صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)
( سورة فاتحة الكتاب وهي سبع آيات ) (1/1)
الفاتحة في الأصل : أولُ ما من شأنه أن يُفتح ، كالكتاب والثوب ، أُطلقت عليه لكونه واسطةً في فتحِ الكل ، ثم أُطلقت على أول كلِّ شيء فيه تدريجٌ بوجه من الوجوه كالكلام التدريجي حصولاً ، والسطور والأوراق التدريجية قراءةً وعداً والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية ، أو هي مصدر بمعنى الفتح ، أطلقت عليه تسميةً للمفعول باسم المصدر ، إشعاراً بأصالته كأنه نفس الفتح ، فإن تعلقه به بالذات ، وبالباقي بواسطته ، لكن لا على معنى أنه واسطة في تعلقه بالباقي ثانياً . حتى يرد أنه لا يتسنى في الخاتمة ، لما أن خَتْم الشيء عبارة عن بلوغ آخره ، وذلك إنما يتحقق بعد انقطاع الملابسة عن أجزائه الأُوَل ، بل على معنى أن الفتح المتعلق بالأول فتح له أولاً وبالذات ، وهو بعينه فتح للمجموع بواسطته ، لكونه جزءاً منه ، وكذا الكلامُ في الخاتمة فإن بلوغَ آخِرِ الشيء يعرِضُ للآخر أولاً وبالذات ، وللكل بواسطته ، على الوجه الذي تحقَّقْتَه .
والمراد بالأول ما يعُم الإضافيَّ فلا حاجة إلى الإعتذار بأن إطلاقَ الفاتحة على السورة الكريمة بتمامها باعتبار جزئها الأول ، والمرادُ بالكتاب هو المجموع الشخصي ، لا القدر المشترك بينه وبين أجزائه ، على ما عليه اصطلاحُ أهل الأصول ، ولا ضيرَ في اشتهار السورة الكريمة بهذا الاسم في أوائل عهد النبوة ، قبل تحصيل المجموع بنزول الكل ، لما أن التسمية من جهة الله عزَّ اسمه أو من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإذن فيكفي فيها تحصُّلُهُ باعتبار تحققه في علمه عزَّ وجل أو في اللوح أو باعتبار أنه أُنزل جُملةً إلى السماء الدنيا ، وأملاه جبريل على السَفَرة ، ثم كان يُنزِله على النبي صلى الله عليه وسلم نُجوماً في ثلاثٍ وعشرين سنةٍ كما هو المشهور . والإضافة بمعنى اللام كما في جزء الشيء لا بمعنى مِنْ كما في خاتم فضة ، لما عرفت أن المضاف جزء من المضاف إليه ، لا جزئي له ، ومدار التسمية كونه مبدأً للكتاب على الترتيب المعهود ، لا في القراءة في الصلاة ، ولا في التعليم ولا في النزول كما قيل .
أما الأول فبيِّنٌ ، إذ ليس المرادُ بالكتاب القدرَ المشترك الصادقَ على ما يقرأ في الصلاة حتى تُعتبرَ في التسمية مبدئيتَها له . وأما الأخيران فلأن اعتبار المبدئية من حيث التعليمُ ، أو من حيث النزولُ يستدعي مراعاةَ الترتيب في بقية أجزاء الكتاب من تينك الحيثيتين ، ولا ريب في أن الترتيب التعليمي والترتيب النزولي ليسا على نسق الترتيب المعهود .
وتسمى أمَّ القرآن لكونها أصلاً ومنشأً له ، إما لمبدئيتها له ، وإما لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله عز وجل ، والتعبُّدِ بأمره ونهيه ، وبيانِ وعدِه ووعيده ، أو على جملةِ معانيه من الحِكَم النظرية ، والأحكام العملية ، التي هي سلوكُ الصراط المستقيم ، والاطلاعُ على معارج السعداء ، ومنازلِ الأشقياء ، والمرادُ بالقرآن هو المراد بالكتاب .
وتسمى أمَّ الكتاب أيضاً كما يسمَّى بها اللوحُ المحفوظ ، لكونِهِ أصلاً لكل الكائنات ، والآياتُ الواضحةُ الدالة على معانيها لكونها بينةً تُحْمل عليها المتشابهاتُ ، ومناطُ التسمية ما ذُكر في أم القرآن ، لا ما أورده الإمامُ البخاري في صحيحه من أنه يُبدأ بقراءتها في الصلاة ، فإنه مما لا تعلق له بالتسمية كما أشير إليه ، وتسمى سورةَ الكنز ، لقوله عليه السلام : « إنَّها أُنْزِلَتْ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ » أو لِمَا ذُكِرَ في أُمِّ القُرآن ، كما أنه الوجهُ في تسميتها الأساسَ ، والكافية ، والوافية ، وتسمى سورةَ الحمد والشكر والدعاء وتعليم المسئلة ، لاشتمالها عليها ، وسورةَ الصلاة لوجوب قراءتها فيها ، وسورةَ الشفاء والشافية لقوله عليه السلام : « هي شفاءٌ من كُلِّ داءٍ » ، والسبع المثاني لأنها سبعُ آيات تُثَنَّى في الصلاة ، أو لتكرّر نزولِها على ما رُوي أنها نزلت مرة بمكَّة حين فرضت الصلاة وبالمدينة أخرى حين حُوِّلت القبلة ، وقد صح أنها مكيةٌ لقوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني } وهو مكي بالنص . (1/2)
{ بِسْمِ الله الرَّحَمنِ الرَّحَيمِ }
اختلف الأئمة في شأن التسمية في أوائل السور الكريمة فقيل : إنها ليست من القرآن أصلاً ، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه ومذهبُ مالك ، والمشهورُ من مذهب قدماء الحنفية ، وعليه قرّاءُ المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها . وقيل : إنها آية مفردة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها وهو الصحيحُ من مذهب الحنفية ، وقيل : هي آية تامة من كل سورة صُدِّرت بها ، وهو قولُ ابن عباس وقد نُسب إلى ابن عمر أيضاً رضي الله عنهم ، وعليه يُحمل إطلاقُ عبارة ابن الجوزي في زاد المسير حيث قال : روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها أنزلت مع كل سورة ، وهو أيضاً مذهبُ سعيد بنِ جبيرٍ والزُّهري وعطاءٍ وعبدِ اللّه بن المبارك ، وعليه قُرَّاءُ مكَّة والكوفةِ وفقهاؤهما ، وهو القولُ الجديد للشافعي رحمه الله ، ولذلك يُجْهر بها عنده ، فلا عبرة بما نُقِلَ عن الجصاص من أن هذا القول من الشافعي لم يسبقه إليه أحد ، وقيل إنها آية من الفاتحة مع كونها قرآناً في سائر السور أيضاً من غير تعرض لكونها جزأ منها أَوْ لا ، ولا لكونها آية تامَّةً أَوْ لا ، وهو أحدُ قولَي الشافعي على ما ذكره القرطبي . ونقل عن الخطابي أنه قول ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم . وقيل إنها آية تامة في الفاتحة وبعضٌ في البواقي . وقيل بعضُ آية في الفاتحة وآية تامة في البواقي ، وقيل إنها بعض آية في الكل ، وقيل إنها آياتٌ من القرآن متعددة بعدد السور المُصدّرة بها من غير أن تكون جزأ منها ، وهذا القول غير معزى في الكتاب إلى أحد ، وهناك قول آخرُ ذكره بعض المتأخرين ولم ينسُبْه إلى أحد وهو إنها آية تامة في الفاتحة وليست بقرآن في سائر السور ، ولولا اعتبارُ كونها آيةً تامةً لكان ذلك أحدَ محملَيْ ترددِ الشافعي ، فإنه قد نقل عنه أنها بعض آية في الفاتحة ، وأما في غيرها فقوله فيها متردد ، فقيل : بين أن يكون قرآناً أَوْ لا ، وقيل : بين أن يكون آيةً تامَّةً أَوْ لا ، قال الإمام الغزالي : والصحيح من الشافعي هو التردد الثاني .
وعن أحمد بنِ حنبلٍ في كونها آيةً كاملة وفي كونها من الفاتحة روايتان ذكرهما ابن الجوزي ، ونقل أنه مع مالك ، وغيره ممن يقول أنها ليست من القرآن . (1/3)
هذا والمشهور من هذه الأقاويل هي الثلاث الأُول ، والاتفاقُ على إثباتها في المصاحف مع الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله عز وجل يقضي بنفي القول الأول ، وثبوت القدر المشترك بين الأخيرين من غير دلالة على خصوصية أحدهما ، فإن كونها جزأ من القرآن لا يستدعي كونها جزأ من كل سورة منه ، كما لا يستدعي كونها آية منفردة منه . وأما ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما »من أن مَنْ تركها فقد ترك مائة وأربعَ عشرةً آيةً من كتاب الله تعالى« وما روي عن أبي هريرة من أنه صلى الله عليه وسلم قال : " فاتحةُ الكتاب سبعُ آياتٍ أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم " ، وما روي عن أم سلمة من أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الفاتحة وعدَّ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين آية ، وإن دل كلُ واحد منها على نفي القول الثاني فليس شيء منها نصاً في إثبات القولِ الثالث ، أما الأول فلأنه لا يدل إلا على كونها آياتٍ من كتاب الله تعالى متعددةً بعدد السور المصدرة بها ، لا على ما هو المطلوبُ من كونها آية تامة من كل واحدة منها ، إلا أن يُلْتجأ إلى أن يقال أن كونها آيةً متعددةً بعدد السور المصدّرةِ بها من غير أن تكون جزءاً منها قولٌ لم يقل به أحد ، وأما الثاني فساكت عن التعرض لحالها في بقية السور ، وأما الثالثُ فناطقٌ بخلافه مع مشاركته للثاني في السكوت المذكور . والباء فيها متعلقةٌ بمضمرٍ يُنبىء عنه الفعلُ المصدَّرُ بها ، كما أنها كذلك في تسمية المسافر عند الحلول والارتحال ، وتسمية كل فاعل عند مباشرة الأفعال .
ومعناها الإستعانةُ أو الملابسةُ تبركاً ، أي باسم الله أقرأ ، أو أتلو ، وتقديم المعمول للإعتناء به والقصد إلى التخصيص ، كما في إياك نعبد ، وتقديرُ أبدأ لاقتضائه اقتصارَ التبرك على البداية مُخلّ بما هو المقصودُ ، أعني شمولَ البركة للكل ، وادعاءُ أن فيه امتثالاً بالحديث الشريف من جهة اللفظ والمعنى معاً ، وفي تقدير أقرأُ من جهة المعنى فقط ليس بشيء ، فإن مدارَ الامتثالِ هو البدءُ بالتسمية لا تقديرُ فعله ، إذ لم يقل في الحديث الكريم : كلُّ أمرٍ ذي بال لم يُقَل فيه أو لم يُضْمَر فيه أَبدأُ ، وهذا إلى آخر السورة الكريمة مقولٌ على ألسنة العباد تلقيناً لهم ، وإرشاداً إلى كيفية التبرك باسمه تعالى ، وهدايةً إلى منهاج الحمد وسؤالِ الفضل ، ولذلك سُميت السورةُ الكريمة بما ذكر من تعليم المسألة ، وإنما كُسرت ومن حق الحروف المفردة أن تُفتَحَ لاختصاصها بلزوم الحرفية والجر ، كما كسرت لامُ الأمر ، ولامُ الإضافة داخلةً على المُظْهَر للفصل بينهما وبين لام الابتداء .
والاسم عند البصريين من الأسماء المحذوفة الأعْجَاز . المبنية الأوائل على السكون قد أُدخلت عليها عند الابتداء همزة ، لأن مِنْ دأبهم البدءَ بالمتحرِّك والوقفَ على الساكن ، ويشهد له تصريفُهم على أسماء وسُمَيٌّ وسمَّيتُ ، وسُميً كهُدىً لغة فيه قال : (1/4)
واللَّه أسماكَ سُمى مباركا ... آثرك اللَّهُ به إيثاركا
والقلبُ بعيدٌ غير مطرد ، واشتقاقه من السُمو لأنه رفعٌ للمُسمَّى وتنويهٌ له ، وعند الكوفيين من السِّمة ، وأصله وَسَمَ ، حذفت الواو وعُوِّضت عنها همزةُ الوصل ليقِلَّ إعلالُها ، ورُدَّ عليه بأن الهمزة لم تُعهَدْ داخلةً على ما حُذف صدرُه في كلامهم ، ومن لغاتهم سِمٌ وسُمٌ قال :
باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سِمُهْ ... وإنما لم يقل باللَّهِ للفرق بين اليمين والتيمُّن ، أو لتحقيق ما هو المقصودُ بالإستعانة هاهنا ، فإنها تكون تارة بذاته تعالى . وحقيقتها طلبُ المعونة على إيقاع الفعل وإحداثه ، أي إفاضةُ القدرةِ المفسرةِ عند الأصوليين من أصحابنا بما يتمكن به العبدُ من أداء مالزِمه ، المنقسمةِ إلى ممكِنة وميسِّرة ، وهي المطلوبة بإياك نستعين ، وتارة أخرى باسمه عز وعلا . وحقيقتها طلبُ المعونة في كون الفعل معتداً به شرعاً فإنه ما لم يُصَدَّر باسمهِ تعالى يكون بمنزلةِ المعدوم . ولما كانت كل واحدة من الإستعانتين واقعةً وجب تعيينُ المراد بذكر الاسم ، وإلا فالمتبادَرُ من قولنا بالله عند الإطلاق لا سيما عند الوصف بالرحمن الرحيم هي الإستعانة الأولى .
إن قيل : فليُحمل الباء على التبرك وليستَغْنَ عن ذكر الاسم ، لما أن التبرك لا يكون إلا به ، قلنا : ذاك فرعُ كون المراد بالله هو الاسم ، وهل التشاجرُ إلا فيه ، فلا بد من ذكر الاسم لينقطعَ احتمالُ إرادة المسمَّى . ويتَعَينُ حمل الباء على الإستعانة الثانية أو التبرك . وإنما لم يكتب الألف لكثرة الإستعمال قالوا : وطُوِّلتِ الباءُ عوضاً عنها .
( والله ) أصله الإله ، فحذفت همزته على غير قياس كما يُنْبِىءُ عنه وجوب الإدغام ، وتعويض الألف واللام عنها ، حيث لزماه وجُرِّدا من معنى التعريف ، ولذلك قيل : يالله بالقطع ، فإن المحذوف القياسيَّ في حكم الثابت ، فلا يحتاج إلى التدارك بما ذُكِرَ من الإدغام والتعويض . وقيل : على قياس تخفيف الهمزة ، فيكون الإدغام والتعويض من خواص الاسم الجليل ، ليمتاز بذلك عما عداه امتياز مسمّاه عما سواه بما لا يوجد فيه من نعوت الكمال .
والإله في الأصل اسمُ جنسٍ يقع على كل معبود بحقٍ أو باطل ، أي مع قطع النظرِ عن وصف الحقية والبطلان ، لا مع اعتبارِ أحدهما بعينه ، ثم غلب على المعبود بالحق كالنجم والصَّعِقْ . وأما الله بحذف الهمزة فعلمٌ مختصٌّ بالمعبود بالحقِّ لم يطلق على غيره أصلاً ، واشتقاقه من الإلاهة والأُلوهَة ، والأُلوهِية بمعنى العبادة حسبما نص عليه الجوهري ، على أنه اسمٌ منها بمعنى المألوه ، كالكتاب بمعنى المكتوب ، لا على أنه صفة منها ، بدليل أنه يوصف ولا يوصف به ، حيث يُقال إله واحد ، ولا يُقال شيء إلهٌ ، كما يُقال كتاب مرقوم ، ولا يقال شيء كتاب . والفرق بينهما أن الموضوع له في الصفة هو الذاتُ المبهمةُ باعتبار اتصافِها بمعنىً معيّنٍ وقيامِهِ بها . فمدلولها مركبٌ من ذاتٍ مُبهمةٍ لم يُلاحظ معها خصوصية أصلاً ، ومِن معنىً معينٍ قائمٍ بها على أن مَلاك الأمرِ تلك الخصوصية ، فبأيِّ ذاتٍ يقومُ ذلك المعنى يصحّ إطلاقُ الصفة عليها ، كما في الأفعال . ولذلك تَعْمَلُ عملها كاسمي الفاعلِ والمفعول . والموضوع له في الاسم المذكور هو الذاتُ المعينة والمعنى الخاص ، فمدلوله مركب من ذَيْنِكَ المعنيين من غيرِ رجحانٍ للمعنى على الذات كما في الصفة ، ولذلك لم يعمل عملها . (1/5)
وقيل : اشتقاقه من إلِهَ بمعنى تحير ، لأنه سبحانه يحارُ في شأنه العقول والأفهام . وأما أَلَهَ كعَبَدَ وزناً ومعنىً فمشتق من الإلَه المشتق من إلِهَ بالكسر ، وكذا تألَّه واستَأْلَه اشتقاق : استنوق واستحجر من الناقة والحَجَر . وقيل : من أَلِهَ إلى فلان أي سكن إليه ، لاطمئنان القلوب بذكره تعالى وسكون الأرواح إلى معرفته . وقيل : من أَلِهَ إذا فزِع من أمرٍ نزل به ، وآلَهَهُ غيرُه إذا أجاره ، إذ العائذُ به تعالى يفزَع إليه وهو يُجيره حقيقة أو في زعمه . وقيل : أصله لاهٌ على أنه مصدر من لاهَ يَلِيهُ بمعنى احتجب وارتفع ، أطلق على الفاعل مبالغة . وقيل : هو اسمُ علمٍ للذات الجليل ابتداء وعليه مدار أمر التوحيد في قولنا «لا إله إلاَّ الله» .
ولا يخفى أن اختصاصَ الاسم الجليل بذاته سبحانه بحيث لا يمكن إطلاقُه على غيره أصلاً كافٍ في ذلك ، ولا يقدَح فيه كونُ ذلك الاختصاصِ بطريق الغَلَبة بعد أن كان اسمَ جنسٍ في الأصل ، وقيل : هو وصفٌ في الأصل لكنه لما غلب عليه بحيث لا يُطلق على غيره أصلاً صار كالعلم ، ويردّه امتناعُ الوصف به .
وأعلم أن المراد بالمنَكَّر في كلمة التوحيد هو المعبودُ بالحق ، فمعناها : لافرادَ من أفراد المعبود بالحق إلا ذلك المعبودُ بالحق . وقيل : أصلُه لاَهَا بالسريانية فعُرِّب بحذف الألف الثانية ، وإدخال الألف واللام عليه وتفخيم لامه إذا لم ينكسر ما قبله سنة ، وقيل : مطلقاً ، وحذفُ ألفِه لحنٌ تفسد به الصلاة ، ولا ينعقد به صريحُ اليمين ، وقد جاء لضرورة الشعر في قوله :
ألا لا بارك اللَّهُ في سُهيل ... إذا ما اللَّهُ باركَ في الرجالِ (1/6)
و { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } صفتان مبنيتان من رَحِمَ «بعد جعله لازماً» بمنزلة الغرائز ، بنقله إلى رَحُمَ بالضم كما هو المشهور . وقد قيل : إن الرحيم ليس بصفة مشبَّهة ، بل هي صيغة مبالغة ، نص عليه سِيبَويه في قولهم : هو رحيمٌ فلاناً . والرحمة في اللغة رقة القلب والانعطاف ، ومنه الرَّحِمُ لانعطافها على ما فيها . والمراد هاهنا التفضل والإحسان ، وإرادتهما بطريق إطلاق اسم السبب بالنسبة إلينا على مسَبّبِهِ البعيد أو القريب ، فإنَّ أسماء الله تعالى تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادىء التي هي انفعالات . والأولُ من الصفات الغالبة حيث لم يطلق على غيره تعالى ، وإنما امتنع صرفُه إلحاقاً له بالأغلب في بابه من غير نظر إلى الاختصاص العارض ، فإنه كما حظِر وجود فعلى حُظِر وجود فعلانة ، فاعتبارُه يوجب اجتماعَ الصرف وعدمَه ، فلزم الرجوع إلى أصل هذه الكلمة قبل الاختصاص ، بأن تقاس إلى نظائرها من باب فَعِلَ يَفْعَلُ ، فإذا كانت كلها ممنوعة من الصرف لتحقق وجود فَعْلى فيها ، علم أن هذه الكلمة أيضاً في أصلها مما تحقق فيها وجود فعلى ، فتُمنع من الصرف ، وفيه من المبالغة ما ليس في الرحيم ولذلك قيل : يا رحمن الدنيا والآخرة ، ورحيم الدنيا وتقديمه مع كون القياسِ تأخيرَه رعايةً لأسلوب الترقي إلى الأعلى ، كما في قولهم فلان عالمٌ نِحْرير ، وشجاعٌ باسل ، وجَوَادٌ فيَّاض ، لأنه باختصاصه به عز وجل صار حقيقاً بأن يكون قريناً للاسم الجليل الخاص به تعالى ، ولأن ما يدل على جلائل النعم وعظائمها وأصولها أحقُّ بالتقديم مما يدل على دقائقها وفروعها . وإفراد الوصفين الشريفين بالذكر لتحريك سلسلة الرحمة .
{ الحمد للَّهِ } الحمد هو : النعتُ بالجميل على الجميل ، اختيارياً كان أو مبدأً له ، على وجه يُشْعِرُ بتوجيهه إلى المنعوت وبهذه الحيثية يمتازُ عن المدحِ ، فإنَّهُ خالٍ عنها ، يرشدك إلى ذلك ما ترى بينهما من الاختلاف في كيفية التعلق بالمفعول في قولك : حمدته ومدحته ، فإن تعلق الثاني بمفعوله على منهاج تعلق عامة الأفعال بمفعولاتها ، وأما الأولُ فتعلقه بمفعوله مُنْبىء عن معنى الإنهاء ، كما في قولك : كَلَّمْتُه ، فإنه مُعْرَبٌ عما تفيده لام التبليغ في قولك : قلتُ ، ونظيرُه وشَكَرْتُه وعبدتُه وخدمتُه ، فإن تعلّق كلَ منها منبىء عن المعنى المذكور ، وتحقيقُه : أن مفعول كلِّ فعلٍ في الحقيقة هو الحدث الصادرُ عن فاعله ولا يُتصور في كيفية تعلق الفعل به أيَّ فعل كان اختلافٌ أصلاً . وأما المفعولُ به الذي هو محلُّه وموقِعُه ، فلما كان تعلقه به ووقوعُه عليه على أنحاءَ مختلفةٍ حسبما يقتضيه خصوصياتُ الأفعال بحسب معانيها المختلفة ، فإن بعضها يقتضي أن يلابسه ملابسةً تامَّةً مؤثرة فيه كعامة الأفعال ، وبعضها يستدعي أن يلابسَه أدنى ملابسة .
إما بالانتهاء إليه كالإعانة مثلاً ، أو بالإبتداءِ منه كالإستعانة مثلاً ، اعتبر في كل نحو من أنحاءِ تعلّقِه به كيفية لائقةٌ بذلك النحو ، مغايرةٌ لما اعتبر في النحْوَيْنِ الأخيرين . (1/7)
فنظمُ القسمِ الأول من التعلق في سلك التعلقِ بالمفعولِ الحقيقي مراعاةً لقوة الملابسة ، وجُعِل كلُّ واحدٍ من القسمين الأخيرين من قبيل التعلق بواسطة الجارّ المناسب له ، فإن قولَكَ أعنتُه مشعرٌ بانتهاء الإعانةِ إليه ، وقولك استعنتُه بابتدائها منه ، وقد يكون لفعلٍ واحدٍ مفعولان يتعلق بأحدهما على الكيفية الأولى ، وبالآخَرِ على الثانية أو الثالثة ، كما في قولك حدثني الحديث ، وسألني المالَ ، فإن التحديثَ مع كونه فعلاً واحداً قد تعلّقَ بك على الكيفية الثانية ، وبالحديث على الأولى ، وكذا السؤال فإنه فعل واحد ، وقد تعلّق بك على الكيفية الثالثة وبالمال على الأولى .
ولا ريب في أن اختلافَ هذه الكيفيات الثلاثِ وتبايُنَها واختصاصَ كلَ من المفاعيلِ المذكورةِ بما نُسِبَ إليه منها مما لا يُتصور فيه تردُّدٌ ولا نَكيرٌ وإن كان لا يتضحُ حقَّ الاتضاح إلا عند الترجمة والتفسير ، وإن مدارَ ذلك الاختلاف ليس إلا اختلافَ الفعل أو اختلاف المفعول ، وإذ لاختلاف في مفعول الحمد والمدح تَعَيَّنَ أن اختلافهما في كيفيةِ التعلق ، لاختلافهما في المعنى قطعاً . هذا وقد قيلَ : المدحُ مطلقٌ عن قيدِ الإختيار ، يُقال : مدحتُ زيداً على حُسْنِهِ ورشاقةِ قَدِّهِ ، وأيًّاما كان فليس بينهما ترادفٌ ، بل أُخوّةٌ من جهةِ الاشتقاق الكبير ، وتناسبٌ تام في المعنى كالنصر والتأييد فإنهما متناسبان معنىً من غير ترادفٍ لما ترى بينهما من الاختلاف في كيفية التعلق بالمفعول ، وإنما مرادفُ النصر الإعانة ، ومرادف التأييد التقوية ، فتدبر .
ثم إن ما ذُكِرَ من التفسير هو المشهورُ من معنى الحمد ، واللائقُ بالإرادة في مقام التعظيم ، وأما ما ذُكِرَ في كُتُبِ اللغةِ من معنى الرضى مطلقاً كما في قوله تعالى : { عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } وفي قولهم : لهذا الأمر عاقبةٌ حميدةٌ ، وفي قول الأطباء : بُحْرَانٌ محمود ، مما لا يختص بالفاعل فضلاً عن الإختيار فبمعزل عن استحقاق الإرادة هاهنا استقلالاً ، أو استتباعاً بحملِ الحمدِ على ما يعم المعنيين ، إذ ليس في إثباته له عز وجل فائدةٌ يُعْتَدُ بها . وأما الشكْرُ فهو مقابلة النعمة بالثناء وآداب الجوارح ، وعقدُ القلبِ على وصفِ المنعم بنعت الكمال كما قال من قال :
أفادتكم النَّعْمَاءُ مني ثلاثة ... يدي ولساني والضميرَ المُحجبا
فإذن هو أعمُّ منهما من جهة ، وأخص من أخرى . ونقيضُهُ الكفران ، ولما كان الحمد من بين شُعَبِ الشكر أَدْخَلَ في إشاعةِ النعمةِ والاعتدادِ بشأنِها ، وأدلَّ على مكانها لِما في عمل القلب من الخفاء ، وفي أعمال الجوارحِ من الاحتمال ، جُعِلَ الحمدُ رأسَ الشكر ، ومِلاكاً لأمره في قوله صلى الله عليه وسلم : « الحمدُ رأسُ الشُّكرِ ، ما شكرَ الله عبدٌ لم يحمدْهُ »
وارتفاعُهُ بالابتداء ، وخبرُه الظرف ، وأصلُه النَصْبُ كما هو شأن المصادر المنصوبة بأفعالها المُضمرة التي لا تكاد تُستعمل معها ، نحو شُكراً وعجباً ، كأنه قيل : نحمد الله حمداً بنون الحكاية ، ليوافق ما في قوله تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } لاتحاد الفاعل في الكل ، وأما ما قيل من أنه بيانٌ لحمدِهم له تعالى ، كأنَّهُ قيل : كيف تحمَدون؟ فقيل : إياكَ نعبد فمع أنه لا حاجةَ إليه مما لا صحةَ له في نفسِهِ ، فإنَّ السؤالَ المقدرَ لا بدَّ أنْ يكون بحيثُ يقتضيهِ انتظامُ الكلامِ وينساقُ إليه الأذهانُ والأفهامُ ، ولا ريبَ في أن الحامد بعد ما ساق حمده تعالى على تلك الكيفيةِ اللائقةِ لا يَخْطُرُ ببالِ أحدٍ أن يسألَ عن كيفيتهِ على أنَّ ما قُدِرَ من السؤال غيرُ مطابقٍ للجواب ، فإنه مسوقٌ لتعيين المعبود ، لا لبيان العبادة ، حتى يُتَوَهم كونُه بياناً لكيفية حمدهم والاعتذارُ بأن المعنى نخصك بالعبادة وبه يتبين كيفيةُ الحمد تعكيسٌ للأمرِ ، وتَمَحّلٌ لتوفيق المُنَّزَل المقرَّرِ بالموهومِ المُقدّر . (1/8)
وبعدَ اللُّتَيا والتي أنْ فُرِضَ السؤال من جهتِهِ عز وجل فأتَتْ نُكْتَت الإلتفاتِ التي أجمع عليها السلف والخلف ، وإن فُرِضَ من جهةِ الغيرِ يختلُ النظام لابتناءِ الجوابِ على خطابِهِ تعالى ، وبهذا يتضحُ فسادَ ما قيل : أنه استئنافٌ جواباً لسؤال يقتضيه إجراءُ تلك الصفات العظامِ على الموصوف بها ، فكأنه قيل : ما شأنُكم معه وكيف توجُّهكم إليه ، فأجيب بحصْر العبادة والاستعانة فيه ، فإن تناسِيَ جانبِ السائل بالكلية وبناءَ الجواب على خِطابه عز وعلا مما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيل عن أمثاله .
والحقُّ الذي لا محيدَ عنه أنَّهُ استئنافٌ صدرَ عن الحامد بمحضِ ملاحظةِ اتصافِهِ تعالى بما ذُكِرَ من النعوت الجليلةِ الموجبة للإقبال الكليّ عليه ، من غير أن يتوسط هناك شيء آخرُ كما ستحيط به خُبرا ، وإيثارُ الرفعِ على النصب الذي هو الأصلُ للإيذان بأن ثبوتَ الحمد له تعالى لذاته لا لإثبات مُثبت ، وأن ذلك أمرٌ دائمٌ مستمرٌ لا حادثٌ متجددٌ كما تفيده قراءةُ النصب ، وهو السر في كون تحية الخليل للملائكة عليهم التحيةُ والسلام أحسنَ من تحيتهم له في قوله تعالى : { قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ } وتعريفُه للجنس ، ومعناه الإشارةُ إلى الحقيقة من حيث هي حاضرةٌ في ذهن السامع ، والمراد تخصيصُ حقيقةِ الحمدِ به تعالى المستدعي لتخصيص جميعِ أفرادِها به سبحانه على الطريق البرهاني ، لكن لا بناءً على أن أفعال العبادِ مخلوقةٌ له تعالى ، فتكونَ الأفرادُ الواقعة بمقابلة ما صدر عنهم من الأفعال الجميلة راجعةً إليه تعالى ، بل بناءً على تنزيل تلك الأفراد ودواعيها في المقام الخطابيّ منزلةَ العدم كيفاً وكماً .
وقد قيل : للإستغراق الحاصل بالقصد إلى الحقيقة من حيث تحققُها في ضمن جميع أفرادها ، حسبما يقتضيه المقام ، وقرىء : الحمدُ لُلَّهِ بكسر الدال إتباعاً لها باللام ، وبضم اللام إتباعاً لها بالدال ، بناء على تنزيل الكلمتين لكثرة استعمالهما مقترنتين منزلة كلمةٍ واحدة ، مثل المِغِيرة ومُنْحَدُرُ الجبل .
{ رَبّ العالمين } بالجر على أنه صفة لله ، فإن إضافته حقيقيةً مفيدةٌ للتعريف على كل حال ، ضرورةَ تعيُّن إرادة الاستمرار ، وقرىء منصوباً على المدح ، أو بما دلت عليه الجملةُ السابقة ، كأنه قيل : نحمد الله ربَّ العالمين ولا مساغَ لنصبه بالحمد لقلة أعمال المصدر المُحلى باللام ، وللزوم الفصل بين العامل والمعمول بالخبر ، والرب : في الأصل مصدرٌ بمعنى التربية وهي تبليغُ الشيءِ إلى كماله شيئاً فشيئاً ، وُصف به الفاعل مبالغةً كالعدل . (1/9)
وقيل : صفة مشبهة ، من ربَّه يرُبُّه ، مثل نمَّه يُنمُّه ، بعد جعله لازماً بنقله إلى فعُل بالضم ، كما هو المشهور ، سُمّي به المالكُ لأنه يحفظ ما يملِكه ويربيه ، ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيداً كربُّ الدار وربُّ الدابة ، ومنه قوله تعالى : { فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا } وقوله تعالى : { ارْجِعْ إِلَى رَبّكَ } وما في الصحيحين من أنه صلى الله عليه وسلم قال : « لا يَقُل أحدُكم أطعِمْ ربك ، وضِّىء ربَّك ، ولا يَقُلْ أحدُكم ربِّي ، ولْيَقُل سَيّدي ومولاي »
فقد قيل : إن النهيَ فيه للتنزيه ، وأما الأربابُ فحيث لم يمكن إطلاقُه على الله سبحانه جاز في إطلاقه الإطلاق والتقييد ، كما في قوله تعالى : { مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ } الآية . و ( العالم ) اسمٌ لما يُعْلَم به ، كالخاتَم والقالَب ، غلب فيما يُعْلَم به الصانعُ تعالى من المصنوعات أي في القَدْرِ المشترك بين أجناسها وبين مجموعِها ، فإنه كما يُطلق على كل جنسٍ جنسٌ منها في قولهم عالم الأفلاك ، وعالمُ العناصر ، وعالمُ النبات ، وعالم الحيوان ، إلى غير ذلك ، يطلق على المجموع أيضاً ، كما في قولنا العالم بجميع أجزائه مُحْدَث ، وقيل : هو اسم لأولي العلم من الملائكة والثقلين وتناولُه لما سواهم بطريق الاستتباع .
وقيل : أريد به الناسُ فقط ، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهم من حيث اشتمالُه على نظائِر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض يُعلم بها الصانع ، كما يُعلم بما في كل عالَم على حِيالِه ، ولذلك أمُر بالنظر في الأنفس كالنظر في الآفاق ، فقيل : { وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } والأول هو الأحق الأظهر ، وإيثارُ صيغة الجمع لبيان شمول ربوبيته تعالى لجميع الأجناس ، والتعريفُ لاستغراق أفراد كلَ منها بأسرها ، إذ لو أفرد لربما تُوهِّم أن المقصود بالتعريف هو الحقيقة من حيث هي ، أو استغراقُ أفرادِ جنسٍ واحد على الوجه الذي أشير إليه في تعريف الحمد ، وحيث صح ذلك بمساعدة التعريف نُزِّلَ العالم وإن لم يُطلق على آحاد مدلوله منزلة الجمع ، حتى قيل : إنه جمعٌ لا واحد له من لفظه ، فكما أن الجمعَ المعَرَّفَ يستغرق آحادَ مُفرَدِه وإن لم يصدُقْ عليها كما في مثل قوله تعالى : { وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } أي كلَّ محسن ، كذلك العالمُ يشملُ أفرادَ الجنسِ المسمَّى به ، وإن لم يُطلق عليها ، كأنها آحادُ مفردِه التقديريّ ، ومن قضية هذا التنزيلِ تنزيلُ جمعِه منزلةَ جمعِ الجمع ، فكما أن الأقاويلَ تتناول كلَّ واحد من آحادِ الأقوال ، يتناول لفظُ العالمين كلَّ واحد من آحادِ الأجناس التي لا تكاد تُحصى .
روي عن وهْب ابن منبه أنه قال : «لله تعالى ثمانيةَ عشرَ ألفَ عالَم ، والدنيا عالم منها» وإنما جُمِع بالواو والنون مع اختصاصِ ذلك بصفاتِ العُقلاء وما في حكمها من الأعلام لدلالته على معنى العَلَم ، مع اعتبار تغليبِ العقلاء على غيرهم . واعلم أن عدم إطلاقِ اسم العالَم على كل واحد من تلك الآحادِ ليس إلا باعتبار الغلَبة والاصطلاح ، وأما باعتبار الأصل فلا ريب في صحة الإطلاقِ قطعاً لتحقّق المصداقِ حتماً ، فإنه كما يُستدل على الله سبحانه بمجموع ما سواه ، وبكل جنسٍ من أجناسِه يُستدل عليه تعالى بكل جزءٍ من أجزاءِ ذلك المجموع ، وبكل فردٍ من أفراد تلك الأجناس ، لتحقّق الحاجةِ إلى المؤثِّر الواجب لذاته في الكُلِّ ، فإنَّ كل ما ظهرَ في المظاهر مما عزَّ وهانَ وحضَرَ في هذه المحاضر كائناً ما كان دليلٌ لائح على الصانع المجيد ، وسبيلٌ واضح إلى عالم التوحيد ، وأما شمولُ ربوبيته عز وجل للكل فمما لا حاجة إلى بيانه ، إذ لا شيءَ مما أحدق به نطاقُ الإمكان والوجود من العُلويات والسُفليات والمجرّدات والماديات والروحانيات والجسمانيات إلا وهو في حدّ ذاته بحيث لو فُرض انقطاعُ آثارِ التربية عنه آناً واحداً لما استقر له القرار ، ولا اطمأنت به الدار ، إلا في مطمورة العدم ومهاوي البوار ، لكن يُفيضُ عليه من الجناب الأقدس ، تعالى شأنُه وتقدس ، في كل زمانٍ يمضي ، وكل آنٍ يمر وينقضي ، من فنون الفيوضِ المتعلقةِ بذاته ، ووجودِه وصفاتِه وكمالاتِه مما لا يحيطُ به فَلَكُ التعبير ولا يعلمه إلا العليمُ الخبير ، ضرورةَ أنه كما لا يستحق شيءٌ من الممكنات بذاتِه الوجودَ ابتداءً لا يستحقه بقاءً ، وإنما ذلك من جناب المُبدأ الأول عز وعلا ، فكما لا يُتصور وجودُه ابتداءً ما لم ينسدَّ عليه جميعُ أنحاءِ عدمِه الأصلي ، لا يتصور بقاؤُه على الوجود بعد تحققه بعِلَّته ما لم ينسدَّ عليه جميعُ أنحاءِ عدمِه الطارىء ، لما أن الدوام من خصائص الوجودِ الواجبي ، وظاهرٌ أن ما يتوقف عليهما وجودُه من الأمور الوجودية التي هي عِلَلُهُ وشرائِطُه وإن كانت متناهيةً لوجوب تناهي ما دخلَ تحتَ الوجود ، لكنِ الأمورُ العدميةُ التي لها دخلٌ في وجوده وهي المعبَّر عنها بارتفاع الموانع ليست كذلك ، إذْ لا استحالة في أن يكون لشيءٍ واحدٍ موانعُ غيرُ متناهية يتوقف وجودُه أو بقاؤه على ارتفاعها ، أو بقائها على العدم مع إمكان وجودها في نفسها ، فإبقاءُ تلك الموانِع التي لا تتناهى على العدم تربيةٌ لذلك الشيءِ من وجوهٍ غيرِ متناهية . (1/10)
وبالجملة فآثارُ تربيتِه عز وجل الفائضةُ على كل فرد من أفراد الموجودات في كل آنٍ من آنات الوجود غيرُ متناهية ، فسبحانه ما أعظمَ شأنَه لا تلاحظه العيونُ بأنظارها ، ولا تطالعُه العقولُ بأفكارها ، شأنُه لا يُضاهى ، وإحسانُه لا يتناهى ، ونحن في معرفته حائِرون ، وفي إقامة مراسمِ شكرِه قاصرون ، نسألك اللهم الهدايةَ إلى مناهج معرفتِك ، والتوفيقَ لأداء حقوقِ نعمتك ، لا نُحصي ثناءً عليك لا إله إلاّ أنت ، نستغفرُك ونتوب إليك .
{ الرحمن الرحيم } صفتان لله ، فإن أريد بما فيهما من الرحمة ما يختص بالعقلاء من العالمين أو ما يَفيضُ على الكل بعد الخروج إلى طوْر الوجودِ من النعم ، فوجهُ تأخيرِهما عن وصف الربوبية ظاهر ، وإن أريد ما يعمّ الكلَّ في الأطوار كلِّها حسبما في قوله تعالى : { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } فوجهُ الترتيب أن التربية لا تقتضي المقارنة للرحمة ، فإيرادُهما في عقبها للإيذان بأنه تعالى متفضلٌ فيها ، فاعلٌ بقضية رحمتِه السابقةِ من غير وجوبٍ عليه ، وبأنها واقعةٌ على أحسنِ ما يكون ، والاقتصارُ على نعته تعالى بهما في التسمية لما أنه الأنسبُ بحال المتبرِّك المستعين باسمه الجليل ، والأوفقُ لمقاصده . (1/11)
{ مالك يَوْمِ الدين } صفةٌ رابعة له تعالى ، وتأخيرُها عن الصفات الأُوَل مما لا حاجة إلى بيان وجهِه ، وقرأ أهلُ الحرمَيْن المحترمَيْن ( ملِك ) من المُلْك الذي هو عبارةٌ عن السلطان القاهر ، والاستيلاءِ الباهر ، والغلبةِ التامة ، والقُدرةِ على التصرف الكليّ في أمور العامة ، بالأمر والنهي ، وهو الأنسبُ بمقام الإضافة إلى يوم الدين ، كما في قوله تعالى : { لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ } وقرىء ( مَلْكِ ) بالتخفيف و ( مَلَكَ ) بلفظ الماضي ، ( ومَالِكَ ) بالنصب على المدح ، أو الحال ، وبالرفع منوناً ومضافاً على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوف ، ( وملِكُ ) مضافاً وبالرفع والنصب . واليومُ في العرف عبارةٌ عما بين طلوعِ الشمس وغروبها من الزمان ، وفي الشرع عما بين طلوعِ الفجرِ الثاني وغروبِ الشمس ، والمرادُ هاهنا مطلقُ الوقت . والدينُ الجزاءُ خيراً كان أو شرًّا ، ومنه الثاني في المثل السائر كما تَدين تُدان ، والأول في بيت الحماسة :
ولم يبقَ سوى العُدوا ... نِ دِنّاهم كما دانوا
وأما الأول في الأول والثاني في الثاني فليس بجزاءٍ حقيقة ، وإنما سُمّي به مشاكلة ، أو تسميةٌ للشيء باسم مسبَّبِهِ كما سُميت إرادةُ القيام والقراءة باسمهما في قوله عز اسمه : { ياأيها الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا } وقوله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بِاللَّهِ } ولعله هو السرُّ في بناء المفاعلة من الأفعال التي تقوم أسبابُها بمفعولاتها ، نحو عاقبتُ اللصَّ ونظائرِه ، فإن قيام السرقة التي هي سببٌ للعقوبة باللص نُزّل منزلةَ قيام المسبَّبِ به ، وهي العقوبة ، فصار كأنها قامت بالجانبين ، وصدَرَت عنهما ، فَبُنيت صيغةُ المفاعلةِ الدالَّةِ على المشاركة بين اثنين . وإضافةُ اليوم إليه لأدنى ملابسةٍ كإضافة سائرِ الظروفِ الزمانية إلى ما وقع فيها من الحوادث ، كيوم الأحزابِ وعامِ الفتح ، وتخصيصُه من بين سائرِ ما يقع فيه من القيامة والجمعِ والحسابِ لكونه أدخلَ في الترغيب والترهيب ، فإن ما ذكر من القيامة وغيرِها من مبادىءِ الجزاءِ ومقدِّماته ، وإضافةُ ( مالك ) إلى اليوم ( من ) إضافة اسم الفاعل إلى الظرف ، على نهج الاتساعِ المبنيّ على إجرائه مجرى المفعولِ به ، مع بقاء المعنى على حاله ، كقولهم : يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار .
أي : مالِكَ أمورِ العالمين كلِّها في يومِ الدين . وخُلوُّ إضافتِه عن إفادة التعريفِ المسوّغ لوقوعه صفةً للمعرفة إنما هو إذا أُريد به الحالُ ، أو الاستقبالُ ، وأما عند إرادة الاستمرارِ الثبوتيّ كما هو اللائقُ بالمقام فلا ريب في كونها إضافةً حقيقية كإضافة الصفة المشبهة إلى غير معمولها في قراءة ( ملك يوم الدين ) . (1/12)
ويومُ الدين وإن لم يكن مستمراً في جميع الأزمنة إلا أنه لتحقق وقوعِه وبقائه أبداً أُجْرِيٍ مجرى المتحقّقِ المستمر . ويجوز أن يُراد به الماضي بهذا الاعتبار ، كما تشهد به القراءةُ على صيغة الماضي ، وما ذكر من إجراء الظرف مُجرى المفعولِ به إنما هو من حيث المعنى ، لا من حيث الإعراب ، حتى يلزمَ كونُ الإضافة لفظية ، ألا ترى أنك تقول في : مالكُ عبدِه أمسِ إنه مضاف إلى المفعول به ، على أنه كذلك معنىً ، لا أنه منصوب محلاً ، وتخصيصُه بالإضافة إما لتعظيمه وتهويله ، أو لبيان تفرّدهِ تعالى بإجراء الأمر فيه ، وانقطاعِ العلائق المجازية بين المُلاَّك والأمْلاَك حينئذٍ بالكلية ، وإجراءُ هاتيك الصفاتِ الجليلةِ عليه سبحانه تعليلٌ لما سبق من اختصاص الحمدِ به تعالى ، المستلزمِ لاختصاص استحقاقِه به تعالى ، وتمهيدٌ لما لَحِقَ من اقتصار العبادةِ والاستعانةِ عليه ، فإنَّ كلَّ واحدةٍ منها مفصِحةٌ عن وجوب ثبوتِ كلِّ واحدٍ منها له تعالى ، وامتناعِ ثبوتِها لما سواه .
أما الأولى والرابعةُ فظاهرٌ ، لأنهما متعرِّضتان صراحةً لكونه تعالى رباً مالكاً وما سواه مربوباً مملوكاً له تعالى .
وأما الثانية والثالثة فلأن اتصافَه تعالى بهما ليس إلا بالنسبة إلى ما سواه من العالمين وذلك يستدعي أن يكون الكلُّ منعماً عليهم ، فظهر أن كل واحدةٍ من تلك الصفات كما دلت على وجوب ثبوتِ الأمورِ المذكورةِ له تعالى دلت على امتناع ثبوتِها لما عداه على الإطلاق ، وهو المعنى بالاختصاص .
{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } .
( سر تكرار الفاتحة في الصلاة )
التفات من الغَيْبة إلى الخطاب ، وتلوينٌ للنظم من باب إلى باب ، جارٍ على نهج البلاغة في افتنان الكلام ، ومسلَكِ البراعة حسبما يقتضي المقام ، لما أن التنقلَ من أسلوب إلى أسلوب ، أدخلُ في استجلاب النفوسِ واستمالةِ القلوب يقع من كل واحدٍ من التكلم والخطاب والغَيبة إلى كل واحد من الآخَرَيْن ، كما في قوله عز وجل : { والله الذى أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً } الآية ، وقوله تعالى : { حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم } إلى غير ذلك من الالتفاتات الواردةِ في التنزيل لأسرارٍ تقتضيها ، ومزايا تستدعيها ، ومما استَأثر به هذا المقام الجليلِ من النُكت الرائقةِ الدالةِ على أن تخصيصَ العبادةِ والاستعانةِ به تعالى لما أُجريَ عليه من النعوت الجليلة التي أوجبت له تعالى أكملَ تميّز ، وأتمَّ ظهورٍ ، بحيث تبدّل خفاءُ الغَيبة بجلاءِ الحضور ، فاستدعى استعمالَ صيغةِ الخطاب ، والإيذانَ بأن حقّ التالي بعد ما تأمل فيما سَلَف من تفرّده تعالى بذاته الأقدس ، المستوجبِ للعبودية ، وامتيازِه بذاته عما سواه بالكلية ، واستبدادِه بجلائل الصفات وأحكام الربوبية المميِّزة له عن جميع أفرادِ العالمين ، وافتقارِ الكلِّ إليه في الذات والوجودِ ابتداءً وبقاءً ، على التفصيل الذي مرَّت إليه الإشارةُ أن يترقى من رتبة البرهان إلى طبقة العيان ، وينتقلَ من عالم الغَيبة إلى معالم الشهود ، ويلاحظَ نفسَه في حظائر القدْسِ حاضراً في محاضر الأنس ، كأنه واقفٌ لدى مولاه ماثلٌ بين يديه ، وهو يدعو بالخضوع والإخبات ، ويقرَعُ بالضَّراعة بابَ المناجاة قائلاً : يا من هذه شوؤنُ ذاتهِ وصفاتهِ ، نخصُّك بالعبادة والاستعانة ، فإن ما سواك كائناً ما كان بمعزل من استحقاق الوجود ، فضلاً عن استحقاق أن يُعبد ويُستعان ، ولعل هذا هو السرُ في اختصاص السورةِ الكريمة بوجوب القراءة في كل ركعةٍ من الصلاة التي هي مناجاةُ العبدِ لمولاه ومِنّتُه للتبتل إليه بالكلية .
و ( إيا ) ضميرٌ منفصلٌ منصوبٌ ، وما يلحَقه من الكاف والياءِ والهاءِ حروفٌ زيدت لتعيين الخطاب ، والتكلمُ والغَيبةُ لا محل لها من الإعراب ، كالتاء في أنت والكاف في أرأيتَكَ ، وما ادعاه الخليلُ من الإضافة محتجاً عليه بما حكاه عن بعض العرب : إذا بلغ الرجلُ الستين فإياه وإيا الشوابِّ ، فمما لا يعول عليه . وقيل : هي الضمائر ، وإيا دِعامةٌ لها لتُصيرَها منفصلة ، وقيل : الضميرُ هو المجموع ، وقُرِىء ( إَيَّاك ) بالتخفيف وبفتح الهمزة والتشديد ، وهياك بقلب الهمزة هاء . (1/13)
( معنى العبادة والعبودية والاستعانة )
والعبادةُ أقصى غايةِ التذلل والخضوع ، ومنه طريقٌ معبّدٌ أي مذَلَّل ، والعبوديةُ أدنى منها ، وقيل : العبادةُ فعلُ ما يرضَى به الله ، والعبوديةُ الرضى بما فعلَ الله تعالى ، والاستعانةُ طلبُ المعونةِ على الوجه الذي مر بيانه ، وتقديم المفعول فيهما لما ذُكر من القصر والتخصيص ، كما في قوله تعالى : { وَإِيَّاىَ فارهبون } مع ما فيه من التعظيم والاهتمامِ به ، قال ابنُ عباس رضي الله عنهما : معناه نعبدك ولا نعبد غيرَك ، وتكريرُ الضمير المنصوبِ للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة ، ولإبراز الاستلذاذِ بالمناجاة والخطاب ، وتقديمُ العبادة لِما أنها من مقتَضَيات مدلولِ الاسم الجليل ، وإن ساعدته الصفاتُ المُجْراةُ عليه أيضاً ، وأما الاستعانةُ فمن الأحكامِ المبنية على الصفات المذكورة ولأن العبادةَ من حقوق الله تعالى ، والاستعانة من حقوق المُستعين ، ولأن العبادة واجبة حتماً ، والاستعانةُ تابعةٌ للمستعان فيه في الوجوب وعدمِه ، وقيل : لأن تقديمَ الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول ، هذا على تقدير كونِ إطلاقِ الاستعانةِ ( على المفعول فيه ) ليتناول كلَّ مستعانٍ فيه ، كما قالوا ، وقد قيل : إنه لما كان المسؤولُ هو المعونةَ في العبادة والتوفيقَ لإقامة مراسِمِهما على ما ينبغي ، وهو اللائقُ بشأن التنزيل ، والمناسبُ لحال الحامد ، فإن استعانتَه مسبوقةٌ بملاحظة فعلٍ من أفعاله ، ليستعينَه تعالى في إيقاعه ، ومن البيِّن أنه عند استغراقه في ملاحظة شؤونه تعالى ، واشتغالِهِ بأداء ما تُوجبه تلك الملاحظةُ من الحمد والثناء ، لا يكادُ يخطُر بباله من أفعاله وأحواله إلا الإقبالُ الكليُّ عليه ، والتوجهُ التامّ إليه ، ولقد فَعل ذلك بتخصيص العبادةِ به تعالى أولاً ، وباستدعاء الهدايةِ إلى ما يوصِلُ إليه آخِراً ، فكيف يُتصور أن يَشتغل فيما بينهما بما لا يَعنيه من أمور دنياه أو بما يعمُّها وغيرَها ، كأنه قيل : وإياك نستعين في ذلك ، فإنّا غيرُ قادرين على أداء حقوقِك من غير إعانةٍ منك ، فوجهُ الترتيب حينئذٍ واضح ، وفيه من الإشعار بعلوّ رُتبةِ عبادته تعالى وعزّةِ منالِها ، وبكونها عند العابدِ أشرفَ المباغي والمقاصدِ وبكونها من مواهبهِ تعالى لا من أعمال نفسِه ، ومن الملأَمة لما يعقبُه من الدعاء ما لا يخفى .
وقيل : الواوُ للحال ، أي إياك نعبدُ مستعينين بك ، وإيثارُ صيغةِ المتكلم مع الغير في الفعلين للإيذان بقصورِ نفسه ، وعدمِ لِياقتِه للوقوف في مواقف الكبرياءِ منفرداً ، وعَرْضِ العبادة ، واستدعاءِ المعونة والهداية مستقلاً ، وأن ذلك إنما يُتصور من عصابةٍ هو من جُملتهم ، وجماعةٍ هو من زُمرتهم ، كما هو ديدَنُ الملوك ، أو للإشعار باشتراك سائر الموحِّدين له في الحالة العارضة له ، بناءً على تعاضُد الأدلةِ المُلْجئة إلى ذلك ، وقُرىء ( نِسْتعين ) بكسر النون على لغة بني تميم . (1/14)
{ اهدنا الصراط المستقيم } إفراد لمعظم أفراد المعونة المسؤولة بالذكر ، وتعيينٌ لما هو الأهمُ أو بيان لها ، كأنه قيل : كيف أُعينكم فقيل : اهدنا .
( تعريف الهداية وأنواعها )
والهدايةُ دلالةٌ بلطفٍ على ما يوصِلُ إلى البُغية ، ولذلك اختصّتْ بالخير ، وقوله تعالى : { فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِراطِ الجحيم } وارد على نهج التهكّم ، والأصلُ تعديتُها بإلى واللام ، كما في قوله تعالى : { قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى الحق قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ } فعومل معاملةَ اختارٍ في قوله تعالى : { واختار مُوسَى قَوْمَهُ } وعليه قولُه تعالى : { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } وهدايةُ الله تعالى مع تنوعها إلى أنواع لا تكاد تُحصر منحصرةٌ في أجناس مترتبة ، ( منها ) أنفسيةٌ ، كإفاضة القُوى الطبيعيةِ والحيوانية التي بها يصدُر عن المرء فاعليته الطبيعية الحيوانية ، والقوى المدرِكة ، والمشاعرُ الظاهرةُ والباطنة التي بها يتمكن من إقامة مصالِحه المعاشيةِ والمعاديّة ، ( ومنها ) آفاقيةٌ ، فإما تكوينيةٌ مُعْرِبة عن الحق بلسان الحال ، وهي نصبُ الأدلةِ المُودَعةِ في كل فردٍ من أفراد العالم حسبما لُوِّحَ به فيما سلف ، وإما تنزيليةٌ مُفْصِحةٌ عن تفاصيل الأحكامِ النظريةِ والعمليةِ بلسان المقالِ ، بإرسال الرسل ، وإنزال الكتبِ المنطويةِ على فنون الهدايات التي من جملتها الإرشادُ إلى مسلك الاستدلالِ بتلك الأدلة التكوينيةِ الآفاقيةِ والأنفسية ، والتنبيهُ على مكانها ، كما أشير إليه مُجملاً في قوله تعالى :
{ وَفِى الأرض ءايَاتٌ لّلْمُوقِنِينَ وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } وفي قوله عز وعلا : { إِنَّ فِى اختلاف اليل والنهار وَمَا خَلَقَ الله فِى السموات والأرض لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } ( ومنها ) الهدايةُ الخاصة وهي كشفُ الأسرارِ على قلب المُهْدَى بالوحي ، أو الإلهام . (1/15)
ولكل مرتبةٍ من هذه المراتب صاحبٌ ينتحيها ، وطالبٌ يستدعيها ، والمطلوب إما زيادتُها كما في قوله تعالى : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } وإما الثباتُ عليها كما روي عن علي وأبي رضي الله عنهما : إهدنا ثبّتنا ، ولفظ الهداية على الوجه الأخير مَجازٌ قطعاً ، وأما على الأول فإن اعتُبر مفهومُ الزيادة داخلاً في المعنى المستعمل فيه كان مجازاً أيضاً ، وإن اعتُبر خارجاً عنه مدلولاً عليه بالقرائنِ كان حقيقة ، لأن الهداية الزائدةَ هداية ، كما أن العبادة الزائدةَ عبادة ، فلا يلزم الجمعُ بين الحقيقة والمجاز ، وقُرىء أرشِدْنا ، والصراطُ الجادةُ وأصلُه السين ، قُلبت صاداً لمكان الطاء كمصيطر في مسيطر ، من سَرَط الشيء إذا ابتلعه ، سُمّيت به لأنها تسترِطُ السابلةَ إذا سلكوها ، كما سميت لَقْماً لأنها تلتقمهم وقد تُشَمُّ الصاد صوت الزاي تحرياً للقرب من المبدَل منه . وقد قرىء بهن جميعاً ، وفُصحاهن إخلاصُ الصاد ، وهي لغة قريش ، وهي الثابتةُ في الإمام ، وجمعه صُرُط ككتاب وكُتب ، وهو كالطريق والسبيل في التذكير والتأنيث ، و ( المستقيمُ ) المستوي ، والمراد به طريقُ الحق وهي الملة الحنيفية السمْحة المتوسطةُ بين الإفراط والتفريط .
{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدلٌ من الأول بدلَ كل ، وهو في حكم تكريرِ العامل من حيث إنه المقصودُ بالنسبة ، وفائدتُه التأكيدُ والتنصيصُ على أن طريق الذين أنعم الله عليهم وهم المسلمون هو العَلَمُ في الاستقامة ، والمشهودُ له بالاستواء بحيث لا يذهب الوهمُ عند ذكر الطريقِ المستقيم إلا إليه .
وإطلاقُ الإنعامِ لقصد الشمول ، فإن نِعمةَ الإسلام عنوانُ النعم كلِّها ، فمن فاز بها فقد حازها بحذافيرها . وقيل : المراد بهم الأنبياءُ عليهم السلام ، ولعل الأظهرَ أنهم المذكورون في قوله عز قائلاً : { فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } بشهادة ما قبله من قوله تعالى : { وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِراطاً مُّسْتَقِيماً } وقيل : هم أصحابُ موسى وعيسى عليهما السلام قبل النسخِ والتحريفِ ، وقُرىءَ صراطَ مَنْ أنعمتَ عليهم ، والإنعامُ إيصالُ النعمة وهي في الأصل الحالةُ التي يستلِذُّها الإنسان ، من النعمة وهي اللينُ ، ثم أطلقت على ما تستلذّه النَّفسُ من طيّبات الدنيا .
ونِعَمُ الله تعالى مع استحالة إحصائِها تنحصرُ أصولُها في دنيويٍ وأُخروي والأول قسمان : وهبيّ وكسبيّ ، والوهبي أيضاً قسمان : روحاني كنفخ الروح فيه ، وإمدادِه بالعقل ، وما يتبعه من القُوى المدرِكة ، فإنها مع كونها من قبيل الهدايات نعمٌ جليلة في أنفسها ، وجُسماني كتخليق البدن والقُوى الحالَّةِ فيه ، والهيئاتِ العارضةِ له من الصّحة وسلامةِ الأعضاء ، والكسبيُّ تخليةُ النفسِ عن الرذائل ، وتحليتُها بالأخلاقِ السَّنية ، والملَكات البهيَّة ، وتزيينُ البدن بالهيئات المطبوعة والحلى المرضية ، وحصول الجاه والمال .
والثاني مغفرةُ ما فَرط منه ، والرضى عنه ، وتَبْوئتُه في أعلى عليين ، مع المقربين ، والمطلوبُ هو القسم الأخير ، وما هو ذريعةٌ إلى نيلِه من القسم الأول ، اللهم ارزُقنا ذلك بفضلك العظيم ، ورحمتِك الواسعة . (1/16)
{ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالّينَ } صفةٌ للموصول على أنه عبارةٌ عن إحدى الطوائفِ المذكورةِ المشهورةِ بالإنعام عليهم ، وباستقامة المسْلك ، ومن ضرورة هذه الشهرةِ شهرتُهم بالمغايَرَة لما أضيف إليه كلمةُ ( غير ) من المتصفين بضدَّي الوصفين المذكورين ، أعني مطلقَ المغضوب عليهم والضالين ، فاكتسبت بذلك تَعرُّفاً مصححاً لوقوعها صفةً للمعرفة كما في قولك : عليك بالحركة غيرِ السكون ، وُصفوا بذلك تكملةً لما قبله وإيذاناً بأن السلامة مما ابتُلي به أولئك نعمةٌ جليلةٌ في نفسها ، أي الذين جمعوا بين النعمة المُطلقة التي هي نعمةُ الإيمان ونعمةُ السلامة من الغضب والضلال . وقيل : المرادُ بالموصول طائفةٌ من المؤمنين لا بأعيانهم ، فيكون بمعنى النكرة كذي اللام إذا أريد به الجنسُ في ضمن بعضِ الأفراد لا بعينه ، وهو المسمى بالمعهود الذهني ، وبالمغضوب عليهم والضالين اليهودُ والنصارى ، كما ورد في مسند أحمدَ والترمذي فيبقى لفظُ ( غير ) على إبهامه نكرةً مثل موصوفِه ، وأنت خبير بأن جعْلَ الموصول عبارةَ عما ذكر من طائفةٍ غيرِ معيَّنة مُخلٌّ ببدليةِ ما أضيف إليه مما قبله فإن مدارَها كونُ صراطِ المؤمنين علَماً في الاستقامة مشهوداً له بالاستواء على الوجه الذي تحقَّقْتَه فيما سلف ، ومن البيِّن أن ذلك من حيثُ إضافتُه وانتسابُه إلى كلهم لا إلى بعضٍ مُبْهَمٍ منهم ، وبهذا تبين ألاَّ سبيلَ إلى جعل : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } بدلاً من الموصول ، لما عرفت من أن شأنَ البدلِ أن يُفيدَ متبوعَهُ مزيدَ تأكيدٍ وتقرير ، وفضلَ إيضاحٍ وتفسيرٍ ، ولا ريب في أن قصارى أمرِ ما نحن فيه أن يكتسبَ مما أضيف إليه نوعَ تعرُّفٍ مصحِّحٍ لوقوعه صفةً للموصول ، وأما استحقاقُ أن يكون مقصوداً بالنسبة مفيداً لما ذكر من الفوائد فكلاّ . وقُرىء بالنصب على الحال ، والعاملُ أنعمتَ ، أو على المدح ، أو على الاستثناء إنْ فُسّر النعمةُ بما يعمُّ القليل .
والغضبُ هيجانُ النفس لإرادة الانتقام ، وعند إسنادِه إلى الله سبحانه يُراد به غايتُه بطريق إطلاقِ اسمِ السبب بالنسبة إلينا على مسبّبِهِ القريبِ إنْ أريد به إرادةُ الانتقام ، وعلى مسبّبِهِ البعيدِ إن أريد به نفسُ الانتقام ، ويجوز حملُ الكلام على التمثيل ، بأنْ تُشبَّه الهيئةُ المنتزَعةُ من سَخَطه تعالى للعصاة وإرادةُ الانتقام منهم لمعاصيهم بما يُنتَزَعُ من حال الملِك إذا غضِب على الذين عصَوْه ، وأراد أن ينتقم منهم ويعاقِبَهم ، وعليهم مرتفِعٌ بالمغضوب ، قائم مَقامَ فاعلِه ، والعدولُ عن إسناد الغضب إليه تعالى كالإنعام جرَى على منهاج الآداب التنزيلية في نسبة النعمِ والخيرِ إليه عز وجل ، دون أضدادها ، كما في قوله تعالى : { الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ والذى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ }
وقوله تعالى : { وَأَنَّا لاَ نَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } و«لا» مزيدةٌ لتأكيد ما أفاده «غير» من معنى النفي كأنه قيل : لا المغضوبِ عليهم ولا الضالين ، ولذلك جاز أنا زيداً غيرُ ضاربٍ ، جوازَ أنا زيداً لا ضَارِبٌ وإن امتنع أنا زيداً مثلُ ضاربٍ ، والضلالُ هو العدول على الصراط السوي ، وقُرىء وغيرِ الضالين ، وقُرىء ولا الضأْلين ، بالهمزة على لغة مَنْ جدَّ في الهرب عن التقاء الساكنين . (1/17)
{ أَمِينٌ } اسم فعلٍ هو : استجبْ ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما سألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن معنى آمِين ، فقال : " افعل " بُني على الفتح كأينَ لالتقاء الساكنين ، وفيه لغتان مدُّ ألفه وقصرُها قال :
فويرحم الله عبداً قال آمينا ... وقال :
أمينَ فزاد الله ما بيننا بعداً ... عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لقّنني جبريلُ آمينَ عند فراغي من قراءة فاتحةِ الكتاب ، وقال : إنه كالختم على الكتاب " . وليست من القرآن وِفاقاً ، ولكن يسن ختمُ السورة الكريمة بها ، والمشهورُ عن أبي حنيفة رحمه الله أن المصلّيَ يأتي بها مخافتةً ، وعنه أنه لا يأتي بها الإمامُ لأنه الداعي وعن الحسنِ مثلُه ، وروَى الإخفاءَ عبدُ اللَّه بنُ مغفّل ، وأنسُ بنُ مالك ، عن النبي عليه الصلاة والسلام ، وعند الشافعيِّ رحمه الله يُجهر بها ، لما روى وائلُ بنُ حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ولا الضالين قال : " آمين " ورفع بها صوته . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبيّ بنِ كعب : " ألا أخبرك بسورة لم ينزِلْ في التوراة والإنجيل والقرآن مثلُها؟ " قلت : بلى ، يا رسول الله قال : " فاتِحةُ الكتاب إنها السبعُ المثاني والقرآنُ العظيم الذي أوتيتُه " وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن القومَ ليبعثُ الله عليهم العذابَ حتماً مقضياً ، فيقرأ صبيٌّ من صبيانهم في الكتاب الحمدُ لله رب العالمين ، فيسمعه الله تعالى فيرفعُ عنهم بذلك العذابَ أربعين سنة " .
الم (1)
( سورة البقرة مدنية وهى مائتان وسبع وثمانون آية ) . (1/18)
{ بسم الله الرحمن الرحيم } { الم } الألفاظُ التي يعبّر بها عن حروف المعجمِ التي من جملتها المُقطّعاتُ المرقومةُ في فواتح السورِ الكريمة أسماءٌ لها ، لاندراجها تحت حدِّ الاسم ، ويشهدُ به ما يعتريها من التعريف والتنكيرِ والجمعِ والتصغيرِ وغير ذلك من خصائص الاسم ، وقد نص على ذلك أساطينُ أئمة العربية ، وما وقع في عبارات المتقدمين من التصريح بحَرْفيتها محمولٌ على المسامحة ، وأما ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه من أنه صلى الله عليه وسلم قال : « من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنةٌ والحسنةُ بعشر أمثالها ، لا أقول ألمْ حرفٌ بل ألفٌ حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرف » وفي رواية الترمذي والدارمي : « لا أقول ألم حرفٌ وذلك الكتابُ حرف ولكنِ الألفُ حرفٌ واللامُ حرفٌ والميمُ حرفٌ والذالُ حرفٌ والكافُ حرفٌ » فلا تعلّقَ له بما نحن فيه قطعاً ، فإن إطلاقَ الحرف على ما يقابل الاسمَ والفعلَ عرفٌ جديدٌ اخترعه أئمةُ الصناعة . وإنما الحرفُ عند الأوائل ما يتركب منه الكلمُ من الحروف المبسوطة ، وربما يطلق على الكلمة أيضاً تجوزاً ، وأريد به في الحديث الشريف دفعُ توهمِ التجوُّز ، وزيادةُ تعيينِ إرادةِ المعنى الحقيقي ليتبين بذلك أن الحسنةَ الموعودةَ ليست بعدد الكلماتِ القرآنية ، بل بعدد حروفها المكتوبةِ في المصاحف ، كما يلوِّح به ذكرُ كتابِ الله دون كلامِ الله أو القرآن ، وليس هذا من تسمية الشيء باسم مدلولهِ في شيء كما قيل ، كيف لا والمحكومُ عليه بالحرفية واستتباعِ الحسنةِ إنما هي المسمّياتُ البسيطةُ الواقعةُ في كتاب الله عز وعلا ، سواءٌ عُبّر عنها بأسمائها أو بأنفسها كما في قولك السينُ مهملة والشينُ مثلثة وغير ذلك مما لا يصدُق المحمولُ إلا على ذات الموضوع لا أسماؤها المؤلفة كما إذا قلنا الألف مؤلف من ثلاثة أحرف ، فكما أن الحسنات في قراءة قوله تعالى : { ذلك الكتاب } بمقابلة حروفهِ البسيطة ، وموافقةٌ لعددها كذلك في قراءة قوله تعالى : { الم } بمقابلة حروفهِ الثلاثة المكتوبة وموافقةٌ لعددها ، لا بمقابلة أسمائِها الملفوظة والألفاتِ الموافقةِ في العدد ، إذِ الحكمُ بأن كلاً منها حرفٌ واحد مستلزمٌ للحكم بأنه مستتبعٌ لحسنةٍ واحدة ، فالعبرةُ في ذلك بالمعبَّر عنه دون المعبَّر به ، ولعل السرَّ فيه أن استتباعَ الحسنةِ منوطٌ بإفادة المعنى المرادِ بالكلمات القرآنية . فكما أن سائرَ الكلماتِ الشريفة لا تفيد معانيَها إلا بتلفظ حروفِها بأنفسها ، كذلك الفواتحُ المكتوبةُ لا تفيد المعانيَ المقصودةَ بها إلا بالتعبير عنها بأسمائها ، فجُعل ذلك تلفظاً بالمسمَّيات كالقسمِ الأول من غير فرقٍ بينهما .
ألا ترى إلى ما في الروايةِ الأخيرةِ من قوله عليه السلام : « والذالُ حرفٌ والكاف حرف »
كيف عبّر عن طَرَفي «ذلك» باسميهما ، مع كونهما ملفوظين بأنفسهما ، ولقد روعيَتْ في هذه التسميةِ نُكتةٌ رائعة حيث جُعِلَ كلُ مسمىً لكونه من قبيل الألفاظ صَدْراً لاسمه ، ليكون هو المفهومَ منه إثرَ ذي أثير ، خلا أن الألفَ حيث تعذّر الابتداءُ بها استُعيرت مكانها الهمزة ، وهي مُعرَبة إذ لا مناسبةَ بينها وبين مبنيِّ الأصل ، لكنها ما لم تلِها العواملُ ساكنةُ الأعجاز على الوقف كأسماء الأعدادِ وغيرِها ، حين خلت عن العوامل ، ولذلك قيل : صادْ ، وقافْ ، مجموعاً فيهما بين الساكنين ، ولم تعامَلْ معاملةَ أين وكيف وهؤلاءِ ، وإن وَلِيَها عاملٌ مسها الإعرابُ ، وقصرُ ما آخِرُه ألفٌ عند التهجي لابتغاء الخِفةِ لا لأن وِزانَه وزانُ ( لا ) تقصَرُ تارةً فتكونُ حرفاً وتمُدّ أخرى فتكون اسماً لها كما في قولِ حسانَ رضي الله عنه : (1/19)
ما قال ( لا ) قطُّ إلا في تشهُّده ... لولا التشهُّدُ لم تُسْمَعْ له لاءُ
هذا وقد تكلموا في شأن هذه الفواتح الكريمةِ وما أريد بها فقيل : إنها من العلوم المستورةِ ، والأسرارِ المحجوبة ، رُوي عن الصّدّيق أنه قال : «في كل كتاب سرٌّ ، وسرُّ القرآن أوائلُ السور» ، وعن عليّ رضي الله عنه : «إن لكل كتابٍ صفوةً وصفوةُ هذا الكتابِ حروفُ التهجّي» وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : «عجِزتِ العلماءُ عن إدراكها» وسُئل الشعبي عنها فقال : «سرُّ الله عز وجل فلا تطلُبوه» وقيل : إنها من أسماء الله تعالى ، وقيل : كلُّ حرفٍ منها إشارة إلى اسمٍ من أسماء الله تعالى ، أو صفةٍ من صفاته تعالى . وقيل : إنها صفاتُ الأفعال ، الألفُ آلاؤُه ، واللام لُطفه ، والميمُ مجدُه ومُلكُه ، قاله محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظي . وقيل : إنها من قبيل الحساب ، وقيل : الألفُ من الله ، واللامُ من جبريلَ ، والميمُ من محمد ، أي الله أنزل الكتابَ بواسطة جبريلَ على محمدٍ عليهما الصلاة والسلام . وقيل : هي أقسام من الله تعالى بهذه الحروف المعجمة ، لشرفها من حيث إنها أصولُ اللغاتِ ومبادىءُ كتبِه المنزلة ، ومباني أسمائِه الكريمة ، وقيل : إشارةٌ إلى انتهاء كلامٍ وابتداءِ كلامٍ آخرَ ، وقيل ، وقيل .
ولكن الذي عليه التعويلُ : إما كونُها أسماءً للسور المصدرة بها ، وعليه إجماعُ الأكثر ، وإليه ذهب الخليلُ وسيبويه ، قالوا سمِّيت بها إيذاناً بأنها كلماتٌ عربيةٌ معروفةُ التركيب من مسميات هذه الألفاظ ، فيكون فيه إيماءٌ إلى الإعجاز والتحدّي على سبيل الإيقاظِ ، فلولا أنه وحيٌ من الله عز وجل لما عجِزوا عن معارضته ، ويقرُب منه ما قاله الكلبيُّ والسّدي وقَتادة من أنها أسماءٌ للقرآن ، والتسمية بثلاثة أسماءٍ فصاعداً إنما تُستنكر في لغة العرب إذا رُكِّبَتْ وجُعلت إسماً واحداً ، كما في حَضْرَموت ، فأما إذا كانت منثورة فلا استنكار فيها ، والمسمى هو المجموعةُ لا الفاتحة فقط ، حتى يلزمَ اتحادُ الاسمِ والمسمى ، غايةُ الأمر دخولُ الاسم في المسمى ، ولا محذورَ فيه ، كما لا محذورَ في عكسه حسبما تحققْتَه آنفاً ، وإنما كُتبت في المصاحف صورُ المسميات دون صور الأسماءِ لأنه أدلَّ على كيفية التلفّظ بها ، وهي ( إمَّا ) أن يكون على نهْج التهجّي دون التركيب ولأن فيه سلامةً من التطويل لا سيما في الفواتحِ الخُماسية ، على أن خطَّ المُصحف مما لا يناقَشُ فيه بمخالفة القياسِ ، وإما كونها مسرودةً على نمط التعديد ، وإليه جنَح أهلُ التحقيق .
قالوا إنما وردت هكذا ليكون إيقاظاً لمن تُحِدِّيَ بالقرآن ، وتنبيهاً لهم على أنه منتظمٌ من عين ما ينظِمون منه كلامَهم ، فلولا أنه خارجٌ عن طوْق البشر ، نازلٌ من عند خلاّق القُوى والقَدَر ، لما تضاءلت قوتُهم ، ولا تساقطت قدرتُهم ، وهم فرسانُ حَلْبةِ الحِوار ، وأُمراءُ الكلام في نادي الفخار ، دون الإتيانِ بما يُدانيه ، فضلاً عن المعارَضة بما يُساويه ، مع تظاهرهم في المضادّة والمضارّة ، وتهالُكِهم على المعَازة والمعارّة . (1/20)
أو ليكونَ مطلَعُ ما يُتلى عليهم مستقلاً بضربٍ من الغرابة ، أُنموذجاً لما في الباقي من فنون الإعجاز ، فإن النطقَ بأنفُس الحروفِ في تضاعيف الكلام ، وإن كان على طرَف التمام ، يتناولُه الخواصُّ والعوامُّ ، من الأعراب والأعجام ، لكن التلفظَ بأسمائها إنما يتأتَّى ممن درَس وخطَّ ، وأما ممن لم يحُمْ حولَ ذلك قطّ ، فأعزُّ من بَيْض الأَنُوق ، وأبعدُ من مَناط العَيُّوق ، لا سيما إذا كان على نمط عجيب ، وأسلوبٍ غريب ، مُنْبىءٍ عن سرَ سِرِّيَ ، مبنيَ على نهجٍ عبقري ، بحيث يَحارُ في فهمه أربابُ العقول ، ويعجِزُ عن إدراكه ألبابُ الفحول .
كيف لا وقد وردت تلك الفواتحُ في تسعٍ وعشرين سورةً على عدد حروف المُعجم ، مشتملةً على نصفها تقريباً ، بحيث ينطوي على أنصاف أصنافِها تحقيقاً أو تقريباً ، كما يتّضحُ عند الفحص والتنقير ، حسبما فصّله بعضُ أفاضِلِ أئمةِ التفسير .
فسبحان من دقّتْ حكمتُه من أن تطالعَها الأنظارُ ، وجلّت قُدرتُه عن أن تنالَها أيدي الأفكار ، وإيرادُ بعضِها فرادى وبعضِها ثنائيةً إلى الخماسية جرَى على عادة الافتنان ، مع مراعاة أبنيةِ الكَلِم وتفريقِها على السور ، دون إيرادِ كلِّها مرةً لذلك ولِما في التكرير والإعادة من زيادة إفادةٍ ، وتخصيصُ كلَ منها بسُورتها مما لا سبيلَ إلى المطالبة بوجهه ، وعدُّ بعضِها آيةً دون بعضٍ مبنيٌّ على التوقيف البحت .
أما { الم } فآيةٌ حيثما وقعت ، وقيل في آل عمرانَ ليست بآية ، و ( المص ) آية ، و ( المر ) لم تُعدَّ آية ، و ( الر ) ليست بآية في شيءٍ من سورها الخمس ، و ( طسم ) آية في سورتيها ، و ( طاه ) و ( ياس ) آيتان ، و ( طس ) ليست بآية ، و ( حم ) آيةٌ في سُوَرِها كلِّها ، و ( كهيعص ) آية ، و ( حم عسق ) آيتان ، و ( ص ) و ( ق ) و ( ن ) لم تُعَدَّ واحدةٌ منها آية . هذا على رأي الكوفيين .
وقد قيل : إن جميعَ الفواتحِ آياتٌ عندهم في السور كلِّها بلا فرقٍ بينها ، وأما مَنْ عداهم فلم يعُدّوا شيئاً منها آية ، ثم إنها على تقدير كونها مسرودةً على نَمطِ التعديدِ لا تُشَمُّ رائحةَ الإعراب ، ويوقفُ عليها وقفَ التمام ، وعلى تقدير كونِها أسماءً للسور أو للقرآنِ كان لها حظٌّ منه ، إما الرفعُ على الابتداء أو على الخبرية ، وإما النصبُ بفعل مُضمَرٍ ، كاذكُرْ ، أو بتقدير فعلِ القَسَم على طريقة : الله لأفعلن ، وإما الجرُ بتقدير حرفِه حسبما يقتضيه المقام ، ويستدعيه النظام ، ولا وقف فيما عدا الرفعَ على الخبرية ، والتلفظُ بالكل على وجه الحكاية ساكنةَ الأعجاز ، إلا أن ما كانت منها مفردةً مثل : ( ص ) و ( ق ) و ( ن ) يتأتى فيها الإعرابُ اللفظيُ أيضاً ، وقد قُرئت بالنصب على إضمار فعلِ ، أي اذكُرْ أو اقرأْ صادَ وقافَ ونونَ ، وإنما لم تنوَّنْ لامتناع الصرف ، وكذا ما كانت منها موازنةً لمفردٍ نحوِ ( حم ) و ( ياس ) و ( طس ) الموازنةَ لقابيلَ وهابيلَ ، حيث أجاز سيبويهِ فيها مثلَ ذلك قال في باب أسماء السور من كتابه : وقد قرأ بعضُهم ياسينَ والقرآنِ ، وقافَ والقرآنِ ، فكأنه جعله اسماً أعجمياً ، ثم قال اذكُرْ ياسينَ ، انتهى .
وحكى السيرافيُّ أيضاً عن بعضهم قراءةَ ( ياسينَ ) ويجوز أن يكون ذلك في الكل تحريكاً لالتقاء الساكنين ، ولا مَساغَ للنصب بإضمار فعلِ القسم لأن ما بعدها من القرآن والقلمِ محلوفٌ بهما ، وقد استكرهوا الجمعَ بين قَسَمين على مُقسَمٍ عليه واحدٍ قبل انقضاءِ الأول ، وهو السرُّ في جعل ما عدا الواوِ الأولى في قوله تعالى : { واليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والانثى } عاطفةً ، ولا مجال للعطف هاهنا للمخالفة بين الأولِ والثاني في الإعراب ، نعم يجوز ذلك بجعل الأولِ مجروراً بإضمارِ الباءِ القسَمية ، مفتوحاً لكونه غيرَ منصرِف ، وقرىء ( ص ) و ( ق ) بالكسر على التحريك لالتقاءِ الساكنين ، ويجوز في ( طاسين ميم ) أن تفتح نونُها ، وتُجعلَ من قبيل ( داراً بجَرَد ) ذكره سيبويه في كتابه . وأما ما عدا ذلك من الفواتح فليس فيها إلا الحكايةُ . وسيجيء تفاصيلُ سائر أحكامِ كلَ منها مشروحةً في مواقعها بإذن الله عزَّ سلطانُه . أما هذه الفاتحةُ الشريفةُ فإن جُعلت اسماً للسورة أو للقرآنِ فمحلُها الرفع ، إما على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ ، والتقديرُ هذا ( الم ) أي مسمًّى به ، وإنما صحت الإشارةُ إلى القرآن بعضاً أو كلاً مع عدم سبْق ذكرِه لأنه باعتبار كونِه بصدد الذكرِ صار في حكم الحاضِرِ المشاهَد ، كما يقال هذا ما اشترى فلان . (1/21)
وإما على أنه مبتدأ ، أي المسمَّى به والأولُ هو الأظهر ، لأن ما يُجعلُ عنوانَ الموضوع حقُه أن يكون قبل ذلك معلومَ الانتساب إليه عند المخاطَب ، وإذ لا عِلْمَ بالتسمية قبلُ فحقُها الإخبارُ بها ، وادعاءُ شهرتها يأباه الترددُ في أن المسمَّى هي السورةُ أو كلُّ القرآن }
ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)
{ ذلك } ذا اسمُ إشارة واللاَّمُ كنايةٌ عما جيء به للدلالة على بُعد المشارُ إليه ، والكافُ للخطاب ، والمشارُ إليه هو المسمَّى ، فإنه منزَّلٌ منزلةَ المشاهَدِ بالحسِّ البَصَري ، وما فيه من معنى البعدِ ، مع قُرب العهدِ بالمُشار إليه ، للإيذان بعلو شأنه ، وكونِه في الغاية القاصيةِ من الفضل والشرف ، إثرَ تنويهِه بذكر اسمِه ، وما قيل من أنه باعتبار التقصّي أو باعتبار الوصولِ من المرسِل إلى المرسَل إليه في حكم المتباعِد ، وإن كان مصححاً لإيراده ، لكنه بمعزل من ترجيحه على إيراد ما وُضع للإشارة إلى القريب ، وتذكيرُه على تقدير كون المسمَّى هي السورة ، لأن المشار إليه هو المسمَّى بالاسم المذكورِ من حيث هو مسمًّى به ، لا من حيث هو مسمًّى بالسورة ، ولئن ادُّعيَ اعتبارُ الحيثية الثانية في الأول بناءً على أن التسمية لتمييز السور بعضِها من بعض ، فذلك لتذكير ما بعده ، وهو على الوجه الأول مبتدأٌ على حِدَةٍ ، وعلى الوجه الثاني مبتدأ ثانٍ . (1/22)
وقوله عز وعلا : { الكتاب } إما خبرٌ له ، أو صفةٌ ، أما إذا كان خبراً له فالجملةُ على الوجه الأولِ مستأنفةٌ مؤكِّدةٌ لما أفادته الجملةُ الأولى من نباهة شأن المسمَّى ، لا محلَّ لها من الإعراب ، وعلى الوجه الثاني في محل الرفع على أنها خبرٌ للمبتدأ الأول ، واسمُ الإشارة مغنٍ عن الضمير الرابط ، والكتابُ إما مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ مبالغةً كالخَلْق والتصوير للمخلوق والمصوَّر ، وإما فعلٌ بني للمفعول كاللِّباس ، من الكتاب الذي هو ضمُّ الحروف بعضِها إلى بعض ، وأصله الجمعُ والضمُ في الأمور البادية للحسِّ البصَري ، ومنه الكتيبةُ للعسكر ، كما أن أصل القراءة الجمعُ والضمُ في الأشياء الخافية عليه ، وإطلاقُ الكتاب على المنظوم عبارةً لِما أن مآله الكتابة ، والمرادُ به على تقدير كونِ المسمَّى هي السورة جميع القرآن الكريم وإن لم يتم نزولُه عند نزول السورة ، إما باعتبار تحققِه في علم الله عز وجل ، أو باعتبار ثبوتِه في اللوح ، أو باعتبار نزولِه جملةً إلى السماء الدنيا ، حسبما ذُكر في فاتحة الكتاب ، واللام للعهد والمعنى أن هذه السورة هو الكتاب أي العمدةُ القصوى منه كأنه في إحراز الفضل كلُّ الكتاب المعهودِ ، الغنيُّ عن الوصف بالكمال لاشتهاره به فيما بين الكتب على طريقة قوله صلى الله عليه وسلم : « الحجُّ عَرَفة » وعلى تقدير كون المسمَّى كلَّ القرآن ، فالمرادُ بالكتاب الجنسُ ، واللامُ للحقيقة ، والمعنى أن ذلك هو الكتابُ الكاملُ الحقيقُ بأن يُخصَّ به اسمُ الكتاب ، لتفوقه على بقية الأفرادِ في حيازة كمالاتِ الجنس ، كأن ما عداه من الكُتُب السماوية خارجٌ منه بالنسبة إليه كما يقال هو الرجل ، أي الكاملُ في الرجولية الجامعُ لما يكون في الرجال من مراضي الخِصال ، وعليه قولُ من قال :
هم القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ ... فالمدحُ كما ترى من جهة حصر كمالِ الجنس في فرد من أفراده ، وفي الصورة الأولى من جهة حصرِ كمالِ الكلِّ في الجزء ، ولا مساغَ هناك لحمل الكتاب على الجنس ، لما أن فردَه المعهود هو مجموعُ القرآن المقابلُ لسائر أفرادِه من الكتب السماوية ، لا بعضُه الذي يُطلق عليه اسمُ الكتاب باعتبار كونِه جزءاً لهذا الفرد ، لا باعتبار كونِه جزئياً للجنس على حِياله ، ولأن حصرَ الكمالِ في السورة مُشعرٌ بنقصان سائرِ السور ، وإن لم يكن الحصرُ بالنسبة إليها لتحقق المغايَرَة بينهما ، هذا على تقدير كونِ الكتاب خبراً ( لذلك ) ، وأما إذا كان صفةً له فذلك الكتابُ على تقدير كون ( ألم ) خبرَ مبتدإٍ محذوفٍ ، إما خبرٌ ثانٍ أو بدلٌ من الخبر الأول ، أو مبتدأٌ مستقلٌ خبرُه ما بعده ، وعلى تقدير كونِه مبتدأً إما خبرٌ له ، أو مبتدأٌ ثانٍ خبرُه ما بعده ، والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأول ، والمشارُ إليه على كلا التقديرين هو المسمَّى ، سواءٌ كان هي السورةَ أو القرآن ، ومعنى البعد ما ذُكر من الإشعارِ بعلوِّ شأنِه ، والمعنى ذلك الكتاب العجيبُ الشأنِ ، البالغُ أقصى مراتبِ الكمال . (1/23)
وقيل المشارُ إليه هو الكتابُ الموعودُ ، فمعنى البعدِ حينئذٍ ظاهرٌ ، خلا أنه إنْ كان المسمَّى هي السورةَ ينبغي أن يُرادَ بالوعد ما في قوله تعالى : { إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } كما قيل ، وإن كان هو القرآنَ فهو ما في التوراة والإنجيل ، هذا على تقدير كون ( الم ) اسماً للسورة أو القرآن ، وأما على تقدير كونِها مسرودةً على نمَط التعديد فذلك مبتدأ ، والكتابُ إما خبرُه أو صفتُه ، والخبرُ ما بعده على نحو ما سلف ، أو يُقدَّر مبتدأٌ ، أي المؤلَّفُ من هذه الحروف ذلك الكتابُ ، وقرىء ( الم تنزيلُ الكتاب ) .
وقوله تعالى : { لاَ رَيْبَ فِيهِ } إما في محل الرفعِ على أنه خبرٌ ( لذلك الكتابُ ) على الصور الثلاثِ المذكورة ، أو على أنه خبرٌ ثانٍ لألف لام ميم أو ( لذلك ) على تقدير كونِ الكتابِ خبرَه ، أو للمبتدأ المقدرِ آخِراً على رأي من يجوِّز كونَ الخبرِ الثاني جملةً ، كما في قوله تعالى : { فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى } وإما في محل النصب على الحالية من ( ذلك ) ، أو من ( الكتاب ) ، والعامل معنى الإشارة ، وإما جملةٌ مستأنَفة لا محل لها من الإعراب مؤكِّدة لما قبلها ، وكلمةُ ( لا ) نافية للجنس مفيدةٌ للاستغراق ، عاملةٌ عملَ إنَّ بحملها عليها ، لكونها نقيضاً لها ، ولازمةً للاسم لزومَها ، واسمُها مبنيٌّ على الفتح لكونه مفرداً نكرةً لا مضافاً ولا شبيهاً به ، وأما ما ذكره الزجاج من أنه معربٌ وإنما حُذف التنوينُ للتخفيف فمما لا تعويلَ عليه ، وسببُ بنائه تضمُّنه لمعنى مِنْ الاستغراقية لأنه مركب معها تركيبَ خمسةَ عشرَ كما توهم ، وخبرُها محذوف ، أي لا ريب موجودٌ أو نحوُه ، كما في قوله تعالى :
{ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله } والظرفُ صفةٌ لاسمها ، ومعناه نفيُ الكونِ المطلق وسلبُه عن الريب المفروضِ في الكتاب ، أو الخبرُ هو الظرف ، ومعناه سلبُ الكونِ فيه عن الريب المطلق وقد جُعل الخبرُ المحذوفُ ظرفاً ، وجعل المذكور خبراً لما بعده . (1/24)
وقرىء ( لا ريبٌ فيه ) على أن لا بمعنى ليس ، والفرق بينه وبين الأول أن ذلك موجبٌ للاستغراق ، وهذا مجوِّزٌ له ، والريب في الأصل مصدرُ رابني إذا حصل فيك الرِّيبة ، وحقيقتُها قلقُ النفس واضطرابُها ، ثم استعمل في معنى الشك مطلقاً ، أو معَ تُهمة ، لأنه يُقلق النفسَ ويزيل الطُمَأْنينة ، وفي الحديث : « دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُك » ومعنى نفيه عن الكتاب أنه في علو الشأن وسطوعِ البرهانِ بحيث ليس فيه مظنةُ أن يُرتاب في حقّيته ، وكونِه وحياً منزلاً من عند الله تعالى ، لا أنه لا يرتاب فيه أحد أصلاً ، ألا ترى كيف جُوِّز ذلك في قوله تعالى : { وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا } الخ . فإنه في قوةِ أن يقال : وإن كان لكم ريبٌ فيما نزلنا ، أو إنِ ارتبتم فيما نزلنا ، الخ إلا أنه خُولِفَ في الأسلوب حيث فُرض كونُهم في الريب لا كونُ الريبِ فيه لزيادة تنزيهِ ساحة التنزيل عنه ، مع نوع إشعارٍ بأن ذلك من جهتهم ، لا من جهته العالية ، ولم يُقصَدْ هاهنا ذلك الإشعارُ ، كما لم يقصَدِ الإشعارُ بثبوت الريبِ في سائر الكتب ، ليقتضِيَ المقامُ تقديمَ الظرف ، كما في قوله تعالى : { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } { هُدًى } مصدرٌ من هداه ، كالسُّرى والبُكا ، وهو الدَّلالةُ بلطفٍ على ما يوصِل إلى البُغية ، أي ما مِنْ شأنه ذلك ، وقيل : هي الدلالة الموصلةُ إليها ، بدليل وقوعِ الضلالة في مقابلته ، في قوله تعالى : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } وقوله تعالى : { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ } ولا شك في أن عدم الوصولِ معتبرٌ في مفهوم الضلال ، فيعتبر الوصولُ في مفهوم مقابلهِ ، ومن ضرورة اعتبارِه فيه اعتبارُه في مفهوم الهدى المتعدّي ، إذ لا فرق بينهما إلا من حيث التأثيرُ والتأثّر ، ومحصّلهُ أن الهدى المتعدّي هو التوجيهُ الموصِل ، لأن اللازم هو التوجُّه الموصِلُ ، بدليل أن مقابِلَه الذي هو الضلال توجهٌ غيرُ موصل قطعاً ، وهذا كما ترى مبنيٌّ على أمرين : اعتبارِ الوصولِ وجوباً في مفهوم اللازم ، واعتبارِ وجودِ اللازم وجوباً في مفهوم المتعدّي ، وكلا الأمرين بمعزل من الثبوت ، أما الأول فلأن مدارَ التقابل بين الهدى والضلالِ ليس هو الوصولَ وعدمَه على الإطلاق ، بل هما معتبَران في مفهوميهما على وجهٍ مخصوصٍ به ، ليتحقق التقابلُ بينهما .
وتوضيحُه أن الهدى لا بد فيه من اعتبار توجّهٍ عن علم إلى ما مِنْ شأنه الإيصالُ إلى البُغية ، كما أن الضلال لا بد فيه من اعتبار الجَوْرِ عن القَصْد إلى ما ليس من شأنه الإيصالُ قطعاً ، وهذه المرتبةُ من الاعتبار مُسلّمةٌ بين الفريقين ، ومُحقِّقةٌ للتقابل بينهما ، وإنما النِّزاعُ في أن إمكان الوصولِ إلى البغية هل هو كافٍ في تحصيل مفهومِ الهدى ، أو لا بد فيه من خروج الوصولِ من القوة إلى الفعل ، كما أن عدم الوصولِ بالفعل معتبرٌ في مفهوم الضلال قطعاً؟
إذا تقرر هذا فنقول : إن أريد باعتبار الوصولِ بالفعل في مفهوم الهدى اعتبارُه مقارِناً له في الوجود زماناً حسَبَ اعتبارِ عدمِه في مفهوم مقابلِه فذلك بيِّنُ البُطلان ، لأن الوصولَ غايةٌ للتوجّه المذكور ، فينتهي به قطعاً ، لاستحالة التوجُّهِ إلى تحصيل الحاصِل ، وما يبقى بعد ذلك فهو إما توجّهٌ إلى الثبات عليه ، وإما توجّهٌ إلى زيادته ، ولأن التوجّهَ إلى المقصدِ تدريجيّ ، والوصولَ إليه دفعيّ ، فيستحيلُ اجتماعهما في الوجود ضرورة ، وأما عدمُ الوصولِ فحيث كان أمراً مستمراً مثلَ ما يقتضيه من الضلال وجبَ مقارنتُه له في جميع أزمنةِ وجوده .
إذ لو فارقه في آنٍ من آنات تلك الأزمنةِ لقارنه في ذلك الآنِ مقابِلهُ الذي هو الوصول ، فما فرضناه ضلالاً لا يكون ضلالاً ، وإن أريد اعتبارُه من حيث إنه غايةٌ له واجبةُ الترتُّب عليه لزِم أن يكون التوجُّهُ المقارِنُ لغاية الجِدِّ في السلوك إلى ما من شأنه الوصولُ عند تخلُّفِه عنه لمانعٍ خارجي كاحترام المِنيَّةِ مثلاً من غير تقصيرٍ ولا جَوْر من قِبَل المتوجِّه ، ولا خللٍ من جهة المسلكِ ضلالاً ، إذ لا واسطةَ بينهما ، مع أنه لا جَوْر فيه عن القصد أصلاً ، فبطَلَ اعتبارُ وجوبِ الوصولِ في مفهومِ اللازم قطعاً ، وتبين منه عدمُ اعتبارِه في مفهوم المتعديّ حتماً ، وأما اعتبارُ وجودِ اللازم فيه وجوباً وهو الأمرُ الثاني ، فبيانُه مبنيٌّ على تمهيد أصل ، وهو أن فعلَ الفاعل حقيقةً هو الذي يصدُر عنه ويتمُّ من قِبَله ، لكن لمّا لم يكن له في تحقُّقه في نفسه بدٌّ من تعلّقه بمفعوله اعتُبر ذلك في مدلول اسمِه قطعاً ، ثم لما كان له باعتبار كيفيةِ صدورِه عن فاعله ، وكيفيةِ تعلّقِه بمفعوله ، وغيرِ ذلك آثارٌ شتّى مترتبةٌ عليه متمايزةٌ في أنفسها ، مستقلةٌ بأحكامٍ مقتضيةٍ لإفرادها بأسماءٍ خاصة ، وعُرض له بالقياس إلى كل أثرٍ من تلك الآثارِ إضافةٌ خاصة ممتازة عما عداها من الإضافات العارضة له بالقياس إلى سائرها ، وكانت الآثارُ تابعةً له في التحقّق غيرَ منفكّةٍ عنه أصلاً إذ لا مؤثِّرَ لها سوى فاعلِه عُدَّت من متمماته ، واعتُبرت الإضافةُ العارضةُ له بحسَبها داخلةً في مدلوله ، كالاعتماد المتعلِّق بالجسم مثلاً ، وُضع له باعتبار الإضافةِ العارضةِ له من انكسار ذلك الجسم الذي هو أثرٌ خاصٌّ لذلك الاعتماد اسمُ الكسر ، وباعتبار الإضافةِ العارضةِ له من انقطاعه الذي هو أثرٌ آخَرُ له اسم القطع ، إلى غير ذلك من الإضافات العارضةِ له بالقياس إلى آثاره اللازمةِ له ، وهذا أمرٌ مطَّردٌ في آثاره الطبيعية . (1/25)
وأما الآثارُ التي له مدخَلٌ في وجودها في الجملة من غير إيجابٍ لها تترتب عليه تارة وتفارقه أخرى ، بحسب وجودِ أسبابِها الموجبةِ لها وعدمِها كالآثار الاختياريةِ الصادرةِ عن مؤثراتها بواسطة كونهِ داعياً إليها فحيث كانت تلك الآثارُ مستقلةً في أنفسها مستندةً إلى مؤثراتها غيرَ لازمةٍ له لزومَ الآثارِ الطبيعيةِ التابعةِ له لم تعُدْ من متمماته ، ولم تُعتبر الإضافةُ العارضةُ له بحسبها داخلةً في مدلوله كالإضافة العارضةِ للأمر بحسَبِ امتثالِ المأمور ، والإضافةِ العارضةِ للدعوة بحسب إجابةِ المدعوّ ، فإن الامتثال والإجابة وإن عُدّا من آثار الأمرِ والدعوةِ باعتبار ترتّبهما عليهما غالباً ، لكنهما حيث كانا فِعلين اختياريين للمأمور والمدعوِّ مستقِلَّيْن في أنفسهما غيرَ لازمين للأمر والدعوة ، لم يُعَدا من متمماتهما ، ولم تُعتبر الإضافةُ العارضةُ لهما بحسبهما داخلةً في مدلولِ اسمِ الأمرِ والدعوةِ ، بل جُعلا عبارة عن نفس الطلب المتعلّقِ بالمأمورِ والمدعوّ ، سواءٌ وجد الامتثالُ والإجابةُ أو لا . (1/26)
إذا تمهّد هذا فنقول كما أن الامتثالَ والإجابةَ فعلان مستقلانِ في أنفسهما صادران عن المدعوِّ والمأمورِ باختيارهما غيرُ لازمين للأمر والدعوة لزومَ الآثارِ الطبيعية التابعة للأفعال الموجبة لها ، وإن كانا مترتِّبين عليهما في الجملة ، كذلك هُدى المَهْديّ أي توجُّهُه إلى ما ذكر من المسلك فعلٌ مستقلٌ له صادرٌ عنه باختياره ، غيرُ لازم للهداية ، أعني التوجيهَ إليه لزومَ ما ذُكر من الآثار الطبيعية ، وإن كان مترتباً عليها في الجملة ، فلما لم يُعَدّا من متممات الأمر والدعوة ، ولم تعتبر الإضافةُ العارضةُ لهما بحسبهما داخلةً في مدلولهما عُلم أنه لم يُعدَّ الهدى اللازمُ من متممات الهداية ، ولم تُعتبر الإضافةُ العارضة لها بحسبه داخلةً في مدلولها .
إن قيل : ليس الهُدى بالنسبة إلى الهداية كالامتثال والإجابة بالقياس إلى أصليهما ، فإنَّ تعلقَ الأمر والدعوة بالمأمورِ والمدعوِّ لا يقتضي إلا اتصافهما بكونهما مأموراً ومدعواً ، وليس من ضرورته اتصافُهما بالامتثال والإجابة ، إذ لا تلازمَ بينهما وبين الأوّلَيْن أصلاً ، بخلاف الهدى بالنسبة إلى الهداية ، فإن تعلقها بالمهديِّ يقتضي اتصافه به ، لأن تعلقَ الفعل المتعدِّي المبنيِّ للفاعل بمفعوله يدل على اتصافه بمصدره المأخوذِ من المبنيِّ للمفعول قطعاً ، وهو مستلزِمٌ لاتصافه بمصدرِ الفعل اللازم ، وهل الاعتبار هو وجودُ اللازم في مدلول المتعدي حتماً؟ قلنا كما أن تعلقَ الأمر والدعوةِ بالمأمور والمدعوِّ لا يستدعي إلا اتصافَهما بما ذكر من غير تعرّضٍ للامتثال والإجابة إيجاباً وسلباً ، كذلك تعلقُ الهدايةِ التي هي عبارةٌ عن الدلالة المذكورة بالمهديّ لا يستدعي إلا اتصافَه بالمدلولية ، التي هي عبارةٌ عن المصدر المأخوذ من المبنيّ للمفعول ، من غير تعرض لقبول تلك الدلالة ، كما هو معنى الهدى اللازم ، ولا لعدم قبوله ، بل الهدايةُ عينُ الدعوة إلى طريق الحق ، والاهتداءُ عينُ الإجابة ، فكيف يؤخذ في مدلولها؟ واستلزامُ الاتصافِ بمصدر الفعل المتعدي المبنيِّ للمفعول للاتصاف بمصدر الفعل اللازم مطلقاً إنما هو في الأفعال الطبيعية كالمكسورية والانكسار ، والمقطوعية والانقطاع ، وأما الأفعال الاختيارية فليست كذلك كما تحققته فيما سلف .
وإن قيل : التعلمُ من قبيل الأفعال الاختياريةِ مع أنه معتبرٌ في مدلول التعليم قطعاً ، فليكن الهدى مع الهداية كذلك ، قلنا : ليس ذلك لكونه فعلاً اختيارياً على الإطلاق ، ولا لكون التعليم عبارةً عن تحصيل العلم للمتعلم كما قيل ، فإن المعلم ليس بمستقل في ذلك ، ففي إسناده إليه ضربُ تجوّز ، بل لأن كلاًّ منهما مفتقر في تحققه وتحصُّله إلى الآخر ، فإن التعليمَ عبارةٌ عن إلقاء المبادىءِ العلمية على المتعلم وسَوْقِها إلى ذهنه شيئاً فشيئاً على ترتيب يقتضيه الحال ، بحيث لا يُساق إليه بعضٌ منها إلا بعد تلقِّيه لبعضٍ آخر ، فكلٌّ منهما متمِّمٌ للآخَر معتبرٌ في مدلوله . وأما الهدى الذي هو عبارةٌ عن التوجُّه المذكور ففعلٌ اختياريٌّ يستقِلُّ به فاعلُه لا دخلَ للهداية فيه سوى كونِها داعيةً إلى إيجاده باختياره ، فلم يكن من متمماتها ولا معتبراً في مدلولها . (1/27)
إن قيل : التعليمُ نوعٌ من أنواع الهداية ، والتعلمُ نوعٌ من أنواع الاهتداء فيكون اعتبارُه في مدلول التعليم اعتباراً للهدى في مدلول الهداية ، قلنا إطلاقُ الهداية على التعليم إنما هو عند وضوحِ المسلك ، واستبدادِ المتعلم بسلوكه من غير دخلٍ للتعليم فيه ، سوى كونه داعياً إليه ، وقد عرفت جليةَ الأمر على ذلك التقدير ، إن قيل : أليس تخلّفُ الهدى عن الهداية كتخلف التعلم عن التعليم ، فحيث لم يكن ذلك تعليماً في الحقيقة فلتكن الهداية أيضاً كذلك ، وليُحمَلْ تسميةُ ما لا يستتبعُ الهدى بها على التجوز ، قلنا : شتانَ بين التخلّفَيْن ، فإن تخلف التعلم عن التعليم يكون لقصور فيه ، كما أن تخلفَ الانكسار عن الضرب الضعيف لذلك .
وأما تخلفُ الهدى عن الهداية فليس لشائبةِ قصورٍ من جهتها ، بل إنما هو لفقد سببه الموجبِ له من جهة المهديّ ، بعد تكاملِ ما يتم من قبل الهادي .
وبهذا التحريرِ اتَّضحَ طريقُ الهداية ، وتبين أنها عبارةٌ عن مطلق الدلالةِ على ما من شأنه الإيصالُ إلى البُغية بتعريف معالمهِ وتبيين مسالكِه ، من غير أن يُشترط في مدلولها الوصولُ ولا القبول ، وأن الدلالة المقارِنة لهما أو لأحدهما أو المفارِقة عنهما كلُّ ذلك مع قطع النظر عن قيد المقارنة وعدمها أفرادٌ حقيقية لها ، وأن ما في قوله تعالى : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } وقوله تعالى : { وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ } ونحوُ ذلك مما اعتُبر فيه الوصولُ من قبيل المجاز ، وانكشف أن الدلالاتِ التكوينية المنصوبة في الأنفس والآفاق والبيانات التشريعية الواردة في الكتب السماوية على الإطلاق بالنسبة إلى كافة البرية برِّها وفاجرِها هداياتٌ حقيقيةٌ ، فائضة من عند الله سبحانه ، والحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتديَ لولا أن هدانا الله .
( معاني التقوى ومراتبها ) (1/28)
{ لّلْمُتَّقِينَ } أي المتصفين بالتقوى حالاً أو مآلاً ، وتخصيصُ الهدى بهم لما أنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره ، وإن كان ذلك شاملاً لكل ناظر ، من مؤمن وكافر ، وبذلك الاعتبار قال الله : { هُدًى لّلنَّاسِ } والمتقي اسمُ فاعلٍ من باب الافتعال من الوقاية وهي فرْطُ الصيانة .
والتقوى في عُرف الشرع عبارةٌ عن كمال التوقي عما يضُره في الآخرة قال عليه السلام : « جُماعُ التقوى في قوله تعالى : { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان } الآية » وعن عمرَ بنِ عبد العزيز أنه تركُ ما حرم الله ، وأداءُ ما فرضَ الله ، وعن شَهْر بن حَوْشَب : المتقي من يترك ما لا بأسَ به حذراً من الوقوع فيما فيه بأسٌ ، وعن أبي يزيد : أن التقوى هو التورعُ عن كل ما فيه شبهة ، وعن محمد بن خفيف : أنها مجانبةُ كلِّ ما يبعدك عن الله تعالى ، وعن سهل : المتقي من تبرأ عَنْ حَوله وقدرته . وقيل التقوى : ألاّ يراك الله حيث نهاك ، ولا يفقِدَك حيث أمرك . وعن ميمونِ بنِ مهران : لا يكون الرجلُ تقياً حتى يكون أشدَّ محاسبةً لنفسه من الشريك الشحيحِ والسُلطانِ الجائر ، وعن أبي تراب : بين يدي التقوى خمسُ عقباتٍ لا ينالها من لا يجاوِزُهن : إيثارُ الشدة على النعمة ، وإيثارُ الضعفِ على القوة ، وإيثارُ الذلِّ على العزة ، وإيثارُ الجهد على الراحة ، وإيثارُ الموتِ على الحياة ، وعن بعض الحكماء أنه لا يبلغُ الرجل سَنامَ التقوى إلا أن يكون بحيث لو جُعل ما في قلبه في طبَقٍ فطِيفَ به في السوق لم يستحْيِ ممن ينظُر إليه . وقيل : التقوى أن تَزِين سِرَّك للحق ، كما تَزينُ علانيتَك للخلق .
والتحقيق أن للتقوى ثلاثَ مراتبَ : ( الأولى ) : التوقي عن العذاب المخلِّد بالتبرؤ عن الكفر ، وعليه قوله تعالى : { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } ( والثانية ) : التجنبُ عن كل ما يُؤثِم من فعل أو ترك ، حتى الصغائر عند قوم ، وهو المتعارَفُ بالتقوى في الشرع ، وهو المعنيُّ بقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ واتقوا } و ( الثالثة ) : أن يتنزه عن كل ما يشغَلُ سرَّه عن الحق عز وجل ، ويتبتّلَ إليه بكلّيته ، وهي التقوى الحقيقيةُ المأمورُ بها في قوله تعالى : { مّسْتَقِيمٍ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } ولهذه المرتبة عَرْضٌ عريض يتفاوت فيه طبقاتُ أصحابها حسَب تفاوتِ درجاتِ استعداداتهم الفائضةِ عليهم بموجَب المشيئةِ الإلهية ، المبنيّةِ على الحِكَم الأبية ، أقصاها ما انتهى إليه هممُ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام ، حيث جمعوا بذلك بين رياسَتي النبوةِ والولاية ، وما عاقهم التعلقُ بعالم الأشباحِ عن العروجِ إلى معالم الأرواح ، ولم تصُدَّهم الملابسةُ بمصالح الخلقِ عن الاستغراق في شؤون الحق ، لكمال استعدادِ نفوسِهم الزكيةِ المؤيدةِ بالقوة القدسية ، وهدايةُ الكتابِ المبين شاملةٌ لأرباب هذه المراتب أجمعين ، فإن أريد بكونه هدىً للمتقين إرشادُه إياهم إلى تحصيل المرتبة الأولى ونيلِها ، فالمرادُ بهم المشارفون للتقوى مجازاً ، لاستحالة تحصيلِ الحاصل ، وإيثارُه على العبارة المعرِبةِ عن ذلك للإيجاز ، وتصديرِ السورة الكريمةِ بذكر أوليائه تعالى وتفخيمِ شأنهم .
وإن أريد به إرشادُه إلى تحصيل إحدى المرتبتين الأخيرتين ، فإن عنى بالمتقين أصحابَ الطبقةِ الأولى تعيَّنت الحقيقة ، وإن عنى بهم أصحاب إحدى الطبقتين الأخيرتين تعيَّن المجاز ، لأن الوصولَ إليهما إنما يتحقق بهدايته المترقَّبة ، وكذا الحال فيما بين المرتبةِ الثانية والثالثة ، فإنه إن أريد بالهدى الإرشادُ إلى تحصيل المرتبةِ الثالثة ، فإن عنى بالمتقين أصحابَ المرتبة الثانيةِ تعيَّنت الحقيقة ، وإن عنى بهم أصحابَ المرتبةِ الثالثةِ تعيَّن المجاز ، ولفظُ الهدايةِ حقيقةٌ في جميع الصور ، وأما إن أريد بكونه هدىً لهم تثبيتُهم على ما هم عليه أو إرشادُهم إلى الزيادة فيه على أن يكون مفهومُها داخلاً في المعنى المستعمل فيه فهو مجازٌ لا محالة ، ولفظُ المتقين حقيقةٌ على كل حال ، واللامُ متعلقةٌ بهدىً أو بمحذوفٍ وقع صفةً له ، أو حالاً منه ، ومحلُ ( هدى ) الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف ، أي هو هدى ، أو خبرٌ مع لا ريب فيه لذلك الكتاب ، أو مبتدأٌ خبرُه الظرفُ المقدم ، كما أشير إليه ، أو النصبُ على الحالية من ( ذلك ) أو من ( الكتاب ) ، والعامل معنى الإشارة ، أو من الضمير في ( فيه ) ، والعاملُ ما في الجار والمجرور من معنى الفعل المنفي ، كأنه قيل : لم يحصُلْ فيه الريبُ حال كونه هادياً ، على أنه قيدٌ للنفي لا للمنفيّ ، وحاصلُه انتفاءُ الريبِ فيه حال كونه هادياً ، وتنكيرُه للتفخيم ، وحملُه على الكتاب إما للمبالغة ، كأنه نفسُ الهدى ، أو لجعل المصدر بمعنى الفاعل . (1/29)
هذا والذي يستدعيه جزالةُ التنزيلِ في شأن ترتيب هذه الجُمل أن تكون متناسقةً تقرِّرُ اللاحقةُ منها السابقة ، ولذلك لم يتخلل بينها عاطف ، ف ( ألم ) جملةٌ برأسها على أنها خبرٌ لمبتدأ مضمر ، أو طائفةٌ من حروف المُعجم مستقلةٌ بنفسها دالةٌ على أن المتحدَّى به هو المؤلَّفُ من جنس ما يؤلِّفون منه كلامَهم ، و ( ذلك الكتابُ ) جملةٌ ثانيةٌ مقرِّرةٌ لجهة التحدي ، لما دلت عليه من كونه منعوتاً بالكمال الفائق ، ثم سجل على غاية فضلِه بنفي الريبِ فيه ، إذ لا فضلَ أعلى مما للحق واليقين ، و ( هدى للمتقين ) مع ما يقدَّر له من المبتدأ جملةٌ مؤكدةٌ لكونه حقاً لا يحوم حوله شائبةُ شكٍ ما ، ودالةٌ على تكميله بعد كمالِه ، أو يستتبعُ السابقة منها اللاحقةُ استتباعَ الدليل للمدلول ، فإنه لما نبَّه أولاً على إعجاز المتحدَّى به من حيث إنه من جنس كلامِهم ، وقد عجَزوا عن معارضته بالمرة ، ظهر أنه الكتابُ البالغُ أقصى مراتبِ الكمال ، وذلك مستلزمٌ لكونه في غاية النزاهة عن مظنّة الريب ، إذ لا أنقصَ مما يعتريه الشك ، وما كان كذلك كان لا محالة هدىً للمتقين ، وفي كلَ منها من النُكت الرائقةِ والمزايا الفائقةِ ما لا يخفى جلالةُ شأنه حسبما تحققته .
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغيب } إما موصولٌ بالمتقين ، ومحلُّه الجرُّ على أنه صفةٌ مقيِّدةٌ له إن فُسّر التقوى بترك المعاصي فقط ، مترتبةٌ عليه ترتّبَ التحلية على التَّخْلية ، وموضِّحةٌ إن فُسِّر بما هو المتعارَفُ شرعاً والمتبادَرُ عُرفاً ، من فعل الطاعات وتركِ السيئات معاً ، لأنها حينئذٍ تكون تفصيلاً لما انطوى عليه اسمُ الموصوف إجمالاً ، وذلك لأنها مشتملة على ما هو عمادُ الأعمال وأساسُ الحسنات ، من الإيمان والصلاة والصدقة ، فإنها أمهاتُ الأعمال النفسانية والعباداتِ البدنية والمالية المستتبِعة لسائر القُرَب الداعيةِ إلى التجنب عن المعاصي غالباً ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشاء والمنكر } وقوله عليه السلام : " الصلاةُ عمادُ الدين ، والزكاةُ قنطرةُ الإسلام " أو مادحةً للموصوفين بالتقوى المفسَّرِ بما مر من فعل الطاعات وتركِ السيئات . (1/30)
وتخصيصُ ما ذكر من الخِصال الثلاثِ بالذكر لإظهار شرفِها وإنافتها على سائر ما انطوى تحت اسمِ التقوى من الحسنات ، أو النصبُ على المدح بتقدير أعني أو الرفعُ عليه بتقدير «هم» ، وإما مفصولٌ عنه مرفوعٌ بالابتداء خبرُه الجملةُ المصدّرةُ باسم الإشارة كما سيأتي بيانُه ، فالوقفُ على ( المتقين ) حينئذ وقفٌ تام ، لأنه وقف على مستقلٍ ، ما بعده أيضاً مستقل ، وأما على الوجه الأول فحسنٌ لاستقلال الموقوف عليه ، غيرُ تامَ لتعلق ما بعده به وتبعيّته له ، أما على تقدير الجر على الوصفية فظاهر ، وأما على تقدير النصبِ أو الرفع على المدح فلما تقرَّر من أن المنصوبَ والمرفوعَ مدحاً وإن خرجا عن التبعية لما قبلهما صورةً حيث لم يتبعاه في الإعراب ، وبذلك سُمّيا قطعاً لكنهما تابعان له حقيقة ، ألا ترى كيف التزموا حذفَ الفعل والمبتدأ في النصب والرفع رَومْاً لتصوير كلَ منهما بصورة متعلِّقٍ من متعلقات ما قبله وتنبيهاً على شدة الاتصال بينهما ، قال أبو علي : إذا ذُكرت صفاتٌ للمدح وخولف في بعضها الإعرابُ فقد خولف للافتنان ، أي للتفنن الموجب لإيقاظ السامع وتحريكه إلى الجِدّ في الإصغاء ، فإن تغيير الكلامِ المَسوقِ لمعنىً من المعاني وصَرْفَه عن سَننه المسلوكِ يُنبىء عن اهتمام جديد بشأنه من المتكلم ، ويستجلب مزيدَ رغبةٍ فيه من المخاطب .
إن قيل : لا ريب في أن حال الموصول عند كونه خبراً لمبتدأ محذوف كحاله عند كونه مبتدأ خبرُه ( أولئك على هدى ) في أنه ينسبك به جملةً اسميةً مفيدة ، لاتصاف المتقين بالصفات الفاضلة ، ضرورةَ أن كلاًّ من الضمير المحذوف والموصولِ عبارةٌ عن المتقين . وأن كلاًّ من اتصافهم بالإيمان وفروعِه ، وإحرازهم للهدى والفلاحِ من النعوت الجليلة ، فما السرُّ في أنه جُعل ذلك في الصورة الأولى من توابع المتقين ، وعُدَّ الوقفُ غيرَ تام ، وفي الثانية مقتطعاً عنه ، وعُدَّ الوقفُ تامًّا؟ قلنا : السرُّ في ذلك أن المبتدأ في الصورتين وإن كان عبارة عن المتقين ، لكن الخبرَ في الأولى لما كان تفصيلاً لما تضمنه المبتدأ إجمالاً حسبما تحققته معلومُ الثبوت له بلا اشتباه ، غيرُ مفيد للسامع سوى فائدةِ التفصيلِ والتوضيح ، نُظم ذلك في سلك الصفاتِ مراعاةً لجانب المعنى ، وإن سمي قطعاً مراعاة لجانب اللفظ ، كيف لا وقد اشتهر في الفن أن الخبر إذا كان معلومَ الانتساب إلى المُخبَر عنه فحقُّه أن يكون وصفاً له ، كما أن الوصف إذا لم يكن معلومَ الانتساب إلى الموصوف حقُّه أن يكون خبراً له ، حتى قالوا : إن الصفاتِ قبل العلم بها أخبارٌ ، والأخبارُ بعد العلم بها صفات .
وأما الخبرُ في الثانية فحيث لم يكن كذلك بل كان مشتملاً على ما لا ينبىء عنه المبتدأ من المعاني اللائقة كما ستحيط به خبراً مفيداً للمخاطب فوائدَ رائقة ، جُعل ذلك مقتطعاً عما قبله محافظةً على الصورة والمعنى جميعاً . (1/31)
والإيمانُ إفعالٌ من الأمن المتعدّي إلى واحد ، يقال آمنتُه ، وبالنقل تعدى إلى اثنين ، يقال آمنَنيه غيري ، ثم استُعمل في التصديق ، لأن المصَدِّقَ يؤمِنُ المُصَدَّق ، أي يجعله أميناً من التكذيب والمخالفة ، واستعماله بالباء لتضمينه معنى الاعتراف ، وقد يطلق على الوثوق ، فإن الواثقَ يصير ذا أمنٍ وطُمأنينة ، ومنه ما حُكي عن العرب ما آمِنْتُ أن أجد صحابة ، أي ما صِرْتُ ذا أمنٍ وسكون ، وكلا الوجهين حسنٌ هنا وهو في الشرع لا يتحقق بدون التصديق بما عُلم ، ضرورةَ أنه من دين نبينا عليه الصلاة والسلام ، كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء ونظائرها ، وهل هو كافٍ في ذلك أو لا بد من انضمام الإقرار إليه للتمكن منه؟ .
والأول رأيُ الشيخ الأشعري ومن شايعه ، فإن الإقرارَ عنده منشأٌ لإجراء الأحكام ، والثاني مذهبُ أبي حنيفة ومن تابعه وهو الحق ، فإنه جعلهما جزأين له ، خلا أن الإقرارَ ركنٌ محتمِلٌ للسقوط بعذر ، كما عند الإكراه ، وهو مجموعُ ثلاثةِ أمور : اعتقادُ الحق ، والإقرارُ به ، والعملُ بموجبه عند جمهورِ المحدثين والمعتزلة والخوارج ، فمن أخل بالاعتقاد وحده فهو منافق ، ومن أخل بالإقرارِ فهو كافر ، ومن أخل بالعمل فهو فاسق اتفاقاً وكافرٌ عند الخوارج ، وخارجٌ عن الإيمان غيرُ داخلٍ في الكفر عند المعتزلة .
وقرىء ( يُومنون ) بغير همزة ، والغيبُ إما مصدرٌ وُصف به الغائبُ مبالغةً كالشهادة في قوله تعالى : { عالم الغيب والشهادة } أو فعيل خُفّف كقَتْل في قتيل وهيْنٍ في هيّن ، وميْتٍ في ميِّت ، لكن لم يُستعمل فيه الأصلُ كما استعمل في نظائره . وأيًّا ما كان فهو ما غاب عن الحس والعقلِ غَيْبة كاملةً ، بحيث لا يُدرَك بواحد منهما ابتداءً بطريق البَداهة ، وهو قسمان : قسم لا دليل عليه ، وهو الذي أريد بقوله سبحانه : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } وقسم نُصب عليه دليل كالصانع وصفاتِه ، والنبواتِ وما يتعلق بها من الأحكام والشرائع ، واليومِ الآخر وأحوالِه من البعث والنشورِ والحسابِ والجزاء ، وهو المرادُ هاهنا ، فالباءُ صلةٌ للإيمان ، إما بتضمينه معنى الاعتراف ، أو بجعله مجازاً من الوثوق ، وهو واقعٌ موقعَ المفعول به ، وإما مصدرٌ على حاله كالغَيبة ، فالباءُ متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من الفاعل كما في قوله تعالى :
{ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب } وقوله تعالى : { لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } أي يؤمنون ملتبسين بالغيبة ، إما عن المؤمن به ، أي غائبين عن النبي صلى الله عليه وسلم غيرَ مشاهدين لما فيه من شواهد النبوة ، لما رُوي أن أصحابَ ابنِ مسعود رضي الله عنه ، ذكروا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيمانَهم ، فقال رضي الله عنه : «إن أمرَ محمَّدٍ عليه الصَّلاة والسَّلام كان بيِّناً لمن رآه ، والذي لا إله غيرُه ما آمن مؤمنٌ أفضلَ من الإيمان بغيب ، ثم تلا هذه الآية» . وإما عن الناس ، أي غائبين عن المؤمنين ، لا كالمنافقين الذين إذا لقُوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا خلَوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم . (1/32)
وقيل : المرادُ بالغيب القلبُ ، لأنه مستور ، والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، فالباءُ حينئذٍ للآلة ، وتركُ ذكرِ المؤمَن به على التقادير الثلاثةِ إما للقصد إلى إحداث نفسِ الفعلِ كما في قولهم فلانٌ يُعطي ويمنع ، أي يفعلون الإيمان ، وإما للاكتفاء بما سيجيء ، فإن الكتبَ الإلهية ناطقةٌ بتفاصيل ما يجب الإيمانُ به .
{ وَيُقِيمُونَ الصلاة } إقامتُها عبارةٌ عن تعديل أركانها ، وحفظِها من أن يقع في شيء من فرائضها وسننها وآدابِها زيغٌ ، من إقامة العُودِ إذا قوّمه وعدّله . وقيل عن المواظبة عليها ، مأخوذٌ من قامت السُّوق إذا نفَقت ، وأقمتُها إذا جعلتُها نافقة ، فإنها إذا حوفظ عليها كانت كالنافق الذي يُرغب فيه ، وقيل عن التشمُّر لأدائها عن غير فتورٍ ولا تَوانٍ ، من قولهم قام بالأمر وأقامه إذا جدَّ فيه واجتهد ، وقيل عن أدائها ، عبَّر عنه بالإقامة لاشتماله على القيام ، كما عبَّر عنه بالقنوت الذي هو القيامُ وبالركوع والسجود والتسبيح ، والأولُ هو الأظهر ، لأنه أشهرُ ، وإلى الحقيقة أقربُ ، والصلاةُ فَعْلةٌ ، من صلَّى إذا دعا ، كالزكاة من زكّى ، وإنما كُتبتا بالواو مراعاةَ اللفظِ المفخّم ، وإنما سُمِّيَ الفعلُ المخصوصُ بها لاشتماله على الدعاء ، وقيل : أصلُ صلى حرَّك الصَّلَوَيْنِ ، وهما العظمان الناتئان في أعلى الفخِذين ، لأن المصليَ يفعله في ركوعه وسجوده ، واشتهارُ اللفظ في المعنى الثاني دون الأول لا يقدح في نقله عنه ، وإنما سُمِّيَ الداعي مصلياً تشبيهاً له في تخشّعه بالراكع والساجد .
{ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } والرزقُ في اللغة العطاءُ ، ويطلق على الحظ المعطى ، نحو ذِبْحٍ ورِعْيٍ للمذبوح والمَرْعيِّ . وقيل : هو بالفتح مصدر ، وبالكسر اسم ، وفي العُرف ما ينتفِعُ به الحيوان .
والمعتزلةُ لما أحالوا تمكينَ الله تعالى من الحرام لأنه منَعَ من الانتفاع به وأمرَ بالزجر عنه قالوا : الرزقُ لا يتناول الحرام ، ألا ترى أنه تعالى أسند الرزقَ إلى ذاته إيذاناً بأنهم يُنفِقون من الحلال والصِّرْف ، فإن إنفاقَ الحرام بمعزل من إيجاب المدح ، وذمَّ المشركين على تحريم بعض ما رزقهم الله تعالى بقوله :
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً } جعلوا الإسنادَ المذكورَ للتعظيم والتحريضِ على الإنفاق ، والذمَّ لتحريم ما لم يحرّم ، واختصاصَ ما رزقناهم بالحلال للقرينة . (1/33)
وتمسكوا لشمول الرزق لهما بما رُوي عنه عليه السلام في حديث عَمْرو بن قرَّة حين أتاه فقال : يا رَسُول الله ، إنَّ الله ( قد ) كَتَبَ عَلَيَّ الشِّقْوَةَ ، فلا أرى أُرْزَقُ إلاَّ مِنْ دُفِّي بِكَفِّي ، فَأْذَنْ لِي فِي الغِنَاءِ ، من غيرِ فَاحِشَةٍ ، من أنه قال عليه السلام : « لاَ آذَنُ لَكَ وَلاَ كَرَامةَ ، ولا نُعْمَةَ ( عَيْنٍ ) كَذَبْتَ أيْ عَدُوَّ الله ، والله لَقَدْ رَزَقَكَ الله حَلاَلاً طَيِّباً ، فَاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ الله عَلَيْكَ مِنْ رِزْقِهِ مَكَانَ مَا أَحَلَّ الله لَكَ مِنْ حَلاَلِهِ » وبأنه لو لم يكن الحرامُ رزقاً لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقاً ، وقد قال الله تعالى : { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الارض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } والإنفاقُ والإنفادُ أخوانِ ، خلا أن في الثاني معنى الإذهاب بالكلية دون الأول ، والمرادُ بهذا الإنفاق الصَّرْفُ إلى سبيل الخير ، فرضاً كان أو نفلاً ، ومن فسَّر ( ه ) بالزكاة ذكر أفضلَ أنواعه الأصلَ فيه ، أو خصصه بها لاقترانه بما هو شقيقُها ، والجملة معطوفة على ما قبلها من الصلة ، وتقديمُ المفعول للاهتمام ، والمحافظةِ على رؤوس الآي ، وإدخال ( من ) التبعيضية عليه للكف عن التبذير .
هذا وقد جاز أن يراد به الإنفاقُ من جميع المعاون التي منحهم الله تعالى من النعم الظاهرة والباطنة ، ويؤيده قوله عليه السلام : « إن علماً لا يُنال به ككنز لا يُنفق منه » وإليه ذهب من قال : ومما خَصَصْناهم من أنوار المعرفة يَفيضون .
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)
{ والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } معطوفٌ على الموصول الأول ، على تقدير وصلِه بما قبله ، وفصلُه عنه مندرجٌ معه في زُمرة المتقين من حيث الصورةُ والمعنى معاً ، أو من حيث المعنى فقط ، اندراجَ خاصَّيْنِ تحت عام ، إذ المرادُ بالأولين الذين آمنوا بعد الشركِ والغفلةِ عن جميع الشرائعِ كما يُؤذِن به التعبيرُ عن المؤْمَن به بالغيب ، وبالآخرين الذين آمنوا بالقرآن بعد الإيمان بالكتب المنزلةِ قبله ، كعبد اللَّه بن سلام وأضرابِه ، أو على المتقين على أن يراد بهم الأولون خاصة ، ويكون تخصيصُهم بوصف الاتقاءِ للإيذان بتنزّههم عن حالتهم الأولى بالكلية ، لما فيها من كمال القباحة والمباينةِ للشرائعِ كلِّها ، الموجبةِ للاتقاء عنها ، بخلاف الآخرين ، فإنهم غيرُ تاركين لما كانوا عليه بالمرة ، بل متمسكون بأصول الشرائعِ التي لا تكاد تختلف باختلاف الأعصار ، ويجوز أن يُجعلَ كِلا الموصولين عبارةً عن الكل مندرجاً تحت المتقين ، ولا يكون توسيطُ العاطفِ بينهما لاختلاف الذوات ، بل لاختلاف الصفات كما في قوله : (1/34)
إلى الملِكِ القَرْم وابنِ الهُمام ... وليثِ الكتيبةِ في المُزدَحَمْ
وقولِه : يا لَهفَ زيّابةَ للحارثِ الصابحِ فالغانِمِ فالآيبِ للإيذان بأن كلَّ واحدٍ من الإيمان بما أشير إليه من الأمور الغائبةِ ، والإيمان بما يشهد بثبوتها من الكتب السماوية نعتٌ جليلٌ على حِياله ، له شأنٌ خطير مستتبِعٌ لأحكام جمّة ، حقيقٌ بأن يُفردَ له موصوفٌ مستقل ، ولا يُجعل أحدُهما تتمةً للآخر ، وقد شُفِع الأولُ بأداء الصلاة والصدقة اللتين هما من جملة الشرائعِ المندرجةِ تحت تلك الأمور المؤمَن بها تكملةً له ، فإن كمالَ العلم بالعمل ، وقُرن الثاني بالإيقان بالآخرة مع كونه منطوياً تحت الأول تنبيهاً على كمال صِحتِه ، وتعريضاً بما في اعتقاد أهلِ الكتابين من الخلل كما سيأتي ، هذا على تقدير تعلّقِ الباءِ بالإيمان ، وقِسْ عليه الحالَ عند تعلّقِها بالمحذوف ، فإن كلاً من الإيمان الغيبيِّ المشفوعِ بما يصدّقه من العبادتين مع قطع النظر عن المؤمَن به والإيمانِ بالكتب المنزلةِ الشارحة لتفاصيل الأمور التي يجب الإيمانُ بها مقروناً بما قُرن به فضيلةٌ باهرة ، مستدعية لما ذكر ، والله تعالى أعلم .
وقد حُمل ذلك على معنى أنهم الجامعون بين الإيمانِ بما يدركه العقلُ جملةً والإتيانِ بما يصدّقه من العبادات البدنية والمالية ، وبين الإيمانِ لا طريقَ إليه غيرُ السمع . وتكريرُ الموصول للتنبيه على تغايُر القَبيلَيْن ، وتباينُ السبيلين فلْيُتأمَّلْ ، وأن يراد بالموصول الثاني بعد اندراج الكلِّ في الأول فريقٌ خاصٌّ منهم ، وهم مؤمنو أهلِ الكتاب ، بأن يُخَصّوا بالذكر تخصيصَ جبريلَ ومكائيلَ به إثرَ جَرَيانِ ذكر الملائكة عليهم السلام تعظيماً لشأنهم وترغيباً لأمثالهم وأقرانِهم في تحصيل ما لهم من الكمال .
( معنى إنزال الكتاب )
والإنزالُ النقلُ من الأعلى إلى الأسفل ، وتعلُّقه بالمعاني إنما هو بتوسّط تعلّقِه بالأعيان المستتبعة لها ، فنزولُ ما عدا الصحفَ من الكتب الإلهية إلى الرسل عليهم السلام والله تعالى أعلم بأن يتلقاها الملَكُ من جنابه عز وجل تلقياً روحانياً ، أو يحفَظَها من اللوح المحفوظ ، فينزِلَ بها إلى الرسل فيُلقِيهَا عليهم عليهم السلام ، والمراد ( بما أنزل إليك ) هو القرآنُ بأسره ، والشريعةُ عن آخرها .
والتعبيرُ عن إنزاله بالماضي مع كون بعضِه مُترقَّباً حينئذ لتغليب المحقَّقِ على المقدَّر ، أو لتنزيل ما في شرَفِ الوقوعِ لتحقُّقه منزلةَ الواقع ، كما في قوله تعالى : { إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى } مع أن الجنَّ ما كانوا سمعوا الكتابَ جميعاً ولا كان الجميعُ إذ ذاك نازلاً ، وبما أنزل من قبلك التوراةُ والإنجيلُ وسائرُ الكتب السالفة ، وعدمُ التعرضِ لذكر من أُنزل إليه من الأنبياء عليهم السلام ، لقصد الإيجازِ مع عدم تعلُّقِ الغرَض بالتفصيل حسَبَ تعلقِه به في قوله تعالى : { قُولُواْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل } الآية . والإيمانُ بالكل جملةً فرضٌ ، وبالقرآنِ تفصيلاً من حيث إنا متعبَّدون بتفاصيله فرضُ كفاية ، فإن في وجوبه على الكل عَيناً حَرَجاً بيناً ، وإخلالاً بأمر المعاش ، وبناءُ الفعلين للمفعول للإيذان بتعيُّن الفاعل ، والجَرْيِ على سَنن الكِبرياء ، وقد قُرئا على البناء للفاعل . (1/35)
{ وبالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ } الإيقانُ إتقانُ العلم بالشيء بنفي الشكِّ والشبهةِ عنه ، ولذلك لا يُسمَّى علمُه تعالى يقيناً ، أي يعلمون علماً قطعياً مُزيحاً لما كان أهلُ الكتاب عليه من الشكوك والأوهام التي من جملتها زعمُهم أن الجنة لا يدخُلها إلا من كان هوداً أو نصارى ، وأن النارَ لن تمسَّهم إلا أياماً معدوداتٍ ، واختلافُهم في أن نعيمَ الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا أو لا ، وهل هو دائم أو لا ، وفي تقديم الصلة وبناءِ ( يوقنون ) على الضمير تعريضٌ بمن عداهم من أهل الكتاب ، فإن اعتقادَهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة فضلاً عن الوصول إلى مرتبة اليقين . والآخرةُ تأنيثُ الآخِر ، كما أن الدنيا تأنيثُ الأدنى ، غَلَبتا على الدارين فجرَتا مجرى الأسماء ، وقرىء بحذف الهمزة وإلقاءِ حركتها على اللام ، وقرىء يؤقنون بقلب الواو همزة ، إجراءً لضم ما قبلها مجرى ضمِّها في وجوه ووقتت ، ونظيره ما في قوله :
لحب المؤقدان إلى مؤسى ... وجعدة إذ أضاءهما الوقود
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
وقوله تعالى : { أولئك } إشارةٌ إلى الذين حُكيت خِصالُهم الحميدةُ من حيث اتصافُهم بها ، وفيه دلالةٌ على أنهم متميِّزون بذلك أكمل تميُّز ، منتظمون بسببه في سِلك الأمور المشاهدة ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعلوِّ درجتِهم وبُعدِ منزلتهم في الفضل ، وهو مبتدأ ، وقوله عز وعلا : { على هُدًى } خبرُه ، وما فيه من الإبهام المفهومِ من التنكير لكمال تفخيمِه ، كأنه قيل : على أيِّ هدىً لا يُبلَغ كُنهُه ، ولا يُقادَرُ قدرُه . وإيرادُ كلمةِ الاستعلاء بناءً على تمثيل حالهم في ملابستهم بالهدى بحال من يَعْتلي الشيء ويستولي عليه يتصرف فيه كيفما يريد ، أو على استعارتها لتمسكهم بالهدى استعارةً تبعية ، متفرّعةً على تشبيهه باعتلاء الراكبِ واستوائِه على مركوبه ، أو على جعلها قرينةً للاستعارة بالكناية بين الهدى والمركوبِ للإيذان بقوةِ تمكّنِهم منه وكمالِ رسوخهم فيه ، وقوله تعالى : { مّن رَّبّهِمُ } متعلقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً له مبينةً لفخامته الإضافية إثرَ بيانِ فخامته الذاتية ، مؤكدةً لها ، أي على هدىً كائنٍ من عنده تعالى ، وهو شاملٌ لجميع أنواع هدايتِه تعالى ، وفنونِ توفيقِه . والتعرّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لغاية تفخيمِ الموصوفِ والمضافِ إليهم وتشريفِهما ، ولزيادة تحقيقِ مضمونِ الجملة ، وتقريرِه ببيانِ ما يوجبُه ويقتضيه وقد أُدغمت النونُ في الراء بغُنةٍ أو بغير غنة ، والجملةُ على تقدير كونِ الموصولَين موصولَين بالمتقين ، مستقلةٌ لا محل لها من الإعراب ، مقرِّرةٌ لمضمون قوله تعالى : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } مع زيادة تأكيدٍ له وتحقيق . (1/36)
كيف لا وكونُ الكتاب هدىً لهم فنٌّ من فنون ما مُنِحوه واستقروا عليه من الهدى ، حسبما تحققْتَه ، لا سيما مع ملاحظة ما يستتبعه من الفوز والفلاح ، وقيل : هي واقعةٌ موقعَ الجواب عن سؤالٍ ربما ينشأ مما سبق ، كأنه قيل : ما للمنعوتين بما ذُكر من النعوت اختُصّوا بهداية ذلك الكتابِ العظيمِ الشأن؟ وهل هم أحقاءُ بتلك الأثرَة؟ فأجيب بأنهم بسبب اتصافِهم بذلك مالِكُونَ لزِمام أصلِ الهدى الجامعِ لفنونه ، المستتبِع للفوز والفلاح ، فأيُّ ريبٍ في استحقاقهم لما هو فَرعٌ من فروعه؟
ولقد جار عن سَنن الصواب من قال في تقرير الجواب : بأن أولئك الموصوفين غيرُ مستبعَدٍ أن يفوزوا دون الناسِ بالهدى عاجلاً ، وبالفلاح آجلاً .
وأما على تقدير كونِهما مفصولَين عنه فهي في محل الرفع على أنها خبرٌ للمبتدأ الذي هو الموصولُ الأول ، والثاني معطوفٌ عليه ، وهذه الجملةُ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الذهنُ من تخصيص ما ذُكر بالمتقين قبل بيانِ مبادىءِ استحقاقِهم لذلك ، كأنه قيل : ما بالُ المتقين مخصوصين به؟ فأجيب بشرح ما انطوى عليه اسمُهم إجمالاً من نعوت الكمال ، وبيان ما يستدعيه من النتيجة ، أي الذين هذه شؤونُهم أحقاءُ بما هو أعظمُ من ذلك ، كقولك : أُحِبّ الأنصارَ الذين قارعوا دون رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وبذلوا مُهجتَهم في سبيل الله ، أولئك سوادُ عيني ، وسُوَيْدَاءُ قلبي .
وأعلم أن هذا المسلكَ يُسلك تارةً بإعادة اسمِ مَن استُؤنِفَ عنه الحديثُ ، كقولك : أحسنتُ إلى زيدٍ ، زيدٌ حقيقٌ بالإحسان ، وأخرى بإعادةِ صفتِه ، كقولك : أحسنتُ إلى زيدٍ صديقِك القديمِ ، أهلٌ لذلك ، ولا ريب في أن هذا أبلغُ من الأول ، لما فيه من بيان الموجِبِ للحكم ، وإيرادُ اسمِ الإشارةِ بمنزلة إعادة الموصوفِ بصفاته المذكورة ، مع ما فيه من الإشعار بكمال تميُّزِه بها ، وانتظامِه بسبب ذلك في سلك الأمورِ المشاهدة ، والإيماءِ إلى بُعد منزلتِه كما مر . (1/37)
هذا وقد جُوِّز أن يكون الموصولُ الأول مُجرىً على المتقين حسبما فُصّل ، والثاني مبتدأ ، وأولئك الخ خبرُه ، ويُجعل اختصاصُهم بالهدى والفلاح تعريضاً بغير المؤمنين من أهل الكتاب حيث كانوا يزعُمون أنهم على الهدى ، ويطمعون في نيل الفلاح .
{ وأولئك هُمُ المفلحون } تكريرُ اسمِ الإشارة لإظهار مزيدِ العنايةِ بشأن المشارِ إليهم ، وللتنبيه على أن اتصافَهم بتلك الصفات يقتضي نيلَ كلِّ واحدة من تينك الأثَرَتين ، وأن كلاً منهما كافٍ في تميّزهم بها عمن عداهم ، ويؤيده توسيطُ العاطف بين الجملتين ، بخلاف ما في قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ كالانعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون } فإن التسجيلَ عليهم بكمال الغفلة عبارةٌ عما يفيده تشبيهُهُم بالبهائم ، فتكون الجملةُ الثانية مقررةً للأولى ، وأما الإفلاحُ الذي هو عبارةٌ عن الفوز بالمطلوب فلمّا كان مغايراً للهدى نتيجةً له وكان كلٌّ منهما في نفسه أعزَّ مرامٍ يتنافس فيه المتنافسون فُعل ما فُعل ، و ( هم ) ضميرُ فصلٍ يفصِل الخبرَ عن الصفة ويؤكِّد النسبة ، ويفيد اختصاصَ المُسند بالمسند إليه ، أو مبتدأ خبرُه المفلحون ، والجملةُ خبرٌ لأولئك ، وتعريفُ المفلحين للدلالة على أن المتقين هم الناسُ الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة ، أو إشارةً إلى ما يعرِفه كلُّ أحد من حقيقة المفلحين وخصائصِهم . هذا ، وفي بيان اختصاصِ المتقين بنيل هذه المراتبِ الفائقةِ على فنونٍ من الاعتبارات الرائقة اللائقة حسبما أشير إليه في تضاعيف تفسير الآية الكريمة من الترغيب في اقتفاءِ أثرِهم والإرشاد إلى اقتداءِ سيرِهم ما لا يخفى مكانُه ، والله وليُّ الهداية والتوفيق .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)
{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } كلامٌ مستأنف سيق لشرح أحوالِ الكَفَرة الغواة المَرَدة العُتاة ، إثرَ بيانِ أحوالِ أضدادِهم المتصفين بنعوت الكمال الفائزين بمباغيهم في الحال والمآل ، وإنما تُرك العاطفُ بينهما ولم يُسلك به مسلكَ قولِه تعالى : { إِنَّ الابرار لَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ } لِمَا بينهما من التنافي في الأسلوب ، والتبايُن في الغرض ، فإن الأولى مَسوقةٌ لبيان رفعةِ شأنِ الكتاب في باب الهداية والإرشاد ، وأما التعرضُ لأحوال المهتدين به فإنما هو بطريق الاستطراد ، سواءٌ جُعل الموصولُ موصولاً بما قبله ، أو مفصولاً عنه ، فإن الاستئنافَ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من الكلام المتقدم ، فهو من مستتبِعاته لا محالة . وأما الثانيةُ فمسوقةٌ لبيان أحوالِ الكفرة أصالةً ، وترامي أمرِهم في الغَواية والضلالِ إلى حيث لا يُجديهم الإنذارُ والتبشير ، ولا يؤثّر فيهم العِظةُ والتذكير ، فهم ناكبون في تيهِ الغيِّ والفساد عن منهاج العقول ، وراكبون في مسلك المكابرة والعِناد متنَ كلِّ صَعْبٍ وذَلول ، وإنما أوثرتْ هذه الطريقةُ ولم يؤسَّس الكلامُ على بيان أن الكتابَ هادٍ للأولين وغيرُ مُجدٍ للآخَرِين لأن العنوانَ الأخيرَ ليس مما يورثُه كمالاً حتى يُتعرَّضَ له في أثناء تعدادِ كمالاتِه . (1/38)
و ( إن ) من الحروف التي تشابه الفعلَ في عدد الحروف والبناءِ على الفتح ولزومِ الأسماءِ ودخولِ نون الوقاية عليها ، كإنني ولعلني ونظائرهما ، وإعطاءِ معانيه ، والتعدي خاصةً في الدخول على اسمين ، ولذلك أُعملت عملَه الفرْعيَّ ، وهو نصبُ الأول ورفعُ الثاني إيذاناً بكونه فرعاً في العمل دخيلاً فيه ، وعند الكوفيين لا عملَ لها في الخبر ، بل هو باقٍ على حاله بقضية الاستصحاب . وأجيب بأن ارتفاعَ الخبر مشروطٌ بالتجرد عن العوامل ، وإلا لما انتصب خبرُ كان وقد زال بدخولها ، فتعين إعمالُ الحرف ، وأثرُها تأكيدُ النسبة وتحقيقُها ، ولذلك يتلقى بها القسمُ ، وتُصدَّر بها الأجوبة ، ويؤتى بها في مواقع الشكِ والإنكارِ لدفعه وردِّه ، قال المبّرِد : قولُك عبدُ اللَّه قائمٌ إخبارٌ عن قيامه ، وإن عبدَ اللَّه قائمٌ جوابُ سائلٍ عن قيامه شاكٍ فيه ، وإن عبدَ اللَّه لقائمٌ جوابُ منكرٍ لقيامه .
وتعريف الموصولُ إما للعهد والمرادُ به ناسٌ بأعيانهم كأبي لهبٍ وأبي جهلٍ والوليدِ بن المغيرة وأضرابِهم وأحبارِ اليهود ، أو للجنس ، وقد خُص منه غيرُ المُصرِّين بما أسند إليه من قوله تعالى : { سَوَاء عَلَيْهِمْ } الخ ، والكُفْرُ في اللغة سترُ النعمة ، وأصلُه الكَفْرُ بالفتح أي الستر . ومنه قيل للزارع والليلِ كافرٌ ، قال تعالى : { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ } وعليه قول لبيد :
في ليلةٍ كَفَر النجومَ غمامُها ... ومنه المتكفِّرُ بسلاحه وهو الشاكي الذي غطى السلاحُ بدنه ، وفي الشريعة إنكارُ ما عُلم بالضرورة مجيءُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام به ، وإنما عُدَّ لبسُ الغيارُ وشد الزنار بغير اضطرار ونظائرُهما كفراً لدلالته على التكذيب ، فإن مَنْ صدق النبي عليه السلام لا يكاد يجترىء على أمثال ذلك ، إذ لا داعيَ إليه كالزنى وشربِ الخمر ، واحتجت المعتزلة على حدوث القرآن بما جاء فيه بلفظ الماضي على وجه الإخبار ، فإنه يستدعي سابقةَ المُخبَرِ عنه لا محالة ، وأُجيب بأنه من مقتضيات التعلقِ وحدوثِه لا يستدعي حدوثَ الكلام ، كما أن حدوثَ تعلّقِ العلم بالمعلوم لا يستدعي حدوثَ العلم { سَوَآء } هو اسمٌ بمعنى الاستواء ، نُعت به كما يُنعت بالمصادر مبالغةً ، قال تعالى :
{ تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } وقوله تعالى : { عَلَيْهِمْ } متعلق به ، ومعناه عندهم ، وارتفاعُه على أنه خبر ، لأن قوله تعالى : { أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ } مرتفعٌ به على الفاعلية لأن الهمزةَ وأَمْ مجردتان عن معنى الاستفهام ، لتحقيق الاستواء بين مدخوليهما ، كما جُرِّد الأمر والنهي لذلك عن معنييهما في قوله تعالى : { استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } وحرفُ النداء في قولك : اللهم اغفرْ لنا أيتها العِصابة عن معنى الطلب لمجرد التخصيص ، كأنه قيل : إن الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارُك وعدمُه . كقولك : إن زيداً مختصمٌ أخوه وابنُ عمه ، أو مبتدأ ، و { سَوَاء عَلَيْهِمْ } خبرٌ قُدم عليه اعتناء بشأنه ، والجملة خبرٌ لإن ، والفعل إنما يمتنعُ الإخبار عنه عند بقائه على حقيقته . (1/39)
وأما لو أريد به اللفظُ أو مطلقُ الحدث المدلولِ عليه ضمناً على طريقة الاتساع فهو كالاسم في الإضافة والإسناد إليه ، كما في قوله تعالى : { هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ } وقوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ } وفي قولهم : ( تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ ) ، كأنه قيل : إنذارُك وعدمه سيان عليهم ، والعدول إلى الفعل لما فيه من إيهام التجدُّد ، والتوصّلُ إلى إدخال الهمزة ومُعادلِها عليه لإفادة تقرير معنى الاستواء وتأكيده ، كما أشير إليه وقيل : ( سواء ) مبتدأ وما بعده خبره وليس بذاك لأن مقتضى المقام بيانُ كونِ الإنذار وعدمِه سواءً ، لا بيان كون المستوي الإنذارَ وعدمَه ، والإنذارُ إعلامُ المَخوفِ للاحتراز عنه ، إفعال من نذر بالشيء إذا علِمه فحذِره ، والمراد هاهنا التخويف من عذاب الله وعقابه على المعاصي ، والاقتصارُ عليه لما أنهم ليسوا بأهل للبشارة أصلاً ، ولأن الإنذار أوقعُ في القلوب ، وأشدُّ تأثيراً في النفوس ، فإن دفع المضارِّ أهم من جلب المنافع ، فحيث لم يتأثروا به فَلألاّ يرفعوا للبشارة رأساً أولى ، وقرىء بتوسيط ألفٍ بين الهمزتين مع تحقيقهما ، وبتوسيطها والثانية بَيْنَ بين ، وبتخفيف الثانية بين بين بلا توسيط ، وبحذف حرف الاستفهام ، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله ، كما قرىء قدَ أفلح ، وقرىء بقلب الثانية ألفاً ، وقد نسب ذلك إلى اللحن .
{ لاَ يُؤْمِنُونَ } جملةٌ مستقلةٌ مؤكدة لما قبلها ، مبينة لما فيه من إجمال ما فيه الاستواء ، فلا محلَّ لها من الإعراب ، أو حال مؤكدةٌ له ، أو بدل منه أو خبرٌ لأن ، وما قبلها اعتراضٌ بما هو عِلة للحكم ، أو خبرٌ ثانٍ على رأي من يجوِّزه عند كونه جملة ، والآية الكريمة مما استدل به على جواز التكليف بما لا يطاق ، فإنه تعالى قد أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون ، فظهر استحالةُ إيمانهم لاستلزامه المستحيلَ الذي هو عدمُ مطابقةِ إخباره تعالى للواقع مع كونهم مأمورين بالإيمان ، باقين على التكليف ، ولأن من جملة ما كُلفوه الإيمانَ بعدم إيمانهم المستمر ، والحق أن التكليفَ بالممتنع لذاته وإن جاز عقلاً من حيث إن الأحكامَ لا تستدعي أغراضاً لا سيما الامتثالُ ، لكنه غيرُ واقع للاستقراء ، والإخبارُ بوقوعِ الشيء أو بعدمه لا ينفي القُدرة عليه ، كإخباره تعالى عما يفعله هو ، أو العبدُ باختياره ، وليس ما كلفوه الإيمانَ بتفاصيل ما نطق به القرآن حتى يلزم أن يُكلفوا الإيمان بعدم إيمانهم المستمر ، بل هو الإيمانُ بجميع ما جاء به النبي عليه السلام إجمالاً ، على أن كون الموصولِ عبارةً عنهم ليس معلوماً لهم .
وفائدةُ الإنذار بعد العلم بأنه لا يفيد إلزامَ الحجةِ وإحرازَ الرسول صلى الله عليه وسلم فضل الإبلاغ ، ولذلك قيل : سواء عليهم ، ولم يقل : عليك ، كما قيل لعبَدة الأصنام { سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون } وفي الآية الكريمة إخبارٌ بالغيب على ما هو به إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهي من المعجزات الباهرة (1/40)
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)
{ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } استئنافٌ تعليلي لما سبق الحكم ، وبيانٌ لما يقتضيه ، أو بيان وتأكيد له ، والمرادُ بالقلب محلُّ القوة العاقلة من الفؤاد ، والختم على الشيء الاستيثاقُ منه بضرب الخاتم عليه صيانةً له ، أو لما فيه من التعرض له كما في البيت الفارغ والكيس المملوء ، والأولُ هو الأنسب بالمقام ، إذ ليس المراد به صيانةَ ما في قلوبهم ، بل إحداثَ حالةٍ تجعلها بسبب تماديهم في الغي وانهماكِهم في التقليد ، وإعراضِهم عن منهاج النظر الصحيح ، بحيث لا يؤثر فيها الإنذار ، ولا ينفُذُ فيها الحقُّ أصلاً ، إما على طريقة الاستعارة التبعية ، بأن يُشبّه ذلك بضرب الخاتم على نحو أبوابِ المنازل الخالية المبنية للسُكنى تشبيهَ معقولٍ بمحسوس بجامعٍ عقلي هو الاشتمالُ على منع القابل عما من شأنه وحقه أن يقبَلَه ، ويستعار له الختمُ ثم يشتق منه صيغةُ الماضي ، وإما على طريقة التمثيل بأن يُشبه الهيئةُ المنتزعةُ من قلوبهم وقد فُعل بها ما فعل من إحداث تلك الحالة المانعة من أن يصل إليها ما خلقت هي لأجله من الأمور الدينية النافعة ، وحيل بينها وبينه بالمرة بهيئةٍ منتزعةٍ من محالَ مُعدةٍ لحلول ما يَحُلُّها حُلولاً مستتبعاً لمصالحَ مُهمة وقد مَنَع من ذلك بالختم عليها وحيل بينها وبين ما أعدت لأجله بالكلية ، ثم يُستعار لها ما يدل على الهيئة المشبَّهِ بها فيكون كلٌّ من طرفي التشبيه مركباً من أمور عدةٍ قد اقتُصر من جانب المشبَّهِ به على ما عليه يدور الأمرُ في تصوير تلك الهيئةِ وانتزاعِها وهو الختم ، والباقي منويٌّ مرادٌ قصداً بألفاظٍ متخيَّلة بها يتحقق التركيب ، وتلك الألفاظُ وإن كان لها مدخَلٌ في تحقيق وجهِ الشبه الذي هو أمرٌ عقلي منتزَع منها وهو امتناعُ الانتفاعِ بما أُعِدَّ له بسبب مانعٍ قوي ، ليس في شيء منها على الانفراد تجوز باعتبار هذا المجاز ، بل هي باقية على حالها من كونها حقيقةً أو مجازاً أو كنايةً ، وإنما التجوُّزُ في المجموع ، وحيث كان معنى المجموع مجموعَ معاني تلك الألفاظ التي ليس فيها التجوزُ المعهود ، ولم تكن الهيئةُ المنتزعةُ منها مدلولاً وضعياً لها ليكون ما دلَّ على الهيئة المشبه بها عند استعمالِه في الهيئة المشبهة مستعملاً في غير ما وضع له ، فيندرجَ تحت الاستعارةِ التي هي قسمٌ من المجاز اللغوي ، الذي هو عبارةٌ عن الكلمة المستعملة في غير ما وضع له ، ذهب قدماء المحققين كالشيخ عبدِ القاهر وأضرابِه إلى جعل التمثيلِ قسماً برأسه ، ومن رام تقليلَ الأقسام عَدَّ تلك الهيئةَ المشبَّهَ بها من قبيل المدلولات الوضعية ، وجعل الكلامَ المفيد لها عند استعمالِه فيما يُشبَّه بها من هيئة أخرى منتزعةٍ من أمور أُخَرَ من قبيل الاستعارة ، وسماه استعارة تمثيلية ، وإسنادُ إحداث تلك الحالة في قلوبهم إلى الله تعالى لاستناد جميعِ الحوادث عندنا من حيث الخلقُ إليه سبحانه وتعالى ، وورودُ الآية الكريمة ناعيةً عليهم سوءَ صنيعهم ووخامةَ عاقبتِهم لكون أفعالِهم من حيث الكسبُ مستندةً إليهم ، فإن خلْقَها منه سبحانه ليس بطريق الجبر بل بطريق الترتيبِ على ما اقترفوه من القبائح كما يُعرِبُ عنه قوله تعالى : (1/41)
{ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } ونحو ذلك . (1/42)
وأما المعتزلةُ فقد سلكوا مسلكَ التأويل ، وذكروا في ذلك عدةً من الأقاويل منها أن القومَ لمّا أعرضوا عن الحق وتمكنَ ذلك في قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم شُبّه بالوصف الخَلْقي المجبول عليه ، ومنها أن المراد به تمثيلُ قلوبِهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خاليةً عن الفِطَن ، أو بقلوب قد ختم الله تعالى عليها كما في : سال به الوادي إذا هلك ، وطارت به العنقاءُ إذا طالت غَيْبته ، ومنها أن ذلك فعلُ الشيطان أو الكافر ، وإسنادُه إليه تعالى باعتبار كونه بإقداره تعالى وتمكينه ، ومنها أن أعراقَهم لما رسَخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق إلى تحصل إيمانهم طريقٌ سوى الإلجاءِ والقسرِ ، ثم لم يَفعَلْ ذلك محافظةً على حكمة التكليف عُبّر عن ذلك بالختم ، لأنه سدٌّ لطريق إيمانهم بالكلية ، وفيه إشعارٌ بترامي أمرهم في الغي والعِناد ، وتناهي انهماكِهم في الشر والفساد ، ومنها أن ذلك حكايةٌ لما كانت الكفرة يقولونه مثل قولهم : { قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } تهكّماً بهم ، ومنها أن ذلك في الآخرة ، وإنما أُخبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه ويعضُده قوله تعالى : { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا } ومنها أن المراد بالختم وسْمُ قلوبهم بسِمَةٍ يعرِفها الملائكة فيبغضونهم وينفِرون عنهم .
{ وعلى سَمْعِهِمْ } عطفٌ على ما قبله داخل في حكم الختم لقوله عز وجل : { وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } وللوفاق على الوقف عليه لا على قلوبهم ، ولاشتراكهما في الإدراك من جميع الجوانب ، وإعادةُ الجارّ للتأكيد والإشعار بتغايُر الختمَيْن ، وتقديمُ ختمِ قلوبهم للإيذان بأنها الأصلُ في عدم الإيمان ، وللإشعار بأن ختمَها ليس بطريق التبعيةِ بختم سمعِهم ، بناءً على أنه طريقٌ إليها ، فالختمُ عليه ختمٌ عليها ، بل هي مختومةٌ بختم على حِدَة ، لو فُرض عدمُ الختم على سمعهم فهو باقٍ على حاله حسبما يُفصح عنه قوله تعالى : { وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } والسمعُ إدراكُ القوة السامعة ، وقد يُطلق عليها وعلى العضو الحامل لها وهو المراد ههنا ، إذ هو المختومُ عليه أصالةً ، وتقديمُ حاله على حال أبصارِهم للاشتراك بينه وبين قلوبهم في تلك الحال ، أو لأن جنايتَهم من حيث السمعُ الذي به يتلقى الأحكامُ الشرعية ، وبه يَتحققُ الإنذارُ أعظمَ منها من حيث البصرُ الذي به يشاهَد الأحوالُ الدالة على التوحيد ، فبيانُها أحقُّ بالتقديم ، وأنسبُ بالمقام .