صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وذكر أنه قال يوم الخندق
بِسْمِ الإله وَبِهِ هُدِينَار ... وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شقِينَا
قيل له : هذه كلمات تكلم بها فصارت موافقة للشعر ، وليست بشعر .
ثم قال عز وجل : { لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً } يعني : من كان مؤمناً ، لأن المؤمن هو الذي يقبل الإنذار . ويقال : { مَن كَانَ حَيّاً } يعني : عاقلاً راغباً في الطاعة . قرأ نافع وابن عامر : { لّتُنذِرَ } بالتاء على معنى المخاطبة . يقول : لتنذر يا محمد . وقرأ الباقون : بالياء على معنى الخبر عنه . يعني : لتنذر يا محمد . ويقال : يعني : لتنذر بالقرآن من كان مهتدياً في علم الله تعالى الأزلي { وَيَحِقَّ القول } يعني : وجب العذاب { عَلَى الكافرين } يعني : قوله : { قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } [ الأعراف : 18 ] ثم وعظهم ليعتبروا .

(3/480)


أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76)

فقال عز وجل : { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم } يعني : أولم ينظروا فيعتبروا فيما أنعم الله عز وجل عليهم .
قوله : { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما } يعني : أنا خلقنا لهم بقوتنا ، وبقدرتنا ، وبأمرنا ، { أنعاما } يعني : الإبل ، والبقر ، والغنم ، { فَهُمْ لَهَا مالكون } يعني : الأنعام . وقال قتادة : يعني : ما في بطونها { وذللناها لَهُمْ } يعني : سخرناها لهم ، فيحملون عليها ، ويسوقونها حيث شاؤوا ، فلا تمتنع منهم { فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ } في انتفاعهم وحوائجهم { وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } من الإبل ، والبقر ، والغنم ، { وَلَهُمْ فِيهَا } يعني : في الأنعام { منافع } في الركوب ، والحمل ، والصوف ، والوبر ، { ومشارب } يعني : ألبانها { أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } رب هذه النعمة ، فيوحدونه . يعني : اشكروا ، ووحدوا ، { واتخذوا مِن دُونِ الله ءالِهَةً } يعني : تركوا عبادة رب هذه النعم ، وعبدوا الآلهة { لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } يعني : لعل هذه الآلهة تمنعهم من العذاب في ظنهم .
يقول الله عز وجل : { لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ } يعني : منعهم من العذاب { وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ } يعني : الكفار للأصنام جند يتعصبون لها ، ويحضرونها في الدنيا للآلهة . ويقال : { وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ } يعني : لآلهتهم كالعبيد ، والخدم . قيام بين أيديهم . وقال الحسن : { وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ } في الدنيا { مُحْضَرُونَ } في النار .
ثم قال عز وجل : { فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } يعني : لا يحزنك يا محمد تكذيبهم إياك { إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } من التكذيب { وَمَا يُعْلِنُونَ } يعني : ما يظهرون لك من العداوة .

(3/481)


أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)

قوله عز وجل : { أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ } روى سفيان ، عن الكلبي ، عن مجاهد قال : أتى أبيّ بن خلف الجمحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم بالي ، قد أتى عليه حين ، فقام ففته بيده ، ثم قال : يا محمد أتعدنا أنا إذا متنا وكنا مثل هذا بعثنا؟ فأنزل الله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَ الإنسان } الآية . وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم القرون الماضية أنهم يبعثون بعد الموت ، وأنكم يا أهل مكة معهم ، فأخذ أبيّ بن خلف الجمحي عظماً بالياً ، فجعل يفته بيده ، ويذروه في الرياح ، ويقول : عجباً يا أهل مكة إن محمداً يزعم أنا إذا متنا ، وكنا عظاماً بالية مثل هذا العظم ، وكنا تراباً ، أنا نعاد خلقاً جديداً ، وفينا الروح ، وذلك ما لا يكون أبداً ، فنزل { أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ } يعني : أولم يعلم هذا الكافر أنا خلقناه أول مرة من نطفة { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } جدل بالباطل . ويقال { خَصِيمٌ } بيَّن الخصومة فيما يخاصم { مُّبِينٌ } أي : بيّن { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً } يعني : وصف لنا شبهاً في أمر العظام . ويقال : وصف لنا بالعجز { وَنَسِىَ خَلْقَهُ } يعني : وترك ابتداءه حين خلقه من نطفة . ويقال : ترك النظر في خلق نفسه فلم يعتبر و { قَالَ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } يعني : بالية . والرميم : العظم البالي . يقال : رمّ العظم إذا بلي .
قال الله تعالى : { قُلْ يُحْيِيهَا الذى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } يعني : قل يا محمد يحيي العظام الذي خلقها أول مرة يعني : في أول مرة ولم يكن شيئاً .
ثم قال عز وجل : { وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } يعني : { عَلِيمٌ } بخلقهم ، وببعثهم .
ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا في البعث فقال : { الذى جَعَلَ لَكُمُ } يعني : قل يا محمد العظام يحييها { الذى جَعَلَ لَكُمُ } { مّنَ الشجر الاخضر نَاراً فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ } قال الكلبي : كل شجرة يقدح منها النار إلا شجرة العناب ، فمن ذلك القصارون يدقون عليه { فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ } يعني : تقدحون . يعني : فهو الذي يقدر على أن يبعثكم .
ثم قال عز وجل : { أَوَلَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والارض } وهي أعْظَمُ خلقاً { بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } في الآخرة . والكلام يخرج على لفظ الاستفهام . ويراد به التقرير .
ثم قال : { بلى } هو قادر على ذلك { وَهُوَ الخلاق العليم } يعني : الباعث { العليم } ببعثهم .
قوله عز وجل : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً } من أمر البعث وغيره { أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } خلقاً .

(3/482)


قرأ ابن عامر والكسائي : { فَيَكُونُ } بالنصب ، وقد ذكرناه في سورة البقرة { فسبحان الذى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء } يعني : خلق كل شيء من البعث وغيره . ويقال : خزائن كل شيء . ويقال : له القدرة على كل شيء { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بعد الموت ، فيجازيكم بأعمالكم . قال : حدّثنا الفقيه أبو الليث رحمه الله . قال : حدّثنا أبو الحسن أحمد بن حمدان ، بإسناده عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْباً ، وَقَلْبُ القُرْآنِ يس ، فَمَنْ قَرَأ يس يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ الله تَعَالَى غُفِرَ لَهُ ، وَأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَنْ قَرَأ الْقُرْآن اثْنَتَيْ عَشَرَةَ مَرَّةً . وَأيُّمَا مُسْلِمٍ قُرِئَتْ عِنْدَهُ سُورَةُ يس حِينَ يَنْزِلُ بِهِ مَلِكُ الْمَوْتِ يَنْزِلُ إلَيْهِ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا عَشَرَةُ أمْلاكٍ يَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفاً ، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ، وَيَشْهَدُونَ قَبْضَهُ ، وَيَشْهَدُونَ غَسْلَهُ ، وَيُشَيِّعُونَ جِنَازَتَهُ ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ ، وَيَشْهَدُونَ دَفْنَهُ . وَأيُّمَا مُسْلِمٍ مَرِيضٍ قُرِىءَ عِنْدَهُ سُورَةُ يس وَهُوَ فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ ، لا يَقْبِض مَلَكَ المَوْتِ رُوَحَهُ حَتَّى يَجِيءَ رَضْوَانُ خَازِنُ الْجَنَّةِ بِشُرْبَةٍ مِنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ فَيَشْرَبُهَا وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَيَقْبِضُ مَلَكُ الْمَوْتِ رُوحَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ رَيَّانُ ، وَيَدْخَلُ قَبْرَهُ وَهُوَ رَيَّان ، وَيَمْكُثُ فِي قَبْرِهِ وَهُوَ رَيَّان ، وَيُخْرَجُ مِنَ الْقَبْرِ وَهُوَ رَيَّانُ ، وَيُحَاسَبُ وَهُوَ رَيَّان ، وَلا يَحْتَاجُ إلَى حَوْضٍ مِنْ حِيَّاضِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ حَتَّى يُدْخُلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ رَيَّان » وَالله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأوَّاب وعلى آله وسلم .

(3/483)


وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5)

قوله تبارك وتعالى : { والصافات صَفَّا } قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : { والصافات صَفَّا } قال : أقسم الله تعالى بصفوف الملائكة الذين في السموات ، كصفوف المؤمنين في الصلاة . ويقال : يعني : صفوف الغزاة في الحرب ، كقوله عز وجل :
{ إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِى سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ } [ الصف : 4 ] ويقال : بصفوف الأمم يوم القيامة لقوله عز وجل : { وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا } [ الكهف : 48 ] ويقال : صف الطيور بين السماء والأرض صافات بأجنحتها لقوله : { وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } [ النور : 41 ] ويقال : صفوف الجماعات في المساجد . وفي الآية بيان فضل الصفوف ، حيث أقسم الله بهن .
ثم قال عز وجل : { فالزجرات زَجْراً } يعني : الملائكة الذين يزجرون السحاب ، ويؤلفونه ، ويسوقونه إلى البلد الذي لا مطر بها . ويقال : { فالزجرات } يعني : فالدافعات وهم الملائكة الذين يدفعون الشر عن بني آدم ، موكلون بذلك . ويقال : { الزاجرات } يعني : ما زجر الله تعالى في القرآن بقوله : { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ آل عمران : 130 ] { وَءَاتُواْ اليتامى أموالهم وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } [ النساء : 2 ] ويقال : هي التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان ، وما كان من عند الله من كتب . ويقال : { صَفَّا فالزجرات زَجْراً } يعني : هم الأنبياء ، والرسل ، والعلماء ، يزجرون الناس عن المعاصي ، والمناهي ، والمناكر { فالتاليات ذِكْراً } يعني : الملائكة وهو جبريل يتلو القرآن على الأنبياء . ويقال : هم المؤمنون الذين يقرؤون القرآن . ويقال : { فالتاليات ذِكْراً } قال : هم الصبيان يتلون في الكتاب من الغدوة إلى العشية . كان الله تعالى يحول العذاب عن الخلق ، ما دامت تصعد هذه الأربعة إلى السماء . أولها أذان المؤذنين ، والثاني تكبير المجاهدين ، والثالث تلبية الملبين ، والرابع صوت الصبيان في الكتاب . وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : { والصافات صَفَّا } قال : الملائكة { فالزجرات زَجْراً } قال : الملائكة { فالتاليات ذِكْراً } قال : الملائكة وهكذا قال مجاهد : قد أقسم الله بهذه الأشياء { إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ } ويقال : أقسم بنفسه فكأنه يقول : وخالق هذه الأشياء { إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ } يعني : ربكم ، وخالقكم ، ورازقكم ، لواحد . { رَب السموات } يعني : الذي خلق السموات { والارض وَمَا بَيْنَهُمَآ } من خلق { وَرَبُّ المشارق } يعني : مشرق كل يوم . وقال في آية أخرى : { وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الاولين } [ الرحمن : 17 ] أي : مشرق الشتاء ، ومشرق الصيف . وقال في هذه السورة { رَبّ المشارق } أي : مشرق كل يوم .

(3/484)


إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18)

ثم قال { إِنَّا زَيَّنَّا السماء الدنيا } يعني : الأدنى . وإنما سميت الدنيا لأنها أقرب إلى الأرض { بِزِينَةٍ الكواكب } أي : بضوء الكواكب . قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص { بِزِينَةٍ } بالتنوين { الكواكب } بالكسر بغير تنوين ، بكسر الباء . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر { بِزِينَةٍ } بالتنوين { الكواكب } بالنصب ، والباقون { بِزِينَةٍ } بالكسر بغير تنوين { الكواكب } بكسر الباء . فمن قرأ { بِزِينَةٍ الكواكب } بالكسر جعل الكواكب بدلاً من الزينة . والمعنى : إنّا زينا السماء الدنيا بالكواكب . ومن قرأ بالنصب ، أقام الزينة مقام التزيين . فكأنه قال : إنّا زينا السماء الدنيا بتزيننا الكواكب ، فيكون الكواكب على معنى التفسير . ومن قرأ بغير تنوين ، فهو على إضافة الزينة إلى الكواكب . وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : الكواكب معلقة بالسماء ، كالقناديل . ويقال : إنها مركبة عليها ، كما تكون في الصناديق والأبواب .
ثم قال : { وَحِفْظاً مّن كُلّ شيطان مَّارِدٍ } يعني : حفظ الله تعالى السماء بالكواكب من كل شيطان متمرد . يعني : شديد يقال : مرد يمرد إذا اشتد .
ثم قال : { لاَ يَسْمَعُونَ } قرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم ، في رواية حفص : { لاَ يَسْمَعُونَ } بنصب السين والتشديد . والباقون : { يَسْمَعُونَ } بنصب الياء ، وجزم السين ، مع التخفيف . فمن قرأ : بجزم السين فهو بمعنى يسمعون . ومن قرأ بالتشديد فأصله يتسمعون ، فأدغمت التاء في السين ، وشددت . يعني : لكيلا يستمعون { إلى الملإ الاعلى } يعني : إلى الكتبة { وَيَقْذِفُونَ } يعني : يرمون { مِن كُلّ جَانِبٍ دُحُوراً } يعني : طرداً من كل ناحية من السماء ، وكانوا من قبل يستمعون إلى كلام الملائكة عليهم السلام قال : حدّثنا الخليل بن أحمد . قال : حدّثنا إسحاق بن إبراهيم . قال : حدّثنا عبد الرزاق . قال : أخبرنا معمر عن الزهري ، عن علي بن الحسن ، عن ابن عباس . قال : بَيْنَمَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ في نَفَرٍ من أصحابه ، إذ رمي بنجم فاستنار فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : « مَا كُنْتُمْ تَقَولُونَ لِمِثْلِ هذا فِي الجَاهِلِيَّةِ » قالوا : يموت عظيم ، أو يولد عظيم فقال عليه السلام : « إنَّهُ لا يُرْمَى لِمَوْتِ أحَدٍ ، وَلا لِحيَاتِهِ ولكن الله عَزَّ وَجَلَّ إِذا قَضَى أمْراً يُسَبِّحُهُ حَمْلَةُ الْعَرْشِ ، وَأَهْل السَّمَاءِ السَّابِعَةِ . يَقُولُ : مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فَيَخْبِرُونَهُمْ فَيَسْتَخْبِرَ أهْلَ كُلِّ سَمَاءٍ أهْلَ السَّمَاءِ الأُخْرَى ، حَتَّى يَنْتَهِي الخَبَرُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَتَخطَفُ الجِنُّ ، وَيَرْمُونَ فِيمَا جَاؤُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ ، فَهُوَ حَقٌّ . ولكنهم يَزِيدُونَ فِيهِ وَيَكْذِبُونَ » قال معمر : قلت للزهري : أو كان يرمى به في الجاهلية . قال : نعم . قال : قالت الجن لرسول الله صلى الله عليه وسلم

(3/485)


{ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مقاعد لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الان يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } [ الجن : 9 ] قال : غلظ وشدد أمرها ، حيث بعث النبي صلى الله عليه وسلم وقوله : { دُحُوراً } يعني طرداً بالشهب فيعيدونهم { وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ } يعني : دائم . يعني : الشياطين لمن استمع ، ولمن لم يستمع في الآخرة . وقال مقاتل : في الآية تقديم { إِلاَّ مَنْ خَطِفَ } من الشياطين { الخطفة } يختطف يعني : يستمع إلى الملأ الأعلى من كلام الملائكة عليهم السلام { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } والشهاب في اللغة كل أبيض ذي نور ، والثاقب المضيء ، { فاستفتهم } يعني : سل أهل مكة . وهذا سؤال تقدير لا سؤال استفهام .
وقال تعالى : { أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } بالبعث { أَم مَّنْ خَلَقْنَا } يعني : ما خلقنا من السموات ، وما ذكر من المشارق والمغارب . ويقال : { أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } بالبعث . يعني : بعثهم أشد { أَم مَّنْ خَلَقْنَا } يعني : أم خلقهم في الابتداء .
ثم ذكر خلقهم في الابتداء فقال : { إِنَّا خلقناهم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } يعني : خلقنا آدم وهم من نسله من طين حمئة . ويقال : { لاَّزِبٍ } أي : لاصق . ويقال : { لاَّزِبٍ } يعني : لازم . إِلاَّ أن الباء تبدل من الميم ، لقرب مخرجهما ، كما يقال سمد رأسه ، وسبد إذا استأصله ، واللازب واللاصق واحد .
ثم قال : { بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } قرأ حمزة والكسائي : { عَجِبْتَ } بضم التاء . وقرأ الباقون : بالنصب . فمن قرأ بالنصب ، فالمعنى بل عجبت يا محمد من نزول الوحي عليك ، والكافرون يسخرون ، مكذبين لك . ومن قرأ { بَلْ عَجِبْتَ } بالضم ، فهو إخبار عن الله تعالى . وقد أنكر قوم هذه القراءة ، وقالوا : إن الله تعالى لا يعجب من شيء ، لأنه علم الأشياء قبل كونها ، وإنما يتعجب من سمع أو رأى شيئاً لم يسمعه ، ولم يره ، ولكن الجواب أن يقال : العجب من الله عز وجل بخلاف العجب من الآدميين . ويكون على وجه التعجب ، ويكون على وجه الإنكار والاستعظام لذلك القول . كما قال في آية أخرى { وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَابًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أولئك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الاغلال فى أعناقهم وأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ الرعد : 5 ] وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة أن شريحاً كان يقرأ { بَلْ عَجِبْتَ } بالنصب . ويقول : إنما يعجب من لا يعلم . وقال الأعمش : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي ، فقال إبراهيم النخعي : إن شريحاً كان معجباً برأيه ، وعبد الله بن مسعود كان أعلم منه ، وكان يقرؤها { بَلْ عَجِبْتَ } بالضم . وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ هكذا بالضم ، وهو اختيار أبي عبيدة .
ثم قال : { وَيَسْخُرُونَ } يعني : يسخرون حين سمعوا { وَإِذَا ذُكّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ } يعني : إذا وعظوا بالقرآن ، لا يتعظون { وَإِذَا رَأَوْاْ ءايَةً } يعني : علامة مثل انشقاق القمر { يَسْتَسْخِرُونَ } يعني : يستهزئون ، ويسخرون . وقال أهل اللغة سخر واستسخر بمعنى واحد ، مثل قرأ واستقرأ { وَقَالُواْ إِن هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } يعني : يبين قوله عز وجل : { أَءذَا مِتْنَا } يعني : يقولون إذا متنا { وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } يعني : لمحيون بعد الموت { أَوَ ءابَاؤُنَا الاولون قُلْ } يا محمد { نَعَمْ وَأَنتُمْ داخرون } يعني : صاغرون .

(3/486)


فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40)

ثم قال عز وجل : { فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحدة } يعني : صيحة ونفخة واحدة ، ولا يحتاج إلى الأخرى { فَإِذَا هُم } يعني : الخلائق { يُنظَرُونَ } يعني : يخرجون من قبورهم ، وينظرون إلى السماء كيف غيرت؟ والأرض كيف بدلت؟ فلما عاينوا البعث ، ذكروا قول الرسل : إن البعث حق . { وَقَالُواْ ياويلنا هذا يَوْمُ الدين } يعني : يوم الحساب . ويقال : يوم الجزاء . فردت عليهم الحفظة . ويقولون : { هذا يَوْمُ الفصل الذى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } أنه لا يكون .
ثم ينادي المنادي : { احشروا الذين ظَلَمُواْ } يعني : سوقوا الذين كفروا { وأزواجهم } يعني : وأشباههم . ويقال : وقرناءهم ، وضرباءهم . ويقال : وأشياعهم ، وأعوانهم . ويقال : وأمثالهم { وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } يعني : من الشياطين الذين أضلوهم . ويقال : كل معبود ، وكل من يطاع في المعصية { فاهدوهم } يعني : ادعوهم جميعاً . ويقال : اذهبوا بهم ، وسوقوهم جميعاً { إلى صراط الجحيم } يعني : إلى طريق الجحيم ، والجحيم ما عظم من النار . ويقال : إلى وسط الجحيم . فلما انطلق بهم إلى جهنم أرسل الله عز وجل ملكاً يقول : { وَقِفُوهُمْ } أي : احبسوهم { أَنَّهُمْ } عن ترك قول لا إله إلاَّ الله . ويقال : في الآية تقديم . يعني : يقال لهم قفوا قبل ذلك . فحبسوا ، أو سئلوا .
ثم يساق بهم إلى الجحيم فيقال لهم : { مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تناصرون } يعني : لم ينصر بعضكم بعضاً ، ولا يدفع بعضكم عن بعض كما كنتم تفعلون في الدنيا .
قوله عز وجل : { بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ } أي : خاضعون ذليلون { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } يعني : يسأل ويخاصم بعضهم بعضاً القادة والسفلة ، والعابد ، والمعبود ، ومتابعي الشيطان للشيطان . ويقال : { يَتَسَاءلُونَ } يعني : يتلاومون { قَالُواْ } يعني : السفلة للرؤساء { إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين } يعني : من قبل الحق أي : الدين فزينتم لنا ضلالتنا . وروي عن الفراء أنه قال : { اليمين } في اللغة القوة والقدرة . ومعناه { إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا } بأقوى الحيل ، وكنتم تزينون علينا أعمالنا . وقال الضحاك : تقول السفلة للقادة : إنكم قادرون وظاهرون علينا . ونحن ضعفاء أذلاء في أيديكم . روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : { تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين } عن الحق . يعني : الكفار يقولون : للشيطان . وقال القتبي : إنما يقول هذا : المشركون لقرنائهم من الشياطين { إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين } يعني : عن أيماننا لأن إبليس قال : { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين } [ الأعراف : 17 ] وقال المفسرون : من أتاه الشيطان من قبل اليمين ، أتاه من قبل الدين ، وليس عليه الحق . ومن أتاه من قبل الشمال ، أتاه من قبل الشهوات ، ومن أتاه من بين يديه ، أتاه من قبل التكذيب بالقيامة ، ومن أتاه من خلفه خوفه الفقر على نفسه ، وعلى من يخلف بعده ، فلم يصل رحماً ، ولم يؤد زكاة .

(3/487)


وقال المشركون لقرنائهم : { إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين } في الدنيا من جهة الدين يعني : أضللتمونا { قَالُواْ } لهم قرناؤهم { بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } أي : لم تكونوا على حق ، فتشبه عليكم ، ونزيلكم عنه إلى الباطل { وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مّن سلطان } يعني : من قدرة فنقهركم . ويقال : من ملك فنجبركم عليه { بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طاغين } يعني : كافرين عاصين { فَحَقَّ عَلَيْنَا } يعني : وجب علينا جميعاً { قَوْلُ رَبّنَا } وهو السخط . ويقال : { قَوْلُ رَبّنَا } يوم قال لإبليس { لاّمْلاّنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } [ ص : 85 ] { إِنَّا لَذَائِقُونَ } يعني : العذاب جميعاً في النار .
قوله عز وجل : { فأغويناكم } يعني : أضللناكم عن الهدى { إِنَّا كُنَّا غاوين } يعني : ضالين . يقول الله تعالى : { فَإِنَّهُمْ } يعني : الكفار والشياطين { يَوْمَئِذٍ فِى العذاب مُشْتَرِكُونَ } يعني : شركاء في النار ، وفي العذاب يوم القيامة { إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين } يعني : هكذا نفعل بمن أشرك ، فنجمع بينهم وبين الذين أضلّوهم في النار .
ثم أخبر عنهم فقال : { إِنَّهُمْ كَانُواْ } يعني : في الدنيا { إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله } يعني : قولوا لا إله إلا الله { يَسْتَكْبِرُونَ } عنها ، ولا يقولونها { وَيَقُولُون اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا } يعني : أنترك عبادة آلهتنا { لِشَاعِرٍ } يعني : لقول شاعر { مَّجْنُونٍ } أي : مغلوب على عقله . يقول الله تعالى : { بَلْ جَاء بالحق } يعني : بالقرآن . ويقال : بأمر التوحيد . ويقال : جاء ببيان الحق { وَصَدَّقَ المرسلين } الذين قبله . قال مقاتل : يعني : صدق محمد صلى الله عليه وسلم بالمرسلين الذين قبله . وقال الكلبي : وبتصديق المرسلين الذين قبله . ومعناهما واحد . ويقال : معناه جاء محمد عليه السلام بموافقة المرسلين عليهم السلام { إِنَّكُمْ } يعني : العابد والمعبود { يَرَوُاْ العذاب الاليم } يعني : لتصيبوا العذاب الوجيع الدائم { وَمَا تُجْزَوْنَ } في الآخرة { إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } يعني : إلا بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي والشرك .
ثم استثنى المؤمنين فقال عز وجل : { إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } يعني : الموحدين ويقال : { إِلا } بمعنى لكن { عِبَادَ الله المخلصين } .

(3/488)


أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56)

ثم قال { أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ } يعني : طعام معلوم معروف حين يشتهونه على قدر غدوة وعشية .
ثم بيّن الرزق فقال : { فواكه } يعني : ألوان الفاكهة { وَهُم مُّكْرَمُونَ } بالثواب . ويقال : منعمون { فِي جنات النعيم على سُرُرٍ متقابلين } في الزيارة { يُطَافُ عَلَيْهِمْ } يعني : يطوف عليهم خدمهم { بِكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ } خمراً جارياً من معين . يعني : الطاهر الجاري { بَيْضَاء } . يعني : بخمرة توجب اللذة { بَيْضَاء لَذَّةٍ } يعني : شهوة { لِلشَّارِبِينَ لاَ فِيهَا غَوْلٌ } يعني : ليس فيها إثم . ويقال : لا غائلة لها ، ولا يوجع منها الرأس . وروى شريك عن سالم قال : { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } أي : لا مكروه فيها ، ولا أذى . وقال القتبي : { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } أي : لا تغتال عقولهم ، فتذهب بها . يقال : الخمر غول للحلم ، والحرب غول للنفوس ، والغول البعد { وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } قرأ حمزة والكسائي { يُنزَفُونَ } بكسر الزاي . وقرأ الباقون : بالنصب فمن قرأ بالنصب فمعناه : لا يذهب عقولهم شربها . ويقال للسكران : نزيف ومنزوف إذا زال عقله . ومن قرأ بالكسر ، فله معنيان : أحدهما لا ينفد شرابهم أبداً ، والثاني أنهم لا يسكرون .
ثم قال عز وجل : { وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف عِينٌ } يعني : غاضات الأعين عن غير أزواجهن . يعني : قصرن طرفهن على أزواجهن ، وقنعن بهم ، ولا يبغين بهم بدلاً .
ثم قال : { عِينٌ } أي : حسان الأعين شدة البياض في شدة السواد . يقال لواحدة العين : عيناء . يعني : كبيرة العين . ويقال : الحسن العيناء التي سواد عينها أكثر من بياضها .
ثم قال : { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } يعني : إنهن أحسن بياضاً من بيض النعم ، والعرب تشبه النساء ببيض النعام . يقال : لا يكون لون البياض في شيء أحسن من بيض النعام . وقال قتادة : البيض التي لم تلوثه الأيدي . ويقال : البيض أراد به القشر الداخل من البيض المكنون قد خبأ ، وكنَّ من البرد والحر { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } يعني : يسأل بعضهم بعضاً عن حاله في الدنيا .
قوله عز وجل : { قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } يعني : من أهل الجنة { إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ } وهو الذي بيّن الله تعالى أمرهما في سورة الكهف { واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لاًّحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أعناب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا } [ الكهف : 32 ] فكانا أخوين وشريكين ، وأنفق أحدهما ماله في أمر الآخرة ، واتخذ الآخر لنفسه ضياعاً ، وخدماً ، واحتاج المؤمن إلى شيء ، فجاء إلى أخيه الكافر يسأله ، فقال له الكافر ما صنعت بمالك ، فأخبره أن قدمه إلى الآخرة ، فقال له الكافر : { يِقُولُ أَءنَّكَ لَمِنَ المصدقين } يعني : إنك ممن يصدق بالبعث . وطلب منه أن يدخل في دينه ، ولم يقض حاجته ، فذلك قوله : { أَءنَّكَ لَمِنَ المصدقين } يعني : بالبعث بعد الموت .

(3/489)


قوله عز وجل : { أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءنَّا لَمَدِينُونَ } يعني : لمحاسبون . فيقول المؤمن لأصحابه في الجنة : { قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ } حتى ننظر إلى حاله ، وإلى منزله ، فيقول أصحابه : اطلع أنت ، فإنك أعرف به منا { فَأَطَّلِعَ } يعني : فنظر في النار { فاطلع فَرَءاهُ فِى سَوَاء } يعني : رأى أخاه في وسط الجحيم ، أسود الوجه ، مزرق العين ، فيقول المؤمن عند ذلك قوله : { قَالَ تالله إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ } يعني : والله لقد هممت لتغويني ، ولتضلني . ويقال : { لَتُرْدِينِ } أي : لتهلكني يقال : أرديت فلان أي : أهلكته . والردى : الموت والهلاك . وقال القتبي في قوله : { أَنَاْ * لَمَدِينُونَ } أي : مجازون بأعمالنا . يقال : دنته بما عمل أي جازيته .

(3/490)


وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70)

ثم قال عز وجل : { وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبّى } يعني : لولا ما أنعم الله عليَّ بالإسلام { لَكُنتُ مِنَ المحضرين } معك في النار ثم أقبل المؤمن على أصحابه في الجنة فقال : يا أهل الجنة { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الاولى } اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به النفي . يعني : لا نموت أبداً سوى موتتنا الأولى . وذلك حين يذبح الموت ، فيأمنوا من الموت { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } يعني : لم نكن من المعذبين مثل أهل النار .
قال الله عز وجل : { إِنَّ هذا لَهُوَ الفوز العظيم } يعني : النجاة الوافرة ، فازوا بالجنة ، ونجوا من النار { لِمِثْلِ هذا } يعني : لمثل هذا الثواب ، والنعم ، والخلود ، { فَلْيَعْمَلِ العاملون } أي فليبادر المبادرون . ويقال : فليجتهد المجتهدون . ويقال : فليحتمل المحتملون الأذى ، لأنه فد حفّت الجنة بالمكاره { أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً } يعني : الذي وصفت في الجنة خير ثواباً . ويقال رزقاً . ويقال : منزلاً { أَمْ شَجَرَةُ الزقوم } للكافرين { إِنَّا جعلناها فِتْنَةً للظالمين } يعني : ذكر الشجرة بلاء للمشركين . قال قتادة : زادتهم تكذيباً ، فقالوا : يخبركم محمد أن في النار شجرة ، والنار تحرق الشجر . وقال مجاهد : { إِنَّا جعلناها فِتْنَةً } قول أبي جهل : إنما الزقوم التمر ، والزبد . فقال لجاريته : زقمينا فزقمته . وذكر أن ابن الزبعري قال : الزقوم بلسان البربر ، وإفريقيا التمر والزبد . فأخبر الله تعالى عن الزقوم أنه لا يشبه النخل ، ولا طلعها كطلع النخل ، فقال : { أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً } يعني : نعيم الجنة ، وما فيها من اللذات { خَيْرٌ نُّزُلاً } أي : طعاماً { أَمْ شَجَرَةُ الزقوم } لأهل النار .
قوله عز وجل : { إِنَّا جعلناها فِتْنَةً للظالمين } ثم وصف الشجرة فقال : { إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الجحيم } يعني : في وسط الجحيم { طَلْعِهَا } يعني : ثمرتها { كَأَنَّهُ رؤوس الشياطين } يعني : رؤوس الحيات ، قبيح في النظر . ويقال : هو نبت لا يكون شيء من النبات أقبح منه ، وهو يشبه الحسك ، فيبقى في الحلق . ويقال : هي رؤوس الشياطين بعينها ، وذلك أن العرب إذا وصفت الشيء بالقبح ، تقول : كأنه شيطان . ثم وصف أكلهم فقال : { فَإِنَّهُمْ لاَكِلُونَ مِنْهَا } يعني : من ثمرها { فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون } وهو جماعة المالىء . يعني : يملؤون منها البطون . قال : حدّثنا أبو الليث رحمه الله قال : حدّثنا الفقيه أبو جعفر . قال : حدّثنا محمد بن عقيل . قال : حدّثنا عباس الدوري . قال : حدّثنا وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا الله وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . فَلَوْ أنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قَطَرَتْ فِي الأرْضِ ، لأَمَرَّتْ عَلَى أهْلِ الدُّنْيَا مَعِيشَتَهُمْ ، فَكيْفَ بِمَنْ هُوَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ مِنْهُ لَيْسَ لَهُ طَعَامٌ غَيْرُهُ » . قوله عز وجل : { ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ } يعني : خلطاً من حميم من ماء حار في جهنم { ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الجحيم } يعني : مصيرهم إلى النار .
ثم بيّن المعنى الذي به يستوجبون العقوبة فقال تعالى : { إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ } يعني : وجدوا { ضَالّينَ فَهُمْ } عن الهدى { فَهُمْ على ءاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } يعني : يسعون في مثل أعمال آبائهم ، والإهراع في اللغة المشي بين المشيتين . وقال مجاهد : كهيئة الهرولة .

(3/491)


وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)

ثم قال عز وجل : { وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ } يعني : أضلّ إبليس قبلهم { أَكْثَرُ الاولين } يعني : من الأمم الخالية . ولم يذكر إبليس لأن في الكلام دليلاً عليه ، فاكتفى بالإشارة . ومثل هذا كثير في القرآن .
ثم قال عز وجل : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ } يعني : رسلاً ينذرونهم كما أرسلناك إلى قومك ، فكذبوهم بالعذاب كما كذبك قومك ، فعذبهم الله تعالى في الدنيا { فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين } يعني : آخر أمر من أنذر فلم يؤمن { إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } يعني : الموحدين ، المطيعين ، فإنهم لم يعذبوا .
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ } يعني : دعا نوح ربه على قومه ، وهو قوله : { فَدَعَا رَبَّهُ أَنُّى مَغْلُوبٌ فانتصر } [ القمر : 10 ] { فَلَنِعْمَ المجيبون } يعني : نعم المجيب أنا { ونجيناه وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم } يعني : من الهول الشديد ، وهو الغرق .
قوله : { وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين } لأن الذي حمل معه من الناس ثمانون رجلاً وامرأة غرقوا كلهم ، ولم يبق إلا ولده سام وحام ويافث قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : حدّثنا أبو جعفر . قال : حدّثنا أبو القاسم الصفار بإسناده عن سمرة بن جندب . قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « سَام أبُو العَرَبِ ، وحام أبو الحبش ، ويافث أبو الروم » . ثم قال تعالى : { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الاخرين } يعني : أبقينا عليه ذكراً حسناً في الباقين من الأمم ، وهذا قول القتبي : وقال مقاتل : يعني : أثنينا على نوح بعد موته ثناء حسناً .
ثم قال عز وجل : { سلام على نُوحٍ فِى العالمين } يعني : السعادة والبركة على نوح من بين العالمين { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } يعني : هكذا نجزي كل من أحسن { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين } يعني : المصدقين بالتوحيد { ثُمَّ أَغْرَقْنَا الاخرين } يعني : قومه الكافرين .
قوله عز وجل : { وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبراهيم } قال مقاتل : يعني : إبراهيم من شيعة نوح عليه السلام وعلى ملته . وقال الكلبي يعني : من شيعة محمد صلى الله عليه وسلم إبراهيم ، وعلى دينه ، ومنهاجه . وذكر عن الفراء أنه قال : هذا جائز . وإن كان إبراهيم قبله كما قال : { وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الفلك المشحون } [ يس : 41 ] . يعني : آباءهم ذريته الذين هو منهم .
قوله عز وجل : { إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } يعني : إبراهيم دعا ربه بقلب سليم . أي : خالص ويقال : { إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } أي : مخلص سليم من الشرك { إِذْ قَالَ لاِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } يعني : إيش الذي تعبدون . ويقال : معناه لماذا تعبدون هذه الأوثان؟ .
قوله عز وجل : { الله ءالِهَةً } يعني : أكذباً آلهة { دُونَ الله تُرِيدُونَ } عبادتها { فَمَا ظَنُّكُم بِرَبّ العالمين } إذا عبدتم غيره ، فما ظنّكُم به إذ لقيتموه؟ { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى النجوم } قال مقاتل : يعني : في الكواكب .

(3/492)


ويقال : { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى النجوم } أي : في أمر النجوم .
ثم تفكر بالعين وبالقلب وذلك أنه رأى كوكباً قد طلع { فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ } أي : سأسقم . ويقال : مطعوناً . وهو قول سعيد بن جبير ، والضحاك . وقال القتبي : نظر في الحساب لأنه لو نظر إلى الكواكب لقال : نظر نظرة إلى النجوم . وإنما يقال : نظر فيه إذا نظر في الحساب . { فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ } أي : سأمرض غداً ، وكانوا يتطيرون من المريض . فلما سمعوا ذلك منه هربوا ، فذلك قوله تعالى : { فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ } قال الفقيه أبو الليث رحمه الله حدّثنا الخليل بن أحمد . قال : حدّثنا خزيمة . قال : حدّثنا عيسى بن إبراهيم . قال : حدّثنا ابن وهب عن جرير بن حازم ، عن أيوب السجستاني ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمَ قَطُّ إلاَّ ثَلاثَ كَذِباتٍ ، ثِنْتَانِ فِي ذَاتِ الله قوله : { إِنّى سَقِيمٌ } وَقَوْلُهُ : { قالوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وابعث فِى المدآئن حاشرين } [ الأنبياء : 63 ] وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَّةَ ، ذلك أنَّهُ قَدِمَ أرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَّةُ ، وَكَانَتْ أحْسَنَ النِّسَاءِ فَقَالَ لَهَا : إنَّ هذا الجَبَّارَ إنْ عَلِمَ أنَّكِ امْرَأَةٌ ، يَغْلِبنِي عَلَيْكِ . فَإنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أنَّكِ أُخْتِي فِي الإسْلامِ ، فإنِّي لا أعْلَمُ فِي الأرْضِ مُسْلِماً غَيْرِي وَغَيْرَكِ . فَلّمَا دَخَلَ الأرْضَ ، رَآهَا بَعْضُ أهْلِ الجَبَّارِ ، فأتَاهُ . فَقَالَ لَهُ : لَقَدْ دَخَلَ الْيَوْمَ أرْضَكَ امْرَأَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ إلاَّ لَكَ؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا . فَأُتِي بِهَا . فَقَامَ إبْرَاهِيمُ إلَى الصَّلاةِ ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أنْ بَسَطَ يَدَهُ إلَيْهَا ، فَقُبِضَتْ يَدَهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً . فَقَالَ لَهَا ادْعِي الله أنْ يُطْلِقَ يَدِي ، وَلا أضُرُّكِ . فَفَعَلَتْ . فَعَادَ ، فَقُبِضَتْ يَدُهُ أشَدَّ مِنَ القَبْضَةِ الأُولَى . فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ ، فَفَعَلَتْ . فَعَادَ ، فَقُبِضَتْ أشَدَّ مِنَ القَبْضَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ، فَقَالَ لَهَا : ادْعِي الله أنْ يُطْلِقَ يَدِي ، وَلَكِ عَلَيَّ ألاَّ أضُرُّكِ ، فَفَعَلَتْ ، فَأُطْلِقَتْ يَدُهُ . فَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ : إنَّكَ أتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ ، وَلَمْ تَأْتِنِي بإنْسَانٍ ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أرْضِي ، وَأعْطَاهَا هَاجَرَ ، فَأقْبَلَتْ تَمْشِي حَتَّى جَاءَتْ إلَى إبْرَاهِيمَ ، فَلَمَّا رَآهَا إبْرَاهِيمُ انْصَرَفَ مِنَ الصَّلاةِ ، فَقَالَ لَهَا : مَهْيَمْ يَعْنِي مَا الخَبَرُ؟ فَقَالَتْ : خَيْراً كُفِيتُ الفَاجِرَ ، وأخْدَمَنِي خَادِماً » . فقال أبو هريرة : فتلك أمُّكم يا بني ماء السماء . يعني : نسل العرب منها . لأنه روي في الخبر أنها وهبت هاجر لإبراهيم ، فولد منها إسماعيل . ويقال : { فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ } يعني : أعرضوا عنه ذاهبين إلى عيدهم .
قوله عز وجل : { فَرَاغَ إلى ءالِهَتِهِمْ } يعني : مال إلى أصنامهم . ويقال : دخل بيوت الأصنام ، فرأى بين أيديهم طعاماً { فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ } فلم يجيبوه ، فقال : { مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُون فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين } يعني : أقبل يضربهم بيمينه .

(3/493)


ويقال : يضربهم باليمين التي حلف ، وهو قوله : { قَالَ أَفَرَءَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ } [ الأنبياء : 57 ] ويقال : { باليمين } . يعني : يضربهم بالقوة . واليمين كناية عنها ، لأن القوة في اليمين { فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } يعني : يسرعون { قَالَ } إبراهيم { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } بأيديكم من الأصنام . قرأ حمزة : يُزِفون بضم الياء . وقرأ الباقون : بالنصب . فمن قرأ بالنصب فأصله من زفيف النعام ، وهو ابتداء عدوه . ومن قرأ بالضم أي : يصيروا إلى الزفيف ، ويدخلون في الزفيف ، وكلا القراءتين يرجع إلى معنى واحد ، وهو الإسراع في المشي .
ثم قال عز وجل : { والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } يعني : وما تنحتون به يأيديكم من الأصنام . ومعناه : تتركون عبادة من خلقكم ، وخلق ما تعملون ، وتعبدون غيره { قَالُواْ ابنوا لَهُ بنيانا } يعني : أتوناً { فَأَلْقُوهُ فِى الجحيم } يعني : في النار العظيمة { فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً } يعني : أرادوا حرقه وقتله { فجعلناهم الاسفلين } يعني : الآخرين . ويقال : الأذلين . وعلاهم إبراهيم فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى أهلكهم الله عز وجل .

(3/494)


وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)

{ وَقَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إلَى رَبِّي } يعني : إني مهاجر إلى طاعة ربي . ويقال : من أرض ربي . إلى أرض ربي . وقال مقاتل : يعني : من بابل إلى بيت المقدس . ويقال : من أرض حران إلى بيت المقدس ، ويقال : من أرض حران إلى بيت المقدس ، { سَيَهْدِينِ } يعني : يحفظني ويقال : إني مهاجر إلى ربي يعني : مقبل إلى طاعة ربي { سَيَهْدِينِ } أي سيرشدني ربي . ويقال : سيعينني .
قوله عز وجل : { رَبّ هَبْ لِى مِنَ الصالحين } يعني : يا رب أعطني ولداً صالحاً من المسلمين { فبشرناه بغلام حَلِيمٍ } يعني : حليم في صغره ، عليم في كبره .
قوله عز وجل : { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى } إلى الحج ، ويقال : إلى الجبل { قَالَ } إبراهيم عليه السلام لابنه { قَالَ يابنى إِنّى أرى فِى المنام } قال مقاتل : هو إسحاق . وقال الكلبي : هو إسماعيل . وروى معمر عن الزهري قال في قوله : { فبشرناه بغلام حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى } قال ابن عباس : هو إسماعيل . وكان ذلك بمنًى . وقال كعب : هو إسحاق . وكان ذلك ببيت المقدس . وقال مجاهد ، وابن عمر ، ومحمد بن كعب القرظي؛ هو إسماعيل . وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال : هو إسحاق . وهكذا روي عن ابن عباس ، وهكذا قال وعكرمة ، وقتادة ، وأبو هريرة ، وعبد الله بن سلام رضي الله عنهم وهكذا قال أهل الكتابين كلهم ، والذي قال : هو إسماعيل احتج بالكتاب والخبر ، أما الكتاب فهو أنه لما ذكر قصة الذبح قال على أثر ذلك : { وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً } وأما الخبر فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال « أنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْن » يعني : أباه عبد الله بن عبد المطلب ، وإسماعيل بن إبراهيم . وأما الذي يقول : هو إسحاق يحتج بما روي في الخبر ، أنه ذكر نسبة يوسف ، فقال : كان يوسف أشرف نسباً . يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله قد اختلفوا فيه هذا الاختلاف ، والله أعلم بالصواب ، والظاهر عند العامة هو إسحاق . فذلك قوله : { قَالَ يابنى إِنّى أرى فِى المنام أَنّى أَذْبَحُكَ } فظاهر اللفظ أنه رأى في المنام أنه يذبحه ، ولكن معناه : { إِنّى أرى فِى المنام } أني قد أمرت بذبحك بدليل ما قال في سياق الآية : { قَالَ ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ } وروي في الخبر : « أنَّهُ رَأَى فِي المَنَامِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ : إنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَذْبَحَ وَلَدَكَ فَاسْتَيْقَظَ خَائِفاً ، وَقَالَ : أَعُوذُ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . ثُمَّ رَأَى فِي المَنَامِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِثْلَ ذلك ، فَاسْتَيْقَظَ وَضَمَّ ابْنَهُ إلى نَفْسِهِ ، وَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ ، فَانقادَ لأمْرِ الله تَعَالَى ، وَقَالَ لامْرَأتِهِ سَارَّة إنِّي أرِيدُ أنْ أَخْرُجَ إلى طَاعَةِ رَبِّي ، فَابْعَثِي ابْنِي مَعِي ، فَجَهَّزَتْهُ ، وَبَعَثَتْهُ مَعَهُ »

(3/495)


قال كعب الأحبار : قال الشيطان : إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبداً . فلما خرج إبراهيم بابنه ليذبحه ، فذهب الشيطان ، ودخل على سارة . فقال : أين ذهب إبراهيم بابنك؟ فقالت : غدا به لبعض حاجته . قال : إنه لم يغد به لحاجته ، ولكنه إنما ذهب به ليذبحه ، فقالت : ولم يذبحه؟ قال : يزعم أن ربه أمره بذلك . فقالت : قد أحسن أن يطيع ربه ، فخرج في أثرهما ، فقال للغلام : أين يذهب بك أبوك؟ قال لبعض حاجته . قال : فإنه لا يذهب بك لحاجته ، ولكنه إنما يذهب بك ليذبحك . فقال : ولم يذبحني؟ قال : يزعم أن ربه أمره بذلك . قال : فوالله لئن كان الله أمره بذلك ، ليفعلن . فتركه ولحق بإبراهيم ، فقال : أين غدوت بابنك؟ قال : لحاجة . قال : فإنك لم تغد به لحاجة ، وإنما غدوت به لتذبحه . قال ولم أذبحه؟ قال : تزعم أن الله تعالى أمرك بذلك . قال : فوالله لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن . فتركه ، وأيس من أن يطاع .
قوله عز وجل : { فانظر مَاذَا ترى قَالَ ياأبت قَالَ ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين * وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } فأوحى الله تعالى إلى إسحاق أن ادعو ، فإن لك دعوة مستجابة . فقال إسحاق : اللَّهم إني أدعوك أن تستجيب لي في أيما عبد من الأولين والآخرين لقيك لا يشرك بك شيئاً أن تدخله الجنة . وقال مجاهد : إن إبراهيم عليه السلام لما أراد أن يذبح ابنه بالسكين ، قال ابنه : يا أبت خذ بناصيتي ، واجلس بين كتفي ، حتى لا أوذيك إذا أصابني حدّ السكين ، ولا تذبحني وأنت تنظر في وجهي ، عسى أن ترحمني ، واجعل وجهي إلى الأرض ، ففعل إبراهيم . فلما أمرّ السكينة على حلقه ، انقلبت . فقال : يا أبت ما لك؟ قال : قد انقلبت السكين . قال : فاطعن بها طعناً . قال : فطعن ، فانثنت . قال : فعرف الله عز وجل الصدق منه ، ففداه بذبح عظيم ، وقال : هو إسحاق . وروى أسباط عن السدي قال : كان من شأن إسحاق حين أراد أبوه أن يذبحه . أنه ركب مع أبيه في حاجة ، فأعجبه شبابه ، وحسن هيئته ، وكان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له ، قال : هو إذاً لله ذبيح . فقيل لإبراهيم في منامه : قد نذرت لله نذراً فاوفيه ، فلما أصبح قال : { قَالَ يابنى إِنّى أرى فِى المنام أَنّى أَذْبَحُكَ } يقول : قد أمرت بذبحك { قَالَ ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ } قال : فانطلق معي ، وأخبر أمك أنك تنطلق إلى أخوالك ، وأخذ إبراهيم معه حبلاً ، ومدية ، يعني : السكين .

(3/496)


فقال له : يا أبتاه حدها فإنه أهون للموت . فانطلق به ، حتى أتى به جبلاً من جبال الشام . فأضجعه في أصرة ، وربط يديه ورجليه ، فقال له إسحاق : يا أبتاه شدّ رباطي ، لكي لا أضطرب ، فيصيب الدم ثيابك ، فتراه سارة ، فتحزن ، فبكى إبراهيم بكاء شديداً . وأخذ الشفرة ، فوضعها على حلقه ، وضرب الله تعالى على حلقه صفيحة نحاس ، فجعل يحز ، فلا تصنع شيئاً . فلما رأى إبراهيم ذلك ، قلّبه على وجهه ، فضرب الله تعالى على قفاه صفيحة نحاس ، وبكيا حتى ابتلت الأرض من دموعهما . فجعل يحز ، فلا تقطع شيئاً فنودي : { أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا } ودونك هذا الكبش فهو فداه . فالتفت فإذا هو بكبش أبيض ، أملح ، ينحط من الجبل ، وقد كان رعي في الجنة أربعين خريفاً ، فخلّى عن ابنه ، وأخذ الكبش فذبحه . وقال وهب بن منبه : لما قال لإسحاق : { السعى قَالَ يابنى إِنّى أرى فِى المنام أَنّى أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى قَالَ ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ } ثم قال : يا أبت إني أوصيك بثلاثة أشياء . قال : وكان إسحاق في ذلك اليوم ابن سبع سنين . أحدهما : أن تربط يدي لكيلا أضطرب فأؤذيك ، والثاني أن تجعل وجهي إلى الأرض لكيلا تنظر إلى وجهي فترحمني ، والثالث أن تذهب بقميصي إلى أمي ليكون القميص عندها تذكرة مني . فذلك قوله : { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى قَالَ يابنى إِنّى أرى فِى المنام أَنّى أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى } قرأ حمزة والكسائي { مَاذَا ترى } بضم التاء . يعني : ماذا ترى من صبرك . ويقال : معناه ماذا تشير . وقرأ الباقون : بالنصب ، وهو من الرأي . يعني : ماذا ترى من صبرك . ويقال : معناه ماذا تشير فيما أمر الله به . ويقال : هو من المشورة والرأي قال أبو عبيد : بالنصب تقرأ لأن هذا في موضع المشورة والرأي ، والآخر يستعمل في رؤية العين { قَالَ يَاءادَمُ * ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين } على الذبح .
قوله عز وجل : { فَلَمَّا أَسْلَمَا } يعني : اتفقا على أمر الله تعالى . قال قتادة : أسلم هذا نفسه لله تعالى . وأسلم هذا ابنه لله تعالى . وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ : { فَلَمَّا أسلاما وتله للجبين } يعني : رضيا { وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } يعني : صرعه على جبينه . أي : على وجهه . وقال القتبي { وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } يعني : جعل إحدى جبينيه على الأرض ، وهما جبينان ، والجبهة بينهما { وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا } وقال القتبي : الواو زيادة . ومعناه : فلما أسلما وتله للجبين ناديناه وهذا كما قال امرىء القيس
فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَة الحَيِّ وانْتَحَى ... بِنَا بَطْنُ خَبْت ذي حِقافٍ عَقَنْقَلِ
يعني : انتحى ، والواو زيادة . وقال بعضهم : في الآية مضمر . ومعناه { فَلَمَّا أَسْلَمَا } سلما { وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } وذكر عن الخليل بن أحمد أنه سئل عن هذه الآية : فقال : ليس لنا في كتاب الله عز وجل متكلم .

(3/497)


فقيل له : فما مثله في العربية . فقال : قول امرىء القيس : فلما أجزنا ، ساحة الحي أجزنا وانتحى بنا . كذلك قوله : { أَسْلَمَا } سلما { وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } . { وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا } يعني : أوفيت الوعد ، وائتمرت ما أمرت لقول الله تعالى : { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } كما فعلت يا إبراهيم .
قوله : { إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين } يعني : الاختبار البيّن . ثم قال : { وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } يعني : بكبش عظيم . والذبح بكسر الذال اسم لما يذبح ، وبالنصب مصدر . وروي عن ابن عباس أنه قال : حدثني من رأى قرني الكبش ، معلقين في الكعبة ، وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم عن إسماعيل عليهما السلام .
ثم قال : { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الاخرين } قال : الثناء الحسن { سلام على إبراهيم } يعني : سلام الله على إبراهيم . ويقال : هذا موصول بالأول . يعني : { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الاخرين * سلام على إبراهيم } يعني : أثنينا عليه السلام في الآخرين .
قوله : { كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين } يعني : المصدقين ، المخلصين .
ثم قال عز وجل : { وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً مّنَ الصالحين } يعني : بشرناه بنبوة إسحاق بعدما أمر بذبح إسحاق . وقال ابن عباس : بشر بإسحاق بعدما أمر بذبح إسماعيل . وكان إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة .
ثم قال عز وجل : { وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق } أي : على إبراهيم وعلى إسحاق ، وبركته النماء ، والزيادة في الأموال ، والأولاد ، فكان من صلبه ذرية لا تحصى { وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ } مثل موسى ، وهارون ، وداود ، وسليمان ، وعيسى عليهم السلام ومؤمنو أهل الكتاب { وظالم لّنَفْسِهِ مُبِينٌ } يعني : الذين كفروا بآيات الله عز وجل . وروي عن ابن عباس أنه قال : قد رعي الكبش في الجنة أربعين خريفاً . وقال بعضهم : هي الشاة التي تقرب بها هابيل ابن آدم عليهما السلام فتقبل منه قربانه ، ورفع إلى السماء حياً ، ثم جعل بدلاً عن ذبح إسماعيل أو إسحاق . ويقال : هي الشاة التي خلقها الله تعالى لأجله . وقال بعضهم : إنها وعلة من البر ، يعني : بقرة وحش من البر جبلية .

(3/498)


وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)

قوله عز وجل : { وَلَقَدْ مَنَنَّا على موسى وهارون } يعني : أنعمنا عليهما بالنبوة { ونجيناهما وَقَوْمَهُمَا مِنَ الكرب العظيم } يعني : من الغرق { ونصرناهم } يعني : موسى ، وقومه ، { فَكَانُواْ هُمُ الغالبون } بالحجة على فرعون { وءاتيناهما } يعني : موسى وهارون { الكتاب المستبين } يعني : المبين الذي قد بيّن فيه الحلال والحرام { وهديناهما الصراط المستقيم } يعني : ثبتناهما على دين الإسلام { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى الاخرين } يعني : الثناء الحسن في الباقين { سلام على موسى وهارون } يعني : السلامة منا ، والمغفرة عليهما { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } أي : نكافىء المحسنين { إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين } يعني : من المرسلين .
قوله عز وجل : { وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المرسلين } يعني : نبي من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام وقال بعضهم : إنه إدريس . وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ { وَأَنْ إِدْرِيسَ لَمِنَ المرسلين سلام على إِدْرِيسَ } . وقال بعضهم : إلياس هو الخضر عليه السلام . وقال بعضهم : إلياس غير الخضر . وإلياس صاحب البراري . والخضر صاحب الجزائر ، ويجتمعان في كل يوم عرفة بعرفات ويقال : هو من سبط يوشع بن نون ، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك ، فكذبوه ، فأهلكهم الله تعالى بالقحط . وقال الله عز وجل لإلياس : سلني أعطك . قال : ترفعني إليك . فرفعه الله تعالى إليه ، وجعله أرضياً ، سماوياً ، إنسياً ، ملكياً ، يطير مع الملائكة ، فذلك قوله تعالى : { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ } اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الأمر . يعني : اتقوا الله تعالى { أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ } ربّاً . روى عكرمة عن ابن عباس قال : البعل الصنم . وقال مجاهد : { أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ } رباً . وروى جبير عن الضحاك قال : مرّ رجل وهو يقول : من يعرف بعل البقرة . فقال رجل أنا بعلها . فقال له ابن عباس إنك زوج البقرة . فقال الرجل : يا ابن عباس أما سمعت قول الله تعالى يقول : { أَتَدْعُونَ بَعْلاً } يعني : رباً وأنا ربها ويقال : البعل كان اسم ذلك الصنم خاصة الذي كان لهم . ويقال : كان صنماً من ذهب ، فقال لهم : { أَتَدْعُونَ بَعْلاً } أي الصنم { وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين } الذي خلقكم يعني : تتركون عبادة الله { الله رَبُّكُمُ } قرأ حمزة . والكسائي ، وعاصم ، في رواية حفص { الله رَبُّكُمُ } { وَرَبُّ ءابَائِكُمُ } كلها بالنصب . وقرأ الباقون كلها بالضم . فمن قرأ : بالنصب . يرده إلى قوله : { وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين الله رَبَّكُمْ وَرَبَّ } على صفة أحسن الخالقين . ومن قرأ بالضم ، فهو على معنى الاستئناف . فكأنه قال : هو الله ربكم ورب آبائكم الأولين .
ثم قال عز وجل : { فَكَذَّبُوهُ } يعني : كذبوا إلياس { فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } يعني : هم وآلهتهم لمحضرون النار { إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } فإنهم لا يحضرون النار { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الاخرين } يعني : الثناء الحسن { سلام على إِلْ يَاسِينَ } قرأ نافع ، وابن عامر ، { سلام على إِلْ يَاسِينَ } وقرأ الباقون : { إلْيَاسِين } .

(3/499)


ومن قرأ { على إِلْ يَاسِينَ } يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم ويقال : آل محمد . فياسين اسم والال مضاف إليه ، وآل الرجل أتباعه . وقيل : أهله . ومن قرأ الياسين ، فله طريقان أحدهما أنه جمع الياس . ومعناه : الياس ، وأمته من المؤمنين . كما يقال : رأيت المهالبة . يعني : بني المهلب . والثاني أن يكون لقبان الياس والياسين مثل ميكال وميكائيل .
ثم قال : { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين } وقد ذكرناه . قوله عز وجل : { وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ المرسلين } .
قوله : { إِذْ نجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِين إِلاَّ عَجُوزاً فِى الغابرين ثُمَّ دَمَّرْنَا الاخرين } وقد ذكرناه .
ثم قال عز وجل : { وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ } يعني : إنكم يا أهل مكة لتمرون على قرياتهم ، إذا سافرتم بالليل والنهار ، فذلك قوله : { وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين } يعني : من جملة المرسلين { إِذْ أَبَقَ } يعني : إذ فرّ . ويقال : إذ هرب . ويقال : خرج { إِلَى الفلك المشحون } يعني : المُوقد من الناس ، والدواب . ويقال : المجهز الذي قد فرغ من جهازه { فساهم } يعني : اقترعوا وقد ذكرت قصته في سورة الأنبياء { فَكَانَ مِنَ المدحضين } يعني : من المقروعين والمدحض في اللغة هو المغلوب في الحجة ، وأصله من دحض الرجل إذ ذلّ من مكانه .
قوله : { فالتقمه الحوت } يعني : ابتلعه الحوت { وَهُوَ مُلِيمٌ } قال أهل اللغة : المليم الذي استوجب اللوم ، سواء لأمره ، أو لا . والملوم الذي يلام ، سواء استوجب اللوم أو لا . ويقال : وهو ملوم يعني : يلوم نفسه { فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين } قال مقاتل والكلبي : لولا أنه كان من المصلين قبل ذلك . ويقال : { لَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين } في بطن الحوت { لَلَبِثَ } أي : لمكث { فِى بَطْنِهِ } ولكان بطنه قبره { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } يعني : إلى يوم القيامة .
قوله عز وجل : { فنبذناه بالعراء } يعني : نبذه الحوت على ساحل البحر . ويقال : بالفضاء على ظاهر الأرض . وقال أهل اللغة : العراء هو المكان الخاليّ من البناء ، والشجر ، والنبات . فكأنه من عرى الشيء { وَهُوَ سَقِيمٌ } يعني : مريض . وذكر في الخبر أنه لم يبقَ له لحم ، ولا ظفر ، ولا شعر ، فألقاه على الأرض كهيئة الطفل لا قوة له ، وقد كان مكث في بطن الحوت أربعين يوماً .
ثم قال : { وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ } قال مقاتل : يعني : من قرع . وهكذا قال قتادة ، ومجاهد . وقال أهل اللغة : كل شيء ينبت بسطاً ، فهو يقطين ، هكذا قال الكلبي . وذكر في الخبر أن وعلة كانت تختلف إليه ، ويشرب من لبنها ، فكان تحت ظل اليقطين ، ويشرب من لبن الوعلة ، يعني : بقرة الوحش حتى تقوى ، ثم يبست تلك الشجرة ، فاغتم لذلك ، وحزن حزناً شديداً ، وبكى فأوحى الله تعالى إليه إنك قد اغتتمت بيبس هذه الشجرة ، فكيف لم تغتم بهلاك مائة ألف أو يزيدون؟ فذلك قوله : { وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } يعني : كما أرسلناه قبل ذلك إلى قومه ، وهم مائة ألف .

(3/500)


يعني : أهل نينوى { أَوْ يَزِيدُونَ } . يعني : بل يزيدون . ويقال : يعني : ويزيدون وكانوا مائة وعشرين ألفاً { فَئَامِنُواْ } يعني : لما جاءهم العذاب ، أقروا وصدقوا ، فصرف الله عنهم العذاب ، فذلك قوله : { فمتعناهم إلى حِينٍ } يعني : أبقيناهم إلى منتهى آجالهم . فخرج يونس عليه السلام ، فمر بجانب مدينة نينوى ، فرأى هناك غلاماً يرعى ، فقال : من أنت يا غلام؟ فقال : من قوم يونس . فقال : فإذا رجعت إليهم فأخبرهم بأنك قد رأيت يونس . فقال الغلام : إنه من يحدث ، ولم تكن له بينة قتلوه . فقال له يونس : تشهد لك هذه البقعة ، وهذه الشجرة . فدخل ، وقال للملك : إني رأيت يونس عليه السلام يقرئك السلام ، فلم يصدقوه ، حتى خرجوا . فشهدت له الشجرة ، والبقعة . قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : فأخذ الملك بيد الغلام ، وقال : أنت أحق بالملك مني . فأقام الغلام أميرهم أربعين سنة .

(4/1)


فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157)

ثم قال عز وجل : { فاستفتهم } يعني : سل أهل مكة { أَلِرَبّكَ البنات } قال مقاتل : وذلك أن جنساً من الملائكة ، يقال لهم : الجن منهم إبليس . قال بعض الكفار : إن الله عز وجل اتخذتهم بناتاً لنفسه ، فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه : فمن أمهم؟ فقالوا : سروات الجن . فذلك قوله : { أَلِرَبّكَ البنات وَلَهُمُ البنون } يعني : يختارون له البنات ، ولأنفسهم البنين .
ثم قال : { أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إناثا وَهُمْ شاهدون } يعني : كانوا شاهدين حاضرين حين خلقهم بناتاً { أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ } يعني : من كذبهم { لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لكاذبون } في قلوبهم .
ثم قال عز وجل : { أَصْطَفَى البنات على البنين } وذكر عن نافع أنه قرأ بإسقاط الألف في الوصل وهو قوله : { لكاذبون اصطفى } وبكسرها في الابتداء . وجعلها ألف وصل ، ولم يجعلها ألف قطع ، ولا ألف استفهام . ومعناها : أن الله عز وجل حكى عن كفار قريش أنهم يزعمون أن الملائكة بنات الله ، وأنهم من إفكهم ليقولون : ولد الله ، وإنهم لكاذبون في قولهم : اصطفى البنات على البنين . وقرأ الباقون : { لكاذبون اصطفى } بإثبات الألف على معنى الاستفهام . فلفظه لفظ الاستفهام ، والمراد به الزجر .
ثم قال عز وجل : { مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } يعني : كيف تقضون بالحق { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أنه لا يختار البنات على البنين { أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ } يعني : ألكم حجة . ويقال : ألكم عذر بيّن في كتاب الله ، أنزل الله إليكم بأن الملائكة بناته { فَأْتُواْ بكتابكم } يعني : أي بعذركم وحجتكم { إِن كُنتُمْ صادقين } في مقالتكم .

(4/2)


وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170)

ثم قال عز وجل : { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً } يعني : وصفوا بين الرب ، وبين الملائكة نسباً حين زعموا أنهم بناته . ويقال : جعلوا بينه وبين إبليس قرابة . وروى جبير عن الضحاك قال : قالت قريش : إن إبليس أخو الرحمن . وقال عكرمة : { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً } قالوا : الملائكة بنات الله ، وجعلوهم من الجن . وهكذا قال القتبي .
ثم قال : { وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة } قال مقاتل والكلبي : يعني : علمت الملائكة الذين قالوا إنهم البنات { إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } أن من قال : إنهم بناته لمحضرون في النار . ويقال : لو علمت الملائكة أنهم لو قالوا بذلك ، أدخلوا النار ثم قال عز وجل :
{ سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ } يعني : تنزيهاً لله عما يصف الكفار . ثم استثنى على معنى التقديم والتأخير ، يعني : فقال إنهم لمحضرون { إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } يعني : الموحدين . فإنهم لا يقولون ذلك .
ثم قال عز وجل : { فَإِنَّكُمْ } يا أهل مكة { وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بفاتنين } يعني : ما أنتم عليه بمضلين أحداً بآلهتكم { إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم } يعني : إلا من قدر الله له أن يصلى الجحيم . ويقال : إلا من كان في علم الله تعالى أنه يصلى الجحيم . ويقال : إلا من قدرت عليه الضلالة ، وعلمت ذلك منه ، وأنتم لا تقدرون على الإضلال والهدى { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } يعني : قل يا جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم . وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم . يعني : مصلى معروفاً في السماء ، يصلي فيه ويعبد الله تعالى فيه { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون } يعني : صفوف الملائكة في السموات . وروي عن مسروق ، عن ابن مسعود قال : إن في السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك ساجد . وروي : أو قدماه . وروي عن مجاهد عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْر إلاَّ وَفِيهِ جَبْهَةُ مَلَك سَاجِد » . ويقال : إن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : لمزمل : 20 ) { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } في السموات ، يعبد الله عز وجل فيه { وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون } يعني : المصلين { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ والله يُقَدِّرُ اليل والنهار عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الارض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله وَءَاخَرُونَ يقاتلون فِى سَبِيلِ الله فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكواة وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لاًّنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

(4/3)


[ المزمل : 20 ] { وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا } يعني : إن أهل مكة كانوا يقولون : لو أتانا بكتاب مثل اليهود والنصارى ، لكنا نؤمن ، فذلك قوله عز وجل : { لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ الاولين } يعني : لو جاءنا رسول { لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين } يعني : الموحدين . فلما جاءهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به . ويقال : يعني : بالقرآن { فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } يعني : يعرفون في الآخرة ، وهذا وعيد لهم . ويقال في الدنيا .

(4/4)


وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)

قوله عز وجل : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا } يعني : قد مضت كلمتنا بالنصرة لعبادنا { المرسلين } يعني : الأنبياء عليهم السلام وهو قوله عز وجل : { كَتَبَ الله لاّغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلى إِنَّ الله قَوِىٌّ عَزِيزٌ } [ المجادلة : 21 ] { إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون } في الدنيا على أعدائهم { وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون } يعني : المؤمنون أهل ديننا . ويقال : رسلنا لهم الغالبون في الدنيا بالغلبة ، والحجة في الآخرة { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } يعني : فأعرض عنهم إلى نزول العذاب ، وكان ذلك قبل أن يؤمر بالقتال { حتى حِينٍ } قال الكلبي : إلى فتح مكة . ويقال : إلى أن تؤمر بالقتال { وأبصارهم } يعني : أعلمهم ذلك { فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } يعني : يرون ماذا يفعل بهم إذا نزل بهم العذاب { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } يعني : أفبعذاب مثلي { يَسْتَعْجِلُونَ } { فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ } يعني : بقربهم وحضرتهم { فَسَاء صَبَاحُ المنذرين } يعني : بئس الصباح صباح من أنذر بالعذاب . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما نزل بقرب خيبر قال : « هَلَكَت خَيْبَرُ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرينَ » يعني : من أنذرتهم فلم يؤمنوا .
قوله عز وجل : { وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } وتكرار الكلام للتأكيد ، والمبالغة في الحجة .
ثم نزّه نفسه عما قالت الكفار ، فقال عز وجل : { سبحان رَبّكَ } يا محمد { رَبّ العزة } والقدرة { عَمَّا يَصِفُونَ } يعني : عما يقولون وقرىء في الشاذ { رَبّ العزة } ويكون نصباً على المدح ، وفي الشاذ قرىء ( رَبُّ العِزَّة ) بالرفع على معنى هو رب العزة . وقراءة العامة : بالكسر على معنى النعت .
ثم قال عز وجل : { وسلام على المرسلين } بتبليغ الرسالة . ففي الآية دليل وتنبيه للمؤمنين بالتسليم على جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام . ثم قال : { والحمد للَّهِ رَبّ العالمين } على هلاك الكافرين الذين لم يوحدوا ربهم . ويقال : حمد الرب نفسه ليكون دليلاً لعباده ، ليحمدوه سبحانه وتعالى والحمد لله رب العالمين .

(4/5)


ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3)

قوله تعالى : { ص والقرءان } قرأ الحسن : صاد بالكسر . وجعلها من المصادات . يقول عارض القرآن : أي عارض عملك بالقرآن . ويقال : بقلبك . وروى معمر ، عن قتادة ، في قوله { ص } قال : هو كما تقول تلق كذا أي : هيىء نفسك لقدوم فلان . يعني : طهر نفسك بآداب القرآن كما قال صلى الله عليه وسلم : « القُرْآنُ مَأْدُبَةُ الله تَعَالَى فَتَطَّعمُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ » وكان عيسى ابن مريم يعمر ، يقرأ صَادَ بالنصب ، وكذلك يقرأ قاف ، ونون بالنصب . ومعناه : اقرأ صاد ، وقراءة العامة بسكون الدال ، لأنها حروف هجاء ، فلا يدخلها الإعراب ، وتقديرها الوقف عليها . وقيل : في تفسير قول الله تعالى : { ص } يعني : الله هو الصادق . ويقال : هو قسم . { والقرءان } عطف عليه قسم بعد قسم . ومعناه أقسمت بصاد ، وبالقرآن . وقال علي بن أبي طالب : الصاد اسم بحر في السماء . وقال ابن مسعود في قوله : { ص والقرءان } يعني : صادقوا القرآن حتى تعرفوا الحق من الباطل . وقال الضحاك : معناه صدق الله .
ثم قال { ص والقرءان ذِى } يعني : والقرآن ذي الشرف . ويقال : فيه ذكر من كان قبله ، وجواب القسم عند قوله : { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار } [ ص : 64 ] والجواب قد يكون مؤخراً عن الكلام كما قال : { والفجر وَلَيالٍ عَشْرٍ } [ الفجر : 1 ، 2 ] وجوابه قوله : { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } [ الفجر : 14 ] وقوله : { والسمآء ذَاتِ البروج } [ البروج : 1 ] وجوابه قوله : { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } [ البروج : 12 ] وقال بعضهم : جواب القسم هاهنا { كَمْ أَهْلَكْنَا } ومعناه : لكم أهلكنا ، فلما طال الكلام حذف اللام .
ثم قال : { بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ } أي : في حمية . كقوله : { وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد } [ البقرة : 206 ] يعني : الحمية . ويقال : { فِى عِزَّةٍ } يعني : في تكبر { وَشِقَاقٍ } يعني : في خلاف من الدين بعيد . ويقال : في عداوة ، ومباعدة ، وتكذيب . وقال القتبي : بل في اللغة على وجهين أحدهما لتدارك كلام غلطت فيه . تقول : رأيت زيداً بل عمراً . والثاني أن يكون لترك شيء ، وأخذ غيره من الكلام كقوله : { بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } .
ثم خوّفهم فقال عز وجل : { كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } يعني : من أمة { فَنَادَوْاْ } يعني : فنادوا في الدنيا ، واستغاثوا { وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } يعني : وليس تحين فرار . قال الكلبي : فكانوا إذا قاتلوا ، قال بعضهم لبعض : { مَنَاصٍ } يعني : يقول احمل حملة واحدة ، فينجو من نجا ، ويهلك من هلك . فلما أتاهم العذاب قالوا : { مَنَاصٍ } مثل ما كانوا يقولون . فقال الله تعالى : ليس تحين فرار وهي لغة اليمن . وقال القتبي : النوص التأخر . والبوص التقدم في كلام العرب . وروى معمر عن قتادة في قوله : { فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } قال : نادوا على غير حين النداء . وقال عكرمة : نادوا وليس تحين انفلات . وقال أبو عبيدة : اختلفوا في الوقف . فقال بعضهم : يوقف عند قوله : { وَّلاَتَ } ثم يبتدأ ب { حِينَ مَنَاصٍ } لأنا لا نجد في شيء من كلام العرب ولات . أما المعروف لا ولأنَّ تفسير ابن عباس يشهد لها ، وذلك أنه قال : ليس تحين فرار . وليس هي أخت لا ولا بمعناها . قال أبو عبيد ومع هذا تعمدت النظر في الذي يقال له : مصحف الإمام . وهو مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه فوجدت التاء متصلة مع حين .

(4/6)


وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10)

ثم قال عز وجل : { وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ } يعني : مخوف منهم ، ورسول منهم يعني : من العرب وهو محمد صلى الله عليه وسلم { وَقَالَ الكافرون هذا ساحر كَذَّابٌ } يكذب على الله تعالى أنه رسوله { أَجَعَلَ الالهة إلها واحدا } يعني : كيف يتسع لحاجتنا إله واحد { إِنَّ هذا لَشَىْء عُجَابٌ } يعني : لأمر عجيب . والعرب تحول فعيلاً إلى فعال . وهاهنا أصله شيء عجيب . كما قال في سورة ق { أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } [ ق : 2 ] { وانطلق الملا مِنْهُمْ } قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : أخبرنا الثقة بإسناده عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما مرض أبو طالب ، دخل عليه نفر من قريش ، فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ، ويقول ويقول ، ويفعل ويفعل ، فأرسل إليه ، فانهه عن ذلك ، فأرسل إليه أبو طالب ، وكان إلى جنب أبي طالب موضع رجل ، فخشي أبو جهل إن جاء النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إلى جنب عمه ، أن يكون أرق له عليه . فوثب أبو جهل ، فجلس في ذلك المجلس ، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يجد مجلساً إلا عند الباب . فلما دخل ، قال له أبو طالب : يا ابن أخي إن قومك يشكونك ، ويزعمون أنك تشتم آلهتهم ، وتقول وتقول ، وتفعل وتفعل . فقال : « يَا عَمُّ إِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً ، تُدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ ، وَتُؤَدِي إليهِم بِهَا العَرَبُ والعَجَمُ الجِزْيَةَ » فقالوا : وما هي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لاَ إله إلاَّ الله » فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم ، ويقولون : { أَجَعَلَ الالهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَىْء عُجَابٌ وانطلق الملا مِنْهُمْ } يعني : الأشراف من قريش { أَنِ امشوا } يعني : امكثوا { واصبروا } يعني : اثبتوا { على ءالِهَتِكُمْ } يعني : على عبادة آلهتكم { إِنَّ هذا لَشَىْء يُرَادُ } يعني : لأمر يراد كونه بأهل الأرض . ويقال : إن هذا لشيء يراد . يعني : لا يكون ولا يتم له { مَّا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة الاخرة } يعني : في اليهود والنصارى { إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق } يعني : يختلقه من قبل نفسه . ويقال : في قوله : { إِنَّ هذا لَشَىْء يُرَادُ } يعني : أراد أن يكون .
ثم قال عز وجل : { عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا بْل } يعني : أخصّ بالنبوة من بيننا . يقول الله عز وجل : { بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْرِى } يعني : في ريب من القرآن والتوحيد { بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } أي : لم يذوقوا عذابي كقوله : { قَالَتِ الاعراب ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الايمان فِى قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أعمالكم شَيْئاً إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

(4/7)


[ الحجرات : 14 ] أي : لم يدخل فهذا تهديد لهم ، أي : سيذوقوا عذابي .
ثم قال : { أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ } يعني : مفاتيح رحمة ربك . يعني : مفاتيح النبوة بأيديهم ، ليس ذلك بأيديهم ، وإنما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء { العزيز الوهاب } يعني : بيد الله { العزيز } في ملكه { الوهاب } لمن يشاء . بل الله يختار من يشاء للوحي ، فيوحي الله عز وجل وهي الرسالة لمن يشاء { وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى الاسباب } يعني : إن لم يرضوا بما فعل الله تعالى ، فليتكلفوا الصعود إلى السماء . وقال القتبي : أسباب السماء أي : أبواب السماء ، كما قال القائل . ولو نال أسباب السماء بسلم . قال : ويكون أيضاً { فَلْيَرْتَقُواْ فِى الاسباب } يعني : في الجبال إلى السماء كما سألوك أن ترقى إلى السماء ، فتأتيهم بآية ، وهذا كله تهديد ، وتوبيخ بالعجز .

(4/8)


جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)

ثم قال عز وجل : { جُندٌ مَّا هُنَالِكَ } يعني : جند عند ذلك ، وما زائدة . يعني : حين أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم { مَهْزُومٌ } يعني : مغلوب { مّن الاحزاب } يعني : من الكفار . وقال مقاتل : فأخبر الله تعالى بهزيمتهم ببدر . وقال الكلبي : يعني عند ذلك إن أرادوه { مَهْزُومٌ } مغلوب .
ثم قال عز وجل : { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } يعني : من قبل أهل مكة { قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الاوتاد } يعني : ذو ملك ثابت ، شديد دائم ويقال : ذو بناء محكم . ويقال : يعني : في عز ثابت . والعرب تقول : فلان في عز ثابت الأوتاد . يريدون دائم شديد ، وأصل هذا أن بيوت العرب تثبت بأوتاد . ويقال : هي أوتاد كانت لفرعون يعذب بها ، وكان إذا غضب على أحد شدّه بأربعة أوتاد .
ثم قال : { وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وأصحاب لئَيْكَةِ } يعني : الغيضة وهم قوم شعيب عليه السلام { أُوْلَئِكَ الاحزاب } يعني : الكفار ، سموا أحزاباً لأنهم تحزبوا على أنبيائهم . أي : تجمعوا ، وأخبر في الابتداء أن مشركي قريش ، حزب من هؤلاء الأحزاب { إِن كُلٌّ } يعني : ما كل { إِلاَّ كَذَّبَ الرسل فَحَقَّ عِقَابِ } يعني : وجب عذابي عليهم .
قوله عز وجل : { وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآء } يعني : قومك { إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } يعني : النفخة الأولى { مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } يعني : من نظرة ، ومن رجعة . قرأ حمزة والكسائي { فَوَاقٍ } بضم الفاء . وقرأ الباقون : بالنصب . ومعناهما واحد . يسمى ما بين حلبتي الناقة { فَوَاقٍ } لأن اللبن يعود إلى الضرع . وكذلك إفاقة المريض يعني : يرجع إلى الصحة . فقال : { مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } يعني : من رجوع . وقال أبو عبيدة : من فتحها أراد ما لها من راحة ولا إفاقة يذهب بها إلى إفاقة المريض ، ومن ضمها جعلها من فواق الناقة ، وهو ما بين الحلبتين ، يعني : ما لها من انتظار . وقال القتبي : الفُواق والفَواق واحد ، وهو ما بين الحلبتين .
ثم قال تعالى : { وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا } قال ابن عباس وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش : « مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالله أُعْطِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ » فقالوا : { رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا } يعني : صحيفتنا ، وكتابنا في الدنيا { قَبْلَ يَوْمِ الحساب } والقط في اللغة الصحيفة المكتوبة . ويقال : لما نزل قوله : { فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كتابيه } [ الحاقة : 19 ] فقالوا { رَبَّنَا عَجّل لَّنَا } هذا الكتاب { قَبْلَ يَوْمِ الحساب } استهزاء .
ثم عزّى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل : { اصبر على مَا يَقُولُونَ } من التكذيب { واذكر عَبْدَنَا دَاودُ ذَا الايد } يعني : ذا القوة على العبادة { إِنَّهُ أَوَّابٌ } يعني : مقبل على طاعة الله عز وجل .

(4/9)


وقال مقاتل : { أَوَّابٌ } يعني : مطيع .
قوله عز وجل : { إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ } يعني : ذلّلنا الجبال { يُسَبّحْنَ } مع داود عليه السلام { بالعشى والإشراق } يعني : في آخر النهار ، وأوله . وروى طاوس أن ابن عباس قال لأصحابه : هل تجدون صلاة الضحى في القرآن؟ قالوا : لا . قال : بلى . قوله : { يُسَبّحْنَ بالعشى والإشراق } كانت صلاة الضحى يصليها داود عليه السلام .
ثم قال عز وجل : { والطير مَحْشُورَةً } يعني : مجموعة { كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } يعني : مطيع . وقال عمرو بن شرحبيل : الأواب بلغة الحبشة المسيح . وقال الكلبي : المقبل على طاعة الله تعالى .
قوله عز وجل : { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ } يعني : قوّينا حراسه . قال مقاتل والكلبي : كان يحرسه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل . ويقال : قوينا ملكه ، وأثبتناه ، وحفظناه عليه . وروي في الخبر أن غلاماً استعدى على رجل ، وادعى عليه . بقراً فأنكر المدعى عليه ، وقد كان لطمه لطمة حين ادعى عليه ، فسأل داود من الغلام البينة ، فلم يقمها ، فرأى داود في منامه أن الله عز وجل يأمره أن يقتل المدعى عليه ، ويسلم البقر إلى الغلام . فقال داود : هو منام ثم أتاه الوحي بذلك ، فأخبر بذلك بنو إسرائيل ، فجزعت بنو إسرائيل وقالوا : رجل لطم غلاماً لطمة فقتله بذلك . فقال داود عليه السلام : هذا أمر الله تعالى به ، فسكتوا . ثم أحضر الرجل فأخبره أن الله تعالى أمره بقتله . فقال الرجل : صدقت يا نبي الله : إني قتلت أباه غيلة ، وأخذت البقر ، فقتله داود ، فعظمت هيبته ، وشدد ملكه . فلما رأى الناس ذلك جلّ أمره في أعينهم ، وقالوا : إنه يقضي بوحي الله تعالى ، ثم إن الله تعالى أرخى سلسلة من السماء ، وأمره بأن يقضي بها بين الناس ، فمن كان على الحق يأخذ السلسلة ، ومن كان ظالماً لا يقدر على أخذ السلسلة . وقد كان غصب رجل من رجل لؤلؤاً ، فجعل اللؤلؤ في جوف عصاً له ، ثم خاصمه المدعي إلى داود عليه السلام فقال المدعي : إن هذا أخذ مني لؤلؤاً ، وإني لصادق في مقالتي . فجاء ، وأخذ السلسلة ، ثم قال المدعى عليه : خذ مني العصا ، فأخذ عصاه ، وقال : إني قد دفعت إليه اللؤلؤ ، وإني لصادق في مقالتي ، فجاء وأخذ السلسلة . فتحير داود عليه السلام في ذلك ، فرفعت السلسلة ، وأمره بأن يقضي بالبينات والأيمان ، فذلك قوله عز وجل : { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ } يعني : الفهم ، والعلم . ويقال : يعني النبوة { وَفَصْلَ الخطاب } يعني : القضاء بالبينات ، والأيمان . وقال قتادة ، والحسن؛ { وَفَصْلَ الخطاب } يعني : البينة على الطالب ، واليمين على المطلوب .

(4/10)


وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)

ثم قال عز وجل : { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الخصم } يعني : خبر الخصم . ويقال : خبر الخصوم أي : وهل أتاك يا محمد ، ما أتاك ، حين أتاك ، ويقال : وقد أتاك { إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب } والتسور أن يصعد في مكان مرتفع ، وإنما سمي المحراب سوراً ، لارتفاعه من الأرض . ويقال { تَسَوَّرُواْ } يعني : دخلوا عليه من فوق الجدار . وقال الحسن البصري : وذلك أن داود عليه السلام جزأ الدهر أربعة أيام . فيوماً لنسائه ، ويوماً لقضائه ، ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه ، ويوماً لبني إسرائيل ليسألونه فقال يوماً لبني إسرائيل : أيكم يستطيع أن يتفرغ لعبادة ربه يوماً لا يصيب الشيطان منه شيئاً؟ فقالوا : يا نبي الله ، والله لا نستطيع . فحدث داود نفسه أنه يستطيع ذلك . فدخل محرابه ، وأغلق بابه ، فقام يصلي في المحراب ، فجاء طائر في أحسن صورة مزين كأحسن ما يكون ، فوقع قريباً منه ، فنظر إليه ، فأعجبه ، فوقع في نفسه منه ، فدنا منه ليأخذه ، فوقع قريباً منه وأطمعه ، أن سيأخذه ، ففعل ذلك ثلاث مرات ، حتى إذا كان في الرابعة ، ضرب يده عليه فأخطأه ، ووقع على سور المحراب . قال : وخلف المحراب حوض تغتسل فيه النساء ، فضرب يده عليه ، وهو على سور المحراب ، فأخطأه وهرب الطائر ، فأشرف داود ، فإذا بامرأة تغتسل ، فلما رأته نقضت شعرها ، فغطى جسدها ، فوقع في نفسه منها ما يشغله عن صلاته ، فنزل من محرابه ، ولبست المرأة ثيابها ، وخرجت إلى بيتها ، فخرج حتى عرف بيتها ، وسألها من أنت؟ فأخبرته : فقال : هل لك زوج؟ قالت : نعم . قال أين هو؟ فقالت : في بعث كذا وكذا ، وجند كذا وكذا . فرجع ، وكتب إلى عامله إذا جاءك كتابي هذا ، فاجعل فلاناً في أول الخيل . فقدم في فوارس ، فقاتل ، فقتل . ثم انتظر حتى انقضت عدتها ، فخطبها ، وتزوجها . فبينما هو في المحراب ، إذ تسور عليه ملكان ، وكان الباب مغلقاً ، ففزع منهما ، فقالا : لا تخف { خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ فاحكم بَيْنَنَا بالحق } يعني : اقض بيننا بالعدل . ثم خاصم أحدهما الآخر ، فقال : { إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } إلى آخره . فعلم داود عليه السلام أنه مراد بذلك ، فخرّ راكعاً وأناب . قال الحسن : سجد أربعين ليلة ، لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة . قال : ولم يذق طعاماً ، ولا شراباً ، حتى أوحى الله عز وجل إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك . وهكذا ذكر في رواية الكلبي عن ابن عباس ، أنه سجد أربعين يوماً حتى سقط جلد وجهه ، ونبت العشب من دموعه . فقال : يا رب كيف ترحمني وأنا أعلم أنك منتقم مني بخطيئتي ، وذكر أن جبريل عليه السلام قال له : اذهب إلى أوريا فاستحل منه ، فإنك تسمع صوته في يوم كذا ، فأتاه ذات ليلة ، فناداه ، فأجابه ، فاستحل منه ، فقال : أنت في حلّ .

(4/11)


فلما رجع ، قال له جبريل : هل أخبرته بجرمك . قال : لا . قال : فإنك لم تفعل شيئاً . قال : فارجع ، فأخبره بالذي صنعت ، فرجع داود فأخبره بذلك ، فقال : أنا خصمك يوم القيامة ، فرجع مغتماً ، وبكى أربعين يوماً فأتاه جبريل عليه السلام فقال : إن الله تعالى يقول : إني أستوهبك من عبدي فيهبك لي ، وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء ، فسري عنه ذلك ، وكان محزوناً في عمره ، باكياً على خطيئته . وروي في خبر آخر ، أن داود سمع بني إسرائيل كانوا يقولون في دعائهم : يا إله إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، فيستجاب لهم . فقال لهم داود عليه السلام اذكروني فيهم . فقولوا : يا إله إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، وداود ، فقالوا : الله أمرك بهذا . قال : لا . فقالوا : لا نزيد فيهم ما لم يأمرك الله تعالى بذلك . فسأل داود ربه أن يجعله فيهم ، فأوحى الله تعالى إليه ، وذكر له ما لقي إبراهيم من الشدائد ، وما لقي إسحاق ويعقوب عليهم السلام فسأل داود ربه أن يبتليه ببلية لكي يبلغ منزلتهم ، فابتلي بذلك حتى بلغ مبلغهم . وقال بعضهم : هذه القصة لا تصح لأنه لا يظن بالنبي مثل داود أنه يفعل مثل ذلك ، ولكن كانت خطيئته أنه لما اختصما إليه ، فقال للمدعي : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ، فنسبه إلى الظلم بقول المدعي . فكان ذلك منه زلة ، فاستغفر ربه عن زلته ، فذلك قوله : { إِذْ دَخَلُواْ على * دَاوُودُ } وقال بعضهم : كانوا اثنين . فذكر بلفظ الجماعة فقال : { إِذْ دَخَلُواْ على * دَاوُودُ } وقال بعضهم : كانوا جماعة ، ولكنهم كانوا فريقين فقال : { إِذْ دَخَلُواْ على * دَاوُودُ ****فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ } يعني : استطال ، وظلم بعضنا على بعض { فاحكم بَيْنَنَا بالحق } يعني : اقض بيننا بالعدل { وَلاَ تُشْطِطْ } أي ولا تجر في الحكم ، والقضاء . ويقال : أشططت إذا جرت { واهدنا إلى سَوَاء الصراط } يعني : أرشدنا إلى أعدل الطريق .
قوله عز وجل : { إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ واحدة فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا } يعني : أعطني هذه النعجة . وهذا قول الكلبي ومقاتل . وقال القتبي { أَكْفِلْنِيهَا } يعني : ضمها إليّ ، واجعلني كافلها { وَعَزَّنِى فِى الخطاب } يعني : غلبني في الكلام { قَالَ } داود { لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ } أي : مع نعاجه { وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الخلطاء } يعني : من الإخوان والشركاء { لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ } يعني : ليظلم بعضهم بعضاً { إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } فإنهم لا يظلمون { وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } يعني : قليل منهم الذين لا يظلمون . فلما قضى بينهما داود عليه السلام أحب أن يعرفهما ، فصعد إلى السماء حيال وجهه { وَظَنَّ * دَاوُودُ } يعني : علم داود .

(4/12)


ويقال : ظن بمعنى أيقن . إلا أنه ليس بيقين عياناً ، لأن العيان لا يقال فيه إلا العلم . { أَنَّمَا فتناه } يعني : ابتليناه ، واختبرناه . ويقال : إنهما ضحكا ، وذهبا . فعلم داود أن الله عز وجل ابتلاه بذلك . وروي عن أبي عمرو في بعض الروايات أنه قرأ { أَنَّمَا فتناه } بالتخفيف ، ومعناه ظن أن الملكين اختبراه ، وامتحناه في الحكم وقراءة العامة { فتناه } بالتشديد يعني : أن الله عز وجل قد اختبره ، وامتحنه بالملكين { فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ } يعني : { وَخَرَّ } وقع راكعاً ساجداً { وَأَنَابَ } يعني : أقبل إلى طاعة الله تعالى بالتوبة . وروى عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الله البجلي قال : إن داود لم يرفع رأسه إلى السماء ، مذ أصاب الخطيئة حتى مات . وذكر في الخبر أن داود كان له تسع وتسعون امرأة ، فتزوج امرأة أوريا على شرط أن يكون ولدها خليفة بعده ، فولد له منها سليمان ، وكان خليفته بعده .
يقول الله عز وجل : { فَغَفَرْنَا لَهُ ذلك } يعني : ذنبه { وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى } لقربة { وَحُسْنُ مَئَابٍ } أي : المرجع في الآخرة . وروي أن كاتباً كان يكتب قوله تعالى : { وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ } وكان تحت شجرة ، فقرأها ، وكتبها ، فخرت الشجرة ساجدة لله تعالى ، وهي تقول : اللهم اغفر بها ذنباً ، وخرت الدواة ساجدة كذلك ، وهي تقول اللهم : احطط عني بها وزراً . وكذلك الصحيفة التي في يده ، وهي تقول : اللهم أحدث مني بها شكراً . وعن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله رأيتني الليلة ، وأنا نائم ، كأني أصلي خلف الشجرة ، فقرأت السجدة فسجدتُّ فسجدت الشجرة لسجودي ، فسمعتها وهي تقول : اللهم اكتب لي بها عندك أجراً ، وضع عني بها وزراً ، واجعلها لي عندك ذخراً ، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود . قال ابن عباس فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم آية سجدة ، ثم سجد فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة . وأيضاً سئل ابن عباس عن سجدة { ص } من أين سجدت . قال : أما تقرأ هذه الآية : { وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاودُ وسليمان } ، ثم قال : { أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذكرى للعالمين } [ الأنعام : 90 ] فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به ، فسجدها داود ، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداءً به .
ثم قوله عز وجل : { مَئَابٍ ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِى الارض } يعني : أكرمناك بالنبوة ، وجعلناك خليفة ، والخليفة الذي يقوم مقام الذي قبله ، فقام مقام الخلفاء الذين قبله ، وكان قبله النبوة في سبط ، والملك في سبط آخر ، فأعطاهما الله تعالى لداود .

(4/13)


ثم قال : { فاحكم بَيْنَ الناس بالحق } يعني : بالعدل { وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى } أي : لا تمل إلى هوى نفسك ، فتقضي بغير عدل . ويقال : لا تعمل بالجور في القضاء ، { وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى } كما اتبعت في بتشايع ، وهي امرأة أوريا ، { فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله } يعني : عن طاعة الله تعالى . ويقال : يعني : الهوى يستزلك { عَن سَبِيلِ الله } { إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله } يعني : عن دين الله الإسلام { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحساب } يعني : بما تركوا من العمل ليوم القيامة ، فلم يخافوه . ويقال : بما تركوا الإيمان بيوم القيامة .

(4/14)


وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)

قوله عز وجل : { وَمَا خَلَقْنَا السماء والارض وَمَا بَيْنَهُمَا } من الخلق { باطلا } يعني : عبثاً لغير شيء ، بل خلقناهما لأمر هو كائن { ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ } يعني : يظنون أنهما خلقتا لغير شيء ، وأنكروا البعث { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النار } يعني : جحدوا من النار يعني : من عذاب النار { أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } وذلك أن كفار مكة قالوا : إنا نعطى في الآخرة ، من الخير أكثر مما تعطون فنزل : { أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } في الثواب { كالمفسدين فِى الارض } يعني : كالمشركين . وقال في رواية الكلبي : نزلت في مبارزي يوم بدر { أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } يعني : علياً ، وحمزة ، وعبيدة رضي الله عنهم { كالمفسدين فِى الارض } يعني : عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد . ويقال : نزلت في جميع المسلمين ، وجميع الكافرين . يعني : لا نجعل جزاء المؤمنين كجزاء الكافرين في الدنيا والآخرة ، كما قال في آية أُخرى : { أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَوَآءً محياهم ومماتهم سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ الجاثية : 21 ] .
ثم قال عز وجل : { أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار } يعني : كالكفار في الثواب . اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الوعيد .
ثم قال عز وجل : { كتاب أنزلناه إِلَيْكَ مبارك } يعني : أنزلنا جبريل عليه السلام به إليك { مُّبَارَكٌ } يعني : كتاب مبارك فيه مغفرة للذنوب لمن آمن به ، وصدقه ، وعمل بما فيه ، { لّيَدَّبَّرُواْ ءاياته } أي : لكي يتفكروا في آياته . قرأ عاصم في إحدى الروايتين : { لِتَدَبَّرُوا } بالتاء مع النصب ، وتخفيف الدال . وهو بمعنى : لتتدبروا . فحذفت إحدى التاءين ، وتركت الأخرى خفيفة ، وقراءة العامة { مبارك لّيَدَّبَّرُواْ } بالياء ، وتشديد الدال . وهو بمعنى : ليتدبروا . فأدغمت التاء في الدال ، وشددت .
ثم قوله عز وجل : { وَلِيَتَذَكَّرَ } يعني : وليتعظ بالقرآن { أُوْلُو الالباب } يعني : ذوو العقول من الناس .

(4/15)


وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)

{ وَوَهَبْنَا لداود سليمان } يعني : أعطينا لداود سليمان . وروي عن ابن عباس أنه قال : أولادنا من مواهب الله عز وجل .
ثم قرأ : و { لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والارض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إناثا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور } [ الشورى : 49 ] فوهب الله تعالى لداود سليمان { نِعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ } يعني : مقبلاً إلى طاعة الله تعالى .
قوله عز وجل : { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بالعشى } يعني : في آخر النهار { الصافنات الجياد } يعني : الخيل . قال الكلبي ومقاتل : صفن الفرس إذا رفع إحدى رجليه ، فيقوم على طرف حافره . وقال أهل اللغة : الصافن الواقف من الخيل . وفي الخبر : « مَنْ أَحَبَّ أنْ يَقُومَ لَهُ الرِّجَالُ صُفُوفاً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » يعني : يديمون له القيام ، والجياد الحسان . ويقال : الإسراع في المشي . وقال ابن عباس في رواية الكلبي : إن أهل دمشق من العرب ، وأهل نصيبين جمعوا جموعاً ، وأقبلوا ليقاتلوا سليمان ، فقهرهم سليمان ، وأصاب منهم ألف فرس عراب ، فعرضت على سليمان الخيل ، فجعل ينظر إليها ، ويتعجب من حسنها ، حتى شغلته عن صلاة العصر ، وغربت الشمس ، ثم ذكرها بعد ذلك ، فغضب ، وقال : { رُدُّوهَا عَلَىَّ } ، فضرب بسوقها ، وأعناقها بالسيف ، حتى خرّ منها تسعمائة فرس ، وهي التي كانت عرضت عليه ، وبقيت مائة فرس لم تعرض عليه كما كان في أيدي الناس الآن من الجياد ، فهو من نسلها أي : من نسل المائة الباقية .
قوله تعالى : { فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير } يعني : آثرت حب المال { عَن ذِكْرِ رَبِى } يعني : عن الصلاة ، وهي صلاة العصر { حتى تَوَارَتْ بالحجاب } يعني : حتى غابت الشمس ، وهذا إضمار لما لم يسبق ذكره . يعني : ذكر الشمس لأن في الكلام دليلاً فاكتفى بالإشارة عن العبارة . قوله . عز وجل { رُدُّوهَا عَلَىَّ } يعني : قال سليمان : ردوا الخيل عليّ ، فردت عليه { فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق } يعني : يضرب السوق وهو جماعة الساق { والاعناق } وهو جمع العنق . وروي عن إبراهيم النخعي قال : كانت عشرين ألف فرس . وقال السدي : كانت خيل لها أجنحة . وقال أبو الليث : يجوز أن يكون مراده في سرعة السير ، كأن لها أجنحة . وقال بعضهم : كانت الجن والشياطين أخرجتها من البحر . وقال عامة المفسرين في قوله : { فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والاعناق } يعني : فضرب سوقها ، وأعناقها . وقال بعضهم : لم يعقر ولكن جعل على سوقهن ، وعلى أعناقهن ، سمة وجعلها في سبيل الله . قال : لأن التوبة لا تكون بأمر منكر . ولكن الجواب عنه أن يقال له : يجوز أن يكون ذلك مباحاً في ذلك الوقت ، وإنما أراد بذلك الاستهانة بمال الدنيا لمكان فريضة الله تعالى .
ثم قال عز وجل : { وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان } ابتليناه { وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً } يعني : شيطاناً .

(4/16)


قال ابن عباس في رواية أبي صالح : إن سليمان أمر بأن لا يتزوج إلا من بني إسرائيل ، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل ، فعاقبه الله تعالى . فأخذ شيطان يقال له : صخر خاتمه ، وجلس على كرسيه أربعين يوماً ، وقد ذكرنا قصته في سورة البقرة { ثُمَّ أَنَابَ } يعني : رجع إلى ملكه ، وأقبل على طاعة الله تعالى . وقال الحسن في قوله تعالى : { وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً } قال : شيطاناً . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : سألت كعباً عن قوله : { وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً } قال : شيطاناً . يعني : أخذ خاتم سليمان الذي فيه ملكه ، فقذفه في البحر ، فوقع في بطن سمكة ، وانطلق سليمان يطوف ، فتصدق عليه بسمكة ، فشواها ليأكل ، فإذا فيها خاتمه . وقال وهب بن منبه : إن سليمان تزوج امرأة من أهل الكتاب ، وكان لها عبد ، فطلبت منه أن يجزرها لعبدها . يعني : ينحر الجزور فأجزرها ، فكره ذلك منه ثم ابتلي بالجسد الذي ألقي على كرسيه . وروى معمر عن قتادة في قوله : { وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً } قال : كان الشيطان جلس على كرسيه أربعين ليلة ، حتى ردّ الله تعالى إليه ملكه . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : { وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً } قال : شيطان يقال له صخر . قال له سليمان يوماً : كيف تفتنون الناس؟ فقال له : أرني خاتمك أخبرك . فلما أعطاه إياه ، نبذه في البحر ، فذهب ملكه ، وقعد صخر على كرسيه ، ومنعه الله تعالى نساء سليمان ، فلم يقربهن ، فأنكرته أم سليمان ، أهو سليمان أم آصف؟ فكان يقول : أنا سليمان . فيكذبونه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً ، فوجد خاتمه في بطنه ، فرجع إليه ملكه ، ودخل صخر البحر فاراً . وذكر شهر بن حوشب نحو هذا ، وقال : لما جلس سليمان على سريره ، بعث في طلب صخر ، فأتي به ، فأمر به ، فقورت له صخرة ، وأدخله فيها ، ثم أطبق عليها ، وألقاه في البحر ، وقال : هذا سجنك إلى يوم القيامة . وقال بعضهم : هذا التفسير الذي قاله هؤلاء الذين ذكروا أنه شيطان لا يصح ، لأنه لا يجوز من الحكيم أن يسلط شيطاناً من الشياطين على أحكام المسلمين ، ويجلسه على كرسي نبي من الأنبياء عليهم السلام ولكن تأويل الآية والله أعلم : أن سليمان كان له ابن ، فجاء ملك الموت يوماً زائراً لسليمان ، فرآه ابنه فخافه ، وتغيّر لونه ، ومرض من هيبته ، فأمر سليمان عليه السلام الريح بأن تحمل ابنه فوق السحاب ليزول ذلك عنه ، فلما رفعته الريح فوق السحاب ، ودنا أجله ، فقبض ابنه ، وألقي على كرسيه فذلك قوله : { وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً } يعني : ابنه الميت . قال : والدليل على ذلك أن الجسد في اللغة هو الميت الذي لا يأكل الطعام ، والشراب ، كالميت ونحوه .

(4/17)


وذكر أن سليمان جزع على ابنه ، إذ لم يكن له إلا ابن واحد ، فدخل عليه ملكان ، فقال أحدهما : إن هذا مشى في زرعي فأفسده . فقال له سليمان : لم مشيت في زرعه؟ فقال : لأن هذا الرجل زرع في طريق الناس ، ولم أجد مسلكاً غير ذلك . فقال سليمان للآخر : لم زرعت في طريق الناس ، أما علمت أن الناس لا بد لهم من طريق يمشون فيه؟ فقال لسليمان : صدقت . لم ولدت على طريق الموت أما علمت أن ممر الخلق على الموت؟ ثم غابا عنه . فاستغفر سليمان فذلك قوله : { ثُمَّ أَنَابَ } يعني : تاب ورجع إلى طاعة الله عز وجل .

(4/18)


قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (40)

قوله عز وجل : { قَالَ رَبّ اغفر لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً } أي : أعطني ملكاً { لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى } قال سعيد بن جبير : أعطني ملكاً لا تسلبه كما سلبت في المرة الأولى . ويقال : إنما تمنى ملكاً لا يكون لأحد من بعده ، حتى يكون ذلك معجزة له ، وعلامة لنبوته . { إِنَّكَ أَنتَ الوهاب } يعني : المعطي الملك .
قوله عز وجل : { فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ } وكان من قبل ذلك لم تسخر له الريح ، والشياطين . فلما دعا بذلك ، سخرت له الريح والشياطين . فقال : { فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ } يعني : بأمر سليمان . ويقال : بأمر الله تعالى { رُخَاء } يعني : لينة مطيعة { حَيْثُ أَصَابَ } يعني : حيث أراد من الأرض ، والنواحي { أَصَابَ } يعني : أراد . وقال الأصمعي : العرب تقول : أصاب الصواب ، فأخطأ الجواب . يعني : أراد الصواب ، فأخطأ الجواب . { والشياطين } يعني : سخرنا له كل شيء ، وسخرنا له الشياطين أيضاً { كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ } يعني : يغوصون في البحر ، ويستخرجون اللؤلؤ ، وقال مقاتل : وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر { وَءاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ } يعني : مردة الشياطين موثقين { فِى الاصفاد } يعني : في الحديد ويقال : { الاصفاد } الأغلال .
ثم قال عز وجل : { هذا عَطَاؤُنَا } يعني : هذا عطاؤنا لك ، وكرامتنا عليك { فامنن } يعني : اعتق من شئت منهم ، فخلّ سبيله من الشياطين { أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } يعني : احبس في العمل ، والوثاق ، والسلاسل من شئت منهم { بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي : فلا تبعة عليك في الآخرة فيمن أرسلته ، وفيمن حبسته . ويقال : ليس عليك بذلك إثم { وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى } يعني : لقربى { وَحُسْنُ مَئَابٍ } يعني : حسن المرجع .

(4/19)


وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)

قوله عز وجل : { واذكر عَبْدَنَا أَيُّوبَ } يعني : واذكر صبر عبدنا أيوب { إِذْ نادى رَبَّهُ } يعني : دعا ربه { أَنّى مَسَّنِىَ الشيطان } يعني : أصابني الشيطان { بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } وهو المشقة والعناء والأمراض ، وعذاب في ماله . يعني : هلاك أهله ، وماله وقد ذكرناه في سورة الأنبياء قوله عز وجل : { اركض بِرِجْلِكَ هذا } يعني : قال له جبريل : اضرب الأرض برجلك ، فضرب فنبعت عين من تحت قدميه ، فاغتسل فيها ، فخرج منها صحيحاً ، ثم ضرب برجله الأخرى فنبعت عين أخرى ماء عذب بارد ، فشرب منها ، فذلك قوله { هذا مُغْتَسَلٌ } يعني : الذي اغتسل منها . ثم قال : { بَارِدٌ وَشَرَابٌ } يعني : الذي شرب منها .
قوله عز وجل : { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مّنَّا وذكرى لاِوْلِى الالباب وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } يعني : قبضة من سنبل فيها مائة سنبلة . وقال الكلبي { ضِغْثاً } أي : مجتمعاً . وقال مقاتل : الضغث القبضة الواحدة ، فأخذ عيداناً رطبة من الآس ، فيه مائة عود . وقال القتبي : الضغث الحزمة من العيدان ، والكلأ { فاضرب بّهِ } يعني : اضرب به امرأتك { وَلاَ تَحْنَثْ } في يمينك . وقال الزجاج : قالت امرأته : لو ذبحت عناقاً باسم الشيطان؟ فقال : لا ، وَلاَ كَفّاً مِن تُرَاب . وحلف أنه يضربها مائة سوط ، وأمر بأن يبرّ في يمينه { إِنَّا وجدناه صَابِراً } على البلاء الذي ابتليناه { نِعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ } يعني : مقبل على طاعة ربه . وقال وهب بن منبه : أصاب أيوب البلاء سبع سنين ، ومكث يوسف في السجن سبع سنين ، ويقال : { إِنَّهُ أَوَّابٌ } لما هلك ماله . قال : كان ذلك من عطاء الله ، ولما هلك أولاده قال : { الذين إِذَآ أصابتهم مُّصِيبَةٌ قالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ راجعون } [ البقرة : 156 ] ولما ابتلي بالنفس قال : إني له . ويقال : واذكر أنت يا محمد صبر عبدنا أيوب ، إذ ضاق صدرك من أذى الكفار ، وأمر أمتك ليذكروا صبره ، ويعتبروا ، ويصبروا .

(4/20)


وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)

ثم قال عز وجل : { واذكر عِبَادَنَا إبراهيم } فجعل العبد نعت إبراهيم خاصة ، كأنه قال : واذكر عبدنا قرأ ابن كثير { واذكر عَبْدَنَا } بغير ألف وقرأ الباقون : { عِبَادِنَا } بالألف . فمن قرأ عبدنا فمعناه : { واذكر عَبْدَنَا إِبْرَاهِيمَ } فجعل العبد نعتاً لإبراهيم خاصة ، فكأنه قال : { واذكر عَبْدَنَا إِبْرَاهِيمَ } { و } اذكر { لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ } ومن قرأ { عِبَادِنَا } يعني : ما بعده مع إِبْرَاهِيمَ ، وَإِسْحَاقَ ، ويَعْقُوبَ { أُوْلِى الايدى والابصار } يعني : أولي القوة في العبادة ، والأبصار . يعني : ذوي البصر في أمر الله تعالى .
قوله عز وجل : { إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار } يعني : اختصصناهم بذكر الله تعالى ، وبذكر الجنة ، وليس لهم همّ إلا همّ الآخرة . ويقال : معناه واذكر صبر إبراهيم ، وصبر إسحاق ، وصبر يعقوب ، ولم يذكر صبر إسماعيل لأنه لم يبتلَ بشيء . قرأ نافع { بِخَالِصَةٍ } بغير تنوين على معنى الإضافة . وقرأ الباقون مع التنوين . وروي عن مالك بن دينار أنه قال : نزع الله ما في قلوبهم من حب الدنيا ، وذكرها ، وقد أخلصهم بحب الآخرة ، وذكرها . ومن قرأ { بِخَالِصَةٍ } بالتنوين ، جعل قوله : { ذِكْرَى الدار } بدلاً من خالصة . والمعنى : { إِنَّا أخلصناهم } بذكر الدار ، والدار هاهنا دار الآخرة . يعني : جعلناهم لنا خالصين ، بأن جعلناهم يكثرون ذكر الدار ، والرجوع إلى الله تعالى .
ثم قال عز وجل : { وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الاخيار } يعني : المختارين للرسالة ، الأخيار في الجنة .
ثم قال : { واذكر إسماعيل } قال مقاتل : واذكر صبر إسماعيل ، وهو أشمويل بن هلفانا . وقال غيره : هو إسماعيل بن إبراهيم . يعني : اذكر لقومك صبر إسماعيل ، وصدق وعده { واليسع وَذَا الكفل } واليسع كان خليفة إلياس ، وذا الكفل كفل مائة نبي أطعمهم ، وكساهم ، { وَكُلٌّ مّنَ الاخيار هذا ذِكْرُ } يعني : هذا الذي ذكرنا من الأنبياء عليهم السلام في هذه السورة { ذُكِرَ } يعني : بيان لعظمته { وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ } من هذه الأمة { لَحُسْنَ مَئَابٍ } يعني : حسن المرجع .
ثم وصف الجنة فقال عز وجل : { جنات عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الابواب } يعني : تفتح لهم الأبواب فيدخلونها . يعني : الجنة كما قال تعالى في آية أخرى : { وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين } [ الزمر : 73 ] فإذا دخلوها ، وجلسوا على السرر ، وكانوا { مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بفاكهة كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ } يعني : ألوان الفاكهة ، والشراب { وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف } يعني : غاضات أعينهن عن غير أزواجهن { أَتْرَابٌ } يعني : ذات أقران . أي : مستويات على سن واحد { هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحساب } يقول : { إِنَّ هَذَا } يعني : إنّ هذا الثواب الذي توعدون بأنه يكون لكم في يوم الحساب .

(4/21)


وقرأ ابن كثير ، وأبو عمر ، بالياء على معنى الإخبار عنهم . وقرأ الباقون : بالتاء على معنى المخاطبة . يقول الله تعالى : { إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا } يعني : إن هذا الذي ذكرنا لعطاؤنا للمتقين { مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } يعني : لا يكون له فناء ، ولا انقطاع عنهم ، وهذا كما قال تعالى : { لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [ الواقعة : 33 ] ثم قال : { هذا } يعني : هذا الرزق للمتقين فيتم الكلام عند قوله : { هذا } .
ثم ذكر ما أوعد الكفار فقال عز وجل : { هذا وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ } يعني : للكافرين ، لبئس المرجع لهم في الآخرة .
ثم بيّن مرجعهم فقال عز وجل : { جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا } يعني : يدخلونها { فَبِئْسَ المهاد } يعني : فبئس موضع القرار { هذا فَلْيَذُوقُوهُ } يعني : هذا العذاب لهم { فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } وهو ماء حار قد انتهى حرّه . قرأ حمزة والكسائي ، وحفص { غسَّاق } بتشديد السين وقرأ الباقون : بالتخفيف . وعن عاصم روايتان . رواية حفص بالتشديد ، ورواية أبي بكر بالتخفيف . فمن قرأ بالتشديد فهو بمعنى سيال ، وهو ما يسيل من جلود أهل النار . ومن قرأ بالتخفيف جعله مصدر غسق يغسق غساقاً . أي : سال . وروي عن ابن عباس ، وابن مسعود ، أنهما قرآ { غساق } بالتشديد ، وفسراه بالزمهرير . وقال مقاتل : { الغساق } البارد الذي انتهى برده . وقال الكلبي : الحميم هو ماء حار قد انتهى حره . وأما غساق فهو الزمهرير يعني : برد يحرق كما تحرق النار وقال بعضهم : الغساق : المنتن بلفظ الطحاوية ثم قال عز وجل : { وَغَسَّاقٌ وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ أزواج } يعني وعذاب آخر من نحوه يعني من نحو الحميم والزمهرير . قرأ أبو عمر ، وابن كثير ، في إحدى الروايتين { وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ } بضم الألف . وقرأ الباقون : { وَأَخَّرَ } بالنصب فمن قرأ بالضم فهو لفظ الجماعة ، ومعناه : وأنواع أخر ومن قرأ : { وَأَخَّرَ } بنصب الألف بلفظ الواحد ، يعني : وعذاب آخر من شكله أي : مثل عذابه الأول { أزواج } يعني : ألوان { هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ } يعني : جماعة داخلة معكم النار . يقال : اقتحم إذا دخل في المهالك ، وأضلوا الدخول . تقول الخزنة للقادة : وهذه جماعة داخلة معكم النار ، وهم الأتباع { لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } يعني : لا وسع الله لهم { إِنَّهُمْ صَالُو النار } يعني : داخل النار معكم فردت الأتباع على القادة { قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } يعني : لا وسع الله عليكم { أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا } يعني : أسلفتموه لنا ، وبدأتم بالكفر قبلنا ، فاتبعناكم { فَبِئْسَ القرار } يعني : بئس موضع القرار في النار .
قوله عز وجل : { قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا } الأمر هذا الذي كنا فيه { فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِى النار وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ الاشرار } يعني : فقراء المسلمين .
قوله عز وجل : { أتخذناهم سِخْرِيّاً } قرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو عمرو ، { سِخْرِيّاً أتخذناهم } بالوصل .

(4/22)