من السبب ، والاختيانُ أبلغُ من الخيانة كالاكتساب من الكسْب ، ومعنى تختانون تظلِمونها بتعريضها للعقاب وتنقيصِ حظَّها من الثواب { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } عطفٌ على علِم أي تابَ عليكم لما تُبتم مما اقترفتموه { وَعَفَا عَنكُمْ } أي محا أثرَه عنك { فالن } لما نُسخ التحريمُ { باشروهن } المباشرةُ إلزاقُ البَشَرة بالبَشَرة كُنِّي بها عن الجماع الذي يستلزِمُها وفيه دليلٌ على جواز نسخِ الكتاب للسنة { وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } أي واطلُبوا ما قدّره الله لكم وقرَّره في اللوحِ من الوَلدِ وفيه أن المباشِرَ ينبغي أنْ يكونَ غرضُه الولدَ فإنه الحكمةُ في خلق الشهوةِ وتشريعِ النكاحِ لا قضاءِ الشهوة ، وقيل : فيه نهيٌ عن العَزْل وقيل : عن غير المأتيّ ، والتقديرُ وابتغوا المحلَ الذي كُتب لكم { وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الابيض مِنَ الخيط الاسود مِنَ الفجر } شبَّه أولَ ما يبدو من الفجر المعترِض في الأفق وما يمتدّ معه من غَلَس الليل بخيطين أبيضَ وأسودَ ، واكتُفي ببيان الخيط الأبيض بقوله تعالى : { مِنَ الفجر } عن بيان الخيطِ الأسودِ لدلالته عليه وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل ويجوز أن يكون ( من ) للتبعيض فإن ما يبدو بعضُ الفجر وما رُوي من أنها نزلت ولم ينزلْ من الفجر فعمَد رجالٌ إلى خيطين أبيضَ وأسودَ وطفِقوا يأكلون ويشربون حتى يتبيَّنا لهم ، فنزلت فلعل ذلك كان قبل دخولِ رمضانَ وتأخيرُ البيان إلى وقت الحاجة جائزاً ، واكتُفي أولاً باشتهارهما في ذلك ثم صُرِّح بالبيان لما التَبَس على بعضهم ، وفي تجويز المباشرةِ إلى الصبح دلالةٌ على جواز تأخيرِ الغُسل إليه وصحةِ صومِ من أصبح جُنباً { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل } بيانٌ لآخِرِ وقتِه { وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد } أي معتكِفون فيها والمرادُ بالمباشرة الجِماعُ .