صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
قوله عز وجل : { بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا على أُمَّةٍ } يعني : لكنهم قالوا : إنا وجدنا آباءنا على دين وملة . وقال القتبي : أصل الأمة الجماعة ، والصنف . كقوله : { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى الارض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } [ الأنعام : 38 ] ثم يستعار في أشياء منها : الدين . كقوله : { بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا } أي : على دين ، لأن القوم كانوا يجتمعون على دين واحد ، فتقام الأمة مكان الدين ، ولهذا قيل للمسلمين : أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنهم على ملة واحدة ، وهي الإسلام . وروى مجاهد ، وعمر بن عبد العزيز ، أنهما قرآ { أُمَّةٍ } بكسر الألف ، أي : على نعمة . ويقال : على هيئة ، وقراءة العامة بالضمة ، يعني : على دين وروى أبو عبيدة ، عن بعض أهل اللغة ، أن الأُمة والأمة لغتان . (4/107)
ثم قال : { بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا } يعني : مستيقنين { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا } يعني : جبابرتها { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ } يعني : بسنتهم مقتدون . أي : بأعمالهم . قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { قَالَ أَوَلَوْ *** جِئْتُكُمْ بأهدى } يعني : أليس هذا الذي جئتكم به ، هو أهدى { مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءابَاءكُمْ } يعني : بأصوب وأبين من ذلك . قرأ ابن عامر ، وعاصم في رواية حفص { قَالَ أَوَلَوْ } على معنى الخبر والباقون ( قُلْ ) بلفظ الأمر . وقرأ أبو جعفر المدني ( جِئْنَاكُم ) بلفظ الجماعة . { قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون } يعني : إن الجبابرة قالوا لرسلهم : إنا بما أرسلتم به جاحدون .
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30)
قوله عز وجل : { فانتقمنا مِنْهُمْ } بالعذاب { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } يعني : آخر أمرهم . قوله عز وجل : { وَإِذْ قَالَ إبراهيم لاِبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ } يعني : بريء من معبودكم . ذكر عن الفراء أنه قال : براء مصدر صرف أسماء ، وكل مصدر صرف إلى اسم ، فالواحد ، والجماعة ، والذكر ، والأنثى فيه سواء . (4/108)
قوله عز وجل : { إِلاَّ الذى فَطَرَنِى } يعني : إلا الذي خلقني ، فإني لا أتبرأ منه . { فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } ويقال : إلا بمعنى لكن . يعني : لكن الذي خلقني ، فهو سيهدين ، يعني : يثبتني على دين الإسلام { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ } يعني : جعل تلك الكلمة ثابتة في نسله { وَذُرّيَّتَهُ } وهي كلمة التوحيد لا إله إلا الله { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عن كفرهم إلى الإيمان . وقال قتادة : هو التوحيد والإخلاص ، لا يزال في ذريته . من يوحدوا الله تعالى ، ويعبدوه وقال مجاهد : يعني : كلمة لا إله إلا الله في عقبه وولده . ويقال : { إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ } يعني : ذو البراءة كما يقال : رجل عدل ورجال عدل ، أي : ذو عدل .
قوله تعالى : { بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَء } يعني : أجلت هؤلاء ، وأمهلتهم . يعني : قومك { بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَء وَءابَاءهُمْ } يعني : القرآن . ويقال : الدعوة إلى التوحيد { وَرَسُولٌ مُّبِينٌ } يعني : بين أمره بالدلائل . والحجج . ويقال : مبين ، يعني : بين لهم الحق من الباطل . قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاءهُمُ الحق } يعني : القرآن { قَالُواْ هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافرون } يعني : جاحدون .
وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)
{ وَقَالُواْ } يعني : أهل مكة { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } يعني : على رجل عظيم من رجلي القريتين ، وهو الوليد بن المغيرة ، من أهل مكة ، وأبو مسعود الثقفي بالطائف يعني : لو كان حقاً ، لأنزل على أحد هذين الرجلين . وروى وكيع ، عن محمد بن عبد الله بن أفلح الطائفي ، قال : عن خالد بن عبد الله بن يزيد ، قال : كنت جالساً عند عبد الله بن عباس بالطائف ، فسأله رجل عن هذه الآية وهي قوله : { مّنَ القريتين } فقال : القرية التي أنت فيها . يعني : الطائف والقرية التي جئت منها ، يعني : مكة . وسئل عن الرجلين فقال : جبار من جبابرة قريش ، وهو الوليد بن المغيرة بمكة ، وعروة بن مسعود ، جد المختار . يعني : أبا مسعود يقال اسمه عمرو بن عمير . (4/109)
قوله تعالى : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ } يعني : أبأيديهم مفاتيح الرسالة والنبوة ، فيضعوها حيث شاؤوا ، ولكننا نختار للرسالة ، من نشاء من عبادنا { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الحياة الدنيا } يعني : نحن قسمنا أرزاقهم فيما بينهم ، وهو أدنى من الرسالة ، فلم نترك اختيارها إليهم ، فكيف نفوض اختيار ما هو أفضل منه ، وأعظم ، وهي الرسالة إليهم .
ثم قال : { وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات } يعني : فضلنا بعضهم على بعض ، بالمال في الدنيا . { لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } يعني : الاستهزاء ويقال : فضل بعضهم على بعض في العز ، والرياسة ، ليستخدم بعضهم بعضاً ، ويستعبد الأحرار العبيد ، ثم أخبر : أن الآخرة أفضل مما أعطوا في الدنيا . فقال : { وَرَحْمَةُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } يعني : خير مما يجمع الكفار من المال في الدنيا .
وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39)
{ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة } يقول لولا أن يرغب الناس في الكفر ، إذا رأوا الكفار في سعة المال . وقال الحسن : لولا أن يتتابعوا في الكفر . { لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } وهي : سماء البيت { وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } يعني : الدرج عليها يرتقون ويرتفعون . وقال الزجاج : يصلح أن يكون لبيوتهم بدلاً من قوله : { لِمَن يَكْفُرُ } ويكون المعنى لجعلنا لبيوت من يكفر بالرحمن ، ويصلح أن يكون معناه : لجعلنا لمن يكفر بالرحمن على بيوتهم . قرأ ابن كثير وأبو عمرو «لِبُيُوتِهِم سَقْفاً» بنصب السين ، وجزم القاف ، ويكون عبارة عن الواحد ، فدل على الجمع . والمعنى : لجعلنا لبيت كل واحد منهم ، سقفاً من فضة . وقرأ الباقون سُقُفاً ، بالضم على معنى الجمع . ويقال : سقف ومسقف مثل رهن ورهن . (4/110)
قوله تعالى : { وَلِبُيُوتِهِمْ أبوابا وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ } يعني : يجلسون وينامون { وَزُخْرُفاً } وهو الذهب يعني : لجعلنا هذا كله من ذهب وفضة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لَوْلاَ أنْ يَجْزَعَ عَبْدِي المُؤْمن ، لَعَصَّبْتُ الكَافِرَ بِعِصَابةٍ مِن حَدِيدٍ ، وَلَصَبَبْتُ عَلَيه الدُّنْيَا صَبّاً " وإنما أراد بعصابة الحديد ، كناية عن صحة البدن ، يعني : لا يصدع رأسه ، ثم أخبر أن ذلك كله مما يفنى . فقال : { وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا متاع الحياة الدنيا والاخرة عِندَ رَبّكَ } وما ها هنا زيادة ومعناه : وإن كل ذلك لمتاع . ويقال : وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا ، يفنى ولا يبقى { والاخرة } يعني : الجنة للذين يتقون الشرك ، والمعاصي والفواحش . قرأ عاصم ، وابن عامر في رواية هشام : { وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا } بتشديد الميم ، وقرأ الباقون بالتخفيف . فمن قرأ بالتخفيف ، فما للصلة والتأكيد . ومن قرأ بالتشديد فمعناه : وما كل ذلك إلا متاع . وقال مجاهد كنت لا أعلم ما الزخرف ، حتى سمعت في قراءة عبد الله بيتاً من ذهب .
قوله تعالى : { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن } قال الكلبي : يعني : يعرض عن الإيمان والقرآن ، يعني : لا يؤمن . ويقال : من يعمى بصره عن ذكر الرحمن . وقال أبو عبيدة : من يظلم بصره عن ذكر الرحمن . { نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً } يعني : نسيب له شيطاناً ، مجازاة لإعراضه عن ذكر الله . ويقال : نسلط عليه ويقال نقدر له ، ويقال : نجعل له شيطاناً { فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } يعني : يكون له صاحباً في الدنيا ، فيزين له الضلالة . ويقال : فهو له قرين . يعني : قرينه في سلسلة واحدة ، لا يفارقه . يعني : في النار . وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال : ليس مثل من أمثال العرب ، إلا وأصله في كتاب الله تعالى . قيل له : من أين قول الناس ، أعطى أخاك تمرة ، فإن أبى فجمرة .
فقال قوله : { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً } الآية { وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السبيل } يعني : الشياطين يصرفونهم عن الدين { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } يعني : الكفار يظنون أنهم على الحق . (4/111)
{ حتى إِذَا جَاءنَا } قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر ، روعاصم في رواية أبي بكر ( جَانَا ) بالمد ، بلفظ التثنية ، يعني : الكافر وشيطانه الذي هو قرينه . وقرأ الباقون { جَاءنَا } بغير مد ، يعني : الكافر يقول لقرينه : { قَالَ يَاءادَمُ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين } يعني : ما بين المشرق والمغرب . ويقال : بين مشرق الشتاء ، ومشرق الصيف { فَبِئْسَ القرين } يعني : بئس الصاحب معه في النار . ويقال : هذا قول الله تعالى : { فَبِئْسَ القرين } يعني : بئس الصاحب معه في النار . ويقال هذا قول الكافر يعني : بئس الصاحب كنت أنت في الدنيا ، وبئس الصاحب اليوم . فيقول الله تعالى : { وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم } الاعتذار { إِذ ظَّلَمْتُمْ } يعني : كفرتم ، وأشركتم في الدنيا { أَنَّكُمْ فِى العذاب مُشْتَرِكُونَ } يعني : أنكم جميعاً في النار ، التابع والمتبوع في العذاب ، سواء قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم :
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)
{ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِى العمى } إلى الهدى { وَمَن كَانَ فِى ضلال مُّبِينٍ } يعني : من كان في علم الله في الضلالة . ومعنى الآية : إنك لا تقدر أن تُفهم من كان أصم القلب ، ويعمى عن الحق ، ومن كان في ضلال مبين ، يعني : ظاهر الضلالة ، قوله : { فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } يعني : نميتك قبل أن نرينك الذي وعدناهم ، يعني : قبل أن نريك النقمة { فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ } يعني : ننتقم منهم . بعد موتك . قال قتادة : ذهب النبي صلى الله عليه وسلم ، وبقيت النقمة . قال : وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ، « أُرَى مَا يُصِيب أُمَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ ، فما رُئِيَ ضَاحِكاً مُسْتَبْشِراً ، حَتَّى قُبِضَ » . ثم قال : { أَوْ نُرِيَنَّكَ الذى وعدناهم } يعني : في حياتك { فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ } يعني : إنا لقادرون على ذلك قوله تعالى : { فاستمسك بالذى أُوحِىَ إِلَيْكَ } يعني : اعمل بالذي أوحي إليك من القرآن { إِنَّكَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } يعني : على دين الإسلام { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } يعني : القرآن شرف لك ولمن آمن به ويقال : { وَلِقَوْمِكَ } يعني : العرب ، لأن القرآن نزل بلغتهم { وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ } عن هذه النعم ، وعن شكر هذا الشرف . يعني : القرآن إذا أديتم شكره ، أو لم تؤدوه . (4/112)
قوله تعالى : { وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا } قال مقاتل ، والكلبي : يعني : سل مؤمني أهل الكتاب { وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن } يعني : هل جاءهم رسول ، يدعوهم إلى عبادة غير الله . ويقال : { وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا } يعني : سل المرسلين ، فلقي النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء ليلة المعراج ، وصلى بهم ببيت المقدس . فقيل له : فسلهم فلم يشك ، ولم يسألهم . ويقال : إنما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأراد أمته يعني : سلوا أهل الكتاب كقوله : { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } [ يونس : 94 ] الآية .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ (56)
قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا إلى فِرْعَوْنَ وَمَلاَيْهِ فَقَالَ إِنّى رَسُولُ رَبّ العالمين } وقد ذكرناه { فَلَمَّا جَاءهُم بئاياتنا } يعني : باليد والعصا { إِذَا هُم مِنْهَا يَضْحَكُونَ } يعني : يعجبون ويسخرون . { وَمَا نُرِيِهِم مّنْ ءايَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا } يعني : أعظم من التي كانت قبلها ، وهي السنين والنقص ، من الثمرات والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم فلم يؤمنوا بشيء . { وأخذناهم بالعذاب لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يعني : عاقبناهم بهذه العقوبات لكي يرجعوا ، ويعرفوا ضعف معبودهم { وَقَالُواْ يأَيُّهَا الساحر } وكان الساحر فيهم ، عظيم الشأن يعني : قالوا لموسى : يا أيها العالم { ادع لَنَا رَبَّكَ } أي : سل لنا ربك { بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } يعني : بحق ما أمرك به ربك ، أن تدعو إليه { إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } يعني : نؤمن بك ، ونوحد الله تعالى . (4/113)
قوله تعالى : { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العذاب إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } يعني : ينقضون عهودهم { ونادى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ } يعني : خطب فرعون لقومه { قَالَ يَا قَوْمٌ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ } وهي أربعون فرسخاً ، في أربعين فرسخاً { وهذه الانهار تَجْرِى مِن تَحْتِى } يعني : من تحت يدي . ويقال : من حولي ، وحول قصوري وجناني { أَفلاَ تُبْصِرُونَ } فضلي على موسى { أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هذا الذى هُوَ مَهِينٌ } يعني : خير ، وأم للصلة من هذا الذي هو مهين ، يعني : ضعيف ذليل .
{ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } يعني : لا يكاد يعبر حجة . ويقال : معناه : ألا تنظرون إلى فصاحتي ، وإلى عيِّ كلام موسى { فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ } يعني : هلا أعطي أسورة من ذهب . يعني : لو كان حقاً وكان رسولاً كما يقول ، لأعطي له المال ، فيكون حاله خيراً من هذا ، وكان آل فرعون يلبسون الأساور . قرأ عاصم في رواية حفص ( أسْوَرَةٌ ) بغير ألف والباقون ( أسَاوِرَةٌ ) فمن قرأ أسورة فهو جمع السوار ، ومن قرأ أساورة ، فهو جمع الجمع . ويقال : أساور جمع سوار .
ثم قال : { أَوْ جَاء مَعَهُ الملئكة مُقْتَرِنِينَ } يعني : لو كان حقاً ، لأتته الملائكة متتابعين ، فيصدقون على مقالته ويقال { مُقْتَرِنِينَ } أي : متعاونين { فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ } يعني : فاستذل قومه فأطاعوه . يعني : حملهم على الخفة ، فانقادوا له { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } يعني : كافرين عاصين ، وذلك أن فرعون قال لهم : مَا أُريكُم إلاَّ مَا أرَى ، فأطاعوه على تكذيب موسى عليه السلام { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } يعني : ناقضي العهد .
قوله تعالى : { فَلَمَّا ءاسَفُونَا } يعني : أغضبونا قال أهل اللغة : الأسف : الغضب . وروى معمر عن سماك بن الفضل . قال : كنا عند عروة بن محمد ، وعنده وهب بن منبه ، فجاء قوم فشكوا عاملهم ، وأثبتوا على ذلك ، فتناول وهب عصا كانت في يد عروة ، فضرب بها رأس العامل حتى أدماه ، فاستعابها عروة ، وكان حليماً وقال : يعيب علينا أبو عبد الله الغضب وهو يغضب ، فقال وهب : وما لي لا أغضب ، وقد غضب الذي خلق الأحلام ، إن الله تعالى يقول { فَلَمَّا ءاسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ } يعني : أغضبونا .
ويقال : فلما آسفونا ، يعني : وجب عليهم عذابنا { انتقمنا مِنْهُمْ } يعني : أهلكناهم { فأغرقناهم أَجْمَعِينَ } يعني : لم نبق منهم أحداً . (4/114)
قوله تعالى : { فجعلناهم سَلَفاً } قال مجاهد : يعني : كفار قوم فرعون ، سلفاً لكفار مكة أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقال قتادة : جعلناهم سلفاً إلى النار . قرأ حمزة والكسائي ( سُلْفاً ) بالضم ، وقرأ الباقون ( سَلفاً ) بنصب السين واللام ، فمن قرأ بالنصب فمعناه : جعلناهم سلفاً متقدمين ، ليتعظ بهم الآخرون . ومن قرأ بالضم ، فهو جمع سليف ، أي : جمع قد مضى . ويقال : سلفاً واحدها سلفة من الناس ، أي : قطعة . قوله : { وَمَثَلاً لّلاْخِرِينَ } يعني : عبرة لمن بعدهم .
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62)
قوله تعالى : { وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً } يعني : وصف ابن مريم شبهاً { إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } يعني : يعرضون عن ذكره . ويقال : لما قالت النصارى إن عيسى ابن الله إذا قومك منه يصدون . قرأ ابن عامر ، والكسائي ونافع ( يَصُدُّونَ ) بضم الصاد . وقرأ الباقون ( يَصِدُّونَ ) بالكسر فمن قرأ بالضم فمعناه يعرضون ، ومن قرأ بالكسر فمعناه يضجون ، ويرفعون أصواتهم تعجباً ، وذلك أنهم قالوا : لما جاز أن يكون عيسى ابن الله ، جاز أن تكون الملائكة بناته ، فعارضوه بذلك ، يعني : أهل مكة ، ورفعوا أصواتهم بذلك . ويقال : إن عبد الله بن الزبعرى قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما ذكرنا في سورة الأنبياء ، ففرح المشركون بذلك ، ورفعوا أصواتهم تعجباً من قوله آلهتنا خير . (4/115)
ثم قال تعالى : { وَقَالُواْ ءأَالِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ } يعني : أم عيسى فإذا جاز أن يكون هو ولداً ، جاز أن تكون الأصنام والملائكة كذلك . ويقال : فإذا جاز أن يكون هو في النار ، جاز أن تكون معه الأصنام في النار . قوله : { مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ } يعني : ما عارضوك بهذه المعارضة ، إلا جدلاً { بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } يعني : يجادلونك شديد المجادلة بالباطل .
قوله تعالى : { إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } أي : ما كان عيسى إلاَّ عبداً لله ، أنعم الله تعالى عليه بالنبوة ، وأكرمه بها { وجعلناه مَثَلاً لّبَنِى إسراءيل } يعني : عبرة لبني إسرائيل ، ليعتبروا به ، حين ولد ابن من غير أب .
ثم قال : { وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَئِكَةً فِى الارض يَخْلُفُونَ } يعني : لو شاء الله ، لجعل مكانكم في الأرض ملائكة يخلفون ، فكانوا خلفاً منكم . ثم رجع إلى صفة عيسى عليه السلام فقال : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ } يعني : نزول عيسى ، علامة لقيام الساعة . ويقال : نزول عيسى آية للناس . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، عن أبي يحيى ، عن ابن عباس في قوله : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ } قال : خروج عيسى ابن مريم . وروى معمر ، عن قتادة قال : نزول عيسى وروى عبادة ، عن حميد ، عن أبي هريرة قال : « لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ ، حَتَّى يُرى عيسى عليه السلام في الأرْض إمَاماً مُقْسِطاً ، وَكُنْتُ أرْجُو ألاَّ أمُوتَ حَتَّى آكُل مع عيسى عليه السلام ، عَلَى مَائِدَةٍ ، فَمَنْ لَقِيهُ مِنْكُمْ ، فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلاَم » قرأ بعضهم { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ } بكسر العين أي : بنزول المسيح يعلم أنه قد قربت الساعة . ومن قرأ : ( وَإنَّهُ لَعَلَمٌ ) بالنصب ، فإنه بمعنى الدليل ، والعلامة .
قوله تعالى : { فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا } يعني : لا تشكن في القيامة والبعث { وَاتَّبِعُونِي } يعني : أطيعونني { فاعبدوه هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } عني هذا التوحيد صراط مستقيم { وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشيطان } يعني : لا يصرفنكم الشيطان عن طريق الهدى { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة .
وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76)
{ وَلَمَّا جَاء عيسى بالبينات } يعني : بالآيات والعلامات ، وهو إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص . ويقال : بالبينات ، يعني : بالإنجيل { قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بالحكمة } يعني : بالنبوة { وَلابَيّنَ لَكُم بَعْضَ الذى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } قال : بعضهم ، يعني : كل الذي تختلفون فيه . وقال بعضهم معناه : لأبين تحليل بعض الذي تختلفون فيه . كقوله : { وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة وَلاٌّحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } [ آل عمران : 50 ] وكانوا في ذلك التحريم مختلفين ، فمصدق ومكذب { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم به من التوحيد . (4/116)
قوله تعالى : { إِنَّ الله هُوَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } يعني : خالقي وخالقكم { فاعبدوه } يعني : وحدوه وأطيعوه { هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } يعني : دين الإسلام { فاختلف الاحزاب مِن بَيْنِهِمْ } أي : تفرقوا في أمر عيسى ، وهم النسطورية ، والماريعقوبية ، والملكانية . وقد ذكرناه من قبل . ويقال : الأحزاب تحزبوا وتفرقوا في أمر عيسى ، وهم اليهود . فقالوا فيه قولاً عظيماً ، وفي أمه . فقالوا : إنه ساحر . ويقال : اختلفوا في قتله { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ ظَلَمُواْ } يعني : أشركوا { مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ } يعني : عذاب يوم شديد .
قوله تعالى : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة } يعني : ما ينظرون إذا لم يؤمنوا إلا الساعة { أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } يعني : فجأة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بقيامها قوله تعالى : { الاخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } قال مجاهد : الأخلاء في معصية الله تعالى في الدنيا ، يومئذٍ متعادين في الآخرة { إِلاَّ المتقين } الموحدين . قال مقاتل : نزلت في أبي بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط . وقال الكلبي : كل خليل في غير طاعة الله ، فهو عدوٌّ لخليله .
وروى عبيد بن عمير . قال : كان لرجل ثلاثة أخلاء ، بعضهم أخص به من بعض ، فنزلت به نازلة ، فلقي أخص الثلاثة . فقال : يا فلان : إني قد نزل بي كذا وكذا ، وإني أحب أن تعينني . فقال له : ما أنا بالذي أعينك ، ولا أنفعك ، فانطلق إلى الذي يليه . فقال له : أنا معك حتى أبلغ المكان الذي تريده ، ثم رجعت وتركتك . فانطلق إلى الثالث فقال له : أنا معك حيثما دخلت . قال : فالأول ماله ، والثاني أهله وعشيرته ، والثالث عمله . وروى أبو إسحاق عن الحارث ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أنه سئل عن قوله : { الاخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } فقال : خليلان مؤمنان ، وخليلان كافران ، فتوفي أحد المؤمنين فيثني على صاحبه خيراً ، ثم يموت الآخر ، فيجمع بين أرواحهما فيقول : كل واحد منهما لصاحبه ، نعم الأخ ونعم الصاحب ، ويموت أحد الكافرين ، فيثني على صاحبه شراً ، ثم يموت الآخر ، فيجمع بين أرواحهما فيقول : كل واحد منهما لصاحبه ، بئس الأخ وبئس الصاحب .
قوله تعالى : { المتقين ياعباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } يعني : يوم القيامة ثم وصفهم فقال : { الذين ءامَنُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } يعني : مخلصين بالتوحيد . قوله تعالى : { ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم تُحْبَرُونَ } يعني : تكرمون وتنعمون . ويقال : ترون والحبرة : السرور . قوله تعالى : { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بصحاف مّن ذَهَبٍ } قال كعب : يطاف عليهم بسبعين ألف صحفة من ذهب ، في كل صحفة لون وطعام ، ليس في الأخرى ، والصحفة هي القصعة . { وَأَكْوابٍ } وهي : الأباريق التي لا خراطيم لها ، يعني : مدورة الرأس . ويقال : التي لا عُرى لها ، واحدها كوب . (4/117)
{ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الانفس } يعني : تتمنى كل نفس { وَتَلَذُّ الاعين } من النظر إليها { وَأَنتُمْ فِيهَا خالدون وَتِلْكَ الجنة } يعني : هذه الجنة { التى أُورِثْتُمُوهَا } يعني : أنزلتموها { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يعني : دخلتموها برحمة الله تعالى ، بإيمانكم واقتسمتموها بأعمالكم . { لَكُمْ فِيهَا فاكهة كَثِيرَةٌ } لا تنقطع . لقوله : { لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [ الواقعة : 33 ] { مّنْهَا تَأْكُلُونَ } أي : من الفواكه متى تشاؤوا .
ثم وصف المشركين فقال : { إِنَّ المجرمين } يعني : المشركين { فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون } أي : دائمون ، لا يموتون ولا يخرجون { لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } يعني : لا ينقطع عنهم العذاب طرفة عين { وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } يعني : آيسين من رحمة الله تعالى . قوله تعالى : { وَمَا ظلمناهم } يعني : لم نعذبهم بغير ذنب { ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين } لأنهم كانوا يستكبرون عن الإيمان .
وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)
قوله تعالى : { وَنَادَوْاْ يامالك } وذلك أنه لما يشتد عليهم العذاب ، يتمنون الموت ، ويقولون لخازن جهنم : يَا مَالِك { لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } يعني : ادع ربك لقبض أرواحنا ، فأجابهم بعد أربعين سنة { قَالَ إِنَّكُمْ ماكثون } وروى عطاء بن السائب ، عن رجل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : يجيبهم بعد ألف سنة { إِنَّكُمْ ماكثون } ويقال : إنهم ينادون { وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } فأوحى الله تعالى إلى مالك ليجيبهم ، فيقول لهم مالك قَالَ : إنَّكُمْ مَاكِثُونَ . (4/118)
قوله تعالى : { لَقَدْ جئناكم بالحق } يعني : جاءكم جبريل في الدنيا ، بالقرآن والتوحيد { ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كارهون } يعني : جاحدون . وهو قوله تعالى : { أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً } قال مقاتل : وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة ، ودخل إبليس عليهم ، وقد ذكرناه في سورة الأنفال . فنزل { أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } يعني : أجمعوا أمرهم بالشر على النبي صلى الله عليه وسلم { فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } أي : مجمعون أمرنا على ما يكرهون . وقال الكلبي : وذلك أن ثلاثة نفر ، اجتمعوا وقالوا : إنه يقول : بأن ربي يعلم السر . أترى أنه يعلم مَا نقول بيننا؟ فنزل { أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً } يعني : أقاموا على المعصية { فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } أي : معذبون عليها . قال القتبي : أي : أحكموه ، والمبرم : المفتول على طاقين .
قوله تعالى : { أَمْ يَحْسَبُونَ } يعني : بل يظنون . ويقال : أيظنون ، والميم صلة { أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونجواهم } اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به التوبيخ ، ومعناه إن الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم . قال ابن عباس : الذين يتناجون خلف الكعبة ، يعني : الذين يقولون : إن الله لا يسمع مقالتنا . قال الله تعالى : { بلى } يعني : نسمع ذلك { وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } مقالتهم .
قوله تعالى : { قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين } يعني : الموحدين من أهل مكة . قال مقاتل : لما نزلت هذه الآية ، وقرئت عليهم فقال النضر بن الحارث : ألا ترونه صدقني . فقال له الوليد : ما صدقك ، ولكنه يقول : ما كان للرحمن ولد . يعني : إنَّ إن بمعنى ما قال : { فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين } يعني : الموحدين من أهل مكة . وقال الكلبي : أنا أول الآنفين أن لله ولداً . وقال القتبي : إن كان هذا في زعمكم ، فأنا أول الموحدين ، لأنكم تزعمون أن له ولداً ، فأنَّا أوَّلِ الآنفين من ذلك ، فلم توحدوه ومن وحد الله ، فقد عبده ، ومن جعل له ولداً ، فليس من العابدين كقوله : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] أي : ليوحدون ثم نزه نفسه فقال :
سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)
{ سبحان رَبّ السموات والارض رَبّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ } يعني : عما يقولون إن لله ولداً { فَذَرْهُمْ } يعني : كفار مكة ، حين كذبوا بالعذاب { يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ } يعني : يخوضوا في أباطيلهم ، ويستهزئوا { حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذى يُوعَدُونَ } يعني : حتى يعاينوا يومهم الذي يوعدون ، وهو يوم القيامة . (4/119)
قوله تعالى : { وَهُوَ الذى فِى السماء إله وَفِى الارض إله } يعني : إله كل شيء ، ويعلم كل شيء . ويقال : هو إله في السماء يعبد ، وفي الأرض إله يعبد . ويقال : يوحد في السماء ويوحد في الأرض { وَهُوَ الحكيم } في أمره { العليم } بخلقه وبمقالتهم ، ثم عظم نفسه فقال تعالى : { وَتَبَارَكَ الذى } يعني : تعالى عما وصفوه الَّذي { لَّهُ مُلْكُ السموات والارض } يعني : خزائن السموات المطر ، وخزائن الأرض النبات { وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة } يعني : قيام الساعة { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قرأ أبو عمرو ، ونافع ، وعاصم ( تُرْجَعُونَ ) بالتاء ، على معنى المخاطبة . وقرأ الباقون بالياء ، على معنى الخبر عنهم .
قوله تعالى : { وَلاَ يَمْلِكُ الذين يَدْعُونَ } يعني : لا يقدر الذين يعبدون { مِن دُونِهِ الشفاعة إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق } يعني : بلا إله إلا الله مخلصاً { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنه الحق ، حين شهدوا بها من قبل أنفسهم ، وأنهم يشفعون لهؤلاء قوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله } يعني : كفار قريش { فأنى يُؤْفَكُونَ } يعني : أنى يصرفون بعد التصديق .
ثم قال : { وَقِيلِهِ يارب إِنَّ هَؤُلاَء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } يعني : قال النبي صلى الله عليه وسلم { وَقِيلِهِ } يعني : وقوله . قرأ عاصم وحمزة ( قِيلِهِ ) بكسر اللام ، والباقون بالنصب . وقرىء في الشاذ ( وَقِيلُهُ ) بضم اللام ، فمن قرأ بالنصب ، فنصبه من وجهين : أحدهما على العطف على قوله : { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ الله علام الغيوب } [ التوبة : 78 ] ( وقيله ) ومعنى آخر وعنده علم الساعة ، وعلم قيله يا رب . يعني : يعلم الغيب ومن قرأ بالكسر معناه وعنده علم الساعة ، وعلم قيله يا رب . ومن قرأ بالرفع فمعناه : وقيله قول يا رب { إِنَّ هَؤُلاَء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } يعني : لا يصدقون { فاصفح عَنْهُمْ } يعني : أعرض عنهم ، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال { وَقُلْ سلام } يعني : سداداً من القول { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } وهذا وعيد منه . قرأ نافع وابن عامر ( تَعْلَمُونَ ) بالتاء ، على معنى المخاطبة لهم ، والباقون بالياء على معنى الخبر عنهم ، والله أعلم .
حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)
قوله تبارك وتعالى : { حم والكتاب المبين إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةٍ مباركة } يعني : الكتاب أنزلناه في ليلة القدر سميت مباركة لما فيها من البركة ، والمغفرة للمؤمنين ، وذلك أن القرآن ، أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ ، إلى السماء الدنيا في ليلة القدر إلى السفرة . ثم أنزله جبريل متفرقاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقال : كان ينزل من اللوح المحفوظ ، إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ، مقدار ما ينزل به جبريل عليه السلام ، متفرقاً إلى السنة الثانية ثم قال : { إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } يعني : مخوفين بالقرآن . (4/120)
قوله تعالى : { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } يعني : في ليلة القدر ، يقضى كل أمر محكم ، ما يكون في تلك السنة إلى السنة الأخرى ، وهذا قول عكرمة . وروى منصور ، عن مجاهد قال فيها : يقضى أمر السنة إلى السنة ، من المصائب والأرزاق وغير ذلك . وهذا موافق للقول الأول . ويقال : في تلك الليلة ، يفرق يعني : ينسخ من اللوح المحفوظ ، ما يكون إلى العام القابل من الرزق ، والأجل ، والأمراض ، والخصب ، والشدة . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أنه قال : إنك لتلقى الرجل في الأسواق ، وقد وقع اسمه في الأموات .
ثم قرأ هذه الآية : { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } يعني : في تلك الليلة ، يفرق كل أمر الدنيا إلى مثلها إلى السنة من قابل { أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا } يعني : قضاء من عندنا . ويقال : معناه بأمر من عندنا ، فنزع حرف الخافض فصار نصباً { إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } يعني : الرسل إلى الخلق . ويقال : يعني : الملائكة في تلك الليلة { رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } يعني : إنزال الملائكة ، رحمة من الله تعالى . ويقال : الرسالة رحمة من الله تعالى . ويقال : هذا القرآن رحمة لمن آمن به { إِنَّهُ هُوَ السميع } لقولهم { العليم } بهم وبأعمالهم .
قوله عز وجل : { رَبّ السموات والارض } قرأ أهل الكوفة رب ، بكسر الباء ، والباقون بالضم ، فمن قرأ بالكسر رده إلى قوله : رحمة من ربك رب السموات . ومن قرأ بالضم ، رده إلى قوله : { إِنَّهُ هُوَ السميع العليم } رب السموات . ويقال : على الاستئناف . ومعناه : هو ربكم ، وهو رب السموات والأرض { وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } يعني : مؤمنين بتوحيد الله { لا إله إِلاَّ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ } وقد ذكرناه { رَبُّكُمْ } أي : خالقكم ورازقكم { وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الاولين } يعني : هو خالقهم ورازقهم .
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)
قوله عز وجل : { بَلْ هُمْ فِى شَكّ يَلْعَبُونَ } يعني : يستهزئون . ويقال : هذا جواب قوله : { إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } فكأنه قال : لا يوقنون ، بل هم في شك يلعبون يعني : يخوضون في الباطل . قوله تعالى : { فارتقب } يعني : فانتظر يا محمد { يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } يعني : الجدب والقحط قال القتبي : سمي الجدب والقحط . دخاناً ، وفيه قولان : أحدهما أن الجائع كأنه يرى بينه وبين السماء دخاناً من شدة الجوع ، والثاني : أنه سمي القحط دخاناً ، ليبس الأرض ، وانقطاع النبات ، وارتفاع الغبار ، فشبه بالدخان . وروى الأعمش ، عن مسلم بن صبيح ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود قال : «خمس مضين ، الدخان واللزام يعني : العذاب الأكبر ، والروم ، والبطشة ، والقمر . (4/121)
وروي عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال : بينما رجل يحدث في المسجد ، فسئل عن قوله : { يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } فقال : إذا كان يوم القيامة ، نزل دخان من السماء ، فأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ، وأخذ المؤمنون منه بمنزلة الزكام . قال مسروق : فدخلت على عبد الله فأخبرته ، وكان متكئاً ، فاستوى قاعداً . ثم أنشأ فقال : يا أيها الناس : من كان عنده علم فسئل عنه ، فليقل به ، ومن لم يكن عنده علم ، فليقل الله أعلم . إن قريشاً حين كذبوه يعني : صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال : " اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كسِنِّي يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام " فأصابهم سنة ، وشدة الجوع ، حتى أكلوا الكلاب ، والجيف والعظام ، حتى كان يرى أحدهم كأن بينه وبين السماء دخاناً .
فذلك قوله : { فارتقب يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } يعني : انتظر بهلاكهم يوم تأتي السماء بدخان مبين { يَغْشَى الناس } يعني : أهل مكة { هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعني : يقولون : هذا الجوع عذاب أليم ثم إن أبا سفيان وعتبة بن ربيعة والعاص بن وائل وأصحابهم قالوا : يا رسول الله استسق الله لنا ، فقد أصابنا شدة .
قوله تعالى : { رَّبَّنَا اكشف عَنَّا العذاب } يعني : الجوع { إِنَّا مْؤْمِنُونَ أنى لَهُمُ الذكرى } يعني : من أين لهم التوبة والعظة والتذكرة { وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ } بلغتهم ومفقه لهم { ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ } يعني : أعرضوا عما جاء به ، فلم يصدقوه ومع ذلك { وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ } يعلمه جبر ويسار أسماء الرجلين غلامي الخضر { إِنَّا كَاشِفُواْ العذاب قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } إلى المعصية ، فعادوا فانتقم منهم يوم بدر ، فذلك قوله : { يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى } يعني : نعاقب العقوبة العظمى { إِنَّا مُنتَقِمُونَ } منهم بكفرهم ويقال : { يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى } يعني : يوم القيامة . ويقال : آية الدخان لم تمض ، وستكون في آخر الزمان .
وروى إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي رضي الله عنه قال : لم تمض آية الدخان يأخذ المؤمن كهيئة الزكام ، وينتفخ الكافر حتى يصير كهيئة الجمل . وروى ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس قال : " أخْبِرْتُ أنَّ الكَوْكَب ذَا الذَّنب قد طَلَعَ ، فَخَشِيتُ أنْ يَكونَ الدُّخَانَ قَد طَرق " ويقال : هذا كله يوم القيامة ، إذا خرجوا من قبورهم ، تأتي السماء بدخان مبين ، محيط بالخلائق فيقول الكافرون : { رَّبَّنَا اكشف عَنَّا العذاب } أي : ردنا إلى الدنيا { إِنَّا مْؤْمِنُونَ } يقول الله تعالى : من أين لهم الرجعة ، وقد جاءهم رسول مبين فلم يجيبوه .
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)
قوله تعالى : { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ } يعني : ابتلينا قبل قومك قوم فرعون . { وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } على ربه ، وهو موسى عليه السلام . ويقال : رسول كريم . أي : شريف { أَنْ أَدُّواْ إِلَىَّ عِبَادَ الله } يعني : أرسلوا معي بني إسرائيل ، واتبعوني على ديني { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } قد جئتكم من عند الله تعالى . ويقال : كريم لأنه كان يتجاوز عنهم ، ويقال أمين فيكم قبل الوحي ، فكيف تتهموني اليوم . ويقال كريم حيث يتجاوز عنهم ، حين دعا موسى ، ورفع عنهم الجراد ، والقمل ، والضفادع والدم { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } فيما بينكم وبين ربكم . (4/122)
قوله تعالى : { وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى الله } يعني : لا تخالفوا أمر الله تعالى . ويقال : لا تستكبروا عن الإيمان ، ولا تعلوا بالفساد ، لأن فرعون لعنه الله ، كان عالياً من المسرفين { وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى } يعني : آتيكم بحجة بينة اليد والعصى ، وغير ذلك . { وَإِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ } يعني : أعوذ بالله { أَن تَرْجُمُونِ } يعني : أن تقتلون . ومعناه : أسأل الله تعالى ، أن يحفظني لكي لا تقتلوني . قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي { عُذْتُ } بإدغام الذال في التاء ، لقرب مخرجيهما ، والباقون بغير إدغام ، لتبيين الحرف .
ثم قال : { وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فاعتزلون } يعني : إن لم تصدقوني فاتركوني . قوله تعالى : { فَدَعَا رَبَّهُ } يعني : دعا موسى ربه ، كما ذكر في سورة يونس { وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاّهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم } [ يونس : 88 ] وقوله : { وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين } [ يونس : 86 ] { أَنَّ هَؤُلاَء قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ } يعني : مشركون فأبوا أن يطيعوني { فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلاً } فأوحى الله تعالى إليه ، أن أدلج ببني إسرائيل { إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ } يعني : إنَّ فرعون يتبع أثركم ، فخرج موسى ببني إسرائيل ، وضرب بعصاه البحر ، فصار طريقاً يابساً .
وهذا كقوله : { أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } [ طه : 77 ] فلما جاوز موسى مع بني إسرائيل البحر ، فأراد موسى أن يضرب بعصاه البحر ، ليعود إلى الحالة الأولى ، فأوحى الله تعالى إليه بقوله { واترك البحر رَهْواً } قال قتادة : يعني : طريقاً يابساً واسعاً . وقال الضحاك : رَهْواً يعني : سهلاً . وقال مجاهد : يعني : منفرجاً . وقال القتبي : يعني : طريقاً سالكاً . كما هو . ويقال : رهواً أي : سككاً جدداً ، طريقاً يابساً { إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ } وذلك ، أن بني إسرائيل خشوا أن يدركهم فرعون ، فقالوا لموسى : اجعل البحر كما كان ، فإننا نخشى أن يلحق بنا .
قال الله تعالى : { إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ } يعني : سيغرقون ، فدخل فرعون وقومه البحر ، فأغرقهم الله تعالى ، وبقيت قصورهم وبساتينهم قوله تعالى : { كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات وَعُيُونٍ } يعني : بساتين وأنهاراً جارية { وَزُرُوعٍ } يعني : الحروق { وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } يعني : مساكن ومنازل حسن .
كذلك يعني : هكذا أخرجناهم من النعم { وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فاكهين } يعني : معجبين . وقال أهل اللغة : النِّعمة بكسر النون هي المنة ، واليد الصالحة ، والنُّعمة بالضم هي الميسرة ، وبالنصب هي السعة في العيش . ثم قال : { كذلك } يعني : هكذا أخرجناهم من السعة والنعمة { كَذَلِكَ وأورثناها قَوْماً } يعني : جعلناها ميراثاً لبني إسرائيل . (4/123)
قوله تعالى : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والارض } قال بعضهم : هذا على سبيل المثل ، والعرب إذا أرادت تعظيم ملك ، عظيم الشأن ، عظيم العطية تقول : كَسَفَ القَمَرُ لِفَقْدِهِ ، وبَكَت الرِّيحُ والسَّمَاءُ وَالأرْضُ ، وقد ذكروا ذلك في أشعارهم ، فأخبر الله تعالى ، أن فرعون لم يكن ممن يجزع له جازع ، ولم يقم لفقده فقد ، وقال بعضهم : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والارض } يعني : أهل السماء ، وأهل الأرض . فأقام السماء والأرض مقام أهلها . كما قال : { واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لصادقون } [ يوسف : 82 ] وقال بعضهم : يعني : بكت السماء بعينها ، وبكت الأرض . وقال ابن عباس : « لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَابٌ في السَّمَاءِ ، يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ ، وَيَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ ، فَإذا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ بَابُه فِي السَّمَاءِ ، وَبَكَتْ عَلَيْهِ آثَارُهُ فِي الأرْضِ » وذكر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أنه سئل : أتبكي السماء والأرض على أحد؟ قال نعم ، إذا مات المؤمن ، بكت عليه معادنه من الأرض ، التي كان يذكر الله تعالى فيها ويصلي ، وبكى عليه بابه الذي كان يرفع فيه عمله ، فأخبر الله تعالى : أن قوم فرعون ، لم تبك عليهم السماء والأرض { وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ } يعني : مؤجلين .
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37)
{ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إسراءيل مِنَ العذاب المهين } يعني : من العذاب الشديد . ويقال : المهين يعني : الهوان . وهو قتل الأبناء ، واستخدام البنات { مِن فِرْعَوْنَ } يعني : من عذاب فرعون { إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين } يعني : كان عاصياً ، عاتياً ، مستكبراً ، متعظماً وكان من المسرفين . يعني : من المشركين { وَلَقَدِ اخترناهم } يعني : اصطفينا بني إسرائيل { على عِلْمٍ } يعني : على علم من الله تعالى ، أنهم أهل لذلك . ويقال : { على عِلْمٍ } الله فيهم من صبرهم { عَلَى العالمين } يعني : على عالمي زمانهم { وءاتيناهم مِنَ الايات } يعني : أعطيناهم من العلامات { مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ } يعني : ابتلاء بيناً ، مثل انفلاق البحر ، وأشباه ذلك . (4/124)
ثم ذكر كفار مكة فقال : { إِنَّ هَؤُلاَء لَيَقُولُون إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الاولى } يعني : ما هي إلا موتتنا الأولى { وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ } بعدها { فَأْتُواْ بِئَابَائِنَا إِن كُنتُمْ صادقين } أنا نبعث بعد الموت ، يعني : قالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم . قال الله تعالى : { أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } يعني : قومك خير أم قوم تبع ، وإنما ذكر قوم تبع ، لأنهم كانوا أقرب إلى أهل مكة في الهلاك من غيرهم . قال الكلبي : وكانوا أشراف حمير { والذين مِن قَبْلِهِمْ أهلكناهم } فكيف لا نهلك قومك إذا كذبوك قال : وكان تبع اسم ملك منهم ، مثل فرعون . ويقال : إنما سمي تبع ، لكثرة أتباعه ، فأسلم فخالفوه فأهلكهم الله تعالى ، وكان اسمه سعد بن ملكي كرب .
وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، أن عائشة رضي الله عنها قالت : إن تبع كان رجلاً صالحاً . وكان كعب الأحبار يقول : ذم الله قومه ، ولم يذمه . وقال سعيد بن جبير : إن تبعاً كسا البيت ، يعني : الكعبة . وقال القتبي : هم ملوك اليمن ، كل واحد منهم يسعى تبعاً ، لأنه يتبع صاحبه ، وكذلك الظل يسمى : تبعاً لأنه يتبع الشمس ، وموضع التبع في الجاهلية ، موضع الخليفة في الإسلام ، وهم ملوك العرب . ثم قال : { والذين مِن قَبْلِهِمْ } يعني : من قبل تبع { أهلكناهم } يعني : عذبناهم عند التكذيب { إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } يعني : مشركين .
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42)
قوله تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } يعني : عابثين لغير شيء { مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق } يعني : إلا لأمر هو كائن . ويقال : خلقناهما للعبرة ، ومنفعة الخلق ويقال : للأمر والنهي ، والترهيب والترغيب { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } يعني : لا يصدقون ، ولا يفقهون . (4/125)
قوله تعالى : { إِنَّ يَوْمَ الفصل } أي : يوم القضاء بين الخلق ، وهو يوم القيامة { ميقاتهم أَجْمَعِينَ } يعني : ميعادهم أجمعين ، الأولين والآخرين . ويقال : يوم الفصل ، يعني : يوم يفصل بين الأب وابنه ، والأخ وأخيه ، والزوج والزوجة ، والخليل والخليلة ، ثم وصف ذلك اليوم فقال : { يَوْمَ لاَ يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً } يعني : لا يدفع ولي عن ولي ، ولا قريب عن قريب شيئاً في الشفاعة { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } يعني : لا يمنعون مما نزل بهم من العذاب . يعني : الكافرين . ثم وصف المؤمنين ، فإنه يشفع بعضهم لبعض فقال : { إِلاَّ مَن رَّحِمَ الله إِنَّهُ هُوَ العزيز } في نعمته للكافرين { الرحيم } بالمؤمنين .
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50)
قوله تعالى : { إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الاثيم } يعني : الفاجر وهو الوليد ، وأبو جهل ، ومن كان مثل حالهما { كالمهل يَغْلِى فِى البطون } يعني : كالصفر المذاب . قرأ ابن كثير ، وعاصم في رواية حفص { كالمهل يَغْلِى } ، بالياء بلفظ التذكير . والباقون بلفظ التأنيث ، فمن قرأ بلفط التذكير ، رده إلى المهل . ومن قرأ بلفظ التأنيث ، رده إلى الشجرة { كَغَلْىِ الحميم } يعني : الماء الحار الذي قد انتهى حره . (4/126)
ثم قال للزبانية : { خُذُوهُ فاعتلوه إلى سَوَاء الجحيم } يعني : فسوقوه وادفعوه إلى وسط الجحيم . قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر فَاعْتُلُوه بضم التاء ، والباقون بالكسر ، وهما لغتان ، معناهما واحد ، يعني : امضوا به بالعنف والشدة . وقال مقاتل : يعني : ادفعوه على وجهه . وقال القتبي : خذوه بالعنف { ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحميم } ويقال له : { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } وذلك أن أبا جهل قال : أنا في الدنيا أعز أهل هذا الوادي ، وأكرمه فيقال له في الآخرة : { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } ، يعني : المتعزز المتكرم ، كما قلت في الدنيا .
قوله عز وجل : { إِنَّ هذا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } يعني : تشكون في الدنيا . قرأ الكسائي { ذُقْ إِنَّكَ } بنصب الألف ، والباقون بالكسر . فمن قرأ بالنصب فمعناه ذق يا أبا جهل ، لأنك قلت : أنك أعز أهل هذا الوادي فقال الله تعالى : { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ } القائل أنا { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } [ الدخان : 49 ] ومن قرأ بالكسر ، فهو على الاستئناف . ثم وصف حال المؤمنين في الآخرة .
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)
فقال تعالى { إِنَّ المتقين فِى مَقَامٍ أَمِينٍ } يعني : في منازل حسنة ، آمنين من العذاب . قرأ نافع ، وابن عامر فِي مُقَامٍ ، بضم الميم . والباقون بالنصب ، فمن قرأ بالنصب يعني : المكان والموضع ، ومن قرأ بالضم يعني : الإقامة { فِى جنات وَعُيُونٍ } يعني : في بساتين ، وأنهار جارية { يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ } يعني : ما لطف من الديباج { وَإِسْتَبْرَقٍ } يعني : ما ثخن منه { متقابلين } يعني : متواجهين كما قال في آية أخرى { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين } [ الحجر : 47 ] ثُم قال : { كذلك } يعني : هكذا ، كما ذكرت لهم في الجنة . (4/127)
ثم قال عز وجل : { وزوجناهم بِحُورٍ عِينٍ } يعني : بيض الوجوه حسان الأعين { يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فاكهة ءامِنِينَ } يعني : ما يتمنون من الفواكهة ، آمنين من الموت ومن زوال المملكة . ويقال : { ءامِنِينَ } مما يلقى أهل النار { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت } يعني : في الجنة { إِلاَّ الموتة الاولى } يعني : سوى ما قضى عليهم من الموتة الأولى في الدنيا { ووقاهم عَذَابَ الجحيم } يعني : يصرف عنهم عذاب النار قوله تعالى : { فَضْلاً مّن رَّبّكَ } يعني : هذا الثواب ، عطاء من ربك للمؤمنين المخلصين { ذلك هُوَ الفوز العظيم } يعني : النجاة الوافرة { فَإِنَّمَا يسرناه بِلَسَانِكَ } يعني : هَوَّنَا قراءة القرآن على لسانك ، لكي تقرأه وتخبرهم بذلك { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يعني : يتعظون بالقرآن { فارتقب } يعني : انتظر بهلاكهم { إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ } يعني : منتظرون بهلاكك . روى يعلى بن عبيد ، عن إسماعيل ، عن عبد الله بن عيسى قال : أخبرت أنه : من قرأ ليلة الجمعة سورة الدخان إيماناً ، واحتساباً وتصديقاً ، أصبح مغفوراً له ، والله أعلم . وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي ، وآله وأزواجه الطيبين الطاهرين ، وسلم تسليماً دائماً .
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)
قوله تبارك وتعالى : { حم تَنزِيلُ الكتاب } يعني : هذا الكتاب تنزيل { مِنَ الله العزيز الحكيم } وقد ذكرناه { إِنَّ فِى السموات والارض ايات لّلْمُؤْمِنِينَ } يعني : لعبرات للمؤمنين في خلقهن . ويقال : معناه أن ما في السموات من الشمس ، والقمر ، والنجوم ، وفي الأرض من الجبال ، والأشجار ، والأنهار وغيرها من العجائب ، لعبرات ودلائل ، واضحات للمؤمنين . يعني : للمقرين المصدقين ويقال { لِلْمُؤْمِنِينَ } يعني : لمن أراد أن يؤمن ، ويتقي الشرك . (4/128)
قوله عز وجل : { وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ } يعني : وفيما خلق من الدواب { لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ واختلاف } يعني : عبرات ودلائل لمن كان له يقين . قرأ حمزة والكسائي آيَاتٍ بالكسر ، والباقون بالضم . وكذلك الاختلاف في الذي بعده ، فمن قرأ بالكسر ، فإن المعنى : إن في خلقكم آيات لقوم يوقنون ، فهو في موضع النصب إلاَّ أن هذه التاء تصير خفضاً في موضع النصب وإنما أضمر فيه إنَّ لأَنَّ قوله : { إِنَّ فِى السموات والارض لاَيَاتٍ } في موضع النصب ، فكذلك في الثاني معناه : إن في خلقكم آيات . ومن قرأ بالضم ، فهو على الاستئناف على معنى ، وفي خلقكم آيات .
{ واختلاف اليل والنهار } يعني : في اختلاف الليل والنهار ، في سواد الليل ، وبياض النهار يعني : في اختلاف ألوانهما ، وذهاب الليل ومجيء النهار { وَمَا أَنَزَلَ الله مِنَ السماء مَّن رِزْقٍ } وهو المطر { فَأَحْيَا بِهِ الارض بَعْدَ مَوْتِهَا } يعني : بعد يبسها وقحطها { وَتَصْرِيفِ الرياح } مرة رحمة ، ومرة عذاباً . ويقال : مرة جنوباً ومرة شمالاً .
ثم قال : { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تَلْكَ * تِلْكَ آيات الله } يعني : هذه دلائل الله ، وعلامة وحدانيته { نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق } يعني : يقرأ عليك جبريل من القرآن ، بأمر الله { تَلْكَ ءايات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق } قال مقاتل : إن لم تؤمنوا بهذا القرآن ، فبأي حديث بعد توحيد الله وبعد القرآن تؤمنون . يعني : تصدقون .
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)
قوله تعالى : { وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } يعني : كذاب فاجر { يَسْمَعُ ءايات الله } يعني : القرآن { تتلى عَلَيْهِ } يعني : يعرض عليه ، ويقرأ عليه { ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً } يعني : يقيم على الكفر ، متكبراً عن الإيمان { كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا } يعني : كأن لم يعقلها ، ولم يفهمها { فَبَشّرْهُ } يا محمد { بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } يعني : شديد . قرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر ، وَآيَاتِهِ تُؤْمِنُونَ بالتاء على معنى المخاطبة . والباقون بالياء ، على معنى الخبر عنهم . (4/129)
قوله عز وجل : { وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءاياتنا شَيْئاً اتخذها هُزُواً } يعني : إذا سمع من آياتنا ، يعني : من القرآن ، اتخذها هزءاً . يعني : سخرية . ويقال : مثل حديث رستم وإسنفديار ، وهو النضر بن الحارث { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } يهانون فيه . قوله تعالى : { مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ } يعني : أمامهم جهنم . ويقال : من بعدهم في الآخرة جهنم { وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً } يعني : لا ينفعهم ما جمعوا من المال . { وَلاَ مَا اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء } يعني : لا ينفعهم ما عبدوا دونه من الأصنام { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } في الآخرة .
قوله تعالى : { هذا هُدًى } يعني : هذا القرآن بيان من الضلالة . ويقال : هذا العذاب الذي حق { والذين كَفَرُواْ } يعني : جحدوا { بآيات رَبّهِمْ } يعني : بالقرآن { لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ } يعني : وجيع في الآخرة . قرأ ابن كثير ، وعاصم في رواية حفص { أَلِيمٌ } ، بضم الميم ، والباقون بكسر الميم ، كما ذكرنا في سورة سبأ ، ثم ذكرهم النعم ليعتبروا .
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)
فقال تعالى { الله الذى سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِىَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } وقد ذكرناه . ثم قال : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السموات وَمَا فِي الارض } يعني : ذلل لكم ما في السموات وما في الأرض ، لصلاحكم . ثم قال تعالى : { جَمِيعاً مّنْهُ } يعني : جميع ما سخر الله تعالى ، هو من قدرته ورحمته . ويقال : { جَمِيعاً مّنْهُ } يعني : مِنَّةً منه . قال مقاتل : يعني : جميعاً من أمره . وروى عكرمة ، عن ابن عباس قال : جميعاً منه ، منه النور ، ومنه الشمس ومنه القمر . (4/130)
{ إِنَّ فِى ذَلِكَ } يعني : فيما ذكر { لاَيَاتٍ } يعني : دلالات وعبرات { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } يعتبرون في صنعه وتوحيده . وروى الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، « أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ فِي الخَالِق ، فَقَالَ : تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ ، وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ » . وروى وكيع ، عن هشام ، عن عروة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أحَدَكُم ، فَيَقُول : مَنْ خَلَقَ السماء؟ فيقول : الله ، فيقول : من خلق الأرض؟ فيقول : الله . فيقول : من خلق الله تعالى؟ فإذا افْتُتِنَ أَحَدُكُمُ بِذَلِكَ ، فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِالله وَرَسُولِهِ » . قال الله تعالى : { قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ } قال مقاتل والكلبي : وذلك ، أن رجلاً من الكفار من قريش ، شتم عمر رضي الله عنه بمكة ، فهم عمر بأن يبطش به ، فأمره الله بأن يتجاوز عنه . فقال : { قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ } ، يعني : عمر { يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ } يعني : يتجاوزوا ، ولا يعاقبوا الذين { لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله } يعني : لا يخافون عقوبته التي أهلك بها عاداً وثموداً ، والقرون التي أهلكت قبلهم . يعني : لا يخشون مثل أيام الأمم الخالية . قال قتادة : ثم نسختها آية القتال { إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب الله يَوْمَ خَلَقَ السماوات والارض مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلك الدين القيم فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يقاتلونكم كَآفَّةً واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } [ التوبة : 36 ] ثم قال : { لِيَجْزِىَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يعني : يجزيهم بأعمالهم في الآخرة . قال مجاهد : { لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله } ، يعني : لا ينالون نعم الله . قرأ حمزة والكسائي ، وابن عامر لِنَجْزِيَ بالنون على الإضافة إلى نفسه . والباقون لِنَجْزِيَ بالياء ، أي : ليجزي الله .
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)
قوله عز وجل { مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ } يعني : ثوابه لنفسه { وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا } يعني : عقوبته عليها { ثُمَّ إلى رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ } في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم . قال الله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إسراءيل } يعني : أولاد يعقوب { الكتاب } أي : التوراة ، والزبور ، والإنجيل ، لأن موسى وداود وعيسى كانوا في بني إسرائيل { والحكم } يعني : الفهم والعلم { والنبوة } يعني : جعلنا فيهم النبوة ، فكان فيهم ألف نبي . (4/131)
{ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات } يعني : الحلال من الرزق ، وهو المن والسلوى . ويقال : { رزقناهم مّنَ الطيبات } يعني : أورثناهم أموال فرعون { وفضلناهم عَلَى العالمين } يعني : فضلناهم بالإسلام على عالمي زمانهم . { وءاتيناهم بينات مّنَ الامر } يعني : الحلال والحرام ، وبيان ما كان قبلهم ، ثم اختلفوا بعده قوله تعالى : { فَمَا اختلفوا } يعني : في الدين { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم } أي : صفة النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم { بَغْياً بَيْنَهُمْ } يعني : حسداً منهم ، وطلباً للعز والملك . ويقال : اختلفوا في الدين ، فصاروا أحزاباً فيما بينهم ، يلعن بعضهم بعضاً ، ويتبرأ بعضهم من دين بعض .
ثم قال : { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة } يعني : يحكم بينهم { فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } في الكتاب والدين . قوله عز وجل : { ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ مّنَ الامر } يعني : أمرناك وألزمناك وأثبتناك على شريعة . ويقال : على سنة من الأمر وذلك حين دعوه إلى ملتهم . ويقال : على شريعة . يعني : على ملة ومذهب . وقال قتادة : الشريعة الفرائض والحدود والأحكام . { فاتبعها } يعني : اثبت عليها .
{ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين لاَ يَعْلَمُونَ } أي لا يصدقون بالتوحيد { إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً } يعني : إن تركت الإسلام ، إنهم لا يمنعوك من عذاب الله شيئاً { وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } يعني : بعضهم على دين بعض { والله وَلِىُّ المتقين } أي : ناصر الموحدين المخلصين { هذا بصائر لِلنَّاسِ } يعني : يبصرهم ما لهم وما عليهم ، والواحدة بصيرة يعني : يبين لهم الحلال والحرام . ويقال : هذا القرآن دلائل للناس . ويقال : دعوة وكرامة .
ثم قال : { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } أي : هدى من الضلالة ، ورحمة من العذاب { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } يعني : يصدقون بالرسل والكتاب ، ويوقنون أن الله أنزله نعمة وفضلاً .
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)
{ أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات } يعني : اكتسبوا السيئات ، وذلك أنهم كانوا يقولون : إنا نعطى في الآخرة من الخير ، ما لم تعطوا . قال الله تعالى : { أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات } يعني : أيظن الذين عملوا الشرك ، وهو عتبة وشيبة ، والوليد وغيرهم { أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن } يعني : علياً وحمزة وعيينة بن الحارث رضي الله عنهم { سَوَاء محياهم ومماتهم } يعني : يكونون سواء في نعم الآخرة ، قرأ حمزة والكسائي ، وعاصم في رواية حفص ، سَوَاءً بالنصب والباقون بالضم ، فمن قرأ بالنصب فمعناه : أحسبوا أن نجعلهم سواء ، أي : مستوياً فيجعل أَن نَّجْعَلَهُمْ متعدياً إلى مفعولين . ومن قرأ بالضم ، جعل تمام الكلام عند قوله : { وَعَمِلُواْ الصالحات } ثم ابتدأ فقال : { سَوَاء محياهم ومماتهم } خبر الابتداء وقال مجاهد : { سَوَاء محياهم ومماتهم } قال : المؤمنون في الدنيا والآخرة ، مؤمن يكون على إيمانه ، يموت على إيمانه ، ويبعث على إيمانه والكافر في الدنيا والآخرة ، كافر يموت على الكفر ، ويبعث على الكفر . (4/132)
وروى أبو الزبير عن جابر قال : « يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ المُؤمِنُ عَلَى إيمانِه ، والمُنَافِقُ عَلَى نِفَاقِه » ثم قال : { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } أي : بئس ما يقضون الخير لأنفسهم ، حين يرون أن لهم ما في الآخرة ، ما للمؤمنين . قوله عز وجل : { وَخَلَقَ الله السموات والارض بالحق } وقد ذكرناه { ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } يعني : ما عملت { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } يعني : لا ينقصون من ثواب أعمالهم ، ولا يُزادون على سيئاتهم .
قوله تعالى : { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } قال : يعمل بهواه ، ولا يهوى شيئاً إلا ركبه ، ولا يخاف الله { وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ } يعني : علم منه ، أنه ليس من أهل الهدى { وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } يعني : خذله الله ، فلم يسمع الهدى ، وقلبه يعني : ختم على قلبه ، فلا يرغب في الحق { وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة } يعني : غطاء . كي لا يعتبر في دلائل الله تعالى . قرأ حمزة والكسائي غشاوة بنصب الغين بغير ألف ، والباقون غِشَاوَةً . كما اختلفوا في سورة البقرة ، ومعناهما واحد { فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله } يعني : من بعد ما أضله الله { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أن من لا يقبل إلى دين الله ، ولا يرغب في طاعته ، لا يكرمه بالهدى والتوحيد .
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)
قوله تعالى : { وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } يعني : آجالنا تنقضي ، نموت ويحيي آخرون . يعني : نموت نحن ويحيا أولادنا ويقال يموت قوم ويحيا آخرون ووجه آخر { نَمُوتُ وَنَحْيَا } يعني : نحيا ونموت ، لأن الواو للجمع لا للتأخير ، ووجه آخر نموت ونحيا ، أي : كنا أمواتاً في أصل الخلقة ، ثم نحيا ، ثم يهلكنا الدهر فذلك قوله : { وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر } يعني : لا يميتنا إلا مضي الأيام ، وطول العمر . (4/133)
قال الله تعالى : { وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } يعني : يقولون قولاً بغير حجة ، ويتكلمون بالجهل { إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } يعني : ما هم إلا جاهلون . قوله تعالى : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ } يعني : تعرض عليهم آيات القرآن واضحات ، بين فيه الحلال والحرام { مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ } أي : لم تكن حجتهم وجوابهم { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بينات } يعني : أحيوا لنا آباءنا { إِن كُنتُمْ صادقين } بأنا نبعث { قُلِ الله يُحْيِيكُمْ } يخلقكم من النطفة { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقضاء آجالكم .
{ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } يعني : يوم القيامة يجمع أولكم وآخركم { لاَ رَيْبَ فِيهِ } لا شك فيه عند المؤمنين . ويقال : لا ينبغي أن يشك فيه { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } يعني : البعث بعد الموت . قوله عز وجل : { وَللَّهِ مُلْكُ السموات والارض } يعني : خزائن السموات والأرض . ويقال . له : نفاذ الأمر في السموات والأرض { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون } يعني : يخسر المكذبون بالبعث ، وهم أهل الباطل والكذب . ثم قال : { يَسْألُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِى السماوات والارض لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 187 ] .
وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31)
{ وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } يعني : مجتمعة للحساب على الركب { كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كتابها } يعني : إلى ما في كتابها من خير أو شر ، وهذا كقوله : { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم فَمَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ فأولئك يَقْرَءُونَ كتابهم وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } [ الإسراء : 71 ] يعني : بكتابهم { اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } يعني : يقال لهم : اليوم تثابون بما كنتم تعملون في الدنيا ، من خير أو شر . قوله تعالى : { هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم } يعني : هذا الذي كتب عليكم الحفظة { يَنطِقُ عَلَيْكُم } { بالحق } يعني : يشهد عليكم بالحق { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } يعني : نستنسخ عملكم من اللوح المحفوظ ، نسخة أعمالكم ، { مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } من الحسنات والسيئات . (4/134)
قال أبو الليث رحمه الله : حدّثنا الخليل بن أحمد . قال : حدّثنا الماسرجسي قال : حدّثنا إسحاق قال : حدّثنا بقية بن الوليد قال : حدّثنا أرطأة بن المنذر . قال : عن مجاهد ، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أَوَّلُ مَا خَلَقَ الله القَلَمَ ، فَكَتَبَ مَا يَكُون فِي الدُّنْيَا مِنْ عَمَلٍ مَعْمُولٍ ، براً وفاجَراً وَأحْصَاهُ فِي الذّكْرِ فَاقْرَؤُوا إِن شِئْتُمْ { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فهَلَ يَكُونُ النّسْخُ إِلاّ مِنْ شَيءٍ قَدْ فُرِغٍ مِنْهُ » . وروى الضحاك ، عن ابن عباس ، أن الله تعالى وكل ملائكته ، يستنسخون من ذلك الكتاب المكتوب عنده ، كل عام في شهر رمضان ، ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المقبلة ، فيعارضون به ، حفظه الله تعالى على عبادة كل عشية خميس ، فيجدون ما رفع الحفظة موافقاً لما في كتابهم ذلك ، لا زيادة فيه ولا نقصان .
وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ألستم قوماً عرباً ، هل يكُون النَّسخ إِلاَّ من أَصْل كَان قَبْل ذَلِكَ؟ وقال القتبي : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ . قال إن الحفظة يكبتون جميع ما يكون من العبد ، ثم يقابلونه بما في أم الكتاب ، فما فيه من ثواب أو عقاب أثبت ، وما لم يكن فيه ثواب ولا عقاب محي فذلك قوله : { يَمْحُو الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب } [ الرعد : 39 ] الآية . وقال الكلبي : يرفعان ما كتبا ، فينسخان ما فيها من خير أو شر . ويطرح ما سوى ذلك .
قوله تعالى : { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين } وقد ذكرناه . قوله عز وجل : { وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ } يعني : جحدوا بالكتاب والرسل والتوحيد . يقال لهم : { وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ } يعني : تقرأ عليكم في الدنيا { فاستكبرتم } يعني : تكبرتم عن الإيمان والقرآن { وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } يعني : مشركين ، كافرين بالرسل والكتب .
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)
{ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ } يعني : إذا قال لكم الرسل في الدنيا ، إن البعث بعد الموت حق { والساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا } أي : لا شك فيها . قرأ حمزة { والساعة } بالنصب ، عطف على قوله : { أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة } قرأ الباقون بالضم ، ومعناه : وَإِذَا قِيلَ : { إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَقِيلَ والساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا } ، أي : لا شك فيها { قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا الساعة } يعني : ما القيامة ، وما البعث { إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً } يعني : قلتم ما نظن إلا ظناً غير اليقين { وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أنها كائنة . (4/135)
قوله عز وجل : { وَبَدَا لَهُمْ } أي : ظهر لهم { سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } يعني : عقوبات ما عملوا في الدنيا . ويقال : تشهد عليهم جوارحهم { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } يعني : نزل بهم العذاب ، ووجب عليهم العذاب ، باستهزائهم أنه غير نازل بهم { وَقِيلَ } يعني : قالت لهم الخزنة { اليوم نَنسَاكُمْ } يعني : نترككم في النار . { كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } يعني : كما تركتم الإيمان والعمل ، لحضور يومكم هذا .
{ وَمَأْوَاكُمُ النار } يعني : مثواكم ومستقركم النار { وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين } يعني : ليس لكم مانع يمنعكم ، مما نزل بكم من العذاب { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم ءايات الله هُزُواً } يعني : هذا العذاب ، بأنكم لم تؤمنوا { وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا } يعني : ما في الدنيا من زينتها وزهرتها { فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } قرأ حمزة والكسائي بنصب الياء ، فيجعلان الفعل لهم . والباقون بالضم على فعل ، ما لم يسم فاعله . { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } يعني : لا يرجعون إلى الدنيا . وقال الكلبي : لا يعاتبون بعد هذا القول ، ويتركون في النار . ويقال : لا يراجعون الكلام بعد دخولهم النار { فَلِلَّهِ الحمد } يعني : عند ذلك ، يحمد المؤمنون الله في الجنة . كقوله : { وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الارض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } [ الزمر : 74 ] ويقال : { فَلِلَّهِ الحمد } يعني : له آثار الحمد ، فعلى جميع الخلق أن يحمدوه . ويقال : { فَلِلَّهِ الحمد } يعني : الألوهية والربوبية { رَبّ السموات وَرَبّ الارض } يعني : الحمد لرب الأرض { رَبّ العالمين } يعني : لرب جميع الخلق الحمد والثناء { وَلَهُ الكبرياء } يعني : العظمة ، والقدرة ، والسلطان ، والعزة { فِي السموات والارض وَهُوَ العزيز } في ملكه { الحكيم } في أمره وقضائه ، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3)
قوله تبارك وتعالى : { حم تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم } وقد ذكرناه { مَا خَلَقْنَا السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا } من الشمس ، والقمر ، والنجوم ، والرياح ، والخلق { إِلاَّ بالحق } يعني : إلا ببيان الحق ، لأمر عظيم هو كائن ، ولم يخلقهن عبثاً { وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } يعني : خلقهن لأجل أمر عظيم ، ينتهي إليه وهو يوم القيامة ، وهو الأجل المعلوم { والذين كَفَرُواْ } يعني : مشركي مكة { عَمَّا أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ } يعني : عما خوفوا به تاركون ، فلا يؤمنون به ، ولا يتفكرون فيه . (4/136)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } يعني : ما تعبدون من الأصنام . قال القتبي : ما هاهنا في موضع الجمع ، يعني : الذين يدعون من الآلهة { أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الارض } يعني : أخبروني ما الذي خلقوا من الأرض ، كالذي خلق الله تعالى ، إن كانوا آلهة { أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السموات } يعني : أم لهم نصيب ودعوة في السموات . يعني : في خلق السموات . (4/137)
ثم قال { ائتونى بكتاب مّن قَبْلِ هذا } أي : بحجة لعبادتكم الأصنام في كتاب الله . ويقال ائتوني بحجة من الله ومن الأنبياء من قبل هذا يعني : من قبل هذا القرآن ، الذي أتيتكم به ، فيه بيان ما تقولون { أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ } يعني : رواية تروونها من الأنبياء ، والعلماء { إِن كُنتُمْ صادقين } أن الله تعالى ، أمَركم بعبادة الأوثان . قرأ الحسن ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، أَوْ أَثَرَةٍ مِنْ عِلْمٍ . قال القتبي : هو اسم مبني على فعلة من ذلك ، والأول فعالة ، والأثرة التذكرة ، ومنه يقال : فلان يأثر الحديث أي : يرويه . وقال قتادة : أَوْ أَثَارَةٍ ، يعني : خاصة من علم ، ويقال : أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ يؤثر عن الأنبياء والعلماء . فلما قال لهم ذلك سكتوا .
قوله تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله } يعني : من أشد كفراً ممن يعبد من دون الله آلهة { مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القيامة } يعني لا يجيبه وإن دعاه إلى يوم القيامة { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غافلون } يعني : عن عبادتهم . ثم بين إجابتهم وحالهم يوم القيامة ، فقال تعالى : { وَإِذَا حُشِرَ الناس } يعني : إلى البعث { كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاء } يعني : صارت الآلهة أعداء لمن عبدهم { وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كافرين } يعني : جاحدين ، ويتبرؤون منهم { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ } يعني : تقرأ عليهم آياتنا واضحات ، فيها الحلال والحرام . ويقال : بينات فيها دلائل واضحات { قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقّ } يعني : للقرآن { لَمَّا جَاءهُمْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي : حين جاءهم هذا سحر بين .
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)
قوله عز وجل : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } يعني : اختلقه من ذات نفسه { قُلْ إِنِ افتريته } يعني : اختلقته من تلقاء نفسي ، يعذبني الله تعالى عليه . { فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ الله شَيْئاً } يعني : لا تقدرون أن تمنعوا عذاب الله عني { هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } يعني : تخوضون فيه من الكذب في القرآن { كفى بِهِ شَهِيداً } يعني : كفى بالله عالماً { بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } ويقال تفيضون أي تقولون ثم قال { وَهُوَ الغفور الرحيم } يعني : الغفور لمن تاب ، الرحيم بهم . (4/138)
قوله تعالى { قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ الرسل } يعني : ما أنا أول رسول بعث { وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ } يعني : يرحمني وإياكم ، أو يعذبني وإياكم . وقال الحسن في قوله : وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ، يعني : في الدنيا . وقال الكلبي : وذلك أنه رأى في المنام ، أنه أخرج إلى أرض ، ذات نخل وشجر ، فأخبر أصحابه ، فظنوا أنه وحي أوحي إليه ، فاستبشروا ، فمكثوا بذلك ما شاء ، فلم يروا شيئاً مما قال لهم ، فقالوا يا رسول الله ، ما رأينا الذي قلت لنا . فقال : « إنَّمَا كَانَ رُؤْيَا رَأَيْتُها ، وَلَمْ يَأْتِ وَحْيٌ مِنَ السَّمَاءِ ، وَمَا أَدْرِي أَيَكُونُ ذلك أَوْ لا يَكُونُ » . فنزل قوله { قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ الرسل } يعني : ما كنت أولهم ، وقد بعث قبلي رسل كثير ، { وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ } { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ } ويقال : ما أدري ما يفعل بي ولا بكم ، يرحمني وإياكم ، أو يعذبني وإياكم . فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إذاً لا فرق بيننا وبينك ، كما نحن لا ندري ما يفعل بنا ، ولا تدري ما يفعل بك . وقد عير المشركون المسلمين فقالوا : { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نجوى إِذْ يَقُولُ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } [ الإسراء : 47 ] لا يدري ما يفعل به ، فأنزل الله تبارك وتعالى : { تَبَارَكَ الذى إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذلك جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } [ الفرقان : 10 ] فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، نزل عليه { وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه وَكَفَّ أَيْدِىَ الناس عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً } [ الفتح : 20 ] وقد نسخت هذه الآية { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نجوى إِذْ يَقُولُ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } [ الأسراء : 47 ] .
ثم قال تعالى : { وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } يعني : مخوف ، مفقه لكم بلغة تعرفونها . قوله تعالى : { قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله } يعني : إن كان القرآن من عند الله تعالى { وَكَفَرْتُمْ بِهِ } يعني : جحدتم بالقرآن { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل } قال مجاهد ، وعكرمة ، وقتادة هو عبد الله بن سلام .
وروى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا يُشْهَدُ لأحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ إلاّ لِعَبْدِ الله بْنِ سَلامٍ » وفيه نزلت { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل } { على مِثْلِهِ } أي : على مثل شهادة عبد الله بن سلام . يعني : بنيامين على مثله . يعني : على مثل شهادة عبد الله بن سلام ، وكان ابن أخ عبد الله بن سلام ، شهد على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . (4/139)
وروى وكيع ، عن ابن عون قال : ذكر عند الشعبي { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل } أنه عبد الله بن سلام . فقال الشعبي : وكيف يكون عبد الله بن سلام هو الشاهد ، وهذه السورة مكية ، وكان ابن سلام بالمدينة . قال ابن عون : صدق الشعبي إن تلك السورة نزلت بمكة ، ولكن هذه الآية نزلت بالمدينة ، فوضعت في هذه السورة . وروى داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن مسروق قال : والله ما هو عبد الله بن سلام ، ولقد أنزلت بمكة ، فخاصم به النبي صلى الله عليه وسلم الذين كفرُوا من أهل مكة ، أن التوراة مثل القرآن ، ومُوسَى مثل محمد صلى الله عليه وسلم ، وكُل مؤمن بالتوراة فهو شاهد من بني إسرائيل . ثم قال : { قُلْ أَرَءيْتُمْ } يعني : تكبرتم وتعاظمتم عن الإيمان { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } يعني : الكافرين .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14)
{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } يعني : قال رؤساء المشركين لضعفاء المسلمين { لَوْ كَانَ خَيْراً } يعني : لو كان هذا الدين حقاً { مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } وقال قتادة : قال أناس من المشركين : نحن أعز ، ونحن أغنى ، ونحن أكرم ، فلو كان خيراً ، ما سبقنا إليه فلان وفلان . قال الله تعالى : { مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم } [ البقرة : 105 ] و { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم } [ آل عمران : 74 ] يعني : يختار لدينه ، من كان أهلاً لذلك { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } يعني : لم يؤمنوا بهذا . أي : القرآن كما اهتدى به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم { فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ } يعني : القرآن كذب قديم ، أي : تقادم من محمد صلى الله عليه وسلم . (4/140)
قوله تعالى { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } يعني : قد أنزل قبل هذا القرآن ، الكتاب على موسى ، يعني : التوراة { إِمَاماً } يقتدى به { وَرَحْمَةً } من العذاب ، لمن آمن به { وهذا كتاب مُّصَدّقٌ } يعني : وأنزل إليك هذا الكتاب ، مصدق للكتب التي قبله { لّسَاناً عَرَبِيّاً } بلغتكم ، لتفهموا ما فيه { لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ } يعني : مشركي مكة . قرأ نافع ، وابن عامر لِتُنْذِرَ ، بالتاء على معنى المخاطبة يعني : لتنذر أنت يا محمد . والباقون بالياء ، على معنى الخبر عنه ، يعني : ليخوف محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن { وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ } يعني : بشارة بالجنة للموحدين { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة خالدين فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وقد ذكرناه .
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)
ثم قال الله تعالى : { وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه إحسانا } يعني : أمرنا الإنسان بالإحسان إلى والديه . قال مقاتل والكلبي : نزلت الآية ، في شأن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، ويقال : هذا أمر عام لجميع الناس . قرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم إحْسَاناً بالألف ، ومعناه : أمرناه بأن يحسن إليهما إحساناً . والباقون حُسْناً بغير ألف ، فجعلوه اسماً ، وأقاموه مقام الإحسان . (4/141)
ثم ذكر حق الوالدين ، فقال : { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً } يعني : في مشقة { وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } يعني : في مشقة { وَحَمْلُهُ وفصاله } يعني : حمله في بظن أمه ، وفصاله ورضاعه { ثَلاَثُونَ شَهْراً } وروى وكيع بإسناده ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه قال : إن رجلاً قال له : إني تزوجت جارية سليمة بكراً ، لم أر منها ريبة ، وإنها ولدت لستة أشهر . فقرأ علي { والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ والدة بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أولادكم فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ البقرة : 233 ] وقرأ { وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً } فالحمل ستة أشهر ، والرضاع سنتين ، والولد ولدك . وقال وكيع : هذا أصل ، إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر ، لم يلزمه فيفرق بينهما .
ثم قال { حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } يعني : بلغ ثلاثاً وثلاثين { وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } صدق بالنبي صلى الله عليه وسلم ، يعني : أبا بكر { قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ } يعني : ألهمني ما أؤدي به شكر نعمتك ، وما أوزعت به نفسي ، أن أكفها عن كفران نعمتك ، وأصله من وزعته . أي : دفعته قال : رب أوزعني أن أشكر . يعني : أن أؤدي شكر نعمتك { التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى وَالِدَىَّ } بالإسلام { وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه } يعني : تقبله { وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى } يعني : أكرمهم بالتوحيد . ويقال : اجعلهم أولاداً صالحين مسلمين ، فأسلموا كلهم { إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ } يعني : أقبلت إليك بالتوبة { وَإِنّى مِنَ المسلمين } يعني : المخلصين ، الموحدين على دينهم .
قوله تعالى { أولئك } يعني : أهل هذه الصفة . يعني : أبا بكر ووالديه ، وذريته ، ومن كان في مثل حالهم { الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } يعني : ستجزيهم بإحسانهم . قرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم في رواية حفص ، نَتَقَبَّل بالنون { وَنَتَجَاوَزُ } بالنون . وقرأ الباقون بالياء والضم . فمن قرأ بالنون ، فهو على معنى الإضافة إلى نفسه ، يعني : نتقبل نحن ، ونصب أحسن لوقوع الفعل عليه ، ومن قرأ بالياء والضم ، فهو على معنى فعل ، ما لم يسم فاعله . ولهذا رفع قوله : «أَحْسَنُ» لأنه مفعول ما لم يسم فاعله .
ثم قال { وَنَتَجَاوَزُ عَن سيئاتهم } يعني : ما فعلوا قبل التوبة ، فلا يعاقبون عليها { فِى أصحاب الجنة } يعني : هم مع أصحاب الجنة . وروى أبو معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن الحسن قال : مَنْ يَعْمَل سُوءاً يُجْزَ بِهِ ، إنما ذلك لمن أراد الله هوانه ، وأما من أراد الله كرامته ، فإنه يتجاوز عن سيئاته فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ . ثم قال : { وَعْدَ الصدق } يعني : وعد الصدق في الجنة . قوله تعالى { الذى كَانُواْ يُوعَدُونَ } .
وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)
{ والذى قَالَ لوالديه أُفّ لَّكُمَا } يعني : عبد الرحمن بن أبي بكر قال لوالديه : أف لكما يعني : قدراً لكما ، وهو الرديء من الكلام ، وقد ذكرنا الاختلاف في موضع آخر ، وقد قرىء على سبع قراءات : بالنصب والضم والكسر ، وكل قراءة تكون بالتنوين وبغير تنوين ، فتلك ست قراءات ، والسابع أفْ بالسكون { أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ } يعني : أن أبعث بعد الموت ، وذلك قبل أن يسلم { وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِى } أي : مضت الأمم ، ولم يبعث أحدهم { وَمِمَّا يَسْتَغِيثَانِ الله } يعني : أبويه يدعوان الله تعالى له بالهدى . اللهم اهده ، وارزقه الإيمان ويقولان له : { وَيْلَكَ ءامِنْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } يعني : ويحك أسلم وصدق بالبعث ، فإن البعث كائن { فَيَقُولُ } لهما { مَا هذا إِلاَّ أساطير الاولين } يعني : كذبهم فقال عبدالرحمن : إن كنتما صادقين ، فأخرجا فلاناً وفلاناً من قبورهما فنزل { أولئك } يعني : القرون التي ذكر { الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول } أي : وجب عليهم العذاب . (4/142)
{ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ } يعني : في أمم قد مضت من قبلهم ، من كفار { مّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين } في الآخرة بالعقوبة ، فأسلم عبد الرحمن وحسن إسلامه ، وذكر في الخبر ، أن مروان بن الحكم قال : نزلت هذه الآية في شأن عبد الرحمن ، أخ عائشة ، فبلغ ذلك عائشة فقالت : بل نزلت في أبيك وأخيك . قوله عز وجل { وَلِكُلّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ } يعني : فضائل في الثواب مما عملوا { وَلِيُوَفّيَهُمْ أعمالهم } أي أجورهم { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } يعني : لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً ، ولا يزادون على سيئات أعمالهم .
قوله تعالى : { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار } يعني : يكشف الغطاء عنها ، فينظرون إليها ، فيقال لهم : { أَذْهَبْتُمْ طيباتكم } يعني : أكلتم حسناتكم { فِى حياتكم الدنيا واستمتعتم بِهَا } يعني : انتفعتم بها في الدنيا . وقرأ ابن عامر أَأَذْهَبْتُمْ بهمزتين ، وقرأ ابن كثير آذْهَبْتُمْ بالمد ، ومعناهما واحد ، ويكون استفهاماً على وجه التوبيخ . والباقون أَذْهَبْتُمْ بهمزة واحدة ، بغير مد ، على معنى الخبر . وروي عن عمر : أنه اشتهى شراباً ، فأتي بقدح فيه عسل ، فأدار القدح في يده قال : أشربها فتذهب حلاوتها ، أو تبقى نقمتها . ثم ناول القدح رجلاً ، فسئل عن ذلك فقال : خشيت أن أكون من أهل هذه الآية { أَذْهَبْتُمْ طيباتكم فِى حياتكم الدنيا } .
وروي عن عمر ، أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حصير ، وقد أثر بجنبه الشريط ، فبكى عمر فقال : ما يبكيك يا عمر؟ فقال : ذكرت كسرى وقيصر ، وما كانا فيه من الدنيا ، وأنت رسول رب العالمين قد أثر بجنبك الشريط . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أُوْلَئِكَ قَوْمٌ ، عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِم الدُّنْيا ، وَنَحْنُ قَوْمٌ ، أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي الآخِرَةِ » . قوله : { فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } يعني : العذاب الشديد { بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى الارض بِغَيْرِ الحق } يعني : تستكبرون عن الإيمان { وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } يعني : تعصون الله تعالى .
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)
قوله تعالى : { واذكر أَخَا عَادٍ } يعني : واذكر لأهل مكة . ويقال : معناه واصبر على ما يقولون ، واذكر هود { إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالاحقاف } يعني : خوف قومه بموضع . يقال له : الأحقاف . روى منصور ، عن مجاهد قال : الأحقاف الأرض . ويقال : جبل بالشام ، ويسمى الأحقاف . وقال القتبي : الأحقاف جمع حقف ، وهو من الرمل ما أشرف من كثبانه ، واستطال وانحنى { وَقَدْ خَلَتِ النذر مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } يعني : مضت من قبل هود { وَمِنْ خَلْفِهِ } يعني : ومن بعده . (4/143)
{ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } يعني : خوفهم ألا تعبدوا إلا الله ، ووحدوه { إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } يعني : أعلم أنكم ، إن لم تؤمنوا ، يصبكم عذاب يوم كبير { قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءالِهَتِنَا } يعني : لتصرفنا عن عبادة آلهتنا { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } أن العذاب نازل بنا { قَالَ } هود { إِنَّمَا العلم عِندَ الله } يعني : علم العذاب عند الله ، يجيء بأمر الله ، وإنَّما عليَّ تبليغ الرسالة ، وليس بيدي إتيان العذاب . فذلك قوله : { وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ } يعني : ما يوحي الله إليَّ لأدعوكم إلى التوحيد { ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } لما قيل لكم ، ولما يراد بكم من العذاب .
{ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } يعني : لما رأوا العذاب مقبلاً ، وكانت السحابة إذا جاءت من قبل ذلك الوادي ، أمطروا . وقال القتبي : العارض : السحاب { قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } يعني : هذه سحابة ، وغيم ممطرنا . أي : تمطر به حروثنا ، لأن المطر كان حبس عنهم . فقال هود : ليس هذا عارض { بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ } يعني : الريح والعذاب { رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي : متلف . وروى عطاء ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا رأى رياحاً مختلفة تلون وجهه ، وتغير وخرج ، ودخل وأقبل ، وأدبر فذكرت ذلك له فقال : وما يدريك لعله كما قال الله : { فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } فإذا أمطرت سري عنه ويقول { وَهُوَ الذى يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سقناه لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ الأعراف : 57 ] .
ثم قال تعالى : { تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء بِأَمْرِ رَبّهَا } يعني : تهلك الريح كل شيء بأمر ربها ، أي : بإذنه تعالى { فَأَصْبَحُواْ } أي : فصاروا من العذاب بحال { لاَ يرى * مساكنهم } وقد ذكرناه في سورة الأعراف . قرأ حمزة ، وعاصم لا يُرَى بضم الياء ، مَسَاكِنُهُمْ بضم النون على معنى فعل ، ما لم يسم فاعله ، يعني : لا يرى شيء ، وقد هلكوا كلهم .
وقرأ الباقون { لاَّ ترى } بالتاء على معنى المخاطبة . ومعناه لا ترى شيئاً أيها المخاطب ، لو كنت حاضراً ، ما رأيت إلا مساكنهم . (4/144)
ثم قال { كذلك نَجْزِي القوم المجرمين } يعني : هكذا نعاقب القوم المشركين عند التكذيب { وَلَقَدْ مكناهم } يعني : أعطيناهم الملك والتمكين { فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ } يعني : ما لم نمكن لكم ، ولم نعطكم يا أهل مكة . وقال القتبي : إن الخفيفة قد تزاد في الكلام ، كقول الشاعر : ما إن رأيت ولا سمعت به ، يعني : ما رأيت ولا سمعت به ، يعني : ما لم نمكن لكم ومعنى الآية { وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ } وقال الزجاج : إنْ هاهنا مكان ما ، يعني : فيما مكناكم فيه . ويقال معناه : ولقد مكناهم في الذي مكناكم فيه .
{ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً } يعني : جعلنا لهم سمعاً ليسمعوا المواعظ ، وأبصاراً لينظروا في الدلائل ، وأفئدة ليتفكروا في خلق الله تعالى . { فَمَا أغنى عَنْهُمْ } يعني : لم ينفعهم من العذاب { سَمْعُهُمْ وَلاَ أبصارهم وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَىْء } إذ لم يسمعوا الهدى ، ولم ينظروا في الدلائل ، ولم يتفكروا في خلقه { وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم } يعني : بدلائله { وَحَاقَ بِهِم } يعني : نزل بهم من العذاب { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } يعني : العذاب الذي كانوا يجحدون به ، ويستهزئون .
قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مّنَ القرى } يعني : أهلكنا قبلكم يا أهل مكة بالعذاب ، ما حولكم من القرى { وَصَرَّفْنَا الايات } أي : بينا لهم الدلائل ، والحجج ، والعلامات { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي : يرجعون عن كفرهم ، قبل أن يهلكوا . قوله تعالى : { فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ } يعني : فهلا نصرهم . يعني : كيف لم يمنعهم من العذاب { الذين اتخذوا مِن دُونِ الله قُرْبَاناً } يعني : عبدوا من دون الله ، ما يتقربون بها إلى الله { ءالِهَةً } يعني : أصناماً ، كما قال في آية أخرى { أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ } [ الزمر : 3 ] { بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ } يعني : الآلهة لم تنفعهم شيئاً . ويقال : اشتغلوا بأنفسهم . ويقال : بطلت عنهم .
{ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ } يعني : كذبهم { وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } يعني : يختلفون . وذكر أبو عبيدة بإسناده ، عن عبد الله بن عباس ، أنه قرأ أَفَكَهُمْ بنصب الألف والفاء والكاف . يعني : ذلك الفعل أضلهم ، وأهلكهم وصرفهم عن الحق ، وقراءة العامة بضده . وَذَلِكَ إفْكهم يعني : ذلك الفعل ، وهو عبادتهم . وقولهم : وكذبهم ويقال : وَذَلِكَ إفْكُهُمْ اليوم ، كما كان إفك من كان قبلهم .
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)
قوله تعالى : { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن } وذلك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث ، خرت الأصنام على وجوهها في تلك الليلة . فصاح إبليس صيحة ، فاجتمع إليه جنوده ، فقال لهم : قد عرض أمر عظيم ، امضوا فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها . يعني : امشوا وانظروا ماذا حدث من الأمر . وروى ابن عباس : أنه لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم حيل بين الشياطين وبين السماء ، وأرسل عليهم الشهب ، فجاؤوا إلى إبليس ، فأخبروه بذلك ، قال : هذا الأمر حادث ، اضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، فجاء نفر منهم ، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي تحت نخلة في سوق عكاظ ، ومعه ابن مسعود وأصحابه ، وكان يقرأ سورة طه في الصلاة . (4/145)
وروى وكيع ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن رجل ، عن زر بن حبيش ، في قوله تعالى : { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن } قال : كانوا تسعة أحدهم : زوبعة أتوه ببطن نخلة { يَسْتَمِعُونَ القرءان فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ } وروى عكرمة ، عن الزبير قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء الأخيرة ، فلما حضروا النبي صلى الله عليه وسلم ، قال بعضهم ، لبعض أنصتوا للقرآن واستمعوا { فَلَمَّا قُضِىَ } يعني : فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من القراءة والصلاة { وَلَّوْاْ } يعني : رجعوا { إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } قال مقاتل : يعني : المؤمنين . وقال الكلبي : يعني : مخوفين . وقال مجاهد : ليس في الجن رسل ، وإنما الرسل في الإنس ، والنذارة في الجن . ثم قرأ { فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } يعني : أنذروا قومهم من الجن { قَالُواْ يأَبَانَا إِنَّا سَمِعْنَا } من محمد صلى الله عليه وسلم { كتابا } يعني : قراءة القرآن { أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى } يعني أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } يعني موافقاً لما قبله من الكتب { يَهْدِى إِلَى الحق } يعني : يدعو إلى توحيد الله تعالى من الشرك ، كما هو في سائر الكتب { وإلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } لا عوج فيه ، يعني : دين الله تعالى ، وهو الإسلام { مُّسْتَقِيمٍ ياقومنا أَجِيبُواْ دَاعِىَ الله } يعني : النبي صلى الله عليه وسلم { ياقومنا أَجِيبُواْ } يعني : صدقوا به وبكتابه { يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } وَمِنْ صلة في الكلام . يعني : يغفر لكم ذنوبكم إن صدقتم . وآمنتم { وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } يعني : يؤمنكم من عذاب النار { وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ الله } يعني : من لم يجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بما يدعو إليه من الإيمان { فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى الارض } يعني : لا يستطيع أن يهرب في الأرض ، من عذاب الله تعالى . ويقال : معناه فلن يجد الله عاجزاً عن طلبه { وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } يعني : ليس له أنصار يمنعونه ، مما نزل به من العذاب { أُوْلَئِكَ فِى ضلال } يعني : في خطأ { مُّبِينٌ } وذكر في الخبر ، أنهم لما أنذرهم وخوفهم ، جاء جماعة منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، فلقيهم بالبطحاء فقرأ عليهم القرآن ، فأمرهم ونهاهم ، وكان معه عبد الله بن مسعود ، وَخَطَّ لَهُ النبي صلى الله عليه وسلم خطاً ، وقال له :
« لاَ تَخْرُجْ مِنْ هَذَا الخَطِّ ، فَإِنَّكَ إنْ خَرَجْتَ لَنْ تَرَانِي إلَى يَوْمِ القِيَامَة ، فلما رجع إليه قال : يا نبي الله سمعت هَدَّتين أي : صوتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أمَّا إِحْدَاهُمَا : فَإنِّي سَلَّمْتُ عَليْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيَّ السَّلاَم ، وأمّا الثَّانِيَة : فَإِنَّهُمْ سَأَلُوا الرِّزْقَ فَأَعْطَيْتُهُمْ عَظْماً رِزْقاً لهم ، وَأَعْطَيْتَهُم رَوْثاً رِزْقاً لِدَوَابِّهِمْ » . ثم قال تعالى { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } يعني : أو لم يعتبروا ويتفكروا . ويقال : أو لم يخبروا { أَنَّ الله الذى خَلَق السموات والارض وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ } يعني : لم يعجز عن خلق السموات والأرض ، فكيف يعجز عن بعث الموتى . ويقال : { وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ } يعني : لم يعيه خلقهن ، ولم يعي بخلقهن بقادر { على أَن يُحْىِ الموتى بلى } لأنهم كانوا مقرين بأن الله ، هو الذي خلق السموات والأرض ، وكانوا منكرين للبعث بعد مماتهم ، فأخبرهم الله تعالى ، بأن الذي كان قادراً على خلق السموات والأرض ، يكون قادراً على إحيائهم بعد الموت . ثم قال { بلى } يعني : هو قادر على البعث { إِنَّهُ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } من الإحياء والبعث . (4/146)
{ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار } يعني : يكشف الغطاء عنها . ويقال : يساق الذين كفروا إلى النار . ويقال لهم : { أَلَيْسَ هذا بالحق } يعني : أليس هذا العذاب الذي ترون حقاً ، وكنتم تكذبون به { قَالُواْ بلى وَرَبّنَا } إنه الحق ، وَرَبّنَا هو الله . ويقال : والله إنه لحق ، فيقرون حين لا ينفعهم إقرارهم . قال : فيقال لهم : { قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } أي : تجحدون { فاصبر } يا محمد ، يعني : اصبر على أذى أهل مكة ، وتكذيبهم .
{ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل } يعني : أولو الحزم ، وهو أن يصبر في الأمور ، ويثبت عليها ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أراد أن يدعو عليهم ، فأمره الله تعالى بالصبر ، كما صبر نوح ، وكما صبر إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء ، صلوات الله عليهم أجمعين . وقال السدي : أولو العزم ، الذين أمروا بالقتال من الرسل . وقال أبو العالية : أولو العزم من الرسل ، كانوا ثلاثة والنبي صلى الله عليه وسلم رابعهم ، إبراهيم وهود ونوح ، فأمره الله تعالى أن يصبر كما صبروا . وقال مقاتل : أولو العزم من الرسل اثني عشر نبياً في بيت المقدس ، فأوحى الله إليهم ثلاث مرات ، أن اخرجوا من بين أقوامكم ، فلم يخرجوا .
فقال الله تعالى : يمضي العذاب عليكم مع قومكم فتشاوروا فاختاروا هلاك أنفسهم بينهم { وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } يعني : لا تستعجل لهم بالعذاب { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ } يعني : العذاب قد أتاهم من قريب في الآخرة ، فلقربه كأنهم يرونه في الحال . ويقال : في الآية تقديم وتأخير ، كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة في الدنيا يعني : إذا أتاهم ذلك اليوم ، يرون أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا القليل . (4/147)
فذلك قوله : { لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ } يعني : من نهار الدنيا . ويقال : يعني : في القبور . وقال أبو العالية : معناه كأنهم يرون ، حين يظنون أنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار . ثم قال { بَلاَغٌ } يعني : ذلك بلاغ وبلغه وأجل ، فإذا بلغوا أجلهم ذلك { فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون } يعني : هل يهلك في العذاب ، إذا جاء العذاب إلا القوم العاصون . ويقال : معناه لا يهلك مع رحمة الله وفضله ، إلا القوم الفاسقون . ويقال : بلاغ يعني : هذا الذي ذكر بلاغ . أي : تمام العظة . ويقال : هو من الإبلاغ ، أي : هذا إرسال وبيان لهم كقوله { هذا بلاغ لّلنَّاسِ } والله أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وآله وصحبه وسلم .