صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3)
قوله تبارك وتعالى : { الذين كَفَرُواْ } أي : جحدوا بتوحيد الله تعالى ، وبالقرآن { وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } أي : صرفوا الناس عن طاعة الله ، وهو الجهاد { أَضَلَّ أعمالهم } يعني : أبْطَلَ الله حسناتهم التي عملوا في الدنيا ، لأنهم عملوا بغير إيمان ، وكل عمل يكون بغير إيمان ، فهو باطل كما قال { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الاخرة مِنَ الخاسرين } [ آل عمران : 85 ] الآية . قال الكلبي : نزلت في مطعمي بدر ، وهم رؤساء مكة ، الذين كانوا يطعمون الناس في حال خروجهم إلى بدر ، منهم أبو جهل والحارث ابنا هشام ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبي وأمية ابنا خلف ، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج ، وغيرهم . ويقال : هذا في عامة الكفار . (4/148)
وهذا كقوله : { والذين كفروا أعمالهم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فوفاه حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب } [ النور : 39 ] الآية . وروى مجاهد عن ابن عباس قال : { الذين كَفَرُواْ } هم أهل مكة { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } قال هم الأنصار ، الذين آمنوا ، يعني : صدقوا بالله تعالى ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبالقرآن وعملوا الصالحات ، يعني : أدوا الفرائض والسنن ، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن كان في مثل حالهم { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَءامَنُواْ بِمَا نُزّلَ على مُحَمَّدٍ } يعني : صدقوا بما أنزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو الحق وليس فيه باطل ، ولا تناقض { كَفَّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم } يعني : محا عنهم ذنوبهم التي عملوا في الشرك ، بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وطاعتهم لله تعالى ، فيما يأمرهم به من الجهاد { وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } يعني : حالهم . وهذا قول قتادة . وقال مقاتل : يعني : بين أمورهم في الإسلام ، وعملهم وحالهم ، حتى يدخلوا الجنة . وروى مجاهد { وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } يعني : شأنهم وقال القتبي { كَفَّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم } أي : سترها { وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } أي : حالهم . ويقال : أصلح بالهم يعني : أظهر الله تعالى أمرهم في الإسلام ، حتى يقتدى بهم .
ثم بين المعنى الذي أحبط أعمال الكافرين ، وأصلح شأن المؤمنين فقال : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } يعني : ذلك الإبطال ، بأن الذين كفروا { اتبعوا الباطل } يعني : اختاروا الشكر وثبتوا عليه ، ولم يرغبوا في الإسلام . ويقال : معناه لأنهم اختاروا الباطل على الحق ، واتباع الهوى ، على اتباع رضى الله سبحانه وتعالى { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين } وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم { اتبعوا الحق مِن رَّبّهِمْ } يعني : اتبعوا القرآن ، وعملوا به . ويقال : معناه اختاروا الإيمان على الكفر ، واتباع القرآن ، واتباع رضى الله تعالى على اتباع الهوى . قوله تعالى : { كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أمثالهم } يعني : هكذا يبين الله صفة أعمالهم . ثم حرض المؤمنين على القتال فقال :
فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)
{ فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب } يعني : اضربوا الرقاب ، صار نصباً بالأمر ، ومعناه اضربوا الأعناق ضرباً . وروى وكيع ، عن المسعودي ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ : « إِنّي لَمْ أُبْعَثُ لأُعَذِّبَ بِعَذَابِ الله ، وَإِنَّمَا بُعثْتُ بِضَرْبِ الرِّقَابِ ، وَشَدِّ الوَثَاقِ » { حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق } يعني : حتى إذا قهرتموهم وأسرتموهم ، فشدوا الوثاق يعني : فاستوثقوا أيديهم من خلفهم . ويقال الإثخان : أن يعطوا أيديهم ، ويستسلموا وقال الزجاج { حتى أَثْخَنتُمُوهُمْ } يعني : أكثرتم فيهم القتل والأسر بعد المبالغة في القتل . وقال مقاتل : حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوُهم بالسيف ، فظفرتم عليهم { فَشُدُّواْ الوثاق } يعني : الأسر . (4/149)
{ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ } يعني : عتقاً بعد الأسر ، بغير فداء { وَإِمَّا فِدَاء } يعني : يفادي نفسه بماله . وروي عن إبراهيم النخعي ، أنه قال : الإمام بالخيار في الأسرى ، إن شاء فادى ، وإن شاء قتل وإن شاء استرق . وروي عن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، أنه قال : لا أفادي ، وإن طلبوا بمدين من ذهب ، وذكر عن أبي بكر ، أنه كتب إليه في أسير ، التمسوا منه الفداء . فقال : اقتلوه ، لأَنْ أقتل رجلاً من المشركين أحب إليَّ من كذا وكذا .
قال أبو الليث : وقد كره بعض الناس قتل الأسير ، واحتج بظاهر هذه الآية { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } وقال أَصْحَابُنَا : لا بأس بقتله ، بالخبر الذي روي عن أبي بكر رضي الله عنهم . وروي عن ابن جريج ، وغيره من أهل التفسير ، أن هذه الآية منسوخة بقوله : { فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ التوبة : 5 ] ، وقد قتل النبي صلى الله عليه وسلم ابن خطل يوم فتح مكة ، بعدما وقع في منعة المسلمين ، فهو كالأسير ، وأما الفداء : فإن فادوا بأسير من المسلمين ، فلا بأس به .
كما قال إبراهيم النخعي : إن شاء فادى بالأسير ، وإن أراد أن يفتدى بمال ، لا يجوز إلا عند الضرورة ، لأن في رد الأسير إلى دار الحرب ، قوة لهم في الحرب . فكره ذلك ، كما يكره أن يحمل إليهم السلاح . للبيع . ثم قال : { حتى تَضَعَ الحرب } روي عن ابن عباس ، أنه قال : حتى تترك الكفار إشراكها ، ويوحدوا الرب تبارك وتعالى ، حتى لا يبقى إلا مسلم يعني : في ذمة المسلمين ، الذين يعطون الجزية ، وعن سعيد بن جبير قال : { فِدَاء حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا } قال خروج عيسى عليه السلام ، يكسر الصليب ، فيلقى الذئب الغنم ، فلا يأخذها ، ولا تكون عداوة بين اثنين ، وهكذا قال مجاهد ، وقال مقاتل { حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا } يعني : في مكان يقاتل سَمَّاهُم حرباً .
وقال القتبي : حتى تضع الحرب ، يعني : حتى يضع أهل الحرب السلاح . (4/150)
ثم قال عز وجل : { ذلك } يعني : افعلوا ذلك ، ثم استأنف فقال { وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ } بغير قتال ، يعني : يهلكهم { ولكن لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } يعني : لم يهلكهم ، لكي يختبرهم بالقتال ، حتى يتبين فضلهم ، ويستوجبوا الثواب . ثم قال : { والذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله } يعني : جاهدوا عدوهم في طاعة الله تعالى . { فَلَن يُضِلَّ أعمالهم } يعني : لن يبطل ثواب أعمالهم . قرأ أبو عمرو ( قُتِلُوا ) بضم القاف بغير ألف ، وهكذا روي عن عاصم في إحدى الروايتين ، يعني : الذين قتلوا يوم أحد ، ويوم بدر وفي سائر الحروب . وقرأ الباقون { والذين * قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله } بالنصب ، يعني : جاهدوا الكفار وحاربوهم .
ثم قال { سَيَهْدِيهِمْ } يعني : يجنبهم من أهوال الآخرة . ويقال : سيهديهم ، يعني : يثبتهم على الهدى { وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } وقد ذكرناه { وَيُدْخِلُهُمُ الجنة } في الآخرة { عَرَّفَهَا لَهُمْ } يعني : هداهم الله تعالى إلى منازلهم . وروى أبو المتوكل الناجي ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إِذَا أُذِنَ لأهْلِ الجَنَّةِ فِي دُخُولِهَا لأَحَدهم أَهْدَى أي : أعرف بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّةِ ، من منزله الَّذِي كَانَ فِي الدُّنَّيَا » وعن ابن مسعود ، أنه قال : ما أشبههم إلاَّ أهل الجمعة ، حين انصرفوا من جمعتهم . يعني : إن كل واحد منهم ، يهتدي إلى منزله . وقال الزجاج في قوله : { سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } أي : يصلح لهم أمر معايشهم في الدنيا ، مع ما يجازيهم في الآخرة . وهذا كما قال تعالى : { فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مُدْرَاراً } [ نوح : 10 ، 11 ] الآية . ويقال : { عَرَّفَهَا لَهُمْ } أي طيبها لهم . يقال : طعام معرف أي : مطيب . ثم حث المؤمنين على الجهاد .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)
فقال { لَهُمْ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ } يعني : إن تنصروا دين الله بقتال الكفار ، { يَنصُرْكُمُ } بالغلبة على أعدائكم { وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ } فلا تزول في الحرب . (4/151)
ثم قال تعالى : { والذين كَفَرُواْ عَرَّفَهَا لَهُمْ } يعني : بعداً ، ونكساً ، وخيبة لهم . وهو من قولك : تعست أي : عثرت ، وسقطت ، { وَأَضَلَّ أعمالهم } يعني : أبطل ثواب حسناتهم ، فلم يقبلها منهم .
ثم بيّن المعنى الذي أبطل به حسناتهم ، فقال : { ذلك } يعني : ذلك الإبطال { بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ الله } يعني : أنكروا ، وكرهوا الإيمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم . { فَأَحْبَطَ أعمالهم } يعني : ثواب أعمالهم .
ثم خوّفهم ليعتبروا فقال عز وجل : { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الارض } يعني : أفلم يسافروا في الأرض { فَيَنظُرُواْ } يعني : فيعتبروا { كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ } يعني : كيف كان آخر أمرهم . { دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ } يعني : أهلكهم الله تعالى بالعذاب { وللكافرين أمثالها } يعني : للكافرين من هذه الأمة أمثالها من العذاب ، وهذا وعيد لكفار قريش .
ثم قال : { ذلك } يعني : النصرة التي ذكر في قوله : { ياأيها الذين ءامنوا إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [ محمد : 7 ] { ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين } يعني : إن الله تبارك وتعالى ناصر أولياءه بالغلبة على أعدائهم ، { وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ } يعني : لا ناصر ، ولا ولي لهم ، لا تنصرهم آلهتهم ، ولا تمنعهم مما نزل بهم من العذاب .
ثم ذكر مستقر المؤمنين ، ومستقر الكافرين ، فقال : { إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } وقد ذكرناه ، { والذين كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ } يعني : يعيشون بما أعطوا في الدنيا ، { وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الانعام } ليس لهم هَمٌّ إِلاَّ الأكل ، والشرب ، والجماع ، { والنار مَثْوًى لَّهُمْ } أي : منزلاً ، ومستقراً لهم .
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18)
قوله تعالى : { وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } يعني : وكم من قرية فيما مضى . يعني : أهل قرية { هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً } يعني : أشد منعة ، وأكثر عدداً ، وأكثر أموالاً ، { مّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ } يعني : أهل مكة الذين أخرجوك من مكة إلى المدينة ، { أهلكناهم } يعني : عذبناهم عند التكذيب { فَلاَ ناصر لَهُمْ } يعني : لم يكن لهم مانع مما نزل بهم من العذاب ، وهذا تخويف لأهل مكة . (4/152)
قوله تعالى : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } قال مقاتل والكلبي : يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم وأبا جهل بن هشام يعني : لا يكون حال من كان على بيان من الله تعالى ، كمن حسن له قبح عمله . { واتبعوا أَهْوَاءهُمْ } بعبادة الأوثان . ويقال : هذا في جميع المسلمين ، وجميع الكافرين . لا يكون حال الكفار ، مثل حال المؤمنين في الثواب .
قوله تعالى : { مَّثَلُ الجنة } يعني : صفة الجنة { التى وُعِدَ المتقون } الذين يتقون الشرك ، والفواحش ، { فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ } قرأ ابن كثير : { مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ } بغير مد . والباقون : بالمد ، ومعناهما واحد . يعني : ماء غير منتن ، ولا متغير الطعم والريح . { وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } إلى الحموضة كما يتغير لبن أهل الدنيا من الحالة الأولى . { وأنهار مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ للشاربين } يعني : لذيذة . ويقال : { لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ } [ الواقعة : 19 ] . { وأنهار مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } ليس فيها العكر ، ولا الكدرة ، ولا الدردي ، كعسل أهل الدنيا . قال مقاتل : هذه الأنهار الأربعة تتفجر من الكوثر ، إلى أهل الجنة . ويقال : من تحت شجرة طوبى إلى أهل الجنة .
{ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات } يعني : من ألوان الثمرات { وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } لذنوبهم في الآخرة . ويقال : في الدنيا . { كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار } يعني : هل يكون حال من هو في هذه النعم ، كمن هو في النار أبداً . { وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً } أي : حاراً قد انتهى حره { فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } من شدة الحر ، فذابت أمعاؤهم ، كقوله تعالى : { يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ والجلود } [ الحج : 20 ] .
ثم قال : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } يعني : من المنافقين من يستمع إليك { حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ ءانِفاً } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم الجمعة ، وعاب في خطبته المنافقين ، فلما خرجوا من عنده ، قال بعض المنافقين لعبد الله بن مسعود ، وهو الذي أوتي العلم . ماذا قال آنفاً؟ يعني : الساعة ، على جهة الاستهزاء .
قال الله تعالى : { أُولَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ } مجازاة لهم { واتبعوا أَهْوَاءهُمْ } يعني : عملوا بهوى أنفسهم .
ثم ذكر المؤمنين ، المصدقين ، فقال : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } يعني : آمنوا بالله تعالى ، وأحسنوا الاستماع إلى ما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { زَادَهُمْ هُدًى } يعني : زادهم الله بصيرة في دينهم ، وتصديقاً لنبيهم . ويقال : زادهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هدى . ويقال : زادهم قول المنافقين واستهزاؤهم . { هُدًى } يعني : تصديقاً ، وثباتاً على الإسلام ، وشكر الله تعالى . { والذين اهتدوا } حين بيّن لهم التقوى . ويقال : ألهمهم قبول الناسخ ، وترك المنسوخ . (4/153)
قوله تعالى : { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة } أي : ما ينتظر قومك إلا قيام الساعة . يعني : فما ينتظر قومك إن لم يؤمنوا إلا الساعة { أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } يعني : فجأة { فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا } يعني : علاماتها ، وهو انشقاق القمر ، والدخان ، وخروج النبي صلى الله عليه وسلم . وروى مكحول عن حذيفة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : متى الساعة؟ فقال : « مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ : تَقَارُبُ الأَسْوَاقِ يعني : كَسَادَهَا وَمَطَرٌ وَلاَ نَبَاتَ يعني : مطر في غَيْرِ حِينِهِ ، وَتَفْشُو الْفِتْنَةُ ، وَتَظْهَرُ أَوْلادُ البَغْيَةِ ، وَيَعْظُمُ رَبُّ المَالِ ، وَتَعْلُو أصْواتُ الفَسَقَةِ فِي الْمَسِاجِدِ ، وَيَظْهَرُ أهْلُ الْمُنْكَرِ عَلَى أهْلِ الْحَقِّ » .
ثم قال : { فأنى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } يعني : من أين لهم التوبة ، إذا جاءتهم الساعة . وقال قتادة : فأنى لهم أن يتذكروا أو يتذاكروا إذا جاءتهم الساعة . وقال مقاتل : فيه تقديم . يعني : أنى لهم التذكرة ، والتوبة عند الساعة إذا جاءتهم ، وقد فرطوا فيها .
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)
قوله عز وجل : { فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله } قال الزجاج : هذه الفاء جواب الجزاء . ومعناه قد بينا ما يدل على توحيد الله ، فاعلم أنه لا إله إلا الله ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد علم أن الله تعالى واحد . إنما خاطبه والمراد به أمته . وقال : هذا الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة . ومعناه . فاثبت على إظهار قول لا إله إلا الله . يعني : ادع الناس إلى ذلك . ويقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لَيْتَنِي أَعْلَمُ أَيُّ الكَلامِ أَفْضَلُ وَأَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ . فَأَعْلَمَهُ الله تَعَالَى ، أنَّ أَفْضَلَ الكَلاَمِ التَّوْحِيدُ ، وَأَفْضَلَ الدُّعَاءِ الاسْتِغْفارُ » . (4/154)
ثم قال : { واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } روى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله ، وَأَتُوبُ إلَيْهِ ، فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ » . وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنِّي أَسْتَغْفِرُ الله تَعَالَى ، وَأَتُوبُ إلَيْهِ ، فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ » . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن جريج قال : قيل لعطاء : استغفر للمؤمنين في المكتوبة؟ قال : نعم . قلت : فمن ابتدىء؟ قال : فبنفسك ، كما قال الله تعالى : { واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } .
{ والله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } يعني : منتشركم بالنهار ، ومأواكم بالليل . ويقال : ذهابكم ، ومجيئكم .
قوله عز وجل : { وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ لَوْلاَ نُزّلَتْ سُورَةٌ } وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي ، ويستوحشون إذا أبطأ ، فاشتاقوا إلى الوحي ، فقالوا : لولا نزلت . هلاّ نزلت سورة .
قال الله تعالى : { فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ } يعني : مبينة الحلال ، والحرام { وَذُكِرَ فِيهَا القتال } يعني : أمروا فيها بالقتال . وقال قتادة : كل سورة ذكر فيها ذكر القتال فهي محكمة . وقال القتبي في قراءة ابن مسعود : سورة محدثة ، وتسمى المحدثة محكمة ، لأنها إذا نزلت تكون محكمة ما لم ينسخ منها شيء . ويقال : { فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ } فِيها ذكر القتال ، وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم فرح بها المؤمنون ، وكره المنافقون ، فذلك قوله : { رَأَيْتَ الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } يعني : الشك ، والنفاق . { يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت } كراهية لنزول القرآن . يعني : إنهم يشخصون نحوك بأبصارهم ، وينظرون نظراً شديداً من شدة العداوة ، كما ينظر المريض عند الموت . { فأولى لَهُمْ } فهذا تهديد ، ووعيد . يعني : وليهم المكروه . يعني : قل لهم احذروا العذاب ، وقد تم الكلام .
ثم قال : { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } قال القتبي : هذا مخصوص . يعني : قولهم قبل نزول الفرض ، سمعاً لك وطاعة . فإذا أمروا به كرهوا . ذلك . ويقال : معناه { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } أمثل لهم .
ويقال : معناه فإذا أنزلت سورة ذات طاعة ، يؤمر فيها بالطاعة ، وقول معروف { فَإِذَا عَزَمَ الامر } أي : جاء الجد ، ووقت القتال ، فلم يذكر في الآية جوابه . والجواب فيه مضمر . معناه : { فَإِذَا عَزَمَ الامر } يعني : وجب الأمر ، وجد الأمر ، كرهوا ذلك . (4/155)
ثم ابتدأ فقال : { فَلَوْ صَدَقُواْ الله لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } يعني : لو صدقوا الله في النبي ، وما جاء به ، لكان خيراً لهم من الشرك والنفاق .
قوله : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ } يعني : لعلكم وَإِن وليتم أمر هذه الأمة { أَن تُفْسِدُواْ فِى الارض } بالمعاصي . يعني : أن تعصوا الله في الأرض { وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } . قال السدي : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الارض } بالمعاصي { وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } فإن المؤمنين إخوة . فإذا قتلوهم ، فقد قطعوا أرحامهم . وروى جبير عن الضحاك قال : نزلت في الأمراء : { إِن تَوَلَّيْتُمْ } أمر الناس { أَن تُفْسِدُواْ فِى الارض } . ويقال : معناه إن أعرضتم عن دين الإسلام ، وعما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء ، ودفن البنات ، وقطع الأرحام ، { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ } يعني : هل تريدون إذا أنتم تركتم النبي صلى الله عليه وسلم ، وما أمركم به ، إِلاَّ أن تعودوا إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر ، والمعاصي ، وقطع الأرحام . قرأ نافع : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ } بكسر السين . والباقون : بالنصب . وهما لغتان ، إلا أن النصب أظهر عند أهل اللغة .
قوله عز وجل : { أَوْلَئِكَ الذين لَعَنَهُمُ الله } يعني : أهل هذه الصفة خذلهم الله ، وطردهم من رحمته .
قوله : { فَأَصَمَّهُمْ } عن الهدى ، فلا يعقلونه { وأعمى أبصارهم } عن الهدى : فلا يبصرونه عقوبة لهم .
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32)
قوله تعالى : { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان } يعني : أفلا يسمعون القرآن ، ويعتبرون به ، ويتفكرون فيما أنزل الله تعالى فيه ، من وعد ووعيد ، وكثرة عجائبه ، حتى يعلموا أنه من الله تعالى ، وتقدس . { أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } يعني : بل على قلوب أقفالها . يعني : أقفل على قلوبهم ومعناه : أن أعمالهم لغير الله ختم على قلوبهم . (4/156)
قوله تعالى : { إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم } يعني : رجعوا إلى الشرك { مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى } يعني : من بعد ما ظهر لهم الإسلام . قال قتادة : { إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم } وهم أهل الكتاب عرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وكفروا به . ويقال : نزلت في المرتدين .
ثم قال عز وجل : { الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ } يعني : زين لهم ترك الهدى ، وزين لهم الضلالة . { وأملى لَهُمْ ذلك } قرأ أبو عمرو : { وَأُمْلِى } بضم الألف ، وكسر اللام ، وفتح الياء على معنى فعل ما لم يسم فاعله . والباقون { وأملى } بنصب اللام ، والألف . يعني : أمهل الله لهم ، فلم يعاقبهم حين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم . ويقال : زين لهم الشيطان ، وأملى لهم الشيطان . يعني : خيل لهم تطويل المدة ، والبقاء . وقرأ يعقوب الحضرمي : { وَأُمْلِى } بضم الألف ، وكسر اللام ، وسكون الياء . ومعناه : أنا أملي يعني : أطول لهم المدة كما قال : { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } ثم قال ذلك : يعني : اللعن ، والصمم ، والعمى ، والتزين ، والإملاء . { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ الله } وهم المنافقون ، قالوا ليهود بني قريظة والنضير وهم الذين كرهوا ما نزل الله . يعني : تركوا الإيمان بما أنزل الله من القرآن ، { سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الامر } يعني : سنغنيكم في بعض الأمر ، { والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ } فيما قالوا فيما بينهم . قرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم ، في رواية حفص : { إِسْرَارَهُمْ } بكسر الألف . والباقون : بالنصب . فمن قرأ : بالنصب . فهو جمع السر . ومن قرأ : بالكسر ، فهو مصدر أسررت إسراراً . ويقال : سر وأسرار .
ثم خوفهم فقال الله تعالى : { فَكَيْفَ } يعني : كيف يصنعون { إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة } يعني : تقبض أرواحهم الملائكة ، ملك الموت ، وأعوانه ، { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم } يعني : عند قبض الأرواح . ويقال : يعني : يوم القيامة في النار . { ذلك } أي : ذلك الضرب الذي نزل بهم عند الموت ، وفي النار . { بِأَنَّهُمُ اتبعوا مَا أَسْخَطَ الله } يعني : اتبعوا الكفر ، وتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم . { وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ } يعني : عملوا بما لم يرض الله به ، وتركوا العمل بما يرضي الله تعالى . { فَأَحْبَطَ أعمالهم } يعني : أبطل ثواب أعمالهم .
قوله تعالى : { أَمْ حَسِبَ الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } يعني : أيظن أهل النفاق ، والشك ، { أَن لَّن يُخْرِجَ الله أضغانهم } يعني : لم يظهر الله نفاقهم .
ويقال : يعني : الغش الذي في قلوبهم للمؤمنين ، وعداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم . { وَلَوْ نَشَاء لاريناكهم } يعني : لعرفتك المنافقين ، وأعلمتك ، { فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم } يعني : بعلاماتهم الخبيثة . ويقال : { فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم } إذا رأيتهم . ويقال : لو نشاء ، لجعلنا على المنافقين علامة ، فلعرفتهم بسيماهم . يعني : حتى عرفتهم . { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول } يعني : ستعرفهم يا محمد بعد هذا اليوم { فِى لَحْنِ القول } يعني : في محاورة الكلام . ويقال : { فِى لَحْنِ القول } يعني : كذبهم إذا تكلموا ، فلم يخفَ على النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية ، منافق عنده إلا عرفه بكلامه . (4/157)
ثم قال : { والله يَعْلَمُ أعمالكم } يعني : لم يخف عليه أعمالكم قبل أن تعملوها ، فكيف يخفى عليه إذا عملتموها . { وَلَنَبْلُوَنَّكُم } يعني : لنختبرنكم عند القتال { حتى نَعْلَمَ } أي : نميز { المجاهدين مِنكُمْ والصابرين } يعني : صبر الصابرين عند القتال { وَنَبْلُوَ أخباركم } يعني : نختبر أعمالكم . ويقال : أسراركم . قرأ عاصم في رواية أبي بكر { وَلَيَبْلُونَّكُم حَتَّى يَعْلَمَ وَيَبْلُوَا } الثلاثة كلها بالياء . يعني : يختبركم الله . والباقون الثلاثة كلها بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه .
قوله عز وجل : { عَنْهُ وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً إِنَّ الذين كَفَرُواْ } يعني : جحدوا { وَصُدُّواْ } يعني : صرفوا الناس عن دين الإسلام { عَن سَبِيلِ الله } قال مقاتل : يعني : اليهود . وقال الكلبي : يعني : رؤساء قريش حيث شاقوا أهل التوحيد { وَشَاقُّواْ الرسول } يعني : عادوا الله تعالى ، ورسوله ، وخالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين { مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى } يعني : الإسلام ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أنه الحق { لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } يعني : لن ينقصوا الله من ملكه شيئاً بكفرهم ، بل يضروا بأنفسهم { وَسَيُحْبِطُ أعمالهم } يعني : يبطل ثواب أعمالهم التي عملوا في الدنيا ، فلا يقبلها منهم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)
قوله تعالى : { بَصِيراً ياأيها الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول } يعني : أطيعوه في السر ، كما في العلانية . ويقال : { أَطِيعُواْ الله } في الفرائض { وَأَطِيعُواْ الرسول } في السنن ، وفيما يأمركم من الجهاد { وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم } يعني : حسناتكم بالرياء . وقال أبو العالية : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع قول لا إله إلا الله ذنب ، كما لا ينفع مع الشرك عمل ، حتى نزل { أعمالهم ياأيها الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم } فخافوا أن تبطل الذنوب الأعمال . وقال مقاتل : نزلت في الذين يمنون عليك أن أسلموا { إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } قال مقاتل : وذلك أن رجلاً سأله عن والده أنه كان محسناً في كفره ، قال : هو في النار . فولى الرجل يبكي ، فدعاه ، فقال له : « والدك ووالدي ووالد إبراهيم في النار » . فنزل : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } { ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } قال الكلبي : نزلت الآية في رؤساء أهل بدر . (4/158)
قوله تعالى : { فَلاَ تَهِنُواْ } يعني : لا تضعفوا عن عدوكم { وَتَدْعُواْ إِلَى السلم } يعني : إلى الصلح . أي : لا تهنوا ، ولا تدعوا إلى الصلح نظير .
قوله تعالى : { وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل وَتَكْتُمُواْ الحق وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 42 ] يعني : ولا تكتموا الحق وفي هذه الآية دليل على أن أيدي المسلمين ، إذا كانت عالية على المشركين ، لا ينبغي لهم أن يجيبوهم إلى الصلح ، لأن فيه ترك الجهاد . وإن لم تكن يدهم عالية عليهم ، فلا بأس بالصلح لقوله تعالى : { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّهُ هُوَ السميع العليم } [ الأنفال : 61 ] يعني : إن مالوا للصلح فمل إليه . قرأ حمزة في رواية أبي بكر : إلى السلم بكسر السين . والباقون : بالنصب . قال بعضهم : وهما لغتان . وقال بعضهم : أحدهما صلح ، والآخر استسلام .
ثم قال : { وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ } يعني : العالين يكون آخر الأمر لكم { والله مَعَكُمْ } يعني : معينكم ، وناصركم ، { وَلَن يَتِرَكُمْ أعمالكم } يعني : لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً . يقال : وترتني حقي يعني : بخستني فيه . وقال مجاهد : لن ينقصكم . وقال قتادة : لن يظلمكم . { إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } يعني : باطل ، وفرح . { وَإِن تُؤْمِنُواْ } أي : تستقيموا على التوحيد { وَتَتَّقُواْ } النفاق { يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } يعني : يعطكم ثواب أعمالكم { وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أموالكم } يعني : لا يسألكم جميع أموالكم ، ولكن ما فضل منها { ؤإِن يَسْئَلْكُمُوهَا } يعني : جميع الأموال { فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ } يعني : إن يلح عليكم بما يوجبه في أموالكم . ويقال : { فَيُحْفِكُمْ } يعني : يجهدكم كثرة المسألة { تَبْخَلُواْ } بالدفع { وَيُخْرِجْ أضغانكم } يعني : يظهر بغضكم ، وعدواتكم لله تعالى ، ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين .
ويقال : ويخرج ما في قلوبكم من حب المال . يقول : هذا للمسلمين . ويقال : هذا للمنافقين . يعني : يظهر نفاقكم . وقال قتادة : علم الله أن في مسألة الأموال خروج الأضغان . (4/159)
قوله عز وجل : { ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء } قرأ نافع ، وأبو عمرو { وَإِذْ أَنتُمْ } بمدة طويلة ، بغير همز . وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي . بالمد ، والهمز ، فَهَا تنبيه ، وأنتم كلمة على حدة ، وإنما مد ليفصل ألف هاء من ألف أنتم . وقرأ ابن كثير : بالهمز بغير مد ومعناه : أَأَنتم . ثم قلبت إحدى الهمزتين هاء . ومعنى هذه القراءات كلها أنتم يا معشر المؤمنين { تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله } يعني : لتتصدقوا في سبيل الله ، وتعينوا الضعفاء . { فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ } بالنفقة في سبيل الله { وَمَن يَبْخَلْ } بالنفقة { فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } يعني : لا يكون له ثواب النفقة { والله الغنى } عما عندكم من الأموال ، وعن أعمالكم . { وَأَنتُمُ الفقراء } إلى ما عند الله من الثواب ، والرحمة ، والمغفرة . { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ } يعني : تعرضوا عما أمركم الله به من الصدقة ، وغير ذلك مما افترض الله عليكم من حق . { يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم } يعني : يهلككم ، ويأت بخير منكم ، وأطوع لله تعالى منكم { ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم } يعني : أشباهكم في معصية الله تعالى . قال بعضهم : لم يتولوا ، ولم يستبدل بهم . وقال بعضهم : استبدل بهم أناس من كندا وغيرها . وروى أبو هريرة قال : لما نزلت هذه الآية ، قالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الذين ، إِنْ تولينا استبدلوا بِنَا؟ قال : وَعنده سلمان . فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده عليه ، ثم قال : « هذا وَقَوْمُهُ » ثم قال : « لَوْ كَانَ الإِيمَانُ مُعَلَّقاً بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَاِرس » وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين .
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3)
قوله تبارك وتعالى : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } يعني : قضينا لك قضاء بيناً . أكرمناك بالإسلام ، والنبوة ، وأمرناك بأن تدعو الخلق إليه . قال مقاتل : وذلك أنه لما نزل بمكة { وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ } وكان المشركون يقولون : لم تتبعون رجلاً لا يدري ما يفعل به ، ولا بمن تابعه . فلما قدم المدينة ، عيّرهم بذلك المنافقون أيضاً . فعلم الله تعالى ما في قلوب المؤمنين من الحزم ، وما في قلوب الكافرين من الفرح . فنزل { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } يعني : : قضينا لك قضاء بيناً { لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } فقال المؤمنون : هذا لك فما لنا؟ فنزل { لِّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً } [ الفتح : 5 ] الآية . فقال المنافقون فما لنا؟ فنزل { وَيُعَذِّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظآنين بالله ظَنَّ السوء عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً } [ الفتح : 6 ] الآية . وقال الزجاج : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ } يعني : فتح الحديبية ، والحديبية بئر سمي المكان بها . والفتح هو الظفر بالمكان ، كان بحرب أو بغير حرب . قال : ومعنى الفتح الهداية إلى الإسلام . وكان في فتح الحديبية ، معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنها بئر فاستسقى جميع ما فيها من الماء ، ولم يبق فيها شيء ، فمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها ، فدرّت البئر بالماء . ثم قال : { لّيَغْفِرَ لَكَ } قال بعضهم : هذه لام كي . فكأنه قال : لكي يغفر لك { الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ } يعني : ذنب آدم { وَمَا تَأَخَّرَ } يعني : ذنب أمتك . وقال القتبي : هذه لام القسم فكأَنه قال : { لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } ويقال : ما كان قبل نزول الوحي ، وما كان بعده . (4/160)
قوله تعالى : { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بالنبوة ، وبإظهار الدين { وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً } يعني : يثبتك على الهدى ، وهو طريق الأنبياء { وَيَنصُرَكَ الله } يعني : لكي ينصرك الله على عدوك { نَصْراً عَزِيزاً } بإظهار الإسلام .
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)
قوله تعالى : { هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة فِى قُلُوبِ المؤمنين } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تجهز في سنة ست في ذي القعدة ، فخرج إلى العمرة معه ألف وستمائة رجل ، ويقال : ألف وأربعمائة ، وساق سبعين بدنة . فبلغ قريشاً خبر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فبعثوا خالد بن الوليد في عصابة منهم ليصدوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت؟ فلما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان قال : « إنَّ قُرَيْشاً جَعَلَتْ لِي عُيُوناً ، فَمَنْ يَدُلُّنِي عَلَى طَرِيقِ الثَّنِيَّةِ » . فقال رجل من المسلمين : أنا يا رسول الله فخرج بهم ، وانتهوا إلى الثنية ، وصعدوا فيها . فلما هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثنية ، بركت ناقته القصواء ، فلم تنبعث ، فزجرَها ، وزجرها الناس ، وضربوها ، فلم تنبعث . فقال الناس : خلأت القصواء أي : صارت حروناً . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « ما خَلأَتِ القَصْوَاءُ ، وَمَا كَانَ ذلك لَهَا بِخُلُقٍ ، ولكن حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ » ثم قال : « لا يَسْأَلُونَنِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شَيْئاً يُعَظِّمُونَ بِهِ حُرُمَاتِهِمْ ، إلاَّ قِبْلتُهُ مِنْهُمْ » ثَم زجرها ، فانبعثت . (4/161)
فلما نزلوا على القليب بالحديبية ، لم يكن في البئر إلا ماء وشيك . يعني : قليل متغير ، فاستسقوا فلم يبق في البئر ماء . فقال : مَن رجل يهيج لنا الماء؟ فقال رجل : أنا يا رسول الله . فقال : « ما اسمك » قال : مرة . فقال : « تأخر » فقال رجل آخر أنا يا رسول الله ، فقال : « مَا اسْمُكَ؟ » . قال : ناجيه . فقال : « أنْزِلْ » . فنزل ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشقصاً ، فبحت به البئر ، فنبع الماء . وقال في رواية عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : كان ماء الحديبية قد قل . فأتى بدلو من ماء ، فتوضأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل منه في فيه ، ثم مجه في الدلو ، ثم أمرهم بأن يجعلوه في البئر ، ففعلوا ، فامتلأت البئر حتى كادوا يغرقون منها وهم جلوس . ففزع المشركون لنزول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الحديبية ، فجاؤوه ، واستعدوا ليصدوه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : « يا عُمَرُ اذْهَبْ فَاسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى نَعْتَمِرَ ، وَيُخْلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ البَيْتِ ، لا أُرِيدُ مِنْهُمْ غَيْرَهُ » . فقال عمر : يا رسول الله ليس ثم أحد من قومي يمنعني . فأرسل عثمان ، فإن هناك ناساً من بني عمه ، يمنعونه ، فذهب عثمان ، فتلقاه أبان بن سعيد بن العاص ، فقال له : أجرني من قومك حتى أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجاره ، وحمله على فرسه ورائه ، ودخل به مكة فاستأذن عثمان قريشاً ، فأبوا أن يأذنوا له .
فقال : أبان لعثمان طف أنت إن شئت . فقال : لما كنت لأتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقي هناك ثلاثة أيام ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل . فقال لأصحابه : بايعوني على الموت . فجلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، فبايعه أصحابه على الموت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إِنِّي أَخَافُ أَلاَّ يُدْرِكَ عُثْمَانَ هَذِهِ البَيْعَةَ ، فَأَنَا أُبَايِعُ لَهُ يَمِينِي بِشمَالِي » . ثم رجع عثمان ، فأخبر أنهم قد أبوا ذلك ، وبلغت قريشاً البيعة ، فكبرت تلك البيعة عندهم ، وقالوا ليزيد بن الحارث الكناني : أردده عنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « ابْعَثُوا الهَدْيَ فِي وَجْهِهِ يَرَاهَا ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ يُعَظِّمُونَ الهَدْيَ » . فبعثوا الهدي في وجهه ، فلما رأى يزيد بن الحارث الهدي قال : ما أرى أحداً يفلح بردّ هذا الهدي ، ورجع إلى قريش . فقال لهم : لا تردوا هذا الهدي فإني أخشى أن يصيبكم عذاب من السماء . فأرسلوا عروة بن مسعود الثقفي ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فجلس إليه ، فقال : يا محمد ارجع عن قومك هذه المرة ، فجعل يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويومىء بيديه إلى لحيته ، وكان المغيرة قائماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضربه بالسوط على يده ، وقال : اكفف يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليك ما تكره . فقال عروة : من هذا يا محمد؟ فقال : ابن أخيك المغيرة بن شعبة . فقال : يا غدر ما غسلت سلحتك عني بعد . أفتضرب يدي؟ قال : اكففها قبل أن لا تصل إليك . فرجع عروة إلى قريش ، فقالوا له : ما ورائك يا أبا يعقوب؟ فقال : خلوا سبيل الرجل يعتمر ، فإني حضرت كسرى ، وقيصر ، والنجاشي ، فما رأيت ملكاً قط أصحابه أطوع من هذا الملك . والله إنه ليتنخم فيبتدرون نخامته ، والله إنه ليجلس فيبتدرون التراب الذي يجلس عليه ، وإنه ليتوضأ فيبتدرون وضوءه . فقالوا : جبنت ، وانتفح سحرك . ثم قالوا لسهيل بن عمرو : اذهب واردده عنا ، وصالحه . فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قَدْ سَهُلَ أمْرُهُمْ » فجاءه سهيل في نفر من قريش فقال : يا محمد ارجع عن قومك هذه المرة ، على أن لك أن تأتيهم من العام المقبل ، فتعتمر أنت ، وأصحابك ، ويدخل كل إنسان منكم بسلاحه راكباً ، فتصالحنا على أن لا تقاتلنا ، ولا نقاتلك سنتين . فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك . فقال : اكتب بيننا وبينك كتاباً ، فأمر علياً رضي الله عنه أن يكتب ، فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل : لا أعرف الرحمن . قال : فكيف أكتب؟ قال : اكتب باسمك اللهم؛ فكتب باسمك اللهم ، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . (4/162)
فقال سهيل : لو أعلم أنك رسول الله ، لاتبعتك . أفترغب عن اسم أبيك؟ فقال علي رضي الله عنه : فوالله إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم على رغم أنفك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنا مَحَمَّدٌ رَسُولُ الله ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله ، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله » لأنه كان عهد أن لا يسألوه عن شيئاً يعظمون به حرماتهم إلا قبله . فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو ، ألاّ تقاتلنا ، ولا نقاتلك سنتين ، وندخل في حلفنا من نشاء ، وتدخلوا في حلفكم من شئتم ، وعلى أنكم تأتون من العام المقبل ، وتقيمون ثلاثة أيام ، ثم ترجعون ، وعلى أن ما جاء منا إليكم لا تقبلوه ، وتردوه إلينا ، ومن جاء منكم إلينا فهو منا ، فلا نرده إليكم ، فشق ذلك الشرط على المسلمين ، فقالوا : يا رسول الله من لحق بنا منهم لم نقبله ، ومن لحق بهم منا فهو لهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فأمَّا مَنْ لَحِقَ بِهِمْ مِنَّا فَأبْعَدَهُ الله وَأَوْلَى بِمَنْ كَفر . وَأمَّا مَنْ أرَادَ أنْ يَلْحَقَ بِنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ الله لَهُ مَخْرِجَاً » . فجاء أبو جندل بن سهيل يوسف في الحديد ، يعني : يمشي مشي الأعرج قد أسلم ، فأوثقه أبوه حين خشي أن يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما وقع في ظهراني المسلمين ، قال : إني مسلم . فجاء أبوه فقال : إنما كتبنا الكتاب الساعة . فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا رسول الله أليس الله حق وأنت نبيه؟ قال : « بَلَى » . قال : ونحن قوم مؤمنون؟ وهم كفار؟ قال : « بَلَى » . قال : فلم نُعْطِي الدنية في ديننا؟ قال : « إنَّمَا كَتَبْنَا الكِتَابَ السَّاعَةَ » . فتحول عمر إلى أبي جندل فقال : يا أبا جندل إن الرجل يقتل أباه في الله ، وإن دم الكافر لا يساوي دم كلب ، وجعل عمر يقرب إليه سيفه كيما يأخذه ، ويضرب به أباه . فقال أبو جندل : ما لك لا تقتله أنت؟ فقال عمر : نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما أنت بأحق بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مني ، لا أقتل أبي ، فأخذ سهيل بن عمرو غصناً من أغصان تلك الشجرة ، فضرب به وجه أبي جندل ، والمسلمون يبكون . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « خَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ ، فَإنْ يَعْلَمِ الله مِنْ أبِي جَنْدَلٍ الصَّدْقَ يُنْجِهِ مِنْهُمّ » . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسهيل : « هَبْهُ لِي » فقال سهيل : لا . فقال : مكرز بن حفص : قد أجرته . (4/163)
يعني : أمنته فآمنه حتى رده إلى مكة ، فأنجى الله تعالى أبا جندل من أيديهم بعد ما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فخرج إلى شط البحر ، واجتمع إليه قريباً من سبعين رجلاً ، كرهوا أن يقيموا مع المشركين ، وعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يقبلهم حتى تنقضي المدة ، فعمدوا إلى عير لقريش مقبلة إلى الشام ، أو مدبرة فأخذوها ، وجعلوا يقطعون الطريق على المشركين ، فأرسل المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناشدونه إلا قبضهم إليه ، وقالوا له : أنت في حلَ منهم . فالتحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعلم الذين كرهوا الصلح ، أن الخير فيما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ينحروا البدن ، ويحلقوا الرؤوس ، فلم يفعل ذلك منهم أحد . فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة فقال : ألا تعجبين؟ أمرت الناس أن ينحروا البدن ، ويحلقوا . فلم يفعل أحد منهم . فقالت أم سلمة : قم أنت يا رسول الله وانحر بدنك ، واحلق رأسك ، فإنهم سيقتدون بك . فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم البدن ، وحلق رأسه ، ففعل القوم كلهم ، فحلق بعضهم ، وقصر بعضهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يَرْحَمُ الله المُحَلِّقِينَ » . فقالوا : والمقصرين يا رسول الله؟ فقال : « يَرْحَمُ الله المُحَلِّقِينَ ، وَالمُقَصِّرِينَ » . فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فنزل { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } إلى قوله : { هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة فِى قُلُوبِ المؤمنين } يعني : السكون ، والطمأنينة في البيعة ، في قلوب المؤمنين . { لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم } يعني : تصديقاً مع تصديقهم الذي هم عليه . ويقال : تصديقاً بما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة . ويقال : يعني : إقراراً بالفرائض ، مع إقرارهم بالله تعالى . وروي عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : { هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة } قال : يعني : الرحمة { فِى قُلُوبِ المؤمنين لِيَزْدَادُواْ إيمانا } . قال : إن الله تعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، كما قال : { قُلْ هُوَ الله أَحَد الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [ الاخلاص : 1 ، 4 ] فلما صدقوا بها ، زادهم الصلاة . فلما صدقوا بها زادهم الزكاة . فلما صدقوا بها زادهم الصوم . فلما صدقوا بها زادهم الحج . فلما صدقوا به زادهم الجهاد . يعني : إن في كل ذلك يزيد تصديقاً مع تصديقهم . (4/164)
{ وَلِلَّهِ جُنُود السموات والارض } فجنود السموات الملائكة ، وجنود الأرض المؤمنون من الجن والإنس { وَكَانَ الله عَلِيماً } بخلقه { حَكِيماً } في أمره حيث حكم بالنصر للمؤمنين يوم بدر .
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9)
قوله عز وجل : { لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات } يعني : المصدقين والمصدقات { جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } يعني : من تحت غرفها ، وأشجارها { خالدين فِيهَا } يعني : دائمين مقيمين ، لا يموتون ، ولا يخرجون منها { وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم } يعني : يمحو ، ويتجاوز عن سيئاتهم . يعني : عن ذنوبهم { وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً } في الآخرة . أي : نجاة وافرة من العذاب . (4/165)
ثم قال : { وَيُعَذّبَ المنافقين والمنافقات } يعني : ولكن يعذب المنافقين ، والمنافقات ، من أهل المدينة { والمشركين } من أهل مكة { والمشركات } الذين أقاموا على عبادة الأصنام .
قوله : { الظانين بالله ظَنَّ السوء } وظنهم ترك التصديق بالله تعالى ورسوله ، مخافة ألا ينصر محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى : { بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } [ الفتح : 12 ] .
ثم قال : { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء } يعني : عاقبة العذاب والهزيمة { وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ } في الدنيا { وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ } في الآخرة { وَسَاءتْ مَصِيراً } يعني : بئس المصير الذي صاروا إليه .
قوله تعالى : { وَلِلَّهِ جُنُودُ السموات والارض وَكَانَ الله عَزِيزاً } بالنقمة لمن مات على كفره ، ونفاقه . { حَكِيماً } في أمره ، وقضائه ، حكم بالنصرة للنبي صلى الله عليه وسلم .
ثم قال : { إِنَّا أرسلناك شَاهِداً } يعني : بعثناك شاهداً بالبلاغ إلى أمتك { وَمُبَشّراً } لمن أجابك بالجنة { وَنَذِيرًا } يعني : مخوفاً للكفار بالنار { لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } يعني : لتصدقوا بالله فيما يأمركم ، وتصدقوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم { وَتُعَزّرُوهُ } يعني : لكي تعينوه ، وتنصروه على عدوه بالسيف ، { وَتُوَقّرُوهُ } أي : تعظموا النبي صلى الله عليه وسلم { وَتُسَبّحُوهُ } يعني : تصلوا لله تبارك وتعالى { بُكْرَةً وَأَصِيلاً } يعني : غدوة وعشياً . فكأنه قال : لتؤمنوا بالله وتسبحوه ، وتؤمنوا برسوله ، وتعزروه ، وتوقروه . قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : { لِيُؤْمِنُواْ * بالله وَرَسُولِهِ } كلها بالياء على معنى الخبر عنهم ، وقرأ الباقون : بالتاء على معنى المخاطبة ، وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : { بِكُمُ الدوائر عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء } بضم السين . وقرأ الباقون : بالنصب ، كقولك رجل سوء ، وعمل سوء ، وقد روي عن ابن كثير ، وأبي عمرو : بالنصب أيضاً .
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14)
قوله عز وجل : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ } يعني : يوم الحديبية تحت الشجرة ، وهي بيعة الرضوان ، قال الكلبي : بايعوا تحت الشجرة ، وهي شجرة السَّمرة ، وهم يومئذٍ ألف وخمسمائة وأربعون رجلاً . وروى هشام عن محمد بن الحسن قال : كانت الشجرة أم غيلان . { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } يعني : كأنهم يبايعون الله ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بايعهم بأمر الله تعالى . ويقال : { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } أي : لأجله ، وطلب رضاه . (4/166)
ثم قال : { يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } يعني : يد الله بالنصرة ، والغلبة ، والمغفرة ، { فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } بالطاعة . وقال الزجاج : { يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } يحتمل ثلاثة أوجه . أحدها { يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } بالوفاء ، ويحتمل { يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } بالثواب ، فهذان وجهان جاءا في التفسير ، ويحتمل أيضاً { يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } في المِنَّة عليهم ، وفي الهداية فوق أيديهم في الطاعة .
{ فَمَن نَّكَثَ } يعني : نقض العهد ، والبيعة { فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ } يعني : عقوبته على نفسه . { وَمَنْ أوفى بِمَا عاهد عَلَيْهِ الله } قرأ حفص : برفع الهاء . أي : وفى بما عاهد عليه من البيعة ، فيتم ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني : أوفى بما عاهد الله عليه من البيعة ، والتمام في ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } في الجنة . قرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر : { فَسَنُؤْتِيهِ } بالنون . والباقون : بالياء . وكلاهما يرجع إلى معنى واحد . يعني : سيؤتيه الله ثواباً عظيماً .
قوله تعالى : { عَظِيماً سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الاعراب } وهم أسلم ، وأشجع ، وغفار ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى مكة عام الحديبية ، فاستتبعهم ، وكانت منازلهم بين مكة والمدينة . فقالوا فيما بينهم : نذهب معه إلى قوم جاؤوه فقتلوا أصحابه ، فقاتلهم ، فاعتلوا عليه بالشغل ، حتى رجع ، فأخبر الله تعالى رسوله قبل ذلك ، أنه إذا رجع إليهم استقبلوه بالعذر ، وهم كاذبون . فقال : { سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الاعراب } يعني : الذين تخلفوا عن بيعة الحديبية { شَغَلَتْنَا أموالنا وَأَهْلُونَا } يعني : خفنا عليهم الضيعة ، ولولا ذلك لخرجنا معك . { فاستغفر لَنَا } في التخلف . { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } يعني : من طلب الاستغفار وهم لا يبالون ، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم .
{ قُلْ } يا محمد { فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ الله شَيْئاً } يعني : من يقدر أن يمنع عنكم من عذاب الله شيئاً { إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً } يعني : قتلاً ، أو هزيمة ، { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً } يعني : النصرة . قرأ حمزة والكسائي { ضَرّا } بضم الضاد ، وهو سوء الحال والمرض ، وما أشبه ذلك . والباقون : بالنصب .
وهو ضد النفع . اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به التقرير . يعني : لا يقدر أحد على دفع الضر ، ومنع النفع غير الله . (4/167)
ثم استأنف الكلام فقال : { بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } يعني : عالماً بتخلفكم ، ومرادكم .
قوله عز وجل : { بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول } يعني : بل منعكم من السير معه ، لأنكم ظننتم أن لن ينقلب الرسول { والمؤمنون } من الحديبية { إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ } يعني : حُسِّن التخلف في قلوبكم { وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء } يعني : حسبتم الظن القبيح { وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } يعني : هلكى . وروي عن ابن عباس أنه قال : البور في لغة أزد عمان : الشيء الفاسد . والبور في كلام العرب : لا شيء . يعني : أعمالهم بور أي : مبطلة .
قوله عز وجل : { وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله وَرَسُولِهِ } يعني : من لم يصدق بالله في السر ، كما صدقه في العلانية { فَإِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سَعِيراً } يعني : هيأنا لهم عذاب السعير .
قوله تعالى : { وَللَّهِ مُلْكُ *** السموات والارض } يعني : خزائن السموات والأرض . ويقال : ونفاذ الأمر في السموات والأرض . { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } وهو فضل ، منه المغفرة ، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير ، وهو عدل منه { وَكَانَ الله غَفُوراً } لذنوبهم { رَّحِيماً } بهم .
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20)
ثم قال عز وجل : { سَيَقُولُ المخلفون } يعني : الذين تخلفوا عن الحديبية { إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا } يعني : إلى غنائم خيبر { ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ } يعني : اتركونا نتّبعكم في ذلك الغزو { يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كلام الله } يعني : يغيروا كلام الله . يعني : ما قاله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم : لا تأذن لهم في غزاة أخرى . قرأ حمزة والكسائي : وهو جمع كلمة . والباقون { كَلاَمَ الله } والكلام اسم لكل ما يتكلم به . { قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } في المسير إلى خيبر إلاَّ متطوعين ، من غير أن يكون لكم شرك في الغنيمة . { كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ } يعني : من قبل الحديبية . { فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا } يعني : يقولون للمؤمنين : إن الله لم ينهكم عن ذلك ، بل تحسدوننا على ما نصيب معكم من الغنائم . (4/168)
قال الله تعالى : { بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي : لا يعقلون ، ولا يرغبون في ترك النفاق ، لا قليلاً ، ولا كثيراً . ويقال : بل كانوا لا يفقهون النهي من الله تعالى إلا قليلاً منهم .
قوله عز وجل : { قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الاعراب } يعني : الذين تخلفوا عن الحديبية ، مخافة القتال { سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } يعني : قتال شديد . قال بعضهم : يعني : قتال أهل اليمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه . وقال مجاهد : { إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } يعني : أهل الأوثان . وقال أيضاً : هم أهل فارس ، وكذا قال عطاء ، وقال سعيد بن جبير : هوازن ، وثقيف . وقال الحسن : فارس ، والروم .
{ تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ } قرأ بعضهم ( أَوْ يُسْلِمُوا ) بألف من غير نون ، وقراءة العامة بالنون . فمن قرأ : { أَوْ } يعني : حتى يسلموا ، أو إلى أن يسلموا . ومن قرأ : بالنون . فمعناه : تقاتلونهم أو هم يسلمون { يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ } يعني : تجيبوا ، وتوقعوا القتال ، وتخلصوا لله تعالى . { يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً } يعني : ثواباً حسناً في الآخرة . { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ } يعني : تعرضوا عن الإجابة كما أعرضتم يوم الحديبية . { يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } يعني : شديداً دائماً ، فلما نزلت هذه الآية ، قال أهل الزمانة والضعفاء : فكيف بنا إذا دعينا إلى قتالتهم ، ولا نستطيع الخروج ، فيعذبنا الله؟ فنزل قوله : { لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ } وهذا قول الكلبي . وقال مقاتل : نزل العذر في الذين تخلفوا عن الحديبية . { لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ } يعني : ليس عليهم إثم في التخلف { وَلاَ عَلَى الاعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ } يعني : إثم .
{ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ } في الغزو ويقال : ومن يطع الله ورسوله في الغزو ، في السر ، والعلانية { يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهر } وقد ذكرناه .
{ وَمَن يَتَوَلَّ } يعني : يعرض عن ذلك . يعني : عن طاعة الله ، ورسوله ، بالتخلف { يُعَذّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً } يعني : شديداً دائماً . قرأ نافع : وابن عامر { نُدْخِلْهُ وَنُعَذِّبْهُ } كلاهما بالنون . والباقون : كلاهما بالياء . وكلاهما يرجع إلى معنى واحد . (4/169)
قوله تعالى : { عَذَاباً أَلِيماً لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة } يعني : شجرة السمرة . ويقال : أم غيلان . قال قتادة : بايعوهُ يومئذٍ وهم ألف وأربعمائة رجل . وكان عثمان يومئذٍ بمكة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ الله وَحَاجَةِ رَسُولِهِ ، وَحَاجَةِ المُؤْمِنِينَ . ثُمَّ وضع إحدى يديه على الأخرى ، وقال : هذه بَيْعَةُ عُثْمَان » .
{ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } أي : ما في قلوبهم من الصدق والوفاء . وهذا قول ابن عباس . وقال مقاتل : { فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من الكراهية للبيعة على أن يقتلوا ، ولا يفروا . { فَأنزَلَ } الله { السكينة عَلَيْهِمْ } يعني : أنزل الله تعالى الطمأنينة ، والرضى عليهم . { وأثابهم } يعني : أعطاهم . { فَتْحاً قَرِيباً } يعني : فتح خيبر . { وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا } يعني : يغنمونها { وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً } حكم عليهم بالقتل ، والسبي . ويقال : حكم الغنيمة للمؤمنين ، والهزيمة للكافرين .
ثم قال : { وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } يعني : تغنمونها ، وهو ما أصابوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة . وقال ابن عباس : هي هذه الفتوح التي تفتح لكم { فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه } يعني : فتح خيبر ، قرأ بعضهم { وأتاهم } أي : أعطاهم وقراءة العامة { وأثابهم } يعني : كافأهم .
قوله تعالى : { وَكَفَّ أَيْدِىَ الناس عَنْكُمْ } يعني : أيدي أهل مكة . ويقال : أسد وغطفان أرادوا أن يعينوا أهل خيبر ، فدفعهم الله عن المؤمنين ، فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يكونوا له ، ولا عليه .
ثم قال : { وَلِتَكُونَ ءايَةً لّلْمُؤْمِنِينَ } وهو فتح خيبر ، لأن المسلمين كانوا ثمانية آلاف ، وأهل خيبر كانوا سبعين ألفاً .
ثم قال : { وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً } يعني : يرشدكم ديناً قيماً ، وهو دين الإسلام .
وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)
ثم قال : { وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } يعني : وعدكم الله غنيمة أخرى لم تقدروا عليها . يعني : لم تملكوها بعد ، وهو فتح مكة . ويقال : هو فتح قرى فارس ، والروم . { قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا } يعني : علم الله أنكم ستفتحونها ، وستغنمونها ، فجمعها ، وأحرزها لكم . { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء قَدِيراً } من الفتح وغيره { وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ } يعني : كفار مكة يوم الحديبية . ويقال : أسد وغطفان يوم خيبر . { لَوَلَّوُاْ الادبار } منهزمين { ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } يعني : قريباً ينفعهم ، ولا مانعاً يمنعهم من الهزيمة . (4/170)
قوله عز وجل : { سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ } يعني : هكذا سنة الله بالغلبة ، والنصرة لأوليائه ، والقهر لأعدائه . { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً } يعني : تغييراً ، وتحويلاً .
{ وَهُوَ الذى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } يعني : أيدي أهل مكة ، { وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم } يعني : أيديكم عن أهل مكة من بعد أن أظفركم عليهم . وذلك أن جماعة من أهل مكة ، خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين ، فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخلوهم بيوت مكة . وروى حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس قال : طلع قوم وهم ثمانون رجلاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل التنعيم عند صلاة الصبح ليأخذوه ، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخلى سبيلهم . فأنزل الله تعالى : { وَهُوَ الذى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم } { بِبَطْنِ مَكَّةَ } يعني : بوسط مكة { مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } يعني : سلطكم عليهم { وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } بحرب بعضكم بعضاً .
قوله تعالى : { هُمُ الذين كَفَرُواْ } يعني : جحدوا بوحدانية الله تعالى { وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام } أن تطوفوا به { والهدى مَعْكُوفاً } يعني : محبوساً . يقال : عكفته عن كذا إذا حبسته . ومنه العاكف في المسجد لأنه حبس نفسه . يعني : صيروا الهدي محبوساً عن دخول مكة ، وهي سبعون بدنة . ويقال : مائة بدنة . { أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } يعني : منحره ، ومنحرة منى للحاج ، وعند الصفا للمعتمر .
ثم قال : { وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات } بمكة { لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } أنهم مؤمنون . يعني : لم تعرفوا المؤمنين من المشركين { ءانٍ } يعني : تحت أقدامكم . ويقال : فتضربوهم بالسيف { تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ } يعني : تلزمكم الدية { بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني : بغير علم منكم لهم ، ولا ذنب لكم . وذلك أن بعض المؤمنين كانوا مختلطين بالمشركين ، غير متميزين ، ولا معروفي الأماكن .
ثم قال : { وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن } لو دخلتموها أن تقتلوهم { عِلْمٍ لّيُدْخِلَ الله فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } لو فعلتم فيصيبكم من قتلهم معرة . يعني : يعيركم المشركون بذلك ، ويقولون : قتلوا أهل دينهم كما قتلونا ، فتلزمكم الديات .
ثم قال : { لَوْ تَزَيَّلُواْ } أي : تميزوا من المشركين { لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ } يعني : لو تميزوا بالسيف . وقال القتبي : صار قوله : { لَعَذَّبْنَا } جواباً لكلامين أحدهما ، لولا رجال مؤمنون ، والآخر { لَوْ تَزَيَّلُواْ } يعني : لو تفرقوا ، واعتزلوا . يعني : المؤمنين من الكافرين { لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ } { مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } يعني : شديداً وهو القتل . (4/171)
قوله تعالى : { إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ } يعني : أهل مكة { فِى قُلُوبِهِمُ الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية } وذلك أنهم قالوا : قتل آباءنا ، وإخواننا . ثم أتانا يدخل علينا في منازلنا . والله لا يدخل علينا ، فهذه الحمية التي في قلوبهم . { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ } يعني : طمأنينته { على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين } فأذهب عنهم الحمية ، حتى اطمأنوا ، وسكتوا . { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } يعني : ألهمهم كلمة لا إله إلا الله حتى قالوا : { وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا } يعني : كانوا في علم الله تعالى أحق بهذه الكلمة من كفار مكة { وَأَهْلُهَا } يعني : وكانوا أهل هذه الكلمة عند الله تعالى { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيماً } يعني : عليماً بمن كان أهلاً لذلك وغيره .
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)
قوله عز وجل : { لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق } يعني : حقق الله تعالى رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوفاء ، والصدق ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام قبل الخروج إلى الحديبية ، أنهم يدخلون المسجد الحرام . فأخبر الناس بذلك ، فاستبشروا . فلما صدهم المشركون ، قالت المنافقون في ذلك ما قالت . فنزل { لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق } يعني : يصدق رؤياه بالحق { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام } يعني : ما أخبر أصحابه أنهم يدخلون المسجد الحرام في العام الثاني . ويقال : نزلت الآية بعد ما دخلوا في العام الثاني { لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام } يعني : ما أخبر أصحابه أنهم يدخلون المسجد الحرام { فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ } يعني : لتدخلن { فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ } يعني : بإذن الله ، وأمره . ويقال : هذا اللفظ حكاية الرؤيا . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى في المنام ، رأى كأن ملكاً ينادي وهو يقول : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ، فأنزل الله تعالى { لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق } وهو قول الملك { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءامِنِينَ } من العدو { مُحَلّقِينَ * رُءوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ } يعني : منهم من يحلق ، ومنهم من يقصر { لاَ تخافون } العدو { فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ } قال مقاتل : فعلم أن يفتح عليهم خيبر قبل ذلك ، فوعد لهم الفتح ، ثم دخول مكة ، ففتحوا خيبر ، ثم رجعوا ، ثم دخلوا مكة ، وأتوا عمرة القضاء . وقال الكلبي في قوله : { فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ } يعني : علم الله أنه سيكون في السنة الثانية ، ولم تعلموا أنتم ، فلذلك وقع في أنْفسكم ما وقع { فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } يعني : فتح خيبر . (4/172)
ثم قال عز وجل : { هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى } يعني : بالتوحيد شهادة أن لا إله إلا الله { وَدِينِ الحق } وهو الإسلام { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } يعني : على الأديان كلها قبل أن تقوم الساعة . فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام { وكفى بالله شَهِيداً } بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يشهد كفار مكة ، وذلك حين أراد أن يكتب محمد رسول الله ، فقال سهيل بن عمرو : إنا لا نعرف بأنك رسول الله ولا نشهد .
قال الله عز وجل : { وكفى بالله شَهِيداً } وإن لم يشهد سهيل ، وأهل مكة . قال عز وجل : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ } من المؤمنين { أَشِدَّاء عَلَى الكفار } بالغلظة { رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } يعني : متوادّين فيما بينهم { تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } يعني : يكثرون الصلاة { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله وَرِضْوَاناً } يعني : يلتمسون من الحلال .
وقال بعضهم : { والذين مَعَهُ } يعني : أبا بكر { أَشِدَّاء عَلَى الكفار } يعني : عمر { رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } يعني : عثمان { تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } يعني : عليّاً رضوان الله عليهم أجمعين { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله وَرِضْوَاناً } يعني : الزبير ، وعبد الرحمن بن عوف { سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ } يعني : علاماتهم ، وهي الصفرة في وجوههم { مّنْ أَثَرِ السجود } يعني : من السهر بالليل . ويقال : يعرفون غُرّاً محجلين يوم القيامة ، من أثر الوضوء . وقال مجاهد : { سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ } قال : الخشوع ، والوقار . وقال منصور : قلت لمجاهد : أهذا الذي يكون بين عيني الرجل؟ قال : إن ذلك قد يكون للرجل ، وهو أقسى قلباً من فرعون . (4/173)
ثم قال : { ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التوراة } يعني : هذا الذي ذكره من نعتهم ، وصفتهم في التوراة .
ثم ذكر نعتهم في الإنجيل فقال : { وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجيل } يعني : مثل محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه { كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } . روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : مثلهم في التوراة ، والإنجيل واحد . قال : { مَثَلُهُمْ فِى التوراة وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } قرأ ابن كثير ، وابن عامر : { شَطْأَهُ } بنصب الشين ، والطاء . والباقون : بنصب الشين ، وجزم الطاء . ومعناهما واحد . وهو فراخ الزرع . وقال مجاهد : { شَطْأَهُ } يعني : قوائمه . قرأ ابن عامر : { فَازَرَهُ } بغير مد . والباقون بالمد ومعناهما واحد . يعني : قواه . ومنه قوله عز وجل : { اشدد بِهِ أَزْرِى } [ طه : 31 ] يعني : أقوي به ظهري . ويقال : { كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } يعني : سنبله { فَازَرَهُ } يعني : أعانه وقواه . { فاستغلظ } يعني : غلظ الزرع ، واستوى . { فاستوى على سُوقِهِ } وهو جماعة الساق { يُعْجِبُ الزراع } يعني : الزارع إذا نظر في زرعه بعدما استغلظ ، واستوى ، يعجبه ذلك . فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، تبعه أبو بكر ، ثم تبعه عمر ، ثم تبعه واحد بعد واحد من أصحابه ، حتى كثروا ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لكثرتهم .
{ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار } يعني : أهل مكة يكرهون ذلك لما رأوا من كثرة المسلمين ، وقوتهم . وروى خيثمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرئهم القرآن في المسجد ، فأتى على هذه الآية : { كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } فقال : أنتم الزرع ، وقد دنا حصادكم . ويقال : { كَزَرْعٍ } يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم . { أَخْرَجَ شَطْأَهُ } يعني : أبا بكر { فَازَرَهُ } يعني : أعانه عمر على كفار مكة { فاستغلظ } يعني : تقوى بنفقة عثمان { فاستوى على سُوقِهِ } يعني : قام على أمره علي بن أبي طالب يعينه ، وينصره على أعدائه . { يُعْجِبُ الزراع لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار } يعني طلحة ، والزبير . وكان الكفار يكرهون إيمان طلحة والزبير لشدة قوتهما ، وكثرة أموالهما .
{ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم } يعني : لهم . ويقال : فيما بينهم ، وبين ربهم . ويقال : مِنْ هاهنا لإبانة الجنس . يعني : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم } أي : من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم { مَغْفِرَةٍ } لذنوبهم { وَأَجْراً عَظِيماً } يعني : ثواباً وافراً في الجنة . روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَنْ قَرَأَ سُوَرَةَ الفَتْحِ فَكَأنَّمَا شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم » . والله سبحانه أعلم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)
قوله تبارك وتعالى : { عَظِيماً ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } يقال : يا نداء ، وها تنبيه ، والَّذِينَ إشارة . وآمَنُوا مدحه . روي عن الضحاك أنه كان يقرأ : { لاَ تُقَدّمُواْ } بنصب التاء والدال . وقراءة العامة { لاَ تُقَدّمُواْ } برفع التاء ، وكسر الدال . فمن قرأ بالنصب ، فهو في الأصل لا تتقدموا ، فحذفت إحدى التاءين لتكون أخف . ومن قرأ بالضم فهو من قدم تقدم . يقال : فلان تقدم بين يدي أبيه ، وبين يدي الإمام . يعني : تعجل بالأمر ، وانتهى بدونه . يعني : : لا تقدموا الكلام بين يدي الله ، ورسوله . ومعناه : لا تقولوا قبل أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم . ويقال : معناه إذا أمرتم بأمر فلا تفعلوه قبل الوقت الذي أمرتم به . وقال الحسن : إن قوماً ذبحوا قبل أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يذبحوا آخر ، فنزل { عَظِيماً ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } وقال مسروق : كنا عند عائشة يوم الشك فأُتي بلبن ، فناولتني ، فقلت : إني صائم . فقالت عائشة رضي الله عنها : وقد نهي عن هذا . وقرأت هذه الآية وقالت هذه الآية نزلت في الصوم وغيره . وقال مقاتل : نزلت الآية في ثلاثة نفر ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية ، وأمر عليهم المنذر بن عمرو . فخرج بنو عامر بن صعصعة عند بئر معونة ، فرصدوهم على الطريق ، وقتلوهم . فرجع ثلاثة منهم ، فلما دنوا إلى المدينة ، خرج رجلان من بني سليم صلحاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان أهداهما ، وكساهما ، فقالا : نحن من بني عامر ، لأن بني عامر كانوا أقرب إلى المدينة ، فقتلوهما ، وأخذوا من ثيابهما ، وجاؤوا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزل { عَظِيماً ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } يعني : لا تعجلوا بقتل ، ولا بأمر ، حتى تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروي عن الحسن في رواية أخرى أنه قال : لا تعملوا بخلاف الكتاب والسنة . (4/174)
ثم قال : { واتقوا الله } يعني : اخشوا الله عز وجل فيما يأمركم ، وينهاكم ، ولا تخالفوا أمر الله ورسوله .
وقوله : { إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يعني : سميع الدعاء ، عليم بخلقه . ويقال : سميع لقول المستأمنين ، عليم بنيات الذين قتلوهما . وفي الآية بيان رأفة الله عز وجل على عباده ، حيث سماهم مؤمنين مع معصيتهم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)
فقال : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } ولم يقل : يا أيها الذين عصوا وقد ذكرنا من قبل أن النداء على ست مراتب ، وهذا نداء مدح . (4/175)
قوله عز وجل : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبى } نزلت في وفد بني تميم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم سبعون أو ثمانون ، منهم الأقرع بن حابس ، والزبرقان بن بدر ، وعطارد بن الحجاب ، وذلك حين قالوا : ائذن لشاعرنا ، وخطيبنا في الكلام ، فعلت الأصوات ، واللغط ، فنزلت الآية { لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبى } ويقال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، وكان في أذنه وقر ، فكان إذا تكلم ، رفع صوته .
ثم قال : { تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } يعني : لا تدعوه باسمه ، كما يدعو الرجل الرجل منكم باسمه ، ولكن عظموه ، ووقروه ، وقولوا : يا نبي الله ، ويا رسول الله .
ثم قال : { أَن تَحْبَطَ أعمالكم وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } أن ذلك يحبطها . يعني : إن فعلتم ذلك ، فتحبط حسناتكم . وقال بعضهم : من عمل كبيرة من الكبائر حبط جميع ما عمل من الحسنات واحتج بهذه الآية : { أَن تَحْبَطَ أعمالكم } ولكن نحن نقول : الكبيرة لا تبطل العمل ما لم يكفر ، وإنما ذكر هاهنا إبطال العمل ، لأن في ذلك استخفافاً بالنبي صلى الله عليه وسلم . ومن قصد الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم كفر . فلما نزلت هذه الآية ، دخل ثابت بن قيس بيته ، وجعل يبكي ، ويقول : أنا من أهل النار . فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فبعث إليه ، وقال : « إنَّكَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ بَلْ غَيْرُكَ مِنْ أهْل النَّار » . فقال : يا رسول الله لا أتكلم بعد ذلك إلا سراً ، أو ما كان يشبه السر فنزل : { إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله } صلى الله عليه وسلم روى ثابت عن أنس قال : لما نزل { لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم } وكان ثابت بن قيس رفيع الصوت . فقال : أنا الذي كنت أرفع صوتي ، وحبط عملي . أنا من أهل النارِ . وجلس في بيته يبكي ، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبروه بما قال ، فقال صلى الله عليه وسلم : « بَلْ هُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ » . فقال أنس : لكنا نراه يمشي بين أظهرنا ، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة . فلما كان يوم اليمامة ، فكان فينا بعض الانكشاف ، فجاء ثابت بن قيس وقد تحنط ، ولبس كفنه ، فقال : بئس ما تعودون أقرانكم ، فقاتلهم حتى قتل . ثم قال : { إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله } { أُوْلَئِكَ الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى } يعني : أخلص الله قلوبهم . ويقال : أصفى الله عز وجل قلوبهم للتقوى من المعصية . يعني : يجعل قلوبهم موضعاً للتقوى { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم { وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } أي : ثواب وافر في الجنة . يعني : يجعل ثوابهم في الدنيا أن يخلص قلوبهم للتقوى ، وفي الآخرة أجر عظيم .
إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)
وقوله عز وجل : { إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات } فالحجرات جمع الحجرة . يقال : حجرة وحجرات ، مثل ظلمة وظلمات . وقرىء في الشاذ : الحجَرات بنصب الجيم . وقرأه العامة بالضم . ومعناهما : واحد . نزلت الآية في شأن نفر من بني تميم ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أسامة بن زيد ، فانتهى إلى قبيلة ، وكانت تسمى بني العنبر ، فأغار عليهم ، وسبى زراريهم ، فجاء جماعة منهم ليشتروا أسراهم ، أو يفدوهم ، فنادوه وكان وقت الظهيرة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في الحجرة . فنادوه من وراء الحجرة ، وكان لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم حجرات . فلما خرج النبي كلموه في أمر الزراري ، فقال لواحد منهم : احكم . فقال : حكمت أن تخلي نصف الأسارى ، وتبيع النصف منا . ففعل النبي صلى الله عليه وسلم . فنزلت الآية { إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات } { أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } لأنهم لو لم ينادوه ، لكان يعتقهم كلهم . وروى معمر عن قتادة أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فناداه من وراء الحجرات ، فقال : يا محمد إِنَّ مَدْحِي زَيْن ، وإِن شَتْمِي شَيْن . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « وَيْلَكَ ذَلَّكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ » . فَنَزل { إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ } الآية . (4/176)
ثم قال عز وجل : { والله غَفُورٌ } لمن تاب { رَّحِيمٌ } بهم بعد التوبة .
قوله عز وجل : { رَّحِيمٌ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ } الآية . نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض الصدقات ، فخرجوا إليه ليبجلوه ، ويعظموه ، فخشي منهم ، لأنه كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية . فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : خرجوا إِليَّ بأسلحتهم ، ومنعوا مني الصدقات وأطرحوني وأرادوا قتلي فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث لقتالهم ، فجاؤوا إلى المدينة ، وقالوا : يا رسول الله لما بلغنا قدوم رسولك ، خرجنا نبجله ، ونعظمه ، فانصرف عنا ، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل الوليد بن عقبة ، فنزل { رَّحِيمٌ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ } يعني : بحديث كذب وبخبر كذب { فَتَبَيَّنُواْ } يعني : وتعرفوا ولا تعجلوا { ءانٍ } يعني : كيلا تصيبوا { تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ } وأنتم لا تعلمون بأمرهم { فَتُصْبِحُواْ } يعني : فتصيروا { على مَا فَعَلْتُمْ نادمين } . قرأ حمزة ، والكسائي : فَتَثَبَّتُوا بالثاء . وقرأ الباقون : { فَتَبَيَّنُواْ } مثل ما في سورة النساء .
ثم قال للمؤمنين رضي الله عنهم : { واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ الامر } يعني : ما أمرتم به ، لأن الناس كانوا قد حرضوه على إرسالهم لقتال بني المصطلق ، { لَعَنِتُّمْ } يعني : لأثمتم .
وروى أبو نضرة ، عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ . هذه الآية : { لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ الامر لَعَنِتُّمْ } يعني : هذا نبيكم ، وخياركم { لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ الامر لَعَنِتُّمْ } فكيف بكم اليوم . ويقال : { لَعَنِتُّمْ } أي : لهلكتم . وأصله من عنت البعير إذا انكسرت رجله . (4/177)
ثم ذكر لهم النعم فقال : { ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الايمان } يعني : جعل حب الإيمان في قلوبكم { وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } يعني : حسنه للثواب الذي وعدكم . ويقال : دلكم عليه بالحجج القاطعة . ويقال : زينه في قلوبكم بتوفيقه إياكم لقبوله { وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان } يعني : بغض إليكم المعاصي ، والكفر لما بينه من العقوبة .
ثم قال : { أُوْلَئِكَ هُمُ الرشدون } يعني : المهتدون . فذكر أول الآية على وجه المخاطبة ، وآخر الآية بالمغايبة . ثم قال : { أُوْلَئِكَ هُمُ الرشدون } ليعلم أن جميع من كان حاله هكذا ، فقد دخل في هذا المدح . وفي الآية دليل أن من كان مؤمناً ، فإنه لا يحب الفسوق والمعصية ، لأن الله تعالى قال : { وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان } والمؤمن إذا ابتلي بالمعصية ، فإن شهوته وغفلته تحمله على ذلك ، لا لحبه للمعصية . ثم قال : أي ذلك التحبيب والتبغيض { فَضْلاً مّنَ الله وَنِعْمَةً } يعني : كان الإيمان الذي حببه إليكم ، والكفر الذي بغضه إليكم ، كان { فَضْلاً مّنَ الله وَنِعْمَةً } يعني : رحمة { والله عَلِيمٌ } بخلقه { حَكِيمٌ } في أمره وقضائه .
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)
قوله عز وجل : { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الأنصار ليكلمهم في أمر من الأمور وهو على حماره ، فبال الحمار وهو راكب عليه يكلم الأنصار . فقال عبد الله بن أُبيّ المنافق : خل للناس سبيل الريح من نتن هذا الحمار ، ثم قال : أف . وأمسك على أنفه فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قوله ، فانصرف عبد الله بن رواحة . فقال : اتقوا هذا لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لبوله أطيب ريحاً منك . فاقتتلا فاجتمع قوم ابن رواحة وهم الأوس ، وقوم عبد الله بن أبي وهم الخزرج ، فكان بينهم ضرب النعال ، والأيدي ، والسعف ، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم . فأنزل الله تعالى : { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } بالعدل فكره بعضهم الصلح ، فأنزل قوله : { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الاخرى } يعني : استطالت فلم ترجع إلى الصُّلح { فقاتلوا التى تَبْغِى } يعني : تظلم { حتى تَفِىء إلى أَمْرِ الله } يعني : ترجع إلى ما أمر الله عز وجل . وروى أسباط عن السدي قال : كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد ، فأبغضت زوجها ، وأرادت أن تلحق بأهلها ، وكان قد جعلها في غرفة له ، وأمر أهله أن يحفظوها ، وخرج إلى حاجة له ، فأرسلت إلى أهلها ، فجاء ناس من أهلها ، وأرادوا أن يذهبوا بها ، فاقتتلوا بالنعال ، والتلاطم . فنزل قوله تعالى : { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } الآية . ثم صارت الآية عامة في جميع المسلمين . إذا اقتتل فريقان من المسلمين ، وجب على المؤمنين الإصلاح بين الفريقين . فإن ظهر أن أحد الفريقين ظالم ، فإنه يقاتل ذلك الفريق حتى يرجع إلى حكم الله . (4/178)
ثم قال : { فَإِن فَاءتْ } يعني : رجعت إلى الصلح { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل } يعني : بالحق { وَأَقْسِطُواْ } يعني : اعدلوا بين الفريقين ، ولا تميلوا { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } يعني : العادلين .
ثم قال عز وجل : { إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } يعني : كالأخوة في التعاون لأنهم على دين واحد . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « المُؤْمِنَ للمُؤْمِن كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعْضاً » وَرُوي عنه أنه قال : « المُؤْمِنُونَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِر الأَعْضَاءِ إِلَى الحُمَّى وَالسَّهَرِ » .
ثم قال : { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } يعني : الفريقين من المؤمنين مثل الأوس والخزرج . { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } قرأ ابن سيرين : إِخْوَانِكُم بالنون . وقرأ يعقوب الحضرمي : بَيْنَ إِخْوَتِكُمْ بالتاء . يعني : جمع الأخ . وقراءة العامة { أَخَوَيْكُمْ } بالياء على تثنية الأخ . يعني : بين كل أخوين .
ثم قال : { واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } يعني : اخشوا الله عز وجل ، ولا تعصوه ، لكي ترحموا ، فلا تعذبوا .
قوله عز وجل : { تُرْحَمُونَ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ } يعني : لا يستهزىء الرجل من أخيه . وقال بعضهم : الآية نزلت في ثابت بن قيس ، حيث عيّر الذي لم يوسع له في المكان ، وقال بعضهم : الآية نزلت في الذين ينادونه من وراء الحجرات . استهزؤوا من ضعفاء المسلمين ، { عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ } يعني : أفضل منهم ، وأكرم على الله تعالى { وَلاَ نِسَاء مّن نّسَاء } يعني : لا تستهزىء امرأة من امرأة ، وذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت : إن أم سلمة جميلة لولا أنها قصيرة { عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مّنْهُنَّ } يعني : أفضل . ثم صارت الآية عامة في الرجال والنساء ، فلا يجوز أحد أن يسخر من صاحبه ، أو من أحد من خلق الله تعالى . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب خشيت أن أكون مثله . (4/179)
ثم قال : { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } يعني : لا يطعن بعضكم بعضاً . وقال القتبي : ولا تغتابوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم كما قال : { لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هاذآ إِفْكٌ مُّبِينٌ } [ النور : 12 ] . يعني : بأمثالهم .
ثم قال : { وَلاَ تَنَابَزُواْ بالالقاب } يعني : لا تسموا باللقب . وقال محمد بن كعب القرظي : هو الرجل يكون على دين من الأديان ، فيسلم ، فيدعونه بدينه الأول : يا يهودي ، ويا نصراني . ويقال : لا تعيروا المسلم بالملة التي كان عليها ، ولا تسموه بغير دين الإسلام . وقال أهل اللغة : الألقاب والأنباز واحد . ومنه قيل في الحديث : « قومٌ نَبْزُهُمُ الرَّافِضَةُ » أي : لقبهم { وَلاَ تَنَابَزُواْ بالالقاب } أي : لا تداعوا بها . ويقال : هو اللقب الذي يكرهه الرجل . يعني : أنه ينبغي للمؤمن أن يخاطب أخاه بأحب الأسماء إليه . وقرأ بعضهم { وَلاَ تَلْمِزُواْ } بضم الميم . وقراءة العامة : بالكسر ، وهما لغتان . يقال : لمز فلان فلاناً ، يلمز ويلمزه إذا عابه . وذكر في التفسير أن الآية نزلت في مالك بن أبي مالك ، وعبد الله بن أبي حدرد ، وذلك أن أبا مالك كان على المقاسم . فقال لعبد الله بن أبي حدرد الأسلمي : يا أعرابي . فقال له عبد الله : يا يهودي . فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخلا عليه ، حتى تظهر توبتهما ، فنزل { بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الايمان } يعني : بئس التسمية لإخوانكم بالكفر وهم مؤمنون { وَمَن لَّمْ يَتُبْ } من قوله { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } فأوثقا أنفسهما حتى قبلت توبتهما .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)
قوله عز وجل : { الظالمون ياأيها الذين ءامَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مّنَ الظن } يعني : لا تحققوا الظن { إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ } يعني : معصية أي : إِنَّ ظن السوء بالمسلم معصية . وقال سفيان الثوري : الظن ظنان . ظن فيه إثم ، وظن لا إثم فيه . فالظن الذي فيه إثم ، أن يظن ويتكلم به . وأما الظن الذي لا إثم فيه ، فهو أن يظن ، ولا يتكلم به ، لأنه قال : { إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ } ولم يقل : جميع الظن إثم . (4/180)
ثم قال : { وَلاَ تَجَسَّسُواْ } يعني : لا تطلبوا ، ولا تبحثوا عن عيب أخيكم { وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } روى أسباط عن السدي قال : كان سلمان الفارسي في سفر مع ناس فيهم عمر ، فنزلوا منزلاً ، فضربوا خيامهم ، وصنعوا طعامهم ، ونام سلمان ، فقال بعض القوم لبعض : ما يريد هذا العبد إلا أن يجد خياماً مضروبة ، وطعاماً مصنوعاً ، فلما استيقظ سلمان ، قالوا له : انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتمس لنا إداماً نأتدم به . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه السلام : « أَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ قَدِ ائْتَدَمُوا » . فأخبرهم . فقالوا : ما طعمنا بعد ، وما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأتوه ، فقال : « ائْتَدَمْتُمْ مِنْ صَاحِبِكُمْ ، حِينَ قُلْتُمْ مَا قُلْتُمْ وَهُوَ نَائِمٌ » ثم قرأ : { وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ } يعني : فكما تكرهون أكل لحمه ميتاً ، فكذلك اجتنبوا ذكره بالسوء وهو غائب . ويقال : كان سلمان في سفر مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وكان يطبخ لهما ، فنزلوا منزلاً ، فلم يجد ما يصلح لهم أمر الطعام ، فبعثاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لينظر عنده شيئاً من الطعام ، فقال أسامة : لم يبق عند النبي صلى الله عليه وسلم شيء من الطعام ، فرجع إليهما ، فقالا : إنه لو ذهب إلى بئر كذا ، ليبس ماؤها ، فنزلت هذه الآية . ويقال : نزلت في شأن زيد بن ثابت ، وذلك أن نفراً ذكروا فيه شيئاً ، فنزل : { وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } قرأ نافع : مَيِّتاً بتشديد الياء ، والخفض . والباقون بالجزم . وقال أهل اللغة : الميت . والميت واحد مثل ضيق وضيّق ، وهين وهيّن ، ولين وليّن .
ثم قال : { واتقوا الله } في الغيبة ، وتوبوا إليه { إِنَّ الله تَوَّابٌ } يعني : قابل التوبة { رَّحِيمٌ } بهم بعد التوبة .
قوله تعالى : { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } قال مقاتل : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ، أمر بلالاً ليؤذن . فقال الحارث بن هشام . أما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هذا الغراب . يعني : بلال . فنزل { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } { إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى } يعني : آدم وحواء { وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَائِلَ } يعني : رؤوس القبائل ، مثل مضر ، وربيعة { وَقَبَائِلَ } يعني : الأفخاذ مثل بني سعد ، وبني عامر .
{ لتعارفوا } في النسب { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } يعني : وإن كان عبداً حبشياً أسود مثل بلال . وقال في رواية الكلبي : نزلت في ثابت بن قيس ، كان في أذنيه ثقل ، وكان يدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع كلامه فأبطأ يوماً واحداً وقد أخذ الناس مجالسهم فجاء فتخطى رقابهم حتى جلس قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم . فقال رجل من القوم : هذا يتخطى رقابنا ، فلم لا يجلس حيث وجد المكان؟ فقال ثابت : من هذا؟ فقالوا : فلان . فقال ثابت : يا ابن فلانة ، وكان يعيّر بأمه ، فخجل . فنزلت هذه الآية . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « مَنْ عَيَّرَ فُلاناً بِأُمِّهِ » فقال ثابت بن قيس : أنا قد ذكرت شيئاً . فقرأ هذه الآية عليه ، فاستغفر ثابت . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : القبائل ، والأفخاذ : الصغار ، والشعوب : الجمهور مثل مضر . وقال الضحاك : الشعوب : الأفخاذ الصغار ، والقبائل مثل بني تميم ، وبني أسد . وقال القتبي : الشعوب أكثر من القبيلة . وقال الزجاج : الشعب أعظم من القبيلة ، ومعناه : إني لم أخلقكم شعوباً وقبائل لتتفاخروا ، وإنما خلقناكم كذلك لتعارفوا . روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، يقولُ الله عَزَّ وَجَلَّ : إنَّكُمْ جَعَلْتُمْ لأنْفُسِكُمْ نَسَباً ، وَجَعَلْتُ لِنَفْسِي نَسَباً ، فَرفَعْتُم نَسَبَكُم ، وَوَضَعْتُمْ نَسَبي ، فَالْيَوْمَ أَرْفَعُ نَسَبِي ، وَأَضَعُ نَسَبَكُم . يعني : قلت : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } وقلتم : أنتم فلان وفلان » . (4/181)
ثم قال : { إِنَّ الله عَلِيمٌ } بأتقيائكم { خَبِيرٌ } بافتخاركم { قَالَتِ الاعراب ءامَنَّا } قال ابن عباس : نزلت في بني أسد ، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قحط أصابهم ، فجاؤوا بأهاليهم ، وذراريهم ، يطلبون الصدقة ، وأظهروا الإسلام ، وقالوا : يا رسول الله نحن أسلمنا طوعاً ، وقدمنا بأهالينا ، فأعطنا من الغنيمة أكثر مما تعطي غيرنا . ويقال : كانت قبيلتان جهينة ، ومزينة ، قدموا بأهاليهم . فنزلت الآية { قَالَتِ الاعراب ءامَنَّا } يعني : صدقنا { قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } يعني : لم تصدقوا في السر ، كما صدقتم في العلانية { ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } يعني : دخلنا في الانقياد ، والخضوع . ويقال : استسلمنا مخافة القتل والسبي { وَلَمَّا يَدْخُلِ الايمان فِى قُلُوبِكُمْ } يعني : التصديق . ويقال : لم يدخل حب الإيمان في قلوبكم { وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } في السر ، كما تطيعونه في العلانية { لاَ يَلِتْكُمْ مّنْ أعمالكم شَيْئاً } يعني : لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً . قرأ أبو عمرو : { لا } بالألف والهمز . والباقون : { وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ } بغير ألف ولا همز . ومعناهما واحد يقال : لاته يلته وألته يألته إذا نقص حقه { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لو صدقوا بقلوبهم ، ثم بيّن الله عز وجل لهم من المصدق .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)
فقال عز وجل : { إِنَّمَا المؤمنون } يعني : المصدقون في إيمانهم { الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ } يعني : لم يشكوا في إيمانهم { وجاهدوا } الأعداء { بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله } أي : في طاعة الله { أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون } في إيمانهم . فلما نزلت هذه الآية ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحلفوا بالله أنهم لمصدقوه في السر ، فنزل : { قُلْ أَتُعَلّمُونَ الله بِدِينِكُمْ } الذي أنتم عليه { والله يَعْلَمُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } يعني : سر أهل السموات ، وسر أهل الأرض { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } أي : يعلم ما في قلوبكم من التصديق وغيره . (4/182)
قوله عز وجل : { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ } يعني : بقولهم جئناك بأهالينا ، وأولادنا { قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إسلامكم بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ للايمان } يعني : وفقكم للإيمان { إِن كُنتُمْ } بأنكم مخلصون في السر ، والعلانية .
قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السموات والارض } يعني : سر أهل السموات ، وسر أهل الأرض . { والله بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } قرأ ابن كثير ، وعاصم ، في رواية إبان { يَعْمَلُونَ } بالياء على معنى الخبر عنهم . وقرأ الباقون : بالتاء على معنى المخاطبة . أي : بصير بما يعملون من التصديق وغيره ، والخير ، والشر ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم .
ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (1)
قوله تبارك وتعالى : { ق } قال قتادة : هو اسم من أسماء الله تعالى ، كقوله : قادر ، وقاهر . ويقال : هو اسم من أسماء القرآن . وقال مجاهد : هو افتتاح السورة . وقال بعضهم : { ق } يعني : قضي الأمر كما قال في { حم } حم الأمر ، والدليل عليه قول الشاعر (4/183)
فقلت لها قفي قالت قاف ... يعني : وقفت فذكر القاف ، وأراد به تمام الكلام . وقال ابن عباس : هو جبل من زمردة خضراء ، محيط بالعالم ، فخضرة السماء منها ، وهي من وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من وراءه ، والحجاب دون { ق } بمسيرة سنة ، وما بينهما ظلمة ، وأطراف السماء ملتصقة بها . ويقال : خضرة السماء من ذلك الجبل . ويقال : { ق } يعني : إن الله عز وجل قائم بالقسط .
ثم قال : { ق والقرءان } يعني : الشريف . وقال الضحاك : هو جبل محدق بالدنيا ، من زبرجدة خضراء ، وخضرة السماء منها ، ليس في الأرض بلدة من البلدان ، ولا مدينة من المدائن ، ولا قرية من القرى ، إلا وفيها عرق من عروقها ، وملك موكل عليها ، واضع كفه بها . فإذا أراد الله عز وجل بقوم هلاكهم ، أوحى الله عز وجل إلى ذلك الملك ، فحرك منها عرقاً ، فخسف بهم ، فأقسم الله عز وجل بقاف { ق والقرءان } يعني : الشريف ، إنكم لمبعوثون يوم القيامة ، لأن أهل مكة أنكروا البعث ، فصار جواب القسم مضمراً فيه ، وهو ما ذكرناه إنكم مبعوثون . ويجوز أن يكون جواب القسم { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الارض مِنْهُمْ وَعِندَنَا كتاب حَفِيظٌ } [ ق : 4 ] فيكون معناه : { ق والقرءان المجيد } لقد علمنا ما تنقص الأرض ، فحذف اللام ، لأن ما قبلها عوض عنها كما قال { قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها } [ الشمس : 9 ] يعني : لقد أفلح . وقال القتبي : هذا من الاختصار ، فكأنه قال : { ق والقرءان المجيد } لتبعثن .
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)
قوله عز وجل : { بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ } يعني : من أهل مكة { فَقَالَ الكافرون هذا شَىْء عَجِيبٌ } يعني : أمر عجيب أن يكون محمد رسولاً ، وهو من نسبهم . (4/184)
قوله تعالى : { أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً } بعد الموت ، نجدد بعدما متنا ، نصير خلقاً جديداً ، { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } يعني : رد طويل لا يكون أبداً . ويقال : رجع يرجع رجعاً إذا رجعه غيره ، ورجع يرجع رجوعاً إذا رجع بنفسه ، كقوله : صد يصد صدوداً ، وصد يصد صداً ، { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } أي : ذلك صرف بعيد .
قوله تعالى : { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الارض مِنْهُمْ } يعني : ما تأكل الأرض من لحومهم ، وعروقهم ، وما بقي منهم ، ويقال : تأكل الأرض جميع البدن إلا العصعص ، وهو عجب الذنب ، وذلك العظم آخر ما يبقى من البدن . فأول ما يعود ، ذلك العظم ويركب عليه سائر البدن { وَعِندَنَا كتاب حَفِيظٌ } يعني : اللوح المحفوظ .
قوله عز وجل : { بَلْ كَذَّبُواْ بالحق } يعني : كذبوا بالقرآن ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم ، والبعث . { لَمَّا جَاءهُمْ } أي : حين جاءهم { فَهُمُ } يعني : قريش { فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ } يعني : في قول مختلف ، ملتبس . المريج أن يقلق الشيء فلا يستقر . ويقال : مرج الخاتم في يدي مرجاً إذا قلق للهزال . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : { فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ } أي : من ترك الحق . يقال : من ترك الحق أمرج عليه رأيه ، والتبس عليه دينه .
ثم دلهم على قدرته على بعثهم بعد الموت بعظيم خلقه ، الذي يدل على وحدانيته فقال : { أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السماء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بنيناها } بغير عمد { وزيناها } بالكواكب { وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } يعني : شقوق ، وصدوع ، وخلل .
قوله تعالى : { والارض مددناها } يعني : بسطناها مسير خمسمائة عام من تحت الكعبة ، { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي } يعني : الجبال الثوابت .
قوله : { وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } يعني : حسن طيب من الثمار ، والنبات .
قوله تعالى : { تَبْصِرَةً } يعني : في هذا الذي ذكره من خلقه ، { تَبْصِرَةً } لتبصروا به . ويقال : عبرة . { وذكرى } يعني : تفكراً ، وعظة . { لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } يعني : مخلص بالتوحيد . ويقال : راجع إلى ربه .
قوله تعالى : { وَنَزَّلْنَا مِنَ السماء مَاء مباركا } يعني : المطر فيه البركة حياة لكل شيء ، { فَأَنبَتْنَا بِهِ جنات } يعني : البساتين { وَحَبَّ الحصيد } يعني : حين ما يخرج من سنبله . ويقال : ما يحصد ، وما لا يحصد ، كل ما كان له حب . ويقال : هي الحبوب التي تحصد .
قوله عز وجل : { والنخل باسقات } يعني : أطوال { لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ } يعني : الكفري نضيد . يعني : مجتمع . يقال : نضد بعضه على بعض .
ويقال : ثمر منضود إذا كان متراكباً بعضه على بعض . ويقال : إنما يسمى نضيداً ما كان في الغلاف { رّزْقاً لّلْعِبَادِ } يعني : جعلناه طعاماً للخلق . يعني : الحبوب ، والثمر . { وَأَحْيَيْنَا بِهِ } يعني : بالماء { بَلْدَةً مَّيْتاً } إذا لم يكن فيها نبات ، فهذا كله صفات بركة المطر . (4/185)
ثم قال : { كذلك الخروج } يعني : هكذا الخروج من القبر . كما أحييت الأرض الميتة بالنبات ، فكذلك لما ماتوا ، وبقيت الأرض خالية ، أمطرت السماء أربعين ليلة كمني الرجل ، فدخل في الأرض ، فتنبت لحومهم ، وعروقهم ، وعظامهم من ذلك ، ثم يحييهم . فذلك قوله : { كذلك الخروج } . ثم عزى النبي صلى الله عليه وسلم ليصبر على إيذاء الكفار . يعني : لا تحزن بتكذيب الكفار إياك ، لأنك لست بأول نبي ، وكل أمة كذبت رسلها ، مثل نوح ، وهود عليهم السلام وغيرهم فقال عز وجل :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)
{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْم نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ } والرسّ : بئر دون اليمامة ، وإن عليها قوماً كذبوا رسلهم ، فأهلكهم الله تعالى { وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وإخوان لُوطٍ } يعني : قومه { وَثَمُودُ وَقَوْمُ } يعني : قوم شعيب { وَقَوْمُ تُّبَّعٍ } يعني : قوم حمير . ويقال : تبع كان اسم ملك . وروى وكيع عن عمران بن جرير ، عن أبي مجلز قال : جاء عبد الله بن عباس إلى عبد الله بن سلام ، فسأله عن تبع ، فقال : كان تبع رجلاً من العرب ، ظهر على الناس ، وسبا على فتية من الأحبار . فكان يحدثهم ، ويحدثونه . فقال قومه : إن تبعاً ترك دينكم ، وتابع الفتية . فقال : تبع للفتية : ألا ترون إلى ما قال هؤلاء . فقالوا : بيننا وبينهم النار التي تحرق الكاذب ، وينجو منها الصادق . قال : نعم . فقال تبع للفتية : ادخلوه ، فتقلدوا مصاحفهم . ثم دخلوها ، فانفرجت لهم حتى قطعوها . ثم قال لقومه : ادخلوها . فلما دخلوا ، وجدوا حر النار كفوا . فقال لهم : لتدخلنها ، فدخلوها . فلما توسطوا ، أحاطت بهم النار ، فأحرقتهم ، وأسلم تبع وكان رجلاً صالحاً . ويقال : كان اسمه سعد بن ملكي كرب ، وكنيته : أبو كرب . (4/186)
{ كُلٌّ كَذَّبَ الرسل } يعني : جميع هؤلاء كذبوا رسلهم { فَحَقَّ وَعِيدِ } يعني : وجب عليهم عذابي . معناه : فاحذروا يا أهل مكة مثل عذاب الأمم الخالية ، فلا تكذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم قال عز وجل : { أَفَعَيِينَا بالخلق الاول } قال مقاتل : يعني : أعجزنا عن الخلق الأول حين خلقناهم ، ولم يكونوا شيئاً . فكذلك نخلقهم ، ونبعثهم . أي : ما عيينا عن ذلك ، فكيف نعيي عن بعثهم . ويقال : معناه أعيينا خلقهم الأول ، ولم يكونوا شيئاً ، لأن الذي قد كان ، فإعادته أيسر في رأي العين من الابتداء . يقال : عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه . وقال الزجاج : هذا تقرير تقرر ، لأنهم اعترفوا في الابتداء ، أن الله عز وجل خلقهم ، ولم يكونوا شيئاً .
ثم قال : { بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } يعني : في شك من البعث بعد الموت . ويقال : بل أقاموا على شكهم .
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } يعني : جنس الإنسان ، وأراد به جميع الخلق { وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } يعني : ما يحدث به قلبه ، ويتفكر في قلبه { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد } يعني : في القدرة عليه ، وحبل الوريد عرق يخالط القلب . ويقال : هو العرق الذي داخل العنق الذي هو عرق الروح ، فأعلمه الله تعالى أنه أقرب إليه من ذلك العرق . ويقال : الوريدان عرقان بين الحلقوم ، والعلباوين . والحبل هو الوريد . وأضيف إلى نفسه لاختلاف لفظي اسميه .
قوله عز وجل : { إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان } يعني : يكتب الملكان عمله ، ومنطقه . يعني : يتلقيان منه ويكتبان .
وقال أهل اللغة تلقى ، وتلقف ، بمعنى واحد . { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ } يعني : عن يمين ابن آدم ، وعن شماله قاعدان . أحدهما عن يمينه ، والآخر عن شماله ، وصاحب اليمين موكل على صاحب الشمال ، اثنان بالليل ، واثنان بالنهار ، وكان في الأصل قعيدان ، ولكن اكتفى بذكر أحدهما فقال : قعيد . (4/187)
ثم قال عز وجل : { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ } يعني : ما يتكلم ابن آدم بقولٍ { إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } يعني : عنده حافظ حاضر . وقال الزجاج : { عَتِيدٌ } أي : ثابت ، لازم .
قوله تعالى : { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ } يعني : جاءت غمرته بالحق أنه كائن . ويقال : جاءت نزعات الموت بالحق . يعني : بالسعادة ، والشقاوة . يعني : يتبين له عند الموت . ويقال : فيه تقديم ، ومعناه : جاءت سكرة الحق بالموت . روي عن أبي بكر الصديق ، أنه كان يقرأ { وَجَاءتْ سَكْرَةُ * الحق } { بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ } يعني : يقال له : هذا الذي كنت تخاف منه ، وتكره . ويقال : ذلك اليوم الذي كنت تفر منه .
{ وَنُفِخَ فِى الصور } يعني : النفخة الأخيرة وهي نفخة البعث { ذَلِكَ يَوْمَ الوعيد } يعني : العذاب في الآخرة { وَجَاءتْ } أي : جاءت يوم القيامة { كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } سائق يسوقها إلى المحشر ، ويسوقها إلى الجنة ، أو إلى النار . { وَشَهِيدٌ } يعني : الملك يشهد عليها . وقال القتبي : السائق هاهنا ، قرينها من الشياطين ، يسوقها . سمي سائقاً ، لأنه يتبعها ، والشهيد : الملك . ويقال : الشاهد أعضاؤه . ويقال : الليل ، والنهار ، والبقعة ، تشهد عليه .
ويقال له : { لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هذا } يعني : من هذا اليوم ، فلم تؤمن به ، وقد ظهر عندك بالمعاينة { فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ } يعني : غطاء الآخرة . ويقال : أريناك ما كان مستوراً عنك في الدنيا . ويقال : أريناك الغطاء الذي على أبصارهم ، كما قال : { غَفْلَةٍ مّنْ هذا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ } أي : نافذ . ويقال : شاخص بصره لا يطرف ، يديم النظر حين يعاين في الآخرة ، ما كان مكذباً به . ويقال : { حَدِيدٍ } أي : حاد كما يقال : { حَفِيظٌ } يعني : حافظ ، وقعيد بمعنى قاعد . وقال الزجاج : هذا مثل . ومعناه : إنك كنت بمنزلة من عليه غطاء { فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ } يعني : علمك بما أنت فيه نافذ .
وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)
قوله عز وجل : { وَقَالَ قَرِينُهُ } يعني : ملكه الذي كان يكتب عمله { هذا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ } يعني : هذا الذي وكلتني به قد أتيتك به ، وهو حاضر يقول الله عز وجل { أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ } يعني : يقول للملكين ألقيا في جهنم { كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } وقال بعضهم هذا أمر للملك الواحد بلفظ الاثنين ، وقال الفراء : يرى أصل هذا أن الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة نفر ، فجرى كلام الواحد على صاحبيه ، ألا ترى أن الشعراء أكثر شيء : قيلاً يا صاحبي ، ويا خليلي ، قال الشاعر : فقلت لصاحبي لا تحبساني ، وأدنى ما يكون الأمر والنهي في الإعراب اثنان ، فجرى كلامهم على ذلك ومثل هذا قول امرىء القيس : (4/188)
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ويقال : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ ، على معنى تكرير الأمر ، يعني : ألق ألق ، وهو على معنى التأكيد ، وكذلك في قوله : قفا ، معناه قف قف .
وقال الزجاج : عندي أن قوله أَلْقِيَا أَمر للملكين ، وقال بعضهم : الأمر للواحد بلفظ الاثنين واقع في إطلاق العرب ، وكان الحجاج يقول : يا حرسي اضربا عنقه { كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } ، يعني : كل جاحد بتوحيد الله تعالى معرض عن الإيمان ، وقال مقاتل : يعني الوليد بن المغيرة . ويقال هذا في جميع الكفار الذين ذكر صفتهم في هذه الآية ، وهي قوله : { مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } يعني بخيلاً لا يخرج حق الله من ماله ، ويقال : «مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ» يعني يمتنع عن الإسلام { مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ } المعتدي هو الظلوم الغشوم ، والمريب الشاك في توحيد الله تعالى قوله تعالى : { الذى جَعَلَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } يعني : أشرك بالله عز وجل { فألقياه فِى العذاب الشديد } يعني : في النار { قَالَ قرِينُهُ } يعني : شيطانه { رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } يعني : لم يكن لي قوة أن أضله { ولكن كَانَ فِى ضلال بَعِيدٍ } يعني : في خطأ طويل بعيد عن الحق ، يقول الله تعالى لابن آدم وشيطانه { قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ } أي لا تختصموا عندي { وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد } يعني : أخذت عليكم الحجة ، وأخبرتكم بالكتاب والرسول { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ } يعني : لا يغير قضائي وحكمي الذي حكمت ، ويقال : لا يكذب وعيدي { وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ } يعني : لا أعذب أحداً بغير ذنب ، ويقال : مَا يُبَدِّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ، يعني : لا يغير عن جهته ، ولا يحذف منه ، ولا يزاد فيه ، لأني أعلم كيف ضلوا ، وكيف أضللتموهم ، وروى سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ وُكِّلَ بِهِ قَرِيُنُه مِنَ الجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ المَلائِكَةِ " قالوا : وإياك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم »؟ قال :