صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
وروي ، عن ابن عباس أنه قال : توبة النصوح : الندم بالقلب ، والاستغفار باللسان ، والإضمار أن لا يعود إليها . قرأ نافع ، وعاصم في إحدى الروايتين { تَوْبَةً نَّصُوحاً } بضم النون ، والباقون بالنصب . فمن قرأ بالنصب ، فهو صفة التوبة يعني : توبة بالغة في النصح ، كما يقال : رجل صبور وشكور . ومن قرأ بالضم ، يعني : ينصحوا بها نصوحاً ، كما يقال : نصحت له نصحاً ونصوحاً . (4/305)
ثم قال : { عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سيئاتكم } يعني : يغفر لكم ما مضى من ذنوبكم إن تبتم . { وَيُدْخِلَكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبى } صار اليوم نصاً لنزع الخافض { يعني } . يكفر عنكم في يوم لا يخزي الله النبي . قال الكلبي : يعني : لا يعذب الله النبي ، ويقال : يوم لا يخزيه فيما أراد من الشفاعة . وغيره ، وتم الكلام .
ثم قال : { النبى والذين ءامَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } يعني : على الصراط . وروى الحسن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْ نُورُهُ أَبْعَدُ ما بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدنِ أبْيَنَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُوُرُه لَا يُجَاوِزُ قَدَمَيْهِ » فقال : { نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } يعني : يضيء بين أيديهم . { وبأيمانهم } يعني : عن أيمانهم وعن شمائلهم على وجه الإضمار . { يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } ، ذلك حين طفئت أنوار المنافقين ، أشفق المؤمنون على نورهم ، ويتفكرون فيما مضى منهم من العذاب ، فيقولون : { رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } يعني : احفظ علينا نورنا ، { واغفر لَنَا } ما مضى من ذنوبنا { إِنَّكَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } من إتمام النور والمغفرة .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)
قوله تعالى : { ياأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين } يعني : جاهد الكفار بالسيف ، وجاهد المنافقين بالقول والتهديد . { واغلظ عَلَيْهِمْ } يعني : اشدد عليهم ، يعني : على كلا الفريقين ، يعني : على الكفار بالسيف ، وعلى المنافقين باللسان . { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } يعني : إن لم يرجعوا ولم يتوبوا ، فمرجعهم إلى جهنم ، { وَبِئْسَ المصير } يعني : بئس القرار وبئس المرجع . (4/306)
قوله تعالى : { ضَرَبَ الله مَثَلاً } يعني : وصف الله شبهاً لكفار مكة ، وذلك أنهم استهزؤوا وقالوا : إن محمداً صلى الله عليه وسلم يشفع لنا . فبيّن الله تعالى أن شفاعته عليه السلام لا تنفع لكفار مكة ، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته . وشفاعة لوط لامرأته . وذلك قوله : { لّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ } واسمها واعلة ، { ضَرَبَ الله } واسمها داهلة . ويقال : فيه تخويف لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، ليثبتن على دينه وطاعته .
ثم قال : { كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صالحين } يعني : نوحاً ولوطاً عليهما السلام { فَخَانَتَاهُمَا } يعني : خالفتاهما في الدين . وروي عن ابن عباس أنه قال : ما زنت امرأة نبي قط ، وما كانت خيانتهما إلا في الدين . فأما امرأة نوح كانت تخبر الناس أنه مجنون ، وأما امرأة لوط كانت تدل على الأضياف . وقال عكرمة : الخيانة في كل شيء ليس في الزنى . { فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئاً } يعني : لم يمنعهما صلاح زوجيهما مع كفرهما من الله شيئاً ، يعني : من عذاب الله شيئاً . { وَقِيلَ } لهما في الآخرة : { ادخلا النار مَعَ الدخلين } ، فكذلك كفار مكة ، وإن كانوا أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم ، لا ينفعهم صلاح النبي صلى الله عليه وسلم . وكذلك أزواجه ، إذا خالفنه .
ثم ضرب الله مثلاً للمؤمنين ، فقال عز وجل : { وَضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ } يعني : بيَّن الله شبهاً وصفة للمؤمنين الذين آمنوا . { امرأة فِرْعَوْنَ } ، فإنها كانت صالحة ، لم يضرها كفر فرعون ، فكذلك من كان مطيعاً لله لا يضره شر غيره؛ ويقال : هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة ، يعني : لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون ، صبرت على إيذاء فرعون . { إِذْ قَالَتْ رَبّ ابن لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى الجنة } ؛ وذلك أن فرعون لما علم بإيمانها ، فطلب منها أن ترجع ، فأبت ولم ترجع عن إيمانها ، فوتدها بأربعة أوتاد في يديها ورجليها ، وربطها وجعل على صدرها حجر الرحى ، وجعلها في الشمس . فأراها الله تعالى بيتها في الجنة ، ونسيت ما هي فيه من العذاب ، وضحكت ، فقالوا عند ذلك : هي مجنونة تضحك ، وهي في العذاب .
وروى أبو عثمان النهدي ، عن سلمان الفارسي قال : كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس ، فإذا ذرت ، أي طلعت الشمس وارتفعت ، أظلتها الملائكة بأجنحتها ، وأريت مقعدها من الجنة .
وروى قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ » . (4/307)
ثُمّ قال الله عز وجل : { رَبّ ابن لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى الجنة } يعني : ارزقني في الجنة . { وَنَجّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ } يعني : من عذاب فرعون وظلمه . { وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين } يعني : من قوم فرعون ، يعني : من تعييرهم وشماتتهم .
ثم قال عز وجل : { وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ } يعني : واذكر مريم ، ويقال : معناه : وضرب الله مثلاً مريم ابنة عمران وصبرها على إيذاء اليهود ، { التى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } يعني : عفت نفسها عن الفواحش . { فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } يعني : أرسلنا جبريل عليه السلام فنفخ في جيب درعها ، وذلك قوله : { فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } أي : في جيبها ، أي روحاً من أرواحنا ، وهي روح عيسى عليه السلام { وَصَدَّقَتْ بكلمات رَبَّهَا } أي : صدقت بعيسى عليه السلام ويقال : صدقت بالبشارات التي بشرها بها جبريل . { وَكُتُبِهِ } يعني : آمنت بكتاب الله تعالى؛ وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص { وَكُتُبِهِ } يعني : الكتب التي أنزلت على الأنبياء ، والباقون { ***بكتابه } يعني : الإنجيل . وقرأ بعضهم { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَة رَبُّهَا } يعني : صار عيسى مخلوقاً بكلمة الله ، فصدقت بذلك . { وَكَانَتْ مِنَ القانتين } يعني : المطيعين لله .
تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)
قوله تعالى : { تَبَارَكَ الذى بِيَدِهِ الملك } يعني : تعالى وتعظم . وهذا قول ابن عباس وقيل : تفاعل من البركة . وقال الحسن : تبارك يعني : تقدس { الذى بِيَدِهِ الملك } يعني : الذي له الملك ، كما قال : { لَّهُ مُلْكُ السموات والارض } ويقال : { الذى بِيَدِهِ الملك } يعني : الذي له القدرة ونفاذ الأمر . { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } يعني : في العز والذل ، يعز من يشاء ويذل من يشاء . (4/308)
ثم قال : { الذى خَلَقَ الموت والحياة } قال مقاتل : { خَلَقَ الموت } يعني : النطفة والعلقة والمضغة ، وخلق الحياة يعني : خلق إنساناً ، ونفخ فيه الروح ، فصار حياً . وقال الكلبي : { خَلَقَ الموت } بمنزلة كبش أملح ، لا يمر على شيء ، ولا يجد ريحه شيء إلا مات { والحياة } شيء كهيئة الفرس البلقاء الأنثى التي يركب عليها جبريل والأنبياء . وقال قتادة في قوله : { خَلَقَ الموت والحياة } يعني : أذل الله ابن آدم بالموت ، وجعل الدنيا دار حياة وفناء ، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء . ويقال : { خَلَقَ الموت والحياة } يعني : قدر الحياة ثم قدر الموت بعد الحياة . { لِيَبْلُوَكُمْ } يعني : ليختبركم ما بين الحياة والموت . { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } في حياته ، ويقال : أيكم أكمل عملاً وأخلص عملاً . ويقال : { خَلَقَ الموت والحياة } أي : خلق الحياة للامتحان ، وخلق؛ الموت للجزاء كما قيل : لولا المحن لقدمنا مفاليس ، وذلك أن الله تعالى ، خلق الجنة . وخلق لها أهلاً ، وخلق النار وخلق لها أهلاً ، وابتلاهم بالعمل والأمر والنهي ، فيستوجبون بفعلهم الثواب والعقاب . والابتلاء من الله تعالى ، أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه في الغيب .
ثم قال : { وَهُوَ العزيز الغفور } يعني : العزيز بالنقمة للكافر ، والغفور لمن تاب منهم . ثم قال : { الذى خَلَقَ } يعني : تبارك الذي خلق { سَبْعَ سموات طِبَاقاً } يعني : مطبقاً بعضها فوق بعض مثل القبة . { مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت } . قرأ حمزة ، والكسائي : { مِن تفاوت } بغير ألف ، والباقون بالألف ، وهما لغتان . تفاوت الشيء وتفوت ، إذا اختلف ، يعني : ما ترى في خلق الرحمن اختلافاً واضطراباً ، ويقال : ما ترى فيها من اعوجاج ، ولكنه مستوي . ويقال : معناه ما ترى في خلق السموات من عيب . وأصله من الفوت أي يفوت الشيء ، فيقع فيه الخلل ، ولكنه متصل بعضها ببعض .
ثم أمر بأن ينظروا في خلقه ، ليعتبروا به ويتفكروا في قدرته ، فقال عز وجل : { فارجع البصر } يعني : رد البصر إلى السماء . ويقال : قلب البصر في السماء ، ويقال : اجتهد بالنظر إلى السماء . { هَلْ ترى مِن فُطُورٍ } ؟ يعني : هل ترى فيها من شقوق؟ ويقال : هل ترى فروجاً أو صدوعاً أو خللاً؟ { ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } يعني : انظر إليها وإنما أمر بالنظر إلى السماء مرتين ، لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة ، لا يرى أثر عيبه ما لم ينظر فيه مرة أخرى؛ فأخبر الله تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرتين ، لا يرى فيها عيباً ، بل يتحير بالنظر إليها ، فذلك قوله : { يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا } يعني : يرجع البصر ذليلاً .
{ وَهُوَ حَسِيرٌ } يعني : قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً . وقال القتبي : { خَاسِئًا } أي مبعداً ، { وَهُوَ حَسِيرٌ } أي : كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه قبل أن يرى شيئاً من الخلل . (4/309)
ثم قال : { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح } يعني : بالنجوم والكواكب . { وجعلناها رُجُوماً للشياطين } يعني : جعلنا بعض النجوم رمياً للشياطين ، إذا تصدوا استراق السمع . { وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ } يعني : للشياطين { عَذَابِ السعير } يعني : الوقود . { وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ } يعني : أعتدنا للذين جحدوا { بِرَبّهِمْ } يعني : بوحدانية الله تعالى { عَذَابَ جَهَنَّمَ } . قرىء في الشاذ { عَذَابَ جَهَنَّمَ } بالنصب يعني : أعتدنا لهم عذاب جهنم ، فيصير نصباً لوقوع الفعل عليه ، وقراءة العامة بالضم ، على معنى خبر الابتداء . ثم قال : { وَبِئْسَ المصير } يعني : المرجع .
ثم قال : { إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا } يعني : ألقوا الكفار في نار جهنم . { سَمِعُواْ لَهَا } يعني : سمعوا منها { شَهِيقًا } يعني : صوتاً كصوت الحمار . { وَهِىَ تَفُورُ } يعني : تغلي كغلي المرجل . { تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ } يعني : تكاد تتفرق من غيظها على أعداء الله تعالى . { كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ } يعني : من النار فوج ، يعني : أمة من الأمم . { سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } يعني : رسولاً يخبركم ويخوفكم؟ { قَالُواْ بلى } يعني : يقولون : بلى { قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ } يعني : الرسول ، { فَكَذَّبْنَا } الرسول ، { وَقُلْنَا } : إنكم لكاذبون على الله تعالى . { مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْء } يعني : كتاباً ولا رسولاً . { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ } يعني : قلنا لهم ما أنتم إلا في خطأ عظيم .
{ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ } يعني : لو كنا نسمع إلى الحق { أَوْ نَعْقِلُ } يعني نرغب في الهدى ونتفكر في الخلق . { مَا كُنَّا فِى أصحاب السعير } يعني : مع أصحاب الزقوم في النار . ويقال : يعني : ما كنا في أهل النار . { فاعترفوا بِذَنبِهِمْ } يعني : أقروا بشركهم { فَسُحْقًا } يعني : فبعداً من رحمة الله تعالى { لاصحاب السعير } يعني : الوقود . وقال الزجاج : { فَسُحْقًا } نصب على المصدر ، فمعناه أسحقهم الله سحقاً ، فباعدهم من رحمته . والسحق : البعيد ، كقوله : { في مكان سحيق } [ الحج : 31 ] أي : بعيد . قرأ الكسائي بضم السين والحاء ، وجزم الحاء والباقون بضم السين ، وهما لغتان معناهما واحد . ثم بين حال المؤمنين .
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20)
فقال عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } يعني : يخافون الله تعالى ويخافون عذابه ، الذي هو { بالغيب } ، فهو عذاب يوم القيامة . { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } يعني : مغفرة لذنوبهم { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } يعني : ثواباً عظيماً في الجنة ثم قال : { وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ } . اللفظ لفظ الأمر ، والمراد به الخبر يعني : إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أو جهرتم به . { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } يعني : بما في القلوب من الخير والشر ، وذلك أن جماعة من الكفار كانوا يتشاورون فيما بينهم ، فقال بعضهم لبعض : لا تجهروا بأصواتكم ، فإن رب محمد يسمع فيخبره ، قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : قل لهم يا محمد : { أَسَرُّواْ *** قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ } فإنه يعلم به . (4/310)
ثم أخبر بما هو أخفى من هاتين الحالتين ، فقال : { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } يعني : فكيف لا يعلم قول السر . ثم قال عز وجل : { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } يعني : ألا يعلم السر ، من خلق السر يعني : هو خلق السر في قلوب العباد ، فكيف لا يعلم بما في قلوب العباد؟ ثم قال : { وَهُوَ اللطيف الخبير } يعني : لطف علمه بكل شيء ، يعني : يرى أثر كل شيء بما في القلوب من الخير والشر؛ ويقال : { لَطِيفٌ } يرى أثر النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ، { خَبِيرٌ } يعني : عالم بأفعال العباد وأقوالهم .
ثم ذكر نعمه على خلقه ، ليعرفوا نعمته ، فيشكروه ويوحدوه ، فقال : { هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض ذَلُولاً } يعني : خلق لكم الأرض ذلولاً ، ومدها وذللها؛ وجعلها لينة ، لكي تزرعوا فيها ، وتنتفعوا منها بألوان المنافع ، { فامشوا فِى مَنَاكِبِهَا } يعني : لكي تمشوا في أطرافها ونواحيها وجبالها . وهذا خبر بلفظ الأمر؛ وقال القتبي : { فامشوا فِى مَنَاكِبِهَا } يعني : جوانبها . ومنكبا الرجل : جانباه . وقال قتادة : { مَنَاكِبِهَا } : جبالها . قال : وكان لبشر بن كعب سرية ، فقال لها : إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة لوجه الله؟ فقالت : مناكبها : جبالها ، فصارت حرة . فأراد أن يتزوجها ، فسأل أبو الدرداء ، فقال له : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك .
ويقال : { هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض ذَلُولاً } ، أي سهل لكم السلوك { فامشوا فِى مَنَاكِبِهَا } ، أي : تمشون فيها . { وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ } يعني : تأكلون من رزق الله تعالى وتشكرونه . { وَإِلَيْهِ النشور } يعني : إلى الله تبعثون من قبوركم . ويقال : معناه : هو الذي ذلل لكم الأرض ، قادر على أن يبعثكم ، لأنه ذكر أولاً خلق السماء ، ثم ذكر خلق الأرض ، ثم ذكر النشور .
ثم خوفهم ، فقال عز وجل : { ءامَنْتُمْ *** مَّن فِى السماء } ؟ قال الكلبي ، ومقاتل : يعني : أمنتم عقوبة من في السماء؟ يعني : الرب تعالى إن عصيتموه .
ويقال : هذا على الاختصار؛ ويقال : أمنتم عقوبة من هو جار حكمه في السماء . قرأ أبو عمرو ، ونافع { أَمِنتُمْ } بالمد ، والباقون بغير مد بهمزتين ، ومعناهما واحد وهو الاستفهام ، والمراد به التوبيخ . وقرأ ابن كثير بهمزة واحدة بغير مد ، على لفظ الخبر . { أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الارض } يعني : يغور بكم الأرض ، كما فعل بقارون . { فَإِذَا هِىَ تَمُورُ } يعني : تدور بكم إلى الأرض السفلى . (4/311)
{ أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى السماء } يعني : عذاب من في السماء . { أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصبا } يعني : حجارة كما أرسلنا إلى قوم لوط . وقال القتبي : «أم» على وجهين ، مرة يراد بها الاستفهام ، كقوله : { أَمْ يَحْسُدُونَ الناس } ، ومرة يراد بها أو ، كقوله : { أَمْ أَمِنتُمْ } ويعني : أو أمنتم . وهذا كقوله : { أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً } [ الإسراء : 68 ] . ثم قال : { فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } يعني : تعبيري عليهم بالعذاب . ويقال : معناه سيظهر لكم كيف عذابي .
ثم قال : { وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } يعني : الأمم الخالية كذبوا رسلهم ، { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } ؟ يعني : كيف كانت عقوبتي إياهم وإنكاري لهم؟ ثم قال : { أَوَ لَمْ *** يَرَوْا إِلَى الطير } ؟ يعني : أو لم يعتبروا في خلق الله تعالى كيف خلق الطيور؟ { فَوْقَهُمْ صافات } يعني : باسطات أجنحتها في الهواء . { وَيَقْبِضْنَ } يعني : ويضممن أجنحتهن ويضربن بها . { مَا يُمْسِكُهُنَّ } يعني : ما يحفظهن في الهواء عند القبض والبسط . { إِلاَّ الرحمن إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء بَصِيرٌ } يعني : عالماً بصلاح كل شيء .
أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)
ثم قال عز وجل : { أَمَّنْ هذا الذى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ } يعني : حزب لكم ومنفعة لكم . { يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ الرحمن } يعني : من عذاب الرحمن؛ ومعناه : هاتوا أخبروني من الذي يمنعكم من عذاب الله تعالى إن عصيتموه . { إِنِ الكافرون إِلاَّ فِى غُرُورٍ } يعني : ما الكافرون إلا في خداع وأباطيل . ثم قال عز وجل : { أَمَّنْ هذا الذى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } يعني : من الذي يرزقكم إن حبس الله رزقه؟ وهذا كقوله : { ياأيها الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السمآء والارض لاَ إله إِلاَّ هُوَ فأنى تُؤْفَكُونَ } [ فاطر : 3 ] ؟ ثم قال : { بَل لَّجُّواْ } يعني : تمادوا في الذنب . ويقال : تمادوا في الكفر . ويقال : بل مضوا { فِى عُتُوّ } يعني : في تكبر { وَنُفُورٍ } يعني : تباعداً من الإيمان . (4/312)
ثم قال عز وجل : { أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً على وَجْهِهِ } يعني : الكافر يمشي ضالاً في الظلمة أعمى القلب . { أهدى } يعني : هو أصوب ديناً . { أَفَمَن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صراط مُّسْتَقِيمٍ } هو المؤمن يعمل بطاعة الله يعني : على دين الإسلام . وقال قتادة : { أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً على وَجْهِهِ } ، قال : هو الكافر عمل بمعصية الله ، يحشره الله تعالى يوم القيامة على وجهه { أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صراط مُّسْتَقِيمٍ } ، هو المؤمن يعمل بطاعة الله تعالى ، يسلك به يوم القيامة طريق الجنة . وقال الزجاج : أعلم الله تعالى أن المؤمن يسلك الطريق المستقيم ، وإن كان الكافر في ضلال بمنزلة الذي يمشي مكباً على وجهه . قال مقاتل : نزلت في شأن أبي جهل؛ وقال بعضهم : هو وجميع الكفار .
ثم قال : { قُلْ هُوَ الذى أَنشَأَكُمْ } يعني : خلقكم { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع } لكي تسمعوا بها الحق ، { والابصار } يعني : لكي تبصروا ، { والافئدة } يعني : القلوب لكي تعقلوا بها الهدى . { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } يعني : شكركم فيما صنع إليكم قليلاً . ويقال : معناه خلق لكم السمع والأبصار والأفئدة آلة لطاعات ربكم ، وقطعاً لحجتكم ، وقدرة على ما أمركم؛ فاستعملتم الآلات في طاعة غيره ولم توحدوه .
ثم قال عز وجل : { قُلْ هُوَ الذى ذَرَأَكُمْ فِى الارض } يعني : خلقكم . ويقال : كثركم في الأرض ، وأنزلكم في الأرض . { وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } يعني : إليه ترجعون بعد الموت ، فيجازيكم بأعمالكم .
قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين } يعني : البعث بعد الموت إن كنتم صادقين أنَّا نبعث ، خاطبوا به النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الجماعة . ويقال : أراد به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه . { قُلْ إِنَّمَا العلم عِندَ الله } يعني : علم قيام الساعة عند الله . { وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } يعني : مخوف أخوفكم بلغة تعرفونها .
قوله تعالى : { فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ } يعني : لما رأوا العذاب قريباً . ويقال : لما رأوا القيامة قريبة وسيئت { وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ } يعني : ذللت ، ويقال : قبحت وسودت . وقال القتبي : { فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً } يعني : لما رأوا ما وعدهم الله قريباً منهم؛ وقال الزجاج : { سيئات } أي : تبيَّن فيها السوء في وجوه الذين كفروا . { وَقِيلَ هذا الذى كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ } ، أي : تشكون في الدنيا قرأ قتادة ، والضحاك ، ويعقوب الحضرمي : { تَدْعُونَ } بالتخفيف يعني : تستعجلون ، وتدعون إليه في قولكم : فأمطر علينا حجارة من السماء ، وقراءة العامة { تَدْعُونَ } بالتشديد يعني : تكذبون . ويقال : من أجله { تَدْعُونَ } الأباطيل يعني : تدعون أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً ، لا ترجعون ولا تجازون . ويقال : { تَدْعُونَ } أي : تتمنون . (4/313)
قوله تعالى : { قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ الله وَمَن مَّعِىَ } يعني : إن عذبنا الله . { أَوْ رَحِمَنَا } يعني : غفر لنا . { فَمَن يُجِيرُ الكافرين } يعني : من ينجيهم ويغيثهم { مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } يعني : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : « نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بالله ، وَنَتَوَسَّلُ بِعِبَادَتِهِ إلَيهِ ، لاَ نَأْمَنُ عَذَابَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ مَعَ كُفْرِكُم بِهِ مِنْ عَذَابِهِ وَعُقُوبَتِهِ؟ » فمن يجير الكافرين من عذاب أليم؟ { قُلْ هُوَ الرحمن ءامَنَّا بِهِ } يعني : قل هو الرحمن بفضله ، إن شاء عذبنا ، وإن شاء رحمنا . { وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } يعني : فوضنا إليه أمورنا . { فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ } يعني : فستعرفون ، عند نزول العذاب ، من هو في خطأ بيِّن . قرأ الكسائي : { فَسَيَعْلَمُونَ } بالياء بلفظ الخبر ، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة يعني : سوف تعلمون يا كفار مكة .
{ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً } يعني : إن صار ماؤكم غائراً ، لا تناله الأيدي ولا الدلاء . { فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ } يعني : بماء طاهر . والغور والغائر ، يقال : ماء غور . ومياه غور وهو مصدر لا يثنى ولا يجمع . وقال مجاهد : { بِمَاء مَّعِينٍ } يعني : جار . وروى عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما يعني : الطاهر . وروى أبو هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « سُورَةٌ فِي القُرْآنِ ثَلاَثُونَ ، شُفَعَتْ لِصَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ . { تبارك الذي بيده الملك » .
وروى زر بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود قال : يؤتى بالرجل في قبره من قبل رأسه ، فيقول له : ليس لك علي من سبيل . قد كان يقرأ على سورة الملك ، فيؤتى من قبل رجليه ، فيقول : ليس لك علي سبيل . كان يقوم بسورة الملك ، فيؤتى من قبل جوفه ، فيقول : ليس لك علي سبيل . قد أوعاني سورة الملك ، قال : وهي المنجية تنجي صاحبها من عذاب القبر . وروى ابن الزبير ، عن جابر قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ سورة { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه } و { تَبَارَكَ الذى بِيَدِهِ الملك } ؛ والله أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (6)
قوله تبارك وتعالى : { ن والقلم } . قرأ الكسائي ، ونافع ، وعاصم في إحدى الروايتين بالإِدغام ، والباقون بإظهار النون ، وهما لغتان ومعناهما واحد . قال ابن عباس : هي السمكة التي تحت الأرضين . وروى الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس قال : أَوَّلُ مَا خَلَقَ الله تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ القَلَمَ فَقَالَ اكْتُبْ ، قَالَ بِمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ : اكْتُبِ القَدَرَ فَيَجْرِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى قِيامِ السَّاعَةِ . ثم خلق النون يعني : السمكة ، فدحا الأرض عليها فارتفع بخار الماء ، ففتق منه السموات ، فاضطربت النون فمادت الأرض ، فأثبتت بالجبال . وإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة . وقال سعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة : النون : الدواة ، وقال قتادة : الدواة والقلم : ما قام لله وبه لإصلاح عيش خلقه ، والله يعلم ما يصلح خلقه . ويقال : النون : افتتاح اسم الله تعالى ، وهو النون . ويقال : هو آخر اسمه من الرحمن ، وهذا قسم أقسم الله تعالى بالنون والقلم ، وجواب القسم { مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } ، فذلك قوله : { نون } . (4/314)
{ والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ } يكتُب الحفظة من أعمال بني آدم؛ ويقال : { وَمَا يَسْطُرُونَ } يعني : تكتب الحفظة في اللوح المحفوظ . { مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } يعني : ما أنت بحمد الله تعالى بمجنون { وَمَا أَنت بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } كما يزعمون ، وذلك أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى : { اقرأ باسم رَبِّكَ الذى خَلَقَ } [ العلق : 1 ] إلى قوله : { عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ } [ العلق : 5 ] وعلمه جبريل الصلاة ، فقال أهل مكة : جن محمد صلى الله عليه وسلم . وكان النبي يفر من الشاعر والمجنون . فلما نسبوه إلى الجنون ، شق ذلك عليه ، فنزل : { مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } . ويقال : بل أنت رسول الله تعالى .
ثم قال : { وَإِنَّ لَكَ لاَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ } يعني : غير مقطوع ، ويقال : غير محسوب ، ويقال : لا يمن عليك . { وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } يعني : على خلق حسن؛ وقال مقاتل : يعني : على دين الإسلام ، وقال عطية : يعني : على آدب القرآن . ثم قال : { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ } يعني : سترى ويرون ويقال فستعلم ويعلمون { بِأَيّكُمُ المفتون } يعني : إذا نزل بهم العذاب تعلمون أيكم المفتون ، يعني : بأيكم المجنون ويقال الباء زيادة ، ومعناه أيكم المفتون يعني أيكم المجنون ، وقال قتادة : يعني : أيكم أولى بالسلطة ، وقال أبو عبيدة : أيكم المجنون والباء زيادة ، واحتج بقول القائل : نضرب بالسيف ، ونرجو بالفرج يعني : نرجو الفرج .
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)
ثم قال : { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ } يعني : هو عالم بمن أخطأ الطريق عن دينه { وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } لدينه . ثم قال : { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } ، وذلك أنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه ، فأمره الله تعالى أن يثبت على دينه ، فقال : { لاَ تطعالمكذبين } بوحدانية الله تعالى . { وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } قال مجاهد : ودوا لو تركن إليهم ، وتترك ما أنت عليه من الحق ، فيميلون إليك . وقال السدي : { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } وقال القتبي : ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم . وكانوا أرادوا أن يعبدوا آلهتهم مدة ، ويعبدون الله مدة . (4/315)
ثم قال : { فَيُدْهِنُونَ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } يعني : كذاباً في دين الله والحلاف : مكثار الحلف ، { مُّهِينٌ } ضعيف فاجر . نزلت في الوليد بن المغيرة . وقال القتبي : المهين : الحقير الدنيء ، وقال الزجاج : وهو فعيل من المهانة ، وهي القلة . ومعناه في هذا الموضع : القلة في الرأي والتمييز . ثم قال : { هَمَّازٍ } يعني : الوليد بن المغيرة ، طعّان ، لعّان ، مغتاب ، { مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } يعني : يمشي بين الناس بالنميمة . وقال القتبي : { هَمَّازٍ } يعني : عياب ثم قال : { مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } يعني : بخيلاً لا ينتفع بماله لنفسه ، وكان ينفق أمواله على غيره . ويقال : معناه : { مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } يعني : التوحيد ، ويمنع الناس عن التوحيد . { مُعْتَدٍ } يعني : ظلوماً لنفسه { أَثِيمٍ } يعني : فاجراً .
قوله تعالى : { عُتُلٍ } يعني : شديد الخصومة بالباطل ، ويقال : { عُتُلٍ } يعني : أكول شروب صحيح الجسم رحيب البطن . { بَعْدَ ذَلِكَ } يعني : مع ذلك { زَنِيمٍ } يعني : ملصق . وقال ابن عباس : الزنيم : الدعي الملصق ، ويستدل بقول القائل
زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَة ... كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الأَدِيمِ الأَكَارِعُ
ويقال : الزنيم : الشديد الخلق . وروى شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوَّاظٌ وَلاَ جَعْظَرِيٌّ وَلاَ العُتُلُّ الزَّنِيمُ . قَالَ : أَمَّا الجَوَّاظُ ، فَالَّذِي جَمَعَ وَمَنَعَ وَتَدْعُوهُ لَظَى نَزَاعَة للشَّوَى » أَيْ الشَّدِيدَ الخُلُقِ رَحِيبَ الجَوْفِ . وَأمَّا الجَعْظَرِيُّ ، فَالفَظُّ . الغَلِيظُ . وَأَمَّا العُتُلُّ الزَّنِيمُ ، صَحِيحٌ أَكُولٌ شَرُوبٌ ظَلُومٌ لِلنَّاسِ . وَيُقَالُ . الزَّنِيمُ : الدَّعِيُّ وذكر أنه لما نزلت هذه الآية ، قال لأمه : إن محمداً لصادق ، وأنه قال كذا وكذا ، فأقرت والدته له بذلك .
ثم قال : { أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ } يعني : فلا تطعه وإن كان ذا مال وبنين ، يعني : لا تطعه بسبب ماله . ثم قال : { إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا } يعني : القرآن { قَالَ أساطير الاولين } يعني : كذبهم وأباطيلهم . وقال السدي : يعني : أساجيع الأولين . ثم قال : { سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم } يعني : سنضربه على الوجه ، ويقال : سنسود وجهه يوم القيامة ، ويقال : سنسمه على أنفه؛ وقال القتبي : للعرب في هذا مذاهب ، يقولون للرجال إذا سبه سبة قبيحة ، أو يثني عليه فاحشة : قد وسم ميسم سوء ، يريد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه ، كما أن السمة لا يعفو أثرها . وقد وصف الله تعالى الوليد بالحلف ، والمهانة ، والمشي بالنميمة ، والبخل ، والظلم ، والإثم ، والدعوى ، فألحق به العار لا يفارقه في الدنيا والآخرة . قال : والذي يدل على هذا ، ما روي ، عن الشعبي في قوله : { عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } يعني : القتل الشديد . والزنيم : له زنمة من الشر ، يعرف بها كما تعرف الشاة .
إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)
ثم قال : { إِنَّا بلوناهم } يعني : اختبرنا أهل مكة بترك الاستثناء؛ ويقال : ابتليناهم بالجوع والشدة . ثم قال : { كَمَا بَلَوْنَا أصحاب الجنة } يعني : أهل ضيروان ، وهي قبيلة باليمن . وروى أسباط ، عن السدي قال : كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلاً صالحاً ، وكان إذا بلغ ثماره فأتاه المساكين ، فلم يمنعهم من دخولها ، وأن يأكلوا منها ، وأن يتزودوا فيها . فلما مات أبوهم ، قال بنوه بعضهم لبعض : على ما نعطي أموالنا هؤلاء المساكين؟ فقالوا : فلندع من يصرفها قبل أن يعلم المساكين . ولم يستثنوا فانطلقوا وهم يتخافتون ، ويقول بعضهم لبعض خفياً : أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين فذلك قوله : { إِذْ أَقْسَمُواْ } يعني : حلفوا فيما بينهم . { لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ } يعني : ليُجدنَّها وقت الصبح ، أي : ليقطعنها قبل أن يخرج المساكين . { وَلاَ يَسْتَثْنُونَ } يعني : لم يقولوا : إن شاء الله تعالى . (4/316)
وروي في الخبر : أن أباهم كان إذا أراد أن يصرم النخل ، اجتمع هناك مساكين كثيرة . وقد جعل له علامة ، فكل ثمرة تسقط وراء العلامات ، كانت للمساكين . فكانوا يأخذون الثمر قدر ما يتزودون به أياماً كثيرة . فلما مات الرجل ، قال بنوه فيما بينهم : إن أبانا كان عياله أقل ، وحاجته أقل فصار عيالنا أكثر . وحاجتنا أكثر فخرجوا بالليل ، كي لا يشعر بهم المساكين ، فاحترقت نخيلهم في تلك الليلة ، فذلك قوله : { فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ } يعني : بعث الله تعالى ناراً على حديقتهم بالليل . والطائف : الذي أتاك ليلاً فأحرقها وهم نائمون . { مِّن رَّبّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصريم } يعني : صارت الحديقة كالليل المظلم . وقال القتبي : الصريم : من أسماء الأضداد . يسمى الليل صريماً ، والصبح صريماً ، لأن الليل ينصرم عن النهار ، والنهار ينصرم عن الليل . ويقال : الصريم يعني : ذهب ما فيها ، فكأنه صرم أي قطع وجز .
ثم قال : { فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ } يعني : نادى بعضهم لبعض { أَنِ اغدوا على حَرْثِكُمْ } يعني : اخرجوا بالغداة جذوا زروعكم وصرام نخيلكم . { إِن كُنتُمْ صارمين } يعني : إن أردتم أن تصرموها قبل أن يحضرها المساكين . { فانطلقوا } يعني : ذهبوا إِلى نخيلهم ، { وَهُمْ يتخافتون } يعني : يتشاورون فيما بينهم بكلام خفي : { أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مّسْكِينٌ وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ } قال مقاتل : يعني : على جد في أنفسهم . { قادرين } على جنتهم؛ وقال الزجاج : معناه على قصد ، وقال القتبي : الحرد المنع ، ويقال : الحرد القصد قادرين واجدين؛ ويقال : على قوة ونشاط ، ويقال : على طريق جنتهم ، ويقال : الحرد اسم تلك الجنة .
{ فَلَمَّا رَأَوْهَا } يعني : أتوها ورأوها مسودة ، أنكروها . { قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ } يعني : أخطأنا الطريق ، وليست هذه جنتنا . فلما تفحصوا وعلموا أنها جنتهم وأنها عقوبة لهم ، فقالوا : { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } يعني : حُرِمْنا منفعتها .
{ قَالَ أَوْسَطُهُمْ } يعني : أعدلهم وأعقلهم : { أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ } يعني : هلا تستثنون في أيمانكم . ويقال : كان استثناؤهم التسبيح يعني : لولا قلتم سبحان الله . فندموا على فعلهم . { قَالُواْ سبحان رَبّنَا } يعني : نزهوه وعظموه تائبين عن ذنوبهم ، ويقال : نستغفر ربنا . { إِنَّا كُنَّا ظالمين } يعني : ضارين بأنفسنا بمنعنا المساكين . (4/317)
{ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يتلاومون } يعني : جعل يلوم بعضهم بعضاً لصنيعهم ذلك ، ثم { قَالُواْ } بأجمعهم : { قَالُواْ ياويلنا إِنَّا كُنَّا طاغين } يعني : عاصين بمنعنا المساكين . ثم قالوا : { عسى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مّنْهَا } يعني : يعوضنا خيراً منها في الجنة . { إِنَّا إلى رَبّنَا راغبون } يعني : راجين مما عنده . قال الله تعالى : { كَذَلِكَ العذاب } يعني : هكذا عذاب الدنيا لمن منع حق الله تعالى . { وَلَعَذَابُ الاخرة أَكْبَرُ } لمن لم يتب ولم يرجع عن ذنبه . ويقال : هكذا العذاب في الدنيا لأهل مكة بالجوع ، ولعذاب الآخرة أعظم . { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } يعني : لو كانوا يفقهون . ويقال : لو كانوا يصدقون ، ثم ذكر ما للمتقين من الثواب .
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)
فقال عز وجل : { إِنَّ لّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبّهِمْ } يعني : في الآخرة { جنات النعيم } . فلما ذكر الله تعالى نعيم الجنة ، قال عتبة بن ربيعة : إن كان كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن لنا في الآخرة أكثر ما للمسلمين ، لأن فضلنا وشرفنا أكثر ، فنزل : { أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين } يعني : لا يكون حال المسلمين في الهوان والذل كالمشركين . { مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } يعني : وَيْحَكم كيف تقضون بالجَوْر؟ { أَمْ لَكُمْ كتاب فِيهِ تَدْرُسُونَ } ؟ يعني : ألكم كتاب تقرؤون فيه؟ { إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ } يعني : في الكتاب مما تتمنون . { أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا بالغة } ؟ يعني : ألكم عهد عندنا وثيق؟ { إلى يَوْمِ القيامة } . يعني : في يوم القيامة . { إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ } يعني : ما تقضون لأنفسكم في الآخرة؟ . (4/318)
قوله تعالى : { سَلْهُمْ أَيُّهُم بذلك زَعِيمٌ } يعني : أيهم كفيل لهم بذلك؟ ثم قال : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء } ؟ يعني : شهداء يشهدون أن الذي قالوا لهم حق . { فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُواْ صادقين } يعني : يشهدون أن لهم في الآخرة ما للمسلمين ، فهذا كله لفظ الاستفهام ، والمراد به الزجر واليأس ، يعني : ليس لهم ذلك .
قوله تعالى : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } يعني : اذكر ذلك اليوم . ويقال : معناه إن الثواب والعقاب . الذي ذكر ، في يوم يكشف عن ساق . قال ابن عباس : يعني : يظهر قيام الساعة . وروى سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن ابن عباس قال : { عَن سَاقٍ } يعني : عن أمر عظيم ، وقال مجاهد : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } عن بلاء عظيم ، وقال قتادة : يكشف الأمر عن شدة الأمر .
{ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } قال الفقيه : حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا ابن منيع : حدثنا هدبة حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن عمارة القرشي ، عن أبي بردة بن أبي موسى قال : حدثنا أبي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مُثِّلَ لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُون فِي الدُّنْيَا ، فَذَهَبَ كُلُّ قَوْمٍ إلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا ، وَيَبْقَى أَهْلُ التَّوْحِيدِ فِيُقَالُ لَهُمْ : كِيْفَ بَقِيْتُمْ ، وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ : إنَّ لَنَا رَبّاً كُنّا نَعْبُدُهُ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ نَرَهُ قَالَ أَوَ تَعْرِفُونَهُ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ . فَيُقَالُ لَهُمْ : وَكَيْفَ تَعْرِفُونَه وَلَمْ تَرَوْهُ؟ قَالُوا : لا شَبَهَ لَهُ . فَيُكْشفُ لَهُمُ الحِجَابُ ، فَيَنْظُرُونَ إلَى الله تَعَالَى ، فَيَخرُّونَ لَهُ سُجّداً ، وَيَبْقَى أقْوَامٌ ظُهُورُهُمْ مِثْلَ صِيَاصِي البَقَرِ ، فَيُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ . فَيَقُولُ الله تَعَالَى عِبَادِي ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ ، قَدْ جَعَلْتُ بَدَلَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ رَجُلاً مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى فِي النَّارِ » .
قال أبو بردة : فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز ، فقال : والله الذي لا إله إلا هو ، أحدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلفت له ثلاثة أيمان ، فقال عمر : ما سمعت في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إلي من هذا الحديث . (4/319)
وقال القتبي : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } هذا من الاستعارة ، فسمى الشدة ساقاً ، لأن الرجل إذا وقع في الشدة ، شمَّر عن ساقه ، فاستعيرت في موضع الشدة . ويقال : يكشف ما كان خفياً . ويقال : يبدؤون عن أمر شديد ، وهو عذاب عظيم يوم القيامة .
ثم قال عز وجل : { خاشعة أبصارهم } يعني : ذليلة أبصارهم ، { تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } يعني : تغشاهم وتعلوهم كآبة وكشوف وسواد؛ وذلك أن المسلمين ، إذا رفعوا رؤوسهم من السجود ، صارت وجوههم بيضاء كالثلج . فلما نظر اليهود والنصارى والمنافقون ، وهم عجزوا عن السجود ، حزنوا واغتموا فسودت وجوههم . ثم بَيَّنَ المعنى الذي عجزهم عن السجود ، فقال : { وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سالمون } يعني : يدعون إلى السجود في الدنيا وهم أصحاء معافون ، فلم يسجدوا .
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)
ثم قال عز وجل : { فَذَرْنِى وَمَن يُكَذّبُ بهذا الحديث } يعني : دع هؤلاء الذين لا يؤمنون بالقرآن . ويقال : فوض أمرهم إليَّ ، فإني قادر على أخذهم متى شئت . { سَنَسْتَدْرِجُهُم } يعني : سنأخذهم وسنأتيهم بالعذاب . { مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } يعني : نذيقهم من العذاب درجة ، من حيث لا يعلمون أن العذاب نازل بهم . وأصله في اللغة من الارتقاء في الدرجة . وقال السدي : كلما جددوا معصية ، جدد لهم نعمة وأنساهم شكرها ، فذلك الاستدراج . { وَأُمْلِى لَهُمْ } يعني : أمهل لهم وأؤجل لهم إلى وقت . { إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } يعني : عقوبتي شديدة إذا نزلت بهم لا يقدرون على دفعها . (4/320)
ثم قال : { أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً } ؟ يعني : أتسألهم على الإيمان جملاً؟ { فَهُم مّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } يعني : لأجل الغرم يمتنعون . وهذا يرجع إلى قوله : { أَمْ لَكُمْ كتاب فِيهِ تَدْرُسُونَ } . ثم قال : { أَمْ عِندَهُمُ الغيب } ؟ يعني : اللوح المحفوظ . { فَهُمْ يَكْتُبُونَ } يعني : ما يقولون . ثم قال عز وجل : { فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ } يعني : على ما أمر ربك ولقضاء ربك . { وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت } يعني : لا تكن في قلة الصبر والضجر مثل يونس عليه السلام { إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ } يعني : مكروباً في بطن الحوت ، وقال الزجاج : { مَكْظُومٌ } أي مملوء غماً . { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مّن رَّبّهِ } يعني : لولا النعمة والرحمة التي أدركته من الله تعالى ، { لَنُبِذَ بالعراء } يعني : لطرح بالصحراء . والصحراء هي الأرض التي لا يكون فيها نخل ولا شجر ، يوارى فيها { وَهُوَ مَذْمُومٌ } يعني : يذم ويلام . ولكن كان رحمة من الله تعالى ، حيث نبذ بالعراء وهو سقيم وليس بمذموم .
قوله تعالى : { فاجتباه رَبُّهُ } يعني : اختاره ربه للنبوة ، { فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين } يعني : من المرسلين ، كقوله : { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين } . ثم قال عز وجل : { وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ } يعني : أراد الذين كفروا . { لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم } يعني : ليرهقونك بأبصارهم إن قدروا على ذلك . ويقال : معناه إذا قرأت القرآن ، فينظرون إليك نظراً شديداً بالعداوة ، يكاد يزلقك أي : بالعداوة يسقطك من شدة النظر . وذكر عن الفراء أنه قال : { لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم } يعني : يعتانونك يعني : يصيبونك بعيونهم . وذلك أن رجلاً من العرب ، كان إذا أراد أن يعتان شيئاً ، يقبل على طريق الإبل إذا صدرت عن الماء ، فيصيب منها ما أراد بعينه ، فأرادوا أن يصيبوا النبي صلى الله عليه وسلم .
قال الكلبي : { لَيُزْلِقُونَكَ } يعني : ليصرعونك . { لَمَّا سَمِعُواْ الذكر } يعني : قراءتك القرآن ، { وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ } يعني : ما هذا القرآن إلاَّ عظة للجن والإنس؛ ويقال : عز وشرف للعالمين . قرأ حمزة ، وعاصم في رواية أبي بكر : { أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ } بهمزتين ، والباقون بهمزة واحدة ، إلا ابن عامر ، فإنه يقرأ { إِن كَانَ } بالمد . فمن قرأ بهمزتين ، فالألف الأولى للاستفهام ، والثانية ألف إن . ومن قرأ بهمزة واحدة معناه : لأن كان ذا مال أي : لا تطعه لماله وتحمل لأن كان ذا مال . قال : أساطير الأولين . قرأ نافع : { لَيُزْلِقُونَكَ } بنصب الياء ، والباقون بالضم؛ وهما لغتان ، ومعناهما واحد؛ والله أعلم بالصواب .
الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10)
قوله تعالى : { الحاقة مَا الحاقة } وهو اسم من أسماء القيامة ، ومعناه القيامة ما القيامة؟ تعظيماً لأمرها . وقال قتادة في قوله : { الحاقة } يعني : حقت لكل قوم أعمالهم يعني : حقت للمؤمنين أعمالهم وللكافرين أعمالهم من حق يحق ، إذا صح . وذكر عن الفراء أنه قال : إنما قيل لها الحاقة ، لأن فيها حواق الأمور . يقال : لقد حق عليك الشيء ، أي وجب . ثم قال : { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحاقة } يعني : ما تدري أي يوم هو ، تعظيماً لأمرها . (4/321)
ثم وصف القيامة في قوله : { فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور } . ثم ذكر من كذب بالساعة والقيامة ، وما نزل بهم ، فقال : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة } يعني : كذبت قوم صالح وقوم هود بالقيامة . وإنما سميت قارعة ، لأنها تقرع قلوب الخلق . ثم أخبر عن عقوبتهم في الدنيا ، فقال : { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية } يعني : بطغيانهم ، ومعناه وطغيانهم حملهم على التكذيب ، فأهلكوا . ويقال : أهلكوا بالرجفة الطاغية ، كما قال في قصته { بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } يعني : عتت على خزانها ، فذلك قوله : { وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } يعني : باردة يعني : شديدة البرد { سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ } يعني : سلطها عليهم { سَبْعَ لَيَالٍ وثمانية أَيَّامٍ حُسُوماً } يعني : دائمة متتابعة . ويقال : { عَاتِيَةٍ } يعني : شديدة { حُسُوماً } يعني : كاملة دائمة لا يفتر عنهم . وقال القتبي : { حُسُوماً } أي : متتابعة . وأصله من حسم الداء ، لأنه يكون مرة بعد مرة .
{ فَتَرَى القوم فِيهَا صرعى } يعني : في الريح؛ ويقال : في الأيام؛ ويقال : في القرية . { صرعى } يعني : موتى؛ ويقال : هلكى؛ ويقال : قلعى مطروحين . { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } يعني : منقلعة ساقطة . وروى شهر بن حوشب ، عن ابن عباس قال : ما أنزل الله تعالى قطرة من ماء إلا بمثقال ، ولا شعرة من الريح إلا بمكيال ، إلا يوم عاد ونوح . وأما الريح فعتت على خزائنها يوم عاد ، فلم يكن لهم عليها سبيل . وأما الماء ، طغى على خزانة يوم نوح ، فلم يكن لهم عليه سبيلاً ، كما قال الله تعالى : { إِنَّا لَمَّا طغى الماء } [ الحاقة : 11 ] الآية . ثم قال عز وجل : { فَهَلْ ترى لَهُم مّن بَاقِيَةٍ } ؟ يعني : لم يبق أحداً منهم .
ثم قال عز وجل : { وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ } . قرأ أبو عمرو ، والكسائي ، ومن قبله بكسر القاف ونصب الياء الموحدة ، يعني : ظهر فرعون وأتباعه وأشياعه؛ والباقون بنصب القاف وجزم الباء يعني : من تقدمه من عتاب الكفار . ثم قال : { والمؤتفكات بِالْخَاطِئَةِ } يعني : قريات قوم لوط ، يعني : جاء فرعون وقوم لوط بالخاطئة يعني : بالشرك وبأعمالهم الخبيثة . { فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبّهِمْ } يعني : كذبوا رسلهم ، { فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً } يعني : عاقبهم الله عقوبة شديدة .
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17)
ثم قال عز وجل : { إِنَّا لَمَّا طغى الماء } يعني : طغى على خزانة يوم نوح ، كما روي عن ابن عباس . ويقال : طغى الماء ، أي ارتفع؛ ويقال في اللغة : طغى الشيء ، إذا ارتفع جداً . وقال قتادة : إنه طغى فوق كل شيء خمسة عشر ذراعاً . { حملناكم فِى الجارية } يعني : السفينة ، ومعناه : حين غرق الله تعالى قوم نوح ، حملناكم يا محمد في السفينة في أصلاب آبائكم . { لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً } يعني : لنجعل هلاك قوم نوح لكم عبرة لتعتبروا بها . { وَتَعِيَهَا أُذُنٌ واعية } يعني : يسمع هذا الخبر أذن سامعة ، ويحفظها قلب حافظ على معنى الإضمار . (4/322)
ثم رجع إلى أول السورة فقال : { فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور نَفْخَةٌ واحدة } يعني : نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة . ثم قال : { وَحُمِلَتِ الارض والجبال } يعني : قلعت ما على الأرض من نباتها وشجرها ، وحملت الجبال عن أماكنها . { فَدُكَّتَا دَكَّةً واحدة } يعني : فضربت على الأرض مرة واحدة؛ وهذا قول مقاتل ، وقال الكلبي : يعني : رفعت الأرض والجبال فزلزلتا زلزلة واحدة . ويقال : فدكتا دكة واحدة أي : كسرتا كسرة واحدة . { فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة } يعني : في ذلك اليوم قامت القيامة . { وانشقت السماء } يعني : انفرجت السماء بنزول الملائكة . { فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } يعني : ضعيفة منشقة متمزقة من الخوف .
{ والملك على أَرْجَائِهَا } يعني : الملائكة على نواحيها وأطرافها ، يعني : صفوف الملائكة حول العرش { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ } يعني : فوق الخلائق . { يَوْمَئِذٍ ثمانية } يعني : ثمانية أجزاء من المقربين ، لا يعلم كثرة عددهم إلا الله . وروى عطاء بن السائب ، عن ميسرة في قوله : { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية } يعني : ثمانية من الملائكة ، أرجلهم في تخوم الأرض السابعة وقال وهب بن منبه : أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم ، لكل واحد منهم أربعة وجوه : وجه ثور ، ووجه أسد ، ووجه إنسان . روى الأحنف بن قيس ، عن العباس بن عبد المطلب في قوله تعالى : { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية } .
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)
ثم قال عز وجل : { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ } أي : تساقون إلى الحساب والقصاص وقراءة الكتب؛ ويقال : { تُعْرَضُونَ } على الله تعالى ، كقوله : { وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا } [ الكهف : 48 ] ثم قال : { لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ } يعني : لا يخفى على الله منكم ولا من أعمالكم شيء . قرأ حمزة ، والكسائي { لاَ يخفى } ، والباقون بالتاء بلفظ التأنيث ، لأن لفظ خافية مؤنث . ومن قرأ بالياء ، انصرف إلى المعنى يعني : لا يخفى منكم خاف ، والهاء ألحقت للمبالغة . (4/323)
ثم قال عز وجل : { فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ } يعني : كتابه الذي عمله ، فرأى فيه الحسنات فسر بذلك ، { فَيَقُولُ } لأصحابه : { هَاؤُمُ } يعني : تعالوا { اقرؤا كتابيه } . قال القتبي : { هَاؤُمُ } في اللغة بمنزلة خذ وتناول؛ ويقال للاثنين : هاؤما ، وللجماعة هاؤموا . والأصل هاكم ، فحذفوا الكاف وأبدلوها همزة . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : بلغني أنهم يعرضون ثلاث عرضات . فأما عرضتان ، فهما الخصومات والمعاذير . وأما الثالثة ، فتطاير الصحف في الأيدي . وروى عبد الله بن مسعود نحو هذا . ثم قال : { إِنّى ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ } يعني : أيقنت وعلمت أني أحاسب . قال الله تعالى : { فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } يعني : في عيش مرضي ، { فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } يعني : مرتفعة . { قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ } يعني : اجتناء ثمارها قريب ، يعني : شجرها قريب يتناوله القائم والقاعد ، فيقال لهم : { كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً } يعني : كلوا من ثمار الجنة واشربوا من شرابها هينئاً يعني : طيباً بلا داء ، ويقال : حلال لا إثم فيه . { بِمَا أَسْلَفْتُمْ } يعني : بما عملتم وقدمتم { فِى الايام الخالية } يعني : في الدنيا . ويقال : بما عملتم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية ، يعني : في الدنيا .
{ وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِشِمَالِهِ } روي عن ابن عباس أنه قال : الآية الأولى نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد ، وهذه الآية في الأسود بن عبد الأسد ، ويقال : في جميع المؤمنين وفي جميع الكفار . { فَيَقُولُ ياليتنى لَمْ أُوتَ كتابيه } يعني : لم أعط كتابيه ، { وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ } يعني : لم أعلم ما حسابي . قوله تعالى : { حِسَابِيَهْ ياليتها كَانَتِ القاضية } ، يا ليتني تركت على الموتة الأولى بين النفختين ، ويقال : { حِسَابِيَهْ ياليتها كَانَتِ القاضية } يعني : المنية . قال مقاتل : يتمنى الموت . { مَا أغنى عَنّى مَالِيَهْ } يعني : ما أرى ينفعني مالي الذي جمعت في الدنيا . { هَلَكَ عَنّى سلطانيه } يعني : بطل عني عذرِي وحجتي .
يقول الله تعالى : { خُذُوهُ فَغُلُّوهُ } يعني : بالأغلال الثّقال . { ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ } يعني : أدخلوه . { ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ } يعني : أدخلوه في تلك السلسلة .
{ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم } يعني : لا يصدق بالله العظيم . { وَلاَ يَحُضُّ } يعني : لا يحث نفسه ولا غيره { على طَعَامِ المسكين } يعني : لا يطعم المسكين في الدنيا . { فَلَيْسَ لَهُ اليوم هاهنا حَمِيمٌ } يعني : قريب يمنع منه شيئاً ، يعني : أحداً يمنع من العذاب . { وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ } يعني : ليس له فيها طعام إلا من غسلين . وروى عكرمة ، عن ابن عباس قال : لا أدري ما الغسلين . وروي عنه أنه قال : الغسلين : ما يسقط عن عروقهم ، وذاب من أجسادهم . وقال القتبي : هو فعلين من غسلت فكأنه غسالة . { لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون } يعني : المشركين . وروى عكرمة ، عن ابن عباس : أن رجلاً قرأ عنده : { لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون } وقال ابن عباس : كلنا نخطىء ، ولكن { لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون } يعني : العاصين الكافرين . (4/324)
فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)
ثم قال : { فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ } يعني : أقسم بما تبصرون من شيء ومن الخلق . { وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ } من الخلق . { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } يعني : هذا القرآن قول رسول كريم على الله تعالى يعني : جبريل ، وهذا قول مقاتل . ويقال : قول رسول كريم ، يعني : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم . قال أبو العالية : إنه يعني : القرآن ، لقول : رسول كريم يقرأ عليك يا محمد . ويقال : معناه إن الذي ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن ، ويقرؤه عليه جبريل الكريم على الله تعالى ، ليس الشياطين كما يقولون؛ { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ } يعني : القرآن ليس هو بقول شاعر . { قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ } يعني : قليلاً ما تؤمنون . «وما» صلة . قرأ ابن كثير ، وابن عامر في رواية هشام { قَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } بالياء { الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } بالياء ، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة . (4/325)
ثم قال : { وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ } يعني : ليس بقول كاهن ، ليس بقول شيطان أي : عراف كاذب . { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } يعني : قليلاً ما تتعظون . ثم قال عز وجل : { تَنزِيلٌ مّن رَّبّ العالمين } يعني القرآن هو كلام رب العالمين أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال : { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاقاويل } يعني : أن محمد صلى الله عليه وسلم لو قال من ذات نفسه ، { لاخَذْنَا مِنْهُ باليمين } يعني : لعاقبناه . فأعلم الله تعالى أنه لا محاباة لأحد ، إذا عصاه بالقرآن ، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم . ومعنى قوله : { باليمين } يعني : بالقوة . وقال القتبي : إنما قام اليمين مقام القوة ، لأن قوة كل شيء في يمينه . ولأهل اللغة في هذا مذاهب أخر ، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة أحد ، فيقولون : خذ بيده ، وافعل به كذا وكذا . قال الله تعالى : لو كذب علينا لأمرنا بالأخذ بيده ثم عاقبناه . ويقال : { لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاقاويل } معناه : لو زاد حرفاً واحداً على ما أوحيته إليه أو نقص ، لعاقبته . وكان هو أكرم الناس عليَّ . وفي الآية تنبيه لغيره ، لكيلا يغيروا شيئاً من كتاب الله تعالى ، ولا يتقولوا فيه شيئاً من ذات أنفسهم . ويقال : { باليمين } يعني : بالحق . ويقال : بالحجة . { ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين } وهو عرق يتعلق به القلب ، إذا انقطع مات صاحبه ، يعني : لأهلكناه .
{ فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين } يعني : ليس أحد منكم يمنعنا من عذابه . { وَأَنَّهُ } يعني : القرآن { لَتَذْكِرَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } يعني : عظة للذين يتقون الشرك والفواحش . { وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذّبِينَ } يعني : وإنا لنعلم أن منكم أيها المؤمنون مكذبون بالقرآن ، يعني : المنافقين . ثم قال عز وجل : { وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الكافرين } يعني : إن هذا القرآن ندامة على الكفارين يوم القيامة ، لأنه يقال لهم : ألم يقرأ عليكم القرآن؟ فيكون لهم حسرة وندامة بترك الإيمان . { وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليقين } يعني : إن تلك الندامة لحق اليقين . ويقال : إن القرآن من الله تعالى حقاً يقيناً . { فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم } يعني : صل لله تعالى . ويقال : سبحه باللسان؛ والله تعالى أعلم والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .
سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14)
قوله تعالى : { سَأَلَ سَائِلٌ } . قرأ نافع بغير همزة ، والباقون بالهمزة . فمن قرأ بغير همزة ، فهو من سال يسال يعني : جرى واد بعذاب الله تعالى . ومن قرأ بالهمزة ، فهو من سأل يسأل بمعنى دعا داع . { بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } ، وهو النضر بن الحارث ، فوقع به العذاب ، فقتل يوم بدر في الدنيا . وقال مجاهد : دعا داع بعذاب يقع في الآخرة ، وهو قولهم : إن كان هذا هو الحق من عندك ، فأمطر علينا حجارة من السماء . (4/326)
ويقال : { سَأَلَ سَائِلٌ } عن عذاب واقع والجواب : { للكافرين لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ } يعني : أن ذلك العذاب من الله واقع للكافرين . { مِنَ الله } الذي هو { ذِي المعارج } . قال مقاتل : يعني : ذي الدرجات ، يعني : السموات السبع . وقال القتبي : يعني : معارج الملائكة أي تصعد . { تَعْرُجُ الملئكة والروح إِلَيْهِ } يعني : جبريل . { فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } يعني : ذلك العذاب واقع في يوم القيامة ، مقداره خمسين ألف سنة . ويقال : يعني : يعرج جبريل والملائكة في يوم واحد كان مقداره لو صعد غيرهم خمسين ألف سنة . وقال محمد بن كعب : { فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } قال : هو يوم الفصل بين الدنيا والآخرة .
ثم قال عز وجل : { فاصبر صَبْراً جَمِيلاً } يعني : اصبر صبراً حسناً لا جزع فيه . ثم أخبر متى يقع العذاب فقال : { إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً } يعني : يوم القيامة غير كائن عندهم . { وَنَرَاهُ قَرِيباً } لا خلف فيه . { يَوْمَ تَكُونُ السماء كالمهل } يعني : اليوم الذي تكون السماء كالمهل أي : كدردي الزيت من الخوف . ويقال : ما أذيب من الفضة أو النحاس . { وَتَكُونُ الجبال كالعهن } يعني : كالصوف المندوف . قرأ الكسائي : { يَعْرُجُ الملائكة } بالياء ، والباقون بالتاء بلفظ التأنيث ، لأنها جمع الملائكة . ومن قرأ بالياء ، فلتقديم الفعل . وروي عن ابن كثير أنه قرأ : { وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ } بضم الياء ، والباقون بالنصب . ومن قرأ بالضم ، فمعناه أنه لا يسأل قريب عن ذي قرابته ، لأن كل إنسان يعرف بعضهم بعضاً قوله تعالى { يُبَصَّرُونَهُمْ } يعني : يعرفونهم ملائكة الله تعالى . ومن قرأ بالنصب ، معناه لا يسأل قريب عن قريبه ، لأنه يعرف بعضهم بعضاً { يُبَصَّرُونَهُمْ } يعني : يعرفونهم ويقال : مرة يعرفونهم ، ويقال : ومرة لا يعرفونهم .
ثم قال عز وجل : { يَوَدُّ المجرم } أي : يتمنى الكافر . { لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ } يعني : ينادي نفسه بولده ، { وصاحبته } يعني : وزوجته ، { وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ التى تُوِيهِ } يعني : عشيرته التي يأوى إليهم . وقال مجاهد : { وَفَصِيلَتِهِ } أي : قبيلته ، هكذا روي عن قتادة . وقال الضحاك : يعني : عشيرته . { وَمَن فِى الارض جَمِيعاً } يعني : يفادي نفسه بجميع من في الأرض . { ثُمَّ يُنجِيهِ } يعني : ينجي نفسه من العذاب .
كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)
قال الله تعالى : { كَلاَّ } أي حقاً لا ينجيه ، وإن فادى جميع الخلق ، ولا يفادي نفسه وقال أهل اللغة : { كَلاَّ } ردع وتنبيه يعني : لا يكون كما تمنى . ثم استأنف الكلام ، فقال : { كَلاَّ إِنَّهَا لظى } يعني : النار والعقوبة { لظى } اسم من أسماء النار . { نَزَّاعَةً للشوى } يعني : قلاعة للأعضاء؛ ويقال : حراقة للأعضاء والجسد . وقال القتبي الشوى : جلود الرأس وأحدها شواة ، ويعني : أن النار تنزع جلود الرأس . وعن أبي صالح قال : { نَزَّاعَةً للشوى } أطراف اليدين والرجلين؛ وقال مقاتل : يعني : تنزع النار الهامة والأطراف . قرأ عاصم في رواية حفص : { نَزَّاعَةً } نصباً على الحال ، والباقون بالضم يعني : إنها نزاعة للشوى . (4/327)
{ تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى } يعني : لظى تدعو إلى نفسه ، تنادي من أعرض عن التوحيد وأعرض عن الإيمان؛ ويقال : إن لظى تنادي وتقول : أيها الكافر تعال إلي ، فإن مستقرك فيّ . وتقول : أيها المنافق تعال إلي ، فإن مستقرك فيّ . فذلك قوله : { تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى } ثم قال : { وَجَمَعَ فَأَوْعَى } يعني : جمع المال ومنع حق الله تعالى . قال مقاتل : { فَأَوْعَى } يعني : فأمسكه ، فلم يؤد حق الله تعالى .
ثم قال : { إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً } يعني : حريصاً ضجوراً بخيلاً ممسكاً فخوراً ، وقال القتبي : { هَلُوعاً } يعني : شديد الجزع . يقال : ناقة هلوع ، إذا كانت شديدة النفس . { إِذَا مَسَّهُ الشر } يعني : الفقر . { جَزُوعاً } يعني : لا يصبر على الشدة . { وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً } يعني : إذا أصابه الغنى يمنع حق الله تعالى . { إِلاَّ المصلين } ، فإنهم ليسوا هكذا ، وهم يؤدون حق الله تعالى . { الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ } يعني : يحافظون على الصلوات . { والذين فِى أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ } يعني : معروفاً { لَّلسَّائِلِ والمحروم } يعني : للسائل الذي يسأل الناس ، والمحروم الذي لا يشهد الغنيمة ولا يسهم له . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن قيس ، عن محمد بن الحسن قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية ، ففتحت ، فجاء آخرون بعد ذلك ، فنزل { وَفِى أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ لَّلسَّائِلِ والمحروم } . وقال الشعبي : أعياني أن أعلم ما المحروم .
ثم قال تعالى : { والذين يُصَدّقُونَ بِيَوْمِ الدين } يعني : بيوم الحساب . { والذين هُم مّنْ عَذَابِ رَبّهِم مُّشْفِقُونَ } يعني : خائفين . { إِنَّ عَذَابَ رَبّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ } يعني : لم يأت لأحد الأمان من عذاب الله تعالى؛ ويقال : لا ينبغي لأحد أن يأمن من عذاب الله تعالى . ثم قال : { والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابتغى وَرَاء ذلك فَأُوْلَئِكَ هُمُ العادون } وقد ذكرناه . { والذين هُمْ لاماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون } يعني : الأمانات التي فيما بينهم وبين الله تعالى ، والعهد الذي بينهم وبين الله تعالى .
والأمانات والعهد التي بينهم وبين الناس حافظون . { وَالَّذِينَ هُمْ بشهاداتهم قَائِمُونَ } يعني : يؤدون الشهادة عند الحاكم ، ولا يكتمونها إذا دعوا إليها ، فيؤدون الشهادة على الوجه الذي علموها وحملوها . قرأ عاصم في رواية حفص ، وأبو عمرو في إحدى الروايتين { بشهاداتهم } وهو جمع الشهادة ، والباقون { بشهادتهم } وهي شهادة واحدة؛ وإنما تقع على الجنس . ثم قال : { قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } يعني : يداومون عليها ويحافظون عليها في مواقيتها . { أُوْلَئِكَ فِى جنات مُّكْرَمُونَ } يعني : أهل هذه الصفة ، في جنات مكرمون بثواب من الله تعالى بالتحف والهدايا . (4/328)
فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)
ثم قال تعالى : { فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ } يعني : حولك؛ ويقال : عندك ناظرين . والمهطع : المقبل ببصره على الشيء . كانوا ينظرون إليه نظرة عداوة يعني : كفار مكة . وإنما قولهم { مُهْطِعِينَ } نصباً على الحال . { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال عِزِينَ } يعني : حلقاً حلقاً جلوساً لا يدنون منه ، فينتفعون بمجلسه . ويقال : { عِزِينَ } يعني : متفرقين . وروى تميم ، عن طرفة ، عن جابر بن سمرة قال : دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جلوس متفرقين ، فقال : « مَا لِي أرَاكُمْ عِزِينَ؟ » يعني : متفرقين { أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ } يعني : يتمنى كل واحد منهم أن يدخل الجنة ، كما يدخل المسلمون . قال الله تعالى : { كَلاَّ } يعني : لا يدخلون ما داموا على كفرهم . (4/329)
ثم قال : { إِنَّا خلقناهم مّمَّا يَعْلَمُونَ } يعني : من النطفة؛ وقال الزجاج : معناه أنهم خلقوا من تراب ، ثم من نطفة . فأي شيء لهم يدخلون به الجنة؟ ويقال : إنا خلقناهم مما يعلمون ، فبماذا يتكبرون ويتجبرون؟ ثم قال عز وجل : { فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبّ المشارق } يعني : أقسم برب المشارق وقال في آية : { رَّبُّ المشرق والمغرب } . وإنما أراد به الناحية التي تطلع الشمس ، والناحية التي تغرب الشمس منها . وقال في آية أخرى : { رَبُّ المشرقين } يعني : مشرق الشتاء ومشرق الصيف ، ورب المغربين لذلك؛ وقال في هذا الموضع : { رَبّ المشارق } يعني : مشرق كل يوم؛ وهي ثمانون ومائة مشرق في الشتاء ومشرق مثلها في الصيف . { والمغارب } يعني : مغرب كل يوم . { إِنَّا لقادرون على أَن نُّبَدّلَ خَيْراً مّنْهُمْ } يعني : على أن نهلكهم ونخلق خلقاً خيراً منهم { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } يعني : عاجزين .
{ فَذَرْهُمْ } يعني : اتركهم وأعرض عنهم . { يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ } يعني : حتى يخوضوا ويلعبوا في الباطل ويستهزئوا . { حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ } يعني : يعاينوا يومهم { الذى يُوعَدُونَ } . قوله تعالى : { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الاجداث سِرَاعاً } يعني : في اليوم الذي يوعدون وفي اليوم الذي يخرجون من القبور سراعاً يعني : يسرعون إلى الصوت { كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ } يعني : كأنهم إلى علم منصوب يمضون . قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص { إلى نُصُبٍ } بضم النون والصاد يعني : أصناماً لهم ، كقوله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالازلام ذلكم فِسْقٌ اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً فَمَنِ اضطر فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ المائدة : 3 ] ، والباقون { إلى نُصُبٍ } يعني : إلى علم يستبقون . وقال أهل اللغة : الإيفاض : الإسراع . { خاشعة أبصارهم } يعني : ذليلة أبصارهم . { تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } يعني : تغشاهم مذلة . ثم قال : { ذَلِكَ اليوم الذى كَانُواْ يُوعَدُونَ } يعني : يوعدون فيه العذاب ، وهم له منكرون؛ وصلى الله على سيدنا محمد .
إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)
قوله تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ } يعني : جعله الله رسولاً إلى قومه . { أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ } يعني : أن خوف قومك بالنار لكي يؤمنوا بالله . { مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعني : الطوفان والغرق . { قَالَ } لهم نوح عليه السلام : { إلى قَوْمِهِ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } يعني : قال نوح لقومه أنبئكم بلغة تعرفونها؟ { أَنِ اعبدوا الله } يعني : أنذركم وأقول لكم اعبدوا الله ، يعني : وحدوا الله . { واتقوه } يعني : واخشوه واجتنبوا معاصيه . { وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم ، { يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } يعني : ذنوبكم . و«من» صلة . { وَيُؤَخّرْكُمْ } يعني : يؤجلكم { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } يعني : إلى منتهى آجالكم . { إِنَّ أَجَلَ الله } يعني : إن عذاب الله ، { إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّرُ } يعني : لا يستطيع أن يؤخره أحد . { لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } يعني : لو كان لكم علم تنتفعون به . (4/330)
قوله تعالى : { قَالَ رَبّ } يعني : دعا نوح بعد ما كذبوه في طول المدة ، قال : رب يعني : يا رب ، { إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى } إلى التوحيد { لَيْلاً وَنَهَاراً } يعني : في كل وقت سراً وعلانية . { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } يعني : إلى التوحيد تباعداً من الإيمان . قال عز وجل : { وَإِنّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ } إلى التوحيد ، { لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أصابعهم فِى ءاذانهم } يعني : لا يسمعون دعائي ، { واستغشوا ثِيَابَهُمْ } يعني : غطوا رؤوسهم بثيابهم لكي لا يسمعوا كلامي . { وَأَصَرُّواْ } يعني : أقاموا على الكفر والشرك ، { واستكبروا استكبارا } يعني : تكبروا عن الإيمان تكبراً .
قوله تعالى : { ثُمَّ إِنّى دَعَوْتُهُمْ جهارا } يعني : دعوتهم إلى الإيمان علانية من غير خفية ، { ثُمَّ إِنّى أَعْلَنْتُ لَهُمْ } يعني : صحت لهم ، { وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً } يعني : خلطت دعاءهم بالعلانية بدعائهم في السر . { فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ } يعني : توبوا وارجعوا من ذنوبكم ، يعني : الشرك والفواحش . { إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } يعني : غفاراً لمن تاب من الشرك . { يُرْسِلِ السماء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } يعني : المطر دائماً كلما احتاجوا إليه . { وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ } يعني : يعطيكم أموالاً وأولاداً ، { وَيَجْعَل لَّكُمْ جنات } يعني : البساتين ، { وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } يعني : في الجنات .
قوله تعالى : { مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } ؟ ما لكم لا تخافون لله عظمة في التوحيد؟ وهو قول الكلبي ومقاتل؛ وقال قتادة : مالكم لا ترجون لله عاقبة؟ ويقال : ما لكم لا ترجون عاقبة الإيمان؟ يعني : في الجنة . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ما لكم لا تعلمون حق عظمته؟ وقال مجاهد : ما لكم لا ترجون لله عظمة؟ { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً } يعني : خلقاً بعد خلق وحالاً بعد حال ، نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة . فمعناه : ما لكم لا توحدون ، وقد خلقكم ضروباً؟ ويقال : أراد به اختلاف الأخلاق والمنطق ، ويقال أراد به المناظرة .
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)
ثم وعظهم ليعتبروا ، فقال عز وجل : { أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله } ؟ يعني : ألم تنظروا فتعتبروا ، كيف خلق الله تعالى { سَبْعَ سموات طِبَاقاً } ؟ يعني : مطبقاً بعضها فوق بعض . { وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً } يعني : ضياءً لبني آدم . وإنما قال : { فِيهِنَّ } أراد به سماء الدنيا ، لأنها إحداهن . { وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً } يعني : نوراً للخلق؛ ويقال : { جَعَل القمر فِيهِنَّ نُوراً } يعني : في جميع السموات ، لأن إحداهن مضيء لأهل السموات وظهره لأهل الأرض؛ ويقال : { وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً } يعني : معهن نوراً . (4/331)
ثم قال عز وجل : { والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً } يعني : خلقكم في الأرض خلقاً . ويقال : يعني : خلقكم من الأرض وهو آدم عليه السلام وأنتم من ذريته . { ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا } يعني : بعد الموت . { وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً } يعني : يخرجكم من الأرض يوم القيامة قوله تعالى : { والله جَعَلَ لَكُمُ الارض بِسَاطاً } يعني : فراشاً ، { لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا } يعني : فتمضوا فيها وتأخذوا فيها { سُبُلاً فِجَاجاً } يعني : طرقاً بين الجبال والرمال؛ ويقال : طرقاً واسعة .
قوله تعالى : { قَالَ نُوحٌ رَّبّ إِنَّهُمْ عصونى } فيما أمرتهم من توحيد الله تعالى ، { واتبعوا } يعني : أطاعوا { مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ } يعني : أطاعوا من لم يزده ماله يعني : كثرة أمواله { وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً } أي : خسراناً في الآخرة . { وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً } يعني : مكراً عظيماً؛ ويقال : مكروا مكراً كبيراً يعني : قالوا كلمة الشرك . والكبير والكبار بمعنى واحد . { وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ } يعني : قال بعضهم لبعض : ويقال : قال الرؤساء للسفلة : لا تذرن ، يعني : لا تتركوا عبادة آلهتكم . { وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } ، فهذه أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها يعني : لا تتركوا عبادة هذه الأصنام قرأ نافع { وُدّاً } بضم الواو ، والباقون بالنصب ، ومعناهما واحد . وهو اسم الصنم ، وقال قتادة : هذه الآلهة كان يعبدها قوم نوح ، ثم عبدها العرب بعد ذلك . وقال القتبي { الود } صنم ، ومنه كانت العرب تسمى «عبد ود» ، وكذلك تسمي «عبد يغوث» .
ثم قال : { وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً } يعني : هذه الأصنام أضلوا كثيراً من الناس ، يعني : ضلوا بهن كثيراً من الناس ، كقوله : { إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ } كثيراً من الناس . ثم قال : { وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلاً } يعني : خساراً وغبناً .
ثم قال عز وجل : { مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ } يعني : بشركهم بالله تعالى أُغرقوا في الدنيا . { فَأُدْخِلُواْ نَاراً } في الآخرة . قال مقاتل : { بِمَا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ } بخطياتهم؛ وقال القتبي : ( بما خطياتهم أغرقوا ) يعني : من خطيئاتهم أغرقوا ، والميم زيادة . ثم قال : { فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ الله أَنصَاراً } يعني : أعواناً يمنعونهم من العذاب .
قرأ أبو عمرو { خطاياهم } ، والباقون { خطيئاتهم } ومعناهما واحد ، وهو جمع خطيئة . (4/332)
قوله تعالى : { وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الارض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } يعني : لا تدع على ظهر الأرض من الكافرين دياراً ، يعني : أحداً منهم؛ ويقال : أصله من الدار يعني : نازلاً بها ، ويقال : في الدار أحد وما بها ديار؛ وأصله ديوار ، فقلبت الواو ياء ثم شددت وأدغمت الياء في الياء . ثم قال عز وجل : { إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ } يعني : إنك إن تتركهم ولم تهلكهم ، يدعوا الموحدين إلى الكفر . { وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } يعني : يكون منهم الأولاد ، يكفرون ويفجرون بعد البلوغ؛ ويقال : يعني : ولا يلدوا إلا أن يكونوا فجاراً كفاراً . وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ » .
ثم قال عز وجل : { رَّبّ اغفر لِى ولوالدى وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً } يعني : سفينتي وديني . وقال الكلبي : { وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً } يعني : مسجدي . { وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً } يعني : لا تزد الكافرين إلا هلاكاً ، كقوله : { عَلَوْاْ تَتْبِيرًا } . وروى عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنه كان إذا قرأ القرآن في الليل ، فمر بآية فيقول لي : يا عكرمة ذكرني عند هذه الآية غداً . فقرأ ذات ليلة هذه الآية ، فقال : يا عكرمة ، ذكرني غداً . فذكرته ذلك ، فقال : إن نوحاً دعا بهلاك الكافرين ، ودعا للمؤمنين بالمغفرة ، وقد استجيب دعاؤه في المؤمنين ، فيغفر الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات بدعائه ، وبهلاك الكافرين فأهلكوا . وروي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « نَجَاةُ المُؤْمِنِينَ فِي ثَلاَثَةِ أشْيَاءٍ : بِدُعَاءِ نُوْحٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَبِدُعَاءِ إِسْحَاقَ عليه السلام وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم » يعني : للمؤمنين والله أعلم .
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4)
قوله تعالى { قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ } يعني : قل يا محمد أوحى الله إلي ، وأخبرني الله تعالى في القرآن . { أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن } ، وهم تسعة من أهل نصيبين ، من أهل اليمن ، من أشرافهم . والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع طائفة من أصحابه ، عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين السماء أي : بين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فقالوا : ما هذا إلا لشيء حدث؛ فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء . فوجدوا النفر الذين خرجوا نحو تهامة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة ، وهو يصلي مع أصحابه صلاة الفجر ، فاستمعوا منه ، فقالوا : هذا والله الذي حال بيننا وبين خبر السماء . فرجعوا إلى قومهم { فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءانَاً عَجَباً * يَهْدِى إِلَى الرشد } ، فأنزل الله تعالى : { قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن } يعني : طائفة وجماعة من الجن ، فقالوا : { إِنَّا سَمِعْنَا } يعني : قالوا بعدما رجعوا إلى قومهم : { قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ } يعني : عزيزاً شريفاً كريماً ، ويقال : عزيزاً لا يوجد مثله . { يَهْدِى إِلَى الرشد } يعني : يدعو إلى الهدى ، وهو الإسلام . ويقال : إلى الصواب ، والتوحيد ، والأمر والنهي . ويقال : يدل على الحق . { يَهْدِى إِلَى } يعني : صدقنا بالقرآن . ويقال : آمنا بالله تعالى . { وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً } يعني : إبليس ، يعني : لن نشرك بعبادته أحداً من خلقه . (4/333)
ثم قال عز وجل : { وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبّنَا } أي : ارتفع عظمة ربنا؛ ويقال : ارتفع ذكره ، ويقال : ارتفع ملكه وسلطانه . { مَا اتخذ صاحبة وَلاَ وَلَداً } يعني : لم يتخذ زوجة ولا ولداً ، كما زعم الكفار . واتفق القراء في قوله : { أَنَّهُ استمع نَفَرٌ } على نصب الألف ، لأن معناه قل : أوحي إلي بأنه استمع . واتفقوا في قوله : { إِنَّا سَمِعْنَا } على الكسر ، لأنه على معنى الابتداء . واختلفوا فيما سوى ذلك . قرأ حمزة ، والكسائي ، وابن عامر كلها بالنصب بناء على قوله : { أَنَّهُ استمع } ، إلا في حرفين أحدهما { فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } بالكسر ، والأخرى قوله : { فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } بالكسر على معنى الابتداء . وقرأ أبو عمرو ، وابن كثير كلها بالكسر ، إلا في أربعة أحرف : { قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ استمع } ، { وَإِنَّ لُوطاً استقاموا } ، { وَأَنَّ المساجد } ، { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ } . قرأ عاصم في رواية أبي بكر ، ونافع في إحدى الروايتين هكذا ، إلا في قوله وأنه لما قام عبد الله وإنما اختاروا الكسر لهذه الأحرف ، بناء على قوله : { إِنَّا سَمِعْنَا } وقال أبو عبيد : ما كان من قول الجن ، فهو كسر ، ومعناه وقالوا : إنه تعالى وقالوا : { إِنَّهُ كَان يِقُولُ } وما كان محمولاً على قوله أوحى فهو نصب على معنى أوحي إلي أنه ثم قال : { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً } يعني : جاهلنا يعني : إبليس لعنه الله ويقال : { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا } يعني : كفرة الجن . { عَلَى الله شَطَطاً } يعني : كذباً وجوراً من المقال .
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)
ثم قال عز وجل : { وَأَنَّا ظَنَنَّا } يعني : حسبنا { أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً } يعني نتوهم أن أحداً لا يكذب على الله ، وإلى هاهنا حكاية كلام الجن . (4/334)
يقول الله تعالى : { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس } يعني : في الجاهلية { يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن } ، وذلك أن الرجل إذا نزل في فضاء من الأرض ، كان يقول أعوذ بسيد هذا الوادي ، فيكون في أمانهم تلك الليلة . { فَزَادوهُمْ رَهَقاً } يعني : زادوا للجن عظمة وتكبروا ، ويقولون : بلغ من سُؤُدُدنا أن الجن والإنس يطلبون منا الأمان ، { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ } يعني : كفار الجن حسبوا كما حسبتم يا أهل مكة ، { أَن لَّن يَبْعَثَ الله أَحَداً } يعني : بعد الموت ، يعني : إنهم كانوا غير مؤمنين ، كما أنكم لا تؤمنون . ويقال : إنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً يعني : رسولاً . فقد أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم .
ثم رجع إلى كلام الجن ، فقال : { وَأَنَّا لَمَسْنَا السماء } يعني : صعدنا وأتينا السماء لاستراق السمع . { فوجدناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً } يعني : حفاظاً أقوياء من الملائكة . { وَشُهُباً } يعني : رُمينا نجماً متوقداً . { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مقاعد لِلسَّمْعِ } يعني : كنا نقعد فيما مضى للاستماع من الملائكة ، ما يقولون فيما بينهم من الكوائن . { فَمَن يَسْتَمِعِ الان يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } يعني : نجماً مضيئاً . والرصد : الذي أرصد للرجم يعني : النجم . وروى عبد الرزاق ، عن معمر قال : قلت للزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال : نعم . قلت : أفرأيت قوله : { فَمَن يَسْتَمِعِ الان يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } قال : غلظ وشدد أمرها حين بُعث النبي صلى الله عليه وسلم . قال الجن بعضهم لبعض : { وَأَنَّا لاَ نَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى الارض } ؟ يعني : يبعثه فلم يؤمنوا فيهلكوا { أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } ؟ يعني : خيراً وصواباً ، فيؤمنوا ويهتدوا . ويقال : لا ندري أخيراً أريد بأهل الأرض أو الشرحين حرست السماء ، ورُمينا بالنجوم ، وَمُنعنا السمع؟ ويقال : أريد عذاباً بمن في الأرض ، بإرسال الرسول بالتكذيب له ، أو أراد بهم ربهم خيراً ببيان الرسول لهم هدى وبياناً .
ثم قال عز وجل : { وَأَنَّا مِنَّا الصالحون } يعني : الموحدين والمسلمين . { وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } يعني : ليسوا بموحدين . { كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً } يعني : فينا أهواء مختلفة وملل شتى . وقال القتبي : يعني : فرقاً مختلفة ، وكل فرقة قدة مثل القطعة في التقدير ، والطرائق : جمع الطريق . قوله تعالى : { وَأَنَّا ظَنَنَّا } يعني : علمنا وأيقنا { أَن لَّن نُّعْجِزَ الله فِى الارض } يعني : لا يفوت أحد من الله تعالى . { وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً } ، لا يقدر الهرب منه .
قال الله عز وجل : { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى } يعني : القرآن يقرؤه محمد صلى الله عليه وسلم ، { بِهِ إِنَّهُ } يعني : صدقنا بالقرآن؛ ويقال : بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ ويقال : صدقنا بالله تعالى { فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ } قال بعضهم هذا من كلام الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم فمن يصدق بوحدانية الله تعالى ، { فَلاَ يَخَافُ بَخْساً } يعني : نقصاناً من ثواب عمله ، { وَلاَ رَهَقاً } يعني : ذهاب عمله .
وهذا كقوله تعالى { فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً } . { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً } [ طه : 112 ] ويقال : هذا كلام الجن بعضهم لبعض ، { فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً } . والرهق : الظلم أن يجعل ثواب عمله لغيره . والبخس النقصان من ثواب عمله . (4/335)
قوله تعالى : { وَأَنَّا مِنَّا المسلمون } يعني : المصدقين بوحدانية الله تعالى ، { وَمِنَّا القاسطون } يعني : العادلين عن طريق الهدى؛ ويقال : { القاسطون } يعني : الجائرين . يقال : قسط الرجل ، إذا جار . وأقسط ، إذا عدل . كقوله تعالى : { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } . ثم قال : { فَمَنْ أَسْلَمَ } يعني : أقر بوحدانية الله تعالى وأخلص بالتوحيد له ، { فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً } يعني : نوراً وتمنوا وقصدوا ثواباً .
ثم قال عز وجل : { وَأَمَّا القاسطون } يعني : العادلين عن الطريق ، الجائرين ، { فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } يعني : وقوداً قال الله تعالى : { وَإِنَّ لُوطاً *** استقاموا عَلَى الطريقة } . قال مقاتل : لو استقاموا على طريقة الهدى ، يعني : أهل مكة ، { لاسقيناهم مَّاء غَدَقاً } يعني : كثيراً من السماء ، كقوله : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءَامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مِّنَ السمآء والارض ولكن كَذَّبُواْ فأخذناهم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [ الأعراف : 96 ] ثم قال عز وجل : { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } يعني : لنبتليهم به ، كقوله : { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } [ الزخرف : 33 ] الآية . وقال قتادة : { وَإِنَّ لُوطاً *** استقاموا عَلَى الطريقة } ، يعني : آمنوا لوسّع الله عليهم الرزق؛ وقال القتبي : هذا مثل ضربه الله تعالى للزيادة في أموالهم ومواشيهم ، كقوله : { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس } ثم قال : { وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ } يعني : توحيد ربه؛ ويقال : يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، { يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً } يعني : يكلفه الصعود على جبل أملس . وقال مقاتل : { عَذَاباً صَعَداً } أي : شدة العذاب . وقال القتبي : يعني : شاقاً؛ وقال قتادة : صعوداً من عذاب الله تعالى ، لا راحة فيه .
وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)
ثم قال عز وجل : { وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ } . قال الحسن : يعني : الصلاة لله تعالى؛ وقال قتادة : كانت اليهود والنصارى يدخلون كنائسهم ، ويشركون بالله تعالى . فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخلص الدعوة له إذا دخل المسجد . وقال القتبي : قوله : { وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ } يعني : السجود لله . ويقال : هي المساجد بعينها يعني : بنيت المساجد ، ليعبدوا الله تعالى فيها . { فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً } يعني : لا تعبدوا أحداً غير الله تعالى . قرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم { يَسْلُكْهُ } بالياء ، والباقون بالنون ، وكلاهما يرجع إلى معنى واحد . يقال : سلكت الخيط في الإبرة وأسلكته ، إذا أدخلته . (4/336)
قوله عز وجل : { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله } يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم لما قام إلى الصلاة ببطن نخلة . { يَدْعُوهُ } يعني : يصلي لله تعالى ، ويقرأ كتابه . { كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } يعني : يركب بعضهم بعضاً ، ويقع بعضهم على بعض . ثم قال عز وجل : { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبّى } . قرأ حمزة ، وعاصم : { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبّى } على معنى الأمر ، يعني : قل يا محمد إنما أدعو ربي ، يعني : أعبده . { وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً } . قرأ الباقون على معنى الخبر عنهم . قرأ ابن عامر في رواية هشام { عَلَيْهِ لِبَداً } بضم اللام ، والباقون بكسرها ومعناهما واحد . وقال القتبي : { يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } أي : يتلبدون به رغبة في استماع القرآن . يقال : لبدت به ، أي : لصقت به ، ومعناه : كادوا أن يلصقوا به .
قوله تعالى : { قُلْ إِنّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً } يعني : لا أقدر لكم خذلاناً ولا هداية . قوله تعالى : { قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ الله أَحَدٌ } يعني : لن يمنعني من عذاب الله أحد إن عصيته ، { وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } يعني : ملجأ ولا مفراً . { إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله ورسالاته } يعني : فذلك الذي يجيرني من عذاب الله؛ ويقال في الآية تقديم ، ومعناه قل : لا أملك لكم ضراً إلا أن أبلغكم رسالات ربي ، يعني : ليس بيدي شيء من الضر والنفع والهداية ، إلا بتبليغ الرسالة .
{ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } في التوحيد ، ولم يؤمن به ، { فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا أَبَداً } أي : مقيمين في النار أبداً ، يعني : دائماً . وقد تم الكلام . ثم قال عز وجل : { حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } من العذاب يعني : لما رأوا العذاب ، ويقال : معناه أمهلهم حتى إذا رأوا ما يوعدون في الدنيا وفي الآخرة ، { فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ نَاصِراً } يعني : مانعاً من العذاب . { وَأَقَلُّ عَدَداً } يعني : رجالاً .
فقالوا : متى هذا العذاب الذي تعدنا يا محمد؟ فنزل : { قُلْ إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ } يعني : ما أدري أقريب ما توعدون من العذاب ، { أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّى أَمَداً } ؟ يعني : أجلاً ينتهي إليه .
قوله تعالى : { عالم الغيب } يعني : هو عالم الغيب ، { فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً } يعني : هو الذي يعلم وقت نزول العذاب ، ولا يطلع على غيبه أحداً من خلقه . قوله تعالى : { إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ } يعني : إلا من اختار لرسالته ، فإنه يطلعه على ما يشاء من الغيب ، ليكون دلالة لنبوته . { فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } يعني : من الملائكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خلفه ، ليحفظوه من الشياطين { لّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رسالات رَبّهِمْ } يعني : ليعلموا الرسول أن الذي أنزل إليه من رسالات الله؛ وذلك أن الملائكة لو لم يرصدوهم ، لما يستمعوا حين يقرأ جبريل ، ثم يفشون ذلك قبل أن يخبرهم الرسول ، فلا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق ، ولا يكون للأنبياء دلالة ، ثم لا يقبل قولهم . (4/337)
وروى أسباط ، عن السدي في قوله : { إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } إذا بعث إليه تعالى نبياً ، جعل معه حفظة من الملائكة . فإذا جاء الوحي من الله تعالى ، قالت الملائكة : هذا من الله . فإذا جاءه الشيطان ، قالت الحفظة : هذا من الشيطان .
{ لّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رسالات رَبّهِمْ } يعني : ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا الرسالة لأنهم تمازحوا من استراق السمع . وقال سعيد بن جبير : لم يجيء جبريل قط بالقرآن ، إلا ومعه أربعة من الحفظة . ثم قال عز وجل : { وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } يعني : الله تعالى عالم بما عند الأنبياء؛ ويقال : عالم بهم . { وأحصى كُلَّ شَىْء عَدَداً } يعني : عدد الملائكة ، وعلم نزول العذاب ووقته وغير ذلك؛ والله أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)
قوله تعالى : { عَدَداً يأَيُّهَا المزمل } يعني الملتف في ثيابه وأصله في اللغة المتزمل وهو الذي يتزمل في الثياب وكل من التف بثوبه فهو متزمل وقد تزمل فأدغمت التاء في التاء وشددت الزاي فقيل مزمل يعني النبي صلى الله عليه وسلم { قُمِ اليل } يعني قم الليل للصلاة { إِلاَّ قَلِيلاً } من الليل { نّصْفَهُ } يعني قم نصفه فاكتفى بذكر الفعل الأول من الثاني لأنه دليل عليه { أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً } يعني أو انقص من النصف قليلاً { أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } يعني : زد على النصف يعني ما بين الثلث إلى الثلثين ثم قال : { وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً } يعني : توسل فيه وقال الحسن بينه إذا قرأته فلما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فنزلت الرخصة في آخر السورة ، وقال مقاتل هذا قبل أن يفرض الصلوات الخمس ، وقال الضحاك : { وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً } قال : اقرأه حرفاً حرفاً وقال مجاهد : أحب الناس إلى الله تعالى في القراءة أعقلهم عنه قوله تعالى : { إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } يعني : سننزل عليك القرآن بالأمر والنهي يعني : يثقل لما فيه من الأمر والنهي والحدود وكان هذا في أول الأمر ثم سهل الله تعالى الأمر في قيام الليل ، وقال قتادة في قوله : { إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } قال : يثقل الله فرائضه وحدوده . ويقال : يعني : قيام الليل ثقيل على المجرمين ، ويقال : ثقيل على من خالفه ، ويقال : ثقيل في الميزان خفيف على اللسان ، ويقال : نزوله ثقيل كما قال : { لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ الحشر : 21 ] الآية وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت حرائها وما تستطيع أن تتحرك حتى يسري عنه أي : يذهب عنه ثم قال : { إِنَّ نَاشِئَةَ اليل هِىَ أَشَدُّ } يعني : ساعات الليل أشد موافقة للقراءة وأسمع ، ويقال هي أشد نشاطاً من النهار إذا كان الرجل محتسباً ، ويقال : هي أوفى لقلوبهم { وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً } وأبين وأصوب وأثبت قراءة ، وقال القتبي : ناشئة الليل يعني : ساعاته وهي مأخوذة من نشأت أي : ابتداء شيئاً بعد شيء فكأنه قال : إن ساعات الليل الناشئة فاكتفى بالوصف من الاسم قوله تعالى : { أَشَدَّ } يعني : أثقل على المصلي من ساعات النهار فأخبر أن الثواب على قدر الشدة وأقوم قيلاً يعني : أخلص للقول وأسمع له لأن الليل تهدأ فيه الأصوات وتنقطع فيه الحركات قرأ أبو عمرو وابن عامر أشد وطأ بكسر الواو ومد الألف والباقون بنصب الواو بغير مد فمن قرأ بالكسر يعني : أشد وطأ أي : موافقة لقلة السمع يعني : أن القرآن في الليل يتواطأ فيه قلب المصلي ولسانه وسمعه على التفهم يعني : أبلغ في القيام وأبين في القول . (4/338)
ويقال : أغلظ على اللسان . قوله تعالى : { قِيلاً إِنَّ لَكَ فِى النهار سَبْحَاً طَوِيلاً } يعني : فراغاً طويلاً بقضاء حوائجك فيه ففرغ نفسك لصلاة الليل ، وقال القتبي : سبحاً أي : تصرفاً إقبالاً وإدباراً بحوائجك وأشغالك قوله عز وجل : { واذكر اسم رَبّكَ } يعني اذكر توحيد ربك ويقال : فاذكر ربك . ويقال : صل لربك { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } يعني : أخلص إليه إخلاصاً في دعائك بعبادتك وهو قول مجاهد وقتادة ويقال : وتبتل إليه تبتيلاً يعني : انقطع إليه وأصل التبتل القطع قيل لمريم العذراء البتول لأنها انقطعت إلى الله تعالى في العبادة . (4/339)
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (14) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19)
ثم قال عز وجل : { رَّبُّ المشرق والمغرب } قرأ حمزة وابن عامر والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر رب المشرق بالكسر والباقون رب بالضم فمن قرأ بالكسر وتبعه قوله واذكر اسم ربك رب المشرق والمغرب ومن قرأ بالضم فهو على الابتداء ويقال : معناه : هو رب المشرق والمغرب . ثم قال : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وقد ذكرناه { فاتخذه وَكِيلاً } يعني : ولياً وحافظاً وناصراً وكفيلاً ثم قال عز وجل : { واصبر على مَا يَقُولُونَ } يعني : على ما يقولون من التكذيب والإذاء { واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً } يعني : اعتزلهم اعتزالاً حصناً بلا جزع ولا فحش ثم قال : { وَذَرْنِى والمكذبين } هذا كلام على ما جرت به عادات الناس لأن الله تعالى لا يحول بينه وبين إرادته أحد ولكن معناه : فوض أمورهم إليَّ يعني : أمور المكذبين { أُوْلِى النعمة } يعني ذا المال والغنى { وَمَهّلْهُمْ قَلِيلاً } يعني : أجلهم يسيراً لأن الدنيا كلها قليل يعني : إلى يوم القيامة ثم بين ما لهم من العقوبة يوم القيامة فقال عز وجل : { إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً } يعني : قيوداً في الآخرة ، ويقال : عقوبة من ألوان العذاب { وَجَحِيماً } ما عظم من النار { وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً } يعني : ذا شوك مستمسك في الحلق لا يدخل ولا يخرج فيبقى في الحلق ومع ذلك لهم عذاب أليم قول الله تعالى : { يَوْمَ تَرْجُفُ الارض } يوم تتحرك وتتزلزل صار اليوم منصوباً لنزع الخافض يعني : هذه العقوبة في يوم ترجف الأرض { والجبال وَكَانَتِ الجبال كَثِيباً مَّهِيلاً } يعني : صارت الجبال رملاً سائلاً وهو كقوله : فكانت هباءً منبثاً ثم قال : { إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهدا عَلَيْكُمْ } يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم يشهد عليكم بتبليغ الرسالة { كَمَا أَرْسَلْنَا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً } يعني : موسى بن عمران { فعصى فِرْعَوْنُ الرسول } يعني : كذبه ولم يقبل قوله : { فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً } يعني : عاقبناه عقوبة شديدة وهو الغرق فهذا تهديد لهم يعني : إنكم إن كذبتموه فهو قادر على عقوبتكم قوله عز وجل : { فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ } يعني : توجدون في الآخرة إن كفرتم في الدنيا ، ويقال فيه تقديم ومعناه : إن كفرتم في الدنيا كيف تحذرون وتنجون . { يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً } يعني : يوم القيامة من هيبته يشيب الصبيان وهذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان ولكن معناه أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان هناك صبي يشيب رأسه من الهيبة ويقال : هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق ثم قال عز وجل : { السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ } يعني : انشقت السماء من هيبة الرحمن { كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً } يعني : كائناً في البعث ثم قال : { إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ } يعني : هذه الصورة موعظة { فَمَن شَاء اتخذ إلى رَبّهِ سَبِيلاً } يعني : من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك التوحيد إلى ربه مرجعاً فليفعل وقال أهل اللغة في قوله : السماء منفطر به ولم يقل منفطرة به فالتذكير على وجهين : أحدهما : أنه انصرف إلى المعنى ومعنى السماء السقف كقوله (4/340)
{ وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ ءاياتها مُعْرِضُونَ } [ الأنبياء : 32 ] ، والثاني : أن معناه السماء ذات الانفطار كما يقال امرأة مرضع أي : ذات رضاع على وجه النسب . ويقال : قوله السماء منفطر به يعني : فيه شيء في يوم القيامة ، ويقال : يعني : بالله تعالى يعني : من هيبته قوله تعالى : { إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ } يعني : إن هذه الآيات التي ذكرت موعظة بليغة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً يعني : من شاء أن يرغب فليرغب فقد أمكن له لأنه أظهر الحجج والدلائل . (4/341)
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)
ثم قال عز وجل : { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } قرأ حمزة والكسائي وابن كثير وعاصم ونصفه وثلثه كلاهما بالنصب والباقون بالكسر فمن قرأ بالنصب فهو على تفسير الأدنى كما قال : أدنى من ثلثي الليل وكان نصفه وثلثه تفسير لذلك الأدنى ومن قرأ بالكسر فمعناه : أدنى من نصفه وثلثه وقال الحسن لما نزل قوله { قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً } فكان قيام الليل فريضة فقام بها المؤمنون حولاً فأجهدهم ذلك وما كلهم قام بها فأنزل الله تعالى رخصة { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى } إلى قوله : { عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } فصار تطوعاً ولا بد من قيام الليل . فذلك قوله : { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } { وَطَائِفَةٌ مّنَ الذين مَعَكَ } يعني : وجماعة من المؤمنين معك تقومون نصف الليل وثلثه { والله يُقَدّرُ اليل والنهار } يعني : يعلم ساعات الليل والنهار { عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } يعني : أن لن تطيعوه ولم تقدروا أن تحفظوا ما فرض الله عليكم على الدوام ويقال : معناه : لن تطيقوا حفظ ساعات الليل { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } يعني : تجاوز عنكم ورفع عنكم وجوب القيام { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } في صلاة الليل ويقال : { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } في جميع الصلوات { عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى } علم الله تعالى أن منكم مرضى لا يقدرون على قيام الليل { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ } يعني : يسافرون في الأرض { يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله } يعني : في طلب المعيشة يطلبون الرزق من الله تعالى وفي الآية دليل أن الكسب الحلال بمنزلة الجهاد لأنه جمع مع الجهاد في سبيل الله ، وروى إبراهيم عن علقمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَا مِنْ جَالِبٍ يَجْلِبُ طَعَامَاً مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَيَبِيعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ إلاَّ كَانَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ الله تَعَالَى مَنْزِلَةَ الشَّهِيدِ » ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } يعني : من القرآن { وَإِذْ أَخَذْنَا } يعني : الصلوات الخمس { وَإِذْ أَخَذْنَا } يعني : الزكاة المفروضة { وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً } يعني : تصدقوا من أموالكم بنية خالصة من المال الحلال { وَمَا تُقَدّمُواْ لانْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ } يعني : ما تعملون من عمل من الأعمال الصالحة يعني : تتصدقون بنية خالصة { تَجِدُوهُ عِندَ الله } يعني : تجدوا ثوابه في الآخرة . { هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً } يعني : الصدقة خير من الإمساك وأعظم ثواباً من معاملتكم وتجارتكم في الدنيا ، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه اتخذ له حيساً يعني : تمراً بلبن فجاءه مسكين فأخذه ، ودفعه إليه فقال بعضهم : ما يدري هذا المسكين ما هذا فقال عمر : لكن رب المسكين يدري ما هو فكأنه تأول قوله تعالى : { وَمَا تُقَدّمُواْ لانْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً } ثم قال عز وجل : { واستغفروا الله } يعني : اطلبوا المغفرة لذنوبكم بالرجوع إلى الله تعالى { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يعني : لمن تاب رحيماً بعد التوبة والله أعلم بالصواب . (4/342)
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)
قوله تعالى : { يأَيُّهَا المدثر } يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم وقد تدثر بثوبه وأصله المتدثر بثيابه إذا نام فأدغمت التاء في الدال وشددت وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : في حديثه : « فَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوتاً مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا المَلِكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحراء جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيَ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ فَخَشَيْتُ فَرَجِعْتُ إِلَى أَهْلِي فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَرُونِي فَنَزَلَ يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ » { قُمْ فَأَنذِرْ } يعني : فخوف قومك وادعهم إلى التوحيد ويقال : { قُمْ فَأَنذِرْ } يعني : قم فصلِّ لله ويقال : { قُمْ فَأَنذِرْ } يعني : خوفهم بالعذاب إن لم يوحدوا يعني : ادعهم من الكفر إلى الإيمان ثم قال عز وجل : { وَرَبَّكَ فَكَبّرْ } يعني : فعظمه عما يقولون فيه عبدة الأوثان . ويقال : فكبر يعني : فكبر للصلاة ثم قال : { وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ } يعني : طهر قلبك بالتوبة عن الذنوب والمعاصي وهذا قول قتادة وقال مقاتل : يعني : قلبك فطهر بالتوبة وكانت العرب تقول للرجل إذا أذنب دنس الثياب وقال الفراء : يعني : ثيابك فقصر . وقال الزجاج لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة وإن كان طويلاً لا يؤمن أن يصيبه النجاسة ويقال : يعني : لا تقصر فتكون غادراً دنس الثياب وقال مجاهد : وثيابك فطهر يعني : نفسك فطهر ويقال : عملك فأخلص ويقال : ظنك فحسن ثم قال : { والرجز فاهجر } يعني : المأثم فاترك ويقال : الرجز فاهجر يعني : ارفض عبادة الأوثان قرأ عاصم في رواية حفص والرجز بضم الزاء والباقون بكسر الزاء ومعناهما واحد وهم الأوثان يعني : فارفض عبادة الأوثان ويقال : الرجز العذاب كقوله تعالى : { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السمآء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } [ البقرة : 59 ] ومعناه كل شيء يحرك إلى عذاب الله تعالى فاتركه ثم قال عز وجل : { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } يعني : لا تعط شيئاً قليلاً تطلب به أكثر وأفضل في الدنيا وقال الحسن ولا تمنن تستكثر يعني : ولا تمنن بعملك على ربك تستكثره وقال مجاهد لا تعط مالك رجاء فضل من الثواب في الدنيا وقال الضحاك لا تعط ولتعطى أكثر منه قوله تعالى : { وَلِرَبّكَ فاصبر } يعني : اصبر على أمر ربك قال إبراهيم النخعي : اصبر لعظمة ربك وقال مقاتل : ولربك فاصبر يعني : يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على أذاهم ويقال : فاصبر نفسك في عبادة ربك { فَإِذَا نُقِرَ فِى الناقور } يعني : اصبر فعن قريب ينفخ في الصور . { فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِير عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ } يعني : شديداً على الكافرين غير يسير يعني : غير هين وفي الآية دليل أن ذلك اليوم يكون على المؤمنين هيناً وهذا كقوله تعالى : { الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً } [ الفرقان : 26 ] لأن الكفار يقطع رجاؤهم في جميع الوجوه . (4/343)