صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
« والذي نفسي بيده إن الرجلَ من أهل الجنة ليتناول الثمرةَ ليأكُلَها فما هي واصلةٌ إلى فيه حتى يُبدِّلَ الله تعالى مكانها مثلَها » والأول أنسبُ لمحافظة عمومِ كلما ، فإنه يدل على ترديدهم هذه المقالةَ كلَّ مرة رزقوا لا فيما عدا المرةَ الأولى يُظهرون بذلك التبجحَ ، وفرطَ الاستغراب لما بينهما من التفاوت العظيم من حيث اللذةُ مع اتحادهما في الشكل واللون ، كأنهم قالوا : هذا عينُ ما رُزقناه في الدنيا فمن أين له هذه الرتبةُ من اللذة والطيب . (1/88)
ولا يقدُح فيه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه ليس في الجنة من أطعمة في الدنيا إلا الاسمُ ، فإن ذلك لبيان كمالِ التفاوتِ بينهما من حيث اللذةُ والحُسنُ والهيئة لا لبيانِ ألا تشابُهَ بينهما أصلاً ، كيف لا وإطلاقُ الأسماء منوطٌ بالاتحاد النوعيّ قطعاً ، هذا وقد فُسّرت الآيةُ الكريمة بأن مستلذاتِ أهلِ الجنة بمقابلة ما رزقوه في الدنيا من المعارف والطاعات متفاوتةُ الحال ، فيجوز أن يريدوا هذا ثوابُ الذي رزقناه في الدنيا من الطاعات ، ولا يساعده تخصيصُ ذلك بالثمرات ، فإن الجنة وما فيها من فنون الكرامات من قبيل الثواب .
{ وَأُتُواْ بِهِ متشابها } اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله والضميرُ المجرورُ على الأول راجعٌ إلى ما دل عليه فحوى الكلام مما رزقوا في الدارين كما في قوله تعالى : { إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا } أي بجنسي الغني والفقير ، وعلى الثاني إلى الرزق { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ } أي مما في نساء الدنيا من الأحوال المستقذرة كالحيْض والدَرن ودنَس الطبع وسوءِ الخلق ، فإن التطهرَ يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال ، وقرىء مطهَّراتٌ ، وهما لغتان فصيحتان ، يقال : النساءُ فعلت وفعلن وهن فاعلةٌ وفواعل ، وقال :
وإذا العذارى بالدُّخان تقنَّعت ... واستعجلت نصبَ القدور فمَلَّتِ
فالجمع على اللفظ ، والإفراد على تأويل الجماعة ، وقرىء ( مطَّهِرة ) بتشديد الطاء وكسر الهاء بمعنى متطهرة ومطَّهِرة أبلغُ من طاهرة ومتطهرة ، للإشعار بأن مُطَهِّراً طهرهن ، وما هو إلا الله سبحانه وتعالى . وأما التطهر فيحتمل أن يكون من قبل أنفسهن كما عند اغتسالهن ، والزوجُ يطلق على الذكر والأنثى ، وهو في الأصل اسم لما له قرينٌ من جنسه ، وليس في مفهومه اعتبارُ التوالد الذي هو مدارُ بقاءِ النوعِ حتى لا يصِحَّ إطلاقُه على أزواج أهلِ الجنة لخلودهم فيها ، واستغنائهم عن الأولاد ، كما أن المداريةَ لبقاء الفردِ ليست بمعتبرة في مفهومِ اسمِ الرزق حتى يُخِلَّ ذلك بإطلاقه على ثمار الجنة .
{ وَهُمْ فِيهَا خالدون } أي دائمون ، والخلودُ في الأصل الثباتُ المديد دامَ أو لم يدُمْ ، ولذلك قيل : للأثافي والأحجارِ الخوالدُ وللجُزءِ الذي يبقى من الإنسان على حاله خالد ، ولو كان وضعه للدوام لما قُيِّد بالتأبيد في قوله عز وعلا :
{ خالدين فِيهَا أَبَداً } ولَما استُعمل حيث لا دوام فيه لكن المرادَ ههنا الدوامُ قطعاً لما يُفضي به من الآيات والسنن ، وما قيل من أن الأبدانَ مؤلفةٌ من الأجزاءِ المتضادة في الكيفية معرَّضة للاستحالات المؤديةِ إلى الانحلال والانفكاكِ مدارُه قياسُ ذلك العالمِ الكاملِ بما يشاهَد في عالم الكوْن والفساد ، على أنه يجوز أن يُعيدَها الخالق تعالى بحيث لا يعتوِرُها الاستحالة ، ولا يعتريها الانحلالُ قطعاً ، بأن تُجعلَ أجزاؤها متفاوتةً في الكيفيات متعادلةً في القوى ، بحيث لا يقْوَى شيءٌ منها عند التفاعُل على إحالةِ الآخر ، متعانقةً متلازمةً لا ينفك بعضُها عن بعض ، وتبقى هذه النسبةُ متحفظةً فيما بينها أبداً لا يعتريها التغيرُ بالأكل والشرب والحركات وغيرِ ذلك . (1/89)
واعلم أن معظمَ اللذاتِ الحسية لما كان مقصوراً على المساكن والمطاعم والمناكِح حسبما يقضي به الاستقراءُ ، وكان مَلاكُ جميع ذلك الدوامَ والثباتَ إذ كلُّ نعمة وإن جلت حيث كانت في شرف الزوال ومعرِضِ الاضمحلال فإنها منغِّصةٌ غيرُ صافيةٍ من شوائب الألم بَشَّر المؤمنين بها وبدوامها تكميلاً للبهجة والسرور ، اللهم وفقنا لمراضيك ، وثبتنا على ما يؤدي إليها من العقْد والعمل .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)
{ إِنَّ الله لاَ * يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً } شروع في تنزيه ساحةِ التنزيل عن تعلق ريبٍ خاصَ اعتراهم من جهة ما وقع فيه من ضرب الأمثال وبيانٌ لحكمته ، وتحقيقٌ للحق إثرَ تنزيهها عما اعتراهم من مطلق الريب بالتحدِّي ، وإلقامِ الحجر ، وإفحامِ كافة البلغاء من أهل المدَر والوبَر . روى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن المنافقين طعَنوا في ضرب الأمثال بالنارِ والظلماتِ والرعدِ والبرق ، وقالوا : الله أجلُّ وأعلى من ضرب الأمثال . وروى عطاءٌ رضي الله عنه : أن هذا الطعنَ هذا كان من المشركين . (1/90)
ورُوي عنه أيضاً أنه لما نزل قوله تعالى : { يأَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ } الآية ، وقوله تعالى : { مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء } الآية ، قالت اليهود : أيُّ قدْرٍ للذباب والعنكبوت حتى يضرِب الله تعالى بهما وجعلوا ذلك ذريعة إلى إنكار كونِه من عند الله تعالى ، مع أنه لا يخفى على أحد ممن له تمييزٌ أنه ليس مما يتصور فيه الترددُ فضلاً عن النكير ، بل هو من أوضح أدلةِ كونِه خارجاً عن طَوْق البشر ، نازلاً من عند خلاق القُوى والقدَر ، كيف لا وإن التمثيل كما مر ليس إلا إبرازاً للمعنى المقصودِ في معرض الأمرِ المشهود ، وتحلية المعقولِ بحِلْية المحسوس ، وتصويرُ أوابد المعاني بهيئة المأنوس ، لاستمالة الوهم واستنزالِه عن معارضتِه للعقل ، واستعصائه عليه في إدراك الحقائق الخفية ، وفهمِ الدقائق الأبية ، كي يتابعَه فيما يقتضيه ويشايعُه إلى ما يرتضيه ، ولذلك شاعت الأمثالُ في الكتب الإلهية والكلمات النبويةِ وذاعت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء ، ومن قضية وجوبِ التماثل بين الممثَّل والممثَّل به في مناط التمثيل تمثيلُ العظيم بالعظيم ، والحقير بالحقير ، وقد مُثل في الإنجيل غلُّ الصدر بالنُخالة ، ومعارضةُ السفهاء بإثارة الزنابير ، وجاء في عبارات البلغاء : أجمعُ مِنْ ذرةٍ ، وأجرأ من الذباب ، وأسمع من قُراد ، وأضعفُ من بعوضة ، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصر .
والحياء تغيُر النفس وانقباضُها عما يُعاب به أو يُذم عليه ، يقال : حيي الرجل وهو حَيِيٌّ ، واشتقاقه من الحياة اشتقاقَ شظِي وحشِي ونسِيَ من الشظي والنسْي والحشي ، يقال : شظِي الفرس ونسي وحشي إذا اعتلت منه تلك الأعضاء كأن من يعتريه الحياء تعتل قوتُه الحيوانية وتنتقص ، واشتكى بمعناه خلا أنه يتعدى بنفسه وبحرف الجر ، يقال : استحييتُه واستحييتُ منه ، والأول لا يتعدى إلا بحرف الجر ، وقد يحذف منه إحدى الياءين ، ومنه قوله :
ألا يستحي منا الملوك ويتقى ... محارمَنا لا يبوء الدمُ بالدم
وقولُه :
إذا ما استحَيْنَ الماءَ يعرِضُ نفسه ... كَرَعن بسبْتٍ في إناءٍ من الورد
فكما أنه إذا أسند إليه سبحانه بطريق الإيجاب في مثل قوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله يستحْيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه »
وقوله عليه السلام : « إن الله حِييّ كريمٌ يستحيي إذا رفع إليه العبدُ يديه أن يُردَّهما صِفراً حتى يضع فيهما خيراً » ، يراد به الترك الخاصُّ على طريقة التمثيل حيث مُثل في الحديثين الكريمين تركهُ تعذيبَ ذي الشيبة ، وتخييبُ العبد من عطائه بترك مَنْ يتركهما حياءً ، كذلك إذا نُفي عنه تعالى في المواد الخاصة كما في هذه الآية الشريفة ، وفي قوله تعالى : { والله لاَ يَسْتَحْىِ * مِنَ الحق } يراد به سلبُ ذلك التركِ الخاصِّ المضاهي لترك المستحي عنه ، لا سلبُ وصفِ الحياء عنه تعالى رأساً ، كما في قولك : إن الله لا يوصف بالحياء ، لأن تخصيصَ السلب ببعض الموادِّ يوهم كونَ الإيجاب من شأنه تعالى في الجملة ، فالمراد ههنا عدمُ ترك ضربِ المثل المماثل لترك من يستحي مِنْ ضَرْبه ، وفيه رمز إلى تعاضُد الدواعي إلى ضربه وتآخُذ البواعث إليه ، إذ الاستحياءُ إنما يُتصور في الأفعال المقبولة للنفس ، المرضية عندها ، ويجوز أن يكون ورودُه على طريقة المشاكلة ، فإنهم كانوا يقولون : أما يستحي ربُّ محمدٍ أن يضرِب مثلاً بالأشياء المُحَقّرة ، كما في قول من قال : (1/91)
مَنْ مبلغٌ أفناءَ يعرُبَ كلَّها ... أني بنيتُ الجارَ قبل المنزل
وضرب المثل استعمالُه في مضرِبه وتطبيقُه به لا صنعُه وإنشاؤه في نفسه ، وإلا لكان إنشاء الأمثال السائرةِ في مواردها ضرباً لها دون استعمالها بعد ذلك في مضاربها ، لفقدان الإنشاء هناك . والأمثالُ الواردة في التنزيل وإن كان استعمالُها في مضاربها عينَ إنشائها في أنفسها ، لكن التعبيرَ عنه بالضرب ليس بهذا الاعتبار ، بل بالاعتبار الأولِ قطعاً ، وهو مأخوذ إما من ضرب الخاتم بجامع التطبيق ، فكما أن ضربَه تطبيقُه بقالبه ، كذلك استعمالُ الأمثال في مضاربها تطبيقُها بها ، كأن المضاربَ قوالبُ تُضرب الأمثالُ على شاكلتها ، لكن لا بمعنى أنها تنشأ بحسَبها بعد أن لم تكنْ كذلك ، بل بمعنى أنها تورَدُ منطبقة عليها سواءٌ كان إنشاؤها حينئذ كعامة الأمثالِ التنزيلية ، فإن مضاربها قوالبُها ، أو قبل ذلك كسائر الأمثال السائرة ، فإنها وإن كانت مصنوعةً من قبلُ إلا أن تطبيقها أي إيرادَها منطبقةً على مضاربها إنما يحصُل عند الضرب ، وإما من ضرب الطين على الجدار ليلتزق به بجامع الإلصاق ، كأنه من يستعملها يُلصِقها بمضاربها ويجعلها ضربةَ لازب لا تنفك عنها لشدة تعلّقها بها .
ومحلُّ ( أن يضرب ) على تقدير تعدية يستحي بنفسه النصبُ على المفعولية ، وأما على تقدير تعديته بالجار فعند الخليل الخفضُ بإضمار مِن ، وعند سيبويه النصبُ بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها ، و ( مثلاً ) مفعول ليضرب ، وما اسمية إبهامية تزيد ما تقارنه من الاسم المنكر إبهاماً وشياعاً ، كما في قولك : أعطني كتاباً ما ، كأنه قيل مثلاً ما من الأمثال ، أيَّ مثلٍ كان . فهي صفة لما قبلها ، أو حرفية مزيدة لتقوية النسبةِ وتوكيدها كما في قوله تعالى :
{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله } وبعوضةً بدل من مثلاً أو عطف بيان عند من يجوِّزه في النكرات ، أو مفعول ليضرب ومثلاً حال تقدمت عليها لكونها نكرة ، أو هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل والتصيير ، وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ ، أي هو بعوضة . (1/92)
والجملة على تقدير كون ما موصولةً صلة لها محذوفة الصدر كما في قوله تعالى : { تَمَامًا عَلَى الذى أَحْسَنَ } على قراءة الرفع ، وعلى تقدير كونها موصوفة لها كذلك ، ومحل ما ، على الوجهين النصبُ على أنه بدل من مثلاً ، أو على أنه مفعول ليضرب ، وعلى تقدير كونِها إبهاميةً صفةٌ لمثَلاً كذلك ، وأما على تقدير كونِها استفهاميةً فهي خبرٌ لها ، كأنه لما رُدّ استبعادُهم ضربَ المثل قيل : ما بعوضة ، وأيُّ مانع فيها حتى لا يُضرب بها المثل ، بل له تعالى أن يمثل بما هو أصغر منها وأحقر كجناحها على ما وقع في قوله صلى الله عليه وسلم : « لو كانت الدنيا تزن عند الله جناحَ بعوضةٍ ما سقى الكافرَ منها شربة ماء » والبعُوض فعُول من البعض وهو القطع كالبَضْع والعَضْب غلب على هذا النوع كالخُموش في لغة هذيل من الخمش وهو الخَدْش .
{ فَمَا فَوْقَهَا } عطف على بعوضة على تقدير نصبها على الوجوه المذكورة وما موصولة أو موصوفة صلتَها أو صفتُها الظرفُ ، وأما على تقدير رفعها فهو عطفٌ على ما الأولى على تقدير كونِها موصولةً أو موصوفة ، وأما على تقدير كونِها استفهاميةً فهو عطفٌ على خبرها أعني بعوضة لا على نفسها كما قيل ، والمعنى ما بعوضة فالذي فوقها أو فشيءٌ فوقها ، حتى لا يُضْرَب بها المثل ، وكذا على تقدير كونِها صفةً للنكرة أو زائدة ، وبعوضة خبرٌ للمضمر ، وذكرُ البعوضة فما فوقها من بين أفراد المَثَل إنما هو بطريق التمثيل دون التعيين والتخصيص ، فلا يُخل بالشيوع بل يقرّره ويؤكده بطريق الأولوية ، والمراد بالفوقية إما الزيادةُ في المعنى الذي أريد بالتمثيل أعني الصِّغَر والحقارة ، وإما الزيادةُ في الحجم والجُثة لكن لا بالغاً ، بل في الجملة كالذباب والعنكبوت .
وعلى التقدير الأول يجوز أن تكون ما الثانية خاصة استفهاميةً إنكارية والمعنى : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فأيَّ شيء فوقها في الصغر والحقارة ، فإذن له تعالى أن يمثّل بكل ما يريد ، ونظيرُه في احتمال الأمرين ما رُوي أن رجلاً بمِنىً خرَّ على طُنُب فُسطاط فقالت عائشة رضي الله عنها حين ذكر لها ذلك : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من مسلم يُشاك شوْكةً فما فوقها إلا كُتبت له بها درجة ومُحِيَتْ عنه بها خطيئة » فإنه يحتمل ما يجاوز الشوكة في القِلة كنَخْبة النملة بقوله عليه السلام : « ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارةٌ لخطاياه حتى نَخبةُ النملة »
وما تجاوزها من الألم كأمثال ما حكي من الحَرور . (1/93)
{ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ } شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحُكم إثرَ تحقيق حقية صدوره عنه تعالى . والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها ، كأنه قيل : فيضرِبه فأما الذين الخ ، وتقديمُ بيانِ حال المؤمنين على ما حكي من الكفرة مما لا يفتقر إلى بيان السبب ، وفي تصدير الجُملتين بأما من إحْماد أمرِ المؤمنين وذمِّ الكفرة ما لا يخفى ، وهو حرف متضمنٌ لمعنى الشرط ، وفعلُه بمنزلة مهما يكن من شيء ، ولذلك يُجاب بالفاء ، وفائدتُه توكيد ما صُدِّر به وتفصيلُ ما في نفس المتكلم من الأقسام ، فقد تُذكر جميعاً وقد يُقتصر على واحد منها ، كما في قوله عز من قائل : { فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } الخ ، قال سيبويه : ( أما ) زِيد معناه مهما يكن من شيء فهو ذاهب لا محالة ، وأنه منه عزيمة ، وكان الأصلُ دخولَ الفاء على الجملة لأنها الجزاءُ لكن كرِهوا إيلاءَها حرفَ الشرط ، فأدخلوها الخبرَ وعُوِّض المبتدأ عن الشرط لفظاً ، والمراد بالموصول فريقُ المؤمنين المعهودين كما أن المرادَ بالموصول الآتي فريقُ الكفرة لا مَنْ يؤمِنُ بضرب المثل ، ومَنْ يكفرُ به ، لاختلال المعنى أيْ فأما المؤمنين فيعلمون . . .
{ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ } كسائر ما ورد منه تعالى ، والحقُّ هو الثابت الذي يحِق ثبوتُه لا محالة ، بحيث لا سبيل للعقل إلى إنكاره لا الثابتُ مطلقاً ، واللامُ للدلالة على أنه مشهود له بالحقية ، وأن له حِكَماً ومصالحَ ، ومن لابتداء الغايةِ المجازية ، وعاملُها محذوفٌ وقع حالاً من الضمير المستكنِّ في الحق ، أو من الضمير العائد إلى المثَل ، أو إلى ضَرْبه ، أي كائناً وصادراً من ربهم ، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم ، وللإيذان بأن ضرْبَ المَثَل تربيةٌ لهم ، وإرشادٌ إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم ، والجملةُ سادّةٌ مسدَّ مفعوليْ ( يعلمون ) عند الجمهور ، ومسدُّ مفعولِه الأول والثاني محذوفٌ عند الأخفش ، أي فيعلمون حقيتَه ثابتةً ، ولعل الاكتفاءَ بحكاية علمهم المذكورِ عن حكاية اعترافِهم بموجبه كما في قوله تعالى : { والرسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } للإشعار بقوة ما بينهما من التلازم وظهورِه المُغني عن الذكر .
{ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ } ممن حُكيت أقوالُهم وأحوالُهم { فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً } أُوثر يقولون على لا يعلمون حسبما يقتضيه ظاهرُ قرينِه دلالةً على كمال غلوِّهم في الكفر ، وترامي أمرِهم في العتو ، فإن مجردَ عدمِ العلم بحقيته ليس بمثابة إنكارِها ، والاستهزاءُ به صريحاً وتمهيداً لتعداد ما نُعيَ عليهم في تضاعيف الجواب من الضلال والفِسقِ ونقضِ العهد وغيرِ ذلك من شنائعهم المترتبةِ على قولهم المذكور .
على أن عدمَ العلم بحقيّته لا يعمُّ جميعَهم ، فإن منهم من يعلم بها ، وإنما يقول ما يقول مكابرةً وعناداً ، وحملُه على عدم الإذعان والقبولِ الشاملِ للجهل والعنادِ تعسفٌ ظاهر .
هذا وقد قيل كان من حقه وأما الذين كفروا فلا يعلمون ، ليطابقَ قرينَه ويقابلَ قسيمَه ، لكن لما كان قولُهم هذا دليلاً واضحاً على جهلهم عُدل إليه على سبيل الكنايةِ ليكون كالبرهان عليه ، فتأمل وكن على الحق المبين . (1/94)
و ( ماذا ) إما مؤلفةٌ من كلمة استفهامٍ وقعتْ مبتدأ خبرُه ذا بمعنى الذي ، وصلتُه ما بعده ، والعائدُ محذوف ، فالأحسنُ أن يجيء جوابُه مرفوعاً ، وإما مُنَزَّلةٌ منزلةَ اسمٍ واحد بمعنى أيُّ شيء ، فالأحسنُ في جوابه النصبُ ، والإرادةُ نزوعُ النفسِ وميلُها إلى الفعل بحيث يحمِلها إليه أو القوةُ التي هي مبدؤه ، والأول مع الفعل ، والثاني قبله ، وكلاهما مما لا يتصور في حقه تعالى ، ولذلك اختلفوا في إرادته عز وجل ، فقيل إرادتُه تعالى لأفعاله كونُه غيرَ ساه فيها ولا مُكْرهٍ ، ولأفعال غيرِه أمرُه بها ، فلا تكون المعاصي بإرادته تعالى ، وقيل هي علمُه باشتمال الأمر على النظام الأكمل ، والوجه الأصلح ، فإنه يدعو القادرَ إلى تحصيله ، والحقُّ عبارةٌ عن ترجيح أحد طرفي المقدورِ على الآخر وتخصيصُه بوجه دون وجه أو معنى يوجبه ، وهي أعمُّ من الاختيار ، فإنه ترجيحٌ مع تفضيل ، وفي كلمة ( هذا ) تحقيرٌ للمشار إليه واسترذال له ومثَلاً نُصب على التمييز أو على الحال كما في قوله تعالى : { نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً } وليس مرادُهم بهذه العظيمة استفهامَ الحكمةِ في ضرب المثل ولا القدْحَ في اشتماله على الفائدة مع اعترافهم بصدوره عنه جل وعلا ، بل غرضُهم التنبيهُ بادعاء أنه من الدناءة والحقارةِ بحيث لا يليق بأن يتعلقَ به أمرٌ من الأمور الداخلةِ تحت إرادته تعالى ، على استحالة أن يكون ضربُ المثل به من عنده سبحانه ، فقوله عز من قائل : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } جوابٌ عن تلك المقالة الباطلة ، وردٌّ لها ببيان أنه مشتملٌ على حكمةٍ جليلة وغايةٍ جميلة هي كونُه ذريعةً إلى هداية المستعدِّين للهداية ، وإضلالِ المنهمكين في الغَواية ، فوُضِعَ الفعلان موضعَ الفعل الواقع في الاستفهام مبالغةٌ في الدلالة على تحققهما ، فإن إرادتَهما دون وقوعِهما بالفعل وتجافياً عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك الإرادة لإيهامه تساويهما في تعلقهما ، وليس كذلك ، فإن المرادَ بالذات من ضرب المثل هو التذكرُ والاهتداءُ كما ينبىء عنه قوله تعالى : { وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } ونظائرُه .
وأمالإضلالُ فهو أمر عارضٌ مترتب على سوء اختيارهم ، وأوثر صيغةُ الاستقبال إيذاناً بالتجدّد والاستمرار ، وقيل : وُضع الفعلان موضعَ مصدرٍ ، كأنه قيل : أراد إضلالَ كثيرٍ وهدايةَ كثير ، وقُدِّم الإضلالُ على الهداية مع تقدم حال المهتدين على حال الضالين فيما قبله ليكون أولُ ما يقرَعُ أسماعَهم من الجواب أمراً فظيعاً يسوءُهم ويفُتَّ في أعضادهم ، وهو السرُّ في تخصيص هذه الفائدة بالذكر وقيل : هو بيانٌ للجملتين المصدّرتين بأما ، وتسجيلٌ بأن العلم بكونه حقاً هدى ، وأن الجهلَ بوجهِ إيرادِه والإنكارِ لحُسن موردِه ضلالٌ وفسوقٌ ، وكثرةُ كل فريقٍ إنما هي بالنظر إلى أنفسها لا بالقياس إلى مقابليهم فلا يقدح في ذلك أقلية أهل الهدى بالنسبة إلى أهل الضلالِ حسبما نطَق به قولُه تعالى :
{ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور } ، ونحو ذلك . واعتبار كثرتهم الذاتية دون قلتهم الإضافية لتكميل فائدة ضربِ المثل وتكثيرِها ، ويجوز أن يراد في الأولين الكثرةُ من حيث العددُ وفي الآخَرين من حيث الفضلُ والشرفُ كما في قول من قال : (1/95)
إن الكرامَ كثيرٌ في البلاد وإن ... قَلُّوا كما غيرهم قُلٌّ وإن كثروا
وإسنادُ الإضلال أي خلق الضلال إليه سبحانه مبنيٌّ على أن جميع الأشياء مخلوقةٌ له تعالى ، وإن كانت أفعالُ العباد من حيث الكسبُ مستندةً إليهم ، وجعلُه من قبيل إسناد الفعل إلى سببه يأباه التصريحُ بالسبب ، وقرىء ( يُضَلُّ به كثيرٌ ويهدى به كثير ) على البناء للمفعول ، وتكرير به مع جواز الاكتفاء بالأول لزيادة تقريرِ السببية وتأكيدِها { وَمَا يُضِلُّ بِهِ } أي بالمثل أو بضربه { إِلاَّ الفاسقين } عطف على ما قبله وتكملةٌ للجواب والردِّ وزيادةُ تعيينٍ لمن أريد إضلالُهم ببيان صفاتهم القبيحةِ المستتبعةِ له ، وإشارةٌ إلى أن ذلك ليس إضلالاً ابتدائياً بل هو تثبيتٌ على ما كانوا عليه من فنون الضلال وزيادةٌ فيه ، وقرىء وما يُضَل به إلا الفاسقون على البناء للمفعول ، والفِسق في اللغة الخروج ، يقال : فسَقت الرُّطْبة عن قشرها والفأرةُ من جُحرها أي خرجت ، قال رؤبة :
يذهبْن في نجدٍ وغَوْرا غائرا ... فواسقاً عن قصدها جوائرا
وفي الشريعة الخروجُ عن طاعة الله عز وجل بارتكاب الكبيرة التي من جملتها الإصرارُ على الصغيرة وله طبقاتٌ ثلاثٌ : الأولى التغابي وهو ارتكابُها أحياناً مستقبِحاً لها ، والثانية الانهماكُ في تعاطيها ، والثالثةُ المثابرة عليها مع جحود قُبحها ، وهذه الطبقةُ من مراتب الكفر فما لم يبلُغْها الفاسقُ لا يُسلب عنه اسمُ المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي عليه يدور الإيمان ولقوله تعالى : { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } والمعتزلةُ لما ذهبوا إلى أن الإيمانَ عبارةٌ عن مجموع التصديقِ والإقرارِ والعملِ ، والكفرَ عن تكذيب الحق وجحوده ، ولم يتسنَّ لهم إدخالُ الفاسقِ في أحدهما فجعلوه قسماً بين قسمي المؤمن والكافر لمشاركته كلَّ واحد منهما في بعض أحكامه . والمرادُ بالفاسقين ههنا العاتون الماردون في الكفر ، الخارجون عن حدوده ممن حُكي عنهم ما حُكي من إنكار كلامِ الله تعالى والاستهزاءِ به ، وتخصيصُ الإضلالِ بهم مترتباً على صفة الفسق وما أجريَ عليهم من القبائح للإيذان بأن ذلك هو الذي أعدَّهم للإضلال وأدى بهم إلى الضلال فإن كفرَهم وعدولَهم عن الحق وإصرارَهم على الباطل صرَف وجوهَ أنظارِهم عن التدبر في حكمة المثَل إلى حقارة الممثَّل به حتى رسَخت به جهالتُهم وازدادت ضلالتُهم فأنكروه وقالوا فيه ما قالوا .
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)
{ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ الله } صفةٌ للفاسقين للذم وتقريرِ ما هم عليه من الفسق ، والنقضُ فسخُ التركيب من المركبات الحسية كالحبْل والغزل ونحوهما ، واستعمالُه في إبطال العهد من حيث استعارةُ الحبل له لما فيه من ارتباط أحدِ كلامي المتعاقدَيْن بالآخر ، فإن شُفِعَ بالحبل وأريد به العهدُ كان ترشيحاً للمجاز ، وإن قُرن بالعهد كان رمزاً إلى ما هو من روادفه وتنبيهاً على مكانه ، وأن المذكور قد استُعير له كما يقال : شجاعٌ يفترس أقرانَه ، وعالمٌ يغترف منه الناسُ تنبيهاً على أنه أسدٌ في شجاعته وبحرٌ في إفاضته ، والعهدُ : المَوْثِقُ ، يقال : عهِد إليه كذا إذا وصّاه به ووثّقه عليه والمرادُ ههنا إما العهدُ المأخوذُ بالفعل وهو الحجة القائمةُ على عباده الدالةُ على وجوده ( تعالى ) ووَحدتِه وصدقِ رسولِه عليه السلام ، وبه أُوّل قولُه تعالى : { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } ، أو المعنى الظاهرُ منه أو المأخوذُ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسولٌ مصدِّقٌ بالمعجزات صدّقوه واتبعوه ولم يكتُموا أمرَه وذِكرُه في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حُكمه كما ينبىء عنه قوله عز وجل : { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب } ونظائرُه ، وقيل : عهودُ الله تعالى ثلاثة ، الأولُ ما أخذه على جميع ذريةِ آدمَ عليه السلام بأن يُقرّوا به وبربوبيته ، والثاني ما أخذه على الأنبياء عليهم السلام بأن يُقيموا الدينَ ولا يتفرقوا فيه ، والثالث ما أخذه على العلماء بأن يُبينوا الحقَّ ولا يكتموه . { الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه } الميثاقُ إما اسمٌ لما يقع به الوَثاقة والإحكام ، وإما مصدرٌ بمعنى التوثقة كالميعاد بمعنى الوعد ، فعلى الأول إن رجَع الضمير إلى العهد كان المرادُ بالميثاق ما وثّقوه به من القَبول والالتزام ، وإن رجع إلى لفظ الجلالة يُراد به آياتُه وكتبُه وإنذارُ رسلِه عليهم السلام ، والمضافُ محذوفٌ على الوجهين ، أي من بعد تحقّق ميثاقِه ، وعلى الثاني إن رجَع الضميرُ إلى العهد ، والميثاقُ مصدرٌ من المبني للفاعل فالمعنى من بعد أن وثّقوه بالقبول والالتزام ، أو من بعد أن وثقه الله عز وجل بإنزال الكتب وإنذارِ الرسل ، وإن كان مصدراً من المبني للمفعول فالمعنى من بعد كونه مُوَثقاً إما بتوثيقهم إياه بالقَبول وإما بتوثيقه تعالى إياه بإنزال الكتب وإنذارِ الرسل . (1/96)
{ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } يحتمل كلَّ قطيعة لا يرضى بها الله سبحانه وتعالى كقطع الرحِمِ وعدمِ موالاة المؤمنين والتفرقةِ بين الأنبياء عليهم السلام والكتب في التصديق ، وتركِ الجماعات المفروضةِ وسائرِ ما فيه رفضُ خيرٍ أو تعاطي شر ، فإنه يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد ، من الوصلة التي هي المقصودةُ بالذات من كل وصلٍ وفصل ، والأمر هو القولُ الطالبُ للفعل مع العلو ، وقيل : بالاستعلاء ، وبه سمِّي الأمرُ الذي هو واحدُ الأمور تسميةً للمفعول بالمصدر ، فإنه مما يؤمَر به كما يقال : له شأنٌ وهو القصدُ والطلب لما أنه أثَرٌ للشأن ، وكذا يقال له شيء وهو مصدرُ شاء لما أنه أثرٌ للمشيئة ، ومحلُّ ( أن يوصل ) إما النصبُ على أنه بدلٌ من الموصول أو من ضميره والثاني أولى لفظاً ومعنى .
{ وَيُفْسِدُونَ فِى الارض } بالمنع عن الإيمان والاستهزاءِ بالحق وقطعِ الوصل التي عليها يدور فلكُ نظام العالم وصلاحُه { أولئك } إشارة إلى الفاسقين باعتبار اتصافِهم بما فُصل من الصفات القبيحة ، وفيه إيذانٌ بأنهم متميزون بها أكملَ تميز ومنتظمون بسبب ذلك في سلك الأمور المحسوسة ، وما فيه من معنى البعد للدلالة على بعد منزلتهم في الفساد { هُمُ الخاسرون } الذين خسروا بإهمال العقلِ عن النظر واقتناصِ ما يفيدهم الحياةَ الأبدية واستبدالِ الإنكار والطعنِ في الآيات بالإيمان بها والتأملِ في حقائقها والاقتباسِ من أنوارها واشتراءِ النقض بالوفاءِ والفسادِ بالصلاح والقطيعةِ بالصلة والعقاب بالثواب . (1/97)
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)
{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } التفات إلى خطاب المذكورين مبنيٌّ على إيراد ما عُد من قبائحهم السابقة لتزايد السَخَط الموجب للمشافهة بالتوبيخ والتقريع ، والاستفهامُ إنكاري لا بمعنى إنكار الوقوع كما في قوله تعالى : { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ } الخ ، بل المعنى إنكارُ الواقعِ واستبعادُه والتعجيبُ منه ، وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكارِ إلى نفس الكفرِ بأن يقال : أتكفرون ، لأن كل موجودٍ يجب أن يكون وجودُه على حال من الأحوال قطعاً فإذا انتفى جميعُ أحوال وجودِه فقد انتفى وجودُه على الطريق البُرهاني ، وقوله عز وجل : { وَكُنتُمْ أمواتا } إلى آخر الآية ، حالٌ من ضمير الخطاب في تكفرون مؤكدةٌ للإنكار والاستبعادِ بما عُدِّد فيها من الشؤون العظيمة الداعيةِ إلى الإيمان الرادعةِ من الكفر من حيث كونُها نعمةً عامة ومن حيث دلالتُها على قدرة تامةٍ كقوله تعالى : { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً } وكيف منصوبةٌ على التشبيه بالظرف عند سيبويه ، وبالحال عند الأخفش ، أي في أيِّ حال أو على أي حالٍ تكفُرون به تعالى ، والحالُ أنكم كنتم أمواتاً أيْ أجساماً لا حياة لها ، عناصرَ وأغذيةً ونُطفاً ومُضَغاً مخلّقةٍ وغيرَ مخلّقةٍ ، والأمواتُ جمع ميت كأقوال جمع قيل ، وإطلاقُها على تلك الأجسام باعتبار عدمِ الحياةِ مطلقاً كما في قوله تعالى : { بَلْدَةً مَّيْتاً } وقوله تعالى : (1/98)
{ وَءايَةٌ لَّهُمُ الارض الميتة } { فأحياكم } بنفْخِ الأرواحِ فيكم ، والفاء للدلالة على التعقيب فإنّ الإحياءَ حاصلٌ إثرَ كونِهم أمواتاً وإنْ توارد عليهم في تلك الحالة أطوارٌ مترتبةٌ بعضُها متراخٍ عن بعض كما أشير إليه آنفاً { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } أي عند انقضاءِ آجالِكم ، وكونُ الإماتة من دلائل القدرةِ ظاهر ، وأما كونُها من النعم فلكونها وسيلةً إلى الحياة الثانية التي هي الحيَوان والنعمةُ العظمى ، والتراخي المستفادُ من كلمة ( ثم ) بالنسبة إلى زمان الإحياءِ دون زمان الحياة ، فإن زمانَ الإماتةِ غيرُ متراخٍ عنه { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } بالنشور يوم يُنفَخُ في الصور أو للسؤال في القبور ، وأياً ما كان فهو متراخٍ من زمان الإماتة ، وإن كان إثرَ زمانِ الموتِ المستمر { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بعد الحشرِ لا إلى غيره فيجازيكم بأعمالكم إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشر ، أو إليه تُنْشرون من قبوركم للحساب ، وهذه الأفعالُ وإن كان بعضُها ماضياً وبعضُها مستقبلاً لا يتسنى مقارنةُ شيءٍ منها لما هو حالٌ منه في الزمان ، لكن الحالَ في الحقيقة هو العلم المتعلّقُ بها كأنه قيل : كيف تكفرون بالله وأنتم عالمون بهذه الأحوال المانعةِ منه ، ومآلُه التعجيبُ من وقوعه مع تحقق ما ينفيه ، وإنما نُظم ما ينكرونه من الإحياء الأخيرِ والرَّجْعِ في سِلك ما يعترفون به من الإحياء الأولِ والإماتةِ تنزيلاً لتمكّنهم من العلم لما عاينوه من الدلائل القاطعةِ منزلةَ العلمِ بذلك بالفعل في إزاحة العللِ والأعذار .
والحياةُ حقيقةٌ في القوة الحساسة أو ما يقتضيها ، وبها سُمي الحيوان حيواناً ، مجازٌ في القوة النامية لكونها من طلائعها وكذا فيما يخصُّ الإنسانَ من العقل والعلم والإيمان من حيث إنه كمالُها وغايتُها ، والموتُ بإزائها يطلق على ما يقابل كلَّ مرتبة من تلك المراتب قال تعالى : { قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } وقال تعالى : { اعلموا أَنَّ الله يُحْىِ الارض بَعْدَ مَوْتِهَا } وقال تعالى : { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى الناس } وعند وصفِه تعالى بها يُراد صِحةَ اتصافِه تعالى بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا ، أو معنى قائمٌ بذاته تعالى مقتضٍ لذلك ، وقرىء تَرجِعون بفتح التاء والأول هو الأليقُ بالمقام . (1/99)
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)
{ هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً } تقريرٌ للإنكار و تأكيدٌ له من الحيثيتين المذكورتين غُيِّر سبكُه عن سبك ما قبله مع اتحادهما في المقصود إبانةً لما بينهما من التفاوت ، فإن ما يتعلق بذواتهم من الإحياءِ والإماتةِ والحشرِ أدخلُ في الحث على الإيمان والكفِّ عن الكفر مما يتعلق بمعايشهم ، وما يجري مَجراها ، وفي جعل الضمير مبتدأً والموصولِ خبراً من الدلالة على الجلالة ما لا يخفى ، وتقديمُ الظرفِ على المفعول الصريحِ لتعجيل المسَرَّة ببيان كونِه نافعاً للمخاطبين وللتشويق إليه كما سلف ، أي خلق لأجلكم جميعَ ما في الأرض من الموجودات لتنتفعوا بها في أمور دنياكم بالذات أو بالواسطة وأمورِ دينكم بالاستدلال بها على شؤون الصانعِ تعالى شأنُه ، والاستشهادِ بكل واحدٍ منها على ما يلائمُه من لذّات الآخرة وآلامِها وما يعمُّ جميعَ ما في الأرض لا نَفْسَها إلا أن يُرادَ بها جهةُ السفل كما يراد بالسماء جهةُ العلو ، نعم يعمُّ كل جزءٍ من أجزائها ، فإنه من جملة ما فيها ضرورةُ وجودِ الجزءِ في الكل و ( جميعاً ) حال من الموصول الثاني مؤكدةٌ لما فيه من العموم ، فإن كلَّ فردٍ من أفرادِ ما في الأرض بل كلُّ جزءٍ من أجزاء العالم له مدخَلٌ في استمراره على ما هو عليه من النظام اللائق الذي عليه يدور انتظامُ مصالحِ الناس . (1/100)
أما من جهة المعاشِ فظاهرٌ ، وأما من جهة الدينِ فلما أنه ليس في العالم شيءٌ مما يتعلق به النظرُ وما لا يتعلق به إلا وهو دليلٌ على القادر الحكيم جل جلاله كما مر في تفسير قوله تعالى : { رَبّ العالمين } وإن لم يستدِلَّ به أحد بالفعل .
{ ثُمَّ استوى إِلَى السماء } أي قصَدَ إليها بإرادته ومشيئته قصداً سوياً بلا صارف يَلويه ولا عاطفٍ يَثنيه من إرادة خلقِ شيءٍ آخَرَ في تضاعيف خلقِها أو غير ذلك ، مأخوذ من قولهم : استوى إليه كالسهم المُرْسل ، وتخصيصُه بالذكر ههنا إما لعدم تحققِه في خلق السُفليات ، لما رُوي مِنْ تخلّل خلقِ السموات بين خلقِ الأرضِ ودَحْوِها . عن الحسن رضي الله عنه : خلق الله تعالى الأرضَ في موضع بيتِ المقدس كهيئة الفِهْرِ عليها دخان يلتزقُ بها ، ثم أصعدَ الدخانَ وخلق منه السمواتِ ، وأمسك الفِهْرَ في موضعها ، وبسَط منها الأرَضين . وذلك قوله تعالى : { كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما } وإما لإظهار كمالِ العنايةِ بإبداع العُلويات ، وقيل : استوى : استولى وملك ، والأولُ هو الظاهر ، وكلمةُ ( ثم ) للإيذان بما فيه من المزِية والفضل على خلق السفليات لا للتراخي الزماني ، فإن تقدّمَه على خلق ما في الأرض المتأخرِ عن دَحْوها مما لا مِريةَ فيه لقوله تعالى : { والارض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } ولما رُوي عن الحسن ، والمرادُ بالسماء إما الأجرامُ العلوية فإن القصدَ إليها بالإرادة لا يستدعي سابقةَ الوجود وإما جهاتُ العلو .
{ فَسَوَّاهُنَّ } أي أتمهنّ وقوَّمهن وخلقهنّ ابتداءً مصونةً عن العِوَج والفُطورِ ، لا أنه تعالى سواهن بعد أن لم يكن كذلك ولا يخفى ما في مقارنة التسوية والاستواءِ من حُسن الموقع ، وفيه إشارة إلى ألا تغيُّرَ فيهن بالنمو والذُّبول كما في السُفليات ، والضميرُ على الوجه الأولِ للسماء لأنها في معنى الجنس ، وقيل هي جمعُ سماءةٍ أو سماوة ، وعلى الوجه الثاني مُبهمٌ يفسّره قولُه تعالى : { سَبْعَ سموات } كما في قولهم : رُبَّه رجلاً ، وهو على الوجه الأول بدلٌ من الضمير ، وتأخيرُ ذكرِ هذا الصُنع البديعِ عن ذكر خلقِ ما في الأرض مع كونه أقوى منه في الدلالة على كمال القدرةِ القاهرةِ كما نُبه عليه لما أن المنافعَ المنوطةَ بما في الأرض أكثرُ ، وتعلقَ مصالحِ الناسِ بذلك أظهر ، وإن كان في إبداع العلوياتِ أيضاً من المنافع الدينيةِ والدنيويةِ ما لا يُحصى . هذا ما قالوا ، وسيأتي في حم السجدة مزيدُ تحقيقٍ وتفصيلٍ بإذن الله تعالى . (1/101)
{ وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبله من خلق السمواتِ والأرضِ وما فيهما ، على هذا النمط البديعِ المنطوي على الحِكَم الفائقةِ والمصالحِ اللائقة ، فإن علمه عز وجل بجميع الأشياءِ ظاهرِها وباطنِها بارزِها وكامنِها وما يليق بكل واحد منها يستدعي أن يخلُق كلَّ ما يخلُقه على الوجه الرائق ، وقرىء وهْو بسكون الهاء تشبيهاً له بعَضْد .
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)
{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } بيان لأمرٍ آخرَ من جنس الأمورِ المتقدمةِ المؤكدةِ للإنكار والاستبعادِ ، فإن خلقَ آدمَ عليه السلام وما خصّه به من الكرامات السنية المحْكية من أجل النعم الداعيةِ لذريته إلى الشكر والإيمان الناهيةِ عن الكفرِ والعصيان ، وتقريرٌ لمضمون ما قبلَه من قوله تعالى : { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً } وتوضيحٌ لكيفية التصرفِ والانتفاعِ بما فيها ، وتلوينُ الخطاب بتوجيهه إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصةً للإيذان بأن فحوى الكلامِ ليس مما يهتدى إليه بأدلة العقلِ كالأمور المشاهدة التي نبه عليها الكفَرَةَ بطريق الخطاب ، بل إنما طريقُه الوحيُ الخاصُّ به عليه السلام ، وفي التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من الإنباء عن تشريفه عليه السلام ما لا يخفى ، وإذْ ظرفٌ موضوعٌ لزمانِ نسبةٍ ماضيةٍ وقعَ فيه نسبةٌ أخرى مثلها ، كما أن إذا موضوعٌ لزمانِ نسبةٍ مستقبلةٍ يقع فيه أخرى مثلُها ، ولذلك يجب إضافتُهما إلى الجمل ، وانتصابُه بمضمر صرح في قوله عز وجل : { واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } وقوله تعالى : { واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ } وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرِها ، لما أن إيجابَ ذكر الوقتِ إيجابٌ لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني ، ولأن الوقتَ مشتمِلٌ عليها ، فإذا استُحضِر كانت حاضرةً بتفاصيلها ، كأنها مشاهَدةٌ عِياناً ، وقيل : ليس انتصابُه على المفعولية ، بل على تأويل اذكُرِ الحادث فيه بحذف المظروفِ وإقامةِ الظرفِ مُقامَه . (1/102)
وأياً ما كان فهو معطوفٌ على مضمر آخرَ ينسحب عليه الكلام كأنه قيل له عليه السلام غِبَّ ما أوحيَ إليه ما خوطب به الكفرةُ من الوحي الناطقِ بتفاصيل الأمورِ السابقةِ الزاجرة عن الكفر به تعالى : ذكِّرهم بذلك واذكُرْ لهم هذه النعمةَ ليتنبهوا بذلك لبُطلان ما هم عليه وينتهوا عنه ، وأما ما قيل من أن المقدَّرَ هو اشكُر النعمةَ في خلق السمواتِ والأرض أو تدبَّرْ ذلك فغيرُ سديدٍ ضرورةَ أن مقتضى الكلام تذكيرُ المخاطبين بمواجب الشكرِ وتنبيهُهم على ما يقتضيه ، وأين ذاك من مَقامه الجليلِ صلى الله عليه وسلم ؟ وقيل : انتصابُه بقوله تعالى : قالوا ، ويأباه أنه يقتضي أن يكون هو المقصودَ بالذات دون سائرِ القصة ، وقيل : بما سبق من قوله تعالى : { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ } ، ولا يخفى بُعدُه ، وقيل : بمضمرٍ دل عليه مضمونُ الآية المتقدمة مثل وبدأ خلقَكم إذ قال الخ . . . ولا ريب في أنه لا فائدةَ في تقييد بدءِ الخلقِ بذلك الوقت ، وقيل : بخلقكم أو بأحياكم مضمراً ، وفيه ما فيه ، وقيل : إذْ زائدة ، ويْعزى ذلك إلى أبي عبيد ومَعْمَر ، وقيل : إنه بمعنى قد ، واللامُ في قوله عز قائلاً : { للملائكة } للتبليغ ، وتقديمُ الجارِّ والمجرور في هذا الباب مطَّرِدٌ لما في المقول من الطول غالباً مع ما فيه من الاهتمام بما قُدِّم والتشويقِ إلى ما أُخِّر كما مر مراراً ، والملائكةُ جمعُ ملك باعتبار أصلِه الذي هو مَلأك على أن الهمزة مزيدة كالشمائل في جمع شمأل ، والتاء لتأكيد تأنيثِ الجماعة ، واشتقاقُه من مَلَك لما فيه من معنى الشدة والقوة ، وقيل : على أنه مقلوبٌ من مأْلَكٍ ، من الألوكة وهي الرسالة أي موضعَ الرسالة أو مرسلٌ على أنه مصدرٌ بمعنى المفعول ، فإنهم وسائطُ بين الله تعالى وبين الناسِ فهم رسلُه عز وجل ، أو بمنزلة رسلِه عليهم السلام ، واختلفت العقلاءُ في حقيقتهم بعد اتفاقِهم على أنها ذواتٌ موجودةٌ قائمةٌ بأنفسها .
فذهب أكثرُ المتكلمين إلى أنها أجسامٌ لطيفةٌ قادرةٌ على التشكل بأشكال مختلفة ، مستدلين بأن الرسلَ كانوا يرَوُنهم كذلك عليهم السلام ، وذهب الحكماءُ إلى أنها جواهرٌ مجردةٌ مخالفةٌ للنفوس الناطقةِ في الحقيقية ، وأنها أكملُ منها قوة وأكثرُ علماً يجري منها مَجرى الشمس من الأضواء منقسمةٌ إلى قسمين : قِسمٌ شأنُهم الاستغراقُ في معرفة الحقِّ والتنزُّهِ عن الاشتغال بغيره كما نعتَهم الله عز وجل بقوله : { يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } وهم العِلِّيُّون المقرَّبون ، وقسمٌ يدبِّرُ الأمرَ من السماء إلى الأرض حسبما جرى عليه قلمُ القضاء والقدرِ ، وهم المدبِّراتُ أمراً ، فمنهم سماويةٌ ومنهم أرضية ، وقالت طائفة من النصارى : هي النفوسُ الفاضلةُ البشرية المفارِقةُ للأبدان ، ونُقل في شرح كَثرتِهم أنه عليه السلام قال : « أَطَّتِ السَّمَاءُ وحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ما فيها مَوضِعُ قدم إلا وفيه مَلَكٌ ساجدٌ أو راكع » وروي أن بني آدمَ عشرُ الجن ، وهما عشرُ حيوانات البَرّ ، والكلُّ عشرُ الطيور ، والكلُّ عشرُ حيوانات البحار ، وهؤلاءِ كلُّهم عشرُ ملائكةِ السماءِ الدنيا ، وكلُّ هؤلاءِ عشرُ ملائكةِ السماء الثانية ، وهكذا إلى السماء السابعة ، ثم كلُّ أولئك في مقابلة ملائكةِ الكُرسيِّ نَزْرٌ قليل ، ثم جميعُ هؤلاءِ عشرُ ملائكةِ سُرادقٍ واحدٍ من سُرادقاتِ العرش التي عددُها ستمائة ألفٍ ، طولُ كلِّ سُرادقٍ وعَرضُه وسَمكُه إذا قوبلت به السمواتُ والأرضُ وما فيهما وما بينهما لا يكونُ لها عنده قَدْرٌ محسوسٌ ، وما منه من مقدارِ شبرٍ إلا وفيه ملكٌ ساجد أو راكعٌ أو قائم ، لهم زجَلٌ بالتسبيح والتقديس . (1/103)
ثم كلُّ هؤلاءِ في مقابلة الملائكةِ الذين يحومون حولَ العرش كالقَطْرةِ في البحر ، ثم ملائكةُ اللوحِ الذين هم أشياعُ إسرافيلَ عليه السلام والملائكةُ الذين هم جنودُ جبريلَ عليه السلام لا يُحصي أجناسَهم ولا مُدةُ أعمارِهم ولا كيفياتُ عباداتهم إلا بارِئهُم العليمُ الخبير على ما قال تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } وروي أنه عليه السلام حين عُرج به إلى السماء رأى ملائكةً في موضعٍ بمنزلةِ شرفٍ يمشي بعضُهم تُجاهَ بعض ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريلَ عليه السلام إلى أين يذهبون؟ فقال جبريلُ : لا أدري إلا أني أراهم منذ خلقتُ ولا أرى واحداً منهم قد رأيته قبل ذلك ، ثم سألا واحداً منهم منذ كم خلقتَ؟ فقال : لا أدري غير أن الله عز وجل يخلُق في كل أربعمائة ألفِ سنةٍ كوكباً ، وقد خلق منذ خلقني أربعَمائة ألفِ كوكب فسبحانه مِنْ إلهٍ ما أعظمَ قدرَه وما أوسعَ ملكوتَه .
واختُلف في الملائكة الذين قيل لهم ما قيل ، فقيل : هم ملائكةُ الأرضِ ، وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنهم المختارون مع إبليسَ حين بعثه الله عز وجل لمحاربة الجنِّ ، حيث كانوا سكانَ الأرض فأفسدوا فيها وسفَكوا الدماءَ فقتلوهم إلا قليلاً ، قد أخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائرِ البحار وقُلل الجبالِ وسكنوا الأرض ، وخفف الله تعالى عنهم العبادة ، وأعطى إبليسَ مُلك الأرض ومُلك السماءِ الدنيا وخِزانةَ الجنة ، فكان يعبُد الله تعالى تارةً في الأرض وتارةً في السماء ، وأخرى في الجنة ، فأخذه العُجب ، فكان من أمره ما كان ، وقال أكثر الصحابة والتابعين رضوانُ الله تعالى عليهم أنهم كلُّ الملائكة لعموم اللفظ وعدمِ المُخصِّص . (1/104)
وقولُه تعالى : { إِنّي جَاعِلٌ فِى الارض خَلِيفَةً } في حيِّز النصب على أنه مقولُ قال ، وصيغةُ الفاعل بمعنى المستقبل ، ولذلك عمِلت عملَه . وفيها ما ليس في صيغة المضارعِ من الدلالة على أنه فاعلٌ ذلك لا محالةَ وهي من الجَعْل بمعنى التصيير المتعدِّي إلى مفعولين ، فقيل : أولُهما خليفةٌ وثانيهما الظرفُ المتقدم على ما هو مقتضى الصِّناعة ، فإن مفعولي التصيير في الحقيقة اسمُ صارَ وخبرُه ، أولُهما الأول ، وثانيهما الثاني ، وهما مبتدأٌ وخبرٌ ، والأصل في الأرض خليفةٌ ثم قيل : صارَ في الأرض خليفةٌ ثم مصيرٌ في الأرض خليفةٌ فمعناه بعد اللتيا والتي : إني جاعل خليفةً من الخلائف أو خليفةً بعينه كائناً في الأرض ، فإن خبرَ صار في الحقيقة هو الكونُ المقدَّر العامل في الظرف ، ولا ريب في أن ذلك ليس مما يقتضيه المقامُ أصلاً ، وإنما الذي يقتضيه هو الإخبارُ بجعل آدمَ ( عليه السلام ) خليفةً فيها كما يعرب عنه جوابُ الملائكة عليهم السلام ، فإذن قولُه تعالى خليفةً مفعولٌ ثانٍ ، والظرفُ متعلقٌ بجاعل ، قدم على المفعول الصريح لما مر من التشويق إلى ما أُخِّر ، أو بمحذوفٍ وقع حالاً مما بعده لكونه نكرة ، وأما المفعولُ الأولُ فمحذوفٌ تعويلاً على القرينة الدالة عليه كما في قوله تعالى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } حُذف فيه المفعولُ الأول وهو ضميرُ الأموالِ لدلالة الحالِ عليه وكذا في قوله تعالى : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } حيث حُذف فيه المفعولُ الأول لدلالة يبخلون عليه . أي لا يحسبنَّ البخلاءُ بخلَهم هو خيراً لهم ، ولا ريب في تحقّق القرينةِ ههنا ، أما إنْ حُمل على الحذف عند وقوعِ المحكيِّ فهي واضحةٌ لوقوعه في أثناء ذِكْرِه عليه السلام على ما سنفصله ، كأنه قيل : إني خالق بشراً من طين وجاعلٌ في الأرض خليفة ، وإما إنْ حُمل على أنه لم يُحذفْ هناك بل قيل مثَلاً وجاعلٌ إياه خليفةً في الأرض لكنه حُذفَ عند الحكاية فالقرينةُ ما ذُكِرَ من جوابِ الملائكة عليهم السلام .
قال العلامة الزمخشري في تفسير قوله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّى خالق بَشَراً مّن طِينٍ } ، إن قلت : كيف صح أن يقول لهم بشراً وما عرَفوا ما البشرُ ولا عهِدوا به؟ قلت : وجهُه أن يكون قد قال لهم : إني خالقٌ خلقاً من صفته كيتَ وكيتَ ولكنه حين حكاه اقتصَر على الاسم انتهى . فحيث جاز الاكتفاءُ عند الحكاية عن ذلك التفصيلِ بمجرد الاسمِ من غير قرينةٍ تدل عليه فما ظنُك بما نحن فيه ومعه قرينةٌ ظاهرةٌ ، ويجوز أن يكون من الجعل بمعنى الخَلْق المتعدي إلى مفعولٍ واحد هو ( خليفةً ) ، وحالُ الظرفِ في التعلق والتقديم كما مر ، فحينئذ لا يكون ما سيأتي من كلام الملائكةِ مترتباً عليه بالذات بل بالواسطة ، فإنه رُوي أنه تعالى لما قال لهم : { إِنّي جَاعِلٌ فِى الارض خَلِيفَةً } قالوا : ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال تعالى : يكون له ذريةٌ يفسدون في الأرض ويتحاسَدون ويقتُلُ بعضُهم بعضاً ، فعند ذلك قالوا ما قالوا والله تعالى أعلم . (1/105)
والخليفةُ من يخلُفُ غيرَه وينوب مَنابَه ، فعيل بمعنى الفاعل والتاء للمبالغة ، والمراد به إما آدمُ عليه السلام وبنوه ، وإنما اقتُصر عليه استغناءً بذكره عن ذكرهم كما يستغنى عن ذكر القبيلةِ بذكر أبيها كمُضَرَ وهاشمٍ ، ومنه «الخلافةُ في قريش» وإما مَنْ يخلُف أو خلف يخلُف فيعمُّه عليه السلام وغيرَه من خلفاءِ ذريتِه ، والمرادُ بالخلافة إما الخلافةُ من جهته سبحانه في إجراء أحكامِه وتنفيذِ أوامره بين الناس وسياسةِ الخلقِ لكن لا لحاجةٍ به تعالى إلى ذلك بل لقصور استعدادِ المستخلَف عليهم ، وعدمِ لياقتِهم لقبول الفيضِ بالذات فتختصُّ بالخواصِّ من بنيه ، وإما الخلافةُ ممن كان في الأرض قبل ذلك فتعمُّ حينئذ الجميع .
{ قَالُواْ } استئنافٌ وقعَ جواباً عما تنساقُ إليه الأذهانُ كأنه قيل : فماذا قالت الملائكة حينئذ ، فقيل : قالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } ؟ وهو أيضاً من الجعل المتعدي إلى اثنين ، فقيل فيهما ما قيل في الأول ، والظاهرُ أن الأولَ كلمةُ مَنْ ، والثاني محذوفٌ ثقةً بما ذكر في الكلام السابق ، كما حُذف الأولُ ثَمةَ تعويلاً على ما ذكر هنا قال قائلهم :
لا تَخَلْنا على عزائك إنا ... طالما قد وشَى بنا الأعداءُ
بحذف المفعول الثاني أي لا تخَلْنا جازعين على عزائك : والمعنى أتجعل فيها من يفسد فيها خليفةً؟ والظرفُ الأولُ متعلقٌ بتجعلُ وتقديمُه لما مر مراراً والثاني بيُفسِدُ ، وفائدتُه تأكيدُ الاستبعادِ لما أن في استخلاف المفسِدِ في محل إفساده من البعد ما ليس في استخلافه في غيره ، هذا وقد جُوِّز كونُه من الجعل بمعنى الخلق المتعدي إلى مفعول واحدٍ هو كلمةُ مَنْ ، وأنت خبير بأن مدارَ تعجُّبِهم ليس خلقَ من يُفسد في الأرض ، كيف لا وإن ما يعقُبه من الجملة الحالية الناطقة بدعوى أحقِّيتِهم منه يقضي ببُطلانه حتماً إذ لا صِحَّة لدعوى الأحقية منه بالخلق وهم مخلوقون ، بل مدارُه أن يُستخلف لعمارة الأرض وإصلاحِها بإجراء أحكامِ الله تعالى وأوامرِه أو يُستخلفَ مكان المطبوعين على الطاعة مَنْ مِنْ شأنِ بني نوعِه الإفسادُ وسفكُ الدماء .
وهو عليه السلامُ وإن كان منزهاً عن ذلك إلا أن استخلافَه مستتبِعٌ لاستخلاف ذرّيتِه التي لا تخلو عنه غالباً ، وإنما أظهروا تعجُّبَهم استكشافاً عما خفِيَ عليهم من الحِكَم التي بدت على تلك المفاسد وألغَتْها ، واستخباراً عما يُزيح شبهتَهم ويرشدهم إلى معرفة ما فيه عليه السلام من الفضائل التي جعلتْه أهلاً لذلك ، كسؤال المتعلم عما ينقدِحُ في ذهنه لا اعتراضاً على فعل الله سبحانه ولا شكاً في اشتماله على الحِكمة والمصلحة إجمالاً ، ولا طعناً فيه عليه السلام ولا في ذريته على وجه الغَيْبة ، فإن منصِبَهم أجلُّ من أن يُظَنَّ بهم أمثالُ ذلك ، قال تعالى : { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } وإنما عَرفوا ما قالوا إما بإخبارٍ من الله تعالى حسبما نُقل من قبلُ ، أو بتلقٍ من اللوح ، أو باستنباطٍ عما ارتكز في عقولهم من اختصاص العِصْمةِ بهم ، أو بقياسٍ لأحد الثقلين على الآخر . (1/106)
{ وَيَسْفِكُ الدماء } السفكُ والسفحُ والسبكُ والسكْبُ أنواع من الصَّب ، والأولان مختصانِ بالدم ، بل لا يستعمل أولُهما إلا في الدم المحرّم ، أي يقتل النفوسَ المحرمة بغير حق ، والتعبيرُ عنه بسفك الدماء لما أنه أقبحُ أنواعِ القتل وأفظعُه وقرىء يُسفِك بضم الفاء ، ويُسفِك ويَسْفِك من أسفك وسَفَك ، وقرىء يُسفَكُ على البناء للمفعول وحُذف الراجع إلى ( مَنْ ) موصولةً أو موصوفة أي يسفك الدماء فيهم .
{ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } جملة حاليةٌ مقررة للتعجب السابق ومؤكدةٌ له على طريقة قول من يجِدُّ في خدمة مولاه وهو يأمرُ بها غيرَه أتستخدمُ العُصاةَ وأنا مجتهدٌ فيها كأنه قيل : أتستخلفُ من شأنُ ذريته الفسادُ مع وجود مَنْ ليس من شأنه ذلك أصلاً؟ والمقصودُ عرضُ أحقيتِهم منهم بالخلافة واستفسارٌ عما رجَّحهم عليهم مع ما هو متوقَّعٌ منهم من الموانع لا العُجبُ والتفاخرُ ، فكأنهم شعَروا بما فيهم من القوة الشهوية التي رذيلتُها الإفراطيةُ الفسادُ في الأرض والقوةِ الغضبيةِ التي رذيلتُها الإفراطية سفكُ الدماء فقالوا ما قالوا وذَهِلوا عما إذا سخَّرَتْهما القوةُ العقلية ومرَّنتْهما على الخير ( فإنه ) يحصُل بذلك من علو الدرجةِ ما يقصُر عن بلوغ رُتبةِ القُوةِ العقلية عند انفرادِها في أفاعيلها ، كالإحاطة بتفاصيل أحوالِ الجزئيات واستنباطِ الصناعات ، واستخراج منافعِ الكائنات من القوة إلى الفعل وغير ذلك مما نيط به أمر الخلافة .
والتسبيح تنزيهُ الله تعالى وتبعيدُه اعتقاداً وقولاً وعملاً عما لا يليق بجنابه سبحانه ، من سبَح في الأرض والماءِ إذا أبعدَ فيهما وأمعن ، ومنه فرسٌ سَبُوحٌ أي واسع الجرْي وكذلك تقديسُه تعالى من قدَّسَ في الأرض إذا ذهَب فيها وأبعدَ ، ويقال : قدَّسه أي طهَّره ، فإن مُطَهِّر الشيءِ مُبعِدُه عن الأقذار ، والباء في ( بحمدك ) متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من الضمير ، أي ننزِّهُك عن كل ما لا يليقُ بشأنك متلبّسين بحمدك على ما أنعمت به علينا من فنون النعم التي من جملتها توفيقُنا لهذه العبادة ، فالتسبيحُ لإظهار صفاتِ الجلالِ ، والحمدُ لتذكير صفاتِ الإنعام ، واللامُ في لك إما مزيدة والمعنى نقدّسك ، وإما صلةٌ للفعل كما في سجدت لله ، وإما للبيان كما في سُقياً لك ، فتكون متعلقةً بمحذوف ، أي نقدّس تقديساً لك أي نصِفُك بما يليق بك من العلوّ والعزةِ وننزِّهُك عما لا يليق بك ، وقيل : المعنى نطهِّر نفوسَنا عن الذنوب لأجلك ، كأنهم قابلوا الفسادَ الذي أعظمُه الإشراكُ بالتسبيح وسفكِ الدماء الذي هو تلويثُ النفس بأقبح الجرائمِ بتطهير النفسِ عن الآثام لا تمدُّحاً بذلك ولا إظهاراً للمِنة بل بياناً للواقع . (1/107)
{ قَالَ } استئنافٌ كما سبق { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ليس المرادُ به بيانَ أنه تعالى يعلم ما لا يعلمون من الأشياء كائناً ما كان ، فإن ذلك مما لا شُبهة لهم فيه حتى يفتقِروا إلى التنبيه عليه لا سيما بطريق التوكيد ، بل بيانَ أن فيه عليه الصلاة والسلام معانيَ مستدعيةً لاستخلافه ، إذ هو الذي خفيَ عليهم وبنَوا عليه ما بنَوْا من التعجّب والاستبعاد ، فما موصولةً كانت أم موصوفةً عبارةٌ عن تلك المعاني ، والمعنى : إني أعلم ما لا تعلمونه من دواعي الخلافة فيه ، وإنما لم يقتصِرْ على بيان تحققِها فيه عليه السلام بأن قيل مثلاً : إن فيه ما يقتضيه من غير تعرّضٍ لإحاطته تعالى وغفلتِهم عنه تفخيماً لشأنه وإيذاناً بابتناء أمرِه تعالى على العلم الرصينِ والحكمةِ المتقنة وصدورِ قولِهم عن الغفلة ، وقيل : معناه إني أعلمُ من المصالحِ في استخلافه ما هو خفيٌّ عليكم ، وأنَّ هذا إرشادٌ للملائكة إلى العلم بأن أفعالَه تعالى كلَّها حسنةٌ وحِكمةٌ وإن خفي عليهم وجهُ الحسْنِ والحِكمة .
وأنت خبيرٌ بأنه مُشعِرٌ بكونهم غيرَ عالمين بذلك من قبلُ ويكون تعجبُهم مبنياً على تردّدهم في اشتمال هذا الفعلِ لحكمةٍ ما ، وذلك مما لا يليق بشأنهم فإنهم عالمون بأن ذلك متضمِّنٌ لحكمةٍ ما ، ولكنهم متردّدون في أنها ماذا؟ هل هو أمرٌ راجعٌ إلى محض حُكم الله عز وجل ، أو إلى فضيلةٍ من جهة المستخلَف؟ فبيّن سبحانه وتعالى لهم أولاً على وجه الإجمالِ والإبهامِ أن فيه فضائلَ غائبةً عنهم ليستشرفوا إليها ، ثم أبرَزَ لهم طرفاً منها ليعاينوه جَهرةً ويظهَرَ لهم بديعُ صنعِه وحكمتِه وينزاحَ شبهتُهم بالكلية .
وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)
{ وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا } شروعٌ في تفصيل ما جَرى بعد الجواب الإجماليِّ تحقيقاً لمضمونه وتفسيراً لإبهامه ، وهو عطفٌ على ( قال ) ، والابتداءُ بحكاية التعليم يدل بظاهره على أن ما مرَّ من المقاولة المحكيةِ إنما جرت بعد خلقِه عليه السلام بمحضَرٍ منه ، وهو الأنسبُ بوقوف الملائكة على أحواله عليه السلام ، بأن قيل إثْرَ نفخِ الروحِ فيه : إني جاعلٌ إياه خليفةً فقيل ما قيل كما أشير إليه ، وإيرادُه عليه السلام باسمه العِلْميِّ لزيادة تعيين المرادِ بالخليفة ، ولأن ذكرَه بعنوان الخلافة لا يلائم مقامَ تمهيدِ مباديها ، وهو اسمٌ أعجميٌّ والأقربُ أن وزنه فاعلٌ كشالَخ وعاذَرَ وعابَرَ وفالغَ لا أفعل ، والتصدي لاشتقاقه من الأُدْمة أو الأَدَمة بالفتح بمعنى الأسوة ، أو من أديم الأرض بناء على ما روي عنه صلى الله عليه وسلم : من أنه تعالى قبض قبضةً من جميع الأرض سهلِها وحَزْنها فخلق منها آدم ، ولذلك اختلفت ألوانُ ذريته أو من الأَدْم والأدمة بمعنى الألفة تعسفٌ كاشتقاق إدريسَ من الدَّرْس ، ويعقوبَ من العقِب ، وإبليس من الإبلاس ، والاسمُ باعتبار الاشتقاقِ ما يكون علامةً للشيء ودليلاً يرفعُه إلى الذهن من الألفاظ والصفات والأفعال ، واستعمالُه عرفاً في اللفظ الموضوع لمعنى مفرداً كان أو مركباً مُخبَراً عنه أو خبراً أو رابطةً بينهما ، واصطلاحاً في المفرد الدال على معنى في نفسه غيرَ مقترنٍ بالزمان ، والمراد ههنا إما الأولُ أو الثاني ، وهو مستلزمٌ للأول ، إذ العلمُ بالألفاظ من حيث الدلالةُ على المعاني مسبوقٌ بالعلم بها والتعليمُ حقيقةً عبارةٌ عن فعلٍ يترتب عليه العلمُ بلا تخلف عنه ولا يحصُل ذلك بمجرد إفاضةِ المعلم ، بل يتوقف على استعداد المتعلم لقبول الفيضِ وتلقّيه من جهته كما مر في تفسير الهدى ، وهو السرُّ في إيثاره على الإعلام والإنباء ، فإنهما إنما يتوقفان على سماع الخبر الذي يشترك فيه البشرُ والمَلك ، وبه يظهر أحقيتُه بالخلافة منهم عليهم السلام لما أن جِبلّتَهم غيرُ مستعدةٍ للإحاطة بتفاصيلِ أحوالِ الجزئيات الجُسمانية خُبْراً ، فمعنى تعليمِه تعالى إياه أن يخلُقَ فيه إذ ذاك بموجب استعداده علماً ضرورياً تفصيلياً بأسماء جميعِ المسميات وأحوالِها وخواصِّها اللائقةِ بكلَ منها ، أو يُلقيَ في رُوعه تفصيلاً أن هذا فرس ، وشأنُه كيت وكيت ، وذاك بعيرٌ وحالُه ذَيْت وذَيْت إلى غير ذلك من أحوال الموجودات ، فيتلقاها عليه السلام حسبما يقتضيه استعدادُه ويستدعيه قابليتُه المتفرعةُ على فطرته المنطويةِ على طبائعَ متباينة وقوى متخالفةٍ وعناصرَ متغايرة . (1/108)
قال ابنُ عباس وعكرمةُ وقتادةُ ومجاهدٌ وابنُ جُبيرٍ رضي الله تعالى عنهم : علّمه أسماءَ جميعِ الأشياءِ حتى القصعةَ والقصيعةَ وحتى الجفنةَ والمِحْلَب وأنحى منفعةَ كلِّ شيءٍ إلى جنسِه . وقيل : أسماءَ ما كان وما سيكونُ إلى يوم القيامة ، وقيل : معنى قولَه تعالى وعلم آدمَ الأسماءَ خلقه من أجزاءَ مختلفةٍ وقوىً متباينةٍ مستعداً لإدراكِ أنواع المُدرَكات من المعقولات والمحسوسات والمتخيَّلات والموهومات ، وألهمه معرفةَ ذواتِ الأشياءِ وأسمائها وخواصِها ومعارفِها وأصولَ العلم وقوانينَ الصناعاتِ وتفاصيلَ آلاتِها وكيفياتِ استعمالاتها ، فيكونُ ما مرَّ من المقاولةِ قبل خلقه عليه السلام .
وقيل : التعليمُ على ظاهره ولكنَّ هناك جملاً مطويةً عطف عليها المذكور أي فخلقه فسواه ونفخ فيه الروح وعلمه الخ { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة } الضمير للمسميات المدلول عليها بالأسماء كما في قوله تعالى : { واشتعل الرأس شَيْباً } والتذكيرُ لتغليبِ العقلاءِ على غيرهم وقُرىءَ عرَضَهن وعرضَها أي عرضَ مسمَّياتِهن أو مسمياتها ، في الحديث : أنه تعالى عرضهم أمثالَ الذر ، ولعلّه عز وجل عرضَ عليهم من أفراد كلِّ نوعٍ ما يصلحُ أنْ يكونَ أنموذجاً يُتعرفُ منه أحوالَ البقيةِ وأحكامها . (1/109)
{ فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء } تبكيتاً لهم وإظهاراً لعجزهم عن إقامة ما علقوا به رجاءَهم من أمرِ الخلافةِ ، فإن التصرفَ والتدبيرَ وإقامةَ المعدلةِ بغير وقوفِ على مراتبِ الاستعداداتِ ومقاديرِ الحقوق مما لا يكاد يمكنُ والإنباءُ إخبارُ فيه إعلامُ ، ولذلك يجري مجرى كل منهما والمرادُ ههنا ما خلا عنه ، وإيثاره على الإخبار للإيذان برفعة شأنِ الأسماء وعظمِ خطرها ، فإن النبأَ إنَّما يطلق على الخبرِ الخطيرِ والأمرِ العظيم { إِن كُنتُمْ صادقين } أي في زعمكم أنكم أحقاءُ بالخلافة ممن استخلفته كما ينبىء عنه مقالُكم ، والتصديق كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه قد يتطرق إليه باعتبارِ ما يلزمُه من الإخبارِ ، فإن أدنى مراتبِ الاستحقاق هو الوقوفُ على أسماءِ ما في الأرض ، وأما ما قيل من أن المعنى في زعمكم أني أستخلفُ في الأرض مفسدين سفاكين للدماء فليس مما يقتضيه المقامُ ، وإن أُوِّلَ بأنْ يقالَ في زعمِكم أنِّي أستخلفُ مَنْ غالبُ أمرِه الإفسادُ وسفكُ الدماءِ منْ غيرِ أنْ يكونَ له مزيةٌ من جهةٍ أخرى ، إذ لا تعلق له بأمرهم بالإنباءِ . وجوابُ الشرط محذوفٌ لدلالةِ المذكورِ عليه .
قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)
{ قَالُواْ } استئنافٌ واقعٌ موقعَ الجواب كأنه قيل : فماذا قالوا حينئذ ، هل خرجوا عن عُهدة ما كُلفوه أو لا؟ فقيل : قالوا { سبحانك } قيل : هو علمٌ للتسبيح ولا يكاد يستعملُ إلا مضافاً وقد جاءَ غيرَ مضافٍ على الشذوذِ غيرَ منصرفٍ للتعريف والألفِ والنون المزيدتين كما في قوله : (1/110)
سُبحانَ مِنْ علقمَةَ الفاخرِ ... وأما في قوله :
سبحانه ثم سُبحاناً نعودُ له ... فقيل : صَرَفه للضرورة ، وقيل : إنه مصدر منكرٌ كغفران ، لا اسمُ مصدر ، ومعناه على الأول نسبحك عما لا يليق بشأنك الأقدسِ من الأمور التي من جملتها خلوُّ أفعالِك من الحِكَم والمصالحِ وعنَوا بذلك تسبيحاً ناشئاً عن كمال طُمَأنينة النفسِ والإيمان باشتمال استخلاف آدمَ عليه السلام على الحِكَم البالغة ، وعلى الثاني تنزهّتَ عن ذلك ناشئاً عن ذاتِك ، وأرادوا به أنهم قالوه عن إذعان لمّا علِموا إجمالاً بأنه عليه السلام يُكلَّف ما كُلِّفوه ، وأنه يقدِر على ما قد عجزوا عنه مما يتوقف عليه الخلافة ، وقوله عز وعلا : { لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } اعتراف منهم بالعجز عما كُلِّفوه ، إذ معناه لا علم لنا إلا ما علمتناه بحسب قابليتِنا من العلوم المناسبة لعالمنا ولا قُدرة بنا على ما هو خارج عن دائرة استعدادِنا حتى لو كنا مستعدّين لذلك لأفَضْتَه علينا ، و ( ما ) في ما علمتنا موصولةٌ حذف من صلتها عائدُها أو مصدرية ، ولقد نفَوْا عنهم العلمَ بالأسماء على وجه المبالغة حتى لم يقتصِروا على بيان عدمِه بأن قالوا مثلاً لا علم لنا بها ، بل جعلوه من جُملة ما لا يعلمونه ، وأشعروا بأن كونَه من تلك الجملة غنيٌّ عن البيان { إِنَّكَ أَنتَ العليم } الذي لا يخفى عليه خافية ، وهذا إشارةٌ إلى تحقيقهم لقوله تعالى : { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } { الحكيم } أي المحكِمُ لمصنوعاته الفاعلُ لها حسبما تقتضيه الحِكمةُ والمصلحة وهو خبرٌ بعد خبر ، أو صفةٌ للأول ، و ( أنت ) ضميرُ الفصل لا محل له من الإعراب ، أو له محل منه مشارِكٌ لما قبله كما قاله الفرّاء ، أو لما بعده كما قاله الكسائي ، وقيل : تأكيد للكاف كما في قولك : مررتُ بك أنت ، وقيل : مبتدأ خبرُه ما بعده ، والجملة خبر إن ، وتلك الجملةُ تعليلٌ لما سبق من قصر علمِهم بما علّمهم الله تعالى وما يفهم من ذلك من علم آدمَ عليه السلام بما خفيَ عليهم ، فكأنهم قالوا أنت العالمُ بكل المعلوماتِ التي من جملتها استعدادُ آدمَ عليه السلام لما نحن بمعزلٍ من الاستعداد له من العلوم الخفيةِ المتعلقةِ بما في الأرضِ من أنواع المخلوقات التي عليها يدور فَلَكُ خلافةِ الحكيمِ الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحِكمةُ ومن جملته تعليمُ آدمَ عليه السلام ما هو قابلٌ له من العلوم الكليةِ والمعارفِ الجزئيةِ المتعلقة بالأحكام الواردةِ على ما في الأرض ، وبناءُ أمرِ الخلافةِ عليها .
قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)
{ قَالَ } استئناف كما سلف { قَالَ يَاءادَمُ أَنبِئْهُم } أي أعلِمْهم ، أُوثرَ على أنبئني كما وقع في أمر الملائكة مع حصول المراد معه أيضاً وهو ظهورُ فضلِ آدمَ عليهم ، عليهم السلام ، إبانةً لما بين الأمرين من التفاوت الجليّ وإيذاناً بأن عِلْمَه عليه السلام بها أمرٌ واضحٌ غيرُ محتاجٍ إلى ما يجري مَجرى الامتحان ، وأنه عليه السلام حقيقٌ بأن يعلمَها غيرُه وقرىء بقلب الهمزة ياءً وبحذفِها أيضاً والهاء مكسورةٌ فيهما { بِأَسْمَائِهِمْ } التي عجَزوا عن علمها واعترفوا بتقاصُر هممِهم عن بلوغِ مرتبتها { فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم } الفاء فصيحةٌ عاطفةٌ للجملة الشرطية على محذوف يقتضيهِ المقامُ وينسحِبُ عليه الكلام ، للإيذان بتقرُّره وغِناه عن الذكر ، وللإشعارِ بتحقُّقه في أسرع ما يكون كما في قوله عز وجل : { فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } بعد قولِه سبحانه : { قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب أَنَاْ ءاتِيكَ } وإظهارُ الأسماءِ في موقع الإضمارِ لإظهار كمالِ العنايةِ بشأنها ، والإيذانِ بأنه عليه السلام أنبأهم بها على وجه التفصيلِ دون الإجمالِ ، والمعنى فأنبأهم بأسمائهم مفصّلةً وبيّن لهم أحوالَ كلَ منهم وخواصَّه وأحكامَه المتعلقة بالمعاش والمعاد ، فعلِموا ذلك لمّا رأَوْا أنه عليه السلام لم يتلعثم في شيء من التفاصيل التي ذكرها مع مساعدة ما بين الأسماءِ والمسميات من المناسبات والمُشكلات وغيرِ ذلك من القرائن الموجبةِ لصدق مقالاتِه عليه السلام ، فلما أنبأهم بذلك { قَالَ } عز وجل تقريراً لما مر من الجواب الإجماليِّ واستحضاراً له { أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والارض } ولكن لا لتقرير نفسِه كما في قوله تعالى : { أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً } ونظائرِه بل لتقرير ما يفيده من تحقق دواعي الخلافةِ في آدمَ عليه السلام لظهور مِصْداقه ، وإيرادُ ما لا يعلمون بعنوان الغيبِ مضافاً إلى السموات والأرض للمبالغة في بيان كمالِ شمولِ علمِه المحيطِ وغايةِ سَعته ، مع الإيذان بأن ما ظهر من عجزهم وعلم آدمَ عليه السلام من الأمور المتعلقة بأهل السموات وأهل الأرض ، وهذا دليل واضحٌ على أن المراد ( بما لا تعلمون ) فيما سبق ما أشير إليه هناك كأنه قيل ألم أقل لكم إني أعلم فيه من دواعي الخلافةِ ما لا تعلمونه فيه هو هذا الذي عاينتموه ، وقوله تعالى : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } عطفٌ على جملة ( ألم أقل لكم ) لا على أعلم ، إذ هو غيرُ داخلٍ تحت القول ، و ( ما ) في الموضعين موصولةٌ حذف عائدُها أي أعلم ما تبدونه وما تكتمونه ، وتغييرُ الأسلوب للإيذان باستمرار كَتْمِهم ، قيل : المراد بما يبدون قولُهم أتجعل الخ ، وبما يكتمون استبطانُهم أنهم أحِقّاءُ بالخلافة وأنه تعالى لا يخلُق خلقاً أفضل منهم . (1/111)
رُوي أنه تعالى لما خلق آدمَ عليه السلام رأت الملائكةُ فِطرتَه العجيبةَ وقالوا ليكن ما شاء فلن يخلُقَ ربُنا خلقاً إلا كنا أكرمَ عليه منه وقيل : هو ما أسره إبليسُ في نفسه من الكِبْر وتركِ السجود ، فإسنادُ الكِتمان حينئذ إلى الجميع من قبيل قولهم بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحدٌ من بينهم ، قالوا : في الآية الكريمة د2لالةٌ على شرف الإنسان ومزية العلمِ وفضلِه على العبادة ، وأن ذلك هو المناطُ للخلافة ، وأن التعليم يصحُّ إطلاقُه على الله تعالى .
وإن لم يصح إطلاقُ المعلِّم عليه لاختصاصه عادة بمن يحترِفُ به ، وأن اللغاتِ توقيفيةٌ إذ الأسماءُ تدل على الألفاظ بخصوص أو بعموم ، وتعليمُها ظاهرٌ في إلقائها على المتعلم مبيناً له معانيَها ، وذلك يستدعي سابقةَ وضعٍ ، وما هو إلا من الله تعالى وأن مفهوم الحِكمة زائدٌ على مفهوم العلم وإلا لزم التكرارُ وأن علومَ الملائكة وكمالاتِهم تقبل الزيادة ، والحكماءُ منعوا ذلك في الطبقة العليا منهم وحملوا على ذلك قولَه تعالى : { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } وأن آدمَ أفضلُ من هؤلاء الملائكة لأنه عليه السلام أعلمُ منهم وأنه تعالى يعلمُ الأشياءَ قبل حدوثِها . (1/112)
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)
{ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة } عطفٌ على الظرف الأول منصوبٌ بما نصبه من المُضمَر ، أو بناصب مستقلٍ معطوفٍ على ناصبه عطفَ القصة على القصة ، أي واذكر وقت قولنا لهم ، وقيل : بفعل دل عليه الكلام ، أي أطاعوا وقت قولِنا الخ ، وقد عرفت ما في أمثاله ، وتخصيصُ هذا القول بالذكر مع كون مقتضى الظاهرِ إيرادَه على منهاج ما قبله من الأقوال المحكيةِ المتصلةِ به للإيذان بأن ما في حيّزه نعمةٌ جليلةٌ مستقلة حقيقةٌ بالذكر والتذكيرِ على حِيالها ، والالتفاتُ إلى التكلم لإظهار الجلالةِ وتربيةِ المهابة مع ما فيه من تأكيد الاستقلال ، وكذا إظهارُ الملائكة في موضع الإضمار ، والكلام في اللام وتقديمِها مع مجرورها على المفعول كما مر ، وقرىء بضم تاء الملائكة إتباعاً لضم الجيم في قوله تعالى : { اسجدوا لاِدَمَ } كما قرىء بكسر الدال في قوله تعالى : { الحمد للَّهِ } إتباعاً لكسر اللام وهي لغة ضعيفة ، والسجودُ في اللغة الخضوعُ والتطامُن ، وفي الشرع وضعُ الجبهة على الأرض على قصد العبادة ، فقيل : أُمِروا بالسجود له عليه والسلام على وجه التحية تعظيماً له واعترافاً بفضله وأداءً لحق التعليم واعتذاراً عما وقع منهم في شأنه ، وقيل : أمروا بالسجود له تعالى وإنما كان آدمُ قِبلةً لسجودهم تفخيماً لشأنه أو سبباً لوجوبه ، فكأنه تعالى لما بَرَأه أُنموذَجاً للمُبدَعات كلِّها ونسخةً منطويةً على تعلق العالم الروحاني بالعالم الجُسماني وامتزاجِهما على نمط بديعٍ أمرهم بالسجود له تعالى لما عاينوا من عظيم قدرتِه ، فاللام فيه كما في قول حسانَ رضي الله عنه : (1/113)
أليس أولَ من صلَّى لقِبلتكم ... وأعرفَ الناسِ بالقرآنِ والسننِ
أو في قوله تعالى : { أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس } والأولُ هو الأظهر ، وقوله عز وجل : { فَسَجَدُواْ } عطف على قلنا ، والفاء لإفادة مسارعتِهم إلى الامتثال وعدمِ تلعثُمِهم في ذلك ، رُوي عن وهْب أن أولَ من سجد جبريلُ ثم ميكائيلُ ثم إسرافيلُ ثم عزرائيلُ ثم سائرُ الملائكة عليهم السلام وقوله تعالى : { إِلاَّ إِبْلِيسَ } استثناءٌ متصل لما أنه كان جنّياً مفرَداً مغموراً بألوف من الملائكة متصفاً بصفاتهم فغَلبوا عليه في فسجدوا ، ثم استثني استثناءَ واحدٍ منهم أو لأن من الملائكة جنساً يتوالدون يقال لهم الجنُّ كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو منهم ، أو لأن الجن أيضاً كانوا مأمورين بالسجود له لكن استُغني بذكر الملائكة عن ذكرهم . أو منقطعٌ : وهواسمٌ أعجميٌ ولذلك لم ينصرِف ومن جعله مشتقاً من الإبلاس وهو إلباس قال : إنه مُشبَّهٌ بالعجمة حيث لم يُسمَّ به أحدٌ فكان كالاسم الأعجميّ .
واعلم أن الذي تقتضيه هذه الآية الكريمةُ والتي في سورة الأعراف من قوله تعالى : { ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ } الآية ، والتي في سورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه من قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لاِدَمَ فَسَجَدُواْ } الآية ، أن سجودَ الملائكة إنما ترتب على الأمر التنجيزيّ الوارد بعد خلقِه وتسويته ونفخِ الروحِ فيه ألبتة كما يلوح به حكايةُ امتثالِهم بعبارة السجود دون الوقوعِ الذي به ورد الأمرُ التعليقي ، ولكن ما في سورة الحِجْرِ من قوله عز وعلا :
{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّى خالق بَشَرًا مِّن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين * فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } وما في سورة ص من قوله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّى خالق بَشَراً مّن طِينٍ } إلى آخر الآية يستدعيان بظاهرهما ترتُّبَه على ما فيهما من الأمر التعليقيِّ من غير أن يتوسط بينهما شيءٌ ما تُفصحَ عنه الفاءُ الفصيحة من الخلق والتسوية ونفخِ الروحِ فيه عليه السلام . (1/114)
وقد رُوي عن وهْبٍ أنه كان السجود كما نفخ فيه الروح بلا تأخير ، وتأويلُ الآيات السابقةِ بحمل ما فيها من الأمر على حكاية الأمرِ التعليقيّ بعد تحققِ المعلَّقِ به إجمالاً ، فإنه حينئذ يكون في حكم التنجيز يأباه ما في سورة الأعراف من كلمة ثم المناديةِ بتأخر ورودِ الأمرِ عن التصوير المتأخرِ عن الخلق المتأخر عن الأمر التعليقي ، والاعتذارُ بحمل التراخي على الرُتبيّ أو التراخي في الإخبار ، أو بأن الأمرَ التعليقي قبل تحققِ المعلَّق به لمّا كان في عدم إيجاب المأمور به بمنزلة العدم جُعل كأنه إنما حدَث بعد تحققه فحُكي على صورة التنجيزِ يؤدي بعد اللتيا والتي إلى أن ما جرى بينه وبينهم عليهم السلام في شأن الخلافة وما قالوا فيه وما سمعوا إنما جرى بعد السجود المسبوقِ بمعرفة جلالة منزلتِه عليه السلام وخروجِ إبليسَ من البَيْن باللعن المؤبد لعِناده ، وبعد مشاهدتهم لذلك كله عياناً وهل هو إلا خرقٌ لقضية العقل والنقل ، والالتجاءُ في التقصّي عنه إلى تأويل نفخِ الروحِ بحمله على ما يعُمُّ إفاضةَ ما به حياةُ النفوس التي من جملتها تعليمُ الأسماء تعسّفٌ يُنبىء عن ضيق المجال .
فالذي يقتضيه التحقيقُ ويستدعيه النظمُ الأنيقُ بعد التصفح في مستودعات الكتاب المكنونِ والتفحصِ عما فيه من السر المخزون أن سجودَهم له عليه السلام إنما ترتب على الأمر التنجيزيّ المتفرعِ على ظهور فضلِه عليه السلام المبني على المحاورة المسبوقةِ بالإخبار بخلافته المنتظمِ جميعَ ذلك في سلك ما نيط به الأمرُ التعليقيُّ من التسوية ونفخِ الروحِ ، إذ ليس من قضيته وجوبُ السجود عقيبَ نفخِ الروحِ فيه ، فإن الفاءَ الجزائيةَ ليست بنصَ في وجوب وقوعِ مضمونِ الجزاء عقيبَ وجودِ الشرط من غير تراخٍ ، للقطع بعدم وجوبِ السعي عقيبَ النداء ، لقوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ للصلاة مِن } الآية ، وبعدم وجوب إقامةِ الصلاة غِبَّ الاطمئنانِ لقوله تعالى : { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة فاذكروا }
بل إنما الوجوبُ عند دخول الوقت . كيف لا والحكمة الداعية إلى ورود ما نحن فيه من الأمر التعليقيِّ إثرَ ذي أثيرٍ إنما هي حملُ الملائكةِ عليهم السلام على التأمُّل في شأنه عليه السلام ليتدبروا في أحواله طراً ، ويُحيطوا بما لديه خُبراً ، ويستفهموا ما عسى يستَبْهم عليهم في أمره عليه السلام لابتنائه على حِكَم أبيّة ، وأسرارٍ خفية طُويت عن علومهم ، ويقفوا على جلية الحال قبل ورود الأمر التنجيزي وتحتُّمِ الامتثال وقد قالوا بحسب ذلك ما قالوا وعاينوا ما عاينوا وعدمُ نظمِ الأمر التنجيزيّ في سلك الأمور المذكورةِ في السورتين عند الحكاية لا يستلزمُ عدمَ انتظامِه فيه عند وقوعِ المحكيِّ كما أن عدمَ ذكر الأمر التعليقي عند حكايةِ الأمرِ التنجيزيِّ في السورة الكريمة المذكورة لا يوجب عدمَ مسبوقيتِه به ، فإن حكاية كلامٍ واحدٍ على أساليبَ مختلفةٍ حسبما يقتضيه المقامُ ويستدعيه حسنُ الانتظامِ ليست بعزيزة في الكتاب العزيز ، وناهيك بما نقل في توجيه قولِه تعالى : { بَشَرًا } مع عدم سبقِ معرفةِ الملائكةِ عليهم السلام بذلك وحيث صِيَر إليه مع أنه لم يرِدُ به نقلٌ فما ظنك بما قد وقع التصريحُ به في مواضعَ عديدةٍ فلعله قد أُلقي إليهم ابتداءً جميعُ ما يتوقف عليه الأمرُ التنجيزيُّ إجمالاً بأن قيل مثلاً إني خالقٌ بشراً من كذا وكذا وجاعل إياه خليفةً في الأرض فإذا سويتُه ونفختُ فيه من روحي وتبين لكم شأنُه فقعوا له ساجدين ، فخلقه فسواه ونفخ فيه الروح ، فقالوا عند ذلك ما قالوا أو ألقي إليهم خبرُ الخلافة بعد تحقق الشرائطِ المعدودة بأن قيل إثرَ نفخِ الروح فيه إني جاعلٌ هذا خليفة في الأرض فهناك ذكروا في حقه عليه السلام ما ذكروا ، فأيده الله عز وجل بتعليم الأسماءِ فشاهدوا منه ما شاهدوا ، فعند ذلك ورد الأمرُ التنجيزيّ اعتناءً بشأن المأمور به وتعييناً لوقته ، وقد حُكي بعضُ الأمور في بعض المواطنِ وبعضُها في بعضِها اكتفاءً بما ذكر في كل موطنٍ عما تُرك في موطن آخرَ . (1/115)
والذي يحسم مادةَ الاشتباهِ أن ما في سورة ص من قوله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة } الخ ، بدل من قوله تعالى : { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فيما قبله من قوله تعالى : { مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الاعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ } ( 3 ) أي بكلامهم عند اختصامِهم والمرادُ بالملأ الأعلى الملائكةُ وآدمُ عليهم السلام وإبليسُ حسبما أطبق عليه جمهورُ الأمة ، وباختصامهم ما جرى بينهم في شأن خلافةِ آدمَ عليه السلام من التقاوي الذي من جملته ما صدر عنه عليه السلام من الإنباء بالأسماء ومن قضية البدلية وقوعُ الاختصامِ المذكورِ في تضاعيف ما ذكر فيه تفصيلاً من الأمر التعليقيّ ، وما عُلِّق به من الخلق والتسويةِ ونفخِ الروحِ فيه وما ترتب عليه من سجود الملائكةِ عليهم السلام وعنادِ إبليسَ وما تبِعه من لعنه وإخراجِه من بَيْن الملائكة ، وما جرى بعده من الأفعال والأقوال ، وإذ ليس تمامُ الاختصامِ بعد سجودِ الملائكة ومكابرةِ إبليسَ المستتبعةِ لطرده من بينهم لما عرفتَ من أنه أحدُ المختصِمين كما أنه ليس قبل الخلق ضرورةَ استحالةِ الإنباءِ بالأسماء حينئذ ، فهو إذن بعد نفخِ الروحِ وقبل السجود حتماً بأحد الطريقين والله سبحانه أعلمُ بحقيقة الأمر .
{ أبى واستكبر } استئنافٌ مبين لكيفية عدمِ السجود المفهوم من الاستثناء وأنه لم يكن للتردد أو للتأمل والإباءُ الامتناعُ بالاختيار ، والتكبرُ أن يرى نفسه أكبرَ من غيره ، والاستكبارُ طلب ذلك بالتشبّع ، أي امتنع عما أُمر به واستكبر من أن يعظِّمه أو يتخذه وصلةً في عبادة ربِّه ، وتقديمُ الإباءِ على الاستكبار مع كونه مسبِّباً عنه لظهوره ووضوحِ أثرِه واقتُصر في سورة ص على ذكر الاستكبار اكتفاءً به ، وفي سورة الحجر على ذكر الإباءِ حيث قيل أبى أن يكون مع الساجدين { وَكَانَ مِنَ الكافرين } أي في علم الله تعالى ، إذ كان أصلُه من كفرة الجنِّ فلذلك ارتكب ما ارتكبه على ما أفصح عنه قولُه تعالى : { كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } فالجملةُ اعتراضيةٌ مقرِّرةٌ لما سبق من الإباء والاستكبار ، أو صار منهم باستقباح أمرِه تعالى إياه بالسجود لآدمَ عليه السلام زعماً منه أنه أفضلُ منه ، والأفضلُ لا يُحسِنُ أن يؤمَرَ بالخضوع للمفضول كما يفصح عنه قوله : { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } حين قيل له : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين } لا بترك الواجب وحده ، فالجملةُ معطوفة على ما قبلها ، وإيثارُ الواو على الفاء للد2لالة على أن محضَ الإباءِ والاستكبارِ كفرٌ لا لأنهما سببان له كما تفيده الفاء . (1/116)
وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)
{ وَقُلْنَا } شروعٌ في حكاية ما جَرى بينه تعالى وبين آدمَ عليه السلام بعد تمام ما جرى بينه تعالى وبين الملائكة وإبليسَ من الأقوال والأفعالِ ، وقد تُركت حكايةُ توبيخِ إبليسَ وجوابُه ولعنُه واستنظارُه وإنظارُه اجتزاءً بما فُصّل في سائر السور الكريمة وهو عطفٌ على قلنا للملائكة ، ولا يقدح في ذلك اختلافُ وقتيهما ، فإن المراد بالزمان المدلولِ عليه بكلمة إذْ زمانٌ ممتدٌ واسعٌ للقولين ، وقيل هو عطف على إذ قلنا بإضمار إذ ، وهذا تذكيرٌ لنعمة أخرى موجبةٍ للشكر مانعةٍ من الكفرَ وتصديرُ الكلام بالنداء في قوله تعالى : { وَيَئَادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } للتنبيه على الاهتمام بتلقي المأمورِ به ، وتخصيصُ أصل الخطاب به عليه السلام للإيذان بأصالته في مباشرة المأمور به ، واسكن من السكنى وهو اللُّبث والإقامةُ والاستقرارُ دونَ السكونِ الذي هو ضدُّ الحركة ، وأنت ضميرٌ أكِّد به المستكنُّ ليصحَّ العطف عليه واختلف في وقت خلقِ زوجِه . فذكر السدي عن ابن مسعود وابن عباس وناسٍ من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين : أن الله لما أخرج إبليسَ من الجنة وأسكنها آدمَ بقيَ فيها وحدَه وما كان معه من يستأنسُ به فألقى الله تعالى عليه النومَ ثم أخذ ضِلْعاً من جانبه الأيسرِ ووضع مكانه لحماً وخلق حواءَ منه فلما استيقظ وجدها عند رأسه قاعدةً ، فسألها : ما أنت؟ قالت : امرأة . قال : ولم خلقتِ؟ قالت : لتسكُنَ إلي ، فقالت الملائكةُ تجْربةً لعلمه : من هذه؟ قال : امرأة ، قالوا : لم سُمِّيت امرأةً قال : لأنها من المَرءِ أُخِذَت ، فقالوا : ما اسمُها؟ قال : حواء ، قالوا : لم سميت حواء؟ قال : لأنها خلقت من شيء حيّ . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بعث الله تعالى جنداً من الملائكة فحملوا آدمَ وحواءَ على سريرٍ من ذهب كما يُحمل الملوك ولباسُهما النور ، حتى أدخلوهما الجنة ، وهذا كما ترى يدل على خلقها قبل دخول الجنة والمراد بها دارُ الثواب ، لأنها المعهودة ، وقيل هي جنةٌ بأرض فلسطين ، أو بين فارسَ وكَرْمان ، خلقها الله تعالى امتحاناً لآدمَ عليه السلام ، وحُمل الإهباطُ على النقل منها إلى أرض الهندِ كما في قوله تعالى : { اهبطوا مِصْرًا } لما أن خلقه عليه السلام كان في الأرض بلا خلاف ولم يذكر في هذه القصة رفعُه إلى السماء ولو وقع ذلك لكان أولى بالذكر والتذكير ، لما أنه من أعظم النعمِ ، ولأنها لو كانت دارَ الخلد لما دخلها إبليسُ . وقيل : إنها كانت في السماء السابعة ، بدليل اهبِطوا ، ثم إن الإهباطَ الأولَ كان منها إلى السماء الدنيا ، والثاني منها إلى الأرض ، وقيل : الكلُّ ممكنٌ ، والأدلةُ النقلية متعارضةٌ فوجب التوقفُ وتركُ القطع . (1/117)
{ وَكُلاَ مِنْهَا } أي من ثمارها ، إنما وجِّه الخطاب إليهما تعميماً للتشريف والترفيه ، ومبالغة في إزالة العِلل والأعذار ، وإيذاناً بتساويهما في مباشرة المأمور به ، فإن حواءَ أُسوةٌ له عليه السلام في الأكل بخلاف السكنى ، فإنها تابعةٌ له فيه { رَغَدًا } صفةٌ للمصدر المؤكَّد أي أكلاً واسعاً رافهاً { حَيْثُ شِئْتُمَا } أي أيَّ مكان أردتما منها ، وهذا كما ترى إطلاقٌ كليٌّ حيث أبيحَ لهما الأكلُ منها على وجه التوسعةِ البالغةِ المزيحةِ للعلل ولم يُحَظَّر عليهما بعضُ الأكلُ ولا بعضُ المواضع الجامعةِ للمأكولات حتى لا يبقى لهما عذرٌ في تناول ما منعا منه بقوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبَا } بفتح الراء من قرِبْتُ الشيء بالكسر أقربَه بالفتح إذا التبسْتُ به وتعرضتُ له ، وقال الجوهري : قَرُبَ بالضم يَقْرُبُ قُرْباً إذا دنا ، وقَرِبْتُه بالكسر قُرْبَاناً دنوتُ منه { هذه الشجرة } نصبٌ على أنه بدل من اسم الإشارةِ ، أو نعتٌ له بتأويلها بمشتقٍ ، أي هذه الحاضرة من الشجرة أي لا تأكلا منها وإنما عُلّق النهي بالقُربان منها مبالغةً في تحريم الأكلِ ووجوب الاجتناب عنه والمرادُ بها الحنطةُ أو العِنبَةُ أو التينة وقيل : هي شجرة مَنْ أكلَ منها أحْدَث ، والأَوْلى عدمُ تعيينها من غير قاطعٍ ، وقرىء هذي بالياء وبكسر شين ( الشِّجَرة ) وتاء ( تِقربا ) ، وقرىء الشِيَرةَ بكسر الشين وفتح الياء { فَتَكُونَا مِنَ الظالمين } مجزوم على أنه معطوف على تقرَبا أو منصوبٌ على أنه جواب للنهي وأياً ما كان فالقُرب أي الأكلُ منها سببٌ لكونهما من الظالمين أي الذين ظلموا أنفسَهم بارتكاب المعصية .
أو نقَصوا حظوظَهم بمباشرة ما يُخِلُّ بالكرامة والنعيم ، أو تعدَّوا حدود الله تعالى . (1/118)
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)
{ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا } أي أصدر زلَّتَهما أي زلَقَهما وحملهما على الزلة بسببها ، ونظيرُه عن هذه ما في قوله تعالى : { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } أو أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبَهما وأبعدهما عنها ، يقال : زلَّ عني كذا إذا ذهب عنك ، ويعضدُه قراءة ( أزالهما ) وهما متقاربان في المعنى . فإن الإزلالَ أي الإزلاق يقتضي زوالَ الزوالِ عن موضعه ألبتة . وإزلالُه قولَه لهما : { هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى } وقوله : { مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين } ومقاسَمتُه لهما : { إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين } وهذه الآياتُ مشعرةٌ بأنه عليه السلام لم يؤمر بسُكنى الجنةِ على وجه الخلود بل على وجه التكرمةِ والتشريفِ لما قُلِّد من خلافة الأرض إلى حين البعث إليها . (1/119)
واختُلف في كيفية توصُّله إليهما بعد ما قيل له : { فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } فقيل : إنه إنما مُنع من الدخول على وجه التكرمة كما يدخُلها الملائكةُ عليهم السلام ولم يُمنَعْ من الدخول للوسوسة ابتلاءً لآدمَ وحواءَ ، وقيل : قام عند الباب فناداهما وقيل : تمثل بصورة دابةٍ فدخل ولم يعرِفْه الخَزَنة ، وقيل : دخل في فم الحية فدخَل معها ، وقيل : أرسل بعضَ أتباعه فأزلّهما والعلم عند الله سبحانه { فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } أي من الجنة إن كان ضمير عنها للشجرة ، والتعبير عنها بذلك للإيذان بفخامتها وجلالتِها وملابستِهما له ، أي من المكان العظيم الذي كانا مستقِرَّيْن فيه أو من الكرامة والنعيم إن كان الضميرُ للجنة { وَقُلْنَا اهبطوا } الخطابُ لآدمَ وحواءَ عليهما السلام بدليل قوله تعالى : { قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً } وجُمعَ الضمير لأنهما أصلُ الجنس ، فكأنهما الجنسُ كلُّهم ، وقيل : لهما وللحية وإبليسَ على أنه أُخرج منها ثانياً بعدما كان يدخلها للوسوسة أو يدخلها مُسارقة ، وأُهبط من السماء وقرىء بضم الباء { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } حال استغني فيها عن الواو بالضمير أي متعادِين يبغي بعضُكم على بعض بتضليله ، أو استئنافٌ لا محل له من الإعراب ، وإفراد العدوّ إما للنظر إلى لفظ البعض وإما لأن وِزانَه وِزانُ المصدر كالقول : { وَلَكُمْ فِى الارض } التي هي محلُّ الإهباط ، والظرفُ متعلق بما تعلق به الخبرُ أعني لكم من الاستقرار { مُّسْتَقِرٌّ } أي استقرارٌ أو موضعُ استقرار { ومتاع } أي تمتّعٌ بالعيش وانتفاعٌ به { إلى حِينٍ } هو حين الموت على أن المُغيَّا تمتُّع كلِّ فردٍ من المخاطبين ، أو القيامة ، على أنه تمتع الجنس في ضمن بعض الأفراد والجملة كما قبلها في كونها حالاً أي مستحقين للاستقرار والتمتع أو استئنافاً .
فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)
{ فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } أي استقبلها بالأخذ والقبولِ والعملِ بها حين علِمَها ووُفّق لها وقرىء بنصب آدمَ ورفع كلماتٌ دلالةً على أنها استقبلته بلغته وهي قوله تعالى : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } الآية . وقيل : «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمُك وتعالى جدُّك ولا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : يا رب ألم تخلُقْني بيدك؟ قال : بلى . قال : يا رب ألم تنفُخْ فيَّ من روحك؟ قال : بلى . قال : يا رب ألم تسبِقْ رحمتُك غضبك؟ قال : بلى . قال : ألم تسكنّي جنتَك؟ قال : بلى . قال : يا رب إن تبتُ وأصلحتُ أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال : نعم . والفاء للدلالة على أن التوبة حصلت عَقيب الأمر بالهبوط قبل تحقق المأمور به ، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إليه عليه السلام للتشريف والإيذان بعلّيته لإلقاء الكلماتِ المدلولِ عليها بتلقيها { فَتَابَ عَلَيْهِ } أي رجع عليه بالرحمة وقَبولِ التوبةِ ، والفاء للدلالة على ترتبه على تلقي الكلمات المتضمن لمعنى التوبة التي هي عبارة عن الاعتراف بالذنب والندمِ عليه والعزمِ على عدم العود إليه واكتُفي بذكر شأن آدمَ عليه السلام لما أن حواءَ تبَعٌ له في الحُكم ولذلك طُوي ذكرُ النساءِ في أكثرِ مواضعِ الكتاب والسنة { إِنَّهُ هُوَ التواب } أي الرجّاع على عباده بالمغفرة أو الذي يُكثر إعانتَهم على التوبة ، وأصلُ التوب الرجوع فإذا وصف به العبد كان رجوعاً عن المعصية ، وإذاوُصف به الباري عز وعلا أريد به الرجوعُ عن العقاب إلى المغفرة { الرحيم } المبالِغُ في الرحمة وفي الجمع بين الوصفين وعدٌ بليغٌ للتائب بالإحسان مع العفو والغفران ، والجملة تعليلٌ لقوله تعالى فتاب عليه . (1/120)
{ قُلْنَا } استئناف مبنيٌ على سؤال ينسحِبُ عليه الكلامُ ، كأنه قيل : فماذا وقع بعد قَبولِ توبتِه فقيل : قلنا : { اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا } كُرِّر الأمرُ بالهبوط إيذاناً بتحتم مقتضاه وتحقُّقه لا محالة . ودفعاً لما عسى يقعُ في أمنيَّتِه عليه السلام من استتباع قبول التوبةِ للعفو عن ذلك ، وإظهاراً لنوع رأفةٍ به عليه السلام لما بين الأمرين من الفرق النيّر ، كيف لا والأولُ مشوبٌ بضرب سخطٍ مذيلٍ ببيان أن مهبِطهم دارُ بليةٍ وتعادٍ لا يخلدون فيها . والثاني مقرون بوعد إيتاء الهدى المؤدي إلى النجاة والنجاح ، وأما ما فيه من وعيد العقاب فليس بمقصود من التكليف قصداً أولياً ، بل إنما هو دائرٌ على سوء اختيارِ المكلفين .
قيل : وفيه تنبيه على أن الحازم يكفيه في الردْع عن مخالفة حكم الله تعالى مخافةُ الإهباط المقترنِ بأحد هذين الأمرين ، فكيف بالمقترن بهما فتأمل ، وقيل : الأول من الجنة إلى السماء الدنيا ، والثاني منها إلى الأرض ، ويأباه التعرضُ لاستقرارهم في الأرض في الأول ، ورجوعُ الضمير إلى الجنة في الثاني ، و ( جميعاً ) حال في اللفظ وتأكيدٌ في المعنى ، كأنه قيل : اهبطوا أنتم أجمعون ولذلك لا يستدعي الاجتماعَ على الهبوط في زمان واحد كما في قولك : جاءوا جميعاً ، بخلاف قولك : جاءوا معاً .
{ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } الفاء لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الأمر به وإما مركبة من إن الشرطية وما المزيدة المؤكدة لمعناها والفعل في محل الجزم بالشرط ، لأنه مبنيٌّ لاتصاله بنون التأكيد ، وقيل : معرب مطلقاً ، وقيل : مبني مطلقاً ، والصحيحُ التفصيل : إن باشرَتْه النونُ بُني وإلا أُعرب ، نحو هل يقومانِّ ، وتقديمُ الظرفِ على الفاعل لما مر غيرَ مرة ، والمعنى إن يأتينكم مني هدى برسول أبعثُه إليكم وكتابٍ أُنزله عليكم ، وجواب الشرط قوله تعالى : { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } كما في قولك : إن جئتني فإن قدِرْت أحسنتُ إليك ، وإيراد كلمة الشك مع تحقق الإتيان لا محالة للإيذان بأن الإيمانَ بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثةُ الرسل وإنزالُ الكتب ، بل يكفي في وجوبه إفاضةُ العقل ونصبُ الأدلة الآفاقية والأنفسية ، والتمكينُ من النظر والاستدلال ، أو للجري على سَنن العظماء في إيراد عسى ولعل في مواقعِ القطعِ والجزم ، والمعنى أن من تبع هدايَ منكم فلا خوفٌ عليهم في الدارين من لُحوق مكروه ولا هم يحزنون من فوات مطلوبٍ أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك ، لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم نفسُ الخوف والحُزن أصلاً بل يستمرون على السرور والنشاط ، كيف لا واستشعارُ الخوف والخشيةِ استعظاماً لجلال الله سبحانه وهيبتِه واستقصاراً للجدّ والسعي في إقامة حقوق العبوديةِ من خصائص الخواصِّ والمقرّبين ، والمرادُ بيانُ دوام انتفائهما لا بيانُ انتفاءِ دوامهِما كما يُتوهم من كون الخبر في الجملة الثانية مضارعاً لما تقرر في موضعه أن النفي وإن دخَلَ على نفس المضارعِ يُفيد الدوامَ والاستمرارَ بحسب المقام ، وإظهارُ الهدى مضافاً إلى ضمير الجلالةِ لتعظيمِه وتأكيدِ وجوب اتّباعه أو لأن المراد بالثاني ما هو أعمُّ من الهدايات التشريعية وما ذكر من إفاضة العقلِ ونصبِ الأدلة الآفاقيةِ والأنفسية كما قيل ، وقرىء ( هُدَيَّ ) على لغة هذيل ولا خوفَ بالفتح . (1/121)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)
{ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا } عطف على من تِبعَ الخ قسيمٌ له ، كأنه قيل : ومن لم يتْبَعْه ، وإنما أوثر عليه ما ذكر تفظيعاً لحال الضلالةِ وإظهاراً لكمالِ قُبحِها ، وإيراد الموصولِ بصيغة الجمعِ للإشعار بكثرة الكفرة ، والجمعُ بين الكفر والتكذيب للإيذان بتنوّع الهدى إلى ما ذكر من النوعين ، وإيراد نونِ العظمةِ لتربية المهابة وإدخالِ الروعةِ ، وإضافةُ الآياتِ إليها لإظهار كمالِ قبحِ التكذيبِ بها ، أي والذين كفروا برُسُلنا المرسلةِ إليهم وكذبوا بآياتنا المنزلة عليهم ، وقيل : المعنى كفروا بالله وكذبوا بآياته التي أنزلها على الأنبياء عليهم السلام ، أو أظهَرها بأيديهم من المعجزات ، وقيل : كفروا بالآيات جَناناً وكذبوا بها لساناً فيكون كلا الفعلين متوجهاً إلى الجار والمجرور ، والآية في الأصل العلامة الظاهرة ، قال النابغة : (1/122)
توهمْتُ آياتٍ لها فعرَفتُها ... لستة أعوامٍ وذا العامُ سابعُ
ويقال للمصنوعات من حيث دلالتُها على الصانع تعالى وعلمِه وقدرتِه ولكل طائفةٍ من كلمات القرآنِ المتميِّزة عن غيرها بفصل لأنها علامةٌ لانفصال ما قبلها مما بعدها ، وقيل : لأنها تُجْمَعُ كلماتٌ منه فيكون من قولهم خرج بنو فلان بآيتهم أي بجماعتهم قال :
خرجْنا من البيتينِ لا حيَّ مثلُنا ... بآيتِنا نُزجي النِّعاجَ المَطافِلا
واشتقاقُها من أَيْ لأنها تبين أياً من أيَ ، أو من أوى إليه أي رجَع وأصلُها أَوْية أو أيّة ، فأبدلت عينها ألفاً على غير قياس أو أوَيَة أو أيَيَة كرَمَكَة ، فأُعِلَّت أو آئِيَة كقائلة ، فحُذفت الهمزة تخفيفاً { أولئك } إشارة إلى الموصوف باعتبار اتصافه بما في حيز الصلةِ من الكفر والتكذيب وفيه إشعارٌ بتميزهم بذلك الوصف تميزاً مصحِّحاً للإشارة الحسية ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم فيه وهو مبتدأ ، وقوله عز وجل : { أصحاب النار } أي ملازموها وملابسوها بحيث لا يفارقونها خبره ، والجملة خبرٌ للموصول أو اسمُ الإشارةِ بدل من الموصول ، أو عطفُ بيان له ، وأصحاب النار خبرٌ له وقوله تعالى : { هُمْ فِيهَا خالدون } في حيز النصب على الحالية لورود التصريح به في قوله تعالى : { أصحاب النار خالدين فِيهَا } وقد جُوِّز كونُه حالاً من النار لاشتماله على ضميرها ، والعامل معنى الإضافة أو اللامُ المقدرة أو في محل الرفع على أنه خبر آخرُ لأولئك على رأي من جوز وقوع الجملة خبراً ثانياً ، وفيها متعلق بخالدون والخلودُ في الأصل المكثُ الطويلُ وقد انعقد الإجماع على أن المراد به الدوام .
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)
{ يا بَنِى إسراءيل } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى طائفة خاصةٍ من الكَفَرة المعاصِرين للنبي صلى الله عليه وسلم لتذكيرهم بفنون النعم الفائضة عليهم بعد توجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمرِه بتذكير كلهم بالنعمة العامة لبني آدم قاطبة بقوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } الخ { وَإِذْ قُلْنَا للملائكة } الخ لأن المعنى كما أشير إليه بلّغهم كلامي واذكر لهم إذ جعلنا أباهم خليفةً في الأرض ومسجوداً للملائكة عليهم السلام وشرفناه بتعليم الأسماءِ وقبِلْنا توبتَه ، والابنُ من البِناء لأنه مَبْنَى أبيه ولذلك ينسب المصنوع إلى صانعه ، فيقال : أبو الحرب وبنتُ فكرٍ ، وإسرائيلُ لقبُ يعقوبَ عليه السلام ومعناه بالعبرية صفوةُ الله ، وقيل : عبد اللَّه ، وقرىء إسرائِلَ بحذف الياء وإسرالَ بحذفهما وإسرايل بقلب الهمزة ياء ، وإسراءَلَ بهمزة مفتوحة ، وإسرئِلَ بهمزة مكسورة بين الراء واللام ، وتخصيصُ هذه الطائفة بالذكر والتذكير لما أنهم أوفرُ الناس نعمةً وأكثرهم كفراً بها { اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } بالتفكر فيها والقيام بشكرها ، وفيه إشعار بأنهم قد نسُوها بالكلية ، ولم يُخطروها بالبال لا أنهم أهملوا شكرها فقط ، وإضافةُ النعمة إلى ضمير الجلالة لتشريفها وإيجابِ تخصيصِ شكرها به تعالى ، وتقييد النعمة بهم لما أن الإنسان مجبولٌ على حب النعمة ، فإذا نظرَ إلى ما فاض عليه من النعم حملَه ذلك على الرضى والشُكر ، قيل : أريد بها ما أنعم به على آبائهم من النعم التي سيجىء تفصيلُها وعليهم من فنون النعم التي أجلُّها إدراكُ عصر النبي عليه السلام ، وقرىء ( اذَّكِروا ) من الافتعال ونعمتيْ بإسكان الياء وإسقاطها في الدرْج وهو مذهبُ من لا يحرك الياءَ المكسورَ ما قبلها { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى } بالإيمان والطاعة { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } بحسن الإثابة ، والعهد يضاف إلى كل واحد ممن يتولى طرفيه ، ولعل الأولَ مضافٌ إلى الفاعل والثاني إلى المفعول ، فإنه تعالى عَهِد إليهم بالإيمان والعملِ الصالحِ بنصب الدلائلِ وإرسال الرسل وإنزال الكتب ووعدهم بالثواب على حسناتهم ، وللوفاء بهما عَرْضٌ عريض ، فأولُ مراتبه منا هو الإتيانُ بكلمتي الشهادة ، ومن الله تعالى حقنُ الدماء والأموال ، وآخرُها منا الاستغراقُ في بحر التوحيد بحيث نغفُل عن أنفسنا فضلاً عن غيرنا ، ومن الله تعالى الفوزُ باللقاء الدائم ، وأما ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أوفوا بعهدي في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم أوفِ بعهدكم في رفع الآصارِ والأغلال . وعن غيره : أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوفِ بالمغفرة والثواب ، أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوفِ بالكرامة والنعيم المقيم ، فبالنظر إلى الوسائط ، وقيل : كلاهما مضافٌ إلى المفعول ، والمعنى أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعةِ أوفِ بما عاهدتُكم من حُسن الإثابةِ ، وتفصيلُ العهدين قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل } إلى قوله : { وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جنات } الخ وقرىء أوَفِّ بالتشديد للمبالغة والتأكيد . (1/123)
{ وإياى فارهبون } فيما تأتون وما تذرون خصوصاً في نقض العهد ، وهو آكد في إفادة التخصيصِ من إياك نعبد ، لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول والفاء الجزائية الدالةِ على تضمن الكلام معنى الشرط كأنه قيل : إن كنتم راهبين شيئاً فارهَبوني ، والرهبة خوف معه تحرز ، والآية متضمنة للوعد والوعيد ودالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد ، وأن المؤمن ينبغي ألا يخاف إلا الله تعالى .
وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)
{ وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ } أفرد الإيمانَ بالقرآن بالأمر به لما أنه العُمدةُ القصوى في شأن الوفاء بالعهود { مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ } من التوراة ، والتعبير عنها بذلك للإيذان بعلمهم بتصديقه لها ، فإن المعيةَ مِئنّةٌ لتكرر المراجعة إليها والوقوفِ على ما في تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكونه مصدقاً لها ومعنى تصديقِه للتوراة أنه نازلٌ حسبما نُعت فيها أو من حيث أنه موافقٌ لها في القصص والمواعيدِ والدعوة إلى التوحيد والعدلِ بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش : وأما ما يتراءى من مخالفته لها في بعض جزئياتِ الأحكام المتفاوتةِ بحسَب تفاوتِ الأعصارِ فليست بمخالفةٍ في الحقيقة ، بل هي موافِقة لها من حيث إن كلاً منها حقٌّ بالإضافة إلى عصره وزمانِه ، متضمِّنٌ للحكم التي عليها يدور ذلك التشريع ، وليس في التوراة دلالة على أبدية أحكامِها المنسوخةِ حتى يخالفَها ما ينسخها ، وإنما تدلُّ على مشروعيتها مطلقاً من غير تعرُّضٍ لبقائها وزوالها ، بل نقول هي ناطقةٌ بنسخ تلك الأحكام ، فإن نُطقها بصحة القرآن الناسخِ لها نطقٌ بنسخها ، فإذن مناطُ المخالفة في الأحكام المنسوخةِ إنما هو اختلافُ العصر حتى لو تأخَّر نزولُ المتقدّم لنزلَ على وَفْق المتأخِّر ولو تقدم نزولُ المتأخر لوافق المتقدّمَ قطعاً ، ولذلك قال عليه السلام : « لو كان موسى حياً لما وسِعه إلا اتّباعي » وتقييدُ المُنْزَلِ بكونه مصدقاً لما معهم لتأكيد وجوبِ الامتثالِ بالأمر فإن إيمانهم بما معهم مما يقتضي الإيمانَ بما يصدِّقه قطعاً . (1/124)
{ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } أي لا تسارعوا إلى الكفر به ، فإن وظيفتكم أن تكونوا أولَ من آمن به لما أنكم تعرِفون شأنَه وحقِّيتَه بطريق التلقي مما معكم من الكتُب الإلهيةِ كما تعرِفون أبناءكم ، وقد كنتم تستفتِحون به وتبشِّرون بزمانه كما سيجيء ، فلا تضعوا موضعَ ما يُتوقّع منكم ويجب عليكم ما لا يُتوهم صدورُه عنكم من كونكم أولَ كافر به ، ووقوع أول كافر به خبراً من ضمير الجمع بتأويل أولِ فريق أو فوج ، أو بتأويل لا يكنْ كلُّ واحد منكم أولَ كافر به ، كقولك : كسانا حُلةً ، ونهيُهم عن التقدم في الكفر به مع أن مشركي العربِ أقدمُ منهم لما أن المرادَ به التعريضُ لا الدلالةُ على ما نَطَق به الظاهر ، كقولك : أما أنا فلستُ بجاهل ، لأن المراد نهيُهم عن كونهم أولَ كافر ( به ) من أهل الكتاب ، أو ممن كفر بما عنده ، فإن مَنْ كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدِّقه أو مثلُ من كفر من مشركي مكةَ ، وأول : أفعلُ لا فِعلَ له ، وقيل : أصله أوْأَل ، من وَأَل إليه إذا نجا وخلُص ، فأُبدلت الهمزةُ واواً تخفيفاً غيرَ قياسي ، أو أَأْوَل من آلَ فقلبت همزتُه واواً وأدغمت .
{ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي } أي لا تأخُذوا لأنفسكم بدلاً منها { ثَمَناً قَلِيلاً } من الحظوظ الدنيوية ، فإنها وإن جلت قليلةٌ مسترذلة بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرةِ بترك الإيمان ، قيل : كانت لهم رياسةٌ في قومهم ورسومٌ وعطايا فخافوا عليها لو اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختاروها على الإيمان ، وإنما عُبِّر عن المشتري الذي هو العُمدة في عقود المعاوضة والمقصودُ فيها بالثمن الذي شأنه أن يكون وسيلةً فيها ، وقُرنت الآياتُ التي حقُّها أن يتنافسَ فيها المتنافسون بالباء التي تصحَبُ الوسائل إيذاناً بتعكيسهم حيث جعلوا ما هو المقصِدُ الأصليُّ وسيلةً ، والوسيلةُ مقصداً . (1/125)
{ وإياى فاتقون } بالإيمان واتباعِ الحقِ والإعراض عن حطام الدنيا ولما كانت الآية السابقةُ مشتملةً على ما هو كالمبادىء لما في الآية الثانيةِ فُصِّلت بالرهبة التي هي من مقدِّمات التقوى ، أو لأن الخطابَ بها لما عمَّ العالِمَ والمقلِّدَ أُمر فيها بالرهبة المتناولةِ للفريقين ، وأما الخطابُ بالثانية فحيث خُصَّ بالعلماء أُمر فيها بالتقوى الذي هو المنتهى .
وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)
{ وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل } عطفٌ على ما قبله واللَّبْسُ الخَلْطُ ، وقد يلزمه الاشتباهُ من المختلطين ، والمعنى لا تخلِطوا الحقَّ المُنْزَلَ بالباطل الذي تخترعونه وتكتُبونه حتى يشتبِهَ أحدُهما بالآخر ، أو لا تجعلوا الحقَّ ملتبساً بسبب الباطل الذي تكتُبونه في تضاعيفه ، أو تذكُرونه في تأويله { وَتَكْتُمُواْ الحق } مجزوم داخلٌ تحت حكمِ النهي كأنهم أُمروا بالإيمان وتركِ الضلال ، ونُهوا عن الإضلال بالتلبيس على من سمع الحقَ والإخفاءِ عمن لم يسمعه ، أو منصوبٌ بإضمار أن على أن الواوَ للجمع ، أي لاتجمعوا بين لَبْس الحقِّ بالباطل وبين كتمانِه ، ويعضُده أنه في مُصحف ابن مسعود وتكتُمون أي وأنتم تكتمون أي كاتمين ، وفيه إشعارٌ بأن استقباحَ اللَبسِ لما يصحبُه من كتمان الحق . وتكريرُ الحق إما لأن المرادَ بالأخير ليس عينَ الأول بل هو نعتُ النبي صلى الله عليه وسلم الذي كتَموه وكتبوا مكانه غيرَه كما سيجىء في قوله تعالى : { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ } وإما لزيادةِ تقبيحِ المنهيِّ عنه ، إذ في التصريح باسمِ الحق ما ليس في ضميره . (1/126)
{ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي حال كونِكم عالمين بأنكم لابسون كاتمون ، أو أنتم تعلمون أنه حق أو أنتم من أهل العلم ، وليس إيرادُ الحالِ لتقييد النهي به كما في قوله تعالى : { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } بل لزيادة تقبيحِ حالهم ، إذ لجاهل عسى يُعذر .
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)
{ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكواة } أي صلاةَ المسلمين وزكاتَهم فإن غيرَهما بمعزلٍ من كونه صلاةً وزكاةً ، أمرهم الله تعالى بفروعِ الإسلام بعد الأمرِ بأصوله { واركعوا مَعَ الراكعين } أي في جماعتهم فإن صلاةَ الجماعةِ تفضُل صلاة الفذِ بسبعٍ وعشرين درجة ، لما فيها من تظاهُر النفوسِ في المناجاة ، وعُبِّر عن الصلاة بالركوع احترازاً عن صلاة اليهود وقيل : الركوعُ والخضوعُ والانقيادُ لما يُلزِمُهم الشارعُ . قال الأضبطُ بنُ قُريع السعدي : (1/127)
لا تحقِرَنّ الضعيفَ عَلَّك أن ... تركَعَ يوماً والدهرُ قد رَفَعَهْ
{ أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر } تجريدٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى بعضهم بعد توجيهِه إلى الكل والهمزةُ فيها تقريرٌ مع توبيخٍ وتعجيبٍ والبِرُّ التوسُّعُ في الخير من البَرّ الذي هو الفضاءُ الواسعُ يتناول جميعَ أصنافِ الخيرات ، ولذلك قيل البر ثلاثة : بِرٌّ في عبادة الله تعالى ، وبِرٌّ في مراعاة الأقارب ، وبِرٌّ في معاملة الأجانب .
{ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } أي تتركونها من البر كالمَنْسيات عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلتْ في أحبارِ المدينة كانوا يأمُرون سراً من نصَحُوه باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه طمعاً في الهدايا والصِلاتِ التي كانت تصلُ إليهم من أتباعهم وقيل : كانوا يأمُرون بالصدقة ولا يتصدقون ، وقال السدي : أنهم كانوا يأمرون الناسَ بطاعة الله تعالى وينهَوْنَهم عن معصيته وهم يتركون الطاعة ويُقْدِمون على المعصية ، وقال ابن جريج : كانوا يأمرون الناسَ بالصلاة والزكاة وهم يتركونهما ومدارُ الإنكارِ والتوبيخِ هي الجملةُ المعطوفة دون ما عُطفت هي عليه .
{ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب } تبكيتٌ لهم وتقريعٌ كقوله تعالى : { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي والحالُ أنكم تتلون التوراةَ الناطقةَ بنعوته صلى الله عليه وسلم الآمرةِ بالإيمان به أو بالوعد بفعل الخيرِ والوعيدِ على الفسادِ والعنادِ وتركِ البِر ومخالفةِ القولِ العملَ { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أي أتتلونه فلا تعقِلون ما فيه ، أو قبحَ ما تصنعون حتى ترتدعوا عنه ، فالإنكارُ متوجِّهٌ إلى عدم العقل بعد تحققِ ما يوجبه فالمبالغة من حيث الكيفُ ، أو ألا تتأملون فلا تعقلون ، فالإنكارُ متوجِّه إلى كلا الأمرين ، والمبالغةُ حينئذ من حيث الكم ، والعقلُ في الأصل المنعُ والإمساك ، ومنه العِقالُ الذي يُشدُّ به وظيفُ البعير إلى ذراعه لحبسِه عن الحَراك . سُمّي به النورُ الروحاني الذي به تُدرِك النفسُ العلومَ الضرورية والنظريةَ لأنه يحبِسُه عن تعاطي ما يقبُح ويعقِله على ما يحسُن ، والآية كما ترى ناعيةٌ على كل من يعِظُ غيرَه ولا يتعظ بسوء صنيعِه وعدمِ تأثره وإن فِعْلَه فعلُ الجاهلِ بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل ، والمرادُ بها كما أشير إليه حثُّه على تزكية النفس والإقبالُ عليها بالتكميل لتقوم بالحقِّ فتقيمَ غيرَها ، لا منعُ الفاسق عن الوعظ .
يروى أنه كان عالم من العلماء مؤثِّرُ الكلام قويُّ التصرف في القلوب ، وكان كثيراً ما يموتُ من أهل مجلسه واحدٌ أو اثنان من شدة تأثير وعظِه ، وكان في بلده عجوزٌ لها ابنٌ صالحٌ رقيقُ القلب سريعُ الانفعال وكانت تحترز عليه وتمنعُه من حضور مجلس الواعظِ فحضَره يوماً على حين غفلةٍ منها فوقع من أمر الله تعالى ما وقع ثم إن العجوز لقِيت الواعظَ يوماً في الطريق فقالت :
لِتهدي الأنام ولا تهتدي ... ألا إنّ ذلك لا ينفعُ
فيا حَجَرَ الشَّحْذ حتى متى ... تسُنُّ الحديدَ ولا تقطع
فلما سمعه الواعظ شهَق شهقةً فخرَّ عن فرسه مغشياً عليه فحمَلوه إلى بيته فتُوفّي إلى رحمة الله سبحانه .
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)
{ واستعينوا بالصبر والصلاة } متصلٌ بما قبله كأنهم لما كُلفوا ما فيه من مشقةٌ من ترك الرياسةِ والإعراضِ عن المال عولجوا بذلك والمعنى استعينوا على حوائجكم بانتظار النُّجْحِ والفرَج توكلاً على الله تعالى أو بالصوم الذي هو الصبرُ عن المفطِرات لما فيه من كسر الشهوةِ وتصفيةِ النفس والتوسل بالصلاة والالتجاءِ إليها فإنها جامعةٌ لأنواع العبادات النفسانية والبدنية ، من الطهارة وسترِ العورة وصرفِ المال فيهما والتوجهِ إلى الكعبة والعكوفِ على العبادة وإظهارِ الخشوعِ بالجوارحِ وإخلاصِ النية بالقلب ومجاهدةِ الشيطان ومناجاة الحقِّ وقراءةِ القرآنِ والتكلمِ بالشهادة وكفِّ النفسِ عن الأطيبَيْنِ حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب . (1/128)
روي أنه عليه السلام كان إذا حزَّ به أمرٌ فزِعَ إلى الصلاة ويجوز أن يُرادَ بها الدعاء { وَإِنَّهَا } أي الاستعانةَ بهما أو الصلاة وتخصيصَها بردِّ الضمير إليها لعِظم شأنِها واشتمالِها على ضروبٍ من الصبر كما في قوله تعالى : { وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } أو جُملةِ ما أُمروا بها ونُهوا عنها { لَكَبِيرَةٌ } لثقيلة شاقةٌ كقوله تعالى : { كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } { إِلاَّ عَلَى الخاشعين } الخشوعُ الإخباتُ ومنه الخشْعةُ للرملة المتطامنةِ والخضوعُ اللين والانقيادُ ولذلك يقال : الخشوعُ بالجوارح والخضوعُ بالقلب وإنما لم تثقُلْ عليهم لأنهم يتوقعون ما أُعد لهم بمقابلتها فتهونُ عليهم ولأنهم يستغرقون في مناجاة ربِّهم فلا يُدركون ما يجري عليهم من المشاقِّ والمتاعبِ ، ولذلك قال عليه السلام : « و ( جُعِلَ ) قُرَّةُ عيني في الصَّلاة » والجملةُ حاليةٌ أو اعتراضٌ تذييلي { الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجعون } أي يتوقعون لقاءَه تعالى ونيلَ ما عنده من المثوبات ، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إليهم للإيذان بفيضَان إحسانِه إليهم أو يتيقنون أنهم يُحشرون إليه للجزاءِ فيعمَلون على حسب ذلك رغبةً ورهبة ، وأما الذين لا يوقنون بالجزاء ولا يرجُون الثوابَ ولا يخافون العقابَ كانت عليهم مشقةً خالصةً فتَثْقُلُ عليهم ، كالمنافقين والمرائين ، فالتعرُضُ للعنوان المذكور للإشعار بعلِّية الربوبيةِ والمالكيةِ للحُكْم ، ويؤيده أن في مصحفِ ابنِ مسعود رضي الله عنه ( يعلمون ) وكأن الظنَّ لما شابه العلم في الرُّجحان أطلق عليه لتضمين معنى التوقع قال :
فأرسلْتُه مستيقِنَ الظنِّ إنه ... مخالطُ ما بين الشراسيفِ جائفُ
وجعل خبر إن في الموضعين اسماً للدلالة على تحقق اللقاء والرجوعِ وتقرُّرِهما عندهم { يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } كُرر التذكيرُ للتأكيد ولربط ما بعده من الوعيد الشديدِ به { وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ } عطفٌ على نعمتيَ عطفَ الخاصِّ على العامِّ لكماله أي فضلتُ آباءَكم { عَلَى العالمين } أي عالَمِي زمانِهم بما منحتُهم من العلم والإيمانِ والعملِ الصالحِ وجعلتُهم أنبياءَ وملوكاً مُقسِطين ، وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام وبعده قبل أن يغيّروا .
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)
{ واتقوا يَوْمًا } أي حسابَ يومٍ أو عذابَ يوم { لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } أي لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق فانتصابُ شيئاً على المفعولية أو شيئاً من الجزاء فيكون نصبُه على المصدرية وقرىء لا تُجزِي : أي لا تغني عنها فيتعين النصبُ على المصدرية ، وإيرادُه منكراً مع تنكير النفسِ للتعميم والإقناطِ الكليّ ، والجملة صفةُ ( يوماً ) والعائد منها محذوف أي لا تَجْزي فيه ومن لم يجوز الحذفَ قال : اتُسع فيه فحُذف الجارُّ وأُجرِيَ المجرورُ مجرى المفعولِ به ثم حُذِفَ في قول من قال : (1/129)
فما أدري أغَيَّرهمْ تناء ... وطولُ العهدِ أم مالٌ أصابوا
أي أصابوه { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي من النفس الثانية العاصيةِ أو من الأولى ، والشفاعةُ من الشفْع كأن المشفوعَ له كان فرداً فجعله الشفيعُ شفعاً والعدلُ الفدية وقيل : البدل ، وأصله التسوية سُمي به الفديةُ لأنها تساوي المَفْدِيَّ وتَجزي مَجزاه { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } أي يُمنعون من عذاب الله عز وجل ، والضميرُ لما دلت عليه النفسُ الثانية المنَكّرة الواقعةُ في سياق النفي من النفوس الكثيرة ، والتذكيرُ لكونها عبارةً عن العبّاد والأَناسيِّ ، والنُصرةُ ههنا أخصُّ من المعونة لاختصاصها بدفع الضرر وكأنه أريد بالآية نفيُ أن يَدفعَ العذابَ أحدٌ عن أحد من كل وجهٍ محتمل ، فإنه إما أن يكون قهراً أو لا والأول النُّصرة ، والثاني إما أن يكون مجّاناً أو لا ، والأولُ الشفاعة والثاني إما أن يكونَ بأداء عينِ ما كان عليه وهو أن يجزيَ عنه أو بأداء غيرِه وهو أن يُعطيَ عنه عَدْلاً وقد تمسكت المعتزلةُ بهذه الآية على نفي الشفاعةِ لأهل الكبائرِ ، والجوابُ أنها خاصة بالكفار للآيات الواردة في الشفاعة والأحاديثِ المرويةِ فيها ويؤيده أن الخطابَ معهم ولردهم عما كانوا عليه من اعتقاد أن آباءَهم الأنبياءَ يشفعون لهم { وَإِذْ نجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } تذكيرٌ لتفاصيلِ ما أُجمل في قوله تعالى : { نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } من فنون النَعماء وصنوفِ الآلاءِ أي واذكروا وقت تنجيتِنا إياكم أي آباءَكم فإن تنجيتَهم تنجيةٌ لأعقابهم ، وقرىء : أنجيتُكم وأصلُ آلٍ أهْلٌ لأن تصغيره أُهيل وخص بالإضافة إلى أولي الأخطارِ كالأنبياء عليهم السلام والملوك ، وفرعونُ لقبٌ لمن ملك العمالقة ككسرى لملِك الفرسِ وقيصرَ لملك الروم وخاقانَ لملك التُرك ، ولعُتُوِّه اشتُق منه تفَرْعَنَ الرجلُ إذا عتا وتمرَّد ، وكان فرعونُ موسى عليه السلام مُصعبُ بنُ ريانَ وقيل : ابنهُ وليداً من بقايا عادٍ ، وقيل : إنه كان عطّاراً أصفهانياً ركبتْه الديونُ فأفلس فاضطُر إلى الخروج فلحِقَ بالشام فلم يتسنَّ له المقامُ به فدخل مصْرَ فرأى في ظاهره حِمْلاً من البطيخ بدرهم ، وفي نفسه بِطِّيخةٌ بدرهم فقال في نفسه : إن تيسر لي أداءُ الدين فهذا طريقُه فخرج إلى السواد فاشترى حملاً بدرهم فتوجه به إلى السوق فكل من لقِيه من المكّاسين أخذ منه بِطيخة فدخل البلد وما معه إلا بطيخةٌ فباعها بدرهم ومضى لوجهه ورأى أهلَ البلد متروكين سُدى لا يتعاطى أحدٌ سياستهم ، وكان قد وقع بهم وباءٌ عظيمٌ فتوجه نحوَ المقابر فرأى ميْتاً يُدفن فتعرَّض لأوليائه فقال : أنا أمينُ المقابرِ فلا أدعُكم تدفِنونه حتى تعطوني خمسةَ دراهمَ فدفعوها إليه ومضى لآخرَ وآخرَ حتى جمع في مقدار ثلاثة أشهرٍ مالاً عظيماً ولم يُتعرضْ له قطُّ إلى أن تعرَّض يوماً لأولياء ميتٍ فطلب منهم ما كان يطلب من غيرهم فأبَوْا ذلك فقالوا : من نصَّبك هذا المنصِبَ فذهبوا به إلى فرعون فقال : من أنت ومن أقامك بهذا المَقام؟ قال : لم يُقِمْني أحد وإنما فعلتُ ما فعلتُ ليُحضِرَني أحد إلى مجلسك فأُنبِّهَك على اختلال حال قومِك وقد جمعتُ بهذا الطريق هذا المقدارَ من المال فأحضَره ودفعه إلى فرعون فقال : ولِّني أمورَك ترَني أميناً كافياً فولاه إياها فسار بهم سيرةً حسنة فانتظمتْ مصالحُ العسكر واستقامت أحوالُ الرعية ولبث فيهم دهراً طويلاً وترامى أمرُه في العدل والصلاحِ فلما مات فرعون أقاموه مُقامه فكان من أمره ما كان وكان فرعونَ يوسفَ ريانُ وكان بينهما أكثرُ من أربعمائة سنة { يَسُومُونَكُمْ } أي يبغونكم من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً وأصله الذهاب في طلب الشيء { سُوء العذاب } أي أفظعَه وأقبحه بالنسبة إلى سائره والسُوء مصدرٌ من ساء يسوءُ ونصبُه على المفعولية ليسومونكم ، والجملةُ حالٌ من الضمير في نجّيناكم أو من آلِ فرعونَ أو منهما جميعاً لاشتمالها على ضميريهما { يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } بيانٌ ليسومونكم ولذلك تُرك العاطفُ بينهما وقرىء يَذْبحون بالتخفيف وإنما فعلوا بهم ما فعلوا لما أن فرعونَ رأى في المنام أو أخبره الكهنةُ أنه سيولد منهم من يذهب بمُلكه فلم يردَّ اجتهادُهم من قضاء الله عز وجل شيئاً قيل : قتلوا بتلك الطريقة تسعمائة ألف مولود وتسعين ألفاً وقد أعطى الله عز وجل نفس موسى عليه السلام من القوة على التصرف ما كان يعطيه أولئك المقتولين لو كانوا أحياء ولذلك كانت معجزاته ظاهرةً باهرة { وَفِى ذلكم } إشارة إلى ما ذكر من التذبيح والاستحياء أو إلى الإنجاء منه ، وجمعُ الضمير للمخاطبين ، فعلى الأول معنى قوله تعالى : { بَلاء } محنةٌ وبلية وكونُ استحياءِ نسائهم أي استبقائهن على الحياة محنةً مع أنه عفو وتركٌ للعذاب لما أن ذلك كان للاستعمال في الأعمال الشاقة وعلى الثاني نعمةٌ وأصلُ البلاء الاختبار ، ولكن لما كان ذلك في حقه سبحانه مُحالاً وكان ما يجري مَجرى الاختبارِ لعباده تارةً بالمحنة وأخرى بالمِنْحة أُطلق عليهما ، وقيل : يجوز أن يُشارَ بذلكم إلى الجملة ويرادَ بالبلاء القدرُ المشترك الشاملُ لهما { مّن رَّبّكُمْ } من جهته تعالى بتسليطهم عليكم أو ببعث موسى عليه السلام وبتوفيقه لتخليصكم منهم أو بهما معاً { عظِيمٌ } صفةٌ لبلاءٌ وتنكيرُهما للتفخيم ، وفي الآية الكريمة تنبيهٌ على أن ما يصيب العبدَ من السرَّاء والضراءِ من قبيل الاختبارِ فعليه الشكرُ في المسار والصبرُ على المضارِّ .
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)
{ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر } بيان لسبب التنجيةِ وتصويرٌ لكيفيتها إثرَ تذكيرها وبيانُ عِظمِها وهولِها وقد بَيّن في تضاعيف ذلك نعمةً جليلةً أخرى هي الأنجاءُ من الغرق أي واذكروا إذ فلقناه بسلوككم كقوله تعالى : { تَنبُتُ بالدهن } أو بسبب إنجائكم وفصَلْنا بين بعضِه وبعضٍ حتى حصلت مسالكُ ، وقرىء بالتشديد للتكثير لأن المسالك كانت اثني عشَرَ بعدد الأسباط { فأنجيناكم } أي من الغرق بإخراجكم إلى الساحل كما يصرِّح به العدولُ إلى صيغة الإفعال بعد إيرادِ التخليصِ من فرعون بصيغة التفعيل وكذا قولُه تعالى : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ } أريد فرعونُ وقومُه وإنما اقتُصر على ذكرهم للعلم بأنه أولى به منهم وقيل : شخصُه كما روُي أن الحسن رضي الله عنه كان يقول : اللهم صل على آل محمدٍ أي شخصِه واستُغنى بذكره عن ذكر قومه { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } ذلك أو غرقَهم وإطباقَ البحر عليهم أو انفلاقَ البحر عن طرق يابسةٍ مذللة أو جثثَهم التي قذفها البحرُ إلى الساحل أو ينظرُ بعضُكم بعضاً . (1/130)
روي أنه تعالى أمر موسى عليه السلام أن يسريَ ببني إسرائيلَ فخرج بهم فصبحهم فرعونُ وجنودُه وصادفوهم على شاطىء البحر فأوحى الله تعالى إليه أن اضرِبْ بعصاك البحر فضربه بها فظهر فيها اثنا عشر طريقاً يابساً فسلكوها فقالوا : نخاف أن يغرَقَ بعضُ أصحابنا فلا نعلم ففتح الله تعالى فيها كُوىً فتراءَوْا وتسامعوا حتى عبروا البحرَ فلما وصل إليه فرعونُ فرآه منفلقاً اقتحمه هو وجنودُه فغشِيَهم ما غشيهم . واعلم أن هذه الواقعة كما أنها لموسى معجزةٌ عظيمة تخِرُّ لها أطُمُ الجبال ونعمةٌ عظيمة لأوائل بني إسرائيلَ موجبةٌ عليهم شكرَها كذلك اقتصاصُها على ما هي عليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزةٌ جليلةٌ تطمئن بها القلوبُ الأبية وتنقاد لها النفوس الغبية موجبةً لأعقابهم أن يتلقَّوْها بالإذعان فلا تأثرت أوائلُهم بمشاهدتها ورؤيتها ولا تذكرت أواخرُهم بتذكيرها وروايتها فيا لها من عصابة ما أعصاها وطائفةٍ ما أطغاها .
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)
{ وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } لما عادوا إلى مصرَ بعد مهلك فرعونَ وعد الله موسى عليه السلام أن يعطيه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القَعْدة وعشرَ ذي الحِجة وقيل : وعد عليه السلام بني إسرائيلَ وهو بمصر إن أهلك الله عدوَّهم أتاهم بكتاب من عند الله تعالى فيه بيانُ ما يأتون وما يذرون فلما هلك فرعونُ سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصومِ ثلاثين وهو شهرُ ذي القعدة ثم زاد عشراً من ذي الحجة وعبر عنها بالليالي لأنها غُررُ الشهور وصيغة المفاعلة بمعنى الثلاثي وقيل : على أصلها تنزيلاً لقبول موسى عليه السلام منزلةَ الوعدِ و ( أربعين ليلةً ) مفعول ثانٍ لواعدنا على حذف المضافِ أي بمقام أربعين ليلةً وقرىء ( وعَدْنا ) { ثُمَّ اتخذتم العجل } بتسويل السامري إلهاً ومعبوداً وثم للتراخي الرتبي ، { مِن بَعْدِهِ } أي من بعد مشْيِه إلى الميقات على حذف مضاف { وَأَنتُمْ ظالمون } بإشراككم ووضعِكم للشيء في غير موضعِه وهو حالٌ من ضمير اتخذتم أو اعتراضٌ تذييليّ أي وأنتم قومٌ عادتُكم الظلم . (1/131)
{ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ } حين تبتم ، والعفوُ محوُ الجريمة من عفاه درَسه وقد يجيء لازماً قال :
عرفتُ المنزلَ الخالي ... عفا من بعد أحوالِ
عفاه كلُّ هتان ... كثيرِ الوَبْل هطّالِ
وقوله تعالى : { مِن بَعْدِ ذلك } أي من بعد الاتخاذ الذي هو متناهٍ في القُبح للإيذان بكمال العفو بعد تلك المرتبة من الظلم { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } لكي تشكروا نعمةَ العفو وتستمرّوا بعد ذلك على الطاعة .