صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17)

قوله عز وجل : { إِذْ جاؤوكم مّن فَوْقِكُمْ } يعني : أتاكم المشركون من فوق الوادي . يعني : طلحة بن خويلد الأسدي { وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } من قبل المغرب وهو أبو الأعور السلمي . ويقال : { مّن فَوْقِكُمْ } أي : من قبل المشرق ، مالك بن عوف ، وعيينة بن حصن الفزاري ، ويهود بني قريظة . { وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } أبو سفيان . فلما رأى ذلك قالوا : { وَإِذْ زَاغَتِ الابصار } يعني : شخصت الأبصار فوقاً يعني : أبصار المنافقين ، لأنهم أشد خوفاً كأنهم خشب مسندة { وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر } خوفاً ، هذا على وجه المثل . ويقال : اضطراب القلب يبلغ الحناجر . ويقال : إذا خاف الإنسان ، تنتفخ الرئة ، وإذا انتفخت الرئة ، يبلغ القلب الحنجرة . ويقال للجبان : منتفخ الرئة .
{ وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا } يعني : الإياس من النصرة . يعني : ظننتم أن لن ينصر الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وسلم ، قرأ ابن كثير والكسائي وعاصم في رواية حفص : الظنون بالألف عند الوقف ، ويطرحونها عند الوصل . وكذلك في قوله { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النار يَقُولُونَ ياليتنآ أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا } [ الأحزاب : 66 ] وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر : بالألف في حال الوصل والوقف . وقرأ أبو عمرو وحمزة بغير ألف في الحالتين جميعاً . فمن قرأ بالألف في الحالين ، فلاتباع الخط . لأن في مصحف الإمام وفي سائر المصاحف بالألف . ومن قرأ بغير ألف فلأن الألف غير أصلية ، وإنما يستعمل هذه الألف الشعراء في القوافي . وقال أبو عبيدة : أحب إلي في هذه الحروف أن يتعمد الوقف عليها بالألف ، ليكون متبعاً للمصحف ، واللغة .
ثم قال عز وجل : { هُنَالِكَ ابتلى المؤمنون } يعني : عند ذلك اختبر المؤمنون . يعني : أمروا بالقتال والحضور . وكان في ذلك اختباراً لهم { وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً } أي : حركوا تحريكاً شديداً واجتهدوا اجتهاداً شديداً .
{ وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً } وهم لم يقولوا رسول الله ، وإنما قالوا باسمه . ولكن الله عز وجل ذكره بهذا اللفظ .
قوله عز وجل : { وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } يعني : جماعة من المنافقين { مّنْهُمْ ياأهل . يَثْرِبَ } يعني : يا أهل المدينة وكان اسم المدينة يثرب ، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة { لاَ مُقَامَ لَكُمْ } قرأ عاصم في رواية حفص : بضم الميم . وقرأ الباقون : بالنصب . فمن يقرأ بالضم فمعناه لا إقامة لكم . ومن قرأ بالنصب ، فهو بالمكان أي : لا مكان لكم تقومون فيه ، والجمع المقامات . وكان أبو عبيدة يقرأ بالنصب ، لأنه يحتمل المقام والمكان جميعاً . يعني : أن المنافقين قالوا : خوفاً ورعباً منهم : لا مقام لكم عند القتال .
{ فارجعوا } يعني : فانصرفوا إلى المدينة { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ النبى } وهم بنو حارثة وبنو سلمة ، وذلك أن بيوتهم كانت من ناحية المدينة { يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } يعني : ضائعة ، نخشى عليها السراق .

(3/397)


ويقال : معناه أن بيوتنا مما يلي العدو ، وإنا لا نأمن على أهالينا . وقال القتبي : أصل العورة ما ذهب عنه الستر والحفظ . وكان الرجال ستراً وحفظاً للبيوت . فقالوا : { إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } يعني : خالية والعرب تقول : اعور منزلك أي : إذا سقط جداره .
يقول الله تعالى : { وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ } لأن الله عز وجل يحفظها ، يعني : وما هي بخالية { إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } أي : ما يريدون إلا فراراً من القتال .
ثم قال : { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مّنْ أَقْطَارِهَا } يعني : لو دخل العسكر من نواحي المدينة { ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة } يعني : دعوهم إلى الشرك { لاَتَوْهَا } قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر : { لاَتَوْهَا } بالهمزة بغير مد . وقرأ الباقون : بالهمز والمد . فمن قرأ بالمد { لاَتَوْهَا } يعني : لأعطوها . ومن قرأ بغير مد معناه صاروا إليها وجاؤوها وكلاهما يرجع إلى معنى واحد يعني : لو دعوا إلى الشرك لأجابوا سريعاً .
{ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا إِلاَّ يَسِيراً } أي : وما تحسبوا بالشرك إلا قليلاً . يعني : يجيبوا سريعاً . ويقال : لو فعلوا ذلك لم يلبثوا بالمدينة إلا قليلاً .
ثم قال عز وجل : { وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله مِن قَبْلُ } يعني : من قبل قتال الخندق حين كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، خرج سبعون رجلاً من المدينة إلى مكة . فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة إلى السبعين ، فبايعهم وبايعوه . فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : « أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بهِ شَيْئاً وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا مَنَعْتُمْ به أَنْفُسَكُمْ وَأَوْلادَكُمْ » . فقالوا : قد فعلنا ذلك . فما لنا؟ قال عليه السلام : « لكم النصرة في الدنيا ، والجنة في الآخرة » . قالوا : قد فعلنا ذلك ، فذلك قوله : { وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله مِن قَبْلُ } { لاَ يُوَلُّونَ الادبار } منهزمين { وَكَانَ عَهْدُ الله * مَسْؤُولاً } يعني : يسأل في الآخرة من ينقض العهد .
قوله عز وجل : { قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي : لا تؤجلون إلا يسيراً ، لأن الدنيا كلها قليلة . ثم قال عز وجل : { قُلْ مَن ذَا الذى يَعْصِمُكُمْ مّنَ الله } يعني : يمنعكم من قضاء الله وعذابه { إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً } يعني : القتل { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } أي : عافية . ويقال : { سُوءا } يعني : الهزيمة { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } يعني : خيراً . وهو النصر . يعني : من يقدر على دفع السوء عنكم وجر الخير إليكم { وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } يعني : قريباً ومانعاً .

(3/398)


قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)

قوله عز وجل : { قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ } يعني : يرى المثبطين منكم ، المانعين من القتال منكم وهم المنافقون { والقائلين لإخوانهم } يعني : لأوليائهم وأصدقائهم { هَلُمَّ إِلَيْنَا } يعني : ارجعوا إلينا إلى المدينة ، وهذا بلغة أهل المدينة ، يقولون للواحد وللاثنين والجماعة : هلم وسائر العرب تقول للجماعة : هلموا .
ثم قال : { وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً } وذلك أن المنافقين كانوا يقولون : إن لنا شغلاً ، فيرجعون إلى المدينة ، فإذا لقيهم أحد بالمدينة من المؤمنين يقولون : دخلنا لشغل ونريد أن نرجع . وإذا لقوا أحداً من المنافقين يقولون : أي شيء تصنعون هناك؟ ارجعوا إلينا { وَلاَ يَأْتُونَ البأس } يعني : ولا يحضرون القتال إلا قليلاً ، رياءً وسمعةً . ولو كان ذلك لله لكان كثيراً وهذا كقوله : { وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } .
ثم قال عز وجل : { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } يعني : أشفقة عليكم ، حباً لكم حتى يعوقكم يا معشر المسلمين . ويقال : يعني : بخلاء في النفقة عليكمْ ويقال : فيه تقديم . فكأنه يقول : ولا يأتون البأس شفقة عليكم أي : لم يحضروا شفقة عليكم { إِلاَّ قَلِيلاً } يعني : لا قليلاً ولا كثيراً .
{ فَإِذَا جَاء الخوف } يعني : خوف القتال { رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ } من الخوف { تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كالذى يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت } يعني : تدور أعينهم كدوران الذي هو في غثيان الموت ، ونزعاته جبناً وخوفاً { فَإِذَا ذَهَبَ الخوف } وجاءت قسمة الغنيمة { سَلَقُوكُم } يعني : رموكم . ويقال : طعنوا فيكم { بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } يعني : سلاط باسطة بالشر { أَشِحَّةً عَلَى الخير } يعني : حرصاً على الغنيمة . ويقال : بخلاً على الغنيمة { أوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ } يعني : لم يصدقوا حقّ التصديق { فَأَحْبَطَ الله أعمالهم } يعني : أبطل الله ثواب أعمالهم . { وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً } يعني : إبطال أعمالهم . ويقال : عذابهم في الآخرة على الله هيّن .
ثم قال عز وجل : { يَحْسَبُونَ الاحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ } يعني : يظنون أن الجنود لم يذهبوا من الخوف والرعب { وَإِن يَأْتِ الاحزاب } مرة أخرى . ويقال : حكاية عن الماضي { يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الاعراب } يعني : تمنوا أنهم خارجون في البادية مع الأعراب { يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ } يعني : عن أخباركم وأحاديثكم { وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ } يعني : معكم في القتال { مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً } رياءً وسمعةً من غير حسبة . وقرىء في الشاذ { يُسْئَلُونَ } بتشديد السين وأصله يتساءلون أي : يسأل بعضهم بعضاً . وقراءة العامة { يُسْئَلُونَ } لأنهم يسألون القادمين . ولا يسأل بعضهم بعضاً .
قوله عز وجل : { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } قرأ عاصم { أُسْوَةٌ } بضم الألف . وقرأ الباقون : بالكسر . وهما لغتان ومعناهما واحد . يعني : لقد كان لكم اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم وقدوة حسنة ، وسنة صالحة ، لأنه كان أسبقهم في الحرب .

(3/399)


وكسرت رباعيته يوم أحد . وَوَاسَاكُمْ بنفسه في مواطن الحرب .
{ لّمَن كَانَ يَرْجُو الله } يعني : يخاف الله عز وجل { واليوم الاخر وَذَكَرَ الله كَثِيراً } باللسان { وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الاحزاب } يعني : الجنود يوم الخندق والقتال { قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ } في سورة البقرة وهو قوله عز وجل : { وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله والله رَءُوفٌ بالعباد } [ البقرة : 214 ] الآية . ويقال : إنه قد أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه نازل ذلك الأمر . فلما رأوه { قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ } { وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً } يعني : لم يزدهم الجهد والبلاء إلا تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم وَجُرْأَةً { وَتَسْلِيماً } يعني : تواضعاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ثم نعت المؤمنين .

(3/400)


مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27)

فقال عز وجل : { مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ } يعني : وفوا بالعهد الذي عاهدوا ليلة العقبة { فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ } يعني : أجله فمات . أو قتل على الوفاء . يعني : وفاء بالعهد . وقال القتبي : النحب في اللغة النذر . وذلك أنهم نذروا ، إذا لقوا العدو أن يقاتلوا فقتل في القتال ، فسمي قتله قضاء نحبه ، واستعير النحب مكان الموت . وقال مجاهد : النحب العهد .
وروى عيسى بن طلحة قال : جاء أعرابي فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الذين قضوا نحبهم فأعرض عنه . وطلع طلحة بن عبيد الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ » . ثم قال عزّ وجلّ : { وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ } يعني : ينتظر أجله { وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً } يعني : ما غيّروا بالعهد الذي عهدوا تغييراً .
ثم قال عز وجل : { لّيَجْزِىَ الله الصادقين بِصِدْقِهِمْ } يعني : الوافين بوفائهم { وَيُعَذّبَ المنافقين } يعني : إذا ماتوا على النفاق { إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } يعني : يقبل توبتهم إن تابوا { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } لمن تاب منهم رحيماً بهم قوله عز وجل : { وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ } يعني : صدهم وهم الكفار الَّذين جاؤوا يوم الخندق { بِغَيْظِهِمْ } يعني : صرفهم عن المدينة مع غيظ منهم { لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً } يعني : لم يصيبوا ما أرادوا من الظفر والغنيمة { وَكَفَى الله المؤمنين القتال } يعني : دفع الله عنهم مؤنة القتال حيث بعث عليهم ريحاً وجنوداً .
{ وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً } فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق دخل المدينة ، ودخل على فاطمة رضي الله عنها ، وأراد أن يغسل رأسه . فجاءه جبريل عليه السلام : وقال : لا تغسل رأسك ، ولكن اذهب إلى بني قريظة . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويقال : إن جبريل عليه السلام قال له حين وضع سلاحه : وضعت سلاحك؟ قال : « نعم » قال : ما وضعت الملائكة عليهم السلام سلاحها بعد ، وقد أمرك الله عز وجل أن تنهض نحو بني قريظة ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فقال : « عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَنْ لا تُصَلُّوا العَصْرَ إلاّ بِبَنِي قُرَيْظَة » . فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه وخرج المسلمون معه ، واللواء في يد علي بن أبي طالب رضي الله عنه . فمر على بني عدي وبني النجار وقد أخذوا السلاح . فقال : « مَنْ أَمَرَكُمْ أنْ تَلْبَسُوا السِّلاحَ » . فقالوا : دحية الكلبي . وكان جبريل عليه السلام يتمثل في صورته .

(3/401)


فلما جاء بني قريظة ، وجد بعض الصحابة قد صلوا العصر قبل أن يأتوا بني قريظة مخافة أن تفوتهم عن وقتها ، وأبى بعضهم فقالوا : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي حتى نأتي بني قريظة . فلم ينتهوا إلى بني قريظة حتى غابت الشمس ، ولم يصلوا العصر . قال : فلم يؤنب أحداً من الفريقين ، أي : رضي بما فعل الفريقان جميعاً . وفيه دليل لقول بعض الناس : إن لكل مجتهد نصيب .
فجاء علي رضي الله عنه باللواء حتى غرزه عند الحصن . فسبت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه ، ورجع إليه علي رضي الله عنه ، فقال : تأخر يا رسول الله ونحن نكفيك فيهم . قال : « سَبُّونِي وَلَوْ كَانُوا دُونِي لَمْ يَسُبُّونِي » . فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « يا إخْوَةَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ انزِلُوا عَلَى حُكْمِ الله وحُكْمِ رَسُولِهِ » . فقالوا : يا أبا القاسم ما كنت فحاشاً . ورجع حيي بن أخطب من الروحاء ، وقد ذكر يمينه التي حلف بها لكعب بن الأشرف ، ودخل معهم في حصنهم ، ونزل بنو سعد بن شعبة أسد وثعلبة ، فأسلموا . وأبى من بقي .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي لبابة بن عبد المنذر : « اذْهَبْ فَقُلْ لِحُلَفَائِكَ وَمَوَالِيكَ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ الله تَعَالَى وَرَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامَ » . فجاءهم أبو لبابة . فقال : انزلوا على حكم الله ورسوله . فقالوا : يا أبا لبابة نصرناك يوم بعاث ، ويوم الحدائق والمواطن كلها التي كانت بين الأوس والخزرج ، ونحن مواليك وحلفاؤك ، فانصح لنا ماذا ترى؟ فأشار إليهم ووضع يده على حلقه يعني : الذبح . فقالوا : لا تفعل يعني : لا ننزل . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « خنت الله ورسوله » . فقال : نعم .
فانطلق فربط نفسه بخشبة من خشب المسجد حتى تاب الله عليه ، والتمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجده . فقالوا : إنه قد ربط نفسه بخشبة من خشبة المسجد . فقال : « لَوْ جَاءَنِي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ فأمَّا إذ رَبَطَ نَفْسَهُ فَدَعُوهُ حَتَّى يَتُوبَ الله عَلَيْهِ » . ثم أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فحلّه ، فقال كعب بن أسد لأصحابه من بني قريظة : أما تعلمون أنه قد جاءنا ابن فلان اليهودي من الشام؟ فقال لنا : جئتكم لنبي ينتهي إلى هذه الأرض من قريش ، وأنه يبعث بالذبح والقتل والسب ، فلا يهولنكم ذلك ، وكونوا أولياءه وأنصاره . فقالوا : لا نكون تبعاً لغيرنا ، نحن أهل الكتاب والنبوة ، لا نتبع قوماً أميين ما درسوا كتاباً قط ، فلا نفعل .
فقال كعب بن أسد : أطيعوني في إحدى ثلاث : قالوا : وما هي؟ فقال : إنكم لتعرفون أنه رسول الله . فاتبعوه ، وانصروه ، وكونوا أنصاره وأولياءه . فقالوا : لا نكون تبعاً لغيرنا .

(3/402)


فقال : إما إذا أبيتم ، فإن هذه ليلة السبت ، هم يأمنونكم ، انزلوا إليهم فبيتوهم حتى تقتلوهم . فقالوا لا نكسر سبتنا . فقد كسر قوم من بني إسرائيل سبتهم ، فمسخهم الله تعالى قردة وخنازير . قال : فإن أبيتم هذا . فإذا كان يوم الأحد فاقتلوا أبناءكم ونساءكم . ثم انزلوا إليهم بأسيافكم فقاتلوهم حتى تموتوا كراماً . فقالوا : لا نفعل . فلبثوا خمسة عشر ليلة محاصرين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عَلَى حُكْمِ مَنْ تَنْزِلُونَ؟ » قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ . فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ ، وكان جريحاً قد رمته بني قريظة ، فأصاب أكحله ، فدعا الله تعالى أن لا يميته حتى يشفي صدره من بني قريظة . فأتي به على حمار ، فتبعه قوم كان ميلهم إلى بني قريظة ، وكانوا يقولون له : يا أبا عمرو أحسن في حلفائك ومواليك ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب البقية وقد نصروك يوم بعاث ، ويوم حدائق ، فلم يكلمهم حتى نظر إلى بيوت بني قريظة . فقال سعد : قد آن لي أن لا أخاف في الله لومة لائم . فعرفوا أنه سوف يقتلهم . فرجعوا عنه . فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم : لمن حوله : « قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ فَأَنْزِلُوهُ » . فقام إليه الأنصار ، فأنزلوه . فقال : « احْكُمْ فِيهِمْ يَا أبا عَمْرٍو » . فقال سعد لليهود : أترضون بحكمي؟ قالوا : نعم . فقال : عليكم بذلك عهد الله وميثاقه؟ قالوا : نعم . فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وهاب أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : وَعَلَيَّ مِنْ هَاهُنَا مثل ذلك ، وإنه ليغض بصره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « نَعَمْ نَعَمْ وَعَلَيْنَا » . فقال لبني قريظة : انزلوا فلما نزلوا . قال : احكم فيهم يا رسول الله أن تقتل مقاتليهم ، وتسبي ذراريهم ، وتقسم أموالهم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ مَنْ فَوْقَ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ » . فأتى حيي بن أخطب مأسوراً في حلة . فجاءه رجل من الأنصار ، فنزع رداءه ، فبقي في إزاره ، فجعل يمزق إزاره لكي لا يلبسه أحد وهو يقول : لا بأس بأمر الله . فلما جاء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ألَمْ يُمَكِنِّي الله مِنْكَ يَا عَدُوَّ الله » فقال : بلى وما ألوم نفسي فيك قد التمست العز في مظانه ، وقلقلت في كل مقلقل ، فأبى الله إلا أن يمكّنك مني . فأمر بضرب عنقه .
ثم جاؤوا بعزاز بن سموأل فقال : « أَلَمْ يُمْكِنِّي الله مِنْكَ » فقال : بلى يا أبا القاسم ، فضرب عنقه .

(3/403)


ثم قال لسعد : " عَلَيْكَ بِمَنْ بَقِيَ " . وقال : " لاَ تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّيْنِ حَرَّ الهَاجِرَةِ ، وَحَرَّ السَّيْف " . فحسبهم كذلك في دار الحارث ، وفي بعض الروايات ببيت خراب» .
ثم أخرجهم رسلاً فقتلهم على الولاء والترتيب . فقال بعضهم لبعض : ما تراهم يصنعون بنا؟ فقال واحد : ألا تعقلون أنهم يقتلون؟ ألا ترون أن الداعي لا يسكت؟ ومن ذهب لا يرجع؟ فقتلوا كلهم ولم يسلم أحد منهم .
كان فيهم رجل يقال له : زبير بن باطا . فكلم ثابت بن قيس بن شماس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره فقال : إن الزبير بن باطا له عندي يد ، وقد أعانني يوم بعاث فهبهُ لي يا رسول الله حتى أعتقه . فقال عليه السلام : " هُوَ لَكَ " . فجاء إليه . فقال : يا أبا عبد الرحمن أتعرفني؟ قال : نعم . وهل ينكر الرجل أخاه ، أنت ثابت بن قيس . قال : أتذكر يداً لك عندي يوم بعاث؟ . قال : نعم . إن الكريم يجزي باليد ، فاجز بها . فقال : قد وهبك النبي صلى الله عليه وسلم لي ، وقد أعتقتك . قال : شيخ كبير لا أهل له كيف يعيش . فجاء ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلّمه في أهله ، فقال : " لَكَ أهْلُهُ " . فجاء إليه . فقال : قد وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك فهي لك . فقال : شيخ كبير أعمى وامرأة ضعيفة ، وأطفال صغار لا مال لهم كيف يعيشون؟ فقام ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله ماله . فقال : " لَكَ مَالُهُ " . فجاء إليه . فقال : قد وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك لي فهو لك . فقال : فما فعلت بكعب بن أسد الذي وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي؟ قال : قتل . قال : فما فعل بعزاز بن سموأل مقدم اليهود إذا حملوا وحاميهم إذا انصرفوا؟ قال : قتل . قال : فما فعل بسيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب يحملهم في الحرب ويطعمهم في المحل؟ قال : قتل . قال فما فعل بفلان وفلان؟ قال : قتل . قال : فقال يا ابن الأخ لا خير في الحياة بعد أولئك ألا أصبر فيه قدر فراغ دلو ماء حتى ألقى الأحبة . قال أبو بكر : ويلك يا ابن باطا ، والله ما هو إفراغ دلو ماء ، ولكنه عذاب الله أبداً . يا ابن الأخ قدمني إلى مصارع قومي ، فاضرب ضربة أجهز بها ، وأرفع يدك عن العصام ، وألصق بالرأس . فإن أحسن الجسد أن يكون فيه شيء من العنق . فقال ثابت : ما كنت لأقتلك . قال : ما أبالي من قتلني . فتقدم رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب عنقه .
وغنم الله عز وجل رسوله أموال بني قريظة ، وذراريها ، فقسمها بين المسلمين .

(3/404)


فنزل قوله تعالى : { وَأَنزَلَ الذين ظاهروهم } يعني : عاونوهم { مّنْ أَهْلِ الكتاب } وهم بنو قريظة { مِن صَيَاصِيهِمْ } يعني : من قصورهم ، وحصونهم ، وأصل الصياصي في اللغة : قرون الثور لأنه يتحصن به . فقيل : للحصون صياصي لأنها تمنع .
ثم قال : { وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب } حين انهزم الأحزاب { فَرِيقاً تَقْتُلُونَ } يعني : رجالهم { وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً } تسبون طائفة وهم النساء والصبيان . قال مقاتل : قتل أربعمائة وخمسون رجلاً ، وسبي من النساء والصبيان ستمائة وخمسون . وقال في رواية الكلبي : كانوا سبعمائة فقسمها بين المهاجرين .
ثم قال عز وجل : { وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ } يعني : مزارعهم { وديارهم } يعني : منازلهم { وأموالهم } يعني : العروض والحيوان { وَأَرْضاً لَّمْ } يعني : لم تملكوها ولم تقدروا عليها . يعني : ورثكم تلك الأرض أيضاً وهي أرض خيبر . وروي عن الحسن وغيره في قوله { أَرْضًا لَمْ } قال : كل ما فتح على المسلمين إلى يوم القيامة { تَطَئُوهَا وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء قَدِيراً } يعني : على فتح مكة وغيرها من القرى .

(3/405)


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)

قوله عز وجل { قَدِيراً ياأيها النبى قُل لازواجك } وذلك أنه رأى منهن الميل إلى الدنيا ، وطلبن منه فضل النفقة { ياأيها النبى قُل لازواجك إِن كُنتُنَّ } يعني : وزهرتها { فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ } متعة الطلاق { وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } يعني : أطلقكن طلاق السنة من غير إضرار .
قوله عز وجل : { وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ } يعني : تطلبن رضي الله ورضى رسوله { والدار الاخرة } يعني : الجنة { فَإِنَّ الله أَعَدَّ للمحسنات مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً } يعني : ثواباً جزيلاً في الجنة . فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهراً . فلما نزلت هذه الآية ، جمع نساءه . فبدأ بعائشة فقال : « يا عَائِشَةُ إنِّي أُرِيدُ أنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أمْراً أُحِبُّ أَنْ لا تَعْجَلي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ » . قالت : وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية . فقالت : أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل اختار الله ورسوله والدار الآخرة .
ثم خيّر نساءه فاخترنه سائر النساء .
ثم قال عز وجل : { عَظِيماً يانساء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ } يعني الزنى { يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ } يعني : تعاقب مثلي ما يعاقب غيرها . ويقال : الجلد والرجم ، وهذا قول الكلبي . ويقال : { مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ } يعني : بمعصية ، يضاعف لها العذاب ضعفين . لأن كرامتهن كانت أكثر . فجعل العقوبة عليهن أشد . وهذا كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال : يغفر للجاهل سبعون ما لا يغفر للعالم واحد .
ثم قال : { وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً } يعني : هيّناً . قرأ ابن كثير وعاصم في إحدى الروايتين { مُّبَيّنَةٍ } بنصب الياء . وقرأ الباقون : بالكسر . وقرأ ابن كثير وابن عامر : { نُضَعِّفْ } بالنون وتشديد العين ، لها العذابَ بنصب الباء ، ومعناه : لها العذاب . وقرأ أبو عمرو : { والله يضاعف } بالياء والتشديد وضم الباء في العذاب على معنى فعل ما لم يسم فاعله . وقرأ الباقون : { يضاعف } وهما لغتان . والعرب تقول : تضعف الشيء وضاعفه .
ثم قال : { وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ } أي : تطع منكن الله ورسوله { وَتَعْمَلْ صالحا } يعني : تعمل بالطاعات فيما بينها وبين ربّها { نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } يعني : ثوابها ضعفين { وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً } يعني : ثواباً حسناً في الجنة . قرأ حمزة والكسائي : { وَيَعْمَلْ صالحا } بالياء . وقرأ الباقون بالتاء . فمن قرأ بالياء فللفظ مَنْ لأن لفظها لفظ واحد مذكر . كما اتفقوا في قوله : { وَمَن يَقْنُتْ } . ومن قرأ بالياء ذهب إلى المعنى ، وصار منكن فاصلاً بين الفعلين . وقرأ حمزة والكسائي { يؤتها } بالياء يعني : يؤتها الله . وقرأ الباقون بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه .
ثم قال عز وجل : { كَرِيماً يانساء النبى لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء } يعني : لستنّ كسائر النساء .

(3/406)


فقال : لستن كأحد . ولم يقل : كواحد . لأن لفظ الأحد يصلح للواحد والجماعة ، وأما لفظ الواحد لا يصلح إلا للواحد .
ثم قال عز وجل : { إِنِ اتقيتن } يعني : إن اتقيتن المعصية وأطعتن الله ورسوله { فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول } يعني : لا تلنَّ بالقول . ويقال : { لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء إِنِ اتقيتن } فأنتن أحق الناس بالتقوى وتم الكلام .
ثم قال : { فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول } يعني : لا ترفقن بالقول وهو اللين من الكلام . ومعلوم أن الرجل إذا أتى باب إنسان والرجل غائب ، فلا يجوز للمرأة أن تلين القول معه .
ثم قال : { فَيَطْمَعَ الذى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ } يعني : فجور . وقال عكرمة هو شهوة الزنى . ويقال : الميل إلى المعصية { وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } يعني : صحيحاً جميلاً . ويقال : قولاً حسناً يعني : ليناً . ويقال : لا يقلن باللين فيفتن ، ولا بالخشن فتؤذين { وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } بين ذلك .
قال عز وجل : { وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ } قرأ نافع وعاصم { وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ } بالنصب . والباقون : بالكسر . فمن قرأ بالكسر فمعناه : اسكن في بيوتكنَّ بالوقار . وهو من وقر يقر وقاراً . ويقال : هو من التقرير . ويقال : قر يقر وأصلهُ قررن . ولكن المضاعف يراد به التخفيف . فحذف إحدى الراءين للتخفيف . فلما طرحوا إحدى الراءين ، استثقلوا الألف ولم تكن أصلية ، وإنما دخلت للوصل . فحذفت الألف . ومن قرأ { وَقَرْنَ } بنصب القاف لا يكون إلا للتقرير .
ثم قال : { وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الاولى } يعني : لا تتزين كتزين الجاهلية الأولى . والتبرج إظهار الزينة . ويقال : التبرج : الخروج من المنزل . و { الجاهلية الاولى } قال الكلبي : يعني : الأزمنة التي ولد فيها إبراهيم عليه السلام . فكانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتخذ الدروع من اللؤلؤ ، ثم تمشي وسط الطريق . وكان ذلك في زمن النمرود الجبار .
وروي عن الحكم بن عيينة قال { الجاهلية الاولى } كانت بين نوح وآدم عليهما السلام . وكانت نساؤهم أقبح ما يكون من النساء ، ورجالهم حسان . وكانت المرأة تريد الرجل على نفسها . وروى عكرمة عن ابن عباس أن { الجاهلية الاولى } كانت بين نوح وإدريس ، وكانت ألف سنة . وقال مقاتل : الجاهلية الأولى كانت قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم . وإنما سمى جاهلية الأولى لأنه كان قبله .
ثم قال : { وَقَرْنَ فِى } يعني : أتممن الصلوات الخمس { وَقَرْنَ فِى } يعني : إن كان لكن مال { وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ } فيما ينهاكن وفيما يأمركن { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس } يعني : الإثم . وأصله في اللغة كل خبيث من المأكول وغيره . { أَهْلَ البيت } يعني : يا أهل البيت وإنما كان نصباً للنداء . ويقال : إنما صار نصباً للمدح . ويقال : صار نصباً على جهة التفسير ، فكأنه يقول : أعني أهل البيت . وقال : { عَنْكُمْ } بلفظ التذكير ، ولم يقل : عنكن لأن لفظ أهل البيت يصلح أن يذكر ويؤنث .
قوله { وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً } يعني : من الإثم والذنوب .

(3/407)


وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)

قوله عز وجل : { واذكرن مَا يتلى فِى بُيُوتِكُنَّ } يعني : احفظن ما يقرأ عليكن { مِنْ آيات الله } يعني : القرآن { والحكمة } يعني : أمره ونهيه في القرآن . فوعظهن ليتفكرون .
ثم قال : { إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً } لطيف علمه ، فيعلم حالهن إن خضعن بالقول . ويقال : لطيفاً أمر نبيه بأن يلطف بهن { خَبِيراً } يعني : عالماً بأعمالهن .
قوله عز وجل : { إِنَّ المسلمين والمسلمات } وذلك أن أم سلمة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه ، فأخشى أن لا يكون فيهن خير ، ولا لله عز وجل فيهن حاجة؟ فنزل { إِنَّ المسلمين والمسلمات } ويقال : إن النساء اجتمعن وبعثن أنيسة رسولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فقالت : إن الله تبارك وتعالى خالق الرجال والنساء ، وقد أرسلك إلى الرجال والنساء ، فما بال النساء ليس لهن ذكر في الكتاب فنزلت هذه الآية . وقال قتادة : لما ذكر الله عز وجل أزواج النبي يعني : دخل نِسَاءٌ مسلماتٌ عليهن ، فقلن : ذكرتن ولم نذكر . ولو كان طفينا خير ذكرنا . فنزلت هذه الآية { إِنَّ المسلمين والمسلمات } يعني : المسلمين من الرجال ، والمسلمات من النساء . { والمؤمنين } يعني : المصدقين الموحدين من الرجال { والمؤمنات } يعني : المصدقات الموحدات من النساء { والقانتين } يعني : المطيعين ، وأصل القنوت القيام . ثم يكون للمعاني ، ويكون للطاقة . كقوله { والقانتين } ويكون للإقرار بالعبودية كقوله : { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق فاعفوا واصفحوا حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } [ البقرة : 109 ] { وَلَهُ مَن فِى السماوات والارض كُلٌّ لَّهُ قانتون } [ البقرة : 116 والروم : 26 ] { والقانتات } أي : المطيعات من النساء { والصادقين } يعني : الصادقين في إيمانهم من الرجال { والصادقات } من النساء { والصابرين والصابرات } على أمر الله تعالى من الرجال والنساء { والخاشعين والخاشعات } يعني : المتواضعين من الرجال والنساء { والمتصدقين والمتصدقات } يعني : المنفقين أموالهم في طاعة الله من الرجال والنساء { والصائمين والصائمات } قال مقاتل : من صام رمضان ، وثلاثة أيام من كل شهر فهو من الصائمين والصائمات .
ثم قال : { والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات } يعني : من الفواحش من الرجال والنساء { والذكرين الله كَثِيراً والذكرات } يعني : باللسان من الرجال والنساء . فذكر أعمالهم .
ثم ذكر ثوابهم فقال : { أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً } في الدنيا لذنوبهم { وَأَجْراً عَظِيماً } في الآخرة وهو الجنة .
قوله عز وجل : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ } الآية . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزينب بنت جحش الأسدية وهي بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب :

(3/408)


« إنِّي أُرِيدُ أنْ أُزَوِّجَكِ مِنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ » . فقالت : يا رسول الله لا أرضاه لنفسي . وأنا أرفع قريش لأنني من قريش وابنة عمتك . فنزل { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } يعني : ما جاز لمؤمن يعني : زيد بن حارثة ، { وَلاَ مُؤْمِنَةٍ } يعني : زينب بنت جحش { إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً } يعني : حكم حكماً في تزويجهما { أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ } يعني : اختيار من أمرهم بخلاف ما أمر الله ورسوله . قرأ حمزة والكسائي وعاصم : أن يكون بالياء بالتذكير . وقرأ الباقون : بالتاء بلفظ التأنيث . فمن قرأ بالتاء : فلأن لفظ الخيرة مؤنث . ومن قرأ بالياء : فإنه ينصرف إلى المعنى ، ومعناهما الاختيار لتقديم الفعل { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضلالا مُّبِيناً } فلما سمعت زينب بنت جحش نزول هذه الآية قالت : أطعتك يا رسول الله .

(3/409)


وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)

ثم قال عز وجل : { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنعَمَ الله عَلَيْهِ } يعني : زيد بن حارثة قد أنعم الله عز وجل عليه بالإسلام { وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ } بالعتق { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } قال قتادة : جاء زيد بن حارثة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن زينب اشتد عليّ لسانها ، وإني أريد أن أطلقها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « اتَّقِ الله { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } » . وكان يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها . وخشي مقالة الناس أن أمره بطلاقها فنزلت هذه الآية .
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلى زيد بن حارثة يطلبه في حاجة له . فإذا زينب بنت جحش قائمة في درع وخمار . فلما رآها أعجبته ووقعت في نفسه . فقال : « سُبْحَانَ الله مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي » . فلما سمعت زينب جلست . فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما جاء زيد ذكرت ذلك له . فعرف أنها أعجبته ووقعت في نفسه ، وأعجب بها رسول الله . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله : إنَّ زينب امرأة فيها كبر ، تعصي أمري ، ولا تبرُّ قسمي ، فلا حاجة لي فيها . فقال له : « اتَّقِ الله يَا زَيْدُ فِي أَهْلِكَ وَأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ » . وكان يحب أن يطلقها . فطلّقها زيد ونزلت هذه الآية { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله } . { وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ } يعني : تسر في نفسك ليت أنه طلقها { مَا الله مُبْدِيهِ } يعني : مظهره عليك حتى ينزل به قرآناً { وَتَخْشَى الناس } يعني : تستحي من الناس . ويقال : { وَتَخْشَى } مقالة الناس { والله أَحَقُّ أَن تخشاه } في أمرها . قال الحسن : ما أنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم آية أشد منها ، ولو كان كاتماً شيئاً من الوحي لكتمها .
ثم قال : { فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً } يعني : حاجة { زوجناكها } فلما انقضت عدتها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم . قال الحسن : فكانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول : أما أنتن فزوّجكن آباؤكن . وأما أنا فزوجني رب العرش تعني : قوله : { زوجناكها } { لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ } يعني : لكيلا يكون على الرجل حرج بأن يتزوج امرأة ابنه الذي يتبنّاه { فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً } يعني : حاجة { وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً } تزوُّج النبي صلى الله عليه وسلم إياها كائن لا بد واللام للزيادة ، وكي مثله فلو كان أحدهما ، لكان يكفي ولكن يجوز أن يجمع بين حرفين زائدين إذا كانا جنسين .

(3/410)


وإنما لا يجوز إذا كانا من جنس واحد كما قال { فَاطِرُ السماوات والارض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا وَمِنَ الانعام أزواجا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السميع البصير } [ الشورى : 11 ] ولا يصلح أن يقال : مثل مثل أو كي كي فإذا كانا جنسين جاز . فقالت اليهود والمنافقون : يا محمد تنهى عن تزوج امرأة الابن ثم تتزوجها . فنزل قوله عز وجل : { مَّا كَانَ عَلَى النبى مِنْ حَرَجٍ } يقول : ليس على النبي إثم { فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ } يعني : في الذي رخص الله عز وجل من تزوج زينب { سُنَّةَ الله فِى الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } يعني : هكذا سنة الله في الذين مضوا يعني : في كثرة تزوج النساء كما فعل الأنبياء عليهم السلام { وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً } يعني : قضاء كائناً .
قوله عز وجل : { الذين يُبَلّغُونَ رسالات الله } قال مقاتل : يعني : النبي صلى الله عليه وسلم وحده . ويقال : ينصرف إلى قوله : { سُنَّةَ الله فِى الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } { الذين يُبَلّغُونَ رسالات الله } . { وَيَخْشَوْنَهُ } في كتمان ما أظهر الله عليهم { وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً } في البلاغ { إِلاَّ الله وكفى بالله حَسِيباً } يعني : شهيداً بأن النبي صلى الله عليه وسلم بلّغ الرسالة عن الله عز وجل ويقال : شهيداً يعني : حفيظاً .

(3/411)


مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48)

p>> قوله عز وجل : { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ } يعني : بالتبني . وليس بأب لزيد بن حارثة { ولكن رَّسُولَ الله } يعني : ولكنه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقال : لم يكن أب الرجال لأن بنيه ماتوا صغاراً ، ولو كان الرجال بنيه لكانوا أنبياء ، ولا نبي بعده .
فذلك قوله : { وَخَاتَمَ النبيين } قرأ بعضهم ولكن { رَسُولِ الله } بضم اللام ، ومعناه : ولكن هو رسول الله وكان { وَيَقْتُلُونَ النبيين } وقرأ عاصم في إحدى الروايتين { وَخَاتَمَ النبيين } بنصب التاء . وقرأ الباقون : بالكسر . فمن قرأ بالكسر يعني : آخر النبيين . ومن قرأ بالنصب فهو على معنى إضافة الفعل إليه . يعني : أنه ختمهم وهو خاتم . قال أبو عبيد : وبالكسر نقرأ لأنه رويت الآثار عنه أنه قال « أَنَا خَاَتَمُ النَّبِيِّين » فلم يسمع أحد من فقهائنا يروون إلا بكسر التاء .
{ وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيماً } بمن يصلح للنبوة ، وبمن لا يصلح . فإن قيل : كيف يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يظهر من نفسه ، خلاف ما في قلبه . قيل له : يجوز مثل هذا لأن في قوله { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله } أمر بالمعروف وفيه ردّ النفس عما تهوى . وهذا عمل الأنبياء والصالحين عليهم السلام . وقال بعضهم : للآية وجه آخر وهو أن الله تعالى قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تكون زوجته . فلما زوّجها من زيد بن حارثة لم يكن بينهما ألفة . وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهاه عن الطلاق ، ويخفي في نفسه ما أخبره الله تعالى . وقال : بأنها تكون زوجته . فلما طلقها زيد بن حارثة ، كان يمتنع من تزوجها ، خشية مقالة الناس ، يتزوج امرأة ابنه المتبنى به . فأمره الله عز وجل بأن يتزوجها ، ليكون ذلك سبب الإباحة لنكاح امرأة الابن المتبنى لأمته ونزل { وَإِذْ تَقُولُ للذى أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زوجناكها لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فى أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً } [ الأحزاب : 37 ] الآية .
ثم قال تعالى : { عَلِيماً ياأيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً } يعني : اذكروا الله باللسان . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنَّ هِذِه القُلُوبَ لَتَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدُ » . قيل : يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال : « تِلاوَةُ كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ ، وَكَثْرَةُ ذِكْرِهِ » . وذكر أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن شرائع الإسلام قد كثرت ، فأنبئني منها بأمر أتشبث به .

(3/412)


فقال : « لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبَاً مِنْ ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ » . ويقال : ليس شيء من العبادات أفضل من ذكر الله تعالى ، لأنه قدر لكل عبادة مقداراً ، ولم يقدر للذكر ، وأمر بالكثرة فقال : { اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً } يعني : اذكروه في الأحوال كلها . لأن الإنسان لا يخلو من أربعة أحوال . إما أن يكون في الطاعة ، أو في المعصية ، أو في النعمة ، أو في الشدة . فإذا كان في الطاعة ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالإخلاص ، ويسأله القبول والتوفيق . وإذا كان في المعصية ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالامتناع عنها ، ويسأل منه التوبة منها والمغفرة . وإذا كان في النعمة يذكره بالشكر؛ وإذا كان في الشدة يذكره بالصبر .
ثم قال تعالى : { وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } يعني : غدواً وعشياً . يعني : صلوا لله بالغداة والعشي . يعني : الفجر والعصر . ويقال : بالغداة . يعني : صلوا أول النهار وهي صلاة الفجر { وَأَصِيلاً } يعني : صلوا آخر النهار ، وأول النهار . وهي صلاة الظهر والعصر ، والمغرب ، والعشاء .
ثم قال عز وجل : { هُوَ الذى يُصَلّى عَلَيْكُمْ } يقول : هو الذي يرحمكم ويغفر لكم { وَمَلَئِكَتُهُ } أي : يأمر الملائكة عليهم السلام بالاستغفار لكم { لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظلمات إِلَى النور } يعني : أخرجكم من الكفر إلى الإيمان ووفّقكم لذلك . اللفظ لفظ المستأنف ، والمراد به الماضي يعني : أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، ونّور قلوبكم بالمعرفة . ويقال : معناه ليثبتكم على الإيمان ويمنعكم عن الكفر . ويقال : { لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظلمات } يعني : من المعاصي إلى نور التوبة ، والطهارة من الذنوب . ويقال : من ظلمات القبر إلى نور المحشر . ويقال : من ظلمات الصراط إلى نور الجنة . ويقال : من ظلمات الشبهات إلى نور البرهان والحجة .
ثم قال : { وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً } يعني : بالمصدقين الموحدين { رَّحِيماً } يرحم عليهم .
ثم قال عز وجل : { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام } قال مقاتل : يعني : يلقون الرب في الآخرة بسلام . وقال الكلبي : تجيبهم الملائكة عليهم السلام على أبواب الجنة بالسلام . فإذا دخلوها ، حيَّا بعضهم بالسلام . وتحية الرب إياهم حين يرسل إليهم بالسلام . ويقال : يعني : يسلم بعضهم على بعض . ويقال : يسلمون على الله تعالى .
{ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً } يعني : جزاءً حسناً في الجنة . ويقال : مساكن في الجنة حسنة .
قوله عز وجل : { كَرِيماً ياأيها النبى إِنَّا أرسلناك شَاهِداً } يعني : شهيداً على أمتك بالبلاغ { وَمُبَشّراً } بالجنة لمن أطاع الله في الآخرة وفي الدنيا بالنصرة { وَنَذِيرًا } من النار يعني : مخوفاً لمن عصى الله عز وجل { وَدَاعِياً إِلَى الله } يعني : أرسلناك داعياً إلى توحيد الله ومعرفته { بِإِذْنِهِ } يعني : بأمره { وَسِرَاجاً مُّنِيراً } يعني : أرسلناك بسراج منير ، لأنه يضيء الطريق .

(3/413)


فهذه كلها صارت نصباً لنزع الخافض .
ثم قال عز وجل : { وَبَشّرِ المؤمنين } يعني : بشّر يا محمد المصدقين بالتوحيد { بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ الله فَضْلاً كِبِيراً } في الجنة . وذلك أنه لما نزل قوله عز وجل : { وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه وَكَفَّ أَيْدِىَ الناس عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً } [ الفتح : 20 ] فقال المؤمنون : هذا لك . فما لنا؟ فنزل قوله تعالى : { بَشِّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } [ النساء : 138 ] في الجنة فلما سمع المنافقون ذلك قالوا فما لنا فنزل وَ { بَشِّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } [ النساء : 138 ] . ثم رجع إلى ما ذكر في أول السورة فقال تعالى : { وَلاَ تُطِعِ الكافرين } من أهل مكة { والمنافقين } من أهل المدينة { وَدَعْ أَذَاهُمْ } أي : تجاوز عن المنافقين ، ولا تقتلهم . ويقال : ودع أذاهم يعني : اصبر على أذاهم . وإن خوفك شيء منهم فتوكل على الله يعني : فوض أمْرك إلى الله . وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة عن ابن مسعود . وقال : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمة . فقال رجل من الأنصار : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله . فأخبر بذلك ، فاحمر وجهه ، فقال : « رَحِمَ الله أخِي مُوَسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَر » . ثم قال : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً } يعني : حافظاً نصيراً .

(3/414)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50)

وقوله عز وجل : { وَكِيلاً ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } قرأ حمزة والكسائي { تماسوهن } وقرأ الباقون { لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } مثل الاختلاف الذي ذكرنا في سورة البقرة { فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ } يعني : ليس للأزواج عليهن عدة { تَعْتَدُّونَهَا } وإنما خصّ المؤمنات ، لأن نكاح المؤمنات كان مباحاً في ذلك الوقت . فلما أحلّ الله تعالى نكاح الكتابيات ، صار حكم الكتابية وحكم المؤمنة في هذا سواء إذا طلقها قبل أن يخلو بها لا عدة عليها بالإجماع . وإن طلقها بعد ما خلا بها ، ولم يدخل بها فقد روي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا : لا عدة عليها . وقال عمر وعلي ومعاذ وزيد بن ثابت وجماعة منهم رضي الله عنهم أن عليها العدة ، وهو أحوط الوجهين ، أنه إذا خلا بها ولم تكن المرأة حائضاً ، ولم يكن أحدهما مريضاً ، ولا محرماً ولا صائماً صوم فرض ، يجب على الزوج المهر كاملاً ، وعليها العدة احتياطاً .
وأما إذا كانت المرأة حائضاً أو مريضة أو محرمة أو صائمة عن فرض أو الرجل مريض أو صائم عن فرض أو محرم فطلقها بعد الخلوة قبل الدخول ، فعليه نصف المهر ، وعليها العدة احتياطاً .
ثم قال : { فَمَتّعُوهُنَّ } يعني : متعة الطلاق ثلاثة أثواب وهي مستحبة غير واجبة { وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } يعني : خلوا سبيلهن تخلية حسنة وهو أن يعطيها حقها .
قوله عز وجل : { جَمِيلاً ياأيها النبى إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك } يعني : نساءك { ياأيها النبى إِنَّا } يعني : أعطيت مهورهن ، لأن غيره كان له أكثر من أربع نسوة أمره أن يترك ما زاد على الأربع ، وقد أحلّ للنبي صلى الله عليه وسلم إمساك التسع ولم يأمره بالفرقة . { وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } يعني : أحللنا لك من الإماء مثل مارية القبطية { مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ } من الغنيمة يعني : أعطاك الله كقوله تعالى : { مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاغنيآء مِنكُمْ وَمَآ ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } [ الحشر : 7 ] .
ثم قال : { وَبَنَاتِ عَمّكَ } يعني : أحللنا لك نكاح بنات عمك { وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك اللاتى هاجرن مَعَكَ } يعني : هاجرن معه من مكة إلى المدينة أو قبله أو بعده .
ثم قال : { وامرأة مُّؤْمِنَةً } يعني : أحللنا لك امرأة مؤمنة { إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ } صلى الله عليه وسلم وقرأ الحسن { إِن وَهَبَتْ } بنصب الألف ومعناه إذا وهبت ويكون ذلك الفعل خاصة لامرأة واحدة .

(3/415)


وقراءة العامة إن بالكسر فيكون معناه لكل امرأة إن فعلت ذلك في المستقبل . قال مقاتل : وذلك أن أم شريك وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم بغير مهر كذا قال الكلبي . وروى معمر عن الزهري في قوله : { إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ } قال : بلغنا أن ميمونة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ووهبت سودة يومها لعائشة رضي الله عنها وروى وكيع عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي وعمرو بن الحكم ، وعبد الله بن عبيدة قال : تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشر امرأة . ستة من قريش . خديجة بنت خويلد ، وعائشة بنت أبي بكر ، وحفصة بنت عمر ، وأم حبيبة بنت أبي سفيان ، وسودة بنت زمعة ، وأم سلمة بنت أبي أمية . وثلاثاً من بني عامر ، وامرأتين من بني هلال ميمونة بنت الحارث وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم . وزينب أم المساكين ، وامرأة من بني بكر وهي التي اختارت الدنيا . وامرأة من بني الحزن من كندة وهي التي استعاذت منه .
وقال يحيى بن أبي كثير تزوج أربعة عشر . خديجة وسودة وعائشة . تزوج هؤلاء الثلاث بمكة . وتزوج بالمدينة زينب بنت خزيمة ، وأم سلمة ، وجويرية من بني المصطلق . وميمونة بنت الحارث ، وصفية بنت حيي بن أخطب ، وزينب بنت جحش وكانت امرأة زيد بن حارثة ، وعالية بنت ظبيان ، وحفصة ، وأم حبيبة ، والكندية ، وامرأة من كلب .
وروى الزهري عن عروة قال : لما دخلت الكندية على النبي صلى الله عليه وسلم قالت : أعوذ بالله منك . فقال : «لقد عذت بعظيم ، الحقي بأهلك» .
ثم قال عز وجل : { إِنْ أَرَادَ النبى أَن يَسْتَنكِحَهَا } يعني : أن يتزوجها بغير صداق { خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين } يعني : خالصاً للنبي صلى الله عليه وسلم بغير مهر ، ولا يحل لغيره . وقال الزهري : الهبة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، ولا تحل لأحد أن تهب له امرأة نفسها بغير صداق .
وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال : لم تحل الموهوبة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم . واختلف الناس في جواز النكاح . قال أهل المدينة باطل . وقال أهل العراق : النكاح جائز ، ولها مهر مثلها . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أجاز ذلك . وروى هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن خولة بنت حكيم وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت من المهاجرات الأول . وقال القتبي : العرب تخبر عن غائب ، ثم ترجع إلى الشاهد فتخاطبه ، كما قال هاهنا : { إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ } بلفظ الغائب ثم قال : { خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين } .
ثم قال : { قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ } يعني : ما أوجبنا عليهم { فِى أزواجهم } يعني : في أن لا يتزوجوا إلا بالمهر . ويقال : إلا أربعاً { وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم } ويقال : يعني إلا ما لا وقت فيهن { لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } في الهبة بغير مهر . وفي الآية ومعناه : أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم لكي لا يكون عليك حرج .
ثم قال : { وَكَانَ الله غَفُوراً } يعني : غفوراً فيما تزوج قبل النهي { رَّحِيماً } في تحليل ذلك .

(3/416)


تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51) لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55)

قوله عز وجل : { تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } قرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم : { ترجىء } بالهمزة . وقرأ الباقون : بغير الهمز . كلاهما في اللغة واحد ، وأصله من التأخير . يقول : تؤخر من تشاء منهن ولا تتزوجها { مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء } يعني : تضم فتتزوجها لخيره في تزويج القرابة . ويقال : تطلق من تشاء منهن ، وتمسك من تشاء .
وقال قتادة : جعله في حل أن يدع من يشاء منهن ، ويضم إليه من يشاء . يعني : إن شاء جعل لهن قسماً ، وإن شاء لم يجعل . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم . وقال الحسن : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة فليس لأحد أن يخطبها حتى يتزوجها أو يدعها ، وفي ذلك نزل : { تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } .
ثم قال : { وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ } يعني : أشرت ممن تركت { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ } يعني : لا إثم عليك { ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ } أي : ذلك أجدى وأجدر إذا علمن أنك تفعل بأمر الله أن تطمئن قلوبهن { وَلاَ يَحْزَنَّ } مخافة الطلاق { وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } من النفقة ، إذا علمن أنه من الله عز وجل . وقرىء في الشاذ : { كُلُّهُنَّ } بالنصب صار نصباً لوقوع الفعل عليه وهو الإعطاء . وتقرأه العامة : { كُلُّهُنَّ والله } بالضم . ومعناه : يرضين كلهن بما أعطيتهن .
ثم قال : { والله يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ } من الحب والبغض { وَكَانَ الله عَلِيماً } بما في قلوبكم { حَلِيماً } بالتجاوز .
قوله عز وجل : { لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ } قال مجاهد : أي لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات { مِن بَعْدِ } ، يعني : من بعد المسلمات ، { وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } . يقول : لا تبديل اليهوديات ، ولا النصرانيات على المؤمنات . يقول : لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية إلا ما ملكت يمينك من اليهوديات والنصرانيات يتسرى بهن . قال الحسن وابن سيرين : خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نساءه بين الدنيا والآخرة ، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، فشكر الله لهن على ذلك ، فحبسه عليهن . فقال : { لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ } { وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } يعني : لا يحل لك أن تطلق واحدة منهن ، وتتزوج غيرها . قرأ أبو عمرو : { لاَ تُحِلُّواْ } بالتاء بلفظ التأنيث . وقرأ الباقون : بالياء ، بمعنى لا يحل لك من النساء شيء . ويقال : معناه لا تحل لجميع النساء . فمن قرأ : بالتاء بالتأنيث يعني : جماعة النساء .
ثم قال : { وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } يعني : أسماء بنت عميس أراد أن يتزوجها ، فنهاه الله تعالى عز وجل عن ذلك ، فتركها وتزوجها أبو بكر رضي الله عنه بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم { إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } من السريات { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء رَّقِيباً } من أمر التزويج { رَقِيباً } يعني : حفيظاً .

(3/417)


وروى عمرو بن دينار ، عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حلّ له النساء بعد قوله : { لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء } .
قوله عز وجل : { رَّقِيباً يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى } وذلك أن أناساً من المسلمين كانوا يتحينون غذاء النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدخلون عليه بغير إذن ، ويجلسون وينتظرون الغداء ، وإذا أكلوا جلسوا طويلاً ، ويتحدثون طويلاً ، فأمرهم الله عز وجل بحفظ الأدب فقال : { لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى } { إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ } يعني : إلا أن يدعوكم ويأذن لكم في الدخول { غَيْرَ ناظرين إناه } يعني : من غير أن تنتظروا وقته . ويقال : أصله إدراك الطعام يعني : غير ناظرين إدراكه . ويقال : { إناه } يعني : نضج الطعام .
ثم قال : { وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا } يعني : إذا دعاكم إلى الطعام فادخلوا بيته { فَإِذَا طَعِمْتُمْ } الطعام { فانتشروا } يعني : تفرقوا { وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } أي : لا تدخلوا مستأنسين للحديث { إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النبى فَيَسْتَحْيِى مِنكُمْ } أن يقول لكم تفرقوا { والله لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ الحق } يعني : من بيان الحق أن يأمركم بالخروج بعد الطعام .
قال الفقيه أبو الليث : في الآية حفظ الأدب والتعليم أن الرجل إذا كان ضيفاً لا ينبغي أن يجعل نفسه ثقيلاً ، ولكنه إذا أكل ينبغي أن يخرج .
ثم قال : { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ متاعا } يعني : إذا سألتم من نسائه متاعاً { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ } ولا تدخلوا عليهن ، واسألوا من خلف الستر . ويقال : خارج الباب { ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } من الريبة .
ثم قال : { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله } قال : وذلك أن طلحة بن عبيد الله قال : لئن مات محمد لأتزوجن بعائشة فنزل : { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله } { وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً } يعني : ولا أن تتزوجوا أزواجه من بعد وفاته أبداً { إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً } في العقوبة .
ويقال : إنما نهى عن ذلك لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة . وروي عن حذيفة أنه قال لامرأته : إن أردت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي بعدي ، فإن المرأة لآخر أزواجها . ولذلك حرم الله تعالى على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجن بعده . وروي أن أم الدرداء قالت لأبي الدرداء عند موته إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحاك . وإني أخطبك إلى نفسي في الآخرة فقال لها فلا تنكحي بعدي ، فخطبها معاوية بن أبي سفيان فأخبرته بالذي كان ، وأبت أن تتزوجه .

(3/418)


وروي في خبر آخر بخلاف هذا أن أم حبيبة قالت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المرأة منا كان لها زوجان لأيهما تكون في الآخرة؟ فقال : « إنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمَا خُلُقاً مَعَهَا » .
ثم قال : « يا أمَّ حَبِيبَةَ إنَّ حُسْنَ الخُلُقِ ذَهَبَ بالدُّنْيَا وَالآخِرَةِ » .
ثم قال عز وجل : { إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ } يعني : إن تظهروا من أمر التزويج شيئاً أو تسروه وتضمروه { فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً } من السر والعلانية . يعلم ما أعلنتم وما أخفيتم ، يجازيكم به .
ثم خصّ الدخول على نساء ذوات محرم بغير حجاب فرخّص في ذلك وهو قوله عز وجل : { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءابَائِهِنَّ } يعني : من الدخول عليهن { وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إخوانهن وَلاَ أَبْنَاء إخوانهن وَلاَ أَبْنَاء أخواتهن وَلاَ نِسَائِهِنَّ } يعني : نساء أهل دينهن { وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } من الخدم { واتقين الله } يعني : اخشين الله ، وأطعن الله ، فلا يراهن غير هؤلاء { إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء شَهِيداً } يعني : عالماً بأعمالهم .

(3/419)


إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)

قوله عز وجل : { إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى } والصلاة من الله الرحمة والمغفرة ، ومن الملائكة عليهم السلام الاستغفار . يعني : أن الله عز وجل يغفر للنبي ، ويأمر ملائكته بالاستغفار والصلاة عليه .
ثم أمر المسلمين بالصلاة عليه فقال : { النبى ياأيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ } روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة أنه قال : قلنا يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال : « قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ » إلى آخِرِهِ . وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « صَلَّوا عَلَيَّ ، فإنَّ الصَّلاة عَلَيَّ زَكَاةٌ لَكُمْ وَاسْأَلُوا الله لِيَ الوَسِيلَةَ » . قالوا : وما الوسيلة يا رسول الله؟ قال : « أعْلَى دَرَجَةٍ فِي الجَنَّةِ لا يَنَالُهَا إلاَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ » . وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً ، صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ » . ويقال : ليس شيء من العبادات أفضل من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن سائر العبادات أمر الله تعالى بها عباده . وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقد صلى عليه أولاً هو بنفسه ، وأمر الملائكة بذلك ، ثم أمر العباد بذلك .
ثم قال : { وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً } يعني : اخضعوا له خضوعاً . ويقال : ائتمروا بما يأمركم الله تعالى . ويقال : لما نزلت هذه الآية ، قال المسلمون : هذا لك فما لنا فنزل : { هُوَ الذى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وملائكته لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً } [ الأحزاب : 43 ] .
ثم قال عز وجل : { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ } يعني : اليهود والنصارى حيث قالوا : { وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طغيانا وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله وَيَسْعَوْنَ فِى الارض فَسَاداً والله لاَ يُحِبُّ المفسدين } [ المائدة : 64 ] ونحو ذلك من الكلمات ، ويقال : أذاهم الله وهو قولهم : لله ولد ونحو ذلك . وإيذاءهم رسوله أنهم زعموا أنه ساحر ومجنون { لَعَنَهُمُ الله فِى الدنيا } يعني : عذبهم الله في الدنيا بالقتل والسبي { والاخرة } بالنار . ويقال : هم الذين يجعلون التصاوير . ويقولون : تخلق كما يخلق الله تعالى { وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً } يهانون فيه .
ثم قال عز وجل : { والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا } يعني : بغير جرم { فَقَدِ احتملوا بهتانا } يعني : قالوا كذباً { وَإِثْماً مُّبِيناً } يعني : ذنباً بيّناً .

(3/420)


قال مقاتل : قال السدي : نزلت هذه الآية في أمر عائشة وصفوان . ويقال : في جميع من يؤذي مسلماً بغير حق . وقال عثمان لأبي بن كعب : إني قرأت هذه الآية : { والذين يُؤْذُونَ المؤمنات } فوقعت مني كل موقع ، والله إني لأضربهم وأعاقبهم . فقال له أبي : إنك لست منهم ، إنك مؤدب معلم .
قوله عز وجل : { مُّبِيناً يأَيُّهَا النبى قُل لازواجك وبناتك } وذلك أن المهاجرين نزلوا في ديار الأنصار ، فضاقت الدور عليهم . وكن النساء يخرجن بالليل إلى التخلي يقضين حوائجهن . كان الزناة يرصدون في الطريق ، وكانوا يطلبون الولائد ، ولم يعرفوا المرأة الحرة من الأمة بالليل . فأمر الحرائر بأخذ الجلباب . وقال الحسن : كن النساء والإماء بالمدينة . يقال لهن : كذا وكذا يخرجن ، فيتعرض لهن السفهاء فيؤذونهن ، فكانت الحرة تخرج فيحسبون أنها أمة ويؤذونها ، فأمر الله تعالى المؤمنات { ءانٍ * يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن } . وقال القتبي : يلبسن الأردية . ويقال : يعني يرخين الجلابيب على وجوههن . وقال مجاهد : { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن } يعني : متجلببين ليعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة .
قوله : { وَنِسَاء المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ } يعني : أحرى { فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } إذا تابوا ورجعوا ، ثم وعد المنافقين وخوّفهم لينزجروا عن الحرائر أو الإماء .

(3/421)


لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68)

فقال عز وجل : { لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون } عن نفاقهم { والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } يعني : الميل إلى الزنى إن لم يتوبوا عن ذلك { والمرجفون فِى المدينة } يعني : الذين يخبرون بالأراجيف . وكانوا يخبرون المؤمنين بما يكرهون من عدوهم . والأراجيف : هي أول الاختيار . وأصل الرجف هو الحركة . فإذا وقع خبر الكذب فإنه يقع الحركة بالناس فسمي إرجافاً . ويقال : الأراجيف تلقح الفتنة . يعني : إن لم ينتهوا عن النفاق وعن الفجور وعن القول بالأراجيف .
{ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } يعني : لنسلطنك عليهم ، ويقال : لنحملنك على قتلهم . وروى سفيان عن منصور بن زرين قال : { لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون والذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ والمرجفون فِى المدينة } هذا كله شيء واحد . يعني : أنه نعتهم بأعمالهم الخبيثة .
{ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً } يعني : لا يساكنوك في المدينة إلا قليلاً حتى أهلكهم . ويقال : إلا جواراً قليلاً . ويقال : إلا قليلاً منهم . وقال قتادة : إن أناساً من المنافقين أرادوا أن يُظْهِرُوا نفاقهم فنزلت هذه الآية .
ثم قال عز وجل : { مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ } يعني : يجعلهم ملعونين أينما وجدوا . فأوجب الله تعالى لهم اللعنة على كل حال أينما وجدوا وأدركوا { أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً } فلما سمعوا بالقتل ، انتهوا عن ذلك .
قوله عز وجل : { سُنَّةَ الله فِى الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } يعني : سنة الله في الزناة القتل . ويقال : هذا سنة الله في الذين مضوا من قبل . يعني : الذين أضمروا النفاق بأن يسلط الله عليهم الأنبياء بالقتل { سُنَّةَ الله } { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً } يعني : مبدلاً ومغيراً .
قوله عز وجل : { يَسْئَلُكَ الناس عَنِ الساعة } يعني : عن قيام الساعة وذلك أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله : متى الساعة؟ فقال عليه السلام : « مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ » . فنزل { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله } يعني : علم قيام الساعة عند الله { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً } يعني : سريعاً . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : من أشراط الساعة أن يفتح القول ، ويحزن الفعل ، وأن ترفع الأشرار ، وتوضع الأخيار . ومعنى يفتح الأقوال : أن يقول أفعل غداً فإذا جاء غداً ، خالف قوله وقت الفعل . وأصل الفتح الابتداء ، وهو أن يعد لأخيه عدة حسنة ثم يخالفه . وقال عطاء بن أبي رباح : من اقتراب الساعة مطر ولا نبات ، وعلو أصوات الفساق في المساجد ، وظهور أولاد الزِّنى ، وموت الفجأة ، وانبعاث الرويبضة يعني : السفلة من الناس . وقوله : { لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً } ولم يقل قريبة ، لأنها جعلت ظرفاً وبدلاً ولم تجعل نعتاً وصفة .
ثم قال عز وجل : { إِنَّ الله لَعَنَ الكافرين } يعني : خذلهم وطردهم من رحمته { وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً } يعني : جهنم .

(3/422)


ويقال : لعن الكافرين في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة أعد لهم سعيراً { خالدين فِيهَا أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً } يعني : قريباً ينفعهم { وَلاَ نَصِيراً } أي : مانعاً يمنعهم من العذاب ، والسعير في اللغة هو النار الموقدة .
ثم قال عز وجل : { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النار } يعني : تحول . يقول : هذا العذاب في { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النار } يعني : تحول عن الحسن إلى القبح من حال البياض إلى حال السواد وزرقة الأعين . ويقال : { تَقَلُّبُ } يعني : تجدد كقوله : { وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون } [ النساء : 56 ] فيندمون على فعلهم ويوبخون أنفسهم { يَقُولُونَ ياليتنا ياليتنا أَطَعْنَا الله } فيما أمرنا ونهانا في دار الدنيا { وَأَطَعْنَا الرسولا } فيما دعانا إلى الحق { وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا } يعني : قادتنا وأشرافنا وعظماءنا { فَأَضَلُّونَا السبيلا } يعني : صرفونا عن طريق الإسلام . ويقال : أضللت الطريق وأضللته عن الطريق بمعنى واحد . قرأ ابن عامر : ساداتنا . وقرأ الباقون : سادتنا جمع سيد وساداتنا جمع الجمع .
ثم قال عز وجل : { رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب } يعني : زدهم واحمل عليهم . يعني : عذبهم وارفع عنا بعض العذاب ، واحمل عليهم فإنهم هم الذين أضلونا { والعنهم لَعْناً كَبِيراً } قرأ عاصم وابن عامر في إحدى الروايتين { كَبِيراً } بالباء من الكبر والعظم يعني : عذبهم عذاباً عظيماً . وقرأ الباقون : { كَثِيراً } من الكثرة ، يعني : عذبهم عذاباً كثيراً دائماً .

(3/423)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)

قوله عز وجل : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين ءاذَوْاْ موسى } عليه السلام يعني : لا تؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما آذى بنو إسرائيل موسى عليه السلام قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : أخبرني الثقة ، بإسناده عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً ، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى سَوْأَةِ بَعْضٍ ، وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : والله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلاّ أنَّهُ آدَرُ . فَذَهَبَ مُوسَى مَرَّةً يَغْتَسِلُ . فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ . فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ . فَخَرَجَ مُوسَى بِأَثَرِهِ يَقُولُ : حَجَرْ ثَوْبِي ، حَجَرْ ثَوْبِي حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ إلَى سَوْأَةِ مُوسَى . فَقَالُوا : وَالله ما بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ . فَقَامَ الحَجَرُ وَأَخَذَ ثَوْبَهُ ، فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْباً » . فقال أبو هريرة : ستة أو سبعاً . والله إن بالحجر لندباً سبعة بضرب موسى ، وذلك قوله : { فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ } ويقال : إن موسى وهارون وابني هارون خرجوا فتوفي هارون في تلك الخرجة ، فلما رجع موسى إلى قومه قالت السفهاء من بني إسرائيل لموسى : أنت قتلت هارون . فخرج موسى مع جماعة من بني إسرائيل . فأحيا الله تعالى هارون عليه السلام فأخبر أنه لم يقتله أحد ، وأنه مات بأجله فذلك قوله تعالى : { فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ } { وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً } يعني : مكيناً وكان له جاه عنده منزلة وكرامة .
ثم قال عز وجل : { مّسْتَقِيمٍ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله } يعني : أطيعوا الله واخشوا الله { وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } يعني : عدلاً صواباً فيما بينكم وهو قولهم ابن فلان فأمرهم أن ينسبوهم إلى آبائهم . ويقال : { قُولُوا قَوْلاً سَدِيداً } يعني : لا إله إلا الله . ويقال : قولاً مخلصاً { يُصْلِحْ لَكُمْ أعمالكم } يعني : يقبل أعمالكم { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ } في السر والعلانية { فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } يعني : نجى بالخير وأصاب نصيباً وافراً .
قوله عز وجل : { إِنَّا عَرَضْنَا الامانة عَلَى السموات والارض والجبال } قال مجاهد : لما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام عرض عليه الأمانة فحملها ، فما كان بين أن حملها ، وبين أن أخرج من الجنة ، إلا كما بين الظهر والعصر . وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : { إِنَّا عَرَضْنَا الامانة } يعني : الفرائض على السموات والأرض والجبال . فقال لهن : يأخذن بما فيها . فقلنا : وما فيه يا رب؟ قال : إن أحسنتن جوزيتن . وإن أسأتن عوقبتن . فقلن : يا رب إن تعرضها علينا فلا نريد ، وإن أمرتنا بها فنحن نجتهد .

(3/424)


وعرضت على الإنسان يعني : آدم عليه السلام فقبلها وحملها . وقال بعضهم : هذا على وجه المثل إن لم تظهر الخيانة في الأمانة إلا من الإنسان . فلم تظهر من السموات والأرض والجبال كما قال : { لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ الحشر : 21 ] فكأنه يقول : لو عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال لأبين حملها { وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان } يعني : آدم وذريته { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } بالقبول . وروي عن الحسن أنه قال : عرض على السموات عرض تخيير لا عرض إيجاب . فلذلك لم تعصِ بترك قبولها ويقال : { عَرَضْنَا الامانة عَلَى السموات } يعني : على ملائكة السموات والأرض والجبال . كما قال : { واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لصادقون } [ يوسف : 82 ] يعني : أهل القرية . وقال السدي : لما أراد أن يحج ، عرض الأمانة يعني : أمر ولده شِيث وقابيل وهابيل فعرض على قابيل الكخداذبية والائتمار ، والقيام في شغل الدنيا ، والعيش حتى يرجع هو من الحج إلى وطنه . فقبله ثم خانه ، فقتل أخاه . وإنما كان عرض آدم بأمر الله تعالى فلذلك قال : { عَرَضْنَا } . وقال بعضهم : إن الله عز وجل لما استخلف آدم على ذريته ، وسلّطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والوحوش والطير ، عهد إليه عهداً أمره فيه ، ونهاه فقبله . ولم يزل عاملاً به إلى أن حضرته الوفاة . فسأل ربه أن يعلمه من يستخلف بعده ، ويقلده الأمانة . أن يعرض على السموات والأرض بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع ، ومن العقاب إن عصى { فَأبَيْنَ } أن يقبلنها شفقاً من عذاب الله . فأمره أن يعرض على الأرض والجبال فكلاهما أبيا ، ثم أمره أن يعرض على ولده فقبل بالشرط إنه كان ظلوماً جهولاً لعاقبة ما تقلده يعني : المتقبل الذي تقبله منه .
وروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم قال : { الامانة } ثلاث في الصلاة والصيام والجنابة .
ثم قال عز وجل : { لّيُعَذّبَ الله المنافقين والمنافقات } يعني : عرضنا الأمانة على الإنسان لكي يعذب الله المنافقين والمنافقات { والمشركين والمشركات } بما خانوا الأمانة { وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات } بما أوفوا الأمانة { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } وكان صلة في الكلام يعني والله غفور لذنوب المؤمنين ، رحيم بهم . وروى سفيان عن عاصم ، عن زر بن حبيش قال : قال أبي بن كعب : كانت سورة الأحزاب لتقارب سورة البقرة أو أطول منها ، وكان فيها آية الرجم . قلت : يا أبا المنذر وما آية الرجم؟ فقال : إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله العزيز الحكيم ، والله أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وسلم .

(3/425)


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2)

قول الله تعالى : { الحمد للَّهِ الذى لَهُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } من الخلق { وَلَهُ الحمد فِى الاخرة } يعني : يحمده أهل الجنة . ويقال : يحمدونه في ستة مواضع . أحدهما حين نودي { وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون } [ يس : 59 ] فإذا تميز المؤمنون من الكافرين يقولون : { فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك فَقُلِ الحمد للَّهِ الذى نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين } [ المؤمنون : 28 ] كما قال نوح عليه السلام حين أنجاه الله عز وجل من قومه . والثاني حين جازوا الصراط قالوا : { وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } [ فاطر : 34 ] . والثالث لما دنوا إلى باب الجنة ، واغتسلوا بماء الحيوان ، ونظروا إلى الجنة ، وقالوا : { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الانهار وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لولا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الأعراف : 43 ] . والرابع لما دخلوا الجنة استقبلتهم الملائكة عليهم السلام بالتحية فقالوا : { وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الارض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } [ الزمر : 74 ] الآية . والخامس حين استقروا في منازلهم وقالوا : { وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } [ فاطر : 34 ، 35 ] . والسادس كلما فرغوا من الطعام قالوا : { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } [ الفاتحة : 1 ] . وقال بعضهم : إنها الذي استوجب الحمد في الآخرة كما استوجب الحمد في الدنيا .
ثم قال : { وَهُوَ الحكيم } حين حكم بالبعث { الخبير } يعني : العليم بهم .
ثم قال عز وجل : { يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى الارض } يعني : ما يدخل في الأرض من المطر والأموات والكنوز { وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من النبات والكنوز والأموات { وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء } من مطر أو وحي أو رزق أو مصيبة { وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } يعني : يصعد إلى السماء من الملائكة وأعمال بني آدم { وَهُوَ الرحيم } بخلقه { الغفور } بستر الذنوب وتأخير العذاب عنهم .

(3/426)


وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5)

قوله عز وجل : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة قُلْ بلى وَرَبّى } قسم أقسم به يعني : بلى والله .
قوله : { لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالم الغيب } قرأ ابن عامر ونافع { عالم } بالضم ، جعله رفعاً بالابتداء . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم : { عالم الغيب } بكسر الميم وهو صفة لله تعالى . وهو قوله : { الحمد للَّهِ } ويقال : ردّه إلى حرف القسم وهو قوله تعالى : { قُلْ بلى وَرَبّى * عالم } . وقرأ حمزة والكسائي { عِلْمَ الغيب } وهو على المبالغة في وصف الله عز وجل بالعلم . ويقال : من قرأ { عالم الغيب } بالضم فهو على المدح ومعناه : هو { عالم الغيب } . ويقال : هو على الابتداء وخبره { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ } قرأ الكسائي : { لاَ يَعْزُبُ } بكسر الواو . وقرأ الباقون : بالضم ، ومعناهما واحد أي : لا يغيب عنه { مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } يعني : وزن ذرة صغيرة . والذرة النملة الصغيرة الحمراء . ويقال : التي ترى في شعاع الشمس { فِي السموات وَلاَ فِى الارض وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } يعني : قد بيّن الله عز وجل في اللوح المحفوظ { لِيَجْزِىَ } يعني : لكي يثيب { الذين كَفَرُواْ } بأعمالهم في الدنيا { وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } أي : ثواب حسن في الجنة .
قوله عز وجل : { والذين سَعَوْاْ فِى ءاياتنا } يعني : عملوا في القرآن { معاجزين } يعني : متسابقين ليسبق كل واحد منهم بالتكذيب قرأ أبو عمرو وابن كثير { معاجزين } أي : مثبطين يثبطون الناس عن الإيمان بالقرآن و { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ } قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص { أَلِيمٌ } بضم الميم وكذلك في الجاثية جعلاه من نعت العذاب يعني : عذاب أليم من رجز على معنى التقديم . يعني : عذاب شديد . وقرأ الباقون : بالكسر فيكون صفة للرجز يعني : عذاب من العذاب الأليم .

(3/427)


وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9)

ثم قال عز وجل : { وَيَرَى الذين أُوتُواْ العلم } يعني : أي يعلم الذين أوتوا العلم . وهذا روي في قراءة ابن مسعود : يعني به مؤمني أهل الكتاب يعني : إنهم يعلمون أن { الذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } يعني : القرآن { هُوَ الحق وَيَهْدِى } يعني : يدعو ويدل { إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } يعني : إلى طريق الرب العزيز بالنقمة لمن لم يجب الرسل الحميد في فعاله .
قوله عز وجل : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } يعني : كفار أهل مكة { هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ } يعني : قال بعضهم لبعض هل ندلكم على رجل { يُنَبّئُكُمْ } يعني : يخبركم { إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } يعني : يخبركم أنكم إذا متم وتفرقتم في الأرض ، وأكلتكم الأرض كل ممزق ، يعني : وكنتم تراباً { إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } يعني : بعد هذا كله صرتم خلقاً جديداً .
قوله عز وجل : { افترى عَلَى الله كَذِبًا } يعني : قالوا : إن الذي يقول إنكم لفي خلق جديد اختلق على الله كذباً { أَم بِهِ جِنَّةٌ } يعني : به جنون .
يقول الله : { بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } هم كذبوا حين كذبوا بالبعث { فِى العذاب والضلال البعيد } يعني : هم في العذاب في الآخرة . والخطأ الطويل في الدنيا عن الحق .
ثم خوفهم ليعتبروا فقال عز وجل : { أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والارض } لأن الإنسان حيثما نظر ، رأى السماء والأرض . قال قتادة : إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك ، أو بين يديك أو من خلفك رأيت السماء والأرض { إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الارض } يعني : تغور بهم وتبتلعهم الأرض { أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ السماء } يعني : جانباً من السماء . قرأ حمزة والكسائي : { إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ } أو يسقط الثلاثة كلها بالياء . وقرأ الباقون : كلها بالنون . فمن قرأ بالياء : فمعناه إن يشأ الله . ومن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه .
ثم قال عز وجل : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } يعني : لعبرة { لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } يعني : مقبل إلى طاعة الله عز وجل . ويقال : مخلص القلب بالتوحيد . ويقال : مشتاق إلى ربه . ويقال : { أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } يعني : أفلم يعلموا أن الله خالقهم ، وخالق السموات والأرض ، وهو قادر على أن يخسف بهم إن لم يوحدوا { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } أي : لعلامة لوحدانيتي .

(3/428)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11)

قوله عز وجل : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُدُ مِنَّا فَضْلاً } يعني : أعطيناه النبوة والملك { فَضْلاً ياجبال أَوّبِى مَعَهُ } يعني : سبحي مع داود . وأصله في اللغة من الرجوع . وإنما سمي التسبيح إياباً لأن المسبح مرة بعد مرة وقال القتبي : أصله التأويب من السير ، وهو أن يسير النهار كله ، كأنه أراد أوبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل .
ثم قال : { والطير } وقرىء في الشاذ : { والطير } بالضم . وقراءة العامة بالنصب . فمن قرأ بالضم : فهو على وجهين . أحدهما أن يكون نسقاً على أوبي ، والمعنى يا جبال ارجعي بالتسبيح معه أنت والطير . ويجوز أن يكون مرفوعاً على النداء والمعنى أيها الجبال وأيها الطير . ومن قرأ بالنصب فلثلاث معانٍ أحدها لنزع الخافض ومعناه : أوبي معه ، ومع الطير . والثاني أنه عطف على قوله : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُدُ مِنَّا فَضْلاً } وآتيناه الطير يعني : وسخرنا له الطير . والثالث أن النداء إذا كان على أثره اسم ، فكان الأول بغير الألف واللام ، والثاني بالألف واللام ، فإنه في الثاني بالخيار إن شاء نصبه ، وإن شاء رفعه والنصب أكثر كما قال الشاعر
ألاَ يَا زَيْدُ والضَّحَّاكَ سِيْرَا ... فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمرَ الطَّرِيقِ
ورفع زيداً لأنه نداء مفرد ، ونصب الضحاك بإدخال الألف واللام .
ثم قال عز وجل : { وَأَلَنَّا لَهُ الحديد } يعني : جعلنا له الحديد مثل العجين { أَنِ اعمل سابغات } يعني : قلنا له اعمل الدروع الواسعة . وكان قبل ذلك صفائح الحديد مضروبة .
ثم قال : { وَقَدّرْ فِى السرد } قال السدي : { السرد } المسامير التي في خلق الدرع . وقال مجاهد : { وَقَدّرْ فِى السرد } أي : لا تدق المسامير ، فتقلقل في الحلقة ، ولا تغلظها فتعصمها ، واجعله قدراً بين ذلك . وقال في رواية الكلبي هكذا . وقال بعضهم : هذا لا يصح لأن الدروع التي عملها داود عليه السلام وكانت بغير مسامير ، لأنها كانت معجزة له . ولو كان محتاجاً إلى المسمار لما كان بينه وبين غيره فرق . وقد يوجد من بقايا تلك الدروع بغير مسامير ، ولكن معنى قوله : { وَقَدّرْ فِى السرد } أي : قدر في نسخها وطولها وعرضها وضيقها وسعتها . ويقال : { قُدِرَ } في تأليفه والسرد في اللغة تقدمة الشيء إلى الشيء . يأتي منسقاً بعضه إلى أثر بعض ، متتابعاً . ويقال : يسرد في الكلام إذا ذكره بالتأليف . ومنه قيل لصانع الدروع : سراد وزراد ، تبدل من السين الزاي . وروي عن عائشة أنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم أي : لم يتابع في الحديث كتتابعكم .
ثم قال : { واعملوا صالحا } يعني : أدوا فرائضي وقد خاطبه بلفظ الجماعة كما قال : { ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [ المؤمنون : 51 ] وأراد به النبي صلى الله عليه وسلم خاصة . ويقال : إنه أراد به داود وقومه { إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يعني : عالم

(3/429)


وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)

قوله عز وجل : { ولسليمان الريح } قرأ عاصم في رواية أبي بكر { الريح } بالضم وقرأ الباقون بالنصب . فمن قرأ بالنصب فمعناه : { وَسَخَّرْنَا لسليمان الريح } كما اتفقوا في سورة الأنبياء { ولسليمان الريح } تكون رفعاً على معنى الخبر .
ثم قال : { الريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } تسير به الريح عند الغداة مسيرة شهر فتحمله مع جنوده من بيت المقدس إلى اصطخر . { وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } يعني : تسير به عند آخر النهار مسيرة شهر من اصطخر إلى بيت المقدس ، واصطخر عند بلاد فارس . { وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر } يعني : أجرينا له عين الصفر المذاب . يقال : تسيل له في كل شهر ثلاثة أيام يعمل بها ما أحب . وروى سفيان عن الأعمش قال : سيلت له كما سيل الماء ويقال جرى له عين النحاس في اليمن . وقال شهر بن حوشب : جرى له عين النحاس من صنعاء { وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ } يعني : وسخرنا لسليمان { مّن الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ } { بِإِذْنِ رَبّهِ } يعني : بأمر ربه { وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا } يعني : من يعصِ سليمان فيما أمره { نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير } قال بعضهم : كان معه ملك ، ومعه سوط من عذاب السعير . فإذا خالف سليمان أحد الشياطين ضربه بذلك السوط . وقال مقاتل : يعني به عذاب الوقود في الآخرة .
قوله عز وجل : { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء } يعني : ما يشاء سليمان { مِن محاريب } يعني : المساجد . ويقال : الغرف . { وتماثيل } يعني : على صور الرجال من الصفر والنحاس لأجل الهيبة في الحرب وغيره . ويقال : ويجعلون صوراً للأنبياء ليستزيد الناس رغبة في الإسلام .
ثم قال : { وَجِفَانٍ كالجواب } يعني : قصاعاً كالحياض الكبيرة . ويجلس على القصعة الواحدة ألف رجل أو أقل أو أكثر . الجابية في اللغة : الحوض الكبير وجماعته جواب . قرأ ابن كثير : كالجوابي بالياء في الوقف والوصل جميعاً . وقرأ أبو عمرو : وبالياء في الوصل والباقون : بغير ياء . فمن قرأ بالياء فلأنه الأصل ومن حذف فلاكتفائه بكسر الياء .
قوله : { كالجواب وَقُدُورٍ رسيات } يعني : ثابتات في الأرض لا تزول من مكانها ، وكان يتخذ القدور من الجبال . قال مقاتل : كان ملكه ما بين مصر وبابل . وقال بعضهم : جميع الأرض .
ثم قال : { اعملوا ءالَ دَاوُدُ شاكرا } يعني : يا آل داود لما أعطيتكم من الفضل . ويقال : معناه اعملوا عملاً تؤدوا بذلك شكر نعمتي { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور } والشكور هو المبالغة في الشكر . وهو من كان عادته الشكر في الأحوال كلها . ومثل هذا في الناس قليل . وهذا معنى قوله : { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور } وروي عن أبي العالية أنه قال هو شكر الشكر يعني : إذا شكر النعمة يعلم أن ذلك الشكر بتوفيق الله عز وجل .

(3/430)


ويشكر لذلك الشكر ، وهذا في الناس قليل .
ثم قال عز وجل : { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت } يعني : على سليمان عليه الصلاة والسلام فكان سليمان يبني في بيت المقدس ، فرأى أن ذلك لا يتم إلا بالجن . فأمرهم بالعمل وقال لأهله : لا تخبروهم بموتي . فكان قائماً في الصلاة ، متكئاً على عصاه ، وكان سليمان عليه الصلاة والسلام يطول الصلاة . فكان الجن إذا حضروا ، رأوه قائماً فرجعوا ويقولون : إنه قائم يصلي فيقبلون على أعمالهم .
وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال : كان سليمان عليه السلام إذا مرّ بشجرة يعني : بشيء من نبات الأرض قال لها : ما شأنك؟ فتخبره الشجرة أنها كذا وكذا ، ولمنفعة كذا وكذا ، فيدفعها إلى الناس حتى ينتفعوا بها . فمر بشجرة فقال لها : ما اسمك يا شجرة؟ فقالت : أنا خرنوبة . فقال : ما شأنك؟ قالت : أنا لخراب المسجد . فتعصى سليمان منها عصا ، فكانت الجن يقولون للإنس : إنا نعلم الغيب . وإن سليمان سأل الله عز وجل أن يخفي موته . فلما قضى الله عز وجل على سليمان الموت لم تدر الجن ولا الإنس ولا أحد كيف مات ، ولم يطلع أحد على موته . والجن تعمل بأشد ما كانوا عليه ، حتى خرّ سليمان عليه السلام فنظروا كيف مات فلم يدروا ، فنظروا إلى العصا فرأوا العصا قد أكلت يعني : قد أكل منها ، وفي العصا أرضة . فنظروا إلى أين أكلت الأرضة من العصا . فجعلوه علماً ، ثم ردوا الأرضة فيها فأكلت شهراً ، ثم نظروا كم أكلت في ذلك الشهر ، ثم قاسوها بما أكلت من قبل . فكان لموته اثنا عشر شهراً . فتبيّن للجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين . فقالت الجن : إن لها علينا حقاً . يعني : الأرضة فهم يبلغونها الماء فلا يزال لها طينة رطبة فذلك قوله : { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت } { مَا دَلَّهُمْ على مَوْتِهِ } يعني : ما دلّ على موت سليمان { إِلاَّ دَابَّةُ الاْرْضِ } يعني : الأرضة { تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ } يعني : عصاه . قرأ نافع وأبو عمرو { مِنسَأَتَهُ } بلا همز . وقرأ الباقون بالهمز . فمن قرأ بالهمز فهو من نسأ ينسأ إذا زجر الدابة ، ثم تسمى عصاه منسأة لأنه يزجر بها الدَّابَة . ومن قرأ بغير همز فقد حذف الهمزة للتخفيف وكلاهما جائز
{ فَلَمَّا خَرَّ } يعني : سقط عليه السلام { تَبَيَّنَتِ الجن } علم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب . ويقال : { تَبَيَّنَتِ الجن } يعني : ظهر لهم : أنهم لو علموا الغيب يعني : { أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ فِى العذاب المهين } فتفرقوا عن ذلك . قرأ حمزة : { مّنْ عِبَادِىَ الشكور } بسكون الياء . وقرأ الباقون : بالنصب وهما لغتان وكلاهما جائز .
.

(3/431)


لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)

قوله عز وجل : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ } قرىء بالنصب والكسر . وقد ذكرناه من قبل . فمن قرأ بالكسر والتنوين جعله اسم أب القبيلة ومن قرأ بالنصب جعله أرضاً والأول أشبه . لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن سبأ . فقال : « هُوَ اسمُ رَجُلٍ » . ويقال : هو سبأ بن يشخب بن يغرب بن قحطان . وروي عن ابن عباس أنه قال : هي من قرى اليمن بعث عز وجل ثلاثة عشر نبياً عليهم السلام إلى ثلاث عشر قرية باليمن اتبع بعضهم بعضاً ، حتى اجتمعت الرسل في آل سبأ . وقرية أخرى ، فأتوهم فذكروهم نعم الله عز وجل وخوفوهم عقابه . وروى أسباط عن السدي قال : كانت أرضهم أرضاً خصيبة ، وكانت المرأة تخرج على رأسها مكتلاً فلا ترجع حتى تملأ مكتلها من أنواع الفاكهة من غير أن تمد يدها ، وكان الماء يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يحبس بين جبلين ، وكانوا قد ردموا ردماً بين جبلين فحبسوا الماء ، وكان يأتيهم من السيول فيسقون بساتينهم وأشجارهم . ويقال : كان لهم وادي . وكان للوادي ثلاث درفات . فإذا كثر الماء فتحوا الدرفة العليا ، وإذا انتقص فتحوا الدرفة الوسطى ، وإذا قلّ الماء فتحوا الدرفة السفلى . فأخصبوا ، وكثرت أموالهم ، واتخذوا من الجنان ما شاؤوا . فلما أحبوا ذلك وكذبوا رسلهم ، بعث الله عز وجل عليهم جرذاً ، فنقب ذلك الردم بجنب بستان رجل منهم يقال له عمران بن عامر وهو أب الأنصار والأزد وغسان وخزاعة ويسمون المنسأة العرم ، فدخل البستان فإذا هو ينقب العرم وقد سال فأمر به فسد ثم نظر إلى الجرزة تنقل أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه . وكان كاهناً فقال : ما تنقل هذه الجرزة أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه إلا وقد حضر هلاك هذه البلدة . فدعى ابن أخ له فقال : إذا رأيتني جلست في جماعة قومي فائتني . فقل : أي عم أعطني ميراثي من أبي . فإني سأقول : وهل ترك أبوك شيئاً؟ فأردد علي وكذبني . فإذا كذبتني فإني سألطمك فالطمني . فقال : أي عم ما كنت لأفعل هذا بك؟ قال : بلى . فلما رأى لعمه في ذلك هوًى . قال : أفعل ما تأمرني ، ففعل . فقال عمران بن عامر : لله علي كذا وكذا أن أسكن هذه البلاد من يشتري ما لي . فلما عرفوا منه الجد قال هذا : أعطيك كذا . فنظر إلى أجودهم صفقة . فقال : عجل إليَّ مالي فقد حلفت أن لا أبيت بها ، فعجل إليه ماله ، وارتحل من يومه حتى شخص عنهم ، فاتسع ذلك الخرق حتى انهدم وغرق بلادهم ، وتفرقوا في البلدان . فذلك قوله : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ } { فِى مَسْكَنِهِمْ } قرأ الكسائي : { فِى مَسْكَنِهِمْ } بكسر الكاف والنون .

(3/432)


وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص : { مَسْكَنِهِمْ } بنصب الكاف وكسر النون . وقرأ الباقون : { مساكنهم } بالألف . والمسكن بنصب الكاف وكسره واحد وهما لغتان مثل مطلع ومطلع . والمساكين جمع مسكين .
وقد قيل : المسكن جمع المساكين لقد كان في منازلهم وقرياتهم { ءايَةً } أي : علامة ظاهرة لوحدانيتي { جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ } يعني : بستانان عن يمين الوادي ، وعن شماله . وإنما أراد بالبستان البساتين . ويقال : بساتين عن يمين الطريق ، وبساتين عن شماله . فأرسل الله تعالى إليهم الرسل فذكروهم النعم فقيل لهم { كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ } يعني : من فضل ربكم { واشكروا لَهُ } فيما رزقكم { بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ } يعني : هذه بلدة طيبة لينة بلا سبخة { وَرَبٌّ غَفُورٌ } لمن تاب من الشرك { فَأَعْرِضُواْ } عن الإيمان . وقالوا : من ذا الذي يأخذ منا النعم { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم } والعرم هو اسم لذلك الوادي . ويقال : اسم للمنشأة . ويقال : هو اسم للفأرة التي قرضت النهر حتى سال عليهم الماء . وجرى في بساتينهم وفي بيوتهم فخربها ، وندت أنعامهم ، وأخذ كل واحد منهم بيد ولده وامرأته ، فصعدوا بهم الجبل فذلك قوله تعالى { وبدلناهم بجناتهم جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ } يعني : أبدلهم الله تعالى مكان الفاكهة ذواتي أكل خمط أي الأراك { وَأَثْلٍ } يعني : الطرفاء { وَشَىْء مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ } والسدر كانوا يستظلون في ظله ، ويأكلون من ثمره . قرأ أبو عمرو : { أَكَلَ } بكسر اللام بغير تنوين . وقرأ الباقون : بالتنوين فمن قرأ بالتنوين أراد { ذَوَاتَىْ } ثمر يؤكل ثم قال : { خَمْطٍ } بدلاً من أكل . والمعنى : ذواتي خمط وأكله ثمرة . ومن قرأ : بغير تنوين أضاف الأكل إلى الخمط . والخمط هو الأراك في اللغة المعروفة . وقال بعضهم : كل نبت أخذ طعماً من مرارة ، حتى لا يمكن أكله فهو خمط .
ثم قال : { ذلك جزيناهم } يعني : ذلك الذي أصابهم عقوبة لهم عاقبناهم { بِمَا كَفَرُواْ } أي : بكفرهم { وَهَلْ * نُجْزِى إِلاَّ الكفور } يعني : وهل يعاقب بمثل هذه العقوبة إلا الكفور بنعمة الله تعالى . ويقال : { الكفور } الكافر . قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص : { وَهَلْ } بالنون وكسر الزاي { نُجْزِى إِلاَّ الكفور } بالنصب . وقرأ الباقون { يجازي } بالياء وفتح الزاي { نُجْزِى إِلاَّ الكفور } بالضم . فمن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه . والكفور ينصب لوقوع الفعل عليه . ومن قرأ { يجازى } بالياء فهو على فعل ما لم يسم فاعله . يعني : هل يعاقب بمثل هذه العقوبة إلا الكفور بنعمة الله تعالى . ويقال : هل يجازي الله . ومعنى الآية : أن المؤمن من يكفر عنه السيئات بالحسنات ، وأما الكافر فإنه يحبط عمله كله ، فيجازى بكل سوء يعمله كما قال تعالى : { الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله أَضَلَّ أعمالهم } [ محمد : 1 ] أي : أبطل أعمالهم وأحبطها ، فلم ينفعهم منها شيء وهذا معنى قوله : { وَهَلْ * نُجْزِى إِلاَّ الكفور } .

(3/433)


وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)

ثم قال عز وجل : { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا } قال في رواية الكلبي : إنهم قالوا للرسل : إنا قد عرفنا نعمة الله علينا ، فوالله لئن يرد الله فيئتنا وجماعتنا ، والذي كنا عليه ، لنعبدنه عبادة لم يعبدها إياه قوم قط . فدعت لهم الرسل ربهم فرد الله لهم ما كانوا عليه . وأتاهم نعمة وجعل لهم من أرضهم إلى أرض الشام قرى متصلة بعضها إلى بعض ، فذلك قوله : { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا } { قُرًى ظاهرة } ثم عادوا إلى الكفر فأتاهم الرسل فذكروهم نعمة الله فكذبوهم فمزقهم الله كل ممزق . وقال غيره : { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا } هذا حكاية عما كانوا فيه من قبل أن يرسل عليهم سيل العرم قرى ظاهرة يعني : متصلة على الطريق من حيث يرى بعضها من بعض { وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير } للمبيت والمعيل من قرية إلى قرية { سِيرُواْ فِيهَا } يعني : ليسيروا فيها . اللفظ لفظ الأمر ، والمراد به الشرط والجزاء . فلم يشكروا ربهم ، فسألوا ربهم أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض .
{ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ * فَقَالُواْ رَبَّنَا باعد بَيْنَ أَسْفَارِنَا } وقد كانوا في قراهم آمنين منعّمين فذلك قوله : { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ } يعني : أنهم كانوا يسيرون من قرية إلى قرية بالليل والنهار ، آمنين من الجوع ، والعطش ، واللصوص ، والسباع . قرأ ابن كثير وأبو عمرو { بَعْدَ } بغير ألف وتشديد العين . وقرأ الباقون { باعد } بالألف وهما لغتان بَعّدَ باعد . وقرأ يعقوب الخضرمي وكان من أهل البصرة { رَبَّنَا } بضم الباء { باعد } بنصب العين وهو على معنى الخبر .
وروى الكلبي عن أبي صالح أنه قرأ هكذا معناه { رَبَّنَا باعد بَيْنَ أَسْفَارِنَا } فلذلك لا ينصب .
ثم قال : { وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالشرك وتكذيب الأنبياء { فجعلناهم أَحَادِيثَ } يعني : أهلكهم الله تعالى فصاروا أحاديث للناس يتحدثون في أمرهم وشأنهم لم يبق أحد منهم في تلك القرى { ومزقناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ } أي : فرقناهم في كل وجه ، فألقى الله الأزد بعمان ، والأوس والخزرج بالمدينة ، وهما أخوان وأهل المدينة كانوا من أولادهما إحدى القبيلتين الخزرج والأخرى الأوس ، فسموا باسم أبيهم . وخزاعة بمكة كانوا بنو خزاعة ، منهم لخم وجذام بالشام . ويقال كلب وغسان { إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَاتٍ } أي : في هلاكهم وتفريقهم لعبرات { لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } يعني : للمؤمنين الذين صبروا على طاعة الله تعالى ، وشكروا نعمته .
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } يعني : على أهل سبأ . ويقال : هذا ابتداء . يعني : جميع الكفار وذلك أن إبليس قد قال : { قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين }

(3/434)


[ ص : 82 ، 83 ] فكان ذلك ظناً منه فصدق ظنه { فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً } يعني : طائفة { مِنَ المؤمنين } وهم الذين قال الله تعالى : { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } [ الحجر : 42 ] وقال سعيد بن جبير : كان ظنه أنه قال : أنا ناري وآدم طيني والنار تأكل الطين . وكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر : { وَلَقَدْ صَدَّقَ } بالتخفيف يعني : صدق في ظنه . وقرأ الباقون : { صَدَقَ } بالتشديد . يعني : صار ظنه صدقاً .
قوله عز وجل : { وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان } يعني : لم يكن له عليهم ملك فيقهرهم . ويقال : يعني ما سلطناه عليهم إلا لنختبرهم من الذي يطيعنا . وقال الحسن البصري رحمه الله : والله ما ضربهم بعصا ، ولا أكرههم على شيء ، وما كان إلا غروراً وأماني دعاهم إليها فأجابوه . وقال قتادة : والله ما كان ظنه إلا ظناً ، فنزل الناس عند ظنه . وقال معمر : قال لي مقاتل : إن إبليس لما أنزل آدم عليه السلام ظن أن في ذريته من سيكون أضعف منه . فصدق عليهم ظنه . فإن قيل في آية أخرى : { إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } [ النحل : 100 ] وهاهنا يقول : { وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان } قيل له : أراد بالسلطان هناك الحجة يعني : إنما حجته على الذين يتولونه . وهاهنا أراد به الملك والقهر يعني : لم يكن له عليهم ملك يقهرهم به . ويقال : معنى الآيتين واحد . لأن هناك قال : إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا . وهاهنا قال : { وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان } يعني : حجة على فريق من المؤمنين إلا بالتزيين والوسوسة منه .
{ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالاخرة مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ } يعني : نميز من يصدق بالبعث ممن هو في شك . يعني : من قيام الساعة . وقال القتبي : علم الله نوعان : أحدهما علم ما يكون من إيمان المؤمنين . وكفر الكافرين من قبل أن يكون . وهذا علم لا يجب به حجة ، ولا عقوبة ، والآخر علم الأمور الظاهرة . فيحق به القول ، ويقع بوقوعها الجزاء . يعني : ما سلطانه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهراً موجوداً ، وكفر الكافرين ظاهراً موجوداً . وكذلك قوله : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين } [ آل عمران : 142 ] الآية .
ثم قال عز وجل : { وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شَىْء حَفُيظٌ } يعني : عالماً بالشك واليقين . ويقال : عالم بقولهم . ويقال : عالم بما يكون منهم قبل كونه . ويقال : حفيظ يحفظ أعمالهم ليجازيهم .

(3/435)


قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)

ثم قال عز وجل : { قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم } يعني : قل لكفار مكة { أَدْعُو الذين زَعَمْتُمْ } { مِن دُونِ الله } أنهم آلهة فيكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم من الجوع . يعني : الأصنام . ويقال : الملائكة عليهم السلام . { لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ } يعني : نملة صغيرة { فِي السموات وَلاَ فِى الارض } يعني : إذا كان حالهم هذا ، فمن أين جعلوا لهم الشركة في العبادة .
ثم قال : { وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } يعني : في خلق السموات والأرض من عون . ويقال : ما لهم فيها من نصيب { وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ } يعني : معين من الملائكة الذين يعبدونهم .
ثم ذكر أن الملائكة لا يملكون شيئاً من الشفاعة فقال عز وجل : { وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ } يعني : لا تنفع لأحد لا نبياً ولا ملكاً { إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } أن يشفع لأحد من أهل التوحيد . قرأ نافع وابن كثير وابن عامر في إحدى الروايتين ، { إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } بالنصب . يعني : حتى يأذن الله عز وجل له . قرأ الباقون . بالضم على فعل ما لم يسم فاعله . ومعناه : مثل الأول .
ثم أخبر عن خوف الملائكة أنهم إذا سمعوا الوحي خرّوا سجداً من مخافة الله عز وجل ، وكيف يعبدون من هذه حاله وكذلك قوله : { حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } وذلك أن أهل السموات لم يكونوا سمعوا صوت الوحي بين عيسى ومحمد عليهما السلام ، فسمعوا صوتاً كوقع الحديد على الصفا فخروا سجداً مخافة القيامة وذلك صوت الوحي . ويقال : صوت نزول جبريل عليه السلام فخروا سجداً مخافة القيامة فهبط جبريل عليه السلام على أهل كل سماء فذلك قوله : { حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } . وذكر عن بعض أهل اللغة أنه قال : إذا كانت حتى موصولة بإذا تكون بمعنى لما ، تقع موقع الابتداء كقوله عز وجل : { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ } / [ الحجر : 14 ] كقوله : { حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ } [ الأنبياء : 96 ] { وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الحق وَهُوَ العلى الكبير } [ سبأ : 23 ] يعني : لما فزع عن قلوبهم . ومعناه : انجلاء الفزع عن قلوبهم ، فقاموا عن السجود ، وسأل بعضهم بعضاً { قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } يعني : ماذا قال جبريل عليه السلام عن ربكم { قَالُواْ الحق } يعني : الوحي .
قال : حدّثنا الفقيه أبو الليث رحمه الله . قال : حدّثنا الخليل بن أحمد . قال : حدّثنا الدبيلي . قال : حدّثنا أبو عبد الله . قال : حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(3/436)


« إذَا قَضَى الله فِي السَّمَاءِ أمْراً ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضَعَاناً لِقَوْلِهِ ، وَسُمِعَ لذلك صَوْتٌ كَأنَّهَا سلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ { قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } { قَالُواْ الحق } الَّذِي قَالَ : فَسِيحي الشَّيَاطِينُ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ . فَإِذَا سَمِعَ الأَعْلَى مِنْهُمُ الْكَلِمَةَ ، رَمَى بِهَا إلَى الذي تَحْتَهُ وَرُبَّما أدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أنْ يَنْبِذَهَا وَرُبَّمَا نَبَذَهَا قَبْلَ أنْ تُدْرِكَهُ ، فَيَنْبِذَهَا ، بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الأرْضِ ، فَتُلْقَى عَلَى لِسَانِ الْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ ، فَيُصَدِّقُ فَيَقُولُ ، ألَيْسَ قَدْ أخْبَرَ بِكَذَا وَكَذَا ، وَكَانَ حَقّاً وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ » قرأ ابن عامر { حتى إِذَا فُزّعَ } بنصب الفاء والزاي يعني : كشف الله الفزع . وقرأ الباقون : بضم الفاء على معنى ما لم يسم فاعله . وقرأ الحسن { حتى إِذَا فُزّعَ } بالواو والغين يعني : فرغ الفزع عن قلوبهم . وقراءة العامة بالزاي أي خفف عنها الفزع . وقال مجاهد : معناه حتى إذا كشف عنها الغطاء يوم القيامة ثم قال { وَهُوَ العلى الكبير } يعني : هو أعلى وأعظم وأجلّ من أن يوصف له شريك .

(3/437)