صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16)
ثم قال عز وجل : { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة } يعني : واذكر يوم تقوم الساعة { يُبْلِسُ المجرمون } يعني : ييأس المشركون من كل خير . ويقال : أيسوا من إقامة الحجة . ويقال : { يُبْلِسُ المجرمون } يعني : يندمون . قال الزجاج : المبلس الساكت . المنقطع الحجة ، الآيس من أن يهتدي إليها { وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء } يعني : من الملائكة ، ومن الأصنام { وَكَانُواْ بِشُرَكَائِهِمْ كافرين } يعني : تبرأت الملائكة عليهم السلام منهم ، وتبرأت الأصنام عنهم . (3/355)
ثم قال عز وجل : { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } يعني : بعد الحساب يتفرقون . فريق في الجنة ، وفريق في النار .
ثم أخبر عن مرجع كل فريق فقال : { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } يعني : الذين صدقوا بالله ورسوله ، وأدّوا الفرائض والسنن { فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ } قال مقاتل : يعني : بستان يكرمون وينعمون . وقال السدي : { يُحْبَرُونَ } أي : يفرحون ويكرمون . وقال مجاهد : { يُحْبَرُونَ } يعني : ينعمون . وقال القتبي : { يُحْبَرُونَ } يعني : يسرون وينعمون . والحبرة : السرور . ومنه يقال مع كل حبرة عبرة . وقال الزجاج : { يُحْبَرُونَ } يعني : يحسنون إليهم . يقال للعالم : حبر ، وللمداد حبر ، لأنه يحسن به الكتابة . ويقال : { يُحْبَرُونَ } أي : يسمعون أصوات المغنيات .
قوله عز وجل : { وَأَمَّا الذين كفروابئاياتنا } يعني : بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { وَلِقَاء الاخرة } يعني : البعث بعد الموت { فَأُوْلَئِكَ فِى العذاب مُحْضَرُونَ } يعني : مقرنين . ويقال : يجتمعون هم وآلهتهم .
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26)
قوله عز وجل : { فَسُبْحَانَ الله } يعني : صلوا لله { حِينَ تُمْسُونَ } يعني : صلاة المغرب والعشاء { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } يعني : صلاة الفجر وعشياً . يعني : صلاة العصر وحين تظهرون . على معنى التقديم والتأخير أي : صلاة الظهر { وَلَهُ الحمد فِى السموات والارض وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } يعني : يحمده أهل السموات ، وأهل الأرض . ويقال : له الألوهية في السموات والأرض ، كقوله عز وجل : { وَهُوَ الذى فِى السمآء إله وَفِى الارض إله وَهُوَ الحكيم العليم } [ الزخرف : 84 ] يقال : { وَلَهُ الحمد } يعني : الحمد على أهل السموات وأهل الأرض ، لأنهم في نعمته ، فالحمد واجب علينا . (3/356)
{ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت } يعني : الدجاجة من البيضة ، والإنسان من النطفة ، والمؤمن من الكافر . { وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } يعني : البيضة من الدجاجة ، والكافر من المؤمن . { يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت } يعني : ينبت النبات من الأرض بعد يبسها ، وقحطها بالمطر . { وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } يعني : يحييكم بالمطر الذي يمطر من البحر المسجور كالمني فتحيون به . وقال مقاتل : يرسل الله عز وجل يوم القيامة ماء الحيوان من السماء السابعة من البحر المسجور على الأرض ، بين النفختين ، فينتشر عظام الموتى فذلك قوله : { وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } : قرأ حمزة والكسائي : { تُخْرَجُونَ } بفتح التاء . والباقون برفع التاء . يعني : تخرجون من قبوركم يوم القيامة .
قوله عز وجل : { وَمِنْ ءاياته } قال مقاتل : يعني ومن علامات الرب ، أنه واحد وإن لم يروه ، وعرفوا توحيده بصنعه ، { أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } يعني : خلق آدم من تراب وأنتم ولده { ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ } ذريته من بعده { بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ } يعني : تبسطون . كقوله : { وَهُوَ الذى يُنَزِّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الولى الحميد } [ الشورى : 28 ] يعني : ويبسط . ويقال : { وَمِنْ ءاياته } يعني : من العلامات التي تدل على أن الله عز وجل واحد لا مثل له ، ظهور القدرة التي يعجز عنها المخلوقون { أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } يعني : آدم عليه السلام { ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ } منتشرون على وجه الأرض .
ثم قال عز وجل : { وَمِنْ ءاياته } يعني : من علامات وحدانيته { أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ } يعني : من جنسكم { أزواجا } لأنه لو كان من غير جنسه ، لكان لا يستأنس بها . ويقال : { مّنْ أَنفُسِكُمْ } يعني : خلقها من آدم . ويقال : من بعضكم بعضاً { لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا } يعني : لتستقر قلوبكم عندها . لأن الرجل إذا طاف البلدان ، لا يستقر قلبه ، فإذا رجع إلى أهله ، اطمأن واستقر . ويقال : { لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا } يعني : لتوافقوها { وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } يعني : الحب بين الزوج والمرأة ، ولم يكن بينهما قرابة . ويحب كل واحد منهما صاحبه ، ويقال : وجعل منكم مودة للصغير على الكبير ، ورحمة للكبير على الصغير .
ويقال : { وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } يعني : الولدان { إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَاتٍ } يعني : فيما ذكر لعلامات لوحدانيته { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } أني خالق . (3/357)
قوله عز وجل : { وَمِنْ ءاياته خَلْقُ * السموات والارض } وأنتم تعلمون ذلك ، لأنهم مقرون أن الله عز وجل خالقهم ، وهو خالق الأشياء { واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ } أي : عربي ، وعجمي ، ونبطي ، { وألوانكم } أي : أحمر ، وأبيض ، وأسود ، وأسمر .
{ إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَاتٍ } يعني : لعلامات في خلق السموات والأرض ، واختلاف الألسن ، والألوان لعلامات . { للعالمين } فيعتبرون . قرأ عاصم في روية حفص : { للعالمين } بكسر اللام . يعني : جميع العلماء ، يعني : إن في ذلك علامة للعقلاء . وقرأ الباقون : بنصب اللام يعني : علامة لجميع خلق الإنس والجن .
قوله عز وجل : { وَمِنْ ءاياته مَنَامُكُم باليل والنهار } منامكم نومكم ، فهو مصدر . يقال : نام نوماً ، ومناماً بالليل والنهار ، على معنى التقديم يعني : منامكم بالليل { وابتغاؤكم مّن فَضْلِهِ } بالنهار يعني : طلبكم الرزق بالنهار والمعيشة { إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَاتٍ } يعني : لعلامات على وحدانيتي { لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } المواعظ ويعتبرون .
قوله عز وجل : { وَمِنْ ءاياته يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً } من الصواعق إذا كنتم بأرض قفر ، { وَطَمَعًا } للمطر . { خَوْفًا وَطَمَعًا } منصوبان على المفعول له المعنى يريكم للخوف والطمع ، خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم .
{ وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مَاء } يعني : المطر { وَمِنْ ءاياته يُرِيكُمُ } أي : بالنبات { بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِى ذَلِكَ لايات } أي : لعلامات { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } عن الله عز وجل فيوحدونه .
قوله عز وجل : { وَمِنْ ءاياته أَن تَقُومَ السماء } يعني : فوق رؤوسكم بغير عمد لا يناله شيء ، وتقوم الأرض على الماء تحت أقدامكم { والارض بِأَمْرِهِ } أي : بقدرته { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ الارض } يعني : إسرافيل عليه السلام يدعوكم على صخرة بيت المقدس في الصور دعوة من الأرض { إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ } وقال بعضهم : في الآية تقديم . ومعناه : ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض يعني : من قبوركم فإذا أنتم تخرجون : قرأ حمزة والكسائي : { تُخْرَجُونَ } بنصب التاء وضم الراء . وقرأ الباقون : بضم التاء ونصب الراء .
ثم قال عز وجل : { وَلَهُ مَن فِى السموات والارض } من الخلق { كُلٌّ لَّهُ قانتون } يعني : مقرّين بالعبودية . يعلمون أن الله عز وجل ربهم . ويقال : { قانتون } أي : خاضعون له ، لا يقدرون أن يغيروا أنفسهم عما خلقهم . ويقال : معناه في كل شيء دليل ربوبيّته . وهذا أيضاً من آياته . ولكنه لم يذكر لأنه قد سبق ذكره مرات ، فكأنه يقول ومن آياته أن له من في السموات والأرض كل له قانتون .
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29)
ثم قال عز وجل : { وَهُوَ الذى يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } أي : خلق آدم ، فبدأ خلقهم ولم يكونوا شيئاً { ثُمَّ يُعِيدُهُ } يعني : يبعثهم في الآخرة أحياء { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } يعني : في المثل عندكم ، لأن إبداء الشيء أشدّ من إعادته . ويقال : إن ابتداءه كان نطفة ، ثم جعله علقة ، ثم جعله مضغة ، ثم لحماً ، ثم عظاماً . وفي الآخرة حال واحد وذلك هو أهون عليه من هذا . وقال القتبي عن أبي عبيدة : { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } يعني : هيّن عليه كما يقال الله أكبر أي : الكبير . ويقال : الإعادة أهون عليه من البداية ، والبداية عليه هين . (3/358)
ثم قال : { وَلَهُ المثل الاعلى فِى السموات والارض } يعني : الصفات العلى بأنه واحد لا شريك له { وَهُوَ العزيز } في ملكه { الحكيم } في أمره .
ثم قال عز وجل : { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً } نزلت في كفار قريش ، كانوا يعبدون الآلهة ، ويقولون في إحرامهم : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك .
قال الله تعالى : { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً } أي : وصف لكم شبهاً { مّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم } يعني : من العبد { مّن شُرَكَاء فِيمَا رزقناكم } من الأموال { فَأَنتُمْ } وعبيدكم { فِيهِ سَوَآء } في الرزق فيما أعطيناكم من الأموال والملك .
ثم قال : { تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } قال مقاتل : يعني : أتخافون عبيدكم أن يرثوكم بعد الموت ، كما تخافون أن يرثكم الأحرار . فقالوا : لا . فقال : أترضون لله الشركة في ملكه وتكرهون لأنفسكم . قال الكلبي : { هَلْ لَّكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن شُرَكَاء فِيمَا رزقناكم } من أموالكم ، من عبيدكم وإمائكم ، { فَأَنتُمْ } وهم { فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } يقول : كما يخاف الرجل ابنه وعمه وأقاربه . قالوا : لا . قال : فأنتم لا ترضون هذا لأنفسكم أن يكونوا فيما تملكون يشاركونكم في أموالكم . فكيف ترضون لله ما لا ترضون به لأنفسكم .
وقال السدي : { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً } هذا مثل ضربه الله عز وجل في الميراث للآلهة . يقول : هل لكم مماليك شركاء في الميراث الذي ترثونه من آبائكم ، وأنتم تخافون أن يدخل معكم مملوككم في ذلك الميراث ، كما تدخلون أنتم فيه . فكما لا يكون للملوك أن يدخل في مواريثكم ، فكذلك لا يكون لهذا الوثن الذي تعبدونه من دون الله عز وجل ، أن يدخل في ملكي . وإنما خلقي وعبيدي .
قال أبو الليث رحمه الله عز وجل : وفي الآية دليل أن العبد لا ملك له ، لأنه أخبر أن لا مشاركة للعبيد فيما رزقنا الله عز وجل من الأموال .
ثم قال عز وجل : { كذلك نُفَصّلُ الآيات } يعني : نبيّن العلامات { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } الأمثال فيوحدونه .
ثم قال عز وجل : { بَلِ اتبع الذين ظَلَمُواْ أَهْوَاءهُمْ } يعني : اتبع الذين كفروا أهواءهم بعبادة الأوثان { بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني : بغير حجة { فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ الله } يعني : فمن يهدي إلى توحيد الله ، من أضله الله وخذله وطرده . ويقال : فمن يرشد إلى الحق من خذله الله عز وجل { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } يعني : مانعين من عذاب الله .
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35)
قوله عز وجل : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً } أي : أخلص دينك الإسلام للدين حنيفاً . يعني : للتوحيد مخلصاً . ويقال : يذكر الوجه ويراد به هو ، فكأنه يقول : فأقم الدين مخلصاً . ويقال : معناه فأقبل بوجهك إلى الدين ، وأقم عليه حنيفاً ، أي : مخلصاً ، مائلاً إليه . ويقال : أخلص دينك وعملك لله تعالى ، وكن مخلصاً . (3/359)
ثم قال : { فِطْرَةَ الله } يعني : اتبع دين الله . ويقال : اتبع ملة الله . ويقال : الفطرة الخلقة يعني : خلقة الله { التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا } أي : خلق البشر عليها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ ، وَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ » وروي عن أبي هريرة أنه قال : اقرؤوا إن شئتم { فِطْرَةَ الله الذى فَطَرَكُمْ الناس عَلَيْهَا } يعني : خلق الناس عليها . وفي الخبر أنه قال : « كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ » لأنه شهد يوم الميثاق .
ثم قال : { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله } يعني : لا تغيير لدين الله . ويقال : لا تبديل لخلق الله عندما خلق الله الخلق ، لم يكن لأحد أن يغير خلقته .
ثم قال : { ذلك الدين القيم } يعني : التوحيد هو الدين المستقيم { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } يعني : كفار مكة لا يعلمون بتوحيد الله .
قوله عز وجل : { مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } انصرف إلى قوله { فَأَقِمْ وَجْهَكَ } يعني : فأقبل بوجهك منيباً إليه . ويجوز أن يخاطب الرئيس بلفظ الجماعة ، لأن له أتباعاً . وإنما يراد به هو وأتباعه كما قال : { أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فاتقوا الله ياأولى الألباب الذين ءَامَنُواْ قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً } [ الطلاق : 10 ] { مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } يعني : راجعين إليه من الكفر إلى التوحيد . { واتقوه وَأَقِيمُواْ الصلاة } يعني : وأتموا الصلوات الخمس { وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين } على دينهم { مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } يعني : تركوا دين الإسلام الذي أمروا به . { وَكَانُواْ شِيَعاً } فجعلوه أدياناً يعني : تركوا دينهم وصاروا فرقاً اليهود والنصارى والمجوس ، قرأ حمزة والكسائي : { فارقوا } بالألف . وقرأ الباقون { الذين فَرَّقُواْ } بغير ألف . فمن قرأ : فارقوا يعني : تركوا دينهم . ومن قرأ { فَرَّقُواْ } دينهم يعني : افترقت اليهود إحدى وسبعين فرقة ، والنصارى اثنتين وسبعين فرقة ، والمسلمون ثلاثة وسبعين فرقة { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } يعني : كل أهل دين بما عندهم من الدين راضون .
قوله عز وجل : { وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ } يعني : إذا أصاب الكفار شدة { دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } يعني : منقلبين إليه بالدعاء عند الشدة والقحط { ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً } يعني : إذا أصابهم من الله نعمة ، وهي السعة في الرزق والخصب { إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } يعني : تركوا توحيد ربهم في الرخاء ، وقد وحّدوه في الضراء .
قوله عز وجل : { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم } قال مقاتل : تقول أذاقهم رحمة لئلا يكفروا بالذي أعطاهم من الخير . ويقال : كانت النعمة سبيلاً للكفر فكأنه أعطاهم لذلك ، كما قال { فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خاطئين } [ القصص : 8 ] وقرىء في الشاذ يشركون ليكفروا ، بجزم اللام فيكون أمراً على وجه الوعيد والتهديد . (3/360)
ثم قال : { فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } يعني : فتمتعوا قليلاً إلى آجالكم فسوف تعلمون ما يفعل بكم يوم القيامة .
ثم قال عز وجل : { أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا } يعني : كتاباً من السماء { فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } يعني : ينطق { بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } يعني : بما كانوا يقولون من الشرك . اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به النفي يعني : لم ينزل عليهم حجة بذلك . وقال القتبي : فهو يتكلم فهو من المجاز ومعناه : أنزلنا عليهم برهاناً يستدلون به ، فهو يدلهم على الشرك . ويقال : أم أنزلنا عليهم عذراً بذلك .
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)
ثم قال عز وجل : { وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا } يعني : المطر والسعة { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } يعني : الجوع والشدة { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } يعني : جزاء لذنوبهم { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } يعني : آيسين من الرزق . قرأ أبو عمرو الكسائي : { يَقْنَطُونَ } بكسر النون . وقرأ الباقون بالنصب . وهما لغتان ومعناهما واحد . (3/361)
ثم وعظهم ليعتبروا ويطمئنوا بالرزق فقال عز وجل : { أَوَ لَمْ *** يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء } يعني : يوسع ، وكان يرى صلاح العبد في ذلك . { وَيَقْدِرُ } يعني : يضيق العيش . ويكون صلاحه في ذلك من البسط والتقتير { إِنَّ فِى ذَلِكَ } يعني : في البسط والتقتير { لايات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يعني يصدقون .
قوله عز وجل : { فَئَاتِ ذَا القربى حَقَّهُ } يعني : فأعط ذا القربى حقه ، وحق القرابة هو الصلة { والمساكين } يعني : أعط السائل حقه ، وحقه أن يتصدق عليه بشيء { وابن السبيل } يعني : الضيف النازل ، وحقه أن تحسن إليه { ذلك خَيْرٌ } يعني : الذي وصف من صلة القرابة ، والمسكين ، وابن السبيل ، ذلك خير { لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله } يعني : أي يريدون بذلك رضاء الله ، خير من الإمساك عندهم . { وأولئك هُمُ المفلحون } يعني : الناجون . ويقال : الباقون في النعمة . ويسمى السحور فلاحاً لأنه يبقي للصائم قوة { وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِباً } يعني : ما أعطيتم من عطية { لّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ الناس } يعني : ليزدادوا في أموال . ومعناه : ما أعطيتم من عطية لتلتمسوا بها الزيادة { فَلاَ يَرْبُواْ *** عَندَ الله } أي : فلا تضاعف تلك العطية عند الله عز وجل ، ما أعطيتم عند الله ولا يأثم فيه . وروى معمر عن قتادة عن ابن عباس قال : هي هبة يريد أن يثاب أفضل منها . فذلك الذي لا يربو عند الله ، ولا يؤجر فيه صاحبه ، ولا إثم عليه . { وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِباً } قال : هي الصدقة { تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ المضعفون } وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله . وقال عكرمة : الربا ربوان : ربا حلال ، وربا حرام . فأما الحلال فهو هبة الرجل يريد أن يثاب ما هو أفضل منها . وأما الحرام فزيادة خالية عن العوض في عقد المعاوضة . وهو نوعان : ربا الفضل ، وربا النساء . عرف ذلك في كتب الفقه . قرأ ابن كثير { وَمَا ءاتَيْتُمْ } بغير مد يعني : ما جئتم . وقرأ الباقون : بالمد يعني : ما أعطيتم . واتفقوا في الثاني أنه بالمد . وقرأ نافع { لتربو } بالتاء والضم ، والباقون بالياء والنصب . فمن قرأ بالنصب . فمعناه : لتستزيدوا أنتم زيادة في المال . يعني : لتكثروا أموالكم بما أعطيتم . ومن قرأ : { ليربو } بالياء معناه : ليربو المعطي فيكثر حتى يرد ما هو أكثر منه .
ثم بيّن ما يربو فيه فقال : { وَمَا مّن كتاب زكواة } يعني : ما أعطيتم من صدقة تريدون وجه الله يعني : رضا الله . ففيه الإضعاف . فأولئك هم المضعفون للواحد عشرة فصاعداً . ويقال : { المضعفون } أي : الواجدين من الضعف . كما يقال : أكذبته إذا وجدته كاذباً . (3/362)
ثم أخبر عن صنعه ليعرف توحيده فقال عز وجل : { الله الذى خَلَقَكُمْ } ولم تكونوا شيئاً { ثُمَّ رَزَقَكُمْ } يعني : أطعمكم ما عشتم في الدنيا { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقضاء آجالكم { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } للبعث بعد الموت ، لينْبّئكم بما عملتم في الدنيا ويجازيكم { هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء } يعني : يفعل كفعله .
ثم نزّه نفسه فقال : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } وقد ذكرناه . ويقال : الله الذي خلقكم وطلب منكم العبادة ، ثم رزقكم وطلب الطمأنينة ، ثم يميتكم وطلب منكم الاستعداد للموت ، ثم يحييكم وطلب منكم الحجة والبرهان .
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45)
{ ظَهَرَ الفساد فِى البر والبحر } يعني : قحط المطر ، ونقص الثمار للناس والدواب . يعني : نقص النبات في البر للدواب والوحوش؛ وفي البحر يعني : القرى والأرضين ينقصان الثمار والزرع . سمى القرى والمدائن بحراً لما يجري فيها من الأنهار . ويقال : البحر نفسه لأنه إذا لم يكن مطر ، فإنه لا يخرج منه اللؤلؤ { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى الناس } أي : بما عملوا من المعاصي . ويقال : من أذنب ذنباً فجميع الخلق من الإنس والجن ، والدواب والوحوش ، والطير والذر ، خصماؤه يوم القيامة ، لأنه يمنع المطر بالمعصية ، فيضرّ بأهل البر والبحر . (3/363)
وروي عن ثقيف الزاهد أنه قال : من أكل الحرام ، فقد خان جميع الناس ، حيث لا يستجاب دعاؤه . ويقال : { ظَهَرَ الفساد فِى البر والبحر } يعني : ظهرت المعاصي في البر والبحر { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى الناس } يعني : بكسب الناس . فأول فساد البر كان من قابيل حيث قتل أخاه هابيل ، وأول فساد البحر كان من جلندا حيث كان يأخذ كل سفينة غصباً . وقال عطية العوفي : ظهور الفساد قحوط المطر . قيل له : هذا فساد البر فما فساد البحر؟ قال : إذا قلّ المطر قلّ الغوص . وقال قتادة { ظَهَرَ الفساد فِى البر والبحر } يعني : امتلأت الضلالة والظلم في الأرض .
وروي عن أبي العالية أنه قال البر : الأعضاء والبحر : القلوب يعني : ظهر الفساد في الناس في الأعضاء وفي القلوب .
ثم قال : { لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذى عَمِلُواْ } يعني : يعذبهم ببعض ذنوبهم في الدنيا ، ويّدخر البعض في الآخرة . والذوق إنما هو كناية عن التعذيب . فكأنه يقول : يعذبهم بالجوع والقحط في الدنيا { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي : لكي يرجعوا عن الكفر . قرأ ابن كثير : { لّنُذِيقَهُمْ } بالنون أي : لنذيقهم نحن . وقرأ الباقون : بالياء يعني : ليذيقهم الله عز وجل .
ثم خوّفهم فقال عز وجل : { قُلْ سِيرُواْ فِى الارض } أي : سافروا فيها { فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلُ } يعني : كيف كان آخر أمر من كان قبلهم { كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ } فيعتبروا بذلك . والنظر على وجهين . يقال : نظر إليه إذا نظر بعينه ، ونظر فيه إذا تفكر بقلبه . وهاهنا قال : { فانظروا } ولم يقل فيه ، ولا إليه . فهو على الأمرين جميعاً .
ثم قال عز وجل : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ القيم } يعني : أخلص دينك الإسلام القيم . يعني : المستقيم . ويقال : أقبل بوجهك إليه . ويقال : اثبت عليه . { مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله } يعني : يوم القيامة لا يقدر أحد أن يرد ذلك اليوم من الله . ويقال : يعني : ذلك اليوم من الله . ويقال : لا خلف لذلك الوعد من الله { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } يعني : يتصدعون . فأدغم التاء في الصاد وشدد . يعني : يتفرقون فريق في الجنة ، وفريق في السعير .
ثم قال عز وجل : { مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } يعني : جزاء كفره وعقوبته { وَمَنْ عَمِلَ صالحا } يعني : وحّده وعمل بالطاعة بعد التوحيد { فَلاِنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } قال مقاتل : أي يقدمون . وقال مجاهد . يعني : لأنفسهم يفرشون في القبر . ويقال : في الجنة . ويقال : فلأنفسهم يعملون ويستعدون .
قوله عز وجل : { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } ينصرف إلى قوله يصدعون . يعني : يتفرقون لكي يجزي الذين آمنوا { وَعَمِلُواْ الصالحات مِن فَضْلِهِ } يعني : من رزقه . ويقال : من ثوابه . ويقال : بفضله { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين } بتوحيد الله عز وجل . ويقال : لا يرضى دين الكافرين .
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51)
ثم قال عز وجل : { وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح } يعني : ومن علامات وحدانيته أن يعرفوا توحيده بصنعه ، أن يرسل الرياح { مبشرات } بالمطر . ويقال : يستبشر بها الناس . ويقال : فإذا كان الاستبشار به ينسب الفعل إليه { وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ } يعني : ليصيبكم من نعمته وهو المطر { وَلِتَجْرِىَ الفلك بِأَمْرِهِ } يعني : السفن تجري في البحر بالرياح بأمره { وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } يعني : لتطلبوا في البحر من رزقه كل هذا بالرياح { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } رب هذه النعم فتوحدوه . (3/364)
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ } يا محمد { رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ * موسى بالبينات } بالأمر والنهي ، فكذبوهم كما كذب قومك { فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ } بالعذاب يعني : من الذين كفروا { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا } يعني : واجباً علينا { نَصْرُ المؤمنين } بالنجاة مع رسولهم . وإنما هو وجوب الكرم ، لا وجوب اللزوم .
ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا ، فقال الله عز وجل : { الله الذى يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً } يعني : تدفعه وتهيجه . يقال : ثار الغبار إذا ارتفع { فَيَبْسُطُهُ فِى السماء كَيْفَ يَشَاء } يعني : كيف يشاء الله عز وجل . إن شاء بسطه مسيرة يوم أو أكثر { وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً } يعني : قطعاً { فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } يعني : المطر يخرج من خلاله ، من وسط السحاب { فَإِذَا أَصَابَ بِهِ } يعني : بالمطر { مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يعني : يفرحون بنزول المطر عليهم قرأ ابن عامر { كِسَفًا } بالجزم . وقرأ الباقون : بالنصب .
ثم قال عز وجل : { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ } أي : من قبل نزول المطر عليهم . { لَمُبْلِسِينَ } يعني : آيسين من المطر . وقال الأخفش : تكرير قبل للتأكيد . وقال قطرب : الأول للتنزيل ، والثاني للمطر .
ثم قال : { فانظر إلى ءاثار رَحْمَةِ الله } يعني : ألوان النبات من أثر المطر منه الأخضر ، والأحمر ، والأصفر . قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وابن عامر { فانظر إلى ءاثار رَحْمَةِ } بلفظ الجماعة . قرأ الباقون بلفظ الوحدان ، لأن الوحدان يغني عن الجمع .
ثم قال : { كَيْفَ يُحْىِ الارض بَعْدَ مَوْتِهَا } حين لم يكن فيها نبات { إِنَّ ذلك } يعني : هذا الذي فعل { فانظر إلى } في الآخرة { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ *** وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً } يعني : الزرع متغيّراً بعد خضرته { لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } يعني : لصاروا ، وأصله العمل بالنهار . ويستعمل في موضع صار كقوله أصبح وأمسى يوضع موضع صار { مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } أي : من بعد اصفراره يكفرون النعم . يقول : لو فعلت ذلك لفعلوا هكذا . ويقال : قوله : { فَرَأَوْهُ } إشارة إلى النبات ، لأن الريح مؤنثة . وإنما أراد ما ينبت بالمطر . ويقال : معناه أنهم يستبشرون إذا رأوا الغيث ، ويكفرون إذا انقطع عنهم النبات .
ثم ضرب لهم مثلاً آخر فقال :
فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60)
{ فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى } فشّبه الكفار بالموتى . فكما لا يسمع الموتى النداء ، فكذلك لا يجيب ، ولا يسمع الكفار الدعاء ، إذا دعوا إلى الإيمان { وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعاء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } يعني : أن الأصم إذا كان مقبلاً لا يسمع ، فكيف إذا ولى مدبراً؟ فكذلك الكافر لا يسمع إذا كان يتصامم عند القراءة ، والقراءة ذكرناها في سورة النمل . (3/365)
ثم قال عزّ وجل : { وَمَا أَنتَ بِهَادِى العمى } إلى الإيمان { عَن ضلالتهم } يعني : لا تقدر أن توفقه وهو لا يرغب عن طاعتي في طلب الحق { إِن تُسْمِعُ } يعني : ما تسمع { وَمَا أَنتَ بِهَادِى العمى } يعني : بالقرآن { فَهُم مُّسْلِمُونَ } يعني : مخلصون .
ثم أخبرهم عن خلق أنفسهم ليعتبروا ويتفكروا فيه فقال عز وجل : { الله الذى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } يعني : من نطفة . ويقال : صغيراً لا يعقل { ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ } يعني : شدة بتمام خلقه { ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً } يعني : بعد الشباب الهرم { وَشَيْبَةً } أي : شمطاً . قرأ عاصم في رواية حفص وحمزة : من ضعف بنصب الضاد . وقرأ الباقون : من ضعف بالضم . وهما لغتان ومعناهما واحد .
{ يَخْلُقُ مَا يَشَاء } أي : يحول الخلق كما يشاء من الصورة { وَهُوَ العليم القدير } { العليم } بتحويل الخلق ، { القدير } يعني : القادر على ذلك .
قوله عز وجل : { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون } يعني : يحلف المشركون { مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ } في الدنيا .
يقول الله عز وجل : كذلك كانوا يكذبون بالبعث كما أنهم كذبوا حيث قالوا { مَا لَبِثُواْ } يعني في القبور غير ساعة ويقال : { كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } لأنهم يقولون مرة : { >يتخافتون بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } [ طه : 103 ] ومرة يقولون : { >قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } [ الكهف : 119 ] ومرة يقولون : { مَا لَبِثْنَا غَيْرَ سَاعَةٍ } فيقول الله تعالى : هكذا كانوا في الدنيا .
ثم قال عز وجل : { وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان } يعني : أكرموا بالعلم والإيمان { لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كتاب الله } أي : في علم الله . ويقال : فيما كتب الله عز وجل . وقال مقاتل : في الآية تقديم . يعني : { وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم } في كتاب الله { والإيمان } وهو ملك الموت { لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كتاب الله إلى يَوْمِ البعث } . ويقال : الذين أوتوا العلم بالكتاب وأوتوا { الايمان } وهم العلماء .
ثم قال : { فهذا يَوْمُ البعث ولكنكم كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ } يعني : لا تصدقون بهذا اليوم في الدنيا . ثم قال عز وجل : { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الذين ظَلَمُواْ } يعني : أشركوا { مَعْذِرَتُهُمْ } قرأ ابن كثير وأبو عمر : { وَلاَ تَنفَعُ } بالتاء بلفظ التأنيث ، لأن لفظ المعذرة مؤنثة .
وقرأ الباقون : بالياء ، فينصرف إلى المعنى يعني : عذرهم { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } يقال : عتب يعتب إذا غضب عليه ، وأعتب يعتب إذا رجع عن ذنبه ، واستعتب إذا طلب منه الرجوع . يعني : أنه لا يطلب منهم الرجوع في ذلك اليوم ليرجعوا . (3/366)
ثم قال عز وجل : { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ } يعني : وصفنا وبيّنّا { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان } أي : شبه { وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِئَايَةٍ } كما سألوا { لَّيَقُولَنَّ الذين كَفَرُواْ } يعني : المشركون من أهل مكة { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ } يعني : يقولون ما أنت إلا كاذب ، وليس هذا من الله عز وجل ، كما كذبوا بانشقاق القمر . يقال : أبطل الرجل إذا جاء بالباطل . وأكذب إذا جاء بالكذب . فقال : { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ } يعني : كاذبون .
ثم قال : { كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله } يعني : يختم الله عز وجل { على قُلُوبِ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } يعني : لا يصدقون بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم { فاصبر } يا محمد { إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } فيما وعد لكم من النصر على عدوكم ، وإظهار دين الإسلام حق . ويقال : { فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } يعني : صدق في العذاب { وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ } يعني : يستنزلنك عن البعث { الذين لاَ يُوقِنُونَ } أي : لا يصدقون . ويقال : { لا يَسْتَخِفَّنَّكَ } يعني : لا يحملنك تكذيبهم على الخفة . يعني : كن حليماً ، صبوراً ، وقوراً . ويقال : { لا يَسْتَخِفَّنَّكَ } فتدعو عليهم بتعجيل العذاب ، فيهلك الذين لا يوقنون بالعذاب ، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
الم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
قول الله تبارك وتعالى : { الم تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم } يعني : هذه آيات القرآن المحكم من الباطل . ويقال : أحكم حلاله وحرامه . ويقال : محكم لا يرد عليه التناقض { هُدًى } يعني : بياناً من الضلالة . ويقال : هادياً { وَرَحْمَةً } من العذاب { لّلْمُحْسِنِينَ } الذين يحسنون العمل وهم المؤمنون . لأن كل مؤمن محسن . قرأ حمزة : { هُدًى وَرَحْمَةً } بالضم ، والباقون بالنصب . فمن قرأ : بالضم ، فعلى الإضمار . ومعناه : هو هدى ورحمة على معنى تلك هدى ورحمة . ومن نصب فهو على الحال المعنى تلك آيات في حال الهداية والرحمة . (3/367)
ثم نعت المحسنين فقال تعالى : { الذين يُقِيمُونَ الصلاة } يعني : يقرون بها ويتمونها . قوله { وَيُؤْتُونَ الزكواة } يعني : يقرون بها ويؤدونها { وَهُم بالاخرة } يعني : بالبعث الذي فيه جزاء أعمالهم { هُمْ يُوقِنُونَ } بأنها كائنة { أولئك } يعني : أهل هذه الصفة { على هُدًى مّن رَّبّهِمْ } يعني : بيان من ربهم . بيّن لهم طريقهم ووفّقهم لذلك { وأولئك هُمُ المفلحون } يعني : الفائزون بالخير .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)
{ وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الحديث } يعني : من الناس ناس يشترون أباطيل الحديث ، وهو النضر بن الحارث كان يخرج إلى أرض فارس تاجراً ، ويشتري من هنالك من أحاديثهم ، ويحمله إلى مكة ويقول لهم : إن محمداً يحدثكم بالأحاديث طرفاً منها ، وأنا أحدثكم بالحديث تاماً { لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ } يعني : يصرف الناس عن دين { الله } عز وجل . ويقال : يشتري جواري مغنيات . قال أبو الليث رحمه الله : حدثني الثقة بإسناده عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلا شِرَاؤُهُنَّ وَلا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ وَأَكْلُ أثْمَانِهِنَّ حَرَامٌ » . وفيه أنزل الله عز وجل هذه الآية { وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الحديث } وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله { وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الحديث } قال : شراء المغنية . ويقال : { لَهْوَ الحديث } هاهنا الشرك . يعني : يختار الشرك على الإيمان ليضل عن سبيل الله عز وجل . يعني : ليصرف الناس بذلك عن سبيل الله { بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني : بغير حجة { وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً } يعني : سبيل الله عز وجل ، لأن السبيل مؤنث كقوله تعالى : { قُلْ هذه سبيلى أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعنى وَسُبْحَانَ الله وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين } [ يوسف : 108 ] ويقال : { وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً } يعني : آيات القرآن التي ذكر في أول السورة استهزاء بها ، حيث جعلها بمنزلة حديث رستم واسفنديار . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : { لِيُضِلَّ } بنصب الياء . وقرأ الباقون : بالضم . فمن قرأ بالنصب فمعناه : ليضل بذلك عن سبيل الله . يعني : بترك دين الإسلام . ومن قرأ بالضم يعني : بصرف الناس عن دين الإسلام ، ويصرف نفسه أيضاً . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص : { وَيَتَّخِذَهَا } بنصب الذال . وقرأ الباقون : بالضم . فمن نصبها ردّها على قوله : { لِيُضِلَّ } يعني : لكي يضل ولكي { أُنْذِرُواْ هُزُواً } ومن قرأ : بالضم ردّها على قوله : { وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الحديث } { وَيَتَّخِذَهَا } وقال { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } يهانون به . (3/368)
قوله عز وجل : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا } يعني : إذا قرىء عليه القرآن { ولى مُسْتَكْبِراً } يعني : أعرض مستكبراً عن الإيمان والقرآن { كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا } يعني : كأن لم يسمع ما في القرآن من الدلائل والعجائب { كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً } أي : ثقلاً فلا يسمع القرآن يعني : يتصامم { فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } فلما ذكر عقوبة الكافر ذكر على أثر ذلك ثواب المؤمنين فقال :
{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جنات النعيم } في الآخرة { خالدين } يعني : دائمين { فِيهَا وَعْدَ الله حَقّاً } أوجبه الله عز وجل لأهل هذه الصفة { وَهُوَ العزيز الحكيم } حكم بالعذاب للكافرين ، والنعيم للمؤمنين .
ثم بيّن علامة وحدانيته فقال : { خُلِقَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } أي : خلقها بغير عمد ترونها بأعينكم . ويقال : معناه { بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } أنتم يعني : لها عمد ولكن لا ترونها . والعمد جماعة العماد . (3/369)
ثم قال : { وألقى فِى الارض رَوَاسِىَ } يعني : الجبال الثوابت { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } يعني : لكيلا تزول بكم الأرض .
ثم قال : { وَبَثَّ فِيهَا } يعني : وخلق فيها في الأرض . ويقال : وبسط فيها { مِن كُلّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } وقد ذكرناه .
ثم قال : { هذا خَلْقُ الله } يقول : هذا الذي خلقت أنا { فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ } يعني : الذين تدعونه إلها من دونه يعني : الأصنام . ويقال : هذا خلق الله . يعني : مخلوق الله . ويقال : هذا صنع الله .
ثم قال : { بَلِ الظالمون فِى ضلال مُّبِينٍ } أي : الكافرون في خطأ بيّن ، لا يعتبرون ولا يتفكرون فيما خلق الله عز وجل فيعبدونه ويقال في ضلال مبين يعني : في خسران بيّن .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20)
{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة } وقال مجاهد : يعني : أعطينا لقمان العقل والفقه والإصابة في غير نبوة . ويقال أيضاً : الحكمة والعقل والإصابة في القول . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما زَهِدَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إلاَّ أَثْبَتَ الله تَعَالَى الحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ ، وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ ، وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا وَعُيُوبَ نَفْسِهِ . وَإذَا رَأيْتُمْ أَخَاكُمْ قَدْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَاقْتَرِبُوا إلَيْهِ فَاسْتَمِعُوا مِنْهُ ، فإنه يُلَقَّى الحِكْمَةَ » . وقال السدي : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة } يعني : النبوة . وعن عكرمة قال : كان لقمان نبياً . وعن وهب بن منبه قال : كان لقمان رجلاً حكيماً ، ولم يكن نبياً . (3/370)
وروي عن ابن عباس قال : كان لقمان عبداً حبشياً . ويقال : إن أول ما ظهرت حكمته أن مولاه قال له يوماً : اذبح لنا هذه الشاة فذبحها . ثم قال : أخرج أطيب مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب . ثم مكث ما شاء الله . ثم قال له : اذبح لنا هذه الشاة فذبحها . فقال : أخرج لنا أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب . فسأله عن ذلك فقال لقمان : إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ، ولا أخبث منهما إذا خبثا .
وذكر عن وهب بن منبه أن لقمان خُيِّرَ بين النبوة والحكمة ، فاختار الحكمة . قال : فبينما كان يعظ الناس يوماً وهم مجتمعون عليه ، إذ مرّ به عظيم من عظماء بني إسرائيل . فقال : ما هذه الجماعة؟ فقيل له : جماعة اجتمعت على لقمان الحكيم . فأقبل إليه . فقال له : ألست عبد بني فلان؟ فقال : نعم . فقال : فما الذي بلغ بك ما أرى؟ فقال : صدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وتركي ما لا يعنيني . فانصرف عنه متعجباً وتركه .
ثم قال تعالى : { أَنِ اشكر للَّهِ } يعني : حكماً من أحكام الله { أَنِ اشكر للَّهِ } ويقال : معناه { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة } وقلنا له : اشكر لله بما أعطاك من الحكمة { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } يعني : ثواب الشكر لنفسه { وَمَن كَفَرَ } أي : جحد فلا يوحّد ربه { فَإِنَّ الله غَنِىٌّ } عن خلقه وعن شكرهم { حَمِيدٌ } في فعاله { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ } قال مقاتل : كان اسم ابنه أنعم { وَهُوَ يَعِظُهُ } ويقال : معناه قال لابنه واعظاً { يَعِظُهُ يابنى لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } يعني : ذنب عظيم لا يغفر أبداً ، وكان ابنه وامرأته كافرين ، فما زال بهما حتى أسلما . وقال مقاتل : زعموا أنه كان ابن خالة أيوب . وذكر القاسم بن عباد بإسناده عن عبد الله بن دينار : أن لقمان قدم من سفر ، فلقيه غلامه ، قال : ما فعل أبي؟ قال : مات . فقال : ملكت أمري . قال : وما فعلت أمي؟ قال : قد ماتت .
قال : ذهب همي . قال : فما فعلت أختي؟ قال : ماتت فقال : سترت عورتي . قال : فما فعلت امرأتي؟ قال : قد ماتت . فقال : جدد فراشي . قال : فما فعل أخي؟ قال : مات . قال : انقطع ظهري . (3/371)
وفي رواية أُخرى قال : ما فعل أخي؟ قال : مات . فقال : انكسر جناحي . ثم قال : فما فعل ابني؟ قال : مات . فقال : انصدع قلبي . وقال وهب بن منبه كان لقمان عبداً حبشياً لرجل من بني إسرائيل في زمن داود عليه السلام ، فاشتراه ، فأعتقه وكان حبشياً أسود ، غليظ الشفتين والمنخرين ، غليظ العضدين والساقين ، وكان رجلاً صالحاً أبيض القلب ، وليس يصطفي الله عز وجل عباده على الحسن والجمال ، وإنما يصطفيهم على ما يعلم من غائب أمرهم .
قرأ عامر في رواية حفص وابن كثير في إحدى الروايتين : { أَوْ بَنِى } بالنصب . وقرأ الباقون : بالكسر وقد ذكرناه .
ثم قال عز وجل : { وَوَصَّيْنَا الإنسان } فكأنه يقول : آمركم بما أمر به لقمان لابنه بأن لا تشركوا بالله شيئاً ، وآمركم بأن تحسنوا إلى الوالدين فذلك قوله عز وجل : { وَوَصَّيْنَا الإنسان } يعني : أمرناه بالإحسان { بوالديه } .
ثم ذكر حق الأم وما لقيت من أمر الولد من الشدة فقال : { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ } يعني : ضعفاً على ضعف ، لأن الحمل في الابتداء أيسر عليها . فكلما ازداد الحمل يزيدها ضعفاً على ضعف { وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ } يعني : فطامه بعد سنتين من وقت الولادة { أَنِ اشكر لِى ولوالديك } يعني : وصّيناه وأمرناه بأن اشكر لي بما هديتك للإسلام ، واشكر لوالديك بما فعله إليك { إِلَىَّ المصير } فأجازيك بعملك .
ثم قال عز وجل : { وَإِن جاهداك } يعني : وإن قاتلاك . يعني : أن حرمة الوالدين وإن كانت عظيمة ، فلا يجوز للولد أن يطيعهما في المعصية . فقال : { وَإِن جاهداك } يعني : وإن قاتلاك . ويقال : وإن أراداك { على أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } يعني : ما ليس لك به حجة بأن معي شريكاً { فَلاَ تُطِعْهُمَا } في الشرك { وصاحبهما فِى الدنيا مَعْرُوفاً } يعني : عاشرهما في الدنيا معروفاً بالإحسان ، وإنما سمي الإحسان معروفاً لأنه يعرفه كل واحد .
قال وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « حُسْنَ المُصَاحَبَةِ أنْ يُطْعِمَهُمَا إذا جَاعَا ، وَأَنْ يَكْسُوَهُمَا إذا عَرِيَا » . ثم قال : { واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ } يعني : اتبع دين من أقبل إلي بالطاعة .
ثم استأنف فقال : { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } في الآخرة . وقال بعضهم : إنما أتمّ الكلام عند قوله : { واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ } يعني : دين من أقبل على الطاعة .
ثم استأنف الكلام فقال : { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } تكراراً على وجه التأكيد { فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } يعني : فأجازيكم بها .
ثم رجع إلى حديث لقمان فقال : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا } يعني : الخطيئة { إِن تَكُ } قال مقاتل : وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه : يا أبتاه إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد ، فكيف يعلمها الله سبحانه وتعالى .
فرد عليه لقمان وقال : { تَعْمَلُونَ يابنى إِنَّهَا إِن تَكُ } يعني : الخطيئة { إِن تَكُ } { مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ } يعني : وزن خردلة { فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ } أي : الصخرة التي هي أسفل الأرضين . وقال بعضهم : أراد بها كل صخرة ، لأنه قال بلفظ النكرة . يعني : ما في جوف الصخرة الصماء . وقال مقاتل : هي الصخرة التي في أسفل الأرض ، وهي خضراء مجوفة . (3/372)
ثم قال : { أَوْ فِى السموات أَوْ فِى الارض يَأْتِ بِهَا الله } يعني : يجازي بها الله . أي : يعطيه ثوابها . ويقال : { يَأْتِ بِهَا الله } عند الميزان ، فيجازيه بها . ويقال : هذا مثل لأعمال العباد { يَأْتِ بِهَا الله } يعني : يعطيه ثوابها عز وجل كقوله : { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } [ الزلزلة : 7 ] يعني : يرى ثوابه . قرأ نافع { مِثْقَالَ } بضم اللام . وقرأ الباقون : بالنصب . فمن قرأه بالضم جعله اسم يكن . ومن قرأ بالنصب جعله خبراً . والاسم فيه مضمر ومعناه : إن تكن صغيرة قدر مثقال حبة . وإنما قال : إن تكن بلفظ التأنيث لأن المثقال أضيف إلى الحبة . فكان المعنى للحبة . وقيل : أراد به الخطيئة . ومن قرأ : بالضم جعله اسم تكن .
ثم قال : { إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ } يعني : لطيف باستخراج تلك الحبة ، خبير بمكانها . وقال أهل اللغة : اللطيف في اللغة يعبر به عن أشياء . يقال للشيء الرقيق وللشيء الحسن : لطيف . وللشيء الصغير؛ لطيف . ويقال للمشفق : لطيف .
ثم قال عز وجل : { لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً أَقِمِ الصلاة } يعني : أتمّ الصلاة { وَأْمُرْ بالمعروف } يعني : التوحيد . ويقال : أظهر العدل { وانه عَنِ المنكر } وهو كل ما لا يعرف في شريعة ، ولا سنة ، ولا معروف في العقل { واصبر على مَا أَصَابَكَ } يعني : إذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر ، فأصابك من ذلك ذلّ أو هوان أو شدة ، فاصبر على ذلك ف { إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الامور } يعني : من حق الأمور . ويقال : من واجب الأمور . وصارت هذه الآية بياناً لهذه الأمة ، وإذناً لهم ، أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ينبغي أن يصبر على ما يصيبه في ذلك ، إذا كان أمره ونهيه لوجه الله تعالى ، لأنه قد أصاب ذلك في ذات الله عز وجل .
ثم قال تعالى : { وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم : { وَلاَ تُصَعّرْ } بالتشديد بغير ألف . وقرأ الباقون : ولا تصاعر بالألف والتخفيف . وهما لغتان ومعناهما واحد . يقال : صعر خده وصاعره ومعناهما : الإعراض على جهة الكبر . يعني : لا تعرض بوجهك عن الناس متكبراً . وقال مقاتل : لا تعرض وجهك عن فقراء المسلمين ، وهكذا قال الكلبي .
وقال العتبي : أصله الميل . ويقال : رجل أصعر إذا كان به داء ، فيميل رأسه وعنقه من ذلك إلى أحد الجانبين . ويقال : معناه لا تكلم أحداً وأنت معرض عنه ، فإن ذلك من الجفاء والإذاء . (3/373)
ثم قال : { وَلاَ تَمْشِ فِى الارض مَرَحًا } يعني : لا تمشي بالخيلاء ، والمرح والبطر والأشر كله واحد ، وهو أن يعظم نفسه في النعم { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } يعني : مختالاً في مشيته ، فخوراً في نعم الله عز وجل .
{ واقصد فِى مَشْيِكَ } يعني : تواضع لله تعالى في المشي ، ولا تختل في مشيتك . ويقال : أسرع في مشيتك ، لأن الإبطاء في المشي يكون من الخيلاء . { واغضض مِن صَوْتِكَ } يعني : اخفض . ومن صلة في الكلام اخفض كلامك ، ولا تكن سفيهاً .
ثم ضرب للصوت الوضيع مثلاً فقال : { إِنَّ أَنكَرَ الاصوات } يعني : أقبح الأصوات { لَصَوْتُ الحمير } لشدة أصواتها . وإنما ذكر صوت الحمير ، لأن صوت الحمار كان هو المعروف عند العرب وسائر الناس بالقبح ، وإن كان قد يكون ما سواه أقبح منه في بعض الحيوان . وإنما ضرب الله المثل بما هو المعروف عند الناس .
قوله عز وجل : { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ } يعني : قل يا محمد لأهل مكة : { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله } ذلل لكم { مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض } كل ذلك من الله تعالى . يعني : ومن قدرة الله ورحمته وحده لا شريك له { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً } فالظاهرة التي يراها الناس ، والباطنة ما غاب عن الناس . ويقال : النعم الظاهرة شهادة أن لا إله إلاَّ الله ، وأما الباطنة فالمعروفة بالقلب . وقال مقاتل : الظاهرة : تسوية الخلق والرزق . والباطنة : تستر عن العيون .
عن ابن عباس قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله : { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً } فقال : « الظَّاهِرَةُ الإسْلامُ ، وَالبَاطِنَةُ مَا سَتَرَ سَوْأَتَكَ » . قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص : { نِعَمَهُ } بنصب العين وميم ، وضم الهاء . وقرأ الباقون : { نِعَمَهُ } بجزم العين ونصب الهاء والميم . فمن قرأ { نِعَمَهُ } بالجزم فهي نعمة واحدة وهي ما أعطاه الله من توحيده . ومن قرأ : { نِعَمَهُ } فهو على معنى جميع ما أنعم الله عز وجل عليهم .
ثم قال : { وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله } يعني : يخاصم في دين الله عز وجل { بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني : بغير حجة وهو النضر بن الحارث { وَلاَ هُدًى } أي : بغير بيان من الله عز وجل { وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ } أي : مضيئاً فيه حجة .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25)
قوله عز وجل : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } يعني : لكفار مكة { اتبعوا مَا أَنزَلَ الله } على نبيه من القرآن ، فآمنوا به ، وأحلّوا حلاله ، وحرموا حرامه { قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } يقول الله عز وجل؛ { أَوْ لَّوْ كَانَ الشيطان } يعني : أو ليس الشيطان { يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير } يعني : يدعوهم إلى تقليد آبائهم بغير حجة ، فيصيروا إلى عذاب السعير . (3/374)
قوله عز وجل : { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله } أي : يخلص دينه . ويقال : يخلص عمله لله { وَهُوَ مُحْسِنٌ } يعني : موحد . ويقال : ذكر الوجه ، وأراد به هو . يعني : ومن أخلص نفسه لله عز وجل بالتوحيد ، وبأعمال نفسه ، وهو محسن في عمله . قرأ عبد الرحمن السّلمي : { وَمَن يُسْلِمْ } بنصب السين ، وتشديد اللام من سلم يسلم . وقراءة العامة { وَمَن يُسْلِمْ } بجزم السين وتخفيف اللام من سلم يسلم { فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى } يعني : قد أخذ بالثقة { وإلى الله عاقبة الامور } يعني : إليه مرجع وعواقب الأمور . ويقال : العباد إليه فيجازيهم بأعمالهم .
قوله عز وجل : { وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ } وذلك أنهم لما كذبوا بالقرآن وقالوا : إنه يقول من تلقاء نفسه ، شقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فنزل { وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ } بالقرآن { إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } يعني : إلينا مصيرهم { فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ } يعني : يجازيهم بجحودهم { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } بما في قلبك من الحزن مما قالوا وقال الكلبي : { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } من خير أو شر .
ثم قال عز وجل : { نُمَتّعُهُمْ قَلِيلاً } يعني : يسيراً في الدنيا ، فكل ما هو فانٍ فهو قليل { ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ } يعني : نلجئهم { إلى عَذَابٍ غَلِيظٍ } يعني : شديد لا يفتر عنهم .
قوله عز وجل : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } يعني : الكفار { مِنْ خلاق السموات والارض لَيَقُولُنَّ الله قُلِ الحمد لِلَّهِ } على إقراركم { بَلْ أَكْثَرُهُمْ } يعني : الكفار { لاَّ يَعْلَمُونَ } يعني : لا يصدقون .
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32)
ثم قال عز وجل : { للَّهِ مَا فِى السموات والارض } من الخلق { إِنَّ الله هُوَ الغنى } عن عبادة خلقه { الحميد } في فعاله . ويقال : حميد أي : محمود . يعني : يحمد ويشكر . (3/375)
قوله عز وجل : { وَلَوْ أَنَّمَا فِى الارض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } الآية . قال قتادة : ذلك أن المشركين قالوا : هذا كلام يوشك أن ينفد وينقطع . فنزل قوله تعالى : { وَلَوْ أَنّ مَّا فِى الارض } الآية . قال ابن عباس في رواية أبي صالح : إن اليهود أعداء الله . سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح فنزل { وَيَسْألُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 85 ] قالوا : كيف تقول هذا وأنت تزعم أن من أُوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً . فكيف يجتمع علم قليل وخير كثير؟ فنزل { وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى الارض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } يقول : لو أن الشجر تبرى وتجعل أقلاماً { والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } تكون كلها مداداً ، يكتب بها علم الله عز وجل ، لانكسرت الأقلام ، ولنفد المداد ، ولم ينفد علم الله تعالى . فما أعطاكم الله من العلم قليل فيما عنده من العلم . قرأ أبو عمرو : { والبحر يَمُدُّهُ } بنصب الراء . وقرأ الباقون : بالضم . فمن قرأ بالنصب نصبه . لأنّ معناه : ولو أن ما في الأرض وأن البحر يمده . ومن قرأ بالضم : فهو على الاستئناف { والبحر يَمُدُّهُ } يعني : أمد إلى كل بحر مثله ما نفدت { مَّا نَفِدَتْ كلمات الله } يعني : علمه وعجائبه . ويقال : معاني كلمات الله . لأن لكل آية ولكل كلمة من المعاني ما لا يدرك ولا يحصى .
ويقال : { مَّا نَفِدَتْ كلمات الله } لأن كلمات الله لا تدرك ما تكلم به في الأزل سبحانه وتعالى .
ثم قال : { أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } عزيز بالنعمة على الكافر ، حكيم حكم أنه ليس لعلمه غاية ، وأن العلم للخلق غاية .
ثم قال عز وجل : { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة } قال مقاتل : نزلت في أبي بن خلف وابني أسد منبه ونبيه كلاهما ابني أسد قالوا : إن الله عز وجل خلقنا أطواراً ، نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم يقول : إنه بعث في ساعة واحدة ، فقال الله عز وجل : { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة } أيها الناس جميعاً . يقال : هاهنا مضمر . فكأنه يقول : إلا كخلق نفس واحدة ، وكبعث نفس واحدة . ويقال : معناه قدرته على بعث الخلق أجمعين ، وعلى خلق الخلق أجمعين ، كقدرته على خلق نفس واحدة . ويقال : { كَنَفْسٍ واحدة } أي : إلا كخلق آدم عليه السلام .
ثم قال : { إِنَّ الله سَمِيعٌ } لمقالتهم { بَصِيرٌ } بهم .
قوله عز وجل : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ اليل فِى النهار } يعني : انتقاص كل واحد منها بصاحبه . ويقال : يدخل الليل في النهار ، والنهار في الليل { وَيُولِجُ النهار فِى اليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر } يعني : ذللهما لبني آدم { كُلٌّ يَجْرِى لاِجَلٍ مُّسَمًّى } يعني : يجريان في السماء إلى يوم القيامة ، وهو الأجل المسمى . ويقال : يجري كل واحد منهما إلى أجله في الغروب ، حتى ينتهى إلى وقت نهايته { وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } . (3/376)
روي عن أبي عمرو في إحدى الروايتين أنه قرأ { يَعْمَلُونَ } بالياء بلفظ المغايبة . وقرأ الباقون : بالتاء على معنى المخاطبة .
ثم قال عز وجل : { ذلك } يعني : هذا الذي ذكر من صنع الله عز وجل بالنهار والليل والشمس والقمر { بِأَنَّ الله هُوَ الحق } يعني : ليعلموا أن الله هو الحق { وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطل } يعني : من الآلهة لا يقدرون على شيء من ذلك يعني : لا تنفعهم عبادتها . قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص : وإنما { يَدَّعُونَ } بالياء على معنى الخبر عنهم . وقرأ الباقون : بالتاء على معنى المخاطبة لهم .
ثم عظّم نفسه فقال تعالى : { وَأَنَّ الله هُوَ العلى الكبير } يعني : ليعلموا أن الله هو الرفيع الكبير . يعني : العظيم ، وهو الذي يعظم ويحمد .
ثم بيّن قدرته فقال عز وجل : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك } يعني : السفن { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِى } أي : برحمة الله لمنفعة الخلق { لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءاياته } يعني : من علامات وحدانيته . ويقال : من عجائبه . { إِنَّ فِى ذَلِكَ } يعني : إن الذي ترون في البحر { لاَيَاتٍ } يعني : لعبارات { لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } على أمر الله عز وجل عند البلاء . ويقال : الذي يصبر في الأحوال كلها ، شكوراً لله عز وجل في نعمه . ويقال : { لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } يعني : لكل مؤمن موحد . وإنما وصفه بأفضل خصلتين في المؤمن ، لأن أفضل خصال المؤمن : الصبر والشكر . والصبار هو للمبالغة في الصبر . والشكور على ميزان فعول هو للمبالغة في الشكر .
وروي عن قتادة أنه قال : إن أحب العباد إلى الله من إذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر . فأعلم الله عز وجل أن المتفكر المعتبر في خلق السموات والأرض هو الصبار والشكور .
قوله عز وجل : { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل } يعني : أتاهم موج ، كما يقال : من غشي سدد السلطان يجلس ويقوم . ويقال : علاهم . ويقال : غطاهم موج كالظلل يعني : كالسحاب . ويقال : كالجبال ، وهو جمع ظلة . يعني : يأتيهم الموج بعضه فوق بعض وله سواد لكثرته .
{ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } يعني : أخلصوا له بالدعوة { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر } يعني : إلى القرار { فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } يعني : فمنهم من يؤمن ، ومنهم من يكفر ولا يؤمن .
ثم ذكر المشرك الذي ينقض العهد فقال تعالى : { وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا } يعني : لا يترك العهد { إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } يعني : غدار بالعهد . كفور لله عز وجل في نعمه . وقال القتبي : الختر أقبح الغدر . { كَفُورٌ } على ميزان فعول . وإنما يذكر هذا اللفظ إذا صار عادة له كما يقال : ظلوم . وقد ذكر الكافر بأقبح خصلتين فيه ، كما ذكر المؤمن بأحسن خصلتين فيه وهو قوله : { صَبَّارٍ شَكُورٍ } .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)
قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا الناس اتقوا رَبَّكُمُ } يعني : وحّدوه وأطيعوه { واخشوا } يعني : واخشوا عذاب يوم { يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } يعني : هو جاز عن والده شيئاً ، ولا ينفع والد عن ولده . ويقال : لا يقضي والد عن ولده ما عليه { وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } يعني : لا يقدر الولد أن ينفع والده شيئاً ، وهذا في الكفار خاصة . وأما المؤمن فإنه ينفع كما قال في آية أُخرى : { والذين ءَامَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بإيمان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ ألتناهم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } [ الطور : 21 ] ثم قال : { إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } يعني : البعث بعد الموت كائن ولا خلف فيه { فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا } يعني : لا يغرّنكم ما في الدنيا من زينتها وزهوتها ، فتركنوا إليها ، وتطمئنوا بها ، وتتركوا الآخرة والعمل لها { وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور } يعني : لا يغرنكم الشيطان عن طاعة الله عز وجل . ويقال : كل مضل هو شيطان . وقال أهل اللغة : { الغرور } بنصب الغين هو الشيطان . وبالضم أباطيل الدنيا . (3/377)
قوله عز وجل : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } قال مقاتل : نزلت في رجل يقال له : الوليد بن عمرو من أهل البادية ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنّ أرضنا أجدبت ، فمتى ينزل الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى ، فماذا تلد؟ وقد علمت بأيِّ أرض ولدت ، فبأيِّ أرض أموت؟ وقد علمت ما عملت اليوم ، فماذا أنا عامل غداً؟ ومتى الساعة؟ فنزل { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } يعني : علم القيامة لا يعلمه غيره { وَيُنَزّلُ الغيث } يعني : وهو الذي ينزل الغيث متى شاء { وَيَعْلَمُ مَا فِى الارحام } من ذكر وأنثى { وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ } في سهل أو جبل . وروي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ الله فَقَرَأ : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } الآية » . وقال ابن مسعود كل شيء أوتي نبيكم إلا مفاتيح الغيب الخمس . { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } إلى آخر السورة . وقالت عائشة رضي الله عنها : من حدثكم بأنه يعلم ما في غد فقد كذب . ثم قرأت : { وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ } يعني : بأي مكان تموت ، وبأي قدم تؤخذ ، وبأي نفس ينقضي أجله .
وروى شهر بن حوشب قال : دخل ملك الموت على سليمان بن داود عليه السلام فقال رجل من جلسائه لسليمان : من هذا؟ فقال ملك الموت . فقال : لقد رأيته ينظر إليّ كأنه يريدني . فأريد أن تحملني على الريح حتى تلقيني بالهند . ففعل . ثم أتى ملك الموت إلى سليمان فسأله عن نظره ذلك . فقال : إني كنت أعجب أني كنت أمرت أقبض روحه في أرض الهند في آخر النهار وهو عندك .
ثم قال تعالى : { إِنَّ الله عَلَيمٌ خَبِيرٌ } يعني : بهذه الأشياء التي ذكرها .
الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)
قوله تعالى : { الم تَنزِيلُ الكتاب } يعني : المنزل من الله عز وجل القرآن على معنى التقديم . يعني : أن هذا الكتاب تنزيل من الله عز وجل والكتاب وهو التنزيل . ويقال : معناه نزل به جبريل عليه السلام بهذا التنزيل { الكتاب } يعني : القرآن { لاَ رَيْبَ فِيهِ } يعني : لا شك فيه أنه { مِن رَّبّ العالمين } . (3/378)
فلما نزله جبريل جحده قريش ، وقالوا : إنما يقوله من تلقاء نفسه . فنزل { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } يعني : أيقولون اختلقه من ذات نفسه . وقال أهل اللغة : فرى يفري إذا قطعه للإصلاح . وأفرى يفري : إذا قطعه للاستهلاك .
فأكذبهم الله عز وجل قال : { بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبّكَ } يعني : القرآن . ولو لم يكن من الله عز وجل ، لم يكن حقاً وكان باطلاً ، ويقال : { بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبّكَ } يعني : نزل من عند ربك { لِتُنذِرَ قَوْماً } يعني : كفار قريش { مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } يعني : لم يأتهم في عصرك . ولكن أتاهم من قبل ، لأن الأنبياء المتقدمين عليهم السلام ما كانوا إلى جميع الناس . ويقال : معناه : لم يشاهدوا نذيراً قبلك . وإنما الإنذار قد كان سبق لأنه قال : { مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء : 15 ] وقد سبق الرسل . ويقال : { مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } يعني : من قومهم من قريش .
ثم قال : { لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } يعني : يهتدون من الضلالة . وأصل الإنذار هو الإسلام . يقال : أنذر العدو إذا أعلمه .
ثم دلّ على نفسه بصفة فقال عز وجل : { الله الذى خَلَقَ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا } من السحاب والرياح وغيره { فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } ولو شاء خلقها في ساعة واحدة لفعل . ولكنه خلقها في ستة أيام ، ليدل على التأني . ويقال : خلقها في ستة أيام لتكون الأيام أصلاً عند الناس { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } فيها تقديم يعني : خلق العرش قبل السموات . ويقال : علا فوق العرش من غير أن يوصف بالاستقرار على العرش . ويقال : استوى أمره على بريته فوق عرشه ، كما استوى أمره وسلطانه وعظمته دون عرشه وسمائه { مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ } يعني : من قريب ينفعكم في الآخرة { وَلاَ شَفِيعٍ } من الملائكة { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } يعني : أفلا تتعظون فيما ذكره من صفته فتوحّدونه .
ثم قال عز وجل : { يُدَبّرُ الامر } يقول : يقضي القضاء { مِنَ السماء إِلَى الارض } يعني : يبعث الملائكة من السماء إلى الأرض { ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ } يعني : يصعد إليه . قال أبو الليث رحمه الله : حدثنا عمرو بن محمد بإسناده عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط .
قال : يدبر أمر الدنيا أربعة جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل . أما جبرائيل فموكل بالرياح والجنود ، وأما ميكائيل فموكل بالنبات والقطر ، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح ، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمور عليهم ، فذلك قوله عز وجل : { يُدَبّرُ الامر مِنَ السماء إِلَى الارض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ } . (3/379)
{ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ } يعني : في يوم واحد من أيام الدنيا كان مقدار ذلك اليوم { أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } أنتم . وقال القتبي : معناه يقضي في السماء ، وينزله مع الملائكة إلى الأرض ، فتوقعه الملائكة عليهم السلام في الأرض .
{ ثُمَّ يَعْرُجُ * إِلَى السماء } فيكون نزولها ورجوعها في يوم واحد مقدار المسير ، على قدر سيرنا { أَلْفَ سَنَةٍ } لأنّ بعد ما بين السماء والأرض خمسمائة عام . فيكون نزوله وصعوده ألف عام في يوم واحد . وروى جويبر عن الضحاك { فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } قال : يصعد الملك إلى السماء مسيرة خمسمائة عام ، ويهبط مسيرة خمسمائة عام في كل يوم من أيامكم وهو مسيرة ألف سنة .
ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10)
ثم قال عز وجل : { ذلك عَالِمُ الغيب } يعني : ذلك الذي يفعل هذا هو عالم الغيب { والشهادة } يعني : ما غاب من العباد ، وما شاهدوه . ويقال : عالم بما كان ، وبما يكون . ويقال : عالم السر والعلانية . ويقال : عالم بأمر الآخرة وأمر الدنيا { العزيز } في ملكه { الرحيم } بخلقه . (3/380)
قوله عز وجل : { الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر : { خَلَقَهُ } بجزم اللام . وقرأ الباقون : بالنصب فمن قرأ بالجزم فمعناه : الذي أحسن كل شيء .
وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال : الإنسان في خلقه حسن ، والخنزير في خلقه حسن ، وكل شيء في خلقه حسن . ومن قرأ بالنصب فعلى فعل الماضي يعني : خلق كل شيء على إرادته ، وخلق الإنسان في أحسن تقويم . ويقال : الذي علم خلق كل شيء خلقه . يعني : علم كيف خلق . ويقال : هل تحسن شيئاً . يعني : تعلم . ومعناه : الذي علم خلق كل شيء خلقه . ويقال : الحسن عبارة عن الزينة . يعني : الذي زين كل شيء خلقه وأتقنه كما قال : { وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب صُنْعَ الله الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } [ النمل : 88 ] .
ثم قال : { وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ } يعني : خلق آدم عليه السلام من طين من أديم الأرض { ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ } أي : خلق ذريته من سلالة من النطفة التي تنسل من الإنسان . وقال أهل اللغة : كل شيء على ميزان فعالة ، فهو ما فضّل من شيء . يقال : نشارة ونخالة .
ثم رجع إلى آدم عليه السلام فقال عز وجل : { مّن مَّاء مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ } يعني : سوى خلقه { وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ } .
ثم رجع إلى ذريته فقال : { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والابصار } ويقال : هذا كله في صفة الذرية يعني : ثم { جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاء مَّهِينٍ } يعني : من نطفة ضعيفة { ثُمَّ سَوَّاهُ } يعني : جمع خلقه في رحم أمه { وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ } يعني : جعل فيه الروح بأمره ، { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والابصار والافئدة } .
ثم قال : { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } يعني : لا تشكرون رب هذه النعم على حسن خلقكم ، فتوحّدوه . فلا تستعملوا سمعكم وأفئدتكم إلا في طاعتي . ويقال : ما هاهنا صلة . فكأنه يقول : تشكرونه قليلاً . ويقال : ما بمعنى : الذي . فكأنه قال : فقليل الذي تشكرون . وقد يكون الكلام بعضه بلفظ المغايبة .
ثم قال : { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع } بلفظ المخاطب ، فكما قال : هاهنا { ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ } { ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ } بلفظ المغايبة . ثم قال : { وَجَعَلَ لَكُمُ } بلفظ المخاطبة .
ثم قال عز وجل : { وَقَالُواْ أَءذَا ضَلَلْنَا فِى الارض } يعني : هلكنا وصرنا تراباً { إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } يعني : أنبعث بعد الموت . وأصله ضلّ الماء في اللبن إذا غاب وهلك . وروي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قرأ { أءذا ضللنا } بالصاد ، وتفسيره النتن . يقال : صل اللحم إذا أنتن . وقراءة العامة بالضاد المعجمة أي : هلكنا . وقرأ ابن عامر : { وَقَالُواْ إءِذَا ضَلَلْنَا } إذ بغير استفهام { إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } على وجه الاستفهام . قال : لأنهم كانوا يقرون بالموت ويشاهدونه . وإنما أنكروا البعث . ويكون الاستفهام في البعث دون الموت . (3/381)
ثم قال عز وجل : { بَلْ هُم بِلَقَاء رَبّهِمْ كافرون } يعني : بالبعث جاحدون فلا يؤمنون به .
[ بم قوله عز وجل :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)
{ قُلْ يتوفاكم } يعني : يقبض أرواحكم { مَّلَكُ الموت } واسمه عزرائيل . وروي في الخبر أن له وجوهاً أربعة . فوجه من نار يقبض به أرواح الكفار ، ووجه من ظلمة يقبض به أرواح المنافقين ، ووجه من رحمة يقبض به أرواح المؤمنين ، ووجه من نور يقبض به أرواح الأنبياء والصديقين عليهم السلام والدنيا بين يديه كالكف ، وله أعوان من ملائكة الرحمة ، وملائكة العذاب . فإذا قبض روح المؤمن دفعها إلى ملائكة الرحمة ، وإذا قبض روح الكافر دفعها إلى ملائكة العذاب . (3/382)
وروى جابر بن زيد أن ملك الموت كان يقبض الأرواح بغير وجه ، فأقبل الناس يسبونه ويلعنونه . فشكى إلى ربه عز وجل . فوضع الله عز وجل الأمراض والأوجاع . فقالوا : مات فلان بكذا وكذا .
ثم قال تعالى : { الذى وُكّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ } بعد الموت أحياءً فيجازيكم بأعمالكم .
ثم قال عز وجل : { وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون } يعني : المشركون { الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } استحياء من ربهم بأعمالهم يقولون : { رَبَّنَا أَبْصَرْنَا } الهدى { وَسَمِعْنَا } الإيمان . ويقال { أبصارنا } يوم القيامة بالمعاينة ، { وَسَمِعْنَا } يعني : أيقنوا حين لم ينفعهم يقينهم { فارجعنا } إلى الدنيا { نَعْمَلْ صالحا إِنَّا مُوقِنُونَ } يعني : أيقنّا بالقيامة . ويقال : { إِنَّا مُوقِنُونَ } يعني : قد آمنا ولكن لا ينفعهم . وقد حذف الجواب لأن في الكلام دليلاً ومعناه : ولو ترى يا محمد ذلك ، لرأيت ما تعتبر به غاية الاعتبار .
يقول الله تعالى : { وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا } يعني : لأعطينا { كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ولكن حَقَّ القول مِنْى } يعني : وجب العذاب مني . ويقال : ولكن سبق القول بالعذاب وهو قوله : { لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ } من كفار الإنس ، ومن كفار الجن أجمعين . فيقول لهم الخزنة : { فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ } يعني : ذوقوا العذاب بما تركتم { لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } يعني : تركتم العمل بحضور يومكم هذا . قال القتبي : النسيان ضد الحفظ ، والنسيان الترك . فقوله : { فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } أي : تركتم الإيمان بلقاء هذا اليوم { إِنَّا نسيناكم } يعني : تركناكم في العذاب . ويقال : نجازيكم بنسيانكم كما قال الله عز وجل : { أَمْ لَكُمْ كتاب فِيهِ تَدْرُسُونَ } [ التوبة : 67 ] { وَذُوقُواْ عَذَابَ الخلد } الذي لا ينقطع أبداً { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من الكفر .
إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)
ثم قال الله عز وجل : { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بئاياتنا } يعني : يصدق بآياتنا . يعني : بالعذاب { الذين إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا } يعني : وعظوا بها . يعني : بآيات الله عز وجل { خَرُّواْ سُجَّداً } على وجوههم { وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } يقول : وذكروا الله عز وجل بأمره { وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } عن السجود كفعل الكفار . ويقال : { الذين إِذَا ذُكّرُواْ } يعني : دعوا إلى الصلوات الخمس . أتوها فصلوها ، ولا يستكبرون عنها . (3/383)
قوله عز وجل : { تتجافى جُنُوبُهُمْ } قال مقاتل : نزلت في الأنصار . كانت منازلهم بعيدة من المسجد . فإذا صلوا المغرب كرهوا أن ينصرفوا ، مخافة أن تفوتهم صلاة العشاء في الجماعة . فكانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء . ويقال : الذي يصلي العشاء والفجر بجماعة . وقال أنس بن مالك : الذي يصلي ما بين المغرب والعشاء وهو صلاة الليل كما جاء في الخبر . قال النبي صلى الله عليه وسلم : « رَكْعَةٌ فِي اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ رَكْعَةٍ فِي النَّهَارِ » قال أبو الليث رحمه الله : حدثنا الخليل بن أحمد . قال : حدثنا السراج . قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم . قال : حدثنا أبو معاوية عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إسحاق عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد العبسية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فيسِمعهمُ الدَّاعِي وَيَنْقُدُهُمْ البَصَرُ ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ سَيَعْلَمُ أَهْلُ الجَمْعِ اليَوْمَ مَنْ أوْلَى بِالكَرَمِ . فَأيْنَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ؟ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابِ . ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ : أَيْنَ الَّذِينَ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله؟ فَيَقُومُونَ ، وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ . ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ : أيْنَ الَّذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ؟ وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخَلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ . ثُمَّ يُؤْمَرُ بِسَائِرِ النَّاسِ فَيُحَاسَبُونَ » . فذلك قوله عز وجل : { تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع } يعني : يصلون بالليل ويقومون عن فرشهم { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } خوفاً من عذابه ، وطمعاً في رحمته { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } يعني : يتصدقون من أموالهم . يعني : صدقة التطوع ، لأنه قرنه بصلاة التطوع . ويقال : يعني : الزكاة المفروضة . والأول أراد به العشاء والفجر .
ثم بيَّن ثوابهم فقال عز وجل : { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم } يعني : ما أعدّ لهم { مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } يعني : من الثواب في الجنة . ويقال : من طيبة النفس . وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ : أعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ » . قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } .
قال مقاتل : قيل لابن عباس ، ما الذي أخفي لهم؟ قال : في جنة عدن ما لم يكن في جناتهم . قرأ حمزة { مَّا أُخْفِىَ } بسكون الياء . وقرأ الباقون : بنصبها . فمن قرأ بالسكون فهو على معنى الخبر عن نفسه . فكأنه قال : { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم } ومن قرأ بالنصب فهو على فعل ما لم يسم فاعله على معنى أفعل . وقرىء في الشاذ { وَمَا أُخْفِىَ } يعني : { وَمَا أُخْفِىَ الله عَزِيزٌ عَرَّفَهَا لَهُمْ } ثم قال : { جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعني : جزاء لأعمالهم . (3/384)
قوله عز وجل : { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } يعني : لا يستوون عند الله عز وجل في الفضل . نزلت الآية في علي بن أبي طالب رضي الله عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط . وذلك أنه جرى بينهما كلام . فقال الوليد لعلي : بأي شيء تفاخرني؟ أنا والله أحد منك سناناً ، وأبسط منك لساناً ، وأملأ منك في الكتيبة عيناً . يعني : أكون أملأ مكاناً في العسكر . فقال له علي رضي الله عنه : اسكت فإنك فاسق فنزل { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } . وقال الزجاج : نزلت في عقبة بن أبي معيط . قال : ويجوز في اللغة لا يستويان . ولم يقرأ . والقراءة { لاَّ يَسْتَوُونَ } ومعناهما : لا يستوي المؤمنون والكافرون .
ثم بيّن مصير كلا الفريقين فقال تعالى : { أَمَّا الذين ءامَنُواْ } أي : أقروا بالله ورسوله والقرآن { وَعَمِلُواْ الصالحات } يعني : الطاعات { فَلَهُمْ جنات المأوى نُزُلاً } يعني : يأوي إليها المؤمنون . ويقال : يأوي إليها أرواح الشهداء ، وهو أصح في اللغة .
ثم قال : { نُزُلاً } يعني : رزقاً . والنزل في اللغة هو الرزق . ويقال : { نُزُلاً } يعني : منزلاً { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعني : بأعمالهم .
ثم بيّن مصير الفاسقين فقال : { وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ } يعني : عصوا ولم يتوبوا { فَمَأْوَاهُمُ النار } فسقوا يعني : نافقوا وهو الوليد بن عتبة ومن كان مثل حاله { فَمَأْوَاهُمُ النار } يعني : مصيرهم إلى النار ومرجعهم إليها { كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا } يعني : من النار { أُعِيدُواْ فِيهَا } ويقال : إن جهنم إذا جاشت ، ألقتهم في أعلى الباب . فطمعوا في الخروج منها ، فتلقاهم الخزنة بمقامع فتضربهم ، فتهوي بهم إلى قعرها { وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } وقال في آية أُخرى : { فاليوم لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار التى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ } [ سبأ : 42 ] بلفظ التأنيث . لأنه أراد به النار وهي مؤنثة . وهاهنا قال { الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } بلفظ التذكير لأنه أراد به العذاب وهو مذكر .
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)
ثم قال عز وجل : { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ العذاب الادنى } وهو المصيبات والقتل والجوع { دُونَ العذاب الاكبر } وهو عذاب النار . يعني : إن لم يتوبوا . ويقال : { العذاب الادنى } هو السحر للفاسقين ، والعذاب الأكبر النار إن لم يتوبوا . ويقال : { العذاب الادنى } عذاب القبر . وقال إبراهيم : يعني : سنين جدب أصابتهم . وقال أبو العالية : مصيبات في الدنيا { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يعني : يتوبون . (3/385)
قوله عز وجل : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ } يعني : وعظ بآيات ربه القرآن { ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا } يعني : عن الإيمان بها فلم يؤمن بها { إِنَّا مِنَ المجرمين مُنتَقِمُونَ } بالعذاب يعني : منتصرون .
ثم قال عز وجل : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } يعني : أعطينا موسى التوراة { فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَائِهِ } قال مقاتل : يعني : فلا تكن في شك من لقاء موسى التوراة . فإن الله عز وجل ألقى عليه الكتاب . وقال في رواية الكلبي : { فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ } من لقاء موسى عليه السلام ، فلقيه ليلة أُسري به في بيت المقدس يعني : لقي النبي صلى الله عليه وسلم موسى هناك . ويقال : لقيه في السماء . وذكر الخبر المعروف أنه فرض على النبي صلى الله عليه وسلم خمسون صلاة . فقال له موسى عليه السلام : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك . فلم يزل يرجع حتى حطّ الله عز وجل إلى الخمس ويقال : { فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَائِهِ } يعني : من لقاء الله عز وجل وهو البعث بعد الموت . ويقال : { فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَائِهِ } يعني : لا تشكن أنك تلقى موسى يوم القيامة .
ثم قال عز وجل : { وجعلناه هُدًى لّبَنِى إسراءيل } يعني : جعلنا التوراة بياناً لهم ، وهدى من الضلالة . ويقال : { وَجَعَلْنَاهُ هُدًى } يعني : جعلنا موسى هادياً لبني إسرائيل يدعوهم { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً } يعني : وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير { يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } يعني : يدعون الناس إلى أمر الله عز وجل { لَمَّا صَبَرُواْ } أي : حين صبروا ويقال : هو حكاية المجازاة ، يعني لما صبروا جعلنا منهم أئمة ومن قرأ بالتخفيف { لَمَّا صَبَرُواْ } أي بكسر اللام والتخفيف . وقرأ الباقون بالنصب والتشديد . فمن قرأ بالتشديد { لَمَّا صَبَرُواْ } بما صبروا ، وتشهد لها قراءة ابن مسعود ، كان يقرأ { بِمَا صَبَرُواْ } . ويقال : معناه كما صبروا عن الدنيا ، وصبروا على دينهم ، ولم يرجعوا عنه . ويقال : معناه وجعلناهم أئمة بصبرهم { وَكَانُواْ بئاياتنا يُوقِنُونَ } يعني : يصدقون بالعلامات التي أعطي موسى .
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)
ثم قال عز وجل : { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ } يعني : يقضي بينهم { يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من الدين . (3/386)
ثم خوّف كفار مكة فقال عز وجل : { أَوَ لَمْ *** يَهْدِ لَهُمْ } يعني : أو لم يبيِّن لهم الله تعالى . وقرىء في الشاذ { أَوَ لَمْ *** عَرَّفَهَا لَهُمْ } بالنون . وقرأ العامة بالياء .
{ كَمْ أَهْلَكْنَا } يعني : أو لم نبين لهم الهلاك { مِن قَبْلِهِمْ مّنَ القرون } يعني : قوم لوط وصالح وهود { يَمْشُونَ فِى مساكنهم } يعني : يمرون في منازلهم { إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَاتٍ } يعني : في إهلاكهم لآيات لعبرات { أَفَلاَ يَسْمَعُونَ } أي : أفلا يسمعون المواعظ فيعتبرون بها .
ثم قال عز وجل : { أَوَ لَمْ *** يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الماء إِلَى الارض الجرز } يعني : اليابسة الملساء التي ليس فيها نبات . يقال : أرض جرز أي : أرض جدب لا نبات فيها . يقال : جرزت الجراد إذا أكلت ، وتركت الأرض جرزاً { فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً } يعني : نخرج بالماء النبات { تَأْكُلُ مِنْهُ أنعامهم } أي : من الكلأ والعشب والتبن { وَأَنفُسِهِمْ } من الحبوب والثمار { أَفَلاَ يُبْصِرُونَ } هذه العجائب فيوحّدوا ربهم .
قوله عز وجل : { وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح } قال مقاتل : أي متى هذا القضاء وهو البعث؟ وقال قتادة : { الفتح } القضاء . وقال مجاهد : { الفتح } يوم القيامة { إِن كُنتُمْ صادقين } تكذيباً منهم يعنون به النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم قال عز وجل : { قُلْ } يا محمد { يَوْمَ الفتح } يعني : يوم القيامة { لاَ يَنفَعُ الذين كَفَرُواْ إيمانهم } قال في رواية الكلبي : إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتذاكرون فيما بينهم وهم بمكة قبل فتح مكة لهم . وكان ناس من بني خزيمة كانوا إذا سمعوا ذلك منهم ، يستهزئون بهم ويقولون لهم : متى فتحكم هذا الذي كنتم تزعمون؟ ويقولون : فنزل يعني : بني خزيمة . { متى هذا الفتح } يا أصحاب محمد إن كنتم صادقين .
{ قُلْ } يا محمد { يَوْمَ الفتح } أي : فتح مكة { لاَ يَنفَعُ الذين كَفَرُواْ إيمانهم } من القتل { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } حتى يقتلوا . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ، بعث خالد بن الوليد إلى بني خزيمة ، وقد كانت بينه وبينهم إحنة في الجاهلية . يعني : الحقد . فقالوا : قد أسلمنا . فقال لهم : انزلوا . فنزلوا فوضع فيهم السلاح فقتل منهم ، وأسر . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالَدُ بْنُ الوَلِيدِ » ؟ فبعث إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالدية من غنائم خيبر ، فذلك قوله تعالى : { قُلْ يَوْمَ الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كَفَرُواْ إيمانهم } من القتل { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } يعني : يؤجلون .
ثم قال عز وجل : { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } يا محمد { وانتظر } لهم فتح مكة ويقال : العذاب . { إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ } بهلاكك . وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل ، وتبارك الذي بيده الملك . وروى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَنْ قَرَأ الم السَّجْدَة ، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَى لَيْلَةَ القَدْرِ » والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم . (3/387)
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3)
قوله تبارك وتعالى : { ياأيها النبى اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين } قال مقاتل : وذلك أن أبا سفيان بن حرب ، وعكرمة بن أبي جهل ، وأبا الأعور السلمي ، قدموا المدينة بعد أحد ، وبعد الهدنة . فمروا على عبد الله بن أبي المنافق . فقام معهم عبد الله بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق . فجاؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم . فقالوا له : اترك ذكر آلهتنا . وقل : إن لها شفاعة في الآخرة ومنفعة لمن عبدها ، وندعك وربك . فشقّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضي الله عنه ائذن لي في قتلهم . فقال : «قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الأَمَانَ» . فلم يأذن له بالقتل وأمره بأن يخرجهم من المدينة . فقال لهم عمر : اخرجوا في لعنة الله وغضبه . فنزل { مُّنتَظِرُونَ ياأيها النبى اتق الله } وقال مقاتل في رواية الكلبي : قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فنزلوا على عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ، وجد بن قيس ، فتكلموا فيما بينهم . فلما اجتمعوا في أمر فيما بينهم ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونه إلى أمرهم ، وعرضوا عليه أشياءً فكرهها منهم . فهمّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون أن يقتلوهم فنزل { مُّنتَظِرُونَ ياأيها النبى اتق الله } ولا تنقض العهد الذي بينك وبينهم إلى المدةَ . { وَلاَ تُطِعِ الكافرين } من أهل مكة { والمنافقين } من أهل المدينة فيما دعوك إليه . ويقال : إن المسلمين أرادوا أن ينقضوا العهد فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم . فنزل { مُّنتَظِرُونَ ياأيها النبى اتق الله } في نقض العهد . وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وأراده هو وأصحابه . ألا ترى أنه قال في سياق الآية : { إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } ثم قال : { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بما اجتمعوا عليه { حَكِيماً } حيث نهاك عن نقض العهد وحكم بالوفاء . (3/388)
قوله عز وجل : { واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبّكَ } يعني : ما في القرآن { إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } من وفاء العهد ونقضه { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } يعني : ثق بالله ، وفوض أمرك إلى الله تعالى { وكفى بالله وَكِيلاً } يعني : حافظاً وناصراً . قرأ أبو عمرو : { بِمَا يَعْمَلُونَ } بالياء على معنى الخبر عنهم . وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة يعني : النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)
قوله عز وجل : { مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } قال مقاتل : نزلت في جميل بن معمر ، ويكنى أبا معمر . وكان حافظاً بما يسمع ، وأهدى الناس للطريق . يعني : طريق البلدان وكان مبغضاً للنبي صلى الله عليه وسلم . وكان يقول : إن لي قلبين . أحدهما أعقل من قلب محمد فنزل : { مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } وكان الناس يظنون أنه صادق في ذلك ، حتى كان يوم بدر فانهزم ، وهو آخذ بإحدى نعليه في أصبعه ، والأخرى في رجله حتى أدركه أبو سفيان بن حرب . وكان لا يعلم بذلك ، حتى أخبر أن إحدى نعليه في أصبعه ، والأخرى في رجله . فعرفوا أنه ليس له قلبان . ويقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهى في صلاته ، فقال المنافقون : لو أن له قلبين أحدهما في صلاته ، والآخر مع أصحابه ، فنزل { مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } . (3/389)
وروى معمر عن قتادة قال : كان رجل لا يسمع شيئاً إلا وعاه . فقال الناس : ما يعي هذا إلا أن له قلبين . وكان يسمى ذا القلبين فنزلت هذه الآية . وروى معمر عن الزهري قال : بلغنا أن ذلك في شأن زيد بن حارثة . ضرب الله مثلاً يقول : ليس ابن رجل آخر ابنك ، كما لا يكون لرجل آخر من قلبين .
وذكر عن الشافعي أنه احتج على محمد بن الحسن قال : { مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ } يعني : ما جعل الله لرجل من أبوين في الإسلام . يعني : لا يجوز أن يثبت نسب صبي واحد من أبوين . ولكن هذا التفسير لم يذعن به أحد من المتقدمين . فلو أراد به على وجه القياس لا يصح . لأنه ليس بينهما جامع يجمع بينهما . وذكر عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما أن جارية كانت بين رجلين ، جاءت بولد فادعياه . فقالا : إنه ابنهما يرثهما ويرثانه .
ثم قال عز وجل : { وَمَا جَعَلَ أزواجكم اللائى تظاهرون مِنْهُنَّ أمهاتكم } قرأ عاصم { تظاهرون } بضم التاء وكسر الهاء والألف . وقرأ ابن عامر : { تظاهرون } بنصب التاء والهاء وتشديد الظاء . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو : { تُظْهِرُونَ } بنصب التاء والهاء بغير ألف والتشديد . وقرأ حمزة والكسائي { تظاهرون } بنصب التاء والتخفيف مع الألف . وهذه كلها لغات . يقال : ظاهر من امرأته ، وتظاهر ، وتظهر بمعنى واحد . وهو أن يقول لها : أنت علي كظهر أمي . فمن قرأ : { تُظْهِرُونَ } بالتشديد ، فالأصل تظهرون ، فأدغم إحدى التاءين في الظاء وشددت . من قرأ { تظاهرون } فالأصل يتظاهرون فأدغمت إحدى التاءين . ومن قرأ بالتخفيف حذف إحدى التاءين ، ولم يشدد للتخفيف كقوله : { تُسْأَلُونَ } والأصل تتساءلون ، والآية نزلت في شأن أوس بن الصامت حين ظاهر من امرأته وذكر حكم الظهار في سورة المجادلة .
ثم قال تعالى : { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ } نزلت في شأن زيد بن حارثة حين تبنّاه النبي صلى الله عليه وسلم قال : فكما لا يجوز أن يكون لرجل واحد قلبان ، فكذلك لا يجوز أن تكون امرأته أمه ، ولا ابن غيره يكون ابنه . (3/390)
ثم قال : { ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بأفواهكم } يعني : قولكم الذي قلتم زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم أنتم قلتموه بألسنتكم { والله يَقُولُ الحق } يعني : يبيّن الحق ، ويأمركم به كي لا تنسبوا إليه غير النسبة { وَهُوَ يَهْدِى السبيل } يعني : يدلّ على طريق الحق . يقال : يدلّ على الصواب بأن تدعوهم إلى آبائهم . وروى أبو بكر بن عياش عن الكلبي قال : كان زيد بن حارثة مملوكاً لخديجة بنت خويلد ، فوهبته خديجة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه ، وتبناه ، فكانوا يقولون زيد بن محمد فنزل قوله : { ادعوهم لاِبَائِهِمْ } يعني : انسبوهم لآبائهم . فقالوا : زيد بن حارثة { هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله } يعني : أعدل عند الله عز وجل { ادعوهم لاِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ } يعني : إن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم { فَإِخوَانُكُمْ فِى الدين } أي : قولوا ابن عبد الله وابن عبد الرحمن { ومواليكم } يعني : قولوا مولى فلان . وكان أبو حذيفة أعتق عبداً يقال له : سالم وتبناه ، فكانوا يسمونه سالم بن أبي حذيفة . فلما نزلت هذه الآية سموه سالماً مولى أبي حذيفة .
ثم قال : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } يعني : أن تنسبوهم إلى غير آبائهم قبل النهي . ويقال : ما جرى على لسانهم بعد النهي ، لأن ألسنتهم قد تعودت بذلك { ولكن } الجناح فيما { مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } يعني : قصدت قلوبكم بعد النهي .
وروي عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمرو عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « تَجَاوَزَ الله عَنْ أمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ » . وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه حلف باللات والعزى ناسياً . فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن ينفث عن يساره ثلاثاً ، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .
ثم قال : { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } يعني : غفوراً لمن أخطأ ثم رجع { رَّحِيماً } بهم .
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6) وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8)
قوله عز وجل : { النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ } يعني : ما يرى لهم رأياً فذلك أولى وأحسن لهم من رأيهم . ويقال : معناه النبي أرحم بالمؤمنين من أنفسهم { وأزواجه أمهاتهم } يعني : كأمهاتهم في الحرمة . وذكر عن أبي أنه كان يقرأ { النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ } وهو أب لهم { وأزواجه أمهاتهم } { وَأُوْلُو الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } قال في رواية الكلبي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين الناس . فكان يؤاخي بين الرجلين . فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله . فمكثوا في ذلك ما شاء الله حتى نزلت هذه الآية : { وَأُوْلُو الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } . { فِى كتاب الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين } الذين آخى بينهم فصارت المواريث بالقرابات ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أَنَا وَلِيُّ كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ تَرَكَ مالاً فَلِوَرَثَتِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً فَإلَى الله وَإلَى رَسُولِهِ » . فأمر بصرف الميراث إلى العصبة . (3/391)
ثم قال تعالى : { إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إلى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً } يعني : إلا أن يوصي له بثلث ماله . وقال مقاتل : كان المهاجرون والأنصار يرثون بعضهم من بعض بالقرابة ، ولا يرث من لم يهاجر إلا أن يوصي للذي لم يهاجر . ثم نسخ بما في آخر سورة الأنفال .
ثم قال : { كَانَ ذلك فِى الكتاب مَسْطُورًا } يعني : هكذا كان مكتوباً في التوراة . ويقال : في اللوح المحفوظ . ويقال : في القرآن .
قوله عز وجل : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ } وهو الوحي الذي أوحى إليهم أن يدعوا الخلق إلى عبادة الله عز وجل ، وأن يصدق بعضهم بعضاً . ويقال : الميثاق الذي أخذ عليهم من ظهورهم . ويقال : كل نبي أمر بأن يأمر من بعده بأن يخبروا ببعث النبي صلى الله عليه وسلم حتى ينتهي إليه .
ثم قال : { وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } في هذا تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه قد ذكر جملة الأنبياء عليهم السلام ثم خصّه بالذكر قبلهم ، وكان آخرهم خروجاً . ثم ذكر نوحاً لأنه كان أولهم . ثم ذكر إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم صلوات الله عليهم لأن كل واحد منهم كان على أثر بعض .
فقال : { وإبراهيم وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ } ثم قال : { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً } يعني : عهداً وثيقاً أن يعبدوا الله تعالى ، ويدعوا الخلق إلى عبادة الله عز وجل ، وأن يبشروا كل واحد منهم بمن بعده .
ثم قال عز وجل : { لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ } يعني : أخذ عليهم الميثاق لكي يسأل الصادقين عن صدقهم . يعني : يسأل المرسلين عن تبليغ الرسالة . ويسأل الوفيّين عن وفائهم .
وروي في الخبر : أنه يسأل القلم يوم القيامة . فيقول له : ما فعلت بأمانتي؟ فيقول : يا رب سلمتها إلى اللوح . ثم جعل القلم يرتعد مخافة أن لا يصدقه اللوح . فيسأل اللوح بأن القلم قد أدى الأمانة ، وأنه قد سلم إلى إسرافيل . فيقول لإسرافيل : ما فعلت بأماتني التي سلمها إليك اللوح؟ فيقول : سلمتها إلى جبريل . فيقول لجبريل عليه السلام : ما فعلت بأمانتي . فيقول : سلمتها إلى أنبيائك . فيسأل الأنبياء عليهم السلام فيقولون : قد سلمناها إلى خلقك ، فذلك قوله تعالى : { لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ } { وَأَعَدَّ للكافرين عَذَاباً أَلِيماً } يعني : الذين كذبوا الرسل قوله عز وجل : (3/392)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)
{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } يعني : احفظوا منة الله عليكم بالنصرة . { إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ } يعني : الأحزاب . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ، صالح بني قريظة وبني النضير على أن لا يكونوا عليه ، ولا معه . فنقضت بنو النضير عهودهم ، وأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم منها ، وذكر قصتهم في سورة الحشر . (3/393)
ثم إنّ بني قريظة جددوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم . ثم إن حيي بن أخطب ركب ، وخرج إلى مكة . فقال لأبي سفيان بن حرب : إن قومي مع بني قريظة وهم سبعمائة وخمسون مقاتلاً . فحثّه على الخروج إلى قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم خرج من مكة إلى غطفان وحثهم على ذلك . ثم خرج إلى كنانة وحثهم على ذلك . فخرج أبو سفيان مع جماعة من أهل مكة . وخرج غطفان وبنو كنانة حتى نزلوا قريباً من المدينة مع مقدار خمسة عشر ألف رجل . ويقال : ثمانية عشر ألف رجل . ثم جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة . فجاء إلى باب كعب بن الأشرف وهو رئيس بني قريظة . فاستأذن عليه . فقال لجاريته : انظري من هذا؟ فعرفته الجارية فقالت : هذا حيي بن أخطب . فقال : لا تأذني له عليّ . فإنه مسؤوم إنه قد سأم قومه . يريد أن يسأمنا زيادة . فقالت له الجارية : ليس هاهنا فقال حيي بن أخطب بلى هو ثم ولكن عنده قدر جيش لا يحب أن يشركه فيها أحد . فقال كعب : أحفظني أخزاه الله . يعني : أغضبني ائذني له في الدخول . فدخل عليه . فقال له : يجيئُك مليكك ، قد جئتك بعارض برد جئتك بقريش بأجمعها ، وكنانة بأجمعها ، وغطفان بأجمعها . لا يذهب هذا الفوز حتى يقتل محمد . فانقض الحلف بينك وبين محمد . فقال له كعب بن الأشرف : إن العارض ليسبب بنفحاته شيئاً . ثم يرجع وأنا في بحر لجي ، لا أقدر على أن أريم داري ومالي . والله ما رأينا جاراً قط خيراً من محمد ما خفر لنا بذمة ، ولا هتك لنا ستراً ولا آذانا ، وإنما أخشى أن لا يقتل محمد ، وترجع أنت وأقتل أنا . فقال لكم ما في التوراة إن لم يقتل محمداً في هذا الغور ، لأدخلنّ معكم حصنكم ، فيصيبني ما أصابكم . فنقض الحلف ، وشقّ الصحيفة ، فقدم بنعيم بن مسعود المدينة ، وكان تاجراً يقدم من مكة . فقال : يا محمد شعرت أن بني قريظة نقضوا الحلف الذي كان بينك وبينهم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لَعَلَّنَا نَحْنُ أَمَرْنَاهُمْ بذلك » . فقال عمر : إن كنت أمرتهم بذلك ، وإن كنت تأمرهم بذلك ، فقتالهم علينا هيّن . فقال : « مَا أَنا بِكَذَّابٍ ، ولكن الحَرْبَ خُدْعَةٌ » .
ونعيم لم يسلم ذلك اليوم . فبعث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير ، وسعد بن عبادة إلى كعب بن الأشرف ، يناشدوه الله الحلف الذي كان بينهم . وأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه من قبل . فأبى كعب بن الأشرف ، وجرى بينهم كلام . وسبّ سعد بن معاذ . فقال أسيد بن حضير : أتسب سيدك معاذاً يا عدو الله؟ ما هو لك بكفؤ . فقال سعد بن معاذ : اللهم لا تميتني حتى أشفي نفسي منهم . فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثوه الحديث . (3/394)
فانطلق نعيم بن مسعود إلى أبي سفيان . فقال : يا أبا سفيان والله ما كذب محمد قط كذبة . أخبرني بأنه أمر بنقض الحلف بينه وبين بني قريظة . فقال سلمان الفارسي : إنا كنا يا رسول الله بأرض فارس إذا تخوفنا الجنود ، خندقنا على أنفسنا . فهل لك أن تخندق خندقاً؟ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل المدينة ، وخندق وأخذ المعول بيده ، فضرب لكي يقتدي الناس . فضرب ضربةً فأبرق برقة ، حتى ظهر ضوء بضربته .
ثم ضرب ضربة أخرى فأبرق برقة ، ثم ضرب الثالثة فقال سلمان : لقد رأيت أمراً عجيباً . لقد رأيت ذلك . قال : نعم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لَقَدْ رَأَيْتُ بِالأُولَى قُصُورَ الشَّامِ ، وَبِالثَّانِيَةِ قُصُورَ كِسْرَى؛ وَبِالثَّالِثَةِ قُصُورَ اليَمَنِ . فهذه فُتُوحٌ يَفْتَحُ الله عَلَيْكُمْ » . فقال ناس من المنافقين : يعدنا أن تفتح الشام ، وأرض فارس ، واليمن . وما يستطيع أحد منا أن يذهب إلى الخلاء . ما يعدنا إلا غروراً .
فمكث الجنود حول المدينة بضعة عشرة ليلة ، فأرسل عيينة بن حصن الفزاري ، والحارث بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك إن أعطيتنا تمر المدينة هذه السنة ، نرجع عنك بغطفان وكنانة ، ونخلي بينك وبين قومك فتقاتلهم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا » . فقال : فنصف ذلك التمر . قال : « نعم » . وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وهو سيد الأوس ، وسعد بن عبادة وهو سيد الخزرج . فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة ، والحارث بن عوف لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب لنا كتاباً . فدعى بصحيفة ليكتب بينهم . فقال سعد بن معاذ وسعد بن عبادة : يا رسول الله أوحي إليك في هذا شيء . فقال : « لا ولكنني رَأَيْتُ العَرَبَ رَمَتْكُمْ مِنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ فَقُلْتُ أَرُدُّ هؤلاء وَأُقَاتِلُ هؤلاء » فقالا : ما رجون بهذا منها في الجاهلية قط أن يأخذوا منا تمرة واحدة إلا بشراء وقرًى . فحين زادنا الله بك ، وأمدنا بك ، وأكرمنا بك ، نعطيهم الدنية . لا نعطيهم شيئاً إلا بالسيف . فشق النبي صلى الله عليه وسلم الصحيفة قال :
« اذْهَبُوا فَلا نُعْطِيكُمْ شَيْئاً إلاَّ بِالسَّيْفِ » . فلما كان يوم الجمعة أرسل أبو سفيان إلى حييّ بن أخطب أن استعدَّ غداً إلى القتال فقد طال المقام هاهنا وقل لقومك يعدوا . فلما جاء بني قريظة الرسول ، فقالوا : غداً يوم السبت لا نقاتل فيه . فقال أبو سفيان : نحن نؤخر القتال إلى يوم الأحد . هاتوا لنا رهوناً أبناءكم نثلج إليهم أي : نطمئن بذلك . (3/395)
فجاء رسول أبي سفيان إلى بني قريظة ، وقد أمسوا ، فقالوا : هذه الليلة لا يدخل علينا أحد ، ولا يخرج من عندنا أحد . فوقع في نفس أبي سفيان من قول نعيم بن مسعود أنه خوان حق ، وأن نقض العهد كان مكراً منهم .
فلما كانت الليلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عند الخندق فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث الليل ثم قال : « مَنْ رَجُلٌ يَنْظُرُ مَا يَفْعَلُ القَوْمُ أَدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ » . فما تحرك منهم أحد . ثم صلى الثلث الثاني فقال : « من رجل ينظر ما يفعل القوم » فما تحرك منهم أحد ثم صلى ساعة ، ثم هتف مرة أخرى ، فما تحرك منهم إنسان . فقال : « يَا حُذَيْفَةُ » فجاء حذيفة . فقال : « أَمَا سَمِعْتَ كَلامِي مُنْذُ اللَّيْلَة » . قال : بلى . ولكن بي من الجوع والقر يعني : البرد لم أقدر على أن أجيبك . قال : « اذْهَبْ فَانْظُرْ ما فَعَلَ القَوْمُ ، وَلاَ تَرْمِي بِسَهْمٍ ، وَلاَ بِحَجَرٍ ، وَلاَ تَطْعَنْ بِرمْحٍ ، وَلاَ تَضْرِبْ بِسَيْفٍ » . فقال : يا رسول الله إني لا أخشى أن يقتلوني ، إني لميت . ولكن أخشى أن يمثلوا بي . فقال : « لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ » . فلما قال هذا ، قال حذيفة : آمنت وعرفت أنه لا بأس علي . فلما ولى حذيفة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : « احْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ » . فدخل حذيفة رضي الله عنه في عسكر قريش ، فإذا هم يصطلون يعني : مجتمعين على نار لهم . فجلس حذيفة في حلقة منهم . فقال : أتدرون ما يريد الناس غداً؟ قالوا : ماذا يريدون؟ قال : يقولون : يعني : أهل العساكر أين قريش؟ أين سادات الناس وقادتهم؟ فتجيئون فيطرحونكم في نحور العدو . فتقتلوا أو تفروا . فما زال ذلك الحديث يفشو في العسكر .
ثم دخل عسكر بني كنانة . فقال : أتدرون ماذا يريد الناس غداً؟ قالوا : ماذا يريدون؟ قالوا : يقولون أين بنو كنانة؟ أين ذروة العرب؟ أين رماة الخندق؟ فتجيبون . فيطرحونكم في نحور العدو؟ فتقتلوا أو تفروا .
ثم دخل عسكر غطفان ، فقال : أتدرون ماذا يريد الناس غداً؟ قولوا ماذا يريدون؟ قال : يقولون أين غطفان؟ أين بنو فزارة بن حلاس الخيول؟ فتجيبون .
فيطرحونكم في نحور العدو . فتقتلوا أو تفروا . (3/396)
قال : فبعث الله تعالى عليهم ريحاً شديدة ، فلم تترك لهم خباء إلا قلعته ، ولا إناء إلا أكفأته . وقلعت أوتاد خيولهم ، وجالت الخيول بعضها في بعض . فقالوا فيما بينهم : لقد بدا محمد بالسر . فالنجاة النجاة . فركب أبو سفيان جمله معقولاً ، فما حلّ عقاله إلا بعد أن انبعث . قال حذيفة : ولو شئت أن أضربه بسيفي أو أطعنه برمحي لفعلت . ولكن نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم . فترحلوا كلهم وذهبوا .
فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه عن العساكر وما فعل الله عز وجل بها . فنزل { الجحيم يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } في الدفع عنكم { إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ } من المشركين { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً } شديدة { وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } من الملائكة . وذلك كبرت حوالي العسكر حتى انهزموا حين هبت بهم الريح ، وهي ريح الصبا . وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «نُصِرْتُ بِالصَّبَا ، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» ثم قال تعالى : { وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } في أمر الخندق .