صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5)
قوله عز وجل : { وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء } ، يعني : لولا أن قضى الله عليهم الإخراج من جزيرة العرب إلى الشام ، { لَعَذَّبَهُمْ فِى الدنيا } ؛ يعني : لعذبهم بالقتل والسبي . { وَلَهُمْ فِى الاخرة عَذَابُ النار } ، يعني : ذلك الذي أصابهم من الجلاء في الدنيا والعذاب في الآخرة . { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقّ الله } ، يعني : خالفوا الله ورسوله في الدين ، ويقال : عادوا الله ورسوله . { وَمَن يُشَاقّ الله } وأصله من يشاقق الله ، إلا أن إحدى القافين أدغمت في الأخرى وشددت ، يعني : من يخالف الله ورسوله في الدين ، { فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } ، يعني : إذا عاقب ، فعقوبته شديدة . (4/273)
قوله عز وجل : { مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ } يعني : من نخلة { أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً على أُصُولِهَا } فلم تقطعوها ، { فَبِإِذْنِ الله } يعني : بأمر الله . وقال عكرمة : لما دخل المسلمون على بني النضير ، أخذوا يقطعون النخل ، فنهاهم بعضهم ، وتأولوا قوله تعالى : { وَإِذَا تولى سعى فِى الارض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل والله لاَ يُحِبُّ الفساد } [ البقرة : 205 ] وقال بعضهم : يقطع ويتأول قوله تعالى : { مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الاعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذلك بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ الله وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكفار وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } [ التوبة : 120 ] ، فأنزل الله تعالى : { مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله } . وقال الزهري في قوله : { مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ } اللينة : ألوان النخل كلها إلا العجوة ، وقال الضحاك : اللينة : النخلة الكرمة والشجرة الطيبة المثمرة ، وقال مجاهد : اللينة : الشجرة المثمرة .
وروى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل ، وقالوا : إنما هي مغانم المسلمين . فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعها ، وبتحليل من قطعها ، وإنما قطعها وتركها بإذن الله تعالى . وعن ابن عباس أنه قال : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع النخل ، فشق ذلك على بني النضير مشقة شديدة ، فقالوا للمؤمنين : تزعمون أنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون في الأرض ، فدعوها قائمة؛ فإنما هي لمن غلب ، فنزل : { مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ } واللينة هي النخلة كلها ما خلا العجوة { أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً على أُصُولِهَا } وهي العجوة { فَبِإِذْنِ الله } يعني : القطع والترك بإذن الله .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر عبد الله بن سلام ، وأبا ليلى المازني بقطع النخل ، فكان أبو ليلى يقطع العجوة ، وكان عبد الله بن سلام يقطع اللون ، فقيل لأبي ليلى : لِمَ تقطع العجوة؟ قال : لأن فيه كبت العدو . وقيل لابن سلام : لِمَ تقطع اللون ، قال : لأني أريد أن تبقى العجوة للمسلمين . فأنزل الله تعالى رضاً بما فعل الفريقان ، فقال الله تعالى : { مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله } . ثم قال عز وجل : { وَلِيُخْزِىَ الفاسقين } يعني : وليذل العاصين الناقضين العهد .
ثم قال عز وجل { وما أفاء الله على رسوله } يعني ما أعطى الله رسوله من بني النضير وذلك أنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم أموالهم بين جميع المسلمين كما قسم أموال بدر فلم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقسم بين فقراء المهاجرين فنزل { وما أفاء الله على رسوله منهم } يعني ما أعطى الله رسوله من أموال بني النضير { فما أوجفتم } يعني ما أجريتم { عليه من خيل ولا ركاب } يعني لا على خيل ولا على إبل أتيتم بل إنكم } مشيتم مشيا حتى فتحتموها
ويقال أوجف الفرس والبعير إذا أسرعا يعني لم يكن عن غزوة أوجفتم خيلا ولا ركابا
{ ولكن الله يسلط رسله } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { على من يشاء } من بني النضير
والله على كل شيء قدير من النصرة والغنيمة
ثم بين لمن يعطي تلك الغنائم فقال { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } يعني من بني النضير وفدك ويقال بني قريظة والنضير وخيبر
{ فلله وللرسول } يعني لله أن يأمركم فيه بما أحب
وروى عبد الرازق عن معمر عن الزهري قال كانت بنو النضير للنبي صلى الله عليه وسلم خالصا لم يفتحوها عنوة ولكن افتتحوها على صلح فقسمها بين المهاجرين
ثم قال { ولذي القربى } يعني قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم
{ واليتامى والمساكين وابن السبيل }
وروى مالك بن أنس عن عمر قال كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا بني النضير وخيبر وفدك
فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه وأما فدك فكانت لابن السبيل وأما خيبر فجزأها ثلاثة أجزاء فقسم جزأين بين المسلمين وحبس جزءا للنفقة
فما فضل عن أهله رده إلى فقراء المسلمين
ثم قال { كي لا يكون } المال { دولة }
قرأ أبو جعفر المدني { دولة } بالضم وجعله اسم يكون وقراءة العامة بالنصب يعني لكي لا يكون دولة
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي { دولة } بنصب الدال والباقون بالضم { دولة } فمن قرأ بالضم فهو اسم المال الذي يتداول فيكون مرة لهذا ومرة لهذا
وأما النصب فهو النقل والانتقال من حال إلى حال { بين الأغنياء منكم } يعني لكيلا يغلب الأغنياء على الفقراء ليقسموه بينهم
ثم قال { وما آتاكم الرسول فخذوه } يعني ما أعطاكم النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة فخذوه ويقال وما أمركم الرسول فاعملوا به { وما نهاكم عنه فانتهوا } يعني فامتنعوا عنه
{ واتقوا الله إن الله شديد العقاب } لمن عصاه
ثم ذكر أن الفيء للمهاجرين يعني الغنائم { للفقراء المهاجرين } { الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } يعني تركوا أموالهم وديارهم في بلادهم وهاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
ويقال هذا ابتداء ومعناه عليكم بالفقراء المهاجرين يعني اعرفوا حقهم وصلوهم { الذين أخرجوا من ديارهم } يعني أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم
يبتغون فضلا من الله ورضوانا { يعني يطلبون رزقا في الجنة ورضوان الله تعالى { وينصرون الله ورسوله } بالسيف يعني يطيعون الله فيما أمرهم بطاعته
{ أولئك هم الصادقون } يعني الصادقين في إيمانهم فطابت أنفس الأنصار في ذلك فقالوا هذا كله لهم وأموالنا أيضا لهم
فأثنى الله تعالى على الأنصار فقال عز وجل والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يعني استوطنوا الدار يعني دار المدينة من قبل هجرتهم يعني نزلوا دار الهجرة في المدينة { والإيمان } يعني تبوءوا الإيمان أي كانوا مؤمنين من قبل أن هاجر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
قال الله تعالى { يحبون من هاجر إليهم }
يعني يحبون من يقدم إليهم من المؤمنين { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا } يعني لا يكون في قلوبهم حسدا مما أعطوا يعني المهاجرين
ويقال حاجة يعني حزازة وهو الحزن ويقال { ولا يجدون في صدورهم } بخلا وكراهة بما أعطوا
{ ويؤثرون على أنفسهم } في القسمة من الغنيمة يعني تركوها للمهاجرين
{ ولو كان بهم خصاصة } يعني حاجة
وروى وكيع عن فضيل بن عمران عن رجل عن أبي هريرة أن رجلا من الأنصار نزل به ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه فقال لامرأته نومي الصبية وأطفئي السراج وقربي إلى الضيف ما عندك فنزل { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة }
ويقال إن رجلا من الأنصار أهدي له برأس مشوي فقال لعل جاري أحوج مني فبعث إليه
ثم إن جاره بعثه إلى جار آخر فطاف سبعة أبيات ثم عاد إلى الأول فنزل { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة }
قال الله تعالى { ومن يوق شح نفسه } يعني ومن يمنع بخل نفسه { فأولئك هم المفلحون } يعني الناجين
وروى وكيع بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال } بريء من الشح من أدى الزكاة وأقرى الضيف وأعطى في النائبة {
وقد أثنى الله تعالى على المهاجرين وعلى الأنصار ثم أثنى على الذين من بعدهم على طريقتهم فقال { والذين جاؤوا من بعدهم } يعني التابعين ويقال يعني الذين هاجروا من بعد الأولين
{ يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } يعني أظهروا الإيمان قبلنا يعني المهاجرين والأنصار
{ ولا تجعل في قلوبنا غلا } يعني غشا وحسدا وعداوة { للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } يعني رحيما بعبادك المؤمنين
وفي الآية دليل أن من ترحم على الصحابة واستغفر لهم ولم يكن في قلبه غل لهم فله حظ في المسلمين وله أجر مثل أجر الصحابة
ومن شتمهم أو لم يترحم عليهم أو كان في قلبه غل لهم ليس له حظ في المسلمين لأنه ذكر للمهاجرين فيه حظ ثم ذكر الأنصار ثم ذكر الذين جاؤوا من بعدهم وقد وصفهم الله بصفة الأولين إذ دعا لهم
وفي الآية دليل أن الواجب على المؤمنين أن يستغفروا لإخوانهم الماضين وفيه وينبغي للمؤمنين أن يستغفروا لآبائهم ولمعلميهم الذين علموهم أمور الدين
ثم نزل في شأن المنافقين فقال { ألم تر إلى الذين نافقوا } يعني منافقي المدينة
{ يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } يعني بني النضير
{ لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا } يعني ولا نطيع محمدا صلى الله عليه وسلم في خذلانكم
{ وإن قوتلتم لننصرنكم } يعني لنعينكم
{ والله يشهد إنهم لكاذبون } في مقالتهم وإنما قالوا ذلك بلسانهم في غير حقيقة في قلوبهم
فقال الله تعالى { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم } يعني لئن أخرج بنو النضير لا يخرج المنافقون معهم
{ ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } يعني لا يمنعونهم على ذلك
{ ولئن نصروهم ليولن الأدبار } يعني ولو أعانوهم لا يثبتون على ذلك ولن ينصروهم { ليولن الأدبار } يعني رجعوا منهزمين
{ ثم لا ينصرون } يعني لا يمنعون من الهزيمة
ثم قال عز وجل { لأنتم أشد رهبة } يعني أنتم يا معشر المسلمين { أشد رهبة في صدورهم من الله } يعني خوفهم منكم أشد من عذاب الله في الآخرة
{ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } يعني لا يعقلون أمر الله تعالى
ثم أخبر عن ضعف اليهود في الحرب فقال عز وجل { لا يقاتلونكم جميعا } يعني لا يخرجون إلى الصحراء لقتالكم
{ إلا في قرى محصنة } يعني حصينة أو من رواء جدر يعني يقاتلونكم من وراء الجدار فحذف الألف وهو جمع الجدار
قرأ ابن كثير وأبو عمرو من وراء جدار بالألف والباقون جدر بحذف الألف وهو جماعة
فمن قرأ { جدار } فهو واحد يريد به الجمع
ثم قال { بأسهم بينهم شديد } يعني قتالهم فيما بينهم إذا اقتتلوا شديد وأما مع المؤمنين فلا
ثم قال { تحسبهم جميعا } يعني تظن أن المنافقين واليهود على أمر واحد وكلمتهم واحدة
{ وقلوبهم شتى } يعني قلوب اليهود مختلفة ولم يكونوا على كلمة واحدة
{ ذلك بأنهم } يعني ذلك الاختلاف بأنهم { قوم لا يعقلون } يعني لا يعقلون أمر الله تعالى
ثم ضرب لهم مثلا فقال عز وجل { كمثل الذين من قبلهم } يعني مثل بني النضير مثل الذين من قبلهم يعني أهل بدر
{ قريبا } يعني كان قتال بدر قبل ذلك بقريب وهو مقدار سنتين أو نحو ذلك
{ ذاقوا وبال أمرهم } يعني عقوبة ذنبهم { ولهم عذاب أليم } يعني عذابا شديدا في الآخرة
ثم ضرب لهم مثلا آخر وهو مثل المنافقين مع اليهود حين خذلوهم ولم يعينوهم
{ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر } يعني برصيصا الراهب
وروى عدي بن ثابت عن ابن عباس قال كان في بني إسرائيل راهب عبد الله تعالى زمانا من الدهر حتى كان يؤتى بالمجانين فيعودهم ويداويهم فيبرؤون على يديه
وأنه أتى بامرأة قد جنت وكان لها أخوة فأتوه بها فكانت عنده فلم يزل به الشيطان يخوفه ويزين له حتى وقع عليها فحملت
فلما استبان حملها لم يزل به الشيطان يخوفه ويزين له حتى قتلها ودفنها
ثم ذهب الشيطان إلى إخوتها في صورة رجل حتى لقي أحدا من أخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب وأنه دفنها في مكان كذا
فبلغ ذلك إلى ملكهم فسار الملك مع الناس فأتوه فاستنزلوه فأقر لهم بالذي فعل فأمر به فصلب
فلما رفع على خشبة تمثل له الشيطان فقال أنا الذي زينت لك هذا وألقيتك فيه فهل لك أن تطيعني فيما أقول لك وأخلصك مما أنت فيه فقال نعم
قال اسجد لي سجدة واحدة
فسجد له فذلك قوله كمثل الشيطان إذا قال للإنسان اكفر يعني اسجد { فلما كفر } يعني سجد
قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين قال ذلك على وجه الاستهزاء كذلك المنافقون خذلوا اليهود كما خذل الشطيان الراهب { فكان عاقبتهما } يعني عاقبة الشيطان والراهب { أنهما في النار خالدين فيها } يعني مقيمين فيها
وكان ابن مسعود يقرأ خالدان فيها وقراءة العامة { خالدين فيها } بالنصب
وإنما هو نصب على الحال
{ وذلك جزاء الظالمين } يعني الخلود في النار جزاء المنافقين والكافرين
قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } يعني اخشوا الله ويقال أطيعوا الله
{ ولتنظر نفس ما قدمت لغد } يعني ما عملت لغد وأسلفت لغد أي ليوم القيامة ومعناه تصدقوا واعملوا بالطاعة لتجدوا ثوابه يوم القيامة
ثم قال { واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } من الخير والشر
ثم وعظ المؤمنين بأن لا يتركوا أمره ونهيه كاليهود
ويوحدوه في السر والعلانية ولا يكونوا في المعصية كالمنافقين فقال { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } يعني تركوا أمر الله تعالى
{ فأنساهم أنفسهم } يعني خذلهم الله تعالى حتى تركوا حظ أنفسهم أن يقدموا خيرا لها
{ أولئك هم الفاسقون } يعني العاصين ويقال { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } أي تركوا ذكر الله وما أمرهم به { فأنساهم أنفسهم } يعني فترك ذكرهم بالرحمة والتوفيق ويقال { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } يعني تركوا عهد الله ونبذوا كتابه وراء ظهورهم { فأنساهم أنفسهم } يعني أنساهم حالهم حتى لم يعملوا لأنفسهم ولم يقدموا لها خيرا
{ أولئك هم الفاسقون } يعني الناقضين للعهد
ثم ذكر مستقر الفريقين فقال { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } يعني لا يستوي في الكرامة والهوان في الدنيا والآخرة لأن أصحاب الجنة في الدنيا موفقون منعمون معصومون وفي الآخرة لهم الثواب والكرامة
وأصحاب النار مخذولون في الدنيا معذبون في الآخرة
ويقال { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } في الآخرة لان أصحاب الجنة يتقلبون في النعيم وأصحاب النار يتقلبون في النار والهوان
ثم قال { أصحاب الجنة هم الفائزون } يعني المستعدون الناجون وأصحاب النار الهالكون
ثم وعظهم ليعتبروا بالقرآن فقال عز وجل { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل } يعني القرآن الذي فيه وعده ووعيده لو أنزل على جبل { لرأيته خاشعا } يعني خاضعا { متصدعا من خشية الله } يعني خاضعا متصدعا ويقال ويرق من خوف عذاب الله فكيف لا يرق هذا الإنسان ويخشع ويقال هذا على وجه المثل يعني لو كان الجبل له تميز لتصدع من الخشية من خشية الله ثم قال { وتلك الأمثال نضربها للناس } أي نبينها للناس { لعلهم يتفكرون } أي لكي يتعظوا في أمثال الله يعني فيعتبرون ولا يعصون الله تعالى
ثم قال { هو الله الذي لا إله إلا هو } يعني لا خالق ولا رازق غيره
{ عالم الغيب والشهادة } يعني عالم السر والعلانية ويقال الغيب ما غاب عن العباد
والشهادة ما شاهدوه وعاينوه ويقال { عالم } بما كان وبما يكون ويقال { عالم } بأمر الآخرة وبأمر الدنيا
ثم قال { هو الرحمن الرحيم } يعني العاطف على جميع الخلق بالرزق و { الرحيم } بالمؤمنين
ثم قال تعالى { هو الله الذي لا إله إلا هو الملك } يعني مالك كل شيء وهو الملك الدائم الذي لا يزول ملكه أبدا
ثم قال { القدوس } يعني الطاهر عما وصفه الكفار ولهذا سمي بيت المقدس يعني المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب
ثم قال { السلام } يعني يسلم عباده من ظلمه ويقال سمى نفسه سلاما لسلامته مما يلحق الخلق من العيب والنقص والفناء
ثم قال { المؤمن } يعني يؤمن أولياؤه من عذابه ويقال { المؤمن } أي يصدق في وعده ووعيده ويقال { المؤمن } يعني قابل إيمان المؤمنين
ثم قال { المهيمن } يعني الشهيد على عباده بأعمالهم ويقال { المهيمن } يعني المويمن فقلبت الواو هاء وهو بمعنى الأمين
ثم قال { العزيز } يعني الذي لا يعجزه شيء عما أراد ويقال { العزيز } الذي لا يوجد مثله
ثم قال { الجبار } يعني القاهر لخلقه على ما أراده ويقال الغالب على خلقه ومعناهما واحد
ثم قال { المتكبر } يعني المتعظم على كل شيء ويقال { المتكبر } الذي تكبر عن ظلم عباده
ثم قال { سبحان الله } يعني تنزيها لله تعالى { عما يشركون } يعني عما وصفه الكفار من الشريك والولد ويقال { سبحان الله } بمعنى التعجب يعني عجبا عما وصفه الكفار من الشريك
قوله تعالى } هو الله الخالق { يعني الخالق الخلق في أرحام النساء ويقال خالق النطف في أصلاب الآباء { المصور } للولد في أرحام الأمهات ويقال { الخالق } يعني المقدر
{ البارئ } الذي يجعل الروح في الجسد ويقال { البارئ } يعني خالق الأشياء ابتداء
ثم قال { له الأسماء الحسنى } يعني الصفات العلى ويقال { له الأسماء الحسنى } وهي تسعة وتسعون اسما وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة
ثم قال { يسبح له ما في السماوات والأرض } يعني يخضع له ما في السموات والأرض يعني جميع الأشياء كقوله وإن من شيء إلا يسبح بحمده الإسراء 44
ثم قال { وهو العزيز } يعني العزيز في ملكه { الحكيم } في أمره
فإن قال قائل قد قال الله تعالى { فلا تزكوا أنفسكم } النجم 32 فما الحكمة في أنه نهى عباده عن مدح أنفسهم ومدح نفسه قيل له عن هذا السؤال جوابان أحدهما أن العبد وإن كان فيه خصال الخير فهو ناقص وإن كان ناقصا لا يجوز له أن يمدح نفسه والله سبحانه وتعالى تام الملك والقدرة فيستوجب به المدح فمدح نفسه ليعلم عباده فيمدحوه
وجواب آخر أن العبد وإن كان فيه خصال الخير فتلك الخصال أفضال من الله تعالى ولم يكن ذلك بقدرة العبد فلهذا لا يجوز له أن يمدح نفسه
والله سبحانه وتعالى إنما قدرته وملكه له ليس لغيره فيستوجب فيه المدح
ومثال هذا أن الله تعالى نهى عباده أن يمنوا على أحد بالمعروف وقد من الله تعالى على عباده للمعنى الذي ذكرناه في المدح والله أعلم و صلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وآله وسلم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)
قوله سبحانه وتعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدكم أولياء نزلت في حاطب بن أبي بلتعة العبسي ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهز الجيش للخروج إلى فتح مكة وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى الغزو ورى بغيره يعني يظهر من نفسه أنه يريد الخروج إلى ناحية أخرى وكان الناس لا يعلمون إلى أي ناحية يريد الخروج (4/274)
فأمر الناس بأن يتجهزوا إلى الخروج للغزو ولم يعلموا إلى أين يخرج إلا الخواص من أصحابه
فبينما الناس يتجهزون إذ قدمت امرأة من مكة يقال لها سارة مولاة بني عمر بن الصيف بن هشام بن عبد مناف وكانت امرأة مغنية فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم لماذا جئت فقالت جئت لتعطيني شيئا
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ما فعلت بعطياتك من شبان قريش فقالت منذ قتلتهم ببدر لم يصل إلي شيء إلا القليل
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن تعطى شيئا لترجع
فلما أرادت الخروج أتاها حاطب بن أبي بلتعة فقال لها إني معطيك عشرة دنانير وكساء على أن تبلغي إلى أهل مكة كتابا
فأجابته إلى ذلك فخرجت إلى مكة فنزل جبريل عليه السلام في أثرها بالخبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي والزبير والمقداد انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأة معها كتاب فخذوه منها
فخرجوا حتى أتوا الروضة فإذا هي سارة هناك فقالوا لها أخرجي الكتاب
فقالت ما معي كتاب
فألحوا عليها فحلفت أنه ليس معها كتاب فلم يصدقوها حتى نزعت جميع ثيابها فرمت بها إليهم
فنظروا إلى ثيابها فلم يجدوا فيها الكتاب ونظروا في راحلتها وأمتعتها فلم يجدوا فيها الكتاب
فقال بعضهم لبعض تعالوا حتى نرجع
فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فقول المرأة أصدق أم قول
جبريل فوالله لا أرجع حتى آخذ منها الكتاب ولأحملن رأسها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وسل السيف ليضرب رأسها فأخرجت الكتاب من عقاصها
فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ الكتاب فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة وأخبرهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد الخروج إليهم وإنه أراد بالكتاب إليهم مودتهم فقام إليه عمر وقال دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا يا حاطب فقال لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم وكل من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهاليهم فأردت أن أتخذ فيهم يدا يحمون قرابتي وما فعلت هذا كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا أرضى بالكفر بعد الإسلام
وقد علمت أن الله تعالى منجز وعده ما وعد ألا لينصر نبيه صلى الله عليه وسلم
قال النبي صلى الله عليه وسلم دعوه إنه شهد بدرا وما يدريك يا عمر لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم فنزل { يا أيها الذين آمنوا } فسماهم مؤمنين { لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } يعني في العون والنصرة
{ تلقون إليهم بالمودة } يعني تكتبون وتبعثون إليهم بالصحيفة والنصيحة ويقال معناه تخبرونهم كما يخبر الرجل أهل مودته حيث توجهون إليهم بالمودة والنصيحة والكتاب
{ وقد كفروا بما جاءكم من الحق } يعني من القرآن والرسول
{ يخرجون الرسول وإياكم } يعني أخرجوكم من مكة
{ أن تؤمنوا بالله ربكم } يعني لأجل إيمانكم بربكم يعني بوحدانية ربكم
{ إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة } يعني لا تلقون إليهم بالمودة إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي وطلب رضاي
{ وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم } يعني ما أسررتم وما أظهرتم من المودة لأهل الكفر وأعلنتم الإقرار بالتوحيد
{ ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل } يعني من يفعل بعد منكم فقد أخطأ قصد الطريق
ثم قال عز وجل { إن يثقفوكم } وهذا إخبار من الله تعالى للمؤمنين بعداوة كفار مكة إياهم لكيلا يميلوا إليهم فقال { إن يثقفوكم } يعني أن يظهروا عليكم ويقال إن يأخذوكم ويقال إن يقهروكم ويغلبوكم
{ يكونوا لكم أعداء } يعني يتبين لكم أنهم أعداؤكم فيظهر لكم عداوتهم عند ذلك
{ ويبسطوا إليكم أيديهم } بالقتل والتعذيب { وألسنتهم بالسوء } يعني بالشتم
{ وودوا لو تكفرون } يعني تمنوا أن ترجعوا إلى دينهم فإن فعلتم ذلك بسبب قرابتكم
{ لن تنفعكم أرحامكم } يعني قرابتكم { ولا أولادكم } الذين كانوا بمكة
{ يوم القيامة يفصل بينكم } يعني يفرق بينكم وبينهم يوم القيامة
قرأ عاصم { يفصل بينكم } بنصب الياء وكسر الصاد مع التخفيف يعني يفصل الله بينكم وبينهم يوم القيامة وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { يفصل بينكم } بضم الياء ونصب الصاد مع التخفيف على معنى فعل ما لم يسم فاعله والمعنى مثل الأول
وقرأ حمزة والكسائي { يفصل بينكم } بضم الياء وكسر الصاد مع التشديد يعني يفصل الله بينكم والتشديد للتكثير وقرأ ابن عامر { يفصل بينكم } بضم الياء ونصب الصاد مع التشديد على معنى فعل ما لم يسم فاعله والتشديد للتكثير
ويقال الفصل هو القضاء يعني يقضي بينكم على هذا
{ والله بما تعملون بصير } يعني عالم بأعمالكم
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6)
قوله عز وجل : { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إبراهيم } يعني : هلا فعلتم كما فعل إبراهيم ، تبرأ من أبيه لأجل كفره؟ ويقال : { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } يعني : قدوة حسنة وسنة صالحة في إبراهيم فاقتدوا به . { والذين مَعَهُ } يعني : من كان مع إبراهيم من المؤمنين . { إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ } أي : لمن كفر من قومهم : { أَنَاْ بَرَاء مّنكُمْ } يعني : من دينكم ، { وَمِمَّا تَعْبُدُونَ } يعني : برآء مما تعبدون { مِن دُونِ الله } من الآلهة . { كَفَرْنَا بِكُمْ } يعني : تبرأنا منكم . قرأ عاصم { أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } بضم الألف ، والباقون بالكسر ، وهما لغتان إسوة وأُسوة وهما بمعنى الاقتداء . (4/275)
ثم قال : { وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء أَبَداً حتى تُؤْمِنُواْ بالله وَحْدَهُ } يعني : حتى تصدقوا بالله وحده ، فأعلم الله تعالى أن أصحاب إبراهيم تبرؤوا من قومهم ، وعادوهم ، لأجل كفرهم ، فأمر الله تعالى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتدوا بهم . ثم قال : { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم } ، يعني : اقتدوا بهم إلا قول إبراهيم { لاِبِيهِ لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } يعني : لأدعون لك أن يهديك الله ويكون على هذا التفسير إلا بمعنى لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك يعني : لأدعون لك أن يهديك الله يعني : إبراهيم تبرأ من قومه ، لكنه يدعو لأبيه بالهدى . ثم قال : { وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَىْء } يعني : ما أقدر أن أمنعك من عذاب الله من شيء ، إن لم تؤمن .
ثم علَّمهم ما يقولون ، فقال : قولوا { رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } يعني : فوَّضنا أمرنا إليك وأمر أهالينا ، { وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا } يعني : أقبلنا إليك بالطاعة؛ { وَإِلَيْكَ المصير } يعني : المرجع في الآخرة . قوله تعالى : { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } ، فتقتر علينا الرزق وتبسط عليهم ، فيظنوا أنهم على الحق ونحن على الباطل؛ { واغفر لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } وفي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه { إِنَّكَ أَنتَ الغفور الرحيم } .
وقال بعضهم : هذا كله حكاية عن قول إبراهيم أنه دعا ربه بذلك ، ويقال : هذا تعليم لحاطب بن أبي بلتعة هلاّ دعوت بهذا الدعاء ، حتى ينجو أهلك ولا يسلط عليهم عدوك . قوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } يعني : في إبراهيم وقومه في الاقتداء . { لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الاخر } يعني : لمن يخاف الله ويخاف البعث؛ ويقال : { لّمَن كَانَ يَرْجُو } ثواب الله وثواب يوم القيامة . { وَمَن يَتَوَلَّ } يعني : يعرض عن الحق؛ ويقال : يأبى عن أمر الله تعالى . { فَإِنَّ الله هُوَ الغنى الحميد } يعني : الغني عن عباده الحميد في فعاله .
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)
ثم قال عز وجل : { عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ } يعني : لعل الله أن يجعل بينكم { وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم } ، كفار مكة . { مّنْهُم مَّوَدَّةً } ؛ وذلك أنه لما أخبرهم عن إبراهيم بعداوته مع أبيه ، فأظهر المسلمون العداوة مع أرحامهم ، فشق ذلك على بعضهم ، فنزل { عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً } يعني : صلة . قال مقاتل : فلما أسلم أهل مكة ، خالطوهم وناكحوهم ، فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وأسلمت وأسلم أبوها . ويقال : يسلم منهم فيقع بينكم وبينهم مودة بالإسلام؛ وهذا القول أصح ، لأنه كان قد تزوج بأم حبيبة قبل ذلك . { والله قَدِيرٌ } على المودة؛ ويقال : { قَدِيرٌ } بقضائه وهو ظهور النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة . { والله غَفُورٌ } لمن تاب منهم ، { رَّحِيمٌ } بهم بعد التوبة . (4/276)
ثم رخص في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم ، وهم خزاعة وبنو مدلج ، فقال عز وجل : { لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِى الدين } يعني : عن صلة الذين لم يقاتلوكم في الدين ، { وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم أَن تَبَرُّوهُمْ } يعني : أن تصلوهم ، { وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ } يعني : تعدلوا معهم بوفاء عهدهم . { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } يعني : العادلين بوفاء العهد ، يقال : أقسط الرجل ، فهو مقسط إذا عدل . وقسط يقسط ، فهو قاسط إذا جار .
ثم قال عز وجل : { إِنَّمَا ينهاكم الله عَنِ الذين قاتلوكم فِى الدين } يعني : عن صلة الذين قاتلوكم في الدين ، وهم أهل مكة ، ومن كان في مثل حالهم من أهل الحرب . { وَأَخْرَجُوكُم مّن دياركم وظاهروا على إخراجكم } يعني : عاونوا على إخراجكم من دياركم . { أَن تَوَلَّوْهُمْ } يعني : أن تناصحوهم . { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ } منكم يعني : يناصحهم ويحبهم منكم ، { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } يعني : الكافرون الظالمون لأنفسهم .
قوله عز وجل : { الظالمون ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات مهاجرات } ؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة يوم الحديبية ، وكتب بينه وبينهم كتاباً : « إِنَّ مَنْ لَحِقَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِأَهْلِ مَكَّةَ فَهُوَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ لَحِقَ مِنْهمْ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَدَّهُ عَلَيْهِمْ » . فجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، اسمها سبيعة بنت الحارث الأسلمية ، فجاء زوجها في طلبها ، فقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم : ( ارْدُدْهَا فَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ شَرْطاً . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنَّمَا كَانَ الشَّرْطُ فِي الرِّجَالِ وَلَمْ يَكُنْ فِي النَّسَاءِ » . فأنزل الله تعالى : { إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات مهاجرات } نصب على الحال { فامتحنوهن } يعني : اختبروهن ، ما أخرجكن من بيوتكن؟ { فامتحنوهن } يعني : اسألوهن ، ويقال : استخلفوهن ما خرجنا إلا حرصاً على الإسلام ، ولم تكن لكراهية الزوج ، ولا لغير ذلك { الله أَعْلَمُ بإيمانهن } يعني : أعلم بسرائرهن .
{ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات } يعني : إذا ظهر عندكم إنها خرجت لأجل الإسلام ، ولم يكن خروجها لعداوة وقعت بينها وبين زوجها ، { فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار } يعني : لا تردوهن إلى أزواجهن . { لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ } يعني : لا تحل مؤمنة لكافر ، { وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } يعني : ولا نكاح كافر لمسلمة . (4/277)
قوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ } يعني : أعطوا أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهر . قال مقاتل : يعني : إن تزوجها أحد من المسلمين ، يدفع المهر إلى الزوج؛ فإن لم يتزوجها أحد من المسلمين ، فليس لزوجها الكافر شيء . ثم قال : { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ } يعني : لا حرج على المسلمين أن يتزوجوهن . { اليوم أُحِلَّ لَكُمُ } يعني : مهورهن ، فرد المهر على الزوج الكافر منسوخ . وفي الآية دليل أن المرأة إذا خرجت من دار الحرب ، بانت من زوجها . وفي الآية تأييد لقول أبي حنيفة : أنَّهُ لاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا . وفي أقوال أبي يوسف ومحمد : عليها العدة .
ثم قال : { وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر } . قرأ أبو عمرو { وَلاَ تُمْسِكُواْ } بالتشديد ، والباقون بالتخفيف . فمن قرأ بالتخفيف ، فهو من أمسك يمسك ، ومن قرأ بالتشديد فهو من مسك بالشيء يمسكه تمسيكاً ، ومعناهما واحد ، وهو أن المرأة إذا كفرت ، ولحقت بدار الحرب ، فقد زالت العصمة بينهما . فنهى أن يقبضها من بعد انقطاعها ، وجاز له أن يتزوج أختها أو أربعاً سواها . وأصل العصمة الحبل ، ومن أمسك بالشيء فقد عصمه . وقال : معناه لا ترغبوا فيهن ولا تعتدوا فيهن؛ ويقال : لا تعتد بامرأتك الكافرة ، فإنها ليست لك بامرأة . وكان للمسلمين نساء في دار الحرب ، فتزوجن هناك . ثم قال : { ياأيها الذين ءامَنُواْ } يعني : اسألوا من أزواجهن ما أنفقتم عليهن من المهر . { وَلْيَسْئَلُواْ } منكم { مَّا أَنفَقُواْ } يعني : ما أعطوا من مهر المرأة التي أسلمت . وهذه الآية نسخت ، إلا قوله : { لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } ثم قال : { ذَلِكُمْ حُكْمُ الله } يعني : أمره ونهيه { يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } يعني : يقضي بينكم { والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13)
قوله عز وجل : { وَإِن فَاتَكُمْ شَىْء مّنْ أزواجكم إِلَى الكفار } يعني : إذا ارتدت امرأة ولحقت بدار الحرب ، فعاقبتم يعني : فغنم من المشركين شيئاً ، { فَاتُواْ الذين ذَهَبَتْ أزواجهم } من الغنيمة { مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ } من الغنيمة ، مثل الذين أعطوا نساءهم من المهر . وهذه الآية منسوخة بالإجماع . قرأ إبراهيم النخعي : { فعاقبتم } بغير ألف ، وعن مجاهد أنه قرأ : { فعاقبتم } ؛ وقراءة العامة { فعاقبتم } فذلك كله يرجع إلى معنى واحد يعني : إذا غلبتم العبد واعتصمتم ، واصبتموهم في القتال . { واتقوا الله } يعني : اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم . { الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } يعني : مصدقين . ثم قال : { مُؤْمِنُونَ يأَيُّهَا النبى إِذَا جَاءكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ } يعني : النساء إذا أسلمن ، فبايعهن { على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً } ، يعني : لا يعبدن غير الله . { وَلاَ يَسْرِقْنَ } ، يعني : لا يأخذن مال أحد بغير حق . { وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أولادهن } يعني : ولا يقتلن بناتهن ، كما قتلن في الجاهلية؛ ويقال : لا يشربن دواءً ، فيسقطن حملهن . (4/278)
ثم اختلفوا في مبايعة النساء ، وقال بعضهم : وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوباً وأخذ في الثوب ، وقال بعضهم : كان يشيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصافحهن عمر ، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ، وفرغ من مبايعة الرجال ، وهو على الصفا ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أسفل منه ، فبايع النساء على أن لا يشركن بالله شيئاً ، ولا يسرقن . فقالت هند ، امرأة أبي سفيان : إنِّي قَدْ أصَبْتُ مِنْ مَالِ أبِي سُفْيَان ، فَلاَ أدْرِي أَحَلاَلٌ أمْ لا؟ فقال أبو سفيان : نَعَمْ مَا أَصَبْتِ فِيمَا مَضَى وَفِيمَا غَبَرَ . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عَفَا الله عَمّا سَلَفَ .
وفي خبر آخر ، أنها قالت : أرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يُعْطِنِي مَا يَكْفِينِي وَلِوَلَدي ، هَلْ يَحِلُّ لِي أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَلِوَلَدِكِ بِالمَعْرُوفِ » . ثم قال : { وَلاَ يَزْنِينَ } فلما قال ذلك ، قالت هند : أَوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟ فضحك عمر عند ذلك ، ثم قال : تَعَالَيْ { وَلاَ يَقْتُلْنَ أولادهن } يعني : لا يقتلن بناتهن الصغار ، فقالت هند : ربيناهم صغاراً أفنقتلهم كباراً؟ فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : { وَلاَ يَأْتِينَ ببهتان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } يعني : لا تجيء بصبي من غير زوجها ، فتقول للزوج : هو منك . فقالت هند : إنَّ البُهْتَانَ أَفْحَشُ وَمَا تَأْمُرْنَا إلاَّ بِالرُّشْدِ .
ثم قال عز وجل : { وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } يعني : في طاعة مما أمر الله تعالى ، ويقال : { وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } يعني : فيما نهيتهن عن النوح وتمزيق الثياب ، أو تخلو مع الأجنبي ، أو نحو ذلك ، فقالت هند : ما جَلَسْنَا هَذَا المَجْلِسِ وَفِي أَنْفُسِنَا أَنْ نَعْصِيكَ فِي شَيْءٍ ثم قال { فَبَايِعْهُنَّ واستغفر لَهُنَّ الله } يعني : إذا بايعن على ذلك ، فاسأل الله لهن المغفرة لما كان في الشرك .
{ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } غفور لهن ما كان في الشرك رحيم فيما بقي . (4/279)
قوله تعالى : { رَّحِيمٌ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ } ، وذلك أن ناساً من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأمر المسلمين ، يتواصلون إليهم بذلك ، فيصيبون من ثمارهم وطعامهم وشرابهم ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ، فقال : { رَّحِيمٌ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ } يعني : لا تتخذوا الصداقة مع قوم غضب الله عليهم ، ويقال : هَذَا أَيضاً في حاطب بن أبي بلتعة .
ثم قال عز وجل : { قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الاخرة كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أصحاب القبور } ؛ قال مقاتل : وذلك أن الكافر إذا وضع في قبره ، أتاه ملك شديد الانتهار ، فيجلسه ، ثم يسأله : من ربك ، وما دينك ، ومن رسولك؟ فيقول : لا أدري . فيقول الملك : أبعدك الله ، انظر يا عدو الله إلى منزلك . فينظر إليه من النار ، فيدعو بالويل والثبور ، فيقول : هذا لك يا عدو الله . فيفتح له باب إلى الجنة ، فيقول : هذا لمن آمن بالله تعالى ، فلو كنت آمنت بربك نزلت الجنة . فيكون حسرة عليه ، وينقطع رجاؤه منها . وعلم أنه أبعد له فيها ، ويئس من خير الجنة ، فذلك قوله تعالى : للكفار أهل الدنيا الأحياء منهم { قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الاخرة } يعني : من خير الآخرة ، لأنهم كذبوا بالثواب والعقاب ، وهم آيسون من الجنة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ، إذا عرف منازله؛ ويقال : إن الكفار إذا مات منهم أحد ، يئسوا من رجوعه ، فيقال : قد يئس هؤلاء من الآخرة ، كما يئس الكفار من أصحاب القبور من رجوعهم؛ ويقال : { يَئِسُواْ مِنَ الاخرة } يعني : هؤلاء الكفار كما يئس الكفار الذين كانوا قبلهم من الآخرة؛ وهو اليوم من أصحاب القبور؛ والله أعلم بالصواب ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى آله وصحبه وسلم .
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)
قوله تبارك وتعالى : { سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض وَهُوَ العزيز الحكيم الحكيم يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } ؛ وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا بعدما فروا يوم أحد : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى ، وأفضل لفعلناه ، فنزل : { لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } . ويقال : قالوا ذلك قبل يوم أحد ، فابتلوا بذلك وفروا ، فنزل تيسيراً لهم بترك الوفاء ، فقال : { لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } . { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله } ، يعني : عظم بغضاً عند الله { أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِى سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ } ، يعني : يصفون بمنزلة الصف في الصلاة وملتزمة بعضهم في بعض ، لا يتأخر أحدهم عن صاحبه بمنزلة البنيان الذي بني بالرصاص؛ ويقال : { كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ } أي : متفقي الكلمة بعضهم على بعض على عدوهم ، فلا يخالف بعضهم بعضاً . وروي في الخبر : أنه كان يوم مؤتة وكان عبد الله بن رواحة أحد الأمراء الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداهم : يا أهل المجلس الذين وعدتم ربكم قولكم ، ثم مشى فقاتل حتى قتل . (4/280)
قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ موسى } وقد قال موسى { لِقَوْمِهِ ياقوم لَّم تُؤْذُونَنِى } بالتكذيب ، وذلك أنهم كذبوه وقالوا : إنه آدر ، ويقال : إنه حين مات هارون ، ويقال : إنه قال لقومه الكفار : لم تؤذونني بالتكذيب والشتم؟ { وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُواْ } يعني : مالوا عن الحق وعدلوا عنه . { أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ } يعني : خذلهم عن الهدى فثبتوا على اليهودية . { والله لاَ يَهْدِى } يعني : لا يرشد إلى دينه { القوم الفاسقين } ، يعني : العاصين المكذبين ، الذين لا يرغبون في الحق .
{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ } يعني : وقد قال عيسى ابن مريم { مَرْيَمَ يابنى إسراءيل إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُم } ، يعني : أرسلني الله تعالى إليكم ، لأدعوكم إلى الإسلام . { مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التوراة } يعني : أقرأ عليكم الإنجيل موافقاً للتوراة في التوحيد وفي بعض الشرائع ، { وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ } يعني : أبشركم برسول الله { يَأْتِى مِن بَعْدِى اسمه أَحْمَدُ } . وروى ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا : يَا رَسُولَ الله أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ . فقال : « أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ وَرَأَتْ أُمِّي رُؤْيَاهَا حِينَ حَمَلَتْ بِي أنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ بُصْرَى فِي أرْضِ الشَّامِ » . { فَلَمَّا جَاءهُم بالبينات } ، يعني : جاءهم عيسى بالبينات التي كان يريهم من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص . { قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ } يعني : بيناً ظاهراً . قرأ حمزة والكسائي { ساحر } بالألف ، والباقون { ساحر } بغير ألف . فمن قرأ { ساحر } فهو فاعل ، ومن قرأ { ساحر } فهو نعت الفعل .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)
ثم قال عز وجل : { وَمَنْ أَظْلَمُ } يعني : من أشد في كفره { مِمَّنِ افترى عَلَى الله } يعني : اختلق على الله { الكذب } وهم اليهود . { وَهُوَ يدعى إِلَى الإسلام } يعني : إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } يعني : لا يرشدهم . ويقال : لا يرحمهم ما داموا على كفرهم . ثم قال عز وجل : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم } يعني : ليبطلوا دين الله بقولهم : { والله مُتِمُّ نُورِهِ } يعني : مظهر توحيده وكتابه ، { وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } يعني : وإن كره اليهود والنصارى . قرأ حمزة ، والكسائي ، وابن عامر ، وعاصم في رواية حفص : { والله مُتِمُّ نُورِهِ } على معنى الإضافة ، والباقون { مُّتُّمْ } بالتنوين { نُورِهِ } بالنصب . فمتم فاعل ونصب نوره ، لأنه مفعول به . (4/281)
ثم قال عز وجل : { هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى } يعني : بالتوحيد { وَدِينِ الحق } يعني : الشهادة لا إله إلا الله . { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } يعني : على الأديان كلها . قال مقاتل : وقد فعل ، ويقال : إنه يكون في آخر الزمان ، لا يبقى أحد إلا مسلم أو ذمة للمسلم . { وَلَوْ كَرِهَ المشركون } يعني : وإن كرهوا ذلك .
ثم قال عز وجل : { المشركون يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } ، يعني : من عذاب دائم . قرأ ابن عامر { تُنجِيكُم } بالتشديد ، والباقون بالتخفيف ، وهما لغتان . أنجاه ونجاه بمعنى واحد . ثم بيَّن لهم تلك التجارة ، فقال عز وجل : { تُؤْمِنُونَ بالله } يعني : تصدقون بتوحيد الله { وَرَسُولُهُ } يعني : وتصدقون برسوله ، وبماء جاء به من عنده . { وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ } ، فقدم ذكر المال ، لأن الإنسان ربما يضر بماله ما لا يضر بنفسه ، ولأنه إذا كان له مال ، فإنه يؤخذ به النفس ليغزو . { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } يعني : التصديق والجهاد خير لكم من تركهما . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } يعني : تعلمون ثواب الله تعالى ، ويقال : يعلمون يعني : يصدقون .
ثم بين ثواب ذلك العمل . فقال : { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } يعني : إن فعلتم ذلك العمل ، يغفر لكم ذنوبكم . { وَيُدْخِلْكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار ومساكن طَيّبَةً } يعني : يدخلكم منازل الجنة { فِى جنات عَدْنٍ ذَلِكَ الفوز العظيم } يعني : النجاة الوافرة . ثم قال عز وجل : { وأخرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مّن الله } يعني : تجارة أخرى تحبونها { نَصْرٌ مّن الله } يعني : ولكم سوى الجنة أيضاً عدة أخرى في الدنيا تحبونها ، ويقال : معناه ونجاة أخرى تحبونها { نَصْرٌ مّن الله } يعني : هي النصرة من الله تعالى على عدوكم ، { وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } يعني : ظفراً سريعاً عاجلاً في الدنيا والجنة في الآخرة .
ثم قال : { وَبَشّرِ المؤمنين } يعني : بشرهم بالجنة . ثم قال عز وجل : { المؤمنين يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ أنصار الله } ، قرأ ابن كثير ، ونافع وأبو عمرو { أَنصَار الِلَّهِ } بالتنوين ، والباقون { أَنْصَارُ الله } بالإضافة ، ومعناهما واحد يعني : كونوا أعوان الله بالسيف على أعدائه ، ومعناه : انصروا الله ، وانصروا دين الله ، وانصروا محمداً صلى الله عليه وسلم ، كما نصر الحواريون عيسى ابن مريم . وهو قوله تعالى : { كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أنصارى إِلَى الله } يعني : من أعواني إلى الله ، ويقال : إنما سموا الحواريون لبياض ثيابهم ، ويقال : كانوا قصارين ، ويقال : خلصاؤه وصفوته . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الزُّبَيْرُ ابنُ عِمَّتِي وَحَوَارِيَّ مِنْ أُمَّتِي » . وتأويل الحواريين في اللغة ، الذين أخلصوا وتبرؤوا من كل عيب؛ وكذلك الدقيق الحواري ، لأنه ينتقى من لباب البرّ . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم ، وكانوا صيادين . وروى عبد الرزاق ، عن معمر قال : تلا قتادة { المؤمنين يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ أنصار الله } قال : وقد كان ذلك بحمد الله جاءه السبعون ، فبايعوه عند العقبة فنصروه وآووه ، حتى أظهر الله دينه . (4/282)
{ قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله } يعني : نحن أعوانك مع الله ، { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ أنصار } يعني : بعيسى عليه السلام ويقال : فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد صلى الله عليه وسلم ، { وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ } يعني : جماعة منهم . { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ أنصار } يعني : قوينا الذين آمنوا على عدوهم من الكفار ، { فَأَصْبَحُواْ ظاهرين } ، فصاروا غالبين بالنصرة ، والحجة؛ والله أعلم بالصواب .
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)
قوله تعالى : { يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } ، وقد ذكرناه . { الملك القدوس } يعني : الملك الذي يملك كل شيء ، ولا يزال ملكه القدوس يعني : الطاهر عن الشريك والولد . قرىء في الشاذ : { الملك القدوس } بالضم ومعناه هو الملك القدوس؛ وقرأه العامة بالكسر ، فيكون نعتاً لله تعالى : { العزيز } في ملكه ، { الحكيم } في أمره . (4/283)
ثم قال : { هُوَ الذى بَعَثَ فِى الاميين } يعني : في العرب . والأميون الذين لا يكتبون ، وهو ما خلقت عليه الأمة قبل تعلم الكتابة . { رَسُولاً مّنْهُمْ } يعني من قومهم العرب . { يَتْلُو عَلَيْهِمْ } يعني : يقرأ عليهم { ءاياته } يعني : القرآن ، { وَيُزَكّيهِمْ } يعني : يدعوهم إلى التوحيد ، ويطهرهم به من عبادة الأوثان؛ ويقال : { يُزَكّيهِمْ } يعني : يصلحهم ، ويقال : يأمرهم بالزكاة . { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب } يعني : القرآن { والحكمة } يعني : الحلال والحرام . { وَإِن كَانُواْ } يعني : وقد كانوا { مِن قَبْلُ } أن يبعث إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم ، { لَفِى ضلال مُّبِينٍ } يعني : لفي خطأ بيِّن يعني : الشرك .
{ وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ } يعني : التابعين من هذه الأمة ممن بقي ، { لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } يعني : لم يكونوا بعد فسيكونون . وروى جويبر ، عن الضحاك في قوله : { ءاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } قال : يعني : من أسلم من الناس ، وعمل صالحاً إلى يوم القيامة من عربي وعجمي . ثم قال : { وَهُوَ العزيز الحكيم } يعني : العزيز في ملكه ، الحكيم في أمره .
قوله تعالى : { ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ } يعني : الإسلام فضل الله يؤتيه { مَن يَشَآء } يعني : يعطيه من يشاء ، ويكرم به من يشاء من كان أهلاً لذلك . { والله ذُو الفضل العظيم } يعني : ذو المنّ العظيم لمن اختصه بالإسلام . ثم قال : { مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة } يعني : صفة الذين علموا التوراة ، وأمروا بأن يعملوا بما فيها . { ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } ، أي : لم يعملوا بما أمروا فيها من الأمر والنهي وبيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم . ويقال : { مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة } وأمروا بأن يحملوا تفسيرها ، ثم لم يحملوها يعني : لم يعلموا تفسيرها ، فمثلهم { كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً } يعني : يحمل كتباً ولا يدري ما فيها ، كما لا يدري اليهود ما حملوا من التوراة . ثم قال : { بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئايات الله } يعني : بئس مثل القوم ضربنا لهم الأمثال ، ويقال : بئس صفة القوم الذين كذبوا بآيات الله ، يعني : جحدوا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم . { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } يعني : إلى طريق الجنة اليهود الذين لا يرغبون في الحق .
وقوله تعالى : { قُلْ ياأيها الذين هَادُواْ } يعني : مالوا عن الإسلام والحق إلى اليهودية .
{ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ } يعني : إن ادعيتم وقلتم إنكم { أَوْلِيَاء لِلَّهِ } يعني : أحباباً لله . { مّن دُونِ الناس } يعني : من دون المؤمنين ، { فَتَمَنَّوُاْ الموت } يعني : سلوا الموت ، فقولوا : اللهم أمتنا . { إِن كُنتُمْ صادقين } بأنكم أولياء الله من دون المؤمنين . { وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً } يعني : لا يسألون أبداً { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } يعني : بما عملت وأسلفت أيديهم . { والله عَلِيمٌ بالظالمين } يعني : عليماً بحالهم بأنهم لا يتمنون الموت . { قُلْ إِنَّ الموت الذى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ ملاقيكم } أي : تكرهون الموت ، يعني : نازل بكم لا محالة . { ثُمَّ تُرَدُّونَ } يعني : ترجعون في الآخرة . { إلى عالم الغيب والشهادة } ، وقد ذكرناه { فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يعني : يخبركم ويجازيكم بما كنتم تعملون في الدنيا . (4/284)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)
قوله عز وجل : { ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ للصلاة } يعني : إذا أذن للصلاة { مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله } يعني : امضوا إلى الصلاة فصلوها . ويقال : { إلى ذِكْرِ الله } يعني : الخطبة فاستمعوها . وروى الأعمش ، عن إبراهيم قال : كان ابن مسعود يقرأ : ( فامضوا إلى ذكر الله ) ويقول : لو قرأتها فاسعوا ، لسعيت حتى يسقط ردائي . وقال : القتبي : السعي على وجه الإسراع في المشي كقوله تعالى : { وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى قَالَ ياموسى إِنَّ الملا يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخرج إِنِّى لَكَ مِنَ الناصحين } [ القصص : 20 ] والسعي : العمل كقوله تعالى : { وَمَنْ أَرَادَ الاخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } [ الإسراء : 19 ] وقال : { إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى } [ الليل : 4 ] ، والسعي : المشي ، كقوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ولكن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجعل على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ البقر : 260 ] وكقوله تعالى : { ياأيها الذين ءامنوا إِذَا نُودِىَ للصلاة مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ الجمعة : 9 ] وقال الحسن في قوله تعالى : { فاسعوا إلى ذِكْرِ الله } قال : ليس السعي بالأقدام ، ولكن سعي بالنية ، وسعي بالقلب ، وسعي بالرغبة . (4/285)
ثم قال : { وَذَرُواْ البيع } ، ولم يذكر الشراء ، لأنه لما ذكر البيع ، فقد دل على الشراء . ومعناه : اتركوا البيع والشراء . وقال جماعة من العلماء : لو باع بعد الأذان يوم الجمعة ، لم يجز البيع . وقال الزهري : يحرم البيع يوم الجمعة عند خروج الإمام . وروى جويبر ، عن الضحاك أنه قال : إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ الجُمُعَةِ ، حَرُمَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْع ، وَلَوْ كُنْت قَاضِيّاً لَرَدَدْتُهُ .
وروى معمر ، عن الزهري قال : الأَذَان الَّذِي يُحرمُ نِيَّةَ الْبَيْعِ عِنْدَ خُروجِ الإمَامِ وَقْتَ الخُطْبَةِ ، وقال الحسن : إذَا زَالَتِ الشَّمْسِ ، فَلا تَشْتَرِ وَلا تَبِعْ . وقال محمد : يُحْرَمُ البَيْعُ عِنْدَ النِّداءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ عِنْدِ الصَّلاةِ . وروى عكرمة ، عن ابن عباس قال : لا يَصحُّ البَيْعُ وَالشِّراءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يُنَادَى بِالصَّلاةِ حَتَّى تَنْقَضِي . وقال عامة أهل الفتوى من الفقهاء : إنَّ البَيْعَ جَائِزٌ فِي الحُكْمِ لأنَّ النَّهْيَ لأَجْلِ الصَّلاةِ وَلَيْسَ بِمَانِعٍ لِمَعْنًى فِي الْبَيْعِ . ثم قال : { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } يعني : السعي إلى الصلاة ، وترك الشراء والبيع . والاستماع إلى الخطبة ، خير لكم من الشراء والبيع . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } يعني : فاعلموا ذلك . وكل ما في القرآن { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } إن كنتم مؤمنين ، فهو بمعنى التقرير والأمر .
ثم قال عز وجل : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة } يعني : فرغتم من الصلاة ، { فانتشروا فِى الارض وابتغوا مِن فَضْلِ الله } يعني : اطلبوا الرزق من الله تعالى بالتجارة والكسب .
اللفظ لفظ الأمر ، والمراد به الرخصة ، كقوله : { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله وَلاَ الشهر الحرام وَلاَ الهدى وَلاَ القلائد ولا ءَامِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ ورضوانا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ آلْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وهي رخصة بعد النهي . { واذكروا الله كَثِيراً } يعني : واذكروا الله باللسان ، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } يعني : لكي تنجوا . ثم قال عز وجل : { وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً } ، قال مجاهد : اللهو هو الضرب بالطبل ، فنزلت الآية حين قدم دحية بن خليفة الكلبي . وروى سالم ، عن جابر قال : أقبلت عير ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن نصلي الجمعة ، فانفض الناس إليهم ، فما بقي غير اثني عشر رجلاً ، فنزلت الآية { وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً } . { انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً } . (4/286)
وروى معمر ، عن الحسن : أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء سعر ، فقدمت عير والنبي صلى الله عليه وسلم قائم ، يخطب يوم الجمعة ، فسمعوا بها فخرجوا إليها ، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم . قال الله تعالى : وتركوك قائماً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « وَلَوْ اتَّبَعَ آخِرُهُمْ أَوَّلَهُمْ لالْتَهَبَ الْوَادِي عَلَيْهِمْ نَاراً » . قال معمر ، عن قتادة قال : لم يبق يومئذ معه إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة ، ويقال : إن أهل المدينة كانوا إذا قدمت عير ، ضربوا بالطبل وخرج الناس ، فنزل { وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } والمعنى خرجوا إليها ، يعني : إلى التجارة ، ويقال : { إِلَيْهَا } يعني : جملة ما رأوا من اللهو والتجارة . وتركوك قائماً على المنبر . { قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مّنَ اللهو } يعني : ثواب الله تعالى خير من اللهو { وَمِنَ التجارة والله خَيْرُ الرزقين } وخير المعطين؛ والله أعلم بالصواب ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم .
إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6)
قوله تعالى : { إِذَا جَاءكَ المنافقون } ، إذا حرف من حروف التوقيت ، وجوابه قوله : { فاحذرهم } وهذا إعلام من الله تعالى بنفاقهم وكذبهم وغرورهم . { قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } يعني : يقولون ذلك بلسانهم دون قلوبهم . { والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } من غير قولهم . { والله يَشْهَدُ } يعني : يبيِّن { إِنَّ المنافقين لكاذبون } يعني : إنهم مصدقون في قولهم ، ولكنهم كاذبون بأنهم أرادوا به الإيمان . (4/287)
ثم قال عز وجل : { اتخذوا أيمانهم جُنَّةً } يعني : حلفهم جُنَّة من القتل ، وقرأ بعضهم : اتخذوا إيمانهم بكسر الألف ، يعني : اتخذوا إظهارهم الإسلام وتصديقهم ستراً . لأنفسهم ، وقراءة العامة : { اتخذوا أيمانهم } بالنصب يعني : استتروا بالحلف . وكلما ظهر نفاقهم ، حلفوا كاذبين . ثم قال : { فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } يعني : صرفوا الناس عن دين الله وهو الإسلام . { إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعني : بئس ما كانوا يعملون ، حيث أظهروا الإيمان وأسروا الكفر ، وصدوا الناس عن الإيمان .
{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } يعني : ذلك الحلف وصرف الناس عن الإيمان بأنهم { ءامَنُواْ } يعني : أقروا باللسان علانية ، { ثُمَّ كَفَرُواْ } يعني : كفروا في السر . { فَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ } بالكفر ، { فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } الهدى ولا يرغبون فيه .
قوله تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ } يعني : المنافقين ، { تُعْجِبُكَ أجسامهم } يعني : عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق ، كان رجلاً جسيماً فصيحاً يعني : يعجبك منظرهم وفصاحتهم . { وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } يعني : تصدقهم فتحسب أنهم محقون . { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } ، قال مقاتل : فيها تقديم ، يقول : كأن أجسامهم خشب مسندة بعضها على بعض قائماً ، وإنها لا تسمع ولا تعقل ، ويقال : { خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } يعني : خشب أسند إلى الحائط ، ليس فيها أرواح ، فكذلك المنافقون لا يسمعون الإيمان ولا يعقلون . قرأ الكسائي ، وأبو عمرو ، وابن كثير في إحدى الروايتين { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ } بجزم الشين ، والباقون بالضم ، ومعناهما واحد ، وهو جماعة الخشب .
فوصفهم بتمام الصور ، ثم أعلم أنهم في ترك التفهم بمنزلة الخشب . ثم قال : { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } ، فوصفهم بالجبن أي : كلما صاح صائح ، ظنوا أن ذلك لأمر عليهم ويقال : إن كل من خاطب النبي صلى الله عليه وسلم ، كانوا يخافون ويظنون أنه مخاطب يخاطبه في أمرهم ، وكشف نفاقهم . ثم أمر أن يحذرهم ، وبيّن أنهم أعداؤه فقال : { هُمُ العدو } يعني : هم أعداؤك ، { فاحذرهم } ولا تأمن من شرهم . ثم قال : { قاتلهم الله } يعني : لعنهم { أنى يُؤْفَكُونَ } يعني : من أين يكذبون؟ ويقال : من أين يصرفون عن الحق؟ .
ثم قال عز وجل : { وَإِذْ قِيلَ لَهُم تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ } يعني : عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار وأعرضوا عنه .
وذلك أن عبد الله بن أبي ابن سلول قيل له : يا أبا الحباب قد أنزل فيك آي : شداد ، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك ، فلوى رأسه ثم قال : أمرتموني أن أؤمن ، فقد آمنت . وامرتموني أن أعطي زكاة مالي ، فقد أعطيت . وما بقي إلا أن أسجد لمحمد صلى الله عليه وسلم . قرأ نافع { لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ } بالتخفيف ، والباقون بالتشديد . ومن قرأ بالتخفيف ، فهو من لوى يلوي؛ ومن قرأ بالتشديد ، فهو للتكثير . ثم قال : { وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } يعني : يعرضون عن الاستغفار مستكبرين عن الإيمان في السر . ثم أخبر : أن الاستغفار لا ينفعهم ، ما داموا على نفاقهم ، فقال : { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } ، لأنهم منافقون . { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } يعني : لا يرشدهم إلى دينه ، لأنهم لا يرغبون فيه . (4/288)
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)
ثم قال : { هُمُ الذين يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ } يعني : يتفرقوا . وروى سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : كنا في غزوة ، فكسح رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال الأنصاري يا للأنْصارِ وقال : المهاجري : يا للمهاجرين . فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ ، دَعُوهَا فَإنَّهَا فِتْنَةٌ " . فقال عبد الله بن أبي : والله لئن رجعنا إلى المدينة ، ليخرجن الأعز منها الأذل . فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب رأس هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دَعْهُ لا يَتَحَدَّث النَّاسُ أنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أصْحَابَهُ " . (4/289)
وروى معمر ، عن قتادة أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله ، فإنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا . قال : فاقتتل رجلان ، أحدهما من جهينة ، والآخر من غفار؛ وكانت جهينة حليف الأنصار ، فظهر عليهم الغفاري ، فقال رجل منهم عظيم النفاق يعني : عبد الله بن أبي : عليكم صاحبكم حليفكم ، فوالله ما مثلنا ومثل محمد صلى الله عليه وسلم إلا كما قال القائل : سمِّن كلبك يأكلك . أما والله لئن رجعنا إلى المدينة . ليخرجن الأعز منها الأذلّ .
وروى معمر ، عن الحسن : أن غلاماً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا نبي الله ، إني سمعت أن عبد الله بن أبي يقول كذا . فقال : فلعلك غضبت عليه . فقال : أما والله يا نبي الله ، فلقد سمعته يقول ، فقال : فلعله أخطأ سمعك . فقال : لا والله يا نبي الله ، لقد سمعته يقول . فأنزل الله تعالى تصديقاً للغلام { لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة } . فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذن الغلام ، وقال : «وَعَتْ أُذُنُكَ يَا غُلامُ» ، فنزل قوله تعالى : { هُمُ الذين يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ } قال الله تعالى : { وَلِلَّهِ خَزَائِنُ * السموات والارض } يعني : مفاتيح السموات وهي المطر والرزق ، ومفاتيح الأرض وهي النبات . { ولكن المنافقين لاَ يَفْقَهُونَ } أمر الله تعالى .
{ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الاعز مِنْهَا الاذل } يعني : القوي { مِنْهَا } يعني : من المدينة الذليل يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه . قال الله تعالى : { وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ } يعني : المقدرة والمنعة لله ولرسوله . { وَلِلْمُؤْمِنِينَ } ، حيث قواهم الله تعالى ونصرهم { ولكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ } يعني : لا يصدقون في السر . ويقال : { وَلِلَّهِ العزة } يعني : القدرة ، ويقال : نفاذ الأمر { وَلِرَسُولِهِ } ، وهو عزة النبوة والرسالة { وَلِلْمُؤْمِنِينَ } ، وهو عز الإيمان والإسلام ، أعزهم الله في الدنيا والآخرة .
ولكن المنافقين لا يعلمون . (4/290)
ثم قال عز وجل : { يَعْلَمُونَ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أموالكم } يعني : لا تشغلكم أموالكم { وَلاَ أولادكم عَن ذِكْرِ الله } يعني : عن طاعة الله تعالى . { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } يعني : من لم يعمل بطاعته ولم يؤمن بوحدانيته ، { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } يعني : المغبونين بذهاب الدنيا وحرمان الآخرة . ثم قال عز وجل : { وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم } يعني : تصدقوا مما رزقناكم ، أي : مما رزقكم الله من الأموال . { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } يعني : يقول : يا سيدي ردني إلى الدنيا ، { فَأَصَّدَّقَ } يعني : فأتصدق ، ويقال : أصدق بالله . { وَأَكُن مّنَ الصالحين } يعني : أفعل كما فعل المؤمنون .
وروى الضحاك ، عن ابن عباس أنه قال : من كان له مال يجب فيه الزكاة فلم يزكه ، أو مال يبلغه بيت الله فلم يحج ، سأل عند الموت الرجعة قال : فقال رجل : اتق الله يا ابن عباس ، سألت الكفار الرجعة . قال : إني أقرأ عليك بهذا القرآن ، ثم قرأ { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } إِلَى قَولِه : { فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصالحين } فقال رجل : يا ابن عباس ، وما يوجب الزكاة؟ قال : مائتان فصاعداً . قال : فما يوجب الحج؟ قال : الزاد والراحلة . قرأ أبو عمرو ، { فَأَصَّدَّقَ } بالواو وفتح النون ، والباقون { إِلَيْهِنَّ وَأَكُن } بحذف الواو بالجزم . فمن قرأ { أَكُونَ } لأن قوله : { فَأَصَّدَّقَ } جواب لولا أخبرتني بالفاء ، فأكون معطوفاً عليه . ومن قرأ { وَأَكُن } ، فإنه عطفه على موضع { فَأَصَّدَّقَ } ، لأنه على معنى إن أخرتني أصدق وأكن ، ولم يعطفه على اللفظ . قال أبو عبيدة : قرأت في مصحف عثمان هكذا بغير واو . ثم قال : { وَلَن يُؤَخّرَ الله نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا } يعني : إذ جاء وقتها . { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الخير والشر ، فيجازيكم . قرأ عاصم في رواية أبي بكر { يَعْلَمُونَ } بالياء على معنى الخبر عنهم ، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة والله أعلم .
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6)
قوله تعالى : { يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض لَهُ الملك } أي : له الملك الدائم الذي لا يزول ، يعني : يحمده المؤمنون في الدنيا وفي الجنة . كما قال : { وَلَهُ الحمد } في الأولى والآخرة ، ويقال : { لَهُ الحمد } يعني : هو المحمود في شأنه ، وهو أهل أن يحمد ، لأن الخلق كلهم في نعمته . فالواجب عليهم أن يحمدوه . ثم قال : { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } يعني : قادر على ما يشاء . (4/291)
{ هُوَ الذى خَلَقَكُمْ } يعني : يخلقكم من نفس واحدة ، { فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } يعني : منكم من يصير كافراً ، ومنكم من يصير أهلاً للإيمان ويؤمن بتوفيق الله تعالى . ويقال : منكم من خلقه كافراً ، ومنكم من خلقه مؤمناً؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ألا إنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى » . وإلى هذا ذهب أهل الجبر . ويقال : { فَمِنكُمْ كَافِرٌ } يعني : كافر بأن الله تعالى خلقه ، وهو كقوله : { قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَه مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ } [ عبس : 17/18 ] وكقوله : { قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } [ الكهف : 37 ] ، ويقال : { فَمِنكُمْ كَافِرٌ } يعني : كافراً في السر وهم المنافقون { وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } وهم المخلصون . ويقال : هذا الخطاب لجميع الخلق ، ومعناه : هو الذي خلقكم ، فمنكم كافر بالله وهم المشركون ، ومنكم مؤمن وهم المؤمنون ، يعني : استويتم في خلق الله إياكم ، واختلفتم في أحوالكم ، فمنكم من آمن بالله ، ومنكم من كفر . ثم قال : { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يعني : عليماً بما تعملون من الخير والشر .
ثم قال عز وجل : { خُلِقَ السموات والارض بالحق } يعني : بالحق والحجة والثواب والعقاب . { وَصَوَّرَكُمْ } يعني : خلقكم ، { فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } يعني : خلقكم على أجمل صورة . وهذا كقوله : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [ التين : 4 ] وكقوله : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ وحملناهم فِى البر والبحر ورزقناهم مِّنَ الطيبات وفضلناهم على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } [ الإسراء : 70 ] ثم قال : { وَإِلَيْهِ المصير } يعني : إليه المرجع في الآخرة ، فهذا التهديد يعني : كونوا على الحذر . لأن مرجعكم إليه . ثم قال : { يَعْلَمُ مَا فِى السموات والارض } يعني : من كل موجود . { وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } يعني : ما تخفون وما تضمرون في قلوبكم ، وما تظهرون وتعلنون بألسنتكم . { والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } يعني : عليماً بسرائركم .
ثم قال الله عز وجل : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } . اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به التوبيخ والتقريع ، يعني : قد أتاكم خبر الذين كفروا من قبلكم . { فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } يعني : أصابتهم عقوبة ذنبهم في الدنيا . ثم أخبر : أن ما أصابهم في الدنيا ، لم يكن كفارة لذنوبهم ، فقال : { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة ثم بين السبب الذي أصابهم به العذاب ، فقال : { ذلك } العذاب . { بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات } يعني : بالأمر والنهي ، ويقال : { بالبينات } يعني : بالدلائل والحجج . { فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } يعني : آدمياً مثلنا يرشدنا ويأتينا بدين غير دين آبائنا؟ { فَكَفَرُواْ } يعني : جحدوا بالرسل والكتاب ، { وَتَوَلَّواْ } يعني : أعرضوا عن الإيمان . { واستغنى الله } تعالى عن إيمانهم . { والله غَنِىٌّ حَمِيدٌ } عن إيمان العباد { حَمِيدٌ } في فعاله ، يقبل اليسير ويعطي الجزيل .
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)
ثم قال عز وجل : { زَعَمَ الذين كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ } يعني : مشركي العرب ، زعموا أن لن يبعثوا بعد الموت . { قُلْ } يا محمد { بلى وَرَبّى لَتُبْعَثُنَّ } . فهذا قسم أقسم أنهم يبعثون بعد الموت . { ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ } يعني : تخبرون بما عملتم في دار الدنيا ، ويجزون على ذلك . ثم قال : { وَذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ } يعني : البعث والجزاء على الله هين . (4/292)
قوله تعالى : { قُلْ ياأيها الناس } يعني : صدقوا بوحدانية الله تعالى ، وصدقوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم . { والنور الذى أنزلناه } يعني : صدقوا بالقرآن الذي نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم ، فسمى القرآن نوراً ، لأنه يهتدى به في ظلمة الجهالة والضلالة ، ويعرف به الحلال والحرام . ثم قال : { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } يعني : عالم بأعمالكم فيجازيكم بها .
ثم قال : { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ } يعني : تبعثون في يوم يجمعكم { لِيَوْمِ الجمع } يعني : يوم تجمع فيه أهل السماء وأهل الأرض ، ويجمع فيه الأولون والآخرون . قرأ يعقوب الحضرمي { يَوْمٍ } بالنون ، وقراءة العامة بالياء ومعناهما واحد . ثم قال : { الجمع ذَلِكَ يَوْمُ التغابن } يعني : يغبن فيه الكافر نفسه . وأصله ومنازله في الجنة ، يعني : يكون له النار مكان الجنة ، وذلك هو الغبن والخسران . ثم قال : { وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صالحا } يعني : يوحد الله تعالى ويؤدِّي الفرائض . { يُكَفّرْ عَنْهُ سيئاته } يعني : ذنوبه ، { وَيُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الفوز العظيم } يعني : النجاة الوافرة . قرأ نافع ، وابن عامر { نَّكْفُرَ } و { ندخله } كلاهما بالنون ، والباقون كلاهما بالياء ، ومعناهما واحد .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (12) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)
ثم وصف حال الكافرين فقال عز وجل : { الميمنة والذين كَفَرُواْ بئاياتنا } يعني : بالكتاب والرسول . { أُوْلَئِكَ أصحاب النار خالدين فِيهَا وَبِئْسَ المصير } يعني : بئس المرجع الذي صاروا إليه المغبونين . ثم قال عز وجل : { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } يعني : ما أصاب بني آدم من شدة ومرض وموت الأهلين ، { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } يعني : إلا بإرادة الله تعالى وبعلمه . { وَمَن يُؤْمِن بالله } يعني : يصدق بالله على المصيبة ، ويعلم أنها من الله تعالى ، { يَهْدِ قَلْبَهُ } يعني : إذا ابتلي صبر ، وإذا أنعم عليه شكر ، وإذا ظلم غفر . وروي ، عن علقة بن قيس : أن رجلاً قرأ عنده هذه الآية ، فقال : أتدرون ما تفسيرها؟ وهو أن الرجل المسلم ، يصاب بالمصيبة في نفسه وماله ، يعلم أنها من عند الله تعالى ، فيسلم ويرضى . ويقال : { مَن يُؤْمِنُ بالله يَهْدِ قَلْبَهُ } للاسترجاع يعني : يوفقه الله تعالى لذلك . { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } أي : عالم بثواب من صبر على المصيبة . (4/293)
ثم قال عز وجل : { وَأَطِيعُواْ الله } يعني : أطيعوا الله في الفرائض ، { وَأَطِيعُواْ الرسول } في السنن . ويقال : أطيعوا الله في الرضا بما يقضي عليكم من المصيبة ، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الصبر وترك الجزع . { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } يعني : أبيتم وأعرضتم عن طاعة الله وطاعة رسوله . { فَإِنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين } أي : ليس عليه أكثر من التبليغ ثم وحَّد نفسه ، فقال عز وجل : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } يعني : لا ضار ، ولا نافع ، ولا كاشف إلاَّ هو . { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } يعني : على المؤمنين أن يتوكلوا على الله ، ويفوضوا أمرهم إليه .
قوله تعالى : { المؤمنون يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أزواجكم وأولادكم عَدُوّاً لَّكُمْ } ، حين يمنعونكم الهجرة ، { فاحذروهم } أن تطيعوهم في ترك الهجرة . روى سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن قوماً أسلموا بمكة ، فأرادوا أن يخرجوا إلى المدينة ، فمنعهم أزواجهم وأولادهم . فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ، رأوا الناس قد فقهوا في الدين ، فأرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم ، فنزل قوله تعالى : { المؤمنون يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أزواجكم وأولادكم عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم } . { وَأَن تَعْفُواْ } يعني : تتركوا عقابهم ، { وَتَصْفَحُواْ } يعني : وتتجاوزوا ، { وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لذنوب المؤمنين { رَّحِيمٌ } بهم .
ثم قال : { إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ } يعني : الذين بمكة بلية لا يقدر الرجل على الهجرة . روي ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا ، فأقبل الحسن والحسين يمشيان ويعثران . فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نزل إليهما وأخذهما واحداً من هذا الجانب ، وواحداً من هذا الجانب . ثم صعد المنبر ، فقال : « صَدَقَ الله { إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ } . لَمَّا رَأَيْتُ هاذين الغُلامَيْنِ ، لَمْ أَصْبِرْ أَنْ قَطَعْتُ كَلامِي ، وَنَزَلْتُ إِلَيْهِمَا » . ثم أتم الخطبة . ثم قال : { والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } أي : ثواب عظيم ، لمن آمن ولمن لم يعص الله تعالى لأجل الأموال والأولاد وأحسن إليهم .
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)
ثم قال عز وجل : { فاتقوا الله مَا استطعتم } يعني : على قدر ما أطقتم . { واسمعوا } يعني : اسمعوا ما تؤمرون به من المواعظ . { وَأَطِيعُواْ } يعني : وأطيعوا الله والرسول . { وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لاِنفُسِكُمْ } يعني : تصدقوا خيراً ، يعني : وأنفقوا من أموالكم في حق الله تعالى { لانفُسِكُمْ } يعني : ثوابه لأنفسكم ، ويكون زاداً لكم إلى الجنة . ويقال معناه : تصدقوا خيراً لأنفسكم من إمساك الصدقة . { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } يعني : يدفع البخل عن نفسه ، { فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } يعني : الناجين السعداء . (4/294)
وقوله تعالى : { إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً } يعني : صادقاً من قلوبكم . { يضاعفه لَكُمْ } يعني : القرض يضاعف حسناتكم . ويقال : { يضاعفه لَكُمْ } يعني : الله تعالى يضاعف القرض لكم ، فيعطي للواحد عشرة . إلى سبعمائة ، إلى ما لا يحصى . { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } يعني : يغفر لكم ذنوبكم . { والله شَكُورٌ } يعني : يقبل اليسير ويعطي الجزيل . { حَلِيمٌ } لا يعجل بالعقوبة لمن يبخل . ثم قال : { عالم الغيب والشهادة } ، وقد ذكرناه . { العزيز الحكيم } يعني : العزيز في ملكه ، الحكيم في أمره ، سبحانه وتعالى ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)
قوله تعالى : { الحكيم يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } ، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به هو وأمته ، بدليل قوله : { إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } ، فذكر بلفظ الجماعة ، فكأنه قال : يا أيها النبي ومن آمن بك ، { إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } يعني : أنت وأمتك . إذا أردتم أن تطلقوا النساء . وقال الكلبي : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم ، حين غضب على حفصة بنت عمر ، فقال : { فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } . وقال : طاهرات ، من غير جماع . (4/295)
وروى أبو إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود قال : { فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } طاهرات من غير جماع . روى سفيان ، عن عمرو بن دينار : أن ابن عباس رضي الله عنهما قرأ ( فطلقوهن لقبل عدتهن ) وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لو أن الناس أصابوا حد الطلاق ، لما ندم رجل على امرأته يطلقها ، وهي طاهرة لم يجامعها . فإن بدا أن يمسكها أمسكها ، وإن بدا له أن يخلي سبيلها خلى .
وروى عكرمة عن ابن عباس قال : الطلاق على أربعة أوجه : وجهان حلال ، ووجهان حرام . فأما الحلال ، بأن يطلقها من غير جماع ، أو يطلقها حاملاً . وأما الحرام ، بأن يطلقها حائضاً ، أو يطلقها حين جامعها . وقال الحسن : { فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } قال : إذا طهرن من الحيض من غير جماع . وقال الزهري ، وقتادة : يطلقها لقبيل عدتها . وروى ابن طاوس ، عن أبيه قال : حد الطلاق أن يطلقها قبل عدتها . قلت : وما قبل عدتها؟ قال : طاهرة من غير جماع .
ثم قال : { وَأَحْصُواْ العدة } يعني : واحفظوا العدة . فأمر الرجل بحفظ العدة ، لأن في النساء غفلة ، فربما لا تحفظ عدتها . ثم قال : { واتقوا الله رَبَّكُمْ } يعني : واخشوا الله ربكم ، فأطيعوه فيما أمركم ولا تطلقوا النساء في غير طهورهن . فلو طلقها في الحيض ، فقد أساء . والطلاق واقع عليها في قول عامة الفقهاء . ثم قال : { لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ } يعني : اتقوا الله في إخراجهن من بيوتهن لأن سكناها على الزوج ما لم تنقض عدتها ثم قال : { وَلاَ يَخْرُجْنَ } يعني : ليس لهن أن يخرجن من البيوت . ثم قال : { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } يعني : إلا أن تزني فتخرج لأجل إقامة الحد عليها ، وهو قول ابن مسعود . وقال الشعبي ، وقتادة : خروجها في العدة فاحشة . وإخراج الزوج لها في العدة معصية؛ وهكذا روي ، عن ابن عمرو ، وإبراهيم النخعي . وقال ابن عباس : الفاحشة أن تبذو على زوجها فتخرج . ثم قال : { وَتِلْكَ حُدُودُ الله } يعني : الطلاق بالسنة ، وإحصاء العدة من أحكام الله تعالى . { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله } يعني : يترك حكم الله فيما أمر من أمر الطلاق .
{ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } يعني : أضر بنفسه . (4/296)
ثم قال : { لا تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } يعني : لا تطلقها ثلاثاً ، فلعله يحدث من الحب أو الولد خير ، فيريد أن يراجعها فلا يمكنه مراجعتها . وإن طلقها واحدة ، يمكنه أن يراجعها . ثم قال : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } يعني : إذا بلغن وقت انقضاء عدتهن ، وهو مضي ثلاث حيض ولم تغتسل من الحيضة الثالثة ، { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } يعني : راجعوهن بإحسان ، يعني : أن تمسكوهن بغير إضرار . { أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } يعني : اتركوهن بإحسان . ويقال : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } يعني : انقضت عدتهن ، { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } يعني : بنكاح جديد إذا طلقها واحدة أو اثنتين .
ثم قال عز وجل : { وَأَشْهِدُوا ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ } يعني : أشهدوا على الطلاق والمراجعة فهو على الاستحباب . ويقال : على النكاح المستقبل ، فإن أراد به الإشهاد على الطلاق والمراجعة ، فهو على الاستحباب . ولو ترك الإشهاد بالمراجعة ، جاز الطلاق والمراجعة . فإن أراد به الإشهاد على النكاح ، فهو واجب ، لأنه لا نكاح إلاَّ بشهود .
ثم قال : { وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ } يعني : يا معشر الشهود ، أدوا الشهادة عند الحاكم بالعدل على وجهها لحق الله تعالى ولسبب أمر الله تعالى . ثم قال : { ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ } يعني : هذا الذي يؤمر به . { مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الاخر } أي : لا يكتم الشهادة . ثم قال : { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } يعني : يخشى الله ويطلق امرأته للسنة ، { يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } يعني : المراجعة . { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } يعني : في شأن المراجعة . ويقال : { يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } يعني : ينجو من ظلمات يوم القيامة ويرزقه الجنة . ووجه آخر : أن من اتقى الله عند الشدة وصبر ، يجعل له مخرجاً من الشدة { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } يعني : يوسع عليه من الرزق . وقال مسروق : { يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } قال : مخرجه أن يعلم أن الله هو يرزقه ، وهو يمنحه ويعطيه ، لأنه هو الرازق وهو المعطي وهو المانع . كما قال الله تعالى : { ياأيها الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السمآء والارض لاَ إله إِلاَّ هُوَ فأنى تُؤْفَكُونَ } [ فاطر : 3 ] الآية .
ثم قال عز وجل : { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ } يعني : من يثق بالله في الرزق { فَهُوَ حَسْبُهُ } يعني : الله كافيه . وروى سالم بن أبي الجعد : أن رجلاً من أشجع أسره العدو ، فجاء أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فشكا إليه ، فقال : اصبر . فأصاب ابنه غنيمة ، فجاء بهما جبريل عليه السلام { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } الآية .
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال : جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت الأم ، فما تأمرني؟ فقال : آمرك وإياها أن تستكثرا من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
فرجع إلى منزله ، فقالت له : بماذا أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : بكذا . فقالت : نعم ما أمرك به . فجعلا يقولان ذلك ، فخرج ابنه بغنيمة كثيرة ، فنزل قوله تعالى : { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ } يعني : من يثق بالله في الشدة ، يجعل له مخرجاً من الشدة . ويقال : المخرج على وجهين : أحدهما أن يخرجه من تلك الشدة ، والثاني أن يكرمه فيها بالرضا والصبر . ثم قال : { إِنَّ الله بالغ أَمْرِهِ } يعني : قاضياً أمره . قرأ عاصم في رواية حفص { بالغ أَمْرِهِ } بغير تنوين ، بكسر الراء على الإضافة ، والباقون بالتنوين { أَمَرَهُ } بالنصب ، نصبه بالفعل بمعنى يمضي أمره في الشدة والرخاء أجلاً ووقتاً . ثم قال : { قَدْ جَعَلَ الله لِكُلّ شَىْء قَدْراً } يعني : جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلاً ووقتاً ، لا يتقدم ولا يتأخر . (4/297)
قوله تعالى : { واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ } . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزل قوله : { والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قرواء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فى أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الاخر وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلك إِنْ أرادوا إصلاحا وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ بالمعروف وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ } [ البقرة : 228 ] قال معاذ بن جبل : يا رسول الله ، لو كانت المرأة آيسة لا تحيض ، كيف تعتد؟ فنزل : { واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ } والآية . أن تبلغ ستين سنة ، ويقال خمسين . { إِنِ ارتبتم } ، إن شككتم في عدتهن ، { فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ } ، فقام رجل آخر ، فقال : لو كانت صغيرة ، كيف عدتها؟ وقام آخر وقال : لو كانت حاملاً ، كيف عدتها؟ فنزل : { واللائى لَمْ يَحِضْنَ } يعني : المرأة التي لم تحض ، فعدتها ثلاثة أشهر مثل عدة الآيسة . { وأولات الاحمال أَجَلُهُنَّ } يعني : عدتهن { أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وقال عمر : لو وضعت ما في بطنها وزوجها على سريره ، قبل أن يدفن في حفرته ، لانقضت عدتها وحلت للأزواج . وروى الزهري ، عن عبد الله ، عن أبيه : أن سبيعة بنت الحارث قد وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين يوماً ، فمر بها السنابل بن بعكك ، فقال لها : أتريدين أن نتزوج؟ فقالت : نعم . قال : لا حتى يأتي عليك أربعة أشهر وعشر . فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لها قد حللت للزواج يعني : انقضت عدتك .
ثم قال : { وَمَن يَتَّقِ الله } يعني : يصبر على طاعة الله تعالى ، { يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } يعني : ييسر عليه أمره ، ويوفقه ليعمل على طاعة الله تعالى ، ويعصمه عن معاصيه . ثم قال : { ذَلِكَ أَمْرُ الله } يعني : هذا الذي ذكره حكم الله وفريضته . { أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ } يعني : أنزله في القرآن على نبيكم . { وَمَن يَتَّقِ الله } ويعمل بأحكامه وفريضته ، { يُكَفّرْ عَنْهُ سيئاته } في الدنيا ، { وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً } يعني : ثواباً في الجنة . قرأ نافع ، وابن عامر { نَّكْفُرَ * عَنْهُ } بالنون ، والباقون بالياء ، ومعناهما : يرجع إلى شيء واحد . ثم رجع إلى ذكر المطلقات .
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)
فقال عز وجل : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } يعني : أنزلوهن من حيث تسكنون فيه . { مّن وُجْدِكُمْ } يعني : من سعتكم . والوجد : القدرة والغنى . ويقال : افتقر فلان بعد وجده . ثم قال : { وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ } يعني : لا تظلموهن . { لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ } في النفقة والسكنى . { وَإِن كُنَّ أولات حَمْلٍ } يعني : إن كن المطلقات ذوات حمل ، { فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وقد أجمعوا أن المطلقة إذا كانت حاملاً فلها النفقة ، وأما إذا لم تكن حاملاً ، فإن كان الطلاق رجعياً ، فلها النفقة والسكنى بالإجماع . وإن كان الطلاق بائناً ، فلها السكنى والنفقة في قول أهل العراق . وقال بعضهم : لها السكنى ولا نفقة . (4/298)
ثم قال : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مّن } يعني : المطلقات إذا أرضعن أولادكم ، فأعطوهن أجورهن ، لأن النفقة على الأب . وأجر الرضاع من النفقة ، فهو على الأب إذا كانت المرأة مطلقة . ثم قال : { وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } هموا به واعزموا عليه ، ويقال هو أن لا تضار المرأة بالزوج ولا الزوج بالمرأة في الرضاع . ويقال : { وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ } يعني : اتفقوا فيما بينكم يعني : الزوج والمرأة يتفقان على أمر واحد : { بِمَعْرُوفٍ } يعني : بإحسان . { وَإِن تَعَاسَرْتُمْ } يعني : تضايقتم ، وهو أن يأبى أن يؤتي المرأة لأجل رضاعها ، وأبت المرأة أن ترضعه . ويقال : يعني : أراد الرجل أقل مما طلبت المرأة من النفقة ، ولم يتفقا على شيء واحد . { فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى } يعني : يدفع الزوج الصبي إلى امرأة أُخرى إن أرضعت بأقل مما ترضع الأم به . ثم قال عز وجل : { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ } يعني : ينفق على المرأة ذو الغنى على قدر غناه ، وعلى قدر عيشه وسعته ويسره . { وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } يعني : ضيق عليه رزقه ، { فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ الله } يعني : على قدر ما أعطاه الله من المال . { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَا ءاتَاهَا } يعني : لا يأمر الله نفساً في النفقة إلا ما أعطاها من المال { سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } يعني : العسر ينتظر اليسر .
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)
قوله تعالى : { وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } يعني : فكم من أهل قرية قرأ ابن كثير { وَكَأَيّن } بغير الألف ، والباقون بغير مد مع تشديد الياء ، وهما لغتان ومعناهما واحد ، يعني : وكم من قرية . { عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا } يعني : أبت وعصت عن أمر ربها يعني : عن طاعة ربها . قال مقاتل : { عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا } يعني : خالفت وعصت وقال الكلبي : العتو المعصية . وقال أهل اللغة : العتو مجاوزة الحد في المعصية . ثم قال : { وَرُسُلِهِ } يعني : عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم . { فحاسبناها حِسَاباً شَدِيداً } يعني : جازاها الله بعملها . ويقال : { ***حاسبناها } في الآخرة { فحاسبناها حِسَاباً شَدِيداً } . { وعذبناها عَذَاباً نُّكْراً } يعني : عذاباً منكراً ، على معنى التقديم يعني : عذبناها في الدنيا عذاباً شديداً ، وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً . ويقال : وحاسبناها يعني : في الدنيا يعني : جازيناها وخذلناها وحرمناها . ثم قال عز وجل : { فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا } يعني : جزاء ذنبها . { وَكَانَ عاقبة أَمْرِهَا خُسْراً } يعني : أهل القرية ، يعني : أن آخر أمرهم صار إلى الخسران والندامة . (4/299)
ثم قال : { أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } يعني : ما أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم ، ولكن مع ما أصابهم في الدنيا { أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } في الآخرة ، لأنهم لم يرجعوا عن كفرهم . ثم أمر المؤمنين بأن يعتبروا بهم ، ويثبتوا على إيمانهم ، فقال : { فاتقوا الله ياأولى الالباب } يعني : اخشوا الله وأطيعوه يا ذوي العقول من الناس . { الذين كَفَرُواْ } بالله يعني : الذين صدقوا بالله ورسوله . { قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً } يعني : كتاباً . ويقال : شرفاً وعزاً وهو القرآن . ثم قال : { رَسُولاً } يعني : أرسل إليكم رسولاً ، { يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ } يعني : يقرأ عليكم ويعرض عليكم . ويقال : { قَدْ أَنزَلَ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً } يعني : كتاباً مع رسوله ، ليتلو عليكم يعني : يقرأ عليكم { الله مبينات لّيُخْرِجَ } يعني : واضحات . ويقال : بيّن فيه الحلال والحرام . { لّيُخْرِجَ الذين ءامَنُواْ } يعني : الذين صدقوا بتوحيد الله وطاعته { وَعَمِلُواْ الصالحات } يعني : الطاعات { مِنَ الظلمات إِلَى النور } يعني : من الجهالة إلى البيان . ويقال : { لّيُخْرِجَ الذين ءامَنُواْ } اللفظ لفظ المستقبل ، والمراد به الماضي يعني : أخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ، يعني : من الكفر إلى الإيمان؛ ويقال : هو المستقبل يعني : يخرجهم من الشبهات والجهالات إلى الدلالات والبراهين؛ ويقال : ليدعو النبي صلى الله عليه وسلم ، ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان من قدرة الله الإيمان في سابق علمه .
ثم قال عز وجل : { وَمَن يُؤْمِن بالله } يعني : يصدق بالله . ويقال : يثبت على الإيمان ، { وَيَعْمَلْ صالحا } يعني : فرائض الله وسنن الرسول صلى الله عليه وسلم .
{ يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهر } . قرأ نافع ، وابن عامر : { ندخله } بالنون ، والباقون بالياء يعني : يدخله الله تعالى في الآخرة . { جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا } يعني : مقيمين في الجنة دائمين فيها . { أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً } يعني : أعد الله له ثواباً في الجنة . (4/300)
ثم قال عز وجل : { الله الذى خَلَقَ سَبْعَ * سموات وَمِنَ الارض مِثْلَهُنَّ } يعني : خلق سبع أرضين مثل عدد السماوات . { يَتَنَزَّلُ الامر بَيْنَهُنَّ } يعني : ينزل الوحي من السموات . ويقال : في كل سماء ، وفي كل أرض أمره نافذ . وقال القتبي : الأمر ، على وجوه الأمر أي القضاء ، كقوله : { إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والارض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُدَبِّرُ الامر مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذلكم الله رَبُّكُمْ فاعبدوه أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } [ يونس : 3 ] ويعني : يقضي القضاء ، وكقوله : { إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خَلَقَ السماوات والارض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُغْشِى اليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخلق والامر تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين } [ الأعراف : 54 ] أي : القضاء . والأمر : الدين ، كقوله : { وتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون } [ الأنبياء : 93 ] وكقوله : { لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور حتى جَآءَ الحق وَظَهَرَ أَمْرُ الله وَهُمْ كارهون } [ التوبة : 48 ] أي : دين الله . والأمر : القول كقوله : { وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ليعلموا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يتنازعون بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُواْ ابنوا عَلَيْهِمْ بنيانا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا } [ الكهف : 21 ] أي قولهم الأمر : العذاب ، كقوله : { يإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هاذآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } [ هود : 76 ] والأمر : القيامة ، كقوله : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سبحانه وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ النحل : 1 ] والأمر : الوحي ، كقوله : { الله الذى خَلَقَ سَبْعَ سماوات وَمِنَ الارض مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الامر بَيْنَهُنَّ لتعلموا أَنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمَا } [ الطلاق : 12 ] يعني : الوحي . والأمر : الذنب ، كقوله : { فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عاقبة أَمْرِهَا خُسْراً } [ الطلاق : 9 ] أي : جزاء ذنبها . وأصل هذا كله واحد ، لأن الأشياء كلها بأمر الله تعالى ، فسميت الأشياء أموراً .
ثم قال : { لّتَعْلَمُواْ أَنَّ الله على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } يعني : يمكنكم أن تعلموا أن الله على كل شيء قدير . { وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا } يعني : أحاط علمه بكل شيء . وروى معمر ، عن قتادة في قوله : { سَبْعَ سموات *** وَمِنَ الارض مِثْلَهُنَّ } قال : في كل سماء ، وفي كل أرض من أرضه ، وخلق من خلقه وأمر من أموره ، وقضاء من قضائه سبحانه وتعالى .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2)
قوله تعالى : { عِلْمَا ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ } ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خلا في يوم لعائشة رضي الله عنها مع جاريته مارية القبطية ، فوقعت حفصة على ذلك ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تُعْلِمِي عَائِشَةَ » وحرم مارية على نفسه ، فأخبرت حفصة عائشة بذلك ، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك ، فطلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ، فأمر الله تعالى رسوله بكفارة اليمين ، لتحريم جاريته على نفسه ، وأمره بأن يراجع حفصة ، فقال له جبريل : راجع حفصة ، فإنها صوامة قوامة ، ونزلت هذه الآية : { عِلْمَا ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ } يعني : مارية { تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أزواجك } يعني : تطلب رضا زوجتك عائشة . { والله غَفُورٌ } فيما حرم على نفسه . ويقال : غفور لذنب حفصة . { رَّحِيمٌ } حيث لم يعاقبها . (4/301)
{ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم } يعني : بيَّن الله لكم كفارة أيمانكم . ويقال : أوجب الله عليكم كفارة أيمانكم . وفي الآية وجه آخر؛ روى هشام بن عروة ، عن أبية ، عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلو والعسل ، وكان إذا صلى العصر ، دار على نسائه ، فيدنو منهن؛ فدخل على حفصة ، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس ، فسألت عائشة عن ذلك ، فقيل لها : أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل ، فسقت لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه . فقالت : أما والله لنحتالن . فذكرت ذلك لسودة ، وقالت : إذا دخل فإنه سيدنو منك ، فقولي له : أكلت المغافير؟ فإنه سيقول لك : لا . فقولي له : ما هذه الريح؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه إذا وجد منه الريح ، فإنه سيقول لك : حفصة سقتني شربة عسل . فقولي له : جرست نحلة العُرْفُط يعني : أن تلك النحلة أكلت العرفط ، وهو نبات به رائحة منكرة . وسأقول له ذلك ، وقولي له أنت يا صفية . فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سودة ، قالت سودة : لقد كدت أن أناديه وإنه لعلى الباب فرقاً منك ، فلما دنا مني ، قلت : أكلت المغافير؟ قال : لا ، قالت : فما هذه الريح؟ قال : سقتني حفصة شربة عسل . قلت : جرست نحلة العرفط . فلما دخل على صفية ، قالت له مثل ذلك ، فلما دخل على حفصة ، قالت له : يا رسول الله ، ألا أسقيك منه؟ قال : لا حاجة لي به .
وروى ابن أبي مليكة ، عن عبد الله بن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب من شراب عند سودة من العسل ، فدخل على عائشة ، فقالت له : إني أجد منك ريحاً . ثم دخل على حفصة ، فقالت : إني أجد منك ريحاً . قال : أراه من شراب شربته عند سودة ، والله لا أشربه ، فنزل : { عِلْمَا ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ } . ثم قال : { قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم } يعني : أوجب عليكم كفارة أيمانكم . { والله مولاكم } يعني : ناصركم وحافظكم { وَهُوَ العليم } بما قالت حفصة لعائشة في أمر مارية . { الحكيم } حكم بكفارة اليمين .
وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)
ثم قال عز وجل : { وَإِذَ أَسَرَّ النبى } يعني : أخفى النبي { إلى بَعْضِ أزواجه حَدِيثاً } يعني : كلاماً . { فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ } يعني : أخبرت بذلك الخبر حفصة عائشة ، { وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ } يعني : أظهر الله قولها لرسوله صلى الله عليه وسلم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة ، فأخبرها ببعض ما أخبرت عائشة ، ولم يخبرها عن الجميع ، فذلك قوله : { عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ } يعني : سكت عن بعض . ومن هذا قيل : إن الكريم لا يبالغ في العتاب . قرأ الكسائي : { عَرَّفَ } بالتخفيف يعني : جازاها ببعضه ، والباقون { عَرَّفَ } بالتشديد يعني : عرف حفصة . { فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ } يعني : لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الخبر حفصة ، { قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هذا } يعني : من أخبرك بهذا . { قَالَ نَبَّأَنِىَ } يعني : أخبرني { العليم الخبير } . (4/302)
قوله تعالى : { إِن تَتُوبَا إِلَى الله } يعني : عائشة وحفصة ، { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } يعني : مالت قلوبكما عن الحق . وذكر عن الفراء أنه قال : معناه إن لا تتوبا إلى الله ، { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } عن الحق ، ويقال : فيه مضمر ، ومعناه : إن تتوبا إلى الله يقبل الله توبتكما ، ويقال معناه إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما يعني : مالت إلى الحق . وروى الزهري ، عن عبد الله بن عباس قال : كنت مع عمر رضي الله عنه حين حج ، فلما كنا في بعض الطريق ، نزل في موضع ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، من المرأتان اللتان قال الله تعالى : { إِن تَتُوبَا إِلَى الله } ؟ فقال عمر رضي الله عنه واعجبا لك يا ابن عباس . قال الزهري : كأنه كره ما سأله عنه ، ولم يكتمه . قال : هي حفصة وعائشة رضي الله عنهما ثم قال : كنا معشر قريش قوماً نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفقن نساؤنا يتعلمن من نسائهم . فغضبت يوماً على امرأتي ، فإذا هي تراجعني . فأنكرت أن تراجعني ، فقالت ما تنكر أن أراجعك ، فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لتراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، فدخل على حفصة ، فذكرت لها ، فقالت : نعم . فقلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت ، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله؟ لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تسأليه شيئاً ، واسأليني ما بدا لك .
قال : كان لي جار من الأنصار يأتيني بخبر الوحي ، وأتاه بمثل ذلك . قال : فأتاني يوماً فناداني ، فخرجت إليه ، فقال : حدث أمر عظيم . فقلت : ماذا؟ قال : طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه ، فقلت : خابت حفصة وخسرت . فدخلت على حفصة وهي تبكي ، فقلت : أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : لا أدري ، هو ذا معتزلاً في هذه المشربة .
فأتيته ، فدخلت فسلمت عليه ، فإذا هو متكىء على رمل حصير . قد أثر في جنبه ، فقلت : أطلقت نساءك يا رسول الله؟ قال : لا . فقلت : الله أكبر ، لو رأيتنا يا رسول الله ، وكنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أقسم أن لا يدخل شهراً عليهن ، حتى نزل : { عِلْمَا ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ } إلى قوله تعالى : { إِن تَتُوبَا إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } . (4/303)
ثم قال : { وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ } يعني : تعاونا على أذاه ومعصيته ، فيكون مثلكما كمثل امرأة نوح وامرأة لوط ، تعملان عملاً تؤذيان بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . قرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي { تظاهر } بالتخفيف ، وقرأ نافع وأبو عمرو بالتشديد ، وكذلك ابن كثير وابن عامر في إحدى الروايتين ، لأن أصله تتظاهر . { عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه } يعني : وليه وناصره . { وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ } يعني : أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وأصحابه رضي الله عنهم قال : حدثنا الفقيه ابن جعفر قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن حمدان قال : حدثنا أحمد بن جرير قال : حدثنا سعيد بن هشام قال : حدثنا هشام بن عبد الملك ، عن محمد بن أبان ، عن عبد الله بن عثمان ، عن عكرمة في قوله : { وصالح الْمُؤْمِنِينَ } قال أبو بكر ، وعمر رضي الله عنهما قال عبد الله : فذكرت ذلك لسعيد بن جبير ، قال : صدق عكرمة . ويقال : { صالح المؤمنين } يعني : خيار أصحابه . ثم قال : { وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ } يعني : الملائكة أيضاً أنصار النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يعني : مع ذلك أعوان النبي صلى الله عليه وسلم .
عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8)
ثم قال : { عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ } ، فخوفهن الله تعالى بفراق النبي صلى الله عليه وسلم إياهن ، وعسى من الله واجب { إِن طَلَّقَكُنَّ } عسى ربه { أَن يُبْدِلَهُ أزواجا } . قرأ نافع ، وأبو عمرو { يُبْدِلَهُ } بتشديد الدال ، والباقون بالتخفيف ومعناهما واحد . يقال : بدَّل وأبدل . { خَيْراً مّنكُنَّ مسلمات } يعني : مستسلمات لأمر النبي صلى الله عليه وسلم . ويقال : يعني : معينات . ثم قال : { مؤمنات } يعني : مصدقات في إيمانهن ، { قانتات } يعني : مطيعات لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، { تائبات } يعني : راجعات عن الذنوب ، { عابدات } يعني : موحدات مطيعات ، { سائحات } يعني : صائمات . وقال أهل اللغة : إنما سمي الصائم سائحاً ، لأن الذي يسيح للعبادة لا زاد معه ، يمضي نهاره لا يطعم شيئاً؛ ولذلك سمي الصائم سائحاً ، { ثيبات وَأَبْكَاراً } . الثيبات : جمع الثيب؛ والأبكار : جمع البكر . وهن العذارى . ويقال : هذا وعد من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يزوجه في الجنة ، والثيب : هي آسية امرأة فرعون ، والبكر : هي مريم أم عيسى عليه السلام وهي ابنة عمران تكون وليته في الجنة ، ويجتمع عليها أهل الجنة فيزوج الله تعالى هاتين المرأتين محمداً صلى الله عليه وسلم . (4/304)
قوله تعالى : { وَأَبْكَاراً يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ } يعني : بعدوا أنفسكم عن النار بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم . { وَأَهْلِيكُمْ } يعني : أهليكم { نَارًا } بتعليمهم ما ينجيهم منها . وقال قتادة : مروهم بطاعة الله تعالى ، وانهوهم عن معصية الله . وقال مجاهد : يعني : أوصوا أهليكم بتقوى الله؛ ويقال : أدبوهم وعلموهم خيراً ، تقوهم بذلك ناراً { وَقُودُهَا } يعني : حطبها . والوقود : ما توقد به النار يعني : حطبها { الناس } إذا صاروا إليها وحطبها ، { والحجارة } قبل أن يصير الناس إليها ، وهي حجارة الكبريت .
ثم قال : { عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ } يعني : على النار ملائكة موكلين غلاظ يعني : أقوياء يعملون بأرجلهم ، كما يعملون بأيديهم { لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ } يعني : ليسوا كأعوان ملوك الدنيا يمتنعون بالرشوة ، ولكن يفعلون { مَا يُؤْمَرُونَ } يعني : لا يفعلون غير ما أمرهم الله تعالى .
ثم قال : { يُؤْمَرُونَ يأَيُّهَا الذين كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم } يعني : يقول لهم الملائكة يوم القيامة حين يعتذرون : { لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم } يعني : لا يقبل منكم العذر . { إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } يعني : تعاقبون بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي . ثم أمر المؤمنين بالتوبة عن الذنوب . فقال : { تَعْمَلُونَ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً } يعني : صادقاً في توبته ، ويقال : تنصحون لله فيها من غير مداهنة .
وروى سماك بن حرب ، عن النعمان بن بشير قال : سئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن التوبة النصوح ، فقال : هو الرجل يتوب من عمل السوء ، ثم لا يعود إليه أبداً .