صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30)
قوله عز وجل : { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السموات والارض } يعني : المطر والنبات فإن أجابوك وإلا { قُلِ الله } يعني : الله يرزقكم من السموات والأرض { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ } يعني : قل لهم أحدنا { لعلى هُدًى } والأخرى على الضلال . يعني : إنا على الهدى وأنتم على الضلالة وهذا كرجل يقول لآخر : أحدنا كاذب وهو يعلم أنه أراد به صاحبه . ويقال : في الآية تقديم يعني : وإنا على الهدى وإياكم { أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ } . (3/438)
ثم قال عز وجل : { قُل لاَّ تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا } يعني : لا تسألون عن جرم أعمالنا { وَلاَ نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } يعني : لا نسأل عن جرم أعمالكم . ويقال : لا تأخذون بجرمنا ، ولا نؤخذ بجرمكم .
قوله عز وجل : { قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا } يعني : يوم القيامة نحن وأنتم { ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بالحق } يعني : بالعدل { وَهُوَ الفتاح العليم } القابض العليم بما يقضي { قُلْ أَرُونِىَ الذين أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاء } أروني آلهتكم الذين تعبدون من دون الله ، وتزعمون أنها له شركاء . أي : ماذا خلقوا في السموات والأرض من الخلق { كَلاَّ } يعني : ما خلقوا شيئاً { بَلْ هُوَ الله } خالق كل شيء { العزيز } في ملكه { الحكيم } في أمره .
قوله عز وجل : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } أي : عامة للناس { بَشِيراً } . وروى خالد الحذاء عن قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أُعْطَيْتُ خَمْساً لَمْ يعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي . بُعِثْتُ إلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ فَلْيْسَ أحَدٌ مِنْ أحْمَرَ وَأسْوَدَ يَدْخُلُ فِي أُمَّتِي إلاَّ كَانَ مِنْهُمْ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ أَمَامِي مَسِيرَةَ شَهْرٍ . وَجُعِلْتُ فَاتِحاً وَخَاتِماً . وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً ، أيْنَمَا أدْرَكَتْنَا الصَّلاةَ صَلَيْنَا ، وَإنْ لَمْ نَجِدْ مَاءً تَيَمَّمْنَا وَأُطْعِمْنَا غَنَائِمَنَا وَلَمْ يطْعَمْهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلَنَا كَانَتْ قُرْبَانُهُمْ تَأْكُلُهُ النَّارُ » . ثم قال : { بَشِيراً وَنَذِيراً } يعني : بشيراً بالجنة لمن أطاعه ، ونذيراً بالنار لمن عصاه { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } يعني : لا يصدقون بالجنة ولا بالنار { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } يعني : البعث { إِن كُنتُمْ صادقين } يعني : إن كنت صادقاً . ويقال : إن كنت رسول الله .
قوله عز وجل : { قُل لَّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ } يعني : ميقاتاً في العذاب . ويقال : ميعاداً في البعث والعذاب { لاَّ تَسْتَئَخِرُونَ عَنْهُ } يعني : عن الميعاد والعذاب { سَاعَةِ } يعني : قدر ساعة { وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ } قبل الأجل . ويقال : معناه أنا قادر اليوم على عذابهم ، ولكن أؤخرهم في الوعد الذي كتب لهم في اللوح المحفوظ .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35)
قوله تعالى : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بهذا القرءان وَلاَ بالذى بَيْنَ يَدَيْهِ } من التوراة والإنجيل . يعني : لا نصدق بذلك كله فحكى الله قولهم ثم ذكر عقوبتهم في الآخرة فقال : { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون } يعني : لو رأيت يا محمد الظالمين يوم القيامة { مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ } يعني : محبوسين في الآخرة { يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ القول } يعني : يرد بعضهم بعضاً الجواب . (3/439)
ثم أخبر عن قولهم فقال : { يَقُولُ الذين استضعفوا } وهم السفلة والأتباع { لِلَّذِينَ استكبروا } يعني : القادة والرؤساء { لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } يعني : لولا دعوتكم وتعريفكم إيانا لكنا مصدقين .
قوله عز وجل : { قَالَ الذين استكبروا } يعني : القادة { لِلَّذِينَ استضعفوا } وهم الأتباع { أَنَحْنُ صددناكم عَنِ الهدى } يعني : أنحن منعناكم عن الإيمان { بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ } به الرسول { بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ } يعني : مشركين .
قوله عز وجل : { وَقَالَ الذين استضعفوا } يعني : ردت الضعفاء عليهم الجواب . وقالوا : { لِلَّذِينَ استكبروا بَلْ مَكْرُ اليل والنهار } يعني : قولكم لنا بالليل والنهار ، واحتيالكم بالدعوة إلى الشرك . { إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بالله } يعني : نجحد بوحدانية الله { وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } يعني : نقول له شركاء { وَأَسَرُّواْ الندامة } يعني : أخفوا الحسرة . ويقال : أظهروا الندامة والحسرة { لَمَّا رَأَوُاْ العذاب وَجَعَلْنَا الاغلال } يعني : نجعل الأغلال يوم القيامة { فِى أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ } من الرؤساء والسفلة { هَلْ يُجْزَوْنَ } يعني : هل يثابون في الآخرة { إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في الدنيا .
قوله عز وجل : { وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ } يعني : من رسول { إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا } يعني : جبابرتها ورؤساؤها للرسل { إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون } يعني : جاحدون بالتوحيد . والمترف المتنعم ، وإنما أراد به المتكبرين { وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أموالا وأولادا } في الدنيا { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } في الآخرة . ومعناه : أن الكفار المتقدمين استخفوا بالفقراء ، وآذوا الرسل . كما يفعل بك قومك ، وافتخروا بما أعطاهم الله عز وجل من الأموال كما افتخر قومك . وأمره بأن يأمرهم بأن لا يفتخروا بالمال . فإن الله تعالى يعطي المال لمن يشاء .
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)
وهو قوله عز وجل : { قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء } أي : يوسع المال لمن يشاء وهو مكر منه واستدراج { وَيَقْدِرُ } يعني : يقتر على من يشاء ، وهو نظر له لكي يعطى في الآخرة من الجنة بما قتر عليه في الدنيا { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } أن التقتير والبسط من الله عز وجل . ويقال : لا يصدقون أن الذين اختاروا الآخرة خير من الذين اختاروا الدنيا ثم أخبر الله تعالى أن أموالهم لا تنفعهم يوم القيامة فقال عز وجل : { وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى } يعني : قربة . ومعناه : وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا ولو كان على سبيل الجمع لقال بالذين يقربونكم ، لأن الحكم للآدميين إذا اجتمع معهم غيرهم . (3/440)
ثم قال : { وَمَا أموالكم وَلاَ } يعني : إلا من صدق الله ورسوله { وَعَمِلَ صالحا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضعف بِمَا عَمِلُواْ } يعني : للواحد عشرة إلى سبعمائة وإلى ما لا يحصى . وقال القتبي : أراد بالضعف التضعيف أي : لهم جزاء وزيادة . قال : ويحتمل { جَزَاء الضعف } أي : جزاء الأضعاف كقوله : { قَالَ ادخلوا فى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الجن والإنس فِى النار كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حتى إِذَا اداركوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لاولاهم رَبَّنَا هؤلاء أَضَلُّونَا فَأاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النار قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 38 ] أي : مضافاً .
وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : إن الغني إذا كان تقياً ، يضاعف الله له الأجر مرتين ، ثم قرأ هذه الآية . { وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم } إلى قوله : { فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضعف } يعني : أجره مِثْلَيْ ما يكون لغيره . ويقال : هذا لجميع من عمل صالحاً { وَهُمْ فِى الغرفات ءامِنُونَ } قرأ حمزة : { وَهُمْ فِى * الغرفة } . وقرأ الباقون : { وَهُمْ فِى الغرفات } والغرفة في اللغة كل بناء يكون علواً فوق سفل ، وجمعه غرف وغرفات . ومعناه : وهم في الجنة آمنون من الموت ، والهرم ، والأمراض ، والعدو وغير ذلك من الآفات .
ثم قال عز وجل : { والذين يَسْعَوْنَ فِى ءاياتنا * معاجزين } والقراءة قد ذكرناها { أُوْلَئِكَ فِى العذاب مُحْضَرُونَ } يعني : في النار معذبون { قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } وقد ذكرناه { وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء } يعني : ما تصدقتم من صدقة { فَهُوَ يُخْلِفُهُ } يعني : فإن الله يعطي خلفه في الدنيا وثوابه في الآخرة { وَهُوَ خَيْرُ الرزقين } يعني : أقوى المعطين .
وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلا غَرَبَتْ شَمْسٌ إلاَّ بُعِثَ بِجَنْبَيْهَا مَلَكَان يُنَادِيَانِ : اللَّهُمَّ عَجِّلْ لِمُنْفِقٍ مَالَهُ خَلَفاً وَعَجِّلْ لِمُمْسِكٍ مَالَهُ تَلَفاً » .
ثم قال عز وجل : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } يعني : الملائكة عليهم السلام ومن عبدهم . قرأ بعضهم من أهل البصرة : { يَحْشُرُهُمْ } بالياء يعني : يحشرهم الله عز وجل . وقراءة العامة بالنون على معنى الحكاية عن نفسه ، { ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } يعني : أنتم أمرتم عبادي أن يعبدوكم ، وهذا سؤال توبيخ كقوله لعيسى عليه السلام : { وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَءَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمِّىَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ سبحانك مَا يَكُونُ لى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } [ المائدة : 116 ] الآية { قَالُواْ سبحانك } فنزهت الملائكة ربها عن الشرك وقالوا : { سبحانك } يعني : تنزيهاً لك { أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ } ونحن بَرَآءٌ منهم من أن نأمرهم أن يعبدونا { بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } يعني : أطاعوا الشياطين في عبادتهم { أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } يعني : مصدقين الشياطين مطيعين لها . (3/441)
يقول الله تعالى : { فاليوم لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً } يعني : شفاعة { وَلاَ ضَرّا } يعني : ولا دفع الضر عنهم { وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } يعني : كفروا في الدنيا . يقال : لهم في الآخرة { ذُوقُواْ عَذَابَ النار التى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ } إنها غير كائنة ثم أخبر عن أفعالهم في الدنيا .
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49)
قوله عز وجل : { وَإِذَا تتلى } يعني : يقرأ وتعرض { عَلَيْهِمْ ءاياتنا بينات } بالأمر والنهي والحلال والحرام { قَالُواْ } ما نعرف هذا { مَا هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ } يعني : يصرفكم { عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُكُمْ } من عبادة الأصنام { وَقَالُواْ مَا هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى } يعني : كذباً مختلقاً { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقّ } يعني : للقرآن { لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } يعني : كذب بيّن . (3/442)
ثم قال عز وجل : { وَمَا ءاتيناهم } يعني : ما أعطيناهم { مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا } يعني : من كتب يقرؤونها وفيها حجة لهم بأن مع الله شريكاً { وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ } يعني : من رسول في زمانهم { وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ } يعني : من قبل قومك رسلهم كما كذبك قومك { وَمَا بَلَغُواْ } أي : ما بلغ قومك { مِعْشَارَ مَا ءاتيناهم } يعني : ما بلغ أهل مكة عشر الذي أعطينا الأمم الخالية من الأموال والقوة ، فأهلكتهم بالعذاب حين كذبوا رسلي { فَكَذَّبُواْ رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } يعني : كيف كان إنكاري وتغييري عليهم وإيش خطر هؤلاء بجنب أولئك فاحذروا مثل عذابهم { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بواحدة } يعني : بكلمة واحدة ويقال : بخصلة واحدة { أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ } بالحق { مثنى وفرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بصاحبكم مّن جِنَّةٍ } يعني : أمركم بالإنصاف أن تتأملوا حق التأمل ، وتتفكروا في أنفسكم ، هل لهذا الرجل الذي يدعوكم إلى خالقكم وخالق السموات والأرض هل رأيتم به جنوناً .
ثم قال : { مَا بصاحبكم مّن جِنَّةٍ } يعني : من جنون . وقال القتبي : تأويله أن المشركين لما قالوا : إنه ساحر ومجنون وكذاب فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهم اعتبروا أمري بواحدة أن تنصحوا لأنفسكم ولا يميل بكم هوى فتقوموا لله في دار يخلو فيها الرجل منكم بصاحبه . فيقول له : هلمّ فلنتصادق . هل رأينا بهذا الرجل جنة أم جربنا عليه كذباً .
ثم ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه فيتفكر ، وينظر . فإن ذلك يدل على أنه نذير . قال : وكل من تحيّر في أمر قد اشتبه عليه واستبهم ، أخرجه من الحيرة أن يسأل ويناظر فيه ثم يتفكر ويعتبر .
ثم قال : { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ } أي : ما هو إلا مخوف لكم { بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } أي : بين يدي القيامة .
ثم قال عز وجل : { قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كفار مكة أن لا يؤذوا أقربائه فكفوا عن ذلك فنزل { ذَلِكَ الذى يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات قُل لاَّ أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِى القربى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ }
[ الشورى : 23 ] فكفوا عن ذلك . ثم سمعوا بذكر آلهتهم فقالوا : لا تنظرون إليه ينهانا عن إيذاء أقربائه . وسألناه أن لا يؤذينا في آلهتنا فلا يمتنع فنزل { قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ } إن شئتم آذوهم ، وإنْ شئتم امتنعتم . { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } فهو الحافظ والناصر { وَهُوَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٍ } بأني نذير وما بي جنون . (3/443)
ثم قال عز وجل : { قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بالحق } يعني : يبين الحق من الباطل . ويقال : يأمر بالحق . ويقال : يتكلم بالحق . يعني : بالوحي { علام الغيوب } يعني : هو عالم كل غيب .
قوله عز وجل : { قُلْ جَاء الحق } يعني : ظهر الإسلام { وَمَا يُبْدِىء الباطل } يعني : لا يقدر الشيطان أن يخلق أحداً { وَمَا يُعِيدُ } يعني : لا يقدر أن يحييه بعد الموت ، والله تعالى يفعل ذلك . ويقال : { الباطل } أيضاً الصنم . وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً ، فجعل يطعنها بعود في يده ، ويقول « { جَاء الحق } وَزَهَقَ البَاطِلُ . قُلْ : { جَاء الحق } وَمَا يُبْدِي البَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ» .
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
قوله عز وجل : { قُلْ } يا محمد { إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ على نَفْسِى } يعني : وزور الضلال على نفسي { وَإِنِ اهتديت } إلى الحق والهدى { فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى } يعني : اهتديت بما يوحي إليّ من القرآن { إِنَّهُ سَمِيعٌ } للدعاء { قَرِيبٌ } بالإجابة ممن دعاه . وقيل للنابغة حين أسلم : أصبوت؟ يعني : آمنت بمحمد صلى الله عليه وسلم . قال : بلى . هو غلبني بثلاث آيات من كتاب الله عز وجل . فأردت أن أقول ثلاثة أبيات من الشعر على قافيتها . فلما سمعت هذه الآيات فعييت فيها ولم أطق ، فعلمت أنه ليس من كلام البشر وهي هذه { قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بالحق علام الغيوب } { قُلْ جَاء الحق وَمَا يُبْدِىء الباطل وَمَا يُعِيدُ } { قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ على نَفْسِى وَإِنِ اهتديت فِيمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } . (3/444)
قوله عز وجل : { وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ } يعني : خافوا من العذاب { فَلاَ فَوْتَ } يعني : فلا نجاة لهم منها { وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } . روي عن الكلبي أنه قال : نزلت الآية في قوم يقال لهم : السفيانية يخرجون في آخر الزمان ، عددهم ثلاثون ألف رجل إلى أن يبلغوا أرض الحجاز . فافترقوا فرقتين . فتقدمت فرقة إلى موضع يقال له : بيداء ، صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة ، فخسف بهم الأرض كلهم إلا واحداً منهم ينجو . فيحول وجهه إلى خلفه . فيرجع إلى الفرقة الأخرى ، فيخبرهم بما أصابهم يعني : ولو ترى يا محمد فزعهم حين صاح بهم جبريل عليه السلام { فَلاَ فَوْتَ } أي : لا يفوت منهم فايت { وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } يعني : خسف بهم البيداء بقرب مكة . ويقال : يعني : يوم القيامة . { وَلَوْ تَرَى } { كَانَ مُحَمَّدٌ } { إِذْ فَزِعُواْ } حين نزل بهم العذاب يوم القيامة { فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } كما قال : { يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث } [ النازعات : 36 ] . وقال الحسن : { وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ } من قبورهم يوم القيامة وقال الضحاك : يعني : يوم بدر .
ثم قال عز وجل : { وَقَالُواْ ءامَنَّا بِهِ } يعني : العذاب حين رأوه ، يقول الله تعالى { وأنى لَهُمُ التناوش } يعني : من أين لهم التوبة . ويقال : من أين لهم الرجفة . قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في إحدى الروايتين التناؤش بالهمز . وقرأ الباقون بغير همز . فمن قرأ بالهمز فهو من { التناوش } وهو الحركة في إبطاء . والمعنى من أين لهم أن يتحركوا فيما لا حيلة لهم فيه . ومن قرأ بغير همز فهو من التناول . ويقال : تناول إذا مدّ يده إلى شيء ليصل إليه ، وتناوش يده إذا مدّ يده إلى شيء لا يصل إليه .
ثم قال : { مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } يعني : من الآخرة إلى الدنيا . وروي عن ابن عباس أنه قال : { مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } قال : سألوا الرد حين لا رد . (3/445)
ثم قال عز وجل : { وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } يعني : كفروا بالله من قبل الموت . ويقال به ، يعني : بمحمد صلى الله عليه وسلم ويقال : بالقرآن { وَيَقْذِفُونَ بالغيب } يعني : يتكلمون بالظن في الدنيا { مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } أنه لا جنة ولا نار ولا بعث .
ثم قال : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } يعني : من الرجفة إلى الدنيا ويقال : من التسوية . كيف ينالون التسوية في هذا الوقت وقد كفروا به من قبل { كَمَا فُعِلَ بأشياعهم مّن قَبْلُ } يعني : الأقدمون أهل دينهم ، الأولون من قبل الأشياع جمع الجمع . يقال : شيعة وشيع وأشياع .
ثم قال : { إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكّ مُّرِيبِ } يعني : هم في شكّ مما نزل بهم مريب . يعني : إنهم لا يعرفون شكهم . وقال القتبي في قوله : فلا فوت يعني : لا مهرب ولا ملجأ وهذا مثل قوله : { وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } [ ص : 3 ] أي : نادوا حين لا مهرب والله أعلم .
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)
قوله تبارك وتعالى : { الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والارض } يعني : خالق السموات والأرض . يقال : فطر الشيء إذا بدأه . قال ابن عباس رضي الله عنه : ما كنت أعرف فاطر حتى اختصما لي أعرابيان في بئر . فقال أحدهما : أنا فطرتها يعني : بدأتها . (3/446)
ثم قال : { جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً } يعني : مرسل الملائكة بالرسالة جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت والكرام الكاتبين عليهم السلام { أُوْلِى أَجْنِحَةٍ } يعني : ذوي أجنحة ، ولفظ أولي يستعمل في الجماعة ، ولا يستعمل في الواحد وواحدها ذو .
ثم قال : { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } يعني : من الملائكة من له جناحان ، ومنهم من له ثلاثة أجنحة ، ومنهم من له أربعة . ومنهم كذا . ويقال : { ثلاث } معدول من ثلاثة . يعني : ثلاثة ثلاثة . { وَرُبَاعَ } معدول من أربعة يعني : أربعة أربعة .
ثم قال : { يَزِيدُ فِى الخلق مَا يَشَاء } يعني : يزيد في خلق الأجنحة ما يشاء . وروي عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام أن يتراءى له في صورته . فقال له جبريل : إنك لا تطيق ذلك . فقال : « إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَفْعَلَ » . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى في ليلة مقمرة ، فأتاه جبريل في صورته فغشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه . ثم أفاق وجبريل عليه السلام يسنده ، واضع إحدى يديه على صدره ، والأخرى بين كتفيه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سُبْحَانَ الله مَا كُنْتُ أرَى شَيْئاً مِنَ الخَلْقِ هَكَذا » فقال جبريل : فكيف لو رأيت إسرافيل؟ إن له اثني عشر جناحاً ، منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب ، وأن العرش لعلى كاهله ، وإنه ليتضائل بالأحايين لعظمة الله ، حتى يعود مثل الوضع يعني : عصفوراً . حتى لا يحمل عرشه إلا عظمته . فذلك قوله تعالى : { يَزِيدُ فِى الخلق مَا يَشَاء } يعني : في خلق الملائكة . ويقال : { يَزِيدُ فِى الخلق مَا يَشَاء } يعني : الشعر الحسن ، والصوت الحسن ، والخد الحسن . ويقال : { يَزِيدُ فِى الخلق مَا يَشَاء } يعني : في الجمال والكمال والدمامة .
ثم قال : { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } من الزيادة والنقصان وغيره .
ثم قال عز وجل : { مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } يعني : ما يرسل الله للناس من رزق كقوله : { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا } [ الإسراء : 28 ] ويقال : الغيث . ويقال : { مِن رَّحْمَةِ } يعني : من كل خير { فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } يعني : لا يقدر أحد على حبسها { وَمَا يُمْسِكْ } يعني : ما يحبس من رزق { فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ } يعني : فلا معطي أحد بعد الله عز وجل . قال في أول الكلام : { فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } بلفظ التأنيث ، لأنه انصرف إلى اللفظ وهو الرحمة .
ثم قال : { فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } بلفظ التذكير ، لأنه ينصرف إلى المعنى وهو المطر والرزق ، ولو كان كلاهما بلفظ التذكير أو كلاهما بلفظ التأنيث لجاز في اللغة . فذكر الأول بلفظ التأنيث لأن الرحمة كانت أقرب إليه ، وفي الثاني كان أبعد وقد ذكر بلفظ التذكير مجاز حذف ما ثم قال : { وَهُوَ العزيز } فيما أمسك { الحكيم } فيما أرسل .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)
قوله عز وجل : { يأَيُّهَا الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } يعني : احفظوا نعمة الله . ثم ذكر النعمة فقال : { هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماء والارض } يعني : النبات والمطر . قرأ حمزة والكسائي { غَيْرُ الله } بكسر الراء . وقرأ الباقون بالضم مثل ما في سورة الأعراف . والاستثناء إذا كان بحرف إلا . فإن الإعراب يكون على ما بعده . وإذا كان الاستثناء بحرف غير ، فإن الإعراب يقع على نفس الغير . فمن قرأ بالكسر ، صار كسراً على البدل . ومن قرأ بالرفع فمعناه : هل خالق غير الله ، لأن من موكدة . ولفظ الآية لفظ الاستفهام . والمراد به النفس يعني : أنتم تعلمون أنه لا يخلق أحد سواه ، ولا يرزقكم أحد سواه . (3/447)
ثم وحّد نفسه فقال : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } يفعل بكم ذلك { فأنى تُؤْفَكُونَ } يعني : من أين تكذبون ، وأنتم تعلمون أنه لا يخلق أحد سواه .
ثم قال عز وجل : { وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } كما كذبك قومك ، وهذا تعزية يعزي بها نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على أذاهم { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور } يعني : إليه ترجع عواقب الأمور بالبعث .
ثم قال عز وجل : { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } يعني : يا أهل مكة { إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } يعني : البعث بعد الموت حق كائن { فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا } يعني : حياتكم في الدنيا ، والدنيا في الأصل هي القربى . سميت بهذا لأن حياتهم هذه أقرب إليهم . ويقال : هي فعلى من الأدون يعني : حياة الأدون { وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور } يعني : الباطل وهو الشيطان . قال : حدّثنا أبو الليث رحمه الله . قال : حدّثني أبي . قال : حدّثنا أبو الحسن الفراء الفقيه السمرقندي . قال : حدّثنا أبو بكر الجرجاني الإمام بسمرقند ذكر بإسناده عن العلاء بن زيادة . قال : رأيت الدنيا في النوم امرأة قبيحة عمشاء ، ضعيفة ، عليها من كل زينة فقلت : من أنت . أعوذ بالله منك؟ فقالت : أنا الدُّنيا . فإن يسرك أن يعيذك الله مني ، فأبغض الدراهم يعني : لا تمسكها عن النفقة في موضع الحق .
ثم قال عز وجل : { إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ } يعني : حين يأمركم بالكفر ، ومن عداوته مع أبيكم ترك طاعة الله { فاتخذوه عَدُوّاً } يعني : فعادوه بطاعة الله . ومعناه : أطيعوا الله عز وجل لأنك إذا أطعت الله فقد عاديت الشيطان { إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ } يعني : شيعته إلى الكفر { لِيَكُونُواْ مِنْ أصحاب السعير } يعني : من أهل النار . ثم بيّن مصير من أطاع الشيطان ، ومصير من عصاه فقال { الذين كَفَرُواْ } يعني : جحدوا بوحدانية الله عز وجل : { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } يعني : صدقوا بوحدانية الله ، وعملوا الطاعات ، واتخذوا الشيطان عدواً { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } في الدنيا لذنوبهم { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } يعني : ثواباً حسناً في الجنة .
قوله عز وجل : { أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } يعني : قبيح عمله كمن لم يزين له ذلك { أَفَمَن زُيّنَ } يعني : فظنه حقاً . والجواب فيه مضمر فمن زيّن له سوء عمله كمن لم يزين له ذلك . وقال الزجاج : { أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } يعني : أبا جهل وأصحابه ، وأضله الله كمن لم يزين له ذلك وهداه الله تعالى . (3/448)
ثم قال : { فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء } عن دينه { وَيَهْدِى مَن يَشَاء } لدينه { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات } قال القتبي : هذا من الإضمار . يعني : ذهبت نفسك حسرة عليهم ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات بتركهم الإيمان . وقرىء في الشاذ : { فَلاَ تَذْهَبْ } بضم التاء وكسر الهاء { نَّفْسَكَ } بنصب السين . من أذهب يذهب يعني : لا تقتل نفسك وقراءة العامة { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ } بنصب التاء والهاء وضم السين أي : لا تحزن نفسك { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } من الخير والشر .
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)
ثم قال عز وجل : { والله الذى أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سحابا } أي : ترفعه وتهيجه { فَسُقْنَاهُ } يعني : نسوقه { إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الارض بَعْدَ مَوْتِهَا } يعني : بعد يبسها { كَذَلِكَ النشور } يعني : هكذا تحيون بعد الموت يوم القيامة وروي عن سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن ابن الزبعرى ، عن عبد الله بن مسعود أنه قال : تقوم الساعة على شرار الناس . ثم يقوم ملك بالصور . فينفخ فيه ، فلا يبقى خلق في السموات والأرض إلا مات إلا ما شاء الله ، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله ، فيرسل الله الوباء من السماء من تحت العرش ، كمني الرجال فتنبت لحومهم من ذلك الماء ، كما تنبت الأرض من الندا . ثم قرأ : { فَأَحْيَيْنَا بِهِ الارض بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النشور } ثم ينفخ في الصور . (3/449)
قوله عز وجل : { مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً } يعني : من طلب العزة بعبادة الأوثان ، فليتعزز بطاعة الله عز وجل . فإن العزة لله جميعاً . يقول : من يتعزز بإذن الله . ويقال : معناه من كان يريد أن يعلم لمن تكون العزة ، فليعلم بأن العزة لله جميعاً . ويقال : من كان يطلب لنفسه العزة ، فإن العزة لله جميعاً .
ثم قال : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب } قال مقاتل : يصعد إلى السماء كلمة التوحيد { والعمل الصالح يَرْفَعُهُ } يقول : التوحيد يرفع العمل الصالح إلى الله تعالى في السماء ، فيها تقديم . وقال الحسن البصري : العمل الصالح يرفع الكلام الطيب إلى الله عز وجل . فإذا كان الكلام الطيب عملاً غير صالح ، يرد القول إلى العمل لأنه أحق من القول . وقال قتادة { والعمل الصالح يَرْفَعُهُ } قال : الله يرفعه . ويقال : العمل الصالح يرفعه لصاحبه . ويقال : { يَرْفَعُهُ } يعني : يعظمه . ويقال : العمل الصالح يرفعه أي : يقبل الأعمال بالإخلاص . معناه : العمل الخالص الذي يقبله .
ثم قال : { والذين يَمْكُرُونَ السيئات } أي : يعملون بالشرك ، ويقال : يعملون بالرياء لا يقبل منهم { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة { وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } يعني : شرك أولئك ، وفسقهم ، وصنيعهم ، يهلك صاحبه في الآخرة . يقال : بارت السلعة إذا كسدت لأنها إذا كسدت فقد تعرضت للهلاك .
ثم قال عز وجل : { والله خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } يعني : آدم عليه السلام وهو أصل الخلق { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } يعني : خلقكم من نطفة { ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا } يعني : أصنافاً ذكراً وأنثى . ويقال : أصنافاً ، أحمر وأبيض أسود . يعني : فاذكروني ووحدوني { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى } ومن صلة في الكلام { وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } يعني : بمشيئته { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ } فيطول عمره { وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كتاب } يعني : إلا وكل ذلك في كتاب الله . أي : قد بيّن في اللوح المحفوظ . وروي عن ابن عمر أنه قرأ { مِنْ عُمُرِهِ } بجزم الميم وهما لغتان مثل نكر ونكر { إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ } يعني : حفظه على الله هيَّن بغير كتابة .
وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)
ثم قال عز وجل : { وَمَا يَسْتَوِى البحران } العذب والمالح { هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ } يعني : طيّب هيّن شربه . ويقال : سلس في حلقه ، حلو في شرابه { سَائِغٌ } يعني : شهياً . ويقال : يسوغه الشراب { وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ } يعني : الشديد الذي شيب بضرب إلى المرارة { وَمِن كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً } يعني : السمك { وَتَسْتَخْرِجُونَ } من المالح { حِلْيَةٍ } وهي اللؤلؤ { تَلْبَسُونَهَا } يعني : تستعملونها ، وتلبسون نساءكم . وهذا المثل لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار يعني : وما يستوي الذين صدقوا والذين كذبوا . ومن كل يظهر شيء من الصلاح يعني : يلد الكافر المسلم مثل ما أولد الوليد بن المغيرة خالد بن الوليد ، وأبو جهل عكرمة بن أبي جهل . (3/450)
قوله : { وَتَرَى الفلك } يعني : السفن { مَوَاخِرَ } يعني : تذهب وتجيء { فِيهِ } يعني : في البحر { لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } يعني : من رزقه { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } يعني : لكي تشكروا رب هذه النعمة . يقال في اللغة مخر يمخر إذا شقّ الماء . يعني : أن السفينة تشق الماء في حال جريها . يقال : مخرت السفينة إذا جرت وشقت الماء في جريها .
ثم قال عز وجل : { يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى اليل } وقد ذكرناه { وَسَخَّرَ الشمس والقمر } يعني : ذلّل الشمس والقمر لبني آدم . { كُلٌّ يَجْرِى لاِجَلٍ مُّسَمًّى } يعني : إلى أقصى منازلها في الغروب ، لأنها تغرب كل ليلة في موضع . وهو قوله عز وجل : { إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم فَأِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [ المعارج : 30 ] ويقال : { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } يعني : يجريان دائماً إلى يوم القيامة { ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ } يعني : هذا الذي فعل لكم هذا الفعل هو ربكم وخالقكم { لَهُ الملك } فاعرفوا توحيده ، وادعوه ولا تدعوا غيره { والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ } يعني : من دون الله الأوثان وما يعبدونهم من دون الله { مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } يعني : لا يقدرون أن يعطوكم ولا ينفعوكم بمقدار القطمير . والقطمير قشر النواة الأبيض الذي يكون بين النوى والتمر . وقال مجاهد : القطمير لفاف النوى .
ثم قال : { إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ } يعني : ولو كانوا بحال يسمعون أيضاً فلا يجيبونكم ، ولا يكشفون عنكم شيئاً { وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } يعني : يتبرؤون من عبادتكم . ويقولون : ما كنتم إيانا تعبدون .
يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } يعني : لا يخبرك من عمل الآخرة مثل الرب تبارك وتعالى . ويقال : لا يخبرك أحد مثل الرب بأن هذا الذي ذكر عن الأصنام أنهم يتبرؤون عن عبادتهم .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26)
ثم قال عز وجل : { ياأيها الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله } يعني : أنتم محتاجون إلى ما عنده . ويقال : { أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله } في رزقه ومغفرته { والله هُوَ الغنى الحميد } { الغنى } عن عبادتكم { الحميد } في فعله وسلطانه . وهذا كما قال في آية أخرى : { هَآ أَنتُمْ هؤلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ والله الغنى وَأَنتُمُ الفقرآء وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أمثالكم } [ محمد : 38 ] لأن كل واحد يحتاج إليه . لأن أحداً لا يقدر أن يصلح أمره إلا بالأعوان ، والأمير ما لم يكن له خدم وأعوان ، لا يقدر على الإمارة . وكذلك التاجر يحتاج إلى المكارين ، والله عز وجل غني عن الأعوانِ وغيره . (3/451)
ثم قال عز وجل : { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } يعني : يهلككم ويميتكم { وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } أفضل منكم وأطوع لله { وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ } يعني : شديد { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } يعني : لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى . ويقال : لا تحمل بالطوع ولكن يحمل عليها إذا كان له خصماً .
ثم قال : { وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا } يعني : الذي أثقلته الذنوب والأوزار ، إن لو دعا أحداً ، ليحمل عنه بعض أوزاره ، لا يحمل من وزره شيئاً . وإن كان ذا قرابة لا يحمل من وزره . وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه ، عن عكرمة قال : إن الوالد يتعلق بولده يوم القيامة فيقول : يا بني إني كنت لك والداً فيثني عليه خيراً . فيقول : يا بني قد احتجت إلى مثقال ذرة . وفي رواية أخرى : إلى مثقال حبة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى . فيقول له ولده : ما أيسر ما طلبت ولكن لا أطيق . إني أخاف مثل الذي تخوفت . ثم يتعلق بزوجته فيقول لها : إني كنت لك زوجاً في الدنيا فيثني عليها خيراً ويقول : إني طلبت إليك حسنة واحدة لعلي أنجو بها مما ترين . فتقول : ما أيسر ما طلبت ، ولكن لا أطيق . إني أخاف مثل الذي تخوفت فذلك قوله : { وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } .
ثم قال : { إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب } يعني : إنما تخوف بالقرآن الذين يخافون ربهم بالغيب . يعني : آمنوا بالله وهم في غيب منه { والذين يُمَسّكُونَ } يعني : يقيمون الصلاة . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُنذر المؤمنين والكافرين . ولكن الذين يخشون ربهم هم الذين يقبلون الإنذار فكأنه أنذرهم خاصة .
ثم قال : { وَمَن تزكى } يعني : توحد . ويقال : تطهر نفسه من الشرك . ويقال : من صلح فإنما صلاحه لنفسه يثاب عليه في الآخرة .
ويقال : من يعطي الزكاة فإنما ثوابه لنفسه . { فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ وَإِلَى الله المصير } فيجازيهم بعملهم . (3/452)
قوله عز وجل : { وَمَا يَسْتَوِى الاعمى } يعني : الكافر الأعمى عن الهدى { والبصير } يعني : المؤمن { وَلاَ الظلمات وَلاَ النور } يعني : الكفر والإيمان { وَلاَ الظل وَلاَ الحرور } يعني : الجنة والنار { وَلاَ الحرور } هو استقرار الحر { وَمَا يَسْتَوِى الاحياء وَلاَ الاموات } قال القتبي : مثل الأعمى والبصير كالكافر والمسلم ، والظلمات والنور مثل الكفر والإيمان ، والظل والحرور مثل الجنة والنار ، وما يستوي الأحياء ولا الأموات مثل العقلاء والجهال .
ثم قال : { إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَاء } يعني : يفقه من يشاء { وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى القبور } يعني : لا تقدر أن تفقه الأموات وهم الكفار { إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ } يعني : ما أنت إلا رسول { إِنَّا أرسلناك بالحق } يعني : بالقرآن . ويقال : لبيان الحق { بَشِيراً وَنَذِيراً } وقد ذكرناه { وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } يعني : وما من أمة فيما مضى إلا فيهم نذير . يعني : إلا جاءهم رسول .
ثم قال : { وَإِن يُكَذّبُوكَ } يا محمد { فَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } يعني : بالأمر والنهي { وبالزبر } يعني : بالكتب ، وبأخبار من كان قبلهم { وبالكتاب المنير } يعني : المضيء . الكتاب هو نعت لما سبق ذكره من البينات والزبر { ثُمَّ أَخَذْتُ الذين كَفَرُواْ } يعني : الذين كذبوهم فعاقبتهم { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } يعني : كيف كان إنكاري وتغييري عليهم ثم ذكر خلقه ليعتبروا به ويوحدوه :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)
فقال عز وجل : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } يعني : المطر { فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } من الثمار الأحمر ، والأصفر ، والحلو ، والحامض { وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ } يعني : خلق من الجبال جدداً يعني : جماعة الجدة . والجدة هي الطريق التي في الجبل . والجدد هي الطرائق . فترى الطريق من البعد منها أبيض ، وبعضها حمر . وقال القتبي : الجدد الخطوط والطرق تكون في الجبال ، فبعضها بيض وبعضها حمر ، وبعضها غرابيب سود ، وهو جمع غربيب وهو الشديد السواد . ويقال : أسود غربيب { وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ الناس والدواب } يعني : خلق من الناس والدواب { والانعام مُخْتَلِفٌ ألوانه كَذَلِكَ } أي : كاختلاف الثمرات . (3/453)
ثم استأنف فقال : { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } وقال بعضهم : إنما يتم الكلام عند قوله : { مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } .
ثم استأنف فقال : { كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } يعني : هكذا يخشى الله من عباده العلماء . يعني : إن العلماء يعلمون خلق الله تعالى ويتفكرون في خلقه ، ويعملون ثوابه وعقابه فيخشونه ، ويعلمون بالطاعة طمعاً لثوابه ، ويمتنعون عن المعاصي خشية عقابه . وقال مقاتل : أشد الناس خشية أعلمهم بالله تعالى . فيها تقديم . وروى سفيان عن بعض المشيخة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل : يا رسول الله أينا أعلم؟ فقال : " أَخْشَاكُمْ لله تَعَالَى إنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ " قالوا : يا رسول الله فأيُّ الأصحاب أفضل؟ قال : " الذي إذا ذَكَرْتَ أَعَانَكَ ، وإذا نَسِيتَ ذَكَّرَكَ» . قالوا : فأي الأصحاب شر؟ قال : «الَّذِي إذَا ذَكَرْتَ لَمْ يُعِنْكَ ، وإذا أُنْسِيتَ لَمْ يُذَكِّرْكَ " . قالوا : فأيُّ الناس شر؟ قال : " اللُّهُمَّ اغْفِرْ لِلعُلَمَاءِ . وَالعَالِمُ إذا فَسَدَ فَسدَ النَّاسُ " . ثم قال تعالى : { أَنَّ الله عَزِيزٌ } في ملكه { غَفُورٌ } لمن تاب .
قوله عز وجل : { إِنَّ الذين يَتْلُونَ كتاب الله } يعني : يقرؤون القرآن . ويقال : معناه يتبعون كتاب الله تعالى . يقال : تلا يتلو إذا تبعه كقوله تعالى : { والقمر إِذَا تلاها } [ الشمس : 2 ] { والذين يُمَسّكُونَ } يعني : أتموا الصلوات في مواقيتها { وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } يعني : تصدقوا مما أعطيناهم من الأموال { سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تجارة لَّن تَبُورَ } يعني : لن تهلك ولن تخسر . ومعناه : { يَرْجُونَ تجارة } رابحة وهي الجنة مكان الحياة الدنيا .
ثم قال عز وجل : { لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ } يعني : يوفر ثواب أعمالهم { وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } يعني : من رزقه من الجزاء ، والثواب في الجنة . ويقال : { مِن فَضْلِهِ } يعني : من تفضله { إِنَّهُ غَفُورٌ } لذنوبهم { شَكُورٍ } لأعمالهم اليسيرة . والشكر على ثلاثة أوجه . الشكر ممن يكون دونه الطاعة لأمره وترك مخالفته . والشكر ممن هو شكله يكون الجزاء والمكافأة . والشكر ممن فوقه يكون رضى منه باليسير .
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)
ثم قال عز وجل : { والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب } يعني : أرسلنا إليك جبريل عليه السلام بالقرآن { هُوَ الحق } لا شك فيه ، { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } يعني : موافقاً لما قبله من الكتب { إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } يعني : عالم بهم وبأعمالهم . (3/454)
قوله عز وجل : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب } ويقال : أعطينا القرآن { الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا } يعني : اخترنا من هذه الأمة . و { ثُمَّ } بمعنى العطف . يعني : وأورثنا الكتاب . ويقال { ثُمَّ } بمعنى التأخير . يعني : بعد كتب الأولين { أَوْرَثْنَا الكتاب } { فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ } يعني : من الناس ظالم لنفسه { وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات } .
روي عن ابن عباس في إحدى الروايتين أنه قال : الظالم الكافر ، والمقتصد المنافق ، والسابق المؤمن . وروي عنه رواية أخرى أنه قال : هؤلاء كلهم من المؤمنين . فالسابق الذي أسلم قبل الهجرة . والمقتصد الذي أسلم بعد الهجرة ، قبل فتح مكة . والظالم الذي أسلم بعد فتح مكة . وطريق ثالث ما روى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « السَّابِقُ الَّذِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَالمُقْتَصِدُ الَّذِي يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ، وَالظَّالِمُ الذي يُحَاسَبُ فِي طُولِ المَحْشَرِ » . وطريق رابع ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناجي ، وظالمنا مغفور له . وطريق آخر ما روى أسد بن رفاعة عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال : سابقنا أهل الجهاد ، ومقتصدنا أهل حضرنا ، يعني : أهل الأمصار وهم أهل الجماعات والجمعات ، وظالمنا أهل بدونا . وطريق سادس ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت عن هذه الآية فقالت : السابق النبي صلى الله عليه وسلم ومن مضى معه ، والمقتصد مثل أبي بكر ومن مضى معه ، والظالم فمثلي ومثلكم . وطريق سابع ما روي عن مجاهد قال : الظالم هم أصحاب المشأمة ، والمقتصد أصحاب الميمنة ، والسابق هم السابقون بالخيرات ، فكأنه استخرجه من قوله : { فأصحاب الميمنة مَآ أصحاب الميمنة } [ الواقعة : 8 ] { والسابقون السابقون } [ الواقعة : 10 ] وطريق ثامن ما روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال : الظالم هم المنافقون ، والمقتصد هم التابعون بإحسان ، والسابق هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وطريق تاسع ما روي عن الحسن أيضاً أنه قال : السابق الذي ترك الدنيا ، والمقتصد الذي أخذ من الحلال ، والظالم الذي لا يبالي من أين أخذ .
وقيل : طريق عاشر : السابق الذي رجحت حسناته على سيئاته ، والمقتصد الذي استوت حسناته مع سيئاته ، والظالم الذي رجحت سيئاته على حسناته . وقيل : طريق حادي عشر ، السابق الذي سره خَيْرٌ من علانيته ، والمقتصد الذي سِرُّهُ وعلانيته سواء ، والظالم الذي علانيته خير من سره .
وطريق ثاني عشر : السابق الذي تهيأ للصلاة قبل دخول وقتها ، والمقتصد الذي تهيأ للصلاة بعد دخول وقتها ، والظالم الذي ينتظر الإقامة . وطريق ثالث عشر : السابق الذي يتوكل على الله يجعل جميع جهده في طاعة الله عز وجل ، والمقتصد الذي يطلب قوته ولا يطلب الزيادة ، والظالم الذي يطلب فوق القوت والكفاف . (3/455)
وقيل : طريق رابع عشر : السابق الذي شغله معاده عن معاشه ، والمقتصد الذي يشتغل بهما جميعاً ، والظالم الذي شغله معاشه عن معاده .
وقيل : طريق خامس عشر : السابق الذي ينجو نفسه وينجو غيره بشفاعته ، والمقتصد الذي يدخل الجنة برحمة الله وفضله ، والظالم الذي يدخل الجنة بشفاعة الشافعين .
وطريق سادس عشر : السابق الذي يعطى كتابه بيمينه ، والمقتصد الذي يعطى كتابه بشماله ، والظالم الذي يعطى كتابه وراء ظهره .
وطريق سابع عشر قيل : السابق الذي ركن إلى المولى ، والمقتصد الذي ركن إلى العقبى ، والظالم الذي ركن إلى الدنيا . وطريق ثامن عشر : ما روي عن يحيى بن معاذ الرازي قال : الظالم الذي يضيع العمر في الشهوة ، والمعصية ، والمقتصد الذي يحارب فيهما ، والسابق الذي يجتهد في الزلات . ثم قال : لأن محاربة الصديقين في الزلات ، ومحاربة الزاهدين في الشهوات ، ومحاربة التائبين في الموبقات .
وطريق تاسع عشر قال : الظالم يطلب الدنيا تمتعاً ، والمقتصد الذي يطلب الدنيا تلذذاً ، والسابق الذي ترك الدنيا تزهداً . وطريق العشرين قال : الظالم الذي يطلب ما لم يؤمر بطلبه ، وهو الرزق ، والمقتصد الذي يطلب ما أمر به ولم يؤمر بطلبه ، والسابق الذي طلبه مرضاة الله ومحبته .
وطريق حادي عشرين قيل : الظالم أصحاب الكبائر ، والمقتصد أصحاب الصغائر ، والسابق المجتنب عن الصغائر والكبائر . وطريق ثاني عشرين قيل : السابق الخارج إلى الغزو والرباطات قبل الناس ، والمقتصد الخارج إليها مع الناس الذي يعلم ويعلم الناس ويعمل به ، والمقتصد الذي يعلم ويعلم ولا يعمل به ، والظالم الذي لا يعلم ولا يرغب إلى التعليم . وطريق رابع وعشرين ، السابق الذي هو مشغول في عيب نفسه ولا يطلب عيب غيره ، والمقتصد الذي يطلب عيب غيره ، والظالم الذي هو مشغول في عيب غيره ولا يصلح عيب نفسه . وطريق خامس وعشرين ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا } إلى قوله : { الفضل الكبير } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هَؤُلاءِ كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ . أمَّا السَّابِقُ بِالخَيْرَاتِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَأَمَّا المُقْتَصِدُ فَإِنَّهُ يُحَاسَبُ حِسَابَاً يَسِيْرَاً ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ ، وَأَمَّا الظَالِمُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُحَاسَبُ حِسَابَاً شَدِيداً وَيُحْبَسُ حَبْسَاً طَوِيلاً ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ . فَإِذَا دَخَلُوا الجَنَّةَ قَالُوا : الحَمْدُ لله الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحُزْنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ » .
وقد قيل غير هذا : إلا أنه يطول الكلام فيه . وفيما ذكرنا كفاية لمن عمل به . وأكثر الروايات أن الأصناف الثلاثة كلهم في الجنة مؤمنون ، وأول الآية وآخرها دليل على ذلك . فأما أول الآية فقوله عز وجل : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا } من عبادنا يعني : أعطينا الكتاب . فأخبر أنه أعطى الكتاب لهؤلاء الثلاثة . (3/456)
وقال في آخر الآية { جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى الله المتقين } [ النحل : 31 وغيرها ] فأشار إلى الأصناف الثلاثة بالآية الأولى ، حيث قال : { وَأَوْرَثَنَا *** الكتاب } ، والأخرى حيث قال : { يَدْخُلُونَهَا } ولم يقل : يدخلانها . وفي الآية الأخرى دليل أن الأصناف الثلاثة هم يدخلون الجنة . وقال بعضهم : تأول قول ابن عباس الذي قاله في رواية أبي صالح : أن الظالم كافر يعني : كفر النعمة . ومعناه : فمنهم من كفر بهذه النعمة ، ولم يشكر الله عز وجل عليها . ومنهم مقتصد يعني : يشكر ويكفر . ومنهم سابق يعني : يشكر ولا يكفر .
وروي عن كعب الأحبار أنه قيل له : ما منعك أن تسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : كان أبي مكنني جميع التوراة إلا ورقات منعني أن أنظر فيها . فخرج أبي يوماً لحاجة . فنظرت فيها فوجدت فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته ، وأنه يجعلهم يوم القيامة ثلاثة أثلاث ثلث يدخلون الجنة بغير حساب . وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ، ويدخلون الجنة بغير حساب ، وثلث تشفع لهم الملائكة والنبيون فأسلمت . وقلت : لعلّي أكون من الصنف الأول ، وإن لم أكن من الصنف الأول لعلّي أن أكون من الصنف الثاني أو من الصنف الثالث . فلما قرأت القرآن وجدتها في القرآن وهو قوله عز وجل : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب } إلى قوله : { جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } الآية . فإن قيل : ايش الحكمة في ذكره الظالم ابتداءً وتأخيره ذكر السابق قيل له : الحكمة فيه والله أعلم لكيلا يعجب السابق بنفسه ، ولا ييأس الظالم من رحمة الله عز وجل . ثم قال تعالى : { بِإِذُنِ الله ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير } يعني : الذي أورثهم من الكتاب واختارهم هو الفضل الكبير من الله تعالى .
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)
ثم قال عز وجل : { جنات عَدْنٍ } يعني : لهم جنات عدن أي دار الإقامة يقال عدن يعدن إذا أقام قرأ أبو عمرو وابن كثير في إحدى الروايتين { يَدْخُلُونَهَا } بضم الياء ، وفتح الخاء على معنى فعل ما لم يسم فاعله . وقرأ الباقون { يَدْخُلُونَهَا } على معنى أن الفعل لهم { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ } يعني : يلبسون الحلي من أساور { مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً } قرأ نافع وعاصم { وَلُؤْلُؤاً } بالنصب ومعناه : يحلون أساور ولؤلؤاً . وقرأ الباقون بالكسر يعني : من ذهب ومن لؤلؤ . (3/457)
ثم قال : { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } يعني : لباسهم في الجنة من حرير الجنة لا كحرير الدنيا .
قوله عز وجل : { وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن } يعني : حزن الموت وحزن خوف الخاتمة . ويقال : همّ العيش . ويقال : همّ المرور على الصراط { إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ } يغفر الذنوب { شَكُورٍ } يقبل اليسير من العمل ويعطي الجزيل عز وجل { الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ } يعني : الحمد لله الذي أنزلنا دار الخلود والمقامة . والمقام بمعنى واحد يعني : الإقامة والدوام من فضله وكرمه { لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } يعني : لا يصيبنا تعب وعناء { وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } يعني : لا يصيبنا فيها من أعباء كما يصيبنا في الدنيا .
ثم بيّن حال المشركين في النار :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40)
فقال عز وجل : { والذين كَفَرُواْ } يعني : جحدوا بوحدانية الله عز وجل { لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ } الموت . ويقال : لا يرسل عليهم ولا ينزل الموت { فَيَمُوتُواْ } حتى يستريحوا { وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا } يعني : من عذاب جهنم { كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ } يعني : هكذا نعاقب كل كافر بالله تعالى . قرأ أبو عمرو { يَجْزِى } بالياء والضم ونصب الزاي { كُلَّ كَفُورٍ } بضم اللام على معنى فعل ما لم يسم فاعله . وقرأ الباقون { نُجْزِى } بالنون والنصب { كُلٌّ } بنصب اللام ومعنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد . يعني : كذلك يجزي الله تعالى . (3/458)
ثم أخبر عن حالهم فيها فقال عز وجل : { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا } أي : يستغيثون . يقال : صرخ يصرخ إذا أغاث واستغاث وهو من الأضداد . ويستعمل للإغاثة والاستغاثة ، لأن كل واحد منهما يصلح وهو افتعال من الصراخ . يعني : يدعون في النار ويقولون : { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ } يعني : نعمل غير الشرك وغير المعصية . يقول الله تعالى : { أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ } يعني : أولم نعطكم من العمر والمهلة في الدنيا { مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } يعني : يتعظ فيه من أراد أن يتعظ .
وروى مجاهد عن ابن عباس في قوله { أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ } قال : العمر ستون سنة { وَجَاءكُمُ النذير } يعني : الشيب والهرم . وروي أن إبراهيم الخليل أول من رأى الشيب ، فقال : يا رب ما هذا؟ فقال : هذا وقار في الدنيا ، ونور في الآخرة . فقال : يا رب زدني وقاراً . ويقال : { أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ } يعني : أولم نعطكم ، ونطول أعماركم و { مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ } من تذكر أي : مقدار ما يتعظ فيه من يتعظ .
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لَقَدَ أَعْذَرَ الله إلَى عَبْدٍ أحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً أزَالَ عُذْرَهُ » { وَجَاءكُمُ النذير } أي : الرسول { فَذُوقُواْ } العذاب في النار { فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ } يعني : ما للمشركين من مانع من عذاب الله عز وجل .
ثم قال عز وجل : { إِنَّ الله عالم غَيْبِ * السموات والارض } يعني : غيب ما يكون في السموات والأرض . يعني : أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } يعني : عليم بما في قلوبهم . ويقال : عالم بما في قلوب العباد من الخير والشر .
ثم قال عز وجل : { هُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف فِى الارض } يعني : قل لهم يا محمد الله تعالى جعلكم سكان الأرض من بعد الأمم الخالية { فَمَن كَفَرَ } بتوحيد الله { فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } يعني : عاقبة كفره وعقوبة كفره { وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً } وهو الغضب الشديد الذي يستوجب العقوبة .
يعني : لا يزدادون في طول أعمارهم إلا غضب الله تعالى عليهم . وقال الزجاج : المقت أشد الغضب { وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً } يعني : غبناً في الآخرة وخسراناً . (3/459)
ثم قال عز وجل : { قُلْ أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } يعني : تعبدون من دون الله { أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الارض } يعني : أخبروني أي شيء خلقوا مما في السموات أو مما في الأرض من الخلق . وقال القتبي : من بمعنى في يعني : أروني ماذا خلقوا في الأرض . يعني : أي شيء خلقوا في الأرض كما خلق الله عز وجل { أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى * السموات } يعني : عون على خلق السموات والأرض . ويقال : نصيب في السموات . اللفظ لفظ الاستفهام والشك ، والمراد به النفي . يعني : ليس لهم شرك في السموات .
ثم قال : { قُلْ أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ } يعني : أعطيناهم كتاباً . اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به النفي . يعني : كما ليس لهم كتاب فيه حجة على كفرهم { فَهُمْ على بَيّنَةٍ مّنْهُ } يعني : ليسوا على بيان مما يقولون . قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، وعاصم ، في رواية حفص { على بَيّنَةٍ } بغير ألف . وقرأ الباقون : { بينات } بلفظ الجماعة ، ومعناهما واحد ، لأن الواحد ينبىء عن الجماعة .
ثم قال : { بَلْ إِن يَعِدُ الظالمون بَعْضُهُم بَعْضاً } يعني : ما يعد الظالمون بعضهم بعضاً . يعني : الشياطين للكافرين من الشفاعة لمعبودهم { إِلاَّ غُرُوراً } يعني : باطلاً .
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)
قوله عز وجل : { إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات } يعني : يحفظ السموات { والارض أَن تَزُولاَ } يعني : لئلا تزولا عن مكانها { وَلَئِن زَالَتَا } يعني : يوم القيامة { إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ } يعني : لا يقدر أحد أن يمسكهما . ويقال : { وَلَئِن زَالَتَا } يعني : إن زالتا في الحال ، وهما لا يزولان { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا } عن قول الكُفَّار ، حيث قالوا : لله ولد ، فكادت السموات والأرض أن تزولا فأمسكهما بحلمه فلم يزولا { غَفُوراً } يعني : متجاوزاً عنهم إن تابوا . ويقال : { غَفُوراً } حيث لم يعجل عليهم بالعقوبة ، وأمسك السموات والأرض أن تزولا . (3/460)
وقوله عز وجل { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } يعني : كفار مكة كانوا يعيرون اليهود والنصارى بتكذيبهم أنبياءهم ، وقالوا : لو أرسل الله عز وجل إلينا رسولاً ، لكنا أهدى من إحدى الأمم ، وكانوا يحلفون على ذلك فذلك قوله : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } فكل من حلف بالله ، فهو جهد اليمين { لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ } يعني : رسول { لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الامم } يعني : أصوب ديناً من اليهود والنصارى { فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } يعني : ما زادهم الرسول إلا تباعداً عن الهدى .
قوله عز وجل : { استكبارا فِى الارض } يعني : تكبراً في الأرض ، { استكبارا } مفعول المعنى زادهم الرسول تكبراً هذا كقوله { وَنُنَزِّلُ مِنَ القرءان مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا } [ الإسراء : 82 ] وكأن القرآن سبب لخسرانهم فأضاف إليهم .
ثم قال : { وَمَكْرَ السيىء } يقول : قول الشرك واجتماعهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم . قرأ حمزة { وَمَكْرَ السيىء } بجزم الياء . وقرأ الباقون بالكسر لتبين الحروف ، وجزم حمزة لكثرة الحركات .
ثم قال : { وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } يعني : لا يدور وينزل المكر السيىء إلا بأهله . يعني عقوبة المكر ترجع إليهم { فَهَلْ يَنظُرُونَ } يعني : ما ينتظرون { إِلاَّ سُنَّةَ آلاْوَّلِينَ } يعني : عقوبة الأمم الخالية أن ينزل بهم مثل ما نزل بالأولين { فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً } يعني : لصنعة الله تعالى . ويقال : لملة الله . ويقال : لسنة الله في العذاب { تَبْدِيلاً } يعني : لا يقدر أحد أن يبدله { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً } يعني : تغييراً . يعني : لا يقدر أحد أن يغير فعل الله تعالى .
ثم وعظهم ليعتبروا فقال عز وجل : { أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِى الارض } يعني : أو لم يسافروا في الأرض { فَيَنظُرُواْ } يعني : فيعتبروا { كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين } يعني : آخر أمر الذين كانوا { مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } يعني : منعة { وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْء } يعني : ليسبقه ، ويفوته من شيء .
ويقال : لا يقدر أحد أن يهرب من عذابه { فِي السموات *** وَلاَ فِى الارض إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً } بخلقه بأنه لا يفوت منهم أحد { قَدِيراً } يعني : قادراً عليهم بالعقوبة . (3/461)
قوله عز وجل : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ } يعني : لو عاقبهم { مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا } يعني : على ظهر الأرض { مِن دَابَّةٍ } يعني : لهلكت الدواب من قحط المطر . قال قتادة : { مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا } من دابة إلا أهلكهم كما أهلك من كان في زمان نوح عليه السلام ويقال : { مِن دَابَّةٍ } يعني : من الجن والإنس فيعاقبهم بذنوبهم ، فيهلكهم . وقال مجاهد : { مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } يعني من هوام الأرض من العقارب ، ومن الخنافس . وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : كاد الجعل أن يعذب في حجره بذنب بني آدم . ثم قرأ { وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس } الآية . والعرب تكني عن الشيء إذا كان مفهوماً كما كنى ها هنا عن الأرض كقوله : { مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا } وَإِن لم يسبق ذكر الأرض .
ثم قال : { ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى } يعني : إلى الميعاد الذي وعدهم الله تعالى . ويقال : إلى الوقت الذي وقت لهم في اللوح المحفوظ { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } يعني : إلى انقضاء حياتهم . ويقال : هو البعث .
قال تعالى : { فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً } يعني : عالماً بهم وبأعمالهم . روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال : لما طعن عمر رضي الله عنه ، قال كعب : لو دعى الله عمر لأخر في أجله . فقال الناس : سبحان الله أليس قد قال الله تعالى : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف : 34 ] فقال كعب : وقد قال : { والله خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كتاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ } [ فاطر : 11 ] قال الزهري : فنرى أن ذلك ما لم يحضر الأجل فإذا حضر لم يؤخر ، وليس أحد إلا وعمره مكتوب في اللوح المحفوظ ، والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .
يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)
قوله تبارك وتعالى : { يس } قرأ حمزة بين الكسر والفتح . وقرأ الكسائي بالإمالة . وقرأ الباقون : بالفتح . وقرأ ابن عامر ، والكسائي : { يس والقرءان } مدغم بالنون . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة : بإظهار النون . وكل ذلك جائز في اللغة . وقرىء في الشاذ { يَاسِينَ } بنصب النون ، ومعناه : اتل ياسين . لأن يس اسم سورة . وقراءة العامة بالتسكين ، لأنها حروف هجاء ، فلا تحتمل الإعراب مثل قوله تعالى : { الم } وروي عن ابن عباس في تفسير قوله : { يس } يعني : يا إنسان بلغة طيىء . وهكذا قال مقاتل عن قتادة ، والضحاك . وروي عن محمد ابن الحنفية أنه قال : { يس } يعني : يا محمد . وروى معمر عن قتادة قال : { يس } اسم من أسماء القرآن . ويقال : افتتاح السورة . وقال مجاهد : هذه فواتح السور يفتتح بها كلام رب العالمين . وقال شهر بن حوشب . قال كعب : { يس } قسم أقسم الله تعالى به قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام ، فقال : { يس والقرءان الحكيم } ويا محمد { إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } وقال ابن عباس في قوله : { والقرءان الحكيم } أي : أحكم حلاله ، وحرامه ، وأمره ، ونهيه . ويقال : حكيم يعني : محكم من التناقض والعيب . ويقال : { الحكيم } أي : الحاكم كالعليم . يعني : العالم . يعني : القرآن حاكم على جميع الكتب التي أنزلها الله تعالى من قبل { إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } فهذا جواب القسم ، ومعناه : يا إنسان { والقرءان الحكيم إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } يعني : رسولاً كسائر المرسلين جواباً لقولهم : لست مرسلاً { على صراط مُّسْتَقِيمٍ } يعني : إنك على صراط مستقيم ويقال : هذا نعت للرسل يعني : { إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } الذين كانوا على صراط مستقيم ، أي : على طريق الإسلام . (3/462)
ثم قال عز وجل : { تَنزِيلَ العزيز الرحيم } قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم في إحدى الروايتين { تَنزِيلَ } بضم اللام ومعناه : هذا القرآن تنزيل أو هو تنزيل العزيز الرحيم ، وقرأ الباقون { تَنزِيلَ } بالنصب ، ومعناه : نزّله تنزيلاً فصار نصباً بالمصدر .
لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10)
ثم قوله تعالى : { لّتُنذِرَ } يعني : لتخوف بالقرآن { قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ } يعني : كما أنذر آباؤهم الأولون { فَهُمْ غافلون } عن ذلك يعني : عما أنذر آباؤهم . (3/463)
ثم قال عز وجل : { لَقَدْ حَقَّ القول } أي : وجب القول بالعذاب { على أَكْثَرِهِمْ } أي : على الكفار . ويقال : { لَقَدْ حَقَّ القول } وهو قوله : { قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } [ الأعراف : 18 وغيرها ] ويقال : { القول } كناية عن العذاب أي : وجب عليهم العذاب { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } يعني : لا يصدقون بالقرآن { إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا } قال مقاتل : نزلت في بني مخزوم ، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليدفعنه بحجر ، فأتاه وهو يصلي ، فرفع الحجر ليدمغه ، فيبست يده إلى عنقه ، والتزق الحجر بيده ، ورجع إلى أصحابه ، فخلصوا الحجر من يده . ورجل آخر من بني المغيرة ، أتاه ليقتله ، فطمس الله على بصره ، فلم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم ، وسمع قوله ، فرجع إلى أصحابه ، فلم يرهم حتى نادوه ، فذلك قوله تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا *** فَهِىَ **إِلَى الاذقان فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً } وذكر في رواية الكلبي نحو هذا ، وقال بعضهم : { إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا } أي : نجعل في أعناقهم أغلالاً يوم القيامة . ويقال : معناه { إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا } أي : جعلنا أيديهم ممسكة عن الخيرات ، مجازاة لكفرهم . { وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً } أي : حائلاً لا يهتدون إلى الإسلام ، ولا يبصرون الهدى ، وقال بعضهم : { إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا } يعني : أيديهم . ولم يذكر في الآية اليد ، وفيها دليل ، لأن الغل لا يكون إلا باليد إلى العنق . فلما ذكر العنق فكأنما ذكر اليد . وروي عن ابن عباس ، وابن مسعود ، أنهما قرآ : إنا جعلنا في { أيمانهم *** أغلالا } . وقرأ بعضهم { فَى أَيْدِيهِمْ } . وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد . لأنه لا يجوز أن يكون الغل بأحدهما دون الآخر كقوله : { والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أكنانا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } [ النحل : 81 ] ولم يذكر البرد لأن في الكلام دليلاً عليه .
ثم قال : { فَهِىَ * إِلَى الاذقان فَهُم مُّقْمَحُونَ } أي : رددنا أيديهم إلى أعناقهم { إِلَى الاذقان } أي : الحنك الأيسر { فَهُم مُّقْمَحُونَ } أي : رافعو الرأس إلى السماء ، غاضّو الطرف لا يبصر موضع قدميه . وقال قتادة : أي مغلولين من كل خير .
ثم قال عز وجل : { وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً } أي : ظلمة { ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً } أي : ظلمة { فأغشيناهم } بالظلمة { فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * وَسَوَآء عَلَيْهِمْ } الآية .
يعني : خوفتهم ، اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به التوبيخ { وَسَوَآء عَلَيْهِمْ أَءنذَرْتَهُمْ } يعني : خوفتهم { أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } يعني : أم لم تخوفهم لا يصدقون . إنما نزلت الآية في شأن الذين ماتوا على كفرهم ، أو قتلوا على كفرهم . قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { سَدّا } بنصب السين في كلاهما . وقرأ الباقون : بالضم . وقال أبو عبيدة : قراءتنا بالضم لأنهما من فعل الله تعالى ، وليس من فعل بني آدم . وقال القتبي : المقمح الذي يرفع رأسه ، ويغض بصره . يقال : بعير قامح إذا روي من الماء فقمحت عيناه . وقال : والسد الجبل { فأغشيناهم } يعني : أعمينا أبصارهم عن الهدى . (3/464)
إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)
ثم قال عز وجل : { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر } يعني تخوف بالقرآن من اتبع الذكر ، يعني من قبل الموعظة وسمع القرآن { وَخشِىَ الرحمن بالغيب } يعني : أطاعه في الغيب { فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ } في الدنيا { وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } في الآخرة . (3/465)
ثم قال عز وجل : { إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الموتى } يعني : نبعثهم في الآخرة { وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ } يعني : نحفظ ما أسلفوا ، وما عملوا من أعمالهم . ويقال : { وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ } يعني : تكتب أعمالهم الكرام الكاتبون ، وما عملوا من خير أو شر { وَءاثَارَهُمْ } يعني : ما استنوا من سنة خير أو شر عملوه ، واقتدى بهم من بعدهم ، فلهم مثل أجورهم ، أو عليهم مثل أوزارهم من غير أن ينقص منه شيئاً ، وهذا كقوله عز وجل : { بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } [ القيامة : 14 ] وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم « مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ » إلى آخره وقال مجاهد : { وَءاثَارَهُمْ } يعني : خطاهم . وروى مسروق أنه قال : مَا خَطَا عَبْدٌ خُطْوَةً إلاَّ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ أوْ سَيّئَةٌ . وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال : إن بني سلمة ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم بعد منازلهم من المسجد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « يَا بَنِي سَلَمَةَ دِيَارُكُمْ فَإِنَّمَا تُكْتَبُ آثَارُكُمْ » . ثم قال : { وَكُلَّ شىْء أحصيناه } أي : حفظناه وبيَّناه { فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ } يعني : في اللوح المحفوظ .
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)
قوله عز وجل : { واضرب لَهُمْ مَّثَلاً } أي : وصف لهم شبهاً { أصحاب القرية } أهل القرية وهي أنطاكية { إِذْ جَاءهَا المرسلون } يعني : رسل عيسى عليه السلام { إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين } قال مقاتل : هما تومان وطالوس { فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } يعني : قويناهما بثالث وهو شمعون وقرأ عاصم في رواية أبي بكر { فَعَزَّزْنَا } بالتخفيف ، ومعناهما : غلبنا . نقول : عزه يعزه إذا غلبه ، ومنه قوله تعالى : { إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ واحدة فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى الخطاب } [ ص : 23 ] يعني : غلبني في القول . وقرأ الباقون : { فَعَزَّزْنَا } بالتشديد ، ومعناه : قوينا ، وشددنا الرسالة برسول ثالث ، وذلك أن عيسى ابن مريم عليهما السلام رسول إلى أنطاكية . وإنما كان إرساله بإذن الله عز وجل . فأضاف إليه حيث قال : { إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين } ثم بعث بعد ذلك شمعون . وروي في بعض الروايات أن عيسى عليه السلام أوصى إلى الحواريين أن يتفرقوا في البلدان . ثم رفع عيسى إلى السماء ، وكان مجيء الرسل بعدما رفع عيسى . وفي بعض الروايات : أنه أرسل الرسل ، ثم رفع ، وكان للرسل من المعجزة ما للأنبياء عليهم السلام بدعاء عيسى عليه السلام فلما جاء الرسولان الأولان ، ودخلا أنطاكية ، وجعلا يناديان فيها بالإيمان بالرحمن ، يعني : يدعوان إلى الإيمان بالله عز وجل ، ويزجران أهلها عن عبادة الأصنام والشيطان ، فأخذوهما شرط الملك ، وأتَوْا بهما إلى الملك ، فلما دخلا على الملك ، قالا : إن الأوثان التي تعبدون ليست بشيء ، وإن إلهاكم الله الذي في السماء ، وأن من مات منكم صار إلى النار . فغضب الملك ، وجلدهما ، وسجنهما ، ثم حضر شمعون ودخل أنطاكية ، وجاء إلى السجن فقال للسجان : ائذن لي حتى أدخل السجن ، فإني أريد أن أدفع إلى كل واحد كسرة خبز ، فأذن له . فدخل وجعل يعطي لكل واحد كسرة خبز ، حتى انتهى إلى صاحبيه ، فقال لهما : إني أريد أن آتي الملك ، وأطلب فكاككما ، حتى أخلصكما ، فإنكما لم تأتيا الأمر من قبل وجهه . ألم تعلما أنكما لا تطاعان إلا بالرفق واللطف ، وأن مثلكما مثل امرأة لم تلد زماناً من دهرها ثم ولدت غلاماً ، فأسرعت بشأنه ، فأطعمته الخبز قبل أوانه ، فغص بلقمة فمات . فكذلك دعوتكما هذا الملك قبل أوان الدعاء ، فأصابكما البلاء ، ثم انطلق شمعون ، وتركهما ، فقعد عند بيت الأصنام ، حتى إذا دخلوا بيت الأصنام ، دخل في صلاتهم ، فقام بين يدي تلك الأصنام يصلي ، ويتضرع ، ويسجد لله تعالى ، ولا يشكون أنه على ملتهم ، وأنه إنما يدعو آلهتهم ، ففعل ذلك أياماً ، فذكروا ذلك للملك ، فدعاه ، وكلمه ، وقال له : من أين أنت؟ فقال : أنا رجل من بني إسرائيل ، وقد انقرض أهلي ، وكنت بقيتهم ، وجئت إلى أصحابك آنس بهم ، وأسكن إليكم ، فسأله الملك عن أشياء ، فوجده حسن التدبير ، والرأي فلبث فيهم ما شاء الله ، فلما رأى أمره قد استقام ، قال : يا أيها الملك إنِّي قد بلغني أنك سجنت رجلين منذ زمان يدعوانك إلى إله غير إلهاك ، فهل لك أن تدعوهما ، فأسمع كلاهما وأخاصمهما عنك؟ فقال الملك : نعم . (3/466)
فدعاهما ، وأقيما بين يديه ، فقال لهما شمعون ، أخبراني عن إلهاكما؟ فقالا : إنه يبرىء الأكمه والأبرص ، فدعي برجل ولد أعمى فدعوا الله تعالى ، فأبصر الأعمى . قال شمعون : فأنا أفعل مثل ذلك . فأتي بآخر ، فدعا شمعون رضي الله عنه فبرىء ، فقال لهما شمعون ، لا فضل لكما عليّ بهذا . ثم أتي برجل أبرص ، فدعوا ، فبرىء ، وفعل شمعون بآخر مثل ذلك . فقال لهما شمعون : فهل عندكما شيء غير هذا؟ فقالا : نعم إن ربنا يحيي الموتى . فقال شمعون : أنا لا أقدر على ذلك . ثم قال للملك : هل لك أن تأتي بالصنم فلعله يحيي الموتى ، فيكون لك الفضل عليهما ولإلاهك؟ فقال الملك : إنك تعلم أنه لا يسمع ، ولا يبصر ، فكيف يحيي الموتى؟ ثم قال له شمعون سلهما هل يستطيعان أن يفعلا مثل ما قالا؟ فقال الملك : إن عندنا ميتاً قد مات منذ سبعة أيام ، وكان لأبيه ضيعة قد خرج إليها وأهله ينتظرون قدومه ، واستأذنوا في دفنه ، فأمرهم أن يؤخروه حتى يحضر أبوه ، فَأمَرَهم بإحضار ذلك الميت ، فلم يزالا يدعوان الله تعالى ، وشمعون يعينهما بالدعاء في نفسه ، حتى أحياه الله تعالى . فقال شمعون : أنا أشهد أنهما صادقان وأن إلههما حق ، فاجتمع أهل المصر ، وقالوا : إن كلمتهم كانت واحدة ، فرجموهم بالحجارة ، وجاء أب الغلام ، فأسلم ، وقتل أب الغلام أيضاً ، وهو حبيب بن إسرائيل النجار . ثم إن الله عز وجل بعث جبريل عليه السلام فصاح صيحة فماتوا كلهم ، فذلك قوله تعالى : { إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُواْ } يعني : هؤلاء الثلاثة { إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } وأروهم العلامة . (3/467)
قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)
قوله عز وجل : { قَالُواْ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } يعني : آدمي مثلنا { وَمَا أَنَزلَ الرحمن مِن شَىْء } يعني : لم يرسل الرسل من الآدميين { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } بأنكم رسل الله تعالى . يعني : أرسلكم عيسى بأمر الله تعالى ، فأنكروا ذلك { قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ } يعني : أن الرسل قالوا : { رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } يعني : أرسلنا عيسى عليه السلام بأمر الله تعالى { وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ البلاغ المبين قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } يعني : قال أهل أنطاكية : إنا تشاءمنا بكم ، وهذا الذي يصيبنا من شؤمكم ، وهو قحط المطر { لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ } يعني : لنقتلنّكم { وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُواْ طائركم مَّعَكُمْ } يعني : شؤمكم معكم ، وبأعمالكم الخبيثة . ويقال : إن الذي يصيبكم ، كان مكتوباً في أعناقكم ، { أَءن ذُكّرْتُم } يعني : إن وعظتم بالله . قرأ نافع وأبو عمرو { أَيْنَ } بهمزة واحدة ممدودة . وقرأ الباقون : بهمزتين . وقرأ زر بن حبيش : { ءانٍ ذُكّرْتُم } بهمزة واحدة مع التخفيف والفتح . يعني : لأنكم وعظتم؟ فلم تتعظوا . ومن قرأ بالاستفهام فمعناه : إن وعظتم تطيرتم . قالوا : هذا جواباً لقولهم : { إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } ويقال : معناه { أَءن ذُكّرْتُم } . يعني : حين وعظتم بالله تشاءمتم بنا . (3/468)
ثم قال : { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } يعني : مشركون .
وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32)
قوله تعالى : { وَجَاء مِنْ أَقْصَى المدينة } يعني : من وسط المدينة ، وهو حبيب بن إسرائيل النجار { رَجُلٌ يسعى } يعني : يسعى في مشيه . وقال بعضهم : هو الذي عاش ابنه بعد الموت ، بدعاء الرسل ، فجاء وأسلم . وقال بعضهم : كان ابنه مريضاً ، فبرىء بدعوة الرسل ، فصدق بهم ، فلما بلغه أن القوم أرادوا قتل الرسل ، جاء ليمنع الناس عن قتلهم . وقال قتادة : كان في غار يدعو ربه فلما بلغه مجيء الرسل أتاهم { قَالَ يَا قَوْمٌ اتبعوا المرسلين } يعني : دين المرسلين ثم قال للرسل هل تسألون على هذا أجراً؟ فقالوا : لا . فقال : للقوم { اتبعوا مَن لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً } يعني : على الإيمان { وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } يدعوكم إلى التوحيد . فقال له قومه : تبرأت عن ديننا ، واتبعت دين غيرنا . فقال : { وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ الذى فَطَرَنِى } يعني : خلقني . قرأ حمزة وابن عامر في إحدى الروايتين : { وَمَا لِىَ } بسكون الياء . وقرأ الباقون : بالفتح . وهما لغتان وكلاهما جائز . (3/469)
ثم قال : { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يعني : تصيرون إليه بعد الموت ، وهذا كقوله : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَآ ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة وَللَّهِ مِيرَاثُ السماوات والارض والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [ آل عمران : 180 ] فقالوا له : ارجع إلى ديننا . فقال حبيب : { أَءتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } يعني : أعبد من دونه أصناماً { إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرّ } يعني : ببلاء وشدة إذا فعلت ذلك { لاَّ تُغْنِ عَنّى شفاعتهم شَيْئاً } يعني : لا تقدر الآلهة أن يشفعوا لي { وَلاَ يُنقِذُونَ } يعني : لا يدفعون عني الضرر { إِنّى إِذاً لَّفِى ضلال مُّبِينٍ } يعني : إني إذا فعلت ذلك لفي خسران بيّن { إِنّى ءامَنتُ بِرَبّكُمْ فاسمعون } يعني : فاشهدوني ، وأعينوني بقول لا إله إلا الله . وقال ابن عباس : أُلقي في البئر وهو الرس كما قال { وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ } [ ق : 12 ] وقال قتادة : قتلوه بالحجارة . وهو يقول : رب اهد قومي فإنهم لا يعلمون . وقال مقاتل : أخذوه ووطؤوه ، تحت أقدامهم ، حتى خرجت أمعاؤه ، ثم ألقي في البئر ، وقتلوا الرسل الثلاثة . فلما ذهب بروح حبيب النجار إلى الجنة ف { قِيلَ } له { ادخل الجنة قَالَ ياليت ياليت قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى } وذلك حين دخلها ، وعاين ما فيها من النعيم ، تمنى أن يسلم قومه فقال : { قَالَ ياليت قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى } بالذي غفر لي ربي . ويقال : بمغفرتي . ويقال : بماذا غفر لي ربي؟ فلو علموا ، لآمنوا بالرسل .
ثم قال : { وَجَعَلَنِى مِنَ المكرمين } أي : الموحدين في الجنة . نصح لهم في حياته ، وبعد وفاته .
يقول الله تعالى : { وَمَا أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مّنَ السماء } يعني : من بعد حبيب النجار { مِن جُندٍ } من السماء ، يعني : الملائكة { وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } يعني : لم نبعث إليهم أحداً { إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } يعني : ما كانت إلا صيحة جبريل عليه السلام { فَإِذَا هُمْ خامدون } يعني : ميتون لا يتحركون { خامدون ياحسرة عَلَى العباد } يعني : يا ندامة على العباد في الآخرة .
يعني : يقولون : يا حسرتنا على ما فعلنا بالأنبياء عليهم السلام { مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ } في الدنيا { إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } . (3/470)
ثم خوّف المشركين بمثل عذاب الأمم الخالية ليعتبروا فقال : { أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا } يعني : ألم يعلموا؟ ويقال : ألم يخبروا كم أهلكنا { قَبْلَهُمْ مّنَ القرون } يعني : كم عاقبنا من القرون الماضية { أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } إلى الدنيا { وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } قرأ عاصم ، وحمزة ، وابن عامر ، بتشديد الميم . وقرأ الباقون : بالتخفيف . فمن قرأ بالتشديد فمعناه : وما كل إلا جميع . ومن قرأ بالتخفيف فما زائدة ومؤكدة . والمعنى وإن كل لجميع لدينا محضرون . يعني : يوم القيامة محضرون عندنا ، ثم وعظهم كي يعتبروا من صنعه ، فيعرفوا توحيده .
وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)
قوله تعالى { وَآيَةٌ لَهُمُ } يعني علامة وحدانيته { الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا } يغني الأرض اليابسة أحييانها بالمطر لتنبت { وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً } يعني الحبوب كلها { فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا } يعني وخلقنا في الأرض { جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } يعني البساتين والكروم { وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العيون } يعني أجرينا في الأرض الأنهار تخرج ن العيون { لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } يعني من الثمرات { وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِم } يعني لم تعمل أيديهم ، ويقال : والذي عملت أيديهم مما يزرعون { أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } رب هذه النعم فيوحدوه ، وقرأ حمزة والكسائي { ثَمَرِهِ } بالضم . وقرأ الباقون : بالنصب . والثَّمر بالنصب ، جماعة الثمرة . والثمرات جمع الجمع وهو الثمر ، مثل كتاب وكتب . والثُّمر بالضم جمع الثمار . قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر : { وَمَا عَمِلَتْ } بغير هاء . وقرأ الباقون : بالهاء . ومعناهما واحد . (3/471)
ثم قال : { أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الأمر ، يعني : اشكروا رب هذه النعم ووحدوه .
سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)
ثم قال عز وجل : { سبحان الذى خَلَق الازواج كُلَّهَا } يعني : تنزيهاً لله عز وجل الذي خلق الأصناف كلها { مِمَّا تُنبِتُ الارض } يعني : ألواناً من النبات والثمار . ففي كل شيء خلق الله تعالى دليلاً على وحدانيته تعالى وربوبيته { وَمِنْ أَنفُسِهِمْ } يعني : خلق من جنسهم أصناف الذكر والأنثى ، وألواناً مختلفة { وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } يعني : وخلق من الخلق ما لا يعلمون ، وهذا كقوله : { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ النحل : 8 ] . (3/472)
ثم ذكر لهم دلالة أخرى ليعتبروا بها ، فقال عز وجل : { وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل } يعني : علامة وحدانيته الليل { نَسْلَخُ مِنْهُ النهار } يعني : نخرج ونميز منه النهار { فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } يعني : داخلون في الظلمة . ويقال : يبقون في الظلمة . ويقال : إن الله خلق الدنيا مظلمة .
ثم قال : { والشمس } سراجاً ، فإذا طلعت الشمس ، صارت الدنيا مضيئة . وإذا غربت الشمس ، بقيت الظلمة . كما كانت ، وهو قوله تعالى : { نَسْلَخُ مِنْهُ النهار } يعني : ننزع الضوء منه { فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } يعني : يبقون في الظلمة . ويقال : نسلخ الليل . يعني : نخرج منه النهار إخراجاً لا يبقى منه شيء من ضوء النهار ، كما نسلخ الليل من النَّهَار ، فكذلك نسلخ النهار من الليل . فكأنه يقول : الليل نسلخ منه النهار ، والنهار نسلخ منه الليل ، فاكتفى بذكر أحدهما ، لأن في الكلام دليلاً . وقد ذكر في آية أخرى قال : { خَلَقَ السماوات والارض بالحق يُكَوِّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى اليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى لاًّجَلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ العزيز الغفار } [ الزمر : 5 ] .
ثم قال عز وجل : { والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا } قال مقاتل : يعني : لوقت لها . وقال الكلبي : تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها ، ولا تتجاوزها . ثم ترجع إلى أول منازلها . وقال القتبي : { والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا } يعني : إلى مستقر لها . ومستقرها أقصى منازلها في الغروب . وذلك لأنها لا تزال تتقدم في كل ليلة ، حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ، ثم ترجع فذلك مستقرها ، لأنها لا تجاوزها . وطريق آخر ما روي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال : كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم عند غروب الشمس ، فقال : « يا أبَا ذَرَ أَتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ » قلت : الله ورسوله أعلم . قال : « فإنَّهَا تَغْربُ ، وَتَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ ، وَتَسْتَأْذِن فَيُؤْذَنُ لَهَا ، وَيُوشِكُ أنْ تَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لَهَا ، حَتَّى تَسْتَشْفِعَ ، وَتَطْلُبَ ، فَإذا طَالَ عَلَيْهَا ، قيلَ لَهَا : اطلعي مَكَانَكِ ، فذلك قوله : { والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا } قال : مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ » . ثم قال : { ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم } العزيز بالنقمة ، العليم بما قدّره من أمرها ، وخلقها .
وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان يقرأ : { والشمس تَجْرِى لمُّسْتَقِرٌّ لَهَا } يعني : لا تقف ، ولا تستقر ، ولكنها جارية أبداً . (3/473)
ثم قال عز وجل : { والقمر قدرناه مَنَازِلَ } قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو { والقمر } بالضم وقرأ الباقون : بالنصب . فمن قرأ بالضم ، فله وجهان . أحدهما أن يكون على الابتداء ، والآخر معناه : { وَءايَةٌ لَّهُمُ } القمر عطف على قوله : { وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل } ومن قرأ بالنصب ، فمعناه : وقدرنا القمر . وقال مقاتل في قوله : { والقمر قدرناه مَنَازِلَ } يعني : قدرناه منازل في السماء ، يبدو رقيقاً ، ثم يستوي ، ثم ينقص في آخر الشهر . وقال الكلبي : { قدرناه مَنَازِلَ } أي : قدرناه منازل بالليل ، ينزل كل ليلة في منزل ، ويصعد في منزل ، حتى ينتهي إلى مستقره الذي لا يجاوزه ، ثم يعود إلى أدنى منازله . ويقال : إن القمر يدور في منازله في شهر واحد ، مثل ما تدور الشمس في منازلها في سنة واحدة ، قال مقاتل وذلك أن القمر عرضه ثمانون فرسخاً مستديرة ، والشمس هكذا . وكان ضوؤهما واحداً ، فأخذ تسعة وتسعون جزءاً من القمر ، فألحقت بالشمس . وروي عن ابن عباس أنه قال : القمر أربعون فرسخاً في أربعين فرسخاً ، والشمس ستون فرسخاً في ستين فرسخاً . وقال بعضهم : القمر والشمس عرض كل واحد منهما مثل الدنيا كلها .
ثم قال تعالى : { حتى عَادَ كالعرجون القديم } يعني : صار كالعذق اليابس ، المنقرس ، الذي حال عليه الحول . ويقال : للقمر ثمانية وعشرون منزلاً ، فإذا صار في آخر منازله ، دقّ حتى يعود كالعذق اليابس . والعرجون إذا يبس ، دق واستقوس ، فشبه القمر به . يعني : صار في عين الناظر كالعرجون ، وإن كان هو في الحقيقة عظيم بنفسه ، إلا أنه في عين الناظر يراه دقيقاً .
ثم قال عز وجل : { لاَ الشمس يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ القمر } يعني : أن تطلع في سلطان القمر . وقال عكرمة : لكل واحد منهما سلطان للشمس سلطان بالنهار ، وللقمر سلطان بالليل . فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل { وَلاَ اليل سَابِقُ النهار } يعني : لا يدرك سواد الليل ضوء النهار ، فيغلبه على ضوئه { وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } يعني : في دوران يجرون ، ويدورون ، ويقال : { يَسْبَحُونَ } يعني : يسيرون فيه بالانبساط ، وكل من انبسط في شيء ، فقد سبح فيه ، وقال بعضهم : السماء كالموج المكفوف ، والشمس والقمر ، والكواكب الدوارة يسبحون فيها وقال بعضهم : الأفلاك كثيرة ، مختلفة في السير ، تقطع القمر في ثمانية وعشرين يوماً ، والشمس تقطع في سنة . وقال بعضهم : الفلك واحد ، وجريهن مختلف ، والفلك في اللغة كل ما يدور .
وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44)
ثم قال عز وجل : { وَءايَةٌ لَّهُمُ } يعني : علامة لكفار مكة على معرفة وحدانية الله تعالى ، { أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ } يعني : آباءهم ، واسم الذرية يقع على الآباء والنسوة ، والصبيان ، وأصله الخلق ، كقوله عز وجل : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الجن والإنس لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون } [ الأعراف : 179 ] يعني : خلقنا . ويقال : { ذُرّيَّتُهُم } خاصة . (3/474)
ثم قال : { فِى الفلك المشحون } يعني : في سفينة نوح عليه السلام الموقرة المملوءة . يعني : حملنا ذريتهم في أصلاب آبائهم قرأ نافع وابن عامر : { ذُرّياتِهِمْ } بلفظ الجماعة . وقرأ الباقون : { واتبعتهم ذُرّيَّتُهُم } وأراد به الجنس .
ثم قال عز وجل : { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } يعني : من مثل سفينة نوح عليه السلام ما يركبون في البحر . وقال قتادة : يعني : الإبل يركب عليها في السير ، كما تركب السفن في البحر . وقال السدي : { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } . فقال : هذه السفن الصغار . يعني : الزوارق . وقال عبد الله بن سلام : هي الإبل .
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : أخبرني الثقة بإسناده عن أبي صالح . قال : قال لي ابن عباس : ما تقول في قوله : { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } قلت : هي السفن . قال : خذ مني بآذان إنما هي الإبل . فلقيني بعد ذلك . فقال : إني ما رأيتك إلا وقد غلبتني فيها ، هي كما قلت ألا ترى أنه يقول : { وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ } يعني : إن نشأ نغرقهم في الماء { فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ } يعني : لا مغيث لهم { وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ } يعني : لا يمنعون ، فلا ينجون من الغرق .
قوله عز وجل : { إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا } يعني : إلا نعمة منا ، حين لم نغرقهم . ويقال : معناه لكن رحمة منا بحيث لم نغرقهم { ومتاعا إلى حِينٍ } يعني : بلاغاً إلى آجالهم .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)
ثم قال عز وجل : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } يعني : { مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ } من أمر الآخرة فاعملوا لها { وَمَا خَلْفَكُمْ } من أمر الدنيا فلا تغتروا بها . وقال مقاتل : { اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ } لكيلا يصيبكم مثل عذاب الأمم الخالية { وَمَا خَلْفَكُمْ } يعني : { واتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ } أي : من عذاب الآخرة . والأول قول الكلبي . (3/475)
ثم قال : { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } يعني : لكي ترحموا فلا تعذبوا { وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايات رَبّهِمْ } مثل انشقاق القمر { إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } يعني : مكذبين . وهذا جواب لقوله عز وجل : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } الآية .
ثم أخبر عن حال زنادقة الكفار فقال عز وجل { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله } يعني : تصدقوا من المال الذي أعطاكم الله عز وجل : { قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء الله أَطْعَمَهُ } على وجه الاستهزاء منهم { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال مُّبِينٍ } يعني : في خطأ بيّن . قال بعضهم : هذا قول الكفار الذين أمرهم بالنفقة . وقال بعضهم : هذا قول الله تعالى . يعني : قل لهم يا محمد : { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال مُّبِينٍ } وروي عن ابن عباس مثل هذا . ثم قال عز وجل : { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين } يعني : متى هذا الوعد الذي تعدونا به يوم القيامة { إِن كُنتُمْ صادقين } بأنا نبعث بعد الموت ، فيقول الله تعالى : { مَا يَنظُرُونَ } بالعذاب { إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } يعني : لا حظر لإهلاكهم ، فليس إلا صيحة واحدة { تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ } قرأ عاصم في رواية أبي بكر { يَخِصّمُونَ } بكسر الياء والخاء . وقرأ نافع { يَخِصّمُونَ } بنصب الياء ، وسكون الخاء . وقرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص وابن عامر في إحدى الروايتين : بنصب الياء ، وكسر الخاء . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو بنصب الياء والخاء . وقراءة حمزة { يَخِصّمُونَ } بنصب الياء ، وجزم الخاء بغير تشديد . ومعناه : تأخذهم وبعضهم يخصم بعضاً . ومن قرأ بالتشديد . فالأصل فيه يختصمون فأدغمت التاء في الصاد ، وشددت . ومن قرأ : بنصب الخاء طرح فتحة التاء على الخاء . ومن قرأ بكسر الخاء ، فلسكونها ، وسكون الصاد . وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص : لينفخن في الصور ، والناس في طرقهم ، وأسواقهم ، حتى أن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان ، فما يرسله واحد منهما ، حتى ينفخ في الصور ، فيصعق به ، وهي التي قال الله تعالى : { مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ } قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : وأخبرني الثقة بإسناده عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
« تَقُومُ السَّاعَةُ والرَّجُلانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْب ، فَلا يَطْوِيَانِهِ ، وَلا يَتَبايَعَانِهِ . وَتَقُومُ السَّاعَةُ ، وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ النَّاقَةَ ، فَلا يَصِلُ الإنَاءُ إلَى فِيه . وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلُوطُ الْحَوْضَ ، فَلا يَسْقِيَ فِيهِ » . ثم قال تعالى : { فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } يعني : يموتون من ساعتهم بغير وصية ، فلا يستطيعون أن يوصوا إلى أهلهم بشيء { وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } يعني : ولا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق فأخبر الله تعالى بما يلقون في النفخة الأولى ثم أخبر بما يلقون في النفخة الثانية . يعني : إذا بعثوا من قبورهم بعد الموت فذلك قوله : { وَنُفِخَ فِى الصور فَإِذَا هُم مّنَ الاجداث } من القبور { إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } يعني : يخرجون من قبورهم أحياء . وكان بين النفختين أربعين عاماً في رواية ابن عباس . وقيل : أكثر من ذلك . ورفع العذاب عن الكفار بين النفختين . فكأنهم رقدوا . فلما بعثوا { قَالُواْ يأَبَانَا ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } يعني : من أيقظنا من منامنا . قال : فيقول لهم الحفظة من الملائكة { هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن } على ألسنة الرسل { وَصَدَقَ المرسلون } بأن البعث حق . ويقال : إن المؤمنين هم الذين يقولون : { هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون } بأن البعث كائن . (3/476)
إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)
ثم قال عز وجل : { إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } قال الكلبي : يعني : في الآخرة . وقال مقاتل : في بيت المقدس لحسابهم . (3/477)
ثم قال : { فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } يعني يوم القيامة لا تنقص نفس مؤمنة ، ولا كافرة ، من أعمالهم شيئاً { وَلاَ تُجْزَوْنَ } يعني : ولا تثابون { إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير أو شر .
ثم قال : { إِنَّ أصحاب الجنة اليوم فِى شُغُلٍ فاكهون } يعني : يوم القيامة في شغل مما هم فيه . أي : عن الذي هم فيه فاكهون . يعني : ناعمين . قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو { فِى شُغُلٍ } بجزم الغين . وقرأ الباقون : بالضم . وهما لغتان . يقال : شغْل وشغُل مثل عُذْر وعذُر وعمْر وعمُر . قرأ أبو جعفر المدني : { فاكهون } بغير ألف ، وقراءة العامة { فاكهون } بالألف . فمن قرأ بغير ألف يعني : يتفكهون . قال أبو عبيد : يقال : للرجل إذا كان يتفكه بالطعام ، أو بالشراب ، أو بالفاكهة ، أو بأعراض الناس ، إن فلاناً يتفكه . ومنه يقال للمزاحة فكاهة . ومن قرأ بالألف يعني : ذوي فاكهة . وقال الفراء : فاكهة وفكهة لغتان ، كما يقال حذر وحاذر . وروي في التفسير { فاكهون } يعني : ناعمون . وفكهون معجبون . وقال الكلبي ومقاتل في قوله : { إِنَّ أصحاب الجنة } الآية يعني : شغلوا بالنعيم في افتضاض الأبكار العذارى عن أهل النار ، فلا يذكرونهم يعني : معجبين بما هم فيه من النعم والكرامة . قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : حدّثنا محمد بن الفضل بإسناده عن عكرمة في قوله : { فِى شُغُلٍ فاكهون } قال في افتضاض الأبكار . وروى زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنَّ الرَّجُلَ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ ، وَالجمَاعِ » فقال رجل من أهل الكتاب : إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة . فقال الرسول : « يَفِيضُ مِنْ جَسَدِ أحَدِهِمْ عَرَقٌ مِثْلُ المِسْكِ الأذْفَرِ فَيَضْمُرُ بذلكَ بَطْنُهُ » . ثم قال تعالى : { هُمْ وأزواجهم فِى ظلال } قرأ حمزة والكسائي { فِي ظُلَلٍ } وقرأ الباقون { فِى ظلال } فمن قرأ { فِي ظُلَلٍ } فهو جمع الظلة . يقال : ظلة وظلل مثل حلة وحلل . ومن قرأ بكسر الظاء فهو جمع الظل يعني : هم في ظلال العرش والشجر ويقال معنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد . يعني : إن أهل الجنة { هُمْ وأزواجهم } الحور العين في القصور { عَلَى الارائك مُتَّكِئُونَ } يعني : على السرر عليها الحجال . وروى مجاهد عن ابن عباس قال : الأرائك سرر في الحجال . وقال الكلبي : لا تكون أريكة إلا إذا اجتمعتا ، فإذا تفرقا فليست بأريكة { مُتَّكِئُونَ } أي : ناعمون . وإنما سمي هذا لأن الناعم يكون متكئاً .
ثم قال : { لَهُمْ فِيهَا فاكهة } يعني : لهم في الجنة من أنواع الفاكهة { وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } يعني : ما يتمنون مما يشتهوا من الخير ، { سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } يعني : يرسل إليهم ربهم بالتحية والسلام . والعرب تقول : ادّعي ما شئت ، { يَدَّعُونَ } يتمنون . فقوله عز وجل : { سَلاَمٌ قَوْلاً } يعني : يقال لهم سلام كأنهم يتلقونه بالسلام { مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } ويقال : { وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ سلام } يعني : لهم ما يشاؤون خالصاً .
ثم قال : { قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } .
وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66)
يقول الله تعالى { وامتازوا اليوم } وذلك أنه إذا كان يوم نادى مناد : { وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون } يعني : اعتزلوا أيها الكفار من المؤمنين ، فإنهم قد تأذوا منكم في الدنيا ، فاعتزلوهم حتى ينجوا منكم . ويقال : إن المنادي ينادي { أَيُّهَا المجرمون } امتازوا ، فإن المؤمنين قد فازوا . وأيها المنافقون امتازوا ، فإن المخلصين قد فازوا . ويا أيها الفاسقون امتازوا فإن الصالحين قد فازوا ويا أيها العاصون امتازوا ، فإن المطيعين قد فازوا . ثم يقول للكفار والمنافقين بعدما امتازوا : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ } يعني : ألم أتقدم إليكم . ويقال : ألم أبيّن لكم في القرآن . ويقال : ألم أوضح لكم { تَتَّقُونَ وَإِذْ أَخَذَ } بالكتاب والرسل . وقال القتبي : العهد يكون لمعان ، يكون للأمانة كقوله : { إِلاَّ الذين عاهدتم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } [ التوبة : 4 ] ويكون لليقين ، ويكون للميثاق ، ويكون للزمان . كما يقال : كان ذلك في عهد فلان أي : في زمانه . ويكون العهد للوصية ، كقوله : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان } يعني : أن لا تطيعوا الشيطان . قال ابن عباس : من أطاع شيئاً فقد عبده { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } يعني : بيّن العداوة { وَأَنِ اعبدونى هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } يعني : أطيعوني ، ووحدوني . يعني : هذا التوحيد طريق مستقيم . ويقال : دين الإسلام هو طريق مستقيم لا عوج فيه ، وهو طريق الجنة . (3/478)
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً } يعني : خلقاً كثيراً . وقرأ نافع وعاصم { جِبِلاًّ } بكسر الجيم ، والباء ، والتشديد . وقرأ أبو عمرو ، وابن عامر : { جِبِلاًّ } بضم الجيم ، وجزم الباء . والباقون : بضم الجيم والباء . ومعنى ذلك كله واحد . وقال أهل اللغة : الجبل ، والجبلة كله بمعنى واحد يعني : الناس الكثير { أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ } ما فعل بمن كان قبلكم ، فتعتبروا فلم تطيعوه ، فلما دنوا من النار قال لهم خزنتها { هذه جَهَنَّمُ التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } في الدنيا فلم تصدقوا بها { اصلوها اليوم بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } يعني : اصلوها اليوم بما كفرتم في الدنيا عقوبة لكم في الدنيا { اليوم نَخْتِمُ على أفواههم } وذلك حين قالوا : { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } { وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يعني : يعملون من الشرك والمعاصي .
ثم قال : { وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ } قال مقاتل يعني : لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى { فاستبقوا الصراط } يعني : ولو طمست الكفر ، لاستبقوا الصراط ، أي : لجازوا الطريق { فأنى يُبْصِرُونَ } يعني : فمن أين يبصرون الهدى بعدما جعلت قلوبهم قاسية ، وجعلت على أعمالهم غطاء ، وَأكِنَّةً على قلوبهم . قال الكلبي : { وَلَوْ نَشَاء } لفقأنا أعين الضلالة ، فأبصروا الهدى ، واستبقوا الطريق فَأنَّى يُبْصِرُونَ الطريق . ويقال : فأنى يبصرون . الهدى وقال بعضهم : ولو نشاء لأعمينا أبصارهم في أسواقهم ، ومجالسهم ، كما فعلنا بقوم لوط عليه السلام حين كذبوه وراودوه عن ضيفه { فاستبقوا الصراط } يعني : فابتدروا الطريق هرباً إلى منازلهم ، ولو فعلنا ذلك بهم .
وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)
ثم قال عز وجل : { وَلَوْ نَشَاء لمسخناهم على مكانتهم } يعني : إن شئت لمسختهم حجارة في منازلهم ليس فيها أرواح { فَمَا استطاعوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ } ولا يتقدمون ، ولا يتأخرون . وهذا قول مقاتل . وقال الكلبي : لو نشاء لجعلناهم قردة وخنازير { فَمَا استطاعوا مُضِيّاً } يعني : فما قدروا ذهاباً ، ولا يرجعون . (3/479)
قوله عز وجل : { وَمَن نّعَمّرْهُ } يعني : من أطلنا عمره في الدنيا { نُنَكّسْهُ فِى الخلق } يعني : نرده إلى أرذل العمر ، فلا يعقل فيه كعقله الأول . قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر { نُنَكّسْهُ } بضم النون الأولى ، ونصب الثانية ، وكسر الكاف مع التشديد . وقرأ الباقون : { نُنَكّسْهُ } بنصب النون الأولى ، وجزم الثانية ، وضم الكاف ، والتخفيف ، ومعناهما واحد . يقال : نكسَه ونكسَّه وأنكسه بمعنى واحد . ومعناه : من أطلنا عمره ، نكسنا خلقه . فصار بدل القوة ضعفاً . وبدل الشباب هرماً . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر مكاناتهم وقرأ الباقون { مكانتهم } والمكانة والمكان واحد . مثل المنزل والمنزلة والمكانات جمع المكانة .
ثم قال : { أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } يعني : أفلا تفهمون أن الله هو الذي يفعل ذلك ، فتوحدوه ، وليس لمعبودهم قدرة على ذلك . قرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو عمرو : { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } بالتاء ، على معنى المخاطبة . وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر . وقرأ عاصم ، وأبو عمرو ، وحمزة : { وَأَنِ اعبدونى } بالياء . وقرأ الباقون : بغير ياء . لأن الكسر يدل عليه .
ثم قال عز وجل : { وَمَا علمناه الشعر } جواباً لقولهم إنه شاعر يعني : أرسلنا إليه القرآن ، ولم نرسل إليه الشعر { وَمَا يَنبَغِى لَهُ } يعني : لم يكن أهلاً لذلك . وقال : ما يسهل له ، وما يحضره الشعر { وَمَا علمناه الشعر وَمَا يَنبَغِى لَهُ } يعني : ما هو إلا عظة { الرَ تِلْكَ } يعني : يبين الحق من الضلالة . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة أنه قال : سألت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت كان أبغض الحديث إليه الشعر ، ولم يتمثل بشيء من الشعر ، إلا ببيت أخي بني قيس بن طرفة
سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْت جَاهِلا ... وَيَأْتِيكَ بِالأخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ ، مَنْ لَمْ تُزَوِّدْ بِالأَخْبَارِ » . فقال أبو بكر : ليس هكذا يا رسول الله . فقال : « لَسْتُ بِشَاعِرٍ وَلا يَنْبَغِي لِي أنْ أَتَكَلَّمَ بِالشِّعْر » . فإن قيل : روي عنه أنه كان يتكلم بالشعر لأنه ذكر أنه قال
أنَا النَّبِيُّ لا كَذِب ... أنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
وذكر أنه عثر يوماً فدميت أصبعه فقال
هَلْ أنْتِ إلاَّ إصْبَعٌ دَمِيت ... وِفِي كِتَابِ الله مَا لَقِيت