صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
قالوا : السمعُ أفضلُ من البصر ، لأنه عز وعلا حيث ذكَرهما قدم السمعَ على البصر ، ولأن السمع شرطُ النبوة ولذلك ما بعث الله رسولاً أصم ، ولأن السمع وسيلة إلى استكمال العقلِ بالمعارف التي تُتلقف من أصحابها ، وتوحيدُه للأمن عن اللَّبس ، واعتبارِ الأصل ، أو لتقدير المضاف ، أي وعلى حواسِّ سمعهم ، والكلامُ في إيقاع الختم على ذلك كما مر من قبل { وعلى أبصارهم غشاوة } الأبصار جمع بصر ، والكلام فيه كما سمعته في السمع ، والغِشاوةُ فِعالة من التغشية أي التغطية ، بُنيت لما يشتمل على الشيء كالعِصابة والعِمامة ، وتنكيرُها للتفخيم والتهويل ، وهي على رأي سيبويه مبتدأ خبرُه الظرفُ المقدم ، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها ، وإيثارُ الاسمية للإيذان بدوام مضمونها ، فإن ما يُدرَك بالقوة الباصرة من الآيات المنصوبة في الآفاق والأنفسِ حيث كانت مستمرةً كان تعاميهم من ذلك أيضاً كذلك . (1/43)
وأما الآياتُ التي تُتلقَّى بالقوة السامعة فلمّا كان وصولُها إليها حيناً فحيناً أوثر في بيان الختم عليها وعلى ما هي أحدُ طريقي معرفتِه ، أعني القلبَ الجملةُ الفعلية ، وعلى رأي الأخفش مرتفعٌ على الفاعلية مما تعلق به الجار ، وقرىء بالنصب على تقدير فعلٍ ناصب ، أي وجَعَل على أبصارهم غشاوة ، وقيل : على حذف الجار وإيصال الختم إليه ، والمعنى وختم على أبصارهم بغشاوة ، وقرىء بالضم والرفع وبالفتح والنصب ، وهما لغتان فيها ، و ( غشواة ) بالكسر مرفوعةٌ وبالفتح مرفوعة ومنصوبة ، وعشاوةٌ بالعين غير المعجمة والرفع { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } وعيد وبيان لما يستحقونه في الآخرة والعذاب كالنَكال بناءً ومعنى ، يقال : أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه ، ومنه الماءُ العذبُ لما أنه يقمَعُ العطش ويردَعه ، ولذلك يسمى نُقاخاً ، لأنه ينقَخُ العطشَ ويكسِرُه ، وفرُاتاً لأنه يرفتُه على القلب ويكسره ، ثم اتُسِع فيه فأطلق على كل ألمٍ فادح ، وإن لم يكن عقاباً يُراد به ردْعُ الجاني عن المعاودة ، وقيل : اشتقاقُه من التعذيب الذي هو إزالة العذاب ، كالتقذية والتمريض . والعظيم نقيضُ الحقير ، والكبير نقيضُ الصغير ، فمن ضرورة كونِ الحقيرِ دونَ الصغير كونُ العظيم فوق الكبير ، ويستعملان في الجُثث والأحداث . تقول : رجل عظيم وكبير ، تريد جثتَه أو خطرَه ، ووصفُ العذاب به لتأكيد ما يفيده التنكيرُ من التفخيم والتهويل والمبالغة في ذلك .
والمعنى : أن على أبصارهم ضرباً من الغِشاوة خارجاً مما يتعارفه الناس ، وهي غشاوة التعامي عن الآيات ، ولهم من الآلام العظامِ نوعٌ عظيم لا يُبلغ كُنهُه ولا يدرك غايتُه ، اللهم إنا نعوذ بك من ذلك كلِّه يا أرحم الراحمين .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)
{ وَمِنَ الناس } شروع في بيان أن بعضَ من حُكيتْ أحوالُهم السالفة ليسوا بمقتصِرين على ما ذكر من محض الإصرارِ على الكفر والعناد ، بل يضُمّون إليه فنوناً أُخَرَ من الشر والفساد ، وتعديدٌ لجناياتهم الشنيعةِ المستتبعة لأحوال هائلةٍ عاجلة وآجلة ، وأصلُ ناسٍ أُناسٌ ، كما يشهد له إنسانٌ وأناسيُّ وإنسٌ ، حُذفت همزته تخفيفاً كما قيل : لوقة في ألوقة ، وعُوّض عنها حرفُ التعريف ، ولذلك لا يُكاد يُجمع بينهما ، وأما في قوله : (1/44)
إن المنايا يطَّلِعْنَ على الأُناسِ الآمنينا ... فشاذ ، سموا بذلك لظهورهم وتعلُّقِ الإيناسِ بهم كما سُمّي الجنُ جناً لاجتنانهم . وذهب بعضُهم إلى أن أصلَه النَّوَسُ وهو الحركة ، انقلبت واوه ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وبعضُهم إلى أنه مأخوذ من نِسيَ ، نقلت لامه إلى موضع العين فصار نَيَساً ، ثم قلبت ألفاً ، سُمّوا بذلك لنسيانهم ، ويُروى عن ابن عباس أنه قال : سُمي الإنسانُ إنساناً لأنه عُهد إليه فنِسي ، واللام فيه إما للعهد ، أو للجنس المقصور على المُصرّين حسبما ذكر في الموصول ، كأنه قيل : ومنهم أو من أولئك ، والعدولُ إلى الناس للإيذان بكثرتهم ، كما ينبىء عنه التبعيضُ ، ومحلُ الظرف الرفعُ على أنه مبتدأ باعتبار مضمونِه ، أو نعتٌ لمبتدإٍ ، كما في قوله عز وجل : { وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } أي وجمعٌ منا الخ ، ومن في قوله تعالى : { مَن يِقُولُ } موصولة أو موصوفة ، ومحلُها الرفعُ على الخبرية ، والمعنى وبعضُ الناس ، أو وبعضٌ من الناس الذي يقول ، كقوله تعالى : { وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى } الآية ، أو فريق يقول ، كقوله تعالى : { مّنَ المؤمنين رِجَالٌ } الخ ، على أن يكون مناطُ الإفادةِ والمقصودُ بالأصالة اتصافُهم بما في حيز الصلة أو الصفة ، وما يتعلق به من الصفات جميعاً ، لا كونُهم ذواتِ أولئك المذكورين .
وأما جعلُ الظرف خبراً كما هو الشائعُ في موارد الاستعمال فيأباه جزالةُ المعنى ، لأن كونَهم من الناس ظاهرٌ ، فالإخبارُ به عارٍ عن الفائدة كما قيل ، فإن مبناه توهمُ كونِ المرادِ بالناس الجنسَ مطلقاً ، وكذا مدارُ الجواب عنه بأن الفائدةَ هو التنبيهُ على أن الصفاتِ المذكورةَ تنافي الإنسانية ، فحقُّ من يتصفُ بها ألا يُعلمَ كونُه من الناس ، فيُخبَرَ به ويُتعجَّبَ منه ، وأنت خبير بأن الناسَ عبارة عن المعهودين ، أو عن الجنس المقصور على المصرّين ، وأياً ما كان فالفائدةُ ظاهرة ، بل لأن خبريةَ الظرف تستدعي أن يكون اتصافُ هؤلاء بتلك الصفاتِ القبيحةِ المفصَّلة في ثلاثَ عشْرةَ آيةٍ عنواناً للموضوع مفروغاً عنه ، غيرَ مقصودٍ بالذات ، ويكونُ مناطَ الإفادة كونُهم من أولئك المذكورين ، ولا ريب لأحدٍ في أنه يجب حملُ النظم الجليلِ على أجزلِ المعاني وأكملِها ، وتوحيدُ الضمير في ( يقول ) باعتبار لفظةِ ( مَن ) ، وجمعُه في قوله : { آمنا بالله وباليوم الأخر } وما بعده باعتبار معناها ، والمرادُ باليوم الآخِرِ من وقت الحشرِ إلى ما لا يتناهى ، أو إلى أن يدخُلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النار النارَ ، إذ لا حدَّ وراءه ، وتخصيصُهم للإيمان بهما بالذكر مع تكرير الباءِ لادعاء أنهم قد حازوا الإيمانَ من قُطريه ، وأحاطوا به من طرفيه ، وأنهم قد آمنوا بكلَ منهما على الأصالة والاستحكام ، وقد دسوا تحته ما هم عليه من العقائد الفاسدة حيث لم يكن إيمانُهم بواحد منهما إيماناً في الحقيقة ، إذ كانوا مشركين بالله بقولهم :
{ عَزِيزٌ ابن الله } وجاحدين باليوم الآخر بقولهم : { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } ونحو ذلك ، وحكايةُ عبارتهم لبيان كمالِ خبثهم ودعارتِهم ، فإن ما قالوا لو صدر عنهم لا على وجه الخِداعِ والنفاقِ وعقيدتُهم عقيدتُهم لم يكن ذلك إيماناً ، فكيف وهم يقولونه تمويهاً على المؤمنين واستهزاءً بهم { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } ردٌّ لما ادعَوْه ونفيٌ لما انتحلوه . وما حجازية ، فإن جوازَ دخولِ الباء في خبرها لتأكيد النفي اتفاقيٌّ بخلاف التميمية ، وإيثارُ الجملة الاسميةِ على الفعلية الموافقةِ لدعواهم المردودةِ للمبالغة في الرد بإفادة انتفاءِ الإيمانِ عنهم في جميع الأزمنة لا في الماضي فقط كما يفيده الفعلية . ولا يُتوهمَن أن الجملة الاسمية الإيجابية تفيد دوام الثبوت ، فعند دخول النفي عليها يتعين الدلالة على نفي الدوام ، فإنها بمعونة المقام تدل على دوام النفي قطعاً ، كما أن المضارع الخاليَ عن حرف الامتناع يدل على استمرار الوجود وعند دخول حرف الامتناع عليه يدل على استمرار الامتناع ، لا على امتناع الاستمرار ، كما في قوله عز وجل : { وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } فإن عدم قضاءِ الأجل لاستمرار عدم التعجيل لا لعدم استمرارِ التعجيل ، وإطلاقُ الإيمان عما قيدوه به للإيذان بأنهم ليسوا من جنس الإيمان في شيء أصلاً ، فضلاً عن الإيمان بما ذكروا ، وقد جُوز أن يكون المراد ذلك ، ويكون الإطلاق للظهور ، ومدلولُ الآية الكريمة أن من أظهر الإيمان ، واعتقادُه بخلافه ، لا يكون مؤمناً ، فلا حجة فيها على الكرامية القائلين بأن من تفوّه بكلمتي الشهادة فارغَ القلب عما يوافقه أو ينافيه مؤمنٌ . (1/45)
يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)
يخادعون الله والذين ءامَنُوا } بيانٌ ليقولُ وتوضيحٌ لما هو غرضُهم مما يقولون ، أو استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الذهن ، كأنه قيل : ما لهم يقولون ذلك وهم غيرُ مؤمنين ، فقيل : يخادعون الله الخ ، أي يخدعون ، وقد قرىء كذلك ، وإيثارُ صيغة المفاعلةِ لإفادة المبالغةِ في الكيفية ، فإن الفعل متى غولب فيه بولغ فيه قطعاً ، أو في الكمية ، كما في الممارسة والمزاولة ، فإنهم كانوا مداومين على الخَدْع ، والخِدْعُ أن يوهم صاحبَه خلاف ما يريد به من المكروه ليوقعَه فيه من حيث لا يحتسب ، أو يوهمَه المساعدةَ على ما يريد هو به ليغترّ بذلك فينجُوَ منه بسهولة ، من قولهم ضبٌّ خادع وخُدَع وهو الذي إذا أمرّ الحارسُ يده على باب جُحره يوهمه الإقبالَ عليه فيخرج من بابه الآخر ، وكلا المعنيين مناسبٌ للمقام ، فإنهم كانوا يريدون بما صنعوا أن يطّلعوا على أسرار المؤمنين فيذيعوها إلى المنابذين ، وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائرَ الكفرة . (1/46)
وأياً ما كان فنسبتُه إلى الله سبحانه إما على طريق الاستعارة والتمثيل ، لإفادة كمال شناعةِ جنايتهم أي يعامِلون معاملة الخادعين ، وإما على طريقة المجاز العقلي ، بأن يُنسب إليه تعالى ما حقه أن يُنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إبانةً لمكانته عنده تعالى ، كما ينبىء عنه قوله تعالى : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } وقوله تعالى : { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } مع إفادة كمال الشناعةِ كما مر ، وإما لمجرد التوطئةِ والتمهيد لما بعده من نِسبته إلى الذين آمنوا ، والإيذانِ بقوةِ اختصاصِهم به تعالى كما في قوله تعالى : { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } ، وقوله تعالى : { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ } وإبقاءُ صيغة المخادعةِ على معناها الحقيقي بناءً على زعمهم الفاسد ، وترجمةٌ عن اعتقادهم الباطل ، كأنه قيل : يزعمون أنهم يخدعون الله والله يخدعهم ، أو على جعلها استعارة تَبَعِيّة ، أو تمثيلاً لما أن صورةَ صُنعِهم مع الله تعالى والمؤمنين وصنعِه تعالى معهم بإجراء أحكامِ الإسلام عليهم ، وهم عنده أخبثُ الكفرة ، وأهلُ الدَّرْك الأسفلِ من النار استدراجاً لهم ، وامتثالُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأمر الله تعالى في ذلك مجازاةٌ لهم بمثل صنيعهم صورةَ صنيعِ المتخادعين كما قيل ، مما لا يرتضيه الذوق السليم .
أما الأولُ فلأن المنافقين لو اعتقدوا أن الله تعالى يخدعُهم بمقابلة خَدْعِهم له لم يُتصَّور منهم التصدّي للخدْع ، وأما الثاني فلأن مقتضى المقام إيرادُ حالهم خاصةً وتصويرُها بما يليق بها من الصورة المستهجَنة ، وبيانُ أن غائلَها آيلةٌ إليهم من حيث لا يحتسبون ، كما يُعرب عنه قوله عز وعلا : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } فالتعرضُ لحال الجانب الآخر مما يُخِل بتوفية المقامِ حقَّه ، وهو حالٌ من ضمير ( يخادعون ) ، أي يفعلون والحالُ أنهم ما يُضرون بذلك إلا أنفسَهم ، فإن دائرةَ فعلِهم مقصورةٌ عليهم ، أو ما يخدعون حقيقةً إلا أنفسَهم ، حيث يُغرونها بالأكاذيب فيُلْقُونها في مهاوي الردى ، وقرىء ( وما يخادعون ) والمعنى هو المعنى ، ومن حافظ على الصيغة فيما قبلُ قال : وما يعامِلون تلك المعاملةَ الشبيهةَ بمعاملة المخادِعين إلا أنفسَهم لأن ضررَها لا يحيق إلا بهم ، أو ما يخادعون حقيقة إلا أنفسَهم حيث يُمنّوُنها الأباطيل ، وهي أيضاً تغرُهم وتمنّيهم الأمانيَّ الفارغةَ ، وقرىء ( وما يُخَدِّعون ) من التخديع ( وما يخدعون ) أي يختدعون ، ويُخدَعون ويُخادَعون على البناء للمفعول ، ونصبُ ( أنفسَهم ) بنزع الخافض ، والنفسُ ذاتُ الشيء وحقيقتُه وقد يقال للروح لأن نفس الحيِّ به ، وللقلب أيضاً لأنه محلُ الروح .
أو مُتعلَّقُه ، وللدم أيضاً لأن قِوامَها به ، وللماء أيضاً لشدة حاجتها إليه والمراد هنا هو المعنى الأول لأن المقصود بيانُ أن ضرر مخادعتهم راجعٌ إليهم لا يتخطاهم إلى غيرهم . (1/47)
وقوله تعالى : { وَمَا يَشْعُرُونَ } حال من ضمير ما يخدعون ، أي يقتصرون على خِدْع أنفسِهم والحالُ أنهم ما يشعرون أي ما يُحسّون بذلك لتماديهم في الغَواية ، وحذفُ المفعولِ إما لظهوره أو لعمومه ، أي ما يشعرون بشيء أصلاً ، جُعل لُحوقُ وبالِ ما صنعوا بهم في الظهور بمنزلة الأمر المحسوسِ الذي لا يخفى إلا على مَؤوفِ الحواس مختلِّ المشاعر .
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)
{ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } المرض عبارة عما يعرِضُ للبدن فيُخرجه عن الاعتدال اللائق به ، ويوجب الخللَ في أفاعيله ، ويؤدّي إلى الموت ، استُعير ههنا لما في قلوبهم من الجهل وسوءِ العقيدة ، وعداوةِ النبي صلى الله عليه وسلم وغيرِ ذلك من فنون الكفر المؤدي إلى الهلاك الروحاني ، والتنكيرُ للدلالة على كونه نوعاً مُبهماً غيرَ ما يتعارفه الناس من الأمراض ، والجملةُ مقرِّرة لما يفيده قوله تعالى : { مَّا هُم بِمُؤْمِنِينَ } من استمرار عدمِ إيمانهم ، أو تعليلٌ له كأنه قيل : ما لهم لا يؤمنون فقيل : في قلوبهم مرضٌ يمنعهم { فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا } بأن طُبع على قلوبهم ، لعلمه تعالى بأنه لا يؤثر فيها التذكيرُ والإنذار ، والجملةُ معطوفة على ما قبلها ، والفاءُ للدلالة على ترتّب مضمونِها عليه ، وبه اتضح كونُهم من الكفرة المختومِ على قلوبهم مع زيادة بيانِ السبب ، وقيل : زادهم كفراً بزيادة التكاليف الشرعية ، لأنهم كانوا كلما ازداد التكاليفُ بنزول الوحي يزدادون كفراً ، ويجوز أن يكون المرض مستعاراً لما تداخلَ قلوبَهم من الضعف والجُبن والخَوَر عند مشاهدتهم لعزة المسلمين ، فزيادتُه تعالى إياهم مرضاً ما فعل بهم من إلقاء الرَّوْع وقذف الرعب في قلوبهم عند إعزازِ الدين بإمداد النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال الملائكة ، وتأييدِه بفنون النصر والتمكين ، فقوله تعالى : { فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } الخ حينئذ استئنافٌ تعليلي لقوله تعالى : { يخادعون الله } الخ ، كأنه قيل : ما لهم يخادعون ويداهنون ولم لا يجاهرون بما في قلوبهم من الكفر؟ فقيل : في قلوبهم ضَعفٌ مضاعَف ، هذه حالُهم في الدنيا ، { وَلَهُمْ } في الآخرة { عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي مؤلم يقال : ألمٌ وهو أليم ، كوجعٍ وهو وجيع وُصف به العذابُ للمبالغة كما في قوله : (1/48)
تحيةُ بينهم ضَرْبٌ وجيعُ ... على طريقة جَدَّ جِدُّه فإن الألم والوجعَ حقيقةٌ للمؤلم والمضروب ، كما أن الجِدّ للجادّ ، وقيل : هو بمعنى المؤلم كالسميع بمعنى المُسمع وليس ذلك بثبْتٍ كما سيجيء في قوله تعالى : { بَدِيعُ السموات والارض } { بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } الباء للسببية أو ما مصدرية داخلة في الحقيقة على يكذبون ، وكلمة كانوا مُقحَمةٌ للمقابلة لإفادة دوامِ كذِبهم وتجدُّدِه أي بسبب كذبهم ، أو بمقابلة كذبهم المتجددِ المستمرِّ الذي هو قولهم : { بالله وباليوم الأخر وَمَا } وهم غير مؤمنين ، فإنه إخبارٌ بإحداثهم الإيمانَ فيما مضى لا إنشاءٌ للإيمان . ولو سلم فهو متضمن للإخبار بصدوره عنهم وليس كذلك لعدم التصديق القلبي بمعنى الإذعان والقبولِ قطعاً ، ويجوز أن يكون محمولاً على الظاهر بناءً على رأي من يجوِّز أن يكون لكان الناقصةِ مصدر ، كما صُرِّح به في قول الشاعر :
ببذلٍ وحِلْمٍ ساد في قومه الفتى ... وكونُك إياه عليك يسيرُ
أي لهم عذاب أليم بسبب كونهم يكذِبون على الاستمرار ، وترتيبُ العذاب عليه من بين سائر موجباته القويةِ .
إما لأن المرادَ بيانُ العذاب الخاصّ بالمنافقين بناءً على ظهور شِركتِهم للمجاهرين فيما ذكر من العذاب العظيم حسبَ اشتراكهم فيما يوجبه من الإصرار على الكفر كما ينبىء عنه قوله تعالى : { وَمِنَ الناس } الخ .
وإما للإيذان بأن لهم بمقابلة سائرِ جناياتِهم العظيمةِ من العذاب ما لا يوصف . (1/49)
وإما للرمز إلى كمال سماجةِ الكذب نظراً إلى ظاهر العبارةِ المخيّلةِ لانفراده بالسببية ، مع إحاطة علمِ السامعِ بأن لحوقَ العذاب بهم من جهات شتى ، وأن الاقتصارَ عليه للإشعار بنهاية قُبحه والتنفير عنه .
عن الصديق رضي الله عنه ويروى مرفوعاً أيضاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم : « إياكم والكذبَ فإنه مجانبٌ للإيمان » وما روي أن إبراهيمَ عليه السلام كذَبَ ثلاثَ كَذَباتٍ فالمرادُ به التعريضُ ، وإنما سمِّي به لشَبَهه به صورةً ، وقيل : ( ما ) موصولة والعائدُ محذوف أي بالذي يكذبون والمفعول محذوف ، وهو إما النبي صلى الله عليه وسلم ، أو القرآنِ و ( ما ) مصدرية ، أي بسبب تكذيبهم إياه عليه السلام ، أو القرآن أو موصولة أي بالذي يكذبونه على أن العائد محذوف ، ويجوز أن يكون صيغةُ التفعيل للمبالغة كما في بيَّن في بان وقلَّص في قلَص ، أو للتكثير كما في موَّتت البهائمُ وبرَّكت الإبل ، وأن يكون من قولهم : كذب الوحش إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظرَ ما وراءه فإن المنافق متوقِّفٌ في أمره متردِّد في رأيه ولذلك قيل له : مُذَبْذب .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الارض } شروع في تعديد بعضٍ من قبائحهم المتفرعةِ على ما حُكي عنهم من الكفر والنفاق ، وإذا ظرفُ زمنٍ مستقبلٍ ، ويلزمها معنى الشرط غالباً ، ولا تدخل إلا في الأمر المحقق أو المرجح وقوعُه ، واللامُ متعلّقة بقيل ومعناها الإنهاءُ والتبليغ ، والقائمُ مقامَ فاعلِه جملة ( لا تفسدوا ) على أن المراد بها اللفظ ، وقيل هو مُضمرٌ يفسِّرُه المذكورُ ، والفسادُ خروجُ الشيء عن الحالة اللائقة به والصلاحُ مقابلُه ، والفساد في الأرض هَيْجُ الحروب والفتنِ المستتبعة لزوال الاستقامة عن أحوال العباد واختلالِ أمر المعاش والمعاد ، والمراد بما نهُوا عنه ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار ، وإغرائِهم عليهم ، وغيرِ ذلك من فنون الشرور ، كما يقال للرجل لا تقتُلْ نفسَك بيدك ، ولا تلقِ نفسك في النار إذا أقدم على ما تلك عاقبته وهو إما معطوف على ( يقول ) ، فإن جُعلت كلمة ( مَنْ ) موصولةً فلا محل له من الإعراب ، ولا بأس بتخلل البيان أو الاستئنافِ وما يتعلق بهما بين أجزاء الصلةِ فإن ذلك ليس توسيطاً بالأجنبيّ ، وإن جُعلت موصوفةً فمحلُه الرفع ، والمعنى ومن الناس من إذا نهوا من جهة المؤمنين عما هم عليه من الإفساد في الأرض { قَالُواْ } إرادةٌ للناهين أن ذلك غيرُ صادر عنهم مع أن مقصودهم الأصليَّ إنكارُ كونِ ذلك إفساداً وادعاءُ كونِه إصلاحاً محضاً كما سيأتي توضيحه : { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أي مقصورون على الإصلاح المحض ، بحيث لا يتعلق به شائبةُ الإفساد والفساد ، مشيرين بكلمة ( إنما ) إلى أن ذلك من الوضوح بحيث لا ينبغي أن يُرتاب فيه . (1/50)
وإما كلامٌ مستأنَفٌ سيق لتعديد شنائعِهم . وأما عطفهُ على يكذبون بمعنى ولهم عذاب أليم بكذبهم وبقولهم حين نهوا عن الإفساد إنما نحن مصلحون كما قيل ، فيأباه أن هذا النحْوَ من التعليل حقُه أن يكون بأوصافٍ ظاهرةِ العِلّية مُسلَّمةِ الثبوت للموصوف غنيةٍ عن البيان لشهرة الاتصافِ بها عند السامع أو لسبق ذكرِه صريحاً كما في قوله تعالى : { بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } فإن مضمونه عبارةٌ عما حُكي عنهم من قولهم : { بالله وباليوم الأخر وَمَا } أو لذكر ما يستلزمه استلزاماً ظاهراً كما في قوله عز وجل : { إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحساب } فإن ما ذكر من الضلال عن سبيل الله مما يوجب حتماً نسيان جانب الآخرة التي من جملتها يوم الحساب وما لم يكن كذلك فحقه أن يخبر بعليته قصداً كما في قوله تعالى : { ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار } الآية ، وقوله : { ذلك بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق } الآية ، إلى غير ذلك ، ولا ريب في أن هذه الشرطيةَ وما بعدها من الشرطيتين المعطوفتين عليها ليس مضمونُ شيء منها معلومَ الانتساب إليهم عند السامعين بوجه من الوجوه المذكورة ، حتى تستحقَ الانتظامَ في سلك التعليل المذكور ، فإذن حقُها أن تكونَ مَسوقةً على سنن تعديدِ قبائحِهم على أحد الوجهين ، مفيدةً لاتصافهم بكل واحد من تلك الأوصاف قصداً واستقلالاً كيف لا وقوله عز وجل : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون } ينادي بذلك نداءً جلياً ، فإنه ردٌ من جهته تعالى لدعواهم المحكية أبلغَ رد ، وأدلَّه على سَخَط عظيم حيث سُلك فيه مسلك الاستئنافِ المؤدي إلى زيادة تمكّنِ الحكم في ذهن السامع ، وصدرت الجملة بحرفي التأكيد ( ألا ) المنبّهة على تحقق ما بعدها ، فإن الهمزة الإنكارية الداخلةَ على النفي تفيد تحقيق الإثبات قطعاً كما في قوله تعالى :
{ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ } ولذلك لا يكاد يقع ما بعدها من الجملة إلا مصدرةً بما يتلقى به القسمُ ، وأختها التي هي ( أمَا ) من طلائع القسم . (1/51)
وقيل : هما حرفان بسيطان موضوعان للتنبيه والاستفتاح و ( إن ) المقرِّرة للنسبة ، وعُرفُ الخبر ووسَطُ ضمير الفصل لردِّ ما في قصر أنفسهم على الإصلاح من التعريض بالمؤمنين . ثم استُدرك بقوله تعالى : { ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ } للإيذان بأن كونهم مفسدين من الأمور المحسوسة ، لكن لا حسَّ لهم حتى يُدركوه ، وهكذا الكلامُ في الشرطيتين الآتيتين وما بعدهما من ردِّ مضمونهما ، ولولا أن المراد تفصيلُ جناياتهم وتعديدُ خبائثهم وهَناتِهم ثم إظهارُ فسادِها وإبانة بُطلانها لما فُتح هذا البابُ والله أعلم بالصواب .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } من قِبَل المؤمنين بطريق الأمر بالمعروف إثرَ نهيِهم عن المنكر إتماماً للنُصح وإكمالاً للإرشاد : { ءامَنُواْ } حُذف المؤمَنُ به لظهوره أو أريدَ افعلوا الإيمان : { كَمَا ءامَنَ الناس } الكاف في محل النصب على أنه نعتٌ لمصدر مؤكدٍ محذوف أي آمنوا إيماناً مماثلاً لإيمانهم فما مصدرية أو كافة ، كما في ربما ، فإنها تكف الحرف عن العمل ، وتصحح دخولَها على الجملة ، وتكون للتشبيه بين مضموني الجملتين ، أي حققوا إيمانَكم كما تحقق إيمانُهم ، واللام للجنس ، والمراد بالناس الكاملون في الإنسانية العاملون بقضية العقل ، فإن اسمَ الجنس كما يُستعمل في مسماه يستعمل فيما يكون جامعاً للمعاني الخاصة به المقصودةِ منه ، ولذلك يُسلب عما ليس كذلك ، فيقال هو ليس بإنسان ، وقد جمعهما من قال : (1/52)
إذ الناسُ ناسٌ والزمانُ زمان ... أو للعهد ، والمرادُ به الرسولُ صلى الله عليه وسلم ومن معه ، أو مَنْ آمن مِنْ أهل جِلْدتهم كابن سلام وأضرابِه ، والمعنى آمنوا إيماناً مقروناً بالإخلاص ، متمحّضاً عن شوائب النفاق ، مماثلاً لإيمانهم { قَالُواْ } مقابِلين للأمر بالمعروف بالإنكار المنكر ، واصفين للمراجيح الرِّزانِ بضد أوصافِهم الحسانِ : { أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء } مشيرين باللام إلى من أشير إليهم في الناس من الكاملين ، أو المعهودين ، أو إلى الجنس بأسره ، وهم مندرجون فيه على زعمهم الفاسد ، والسَّفهُ خِفةٌ وسخافةُ رأيٍ يُورِثهما قصورُ العقل ، ويقابله الحِلْم والأناة ، وإنما نسبوهم إليه مع أنهم في الغاية القاصية من الرشد والرزانةِ والوقار ، لكمال انهماكِ أنفسِهم في السفاهة ، وتماديهم في الغَواية ، وكونِهم ممن زُين له سوءُ عمله فرآه حسناً ، فمن حسِب الضلالَ هدىً يسمِّي الهدى لا محالة ضلالاً ، أو لتحقير شأنهم ، فإن كثيراً من المؤمنين كانوا فقراءَ ، ومنهم مَوالٍ كصهيب وبلال ، أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم على تقدير كون المرادِ بالناس عبدَ الله بن سلام وأمثالَه ، وأياً ما كان فالذي يقتضيه جزالةُ التنزيل ويستدعي فخامةُ شأنِه الجليل أن يكون صدورُ هذا القول عنهم بمحضر من المؤمنين الناصحين لهم جواباً عن نصيحتهم ، وحيث كانوا فحواه تسفيهَ أولئك المشاهيرِ الأعلام ، والقدحَ في إيمانهم لزم كونُهم مجاهرين لا منافقين . وذلك مما لا يكاد يساعده السِباق والسِياق ، وعن هذا قالوا ينبغي أن يكون ذلك فيما بينهم لا على وجه المؤمنين .
قال الإمام الواحدي : إنهم كانوا يُظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين ، فأخبر الله تعالى نبيّه عليه السلام والمؤمنين بذلك عنهم ، وأنت خبير بأن إبرازَ ما صدر عن أحد المتحاورَيْن في الخلاء في معرِض ما جرى بينهما في مقام المحاورة مما لا عهدَ به في الكلام فضلاً عما هو في منصِب الإعجاز ، فالحقُ الذي لا محيد عنه أن قولهم هذا وإن صدر عنهم بمحضر من الناصحين لا يقتضي كونَهم مجاهرين ، فإنه ضربٌ من الكفر أنيقٌ ، وفنّ في النفاق عريق ، مصنوعٌ على شاكلة قولِهم :
{ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ } فكما أنه كلامٌ ذو وجهين مثلَهم محتملٌ للشر ، بأن يُحمل على معنى اسمعْ منا غيرَ مُسمعٍ كلاماً ترضاه ونحوِه ، وللخير بأن يُحمل على معنى اسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ مكروهاً ، كانوا يخاطبون به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً به ، مظهرين إرادةَ المعنى الأخير ، وهم مُضمرون في أنفسهم المعنى الأولَ ، مطمئنون به ، ولذلك نُهوا عنه ، كذلك هذا الكلامُ محتملٌ للشر كما ذكر في تفسيره ، وللخير بأن يُحملَ على ادعاء الإيمان كإيمان الناس وإنكارِ ما اتُّهموا به من النفاق ، على معنى أنؤمن كما آمن السفهاءُ والمجانينُ الذين لا اعتداد بإيمانهم لو آمنوا ، ولا نؤمنُ كإيمان الناس حتى تأمرونا بذلك ، قد خاطبوا به الناصحين استهزاءً بهم مُرائين لإرادة المعنى الأخير ، وهم معوّلون على الأول ، فرُدّ عليهم ذلك بقوله عز قائلاً : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ } أبلغَ ردَ ، وجُهِّلوا أشنعَ تجهيل حيث صُدِّرت الجملةُ بحرفي التأكيد حسبما أشير إليه فيما سلف ، وجعلت السفاهةُ مقصورةً عليهم وبالغةً إلى حيث لا يدرون أنهم سفهاء ، وعن هذا اتضح لك سرُ ما مر في تفسير قوله تعالى : { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } فإن حمله على المعنى الأخير كما هو رأيُ الجمهور منافٍ لحالهم ضرورةَ أن مشافهتَهم للناصحين بادعاء كونِ ما نُهوا عنه من الإفساد إصلاحاً كما مر إظهارٌ منهم للشقاق ، وبروزٌ بأشخاصهم من نَفَق النفاق . (1/53)
والاعتذارُ بأن المرادَ بما نُهوا عنه مداراتُهم للمشركين كما ذكر في بعض التفاسير ، وبالإصلاح الذي يدْعونه إصلاحَ ما بينهم وبين المؤمنين ، وأن معنى قوله تعالى : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون } أنهم في تلك المعاملة مفسدون لمصالح المؤمنين ، لإشعارها بإعطاء الدنِيّة ، وإنبائِها عن ضعفهم الملجىءِ إلى توسيط مَنْ يتصدى لإصلاح ذاتِ البين ، فضلاً عن كونهم مصلحين مما لا سبيل إليه قطعاً ، فإن قوله تعالى : { ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ } ناطقٌ بفساده كيف لا وهو يقتضي أن يكون المنافقون في تلك الدعوى صادقين قاصدين للإصلاح ، ويأتيهم الإفسادُ من حيث لا يشعرون ، ولا ريب في أنهم فيهم كاذبون لا يعاشرونهم إلا مضارّةً للدين ، وخيانةً للمؤمنين ، فإذن طريقُ حلِّ الأشكال ليس إلا ما أشير إليه ، فإن قولَهم إنما نحن مصلحون محتملٌ للحَمْلِ على الكذب ، وإنكارِ صدورِ الإفساد المنسوب إليهم عنهم ، على معنى إنما نحن مصلحون لا يصدُر عنا ما تنهوننا عنه من الإفساد وقد خاطبوا به الناصحين استهزاءً بهم وإرادةً لإرادة هذا المعنى وهم معرِّجون على المعنى الإول ، فرُد عليهم بقوله تعالى : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون } الآية ، والله سبحانه أعلم بما أودعه في تضاعيف كتابهِ المكنونِ من السر المخزون ، نسأله العصمةَ والتوفيق ، والهداية إلى سَواءِ الطريق .
وتفصيلُ هذه الآية الكريمةِ ( بلا يعلمون ) لما أنه أكثرُ طِباقاً لذكر السفه الذي هو فنٌّ من فنون الجهل ، ولأن الوقوفَ على أن المؤمنين ثابتون على الحق وهم على الباطل مَنوطٌ بالتمييز بين الحق والباطل ، وذلك مما لا يتسنى إلا بالنظر والاستدلال ، وأما النفاقُ وما فيه من الفتنةِ والإفسادِ وما يترتب عليه من كون مَنْ يتصفُ به مفسِداً فأمرٌ بديهيٌّ يقف عليه من له شعور ، ولذلك فُصلت الآية الكريمةُ السابقة بلا يشعرون .
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)
{ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } بيانٌ لتبايُن أحوالِهم وتناقضِ أقوالهم في أثناء المعاملة والمخاطبةِ حسَب تباينِ ومَساقِ ما صُدِّرت به قصتُهم لتحرير مذهبهم والترجمةِ عن نفاقهم ، ولذلك لم يُتعرَّضْ ههنا لِمُتَعَلَّق الإيمان فليس فيه شائبةُ التكرير . (1/54)
روي أن عبدَ الله بن أبيّ وأصحابَه خرجوا ذاتَ يوم فاستقبلهم نفرٌ من الصحابة ، فقال ابن أبيَ : أنظروا كيف أردُ هؤلاءِ السفهاءَ عنكم ، فلما دنَوْا منهم أخذ بيد أبي بكرٍ رضي الله عنه فقال : مرحباً بالصّدّيق سيدِ بني تيم ، وشيخِ الإسلام ، وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ، الباذلِ نفسَه ومالَه لرسول الله ، ثم أخذ بيد عمرَ رضي الله عنه فقال : مرحباً بسيد بني عديّ ، الفاروقِ القويّ في دينه الباذلِ نفسَه ومالَه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أخذ بيد علي كرم الله وجهه فقال : مرحباً بابن عمِّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وخَتَنِه ، وسيدِ بني هاشم ما خلا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فنزلت . وقيل : قال له علي رضي الله عنه : يا عبدَ الله اتق الله ، ولا تنافقْ ، فإن المنافقين شرُ خلق الله تعالى ، فقال له : مهلاً يا أبا الحسن أفيَّ تقول هذا ، والله إن إيماننا كإيمانكم ، وتصديقَنا كتصديقكم ثم افترقوا فقال ابن أبيَ لأصحابه : كيف رأيتموني فعلت ، فإذا رأيتموهم فافعلوا مثل ما فعلت ، فأثنَوْا عليه خيراً ، وقالوا : لا نزالُ بخير ما عشتَ فينا . فرجع المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك فنزلت .
واللقاءُ المصادفة ، يقال لقِيته ولاقَيْته أي صادفته واستقبلتهُ ، وقرىء إذا لاقَوْا { وَإِذَا خَلَوْاْ } من خلوتُ إلى فلان ، أي انفردت معه ، وقد يستعمل بالباء ، أو من خلا بمعنى مضى ، ومنه القرونُ الخالية ، وقولُهم : خلاك ذمٌّ أي جاوزك ومضى عنك ، وقد جُوّز كونُه من خلوتُ به إذا سخِرْتُ منه ، على أن تعديته بإلى في قوله تعالى : { إلى شياطينهم } لتضمُّنه معنى الإنهاء ، أي وإذا أَنهَوْا إليهم السخرية الخ .
وأنت خبير بأن تقييدَ قولهم المحكيّ بذلك الإنهاءِ مما لا وجهَ له ، والمرادُ بشياطينهم المماثلون منهم للشيطان في التمرد والعناد ، المظهرون لكفرهم ، وإضافتُهم إليهم للمشاركة في الكفر ، أو كبارُ المنافقين ، والقائلون صغارُهم ، وجعل سيبويهِ نونَ الشيطان تارةً أصلية فوزنُه فَيْعالٌ ، على أنه من شطَنَ إذا بعُدَ ، فإنه بعيدٌ من الخير والرحمة ، ويشهد له قولُهم تَشَيْطن ، وأخرى زائدة فوزنه فعلان ، على أنه من شاط أي هلك أو بطَل ، ومن أسمائه الباطل ، وقيل معناه هاج واحترق { قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } أي في الدين والاعتقاد لا نفارقكم في حال من الأحوال ، وإنما خاطبوهم بالجملة الاسمية المؤكدة ، لأن مُدّعاهم عندهم تحقيقُ الثبات على ما كانوا عليه من الدين ، والتأكيدُ للإنباء عن صدق رغبتهم ، ووفورِ نشاطِهم ، لا لإنكار الشياطين ، بخلاف معاملتهم مع المؤمنين ، فإنهم إنما يدّعون عندهم إحداثَ الإيمان لجزمهم بعدم رواج ادعاء الكمال فيه أو الثبات عليه { إِنَّمَا نَحْنُ } أي في إظهار الإيمان عند المؤمنين { مُسْتَهْزِءونَ } بهم من غير أن يخطرُ ببالنا الإيمانُ حقيقةً ، وهو استئنافٌ مبني على سؤالٍ ناشىءٍ من ادعاء المعية كأنه قيل لهم عند قولهم إنا معكم فما بالُكم توافقون المؤمنين في الإتيان بكلمة الإيمان ، فقالوا : إنما نحن مستهزئون بهم فلا يقدح ذلك في كوننا معكم ، بل يؤكده وقد ضمِنوا جوابهم أنهم يُهينون المؤمنين ، ويُعدّون ذلك نُصرةً لدينهم .
أو تأكيدٌ لما قبله ، فإن المستهزىء بالشيء مُصرٌّ على خلافه ، أو بدلٌ منه ، لأن مَنْ حَقّر الإسلامَ فقد عظّم الكفرَ ، والاستهزاءُ بالشيء السخرية منه ، يقال : هَزَأتُ واستهزأت بمعنى ، وأصله الخِفة من الهُزء ، وهو القتل السريع ، وهزأ يهزأ مات على مكانه ، وتَهْزأُ به ناقتُه أي تُسرع به وتخِف (1/55)
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)
{ الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } أي يجازيهم على استهزائهم ، سمِّي جزاؤه باسمه كما سُمي جزاءُ السيئة سيئةً إما للمشاكلة في اللفظ ، أو المقارنة في الوجود ، أو يرجِعُ وبالُ الاستهزاء عليهم ، فيكون كالمستهزىء بهم ، أو يُنزل بهم الحقارةَ والهوانَ الذي هو لازمُ الاستهزاءِ أو يعاملهم معاملةَ المستهزىءِ بهم . أما في الدنيا فبإجراء أحكامِ المسلمين عليهم ، واستدراجِهم بالإمهال والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان ، وأما في الآخرة فبما يروى أنه يفتح لهم بابٌ إلى الجنة فيُسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سُدَّ عليهم الباب ، وذلك قوله تعالى : { فاليوم الذين ءامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ } وإنما استؤنف للإيذان بأنهم قد بلغوا في المبالغة في استهزاء المؤمنين إلى غاية ظهرت شناعاتها عند السامعين ، وتعاظَمَ ذلك عليهم حتى اضْطَرَّهم إلى أن يقولوا ما مصيرُ أمرِ هؤلاء وما عاقبةُ حالهم ، وفيه أنه تعالى هو الذي يتولى أمرَهم ولا يُحوجهم إلى المعارضة بالمثل ، ويستهزىء بهم الاستهزاءَ الأبلغَ الذي ليس استهزاؤهم عنده من باب الاستهزاء ، حيث ينزلُ بهم من النَكال ويحِلُّ عليهم من الذل والهوان ما لا يوصف ، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار ، كما يعرب عنه قوله عز قائلاً : { أَوْ لاَ * يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } وما كانوا خالين في أكثر الأوقات من تهتكِ أستارٍ وتكشفِ أسرارٍ ، ونزولِ ( آيةٍ ) في شأنهم ، واستشعارِ حذَرٍ من ذلك ، كما أنبأ عنه قوله عز وجل : { يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُون } { وَيَمُدُّهُمْ } أي يزيدهم ويقويهم مِنْ مدَّ الجيش وأمده إذا زاده ، ومنه مددتُ الدواةَ والسِراج إذا أصلحتهما بالحِبْر والزيت وإيثارُه على يزيدهم للرمز إلى أن ذلك منوطٌ بسوء اختيارهم لما أنه إنما يتحقق عند الاستمداد وما يجري مَجراه من الحاجة الداعية إليه ، كما في الأمثلة المذكورة ، وقرىء يُمِدُّهم من الإمداد وهو صريح في أن القراءة المشهورة ليست من المد في العمر ، على أنه يستعمل باللام كالإملاء ، قال تعالى : { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً } وحذفُ الجار وإيصالُ الفعل إلى الضمير خلافُ الأصل لا يصار إليه إلا بدليل { فِي طغيانهم } متعلق بيمُدُّهم ، والطغيانُ مجاوزة الحد في كل أمر ، والمراد إفراطُهم في العتو ، وغلوُّهم في الكفر ، وقرىء بكسر الطاء ، وهي لغة فيه كلِقْيانٍ لغةٌ في لُقيانٍ ، وفي إضافته إليهم إيذانٌ باختصاصه بهم ، وتأييدٌ لما أشير إليه من ترتب المدِّ على سوء اختيارِهم { يَعْمَهُونَ } حال من الضمير المنصوب أو المجرور ، لكون المضاف مصدراً فهو مرفوع حكماً ، والعَمَهُ في البصيرة كالعمى في البصر ، وهو التحيرُ والتردد ، بحيث لا يدري أين يتوجه ، وإسنادُ هذا المد إلى الله تعالى مع إسناده في قوله تعالى : (1/56)
{ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } محققٌ لقاعدة أهلِ الحقِ من أن جميعَ الأشياء مستندةٌ من حيث الخلقُ إليه سبحانه ، وإن كانت أفعالُ العباد من حيث الكسبُ مستندةً إليهم . (1/57)
والمعتزلةُ لمّا تعذر عليهم إجراءُ النظم الكريم على مسلكه نكَبوا إلى شعاب التأويل ، فأجابوا أولاً بأنهم لما أصرّوا على كفرهم خذلهم الله تعالى ومنعهم ألطافَه ، فتزايد الرَّيْنُ في قلوبهم فسُمِّي ذلك مدداً في الطغيان ، فأُسند إيلاؤه إليه تعالى ، ففي المسند مجازٌ لغوي ، وفي الإسناد عقلي ، لأنه إسناد للفعل إلى المسبِّب له ، وفاعله الحقيقي هم الكفرة ، وثانياً بأنه أريد بالمد في الطغيان تركُ القسر والإلجاء إلى الإيمان كما في قوله تعالى : { وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } فالمجاز في المسند فقط ، وثالثاً بأن المراد به معناه الحقيقي وهو فعل الشيطان ، لكنه أُسند إليه سبحانه مجازاً ، لأنه بتمكينه تعالى وإقداره .
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)
{ أولئك } إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الصفات الشنيعة المميِّزة لهم عمن عداهم أكملَ تمييز ، بحيث صاروا كأنهم حُضّارٌ مشاهِدون على ما هم عليه ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشر وسوء الحال ، ومحلُه الرفعُ على الابتداء ، خبرُه قوله تعالى : { الذين اشتروا الضلالة بالهدى } والجملة مَسوقةٌ لتقرير ما قبلها وبيانٌ لكمال جهالتِهم فيما حُكيَ عنهم من الأقوال والأفعال بإظهار غايةِ سماجتها ، وتصويرِها بصورةِ ما لا يكاد يتعاطاه مَنْ له أدنى تمييزٍ فضلاً عن العقلاء . والضلالةُ الجَوْرُ عن القصد ، والهدى التوجهُ إليه ، وقد استعير الأول للعدول عن الصواب في الدين ، والثاني للاستقامة عليه ، والاشتراء استبدال السلعة بالثمن ، أي أخذُها به لا بذلُه لتحصيلها كما قيل ، وإن كان مستلزِماً له ، فإن المعتبرَ في عقد الشراء ومفهومِه هو الجلبُ دون السلب الذي هو المعتبرُ في عقد البيع ، ثم استعير لأخذ شيءٍ بإعطاء ما في يده عيناً كان كلٌّ منهما أو معنى ، لا للإعراض عما في يده محصَّلاً به غيرُه كما قيل ، وإن استلزمه لما مر سرُّه ، ومنه قوله : (1/58)
أخذت بالجُمّة رأسا أزعرا ... وبالثنايا الواضحاتِ الدردرا
وبالطويل العُمْرِ عُمْرا جيدرا ... كما اشترى المسلمُ إذ تنصَّرا
فاشتراءُ الضلالة بالهدى مستعارٌ لأخذها بدلاً منه أخذاً منوطاً بالرغبة فيها والإعراض عنه ، ولمّا اقتضى ذلك أن يكون ما يجري مجرى الثمن حاصلاً للكفرة قبل العقد وما يجري مجرى المبيعِ غيرَ حاصلٍ لهم إذ ذاك حسبما هو في البيت ، ولا ريب في أنهم بمعزل من الهدى ، مستمرون على الضلالة استدعى الحالُ تحقيقَ ما جرى مَجرى العِوضَيْن ، فنقول وبالله التوفيق :
ليس المرادُ بما تعلق به الاشتراءُ ههنا جنسَ الضلالة الشاملةِ لجميع أصناف الكفرة ، حتى تكون حاصلةً لهم من قبل ، بل هو فردُها الكاملُ الخاصُّ بهؤلاء ، على أن اللام للعهد ، وهو عَمَهُهم المقرونُ بالمد في الطغيان ، المترتبُ على ما حُكي عنهم من القبائح . وذلك إنما يحصُل لهم عند اليأس عن اهتدائهم والختم على قلوبهم ، وكذا ليس المرادُ بما في حيز الثمن نفسَ الهدى بل هو التمكنُ التام منه بتعاضد الأسباب ، وتأخذ المقدماتُ المستتبِعةُ له بطريق الاستعارة كأنه نفس الهدى بجامعِ المشاركة في استتباعِ الجدوى ، ولا مرية في أن هذه المرتبة من التمكن كانت حاصلةً لهم بما شاهدوه من الآيات الباهرة والمعجزاتِ القاهرةِ من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وبما سمعوه من نصائحِ المؤمنين التي من جُملتِها ما حكي من النهي عن الإفساد في الأرض ، والأمرُ بالإيمان الصحيح ، وقد نبذوها وراء ظهورهم ، وأخذوا بدلها الضلالة الهائلةَ التي هي العمهُ في تيه الطغيان ، وحملُ الهدى على الفطرة الأصلية الحاصلة لكل أحد يأباه أَنَّ إضاعتَها غيرُ مختصة بهؤلاء ، ولئن حملت على الإضاعة التامة الواصلة إلى حد الختم على القلوب المختصة بهم فليس في إضاعتها فقط من الشناعة ما في إضاعتها مع ما يؤيدها من المؤيدات العقليةِ والنقلية ، على أن ذلك يُفضي إلى كون ذكر ما فُصّل من أول السورة الكريمة إلى هنا ضائعاً ، وأبعدُ منه حملُ اشتراء الضلالة بالهدى على مجرد اختيارها عليه من غير اعتبار كونه في أيديهم ، بناءً على أنه يستعمل اتساعاً في إيثار أحدِ الشيئين الكائنين في شرَف الوقوع على الآخر ، فإنه مع خلوِّه عن المزايا المذكورة بالمرة مُخِلٌّ برونق الترشيح الآتي ، هذا على تقدير جعل الاشتراءِ المذكور عبارةً عن معاملتهم السابقة المحكية وهو الأنسبُ بتجاوب أطرافِ النظم الكريم .
وأما إذا جُعل ترجمةً عن جناية أخرى من جناياتهم فالمراد بالهدى ما كانوا عليه من معرفة صحةِ نبوةِ النبي صلى الله عليه وسلم وحقِّيةِ دينه ، بما كانوا يشاهدونه من نعوته عليه الصلاة والسلام في التوراة وقد كانوا على يقين منه حتى كانوا يستفتحون به على المشركين ويقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوثِ في آخر الزمان الذي نجد نعتَه في التوراة ، ويقولون لهم قد أظل زمانُ نبيَ يخرُجُ بتصديق ما قلنا فنقتلُكم معه قتلَ عاد وإِرَم ، فلما جاءهم ما عَرَفوا كفروا به كما سيأتي ولا مَساغَ لحملِ الهدى على ما كانوا يُظهرونه عند لقاء المؤمنين فإنها ضلالة مضاعفة . (1/59)
{ فَمَا رَبِحَت تجارتهم } عطفٌ على الصلة داخلٌ في حيزها والفاء للدلالة على ترتب مضمونِه عليها ، والتجارةُ صناعة التجار ، وهو التصدي للبيع والشراءِ لتحصيل الربح ، وهو الفضلُ على رأس المال ، يقال : ربِحَ فلان في تجارته أي استشفّ فيها وأصاب الربح ، وإسناد عدمِه الذي هو عبارةٌ عن الخسران إليها ، وهو لأربابها بناءً على التوسع المبني على ما بينهما من الملابسة ، وفائدتُه المبالغةُ في تخسيرهم لما فيه من الإشعار بكثرة الخَسار وعمومِه المستتبع لسرايته إلى ما يُلابِسُهم ، وإيرادُهما إثرَ الاشتراء المستعار للاستبدال المذكور ترشيحٌ للاستعارة ، وتصويرٌ لما فاتهم من فوائدِ الهدى بصورة خسارةِ التجارة الذي يتحاشى عنه كلُّ أحد للإشباع في التخسير والتحسين ، ولا ينافي ذلك أن التجارة في نفسها استعارةٌ لانهماكهم فيما هم عليه من إيثار الضلالة على الهدى وتمرّنُهم عليه معرفةٌ عن كون ذلك صناعةً لهم راسخة ، إذ ليس من ضروريات الترشيح أن يكون باقياً على الحقيقة ، تابعاً للاستعارة لا يقصد به إلا تقويتُها ، كما في قولك : رأيت أسداً وافيَ البراثن ، فإنك لا تريد به إلا زيادة تصويرٍ للشجاع ، وأنه أسد كاملٌ من غير أن تريد بلفظ البراثن معنىً آخرَ ، بل قد يكون مستعاراً من ملائم المستعارِ منه لملائم المستعار له ومع ذلك يكون ترشيحاً لأصل الاستعارة كما في قوله :
فلما رأيتُ النَّسرَ عَزَّ ابنَ دأْية ... وعششَّ في وَكْرَيه جاش له صدري
فإن لفظ الوَكرين مع كونه مستعاراً من معناه الحقيقي الذي هو موضعٌ يتخذه الطائر للتفريخ للرأس واللحية أو للفَوْدين أعني جانبي الرأس ترشيحٌ باعتبار معناه الأصلي ، لاستعارة لفظِ النسر للشيب ، ولفظ ابن دأية للشعر الأسود ، وكذا لفظُ التعشيش مع كونه مستعاراً للحلول والنزول المستمِرَّين ترشيحٌ لتينك الاستعارتين بالاعتبار المذكور ، وقرىء تجاراتُهم ، وتعدُّدها لتعدد المضاف إليهم { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } أي إلى طرق التجارة ، فإن المقصود منها سلامةُ رأس المال مع حصول الربح ، ولئن فات الربح في صفقة فربما يُتدارَك في صفقة أخرى لبقاء الأصل ، وأما إتلافُ الكل بالمرة فليس من باب التجارة قطعاً فهؤلاء الذين كان رأسُ مالهم الهدى قد استبدلوا بها الضلالة فأضاعوا كلتا الطِّلْبتين ، فبقُوا خائبين خاسرين نائين عن طريق التجارة بألف منزلٍ ، فالجملة راجعة إلى الترشيح معطوفةٌ على ما قبلها مشاركةٌ له في الترتب على الاشتراء المذكور والأَوْلى عطفُها على اشتروا الخ . (1/60)
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)
{ مّثْلُهُمْ } زيادة كشف لحالهم وتصويرٌ غِبَّ تصويرِها بصورة ما يؤدي إلى الخسارة بحسب المآل بصورة ما يفضي إلى الخَسار من حيث النفسُ تهويلاً لها وإبانةً لفظاعتها ، فإن التمثيلَ ألطفُ ذريعةٍ إلى تسخير الوهم للعقل ، واستنزالِه من مقام الاستعصاء عليه ، وأقوى وسيلةٍ إلى تفهيم الجاهل الغبي ، وقمعِ سَوْرةِ الجامح الآبي ، كيف لا وهو رفعُ الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية ، وإبرازٌ لها في معرض المحسوسات الجلية ، وإبداءٌ للمنكر في صورة المعروف ، وإظهارٌ للوحشي في هيئة المألوف ، والمَثَل في الأصل بمعنى المِثْل والنظير ، يقال مِثْل ومَثَل ومثيل ، كشِبْهٍ وشَبَه وشبيه ، ثم أطلق على القول السائر الذي يُمثّل مضرِبُه بمورده وحيث لم يكن ذلك إلا قولاً بديعاً فيه غرابةٌ صيَّرتْه جديراً بالتسيير في البلاد وخليقاً بالقبول فيما بين كل حاضرٍ وباد ، استعير لكل حال أو صفةٍ أو قصة لها شأن عجيب ، وخطرٌ غريب من غير أن يلاحَظ بينها وبين شيءٍ آخرَ تشبيهٌ ، ومنه قوله عز وجل : { وَلِلَّهِ المثل الاعلى } أي الوصفُ الذي له شأن عظيم وخطر جليل ، وقوله تعالى : { مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون } أي قصتها العجيبةُ الشأن { كَمَثَلِ الذى } أي الذين كما في قوله تعالى : { وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ } خلا أنه وُحِّد الضمير في قوله تعالى : { استوقد نَاراً } نظراً إلى الصورة ، وإنما جاز ذلك مع عدم جوازِ وضعِ القائمِ مَقام القائمين ، لأن المقصود بالوصف هي الجملة الواقعةُ صلةً له دون نفسه ، بل إنما هو صلةٌ لوصف المعارف بها ولأنه حقيق بالتخفيف لاستطالته بصلته ، ولذلك بولغ فيه فحُذف ياؤه ثم كسرتُه ثم اقتُصر على اللام في أسماء الفاعلين والمفعولين ولأنه ليس باسم تام بل هو كجزئه ، فحقُه ألا يُجمع ، ويستوي فيه الواحد والمتعدد كما هو شأن أخواته ، وليس الذين جمعَه المصحح بل النونُ فيه مزيدة للدلالة على زيادة المعنى ، ولذلك جاء بالياء أبداً على اللغة الفصيحة ، أو قصد به جنسُ المستوقد أو الفوجُ أو الفريقُ المستوقد ، والنارُ جوهرٌ لطيف مُضيء حارٌّ محرق ، واشتقاقها من نار ينورُ إذا نفَر لأن فيها حركة واضطراباً واستيقادُها طلبُ وُقودها ، أي سطوعها وارتفاع لهبها وتنكيرها للتفخيم { فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ } الإضاءة فرطُ الإنارة كما يعرب عنه قوله تعالى : { هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً } وتجيء متعدية ولازمة ، والفاء للدلالة على ترتبها على الاستيقاد أي فلما أضاءت النار ما حول المستوقد ، أو فلما أضاء ما حوله ، والتأنيث لكونه عبارةً عن الأماكن والأشياء ، أو أضاءت النارُ نفسها فيما حوله على أن ذلك ظرف لإشراق النارِ المنزّلِ منزلتَها لا لنفسها ، أو ( ما ) مزيدةٌ و ( حوله ) ظرف ، وتأليفُ الحول للدوران ، وقيل : للعام حَوْلٌ لأنه يدور { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } النور ضوءُ كل نيِّر ، واشتقاقه من النار ، والضمير للذي ، والجمع باعتبار المعنى أي أطفأ الله نارهم التي هي مدار نورِهم ، وإنما علِق الإذهابُ النورَ دون نفس النار لأنه المقصودُ بالاستيقاد ، لا الاستدفاءِ ونحوه كما ينبىء عنه قوله تعالى : { فَلَمَّا أَضَاءتْ } حيث لم يقل فلما شب ضِرامُها أو نحو ذلك ، وهو جوابُ ( لمّا ) أو استئنافٌ أجيب به عن سؤال سائل يقول ما بالُهم أشبَهَتْ حالهم حالَ مستوقدٍ انطفأت ناره ، أو بدلٌ من جملة التمثيل على وجه البيان ، والضمير على الوجهين للمنافقين والجواب محذوف كما في قوله تعالى : (1/61)
{ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ } للإيجاز والأمن من الإلباس ، كأنه قيل : فلما أضاءت ما حوله خمَدَت فبقُوا في الظلمات خابطين متحيِّرين خائبين بعد الكدح في إحيائها ، وإسنادُ الإذهاب إلى الله تعالى إما لأن الكل بخلقه تعالى ، وإما لأن الانطفاءَ حصل بسبب خفيّ ، أو أمر سماوي كريح أو مطر وإما للمبالغة كما يؤذن به تعديةُ الفعل بالباء دون الهمزة لما فيه من معنى الاستصحاب والإمساك ، يقال : ذهب السلطان بماله إذا أخذه ، وما أخذه الله عز وجل فأمسكه فلا مرسلَ له من بعده ، ولذلك عُدل عن الضوء الذي هو مقتضى الظاهر إلى النور لأن ذهابَ الضوء قد يجامع بقاءَ النور في الجملة لعدم استلزام عدم القوي لعدم الضعيف ، والمراد إزالتُه بالكلية كما يفصح عنه قوله تعالى : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ } فإن الظلمةَ التي هي عدمُ النور وانطماسُه بالمرة ، لا سيما إذا كانت متضاعفة متراكمة متراكباً بعضُها على بعض كما يفيده الجمع والتنكير التفخيمي وما بعدها من قوله تعالى : { لاَّ يُبْصِرُونَ } لا يتحقق إلا بعد ألا يبقى من النور عينٌ ولا أثر ، وإما لأن المراد بالنور ما لا يرضى به الله تعالى من النار المجازية التي هي نارُ الفتنة والفساد كما في قوله تعالى : { كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله } ووصفُها بإضاءة ما حول المستوقد من باب الترشيح ، أو النار الحقيقية التي يوقدها الغواة ليتوصلوا بها إلى بعض المعاصي ، ويهتدوا بها في طرق العبث والفساد ، فأطفأها الله تعالى ، وخيب آمالهم ، و ( ترك ) في الأصل بمعنى طرَح وخلَّى ، وله مفعول واحد ، فضُمِّن معنى التصيير فجرى مَجرى أفعال القلوب قال : (1/62)
فتركتُه جَزَرَ السِّباع ينُشْنَه ... يقضَمْنَ حُسنَ بنانِه والمِعصَمِ
والظلمة مأخوذة من قولهم : ما ظلمك أن تفعل كذا ، أي ما منعك ، لأنها تسد البصرَ وتمنعه من الرؤية ، وقرىء ( في ظُلْمات ) بسكون اللام ، و ( في ظلمة ) بالتوحيد ، ومفعول لا يبصرون من قبيل المطروح ، كأن الفعل غير متعد ، والمعنى أن حالهم العجيبة التي هي اشتراؤهم الضلالةَ التي هي عبارة عن ظلمتي الكفرِ والنفاقِ المستتبعتين لظُلمة سخط الله تعالى ، وظلمةِ يوم القيامة : { يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم } ، وظلمةِ العقاب السرمدي بالهدى ، الذي هو النورُ الفطري المؤيد بما شاهدوه من دلائل الحق أو بالهدى الذي كانوا حصّلوه من التوراة حسبما ذكر كحال من استوقد ناراً عظيمة حتى كاد ينتفع بها فأطفأها الله تعالى ، وتركه في ظلمات هائلة لا يتسنى فيها الإبصار .
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)
{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } أخبارٌ لمبتدأ محذوفٍ هو ضمير المنافقين ، أو خبر واحد بالتأويل المشهور ، كما في قولهم : هذا حلوٌ حامض والصممُ آفةٌ مانعة من السماع ، وأصلُه الصلابة واكتنازُ الأجزاء ، ومنه الحجرُ الأصم ، والقناةُ الصماء ، وصَمام القارورة : سِدادُها ، سمي به فقدانُ حاسة السمع لما أن سببه اكتنازُ باطن الصّماخ ، وانسدادُ منافذه بحيث لا يكاد يدخله هواءٌ يحصل الصوت بتموجه ، والبُكم الخُرس ، والعمى عدم البصر عما من شأنه أن يُبصَر ، وُصفوا بذلك مع سلامة مشاعرهم المعدودة لما أنهم حيث سدوا مسامعهم عن الإصاخة لما يتلى عليهم من الآيات والذكر الحكيم ، وأبَوْا أن يتلقَّوْها بالقبول ، ويُنطِقوا بها ألسنتهم ، ولم يجتلوا ما شاهدوا من المعجزات الظاهرة على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم ينظروا إلى آيات التوحيد المنصوبة في الآفاق والأنفس بعين التدبر ، وأصروا على ذلك بحيث لم يبقَ لهم احتمالُ الارعواء عنه ، صاروا كفاقدي تلك المشاعر بالكلية ، وهذا عند مُفْلقي سَحَرة البيان من باب التمثيل البليغ ، المؤسس على تناسي التشبيه كما في قول من قال : (1/63)
ويصعَدُ حتى يظنَّ الجهول ... بأن له حاجةً في السماءْ
لما أن المقدر في النظم في حكم الملفوظ ، لا من قبيل الاستعارة التي يطوى فيها ذكرُ المستعار له بالكلية ، حتى لو لم يكن هناك قرينة تحمل على المعنى الحقيقي ، كما في قول زهير :
لدى أسدٍ شاكي السلاحِ مُقذَّف ... له لِبَدٌ أظفارُه لم تُقَلَّمِ
{ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } الفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها ، أي هم بسبب اتصافِهم بالصفات المذكورة لا يعودون إلى الهدى الذي تركوه وضيّعوه أو عن الضلالة التي أخذوها ، والآيةُ نتيجةٌ للتمثيل ، مفيدةٌ لزيادة تهويلٍ وتفظيع ، فإن قصارى أمرِ التمثيل بقاؤهم في ظلماتٍ هائلة من غير تعرضٍ لمَشْعَريْ السمع والنطق ، ولاختلال مَشعَرِ الإبصار ، وقيل الضمير المقدر وما بعده للموصول باعتبار المعنى ، كالضمائر المتقدمة .
فالآية الكريمة تتمة للتمثيل ، وتكميل له بأن ما أصابهم ليس مجردَ انطفاء نارهم وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة ، مع بقاء حاسة البصر بحالها ، بل اختلت مشاعرُهم جميعاً ، واتصفوا بتلك الصفات على طريقة التشبيه أو الحقيقة فبقوا جامدين في مكاناتهم ، لا يرجعون ولا يدْرون أيتقدّمون أم يتأخرون ، وكيف يرجِعون إلى ما ابتدأوا منه ، والعدولُ إلى الجملة الاسمية للدَلالة على استمرار تلك الحالة فيهم ، وقرىء صماً بكماً عمياً ، إما على الذي كما في قوله تعالى : { حَمَّالَةَ الحطب } والمخصوصُ بالذم هم المنافقون ، أو المستوقدون وإما على الحالية من الضمير المنصوب في تَرَكهم ، أو المرفوع في لا يبصرون وإما على المفعولية لتركهم ، فالضميران للمستوقدين .
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)
{ أَوْ كَصَيّبٍ } تمثيلٌ لحالهم إثرَ تمثيل ، ليعُم البيانُ منها كل دقيق وجليل ، ويوفيَ حقها من التفظيع والتهويل ، فإن تفنُّنهم في فنون الكفر والضلال وتنقّلَهم فيها من حال إلى حال حقيقٌ بأن يُضربَ في شأنه الأمثال ، ويرخى في حلبته أعِنّةُ المقال ، ويُمدَّ لشرحه أطنابُ الإطناب ، ويُعقَدَ لأجله فصولٌ وأبواب ، لما أن كل كلام له حظ من البلاغة ، وقسط من الجزالة والبراعة ، لا بد أن يُوفَّى فيه حقُّ كلَ من مقامي الإطناب والإيجاز ، فما ظنُّك بما في ذُروة الإعجاز من التنزيل الجليل ، ولقد نُعيَ عليهم في هذا التمثيل تفاصيلُ جناياتهم ، وهو عطف على الأول على حذف المضاف لما سيأتي من الضمائر المستدعية لذلك ، أي كمثل ذوي صيِّب ، وكلمة أو للإيذان بتساوي القصتين في الاستقلال بوجه الشبه وبصحة التمثيل بكل واحدة منهما وبهما معاً ، والصيب فيعل من الصَوْب وهو النزول الذي له وقع وتأثير ، يطلق على المطر وعلى السحاب ، قال الشماخ : (1/64)
عفا آيَةُ نسجُ الجنوب مع الصَّبا ... وأسحمُ دانٍ صادقُ الوعد صيِّبُ
ولعل الأول هو المراد ههنا لاستلزامه الثاني ، وتنكيره لما أنه أريد به نوع منه شديدٌ هائل كالنار في التمثيل الأول ، وأُمِدَّ به ما فيه من المبالغات من جهة مادته الأولى التي هي الصادُ المستعليةُ والياء المشددة والباء الشديدة ، ومادتِه الثانية أعني الصَّوْب المنبىء عن شدة الانسكاب ، ومن جهة بنائه الدال على الثبات ، وقرىء أو كصائب { مّنَ السماء } متعلق بصيب ، أو بمحذوفٍ وقع صفة له ، والمرادُ بالسماء هذه المِظلة ، وهي في الأصل كلُّ ما علاك من سقف ونحوه ، وعن الحسن أنها موجٌ مكفوف ، أي ممنوع بقدرة الله عز وجل من السيلان ، وتعريفها للإيذان بأن انبعاث الصيب ليس من أفق واحد ، فإن كل أفق من آفاقها أي كلَّ ما يحيط به كلُّ أفقٍ منها سماءٌ على حِدَة ، قال :
ومن بعدِ أرضٍ بيننا وسماءِ ... كما أن كل طبقة من طباقها سماء ، قال تعالى : { وأوحى فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } والمعنى أنه صيّب عام نازل من غمام مطبِقٍ آخذٍ بالآفاق ، وقيل المراد بالسماء السحاب ، واللام لتعريف الماهية .
{ فِيهِ ظلمات } أي أنواع منها ، وهي ظُلمةُ تكاثُفِه وانتساجِه بتتابع القطر ، وظلمةُ الهلال ما يلزمه من الغمام الأسحمِ المطبق الآخذ بالآفاق مع ظلمة الليل ، وجعلُه محلاً لها مع أن بعضها لغيره كظلمتي الغمام والليل ، لما أنهما جُعلتا من توابع ظلمتِه مبالغةً في شدته وتهويلاً لأمره ، وإيذاناً بأنه من الشدة والهول بحيث تغمر ظلمتُه ظلماتِ الليل والغمام ، وهو السر في عدم جعل الظلمات هي الأصلَ المستتبعَ للبواقي ، مع ظهور ظرفيتها للكل ، إذ لو قيل أو كظلمات فيها صيب الخ لما أفاد أن للصيب ظلمةً خاصة به فضلاً عن كونها غالبة على غيرها .
{ وَرَعْدٌ } وهو صوت يسمع من السحاب ، والمشهور أنه يحدث من اصطكاك أجرام السحاب بعضِها ببعض ، أو من انقلاع بعضِها عن بعض عند اضطرابها ، بسوق الرياحِ إياه سوقاً عنيفاً { وَبَرْقٌ } وهو ما يلمع من السحاب من بَرَق الشيءُ بريقاً أي لمع ، وكلاهما في الأصل مصدر ، ولذلك لم يجمعا ، وكونُهما في الصيب باعتبار كونِهما في أعلاه ومصبِّه ووصول أثرِهما إليه وكونِهما في الظلمات الكائنةِ فيه ، والتنوين في الكل للتفخيم والتهويل كأنه قيل : فيه ظلماتٌ شديدة داجية ورعدٌ قاصفٌ وبرق خاطف ، وارتفاع الجميع بالظرف على الفاعلية لتحقيق شرط العملِ بالاتفاق ، وقيل بالابتداء ، والجملةُ إما صفةٌ لصيب أو حالٌ منه لتخصصه بالصفة ، أو بالعمل فيما بعده من الجار أو من المستكنّ في الظرف الأول على تقدير كونِه صفةً لصيب ، والضمائر في قوله عز وجل : { يَجْعَلُونَ أصابعهم فِى ءاذَانِهِم } للمضاف الذي أقيم مُقامه المضافُ إليه فإن معناه باقٍ وإن حذف لفظه تعويلاً على الدليل كما في قوله : { وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا بياتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } فإن الضمير للأهل المدلول عليه بما قام مقامه من القرية قال حسان رضي الله عنه : (1/65)
يَسْقون من وَرَدَ البريصَ عليهم ... بردى يُصفَّقُ بالرحيق السلسلِ
فإن تذكير الضمير المستكن في يُصفَّق لرجوعه إلى الماء المضاف إلى بردى وإلا لأنّث حتماً ، وإيثارُ الجعل المنبىء عن دوام الملابسة ، واستمرارِ الاستقرار على الإدخال المفيدِ لمجرد الانتقال من الخارج إلى الداخل للمبالغة في بيان سدِّ المسامع باعتبار الزمان كما أن إيرادَ الأصابع بدلَ الأنامل للإشباع في بيان سدِّها باعتبار الذات ، كأنهم سدُّوها بجملتها لا بأناملها فحسب كما هو المعتاد ، ويجوز أن يكون هذا إيماءً إلى كمال حَيْرتهم وفرْطِ دهشتهم وبلوغهم إلى حيث لا يهتدون إلى استعمال الجوارحِ على النهج المعتاد ، وكذا الحال في عدم تعيين الأصبع المعتادِ أعني السبابة ، وقيل : ذلك لرعاية الأدب ، والجملةُ استئناف لا محل لها من الإعراب ، مبني على سؤال نشأ من الكلام ، كأنه قيل عند بيان أحوالهم الهائلة : فماذا يصنعون في تضاعيف تلك الشدة ، فقيل : يجعلون الخ .
وقوله تعالى : { مّنَ الصواعق } متعلق بيجعلون أي من أجل الصواعقِ المقارنةِ للرعد ، من قولهم سقاه من الغَيْمة ، والصاعقةُ قُصفةُ رعد تنقضّ معها شعلة نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه . من الصَّعَق وهو شدةُ الصوت ، وبناؤها إما أن يكون صفةً لقصفة الرعد أو للرعد ، والتاء للمبالغة . كما في الرواية ، أو مصدر كالعافية . وقد تطلق على كل هائلٍ مسموع أو مشاهد ، يقال : صَعَقَتْه الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق ، أو بشدة الصوت ، وسدُّ الآذان إنما يفيد على التقدير الثاني دون الأول ، وقرىء من الصواقع وليس ذلك بقلب من الصواعق لاستواء كلا البناءين في التصرف ، يقال : صقَع الديكُ ، وخطيب مِصْقَع أي مُجهِرٌ بخطبته { حَذَرَ الموت } منصوب بيجعلون على العلة وإن كان معرفة بالإضافة كقوله :
وأغفِرُ عوراءَ الكريم ادِّخارَه ... وأصفَحُ عن شتم اللئيم تكرما (1/66)
ولا ضير في تعدد المفعول له ، فإن الفعل يعلل بعلل شتى ، وقيل هو نصب على المصدرية أي يحذرون حذراً مثل حذر الموت ، والحَذر والحذار هو شدة الخوف ، وقرىء حذارَ الموت ، والموتُ زوال الحياة ، وقيل عرَضُ يُضادُّها ، لقوله تعالى : { خَلَقَ الموت والحياة } ورُدّ بأن الخلق بمعنى التقدير والإعدام مقدرة { والله مُحِيطٌ بالكافرين } أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاطُ به المحيطَ ، شبه شمولَ قدرته تعالى لهم ، وانطواءَ ملكوتِه عليهم ، بإحاطة المحيط بما أحاط به في استحالة الفوْت ، أو شَبَّه الهيئةَ المنتزعة من شؤونه تعالى معهم بالهيئة المنتزعة من أحوال المحيط مع المحاط ، فالاستعارة المبنيةُ على التشبيه الأول استعارة تبعيةٌ في الصفة متفرِّعة على ما في مصدرها من الاستعارة والمبنية على الثاني تمثيلية قد اقتُصِر من طرف المشبه به على ما هو العُمدة في انتزاعِ الهيئة المشبَّه بها أعني الإحاطة والباقي منويٌّ بألفاظ متخيَّلةٍ بها يحصُل التركيبُ المعتبر في التمثيل كما مر تحريره في قوله عز وجل : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } والجملة اعتراضية منبهة على أن ما صنعوا من سد الآذان بالأصابع لا يغني عنهم شيئاً فإن القدَرَ لا يدافعُه الحذر ، والحِيَل لا ترد بأس الله عز وجل .
وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجع إلى أصحاب الصيب الإيذانُ بأن ما دَهَمهم من الأمور الهائلة المحكية بسبب كفرهم على منهاج قوله تعالى : { كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ } فإن الإهلاك الناشىءَ من السُخط أشدُّ ، وقيل : هذا الاعتراض من جملة أحوالِ المشبّهِ على أن المراد بالكافرين المنافقون ، قد دل به على أنه لا مدفعَ لهم من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة ، وإنما وُسِّط بين أحوال المشبه مع أن القياس تقديمُه أو تأخيره لإظهار كمال العنايةِ وفرطِ الاهتمام بشأن المشبه .
يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)
{ يَكَادُ البرق } استئناف آخرُ وقع جواباً عن سؤال مقدر ، كأنه قيل : فكيف حالُهم مع ذلك البرق؟ فقيل : يكاد ذلك { يَخْطَفُ أبصارهم } أي يختلِسُها ويستلبها بسرعة ، وكاد من أفعال المقاربة وُضعت لمقاربة الخبر من الوجود لتآخذَ أسبابَه وتعاضِدَ مباديَه لكنه لم يوجد بعدُ لفقد شرطٍ أو لعُروض مانع ، ولا يكون خبرُها إلا مضارعاً عارياً عن كلمة أن ، وشذ مجيئه اسماً صريحاً كما في قوله : (1/67)
فأُبْتُ إلى فهمٍ وما كِدْتُ آيبا ... وكذا مجيئه مع أنْ حملاً لها على عسى في مثل قول رؤبة :
قد كاد من طول البِلى أن يُمْحَصَا ... كما تحمل هي عليها بالحذف لما بينهما من المقارنة في أصل المقاربة وليس فيها شائبة الانشائية كما في عسى ، وقرىء يخطِف بكسر الطاء ويختطف ويَخَطف بفتح الياء والخاء بنقل فتحة التاء إلى الخاء وإدغامها في الطاء ، ويِخِطف بكسرهما على إتباع الياء الخاء ، ويُخَطِّف من صيغة التفعيل ويتخطف من قوله تعالى : { وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ } { كُلَّمَا أَضَاء لَهُم } كل ظرف وما مصدرية والزمان محذوف ، أي كلَّ زمان إضاءةً ، وقيل : ما نكرة موصوفة معناها الوقت والعائد محذوف ، أي كل وقت أضاء لهم فيه والعامل في كلما جوابها ، وهو استئناف ثالث ، كأنه قيل : ما يفعلون في أثناء ذلك الهول ، أيفعلون بأبصارهم ما فعلوا بآذانهم أم لا ، فقيل : كلما نوّر البرقُ لهم ممشىً ومسلكاً على أن أضاء متعدٍ والمفعول محذوف ، أو كلما لمع لهم على أنه لازم ، ويؤيده قراءة { كُلَّمَا أَضَاء } { مَّشَوْاْ فِيهِ } أي في ذلك المسلك أو في مطرح نوره خطوات يسيرة مع خوف أن يخطَف أبصارهم ، وإيثارُ المشي على ما فوقه من السعي والعدو للإشعار بعدم استطاعتهم لهما { وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ } أي خفي البرقُ واستتر ، والمظلم وإن كان غيرَه ، لكن لمّا كان الإظلامُ دائراً على استتاره أُسند إليه مجازاً تحقيقاً لما أريد من المبالغة في موجبات تخبُّطِهم ، وقد جوز أن يكون متعدياً منقولاً من ظلم الليل . ومنه ما جاء في قول أبي تمام :
هما أظلما حاليَّ ثُمّتَ أجليا ... ظلامَيْهما عن وجهِ أمردَ أشيبِ
ويعضُده قراءة أُظلِم على البناء للمفعول { قَامُواْ } أي وقفوا في أماكنهم على ما كانوا عليه من الهيئة متحيرين مترصدين لخفقة أخرى عسى يتسنى لهم الوصول إلى المقصد أو الالتجاء إلى ملجأ يعصِمُهم ، وإيرادُ كلما مع الإضاءة وإذا مع الإظلام للإيذان بأنهم حِراصٌ على المشي ، مترقبون لما يصححه ، فكلما وجدوا فرصة انتهزوها ، ولا كذلك الوقوف ، وفيه من الدلالة على كمال التحير وتطاير اللب ما لا يوصف { وَلَوْ شَاء الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم } كلمة لو لتعليق حصولِ أمرٍ ماض هو الجزاءُ بحصول أمرٍ مفروض فيه هو الشرط لما بينهما من الدوران حقيقة أو ادعاء ، ومن قضية مفروضية الشرطِ دلالتُها على انتفائه قطعاً ، والمنازِعُ فيه مكابر ، وأما دلالتها على انتفاءِ الجزاء فقد قيل وقيل .
والحق الذي لا محيد عنه أنه إن كان ما بينهما من الدوران كلياً أو جزئياً قد بُني الحكم على اعتباره فهي دالةٌ عليه بواسطة مدلولها الوضعيّ لا محالة ، ضرورة استلزام انتفاء العلة لانتفاء المعلول ، أما في مادة الدوران الكلي كما في قوله عز وجل : { وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } وقولك : لو جئتني لأكرمتُك فظاهرٌ لأن وجودَ المشيئة علةٌ لوجود الهداية حقيقةً ، ووجودَ المجيء علةٌ لوجود الإكرام ادعاءً ، وقد انتفيا بحكم المفروضية فاقتضى معلولاهما حتماً ، ثم إنه قد يساق الكلامُ لتعليل انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط كما في المثالين المذكورين وهو الاستعمال الشائعُ لكلمة لو ، ولذلك قيل : هي لامتناع الثاني لامتناع الأول ، وقد تساق للاستدلال بانتفاء الثاني لكونه ظاهراً أو مسلّماً على انتفاء الأولِ لكونه خفياً أو متنازعاً فيه ، كما في قوله سبحانه : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } وفي قوله تعالى : { لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } فإن فسادهما لازمٌ لتعدد الآلهةِ حقيقةً وعدمُ سبقِ المؤمنين إلى الإيمان لازمٌ لخيريته في زعم الكفرة ولا ريبَ في انتفاء اللازمين ، فتعين انتفاءُ الملزومين حقيقة في الأول وادعاءً باطلاً في الثاني ضرورةَ استلزامِ انتفاءِ اللازم لانتفاء الملزوم ، لكن لا بطريق السببية الخارجية ، كما في المثالين الأولين ، بل بطريق الدلالةِ العقلية الراجعةِ إلى سببية العلم بانتفاء الثاني للعلم بانتفاء الأول ، ومن لم يَتَنَبَّه له زعَم أنه لانتفاء الأولِ لانتفاء الثاني . (1/68)
وأما في مادة الدوران الجزئي كما في قولك : لو طلعت الشمسُ لوُجد الضوء ، فلأن الجزاءَ المنوطَ بالشرط الذي هو طلوعُها ليس وجودَ أي ضوء كان كضوء القمر المجامعِ لعدم الطلوع مثلاً ، بل إنما هو وجودُ الضوءِ الخاصِّ الناشىء عن الطلوع ، ولا ريب في انتفائه بانتفاءِ الطلوع ، هذا إذا بُني الحكمُ على اعتبار الدوران ، وأما إذا بني على عدمه فإما أن يعتبرَ هناك تحققُ مدارٍ آخرَ له أو لا ، فإن اعتبر فالدلالةُ تابعةٌ لحال ذلك المدار ، فإن كان بينه وبين انتفاءِ الأول منافاةٌ تُعيِّن الدلالة كما إذا قلت : لو لم تطلُع الشمسُ لوجد الضوء ، فإن وجود الضوء وإن عُلِّق صورةً بعدم الطلوع لكنه في الحقيقة معلَّق بسبب آخرَ له ، ضرورةَ أن عدم الطلوعِ من حيث هو ليس مداراً لوجود الضوء في الحقيقة ، وإنما وضع موضعَ المدار لكونه كاشفاً عن تحقق مدارٍ آخر له ، فكأنه قيل : لو لم تطلعِ الشمسُ لوجد الضوء بسبب آخرَ كالقمر مثلاً . ولا ريب في أن هذا الجزاءَ منتفٍ عند انتفاء الشرط لاستحالة وجودِ الضوء القمَري عند طلوع الشمس ، وإن لم يكن بينهما منافاةٌ تعيِّن عدمَ الدلالة كما في قوله صلى الله عليه وسلم في بنت أبي سلمة :
" لو لم تكن ربيبتي في حِجْري ما حلَّت لي لأنها ابنة أخي من الرضاعة " فإن المدار المعتبرَ في ضمن الشرط أعني كونها ابنةِ أخيه عليه السلام من الرضاعة غيرُ منافٍ لانتفائه الذي هو كونُها ربيبتَه عليه السلام ، بل مجامعٌ له ، ومن ضرورته مجامعةُ أثرَيهما أعني الحرمة الناشئةَ من كونها ربيبته عليه السلام ، والحرمةَ الناشئة من كونها ابنةَ أخيه من الرضاعة . وإن لم يعتبر هناك تحققُ مدارٍ آخرَ بل بني الحكمُ على اعتبار عدمِه فلا دلالة لها على ذلك أصلاً . (1/69)
كيف لا ومساق الكلام حينئذ لبيانِ ثبوتِ الجزاء على كل حال بتعليقه بما ينافيه ليُعلم ثبوتُه عند وقوعِ ما لا ينافيه بالطريق الأولى ، كما في قوله عز وجل : { قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ } وقوله عليه السلام : " لو كان الإيمانُ في الثريا لناله رجالٌ من فارس " وقولِ علي رضي الله عنه : «لو كُشفَ الغطاءُ ما ازددتُ يقيناً» فإن الأجزيةَ المذكورة قد نيطت بما ينافيها ويستدعي نقائضَها ، إيذاناً بأنها في أنفسها بحيث يجب ثبوتُها مع فرض انتفاءِ أسبابها أو تحققِ انتفاء أسبابها ، فكيف إذا لم يكن كذلك على طريقة لو الوصلية ، في مثل قوله تعالى : { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } ولها تفاصيلُ وتفاريعُ حررناها في تفسير قوله تعالى : { أَوَلَوْ كُنَّا كارهين } وقول عمرَ رضي الله عنه : «نعم العبدُ صهيبٌ لو لم يخَفِ الله لم يعصِه» إنْ حُمل على تعليق عدمِ العصيان في ضمن عدمِ الخوف بمدارٍ آخرَ نحوُ الحياء والإجلالِ وغيرهما مما يجامِعُ الخوفَ كان من قبيل حديث ابنةِ أبي سلمة ، وإن حُمل بيانُ استحالة عصيانه مبالغةً كان من هذا القبيل ، والآية الكريمة ، واردة على الاستعمال الشائعِ مفيدةٌ لكمال فظاعة حالِهم وغايةِ هول ما دهَمهم من المشاقّ ، وأنها قد بلغت من الشدة إلى حيث لو تعلقت مشيئةُ الله تعالى بإزالة مشاعرِهم لزالت ، لتحقق ما يقتضيه اقتضاءً تاماً ، وقيل : كلمة ( لو ) فيها لربط جزائها بشرطِها مجردةً عن الدلالة على انتفاء أحدِهما لانتفاء الآخر بمنزلة كلمة أن ، ومفعولُ المشيئة محذوفٌ جرياً على القاعدة المستمرة فإنها إذا وقعت شرطاً وكان مفعولُها مضموناً للجزاء فلا يكاد يُذكر إلا أن يكون شيئاً مستغرباً كما في قوله :
فلو شئتُ أن أبكِي دماً لبَكَيْتُه ... عليه ولكن ساحةُ الصبر أوسعُ
أي لو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لفعل ، ولكن لم يشأ لما يقتضيه من الحِكَم والمصالح ، وقرىء لذهب بأسماعهم على زيادة الباء كما في قوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } الآية ، والإفرادُ في المشهورة ، لأن السمع مصدر في الأصل ، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها من الجمل الاستئنافية ، وقيل : على كلما أضاء الخ ، وقوله عز وجل : { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } تعليلٌ للشرطية وتقريرٌ لمضمونها الناطقِ بقدرته تعالى على إزالة مشاعرِهم بالطريق البرهاني ، والشيءُ بحسب مفهومِه اللغوي يقعُ على كل ما يصِحّ أن يُعلم ويُخبَرَ عنه كائناً ما كان ، على أنه في الأصل مصدر شاء أُطلِقَ على المفعول واكتُفي في ذلك باعتبار تعلقِ المشيئةِ به من حيث العلمُ والإخبارُ عنه فقط ، وقد خصَّ ههنا بالممكن موجوداً كان أو معدوماً بقضية اختصاصِ تعلقِ القدرة به ، لما أنه عبارةٌ عن التمكين من الإيجاد والإعدام الخاصَّيْن به ، وقيل : هي صفةٌ تقتضي ذلك التمكينَ ، والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأْ لم يفعل ، والقديرُ هو الفعّال لكل ما يشاء كما يشاء ، ولذلك لم يوصَفْ به غيرُ الباري جل جلاله وتقدست أسماؤه ، ومعنى قدرتِه تعالى على الممكن الموجود حالَ وجوده أنه إن شاء إبقاءَه على الوجود أبقاه عليه ، فإن علةَ الوجود هي علةُ البقاء ، وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى : { رَبّ العالمين } وإن شاء إعدامَه أعدمه ، ومعنى قدرته على المعدوم حالَ عدمِه أنه إن شاء إيجادَه أوجده وإن لم يشأْ لم يوجِدْه ، وقيل : قدرةُ الإنسان هيئةٌ بها يتمكن من الفعل والترك ، وقدرةُ الله تعالى عبارة عن نفي العجز ، واشتقاقُ القدرة من القَدْر لأن القادر يوقع الفعل بقدْر ما تقتضيه إرادته أو بقدر قوتِه ، وفيه دليل على أن مقدورَ العبد مقدورٌ لله تعالى حقيقة ، لأنه شيء وكلُّ شيء مقدورٌ له تعالى .
واعلم أن كلَّ واحد من التمثيلين وإن احتمل أن يكون من قبيل التمثيل المفرق كما في قوله : (1/70)
كأن قلوبَ الطير رَطْباً ويابسا ... لدى وَكرها العُنّابُ والحَشَفُ البالي
بأن يُشبَّه المنافقون في التمثيل الأول بالمستوقدين وهُداهم الفطريُّ بالنار وتأييدُهم إياه بما شاهدوه من الدلائل باستيقادها وتمكنِهم التامِّ من الانتفاع به بإضاءتها ما حولهم وإزالته بإذهاب النور الناري ، وأخذ الضلالة بمقابلته بملابستهم الظلماتِ الكثيفة وبقائهم فيها ، ويشبهوا في التمثيل الثاني بالسابلة ، والقرآنُ وما فيه من العلوم والمعارفِ التي هي مدارُ الحياة الأبدية بالصيب الذي هو سببُ الحياة الأرضيةِ وما عَرَض لهم بنزوله من الغموم والأحزان وانكساف البال بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعدِ والبرقِ وتصامِّهم عما يقرَع أسماعَهم من الوعيد بحال من يَهُولُه الرعدُ والبرق فيخاف صواعقَه فيسدُّ أذنه عنها ، ولا خلاصَ له منها ، واهتزازُهم لِمَا يلمع لهم من رَشَدٍ يدركونه أو رِفد يُحرِزونه بمشيهم في مَطْرَحِ ضوء البرق ، كلما أضاء لهم ، وتحيُّرهم في أمرهم حين عنَّ لهم مصيبةٌ بوقوفهم إذا أظلم عليهم .
لكن الحملَ على التمثيل المركب الذي لا يعتبر فيه تشبيهُ كلِّ واحدٍ من المفردات الواقعة في أحد الجانبين بواحدٍ من المفردات الواقعة في الجانب الآخر على وجه التفصيل ، بل يُنتزع فيه من المفردات الواقعة في جانب المشبَّه هيئةٌ فتُشبَّهُ بهيئةٍ أخرى منتزعةٍ من المفردات الواقعة في جانب المشبَّه به بأن يُنتزع من المنافقين وأحوالهم المفصلة في كل واحد من التمثيلين هيئةٌ بحِيالها فتُشبَّه كلَّ واحدةٍ من الأوليين بما يضاهيها من الأُخْرَيين هو الذي يقتضيه جزالةُ التنزيل ويستدعيه فخامةُ شأنه الجليلِ لاشتماله على التشبيه الأولِ إجمالاً مع أمرٍ زائدٍ هو تشبيهُ الهيئة بالهيئة وإيذانُه بأن اجتماعَ تلك المفردات مستتبعٌ لهيئة عجيبةٍ حقيقةٍ بأن تكون مثلاً في الغرابة .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)
{ ياأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ } إثرَ ما ذكر الله تعالى من علو طبقة كتابه الكريم وتحزُّب الناس في شأنه إلى ثلاث فرقٍ : مؤمنةٍ به محافظةٍ على ما فيه من الشرائع والأحكام . وكافرةٍ قد نبذتْه وراءَ ظهرِها بالمجاهرة والشقاق ، وأخرى مذبذبةٍ بينهما بالمخادعة والنفاق ، ونعْتِ كل فرقةٍ منها بما لَها من النعوت والأحوال وبين ما لهم من المصير والمآل أقبل عليهم بالخطاب على نهج الالتفات هزاً لهم إلى الإصغاء وتوجيهاً لقلوبهم نحو التلقي ، وجبراً لما في العبادة من الكُلفة بلذة الخطاب ، فأمرهم كافةً بعبادته ونهاهم عن الإشراك به ، و ( يا ) حرفٌ وضع لنداء البعيد ، وقد ينادى به القريبُ تنزيلاً له منزلةَ البعيد إما إجلالاً كما في قول الداعي : يا ألله ويا ربِّ ، وهو أقربُ إليه من حبل الوريد استقصاراً لنفسه واستبعاداً لها من محافل الزلفى ومنازلِ المقربين ، وإما تنبيهاً على غفلته وسوءِ فهمِه وقد يُقصد به التنبيهُ على أن ما يعقبُه أمرٌ خطير يعتنى بشأنه ، و ( أيُّ ) اسمٌ مبهمٌ جعل وصلُه إلى نداء المعرف باللام لا على أنه المنادى أصالةً بل على أنه صفةٌ موضحة له مُزيلة لإبهامه ، والتُزم رفعُه مع انتصاب موصوفه محلاً إشعاراً بأنه المقصود بالنداء . وأُقحمَتْ بينهما كلمةُ التنبيه تأكيداً لمعنى النداء وتعويضاً عما يستحقه أي من المضاف إليه ، ولِما ترى من استقلالِ هذه الطريقة بضروبٍ من أسباب المبالغةِ والتأكيد كثُر سلوكُها في التنزيل المجيد ، كيف لا وكلُّ ما ورد في تضاعيفه على العباد من الأحكام والشرائع وغير ذلك خطوبٌ جليلةٌ حقيقةٌ بأن تقشعِرَّ منها الجلودُ وتطمئنَّ بها القلوبُ الأبية ، ويتلَقَّوْها بآذانٍ واعية ، وأكثرهم عنها غافلون ، فاقتضى الحالُ المبالغةَ والتأكيدَ في الإيقاظ والتنبيه والمرادُ بالناس كافةُ المكلفين الموجودين في ذلك العصر ، لما أن الجموعَ وأسماءَها المحلاة باللام للعموم بدليل صحة الاستثناءِ منها والتأكيدِ بما يفيد العمومَ كما في قوله تعالى : { فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } واستدلالِ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين بعمومها شائعاً ذائعاً ، وأما مَنْ عداهم ممن سيوجد منهم فغيرُ داخلين في خطاب المشافهة ، وإنما دخولُهم تحت حُكْمِه لما تواتر من دينه صلى الله عليه وسلم ، ضرورةَ أن مقتضى خطابه وأحكامِه شاملٌ للموجودين من المكلفين ولمن سيوجد منهم إلى قيام الساعة ، ولا يَقدح في العموم ما رُوي عن علقمةَ والحسنِ البصري من أن كلَّ ما نزل فيه { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } فهو مكي ، إذ ليس من ضرورة نزولِه بمكة شرفها الله تعالى اختصاصُ حُكمِه بأهلها ولا من قضية اختصاصِه بهم اختصاصُه بالكفار ، إذ لم يكن كلُّ أهلها حينئذٍ كفرةً ، ولا ضيرَ في تحقق العبادة في بعض المكلفين قبل ورود هذا الأمر لما أن المأمورَ به القدرُ المشترك الشاملُ لإنشاء العبادةِ والثباتِ عليها والزيادةِ فيها ، مع أنها متكررة حسب تكررِ أسبابها ولا في انتفاء شرطها في الآخرين منهم أعني الإيمان لأن الأمرَ بها منتظِمٌ للأمر بما لا تتم إلا به وقد عُلم من الدين ضرورةً اشتراطُها به فإن أمرَ المحْدِث بالصلاة مستتبع للأمرِ بالتوضّي لا محالة . (1/71)
وقد قيل : المراد بالعبادة ما يعُمّ أفعالَ القلبِ أيضاً لما أنها عبارةٌ عن غاية التذلُّلِ والخضوعِ . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن كل ما ورد في القرآن من العبادات فمعناها التوحيد ، وقيل معنى اعبدوا : وحِّدوا وأطيعوا ، ولا شك في كون بعضٍ من الفِرْقتين الأخيرتين ممن لا يُجدي فيهم الإنذارُ بموجب النصِّ القاطعِ ، لما أن الأمرَ لقطع الأعذار ليس فيه تكليفُهم بما ليس في وُسعهم من الإيمان بعدم إيمانهم أصلاً ، إذ لا قطعَ لأحدٍ منهم بدخوله في حكم النص قطعاً ، وورد النص بذلك لكونهم في أنفسهم بسوء اختيارهم كذلك لا أن كونَهم كذلك لورود النص بذلك ، فلا جبر أصلاً . (1/72)
نعم لتخصيص الخطاب بالمشركين وجهٌ لطيفٌ ستقف عليه عند قوله تعالى : { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } وإيراده تعالى بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأكيد موجب الأمرِ بالإشعار بعلّيتها للعبادة { الذى خَلَقَكُمْ } صفة أُجريت عليه سبحانه للتبجيل والتعليل إثرَ التعليل وقد جُوِّز كونُها للتقييد والتوضيح بناءً على تخصيص الخطاب بالمشركين ، وحملِ الربِّ على ما هو أعمُّ من الرب الحقيقي ، والآلهة التي يسمونها أرباباً ، والخلق إيجاد الشيء على تقديرٍ واستواءٍ ، وأصله التقدير ، يقال : خلق النعلَ أي قدَّرها وسواها بالمقياس ، وقرىء خلقكم بإدغام القاف في الكاف { والذين مِن قَبْلِكُمْ } عطفٌ على الضمير المنصوب ومتممٌ لما قصد من التعظيم والتعليل ، فإن خلقَ أصولهم من موجبات العبادة كخلق أنفسهم ، ومن ابتدائية متعلقةٌ بمحذوف أي كانوا من زمان قبلَ زمانكم ، وقيل : خلقَهم من قبلِ خلقِكم فحُذف الخلقُ وأقيم الضميرُ مُقامَه ، والمرادُ بهم مَنْ تقدّمهم من الأمم السالفة كافة ومن ضرورة عمومِ الخطابِ بيانُ شمولِ خلقِه تعالى للكل ، وتخصيصُه بالمشركين يؤدي إلى عدم التعرضِ لخلقِ مَنْ عداهم من معاصريهم ، وإخراجُ الجملةُ مُخرجَ الصلةِ التي حقُها أن تكون معلومةَ الانتساب إلى الموصول عندهم أيضاً مع أنهم غيرُ معترفين بغاية الخلق وإن اعترفوا بنفسه كما ينطِق به قوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله } للإيذان بأن خلقهم للتقوى من الظهور بحيث لا يتأتى لأحدٍ إنكارُه ، وقرىء وخلق مَنْ قبلَكم ، وقرىء والذين مَنْ قبلكم بإقحام الموصول الثاني بين الأول وصلته توكيداً كإقحام اللام بين المضافين في لا أبا لك ، أو بجعله موصوفاً بالظرف خبراً لمبتدأ محذوف ، أي الذين هم أناس كائنون من قبلكم { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } المعنى الوضعي لكلمة لعل هو إنشاءُ توقع أمرٍ مترددٍ بين الوقوع وعدمِه مع رجحان الأول إما محبوبٍ فيسمى ترجياً ، أو مكروهٍ فيسمَّى إشفاقاً ، وذلك المعنى قد يعتبر تحققُه بالفعل إما من جهة المتكلم كما في قولك : لعل الله يرحمني وهو الأصلُ الشائعُ في الاستعمال .
لأن معانيَ الانشاءاتِ قائمةٌ به وإما من جهة المخاطب تنزيلاً له منزلةَ المتكلم في التلبّس التام بالكلام الجاري بينهما ، كما في قوله سبحانه : { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } وقد يعتبر تحققُه بالقوة بضربٍ من التجوز إيذاناً بأن ذلك الأمرَ في نفسه مَئنّةٌ للتوقع متصفٌ بحيثية مصححةٍ له من غير أن يعتبر هناك توقعٌ بالفعل من متوقَعٍ أصلاً . (1/73)
فإن روعِيَتْ في الآية الكريمة جهةُ المتكلم يستحيلُ إرادةُ ذلك المعنى لامتناع التوقعِ من علاّم الغيوب عز وجل فيُصار إما إلى الاستعارة بأن يُشبَّه طلبُه تعالى من عباده التقوى مع كونهم مئنةً لها لتعاضُد أسبابها برجاء الراجي من المرجوَّ منه أمراً هيِّنَ الحصول في كون متعلَّقِ كلَ منهما متردداً بين الوقوع وعدمِه مع رجحان الأول ، فيستعار له كلمةُ لعل استعارةً تبعية حرفيةً للمبالغة في الدلالة على قوة الطلب وقُربِ المطلوب من الوقوع ، وإما إلى التمثيل بأن يلاحَظَ خلقُه تعالى إياهم مستعدين للتقوى وطلبُه إياها منهم وهم متمكنون منها جامعون لأسبابها ، ويُنتزَعُ من ذلك هيئةٌ فتُشبَّه بهيئةٍ منتزعة من الراجي ورجائه من المرجو منه شيئاً سهلَ المنال ، فيستعمل في الهيئة الأولى ما حقه أن يستعمل في الثانية ، فيكون هناك استعارةٌ تمثيلية قد صُرِّح من ألفاظها بما هو العُمدة في انتزاع الهيئةِ المشبَّه بها أعني كلمةَ الترجي ، والباقي منويٌّ بألفاظٍ متخيَّلة بها يحصُل التركيبُ المعتبرُ في التمثيل كما مر مراراً ، وأما جعلُ المشبهِ إرادتَه تعالى في الاستعارة والتمثيل فأمرٌ مؤسَّسٌ على قاعدة الاعتزال القائلة بجواز تخلّفِ المراد عن إرادتِه تعالى ، فالجملةُ حالٌ إما من فاعل خلقكم أي طالباً منكم التقوى أو من مفعوله ، وما عُطف عليه بطريق تغليبِ المخاطبين على الغائبين ، لأنهم المأمورون بالعبادة أي خلقكم وإياهم مطلوباً منكم التقوى ، أو علةٌ له ، فإن خلقَهم على تلك الحال في معنى خلقِهم لأجل التقوى ، كأنه قيل : خلقكم لتتقوا ، أو كي تتقوا ، إما بناءً على تجويز تعليلِ أفعاله تعالى بأغراضٍ راجعةٍ إلى العباد كما ذهب إليه كثيرٌ من أهل السنة ، وإما تنزيلاً لترتُّب الغاية على ما هي ثمرةٌ له منزلةَ ترتبِ الغرض على ما هو غرضٌ له ، فإن استتباعَ أفعاله تعالى لغاياتِ ومصالحَ متقنةٍ جليلة من غير أن تكون هي علةٌ غائيةٌ لها بحيث لولاها لما أَقدَم عليها مما لا نزاع فيه ، وتقييدُ خلقهم بما ذكر من الحال أو العلة لتكميل عِلّيته للمأمورِ به وتأكيدِها ، فإن إتيانَهم بما خُلقوا له أدخَلُ في الوجوب ، وإيثارُ تتقون على تعبُدون مع موافقته لقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } للمبالغة في إيجابِ العبادةِ والتشديدِ في إلزامها ، لما أن التقوى قُصارى أمرِ العابد ومنتهى جُهده ، فإذا لزمتهم التقوى كان ما هو أدنى منها ألزمَ ، والإتيانُ به أهونَ .
وإن روعيت جهةُ المخاطبِ فلعل في معناها الحقيقي ، والجملة حالٌ من ضمير اعبدوا ، كأنه قيل : اعبدوا ربكم راجين للانتظام في زُمرة المتقين الفائزين بالهدى والفلاح . (1/74)
( بيان المراد بالتقوى )
على أن المرادَ بالتقوى مرتبتُها الثالثة ، التي هي التبتلُ إلى الله عز وجل بالكلية ، والتنزُّه عن كل ما يشغل سرَّه عن مراقبته ، وهي أقصى غايات العبادة التي يتنافس فيها المتنافسون ، وبالانتظام القدرَ المشتركَ بين إنشائه والثباتِ عليه ليرتجيَه أربابُ هذه المرتبة وما دونها من مرتبتي التوقي عن العذاب المخلد ، والتجنّبِ عن كل ما يُؤثم من فعل أو تركٍ كما مر في تفسير المتقين .
ولعل توسيطَ الحال من الفاعل بين وصْفي المفعول لما في التقديم من فوات الإشعارِ بكون الوصفِ الأول معظمَ أحكام الربوبية ، وكونِه عريقاً في إيجاب العبادة وفي التأخير من زيادة طول الكلام ، هذا على تقدير اعتبارِ تحققِ التوقعِ بالفعل ، فأما إن اعتُبر تحققُه بالقوة فالجملةُ حال من مفعول خلقكم ، وما عطف عليه على الطريقة المذكورة أي خلقكم وإياهم حالَ كونكم جميعاً بحيث يرجو منكم كلُّ راج أن تتقوا ، فإنه سبحانه وتعالى لما بَرَأهم مستعدين للتقوى ، جامعين لمباديها الآفاقية والأنفسية ، كان حالهم بحيث يرجو منهم كلُّ راجٍ أن يتقوا لا محالة ، وهذه الحالة مقارنةٌ لخلقهم وإن لم يتحقق الرجاء قطعاً .
واعلم أن الآية الكريمةَ مع كونها بعبارتها ناطقةً بوجوب توحيده تعالى وتحتّم عبادتِه على كافة الناس مرشدةٌ لهم بإشارتها إلى أن مطالعةَ الآياتِ التكوينيةِ المنصوبةِ في الأنفس والآفاقِ مما يقضي بذلك قضاءً متقناً ، وقد بين فيها أولاً من تلك الآيات ما يتعلق بأنفسهم من خلقهم وخلقِ أسلافِهم لما أنه أقوى شهادةً وأظهرُ دلالة ، ثم عقب بما يتعلق بمعاشهم فقيل :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)
{ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الارض فِرَاشاً } وهو في محل النصب على أنه صفة ثانيةٌ لربكم ، موضحة أو مادحة ، أو على تقدير أخُص أو أمدَح ، أو في محل الرفع على المدح والتعظيم بتقدير المبتدأ ، قال ابن مالك : التُزم حذفُ الفعل في المنصوب على المدح إشعاراً بأنه إنشاء كما في المنادى ، وحُذف المبتدأ في المرفوع إجراءً للوجهين على سَننٍ واحد ، وأما كونُه مبتدأً خبرُه فلا تجعلوا كما قيل ، فيستدعي أن يكونَ مناطُ النهي ما في حين الصلة فقط من غير أن يكون لما سلف من خلقهم وخلقِ مَنْ قبلهم مدخلٌ في ذلك مع كونه أعظمَ شأناً ، وجعل بمعنى صيّر ، والمنصوبان بعده مفعولاه ، وقيل : هي بمعنى خلق ، وانتصابُ الثاني على الحالية والظرفُ متعلقٌ به على التقديرين ، وتقديمُه على المفعول الصريح لتعجيل المسَرَّة ببيان كون ما يعقُبه من منافع المخاطبين ، وللتشويق إليه ، لأن النفسَ عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ لا سيما عند الإشعار بمنفعته تبقى مترقبةً له ، فيتمكن لديها عند ورودِه عليها فضلُ تمكن ، أو لما في المؤخَّر وما عطف عليه من نوع طول . فلو قدُم لفات تجاوبُ أطرافِ النظم الكريم ، ومعنى جعلها فراشاً جعل بعضَها بارزاً من الماء مع اقتضاء طبعها الرسوبَ ، وجعلها متوسطةً بين الصلابة واللين صالحةً للقعود عليها والنوم فيها كالبساط المفروش ، وليس من ضرورة ذلك كونُها سطحاً حقيقياً ، فإن كرويةَ شكلِها مع عظم جِرْمها مصححٌ لافتراشها ، وقرىء بساطاً ومِهاداً . (1/75)
{ والسماء بِنَاء } عطفٌ على المفعولين السابقين ، وتقديمُ حالِ الأرض لما أن احتياجَهم إليها وانتفاعَهم بها أكثرُ وأظهر ، أي جعلها قُبة مضروبةً عليكم ، والسماءُ اسم جنسٍ يُطلق على الواحد والمتعدد ، أو جمع سماوة أو سماءة ، والبناءُ في الأصل مصدرٌ سُمِّي به المبنيُّ بيتاً كان أو قُبةً أو خِباءً ، ومنه قولُهم : بنى على امرأته لما أنهم كانوا إذا تزوجوا امرأةً ضربوا عليها خِباءً جديداً .
{ وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } عطفٌ على جعل أي أنزل من جهتها ، أو منها إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض ، كما رُوي ذلك عنه عليه الصلاة والسلام أو المرادُ بالسماء جهةُ العلو كما ينبىء عنه الإظهارُ في موضع الإضمار ، وهو على الأولين لزيادة التقرير ، و ( من ) لابتداء الغايةِ متعلقةٌ بأنزل أو بمحذوفٍ وقع حالاً من المفعول أي كائناً من السماء ، قُدِّم عليه لكونه نكرةً ، وأما تقديمُ الظرفِ على الوجه الأول مع أن حقه التأخيرُ عن المفعول الصريح فإما لأن السماءَ أصلُه ومبدؤه ، وإما لما مر من التشويق إليه مع ما فيه من مزيد انتظامٍ بينه وبين قوله تعالى : { فَأَخْرَجَ بِهِ } أي بسبب الماء { مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } .
وذلك بأن أوْدَعَ في الماء قوةً فاعلة وفي الأرض قوةً منفعلة ، فتولَّد من تفاعُلِهما أصنافُ الثمار ، أو بأن أجرى عادتَه بإفاضة صورِ الثمار وكيفيتها المخالفة على المادة الممتزجة منها وإن كان المؤثرَ في الحقيقة قدرتُه تعالى ومشيئتُه ، فإنه تعالى قادر على أن يوجِدَ جميعَ الأشياء بلا مباد وموادَّ كما أبدع نفوسَ المبادىءِ والأسباب ، لكن له عز وجل في إنشائها متقلبةً في الأحوال ، ومتبدلةً في الأطوار من بدائعَ حِكَمٌ باهرةٌ تُجَدِّدُ لأولي الأبصار عِبراً ومزيدَ طُمَأنينة إلى عظيم قدرتِه ولطيفِ حكمتِه ما ليس في إبداعها بغتة ، و ( من ) للتبعيض لقوله تعالى : { فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ } ولوقوعها بين مُنكَّرين ، أعني ماءً ورزقاً كأنه قيل : وأنزل من السماء بعضَ الماء فأخرج به بعضَ الثمرات ليكون بعضَ رزقكم ، وهكذا الواقعُ إذ لم ينزل من السماء كلُّ الماء ، ولا أخرج من الأرض كل الثمرات ، ولا جعل كلَّ المرزوق ثماراً ، أو للتبيين ، ورزقاً مفعول بمعنى المرزوق ، ومن الثمرات بيانٌ له ، أو حال منه كقولك : أنفقت من الدراهم ألفاً ، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعولاً ورزقاً حالاً منه أو مصدراً من أخرج ، لأنه بمعنى رزق .
وإنما شاع ورودُ الثمرات دون الثمار مع أن الموضع موضعُ كثرة لأنه أريد بالثمرات جماعة الثمرة في قولك : أدركتْ ثمرةُ بستانه ، ويؤيده القراءة على التوحيد ، أو لأن الجموعَ يقعُ بعضها موقعَ بعض ، كقوله تعالى : { كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات وَعُيُونٍ } وقوله تعالى : { ثلاثة قُرُوء } أو لأنها مُحلاة باللام خارجةٌ عن حد القِلة ، واللامُ متعلقة بمحذوفٍ وقع صفةً لرزقا على تقدير كونه بمعنى المرزوق ، أي رزقاً كائناً لكم ، أو دِعامةً لتقوية عمل رزقاً على تقدير كونِه مصدراً ، كأنه قيل : رزقاً إياكم . (1/76)
{ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } إما متعلقٌ بالأمر السابق مترتِّبٌ عليه ، كأنه قيل : إذا أمرتم بعبادة مَنْ هذا شأنه من التفرد بهذه النعوت الجليلة والأفعال الجميلة فلا تجعلوا له شريكاً ، وإنما قيل : أنداداً باعتبار الواقع ، لا لأن مدارَ النهي هو الجمعية ، وقرىء نِدّا ، وإيقاعُ الاسم الجليل موقعَ الضمير لتعيين المعبودِ بالذاتِ إثرَ تعيينه بالصفات ، وتعيينِ الحُكمِ بوصف الألوهية التي عليها يدور أمرُ الوحدانية واستحالةُ الشِّرْكة ، والإيذانِ باستتباعها لسائر الصفات ، وإما معطوفٌ عليه كما في قوله تعالى : { اعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } والفاء للإشعار بعِلّية ما قبلها من الصفات المُجراة عليه تعالى للنهي أو الانتهاء أو لأن مآلَ النهْي هو الأمرُ بتخصيص العبادة به تعالى ، المترتبُ على أصلها ، كأنه قيل : اعبدوه فخُصُّوها به ، والإظهارُ في موضع الإضمار لما مر آنفاً ، وقيل : هو نفيٌ منصوبٌ بإضمار أن جواباً للأمر ، ويأباه أن ذلك فيما يكون الأول سبباً للثاني . ولا ريب في أن العبادة لا تكون سبباً للتوحيد ، الذي هو أصلُها ومبناها .
وقيل : هو منصوبٌ بلعل نصبَ ( فَأَطَّلِعَ ) في قوله تعالى : { لَّعَلّى أَبْلُغُ الاسباب * أسباب * السموات فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى }
أي خلقكم لتتقوا وتخافوا عقابه فلا تُشْبِهوه بخلقه ، وحيث كان مدارُ هذا النصب تشبيهَ لعل في بُعْد المرجوِّ بليت كان فيه تنبيهٌ على تقصيرهم بجعلهم المرجوِّ القريبَ بمنزلة المتمنى البعيد ، وقيل : هو متعلِّق بقوله تعالى : { الذى جَعَلَ } الخ ، على تقدير رفعِه على المدح ، أي هو الذي خصّكم بهذه الآياتِ العظامِ والدلائل النيِّرة ، فلا تتخذوا له شركاءَ ، وفيه ما مر من لزوم كون خلقهم وخلقِ أسلافِهم بمعزل من مناطية النهي مع عراقتهما فيها . وقيل : هو خبرٌ للموصول بتأويل مَقولٍ في حقه ، وقد عرفت ما فيه مع لزوم المصير إلى مذهب الأخفش في تنزيل الاسم الظاهرِ منزلةَ الضمير كما في قولك : زيدٌ قام أبو عبد الله إذا كان ذلك كنيتَه . (1/77)
والند المثل المساوي من ندّ ندُوداً إذا نفر ، ونادَدْتُه خالفته ، خُص بالمخالف المماثل بالذات كما خص المساوي بالمماثل في المقدار ، وتسميةَ ما يعبده المشركون من دون الله أنداداً والحال أنهم ما زعموا أنها تماثله تعالى في صفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله لما أنهم لما تركوا عبادته تعالى إلى عبادتها ، وسمَّوْها آلهةً شابهتْ حالُهم حالَ من يعتقد أنها ذواتٌ واجبةُ بالذات ، قادرة على أن تدفع عنهم بأسَ الله عز وجل ، وتمنحهم ما لم يُرد الله تعالى بهم من خير ، فتهكّمٌ بهم ، وشُنِّع عليهم أن جعلوا أنداداً لمن يستحيل أن يكون له ندٌّ واحد وفي ذلك قال موحِّد الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل :
أربّاً واحداً أم ألفَ رب ... أدينُ إذا تقسَّمت الأمورُ
تركتُ اللاتَ والعزّى جميعا ... كذلك يفعل الرجلُ البصير
وقوله تعالى : { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } حال من ضمير لا تجعلوا بصرف التقييد إلى ما أفاده النهي من قُبح المنهي عنه ووجوبِ الاجتنابِ عنه ، ومفعول تعلمون مطروحٌ بالكلية كأنه قيل : لا تجعلوا ذلك فإنه قبيحٌ واجبُ الاجتناب عنه ، والحال أنكم من أهل العلم والمعرفة بدقائق الأمورِ وإصابة الرأي ، أو مقدرٌ حسبما يقتضيه المقام ، نحو وأنتم تعلمون بطلان ذلك ، أو تعلمون أنه لا يماثله شيء ، أو تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت ، أو تعلمون أنها لا تفعل مثلَ أفعاله كما في قوله تعالى : { هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء } أو غير ذلك .
وحاصلُه تنشيطُ المخاطبين وحثُّهم على الانتهاء عما نُهوا عنه ، هذا هو الذي يستدعيه عمومُ الخطاب في النهي بجعل المنهي عنه القدرَ المشتركَ المنتظِمَ لإنشاء الانتهاءِ كما هو المطلوبُ من الكفرة ، وللثبات عليه كما هو شأنُ المؤمنين حسبما مر مثلُه في الأمر ، وأما صرفُ التقييد إلى نفس النهي فيستدعي تخصيصَ الخطاب بالكفرة لا محالة إذ لا يتسنى ذلك بطريق قصرِ النهي على حالة العلمِ ضرورةَ شمولِ التكليفِ للعالم والجاهلِ المتمكنِ من العلم بل إنما يتأتى بطريق المبالغة في التوبيخ والتقريع ، بناءً على أن تعاطيَ القبائحِ من العالمِين بقُبحها أقبحُ وذلك إنما يُتصور في حق الكفرة ، فمَنْ صرَفَ التقييدَ إلى نفس النهي مع تعميم الخطاب للمؤمنين أيضاً فقد نأى عن التحقيق .
إن قلت : أليس في تخصيصه بالكفرة في الأمر والنهي خلاصٌ من أمثال ما مر من التكلفات وحسنُ انتظامٍ بين السباقِ والسياق ، إذ لا محيدَ في آية التحدي من تجريد الخطابِ ، وتخصيصُه بالكفرة لا محالة مع ما فيه من رِباء محل المؤمنين ورفع شأنهم عن حيز الانتظام في سلك الكفرة والإيذان بأنهم مستمرون على الطاعة والعبادة حسبما مر في صدر السورة الكريمة مستغنون في ذلك عن الأمر والنهي؟ قلت : بلى إنه وجهٌ سَرِيٌّ ، ونهج سوي ، لا يضِلُّ من ذهب إليه ولا يزِلُّ من ثبَّت قدمَه عليه ، فتأمل . (1/78)
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)
{ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } شروعٌ في تحقيق أن الكتابَ الكريم الذي من جُملته ما تلي من الآيتين الكريمتين ، الناطقتين بوجوب العبادةِ والتوحيدِ منزلٌ من عند الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما أن ما ذكر فيهما من الآيات التكوينيةِ الدالةِ على ذلك صادرة عنه تعالى لتوضيح اتصافِه بما ذكر في مطلَعِ السورةِ الشريفة من النعوتِ الجليّةِ التي من جملتها نزاهتُه عن أن يعتريَه ريبٌ ما ، والتعبيرُ عن اعتقادهم في حقه بالريب مع أنهم جازمون بكونه من كلام البشر كما يُعرب عنه قوله تعالى : { إِن كُنتُمْ صادقين } إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدورُه عنهم وإن كانوا في غاية ما يكونُ من المكابرة والعِناد هو الارتيابُ في شأنه ، وأما الجزمُ المذكورُ فخارجٌ من دائرة الاحتمال ، كما أن تنكيرَه وتصديرَه بكلمة الشكِّ للإشعار بأن حقَّه أن يكون ضعيفاً مشكوكَ الوقوع ، وإما للتنبيه على أن جزمَهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمالِ وضوحِ دلائلِ الإعجازِ ونهايةِ قوتِها . (1/79)
وإنما لم يقل وإن ارتبتم فيما نزلنا الخ ، لما أشير إليه فيما سَلَف من المبالغة في تنزيه ساحةِ التنزيلِ عن شائبة وقوعِ الريب فيه حسْبما نطَق به قولُه تعالى : { لاَ رَيْبَ فِيهِ } والإشعار بأن ذلك إنْ وقع فمن جهتهم لا من جهته العاليةِ ، واعتبارُ استقرارِهم فيه وإحاطتُه بهم لا ينافي اعتبارَ ضعفِه وقِلته ، لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوامُ ملابستهم به لا قوتُه وكثرتُه ، و ( مِن ) في مما ابتدائيةٌ متعلقة بمحذوفٍ وقع صفةً لريب ، وحملُها على السببية ربما يوهمُ كونَه محلاً للريب في الجملة وحاشاه من ذلك ، و ( ما ) موصولةً كانت أو موصوفةً عبارةٌ عن الكتاب الكريم لا عن القدر المشتركِ بينه وبين أبعاضِه ، وليس معنى كونِهم في ريب منه ارتيابَهم في استقامة معانيه ، وصحةِ أحكامِه ، بل في نفس كونِه وحياً منزلاً من عند الله عز وجل ، وإيثارُ التنزيلِ المنبىءِ عن التدريج على مطلقِ الإنزالِ لتذكيرِ منشأ ارتيابِهم ، وبناءُ التحدي عليه إرخاءٌ للعِنان وتوسيعاً للميدان ، فإنهم كانوا اتخذوا نزولَه منجّماً وسيلةً إلى إنكاره ، فجُعل ذلك من مبادي الاعتراف به ، كأنه قيل : إن ارتبتم في شأن ما نزلناه على مهل وتدريجٍ فهاتوا أنتم مثلَ نَوْبةٍ فذةٍ من نُوَبه ، ونَجْم فَرْدٍ من نجومه ، فإنه أيسرُ عليكم من أن يُنزلَ جُملةً واحدة ، ويُتحدَّى بالكل .
وهذا كما ترى غايةُ ما يكون في التبكيت وإزاحةِ العلل ، وفي ذكره صلى الله عليه وسلم بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ضميرِ الجلالة من التشريفِ والتنويه والتنبيهِ على اختصاصه به عز وجل وانقيادِه لأوامره تعالى ما لا يخفى . وقرىء على عبادنا والمرادُ هو صلى الله عليه وسلم وأمتُه ، أو جميعُ الأنبياءِ عليهم السلام ، ففيه إيذانٌ بأن الارتيابَ فيه ارتيابٌ فيما أنزل على مَنْ قبلَه لكونه مصدِّقاً له ومهيمِناً عليه .
والأمرُ في قوله تعالى : { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ } من باب التعجيز وإلقامِ الحجر ، كما في قوله تعالى : { فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب } والفاءُ للجواب ، وسببيةُ الارتياب للأمر أو الإتيانِ بالمأمور به لما أشير إليه من أنه عبارةٌ عن جزمهم المذكور ، فإنه سببٌ للأول مطلقاً ، وللثاني على تقدير الصدقِ ، كأنه قيل : إن كان الأمرُ كما زعمتم من كونه كلامَ البشر فأتوا بمثله ، لأنكم تقدِرون على ما يقدِر عليه سائرُ بني نوعِكم . والسُورة الطائفةَ من القرآن العظيم المترجمة ، وأقلها ثلاثُ آيات . وواوُها أصليةٌ منقولةٌ من سُور البلد ، لأنها محيطةٌ بطائفةٍ من القرآن مفرَزةٍ مَحُوزةٍ على حِيالها ، أو محتويةٍ على فنون رائقةٍ من العلوم احتواءَ سورِ المدينة على ما فيها ، أو من السَّوْرة التي هي الرتبة ، قال : (1/80)
ولرهط حرّابٍ وقذّ سَوْرة ... في المجد ليس غرابُها بمُطارِ
فإن سور القرآن مع كونها في أنفسها رُتباً من حيث الفضلُ والشرفُ أو من حيث الطولُ والقِصَر ، فهي من حيث انتظامُها مع أخواتها في المصحف مراتبُ يرتقي إليها القارىء شيئاً فشيئاً . وقيل : واوها مُبدلةٌ من الهمزة ، فمعناها البقيةُ من الشيء ، ولا يخفى ما فيه . ومن في قوله تعالى : { مّن مّثْلِهِ } بيانيةٌ متعلقة بمحذوفٍ وقع صفةً لسورة ، والضمير لما نزلنا ، أي بسورة كائنةٍ من مثله في علو الرتبة وسموِّ الطبقة ، والنظمِ الرائق والبيانِ البديع ، وحيازةِ سائرِ نعوتِ الإعجاز ، وجعلُها تبعيضيةً يوهم أن له مثلاً محققاً قد أريد تعجيزُهم عن الإتيان ببعضه ، كأنه قيل : فأتوا ببعضِ ما هو مثلٌ له فلا يُفهم منه كونُ المماثلة من تتمة المعجوز عنه فضلاً عن كونها مداراً للعجز مع أنه المراد ، وبناءُ الأمر على المجاراة معهم بحسب حُسبانِهم حيث كانوا يقولون : { لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا } أو على التهكم بهم يأباه ما سبق من تنزيله منزلةَ الريب ، فإن مبنى التهكم على تسليم ذلك منهم وتسويفِه ولو بغير جِدّ ، وقيل : هي زائدة كما هو رأيُ الأخفش ، بدليل قوله تعالى : { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } ، { بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ } وقيل : هي ابتدائية ، فالضميرُ حينئذ للمُنْزل عليه حتماً ، لما أن رجوعَه إلى المنزَلِ يوهم أن له مثلاً محققاً قد ورد الأمرُ التعجيزيُّ بالإتيان بشيء منه ، وقد عرفت ما فيه بخلاف رجوعِه إلى المنزل عليه ، فإن تحققَ مثلِه عليه السلام في البشرية والعربية والأمية يهوِّن الخطب في الجملة ، خلا أن تخصيصَ التحدي بفردٍ يشاركُه عليه السلام فيما ذكرَ من الصفات المنافية للإتيان بالمأمور به لا يدلُّ على عجز مَنْ ليس كذلك من علمائهم ، بل ربما يوهم قدرتَهم على ذلك في الجملة فرادى أو مجتمعين ، مع أنه يستدعي عراءَ المُنْزَل عما فُصِّل من النعوت الموجبةِ لاستحالة وجود مثلِه ، فأين هذا من تحدي أمةٍ جمّةٍ وأمرِهم بأن يحتشدوا في حلبة المعارضة بخيلهم ورَجِلِهم حسبما ينطِق به قوله تعالى : { وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله } ويتعاونوا على الإتيان بقدْر يسيرٍ مماثلٍ في صفات الكمال لما أتى بجملته واحدٌ من أبناء جنسهم .
والشهداءُ جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة أو الناصر ، ومعنى ( دون ) أدنى مكانٍ من شيء ، يقال : هذا دون ذاك إذا كان أحطَّ منه قليلاً ، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتبِ فقيل : زيد دون عمرو ، أي في الفضل والرتبة ، ثم اتَّسع فاستُعمل في كل تجاوز حدَ إلى حد وتخطِّي حُكم إلى حكم من غير ملاحظةِ انحطاطِ أحدهما عن الآخر ، فجرى مَجرى أداةِ الاستثناء ، وكلمة ( من ) إما متعلقةٌ بادعوا فتكونُ لابتداءِ الغاية ، والظرفُ مستقرٌّ والمعنى ادعوا متجاوزين الله تعالى لاستظهار من حضَركم كائناً من كان ، أو الحاضرين في مشاهدكم ومحاضرِكم من رؤسائكم وأشرافِكم الذين تَفْزَعون إليهم في المُلمّات ، وتعوِّلون عليهم في المُهِمّات ، أو القائمين بشهاداتكم الجاريةِ فيما بينكم من أمنائكم المتولّين لاستخلاص الحقوقِ بتنفيذ القولِ عند الولاة ، أو القائمين بنُصرتكم حقيقةً أو زعماً من الإنس والجن ليعينوكم . (1/81)
وإخراجُه سبحانه وتعالى من حُكم الدعاء في الأول مع اندراجه في الحضورِ لتأكيد تناولِه لجميع ما عداه ، لا لبيان استبدادِه تعالى بالقدرة على ما كُلِّفوه ، فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دَعَوْه تعالى لأجابهم إليه وأما في سائر الوجوه فللتصريح من أول الأمرِ ببراءتهم منه تعالى وكونِهم في عُدْوة المحادّة والمشاقّة له قاصدين استظهارَهم على ما سواه والالتفاتُ لإدخال الرَّوْعة وتربية المهابة وقيل : المعنى ادعوا من دون أولياءِ الله شهداءَكم الذين هم وجوهُ الناس وفرسانُ المقاولةِ والمناقلةِ ليشهدوا لكم أن ما أتيتم به مثلُه ، إيذاناً بأنهم يأبَوْن أن يرضَوْا لأنفسهم الشهادةَ بصحة ما هو بيِّنُ الفسادِ وجَليُّ الاستحالة . وفيه أنه يؤذِنُ بعدم شمولِ التحدي لأولئك الرؤساءِ ، وقيل : المعنى ادعوا شهداءكم فصححوا بهم دعواكم ولا تستشهدوا بالله تعالى قائلين : الله يشهد أن ما ندعيه حقٌ ، فإن ذلك دَيدَنُ المحجوج وفيه أنه إن أريد بما يدّعون حقِّية ما هم عليه من الدين الباطلِ فلا مِساسَ له بمقام التحدي ، وإن أريد مثلية ما أتَوْا به للمتحدى به فمعَ عدمِ ملاءمتِه لابتداء التحدي يوهم أنهم قد تصَدَّوا للمعارضة وأتَوْا بشيءٍ مشتبهِ الحال متردِّدين بين المِثلية وعدمِها ، وأنهم ادَّعَوْها مستشهدين في ذلك بالله سبحانه ، إذ عند ذلك تمَسُّ الحاجةُ إلى الأمر بالاستشهاد بالناس والنهي عن الاستشهاد به تعالى ، وأنى لهم ذلك ، وما نبَضَ لهم عِرقٌ ولا نَبَسوا ببنتِ شَفَةٍ .
وإما متعلقةٌ ( بشهداءَكم ) والمراد بهم الأصنامُ ، ودون بمعنى التجاوزِ على أنها ظرفٌ مستقِرٌ وقع حالاً من ضمير المخاطَبين ، والعاملُ ما دل عليه ( شهداءكم ) أي ادعوا أصنامَكم الذين اتخذتموهم آلهةً متجاوزين الله تعالى في اتخاذها كذلك ، وكلمةُ ( مِن ) ابتدائية فإن الاتخاذَ ابتداءٌ من التجاوز ، والتعبيرُ عن الأصنام بالشهداء لتعيين مدارِ الاستظهارِ بها بتذكير ما زعَموا من أنها بمكانٍ من الله تعالى وأنها تنفعُهم بشهادتها لهم أنهم على الحق ، فإن ما هذا شأنُه يجب أن يكون مَلاذاً لهم في كل أمرٍ مُهم ، وملجأً يأوُون إليه في كل خطب مُلم ، كأنه قيل : أولئك عُدّتُكم فادعوهم لهذه الداهية التي دَهَمتكم ، فوجهُ الالتفاتِ الإيذانُ بكمال سخافةِ عقولِهم حيث آثرَوُا على عبادة من له الألوهيةُ الجامعةُ لجميع صفاتِ الكمال عبادةَ ما لا أحقرَ منه .
وقيل : لفظةُ دون مستعارةٌ من معناها الوضعي الذي هو أدنى مكانٍ من شيء لِقُدّامِه ، كما في قول الأعشى : (1/82)
تُريك القَذى من دونها وهي دونَهُ ... أي تريك القذى قُدّامها وهي قُدّامَ القذى ، فتكون ظرفاً لغوياً معمولاً لشهداءكم لكفاية رائحةِ الفعل فيه ، من غير حاجة إلى اعتماد ولا إلى تقدير يشهدون ، أي ادعوا شهداءَكم الذين يشهدون لكم بين يدَي الله تعالى ليعينوكم في المعارضة ، وإيرادُها بهذا العنوان لما مر من الإشعار بمناطِ الاستعانةِ بها ، ووجهُ الالتفات تربيةُ المهابة وترشيحُ ذلك المعنى ، فإن ما يقوم بهذا الأمر في ذلك المقام الخطيرِ حقُه أن يُستعان به في كل مَرام ، وفي أمرِهم على الوجهين بأن يستظهروا في معارضة القرآن الذي أخرسَ كلَّ مِنْطيقٍ بالجماد من التهكم بهم ما لا يوصف ، وكلمة من ههنا تبعيضية ، لما أنهم يقولون جلس بين يديه وخلفَه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل ومن بينِ يديه ومن خلفِه لأن الفعل إنما يقع في بعض تَيْنِك الجهتين كما تقول : جئتُه من الليل تريد بعضَ الليل .
وقد يقال كلمةُ ( من ) الداخلةُ على ( دون ) في جميع المواقعِ بمعنى في كما في سائر الظروف التي لا تنصرف ، وتكون منصوبةً على الظرفية أبداً ، ولا تنجرُّ إلا بمن خاصة ، وقيل : المرادُ بالشهداء مدارِهُ القومِ ووجوهُ المحافل والمحاضِر ، ودون ظرفٌ مستقر ومن ابتدائية أي ادعوا الذين يشهدون لكم أن ما أتيتم به مثلُه متجاوزين في ذلك أولياءَ الله ، ومحصله شهداء مغايرين لهم إيذاناً بأنهم أيضاً لا يشهدون بذلك ، وإنما قُدر المضافُ إلى الله تعالى رعايةً للمقابلة ، فإن أولياءَ الله تعالى يقابِلون أولياءَ الأصنام ، كما أن ذكرَ الله تعالى يقابل ذكرَ الأصنام ، والمقصودُ بهذا الأمر إرخاءُ العِنان والاستدراجُ إلى غاية التبكيت ، كأنه قيل : تركنا إلزامَكم بشهداءَ لا ميلَ لهم إلى أحدِ الجانبين كما هو المعتاد ، واكتفينا بشهدائكم المعروفين بالذب عنكم ، فإنهم أيضاً لا يشهدون لكم حذراً من اللائمة وأَنَفةً من الشهادة البيِّنة البُطلان .
كيف لا وأمرُ الإعجاز قد بلَغ من الظهورِ إلى حيث لم يبقَ إلى إنكاره سبيلٌ قطعاً ، وفيه ما مرَّ من عدم الملاءمةِ لابتداء التحدّي وعدمِ تناولِه لأولئك الشهداء ، وإيهامِ أنهم تعرّضوا للمعارضة وأتَوْا بشيء احتاجوا في إثبات مِثْلِيَّتِه للمتحدى به إلى الشهادة ، وشتانَ بينهم وبين ذلك { إِن كُنتُمْ صادقين } أي في زعمِكم أنه من كلامه عليه السلام .
وهو شرطٌ حذفَ جوابُه لدلالة ما سبق عليه ، أي إن كنتم صادقين فأتوا بسورة من مثله الخ ، واستلزامُ المقدَّم للتالي من حيث إن صدقَهم في ذلك الزَّعم يستدعي قدرتَهم على الإتيان بمثله بقضية مشاركتِهم له عليه السلام في البشرية والعربية ، مع ما بهم من طول الممارسة للخُطب والأشعارِ وكثرة المزاولةِ لأساليبِ النظمِ والنثر ، والمبالغةِ في حفظ الوقائع والأيام ، لا سيما عند المظاهرة والتعاونِ ، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيانِ به ودواعي الأمرِ به . (1/83)
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)
{ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } أي ما أمرتم به من الإتيان بالمثل بعد ما بذلتم في السعي غايةَ المجهود ، وجاوزتم في الجِد كلَّ حدَ معهود ، متشبثين بالذيول ، راكبين متنَ كل صَعْب وذَلول ، وإنما لم يصرَّح به إيذاناً بعدم الحاجة إليه ، بناءً على كمال ظهورِ تهالُكِهم على ذلك ، وإنما أُورد في حيز الشرطِ مُطلقُ الفعل وجُعل مصدرُ المأمورِ به مفعولاً له للإيجاز البديعِ المغني عن التطويل والتكرير ، مع سِرَ سَرِيَ استَقلَّ به المقامَ وهو الإيذان بأن المقصودَ بالتكليف هو إيقاعُ نفسِ الفعل المأمور به ، لإظهار عجزِهم عنه لا لتحصيل المفعول أي المأتي به ضرورةَ استحالته ، وأن مناطَ الجوابِ في الشرطية أعني الأمر باتقاءِ النار هو عجزُهم عن إيقاعه لا فوتُ حصولِ المفعول ، فإن مدلولَ لفظٍ هو أنفُسُ الأفعال الخاصة لازمةً كانت أو متعديةً من غير اعتبارِ تعلقاتِها بمفعولاتها الخاصة ، فإذا عُلِّق بفعل خاصَ متعدَ فإنما يُقصَدُ به إيقاعُ نفس ذلك الفعل وإخراجُه من القوة إلى الفعل ، وأما تعلقُه بمفعوله المخصوصِ فهو خارج عن مدلول الفعلِ المطلقِ وإنما يستفاد ذلك من الفعل الخاص ، ولذلك تراهم يتوسلون بذلك إلى تجريد الأفعالِ المتعديةِ عن مفعولاتها وتنزيلِها منزلةَ الأفعالِ اللازمة ، فيقولون مثلاً : معنى فلانٌ يعطى ويمنع يفعل الإعطاء والمنع ، يرشدك إلى هذا قوله تعالى : { فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ } بعد قوله تعالى : { ائتونى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ } فإنه لما كان مقصودُ يوسفَ عليه السلام بالأمر ومَرْمَى غرضِه بالتكليف منه استحضارَ بنيامين لم يكتفِ في الشرطية الداعية لهم إلى الجِد في الامتثال ، والسعْيِ في تحقيق المأمورِ به بالإشارة الإجماليةِ إلى الفعل الذي ورد به الأمر بأن يقول : فإن لم تفعلوا ، بل أعاده بعينه متعلقاً بمفعوله تحقيقاً لمطلبه وإعراباً عن مقصِده . (1/84)
هذا وقد قيل : أُطلق الفعلُ وأريد به الإتيانُ مع ما يتعلق به إما على طريقة التعبير عن الأسماء الظاهرةِ بالضمائر الراجعةِ إليها حذراً من التكرار ، أو على طريقة ذكر اللازمِ وإرادةِ الملزوم ، لما بينهما من التلازمِ المصححِ للانتقال بمعونة قرائنِ الحال فتدبر ، وإيثارُ كلمة ( إنْ ) المفيدةِ للشك على إذا مع تحقق الجزم بعدم فعلِهم مجاراةٌ معهم بحسَب حُسبانهم قبل التجربة أو التهكمُ بهم .
{ وَلَن تَفْعَلُواْ } كلمة لن لنفي المستقبلِ كَلاَ ، خلا أن في لن زيادةَ تأكيدٍ وتشديد ، وأصلُها عند الخليل ( لا أن ) وعند الفراء ( لا ) أُبدلت ألفُها نوناً وعند سيبويه حرفٌ مقتَضَبٌ للمعنى المذكور ، وهي إحدى الروايتين عن الخليل والجملة اعتراضٌ بين جزأي الشرطية مقرِّر لمضمون مُقدَّمِها ، ومؤكِّدٌ لإيجاب العمل بتاليها ، وهذه معجزة باهرةٌ حيث أُخبر بالغيب الخاصِّ علمُه به عز وجل وقد وقع الأمر كذلك ، كيف لا ولو عارضوه بشيءٍ يُدانيه في الجملة لتناقَلَه الرواةُ خلفاً عن سلف .
{ فاتقوا النار } جوابٌ للشرط على أن اتقاءَ النار كنايةٌ عن الاحتراز من العِناد ، إذ بذلك يتحقق تسبُّبه عنه وترتُبه عليه ، كأنه قيل : فإذا عجَزتم عن الإتيان بمثله كما هو المقررُ فاحترزوا من إنكار كونِه منزّلاً من عند الله سبحانه فإنه مستوجِبٌ للعقاب بالنار ، لكنْ أوثر عليه الكنايةُ المذكورة المبنيةُ على تصوير العنادِ بصورة النارِ ، وجُعل الاتصافُ به عينَ الملابسة بها للمبالغة في تهويل شأنِه ، وتفظيعِ أمرِه ، وإظهارِ كمال العنايةِ بتحذير المخاطبين منه ، وتنفيرِهم عنه ، وحثِّهم على الجدِّ في تحقيق المكنِي عنه ، وفيه من الإيجاز البديع ما لا يخفى ، حيث كان الأصل ، فإن لم تفعلوا فقد صح صِدْقُه عندكم ، وإذا صح ذلك كان لزومُكم العنادَ وتركُكم الإيمانَ به سبباً لاستحقاقكم العقابَ بالنار ، فاحترزوا منه واتقوا النار { التى وَقُودُهَا الناس والحجارة } صفةٌ للنار مُورثةٌ لها زيادةَ هولٍ وفظاعةٍ أعاذنا الله من ذلك ، والوَقودُ ما توقد به النارُ وتُرفع من الحطب . (1/85)
وقرىء بضم الواو وهو مصدرٌ ، وسمِّي به المفعول مبالغةً كما يقال : فلان فخرُ قومِه وزَيْنُ بلدِه ، والمعنى أنها من الشدة بحيث لا تمَسُّ شيئاً من رَطْبٍ أو يابس إلا أحرقته ، لا كنيران الدنيا تفتقِرُ في الالتهاب إلى وَقودٍ من حطب أو حشيش وإنما جُعل هذا الوصفُ صلةً للموصول مقتضيةً لكون انتسابها إلى ما نسبت هي إليه معلوماً للمخاطَب بناءً على أنهم سمِعوه من أهل الكتاب قبل ذلك ، أو الرسولِ صلى الله عليه وسلم ، أو سمِعوا قبل هذه الآية المدنية قولَه تعالى : { نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة } فأُشير ههنا إلى ما سمعوه أولاً ، وكونُ سورةِ التحريم مدنيةً لا يستلزِمُ كونَ جميعِ آياتها كذلك كما هو المشهورُ ، وأما أن الصفةَ أيضاً يجبُ أن تكون معلومةَ الانتساب إلى الموصوف عند المخاطَبِ فالخطبُ فيه هيِّن ، لما أن المخاطَب هناك المؤمنون ، وظاهرٌ أنهم سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالحجارة الأصنامُ ، وبالناس أنفسُهم حسبما ورد في قوله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } الآية .
{ أُعِدَّتْ للكافرين } أي هيئت للذين كفروا بما نزلناه وجعلت عِدةً لعذابهم والمرادُ إما جنسُ الكفار والمخاطَبون داخلون فيهم دُخولاً أولياً ، وإما هم خاصةً ، ووضعُ الكافرين موضعَ ضميرهم لذمهم وتعليلِ الحكم بكفرهم . وقرىء ( أُعتِدت ) من العَتاد بمعنى العِدة ، وفيه دلالة على أن النارَ مخلوقةٌ موجودة الآن ، والجملة استئنافٌ لا محل لها من الإعراب مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها ، ومؤكدةٌ لإيجاب العمل به ، ومبيِّنةٌ لمن أريد بالناس دافعةٌ لاحتمال العموم ، وقيل : حال بإضمار قد من النار ، لا من ضميرها في وَقودها ، لما في ذلك من الفصل بينهما بالخبر ، وقيل : صلةٌ بعد صلةٍ أو عطفٌ على الصلة بترك العاطف .
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)
{ وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ } أي بأنه منزلٌ من عند الله عز وجل ، وهو معطوف على الجملة السابقة لكن لا على أن المقصودَ عطفُ نفس الأمرِ حتى يُطلبَ له مَشاكِلٌ يصِحُّ عطفَه عليه ، بل على أنه عطفُ قصةِ المؤمنين بالقرآن ، ووصفِ ثوابهم ، على قصة الكافرين به وكيفيةِ عقابهم ، جرياً على السُنة الإلهية من شفْع الترغيب بالترهيب ، والوعدِ بالوعيد ، وكان تغييرُ السبك لتخييل كمالِ التباين بين حالي الفريقين ، وقرىء وبُشرِّ على صيغة الفعل مبنياً للمفعول عطفاً على أعِدَّت ، فيكونُ استئنافاً ، وتعليقُ التبشير بالموصول للإشعار بأنه معلل بما في حيز الصلة من الإيمان والعمل الصالح ، لكن لا لذاتهما ، فإنهما لا يكافِئان النعمَ السابقة فضلاً من أن يقتضِيا ثواباً فيما يستقبل ، بل بجعل الشارعِ ، ومقتضى وعدِه وجعل صلتِه فعلاً مفيداً للحدوث بعد إيرادِ الكفارِ بصيغة الفاعل لحثِّ المخاطبين بالاتقاء على إحداث الإيمان ، وتحذيرِهم من الاستمرار على الكفر ، والخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لكل من يتأتَّى منه التبشير ، كما في قوله عليه السلام : " بشر المشّائين إلى المساجد في ظلم الليالي بالنور التام يوم القيامة " فإنه عليه السلام لم يأمُر بذلك واحداً بعينه بل كلَّ أحد ممن يتأتى منه ذلك ، وفيه رمزٌ إلى أن الأمر لعِظَمه وفخامة شأنه حقيقٌ بأن يتولى التبشيرَ به كلُّ من يقدر عليه ، والبِشارة الخبرُ السار الذي يظهر به أثر السرور في البشرة ، وتباشيرُ الصبح أوائلُ ضوئه { وَعَمِلُواْ الصالحات } الصالحة كالحسنة في الجريان مَجرى الاسم ، وهي كلُّ ما استقام من الأعمال بدليل العقلِ والنقلِ ، واللام للجنس ، والجمعُ لإفادة أن المرادَ بها جملةٌ من الأعمال الصالحة التي أشير إلى أمهاتها في مطلع السورةِ الكريمة ، وطائفةٌ منها متفاوتةٌ حسبَ تفاوتِ حال المكلفين في مواجب التكليف ، وفي عطف العملِ على الإيمان دلالةٌ على تغايرهما وإشعارٌ بأن مدار استحقاقِ البشارةِ مجموعُ الأمرين ، فإن الإيمان أساسٌ والعملُ الصالح كالبناء عليه ولا غَناءَ بأساس لا بناءَ به . (1/86)
{ أَنَّ لَهُمْ جنات } منصوبٌ بنزع الخافض وإفضاءِ الفعل إليه ، أو مجرور بإضماره مثل : «الله لأفعلنّ» والجنةُ هي المرة من مصدر جَنَّه إذا ستره ، تُطلق على النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانِه ، قال زهير :
كأنّ عينَيَّ في غَرْبيِّ مقتلة ... من النواضِحِ تسقي جنةً سَحَقا
أي نخلاً طوالاً كأنها لفرطِ تكاثفِها والتفافِها وتغطيتها لما تحتها بالمرة نفسُ السُترة وعلى الأرض ذاتُ الشجر ، قال الفراء : الجنة ما فيه النخيل ، والفِردوسُ ما فيه الكَرْم ، فحقُ المصدر حينئذ أن يكونَ مأخوذاً من الفعل المبني للمفعول وإنما سميت دارَ الثواب بها مع أن فيها ما لا يوصف من الغُرفات والقصور لما أنها مناطُ نعيمها ، ومعظمُ ملاذها ، وجمعها مع التنكير لأنها سبعٌ على ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما : جنةُ الفردوس ، وجنة عدْن ، وجنة النعيم ، ودارُ الخلد ، وجنةُ المأوى ، ودارُ السلام ، وعِلِّيُّون .
وفي كل واحدة منها مراتبُ ودرجاتٌ متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأصحابها . (1/87)
{ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } في حيز النصب على أنه صفةُ جنات . فإن أريد بها الأشجارُ فجريانُ الأنهار من تحتها ظاهر ، وإن أريد بها الأرضُ المشتملة عليها فلا بد من تقدير مضافٍ أي من تحت أشجارِها وإن أريد بها مجموعُ الأرض والأشجار فاعتبارُ التحتية بالنظر إلى الجزء الظاهِرِ المصحِّح لإطلاق اسم الجنة على الكل .
عن مسروق : أن أنهارَ الجنة تجري في غير أخدود ، واللامُ في الأنهار للجنس ، كما في قولك : لفلان بستانٌ فيه الماءُ الجاري والتينُ والعنب ، أو عِوَضٌ عن المضاف إليه كما في قوله تعالى : { واشتعل الرأس شَيْباً } أو للعهد ، والإشارة إلى ما ذكر في قوله عز وعلا : { مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون } الآية . والنهَرُ بفتح الهاء وسكونها المجرَى الواسعُ فوق الجَدْول ودون البحر كالنيل والفرات ، والتركيبُ للسَّعة ، والمرادُ بها ماؤها على الإضمار أو على المجاز اللغوي ، أو المجاري أنفسُها ، وقد أسند إليها الجريانُ مجازاً عقلياً كما في سال الميزاب .
{ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذى رُزِقْنَا } صفة أخرى لجنات ، أخِّرت عن الأولى لأن جريان الأنهار من تحتها وصفٌ لها باعتبار ذاتها ، وهذا وصفٌ لها باعتبار أهلِها المتنعِّمين بها ، أو خبرُ مبتدأ محذوف ، أو جملة مستأنفة ، كأنه حين وُصفت الجناتُ بما ذكر من الصفة وقع في ذهن السامع أثمارها كثمار جناتِ الدنيا أولاً ، فبيّن حالُها ، و ( كلما ) نصبٌ على الظرفية ، ورزقاً مفعول به ، ومن الأولى والثانية للابتداء واقعتان موقعَ الحال ، كأنه قيل : كلَّ وقت رزقوا ، مرزوقاً مبتدأ ، من الجنات مبتدأً من ثمرة على أن الرزق مقيدٌ بكونه مبتدأ من الجنات ، وابتداؤه منها مقيدٌ بكونه مبتدأً من ثمرة ، فصاحبُ الحال الأولى رزقاً ، وصاحبُ الثانية ضميرُه المستكنّ في الحال ، ويجوز كونُ ( من ثمرة ) بياناً قُدّم على المبين كما في قولك : رأيت منك أسداً ، وهذا إشارةٌ إلى ما رزقوا ، وإن وقعت على فرد معين منه كقولك مشيراً إلى نهر جارٍ : هذا الماءُ لا ينقطع ، فإنك ( إنما ) أشرتَ إلى ما تعايِنهُ بحسب الظاهر لكنك إنما تعني بذلك النوعَ المعلومَ المستمر ، فالمعنى هذا مثلُ الذي رزقناه { مِن قَبْلُ } ، أي من قبل هذا في الدنيا ، ولكن لما استحكم الشبَهُ بينهما جُعل ذاتُه ذاتَه ، وإنما جُعل ثمرُ الجنة كثمار الدنيا لتميل النفسُ إليه حين تراه ، فإن الطباعَ مائلة إلى المألوف متنفِّرة عن غير المعروف ، وليتبين لها مزّيته وكُنهُ النعمة فيه إذ لو كان جنساً غيرَ معهود لظُن أنه لا يكون إلا كذلك أو مثلُ الذي رُزقناه من قبل في الجنة لأن طعامَها متشابهُ الصور كما يحكى عن الحسن رضي الله عنه أن أحدَهم يؤتى الصَّحْفة فيأكلُ منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثلَ الأولى فيقول ذلك : فيقول الملكُ : كلْ فاللونُ واحدٌ والطعمُ مختلف ، أو كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :