صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)
{ وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان } أي التوراةَ الجامعةَ بين كونِها كتاباً وحُجةً تفرق بين الحق والباطلِ وقيل : أريد بالفرقان معجزاتُه الفارقةُ بين الحق والباطل في الدعوى أو بين الكفر والإيمان ، وقيل : الشرعُ الفارقُ بين الحلالِ والحرام أو النصرُ الذي فرّق بينه وبين عدوِّه ، كقوله تعالى : يوم الفرقان يريد به يومَ بدر { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لكي تهتدوا بالتدبر فيه والعمل بما يحويه { وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ } بيانٌ لكيفية وقوعِ العفو المذكورِ { ياقوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ باتخاذكم العجل } أي معبوداً { فَتُوبُواْ } أي فاعزِموا على التوبة { إلى بَارِئِكُمْ } أي إلى مَنْ خلقَكم بريئاً من العُيوب والنقصان والتفاوت وميّز بعضَكم من بعض بصور وهيئات مختلفة ، وأصلُ التركيب الخلوصُ عن الغير إما بطريق التقصي كما في برِىء المريضُ أو بطريق الإنشاء كما في بَرَأ الله آدم من الطين والتعرض لعنوان البارئية للإشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها ومن الغواية منتهاها حيث تركوا عبادةَ العليمِ الحكيم الذي خلقهم بلطيف حكمتِه بريئاً من التفاوت والتنافُرِ إلى عبادة البقر الذي هو مثلٌ في الغباوة ، وأن من لم يعرِفْ حقوقَ مُنعِمِه حقيقٌ بأن تُستردّ هي منه ولذلك أُمروا بالقتل وفك التركيب { فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } تماماً لتوبتكم بالبَخْع أو بقطع الشهوات ، وقيل : أُمروا أن يقتُلَ بعضُهم بعضاً وقيل : أُمر من لم يعبد العجل بقتل مَنْ عَبَده . يروى أن الرجلَ كان يرى قريبَه فلم يقدِرْ على المُضِيِّ لأمر الله تعالى فأرسل الله ضَبابةً وسحابة سوداءَ لا يتباصَرون بها فأخذوا يقتتلون من الغداة إلى العشي حتى دعا موسى وهارونُ عليهما السلام ، فكُشفت السحابةُ ونزلت التوبةُ وكانت القتلى سبعين ألفاً ، والفاء الأولى للتسبيب والثانية للتعقيب { ذلكم } إشارة إلى ما ذكر من التوب والقتل { خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } لما أنه طُهرةٌ عن الشرك ووَصْلةٌ إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } عطفٌ على محذوف على أنه خطابٌ منه سبحانه على نهج الالتفاتِ من التكلم الذي يقتضيه سياقُ النظم الكريمِ وسياقه فإن مبنى الجميعِ على التكلم إلى الغَيْبة ليكون ذريعة إلى إسناد الفعلِ إلى ضمير بارئِكم المستتبع للإيذان بعلّية عنوانِ البارئية والخلق والإحياءِ لقبول التوبة التي هي عبارةٌ عن العفو عن القتل ، تقديرُه فعلتم ما أمرتم به فتابَ عليكم بارئُكم وإنما لم يقل فتابَ عليهم على أن الضميرَ للقوم لما أن ذلك نعمةٌ أريد التذكيرُ بها للمخاطبين لا لأسلافهم هذا وقد جوز أن يكون فتاب عليكم متعلقاً بمحذوفٍ على أنه من كلام موسى عليه السلام لقومه تقديرُه إن فعلتم ما أُمِرْتم به فقد تاب عليكم ولا يخفى أنه بمعزلٍ من اللَّياقة بجلالة شأنِ التنزيلِ ، كيف لا وهو حينئذ حكايةٌ لوعد موسى عليه السلام قومَه بقَبول التوبةِ منه تعالى لا لقبوله تعالى حتماً ، وقد عرفتَ أن الآيةَ الكريمةَ تفصيلٌ لكيفية القبول المحكيِّ فيما قبل وأن المراد تذكيرُ المخاطبين بتلك النعمة . (1/132)
{ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم } تعليل لما قبله أي الذي يُكثر توفيقَ المذنبين للتوبة ويبالِغُ في قبولها منهم وفي الإنعام عليهم .
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)
{ وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى موسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } تذكيرٌ لنعمة أخرى عليهم بعد ما صدر عنهم ما صدر من الجناية العظيمةِ التي هي اتخاذُ العجل أي لن نؤمنَ لأجل قولِك ودعوتِك أو لن نُقرَّ لك ، والمؤمَنُ به إعطاءُ الله إياه التوراةَ أو تكليمَه إياه أو أنه نبيٌّ أو أنه تعالى جعل توبتَهم بقتلهم أنفسَهم { حتى نَرَى الله جَهْرَةً } أي عياناً وهي في الأصل مصدرُ قولِك جهَرتُ بالقراءة ، استُعيرت للمعاينة لما بينهما من الاتحاد في الوضوح والانكشافِ ، إلا أن الأولَ في المسموعات والثاني في المُبْصَرات ونصبُها على المصدرية لأنها نوع من الرؤية أو حالٌ من الفاعل أو المفعول وقرىء بفتح الهاء على أنها مصدر كالغَلَبة أو جمعٌ كالكَتَبة فيكون حالاً من الفاعل لا غير ، والقائلون هم السبعون المختارون لميقات التوبةِ عن عبادة العجل ، روُي أنهم لما ندِموا على ما فعلوا وقالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفرْ لنا لنكونن من الخاسرين ، أمر الله موسى عليه السلام أن يجمع سبعين رجلاً ويحضُرَ معهم الطورَ يُظهرون فيه تلك التوبةَ فلما خرجوا إلى الطور وقع عليه عمودٌ من الغمام وتغشاه كله فكلم الله موسى عليه السلام يأمره وينهاه ، وكان كلما كلّمه تعالى أوقع على جبهته نوراً ساطعاً لا يستطيع أحدٌ من السبعين النظرَ إليه وسمِعوا كلامَه تعالى مع موسى عليه السلام افعل ولا تفعل فعند ذلك طمِعوا في الرؤية فقالوا ما قالوا كما سيأتي في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى وقيل : عشرة آلاف من قومه { فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة } لفرط العنادِ والتعنّتِ وطلب المستحيل فإنهم ظنوا أنه سبحانه وتعالى مما يشبه الأجسامَ وتتعلق به الرؤيةُ تعلُّقَها بها على طريق المقابلة في الجهات والأحياز ، ولا ريبَ في استحالته إنما الممكنُ في شأنه تعالى الرؤيةُ المنزهة عن الكيفيات بالكلية وذلك للمؤمنين في الآخرة وللأفرادِ من الأنبياء الذين بلغوا في صفاء الجوهر إلى حيث تراهم كأنهم وهم في جلابيبَ من أبدانهم قد نَضَوْها وتجرّدوا عنها إلى عالم القدس في بعض الأحوال في الدنيا . قيل : جاءت نارٌ من السماء فأحرقتهم وقيل : صيحة وقيل : جنودٌ سمعوا بحسيسها فخرّوا صعِقين ميتين يوماً وليلة . وعن وهْبٍ : أنهم لم يموتوا بل لما رأَوْا تلك الهيئة الهائلةَ أخذتهم الرعدةُ ورَجَفوا حتى كادت تبِينُ مفاصلُهم وتنقضُّ ظهورُهم وأشرفوا على الهلاك فعند ذلك بكى موسى عليه السلام ودعا ربه فكشف الله عز وجل عنهم ذلك فرجعت إليهم عقولُهم ومشاعرُهم ولم تكن صعقةُ موسى عليه السلام موتاً بل غَشْيةً لقوله تعالى فلما أفاق { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } أي ما أصابكم بنفسه أو بآثاره { ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } بتلك الصاعقة ، قيدُ البعثُ به لما أنه قد يكون من الإغماء وقد يكون من النوم كما في قوله تعالى : (1/133)
{ ثُمَّ بعثناهم لِنَعْلَمَ } الخ { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي نعمةَ البعث أو ما كفرتموه بما رأيتم من بأس الله تعالى . (1/134)
{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام } أي جعلناها بحيث تُلقي عليكم ظلَّها ، وذلك أنه تعالى سخَّر لهم السحابَ يسير بسيرهم وهم في التيه يُظلهم من الشمس وينزل بالليل عمودٌ من نار يسيرون في ضوئه وثيابُهم لا تتسخ ولا تَبْلى { وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى } أي الترنجبين والسمانى وقيل : كان ينزل عليهم المنُّ مثلَ الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل إنسانٍ صاعٌ وتبعَثُ الجَنوبُ عليهم السمانى فيذبح الرجلُ منه ما يكفيه { كُلُواْ } على إرادة القول أي قائلين لهم أو قيل لهم : كلوا { مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم } من مستلذاته و ( ما ) موصولةً كانت أو موصوفةً عبارة عن المن والسلوى { وَمَا ظَلَمُونَا } كلامٌ عدَل بهم عن نهج الخطابِ السابقِ للإيذان باقتضاء جناياتِ المخاطبين للإعراض عنهم وتَعدادِ قبائحهم عند غيرهم على طريق المباثة معطوفٌ على مضمر قد حذف للإيجاز والإشعار بأنه أمر محقق غني عن التصريح به أي فظلموا بأن كفروا تلك النعمَ الجليلةَ وما ظلمونا بذلك { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكُفران إذ لا يتخطاهم ضررُه ، وتقديمُ المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفيُ السابقُ وفيه ضربُ تهكّمٍ بهم ، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارِهم على الكفر .
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)
{ وَإِذْ قُلْنَا } تذكير لنعمة أخرى من جَنابه تعالى وكَفْرةٌ أخرى لأسلافهم أي واذكروا وقت قولِنا لآبائكم إثرَ ما أنقذناهم من التيه { ادخلوا هذه القرية } منصوبةٌ على الظرفية عند سيبويه وعلى المفعولية عند الأخفش ، وهي بيتُ المقدِس وقيل : أريحا { فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } أي واسعاً هنيئاً ونصبُه على المصدرية أو الحالية من ضمير المخاطبين ، وفيه دلالة على أن المأمورَ به الدخولُ على وجه الإقامة والسُكنى ، فيؤول إلى ما في سورة الأعراف من قوله تعالى : { اسكنوا هذه القرية } { وادخلوا الباب } أي بابَ القرية على ما رُوي من أنهم دخلوا أريحاءَ في زمن موسى عليه السلام كما سيجىء في سورة المائدة أو بابَ القبة التي كانوا يصلّون إليها فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام { سُجَّدًا } أي متطامنين مُخْبتين أو ساجدين لله شكراً على إخراجهم من التيه { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } أي مسألتُنا أو أمرُك حِطة وهي فِعلة من الحط كالجِلسة وقرىء بالنصب على الأصل بمعنى حُطَّ عنا ذنوبَنا حِطة أو على أنها مفعول قولوا أي قولوا هذه الكلمة وقيل : معناها أمرُنا حِطة أي أن نحُطَّ رحالنا في هذه القرية ونقيمَ بها { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم } لما تفعلون من السجود والدعاء ، وقرىء بالياء والتاء على البناء للمفعول ، وأصلُ خطايا خطايىءُ كخضايع فعند سيبويه أُبدلت الياءُ الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف واجتمعت همزتان وأُبدلت الثانية ياء ، ثم قلبت ألفاً وكانت الهمزة بين ألفين فأُبدلت ياءً وعند الخليل قُدمت الهمزة على الياء ثم فُعل بها ما ذكر { وَسَنَزِيدُ المحسنين } ثواباً جعل الامتثالَ توبةً للمسيءِ وسبباً لزيادة الثواب للمُحْسِنِ وأُخرج ذلك عن صورة الجواب إلى الوعد إيذاناً بأن المحسنَ بصدد ذلك وإن لم يفعله فكيف إذا فعله وأنه يفعله لا محالة . (1/135)
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)
{ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ } بما أُمروا به من التوبة والاستغفار بأن أعرضوا عنه وأوردوا مكانه { قَوْلاً } آخرَ مما لا خيرَ فيه . رُوي أنهم قالوا مكان حِطة حِنْطة وقيل : قالوا بالنَّبْطية حِطاً سمقاساً يعنون حنطةً حمراءَ استخفافاً بأمر الله عز وجل { غَيْرَ الذى قِيلَ لَهُمْ } نعتٌ لقولا وإنما صُرِّح به مع استحالة تحقُّق التبديلِ بلا مغايَرةٍ تحقيقاً لمخالفتهم وتنصيصاً على المغايرة من كلِّ وجه { فَأَنزَلْنَا } أي عقيب ذلك { عَلَى الذين ظَلَمُواْ } بما ذكر من التبديل وإنما وُضِعَ الموصولُ موضعُ الضمير العائدِ إلى الموصول الأول للتعليل والمبالغةِ في الذم والتقريع ، وللتصريح بأنهم بما فعلوا قد ظلموا أنفسَهم بتعريضها لسخط الله تعالى { رِجْزًا مّنَ السماء } أي عذاباً مقدّراً منها ، والتنوينُ للتهويل والتفخيم { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } بسبب فِسقهم المستمرِّ حسبما يفيدُه الجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل ، وتعليلُ إنزال الرجزِ به بعد الإشعار بتعليله بظلمهم للإيذان بأن ذلك فسقٌ وخروجٌ عن الطاعة وغلوٌّ في الظلم وأن تعذيبَهم بجميع ما ارتكبوه من القبائح لا بعدم توبتهم فقط كما يُشعِرُ به ترتيبُه على ذلك بالفاء ، والرِّجْزُ في الأصل ما يُعاف عنه وكذلك الرجسُ وقرىء بالضم ، وهو لغة فيه والمراد به الطاعونُ ، روي أنه مات به في ساعة واحدةٍ أربعةٌ وعشرون ألفاً . (1/136)
{ وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ } تذكير لنعمةٍ أخرى كفروها وكان ذلك في التيه حين استولى عليهم العطشُ الشديد ، وتغييرُ الترتيب لما أشير إليه مراراً من قصد إبرازِ كلَ من الأمور المعدودة في معرِض أمرٍ مستقلَ واجبِ التذكير والتذكرِ ولو رُوعي الترتيبُ الوقوعي لفُهم أن الكلَّ أمرٌ واحد أُمر بذكره ، واللام متعلقة بالفعل أي استسقى لأجل قومه { فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر } رُوي أنه كان حَجَراً طورياً مكعباً حمله معه وكان ينبُع من كل وجه منه ثلاثُ أعين تسيل كلُّ عين في جدول إلى سبط وكانوا ستمائة ألفٍ وسعةَ المعسكر اثنيْ عشَرَ ميلاً أو كان حجَراً أهبطه الله تعالى مع آدمَ عليه السلام من الجنة ووقع إلى شعيب عليه السلام فأعطاه موسى عليه السلام مع العَصا أو كان هو الحجرَ الذي فرَّ بثوبه حين وضعَه عليه ليغتسل وبرّأه الله تعالى به عما رمَوْه به من الأَدَرَة فأشار إليه جبريلُ عليه السلام أن يحمِلَه أو كان حَجَراً من الحجارة وهو الأظهر في الحجة ، قيل : لم يؤمَرْ عليه السلام بضرب حجر بعينه ولكن لما قالوا كيف بنا لو أفضينا إلى أرض لا حجارة بها حَملَ حجَراً في مخلاتِه وكان يضربه بعصاه إذا نزل فيتفجَّر ويضرِبُه إذا ارتحل فييبَس فقالوا : إنْ فقَد موسى عصاه مِتْنا عطشاً ، فأوحى الله تعالى إليه أن لا تقرَعِ الحجَر وكلِّمْه يُطِعْك لعلهم يعتبرون وقيل : كان الحجر من رُخام حجمُه ذِراعٌ في ذراع والعصا عشرةُ أذرُعٍ على طوله عليه السلام من آسِ الجنة ولها شُعبتان تتقدان في الظلمة { فانفجرت } عطف على مقدّر ينسحب عليه الكلام قد حُذف للدلالة على كمال سُرعة تحقُّق الانفجار كأنه حصلَ عَقيبَ الأمرِ بالضرب أي فضُرب فانفجَرَتْ { مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا } وأما تعلقُ الفاءِ بمحذوفٍ أي فإنْ ضَرَبْتَ فقد انفجرت فغيرُ حقيق بجلالة شأن النظمِ الكريم كما لا يخفى على أحد ، وقرىء عشِرة بكسر الشين وفتحها وهما أيضاً لغتان { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } كل سبط { مَّشْرَبَهُمْ } عينُهم الخاصةُ بهم { كُلُواْ واشربوا } على إرادة القول { مِن رّزْقِ الله } هو ما رزقهم من المنّ والسلوى والماء وقيل : هو الماءُ وحده لأنه يؤكَلُ ما ينبُت به من الزروع والثمار ويأباه أن المأمورَ به أكلُ النعمة العتيدة لا ما سيطلُبونه وإضافتُه إليه تعالى مع استناد الكلِّ إليه خلقاً وملكاً إما للتشريف وإما لظهوره بغير سبب عاديّ ، وإنما لم يقُلْ من رزقنا كما يقتضيه قوله تعالى : فقلنا إلخ إيذاناً بأن الأمرَ بالأكل والشرب لم يكن بطريق الخِطاب بل بواسطة موسى عليه السلام { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الارض } العثْيُ أشدُّ الفساد فقيل لهم : لا تتمادَوْا في الفساد حال كونكم { مُفْسِدِينَ } وقيل : إنما قيد به لأن العَثْيَ في الأصل مطلقُ التعدي وإن غلب في الفساد وقد يكون في غير الفساد كما في مقابلة الظالم المعتدي بفعله وقد يكون فيه صلاحٌ راجح كقتل الخَضِر عليه السلام للغلام وخرقِه للسفينة ، ونظيرُه العيْثُ خلا أنه غالبٌ فيما يدرك حِساً .
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)
{ وَإِذْ قُلْتُمْ } تذكيرٌ لجناية أخرى لأسلافهم وكُفرانهم لنعمة الله عز وجل وإخلادِهم إلى ما كانوا فيه من الدناءة والخساسةِ ، وإسنادُ القول المحكّى إلى أخلاقهم وتوجيهُ التوبيخ إليهم لما بينهم من الاتحاد { ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد } لعلهم لم يريدوا بذلك جمعَ ما طلبوا مع ما كان لهم من النعمة ولا زوالَها وحصولَ ما طلبوا مكانها إذ يأباه التعرضُ للوحدة بل أرادوا أن يكون هذا تارةً وذاك أخرى . رُوي أنهم كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم فأجمعوا ما كانوا فيه من النعمة العتيدة لوحدتها النوعية وإطرادها وتاقت أنفسُهم إلى الشقاء { فادع لَنَا رَبَّكَ } أي سله لأجلنا بدعائك إياه والفاء لسببية عدمِ الصبر للدعاء ، والتعرضُ لعنوان الربوبية لتمهيد مبادي الإجابة { يُخْرِجْ لَنَا } أي يُظهِرْ لنا ويوجِدْ والجزم لجواب الأمر { مِمَّا تُنبِتُ الارض } إسناد مجازيٌّ بإقامَةِ القابلِ مُقامَ الفاعل ومن تبعيضيةٌ والتي في قوله تعالى : { مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا } بيانية واقعةٌ موقعَ الحال أي كائناً من بقلها الخ وقيل : بدلٌ بإعادة الجارِّ ، والبقلُ ما تنبتُ الأرضُ من الخُضَر والمراد به أطايبُه التي تؤكلُ كالنَّعناع والكُرفُس والكُرَّاث وأشباهِها ، والفومُ الحِنطةُ وقيل : الثوم وقرىء قُثائها بضم القاف وهو لغة فيه { قَالَ } أي الله تعالى أو موسى عليه السلام إنكاراً عليهم وهو استئناف وقع جواباً عن سؤال مقدر كأنه قيل : فماذا قال لهم فقيل قال : { أَتَسْتَبْدِلُونَ } أي أتأخُذون لأنفسِكم وتختارون { الذى هُوَ أدنى } أي أقربُ منزلةً وأدون قدراً سهلُ المنال وهينُ الحصول لعدم كونه مرغوباً فيه وكونه تافهاً مرذولاً قليلَ القيمة ، وأصلُ الدنوّ القُرب في المكان فاستعير للخِسة كما استعير البُعدُ للشرف والرفعة ، فقيل : بعيدُ المحل وبعيدُ الهمة وقرىء أدنأُ من الدناءة وقد حملت المشهورة على أن ألفها مبدلة من الهمزة { بالذى هُوَ خَيْرٌ } أي بمقابلة ما هو خيرٌ فإن الباء تصحب الذاهبَ الزائلَ دون الآتي الحاصل كما في التبدل والتبديل في مثل قوله عز وجل : { وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان } وقوله : { وبدلناهم بجناتهم جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ } وليس فيه ما يدل قطعاً على أنهم أرادوا زوالَ المنِّ والسلوى بالمرة ، وحصولُ ما طلبوا مكانه لتحقق الاستبدال فيما مر من صورة المناوبة { اهبطوا مِصْرًا } أُمروا به بياناً لدناءة مطلَبِهم أو إسعافاً لمرامهم أي انحدروا إليه من التّيه يقال : هبَط الواديَ وقرىء بضم الباء ، والمِصرُ البلدُ العظيم وأصله الحدُّ بين الشيئين ، وقيل : أريد به العلُم وإنما صُرف لسكون وسَطِه أو لتأويله بالبلد دون المدينة ، ويؤيده أنه في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه غيرُ منون ، وقيل : أصلُه مِصْراييم فعرب { فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ } تعليلٌ للأمر بالهبوط أي فإن لكم فيه ما سألتموه ، ولعل التعبيرَ عن الأشياء المسؤولة بما للاستهجان بذكرها كأنه قيل : فإنه كثيرٌ فيه مبتذلٌ يناله كلُّ أحد بغير مشقة { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة } أي جعلتا محيطتين بهم إحاطةَ القُبة بمن ضربت عليه أو ألصِقتا بهم وجعلتا ضربةَ لازبٍ لا تنفكان عنهم مجازاةً لهم على كُفرانهم ، مِنْ ضَرْبِ الطينِ على الحائط بطريق الاستعارة بالكناية ، واليهودُ في غالب الأمر أذلاءُ مساكينُ إما على الحقيقة ، وإما لخوف أن تضاعَفَ جزيتُهم { وَبَاءوا } أي رجعوا ، { بِغَضَبٍ } عظيم وقوله تعالى : { مِنَ الله } متعلق بمحذوف هو صفةٌ لغضبٍ مؤكِّدٌ لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافيةِ أي بغضب كائنٍ من الله تعالى أو صاروا أحقاءَ به ، من قولهم باءَ فلانٌ بفلان أي صار حقيقاً بأن يُقتلَ بمقابلته ، ومنه قول من قال : بُؤْ بشِسْعِ نعلِ كُلَيبٍ ، وأصل البَوْء المساواة { ذلك } إشارةٌ إلى ما سلف من ضرب الذِلة والمسكنةِ والبَوْءِ بالغضب العظيم { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { كَانُواْ يَكْفُرُونَ } على الاستمرار { لَّهُ مَقَالِيدُ } الباهرة التي هي المعجزاتُ الساطعةُ الظاهرة على يدي موسى عليه السلام مما عُد وما لم يُعَدَّ { وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق } كشَعْيا وزكريا ويحيى عليهم السلام ، وفائدةُ التقييد مع أن قتل الأنبياءِ يستحيل أن يكون بحق الإيذانُ بأن ذلك عندهم أيضاً بغير الحق إذ لم يكن أحد معتقداً بحقية قتلِ أحدٍ منهم عليهم السلام وإنما حملهم على ذلك حبُّ الدنيا واتباعُ الهوى والغلوُّ في العصيان والاعتداءُ كما يفصح عنه قوله تعالى : { ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } أي جرَّهم العصيانُ والتمادي في العُدوان إلى ما ذُكر من الكفر وقتلِ الأنبياءِ عليهم السلام فإن صِغارَ الذنوب إذا دُووِمَ عليها أدتْ إلى كبارها كما أن مداومةَ صغارِ الطاعات مؤديةٌ إلى تحرّي كبارِها ، وقيل : كُرِّرت الإشارةُ للدلالة على أن ما لَحِقَهم كما أنه بسبب الكفر والقتلِ فهو بسببِ ارتكابِهم المعاصيَ واعتدائهم حدودَ الله تعالى وقيل : الإشارةُ إلى الكفر والقتل ، والباء بمعنى مع ويجوز الإشارة إلى المتعدِّد بالمفرد بتأويل ما ذُكر أو تقدم كما في قول رؤبة بنِ العجاج : (1/137)
فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَق ... كأنه في الجِلد توليعُ البَهَقْ (1/138)
أي كان ما ذُكر والذي حسَّن ذلك في المضْمَرات والمبهمات أن تثنيتها وجمعَها ليسا على الحقيقة ولذلك جاء الذي بمعنى الذين
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } أي بألسنتهم فقط وهم المنافقون بقرينة انتظامِهم في سِلك الكفرة ، والتعبيرُ عنهم بذلك دون عُنوانِ النفاقِ للتصريح بأن تلك المرتبةَ وإن عُبِّر عنها بالإيمان لا تُجديهم نفعاً أصلاً ولا تُنْقِذُهم من ورطة الكفر قطعاً { والذين هَادُواْ } أي تهوَّدوا من هادَ إذا دخَل في اليهودية ، ويهودُ إما عربي من هاد إذا تاب سُموا بذلك حين تابوا من عبادة العجل وخُصوا به لما كانت توبتُهم توبةً هائلة ، وإما معرَّبُ يهوذا كأنهم سُمّوا باسم أكبرِ أولادِ يعقوبَ عليه الصلاة والسلام { والنصارى } جمع نَصرانٍ كندامَى جمعُ ندمانٍ يقال : رجلٌ نصرانٌ وامرأة نصرانةٌ والياء في نصراني للمبالغة كما في أحمريّ سُموا بذلك لأنهم نَصَروا المسيحَ عليه السلام أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها نَصرانُ فسُمّوا باسمها أو نُسبوا إليها والياء للنسبة ، وقال الخليل واحدُ النصارى نَصري كمَهْري ومهارى { والصابئين } هم قومٌ بين النصارى والمجوس وقيل : أصلُ دينهم دينُ نوح عليه السلام وقيل : هم عبدةُ الملائكة وقيل : عبدةُ الكواكب فهو إن كان عربياً فمن صَبأ إذا خرج من دين إلى آخرَ وقرىء بالياء ، إما للتخفيف ، وإما لأنه من صَبَا إذا مال لما أنهم مالوا من سائر الأديان إلى ما هم فيه ، أو من الحق إلى الباطل { مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الاخر } أي من أحدث من هذه الطوائفِ إيماناً خالصاً بالمبدأ والمَعاد على الوجه اللائق { وَعَمِلَ } عملاً { صالحا } حسبما يقتضيه الإيمانُ بما ذكر { فَلَهُمْ } بقابلة ذلك { أَجْرَهُمْ } الموعودُ لهم { عِندَ رَبّهِمْ } أي مالك أمرِهم ومُبلّغُهم إلى كمالهم اللائقِ ، فمَنْ إما في محل الرفع على الابتداء خبرُه جملةُ فلهم أجرُهم والفاءُ لتضمُّن الموصولِ معنى الشرط كما في قوله تعالى : { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين } الآية ، وجُمع الضمائرُ الثلاثة باعتبار معنى الموصول كما أن إفرادَ ما في الصلة باعتبار لفظِه والجملةُ كما هي خبرُ إن والعائدُ إلى اسمها محذوفٌ أي من آمن منهم الخ ، وإما في محل النصبِ على البدلية من اسمِ ( إن ) وما عُطف عليه وخبرُها فلهم أجرهم و ( عند ) متعلِّق بما تعلّق به لهم من معنى الثبوت ، وفي إضافته إلى الرب المضافِ إلى ضميرهم مزيدُ لُطفٍ بهم وإيذانٌ بأن أجرَهم مُتَيقَّنُ الثبوت مأمونٌ من الفَوات . (1/139)
{ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } عطف على جملة فلهم أجرُهم أي لا خوف عليهم حين يخاف الكفارُ العقاب { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } حين يحزن المقصِّرون على تضييع العُمر وتفويتِ الثواب ، والمرادُ بيانُ دوامِ انتفائهما لا بيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يوهمه كونُ الخبرِ في الجملة الثانية مضارعاً لما مر من أن النفيَ وإن دخلَ على نفس المضارِعِ يفيد الدوامَ والاستمرارَ بحسب المقام ، هذا وقد قيل : المرادُ بالذين آمنوا المتديّنون بدين الإسلام المُخلِصون منهم والمنافقون ، فحينئذ لا بد من تفسير مَنْ آمن بمن اتصف منهم بالإيمان الخالصِ بالمبدأ والمَعاد على الإطلاق ، سواءٌ كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه كإيمان المُخلصين أو بطريق إحداثه وإنشائه كإيمان مَنْ عداهم من المنافقين وسائر الطوائف ، وفائدةُ التعميم للمخلصين مزيدُ ترغيبِ الباقين في الإيمان ببيان أن تأخيرَهم في الاتصاف به غيرُ مُخلَ بكونهم أسوةً لأولئك الأقدمين في استحقاق الأجرِ وما يتبعه من الأمن الدائم ، وأما ما قيل في تفسيره من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدِّقاً بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملاً بمقتضى شرعِه فمما لا سبيل إليه أصلاً لأن مقتضى المقام هو الترغيبُ في دين الإسلام ، وأما بيانُ حال من مضى على دين آخرَ قبل انتساخِه فلا ملابسةَ له بالمقام قطعاً بل ربما يُخِلُّ بمقتضاه من حيث دَلالتُه على حقِّيته في زمانه في الجملة ، على أن المنافقين والصابئين لا يتسنى في حقهم ما ذكر ، أما المنافقون فإن كانوا من أهل الشرك فالأمرُ بيِّن ، وإن كانوا من أهل الكتاب فمن مضى منهم قبل النسخِ ليسوا بمنافقين ، وأما الصابئون فليس لهم دينٌ يجوز رعايتُه في وقت من الأوقات ولو سَلِم أنه كان لهم دينٌ سماوي ثم خرجوا عنه فمن مضى من أهل ذلك الدين قبل خروجِهم منه فليسوا من الصابئين فكيف يُمكِنُ إرجاعُ الضمير الرابطِ بين اسمِ إن وخبرِها إليهم أو إلى المنافقين ، وارتكابُ إرجاعِه إلى مجموع الطوائفِ من حيث هو مجموعٌ لا إلى كل واحدة منها قصداً إلى درج الفريقِ المذكور فيه ضرورةَ أن من كان من أهل الكتاب عاملاً بمقتضى شرعِه قبل نسخِه من مجموع الطوائفِ بحُكم اشتمالِه على اليهود والنصارى وإن لم يكن من المنافقين والصابئين مما يجبُ تنزيهُ ساحةِ التنزيل عن أمثاله ، على أن المخلصين مع اندراجهم في حيز اسم إنّ ليس لهم في حيز خبرها عينٌ ولا أثر فتأملْ وكن على الحق المبين .
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)
{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } تذكيرٌ لجناية أخرى لأسلافهم أي واذكروا وقت أخْذِنا لميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور } عطفٌ على قوله أخذْنا أو حالٌ أي وقد رفعنا فوقَكم الطورَ كأنه ظُلة ، رُوي أن موسى عليه السلام لمّا جاءهم بالتوراة فرأَوْا ما فيها من التكاليف الشاقةِ كبُرت عليهم فأبَوْا قَبولها فأُمر جبريلُ عليه السلام فقلَعَ الطورَ فظلله عليهم حتى قبِلوا . (1/140)
{ خُذُواْ } على إرادة القول { مَا ءاتيناكم } من الكتاب { بِقُوَّةٍ } بجدَ وعزيمة { واذكروا مَا فِيهِ } أي احفَظوه ولا تنسَوْه أو تفكروا فيه فإنه ذكرٌ بالقلب أو اعملوا به { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } لكي تتقوا المعاصيَ أو لتنجُوا من هلاك الدارين أو رجاءً منكم أن تنتظِموا في سلك المتقين أو طلباً لذلك وقد مر تحقيقُه { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } أي أعرضْتم عن الوفاء بالميثاق { مِن بَعْدِ ذلك } من بعد أخذِ ذلك الميثاقِ المؤكد { فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بتوفيقكم للتوبة أو بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم حيث يدْعوكم إلى الحق ويهديكم إليه { لَكُنتُم مّنَ الخاسرين } أي المفتونين بالانهماكِ في المعاصي والخبْطِ في مهاوي الضلال عند الفترة . وقيل : لولا فضلُه تعالى عليكم بالإمهال وتأخيرِ العذاب لكنتم من الهالكين وهو الأنسبُ بما بعده وكلمةُ ( لولا ) إما بسيطةٌ أو مركبة من لو الامتناعية وحرف النفي ومعناها امتناعُ الشيءِ لوجود غيرِه كما أن ( لو ) لامتناعه لامتناعِ غيرِه والاسم الواقعُ بعدها عند سيبويه مبتدأٌ خبرُه محذوف وجوباً لدلالة الحال عليه وسدِّ الجواب مسدَّه ، والتقديرُ لولا فضلُ الله حاصلٌ ، وعند الكوفيين فاعل فعلٍ محذوف أي لولا ثبَتَ فضلُ الله تعالى عليكم .
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)
{ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ } أي عرفتم { الذين اعتدوا مِنكُمْ فِى السبت } رُوي أنهم أُمروا بأن يتمحَّضوا يوم السبت للعبادة ويتجرَّدوا لها ويتركوا الصيدَ فاعتدى فيه أناسٌ منهم في زمن داودَ عليه السلام فاشتغلوا بالصيد وكانوا يسكُنون قريةً بساحل البحر يقال لها أَيْلة فإذا كان يومُ السبت لم يبقَ في البحر حوتٌ إلا برزَ وأخرج خُرطومه فإذا مضى تفرقت فحفَروا حِياضاً وشرَعوا إليها الجداولَ وكانت الحيتانُ تدخلُها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد ، فالمعنى وبالله لقد علمتوهم حين فعلوا من قَبيل جناياتكم ما فعلوا فلم نُمهِلْهم ولم نؤخِّرْ عقوبتَهم بل عجلناها { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } أي جامعين بين صورةِ القردةِ والخسُوء ، وهو الطرد والصَّغار ، على أن خاسئين نعتٌ لقِردة وقيل : حال من اسم كونوا عند من يُجيز عملَ كان في الظروفِ والحالِ ، وقيل : من الضمير المستكنّ في قِردة لأنه في معنى ممسوخين ، وقال مجاهد : ما مُسخت صورُهم ولكن قلوبُهم فمُثلوا بالقِردة كما مُثِّلوا بالحمار في قوله تعالى : { كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً } والمرادُ بالأمر بيانُ سرعةِ التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراده عز وجل وقرىء قَرِدةً بفتح القاف وكسر الراء وخاسين بغير همز { فَجَعَلْنَاهَا } أي المَسخةَ والعقوبة { نكالا } عبرةً تُنكّل المعتبِرَ بها أي تمنعُه وتردعُه ومنه النِّكْلُ للقيد { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } لما قبلها وما بعدها من الأمم إذ ذُكِرَتْ حالُهم في زبُر الأولين واشتهرت قصصُهم في الآخِرين أو لمعاصريهم ومَنْ بعدهم ، أو لِما بحضرتها من القُرى وما تباعد عنها أو لأهل تلك القرية وما حواليها أو لأجل ما تقدم عليها من ذنوبهم وما تأخَّر منها { وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } من قومهم أو لكلِّ مُتقٍ سمِعَها { وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ } توبيخ آخرُ لإخلاف بني إسرائيلَ بتذكير بعضِ جناياتٍ صدرت عن أسلافهم أي واذكروا وقت قولِ موسى عليه السلام لأجدادكم { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } وسببه أنه كان في بني إسرائيلَ شيخٌ موسر فقتلَه بنو عمِّه طمعاً في ميراثه فطرَحوه على باب المدينة ثم جاءوا يطالبون بديته فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرةً ويضرِبوه ببعضها فيَحْيَا فيُخْبِرَهم بقاتله { قَالُواْ } استئنافٌ وقع جواباً عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل : فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الامتثال أو لا؟ فقيل : قالوا { أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } بضم الزاء وقلب الهمزة واواً وقرىء بالهمزة مع الضم والسكون أي أتجعلنا مكانَ هُزْءٍ أو أهلَ هُزْءٍ أو مهزوءاً بنا أو الهزُوُ نفسه استبعاداً لما قاله واستخفافاً به { قَالَ } استئناف كما سبق { أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } لأن الهُزْؤ في أثناء تبليغ أمر الله سبحانه جهلٌ وسفَهٌ ، نفى عنه عليه السلام ما توهموه من قبله على أبلغ وجهٍ وآكَدِه بإخراجه مُخرجَ ما لا مكروهَ وراءَه بالاستعاذة منه استفظاعاً له واستعظاماً لما أقدموا عليه من العظيمة التي شافهوه عليه السلام بها . (1/141)
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)
{ قَالُواْ } استئناف كما مر كأنه قيل : فماذا قالوا بعد ذلك؟ فقيل : توجهوا إلى الامتثال وقالوا { ادع لَنَا } أي لأجلنا { رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } ما مبتدأ وهي خبرُه والجملةُ في حيز النصب يبين أي يبين لنا جوابَ هذا السؤال وقد سألوا عن حالها وصفتها لِما قرَعَ أسماعَهم ما لم يعهدوه من بقرةٍ ميتةٍ يُضرب ببعضها ميتٌ فيحيا ، فإن ( ما ) وإن شاعت في طلب مفهومِ الاسمِ والحقيقة كما في ما الشارحةِ والحقيقية لكنها قد يُطلب بها الصفةُ والحالُ ، تقول : ما زيد؟ فيقال : طبيبٌ أو عالم وقيل : كان حقُه أن يُستفهَم بأيَ لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حالة مغايرة لما عليه الجنس أخرجوه عن الحقيقة فجعلوه جنساً على حياله { قَالَ } أي موسى عليه السلام بعد ما دعا ربَّه عز وجل بالبيان وأتاه الوحْيُ { أَنَّهُ } تعالى { يَقُولُ إِنَّهَا } أي البقرةُ المأمورُ بذبحها { بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ } أي لا مُسنة ولا فتية يقال : فرَضَت البقرةُ فروضاً أي أسنت من الفرْض بمعنى القطع كأنها قطعَتْ سنها وبلغت آخرَها ، وتركيبُ البكر للأولية ومنه البَكرة والباكورة { عَوَانٌ } أي نصَفٌ لاقحم ولا ضَرْع قال : (1/142)
طِوالٌ مثلُ أعناقِ الهوادي ... نواعمْ بين أبكارٍ وعُونِ
{ بَيْنَ ذلك } إشارة إلى ما ذكر من الفارض والبِكْر ولذلك أضيف إليه ( بين ) لاختصاصه بالإضافة إلى المتعدد { فافعلوا } أمرٌ من جهة موسى عليه السلام متفرِّع على ما قبله من بيان صفةِ المأمور به { مَا تُؤْمَرونَ } أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمَرون به كما في قوله :
أمرتُك الخيرَ فافعلْ ما أمِرْتَ بهِ ... فإن حذفَ الجار قد شاع في هذا الفعل حتى لَحِق بالأفعال المتعدية إلى مفعولين ، وهذا الأمرُ منه عليه السلام لحثِّهم على الامتثال وزجرِهم عن المراجعة ومع ذلك لم يقتنعوا به . وقوله تعالى : { قَالُواْ } استئنافٌ كما مر كأنه قيل : ماذا صنعوا بعد هذا البيان الشافي والأمرِ المكرَّرِ؟ فقيل : قالوا : { ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا } حتى يتبين لنا البقرةُ المأمور بها { قَالَ } أي موسى عليه السلام بعد المناجاةِ إلى الله تعالى ومجىءِ البيان { أَنَّهُ } تعالى { يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا } إسنادُ البيان في كل مرةٍ إلى الله عز وجل لإظهار كمالِ المساعدةِ في إجابة مسؤولهم بقولهم ( يبينْ لنا ) وصيغةُ الاستقبال لاستحضارِ الصورة ، والفُقوعُ نصوعُ الصُّفرةِ وخلوصُها ، ولذلك يؤكَّد به ويقال : أصفرُ فاقعٌ كما يقال : أسودُ حالكٌ وأحمرُ قانىء ، وفي إسناده إلى اللون مع كونِه من أحوال المُلوَّنِ لملابسته به ما لا يخفى من فضل تأكيدٍ كأنه قيل : صفراءُ شديدُ الصُفرةِ صُفرتها كما في جَدّ جِدّه . وعن الحسن رضي الله عنه : سوداءُ شديدةُ السواد ، وبه فُسّر قوله تعالى : { جمالة صُفْرٌ } قيل : ولعل التعبير عن السواد بالصُّفرة لما أنها من مقدماته وإما لأن سَواد الإبل يعلوه صُفْرةٌ ويأباه وصفُها بقوله تعالى : { تَسُرُّ الناظرين } كما يأباه وصفُها بفقوع اللون . والسرورُ لذةٌ في القلب عند حصول نفعٍ أو توقُّعِه من السر ، عن علي رضي الله عنه : من لبِسَ نعلاً صفراءَ قل همُّه .
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)
{ قَالُواْ } استئنافٌ كنظائره { ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } زيادةُ استكشافٍ عن حالها كأنهم سألوا بيانَ حقيقتها بحيث تمتاز عن جميع ما عداها مما تشاركها في الأوصاف المذكورة والأحوالِ المشروحة في أثناء البيان ولذلك علّلوه بقولهم : { إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا } يعنُون أن الأوصافَ المعدودةَ يشترك فيها كثير من البقر ولا نهتدي بها إلى تشخيص ما هو المأمورُ بها ولذلك لم يقولوا إن البقرَ تشابهت إيذاناً بأن النعوتَ المعدودةَ ليست بمُشخّصة للمأمور بها بل صادقةً على سائر أفرادِ الجنس ، وقرىء إنَّ الباقِرَ وهو اسمٌ لجماعة البَقر والأباقر والبواقر ، ويتشابه بالياء والتاء وَيشّابه بطرح التاء والإدغام على التذكير والتأنيث وتَشَابهت مخففاً ومشدداً وتَشَبَّهُ بمعنى تتشبه ويشبّه بالتذكير ومتشابِهٌ ومتشابهةٌ ومُتَشَبِّهٌ ومُتَشَبِّهَةٌ وفيه دلالة على أنهم ميَّزوها عن بعض ما عداها في الجملة وإنما بقي اشتباهٌ بشرف الزوال كما ينبىء عنه قولهم : { وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ } مؤكداً بوجوه من التوكيد أي لمهتدون بما سألنا من البيان إلى المأمور بذبحها وفي الحديث لو لم يستثنوا لما بُيِّنَتْ لهم آخرَ الأبد . (1/143)
{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الارض وَلاَ تَسْقِى الحرث } أي لم تُذلَّلْ للكِراب وسقْي الحَرْثَ ، و ( لا ذلول ) صفةٌ لبقرةٌ بمعنى غيرُ ذَلول و ( لا ) الثانية لتأكيد الأولى والفعلان صفتا ذلول كأنه قيل : لا ذلولٌ مثيرةٌ وساقية ، وقرىء لا ذلول بالفتح أي حيث هي كقولك : مررت برجل لا بخيلٍ ولا جبان أي حيث هو وقرىء تُسْقي من أسقى { مُّسَلَّمَةٌ } أي سلَّمها الله تعالى من العيوب أو أهّلها من العمل أو خلص لها لونها من سَلِم له كذا إذا خَلَص له ، ويؤيده قوله تعالى : { لاَّ شِيَةَ فِيهَا } أي لا لونَ فيها يخالف لونَ جلدِها حتى قَرْنُها وظِلْفُها وهي في الأصل مصدرُ وشاه وشّياً وشِيةً إذا خلَط بلونه لوناً آخر { قَالُواْ } عندما سمعوا هذه النعوت { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ } أي بحقيقة وصفِ البقرةِ بحيث ميَّزْتها عن جميع ما عداها ولم يبقَ لنا في شأنها اشتباهٌ أصلاً بخلاف المرتين الأوليين فإن ما جئتَ به فيهما لم يكن في التعيين بهذه المرتبة . ولعلهم كانوا قبلَ ذلك قد رأَوْها ووجدوها جامعةً لجميع ما فُصِّل من الأوصاف المشروحةِ في المرات الثلاثِ من غير مشارِكٍ لها فيما عُدَّ في المرة الأخيرة ، وإلا فمن أين عرَفوا اختصاصَ النعوت الأخيرةِ بها دون غيرها؟ وقرىء الآنَ بالمد على الاستفهام والآنَ بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام { فَذَبَحُوهَا } الفاء فصيحة كما في فانفجَرت أي فحصّلوا البقرةَ فذبحوها { وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } كادَ من أفعال المقاربة وُضع لدنوِّ الخبر من الحصول ، والجملةُ حال من ضمير ذبحوا أي فذبحوها والحال أنهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه ، أو اعتراضٌ تذييلي ومآلُه استثقالُ استعصائِهم واستبطاءٌ لهم وأنهم لفَرْط تطويلِهم وكثرةِ مراجعاتِهم ما كاد ينتهي خيطُ استفهامِهم فيها .
قيل : مضى من أول الأمرِ إلى الامتثال أربعون سنةً وقيل : كادوا يفعلون ذلك لغلاء ثمنها . رُوي أنه كان في بني إسرائيلَ شيخٌ صالحٌ له عِجْلة فأتى بها الغَيْضة وقال : اللهم إني استَوْدعتُكها لابني حتى يكبَرَ وكان برّاً بوالدَيه فتُوفِّيَ الشيخُ وشبَّتِ العِجْلة فكانت من أحسن البقرِ وأسمنِها فساوَموها اليتيمَ وأمَّه حتى اشتَرَوْها بملء مَسْكِها ذهباً لمّا كانت وحيدةً بالصفات المذكورة وكانت البقرةُ إذ ذاك بثلاثة دنانيرَ . واعلم أنه لا خلافَ في أن مدلولَ ظاهرِ النظمِ الكريم بقرةٌ مطلقةٌ مُبْهمة وأن الامتثالَ في آخرِ الأمرِ إنما وقعَ بذبح بقرةٍ معيّنة حتى لو ذبحوا غيرَها ما خَرَجوا عن عُهدة الأمرِ ، لكن اختُلفَ في أن المرادَ المأمورُ به إثرَ ذي أثيرٍ هل هي المعينةُ وقد أُخِّر البيانُ عن وقت الخطاب؟ أو المبهمةُ ثم لَحِقها التغييرُ إلى المعيَّنة بسبب تثاقلِهم في الامتثال وتماديهم في التعمق والاستكشاف؟ فذهب بعضُهم إلى الأول تمسكاً بأن الضمائرَ في الأجوبة أعني أنها بقرةٌ إلى آخره للمعيَّنة قطعاً ، ومن قضيته أن يكون في السؤال أيضاً كذلك ، ولا ريب في أن السؤالَ إنما هو عن البقرة المأمور بذبحها فتكونُ هي المعينةُ ، وهو مدفوعٌ بأنهم لما تعجّبوا من بقرة ميتةٍ يُضربُ ببعضها ميْتٌ فيحيا ظنُّوها معيّنةً خارجةً عما عليه الجنسُ من الصفات والخواصِّ ، فسألوا عنها فرجعت الضمائرُ إلى المعيَّنة في زعمهم واعتقادِهم فعيّنها الله تعالى تشديداً عليهم ، وإن لم يكن المرادُ من أول الأمرِ هي المعينة . والحقُّ أنها كانت في أول الأمر مُبْهمةً بحيث لو ذَبَحوا أيةَ بقرةٍ كانت لحصل الامتثالُ بدِلالة ظاهرِ النظم الكريمِ وتكرير الأمرِ قبل بيان اللون وما بعدَه من كونها مسلّمةً . . الخ ، وقد قال صلى الله عليهوسلم : « لو اعترَضوا أدنى بقرةٍ فذبحوها لكفَتْهم » ورُوي مثلُه عن رئيس المفسرين عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما ، ثم رجع الحكمُ الأولُ منسوخاً بالثاني ، والثاني بالثالث تشديداً عليهم ، لكن لا على وجه ارتفاعِ حكمِ المُطْلقِ بالكلية وانتقالِه إلى المعيّن ، بل على طريقة تقييدِه وتخصيصِه به شيئاً فشيئاً ، كيف لا ، ولو لم يكن كذلك لما عُدّت مراجعاتُهم المَحْكيةُ من قَبيل الجنايات بل من قبيل العبادة فإن الامتثالَ بالأمر بدون الوقوفِ على المأمور به مما لا يكاد يتسنّى فتكونُ سؤالاتُهم من باب الاهتمام بالامتثال . (1/144)
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)
{ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } منصوبٌ بمُضْمر كما مرت نظائرُه ، والخطابُ لليهود المعاصِرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإسنادُ القتلِ والتدارُؤ إليهم لما مر من نسبة جنايات الأسلاف إلى الأخلاف توبيخاً وتقريعاً ، وتخصيصُهما بالإسناد دون ما مر من جناياتهم لظهور قُبْحِ القتلِ وإسناده إلى الغير أي اذكروا وقت قتلِكم نفساً محرمة { فادرأتم فِيهَا } أي تخاصمتم في شأنها إذ كلُّ واحد من الخصماء يدافع الآخرَ ، أو تدافعتم بأن طرَح كلُّ واحد قتلها إلى آخرَ ، وأصلُه تَدارأتم فأُدغمت التاءُ في الدال واجتُلبت لها همزةُ الوصل { والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } أي مظهر لما تكتمونه لا محالة ، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار ، وإنما أُعمِلَ ( مُخرجٌ ) لأنه حكايةُ حالٍ ماضية . (1/145)
فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)
{ فَقُلْنَا اضربوه } عطف على فادارأتم وما بينهما اعتراضٌ ، والالتفاتُ لتربية المهابةِ ، والضميرُ للنفس ، والتذكيرُ باعتبار أنها عبارةٌ عن الرجل أو بتأويل الشخصِ أو القتيل { بِبَعْضِهَا } أيْ ببعض البقرة أيِّ بعضٍ كان وقيل : بأصغَرَيها ، وقيل : بلسانها وقيل : بفخِذِها اليُمنى وقيل : بأذُنها وقيل : بعُجبها ، وقيل : بالعظم الذي يلي الغُضْروف ، وهذا أولُ القصة كما ينبىء عنه الضمير الراجعُ إلى البقرة كأنه قيل : وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها فقلنا : اذبحوا بقرةً فاضرِبوه ببعضها ، وإنما غُيّر الترتيبُ عند الحكاية لتكرير التوبيخِ وتثنيةِ التقريعِ ، فإن كلَّ واحدٍ من قتل النفس المحرَّمة والاستهزاءِ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم والافتياتِ على أمره وترك المسارعة إلى الامتثال به جنايةٌ عظيمة حقيقة بأن تنعى عليهم بحيالها ، ولو حُكيت القصةُ على ترتيب الوقوعِ لما علم استقلالُ كلَ منها بما يُخَصُّ بها من التوبيخ وإنما حُكي الأمر بالذبح عن موسى عليه السلام مع أنه من الله عز وجل كالأمر بالضرب لما أن جناياتِهم كانت بمراجعتهم إليه عليه السلام والافتياتِ على رأيه { كذلك يُحْىِ الله الموتى } على إرادة قولٍ معطوفٍ على مقدَّر ينسحِبُ عليه الكلام أي فضرَبوه فحَيِيَ وقلنا كذلك يُحيي الخ فحذفت الفاءُ الفصيحة في فحِييَ مع ما عطف بها ، وما عُطف هو عليه لدلالة كذلك على ذلك فالخطابُ في كذلك حينئذ للحاضرين عند حياة القتيل ، ويجوزُ أن يكون ذلك للحاضرين عند نزولِ الآيةِ الكريمة فلا حاجة حينئذٍ إلى تقدير القولِ بل تنتهي الحكايةُ عند قوله تعالى : ببعضها مع ما قُدّر بعده ، فالجملة معترضة أي مثلَ ذلك الإحياءِ العجيبِ يُحيي الله الموتى يوم القيامة { وَيُرِيكُمْ ءاياته } ودلائلَه الدالةَ على أنه تعالى على كل شيء قدير ، ويجوز أن يُراد بالآياتِ هذا الإحياءُ ، والتعبيرُ عنه بالجمع لاشتماله على أمورٍ بديعةٍ من ترتّب الحياة على عضو ميتٍ ، وإخبارِه بقاتله وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي لكي تكمُلَ عقولُكم وتعلموا أن من قدَرَ على إحياء نفسٍ قدَر على إحياء الأنفس كلِّها أو تعلموا على قضية عقولِكم ، ولعل الحكمة في اشتراط ما اشتُرط في الإحياء مع ظُهور كمالِ قُدرته على إحيائه ابتداءً بلا واسطة أصلاً اشتمالُه على التقرب إلى الله تعالى وأداءِ الواجب ونفعِ اليتيم والتنبيهُ على برَكة التوكلِ على الله تعالى والشفقةِ على الأولاد ونفعِ برِّ الوالدين وأن من حق الطالب أن يقدّم قُربة ، ومن حق المتقرِّب أن يتحرَّى الأنفسَ ويغاليَ بثمنه كما يُروى عن عمرَ رضي الله عنه أنه ضحّى بنَجيبةٍ اشتراها بثلثمائة دينار ، وأن المؤثرّ هو الله تعالى ، وإنما الأسبابُ أَماراتٌ لا تأثيرَ لها وأن من رام أن يعرف أعدى عدوِّه الساعي في إماتتِه الموتَ الحقيقيَّ فطريقُه أن يذبَحَ بقرةَ نفسِه التي هي قوتُه الشهويةُ حين زال عنها شَرَهُ الصِّبا ولم يلحَقها ضَعف الكِبَر ، وكانت معجِبةً رائقةَ المنظرَ غيرَ مذللةٍ في طلب الدنيا مسلَّمةً عن دنسها لا سمة بها من قبائحها بحيث يتَّصلُ أثرُه إلى نفسه فيحيا بها حياةً طيبةً ويُعربَ عما به ينكشف الحالُ ويرتفعُ ما بين العقل والوهم من التدارُؤ والجدال . (1/146)
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)
{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ } الخطاب لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلم . والقسوةُ عبارةٌ عن الغِلَظ والجفاء والصَّلابة كما في الحَجَر استُعيرت لنُبوِّ قلوبهم عن التأثر بالعِظات والقوارعِ التي تميعُ منها الجبالُ وتلينُ بها الصخور ، وإيرادَ الفعل المفيدِ لحدوث القساوة مع أن قلوبَهم لم تزل قاسيةً لما أن المرادَ بيانُ بلوغِهم إلى مرتبة مخصوصةٍ من مراتبِ القساوة حادثةٍ ، وإما لأن الاستمرارَ على شيء بعدَ ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه أمرٌ جديد وصنعٌ حادث . و ( ثم ) لاستبعاد القسوةِ بعد مشاهدةِ ما يُزيلها كقوله تعالى : { ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } (1/147)
{ مِن بَعْدِ ذلك } إشارةٌ إلى ما ذكر من إحياء القتيلِ أو إلى جميع ما عُدِّد من الآيات الموجبة للين القلوبِ وتوجُّهِها نحوَ الحقِّ أيْ من بعد سماعِ ذلك وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلتِه وعلوِّ طبقتِه . وتوحيدُ حرفِ الخطاب مع تعدُّد المخاطبين إما بتأويل الفريقِ أو لأن المرادَ مجردُ الخطاب لا تعيينُ المخاطَب كما هو المشهور ، { فَهِىَ كالحجارة } في القساوة ، { أَوْ أَشَدَّ } منها ، { قَسْوَةً } أي هي في القسوة مثلُ الحجارة أو زائدةٌ عليها فيها أو أنها مثلُها أو مثلُ ما هو أشدُّ منها قسوةً كالحديد ، فحُذِف ( المضاف ) وأقيمَ المضاف إليه مُقامه ويعضُده القراءة بالجر عطفاً على الحجارة . وإيرادُ الجملة اسميةً مع كون ما سبق فعليةً للدلالة على استمرارِ قساوةِ قلوبهم ، والفاء إما لتفريع مشابَهتِها لها على ما ذكر من القساوة تفريعَ التشبيه على بيان وجه الشبه في قولك : أحمرُ خدُّه فهو كالورد وإما للتعليل كما في قولك : اعبُدْ ربك فالعبادةُ حقٌّ له ، وإنما لم يقل أو أقسى منها لما في التصريح بالشدة من زيادةِ مبالغةٍ ، ودلالةٍ ظاهرة على اشتراك القسوتين في الشدة واشتمالِ المفضَّل على زيادة ، وأو للتخيير أو للترديدِ بمعنى أن مَنْ عرَفَ حالَها شبَّهها بالحجارة أو بما هو أقسى ، أو من عَرَفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة ، وترْكُ ضميرِ المفضَّل عليه للأمن من الالتباس { وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الانهار } بيانٌ لأشَدِّية قلوبِهم من الحجارة في القساوة وعدمِ التأثر واستحالةِ صدورِ الخيرِ منها ، يعني أن الحجارةَ ربما تتأثّرُ حتى كان منها ما يتفجر منه المياهُ العظيمة { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ } أي يتشقق { فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء } أي العيونُ { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله } أي يتردَّى من الأعلى إلى الأسفل بقضية ما أودعه الله عز وجل فيها من الثِقل الداعي إلى المرْكز ، وهو مجازٌ من الانقياد لأمره تعالى ، والمعنى أن الحجارةَ ليس منها فردٌ إلا وهو منقادٌ لأمره عز وعلا آتٍ بما خُلق له من غير استعصاء ، وقلوبُهم ليست كذلك فتكونُ أشدَّ منها قسوةً لا محالة ، واللام في ( لَما ) لامُ الابتداء دخلت على اسم إن لتقدُّم الخبر وقرىء ( أن ) على أنها مُخفّفة من الثقيلة ، واللامُ فارقةٌ ، وقرىء يهبُط بالضم { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } ( عن ) متعلقةٌ بغافل ، و ( ما ) موصولة والعائدُ محذوف أو مصدرية ، وهو وعيدٌ شديد على ما هو عليه من قساوة القلوب وما يترتب عليها من الأعمال السيئة ، وقرىء بالياء على الالتفات .
أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
قوله تعالى : { أَفَتَطْمَعُونَ } تلوينٌ للخطاب وصرْفٌ له عن اليهود إثرَ ما عُدَّت سيئاتُهم ونُعيتْ عليهم جناياتُهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، والهمزةُ لإنكار الواقع واستبعادِه كما في قولك : أتضرِبُ أباك؟ لا لإنكار الوقوعِ كما في قولك : أأضرِبُ أبي؟ والفاء للعطف على مقدّرٍ يقتضيه المقامُ ويستدعيه نظامُ الكلام ، لكن لا على قصد توجيهِ الإنكار إلى المعطوفين معاً كما في ( أفلا تبصرون ) على تقدير المعطوفِ عليه منفياً أي ألا تنظُرون فلا تبصرون؟ فالمُنْكَر كلا الأمرين بل إلى ترتب الثاني على الأول مع وجوب أن يترتَّبَ عليه نقيضُه كما إذا قُدِّر الأول مُثْبتاً ، أي أتنظرون فلا تبصرون؟ فالمنْكَر ترتُّبُ الثاني على الأول مع وجوب أن يترتب عليه نقيضُه أي أتسمعون أخبارَهم وتعلمون أحوالَهم فتطمعون؟ ومآلُ المعنى : أبَعْدَ أنْ علِمتم تفاصيلَ شؤونِهم المُؤْيِسةِ عنهم تطمعون؟ { أَن يُؤْمِنُواْ } فإنهم متماثلون في شدة الشكيمةِ والأخلاقِ الذميمة ، لا يتأتى من أخلافِهم إلا مثلُ ما أتى من أسلافِهم ، وأنْ مصدريةٌ حذف عنها الجارُّ ، والأصلُ : في أن يؤمنوا ، وهي مع ما في حيِّزها في محل النصبِ أو الجرِّ على الخلاف المعروف . واللام في ( لَكُمْ ) لتضمين معنى الاستجابة كما في قوله عز وجل : { فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } أي في إيمانهم مستجيبين لكم ، أو للتعليل أي في أن يُحدثوا الإيمان لأجل دعوتِكم ، وصلةُ الإيمان محذوفةٌ لظهور أن المرادَ به معناه الشرعيُّ ، وستقف على ما فيه من المزية بإذن الله تعالى { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } الفريقُ اسمُ جمعٍ لا واحد له من لفظه كالرهط والقومِ ، والجار والمجرور في محل الرفعِ ، أي فريق كائنٌ منهم ، وقوله تعالى : { يَسْمَعُونَ كلام الله } خبرُ كان وقرىء كلِمَ الله ، والجملة حاليةٌ مؤكِّدة للإنكار حاسمةٌ لمادة الطمَع مثلُ أحوالِهم الشنيعةِ المحْكيةِ فيما سلف على منهاج قوله تعالى : { وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } بعد قوله تعالى : { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى } أي والحالُ أن طائفةً منهم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هم قومٌ من السبعين المختارين للميقات كانوا يسمعون كلامَه تعالى حين كلّم موسى عليه السلام بالطور وما أُمِرَ به ونُهيَ عنه { ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ } عن مواضعه لا لقصورِ فهمِهم عن الإحاطة بتفاصيله على ما ينبغي لاستيلاء الدهشةِ والمهابةِ حسبما يقتضيه مقامُ الكبرياء بل { مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ } أي فهِموه وضبَطوه بعقولهم ، ولم تبقَ لهم في مضمونه ولا في كونه كلامَ ربِّ العزةِ رِيبةٌ أصلاً ، فلما رجَعوا إلى قومهم أدّاه الصادقون إليهم كما سمعوا . وهؤلاء قالوا : سمعنا الله تعالى يقول في آخر كلامه : إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياءَ فافعلوا ، وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس ، فثُم للتراخي زماناً أو رتبةً قال القفال : سمِعوا كلامَ الله وعقَلوا مرادَه تعالى منه فأوّلوه تأويلاً فاسداً وقيل : هم رؤساءُ أسلافِهم الذين تولَّوْا تحريفَ التوراة بعد ما أحاطوا بما فيها علماً وقيل : هم الذين غيّروا نعتَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عصره وبدّلوا آيةَ الرجْم ، ويأباه الجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل الدالِّ على وقوع السماعِ والتحريفِ فيما سلف إلا أن يُحملَ ذلك على تقدّمه على زمانِ نزولِ الآية الكريمةِ لا على تقدمه على عهده عليه الصلاة والسلام . (1/148)
هذا والأول هو الأنسبُ بالسماع والكلام إذ التوراةُ وإن كانت كلامَ الله عز وعلا لكنها باسم الكتاب أشهرُ وأثرُ التحريفِ فيه أظهر ، ووصفُ اليهودِ بتلاوتها أكثر ، لا سيما رؤساؤُهم المباشرون للتحريف فإن وظيفتهم التلاوةُ دون السماع فكان الأنسبَ حينئذ أن يقالَ : يتلون كتابَ الله تعالى فالمعنى أفتطمعون في أن يؤمنَ هؤلاءِ بواسطتكم ويستجيبوا لكم والحالُ أن أسلافَهم الموافقين لهم في خِلال السوءِ كانوا يسمعون كلامَ الله بلا واسطةٍ ثم يحرِّفونه من بعد ما علِموه يقيناً ولا يستجيبون له؟ هيهاتَ . ومن ههنا ظهر ما في إيثار ( لكم ) على بالله من الفخامة والجزالة . (1/149)
وقوله عز وجل : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } جملة حالية من فاعل ( يحرّفونه ) مفيدةٌ لكمال قباحةِ حالِهم مُؤْذِنةٌ بأن تحريفَهم ذلك لم يكن بناءً على نسيان ما عقَلوه أو على الخطأ في بعض مقدِّماته بل كان ذلك حالَ كونهم عالمين مستحضِرين له أو وهم يعلمون أنهم كاذبون ومُفترون .
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)
{ وَإِذَا لَقُواْ } جملةٌ مستأنفة سيقتْ إثرَ بيانِ ما صدر عن أشباههم لبيان ما صدرَ عنهم بالذات من الشنائع المُؤْيسةِ عن إيمانهم من نفاق بعضٍ وعتابِ آخَرين عليهم ، أو معطوفةٌ على ما سبق من الجملة الحالية ، والضميرُ لليهود لما ستقف على سره لا لمنافقيهم خاصةً كما قيل تحرّياً لاتحاد الفاعل في فعلي الشرط والجزاءِ حقيقةً { الذين آمنواْ } من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم { قَالُواْ } أي اللاقون لكن لا بطريق تصدّي الكلِّ للقول حقيقةً بل بمباشرة منافقيهم وسكوتِ الباقين ، كما يقال : بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتلُ واحد منهم ، وهذا أدخلُ في تقبيح حال الساكنين أولاً العاتبين ثانياً لما فيه من الدلالة على نفاقهم واختلافِ أحوالهم وتناقضِ آرائهم من إسناد القول إلى المباشرين خاصةً بتقدير المضافِ أي قال منافقوهم { آمنا } لم يقتصروا على ذلك بل عللوه بأنهم وجدوا نعتَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في التوراة وعلموا أنه النبيُّ المبشَّر به ، وإنما لم يصرَّحْ به تعويلاً على شهادة التوبيخِ الآتي : { وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ } أي بعض المذكورين وهم الساكتون منهم أي إذا فرَغوا من الاشتغال بالمؤمنين متوجِّهين ومنضمَّين { إلى بَعْضِ } آخرَ منهم وهم منافقوهم بحيث لم يبقَ معهم غيرُهم ، وهذا نصٌّ على اشتراك الساكتين في لقاء المؤمنين كما أشير إليه آنفاً إذِ الخلوُّ إنما يكون بعد الاشتغال ، ولأن عتابَهم معلقٌ بمحض الخلوِّ ، ولولا أنهم حاضرون عند المقاولة لوجب أن يُجعلَ سماعُهم لها من تمام الشرط ، ولأن فيه زيادةَ تشنيعٍ لهم على ما أتَوْا من السكوت ثم العتاب { قَالُواْ } أي الساكتون موبّخين لمنافقيهم على ما صنعوا { أَتُحَدّثُونَهُم } يعنون المؤمنين { بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ } ( ما ) موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ أي بيَّنه لكم خاصةً في التوراة من نعْت النبي صلى الله عليه وسلم والتعبيرِ عنه بالفتْح للإيذان بأنه سرٌّ مكنونٌ وباب مغلَقٌ لا يقف عليه أحدٌ . وتجويزُ كونِ هذا التوبيخ من جهة المنافقين لأعقابهم إراءةً للتصلُّب في دينهم كما ذهب إليه عصابةٌ مما لا يليق بشأن التنزيل الجليلِ ، واللامُ في قوله عز وجل : { لِيُحَاجُّوكُم بِهِ } متعلقةٌ بالتحديث دون الفتح ، والمرادُ تأكيدُ النكير وتشديدُ التوبيخ ، فإن التحديثَ بذلك وإن كان مُنْكراً في نفسه ، لكن التحديثَ به لأجل هذا الغَرَض مما لا يكاد يصدُرُ عن العاقل أي أتحدِّثونهم بذلك ليحتجّوا عليكم به فيُبَكِّتوكم؟ والمحدّثون به وإن لأإن لم يحوموا حولَ ذلك الغرضِ لكن فعلَهم ذلك لما كان مستتبِعاً له ألبتة جُعلوا فاعلين للغرض المذكور إظهاراً لكمال سخافةِ عقولِهم وركاكة آرائهم . (1/150)
{ عِندَ رَبّكُمْ } أي في حُكمه وكتابه كما يقال : هو عند الله كذا أي في كتابه وشرعه ، وقيل : عند ربكم يومَ القيامة ، ورُدَّ عليه بأن الإخفاءَ لا يدفعه إذ هم عالمون بأنهم محجوجون يومئذ حدَّثوا به أو لم يحدثوا ، والاعتذارُ بأنه إلزامَ المؤمنين إياهم وتبكيتَهم بأن يقولوا لهم : ألم تحدِّثونا بما في كتابكم في الدنيا من حقّية دينِنا وصدقِ نبيِّنا أفحشُ ، فيجوز أن يكون المحذورُ عندهم هذا الإلزامَ بإرجاع الضمير في ( به ) إلى التحديث دون المحدَّث به ، ولا ريب في أنه مدفوعٌ بالإخفاء لا تساعده الآيةُ الكريمة الآتيةُ كما ستقف عليه بإذن الله عز وجل { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } من تمام التوبيخ والعتابِ ، والفاءُ للعطف على مقدَّر ينسحبُ عليه الكلام أي ألا تلاحظون فلا تعقلون هذا الخطأَ الفاحشَ أو شيئاً من الأشياء التي من جملتها هذا؟ فالمنْكرُ عدمُ التعقُّل ابتداءً .
أو أتفعلون ذلك فلا تعقلون بُطلانَه مع وضوحه حتى تحتاجوا إلى التنبيه عليه؟ فالمنكرُ حينئذ عدمُ التعقل بعد الفعل ، هذا وأما ما قيل من أنه خطابٌ من جهة الله سبحانه للمؤمنين متصلٌ بقوله تعالى : أَفَتَطْمَعُونَ والمعنى أفلا تعقلون حالَهم وأن لا مطْمَعَ لكم في إيمانهم فيأباه . (1/151)
أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)
قولُه تعالى : { أَوْ لاَ يَعْلَمُونَ } فإنه إلى آخره تجهيلٌ لهم من جهته تعالى فيما حكى عنهم فيكون إيرادُ خطاب المؤمنين في أثنائه من قَبيل الفصل بين الشجرِ ولِحائِه . على أن في تخصيص الخطاب بالمؤمنين من التعسف وفي تعميمِه للنبي أيضاً صلى الله عليه وسلم كما في أتطمعون من سوء الأدب ما لا يخفى ، والهمزةُ للإنكار والتوبيخ كما قبلها ، والواوُ للعطف على مقدَّر ينساقُ إليه الذهنُ ، والضميرُ للموبَّخين أي أيلومونهم على التحديث المذكورِ مخافةَ المُحاجَّةِ ولا يعلمون { أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } أي يُسرُّونه فيما بينهم من المؤمنين أو ما يُضْمرونه في قلوبهم فيثبتُ الحكمُ في ذلك بالطريق الأولى { وَمَا يُعْلِنُونَ } أي يظهرونه للمؤمنين أو لأصحابهم حسبما سبق فحينئذ يُظهرُ الله تعالى للمؤمنين ما أرادوا إخفاءَه بواسطة الوحْي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فتحصُلُ المحاجَّة ويقعُ التبكيت ، كما وقع في آية الرجم وتحريمِ بعضِ المحرماتِ عليهم ، فأيُّ فائدةٍ في اللوم والعتاب؟ . (1/152)
ومن ههنا تبين أن المحظورَ عندهم هو المُحاجّة بما فتحَ الله عليهم وهي حاصلةٌ في الدارَيْن حدَّثوا به أم لا لا بالتحديث به حتى يندفعَ بالإخفاء ، وقيل : الضميرُ للمنافقين فقط أو لهم وللموبَّخين أو لآبائهم المحرِّفين أي أيفعلون ما يفعلون ولا يعلمون أن الله يعلم جميعَ ما يُسِرُّون وما يعلنون ومن جملته إسرارُهم الكفرَ وإظهارُهم الإيمانَ وإخفاءُ ما فتح الله عليهم وإظهارُ غيرِه وكتمُ أمرِ الله وإظهارُ ما أظهروه افتراءً . وإنما قُدم الإسرارُ على الإعلان للإيذان بافتضاحهم ووقوعِ ما يحذرونه من أول الأمر ، والمبالغةِ في بيان شمولِ علمِه المحيطِ لجميع المعلومات كأن علمَه بما يُسرونه أقدمُ منه بما يعلنونه مع كونهما في الحقيقة على السوية فإن علمَه تعالى بمعلوماته ليس بطريقِ حصولِ صُورِها ، بل وجودُ كلِّ شيءٍ في نفسه عِلْمٌ بالنسبة إليه تعالى . وفي هذا المعنى لا يختلف الحالُ بين الأشياء البارزةِ والكامنةِ ونظيره قولُه عز وعلا : { قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله } حيث قُدم فيه الإخفاءُ على الإبداء لما ذُكر من السر على عكس ما وقع في قوله تعالى : { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } فإن الأصلَ في تعلق المحاسبة به هو الأمورُ الباديةُ دون الخافية ، ويجوز أن يكون ذلك باعتبار أن مرتبة السرِّ متقدمةٌ على مرتبة العلنِ إذ ما من شيء يُعلَنُ إلا وهو أو مَباديه قبل ذلك مُضْمرٌ في القلب يتعلق به الإسرارُ غالباً فتعلُقُ علمِه تعالى بحالته الأولى متقدمٌ على تعلقِه بحالته الثانية .
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)
{ وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ } وقرىء بتخفيف الياء ، جمع أُمِّيّ ، وهو من لا يقدر على الكتابة والقراءة واختُلف في نسبته فقيل : إلى الأم بمعنى أنه شبيهٌ بها في الجهل بالكتابة والقراءة فإنهما ليستا من شؤون النساء بل من خِلال الرجال أو بمعنى أنه على الحالة التي ولدتْه أمُه في الخلوِّ عن العلم والكتابة وقيل : إلى الأُمّة بمعنى أنه باقٍ على سذاجتها خالٍ عن معرفة الأشياء كقولهم : عامّي أي على عادة العامة . روي عن عكرمة والضحاك أن المراد بهم نصارى العربِ وقيل : هم قومٌ من أهل الكتاب رُفع كتابُهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أمّيين ، وعن عليّ رضي الله تعالى عنه : هم المجوسُ . والحقُّ الذي لا محيد عنه أنهم جَهلةُ اليهودِ والجملةُ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيان قبائحِهم إثرَ بيانِ شنائعِ الطوائفِ السالفة ، وقيل : هي معطوفةٌ على الجملة الحالية فإن مضمونَها منافٍ لرجاء الخير منهم وإن لم يكن فيه ما يحسِمُ مادةَ الطمع عن إيمانهم كما في مضمون الجملة الحالية وما بعدها ، فإن الجهل بالكتاب في منافاة الإيمان ليس بمثابة تحريفِ كلامِ الله بعد سماعِه والعلمِ بمعانيه كما وقع من الأولين أو النفاق والنهي عن إظهار ما في التوراة كما وقع من الفِرقتين الأخْرَيين ، أي ومنهم طائفةٌ جهَلةٌ غيرُ قادرين على الكتابة والتلاوة . (1/153)
{ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب } أي لا يعرِفون التوراةَ ليطالعوها ويتحقَّقوا ما في تضاعيفها من دلائل النبوة فيؤمنوا وحَملُ الكتاب على الكتابة يأباه سباقُ النظم الكريم وسياقُه { إِلاَّ أَمَانِىَّ } بالتشديد وقرىء بالتخفيف جمع أمنية أصلُها أُمنُوية أفعولة من منَّى بمعنى قدِّر أو بمعنى تلا ، كَتَمَنَّى في قوله : [ تمنَّى كتابَ الله أولَ ليله ] فأُعلَّت إعلالَ سيِّد وميِّت ومعناها على الأول ما يقدّره الإنسان في نفسه ويتمناه وعلى الثاني ما يتلوه وعلى التقديرين فالاستثناءُ منقطع إذ ليس ما يُتمنَّى وما يُتلى من جنس علم الكتاب أي لا يعلمون الكتابَ لكن يتمنَّوْن أمانيَّ حسبما منَّتْهم أحبارُهم من أن الله سبحانه يعفو عنهم وأن آباءَهم الأنبياءَ يشفعون لهم ، وغيرُ ذلك من أمانيهم الفارغةِ المستندة إلى الكتاب على زعم رؤسائِهم . أو لا يعلمون الكتابَ لكن يتلقَّوْنه قدْرَ ما يُتلى عليهم فيقْبَلونه من غير أن يتمكنوا من التدبر فيه ، وأما حملُ الأمانيَّ على الأكاذيبِ المختلفة على الإطلاق من غير أن يكون لها ملابسةٌ بالكتاب فلا يساعدُه النظمُ الكريم { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } ما هم إلا قومٌ قُصارى أمرِهم الظنُّ والتقليدُ من غير أن يصِلوا إلى رتبة العلمِ فأنَّى يرجى منهم الإيمانُ المؤسَّسُ على قواعد اليقينِ .
ولما بين حالَ هؤلاء في تمسكهم بحبال الأمانيّ واتباعِ الظن عقَّب ببيان حالِ الذين أوقعوهم في تلك الورطةِ وبكشف كيفية إضلالِهم وتعيين مرجعِ الكلِّ بالآخرة فقيل على وجه الدعاء عليهم .
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)
{ فَوَيْلٌ } هو وأمثالُه من ويحٍ وويسٍ وويبٍ وويهٍ وويكٍ وعوْلٍ من المصادر المنصوبة بأفعال من غير لفظها لا يجوز إظهارُها البتة فإن أضيف نُصب نحو ويلَك وويحَك وإذا فُصل عن الإضافة رُفع نحوُ ويلٌ له ومعنى الويلِ شدةُ الشر ، قاله الخليل ، وقال الأصمعيُّ : الويلُ التفجُّع والويحُ الترحُّم ، وقال سيبويه : ويلٌ : لمن وقع في الهَلَكة وويحٌ : زجرٌ لمن أشرف على الهلاك ، وقيل : الويلُ الحزن ، وهل ويح وويب وويس بذلك المعنى أو بينه وبينها فرق وقيل : ويل في الدعاء عليه وويح وما بعده في الترحم عليه ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : الويلُ العذاب الأليم وعن سفيان الثوري أنه صديدُ أهلِ جهنم ورَوى أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الويلُ وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافرُ أربعين خريفاً قبل أن يبلُغ قَعْرَه » وقال سعيد بن المسيب : إنه وادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حرِّه ، وقال ابن بريدة : جبلُ قيحٍ ودمٍ وقيل : صهريج في جهنم . وحكى الزهراوي : أنه باب من أبواب جهنم وعلى كل حالٍ فهو مبتدأً خبرُه قوله عز وعلا : { لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب } أي المحرَّفَ أو ما كتبوه من التأويلات الزائغة { بِأَيْدِيهِمْ } تأكيدٌ لدفع توهمِ المجاز كقولك : كتبتُه بيميني { ثُمَّ يَقُولُونَ هذا } أي جميعاً على الأول ، وبخصوصه على الثاني { مِنْ عِندِ الله } رُوي أن أحبارَ اليهود خافوا ذهابَ مآكلِهم وزوالَ رياستهم حين قدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ فاحتالوا في تعويق أسافلِ اليهودِ عن الإيمان فعمَدوا إلى صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وكانت هي فيها : حسنُ الوجهِ حسَنُ الشعرِ أكحلُ العينين رَبْعةٌ ، فغيّروها وكتبوا مكانها : طوُالٌ أزرقُ سِبَطُ الشعر . فإذا سألَهم سَفَلتُهم عن ذلك قرأوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالفاً لصفته عليه السلام فيكذِّبونه ، و ( ثم ) للتراخي الرتبيّ فإن نسبةَ المحرَّفِ والتأويل الزائغِ إلى الله سبحانه صريحاً أشدُّ شناعةً من نفس التحريفِ والتأويلِ { لِيَشْتَرُواْ بِهِ } أي يأخذوا لأنفسهم بمقابلته { ثَمَناً } هو ما أخذوه من الرُّشا بمقابلة ما فعلوا من التحريف والتأويل ، وإنما عُبر عن المشترى الذي هو المقصودُ بالذات في عقد المعاوضة بالثمن الذي هو وسيلةٌ فيه إيذاناً بتعكيسهم حيث جعلوا المقصود بالذات وسيلةً والوسيلةَ مقصوداً بالذات { قَلِيلاً } لا يُعبأ به فإن ذلك وإن جل في نفسه فهو أقلُّ قليلاً عندما استوجبوا به من العذاب الخالد { فَوَيْلٌ لَّهُمْ } تكريرٌ لما سبق للتأكيد وتصريحٌ بتعليله بما قدمت أيديهم بعد الإشعار به فيما سلف بإيراد بعضِه في حيِّز الصلةِ وبعضِه في معرِضِ الغرض ، والفاءُ للإيذان بترتُّبه عليه . و ( مِنْ ) في قوله عز وجل : { مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } تعليليةٌ متعلقةٌ بويل ، أو بالاستقرار في الخبر و ( ما ) موصولةٌ اسميةٌ والعائدُ محذوف أي كتَبَتْه أو مصدرية والأول أدخَلُ في الزجر عن تعاطي المحرَّفِ والثاني في الزجر عن التحريف { وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } الكلام فيه كالذي فيما قبله ، والتكريرُ لما مر من التأكيد والتشديد ، والقصدُ إلى التعليل بكل من الجانبين وعدم التعرض لقولهم هذا من عند الله لما أنه من مبادىء ترويجِ ما كتبت أيديهم فهو داخل في التعليل به . (1/154)
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)
{ وَقَالُواْ } بيانٌ لبعضٍ آخرَ من جناياتهم ، وفصلُه عما قبله مُشعرٌ بكونه من الأكاذيب التي اختلقوها ولم يكتبوها في الكتاب { لَن تَمَسَّنَا النار } في الآخرة { إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } قليلةً محصورةً عددَ أيام عبادتِهم العجلَ أربعين يوماً مُدةَ غَيْبةِ موسى عليه السلام عنهم . وحَكى الأصمعي عن بعض اليهود أن عددَ أيام عبادتهم العجلَ سبعة . ورُوي عن ابن عباس ومجاهدٍ أن اليهودَ قالوا عُمرُ الدنيا سبعةُ آلاف سنة وإنما نعذَّب بكل ألفِ سنةٍ يوماً واحداً . ورَوى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اليهود زعمت أن ما وجدوا في التوراة أن ما بين طرفي جهنمَ مسيرةُ أربعين سنةً إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم ، وأنهم يقطعون في كل يوم مسيرةَ سنة فيكملونها { قُلْ } تبكيتاً لهم وتوبيخاً { اتخذتم } بإسقاط الهمزةِ المجتَلَبة لوقوعها في الدَّرْج وبإظهار الذال وقرىء بإدغامها في التاء { عِندَ الله عَهْدًا } خبَراً أو وعداً بما تزعمون ، فإن ما تدّعون لا يكون إلا بناءً على وعدٍ قوي ولذلك عَبَّر عنه بالعهد { فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ } الفاءُ فصيحة معربة عن شرط محذوفٍ كما في قول من قال : (1/155)
قالوا خراسانُ أقصى ما يُراد بنا ... ثم القُفولُ فقد جئنا خُراسانا
أي إن كان الأمر كذلك فلن يُخلِفَه ، والجملةُ اعتراضيةٌ وإظهارُ الاسمِ الجليل للإشعار بعِلّة الحُكم فإن عدم الإخلاف من قضية الألوهية ، وإظهارُ العهدِ مضافاً إلى ضميره عز وجل لما ذكر ، أو لأن المرادَ به جميعُ عهوده لعمومه بالإضافة فيدخل فيه العهدُ المعهودُ دخولاً أولياً ، وفيه تجافٍ عن التصريح بتحقق مضمونِ كلامِهم وإن كان معلقاً بما لم يكَدْ يشَمُّ رائحةَ الوجود قطعاً أعني اتخاذَ العهد { أَمْ تَقُولُونَ } مفترين { عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وقوعَه ، وإنما عُلّق التوبيخ بإسنادهم إليه سبحانه ما لا يعلمون وقوعَه مع أن ما أسندوه إليه تعالى من قبيل ما يعلمون عدمَ وقوعِه للمبالغة في التوبيخ والنكير فإن التوبيخَ على الأدنى مستلزِمٌ للتوبيخ على الأعلى بالطريق الأَوْلى ، وقولُهم المحكيُّ وإن لم يكن تصريحاً بالافتراء عليه سبحانه مستلزِمٌ له ، لأن ذلك الجزمَ لا يكون إلا بإسناد سببِه إليه تعالى ، وأمْ إما متصلةٌ والاستفهام للتقرير المؤدي إلى التبكيت لتحقق العلم بالشق الأخيرِ كأنه قيل : أم لم تتخذوه بل تتقوّلون عليه تعالى ، وإما منقطعةٌ والاستفهام لإنكار الاتخاذِ ونفيِه ومعنى بل فيها الإضرابُ والانتقالُ من التوبيخ بالإنكار على اتخاذ العهدِ إلى ما تفيد همزتُها من التوبيخ على التقوُّل على الله سبحانه ، كما في قوله عز وجل : قل آلله أذِنَ لكم أم على الله تفترون { بلى } إلى آخره ، جوابٌ عن قولهم المحكيِّ وإبطالٌ له من جهته تعالى وبيانٌ لحقيقة الحالِ تفصيلاً في ضمن تشريعٍ كليَ شاملٍ لهم ولسائر الكَفَرة بعد إظهار كذِبِهم إجمالاً ، وتفويضُ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما أن المُحاجَّةَ والإلزامَ من وظائفه عليه السلام مع ما فيه من الإشعار بأنه أمرٌ هيِّنٌ لا يتوقف على التوقيف ، وبلى حرفُ إيجابٍ مختصٌّ بجواب النفي خبراً واستفهاماً { مَن كَسَبَ سَيّئَةً } فاحشةً من السيئات أي كبيرةً من الكبائر كدأب هؤلاء الكَفَرة ، والكسبُ استجلابُ النفعِ ، وتعليقُه بالسيئة على طريقة فبشِّرْهم بعذاب أليم { وأحاطت بِهِ } من جميع جوانبِه بحيث لم يبقَ له جانبٌ من قلبه ولسانه وجوارحِه إلا وقد اشتملت واستولت عليه { خَطِيئَتُهُ } التي كسَبها وصارت خاصةً من خواصّه كما تُنبىءَ عنه الإضافةُ إليه ، وهذا إنما يتحقق في الكافر ، ولذلك فسرها السلفُ بالكفر حسبما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم وابنُ جرير عن أبي وائل ومجاهدٌ وقَتادةُ وعطاءٌ والربيعُ وقيل : السيئةُ الكفرُ والخطيئةُ الكبيرة ، وقيل : بالعكس وقيل : الفرق بينهما أن الأُولى قد تطلق على ما يُقصَد بالذات والثانيةُ تغلِبُ على ما يُقصَدُ بالعَرَض لأنها من الخطأ .
وقرىء خَطِيَّتُه وخطِيّاتُه على القلب والإدغام فيهما وخطيئاتُه وخَطاياه وفي ذلك إيذانٌ بكثرة فنون كفرهم { فَأُوْلَئِكَ } مبتدأ { أصحاب النار } خبرُه والجملةُ خبر للمبتدأ ، والفاءُ لتضمُّنه معنى الشرط ، وإيرادُ اسمِ الإشارة المنبيءِ عن استحضار المشارِ إليه بما لَه من الأوصاف للإشعار بعلِّيتها لصاحبيّة النار ، وما فيه من معنى البُعد للتنبيه على بُعد منزلتِهم في الكفر والخطايا ، وإنما أشير إليهم بعنوان الجَمْعية مراعاةً لجانب المعنى في كلمة ( مَنْ ) بعدَ مراعاة جانبِ اللفظ في الضمائر الثلاثةِ لما أن ذلك هو المناسبُ لما أسند إليهم في تَيْنِك الحالتين ، فإن كسْبَ السيئة وإحاطة خطيئتِه به في حالة الانفراد ، وصاحبيّةَ النارِ في حالة الاجتماع أي أولئك الموصوفون بما ذكر من كسب السيئات وإحاطة خطاياهم بهم أصحابُ النار أي ملازموها في الآخرة حسب ملازمتهم في الدنيا لما يستوجبُها من الأسباب التي جملتها ما هم عليه من تكذيب آياتِ الله تعالى وتحريفِ كلامِه والافتراءِ عليه وغيرِ ذلك ، وإنما لم يُخَصَّ الجوابُ بحالهم بأن يقال مثلاً : بلى إنهم أصحابُ النار الخ لما في التعميم من التهويل وبيانِ حالِهم بالبرهان والدليل ، مع ما مر من قصد الإشعار بالتعليل { هُمْ فِيهَا خالدون } دائماً أبداً فأنَّى لهم التفَصِّي عنها بعد سبعة أيام أو أربعين كما زعموا فلا حجةَ في الآية الكريمة على خلود صاحبِ الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر ، ولا حاجة إلى حمل الخلودِ على اللُبْث الطويل على أن فيه تهوينَ الخطب في مقام التهويل . (1/156)
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)
{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } جرت السنةُ الإلهيةُ على شفْع الوعدِ بالوعيد مراعاةً لما تقتضيه الحِكمةُ في إرشاد العبادِ من الترغيب تارةً والترهيبِ أخرى ، والتبشيرِ مرةً والإنذارِ أخرى { وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق بَنِى إِسْرءيلَ } شروعٌ في تَعداد بعضٍ آخرَ من قبائح أسلافِ اليهودِ مما ينادي بعدم إيمانِ أخلافِهم ، وكلمةُ إذ نُصب بإضمار فعلٍ خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ليؤدِّيَهم التأملُ في أحوالهم إلى قطع الطمَع عن إيمانهم ، أو اليهودُ الموجودون في عهد النبوة توبيخاً لهم بسوء صنيعِ أسلافِهم أي اذكروا إذ أخذنا ميثاقهم { لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله } على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين لا تعبدون إلخ وهو إخبارٌ في معنى النهي كقوله تعالى : { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } وكما تقول : تذهب إلى فلان وتقول كيتَ وكيتْ وهو أبلغُ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهيَّ حقُّه أن يسارعَ إلى الانتهاء عما نُهي عنه فكأنه انتهى عنه فيُخبرُ به الناهيَ . ويؤيده قراءةُ ( لا تعبدوا ) وعطفُ ( قولوا ) عليه وقيل تقديره أن لا تعبدوا إلخ فحُذِف الناصبُ ورُفع الفعل كما في قوله : (1/157)
ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغَى ... وأن أشهدَ اللذاتِ ، هل أنت مُخْلِدي؟
ويعضُدُه قراءةُ ( ألا تعبُدوا ) فيكون بدلاً من الميثاق أو معمولاً له بحذف الجار وقيل : إنه جوابُ قسمٍ دل عليه المعنى كأنه قيل : وحلّفناهم لا تعبدون إلا الله ، وقرىء بالياء لأنهم غُيَّبٌ { وبالوالدين إحسانا } متعلق بمضمر أي وتحسنون أو وأحسنوا { وَذِى القربى واليتامى والمساكين } عطفٌ على الوالدين ويتامى جمع يتيم كندامى جمع نديم ، وهو قليل ، ومسكين مِفْعيل من السكون كأن الفقرَ أسكنه من الحَراك وأثخنه عن التقلب { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } أي قولاً حسناً سماه ( حُسْناً ) مبالغة وقرىء كذلك وحُسُناً بضمتين ، وهي لغة أهل الحجاز وحُسْنى كبُشرى والمراد به ما فيه تخلّقٌ وإرشاد { وأقيموا الصلاة وآتوا وآتوا الزكاة } هما ما فُرض عليهم في شريعتهم { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } إن جُعل ناصبُ الظرف خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فهذا التفاتٌ إلى خطاب بني إسرائيلَ جميعاً بتغليب أخلافِهم على أسلافهم لجَرَيان ذِكرِ كلِّهم حينئذ على نهْج الغَيْبة ، فإن الخطاباتِ السابقةَ لأسلافهم محْكيةٌ داخلةٌ في حيز القول المقدّر قبل لا تعبدون كأنهم استُحضِروا عند ذكرِ جناياتِهم فنُعيت هي عليهم ، وإنْ جعل خِطاباً لليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا تعميمٌ للخطاب بتنزيل الأسلافِ منزلةَ الأخلاف كما أنه تعميمٌ للتولي بتنزيل الأخلافِ منزلةَ الأسلاف للتشديد في التوبيخ أي أعرضتم عن المُضِيِّ على مقتضى الميثاقِ ورفضتموه { إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ } وهم من الأسلاف مَنْ أقام اليهوديةَ على وجهها قبل النسخِ ، ومن الأخلاف مَنْ أسلم كعبد اللَّه بنِ سلام وأضرابِه { وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } جملةٌ تذييلية أي وأنتم قومٌ عادَتُكم الإعراضُ عن الطاعة ومراعاةِ حقوقِ الميثاق ، وأصلُ الإعراض الذهابُ عن المواجهة والإقبالُ إلى جانب العَرْض .
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)
{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } منصوب بفعل مُضمرٍ خوطب به اليهودُ قاطبةً على ما ذكر من التغليب ونُعي عليهم إخلالُهم بمواجب الميثاق المأخوذِ منهم في حقوق العبادِ على طريقة النهي إثرَ بيانِ ما فعلوا بالميثاق المأخوذِ منهم في حقوق الله سبحانه وما يجري مَجراه على سبيل الأمرِ فإن المقصودَ الأصليَّ من النهي عن عبادة غيرِ الله تعالى هو الأمرُ بتخصيص العبادةِ به تعالى أي واذكروا وقت أخذِنا ميثاقَكم في التوراة وقوله تعالى : { لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دياركم } كما قبله إخبارٌ في معنى النهي غُيِّر السبكُ إليه لما ذَكر من نُكتة المبالغة . والمرادُ به النهيُ الشديدُ عن تعرُّض بعضِ بني إسرائيلَ لبعضٍ بالقتل والإجلاءِ ، والتعبيرُ عن ذلك بسفك دماءِ أنفسِهم وإخراجِها من ديارهم بناءً على جَرَيان كلِّ واحدٍ منهم مجرى أنفسِهم لما بينهم من الاتصال القويِّ نسَباً وديناً ، للمبالغة في الحمل على مراعاة حقوقِ الميثاق بتصوير المنهيِّ عنه بصورةٍ تكرَهها كلُّ نفس وتنفِرُ عنها كلُّ طبيعةٍ . فضميرُ ( أنفسَكم ) للمخاطبين حتماً إذ به يتحقق تنزيلُ المخْرِجين منزلتَهم كما أن ضميرَ ( ديارِكم ) للمخرَجين قطعاً ، إذ المحذورُ إنما هو إخراجُهم من ديارهم لا من ديار المخاطَبين من حيث إنهم مخاطبون كما يفصحُ عنه ما سيأتي من قوله تعالى : { مِن ديارهم } وإنما الخطابُ ههنا باعتبار تنزيلِ ديارِهم منزلةَ ديارِ المخاطَبين بناءً على تنزيل أنفسِهم منزلتَهم لتأكيد المبالغةِ وتشديدِ التشنيع ، وأما ضميرُ ( دماءَكم ) فمحتملٌ للوجهين : مَفادُ الأول كونُ المسفوكِ دماءً ادعائيةً للمخاطَبين حقيقةً ، ومَفادُ الثاني كونُه دماءً حقيقيةً للمخاطبين ادعاءً وهما متقاربان في إفادة المبالغةِ فتدَّبرْ . (1/158)
وأما ما قيل من أن المعنى لا تباشروا ما يؤديّ إلى قتل أنفسِكم قِصاصاً ، أو ما يبيح سفكَ دمائِكم وإخراجَكم من دياركم ويصرِفُكم عن دياركم ، أو لا تفعلوا ما يُرديكم ويصرِفُكم عن الحياة الأبدية فإنه القتلُ في الحقيقة ولا تقترفوا ما تُحْرَمون به عن الجنة التي هي دارُكم فإنه الجلاءُ الحقيقيُّ فمما لا يساعده سياقُ النظمِ الكريم بل هو نصٌّ فيما قلناه كما ستقف عليه { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } أي بالميثاق وما يوجب المحافظةَ عليه ، { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } توكيدٌ للإقرار كقولك : أقرَّ فلانٌ شاهداً على نفسه ، وقيل : وأنتم أيها الحاضرون تشهدون اليوم على إقرار أسلافِكم بهذا الميثاق .
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)
{ ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء } خطابٌ خاصٌّ بالحاضرين فيه توبيخ شديدٌ واستبعادٌ قويٌّ لما ارتكبوه بعد ما كان من الميثاق والإقرارِ به والشهادةِ عليه ، وأنتم مبتدأ هؤلاءِ خبرُه ، ومَناطُ الإفادةِ اختلافُ الصفاتِ المنزَّلةِ منزلةَ اختلافِ الذات ، والمعنى أنتم بعد ذلك هؤلاءِ المشاهِدون الناقضون المتناقضون حسبما تُعربُ عنه الجملُ الآتية ، فإن قوله عز وجل : { تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } الخ بيانٌ له وتفصيلٌ لأحوالهم المُنْكَرة المندرجةِ تحت الإشارةِ ضمناً كأنهم قالوا : كيف نحن؟ فقيل : تقتُلون أنفسَكم أي الجارين مَجرى أنفسِكم كما أشير إليه ، وقرىء تُقتّلون بالتشديد للتكثير { وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم } الضمير إما للمخاطبين والمضافُ محذوفٌ أي من أنفسكم ، وإما للمقتولين والخطابُ باعتبار أنهم جُعلوا أنفُسَ المخاطَبين ، وإلا فلا يتحقق التكافُؤُ بين المقتولين والمخرجين في ذلك العنوان الذي عليه يدور فلَكُ المبالغة في تأكيد الميثاقِ حسبما نُصَّ عليه ، ولا يظهر كمالُ قباحةِ جناياتِهم في نقضه { مِن ديارهم } الضمير للفريق ، وإيثارُ الغَيْبة مع جواز الخِطاب أيضاً بناءً على اعتبار العنوان المذكورِ كما مر في الميثاق للاحتراز عن توهّم كونِ المرادِ إخراجَهم من ديار المخاطَبين من حيث هي ديارُهم لا من حيث هي ديارُ المخرِجين ، وقيل : هؤلاءِ موصولٌ والجملتان في حيّز الصلةِ ، والمجموعُ هو الخبرُ لأنتم { تظاهرون علَيْهِم } بحذف إحدى التاءين ، وقرىء بإثباتهما وبالإدغام وتظّهرون بطرح إحدى التاءين من تتظهرون ومعنى الكل تتعاونون وهي حالٌ من فاعل تَخرجون أو من مفعوله أو منهما جميعاً ، مبينةٌ لكيفية الإخراج دافعةٌ لتوهم اختصاصِ الحُرمة بالإخراج بطريق الأصالةِ والاستقلالِ ، دون المظاهرةِ والمعاونة { بالإثم } متعلقٌ بتظاهرون حال من فاعله أي متلبسين بالإثم وهو الفعلُ الذي يستحق فاعلُه الذمَّ واللومَ ، وقيل : وهو ما ينفِرُ عنه النفسُ ولا يطمئن إليه القلب { والعدوان } وهو التجاوزُ في الظلم { وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى } جمعُ أسير وهو من يؤخذ قهراً ، فعيل بمعنى مفعول من الأسر أي الشدّ أو جمعُ أسرى وهو جمع أسير كجرحى وجريح ، وقد قرىء أسْرى ، ومحله النصبُ على الحالية { تفادوهم } أي تخرجوهم من الأسر ، بإعطاء الفداء وقرىء تَفْدوهم . (1/159)
قال السدي إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيلَ في التوراة الميثاقَ أن لا يقتُلَ بعضُهم بعضاً ولا يُخرجَ بعضُهم بعضاً من ديارهم وأيُّما عبدٍ أو أمةٍ وجدتموه من بني إسرائيلَ فاشترُوه وأعتِقوه ، وكانت قريظةُ حلفاءَ الأوسِ والنضيرُ حلفاءَ الخزرج حتى كان بينهما ما كان من العداوة والشَنَآن ، فكان كلُّ فريقٍ يقاتل مع حُلفائه فإذا غَلَبوا خرَّبوا ديارَهم وأخرجوهم منها ، ثم إذا أُسر رجل من الفريقين جمعوا له مالاً فيَفُدونه ، فعيَّرتهم العربُ وقالت : كيف تقاتلونهم ثم تَفْدونهم؟ فيقولون : أُمرنا أن نفديَهم وحُرِّم علينا قتالُهم ، ولكن نستحْيي أن نُذِلَّ حلفاءَنا ، فذمهم الله تعالى على المناقضة { وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } ضميرُ الشأن وقع مبتدأ ومحرمٌ فيه ضمير قائم مقامَ الفاعلِ وقع خبراً عن إخراجهم والجملة خبرٌ لضمير الشأن ، وقيل : محرَّمٌ خبرٌ لضمير الشأن وإخراجُهم مرفوع على أنه مفعولُ ما لم يُسمَّ فاعلُه ، وقيل : الضميرُ مُبهم يفسّره إخراجهم ، أو راجعٌ إلى ما يدل عليه تُخرجون من المصدر ، وإخراجُهم تأكيدٌ أو بيانٌ ، والجملةُ حالٌ من الضمير في تخرجون أو من فريقاً أو منهما كما مر بعد اعتبار القيد بالحال السابقة ، وتخصيصُ بيان الحرمةِ ههنا بالإخراج مع كونه قريناً للقتل عند أخذ الميثاقِ لكونه مِظنّةً للمساهلة في أمره بسبب قِلة خَطَره بالنسبة إلى القتل ، ولأن مساقَ الكلام لذمّهم وتوبيخِهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم معاً ، وذلك مختصٌّ بصورة الإخراجِ حيث لم يُنقلْ عنهم تدارُك القتلى بشيءٍ من دِيَةِ أو قِصاصٍ هو السر في تخصيص التظاهرِ به فيما سبق ، وأما تأخيرُه من الشرطية المعترضةِ مع أن حقه التقديمُ كما ذكره الواحدي فلأن نظْمَ أفاعيلِهم المتناقضةِ في سَمْطٍ واحدٍ من الذكر أدخَلُ في إظهار بطلانها { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب } أي التوراة التي أُخذ فيها الميثاقُ المذكور ، والهمزةُ للإنكار التوبيخيّ والفاءُ للعطف على مقدّر يستدعيه المقامُ أي أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض الكتاب وهو المفاداة ، { وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } وهو حرمةُ القتالِ والإخراج مع أن مِن قضية الإيمان ببعضه الإيمانُ بالباقي لكون الكلِّ من عند الله تعالى داخلاً في الميثاق ، فمناطُ التوبيخ كفرُهم بالبعض مع إيمانهم بالبعض حسبما يفيده ترتيبُ النظمِ الكريم ، فإن التقديمَ يستدعي في المقام الخطابي أصالةَ المقدَّم وتقدُّمَه بوجهٍ من الوجوه حتماً ، وإذ ليس ذلك ههنا باعتبار الإنكارِ والتوبيخ عليه وهو باعتبار الوقوعِ قطعاً لا إيمانُهم بالبعض مع كفرهم بالبعض كما هو المفهومُ لو قيل : أفتكفرون ببعض الكتاب وتؤمنون ببعض؟ ولا مجردُ كفرِهم بالبعض ، وإيمانِهم بالبعض كما يفيده أن يقال : أفتَجْمعون بين الإيمان ببعض الكتابِ والكفرِ ببعضٍ أو بالعكس
{ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذلك } ما نافية و ( مَنْ ) إن جُعلت موصولةً فلا محلَّ ليفعلُ من الإعراب وإن جعلت موصوفةً فمحله الجر على أنه صفتُها ، وذلك إشارةٌ إلى الكفر ببعض الكتاب مع الإيمان ببعضٍ أو إلى ما فعلوا من القتل والإجلاء مع مُفاداةِ الأسارى { مّنكُمْ } حالٌ من فاعل يفعل { إِلاَّ خِزْىٌ } استثناءٌ مُفرَّغٌ وقع خبراً للمبتدأ ، والخزيُ الذلُّ والهوانُ مع الفضيحة ، والتنكيرُ للتفخيم ، وهو قتلُ بني قُرَيظةَ وإجلاءُ بني النَّضير إلى أذْرِعاتَ وأريحاءَ من الشام وقيل : الجزية { فِي الحياة الدنيا } في حيز الرفع على أنه صفةُ خزيٌ أي خزيٌ كائن في الحياة الدنيا أو في حيز النصب على أنه ظرفُ الخزي ، ولعل بيانَ جزائِهم بطريق القصر على ما ذكر لقطع أطماعِهم الفارغةِ من ثمرات إيمانهم ببعض الكتاب وإظهارِ أنه لا أثرَ له أصلاً مع الكفر ببعض { وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ } وقرىء بالتاء ، أوثرَ صيغةُ الجمع نظراً إلى المعنى ( مَنْ ) بعد ما أوثِرَ الإفرادُ نظراً إلى لفظها لما أن الردَّ إنما يكون بالاجتماع { إلى أَشَدّ العذاب } لما أن معصيتَهم أشدُّ المعاصي وقيل : أشدُّ العذاب بالنسبة إلى ما لهم في الدنيا من الخزي والصَّغار ، وإنما غُيّر سبكُ النظمِ الكريم حيث لم يقُلْ مثلاً وأشدُّ العذاب يوم القيامة للإيذان بكمال التنافي بين جزاءَي النشأتين وتقديم يوم القيامة على ذكر ما يقع فيه لتهويل الخطبِ وتفظيعِ الحال من أول الأمر ، { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } من القبائح التي من جملتها هذا المنكَرُ .
وقرىء بالياء على نهج ( يُردّون ) وهو تأكيد للوعيد . (1/160)
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)
{ أولئك } الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحةِ وهو مبتدأ خبرُه قولُه تعالى : { الذين اشتروا } أي آثروا { الحياة الدنيا } واستبدلوها { بالاخرة } وأعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها فإن ما ذُكر من الكفر ببعض أحكامِ الكتاب إنما كان لمراعاة جانبِ حلفائِهم لما يعود إليهم منهم من بعض المنافعِ الدينيةِ والدنيوية { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب } دنيوياً كان أو أُخروياً { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } يدفعه عنهم شفاعةً أو جبراً ، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها عطفَ الاسمية على الفعلية ، أو ينصرون مفسِّرٌ لمحذوف قبل الضمير ، فيكونُ من عطف الفعلية على مثلها { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } شروعٌ في بيانِ بعضٍ آخرَ من جناياتهم ، وتصديرُه بالجملة القَسَمية لإظهار كمالِ الاعتناءِ به ، والمرادُ بالكتاب التوراة ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن التوراة لما نزلت جُملةً واحدة أمر الله تعالى موسى عليه السلام بحملها فلم يُطق ذلك فبعث الله بكل حرفٍ منها مَلَكاً فلم يطيقوا حملَها فخففها الله تعالى لموسى فحملها { وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل } يقال : قفّاه به إذا أتبعه إياه ، أي أرسلناهم على أَثَرِه كقوله تعالى : { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } وهم يوشَعُ وأشمَويلُ وشمعونُ وداودُ وسليمانُ وشَعْيا وأرميا وعُزيرٌ وحزْقيل وإلياسُ واليسعُ ويونسُ وزكريا ويحيى وغيرُهم عليهم الصلاة والسلام { وءاتَيْنَا عيسى ابن مَرْيَمَ البينات } المعجزاتِ الواضحاتِ من إحياء الموتى وإبراءِ الأكمَهِ والأبرصِ والإخبارِ بالمغيّبات ، أو الإنجيلَ وعيسى بالسريانية إيشوُعُ ومعناه المبارك ومريم بمعنى الخادم وهو بالعبرية من النساء كالزير من الرجال وبه فُسر قولُ رؤبة : (1/161)
قلتُ لزيرٍ لم تصِلْه مَرْيمُه ... ضليلِ أهواءِ الصِّبا تندّمُهْ
ووزنه مِفْعل إذ لم يثبت فعيل { وأيدناه } وقرىء وآيدناه { بِرُوحِ القدس } بضم الدال وقرىء بسكونها أي بالروح المقدسة ، وهي روحُ عيسى عليه السلام كقولك : حاتمُ الجود ورجلُ صدقٍ وإنما وُصِفت بالقدْس لكرامته ، أو لأنه عليه السلام لم تضُمَّه الأصلابُ ولا أرحامُ الطوامِث ، وقيل : بجبريلَ عليه السلام وقيل : بالإنجيل كما قيل : في القرآن ( رُوحاً من أمرنا ) وقيل : باسم الله الأعظم الذي يُحيي الموتى بذكره ، وتخصيصُه من بين الرسل عليهم السلام بالذكر ووصفُه بما ذكر من إيتاء البينات والتأييدِ بروح القدسِ لما أن بِعْثتَهم كانت لتنفيذ أحكامِ التوراة وتقريرِها ، وأما عيسى عليه السلام فقد نُسخ بشرعه كثيرٌ من أحكامها ولحسم مادةِ اعتقادِهم الباطلِ في حقه عليه السلام ببيان حقّيتِه وإظهارِ كمالِ قُبح ما فعلوا به عليه السلام { أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ } من أولئك الرسل { بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم } من الحق الذي لا محيدَ عنه أي لا تحبُّه ، من هِويَ كفرح إذا أحب ، والتعبيرُ عنه بذلك للإيذان بأن مدارَ الردِّ والقبولِ عندهم هو المخالفةُ لأهواء أنفسِهم والموافقةُ لها لا شيءٍ آخرَ ، وتوسيطُ الهمزة بين الفاء وما تعلّقت به من الأفعال السابقةِ لتوبيخهم على تعقيبهم ذلك بهذا ، أو للتعجب من شأنهم ، ويجوز كونُ الفاء للعطف على مقدر يناسب المقام ، أي ألم تطيعوهم فكلما جاءكم رسولٌ منهم بما لا تهوى أنفسكم { استكبرتم } عن الاتباع له والإيمانِ بما جاء به من عند الله تعالى { فَفَرِيقًا } منهم { كَذَّبْتُمْ } من غير أن تتعرضوا لهم بشيءٍ آخرَ من المضارِّ ، والفاءُ للسببية أو للتعقيب { وَفَرِيقًا } آخرَ منهم { تَقْتُلُونَ } غيرَ مكتفين بتكذيبهم كزكريا ويحيى عليهما السلام ، وتقديمُ ( فريقاً ) في الموضعين للاهتمام وتشويق السامعِ إلى ما فعلوا بهم لا للقصر ، وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ في القتل لاستحضار صورتِه الهائلةِ ، أو للإيماء إلى أنهم بعْدُ على تلك النية ، حيث همُّوا بما لم ينالوه من جهته عليه السلام وسحَروه وسمُّوا له الشاةَ حتى قال صلى الله عليه وسلم :
وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)
{ وَقَالُواْ } بيانٌ لفنٍ آخرَ من قبائحهم على طريق الالتفاتِ إلى الغَيْبة إشعاراً بإبعادهم عن رُتبة الخِطاب لِمَا فُصِّل من مخازيهم الموجبةِ للإعراض عنهم وحكايةِ نظائرِها لكل من يفهم بُطلانها وقباحتَها من أهل الحق ، والقائلون هم الموجودون في عصر النبي عليه الصلاة والسلام { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } جمعُ أَغْلَفَ ، مستعار من الأغلف الذي لم يُختَنْ أي مُغشّاة بأغشية جِبِلِّيةٍ لا يكاد يصلُ إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولا تفقَهُه كقولهم قلوبُنا في أكِنّة مما تدعونا إليه وقيل : هو تخفيفُ غلُفٌ جمع غِلاف ، ويؤيده ما رُوي عن أبي عمرو من القراءة بضمتين ، يعنون أن قلوبنا أوعيةٌ للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره قاله ابن عباس وعطاءٌ . وقال الكلبي : يعنون أن قلوبَنا لا يصل إليها حديثٌ إلا وعَتْه ولو كان في حديثك خيرٌ لوعتْه أيضاً { بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ } ردٌّ لما قالوه وتكذيبٌ لهم في ذلك والمعنى على الأول بل أبعدهم الله سبحانه عن رحمته بأن خذلهم وخلاّهم وشأنَهم بسبب كفرهم العارضِ وإبطالِهم لاستعدادهم بسوء اختيارِهم بالمرة وكونِهم بحيث لا ينفعهم الإلطاف أصلاً بعد أن خلقهم على الفطرة والتمكنِ من قبول الحق . وعلى الثاني بل أبعدهم من رحمته فأنى لهم ادعاءُ العلمِ الذي هو أجلُّ آثارِها وعلى الثالث بل أبعدهم من رحمته فلذلك لا يقبلون الحق المؤديَ إليها { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } ما مزيدة للمبالغة أي فإيماناً قليلاً يؤمنون وهو إيمانُهم ببعض الكتاب وقيل : فزماناً قليلاً يؤمنون وهو ما قالوا : «آمنوا بالذي أنزِل على الذين آمنوا وجهَ النهار واكفُروا آخره» وكلاهما ليس بإيمان حقيقةً ، وقيل : أريد بالقِلة العدمُ . والفاءُ لسببية اللعن لعدم الإيمان . (1/162)
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)
{ وَلَمَّا جَاءهُمْ كتاب } هو القرآن ، وتنكيرُه للتفخيم ووصفُه بقوله عز وجل { مِنْ عِندِ الله } أي كائنٌ من عنده تعالى للتشريف { مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } من التوراة عُبر عنها بذلك لما أن المعيةَ من موجبات الوقوفِ على ما في تضاعيفها المؤدّي إلى العلم بكونه مصدقاً لهما ، وقرىء ( مصدّقاً ) على أنه حال من كتاب لتخصصه بالوصف { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ } أي من قبل مجيئِه { يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ } أي وقد كانوا قبل مجيئه يستفتحون به على المشركين ويقولون : اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمانِ الذي نجد نعته في التوراة ويقولون لهم : قد أظل زمانُ نبيَ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلُكم معه قتلَ عادٍ وإِرَمَ . قال ابن عباس وقتادة والسدي : نزلت في بني قُرَيظةَ والنضير كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثِه وقيل : معنى يستفتحون يفتحون عليهم ويُعرِّفونهم بأن نبياً يُبعث منهم قد قرُب أوانُه والسين للمبالغة كما في استعجب أي يسألون من أنفسهم الفتحَ عليهم أو يسأل بعضُهم بعضاً أن يَفتحَ عليهم . وعلى التقديرين فالجملة حاليةٌ مفيدةٌ لكمال مكابرتِهم وعنادِهم ، وقولُه عز وعلا : { فَلَمَّا جَاءهُمُ } تكريرٌ للأول لطول العهد بتوسط الجملةِ الحاليةِ ، وقولُه تعالى : { مَّا عَرَفُواْ } عبارةٌ عما سلف من الكتاب لأن معرفةَ من أنزل عليه هو معرفةٌ له ، والاستفتاحُ به استفتاح به ، وإيرادُ الموصولِ دون الاكتفاء بالإضمار لبيان كمالِ مكابرتِهم ، فإن معرفةَ ما جاءهم من مبادىء الإيمان به ودواعيه لا محالةَ والفاء للدلالة على تعقيب مجيئِه للاستفتاح به من غير أن يتخلل بينهما مدةٌ منسيةٌ له وقوله تعالى : { كَفَرُواْ بِهِ } جوابُ ( لمّا ) الأولى كما هو رأيُ المبرِّد أو جوابُهما معاً كما قاله أبو البقاء وقيل : جوابُ الأولى محذوفٌ لدلالة المذكورِ عليه فيكونُ قولُه تعالى : وكانوا الخ جملةً معطوفةً على الشرطية عطفَ القصة على القصة والمرادُ ( بما عرفوا ) النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، كما هو المراد بما ( كانوا يستفتحون به ) فالمعنى ولما جاءهم كتابٌ مصدقٌ لكتابهم كذّبوه وكانوا من قبل مجيئِه يستفتحون بمن أُنزل عليه ذلك الكتابُ فلما جاءهم النبيُّ الذي عرَفوه كفروا به { فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين } اللامُ للعهد أي عليهم ، ووضعُ المظهرِ موضِعَ المُضْمَرِ للإيذان بأن حلولَ اللعنةِ بسبب كفرِهم كما أن الفاءَ للإيذان بترتبها عليه ، أو للجنس وهم داخلون في الحُكم دخولاً أولياً إذ الكلامُ فيهم ، وأياً ما كان فهو محقِّقٌ لمضمون قوله تعالى : { بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ . } (1/163)
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)
{ بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ } ما نكرةٌ بمعنى شيء ، منصوبةٌ مفسِّرةٌ لفاعلِ بئس ، واشتَروا صفتُه أو بئس شيئاً باعُوا به أنفسَهم ، وقيل : اشترَوْها به في زعمهم حيث يعتقدون أنهم بما فعلوا خلّصوها من العقاب ويأباه أنه لا بد أن يكون المذمومُ ما كان حاصلاً لهم لا ما كان زائلاً عنهم ، والمخصوصُ بالذم قولُه تعالى : { أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله } أي الكتابِ المصدّقِ لما معهم بعد الوقوف على حقيقته ، وتبديلُ الإنزال بالمجيء للإيذان بعلوِّ شأنه الموجبِ للإيمان به { بَغِيّاً } حسداً وطلباً لما ليس لهم ، وهو علةٌ لأن يكفُروا حتماً دون ( اشتروا ) لما قيل من الفصل بما هو أجنبيٌّ بالنسبة إليه وإن لم يكن أجنبياً بالنسبة إلى فعل الذمِّ وفاعلِه ، ولأن البغيَ مما لا تعلقَ له بعُنوان البيعِ قطعاً لا سيما وهو معلَّلٌ بما سيأتي من تنزيل الله تعالى من فضله على من يشاؤه وإنما الذي بينه وبينه علاقةٌ هو كفرُهم بما أنزل الله ، والمعنى بئس شيئاً باعُوا به أنفسَهم كفرُهم المعلَّلُ بالبغي الكائنِ لأجل { أَن يُنَزّلُ الله مِن فَضْلِهِ } الذي هو الحي { على مَن يَشَاء } أي يشاؤه ويصطفيه { مِنْ عِبَادِهِ } المستأهِلين لتحمُّل أعباءِ الرسالةِ ، ومآلُه تعليلُ كفرِهم بالمنزل عليه ، وإيثارُ صيغةِ التفعيل ههنا للإيذان بتجدد بغْيهم حسَب تجدُّدِ الإنزالِ وتكثُّره حسب تكثره { فَبَاءو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ } أي رجعوا متلبسين بغضبٍ كائن على غضب مستحقين له حسب ما اقترفوا مِنْ كفر على كفر فإنهم كفروا بنبيّ الحقِّ وبغَوْا عليه وقيل كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام بعد عيسى ، وقيل : بعد قولِهم : عزيرٌ بن الله وقولهم : يد الله مغلولة وغير ذلك من فنون كفرهم { وللكافرين } أي لهم والإظهار في موقع الإضمارِ للإشعار بعلية كفرهم لما حاق بهم { عَذَابٌ مُّهِينٌ } يراد به إهانتُهم وإذلالُهم لما أن كفرَهم بما أنزل الله تعالى كان مبيناً على الحسد المبنيّ على طمع المنزولِ عليهم وادعاءِ الفضلِ على الناس والاستهانةِ بمن أنزل عليه عليه السلام . (1/164)
{ وَإِذَا قِيلَ } من جانب المؤمنين { لَهُمْ } أي لليهود ، وتقديمُ الجار والمجرور قد مر وجهه لا سيما في لام التبليغ { آمنوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ } من الكتب الإلهية جميعاً والمرادُ به الأمرُ بالإيمان بالقرآن لكن سُلك مسلكُ التعميم إيذاناً بتحتُّم الامتثالِ من حيث مشاركتُه لما آمنوا به فيما في حيِّز الصلةِ وموافقتِه له في المضمون وتنبيهاً على أن الإيمانَ بما عداه من غير إيمانٍ به ليس بإيمان بما أنزل الله { قَالُواْ نُؤْمِنُ } أي نستمر على الإيمان { بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } يعنون به التوراةَ وما نزَلَ على أنبياءِ بني إسرائيلَ لتقرير حكمَها ، ويدسُّون فيه أن ما عدا ذلك غيرُ منزّلٍ عليهم ، ومرادُهم بضمير المتكلم إما أنفسُهم فمعنى الإنزالِ عليهم تكليفُهم بما في المنزَّل من الأحكام ، وإما أنبياءُ بني إسرائيلَ وهو الظاهرُ لاشتماله على مزيَّة الإيذانِ بأن عدمَ إيمانِهم بالفُرقان لما مرَّ من بغيهم وحَسَدِهم على نزوله على من ليس منهم ، ولأن مرادَهم بالموصول وإن كان هو التوراةُ وما في حكمها خاصةً لكنّ إيرادَها بعنوان الإنزالِ عليهم مبنيٌّ على ادعاء أن ما عداها ليس كذلك على وجه التعريضِ كما أشير إليه فلو أريد بالإنزال عليهم ما ذكر من تكليفهم يلزَمُ من مغايرَةَ القرآنِ لما أُنزل عليهم حسبما يُعرب عنه قوله عز وجل : { وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ } عدمُ كونِهم مكلَّفين بما فيه كما يلزَم عدمَ كونِه نازلاً على واحد من بني إسرائيلَ على الوجه الأخير ، وتجريدُ الموصول عن الإضمارِ عما عرَّضوا به تعسُّفٌ لا يخفى ، والوراء في الأصل مصدر جُعل ظرفاً ويضاف إلى الفاعل فيرادُ به ما يتوارى به وهو خلْفُه ، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو أمامُه ، والجملةُ حال من ضمير قالوا بتقدير مبتدأ أي قالوا ما قالوا وهم يكفرون بما عداه وليس المرادُ مجردَ بيانِ أن إفرادَ إيمانِهم بما أنزل عليهم بالذكر لنفي إيمانِهم بما وراءه ، بل بيانِ أن ما يدّعون من الإيمان ليس بإيمانٍ بما أنزل عليهم حقيقةً فإن قولَه عز اسمُه : { وَهُوَ الحق } أي المعروفُ بالحقيقة بأن يُخَصَّ به اسمُ الحقِ على الإطلاق ، حال من فاعل يكفُرون وقوله تعالى : { مُصَدّقاً } حالٌ مؤكدة لمضمون الجملةِ صاحبُها إما ضميرُ الحق وعاملَها ما فيه من معنى الفعل قاله أبو البقاء ، وإما ضميرٌ دل عليه الكلامُ وعاملها فعلٌ مضمرٌ ، أي أُحِقُّه مصدِّقاً { لّمَا مَعَهُمْ } من التوراة والمعنى قالوا نؤمن بما أنزل علينا وهم يكفُرون بالقرآن والحال أنه حقٌّ مصدِّق لما آمنوا به فيلزمهم الكفرُ بما آمنوا به ومآ لُه أنهم ادَّعَوا الإيمانَ بالتوراة والحال أنهم يكفُرون بما يلزَمُ من الكفر به الكفرُ بها { قُلْ } تبكيتاً لهم من جهة الله عز من قائل ببيان التناقضِ بين أقوالِهم وأفعالِهم بعد بيانِ التناقضِ في أقوالهم { فَلَمْ } أصلُه لِمَا حُذفت عنه الألفُ فرقاً بين الاستفهامية والخبرية { تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء الله مِن قَبْلُ } الخطابُ للحاضرين من اليهود والماضين على طريق التغليب ، وحيث كانوا مشاركين في العقد والعمل كان الاعتراضُ على أسلافهم اعتراضاً على أخلافِهم ، وصيغةُ الاستقبال لحكايةَ الحالِ الماضية ، وهو جوابُ شرطٍ محذوفٍ أي قل لهم إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعُمون فلأيِّ شيء كنتم تقتلون أنبياءَ الله من قبلُ وهو فيها حرامٌ ، وقرىء أنبئاءَ الله مهموزاً ، وقولُه تعالى : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تكريرٌ للاعتراض لتأكيد الإلزامِ وتشديدِ التهديدِ أي إن كنتم مؤمنين فلمَ تقتلونهم ، وقد حُذف من كل واحدة من الشرطيتين ما حُذف ثقةً بما أُثبتَ في الأخرى وقيل : لا حذفَ فيه بل تقديمُ الجواب على الشرط وذلك لا يتأتى إلا على رأي الكوفيين وأبي زيد وقيل : ( إن ) نافية أي ما كنتم مؤمنين وإلا لما قتلتموهم .
وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)
{ وَلَقَدْ جَاءكُم موسى بالبينات } من تمام التبكيت والتوبيخِ ، داخلٌ تحت الأمر ، لا تكريرٌ لما قُصَّ في تضاعيف تعدادِ النعم التي من جملتها العفوُ عن عبادة العجلِ ، واللامُ للقسم أي : وبالله لقد جاءكم موسى متلبّساً بالمعجزات الظاهرةِ التي هي العصا واليدُ والسِّنونَ ونقصُ الثمراتِ والدمُ والطوفانُ والجَرادُ والقُمّلُ والضفادعُ وفلْقُ البحرِ وقد عُدَّ منها التوراةُ وليس بواضح ، فإن المجيءَ بها بعد قصةِ العجل { ثُمَّ اتخذتم العجل } أي إلها { مِن بَعْدِهِ } أي من بعد مجيئِه بها ، وقيل : من بعد ذهابِه إلى الطور فتكونُ التوراةُ حينئذ من جملة البيناتِ وثم للتراخي في الرُتبة والدلالة على نهايةِ قُبْحِ ما صنعوا { وَأَنتُمْ ظالمون } حالٌ من ضمير اتخذتم بمعنى اتخذتمُ العجلَ ظالمين بعبادته واضعين لها في غير موضِعِها أو بالإخلال بحقوق آياتِ الله تعالى أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتُكم الظلمُ . (1/165)
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)
{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } توبيخ من جهة الله تعالى وتكذيبٌ لهم في ادعائهم الإيمانَ بما أُنزلَ عليهم بتذكير جناياتِهم الناطقةِ بكَذِبهم أي واذكروا حين أخذنا ميثاقَكم { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور } قائلين : { خُذُواْ مَا ءاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ واسمعوا } أي خذوا بما أُمرتم به في التوراة واسمعوا ما فيها سمعَ طاعةٍ وقَبول { قَالُواْ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال سائلٍ كأنه قيل : فماذا قالوا؟ فقيل : قالوا : { سَمِعْنَا } قولَك { وَعَصَيْنَا } أمرَك فإذا قابل أسلافُهم مثلَ ذلك الخطابِ المؤكدِ مع مشاهدتهم مثلَ تلك المعجزةِ الباهرةِ بمثل هذه العظيمة الشنعاءِ وكفروا بما في تضاعيف التوبةِ فكيف يُتصوّر من أخلافِهم الإيمانُ بما فيها . (1/166)
{ وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ العجل } على حذف المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامُه للمبالغة أي تَداخَلَهم حبُّه ورسَخَ في قلوبهم صورتُه لفَرْط شغَفِهم به وحِرصِهم على عبادته كما يَتداخل الصبغ الثوبَ والشرابُ أعماقَ البدن ، و ( في قلوبهم ) بيانٌ لمكان الإشرابِ كما في قوله تعالى : { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } والجملة حالٌ من ضمير قالوا بتقدير قد { بِكُفْرِهِمْ } بسبب كفرِهم السابقِ الموجبِ لذلك ، قيل : كانوا مجسِّمة أو حلولية ، ولم يرَوا جسماً أعجبَ منه فتمكّن في قلوبهم ما سوَّل لهم السامريُّ { قُلْ } توبيخاً لحاضري اليهود إثرَ ما تبين من أحوال رؤسائِهم الذين بهم يقتدون في كل ما يأتون وما يذرون { بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم } بما أنزل عليكم من التوراة حسبما تدّعون ، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي ما ذكر من قولهم سمعنا وعصينا وعبادتِهم العجلَ ، وفي إسناد الأمرِ إلى الإيمان تهكّمٌ بهم ، وإضافةُ الإيمانِ إليهم للإيذان بأنه ليس بإيمانٍ حقيقة كما يُنبىء عنه قوله تعالى : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فإنه قدْحٌ في دعواهم الإيمانَ بما أنزل عليهم من التوراة وإبطالٌ لها ، وتقريرُه : إن كنتم مؤمنين بها عاملين فيما ذُكر من القول والعملِ بما فيها فبئسما يأمرُكم به إيمانُكم بها ، وإذ لا يسوِّغُ الإيمانَ بها مثلُ تلك القبائحِ فلستم بمؤمنين بها قطعاً . وجوابُ الشرط كما ترى محذوفٌ لدلالة ما سبق عليه { قُلْ } كرر الأمرَ مع قرب العهد بالأمر السابق لما أنه أمرٌ بتبكيتهم وإظهارِ كذِبهم في فنٍ آخرَ من أباطيلهم لكنه لم يُحْكَ عنهم قبل الأمر بإبطاله بل اكتُفيَ بالإشارة إليه في تضاعيف الكلام حيث قيل : { إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الاخرة } أي الجنةُ أو نعيمُ الدار الآخرة { عِندَ الله خَالِصَةً } أي سالمة لكم خاصة بكم كما تدّعون أنه لن يدخُلَ الجنةَ إلا من كان هوداً أو نصارى ، ونصبُها على الحالية من الدار وعند ظرفٌ للاستقرار في الخبر أعني لكم ، وقوله تعالى : { مّن دُونِ الناس } في محل النصبِ بخالصة يقال : خلَص لي كذا من كذا ، واللامُ للجنس أي الناس كافة أو للعهد أي المسلمين { فَتَمَنَّوُاْ الموت } فإن من أيقن بدخول الجنة اشتاقَ إلى التخلص إليها من دارة البوارِ وقرارة الأكدار ، لا سيما إذا كانت خالصة له كما قال علي كرم الله وجهه : «لا أبالي أسقطتُ على الموت أو سقط الموتُ عليّ» .
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)
{ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس } من الوُجدان العقليّ ، وهو جار مجرى العلم خلا أنه مختصٌّ بما يقع بعد التجربة ونحوِها ، ومفعولاه الضميرُ وأحرصَ ، والتنكيرُ في قوله تعالى : { على حياة } للإيذان بأن مرادهم نوعٌ خاص منها وهي الحياة المتطاولة ، وقرىء بالتعريف { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } عطفٌ على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل : أحرصَ من الناس ومن الذين أشركوا ، وإفرادُهم بالذكر مع دخولهم في الناس للإيذان بامتيازهم من بينهم بشدة الحرصِ ، للمبالغة في توبيخ اليهودِ ، فإن حرصَهم وهم معترفون بالجزاء لمّا كان أشدَّ من حرص المشركين المنكرين له دلّ ذلك على جزمهم بمصيرهم إلى النار ، ويجوز أن يُحملَ على حذف المعطوف ثقةً بإنباء المعطوفِ عليه عنه ، أي وأحرصَ من الذين أشركوا فقوله تعالى : { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ } بيان لزيادة حرصِهم على طريقة الاستئناف ويجوز أن يكون في حيز الرفعِ صفةً لمبتدإٍ محذوفٍ خبرُه الظرفُ المتقدم على أن يكون المرادُ بالمشركين اليهودَ لقولهم عزيرٌ بنُ الله ، أي ومنهم طائفة يودُّ أحدُهم أيَّهم كان ، أي كلُّ واحد منهم { لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } وهو حكاية لودادتهم كأنه قيل : ليتني أُعَمَّرُ ، وإنما أُجريَ على الغَيبة لقوله تعالى يود كما تقول حلف بالله ليفعلَنّ ، ومحلُه النصبُ على أنه مفعولُ يود إجراءً له مجرى القول لأنه فعل قلبيٌّ { وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب } ما حجازيةٌ والضميرُ العائد على ( أحدُهم ) اسمُها وبمُزَحْزحِه خبرُها والباء زائدة و { أَن يُعَمَّرَ } فاعلُ مزحزحِه أي وما أحدهم بمَنْ يزحزِحُه أي يُبعده وينْجيه من العذاب تعميرُه ، وقيل : الضمير لما دل عليه يُعمَّر من المصدر ، و ( أن يعمر ) بدلٌ منه وقيل : هو مبهم ، وأن يعمّر مفسرةٌ والجملةُ حال من أحدهم والعامل يود لا يُعمَّر على أنها حالٌ من ضميره لفساد المعنى ، أو اعتراض . وأصلُ سنة سَنْوَة لقولهم سنَوَات وسَنْية وقيل : سَنْهة كجبهة لقولهم سانهتُه وسُنَيهة وتسنّهت النخلة إذا أتت عليها السنون { والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } البصيرُ في كلام العرب العالمُ بكنه الشيء الخبيرُ به ، ومنه قولهم فلان بصيرٌ بالفقه ، أي عليم بخفيات أعمالهم فهو مجازيهم بها لا محالة ، وقرىء بتاء الخطاب التفاتاً وفيه تشديد للوعيد . (1/167)
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)
{ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } ( نزل في عبد اللَّه بن صوريا من أحبار فدَك حاجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عمن نزل عليه بالوحي فقال عليه السلام : جبريلُ عليه السلام فقال : هو عدوُّنا لو كان غيرُه لآمنّا بك . وفي بعض الروايات ورسولُنا ميكائيلُ فلو كان هو الذي يأتيك لآمنا بك ، وقد عادانا مِراراً وأشدُّها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدِس سيُخْرِبُه بُخْتَ نَصَّرُ فبعثنا من يقتلُه فلقِيه ببابل غلاماً مسكيناً فدفع عنه جبريل عليه السلام ، وقال : إن كان ربكم آمِرَه بهلاككم فإنه لا يسلِّطكم عليه وإلا فبأيِّ حق تقتلونه ) وقيل : أمره الله تعالى أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا ، وروي أنه كان لعمرَ رضي الله عنه أرض بأعلى المدينة ، وكان ممرُّه على مدارس اليهود فكان يجلس إليهم ويسمع كلامَهم فقالوا : يا عمرُ قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال : والله ما أجيئكم لحبّكم ، ولا أسألكم لشكٍ في ديني وإنما أدخُلُ عليكم لأزداد بصيرةً في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وأرى آثارَه في كتابكم ثم سألهم عن جبريلَ عليه السلام فقالوا : ذاك هو عدوُّنا يُطلِعُ محمداً على أسرارنا وهو صاحبُ كلِّ خسفٍ وعذاب ، وميكائيلُ يجيء بالخِصْب والسلام فقال لهم : وما منزلتُهما عند الله تعالى قالوا : جبريلُ أقربُ منزلةً هو عن يمينه وميكائيلُ عن يساره وهما متعاديان فقال عمر رضي الله عنه : إن كانا كما تقولون فما هما بعدوَّيْن ولأنتم أكفرُ من الحمير ، ومن كان عدواً لأحدهما فهو عدوٌّ للآخر ، ومن كان عدواً لهما كان عدو الله سبحانه ، ثم رجع عمرُ فوجد جبريلَ عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد وافقك ربُّك يا عمرُ فقال عمرُ رضي الله عنه : لقد رأيتُني في ديني بعد ذلك أصلبَ من الحَجَر . وقرىء جَبرَئيلَ كسلسبيل وجَبْرَئِلَ كجَحْمَرِشٍ وجِبريلَ وجِبْرئلَ وجِبرائيل كجبراعيلَ وجبرائِلَ كجبراعل ، ومَنْعُ الصرفِ فيه للتعريف والعُجمة ، وقيل : معناه عبد اللَّه { فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ } تعليل لجواب الشرط قائم مقامَه ، والبارزُ الأولُ لجبريل عليه السلام والثاني للقرآن ، أُضمر من غير ذكر إيذاناً بفخامة شأنِه واستغنائه عن الذكر لكمالِ شهرتِه ونباهتِه لا سيما عند ذكر شيءٍ من صفاته { على قَلْبِكَ } زيادةُ تقريرٍ للتنزيل ببيان محلِّ الوحي فإنه القائلُ الأول له ، ومدارُ الفهم والحفظ ، وإيثارُ الخطاب على التكلم المبنيّ على حكاية كلام الله تعالى بعينه كما في قوله تعالى : { قُلْ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } لما في النقل بالعبارة من زيادة تقريرٍ لمضمون المقالةِ { بِإِذُنِ الله } بأمره وتيسيرِه مستعارٌ من تسهيل الحجاب وفيه تلويحٌ بكمال توجُّه جبريلَ عليه السلام إلى تنزيله وصدقِ عزيمتِه عليه السلام ، وهو حال من فاعل نزّله وقوله تعالى : { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أي من الكتب الإلهية التي معظمُها التوراةُ حالٌ من مفعوله وكذا قوله تعالى : { وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ } والعاملُ في الكل نزّله ، والمعنى من عادى جبريلَ من أهل الكتاب فلا وجهَ لمعاداته بل يجب عليه محبتُه فإنه نزله عليك كتاباً مصدِّقاً لكُتُبهم أو فالسبب في عداوته تنزيلُه لكتاب مصدّقٍ لكتابهم موافقٍ له وهم له كارهون ، ولذلك حرفوا كتابهم وجحَدوا موافقتَه له لأن الاعترافَ بها يوجب الإيمانَ به ، وذلك يستدعي انتكاسَ أحوالِهم وزوالَ رياستهم وقيل : إن الجواب فقد خلَع رِبْقةَ الإنصافِ ، أو فقد كفر بما معه من الكتاب أو فليمُتْ غيظاً أو فهو عدوٌّ لي ، وأنا عدوٌّ له . (1/168)
مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99)
{ مَن كَانَ عَدُوّا الله } أريد بعداوته تعالى مخالفةُ أمرِه عِناداً والخروجُ عن طاعته مكابرةً ، أو عداوةُ خواصِّه ومقرَّبيه . لكنْ صُدّر الكلامُ بذكره الجليل تفخيماً لشأنهم وإيذاناً بأن عداوتَهم عداوتُه عز وعلا كما في قوله عز وجل : { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } ثم صرح بالمرام فقيل : { وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال } وإنما أفردا بالذكر مع أنهما أولُ من يشمَلُه عنوانُ المَلَكية والرسالة لإظهار فضلِهما كأنهما عليهما السلام من جنسٍ آخَرَ أشرفَ مما ذكر تنزيلاً للتغايُر في الوصف منزلةَ التغايرِ في الجنس ، وللتنبيه على أن عداوةَ أحدِهما عداوةٌ للآخر حسماً لمادة اعتقادِهم الباطلَ في حقهما حيث زعَموا أنهما متعاديان ، وللإشارة إلى أن معاداةَ الواحدِ والكلِّ سواءٌ في الكفر واستتباعِ العداوةِ من جهة الله سبحانه ، وأن من عادى أحدَهم فكأنما عادى الجميعَ ، وقولُه تعالى : { فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين } أي لهم جوابُ الشرط والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه أشدَّ العقاب وإيثارُ الاسميةِ للدلالة على التحقق والثباتِ ، ووضعُ الكافرين موضعَ المضمرِ للإيذان بأن عداوةَ المذكورين كفر ، وأن ذلك بيِّنٌ لا يحتاج إلى الإخبار به ، وأن مدارَ عداوتِه تعالى لهم وسخطِه المستوجبِ لأشدِّ العقوبة والعذابِ هو كفرُهم المذكور . وقرىء ميكائِلَ كميكاعِلَ وميكائيلَ كميكاعيلَ وميكئِلَ كميكعِلَ وميكَئيلَ كميكَعيل { وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءايات بينات } واضحاتِ الدلالة على معانيها ، وعلى كونها من عند الله تعالى ، { وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفاسقون } أي المتمردون في الكفر الخارجون عن حدوده فإن مَنْ ليس على تلك الصفة من الكفَرة لا يجترىء على الكفر بمثل هاتيك البينات . قال الحسنُ : إذا استُعمل الفسقُ في نوعٍ من المعاصي وقع على أعظمِ أفرادِ ذلك النوع من كفرٍ أو غيره . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : قال ابنُ صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشيء نعرِفُه وما أُنزل عليك من آية فنتّبعَك لها فنزلت . واللام للعهد أي الفاسقون المعهودون وهم أهلُ الكتاب المحرِّفون لكتابهم الخارجون عن دينهم أو للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً . (1/169)
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)
{ أَوَكُلَّمَا عاهدوا عَهْدًا } الهمزةُ للإنكار والواوُ للعطف على مقدرٍ يقتضيه المقامُ أي أكفَروا بها وهي في غاية الوضوحِ وكلما عاهدوا عهداً ومن جملة ذلك ما أشير إليه في قوله تعالى : { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ } من قولهم للمشركين : قد أظل زمانُ نبيَ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلُكم معه قتلَ عادٍ وإرَمَ . وقرىء بسكون الواو على أن تقدير النظم الكريم ، وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهودَهم مراراً كثيرة ، وقرىء عوُهِدوا وعهِدوا ، وقوله تعالى : عهداً إما مصدرٌ مؤكد لعاهَدوا من غير لفظِه أو مفعولٌ له على أنه بمعنى أعطَوُا العهدَ { نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم } أي رمَوْا بالزِّمام ورفضوه ، وقرىء نَقَضَه وإسنادُ النبذِ إلى فريق منهم لأن منهم من لم ينبِذْه { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي بالتوراة وهذا دفعٌ لما يُتوَهَّم من أن النابذين هم الأقلون ، وأن من لم ينبِذْ جِهاراً فهم يؤمنون بها سراً { وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ } هو النبي صلى الله عليه وسلم ، والتنكيرُ للتفخيم { مِنْ عِندِ الله } متعلق بجاءَ أو بمحذوفٍ وقعَ صفةً لرسول لإفادة مزيدِ تعظيمِه بتأكيد ما أفاده التنكيرُ من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية { مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } من التوراة من حيث أنه صلى الله عليه وسلم قرر صِحتها وحقق حَقّيةَ نبوة موسى عليه الصلاة والسلام بما أُنزل عليه أو من حيث أنه عليه السلام جاء على وَفق ما نُعت فيها { نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } أي التوراةَ ، وهم اليهودُ الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ممن كانوا يستفتحون به قبل ذلك لا الذين كانوا في عهد سليمانَ عليه السلام كما قيل لأن النبذَ عند مجيءِ النبي صلى الله عليه وسلم لا يُتصوَّرُ منهم ، وأفرد هذا النبذُ بالذكر مع اندراجِه تحت قوله عز وجل : { أَوْ كُلَّمَا عاهدوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم } لأنه معظمُ جناياتِهم ولأنه تمهيدٌ لذكر اتّباعهم لما تتلو الشياطينُ وإيثارِهم له عليه ، والمرادُ بإيتائها إما إيتاءُ علمِها بالدراسة والحفظ والوقوفِ على ما فيها ، فالموصولُ عبارة عن علمائهم وإما مجردُ إنزالِها عليهم فهو عبارةٌ عن الكل ، وعلى التقديرين فوضعُه موضِع الضمير للإيذان بكمال التنافي بين ما أُثبت لهم في حيز الصلةِ وبين ما صدر عنهم من النبذ { كتاب الله } أي الذي أوُتوه قال السدي : لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراةُ والفرقانُ فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصَفَ وسحرِ هاروتَ ، وماروتَ فلم يوافق القرآنَ فهذا قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله } الخ ، وإنما عَبَّر عنها بكتاب الله تشريفاً لها وتعظيماً لحقِها عليهم وتهويلاً لما اجترأوا عليه من الكفر بها وقيل : ( كتابَ الله ) القرآنُ نبذوه بعد ما لزِمهم تلقِّيه بالقَبول لا سيما بعد ما كانوا يستفتحون به من قبلُ فإن ذلك قَبولٌ له وتمسُّكٌ به ، فيكون الكفرُ به عند مجيئه نبذاً له كأنه قيل : كتابَ الله الذي جاء به فإن مجيءَ الرسول مُعربٌ عن مجيء الكتاب { وَرَاء ظُهُورِهِمْ } مَثَلٌ لتركهم وإعراضِهم عنه بالكلية مثل بما يرمى به وارءَ الظهر استغناءً عنه وقلّةَ التفاتٍ إليه { كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } جملةٌ حاليةٌ أي نبذوه وراء ظهورِهم مُشبَّهين بمن لا يعلمه ، فإن أريد بهم أحبارُهم فالمعنى كأنهم لا يعلمونه على وجه الإيقان ولا يعرفون ما فيه من دلائلِ نبوتِه عليه الصلاة والسلام ففيه إيذانٌ بأن علمَهم به رصينٌ لكنهم يتجاهلون أو كأنهم لا يعلمون أنه كتابُ الله أو لا يعلمونه أصلاً كما إذا أريد بهم الكل . (1/170)