صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وفي هذين الوجهين زيادةُ مبالغةٍ في إعراضهم عما في التوراة من دلائل النبوة . هذا وإن أريد بما نبذوه من كتاب الله القرآنَ فالمرادُ بالعلم المنفيِّ في قوله تعالى : { كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } هو العلمُ بأنه كتابُ الله ففيه ما في الوجه الأول من الإشعار بأنهم مُتيقِّنون في ذلك ، وإنما يكفُرون به مكابرةً وعِناداً .
قيل إن جيل اليهود أربعُ فرقٍ : ففِرقةٌ آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهلِ الكتاب وهم الأقلون المشارُ إليهم بقوله عز وجل : { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } وفِرقةٌ جاهروا بنبذ العهودِ وتعدّي الحدود تمرُّداً وفسُوقاً وهم المعنيُّون بقوله تعالى : { نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم } وفِرقةٌ لم يجاهروا بنبذها لجهلهم بها وهم الأكثرون ، وفِرقةٌ تمسكوا بها ظاهراً ونبذوها خُفْيةً وهم المتجاهلون .

(1/171)


وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)

{ واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين } عطفٌ على جواب ( لما ) أي نبذوا كتابَ الله واتبعوا كتبَ السَحَرة التي كانت تقرؤها الشياطين وهم المتمرِّدون من الجن ، و ( تتلو ) حكايةُ حالٍ ماضيةٍ والمرادُ بالاتباع التوغلُ والتمحُّض فيه والإقبال عليه بالكلية ، وإلا فأصلُ الاتباعِ كان حاصلاً قبل مجيءِ الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يتسنّى عطفُه على جواب لما ولذلك قيل : هو معطوف على الجملة ، وقيل : على على أُشربوا { على مُلْكِ سليمان } أي في عهد مُلكِه قيل : كانت الشياطينُ يسترقون السمعَ ويضُمُّون إلى ما سمِعوا أكاذيبَ يُلفِّقونها ويُلْقونها إلى الكهنة وهم يدوِّنونها ويعلّمونها الناسَ وفشا ذلك في عهد سليمانَ عليه السلام حتى قيل : إن الجن تعلم الغيب ، وكانوا يقولون هذا عِلمُ سليمان وما تم له مُلكُه إلا بهذا العلم ، وبه سَخَّر الإنسَ والجنّ والطيرَ والريحَ التي تجري بأمره ، وقيل : إن سليمانَ عليه السلام كان قد دفنَ كثيراً من العلوم التي خصّه الله تعالى بها تحت سريرِ مُلكه فلما مضت على ذلك مدةٌ توصَّل إليها قومٌ من المنافقين فكتبوا في خلال ذلك أشياءَ من فنون السحرِ تناسب تلك الأشياءَ المدفونةَ من بعض الوجوه ، ثم بعد موته واطلاعِ الناس على تلك الكتبِ أوهموهم أنه من عملِ سُليمانَ عليه السلام وأنه ما بلغ هذا المبلغَ إلا بسبب هذه الأشياء .
{ وَمَا كَفَرَ سليمان } تنزيهٌ لساحته عليه السلام عن السحر وتكذيبٌ لمن افترى عليه بأنه كان يعتقده ويعمل به ، والتعرُّضُ لكونه كُفراً للمبالغة في إظهار نزاهتِه عليه السلام وكذِبِ باهِتيهِ بذلك { ولكن الشياطين } وقرىء بتخفيف ( لكنّ ) ورفع الشياطين ، والواو عاطفةٌ للجملة الاستدراكية على ما قبلها ، وكونُ المخففة عند الجمهور للعطف إنما هو عند عدم الواو وكون ما بعدها مفرداً { كَفَرُواْ } باستعمال السحر وتدوينِه { يُعَلّمُونَ الناس السحر } إغواءً وإضلالاً ، والجملةُ في محل النصبِ على الحالية من ضمير كفروا أو من الشياطين فإن ما في ( لكنّ ) من رائحة الفعل كافٍ في العمل في الحال أو في محل الرفع على أنه خبرٌ ثانٍ للكنّ أو بدلٌ من الخبر الأول ، وصيغةُ الاستقبال للدَلالة على استمرار التعليمِ وتجدُّدِه أو جملةٌ مستأنفة . هذا على تقدير كونِ الضميرِ للشياطين وأما على تقدير رجوعِه إلى فاعل اتبعوا فهي إما حالٌ منه وإما استئنافيةَ فحسب واعلم أن السحرَ أنواعٌ منها سحْرَ الكَلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبُدون الكواكبَ ويزعُمون أنها هي المدبِّرةُ لهذا العالم ومنها تصدرُ الخيراتُ والشرورُ والسعادةُ والنحوسةُ ، ويستحدثون الخوارقَ بواسطة تمزيج القُوى السماوية بالقوى الأرضية وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام لإبطال مقالتهم وهم ثلاثُ فِرقٍ ففِرقةٌ منهم يزعُمون أن الأفلاكَ والنجومَ واجبةُ الوجود لذواتها وهم الصابئة ، وفرقةٌ يقولون بإلهية الأفلاكِ ويتخذون لكل واحدٍ منها هيكلاً ويشتغلون بخدمتها وهم عبَدَةُ الأوثان ، وفرقة أثبتوا للأفلاك وللكواكب فاعلاً مختاراً لكنهم قالوا إنه أعطاها قوةً عالية نافذةً في هذا العالم وفَوَّضَ تدبيرَه إليها ، ومنها سحْرَ أصحابِ الأوهام والنفوسِ القوية فإنهم يزعُمون أن الإنسانَ تبلُغُ روحُه بالتصفية في القوة والتأثير إلى حيث يقدِرُ على الإيجاد والإعدام والإحياءِ والإماتةِ وتغييرِ البُنية والشكل ، ومنها سحرُ من يستعين بالأرواحِ الأرضيةِ وهو المسمّى بالعزائم .

(1/172)


وتسخيرِ الجن ، ومنها التخييلاتُ الآخذة بالعيون وتسمَّى الشَّعْوذةَ .
ولا خلاف بين الأمة في أن من اعتقد الأول فقد كفر وكذا من اعتقد الثانيَ وهو سحرُ أصحاب الأوهامِ والنفوسِ القويةِ وأما من اعتقد أن الإنسان يبلُغ بالتصفية وقراءةِ العزائم والرقى إلى حيث يخلق الله سبحانه وتعالى عَقيبَ ذلك على سبيل جَرَيان العادةِ بعضَ الخوارق فالمعتزلةُ اتفقوا على أنه كافر ، لأنه لا يمكنه بهذا الاعتقاد معرفةُ صدقِ الأنبياءِ والرسلِ بخلاف غيرهم ، ولعل التحقيق أن ذلك الإنسانَ إن كان خيِّراً متشرِّعاً في كل ما يأتي ويذر وكان من يستعين به من الأرواح الخيِّرة وكانت عزائمُه ورُقاه غيرَ مخالفةٍ لأحكام الشريعة الشريفةِ ولم يكن فيما ظهَرَ في يده من الخوارق ضررٌ شرعيٌّ لأحد فليس ذلك من قبيل السحر ، وإن كان شرِّيراً غيرَ متمسِّكٍ بالشريعة الشريفة فظاهرٌ أن من يستعين به من الأرواحِ الخبيثةِ الشريرة لا محالة ، ضرورةَ امتناعِ تحقق التضامن والتعاون بينهما من غير اشتراك في الخبث والشرارة فيكون كافراً قطعاً ، وأما الشعوذةُ وما يجري مجراها من إظهار الأمور العجيبةِ بواسطة ترتيبِ الآلات الهندسيةِ وخِفة اليد والاستعانة بخواصِّ الأدوية والأحجارِ فإطلاقُ السحر عليها بطريق التجوزِ أو لما فيها من الدقة لأنه في الأصل عبارةٌ عن كل ما لَطُف مأخذُه وخفيَ سببُه أو من الصرْف عن الجهة المعتادة لما أنه في أصل اللغة الصرفُ على ما حكاه الأزهري عن الفراء ويونس { وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين } عطفٌ على السحر أي ويعلمونهم ما أنزل عليهما ، والمرادُ بهما واحد ، والعطفُ لتغاير الاعتبارِ أو هو نوعٌ أقوى منه أو على ما تتلو وما بينهما اعتراضٌ أي واتَّبعوا ما أنزل الخ وهما ملكانِ أنزلا لتعليم السحر ابتلاءً من الله للناس كما ابتليَ قومُ طالوتَ بالنهر أو تمييزاً بينه وبين المعجزة لئلا يغترَّ به الناسُ أو لأن السحرَة كثُرتْ في ذلك الزمان واستنبطتْ أبواباً غريبةً من السحر وكانوا يدّعون النبوةَ فبعث الله تعالى هذين الملكينِ ليعلّما الناسَ أبوابَ السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكذابين وإظهارِ أمرِهم على الناس . وأما ما يُحكى من أن الملائكة عليهم السلام لما رأَوْا ما يصعَد من ذنوب بني آدمَ عيّروهم ، وقالوا لله سبحانه : هؤلاء الذين اخترتَهم لخلافة الأرضِ يعصونك فيها فقال عز وجل : لو ركّبتُ فيكم ما ركبتُ فيهم لعصيتموني ، قالوا : سبحانك ما ينبغي لنا أن نعصيَك قال تعالى : فاختاروا من خياركم ملكين فاختاروا هاروتَ وماروتَ وكانا من أصلحهم وأعبدِهم فأُهبطا إلى الأرض بعد ما ركب فيهما ما ركب في البشر من الشهوة وغيرها من القوة ليقضيا بين الناس نهاراً ويعرُجا إلى السماء مساءً وقد نُهيا عن الإشراك والقتل بغير الحق وشرب الخمر والزنا وكانا يقضيان بينهم نهاراً فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم فصَعِدا إلى السماء فاختصمت إليهما ذاتَ يوم امرأةٌ من أجمل النساءِ تسمّى «زهرةَ» وكانت من لَخْم وقيل : كانت من أهل فارسَ ملكةً في بلدها وكانت خصومتها مع زوجها فلما رأياها افتُتنا بها فراوداها عن نفسها فأبت فألحا عليها فقالت : لا إلا أن تقضيا لي على خصمي ، ففعلا ، ثم سألاها ما سألا ، فقالت : لا إلا أن تقتُلاه ففعلا ، ثم سألاها ما سألا فقالت : لا إلا أن تشربا الخمرَ وتسجدا للصَّنم ففعلا كلاً من ذلك بعد اللتيا والتي ثم سألاها ما سألا فقالت : لا إلا أن تعلماني ما تصعَدانِ به إلى السماء فعلماها الاسمَ الأعظم فدعَتْ به وصعِدَتْ إلى السماء فمسخها سبحانه كوكباً فهمّا بالعروج حسب عادتهما فلم تطِعْهما أجنحتُهما فعلما ما حل بهما ، وكانا في عهد إدريس عليه السلام فالتجأا إليه ليشفَعَ لهما ففعل فخيّرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا الأول لانقطاعه عما قليل فهما معذبان ببابلَ قيل : معلقان بشعورهما وقيل : منكوسان يُضربان بسياطِ الحديد إلى قيام الساعة فمما لا تعويل عليه لما أن مدارَه روايةُ اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقلِ ، ولعله من مقولة الأمثال والرموز التي قصد بها إرشادُ اللبيب الأريبِ بالترغيب والترهيب وقيل : هما رجلان سُمِّيا ملكين لصلاحهما ويعضُده قراءة الملِكين بالكسر { بِبَابِلَ } الباء بمعنى في وهي متعلقةٌ بأنزل أو بمحذوف وقع حالاً من الملكين أو من الضمير في أنزل وهي بابلُ العراق ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : بَابِلُ أرضُ الكوفة وقيل : جبلُ دماوند ومَنعَ الصرفَ العجمةُ والعَلَمية أو للتأنيث والعلمية { هاروت وماروت } عطفُ بيان للملكين علمان لهما ومُنِعَ صرفُهما للعجُمة والعلمية ، ولو كانا من الهرْت والمرْت بمعنى الكسر لانصرفا ، وأما من قرأ الملِكين بكسر اللام أو قال كانا رجلين صالحين فقال : هما اسمان لهما وقيل : هما اسما قبيلتين من الجن هما المرادُ من الملِكين بالكسر وقرىء بالرفع على هما هاروت ، وماروت { وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ } مِنْ مزيدة في المفعول به لإفادة تأكيد الاستغراقِ الذي يفيده ( أحدٍ ) لا لإفادة نفس الاستغراق كما في قولك : ما جاءني من رجل ، وقرىء يُعْلِمانِ من الإعلام { حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } الفتنةُ الاختبارُ والامتحانُ وإفرادُها مع تعدّدهما لكونها مصدراً ، وحملُها عليهما مواطأةٌ للمبالغة كأنهما نفسُ الفتنة ، والقصرُ لبيان أنه ليس لهما فيما يتعاطيَانِه شأنٌ سواها لينصرِفَ الناسُ عن تعلّمه أي وما يُعلّمان ما أنزل عليهما من السحر أحداً من طالبيه حتى ينصَحاه قبل التعليم ويقولا له إنما نحن فتنةٌ وابتلاء من الله عز وجل فمن عمِل بما تعلم منا واعتقد حقّيته كفَر ، ومن تَوقَّى عن العمل به أو اتخذه ذريعةً للاتقاءِ عن الاغترار بمثله بقيَ على الإيمان { فَلاَ تَكْفُرْ } باعتقاد حقّيتهِ وجوازِ العمل به ، والظاهرُ أن غاية النفي ليست هذه المقالةَ فقط بل من جملتها التزامُ المخاطب بموجب النهي لكن لم يُذكَرْ لظهُوره ، وكونِ الكلامِ في بيان اعتناءِ الملكين بشأن النُصح والإرشاد ، والجملةُ في محل النصب على الحالية من ضمير يعلمون لا معطوفةٌ عليه كما قيل أي ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناسَ السحرَ وما أنزل على الملكين ويحمِلونهم على العمل به إغواءً وإضلالاً ، والحال أنهما ما يعلمان أحداً حتى ينهيَاهُ عن العمل به والكفرِ بسببه ، وأما ما قيل من أن ( ما ) في قوله تعالى : { وَمَا أَنَزلَ } الخ نافيةٌ والجملةُ معطوفةٌ على قوله تعالى : { وَمَا كَفَرَ سليمان } جيء بها لتكذيب اليهودِ في القصة أي لم يُنزَّل على الملكين إباحةُ السحر ، وأن هاروتَ وماروتَ بدلٌ من الشياطين على أنهما قبيلتان من الجن خُصتا بالذكر لأصالتهما وكونِ باقي الشياطينِ أتباعاً لهما وأن المعنى ما يعلّمان أحداً حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفرْ فتكونَ مثلَنا فيأباه أن مقام وصفِ الشياطين بالكفر وإضلال الناس مما لا يلائمه وصفُ رؤسائهم بما ذكر من النهي عن الكفر مع ما فيه من الإخلال بنظام الكلامِ فإن الإبدالَ في حُكم تنحيةِ المبدَل منه { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا } عطفٌ على الجملة المنفية فإنها في قوة المثبتة كأنه قيل : يعلمانهم بعد قولِهما إنما نحن الخ والضميرُ لأحدٍ حملا على المعنى كما في قوله تعالى :

(1/173)


{ فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين } { مَا يُفَرّقُونَ بِهِ } أي بسببه وباستعماله { بَيْنَ المرء } وقرىء بضم الميم وكسرِها مع الهمزة وتشديد الراء بلا همزة { وَزَوْجِهِ } بأن يُحدث الله تعالى بينهما التباغضَ والفركَ والنشوزَ عندما فعلوا ما فعلوا من السحر على حسب جري العادةِ الإلهية من خلق المسبَّبات عقيب حصول الأسباب العاديةِ ابتلاءً لا أن السحرَ هو المؤثرُ في ذلك وقيل : فيتعلمون منهما ما يعملون به فيراه الناسُ ويعتقدون أنه حق فيكفرون فتَبينُ أزواجهم { وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ } أي بما تعلّموه واستعملوه من السحر { مّنْ أَحَدٍ } أي أحداً ومن مزيدة كما ذكر في قوله تعالى : والمعهود وإن كان زيادتها في معمول فعلٍ منفي إلا أنه حُملت الاسميةُ في ذلك على الفعلية كأنه قيل : وما يضرون به من أحد { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } لأنه وغيرَه من الأسباب بمعزل من التأثير بالذات وإنما هو بأمره تعالى فقد يُحدِث عند استعمالهم السحرَ فعلاً من أفعاله ابتلاءً ، وقد لا يُحدِثه والاستثناءُ مفرَّغٌ والباء متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من ضمير ضارِّين أو من مفعوله وإن كان نكرةً لاعتمادها على النفي أو الضمير المجرورِ في به أي وما يُضرون به أحداً إلا مقروناً بإذن الله تعالى وقرىء بضارِّي على الإضافة بجعل الجارِّ جزءاً من المجرور وفصلِ ما بين المُضافين بالظرف { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ } لأنهم يقصِدون به العمل أو لأن العلم يجرُّ إلى العَمل غالباً { وَلاَ يَنفَعُهُمْ } صرح بذلك إيذاناً بأنه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضرر بل هو شرٌّ بحتٌ وضررٌ محضٌ لأنهم لا يقصدون به التخلّصَ عن الاغترار بأكاذيبِ من يدّعي النبوةَ مثلاً من السَحَرة أو تخليصَ الناس منه حتى يكون فيه نفعٌ في الجملة وفيه أن الاجتنابَ عما لا يؤمن غوائلُه خيرٌ كتعلم الفلسفةِ التي يؤمن أن تجُرَّ إلى الغواية وإن قال من قال :

(1/174)


عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ لكنْ لتوقِّيه ... ومن لا يعرِفِ الشرَّ من الناس يقَعْ فيهِ
{ وَلَقَدْ عَلِمُواْ } أي اليهود الذين حُكِيت جناياتُهم { لَمَنِ اشتراه } أي استبدلَ ما تتلو الشياطينُ بكتاب الله عز وجل واللامُ الأولى جوابُ قسمٍ محذوفٍ والثانيةُ لامُ ابتداءٍ عُلِّقَ به علِموا عن العمل ومَنْ موصولة في حيز الرفع بالابتداء واشتراه صلتها وقوله تعالى : { مَا لَهُ فِى الاخرة مِنْ خلاق } أي من نصيبٍ ، جملةٌ من مبتدإٍ وخبرٍ ومِنْ مزيدة في المبتدأ وفي الآخرة متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً منه ، ولو أُخِّرَ عنه لكان صفةً له والتقدير ما له خلاقٌ في الآخرة وهذه الجملةُ في محلِّ الرفع على أنها خبرٌ للموصول والجملةُ في حيز النصبِ سادَّةٌ مسَدَّ مفعولَيْ علموا إن جُعل مُتعَدياً إلى اثنين أو مفعولِه الواحدِ إن جعل متعدياً إلى واحد ، فجملة ولقد علموا الخ مُقْسَمٌ عليها دون جملة لمن اشتراه الخ هذا ما عليه الجمهورُ وهو مذهبُ سيبوبه وقال الفرّاءُ وتبعه أبو البقاء إن اللامَ الأخيرة موطئةٌ للقسم ومَنْ شرطية مرفوعةٌ بالابتداء واشتراه خبرُها ، وما له في الآخرة من خلاق جوابُ القسم وجوابُ الشرطِ محذوفٌ اكتفاءً عنه بجواب القسم لأنه إذا اجتمع الشرطُ والقسمُ يُجاب سابقُهما غالباً ، فحينئذ يكون الجملتان مُقْسماً عليهما { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } أي باعوها واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ ، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي وبالله لبئسما باعوا به أنفسَهم السحرُ أو الكفرُ وفيه إيذانٌ بأنهم حيث نبذوا كتابَ الله وراء ظهورِهم فقد عرَّضوا أنفسهم للهَلكة وباعوها بما لا يزيدهم إلا تَباراً ، وتجويزُ كونِ الشراء بمعنى الاشتراء ( مما ) لا سبيلَ إليه لأن المشترى متعين وهو ما تتلو الشياطين ولأن متعلَّق الذمِّ هو المأخوذُ لا المنبوذُ كما أشير إليه في تفسير قوله سبحانه : { بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله } { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أي يعملون بعلمهم . جُعلوا غيرَ عالمين لعدم عملِهم بموجب علمِهم ، ، أوْ لو كانوا يتفكرون فيه أو يعلمون قبحَه على اليقين ، أو حقيقةَ ما يتْبعُه من العذاب عليه ، على أن المُثبَتَ لهم أولاً على التوكيد القسميِّ العقلُ الغريزيُّ أو العلمُ الإجماليُّ بقبح الفعل أو ترتبِ العقاب من غير تحقيق ، وجواب لو محذوف أي لما فعلوا ما فعلوا .

(1/175)


وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)

{ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ } أي بالرسول المومأ إليه في قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله } الخ أو بما أنزل إليه من الآيات المذكورة في قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءايات بينات وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفاسقون } أو بالتوراةِ التي أريدتْ بقوله تعالى : { نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ } فإن الكفر بالقرآن والرسول عليه السلام كفرٌ بها { واتقوا } المعاصيَ المحكيةَ عنهم { لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ } جواب لو ، وأصلُه لأُثيبوا مَثوبةً من عند الله خيراً مما شرَوْا به أنفسَهم فحُذفَ الفعلُ وغُيِّر السبكُ إلى ما عليه النظمُ الكريم دلالةً على ثبات المثوبةِ لهم والجزمِ بخيريّتها ، وحُذف المفضَّلُ عليه إجلالاً للمفضَّل من أن يُنسبَ إليه ، وتنكيرُ المثوبة للتقليل ومن متعلقة بمحذوفٍ وقع صفةً تشريفيةً لِمثوبةٌ أي لَشيءٌ ما من المثوبة ( الكائنة ) من عنده تعالى خير ، وقيل : جواب لو محذوفٌ أي لأثيبوا ، وما بعده جملة مستأنفة فإن وقوعَ الجملةِ الابتدائية جواباً لِلَوُ غيرُ معهود في كلام العرب وقيل : لو للتمني ومعناه أنهم من فظاعة الحال بحيث يتمنى العارفُ إيمانَهم واتقاءهم تلهّفاً عليهم ، وقرىء لمثوبة وإنما سمي الجزاء ثواباً ومثوبةً لأن المحسن يثوب إليه { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أن ثواب الله خيرٌ ، نُسبوا إلى الجهل لعدم العملِ بموجب العلم .

(1/176)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)

{ يا أيها الذين آمنوا } خطابٌ للمؤمنينً فيه إرشادٌ لهم إلى الخير وإشارةٌ إلى بعض آخر من جنايات اليهود { لاَ تَقُولُواْ راعنا } المراعاةُ المبالغةُ في الرعي وهي حِفظُ الغير وتدبيرُ أموره وتدارُكُ مصالحِه ، وكان المسلمون إذا ألقى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من العلم يقولون راعنا يا رسول الله أي راقبْنا وانتظِرْنا وتأنَّ بنا حتى نفهمَ كلامَك ونحفظَه وكانت لليهود كلمةٌ عبرانية أو سريانيةٌ يتسابُّون بها فيما بينهم وهي راعينا قيل : معناها اسمعْ لا سمِعْت فلما سمعوا بقول المؤمنين ذلك افترصوه واتخذوه ذريعةً إلى مقصِدهم فجعلوا يخاطبون به النبيَّ صلى الله عليه وسلم يعنون به تلك المسبةَ أو نسبتَه صلى الله عليه وسلم إلى الرَعَن وهو الحمَقُ والهوَج .
روي أن سعد بن عبادة رضي الله عنه سمعها منهم فقال : يا أعداءَ الله عليكم لعنةُ الله والذي نفسي بيده لئن سمعتُها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عُنقَه قالوا : أولستم تقولونها فنزلت الآية ونُهيَ فيها المؤمنون عن ذلك قطعاً لألسنة اليهود عن التدليس ، وأُمروا بما في معناها ولا يقبل التلبيس فقيل : { وَقُولُواْ انظرنا } أي انظر إلينا بالحذف والإيصال أو انتظرنا على أنه من نظرَه إذا انتظروه وقرىء أنظِرْنا من الإنظار ، أي أمهلنا حتى نحفظ وقرىء راعونا على صيغة الجمع للتوقير وراعنا على صيغة الفاعل أي قولا ذا رَعَنٍ كدارعٍ ولابنٍ لأنه لما أشبه قولَهم راعينا وكان سبباً للسب بالرَعَن اتَّصفَ به { واسمعوا } وأحسنوا سماع ما يكلمكم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وما يلقي إليكم من المسائل بآذان واعية وأذهانٍ حاضرةٍ حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلبِ المراعاة أو واسمعوا ما كُلفتموه من النهي والأمر بجدَ واعتناء حتى لا ترجِعوا إلى ما نهيتم عنه أو واسمعوا سماعَ طاعةٍ وقَبول ولا يكن سماعُكم مثل سماعِ اليهود حيث قالوا : سمعنا وعصينا { وللكافرين } أي اليهود الذين توسلوا بقولكم المذكور إلى كفرياتهم وجعلوه سبباً للتهاون برسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له ما قالوا { عَذَابٌ أَلِيمٌ } لما اجترءوا عليه من العظيمة ، وهو تذييلٌ لما سبق فيه وعيدٌ شديد لهم ونوعُ تحذيرٍ للمخاطبين عما نُهُوا عنه .
{ مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ } الوُدُّ حبُّ الشيءِ مع تمنِّيه ، ولذلك يستعمل في كلَ منهما ، ونفيُه كنايةٌ عن الكراهة ، ووضعُ الموصول موضعَ الضمير للإشعار بعلّية ما في حيز الصلةِ لعدم وُدِّهم ، ولعل تعلقَه بما قبله من حيث إن القولَ المنهيَّ عنه كثيراً ما كان يقع عند تنزيل الوحْي المعبَّرِ عنه في هذه الآية بالخير ، فكأنه أُشير إلى أن سببَ تحريفِهم له إلى ما حُكي عنهم لوقوعه في أثناء حصولِ ما يكرهونه من تنزيلِ الخير وقيل : كان فريق من اليهود يُظهرون للمؤمنين محبةً ويزعُمون أنهم يَودُّون لهم الخير فنزلت تكذيباً لهم في ذلك ، و ( من ) في قوله تعالى : { مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين } للتبيين كما في قوله عز وعلا :

(1/177)


{ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين } و ( لا ) مزيدةٌ لما ستعرفه { أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم } في حيز النصب على أنه مفعولُ ( يود ) ، وبناءُ الفعل للمفعول للثقة بتعيُّن الفاعل ، والتصريحُ الآتي في قوله تعالى : { مّنْ خَيْرٍ } هو القائمُ مقامَ فاعلِه ومن مزيدة للاستغراق ، والنفيُ وإن لم يباشرْه ظاهراً لكنه منسحبٌ عليه معنىً ، والخيرُ الوحيُ ، وحملُه على ما يعمّه وغيره من العلم والنُّصرة كما قيل : يأباه وصفُه فيما سيأتي بالاختصاص ، وتقديم هو عليكم والأصل : أن ينزل من خير عليكم الظرف عليه مع أن حقه التأخرُ عنه لإظهار كمال العنايةِ به ، لأنه المدارُ لعدم ودِّهم ، ومن في قوله تعالى : { مّن رَّبّكُمْ } ابتدائية ، والتعرُّضُ لعنوان الربوبية للإشعار بعليته لتنزيل الخيرِ والإضافة إلى ضمير المخاطبين لتشريفهم ، وليست كراهتُهم لتنزيله على المخاطبين من حيث تعبُّدُهم بما فيه وتعريضُهم بذلك لسعادة الدارين كيف لا وهم من تلك الحيثية من جملة مَنْ نزَلَ عليهم الخيرُ بل من حيث وقوعُ ذلك التنزيلِ على النبي صلى الله عليه وسلم ، وصيغةُ الجمعِ للإيذان بأن مدارَ كراهتهم ليس معنى خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم بل وصفٌ مشترك بين الكل وهو الخلوُّ عن الدراسة عند اليهود وعن الرياسة عند المشركين ، والمعنى أنهم يرَوْن أنفسَهم أحقَّ بأن يوحى إليهم ويكرهونكم فيحسُدونكم أن ينْزِل عليكم شيء من الوحي ، أما اليهودُ فبناءً على أنهم أهلُ الكتاب وأبناءُ الأنبياءِ الناشئون في مهابط الوحي وأنتم أُميِّوّن ، وأما المشركون فإدلالاً بما كان لهم من الجاه والمال زعماً منهم أن رياسةَ الرسالةِ كسائر الرياساتِ الدنيويةِ منوطةٌ بالأسباب الظاهرة ولذلك قالوا : لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ ولما كانت اليهودُ بهذا الداء أشهرَ لا سيما في أثناء ذكرِ ابتلائِهم به لم يلزَمْ من نفي ودادتِهم لما ذكِرَ نفيُ ودادةِ المشركين له ، فزيدت كلمةُ لا لتأكيد النفي { والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } جملة ابتدائية سيقت لتقرير ما سبق من تنزيل الخيرِ والتنبيه على حكمتِه وإرغامِ الكارهين له ، والمرادُ برحمته الوحيُ كما في قوله سبحانه : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ } عبّر عنه باعتبار نزولِه على المؤمنين بالخير وباعتبار إضافتِه إليه تعالى بالرحمة قال علي رضي الله عنه : بنبوته ، خَصَّ بها محمداً صلى الله عليه وسلم ، فالفعلُ متعدٍ وصيغة الافتعال للإنباء عن الاصطفاء ، وإيثارُه على التنزيل المناسبِ للسياق الموافقِ لقوله تعالى : { أَن يُنَزّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَاء } لزيادة تشريفِه صلى الله عليه وسلم وإقناطِهم مما علّقوا به أطماعَهم الفارغةَ ، والباءُ داخلةٌ على المقصور أي يؤتي رحمته { مَن يَشَآء } من عباده ويجعلها مقصورةً عليه لاستحقاقه الذاتي الفائضِ عليه بحسب إرادتِه عز وعلا تفضّلاً لا تتعداه إلى غيره ، وقيل : الفعلُ لازمٌ ومَنْ فاعله والضميرُ العائد إلى مَنْ محذوفٌ على التقديرين ، وقوله تعالى : { والله ذُو الفضل العظيم } تذييلٌ لما سبق مقررٌ لمضمونه وفيه إيذان بأن إيتاءَ النبوةِ من فضله العظيم كقوله تعالى : { إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا } وأن حِرمان من حُرم ذلك ليس لضيق ساحةِ فضلِه بل لمشيئته الجاريةِ على سَننِ الحِكْمةِ البالغةِ ، وتصديرُ الجملتين بالاسم الجليل للإيذان بفخامة مضمونَيْهما ، وكونِ كلَ منهما مستقلةً بشأنها ، فإن الإضمارَ في الثانية مُنبىءٌ عن توقُّفِها على الأولى .

(1/178)


مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)

{ مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا } كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لبيان سرِّ النسخِ الذي هو فردٌ من أفراد تنزيلِ الوحي وإبطالِ مقالةِ الطاعنين فيه إثْرَ تحقيقِ حقيقةِ الوحي وردِّ كلامِ الكارهين له رأساً ، قيل : نزلت حين قال المشركون أو اليهود : ألا ترون إلى محمد يأمُر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمُر بخلافه ، والنسخُ في اللغة الإزالةُ والنقلُ يقال : نسخَت الريحُ الأثرَ أي أزالته ونسخْتُ الكتابَ أي نقلتُه ونسخُ الآيةِ بيانُ انتهاءِ التعبّدِ بقراءتها ، أو بالحكم المستفادِ منها أو بهما جميعاً ، وإنساؤُها إذهابُها من القلوب ، وما شرطيةٌ جازمة لننسَخْ منتصبةٌ به على المفعولية وقرىء نُنْسِخْ من أنسخ أي نأمرُك أو ( نأمر ) جبريلَ بنسخها أو تجدها منسوخة ، ونَنْسأْها من النَّسء أي نؤخّرْها ، ونُنَسِّها بالتشديد وتَنْسَها وتُنْسِها على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم مبنياً للفاعل وللمفعول وقرىء ما ننسخ من آية أو نُنْسِكْها وقرىء ما نُنْسِكَ من آية أو نَنْسَخها والمعنى أن كل آيةٍ نذهب بها على ما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة من إزالة لفظِها أو حكمِها أو كليهما معاً إلى بدل أو إلى غير بدل { نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا } أي نوع آخرَ هو خيرٌ للعباد وبحسب الحال في النفع والثوابِ من الذاهبة ، وقرىء بقلب الهمزة ألفاً { أَوْ مِثْلِهَا } أي فيما ذكر من النفع والثواب ، وهذا الحكمُ غيرُ مختصَ بنسخ الآية التامة فما فوقها بل جارٍ فيما دونها أيضاً ، وتخصيصُها بالذكر باعتبار الغالب ، والنصُّ كما ترى دالٌّ على جواز النسخ كيف لا وتنزيلُ الآيات التي عليها يدور فلَكُ الأحكام الشرعية إنما هو بحسب ما يقتضيه من الحِكَم والمصالح وذلك يختلف باختلاف الأحوال ويتبدّل حسب تبدل الأشخاص والأعصار كأحوال المعاش ، فرب حكمٍ تقتضيه الحكمةُ في حال تقتضي في حالٍ أخرى نقيضَه ، فلو لم يُجزِ النسخُ لاختل ما بين الحِكمة والأحكام من النظام { أَلَمْ تَعْلَمْ } الهمزة للتقرير كما في قوله سبحانه : { أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ } وقوله تعالى : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } والخطابُ للنبي عليه الصلاة والسلام وقوله تعالى : { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } سادٌّ مسَدَّ مفعوليْ تعلم عند الجمهور ، ومسدَّ مفعولِه الأول ، والثاني محذوفٌ عند الأخفش ، والمرادُ بهذا التقرير الاستشهادُ بعلمه بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ وعلى الإتيان بما هو خيرٌ من المنسوخ وبما هو مثله لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورةِ تحت قدرته سبحانه فمِنْ علم شمولِ قدرتِه تعالى لجميع الأشياء علمُ قدرته على ذلك قطعاً ، والالتفاتُ بوضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة والإشعارِ بمناط الحكم فإن شمولَ القدرة لجميع الأشياء من أحكام الألوهية وكذا الحال في قوله عز سلطانه :

(1/179)


أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)

{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والارض } فإن عنوان الألوهية مدارُ أحكام ملكوتِهما ، والجارُ والمجرورُ خبرٌ مقدم وملكُ السموات والأرض مبتدأ والجملة خبرُ لأن وإيثارُه على أن يقال : إن لله ملكَ السمواتِ والأرضِ للقصد إلى تقوّي الحُكم بتكرر الإسناد ، وهو إما تكريرٌ للتقرير وإعادةٌ للاستشهاد على ما ذُكر وإنما لم يعطَفْ ( أن ) مع ما في حيزها على ما سبق من مثلها وإما لزيادة التأكيد وإشعاراً باستقلال العلم بكلَ منهما وكفايتِه في الوقوف على ما هو المقصودُ وإما تقريرٌ مستقل للاستشهاد على قدرته تعالى على جميع الأشياء أي ألم تعلم أن الله له السلطانُ القاهرُ والاستيلاءُ الباهرُ المستلزِمان للقدرة التامة على التصرف الكليِّ فيهما إيجاداً وإعداماً وأمراً ونهياً حسبما تقتضيه مشيئتُه لا مُعارِضَ لأمره ولا معقِّبَ لحكمه فمن هذا شأنُه كيف يخرُج عن قدرته شيءٌ من الأشياء ، وقولُه تعالى : { وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } معطوفةٌ على الجملة الواقعةِ خبراً ( لأن ) داخلةٌ معها تحت تعلقِ العلم المقرِّرِ ، وفيه إشارة إلى تناول الخطابين السابقين للأمة أيضاً ، وإنما إفرادُه عليه السلام بهما لما أن علومَهم مستنِدةٌ إلى علمه عليه السلام ، ووضعُ الاسم الجليل موضِعَ الضمير الراجع إلى اسم ( أن ) لتربية المهابة والإيذانِ بمقارنة الولاية والنصرةِ للقوة والعزة ، والمرادُ به الاستشهادُ بما تعلق به من العلم على تعلُّق إرادتِه تعالى بما ذكر من الإتيان بما هو خيرٌ من المنسوخ أو بمثله فإن مجرَّد قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي حصولَه اْلبتة ، وإنما الذي يستدعيه كونُه تعالى مع ذلك ولياً ونصيراً لهم فمن علم أنه تعالى وليُّه ونصيرُه على الاستقلال يعلم قطعاً أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوِّضُ أمرَه إليه تعالى ولا يخطُر بباله ريبةٌ في أمر النسخ وغيرِه أصلاً ، والفرق بين الوليِّ والنصيرِ أن الوليَّ قد يضعُفُ عن النُصرة ، والنصيرُ قد يكون أجنبياً من المنصور . وما إما تميمية لا عمل لها ولكم خبرٌ مقدم ومن وليَ مبتدأ مؤخر زيدت فيه كلمة من للاستغراق وإما حجازية ولكم خبرها المنصوب عند من يُجيزُ تقديمَه واسمُها ( من ولي ) ومن مزيدة لما ذكر ومن دون الله في حيز النصب على الحالية من اسمها لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالاً ومعناه سوى الله ، والمعنى أن قضية العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة هو الجزمُ والإيقانُ بأنه تعالى لا يفعل بهم في أمر من أمور دينهم أو دنياهم إلا ما هو خيرٌ لهم ، والعملُ بموجبه من الثقة به والتوكلِ عليه وتفويضِ الأمر إليه من غير إصغاءٍ إلى أقاويل الكفرةِ وتشكيكاتهم التي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ .

(1/180)


أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)

وقوله تعالى : { أَمْ تُرِيدُونَ } تجريدٌ للخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم وتخصيصٌ له بالمؤمنين ، وأمْ منقطعة ( ومعناها ) بل ، فيها الإضرابُ والانتقال من حملهم على العمل بموجب علمهم بما ذكر عند ظهور بعض مخايلِ المساهلةِ منهم في ذلك وأمارات التأثر من أقاويل الكفرة إلى التحذير من ذلك ، ومعنى الهمزةِ إنكارُ وقوعِ الإرادة منهم واستبعادُه لما أن قضية الإيمان وازعةٌ عنها ، وتوجيهُ الإنكار إلى الإرادة دون متعلَّقها للمبالغة في إنكاره واستبعادِه ببيان أنه مما لا يصدُر عن العاقل إرادتُه فضلاً عن صدوره نفسِه والمعنى بل أتريدون { أن تسألوا } وأنتم مؤمنون { رَسُولَكُمُ } وهو في تلك الرتبة من علو الشأن وتقترحوا عليه ما تشتهون غيرَ واثقين في أموركم بفضل الله تعالى حسبما يوجبه قضيةُ علمِكم بشؤونه سبحانه قيل : لعلهم كانوا يطلبون منه عليه الصلاة والسلام بيانَ تفاصيلِ الحكم الداعية إلى النسخ وقيل : سأله عليه السلام قومٌ من المسلمين أن يجعل لهم ( ذاتَ أنواط ) كما كانت للمشركين وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلّقون عليها المأكول والمشروب ، وقوله تعالى : { كَمَا سُئِلَ موسى } مصدرٌ تشبيهيّ أي نعت لمصدر مؤكدٍ محذوف وما مصدرية أي سؤالاً مُشْبَهاً بسؤال موسى عليه السلام حيث قيل له : اجعلْ لنا إلها وأرِنا الله جهرةً وغيرَ ذلك ، ومقتضى الظاهرِ أن يقال : كما سألوا موسى لأن المشبَّه هو المصدرُ من المبني للفاعل أعني سؤالية المخاطبين لا من المبني للمفعول أعني مسؤوليةَ الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يُشبَّه بمسؤولية موسى عليه السلام فلعله أريد التشبيهُ فيهما معاً ولكنه أوجز النظم فذكر في جانب المشبه السائليةَ وفي جانب المشبَّه به المسؤولية واكتُفي بما ذكر في كل موضع عما تُرك في الموضع الآخر كما ذكر في قوله تعالى : { وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ } وقد جُوِّز أن تكون ( ما ) موصولةً على أن العائد محذوفٌ أي كالسؤال الذي سُئِله موسى عليه السلام . وقوله تعالى : { مِن قَبْلُ } متعلِّقٌ بسُئِل جيءَ به للتأكيد ، وقرىء سِيل بالياء وكسر السين وبتسهيل الهمزة بين بين { وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر } أي يخترْه ويأخذْه لنفسه { بالإيمان } بمقابَلتِه بدلاً منه وقرىء ومن يُبْدلْ من أَبدل وكان مقتضى الظاهر أن يقال : ومن يفعلْ ذلك أي السؤالَ المذكورَ أو إرادتَه وحاصلُه ومن يترُكِ الثقةَ بالآيات البينةِ المنْزلةِ بحسب المصالحِ التي من جملتها الآياتُ الناسخةُ التي هي خيرٌ محضٌ وحقٌّ بحتٌ واقترح غيرَها { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } أي عدَلَ وجارَ من حيث لا يدري عن الطريق المستقيم الموصِل إلى معالم الحق والهدى ، وتاه في تيه الهوى وتردى في مهاوي الردى . وإنما أوُثر على ذلك ما عليه النظمُ الكريمُ للتصريح من أول الأمرِ بأنه كفرٌ وارتدادٌ وأن كونَه كذلك أمرٌ واضح غنيٌ عن الإخبار به بأن يقال : ومن يفعلْ ذلك يكفُرْ ، حقيقٌ بأن يُعدَّ من المسلّمات ويُجعلَ مقدَّماً للشرْطية رَوْماً للمبالغة في الزجر والإفراط في الردع ، و ( سواءَ السبيل ) من باب إضافةِ الوصفِ إلى الموصوف لقصد المبالغة في بيان قوة الاتصافِ كأنه نفسُ السواءِ على منهاج حصولِ الصورة في الصورة الحاصلة ، وقيل : الخطابُ لليهود حين سألوا أن يُنزِّل الله عليهم كتاباً من السماء وقيل للمشركين حين قالوا :

(1/181)


{ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الارض يَنْبُوعًا } الخ فإضافةُ الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم على القولين باعتبار أنهم من أمة الدعوةِ ، ومعنى تبدّلِ الكفر بالإيمان وهم بمعزل من الإيمان تركُ صَرْفِ قدرتِهم إليه مع تمكنِّهم من ذلك وإيثارُهم للكفر عليه .

(1/182)


وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)

{ وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب } هم رهطٌ من أحبار اليهود . رُوي أن فِنحاصَ بنَ عازوراءَ وزيدَ بنَ قيسٍ ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمارِ بن ياسر رضي الله عنهما بعد وقعة أحُد : ألم ترَوْا ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هُزمتم فارجِعوا إلى ديننا فهو خيرٌ لكم وأفضلُ ونحن أهدى منكم سبيلاً ، فقال عمارٌ : كيف نقضُ العهد فيكم قالوا : شديد ، قال : فإني عاهدتُ أن لا أكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام ما عشتُ ، فقالت اليهود : أما هذا فقد صَبَأ وقال حذيفةُ : أما أنا فقد رضِيتُ بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلامِ ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قِبلةً وبالمؤمنين إخواناً ثم أتَيَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال : أصبتما خيراً وأفلحتما فنزلت { لَوْ يَرُدُّونَكُم } حكايةٌ لودادتِهم ، ولو في معنى التمني وصيغةُ الغَيْبة كما في قوله : حلف ليَفعلَن ، وقيل : هي بمنزلة أَن الناصبةِ فلا يكونُ لها جوابٌ وينْسبكُ منها ومما بعدها مصدرٌ يقع مفعولاً لودّوا والتقدير ودُّوا ردَّكم وقيل : هي على حقيقتها وجوابُها محذوف تقديرُه لو يردّونكم كفاراً لسُرُّوا بذلك و { مِن بَعْدِ إيمانكم } متعلق بيردّونكم وقوله تعالى : { كَفَّاراً } مفعول ثانٍ له على تضمين الرد معنى التصيير أي يصيِّرونكم كفاراً كما في قوله :
رمى الحدَثانُ نِسوةَ آل سعد ... بمقدارٍ سَمَدْنَ له سُموداً
فردَّ شعورَهن السودَ بيضا ... ورد وجوهَهن البيضَ سودا
وقيل : هو حال من مفعوله ، والأول أدخلُ لما فيه من الدلالة صريحاً على كون الكفر المفروضِ بطريق القسر وإيرادُ الظرف مع عدم الحاجة إليه ضرورةَ كونِ المخاطبين مؤمنين واستحالةِ تحققِ الردِّ إلى الكفر بدون سبْق الإيمان مع توسيطِه بين المفعولين لإظهار كمالِ شناعة ما أرادوه وغايةِ بُعدِه من الوقوعِ إما لزيادة قبحِه الصارفِ للعاقل عن مباشرته ، وإما لممانعة الإيمانِ له كأنه قيل : من بعد إيمانكم الراسخِ وفيه من تثبيت المؤمنين ما لا يخفى . { حَسَدًا } علةٌ لودّ أو حال أريد به نعتُ الجمع أي حاسدين لكم والحسَدُ الأسفُ على من له خيرٌ بخيره { مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } متعلق بود أي ودوا ذلك من أجل تشهّيهم وحظوظِ أنفسِهم لا من قِبَل التدين والميل مع الحق ولو على زعمهم أو بحسداً أي حسداً منبعثاً من أصل نفوسهم بالغاً أقصى مراقِيه { مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق } بالمعجزات الساطعةِ وبما عاينوا في التوراة من الدلائل وعلموا أنكم متمسّكون به وهم منهمكون في الباطل { فاعفوا واصفحوا } العفوُ تركُ المؤاخذة والعقوبةِ والصفحُ تركُ التثريب والتأنيب { حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ } الذي هو قتلُ بني قُريظةَ وإجلاءُ بني النَّضير وإذلالُهم بضرب الجزية عليهم ، أو الإذنُ في القتال .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه منسوخٌ بآية السيف ولا يقدح في ذلك ضرب الغاية لأنها لا تُعْلم إلا شرعاً ولا يخرُجُ الواردُ بذلك من أن يكون ناسخاً كأنه قيل : فاعفوا واصفحوا إلى ورود الناسخ { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } فينتقمُ منهم إذا حان حينُه وآن أوانُه ، فهو تعليلٌ لما دل عليه ما قبله .

(1/183)


وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)

{ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } عطفٌ على ( فاعفوا ) أُمروا بالصبر والمداراةِ واللَّجَإ إلى الله تعالى بالعبادة البدنية والمالية { وَمَا تُقَدّمُواْ لانْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ } كصلاة أو صدقةٍ أو غيرِ ذلك أيْ أيُّ شيءٍ من الخيرات تقدّموه لمصلحة أنفسِكم { تَجِدُوهُ عِندَ الله } أي تجدوا ثوابه وقرىء ( تُقْدِموا ) من أقدم { إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فلا يَضيعُ عنده عملٌ فهو وعدٌ للمؤمنين ، وقرىء بالياء فهو وعيدٌ للكافرين ، { وَقَالُواْ } عطف على ( ود ) والضميرُ لأهل الكتابين جميعاً { لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } أي قالت اليهودُ لن يدخُلَ الجنةَ إلا من كان هُوداً ، وقالت النصارى لن يدخُلَ الجنةَ إلا من كان نصارى ، فلفّ بين القولين ثقةً أن السامعَ يردُّ كلاً منهما إلى قائله ، ونحوُه ( وقالوا كونوا هوداً أو نصارى ) تهتدوا وليس مرادُهم بأولئك مَنْ أقام اليهوديةَ والنصرانيةَ قبل النسخِ والتحريفِ على وجههما بل أنفسَهم على ما هم عليه لأنهم إنما يقولونه لإضلال المؤمنين وردِّهم إلى الكفر . والهوُدُ جمعُ هائِدٍ كعوذٍ جمعُ عائذ وبُزْلٍ جمعُ بازل ، والإفرادُ في كان باعتبار لفظ ( مَنْ ) والجمع في خبرِه باعتبار معناه ، وقرىء إلا من كان يهودياً أو نصرانياً { تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } الأمانيُّ جمع أُمنية وهي ما يُتمنّى كالأُعجوبة والأُضْحوكة ، والجملةُ معترِضةٌ مُبينةٌ لبُطلان ما قالوا ، و ( تلك ) إشارةٌ إليه ، والجمعُ باعتبار صدوره عن الجميع ، وقيل : فيه حذفُ مضافٍ ، أي أمثالُ تلك الأُمنية أمانيُّهم ، وقيل : ( تلك ) إشارةٌ إليه وإلى ما قبله مِن أنْ ينزِلَ على المؤمنين خيرٌ من ربهم وأن يردَّهم كفاراً ، ويردُّه قوله تعالى : { قُلْ هَاتُواْ برهانكم إِن كُنتُمْ صادقين } فإنهما ليسا مما يُطلب له البرهانُ ولا مما يَحتملُ الصِّدق والكذِبَ قيل : ( هاتوا ) أصلُه آتوا قُلبت الهمزةُ هاءً أي أَحضروا حُجتَكم على اختصاصكم بدخول الجنة إن كنتم صادقين في دعواكم . هذا ما يقتضيه المقامَ بحسب النظرِ الجليلِ والذي يستدعيه إعجازُ التنزيل أن يُحمل الأمرُ التبكيتيُّ على طلب البرهان على أصل الدخولِ الذي يتضمنه دعوى الاختصاص به .

(1/184)


بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)

فإن قوله تعالى : { بلى } الخ إثباتٌ من جهته تعالى لما نفَوْه مستلزمٌ لنفْي ما أثبتوه ، وإذْ ليس الثابتُ به مجردَ دخولِ غيرِهم الجنةَ ولو معهم ليكون المنفيُّ مجردَ اختصاصِهم به مع بقاءِ أصلِ الدخولِ على حاله بل هو اختصاصُ غيرِهم بالدخول كما ستعرفه بإذن الله تعالى ظهرَ أن المنفيَّ أصلُ دخولِهم ، ومن ضَرورته أن يكون هو الذي كُلِّفوا إقامةَ البُرهانِ عليه لا اختصاصُهم به ليتّحدَ موردُ الإثباتِ والنفي ، وإنما عدَلَ عن إبطال صريحِ ما ادَّعَوْه وسَلك هذا المسلكَ إبانةً لغاية حِرمانِهم مما علّقوا به أطماعَهم وإظهاراً لكمال عجزِهم عن إثباتِ مُدَّعاهم لأن حِرمانَهم من الاختصاص بالدخول وعجزَهم عن إقامة البرهانِ عليه لا يقتضيان حرمانَهم من أصل الدخولِ وعجزَهم عن إثباته وأما نفسُ الدخولِ فحيث ثبت حِرمانُهم منه وعجزُهم عن إثباته فهم من الاختصاص به أبعدُ وعن إثباته أعجزُ ، وإنما الفائزُ به من انتظمه قوله سبحانه :
{ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } أي أخلص نفسَه له تعالى لا يشرك به شيئاً ، عبّر عنها بالوجه لأنه أشرفُ الأعضاءِ ومجمعُ المشاعرِ وموضعُ السجود ، ومظهَرُ آثارِ الخضوعِ الذي هو من أخص خصائِص الإخلاص أو توجّهُه وقصدُه بحيث لا يلوي عزيمتَه إلى شيءٍ غيره { وَهُوَ مُحْسِنٌ } حال من ضمير ( أسلم ) أي والحالُ أنه مُحسنٌ في جميع أعمالِه التي من جملتها الإسلامُ المذكورُ ، وحقيقةُ الإحسانِ الإتيانُ بالعمل على الوجه اللائق ، وهو حُسنُه الوصفيُّ التابعُ لحسنه الذاتيِّ ، وقد فسره صلى الله عليه وسلم بقوله : « أَنْ تَعْبُدَ الله كأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لم تَكُنْ تَرَاهُ فإِنَّهُ يَرَاكَ » { فَلَهُ أَجْرُهُ } الذي أُعد له على عمله ، وهو عبارةٌ عن دخول الجنة أو عمل يدخُلُ هو فيه دخولاً أولياً ، وأياً ما كان فتصويرُه بصورة الأجرِ للإيذان بقوة ارتباطِه بالعمل واستحالةِ نيلِه بدونه ، وقوله تعالى : { عِندَ رَبّهِ } حالٌ من أجره ، والعاملُ فيه معنى الاستقرارِ في الظرف ، والعِنديةُ للتشريف ، ووضعُ اسم الربِّ مضافاً إلى ضمير ( من أسلم ) موضعَ ضميرِ الجلالة لإظهار مزيدِ اللُطفِ به وتقريرِ مضمونِ الجملة ، أي فله أجرُه عند مالكِه ومدبِّرِ أموره ومبلِّغِه إلى كماله ، والجملةُ جوابُ ( مَنْ ) إن كانت شرطيةً وخبرُها إن كانت موصولة ، والفاءُ لتضمنها معنى الشرط فيكون الردُّ بقوله تعالى : بلى وحده ، ويجوز أن يكون ( مَنْ ) فاعلاً لفعل مقدرٍ ، أي بلى يدخلها من أسلم ، وقوله تعالى : { فَلَهُ أَجْرُهُ } معطوفٌ على ذلك المقدر ، وأياً ما كان فتعليقُ ثبوتِ الأجرِ بما ذكر من الإسلام والإحسانِ المختصَّيْن بأهل الإيمان قاضٍ بأن أولئك المدّعين من دخول الجنة بمعزل ، ومن الاختصاص به بألف منزل { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } في الدارين من لُحوق مكروهٍ { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } من فواتِ مطلوبٍ أي لا يعتريهم ما يوجبُ ذلك ، لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون .
والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى ( مَنْ ) كما أن الإفراد في الضمائر الأُوَلِ باعتبار اللفظ .

(1/185)


وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)

{ وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْء } بيانٌ لتضليل كلِّ فريقٍ صاحَبه بخصوصه إثرَ بيانِ تضليله كلَّ من عداه على وجه العموم نزلت لما قدِم وفدُ نجرانَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاهم أحبارُ اليهود فتناظروا فارتفعت أصواتُهم فقالوا لهم : لستم على شيء أي أمرٍ يُعتدُّ به من الدين أو على شيء ما منه أصلاً ، مبالغةً في ذلك كما قالوا : أقلُّ من لا شيء وكفروا بعيسى والإنجيل { وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَىْء } على الوجه المذكورِ وكفروا بموسى والتوراةِ لا أنهم قالوا ذلك بناءً للإمر على منسوخية التوراة { وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب } والواوُ للحال واللامُ للجنس أي قالوا ما قالوا والحال أن كلَّ فريقٍ منهم من أهل العلم والكتاب أي كان حقُّ كلَ منهم أن يعترِفَ بحقيقة دينِ صاحبه حسبما ينطِقُ به كتابُه فإن كتبَ الله تعالى متصادقة { كذلك } أي مثلَ ذلك الذي سمعت به ، والكافُ في محل النصب إما على أنها نعتٌ لمصدر محذوف قُدّم على عامله لإفادة القصر أي قولاً مثلَ ذلك القول بعينه لا قولاً مغايراً له { قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } من عبَدَة الأصنام والمعطِّلة ونحوِهم من الجهَلة أي قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء وإما على أنها حال كونه مثلَ ذلك القولِ الذي سمعْتَ به { مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } إما بدلٌ من محل الكاف وإما مفعولٌ للفعل المنفيِّ قبله أي مثلَ ذلك القول قال الجاهلون بمثل مقالةِ اليهودِ والنصارى ، وهذا توبيخٌ عظيم لهم حيث نظَموا أنفسهم مع علمهم في سلك مَنْ لا يعلم أصلاً { فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } أي بين اليهود والنصارى ، فإن مساقَ النظمِ لبيان حالِهم ، وإنما التعرُّضُ لمقالة غيرِهم لإظهار كمالِ بطلانِ مقالهم ولأن المُحاجَّةَ المُحوِجَةَ إلى الحكم إنما وقعت بينهم { يَوْمُ القيامة } متعلقٌ بيحكم وكذا ما قبله وما بعده ، ولا ضيرَ فيه لاختلاف المعنى { فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } بما يقسِمُ لكل فريقٍ ما يليق به من العقاب ، وقيل : حكمُه بينهم أن يكذِّبَهم ويُدخِلَهم النارَ ، والظرفُ الأخير متعلقٌ بيختلفون ، قُدِّم عليه للمحافظة على رؤوس الآي لا بكانوا .

(1/186)


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله } إنكارٌ واستبعاد لأن يكون أحدٌ أظلمَ ممن فعل ذلك أو مساوياً له وإن لم يكن سبكُ التركيب متعرِّضاً لإنكار المساواة ، ونفيُها يشهد به العرفُ الفاشِيْ والاستعمالُ المطّردُ فإذا قيل : مَنْ أكرمُ من فلان؟ أو لا أفضلَ من فلان فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريم وأفضلُ من كل فاضل ، وهذا الحكم عامٌ لكل من فعل ذلك في أي مسجد كان وإن كان سببَ النزول فعلُ طائفةٍ معينة في مسجد مخصوص . رُوي أن النصارى كانوا يطرَحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناسَ أن يصلوا فيه وأن الرومَ غزَوُا أهلَه فخرَّبوه وأحرقوا التوراة وقتلوا وسبوا وقد نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن طِيطَيُوسَ الروميَّ ملكَ النصارى وأصحابَه غزوا بني إسرائيلَ وقتلوا مُقاتِلَتَهم وسبَوُا ذرارِيَهم وأحرقوا التوراةَ وخرَّبوا بيتَ المقدس وقذفوا فيه الجيفَ وذبحوا فيه الخنازيرَ ولم يزل خراباً حتى بناه المسلمون في عهد عمرَ رضي الله عنه ، وإنما أُوقعَ المنعُ على المساجد وإن كان الممنوعُ هو الناسَ لما أن فعلَهم من طرح الأذى والتخريب ونحوِهما متعلقٌ بالمسجد لا بالناس مع كونه على حاله . وتعلقُ الآيةِ الكريمة بما قبلها من حيث إنها مبطلةٌ لدعوى النصارى اختصاصَهم بدخول الجنة ، وقيل : هو منعُ المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخُلَ المسجد الحرام عامَ الحُدَيْبية فتعلُقها بما تقدمها من جهةِ أن المشركين من جُملة الجاهلين القائلين لكل مَنْ عداهم ليسوا على شيء .
{ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه } ثاني مفعولي ( منع ) كقوله تعالى : { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ } ، وقوله تعالى : { وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالايات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الاولون } ويجوز أن يكون ذلك بحذف الجارِّ مع أن وأن يكون ذلك مفعولاً له أي كراهة أن يُذكر فيها اسمُه { وسعى فِى خَرَابِهَا } بالهدم أو التعطيل بانقطاع الذكر { أولئك } المانعون الظالمون الساعون في خرابها { مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوعٍ فضلاً عن الاجتراء على تخريبها أو تعطيلها أو ما كان الحق أن يدخلوها إلا على حال التهيُّب وارتعادِ الفرائصِ من جهة المؤمنين أن يبطِشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويَلوُها ويمنعوهم منها أو ما كان لهم في علم الله تعالى وقضائه بالآخرة إلا ذلك فيكونُ وعداً للمؤمنين بالنُصرة واستخلاص ما استولَوْا عليه منهم وقد أُنجز الوعدُ ولله الحمد . رُوي أنه لا يدخل بيتَ المقدس أحدٌ من النصارى إلا متنكراً مسارقةً . وقيل : معناه النهيُ عن تمكنهم من الدخول في المسجد واختلف الأئمة في ذلك فجوّزه أبو حنيفة مطلقاً ومنعه مالك مطلقاً وفرَّق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره { لَهُمْ } أي لأولئك المذكورين { فِى الدنيا خِزْىٌ } أي خزي فظيعٌ لا يوصف بالقتل والسبي والإذلال بضرب الجزية عليهم { وَلَهُمْ فِى الاخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } وهو عذابُ النار لما أن سببه أيضاً وهو ما حُكي من ظلمهم كذلك في العِظَم ، وتقديمُ الظرف في الموضعين للتشويق إلى ما يذكر بعدَه من الخزي والعذاب لما مر من أن تأخيرَ ما حقه التقديمُ موجبٌ لتوجه النفس إليه فيتمكن فيها عند وروده فضلَ تمكنٍ كما في قوله تعالى : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } { وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الانعام ثمانية أزواج } إلى غير ذلك .

(1/187)


وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)

{ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب } أي له كلُّ الأرض التي هي عبارة عن ناحيتي المشرقِ والمغربِ لا يختصّ به من حيث الملكُ والتصرفُ ومن حيث المحلّيةُ لعبادته مكانٌ منها دون مكان ، فإن مُنعتم من إقامة العبادةِ في المسجد الأقصى أو المسجد الحرام { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } أي ففي أي مكان فعلتم توليةَ وجوهِكم شطرَ القبلة { فَثَمَّ وَجْهُ الله } ثَمَّ اسمُ إشارة للمكان البعيد خاصة مبنيٌّ على الفتح ولا يتصرَّف سوى الجر بمن وهو خبر مقدمٌ ووجهُ الله مبتدأ والجملة في محل الجزم على أنها جواب الشرط أي هناك جهتُه التي أمر بها فإن إمكان التوليةِ غيرُ مختصَ بمسجد دون مسجد أو مكان دون آخر ، أو فثَمَّ ذاتُه بمعنى الحضورِ العلميّ أي فهو عالم بما يُفعل فيه ومثيبٌ لكم على ذلك وقرىء بفتح التاء واللام أي فأينما تَوَجَّهوا للقبلة { إِنَّ الله واسع } بإحاطته بالأشياء أو برحمته يريد التوسعةَ على عباده { عَلِيمٌ } بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلِّها والجملة تعليلٌ لمضمون الشرطية وعن ابن عمرَ رضي الله عنهما نزلت في صلاة المسافرين على الراحلة أينما توجّهوا وقيل في قوم عمِيت : عليهم القِبلةُ فصلُّوا إلى أنحاءَ مختلفةٍ فلما أصبحوا تبينوا خطأهم . وعلى هذا لو أخطأ المجتهدُ ثم تبين له الخطأ لم يلزمه التدارُك ، وقيل : هي توطئة لنسخ القِبلة وتنزيهٌ للمعبود عن أن يكون في جهة { وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا } حكاية لطرفٍ آخرَ من مقالاتهم الباطلةِ المحكية فيما سلف معطوفةٌ على ما قبلها من قوله تعالى : وَقَالَت الخ لا على صلةِ مَنْ لما بينهما من الجمل الكثيرة الأجنبيةِ ، والضميرُ لليهود والنصارى ومن شاركهم فيما قالوا من الذين لا يعلمون ، وقرىء بغير واو على الاستئناف نزلت حين قالت اليهودُ : عزيرٌ ابنُ الله والنصارى : المسيحُ ابنُ الله ومشركو العربِ : الملائكةُ بناتُ الله . والاتخاذُ إما بمعنى الصُنع والعمل فلا يتعدَّى إلا إلى واحد ، وإما بمعنى التصيير ، والمفعولُ الأول محذوف أي صَيَّر بعضَ مخلوفاته ولداً { سبحانه } تنزيهٌ وتبرئةٌ له تعالى عما قالوا وسبحانَ عَلَمٌ للتسبيح كعُثمانَ للرجل ، وانتصابُه على المصدرية ولا يكاد يُذكر ناصبُه أي أُسبِّحُ سبحانه أي أنزّهُه تنزيهاً لائقاً به وفيه من التنزيه البليغِ من حيث الاشتقاقُ من السبْح الذي هو الذهابُ والإبعادُ في الأرض ومن جهة النقلِ إلى التفعيل ومن جهة العُدول من المصدر إلى الاسمِ الموضوعِ له خاصةً لا سيما العلمُ المشيرُ إلى الحقيقة الحاضرةِ في الذهن ومن جهة إقامتِه مُقامَ المصدر مع الفعل ما لا يخفى ، وقيل : هو مصدر كغُفرانٍ بمعنى التنزُّه أي تنَزَّهَ بذاته تنزُّهاً حقيقاً به ففيه مبالغةٌ من حيث إسنادُ البراءةِ إلى الذات المقدسة وإن كان التنزيهُ اعتقادَ نزاهتِه تعالى عما لا يليق به لا إثباتَها له تعالى وقولُه تعالى : { بَل لَّهُ مَا فيالسموات والارض } رد لما زعموا وتنبيهٌ على بطلانه وكلمةُ ( بل ) للإضراب عما تقتضيه مقالتُهم الباطلةُ من مجانسته سبحانه وتعالى لشيء من المخلوقات ومن سرعة فَنائِه المَحوِجة إلى اتخاذ ما يقوم مَقامه فإن مجرد الإمكان والفَناء لا يوجب ذلك .

(1/188)


ألا يُرى أن الأجرامَ الفَلَكيةَ مع إمكانها وفَنائِها بالآخرة مستغنيةٌ بدوامها وطولِ بقائها عما يجري مجرَى الولدِ من الحيوان أي ليس الأمرُ كما زعموا بل هو خالقٌ جميعَ الموجودات التي من جملتها عزيرٌ والمسيحُ والملائكة { كُلٌّ } التنوين عوضٌ عن المضاف إليه أي كلُّ ما فيهما كائناً ما كان من أولي العلم وغيرِهم { لَّهُ قانتون } منقادون لا يستعصي شيءٌ منهم على تكوينه وتقديره ومشيئتِه ، ومن كان هذا شأنُه لم يُتصوَّرْ مجانستُه لشيء ، ومن حق الولدِ أن يكون من جنس الوالد ، وإنما جيءَ ( بما ) المختصةِ بغير أولي العلم تحقيراً لشأنهم وإيذانا بكمال بُعدِهم عما نسَبوا إلى بعضٍ منهم ، وصيغةُ جمع العقلاء في ( قانتون ) للتغليب أو كلُّ مَنْ جعلوه لله تعالى ولداً له قانتون أي مطيعون عابدون له معترفون بربوبيته تعالى { أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة }

(1/189)


بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)

{ بَدِيعُ السموات والارض } أي مُبدِعُهما ومخترِعُهما بلا مثال يَحتذيه ولا قانونٍ ينتحيه فإن البديعَ كما يُطلقُ على المبتدِع يُطلق على المبتدَع نصَّ عليه أساطينُ أهل اللغة وقد جاء : بَدَعَه كمنعه بمعنى أنشأه كابتدعه كما ذُكر في القاموس وغيره ، ونظيره السميع بمعنى المسمِع في قوله :
أَمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعي السميعُ ... وقيل : هو من إضافة الصفةِ المشبّهةِ إلى فاعلها للتخفيف بعد نصبه على تشبيهها باسم الفاعِلِ كما هو المشهورُ أي بديعُ سمواتِه من بَدَع إذا كان على شكل فائقٍ وحُسْنٍ رائق ، وهو حجة أخرى لإبطال مقالتِهم الشنعاءِ تقريرُها أن الوالدَ عنصرُ الولدِ المنفصلِ بانفصال مادته عنه والله سبحانه مُبدعُ الأشياء كلِّها على الإطلاق منزَّه عن الانفصال فلا يكون والداً ، ورفعُه على أنه خبر لمبتدإٍ محذوف أي هو بديعُ الخ ، وقرىء بالنصبَ على المدح وبالجرِّ على أنه بدل من الضمير في ( له ) على رأي من يجوز الإبدالَ من الضمير المجرور كما في قوله :
على جُوده قد ضَنَّ بالماء حاتم ... { وَإِذَا قضى أَمْرًا } أي أراد شيئاً كقوله : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً } وأصلُ القضاءِ الإحكامُ أُطلق على الإرادة الإلهية المتعلقة بوجود الشيء لإيجابها إياه اْلبتةَ وقيل : الأمر ، ومنه قولُه تعالى : { وقضى رَبُّكَ } الخ { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } كلاهما من الكون التام أي أحْدَثَ وليس المرادُ به حقيقةَ الأمرِ والامتثال ، وإنما هو تمثيلٌ لسهولة تأتّي المقدورات بحسَب تعلّقِ مشيئتِه تعالى وتصويرٌ لسرعة حُدوثِها بما هو عَلَمٌ في الباب من طاعة المأمورِ المطيعِ للآمر القويِّ المطاعِ ، وفيه تقريرٌ لمعنى الإبداع وتلويحٌ لحجة أخرى لإبطال ما زعموه بأن اتخاذَ الولدِ شأنُ من يفتقرُ في تحصيل مرادِه إلى مبادىءَ يستدعي ترتيبُها مرورَ زمانٍ وتبدلَ أطوارٍ ، وفعلُه تعالى متعالٍ عن ذلك { وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } حكاية لنوعٍ آخرَ من قبائحهم وهو قدحُهم في أمر النبوة بعد حكاية قدحِهم في شأن التوحيد بنسبة الولدِ إليه سبحانه وتعالى ، واختُلف في هؤلاء القائلين : فقال ابن عباس رضي الله عنهما : هم اليهودُ وقال مجاهد : هم النصارى ووصفُهم بعدم العلم لعدم علمِهم بالتوحيد والنبوة كما ينبغي ، أو لعدم علمِهم بموجب عمَلِهم أو لأن ما يحكى عنهم لا يصدرُ عمن له شائبةُ علمٍ أصلاً . وقال قتادةُ : وأكثرُ أهل التفسير هم مشركو العربِ لقوله تعالى : فليأتنا بآية كما أرسل الأولون وقالوا : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا { لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله } أي هلا يكلمُنا بلا واسطة أمراً ونهياً كما يكلم الملائكةَ أو هلا يكلمنا تنصيصاً على نُبوَّتِك { أو تأتينا آية } حجةٌ تدل على صدقك . بلغوا من العُتوِّ والاستكبار إلى حيث أمّلوا نيلَ مرتبةِ المفاوضة الإلهية من غير توسط الرسولِ والملَك ، ومن العنادِ والمكابرة إلى حيث لم يعُدّوا ما آتاهم من البينات الباهرة التي تخِرُّ لها صُمُّ الجبال من قَبيل الآيات ، قاتلهم الله أنى يؤفكون .

(1/190)


{ كذلك } مثلَ ذلك القولِ الشنيعِ الصادرِ عن العِناد والفساد { قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم } من الأمم الماضية { مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } هذا الباطلِ الشنيعِ فقالوا : { أَرِنَا الله جَهْرَةً } وقالوا : { لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد } الآية وقالوا : { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } الخ وقالوا اجْعَلْ لَّنَا إِلَهًا الخ { تشابهت قُلُوبُهُمْ } أي قلوبُ هؤلاءِ وأولئك في العمى والعِناد وإلا لما تشابهت أقاويلُهم الباطلة { قَدْ بَيَّنَّا الآيات } أي نزلناها بينةً بأن جعلناها كذلك في أنفسِها كما في قولهم : سُبحان مَنْ صغّر البعوضَ وكبَّر الفيلَ لا أنا بيناها بعد أن لم تكن بينةً { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي يطلُبون اليقين ويوقنون بالحقائق لا يعتريهم شُبهةٌ ولا رِيبة ، وهذا ردٌّ لطلبهم الآيةَ ، وفي تعريف الآياتِ وجمعِها وإيرادِ النبيين المُفصِح عن كمال التوضيح مكانَ الإتيان الذي طلبوه ما لا يخفى من الجزالة ، والمعنى أنهم اقترحوا آيةً فذَّةً ونحن قد بينا الآياتِ العظامَ لقوم يطلُبون الحقَّ واليقين ، وإنما لم يُتعرَّضْ لرد قولِهم : { لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله } إيذانا بأنه من ظهور البطلان بحيث لا حاجة له إلى الرد والجواب .

(1/191)


إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)

{ إِنَّا أرسلناك بالحق } أي ملتبساً بالقرآن كما في قوله تعالى : { بَلْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَاءهُمْ } أو بالصدق كما في قوله تعالى : أَحَق هو . وقولُه تعالى : { بَشِيراً وَنَذِيراً } حال من المفعول باعتبار تقييدِه بالحال الأولى أي أُرْسلناك ملتبساً بالقرآن حالَ كونك بشيراً لمن آمن بما أُنزِل عليك وعمِل به ونذيراً لمن كفَر به أو أرسلناك صادقاً حال كونِك بشيراً لمن صدّقك بالثواب ونذيراً لمن كذّبك بالعذاب ليختاروا لأنفسهم ما أحبّوا لا قاسرَ لهم على الإيمان فلا عليك إنْ أصرُّوا وكابروا { وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أصحاب الجحيم } ما لهم لم يؤمنوا بعدما بلّغْتَ ما أُرسلتَ به وقرىء ( لن تُسأل ) وقرىء لا تَسْألْ على صيغة النهي إيذاناً بكمال شدةِ عقوبةِ الكفار وتهويلاً لها كأنها لغاية فظاعتها لا يقدِرُ المخبِرُ على إجرائها على لسانه أو لا يستطيع السامعُ أن يسمع خبرَها ، وحملُه على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه مما لا يساعدُه النظمُ الكريمُ والجحيمُ : المتأججُ من النار ، وفي التعبير عنهم بصاحبية الجحيم دون الكفر والتكذيب ونحوهما وعيدٌ شديد لهم وإيذانٌ بأنهم مطبوعٌ عليهم لا يرجى منهم الإيمانُ قطعاً .
وقوله تعالى : { وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } بيانٌ لكمال شدةِ شكيمةِ هاتين الطائفتين خاصة إثْرَ بيانِ ما يعُمُّهما والمشركين من الإصرار على ما هم عليه إلى الموت ، وإيرادُ لا النافية بين المعطوفَيْن لتأكيد النفي لما مر من أن تصلُّبُ اليهودِ في أمثال هذه العظائم أشدُّ من النصارى والإشعارِ بأن رضى كلَ منهما مباينٌ لرضى الأخرى أي لن ترضى عنك اليهودُ ولو خلَّيتَهم وشأنَهم حتى تتبعَ ملّتهم ولا النصارى ولو تركتهم ودينَهم حتى تتبع مِلَّتَهم فأُوجِزَ النظمُ ثقةً بظهور المراد ، وفيه من المبالغة في إقناطه صلى الله عليه وسلم من إسلامهم ما لا غايةَ وراءه فإنهم حيث لم يرضَوْا عنه عليه السلام ولو خلاّهم يفعلون ما يفعلون بل أملّوا منه صلى الله عليه وسلم ما لا يكاد يدخُل تحت الإمكان من اتباعه عليه السلام لمِلّتهم فكيف يُتوهم اتباعُهم لملته عليه السلام؟ وهذه حالتُهم في أنفسهم ومقالتُهم فيما بينهم ، وأما أنهم أظهروها للنبي صلى الله عليه وسلم وشافهوه بذلك وقالوا : لن نرضى عنك وإن بالغْتَ في طلب رضانا حتى تتبعَ مِلَّتنا كما قيل فلا يساعده النظمُ الكريم بل فيه ما يدل على خلافه ، فإن قوله عز وجل : { قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى } صريحٌ في أن ما وقع هذا جواباً عنه ليس عينَ تلك العبارةِ بل ما يستلزم مضمونَها أو يلزمه من الدعوة إلى اليهودية والنصرانية وأداءٌ أن الاهتداءَ فيهما كقوله عز وجل حكايةً عنهم :

(1/192)


{ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ } أي قل رداً عليهم إن هدى الله الذي هو الإسلامُ هو الهدى بالحق والذي يحِقُّ ويصح أن يُسمَّى هُدىً . وهو الهدى كلُّه ليس وراءه هُدىً وما تدْعون إليه ليس بهُدىً بل هو هوىً كما يعرب عنه قوله تعالى : { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم } أي آراءَهم الزائغةَ الصادرةَ عنهم بقضية شهواتِ أنفسِهم وهي التي عُبّر عنها فيما قبلُ بملتهم إذ هي التي ينتمون إليها ، وأما ما شرعه الله تعالى لهم من الشريعة على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو المعنى الحقيقيُّ للملة فقد غيّروها تغييراً { بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم } أي الوحي أو الدين المعلومِ صحتُه { مَا لَكَ مِنَ الله } من جهته العزيزة { مِن وَلِىّ } يلي أمرَك عموماً { وَلاَ نَصِيرٍ } يدفعُ عنك عقابَه . وحيث لم يستلزم نفيُ الوليِّ نفيَ النصيرِ وُسِّط ( لا ) بين المعطوفين لتأكيد النفي وهذا من باب التهييج والإلهابِ وإلا فأنى يُتوهم إمكانُ اتباعِه عليه السلام لمِلّتهم . وهو جوابٌ للقسم الذي وطّأه اللامُ واكتُفي به عن جواب الشرط .

(1/193)


الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122)

{ الَّذِينَ ءاتيناهم الكتاب } وهم مؤمنو أهلِ الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابِه { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } بمراعاة لفظِه عن التحريف وبالتدبّر في معانيه والعمل بما فيه وهو حال مقدرةٌ والخبرُ ما بعده أو خبرٌ وما بعده مقرِّرٌ له { أولئك } إشارة إلى الموصوفين بإيتاء الكتاب وتلاوتِه كما هو حقُّه ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلتِهم في الفضل { يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي بكتابهم دون المحرِّفين فإنهم بمعزل من الإيمان به فإنه لا يجامِعُ الكفرَ ببعضٍ منه { وَمن يَكْفُرْ بِهِ } بالتحريف والكفرِ بما يصدِّقه { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } حيث اشترَوُا الكفر بالإيمان { خالدون يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } ومن جملتها التوراةُ ، وذكرُ النعمة إنما يكون بشكرها ، وشكرُها الإيمانُ بجميع ما فيها ومن جملته نعتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومن ضرورة الإيمان بها الإيمانُ به عليه الصلاة والسلام { وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } أفرِدَتْ هذه النعمةُ بالذكر مع كونها مندرجةً تحت النعمة السالفةِ لإنافتها فيما بين فنونِ النعم .

(1/194)


وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)

{ واتقوا } إن لم تؤمنوا { يَوْمًا لاَّ تَجْزِى } في ذلك اليوم { نَفْسٌ } من النفوس { عَن نَّفْسٍ } أخرى { شَيْئاً } من الأشياء أو شيئاً من الجزاء { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي فدية { وَلاَ تَنفَعُهَا شفاعة وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } وتخصيصُهم بتكرير التذكيرِ وإعادةِ التحذير للمبالغة في النُصحِ ، وللإيذان بأن ذلك فذلكةُ القضية والمقصودُ من القصة لِما أن نعمَ الله عز وجل عليهم أعظمُ وكفرَهم بها أشدُّ وأقبحُ .
{ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات } شروع في تحقيق أن هُدى الله هو ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التوحيد والإسلام الذي هو ملةُ إبراهيمَ عليه السلام ، وأن ما عليه أهلُ الكتابين أهواءٌ زائغةٌ وأن ما يدّعونه من أنهم على ملة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام فريةٌ بلا مريةٍ ببيان ما صدر عن إبراهيم وأبنائه الأنبياءِ عليهم السلام من الأقاويل والأفاعيل الناطقة بحقية التوحيدِ والإسلام وبُطلان الشركِ وبصحة نبوةِ النبي صلى الله عليه وسلم وبكونه ذلك النبيِّ الذي استدعاه إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما الصلاة والسلام بقولهما : { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } الآية فإذْ منصوب على المفعولية بمضمر مقدرٍ خوطبَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم بطريق التلوينِ أيْ واذكر لهم وقت ابتلائِه عليه السلام ليتذكروا بما وقع فيه من الأمور الداعية إلى التوحيد ، الوازعةِ عن الشرك فيقبلوا الحقَّ ويتركوا ما هم فيه من الباطل ، وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات قد مر وجهُه في أثناء تفسير قوله عز وجل : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ فِى الارض خَلِيفَةً } وقيل : على الظرفية بمُضمر مؤخَّرٍ أي وإذ ابتلاه كان كيت وكيت وقيل : بما سيجيء من قوله تعالى : { قَالَ } الخ ، والأول هو اللائق بجزالة التنزيل ، ولا يبعُد أن ينتصِبَ بمضمرٍ معطوف على اذكُروا خُوطب به بنو إسرائيلَ ليتأملوا فيما يُحْكى عمن ينتمون إلى ملة إبراهيمَ وأبنائه عليهم السلام من الأفعال والأقوال ليقتدوا بهم ويسيروا سيرتَهم .
والابتلاءُ في الأصل الاختبارُ أي تطلُب الخِبرة بحال المختَبَر بتعريضه لأمر يشُقُّ عليه غالباً فِعلُه أو تركُه ، وذلك إنما يُتصور حقيقة ممن لا وقوفَ له على عواقبِ الأمور ، وأما من العليم الخبير فلا يكون إلا مَجازاً من تمكينه للعبد من اختيار أحدِ الأمرين قبل أن يُرتِّب عليه شيئاً هو من مباديه العادية ، كمن يختبرُ عبدَه ليتعرَّف حاله من الكِياسة فيأمُره بما يليق بحاله من مَصالحه . وإبراهيمُ اسمٌ أعجميٌّ قال السُهيلي : كثيراً ما يقع الاتفاقُ أو التقاربُ بين السريانيِّ والعربي ، ألا ترى أن إبراهيمَ تفسيره أبْ رَاحِم ، ولذلك جُعل هو وزوجتُه سارةُ كافِلَيْن لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغاراً يوم القيامة على ما رَوى البُخاريُّ في حديث الرؤيا : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في الروضة إبراهيمَ عليه السلام وحوله أولادُ الناس ، وهو مفعولٌ مقدَّم لإضافة فاعلِه إلى ضميره ، والتعرُّضُ لعنوان الربوبية تشريفٌ له عليه السلام وإيذانٌ بأن ذلك الابتلأَ تربيةٌ له وترشيحٌ لأمر خطير ، والمعنى عاملَه سبحانه معاملةَ المختبِرَ حيث كلّفه أوامرَ ونواهِيَ تُظهِرُ بحسن قيامِه بحقوقها قُدرتُه على الخروج عن عُهدة الإمامةِ العظمى وتحمّلِ أعباءِ الرسالة ، د وهذه المقالةُ وتذكيرُها الناسَ لإرشادهم إلى طريق إتقانِ الأمور ببنائها على التجربة وللإيذان بأن بِعثةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أيضاً مبنيةٌ على تلك القاعدة الرصينة واقعةٌ بعد ظهور استحقاقِه عليه السلام للنبوة العامة ، كيف لا وهي التي أُجيب بها دعوةُ إبراهيمَ عليه السلام كما سيأتي .

(1/195)


واختُلف في الكلمات فقال مجاهد : هي المذكورة بعدَها ، ورُدَّ بأنه يأباه الفاء في فأتمهن ثم الاستئناف ، وقال طاوسُ عن ابن عباس رضي الله عنهما : هي عشرُ خصال كانت فرضاً في شرعه وهُن سنةٌ في شرعنا خمسٌ في الرأس : المضمضةُ والاستنشاقُ وفرقُ الرأس وقصُّ الشارب والسواكُ ، وخمس في البدن : الخِتانُ وحلقُ العانة ونتفُ الإبْطِ وتقليمُ الأظفار والاستنجاءُ بالماء .
وفي الخبر أن إبراهيمَ عليه السلام أولُ من قص الشاربَ وأولُ من اختَتَن وأولُ من قلم الأظفار وقال عكرمة عن ابن عباس : لم يُبْتلَ أحدٌ بهذا الدين فأقامه كلَّه إلا إبراهيم ابتلاه الله بثلاثين خَصلةً من خصال الإسلام ، عشرٌ منها في سورة براءة : التائبون الخ وعشر في الأحزاب : إن المسلمين والمسلمات الخ وعشر في المؤمنون : وسأل سائل إلى قوله عز وجل : { وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } وقيل : ابتلاه الله سبحانه بسبعة أشياءَ بالشمس والقمرِ والنجوم والاختتان على الكِبَر والنار وذبحِ الولدِ والهِجْرة فوفى بالكل وقيل : هن مُحاجَّتُه قومَه والصلاةُ والزكاةُ والصوم والضيافة والصبرُ عليها وقيل : هي المناسكُ كالطواف والسعي والرمي والإحرام والتعريف وغيرِهن وقيل : هي قوله عليه السلام : " الذي خلقني فهو يهدين " الآيات ثم قيل : إنما وقع هذا الابتلاءُ قبل النبوة وهو الظاهرُ وقيل : بعدها لأنه يقتضي سابقةَ الوحي وأجيب بأن مطلق الوحي لا يستلزمُ البعثةَ إلى الخلق . وقرىء برفع إبراهيمُ ونصبِ ربَّه أي دعاه بكلماتٍ من الدعاء فعل المختبِر هل يُجيبه إليهن أوْ لا { فَأَتَمَّهُنَّ } أي قام بهن حق القيام وأداهن أحسنَ التأديةِ من غير تفريط وتوانٍ كما في قوله تعالى : { وإبراهيم الذى وفى } وعلى القراءة الأخيرة فأعطاه الله تعالى ما سأله من غير نقص ويعضدُه ما رُوي عن مقاتل أنه فسَّر الكلماتِ بما سأل إبراهيمُ ربه بقوله : «رب اجعلني» الآيات . وقولُه عز وجل : { قَالَ } على تقدير انتصاب إذْ بمضمر جملةٌ مستأنفةٌ وقعت جواباً عن سؤال نشأ من الكلام فإن الابتلأَ تمهيدٌ لأمر معظَّم وظهورُ فضيلة المبتلى من دواعي الإحسان إليه فبعد حكايتها نترقب النفسُ إلى ما وقع بعدهما كأنه قيل : فماذا كان بعد ذلك؟ فقيل قال : { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } أو بيانٌ لقوله تعالى وإذ ابتلي على رأي من يجعل الكلماتِ عبارةً عما ذُكر أثرُه من الإمامة وتطهيرِ البيت ورفعِ قواعدِه وغير ذلك وعلى تقدير انتصابِ إذْ يقال فالجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها عطفَ القِصة على القصة ، والواو في المعنى داخلةٌ على قال أي وقال إذ ابتلى الخ والجعلُ بمعنى التصيير أحدُ مفعوليه الضميرُ والثاني إماماً واسم الفاعل بمعنى المضارع وأوكد منه لدلالته على أنه جاعل له اُلبتةَ من غير صارفٍ يلويه ولا عاطف يثنيه ، وللناس متعلقٌ بجاعلك أي لأجل الناس أو بمحذوف وقع حالاً من ( إماماً ) إذ لو تأخر عنه لكان صفةً له والإمام اسم لمن يؤتم به وكلُّ نبي إمامٌ لأمته ، وإمامته عليه السلام عامةٌ مؤبدةٌ إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأموراً باتباع ملته .

(1/196)


{ قَالَ } استئناف مبنيٌّ على سؤال مقدر ، كأنه قيل : فماذا قال إبراهيم عليه السلام عنده؟ فقيل : قال : { وَمِن ذُرّيَتِى } عطْفٌ على الكاف و ( من ) تبعيضيةٌ متعلقة بجاعل أي وجاعل بعضَ ذريتي؟ كما تقول : وزيداً لمن يقول سأكرمك ، أو بمحذوف أي واجعل فريقاً من ذريتي إماماً ، وتخصيصُ البعض بذلك لبَداهة استحالة إمامةِ الكلِّ وإن كانوا على الحق وقيل : التقدير وماذا يكون من ذريتي؟ والذرية نسلُ الرجل فُعّولة من ذروت أو ذريت والأصل ذُرِّوَّة أو ذُرّوْية فاجتمع في الأولى واوان زائدة وأصلية فقلبت الأصلية ياء فصارت كالثانية ، فاجتمعت واوٌ وياء وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون فقُلبت الواوُ ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت ذرية أو فُعيِّلة منهما والأصلُ في الأولى ذُرِّيوة فقلبت الواو ياء لما سبق من اجتماعهما وسَبْقِ إحداهما بالسكون فصارت ذرّيْيَة كالثانية فأدغمت الياء في مثلها فصارت ذرّية أو فُعيلة من الذرْء بمعنى الخلق والأصل ذُريئة فخففت الهمزةُ بإبدالها ياءً كهمزة خطيئة ثم أُدغمت الياء الزائدةُ في المبدلةِ أو فعيلة من الذرّ بمعنى التفريق والأصل ذُرّيرة قلبت الراء الأخيرة ياء لتوالي الأمثال كما في تسري وتقضي وتظني فأدغمت الياء في الياء كما مر أو فعولة منه والأصل ذُرّورة فقلبت الراء الأخيرة ياءً فجاء الإدغام وقرىء بكسر الذال وهي لغة فيها وقرأ أبو جعفر المدني بالفتح وهي أيضاً لغة فيها { قَالَ } استئناف مبني على سؤال ينساقُ إليه الذهنُ كما سبق { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } ليس هذا رداً لدعوتِه عليهِ السلامُ بلْ إجابةً خفيةً لها وعِدَةً إجماليةً منه تعالى بتشريف بعضِ ذريتِه عليه السلام بنيل عهدِ الإمامةِ حسبما وقع في استدعائه عليه الصلاة والسلام من غير تعيين لهم بوصفٍ مميزٍ لهم عن جميع مَنْ عداهم فإن التنصيصَ على حرمانِ الظالمين منه بمعزلٍ من ذلك التمييزِ إذ ليس معناه أنه ينالُ كلَّ من ليس بظالم منهم ضرورةَ استحالةِ ذلك كما أشير إليه ولعل إيثارَ هذه الطريقةِ على تعيين الجامعين لمبادىء الإمامة من ذريته إجمالاً أو تفصيلاً وإرسالَ الباقين لئلا ينتظمَ المقتدون بالأئمةِ من الأمةِ في سلك المحرومين ، وفي تفصيل كل فِرقةٍ من الإطناب ما لا يخفى مع ما في هذه الطريقة من تخييبِ الكفرةِ الذين كانوا يتمنَّوْن النبوة ، وقطعِ أطماعهمَ الفارغةِ من نيلها .

(1/197)


إنما أوثِرَ النيلُ على الجعلِ إيماءً إلى أن إمامة الأنبياءِ عليهم السلام من ذريته عليه السلام كإسماعيلَ وإسحقَ ويعقوبَ ويوسفَ وموسى وهارونَ وداودَ وسليمانَ وأيوبَ ويونسَ وزكريا ويحيى وعيسى وسيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً ليست بجعل مستقل بل هي حاصلة في ضمن إمامة إبراهيمَ عليه السلام تنال كلا منهم في وقت قدّره الله عز وجل ، وقرىء الظالمون على أن ( عهدي ) مفعولٌ قُدم على الفاعل اهتماماً ورعايةً للفواصلِ وفيه دليلٌ على عصمةِ الأنبياءِ عليهم السلام من الكبائر على الإطلاق وعدم صلاحية الظالمِ لِلإمامة .

(1/198)


وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

وقوله تعالى : { وَإِذْ جَعَلْنَا البيْتَ } أي الكعبةَ المعظمةَ غلب عليها غلبةَ النجم على الثريا معطوفٌ على إذِ ابتلى على أن العامل فيه هو العاملُ فيه أو مضمرٌ مستقل معطوف على المضمر الأول ، والجعلُ إما بمعنى التصيير فقوله عز وجل : { وإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ } أي الكعبةَ المعظمةَ غلب عليها غلبةَ النجم على الثريا معطوفٌ على إذِ ابتلى على أن العامل فيه هو العاملُ فيه أو مضمرٌ مستقل معطوف على المضمر الأول ، والجعلُ إما بمعنى التصيير فقوله عز وجل : { مَثَابَةً } أي مرجعاً يثوب إليه الزّوارُ بعدما تفرقوا عنه أو أمثالُهم أو موضِعَ ثوابٍ يثابون بحجِّه واعتمارِه ، مفعولُه الثاني ، وإما بمعنى الإبداع فهو حال من مفعوله ، واللامُ في قوله تعالى : { لِلنَّاسِ } متعلقةٌ بمحذوف وقعَ صفةً لمثابةً أي مثابة كائنة للناس أو بجعلنا أي جعلناه لأجل الناس وقرىء مثاباتٍ باعتبار تعدّدِ التائبين { وَأَمْناً } أي آمِنا كما في قوله تعالى : { حَرَماً ءامِناً } على إيقاع المصدرِ موقعَ اسمِ الفاعلِ للمبالغة أو على تقدير المضافِ أي ذا أمنِ أو على الإسنادِ المجازي أي آمِنا بحجّهِ من عذابِ الآخرةِ من حيث أن الحجَّ يجُبُّ ما قبله أو مَنْ دخله من التعرُّض له بالعقوبة وإن كان جانياً حتى يخرجَ على ما هو رأيُ أبي حنيفةَ ، ويجوز أن يُعتبر الأمنُ بالقياس إلى كل شيء كائناً ما كان ويدخل فيه أمنُ الناس دخولاً أولياً وقد اعتيدَ فيه أمنُ الصيد حتى إن الكلبَ كان يهُمُّ بالصيد خارجَ الحرم فيفِرُّ منه وهو يتبعه فإذا دخل الصيد الحرمَ لم يتبعْه الكلبُ { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } على إرادةِ قولٍ هو عطفٌ على ( جعلنا ) أو حال من فاعله أي وقلنا أو قائلين لهم اتخذوا الخ وقيل : هو بنفسهِ معطوفٌ على الأمرِ الذي يتضمنه قوله عز وجل : { مَثَابَةً لّلنَّاسِ } كأنه قيل : توبوا إليه واتخذوا الخ وقيل : على المضمرِ العاملِ في إذ وقيل : هي جملةٌ مستأنفةٌ والخطابُ على الوجوه الأخيرةِ له عليه السلام ولأمتهِ والأولُ هو الأليقُ بجزالةِ النظم الكريم ، والأمرُ صريحاً كان أو مفهوماً من الحكاية للاستحباب ومن تبعيضية والمقام اسمُ مكانٍ وهو الحجَرُ الذي عليه أثر قدمُه عليه السلام والموضعُ الذي كان عليه حين قام ودعا الناسَ إلى الحجِّ أو حين رفع قواعدَ البيت وهو موضعُه اليوم ، والمراد بالمصلى إما موضعُ الصلاة أو موضعُ الدعاء . رُوي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عمرَ رضي الله عنه فقال : « هذا مقامُ إبراهيم » فقال عمر رضي الله عنه : أفلا نتخذهُ مصلًّى فقال : « لم أُومرْ بذلك » فلم تغِبْ الشمسُ حتى نزلتْ . وقيل : المرادُ به الأمرُ بركعتي الطواف لما روى جابر رضي الله عنه أنه عليه السلام لما فرَغ من طوافه عمَد إلى مقامِ إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ : { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } وللشافعي في وجوبِهما قولان وقيل : مقامُ إبراهيمَ الحرمُ كلهُ وقيل : مواقفُ الحج عرفةُ والمزدَلِفةُ والجِمارُ ، واتخاذُها مصلى أن يدعى فيها ويتقرَّبَ إلى الله عز وجل وقرىء واتخَذوا على صيغة الماضي عطفاً على جعلنا أي واتخذ الناسُ من مكان إبراهيمَ الذي وُسِمَ به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قِبلةً يصلّون إليها { وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل } أي أمرناهما أمراً مؤكداً { أَن طَهّرَا بَيْتِىَ } بأن طهِّراه ، على أنّ ( أنْ ) مصدرية حذف عنها الجارُّ حذفاً مطرداً لجوازِ كون صلتِها أمراً ونهياً كما في قوله عز وجل :

(1/199)


{ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا } لأن مدارَ جوازِ كونها فعلاً إنما هو دِلالتُه على المصدر وهي متحققةٌ فيهما ، ووجوبُ كونِها خبرية في صلةِ الموصول الاسمي إنما هو للتوصّل إلى وصف المعارفِ بالجمل ، وهي لا يوصف بها إلا إذا كانت خبرية ، وأما الموصولُ الحرفيُّ فليس كذلك ولما كان الخبر والإنشاء في الد2لالة على المصدرِ سواءً ساغَ وقوعُ الأمر والنهي صلةً حسب وقوعِ الفعل فيتجرّد عند ذلك عن معنى الأمر والنهي ، نحوُ تجردِ الصلةِ الفعليةِ عن معنى المضيّ والاستقبال ، أو أنْ طهراه على أنّ «أنْ» مفسرة لتضمن العهدِ معنى القولِ ، وإضافةُ البيت إلى ضمير الجلالة للتشريف ، وتوجيهُ الأمر بالتطهيرِ ههنا إليهما عليهما السلام لا ينافي ما في سورةِ الحج من تخصيصِه بإبراهيمَ عليه السلامُ فإنَّ ذلك واقعٌ قبلَ بناءِ البيتِ كما يُفصِحُ عنه قولُه تعالى : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت } وكان إسماعيلُ عليه السلام حينئذ بمعزلٍ من مثابةِ الخطابِ وظاهرٌ أنَّ هذا بعدَ بلوغِه مبلغَ الأمرِ والنهي وتمامِ البناء بمباشرته كما ينبىء عنه إيرادُهُ إثرَ حكايةِ جعلهِ مثابةً للناسِ الخ ، والمرادُ تطهيرُه من الأوثانِ والأنجاسِ وطواف الجنُب والحائضِ وغيرِ ذلك مما لا يليقُ به { لِلطَّائِفِينَ } حوله { والعاكفين } المجاورين المقيمين عنده أو المعتكفين أو القائمين { والركع السجود } جمع راكع وساجد أي للطائفين والمصلين لأنَّ القيامَ والركوعَ والسجودَ من هيئاتِ المصلي ولتقاربِ الأخيرين ذاتاً وزماناً ترك العاطف بين موصوفيهما . أو أخلِصاه لهؤلاءِ لئلا يغشاهُ غيرُهم وفيه ، إيماءٌ إلى أن ملابسةَ غيرِهم به وإن كانت مع مقارنةِ أمرٍ مباحٍ مِن قبيلِ تلويثِه وتدنيسِه .

(1/200)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)

{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم } عطفٌ على ما قبلَهُ منْ قولِه : وإذ جعلنا الخ إما بالذاتِ أو بعاملِه المضمرِ كما مرَّ { رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } ذا أمنٍ كعيشةٍ راضيةٍ أو آمناً أهلُهُ كليلةِ نائم أي اجعل هذا الواديَ من البلادِ الآمنة وكان ذلك أول ما قَدِمَ عليه السلام مكة كما روى سعيدُ بنُ جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه عليه الصلاة والسلام لما أسكنَ إسمعيلَ وهاجَر هناك وعادَ متوجهاً إلى الشام تَبعتْه هاجرُ فجعلتْ تقول : إلى من تَكِلُنا في هذا البلقَعِ وهو لا يَرُدُّ عليها جواباً حتى قالت آلله أمرك بهذا فقال : نعمْ قالت : إذنْ لا يُضيِّعُنا فرضِيَتْ ومضى حتى إذا استوى على ثَنِيّةِ كَداءٍ أقبل على الوادي فقال : «ربنا إني أسكنت» الآية وتعريفُ البلدِ مع جعلِه صفة لهذا في سورة إبراهيم إن حمل على تعدد السؤال لما أنه عليه السلام سأَلَ أولاً كلا الأمرين البلديةِ والأمنِ فاسْتُجيبَ له في أحدِهما وتأخرَ الآخرُ إلى وقته المقدر له لما تقتضيه الحكمةُ الباهِرَةُ ثمَّ كرَّرَ السؤالَ حسبما هو المعتادُ في الدعاءِ والابتهالِ أو كان المسؤولُ أولاً البلديةَ ومجردَ الأمنِ المصححِ للسُكنى كما في سائرِ البلاد وقد أجيبَ إلى ذلك ، وثانياً الأمنُ المعهودُ أو كان هو المسؤول أولاً أيضاً وقد أجيب إليه لكنَّ السؤالَ الثانيَ لاستدامتِه ، والاقتصارُ على سؤالِه مع جعلِ البلدِ صفةً لهذا لأنهُ المقصِدُ الأصليُّ أو لأنَّ المعتادَ في البلدية الاستمرارُ بعد التحقق بخلافِ الأمنِ وإن حمل على وحدةِ السؤالِ وتكرُرِ الحكايةِ كما هو المتبادرُ فالظاهرُ أن المسؤولَ كلا الأمرين . وقد حُكي ذلك ههنا واقتُصرَ هناك على حكايةِ سؤالِ الأمنِ اكتفاءً عن حكايةِ سؤالِ البلديةِ بحكايةِ سؤال جعل أفئدة الناس تهوي إليه كما سيأتي تفصيلُه هناك بإذنِ الله عز وجل { وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات } من أنواعها بأن تجعلَ بقربٍ منه قرُىً يحصُل فيها ذلك أو يجبى إليه من الأقطارِ الشاسعةِ وقد حصل كلاهما حتى إنه يجتمعُ فيه الفواكهُ الربيعيةُ والصيفيةُ والخريفية في يومٍ واحدٍ . روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الطائفَ كانت من أرض فلِسطينَ فلما دعا إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوة رفعها الله تعالى فوضعَها حيث وضعها رزقاً للحرم وعن الزهري : أنه تعالى نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوةِ إبراهيم عليه الصلاة والسلام { مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله } بدلٌ من أهلِه بدلَ البعض ، خصهم بالدعاء إظهاراً لشرفِ الإيمان وإبانةً لخطره واهتماماً بشأن أهلِهِ ومراعاةً لحسنِ الأدبِ وفيه ترغيب لقومِه في الإيمان وزجر عن الكفر كما أن في حكايتِه ترغيباً وترهيباً لقريش وغيرهم من أهل الكتاب { قَالَ } استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كما مر مراراً وقوله تعالى : { وَمَن كَفَرَ } عطفٌ على مفعولِ فعلٍ محذوف تقديره ارزقْ من آمن ومن كفر وقولُه تعالى : { فَأُمَتّعُهُ } معطوفٌ على ذلك الفعل أو في محل رفع بالابتداء وقولُه تعالى : فأمتعه خبرُه أي فأنا أمتعُهُ وإنما دخلته الفاءُ تشبيهاً له بالشرط .

(1/201)


والكفرُ وإن لم يكنْ سبباً للتمتيعِ المطلقِ لكنه يصلح سبباً لتقليلِه وكونِه موصولاً بعذابِ النار ، وقيلَ : هو عطفٌ على من آمن عطفَ تلقينٍ كأنه قيلَ : قلْ وارزقْ من كفرَ فإنه أيضاً مجابٌ كأنَّهُ عليه السلامُ قاسَ الرزقَ على الإمامة فنبههُ تعالى على أنهُ رحمةٌ دنيويةٌ شاملةٌ للبَرِّ والفاجرِ بخلافِ الإمامةِ الخاصةِ بالخواص وقرىء فأُمْتِعُه من أمتع وقرىءَ فنمُتِّعُه { قَلِيلاً } تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار } أي أَلُزُّهُ إليه لزَّ المضطرِ لكفرِه وتضييعِه ما متّعتُه به من النعمِ وقرىءَ ثمَّ نضطَرُّه على وفق قراءة فنُمتِّعه وقرىء فأَمتِعْه قليلاً ثم اضْطَرَّهُ بلفظ الأمرِ فيهما على أنهما من دعاء إبراهيم عليه السلامُ وفي ( قال ) ضميره وإنما فصلُه عما قبله لكونِه دعاءً على الكفرة ، وتغيير سبكهِ للإيذانِ بأنَّ رَ سببٌ لاضطرارهم إلى عذابِ النارِ وأمالكفرَ رزقُ من آمن فإنما هو على طريقةِ التفضّلِ والإحسانِ وقرىءَ بكسر الهمزةِ على لغةِ من يكسرُ حرفَ المضارعةِ وأَطَّرُّه بإدغام الضادِ في الطاء وهي لغةٌ مرذولةٌ فإنَّ حروفَ ( ضم شفر ) يُدغمُ فيها ما يجاورُها بلا عكسِ { وَبِئْسَ المصير } المخصوص بالذم محذوفٌ أي بئس المصيرُ النارُ أو عذابُها .

(1/202)


وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)

{ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت } عطفٌ على ما قبله من قوله عز وعلا : { وَإِذْ قَالَ إبراهيم } على أحد الطريقين المذكورين في ( وإذ جعلنا ) وصيغةُ الاستقبال لحكايةِ الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتها العجيبةِ المنبثقة عن المعجزةِ الباهرةِ ، والقواعدُ جمع قاعدة وهي الأساسُ صفةٌ غالبة من القعود بمعنى الثبات ، ولعله مجازٌ من مقابل القيام ومنه قعدك الله ، ورفعِه البناءَ عليها لأنه ينقُلها من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاعِ ، والمرتفعُ حقيقة وإن كان هو الذي بُني عليها لكنهما لمّا التأما صارا شيئاً واحداً فكأنها نمت وارتفعت ، وقيل : المراد بها ساقاتُ البناء فإن كل ساقٍ قاعدةٌ لما يبنى عليها ويرفعها بناءَ بعضِها على بعض ، وقيل : المرادُ برفعها رفعُ مكانةِ البيت وإظهارُ شرفِه ودعاءُ الناس إلى حجِّه ، وفي إبهامها أولاً ثم تبيينِها من تفخيم شأنها ما لا يخفى وقيل : المعنى وإذ يرفع إبراهيمُ ما قعد من البيت واستوطأ ، يعني يجعل هيئةَ القاعدةِ المستَوطَأةِ مرتفعةً عالية بالبناء ، رُوي أن الله عز وجل أنزل البيتَ ياقوتةً من يواقيت الجنة له بابانِ من زُمُرُّذ شرقي وغربي وقال لآدمَ : أهبطتُ لك ما يُطاف به كما يطاف حول عرشي فتوجه آدمُ من أرضِ الهندِ إلى مكةَ ماشياً وتلقَتْه الملائكةُ فقالوا : بَرَّ حجَّك يا آدمُ لقد حجَجْنا هذا البيتَ قبلك بألفي عام ، وحج آدمُ عليه السلام أربعينَ حجةً من أرض الهند إلى مكةَ على رجليه فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيامَ الطوفان إلى السماءِ الرابعةِ فهو البيتُ المعمور وكان موضعُه خالياً إلى زمن إبراهيمَ عليه السلام فأمره سبحانه ببنائه وعرَّفه جبريلُ عليه السلام بمكانه وقيل : بعث الله السكينةَ لتدلَّه عليه فتبعها إبراهيم عليه السلام حتى أتى مكة المعظّمة . وقيل : بعث الله سَحابةً على قدْرِ البيت وسار إبراهيمُ في ظلها إلى أن وافت مكةَ المعظمةَ فوقفت على موضع البيت فنُودي أنِ ابْنِ على ظلّها ولا تزدْ ولا تنقُصْ . وقيل : بناه من خمسة أجبُل : طورِ سَيْناء ، وطورِ زيتا ، ولبنانَ ، والجُوديِّ وأسّسه من حِراءَ . وجاء جبريلُ عليه السلام بالحجر الأسود من السماء . وقيل : تمخّض أبو قُبَيْس فانشقَّ عنه وقد خُبِىءَ فيه في أيام الطوفان وكان ياقوتةً بيضاءَ من يواقيتِ الجنة فلما لمستْه الحُيَّضُ في الجاهلية اسودّ . وقال الفاسيّ في مثير الغرام في تاريخ البلد الحرام والذي يتحصل من جملة ما قيل في عدد بناء الكعبة أنها بنيت عشرَ مرات منها بناءُ الملائكة عليهم السلام ذكره النووي في تهذيب الأسماءِ واللغات والأزرقيُّ في تاريخه وذكر أنه كان قبل خلقِ آدمَ عليه السلام ومنها بناءُ آدمَ عليه السلام ذكره البيهقي في دلائل النبوة وروى فيه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : بعث الله عز وجل جبريلَ إلى آدمَ عليهما السلام فقال له ولحواءَ : ابنِيا لي بَيْتاً فحطَّ جبريلُ وجعل آدمُ يحفِرُ وحواءُ تنقُل الترابَ حتى إذا أصاب الماء نودي من تحته حسبُك آدمُ فلما بنياه أوحى إليه أن يطوفَ به فقيل له : أنت أولُ الناس وهذا أولُ بيتٍ وهكذا ذكره الأزرقي في تاريخه وعبدُ الرزاق في مصنفه .

(1/203)


ومنها بناءُ بني آدم عندما رُفعت الخيمة التي عزّى الله تعالى بها آدم عليه السلام وكانت ضُربت في موضع البيت فبنى بنوه مكانَها بيتاً من الطين والحجارة فلم يزل معموراً يعمرُونه هم ومن بعدهم إلى أن مسَّه الغرق في عهد نوح عليه السلام ذكره الأزرقيُّ بسنده إلى وهْب بن منبه ومنها بناءُ الخليل عليه السلام وهو منصوصٌ عليه في القرآن مشهور فيما بين قاصٍ ودان ومنها بناءُ العمالقة ومنها بناء جُرْهُم ذكرهما الأزرقيُّ بسنده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومنها بناءُ قصيِّ بنِ كلاب ذكره الزبيرُ بن بكار في كتاب النَّسَب . ومنها بناءُ قريشٍ وهو مشهور ومنها بناءُ عبد اللَّه بن الزبير رضي الله عنهما ومنها بناءُ الحجاج بنِ يوسُفَ وما كان ذلك بناءً لكلِّها بل لجدار من جدرانها . وقال الحافظ السهيلي : إن بناءها لم يكن في الدهر إلا خمسَ مرات الأولى حين بناها شيْثُ عليه السلام انتهى والله سبحانه أعلم { وإسماعيل } عطف على إبراهيمَ ولعل تأخيرَه عن المفعول للإيذان بأن الأصلَ في الرفع هو إبراهيمُ وإسماعيلُ تبعٌ له قيل : إنه كان يناوله الحجارةَ وهو يبنيها وقيل : كانا يبنيانِه من طرَفيه { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } على إرادة القولِ أي يقولان وقد قرىء به على أنه حالٌ منهما عليهما السلام وقيل : على أنه هو العاملُ في إذْ والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها والتقديرُ ويقولان ربنا تقبلْ منا إذ يرفعان أيْ وقتَ رفعِهما ، وقيل : وإسماعيلُ مبتدأٌ خبرُه قولٌ محذوفٌ وهو العامل في ( ربنا تقبل منا ) فيكون إبراهيمُ هو الرافعَ وإسماعيلُ هو الداعيَ ، والجملةُ في محل النصبِ على الحالية أي وإذ يرفع إبراهيمُ القواعدَ والحالُ أن إسماعيلَ يقولُ : ربنا تقبل منا . والتعرضُ لوصف الربوبية المنبئة عن إفاضة ما فيه صلاحُ المربوبِ مع الإضافة إلى ضميرهما عليهما السلام لتحريك سلسلةِ الإجابةِ ، وتركُ مفعول تقبّل مع ذكره في قوله تعالى : { رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء } ليعُم الدعاءُ وغيره من القُرَب والطاعات التي من جملتها ما هما بصدده من الثناء كما يُعرب عنه جعلُ الجملة الدعائية حالية { إِنَّكَ أَنتَ السميع } لجميع المسموعات التي من جملتها دعاؤُنا { العليم } بكل المعلومات التي من زُمرتها نياتُنا في جميع أعمالِنا ، والجملة تعليلٌ لاستدعاء التقبّل لا من حيث إن كونَه تعالى سميعاً لدعائهما عليماً بنياتهما مصححٌ للتقبل في الجملة بل من حيث إن علمَه تعالى بصحة نياتهما وإخلاصِهما في أعمالهما مستدعٍ له بموجَب الوعدِ تفضُّلاً ، وتأكيدُ الجملة لغرض كمالِ قوةِ يقينِهما بمضمونها ، وقصرُ نعتي السمع والعلمِ عليه تعالى لإظهار اختصاصِ دعائهما به تعالى وانقطاعِ رجائهما عما سواه بالكلية .

(1/204)


واعلم أن الظاهر أن أولَ ما جرى من الأمور المحكية هو الابتلاءُ وما يتبعه ، ثم دعاءُ البلديةِ والأمنِ وما يتعلق به ثم رفعُ قواعدِ البيت وما يتلوه ثم جعلُه مثابةً للناس والأمرُ بتطهيره ، ولعل تغيير الترتيب الوقوعيِّ في الحكاية لنظم الشؤون الصادرةِ عن جنابه تعالى في سلك مستقلٍ ونظمِ الأمور الواقعةِ من جهة إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السلام من الأفعال والأقوال في سلك آخرَ . وأما قوله تعالى : ومن كفر الخ فإنما وقع في تضاعيف الأحوال المتعلقةِ بإبراهيم لاقتضاءِ المقام ، واستيجابِ ما سبق من الكلام ذلك بحيث لم يكن بدٌّ منه أصلاً كما أن وقوعَ قوله عليه السلام : ( ومن ذريتي ) في خلال كلامِه سبحانه لذلك .

(1/205)


رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)

{ رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } مخلِصين لك أو مستسلمين من أَسلم إذا استسلم وانقادَ وأياً ما كان فالمطلوبُ الزيادةُ والثباتُ على ما كانا عليه من الإخلاصِ والإذعانِ وقرىء مسلِمين على صيغة الجمع بإدخال هاجَرَ معهما في الدعاء أو لأن التثنية من مراتب الجمع .
{ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } أي واجعل بعضَ ذريتنا وإنما خصهم بالدعاء لأنهم أحقُّ بالشفقة ولأنهم إذا صلَحوا صلَح الأتباع وإنما خَصّا به بعضَهم لمّا علما أن منهم ظلمةً وأن الحكمة الإلهية لا تقتضي اتفاقَ الكل على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله عز وجل فإن ذلك مما يُخلُّ بأمر المعاش ولذلك قيل : لولا الحمقى لخَرِبَتِ الدنيا وقيل : أراد بالأمة المسلمة أمةَ محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد جوّز أن يكونَ ( من ) مبينة قدّمت على المبين وفُصل بها بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى : { وَمِنَ الارض مِثْلَهُنَّ } والأصلُ وأمةً مسلمةً لك من ذريتنا { وَأَرِنَا } من الرؤية بمعنى الإبصارِ أو بمعنى التعريفِ أي بصِّرنا أو عرِّفنا { مَنَاسِكَنَا } أي متعبداتِنا في الحج أو مذابحَنا ، والنُسُك في الأصل غايةُ العبادة وشاعَ في الحج لما فيه من الكُلفة والبعد عن العادة وقرىء أرنا قياساً على فخذ في فخذ وفيه إجحاف لأن الكسرة المنقولة من الهمزة الساقطةِ دليل عليها وقرىء بالاختلاس { وَتُبْ عَلَيْنَا } استتابة لذريتهما ، وحكايتُها عنهما لترغيب الكفرةِ في التوبة والإيمانِ أو توبةٌ لهما عما فرط منهما سهواً ولعلهما قالاه هضماً لأنفسهما وإرشاداً لذريتهما { إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم } وهو تعليلٌ للدعاء ومزيدُ استدعاء للإجابة قيل : إذا أراد العبد أن يُستجاب له فليدع الله عز وجل بما يناسبه من أسمائه وصفاتِه { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ } أي في الأمة المسلمة { رَسُولاً مّنْهُمْ } أي من أنفسهم فإن البعث فيهم لا يستلزم البعثَ منهم ولم يُبعث من ذريتهما غيرُ النبي صلى الله عليه وسلم فهو الذي أُجيب به دعوتُهما عليهما السلام رُوي أنه قيل له : قد استُجيب لك وهو في آخر الزمان قال عليه السلام : « أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ وبُشرى عيسى ورُؤيا أمي » وتخصيصُ إبراهيمَ عليه السلام بالاستجابة له أنه الأصل في الدعاء وإسماعيلُ تبعٌ له عليه السلام { يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتك } يقرأ ويبلغهم ما يوحى إليه من البينات { وَيُعَلّمُهُمُ } بحسب قوتِهم النظرية { الكتاب } أي القرآن { والحكمة } وما يُكمل به نفوسَهم من أحكام الشريعة والمعارف الحقة { وَيُزَكّيهِمْ } بحسب قوتهم العملية أي يطهِّرهم عن دنس الشرك وفنون المعاصي { إِنَّكَ أَنتَ العزيز } الذي لا يُقهر ولا يغلب على ما يريد { الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمةُ والمصلحةُ ، والجملة تعليلٌ للدعاء وإجابةِ المسؤول فإن وصفَ الحكمةِ مقتضٍ لإفاضة ما تقتضيه الحِكمةُ من الأمور التي من جملتها بعثُ الرسول ، ووصفُ العزة مستدعٍ لامتناع وجود المانِع بالمرة .

(1/206)


وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)

{ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم } إنكارٌ واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغبُ عن ملته التي هي الحقُّ الصريحُ والدين الصحيحُ أي لا يرغب عن ملته الواضحةِ الغراء { إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } أي أذلّها واستمهَنها واستخَفّ بها ، وقيل : خسِر نفسه وقيل : أوبقَ أو أهلكَ أو جهَّلَ نفسَه . قال المبرِّدُ وثعلبٌ : سفِه بالكسر متعدَ وبالضم لازم ، ويشهد له ما ورد في الخبر : «أنْ تَسْفَه الحَقَّ وتَغْمِصَ النَّاسَ» وقيل : معناه ضل من قِبَل نفسِه وقيل : أصلُه سفِه نفسُه بالرفع فنصب على التمييز نحو غَبِن رأيُه وألِمَ رأسُه ونحو قوله :
ونأخُذُ بعده بذِناب عيش ... أجبِّ الظهرِ ليس له سَنامُ
وقوله :
وما قومي بثعلبةَ بن سعد ... ولا بفزارةَ الشُّعْرَ الرقابا
ذلك لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه أحدٌ من العقلاء فقد بالغ في إذلالِ نفسه وذلتها وإهانتِها حيث خالف بها كلَّ نفس عاقلة . روي أن عبد اللَّه بن سلام دعا ابني أخيه سلمةَ ومُهاجِراً إلى الإسلام فقال لهما : قد علمنا أن الله تعالى قال في التوراة : إني باعثٌ من ولد إسماعيل نبياً اسمُه أحمدُ فمن آمن به فقد اهتدى ورشَد ومن لم يؤمن فهو ملعون فأسلم سلمةُ وأبي مهاجر فنزلت { وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا } أي اخترناه بالنبوة والحكمة من بين سائر الخلق وأصله اتخاذُ صفوة الشيء كما أن أصلَ الاختيارِ اتخاذُ خيرِه واللامُ جواب قسم محذوف والواو اعتراضية والجملة مقررة لمضمون ما قبلها أي وبالله لقد اصطفيناه وقوله تعالى : { وَإِنَّهُ فِى الاخرة لَمِنَ الصالحين } أي من المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح ، معطوفٌ عليها داخلٌ في حيز القسم مؤكدٌ لمضمونها مقرِّرة لما تقرِّره ولا حاجة إلى جعله اعتراضاً آخرَ أو حالاً مقدرة فإن مَنْ كان صفوةً للعباد في الدنيا مشهوداً له بالصلاح في الآخرة كان حقيقاً بالاتباع لا يَرغبُ عن ملته إلا سفيهٌ أو متسفّهٌ أذل نفسَه بالجهل والإعراض عن النظر والتأمل ، وإيثارُ الاسمية لما أن انتظامه في زُمرة صالحي أهلِ الآخرة أمرٌ مستمرٌ في الدارين لا أنه يحدُث في الآخرة ، والتأكيدُ ( بإن ) واللام لما أن الأمورَ الأخروية خفية عند المخاطبين فحاجتُها إلى التأكيد أشدُّ من الأمور التي تُشاهد آثارُها ، وكلمة ( في ) متعلقةٌ بالصالحين على أن اللام للتعريف وليست بموصولة حتى يلزم تقديمُ بعض الصلة عليها على أنه قد يُغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله :
ربيتُه حتى إذا تَمْعَددا ... كان جزائي بالعصا أن أُجلَدا
أو بمحذوف من لفظه أي وأنه لصالحٌ في الآخرة لمن الصالحين أو من غير لفظه أي أعني في الآخرة نحو لك بعدَ رَعْياً وقيل : هي متعلقةٌ باصطفيناه على أن في النظم الكريم تقديماً وتأخيراً تقديرُه ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين .

(1/207)


إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)

{ إِذْ قَالَ لَهُ } ظرفٌ لاصطفيناه لما أن المتوسِّط ليس بأجنبي بل هو مقرِّر له لأن اصطفاءه في الدنيا إنما هو بالنبوة وما يتعلق بصلاح الآخرة أو تعليلٌ له منصوب باذكُرْ كأنه قيل : اذكر ذلك الوقتَ لتقف على أنه المصطفى الصالحُ المستحِقُّ للإمامة والتقدم ، وأنه ما نال ما نال إلا بالمبادرة إلى الإذعان والانقياد لما أُمر به وإخلاصِ سرِّه على أحسنِ ما يكون حين قال له { رَبُّهُ أَسْلِمْ } أي لربك { قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين } وليس الأمرُ على حقيقته بل هو تمثيلٌ والمعنى أخطر بباله دلائلَ التوحيد المؤديةَ إلى المعرفة الداعيةَ إلى الإسلام من الكوكب والقمر والشمسِ وقيل : أسلم أي أذعِنْ وأطع وقيل : اثبُتْ على ما أنت عليه من الإسلام والإخلاصِ أو استقمْ وفوِّضْ أمورك إلى الله تعالى فالأمرُ على حقيقته ، والالتفاتُ مع التعرض لعنوان الربوبيةِ والإضافةِ إليه عليه السلام لإظهارِ مزيدِ اللطفِ به والاعتناءِ بتربيته ، وإضافةُ الرب في جوابه عليه الصلاة والسلام إلى ( العالمين ) للإيذان بكمال قوةِ إسلامِه حيث أيقنَ حين النظر بشمولِ ربوبيتِه للعالمين قاطبةً لا لنفسِه وحده كما هو المأمور به { ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ } شروعٌ في بيان تكميلِه عليه السلام لغيره إثرَ بيانِ كماله في نفسه وفيه توكيدٌ لوجوب الرغبة في مِلته عليه السلام ، والتوصيةُ التقدمُ إلى الغير بما فيه خيرٌ وصلاح للمسلمين من فعلٍ أو قولٍ ، وأصلُها الوَصْلة يقال : وصّاه إذا وصَله وفصّاه إذا فَصَله كأن الموصِيَ يصِلُ فعلُه بفعل الوصيّ ، والضمير في بها للمِلّة أو قولِه أسلمتُ لرب العالمين بتأويل الكلمة كما عبر بها عن قوله تعالى : { إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الذى فَطَرَنِى } في قوله عز وجل : { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ } وقرىء أوصى والأول أبلغُ { وَيَعْقُوبَ } عطفٌ على إبراهيمُ أي وصَّى بها هو أيضاً بنيه وقرىء بالنصب عطفاً على بنيه { أَوْ بَنِى } على إضمار القولِ عند البصريين ومتعلق بوصَّى عند الكوفيين لأنه في معنى القول كما في قوله :
رَجْلانِ من ضَبَّةَ أخبرانا ... إنا رأَيْنا رَجُلاً عُريانا
فهو عند الأولين بتقدير القول وعند الآخرين متعلق بالإخبار الذي هو في معنى القول وقرىء أن يا بني ، وبنو إبراهيمَ عليه السلام كانوا أربعةً : إسماعيلُ وإسحاقُ ومدينُ ومدان وقيل : ثمانيةٌ وقيل : أربعةً وعشرين وكان بنو يعقوبَ اثني عشرَ : روبين وشمعون ولاوي ويهوذا ويشسوخور وزبولون وزوانا وتفتونا وكوذا وأوشير وبنيامين ويوسف عليه السلام { إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين } دين الإسلام الذي هو صفوةُ الأديان ولا دينَ غيرُه عنده تعالى : { فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } ظاهرُه النهيُ عن الموت على خلاف حال الإسلام والمقصودُ الأمرُ بالثبات على الإسلام إلى حين الموتِ أي فاثبُتوا عليه ولا تفارقوه أبداً كقولك : لا تصلِّ إلا وأنت خاشِعٌ ، وتغييرُ العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موتٌ لا خيرَ فيه وأن حقه أن لا يِحلَّ بهم وأنه يجب أن يحذَروه غايةَ الحذَر ، ونظيرُه مُتْ وأنت شهيدٌ رُوي أن اليهودَ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألستَ تعلم أن يعقوبَ أوصى باليهودية يوم مات؟

(1/208)


أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)

فنزلت { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت } أم منقطعةٌ مقدّرة ببل والهمزة ، والخطابُ لأهل الكتاب الراغبين عن ملة إبراهيمَ وشهداءَ جمع شهيد أو شاهد بمعنى الحاضِر و ( إذ ) ظرفٌ لشهداءَ والمرادُ بحضور الموت حضورُ أسبابه وتقديمُ يعقوبَ عليه السلام للاهتمام به إذ المرادُ بيانُ كيفية وصيته لبنيه بعد ما بين ذلك إجمالاً ومعنى بل الإضرابُ والانتقال عن توبيخهم على رغبتهم عن ملة إبراهيم عليه السلام إلى توبيخهم على افترائهم على يعقوبَ عليه السلام باليهودية حسبما حُكي عنهم وأما تعميمُ الافتراء ههنا لسائر الأنبياءِ عليهم السلام كما قيل فيأباه تخصيصُ يعقوبَ بالذكر ، وما سيأتي من قوله عز وجل : { أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم } الخ ومعنى الهمزة إنكارُ وقوعِ الشهود عند احتضارِه عليه السلام وتبكيتُهم ، وقولُه تعالى : { إِذْ قَالَ } بدلٌ من إذ حَضَر أي ما كنتم حاضرين عند احتضارِه عليه السلام وقولِه : { لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى } أي أيَّ شيءٍ تعبدُونه بعد موتي فمن أين لكم أن تدّعوا عليه عليه السلام ما تدّعون رجماً بالغيب وعند هذا تم التوبيخُ والإنكار والتبكيتُ ، ثم بَيّن أن الأمر قد جُرِّبَ حينئذ على خلاف ما زعموا وأنه عليه السلام أراد بسؤاله ذلك تقريرَ بنيه على التوحيد والإسلامِ وأخذَ ميثاقِهم على الثبات عليهما إذ به يتِمُّ وصيّتُه بقوله : فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمونَ . و ( ما ) يُسأل به عن كل شيء ما لم يُعرَّفْ فإذا عُرِّف خَصَّ العقلأَ بمَنْ إذا سئل عن شيء بعينه وإنْ سُئل عن وصفِه قيل : ما زيدٌ؟ أفقيهٌ أم طبيبٌ؟ فقوله تعالى : { قَالُواْ } استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ عن حكاية سؤال يعقوبَ عليه السلام كأنه قيل : فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا : { نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } حسبما كان مرادُ أبيهم بالسؤال أي نعبدُ الإله المتفَّقَ على وجوده وإلهيته ووجوبِ عبادته ، وعَدُّ إسماعيلَ من آبائه تغليباً للأب والجد لقوله عليه الصلاة والسلام : « عمُ الرجل صِنْوُ أبيه » وقولِه عليه السلام في العباس : « هذا بقيةُ آبائي » وقرىء أبيك على أنه جمع بالواو والنون كما في قوله :
فلما تَبَيَّنَّ أصواتَنا ... بكَيْنَ وفَدَّيْننا بالأبينا
وقد سقطت النون بالإضافة ، أو مفردٌ وإبراهيمُ عطفُ بيانٍ له وإسماعيلَ وإسحاقَ معطوفان على أبيك { إلها واحدا } بدل من إله آبائك كقوله تعالى : { بالناصية * نَاصِيَةٍ كاذبة } وفائدته التصريحُ بالتوحيد ودفعُ التوهم الناشىءِ من تكرير المضافِ لتعذر العطفِ على المجرور أو نُصب على الاختصاص { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } حال من فاعل نعبدُ أو من مفعوله أو منهما معاً ، ويُحتمل أن يكون اعتراضاً محقّقاً لمضمون ما سبق .

(1/209)


تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)

{ تِلْكَ أُمَّةٌ } مبتدأٌ وخبرٌ ، والإشارةُ إلى إبراهيمَ ويعقوبَ وبَنِيهما الموحِّدين ، والأمةُ هي الجماعة التي تؤمّها فِرقُ الناس أي يقصِدونها ويقتدون بها { قَدْ خَلَتْ } صفة للخبر أي مضت بالموت وانفردت عمن عداها ، وأصلُه صارت إلى الخلاء وهي الأرضُ التي لا أنيس بها { لَهَا مَا كَسَبَتْ } جملةٌ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب أو صفةٌ أخرى لأمة ، أو حال من الضمير في خلت وما موصولةٌ أو موصوفةٌ والعائدُ إليها محذوف أي لها ما كسبَتْه من الأعمال الصالحةِ المحكيةِ لا تتخطاها إلى غيرها فإن تقديمَ المُسندِ يوجب قصْرَ المُسند إليه عليه كما هو المشهور { وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم } عطف على نظيرتها على الوجه الأول ، وجملةٌ مبتدأة على الوجهين الأخيرين إذ لا رابطَ فيها ولا بد منه في الصفة ، ولا مقارنة في الزمان ولا بد منها في الحال أي لكم ما كسبتموه لا ما كسبه غيرُكم فإن تقديمَ المسند قد يُقصد به قصرُه على المسند إليه كما قيل في قوله تعالى : { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } أي ولي ديني لا دينُكم وحملُ الجملة الأولى على هذا القصر على معنى أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا كما قيل مما لا يساعده المقامُ إذ لا يَتوهم متوهِّم انتفاعَهم بكسب هؤلاء حتى يُحتاج إلى بيان امتناعِه وإنما الذي يُتوهم انتفاعُ هؤلاء بكسبهم فبين امتناعَه بأن أعمالَهم الصالحة مخصوصةٌ بهم لا تتخطاهم إلى غيرهم وليس لهؤلاء إلا ما كسبوا فلا ينفعُهم انتسابُهم إليهم وإنما ينفعهم اتباعُهم لهم في الأعمال كما قال عليه السلام : « يا بني هاشم لا يأتيني الناسُ بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم » { وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } إن أجريَ السؤالُ على ظاهره فالجملةُ مقرِّرة لمضمون ما مرَّ من الجملتين تقريراً ظاهراً وأن أريد به سببُه أعني الجزاءَ فهو تتميمٌ لما سبق جارٍ مَجرى النتيجةِ له وأياً ما كان فالمرادُ تخييبُ المخاطَبين وقطعُ أطماعِهم الفارغةِ عن الانتفاع بحسناتِ الأمةِ الخاليةِ وإنما أُطلق العملُ لإثبات الحكم بالطريقِ البرهاني في ضمن قاعدة كليةٍ ، هذا وقد جعل السؤال عبارةً عن المؤاخذة والموصول عن السيئات فقيل : أي لا تؤاخَذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم ، ولا ريب في أنه مما لا يليق بشأن التنزيلِ كيف لا وهم منزّهون من كسب السيئاتِ فمن أين يُتصوَّر تحميلُها على غيرهم حتى يُتصَدَّى لبيان انتفاعِه { وَقَالُواْ } شروع في بيان فنٍ آخرَ من فنون كفرِهم وهو إضلالُهم لغيرهم إثرَ بيانِ ضلالِهم في أنفسهم والضمير لأهل الكتابين على طريقة الالتفاتِ المُؤْذن باستيجاب حالِهم لإبعادهم من مقام المخاطبةِ والإعراضِ عنهم وتعديدِ جناياتهم عند غيرهم أي قالوا للمؤمنين : { كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى } ليس هذا القولُ مقولاً لكلّهم أو لأيّ طائفةٍ كانت من الطائفتين بل هو موزَّعٌ عليهما على وجه خاصَ يقتضيه حالُهما اقتضاءً مُغنياً عن التصريح به أي قالت اليهودُ : كونوا هوداً ، والنصارى : كونوا نصارى ففَعل بالنظم الكريم ما فَعل بقوله تعالى :

(1/210)


{ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } اعتماداً على ظهور المراد { تَهْتَدُواْ } جواب الأمر أن تكونوا كذلك تهتدوا { قُلْ } خطابٌ للنبي صلى الله عليه وسلم أي قل لهم على سبيل الردِّ عليهم وبيانِ ما هو الحقُّ لديهم وإرشادِهم إليه { بَلْ مِلَّةَ إبراهيم } أي لا نكون كما تقولون بل نكون أهلَ ملتِه عليه السلام وقيل : بل نتبعُ مِلّته عليه السلام ، وقد جُوِّز أن يكون المعنى بل اتَّبعوا أنتم ملَّتَه عليه السلام أو كونوا أهلَ ملّته ، وقرىء بالرفع أي بل ملتُنا أو أمرُنا مِلّتَه أو نحن مِلَّتُه أي أهلُ ملتِه { حَنِيفاً } أي مائلاً عن الباطل إلى الحق وهو حالٌ من المضاف إليه كما في رأيت وجهَ هندٍ قائمةً أو المضافِ كما في قوله تعالى : { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا } الخ { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } تعريضٌ بهم وإيذانٌ ببُطلان دعواهم اتباعَه عليه السلام مع إشراكهم بقولهم عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابن الله .

(1/211)


قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)

{ قُولُواْ } خطابٌ للمؤمنين بعد خِطابه عليه السلام بردِّ مقالتِهم الشنعاءِ على الإجمال وإرشادٌ لهم إلى طريق التوحيد والإيمان على ضربٍ من التفصيل أي قولوا لهم بمقابلة ما قالوا تحقيقاً وإرشاداً ضمنياً لهم إليه { آمنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } يعني القرآن قُدِّم على سائر الكتب الإلهية مع تأخرُّه عنها نزولاً لاختصاصِه بنا وكونِه سبباً للإيمان بها { وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والاسباط } الصُحُف وإن كانت نازلةً إلى إبراهيم عليه السلام لكن من بعده حيث كانوا متعبَّدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامِها جُعلت منزلة إليهم كما جعل القرآنُ منزلاً إلينا والأسباطُ جمعُ سِبْط وهو الحافِدُ والمرادُ بهم حَفَدةُ يعقوبَ عليه السلام أو أبناؤه الاثنا عشرَ وذراريهم فإنهم حفَدةُ إبراهيمَ وإسحاقَ { وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى } من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الباهرةِ بأيديهما حسبما فُصّل في التنزيل الجليل ، وإيرادُ الإيتاء لما أُشير إليه من التعميم ، وتخصيصُهما بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى { وَمَا أُوتِيَ النبيون } أي جملةُ المذكورين وغيرُهم { مّن رَّبّهِمُ } من الآيات البيناتِ والمعجزاتِ الباهراتِ { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } كدأب اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض وإنما اعتُبر عدمُ التفريق بينهم مع أن الكلامَ فيما أوتوه لاستلزام عدم التفريق بينهم بالتصديق والتكذيب لعدم التفريقِ بين ما أوُتوه ، وهمزةُ ( أحداً ) إما أصليةٌ فهو اسمٌ موضوع لمن يصلُح أن يخاطَب يستوي فيه المفردُ والمثنى والمجموعُ والمذكرُ والمؤنث ولذلك صح دخولُ ( بين ) عليه كما في مثل المالِ بين الناس ومنه ما في قوله صلى الله عليه وسلم : « ما أُحِلَّتِ الغنائمُ لأحدٍ سُودِ الرُّؤوسِ غيرِكم » حيثُ وصف بالجمع ، وإما مبدلةٌ من الواو فهو بمعنى واحد وعمومُه لوقوعه في حيز النفي وصحةِ دخول ( بين ) عليه باعتبار معطوفٍ قد حُذف لظهوره أي بين أحد منهم وبين غيره كما في قول النابغة
فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حَجَرٍ إلا ليالٍ قلائلُ
أي بين الخير وبيني وفيه من الدلالة صريحاً عليه تحقيقُ عدمِ التفريقِ بين كلِّ فردٍ منهم وبين من عداه كائناً من كان ما ليس في أن يقال لا نفرِّق بينهم ، والجملة حالٌ من الضمير في آمنا وقوله عز وجل : { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي مخلصون له ومُذعنون حالٌ أخرى منه أو عطفٌ على آمنا .

(1/212)


فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)

{ فَإِنْ ءامَنُواْ } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن ما تقدم من إيمانِ المخاطَبين على الوجه المحرَّرِ مَظِنَّةٌ لإيمان أهلِ الكتابين لما أنه مشتملٌ على ما هو مقبولٌ عندهم { بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ } أي بما آمنتم به على الوجهِ الذي فُصل على أن المِثْلَ مُقحَمٌ كما في قوله تعالى : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ } أي عليه ، ويعضُده قراءةُ ابنِ مسعود بما آمنتم به وقراءة أُبيّ بالذي آمنتم به ويجوزُ أن تكون الباء للاستعانة على أن المؤمَنَ به محذوفٌ لظهوره بمروره آنفاً ، أو على أن الفعلَ مُجرىً مجرى اللازمِ أي فإن آمنوا بما مر مفصلاً أو فإنْ فعلوا الإيمانَ بشهادةٍ مثلِ شهادتكم ، وأن تكون الأولى زائدةً والثانية صلةً لآمنتم و ( ما ) مصدرية أي فإن آمنوا إيماناً مثلَ إيمانِكم بما ذُكر مفصَّلاً وأن تكون للملابسة أي فإن آمنوا ملتبسين بمثل ما آمنتم ملتبسين به أو فإن آمنوا إيماناً ملتبساً به من الإذعان والإخلاص وعدم التفريق بين الأنبياء عليهم السلام فإن ما وُجد فيهم وصدَر عنهم من الشهادة والإذعان وغير ذلك مثلُ ما للمؤمنين لا عينُه بخلاف المؤمَنِ به فإنه لا يُتصوَّرُ فيه التعدّد { فَقَدِ اهتدوا } إلى الحق وأصابوه كما اهتديتم وحصل بينكم الاتحادُ والاتفاق ، وأما ما قيل من أن المعنى فإن تحرَّوُا الإيمان بطريق يهدي إلى الحق مثلِ طريقِكم فقد اهتدوا فإن وَحدَة المقصِد لا تأبى تعددَ الطريق الحقِّ ، وإرشادُهم إليه بعينه لا يلائم تجويزَ أن يكون له طريقٌ آخرُ وراءه { وَإِن تَوَلَّوْاْ } أي أعرضوا عن الإيمان على الوجه المذكور بأن أخلّوا بشيء من ذلك كأن آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض كما هو دينُهم ودَيْدَنُهم { فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ } المُشاقّة والشِقاقُ من الشِق كالمخالفة والخِلاف من الخُلف والمعاداة والعِداء من العَداوة أي التجانب ، فإن أحدَ المخالِفين يُعرِض عن الآخر صورةً أو معنى ويُولِيه خَلفَه ويأخُذُ في شِقٍ غيرِ شِقّه وعَدْوةٍ غيرِ عَدْوَتِه ، والتنوينُ للتفخيم أي هم مستوون في خلاف عظيمٍ بعيدٍ من الحق وهذا لدفع ما يُتوهم من احتمال الوِفاق بسبب إيمانِهم ببعضِ ما آمن به المؤمنونَ ، والجملةُ إما جوابُ الشرط كما هي على أن المرادَ مُشاقّتُهم الحادثةُ بعد تولِّيهم عن الإيمان كجواب الشرطية الأولى ، وإنما أُوثرت الجملةُ الاسميةُ للد2لالة على ثباتِهم واستقرارِهم في ذلك ، وإما بتأويل فاعلَموا إنما هم في شقاق . هذا هو الذي يستدعيه فخامةُشأنِ التنزيلِ الجليل ، وقد قيل : قولُه تعالى : { فَإِنْ ءامَنُواْ } الخ من باب التعجيز والتبكيتِ على منهاج قولِه تعالى : { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } ، والمعنى فإن حصّلوا ديناً آخرَ مثل دينِكم مماثلاً له في الصِحة والسَّداد فقد اهتَدوا وإذ لا إمكانَ له فلا إمكانَ لاهتدائهم ، ولا ريب في أنه مما لا يليق بحمل النظمِ الكريم عليه ، ولمّا دل تنكيرُ الشِقاق على امتناعِ الوفاقِ وأن ذلك مما يؤدي إلى الجدال والقتالِ لا محالة عقَّب ذلك بتسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتفريحِ المؤمنين بوعد النصر ، والغَلَبة ضمانُ التأييد والإعزاز ، وعبّر بالسين الدالةِ على تحقق الوقوعِ اْلبتَةَ فقيل : { فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله } أي سيكفيك شِقاقَهم فإن الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل بالأفعال ، وقد أنجز عز وعلا وعدَه الكريمِ بقتل بني النضير ، وتلوينُ الخطاب بتجريده للنبي صلى الله عليه وسلم مع أن ذلك كفايةٌ منه سبحانه للكلِّ لما أنه الأصلُ والعُمدة في ذلك وللإيذانِ بأن القيامَ بأمورِ الحروب وتحمُّلَ المُؤَن والمشاقِّ ومقاساةَ الشدائد في مناهضة الأعداء من وظائف الرؤساء فنعمته تعالى في الكفاية والنصر في حقه عليه السلام أتم وأكملُ { وَهُوَ السميع العليم } تذييلٌ لما سبق من الوعد وتأكيدٌ له والمعنى أنه تعالى يسمع ما تدعوه به ويعلم ما في نِيَّتك من إظهار الدينِ فيستجيب لك ويوصلك إلى مرادك أو وعيد للكفرة أي يسمع ما ينطِقون به ويعلم ما يضمرونه في قلوبهم مما لا خير فيه وهو معاقبهم عليه ولا يخفى ما فيه من تأكيد الوعد السابقِ فإن وعيدَ الكفرة وعد المؤمنين .

(1/213)


صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)

{ صِبْغَةَ الله } الصِّبغة من الصِّبْغ كالجلسة من الجلوس وهي الحالة التي يقع عليها الصَّبْغُ عبر بها عن الإيمان بما ذكر على الوجه الذي فصل لكونه تطهيراً للمؤمنين من أوْ ضارِ الكفر وحليةً تُزَيِّنُهم بآثاره الجميلة ومتداخِلاً في قلوبهم كما أن شأن الصَّبْغ بالنسبة إلى الثوب كذلك وقيل للمشاكلة التقديرية فإن النصارى كانوا يغمِسون أولادَهم في ماء أصفرَ يسمونه المعمودية ويزعُمون أنه تطهيرٌ لهم وبه يحِق نصرانيتُهم وإضافتها إلى الله عز وجل مع استناده فيما سلف إلى ضمير المتكلمين للتشريفِ والإيذانِ بأنها عطية منه سبحانه لا يستقِلُّ العبدُ بتحصيلها فهي إذن مصدرٌ مؤكدٌ لقوله تعالى : { مِنَ } داخل معه في حيز قولوا منتصبٌ عنه انتصابَ وعد الله عما تقدمه لكونه بمثابة فعلِه كأنه قيل : صَبَغنا الله صِبغةً وقيل : هي منصوبة بفعل الإغراء أي الزموا صبغةَ الله وإنما وُسّط بينهما الشرطيتان وما بعدهما اعتناءً ببيان أنه الإيمانُ الحقُّ وبه الاهتداءُ ومسارعةً إلى تسليته عليه الصلاة والسلام { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله } مبتدأ وخبر ، الاستفهامُ للإنكار والنفي وقولُه تعالى : { صِبْغَةَ } نصبٌ على التمييز من أحسنُ منقولٌ من المبتدأ والتقديرُ ومن صبغتُه أحسنُ من صبغته تعالى فالتفضيلُ جارٍ بين الصِّبغتين لا بين فاعليهما أي لا صبغةَ أحسنُ من صبغته تعالى على معنى أنها أحسنُ من كل صبغة على ما أشير إليه في قوله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ } الخ وحيث كان مدارُ التفضيل على تعميم الحسن الحقيقي والفَرَضي المبني على زعم الكفرة لم يلزم منه أن يكون في صبغة غيرِه تعالى حُسْنٌ في الجملة ، والجملةُ اعتراضية مقرِّرة لما في صبغة الله من معنى التبجّح والابتهاج { وَنَحْنُ لَهُ } أي لله الذي أولانا تلك النعمةَ الجليلةَ { عابدون } شكراً لها ولسائر نِعمِه ، وتقديمُ الظرف للاهتمام ورعايةِ الفواصل ، وهو عطفٌ على آمنا داخلٌ معه تحت الأمرِ وإيثارُ الاسميةِ للإشعار بدوام العبادةِ أو على فعل الإغراء بتقدير القول أي الزمَوا صِبغة الله وقولوا نحن له عابدون فقوله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً } حينئذ يجري مَجرى التعليل للإغراء { قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا } تجريدُ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم عقِبَ الكلام الداخلِ تحت الأمر الواردِ بالخطاب العام لما أن المأمورَ به من الوظائف الخاصةِ به عليه الصلاة والسلام وقُرىء بإدغام النونِ والهمزةُ للإنكار والتوبيخ أي أتجادلوننا { فِى الله } أي في دينه وتدّعون أن دينَه الحقَّ هو اليهوديةُ والنصرانية وتبنون دخولَ الجنة والاهتداءَ عليهما وتقولون تارة لن يدخلَ الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وتارة كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا { وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } جملة حالية وكذلك ما عليها أي أتجادلوننا والحالُ أنه لا وجه للمجادلة أصلاً لأنه تعالى ربُنا أي مالكُ أمرنا وأمرِكم { وَلَنَا أعمالنا } الحسنةُ الموافقةُ لأمره { وَلَكُمْ أعمالكم } السيئةُ المخالفة لحُكمه { وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } في تلك الأعمال لا نبتغي بها إلا وجهَه فأنّى لكم المُحاجّةُ وادعاء حقية ما أنتم عليه والطمعِ في دخول الجنة بسببه ودعوةِ الناس إليه .

(1/214)