صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ويقال : شاهد على ما نقول ، وعلى عقدنا .
وذكر مقاتل أن رجلاً من الأزد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما الأجلين قضى موسى؟ قال : « الله أَعْلَمُ » حتى سأل جبريل ، فأتاه جبريل ، فسأله . فقال : الله أعلم ، حتى سأل إسرافيل عليه السلام فقال : الله أعلم ، حتى اسأل رب العزة ، فأوحى الله تعالى إلى إسرافيل عليه السلام أن قد قضى موسى أبرهما وأوفاهما .
وروي عن ابن عباس أنه قال : قضى موسى أتمَّ الأجلين ، وقد كان شرطه له أن ما ولدت في ذلك العام ولداً أبلق ، فهو له ، فولدت في ذلك العام كلها بلقاً ، فأخذ البلق مثل هذا الشرط في شريعتنا غير واجب ، إلا أن الوعد من الأنبياء عليهم السلام واجب ، فوفاه بوعده ، فلما أراد أن يخرج قال لشعيب عليه السلام : يا شيخ أعطني عصا أسوق بها غنمي . فقال لابنته : التمسي له عصا ، فجاءت بعصا شعيب . فقال شعيب عليه السلام : ردي هذه ، وكانت تلك العصا أودعها إياه ملك في صورة إنسان ، وكانت من عود آس الجنة ، فردتها والتمست غيرها ، فلم يقع في يدها غيرها ، فأعطته ، فخرج مع أهله فضل الطريق ، وكانت ليلة باردة مظلمة ، فذلك قوله تعالى : { فَلَمَّا قضى *** الاجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ } يعني : بِامرأتِهِ { إِنسٌ } يعني : أبصر { مِن جَانِبِ الطور نَاراً قَالَ لاِهْلِهِ امكثوا } يعني : قفوا مكانكم { فَلَمَّا قضى مُوسَى الاجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءانَسَ } أي : خبر الطريق { أَوْ جَذْوَةٍ مّنَ النار } قرأ عاصم { جَذْوَةٍ } بنصب الجيم ، وقرأ حمزة بضم الجيم ، وقرأ الباقون بالكسر ، فهذه لغات معناها واحد ، وهو قطعة من النار . ويقال : شعلة ، وهو عود قد احترق { لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } أي : لكي تصطلوا من البرد ، فترك امرأته في البرية وذهب .

(3/316)


فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35)

{ فَلَمَّا أتاها } يعني : النار { نُودِىَ مِن شَاطِىء الوادى * الايمان } يعني : من جانب الواد الأيمن عن يمين موسى عليه السلام { فِى البقعة المباركة } يعني : من الموضع المبارك الذي كلم الله فيه موسى عليه السلام { مِنَ الشجرة أَن ياموسى *** موسى إِنّى **أَنَا الله رَبُّ العالمين } يعني : الذي يناديك رب العالمين . قوله عز وجل : { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ } وقد ذكرناه . قال الله تعالى : { يُعَقّبْ ياموسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الامنين } يعني : من الحية يعني : قد آمنت أن ينالك منها مكروه { اسلك يَدَكَ } أي : أدخل يدك { فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب } أي : يدك .
قال بعضهم : هذا ينصرف إلى قوله ولم يعقب من الرهب ، أي : لم يلتفت من الخوف . ويقال : كان خائفاً ، فأمره بأن يضم يده إلى صدره ، ففعل حتى سكن عن قلبه الرعب .
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { مِنَ الرهب } بنصب الراء والهاء ، وقرأ عاصم في رواية حفص بنصب الراء ، وجزم الهاء ، والباقون { الرهب } بضم الراء ، وجزم الهاء . ومعنى ذلك كله واحد ، وهو الخوف . وقال بعضهم : هو الكريم . ثم قال : { فَذَانِكَ برهانان مِن رَّبّكَ } يعني : اليد والعصا آيتان وعلامتان من ربك وحجتان لنبوتك . قرأ ابن كثير وأبو عمرو . { فَذَانِكَ } بتشديد النون . وقرأ الباقون بالتخفيف ، وهما لغتان ، وهو الإشارة إلى شيئين . يقال للواحد : ذلك وذاك ، والاثنين ذانك وذاناك . { إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } ومعناه : أرسلناك إلى فرعون بهاتين الآيتين { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } يعني : عاصين { قَالَ } موسى { رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } به { وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً } يعني : أبين مني لساناً وكانت في لسان موسى عقدة من النار التي أدخلها فاه { فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ رِدْءاً } أي عوناً { يُصَدّقُنِى } يعني : لكي يصدقني ، ويعبر عن كلامي . قرأ نافع { ***رداً } بغير همز ، والباقون بالهمز ، فمن قرأ بالهمز ، فهو الأصل ، ومن قرأ بغير همز ، فإنما ألقى فتحة الهمزة على الدال ، وليّن الهمزة . وقرأ عاصم وحمزة { رِدْءاً يُصَدّقُنِى } بضم القاف ، والباقون بالجزم ، فمن قرأ بالجزم جعله جواب الأمر ، ومن قرأ بالضم جعله صفة ردءاً أي ردءاً مصدقاً ثم قال : { إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ } أي فرعون وقومه { قَالَ } الله تعالى : { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } أي : نقويك بأخيك { وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا } يعني : حجة ثانية ، وهي اليد والعصا { فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا باياتنا } يعني : لا يقدرون على قتلكما { أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون } يعني : من آمن بكما الغالبون في الحجة .

(3/317)


فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)

قوله عز وجل : { فَلَمَّا جَاءهُم موسى بئاياتنا بينات } يعني : جاء إلى فرعون وقومه بعلاماتنا ، وذكر في رواية مقاتل أن فرعون لم يأذن لهما إلى سنة . وقال في رواية السدي وغيره : أنه لما جاء إلى الباب ، لم يأذن له البواب ، فضرب عصاه على باب فرعون ضربة ، ففزع من ذلك فرعون وجلساؤه ، فدعا البواب وسأله ، فأخبره أن بالباب رجلاً يقول : أنا رسول رب العالمين ، فأذن له . فدخل فأدى الرسالة وأراهم العلامة . فقالوا هذا سحر ، فذلك قوله عز وجل : { قَالُواْ مَا هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى } يعني : ما هذا الذي جئت به إلا كذب مختلق يعني : الذي جئت به ما هو إلا سحر قد اختلقته من ذات نفسك { وَمَا سَمِعْنَا بهذا فِى ءابَائِنَا الاولين *** وَقَالَ مُوسَى } قرأ ابن كثير بغير واو . وقرأ الباقون بالواو ، فمن قرأ بالواو ، فهو عطف جملة على جملة ، ومن قرأ بغير واو ، فهو استئناف قال موسى : { رَبّى أَعْلَمُ بِمَن جَاء بالهدى مِنْ عِندِهِ } يعني : أنا جئت بالهدى من عند الله { وَمَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار } يعني : هو أعلم بمن تكون له الجنة والنار . ويقال : بمن يكون له عاقبة الأمر والدولة . قرأ حمزة والكسائي ، { وَمِنْ *** يَكُونَ } بلفظ التذكير وقرأ الباقون { تَكُونُ } بلفظ التأنيث .
ثم قال : { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } يعني : لا يأمن الكافرون من عذابه { وَقَالَ فِرْعَوْنُ } لأهل مصر { فِرْعَوْنُ ياأيها الملا مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى } فلا تطيعوا موسى وهذه إحدى كلمتيه التي أخذه الله بهما . والأخرى . { فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الاعلى } [ النازعات : 24 ] . ثم قال : { فَأَوْقِدْ لِى ياهامان ياهامان عَلَى الطين } أي : أوقد النار على اللبن حتى يصير آجراً . قال مقاتل : وكان فرعون أول من طبخ الآجر وبنى به { فاجعل لّى صَرْحاً } أي : قطراً طويلاً منه ، وهو المنارة { لَّعَلّى أَطَّلِعُ } السماء { إلى إله موسى } يعني : وأقف عليه ، فبنى الصرح ، وكان بلاطه خبث القوارير ، وكان الرجل لا يستطيع القيام عليه من طوله مخافة أن تنسفه الرياح ، وكان طوله في السماء خمسة آلاف ذراع ، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع ، فلما فزع من بنائه جاء جبريل عليه السلام فضرب جناحه على الصرح ، فهدمه ثم قال تعالى : { وَإِنّى لاظُنُّهُ مِنَ الكاذبين } أي : أحسب موسى بما يقول أن في السماء إلهاً من الكاذبين .

(3/318)


وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45)

قوله عز وجل : { واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الارض } يعني : استكبر فرعون عن الإيمان هو وقومه { بِغَيْرِ الحق } يعني : بغير حجة { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ } يعني : وحسبوا أنهم { إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } بعد الموت . قرأ نافع وحمزة والكسائي { لاَ يَرْجِعُونَ } بنصب الياء ، وكسر الجيم . وقرأ الباقون بضم الياء ، أي : لا يردون بمعنى التعدي قول الله تعالى : { فأخذناه وَجُنُودَهُ } يعني : عاقبناه وجنوده { فنبذناهم فِى اليم } يعني : أغرقناهم في البحر وقال مقاتل في النيل { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين } يعني : المشركين { وجعلناهم أَئِمَّةً } يعني : خذلناهم حتى صاروا قادة ورؤساء للضلال والجهال { يَدْعُونَ إِلَى النار } يعني : إلى عمل أهل النار . ويقال : إلى الضلالة التي عاقبتها النار { وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ } يعني : لا يمنعون من عذابي { وأتبعناهم فِى هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً } أي : عقوبة وهو الغرق { وَيَوْمَ القيامة هُمْ مّنَ المقبوحين } أي : من المهلكين . والعرب تقول : قبحه الله أهلكه الله . ويقال : { وأتبعناهم فِى هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً } وذلك أنهم لما أهلكوا لعنوا ، فهم يعرضون على النار غدوة وعشية إلى يوم القيامة ، ويوم القيامة هم من المقبوحين الممقوتين المهلكين . ويقال : { مّنَ المقبوحين } ، أي : من المعذبين ويقال : إنه قبح صورتهم . ويقال : { مّنَ المقبوحين } ، أي من : المشوهين .
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } يعني : أعطيناه التوراة { مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القرون الاولى } بالعذاب أي : من بعد قوم نوح وعاد وثمود { بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } يعني : هلاكهم بصيرة للناس وغيرهم . ويقال : بصائر . يعني : الكتاب بياناً لبني إسرائيل ، ومعناه : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب *** بَصَائِرَ } أي مبيناً للناس { وهدى } من الضلالة لمن عمل به { وَرَحْمَةً } لمن آمن به من العذاب { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي : لكي يتعظوا ، فيؤمنوا بتوحيد الله { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى } أي : ما كنت يا محمد بناحية الجبل من قبل المغرب { إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الامر } يعني : إذ عهدنا إليه بالرسالة . ويقال : أحكمنا معه ، وعمدنا إليه بأمرنا ونبينا { وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين } يعني : حاضرين لذلك الأمر { وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر } أي الأجل فنسوا عهد الله ونسوا أمره { وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } أي مقيماً في أهل مدين { تَتْلُو عَلَيْهِمْ *** ءاياتنا } يعني : تتلو على أهل مكة القرآن يعني : أن الله تعالى أعلمك أخبار الأمم الماضية من حديث موسى وشعيب عليهما السلام ليكون علامة لنبوتكم حيث يخبرك بخبر موسى ، ولم تكن حاضراً هناك ، ولم تكن تقرأ القرآن { وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } إليك لتخبرها بخبر أهل مدين ، وبخبر موسى . ويقال : { وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } يعني : أرسلناك رسولاً ، وأنزلنا هذه الأخبار ، لتخبرهم لولا ذلك لما علمتها .

(3/319)


وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)

قوله عز وجل : { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور } يعني : بناحية الجبل الذي كلّم الله به موسى . يعني : عن يمين موسى ، ولولا ذلك { إِذْ نَادَيْنَا } يعني : كلمنا موسى . ويقال : إذ نادينا أمتك ، وذلك أن الله تعالى لما وصف نعت أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فأحب موسى أن يراهم قال الله تعالى لموسى : إنك لن تراهم وإن أحببت أسمعتك كلامهم ، فأسمعه الله تعالى كلامهم ، وقال أبو هريرة رضي الله عنه معنى قوله : { إِذْ نَادَيْنَا } يعني : نودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني ، واستجبت لكم قبل أن تدعوني .
وروى أن عمر عن ابن مدرك عن أبي زرعة قال : نرفع الحديث في قوله : { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا } . قال : نودي يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني ، وأعطيتكم قبل أن تسألوني . وعن عمرو بن شعيب قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله : { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا } ما كانَ النِّدَاءُ ، وَمَا كَانَتِ الرَّحْمَةُ قَالَ : « كِتَابٌ كَتَبَهُ الله تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ بألْفَيْ عَامٍ ، وَسِتِّمائَةِ عَامٍ عَلَى وَرَقَةِ أمْنٍ ، ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى عَرْشِهِ ، ثُمَّ نَادَى يا أمَّةَ مُحَمَّدٍ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي ، أعْطَيْتُكُمْ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُونِي ، وَغَفَرْتُ لَكُمْ قَبْلَ أنْ تَسْتَغْفِرُونِي ، فَمَنْ لَقِيَنِي مِنْكُمْ ، يَشْهَدُ أنْ لاَ إله إلاَّ الله ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ أَدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ » . ثم قال : { ولكن رَّحْمَةً مّن رَّبِكَ } يعني : القرآن نعمة من ربك حيث اختصصت به نصب رحمة ، لأن معناه فعلنا ذلك للرحمة ، كقوله : فعلت ذلك ابتغاء الخير ، يعني : لابتغاء الخير ثم قال : { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم } يعني : لم يأتهم { مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } يعني : لم يأتهم رسول من قبلك ، وهم أهل مكة { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يعني : لكي يتعظوا . قوله عز وجل : { وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ } يعني : عقوبة ونقمة ، وفي الآية تقديم ومعناها لولا أن يقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً ، فنتبع آياتك ، ونكون من المؤمنين لعذبوا في الدنيا ، ولأصابتهم مصيبة { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } وهذا هو قول مقاتل . ويقال : معناه لولا أن يصيبهم عذاب { فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتّبِعَ ءاياتك وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } لعذبوا في الدنيا ، فيكون جوابه مضمراً . ويقال : معناه لو إني أهلكتهم قبل إرسالي ، لقالوا يوم القيامة : { رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك } أي : يقولوا : ولولا ذلك لم نحتج إلى إرسال الرسل ، فأرسلناك لكي لا يكون لهم حجة علي ، ثم قال عز وجل : { فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا } يعني : الكتاب والرسل { قَالُواْ لَوْلا أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ موسى } من قبل يعني هلا أعطي محمد صلى الله عليه وسلم القرآن جملة واحدة ، كما أعطي موسى التوراة جملة يقول الله تعالى : { أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى مِن قَبْلُ } يعني : بالتوراة ، فقد كفروا بآيات موسى ، كما كفروا بآيات محمد صلى الله عليه وسلم { قَالُواْ سِحْرَانِ تظاهرا } يعني : تعاونا ، وذلك أن أهل مكة سألوا اليهود عنه فأخبروهم أنهم يجدون في كتبهم نعته وصفته فأمروهم بأن يسألوه عن أشياء فلما أجابهم .

(3/320)


قالوا : ساحران تظاهرا { وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلّ كافرون } يعني : جاحدين قرأ حمزة والكسائي وعاصم { سِحْرَانِ } بغير ألف ، عنوا محمداً وموسى عليهما السلام ويقال : التوراة والفرقان . ويقال : التوراة والإنجيل . وقال سعيد بن جبير : يعني موسى وهارون عليهما السلام ويقال : موسى وعيسى عليهما السلام واحتج من يقرأ بغير ألف بما في سياق الآية . { قُلْ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ } واحتج من قرأ بالألف بقوله تعالى : { تَظَاهَرَا } تعاونا ، والتظاهر يكون بالناس يقول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم قل لهم فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ، يعني : من التوراة ، والقرآن أتبعه ، أي أعمل به { إِن كُنتُمْ صادقين } بأنهما ساحران { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ } يعني : إن لم يجيبوك إلى الإثبات بالكتاب { فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ } بعبادة الأوثان . ويقال : يؤثرون أهواءهم على الدين { وَمَنْ أَضَلُّ } يعني : ومن أضر بنفسه { مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ الله } يعني : بغير بيان من الله { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } يريد كفار مكة يعني : لا يرشدهم إلى دينه .

(3/321)


وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)

قوله : { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي : ينالهم في القرآن خبر الأمم الماضية ، كيف عذبوا لعلهم يتذكرون ، أي لكي يخافوا فيؤمنوا بما في القرآن ويقال : ولقد وصلنا لهم القول ، أي : وصلنا لهم الكتب بعضها ببعض ، يعني بعضها على إثر بعض . ويقال : { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا } أي : أوصلنا لهم القول . يعني : أنزلنا لهم القرآن آية بعد آية أنه هداية ، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يعني : لكي يتعظوا . ثم وصف مؤمني أهل الكتاب فقال : { الذين ءاتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ } يعني : من قبل القرآن { هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ } يعني : مؤمني أهل الكتاب ، وهم أربعون رجلاً من أهل الإنجيل ، كانوا مسلمين قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم اثنان وثلاثون من أهل أرض الحبشة ، قدموا مع جعفر الطيار ، وثمانية من أهل الشام . ويقال : إنهم ثمانية عشر رجلاً { وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ } يعني : القرآن { قَالُواْ ءامَنَّا بِهِ } أي صدقنا { إِنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا } يعني : القرآن ، وذلك أنهم عرفوا بما ذكر في كتبهم من نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته وكتابه فقالوا : { إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } يعني : من قبل هذا القرآن ، ومن قبل محمد صلى الله عليه وسلم كنا مخلصين { أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } يعني : يعطون ثوابهم ضعفين مرة بكتابهم ، ومرة بإيمانهم بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم { بِمَا صَبَرُواْ } يعني : بصبرهم على ما أوتوا . ويقال : بما صبروا ، أي بصبرهم على دينهم الأول ، وبما صبروا على أذى المشركين ، فصدقوا وثبتوا على إيمانهم . حيث قال لهم أبو جهل وأصحابه : ما رأينا أحداً أجهل منكم ، تركتم دينكم ، وأخذتم دينه . فقالوا : ما لنا لا نؤمن بالله ، فذلك قوله عز وجل : { وَيَدْرَءونَ بالحسنة السيئة } أي : يدفعون قول المشركين بالمعروف . ويقال : يدفعون الشرك بالإيمان . ويقال : يدفعون بالكلام الحسن الكلام القبيح . ويقال : يدفعون ما تقدم لهم من السيئات بما يعملون من الحسنات { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } يعني : يتصدقون . قوله عز وجل : { وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ } يعني : إذا سمعوا الشتم والأذى والكلام القبيح لم يردوا عليهم ، ولم يكافئوهم به ولم يلتفتوا إليه ، يعني : إذا شتمهم الكفار لم يشتغلوا بمعارضتهم بالشتم { وَقَالُواْ لَنَا أعمالنا } يعني : ديننا { وَلَكُمْ أعمالكم } يعني : دينكم { سلام عَلَيْكُمُ } يعني : وردوا معروفاً عليهم ليس هذا تسليم التحية ، وإنما هو تسليم المتاركة والمسالمة ، أي : بيننا وبينكم المتاركة والمسالمة ، وهذا إن يؤمر المسلمون بالقتال . ويقال : السلام عليكم . يعني : أكرمكم الله تعالى بالإسلام { لاَ نَبْتَغِى الجاهلين } أي : لا نطلب دين الخاسرين ، ولا نصحبهم . ويقال : هذه الآية مدنية نزلت في شأن عبد الله بن سلام .

(3/322)


وروى أسباط عن السدي قال : لما أسلم عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال يا رسول الله : ابعث إلى قومي فاسألهم عني فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فستر بينهم وبينه ستراً . وقال : « أَخْبِرُونِي عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَلامِ كَيْفَ هُوَ فِيكُمْ؟ » قالوا : ذاك سيدنا وأعلمنا . قال : « أَرَأَيْتُمْ إنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي أَتُؤْمِنُونَ بِي وَتُصَدِّقُونِي؟ » قالوا : هو أفقه من أن يدع دينه ويتبعك . قال : « أَرَأَيْتُمْ إنْ فَعَلَ؟ » قالوا : لا يفعل . قال : « أَرَأَيْتُمْ إِنْ فَعَلَ؟ » قالوا : إنه لا يفعل ، ولو فعل إذاً نفعل . فقال عليه السلام : « أخْرُجْ يا عَبْدَ الله » . فخرج . فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، فوقعوا فيه ، وشتموه وقالوا : ما فينا أحد أقل علماً ، ولا أجهل منك . قال : « أَلَمْ تُثْنُوا عَلَيْهِ آنِفاً؟ » قالوا : إنا استحينا أن نقول اغتبتم صاحبكم ، فجعلوا يشتمونه وهو يقول : { سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين } فقال : ابن يامني ، وكان من رؤساء بني إسرائيل أشهد أن عبد الله بن سلام صادق ، فابسط يدك يا محمد ، فبسط يده ، فبايع ابن يامني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل : { الذين ءاتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ } إلى قوله : { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } وإلى قوله : { لاَ نَبْتَغِى الجاهلين } .

(3/323)


إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60)

قوله عز وجل : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } يعني : لا ترشد من أحببته إلى الهدى . ويقال : من أحببت هدايته إلى دينك ، وذلك أن أبا طالب لما حضرته الوفاة ، دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أمية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يَا عَمَّاهُ قُلْ لا إله إِلا الله كَلِمَةٌ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله تَعَالَى » . فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ، فلم يزالا يكلمانه ويكلمه النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات على الكفر فنزل { إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } بهدايته { ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء } يعني : يرشد من يشاء إلى دينه { وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } يعني : بمن قدر له الهدى .
قوله عز وجل : { وَقَالُواْ } يعني : مشركي مكة { إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ } يعني : الإيمان بك { نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } يعني : نسبى ونخرج من مكة لإجماع العرب على خلافنا ، وهذا قول الحارث بن عامر النوفلي حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما كذبت كذبة قط ، فنتهمك اليوم ، ولكن متى ما نؤمن بك فتحسنا العرب من أرضنا يقول الله تعالى : { وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ } يعني : أولم ننزلهم مكة حرماً أميناً يعني : كان الحرم أمناً لهم في الجاهلية من القتل والسبي ، وهم يعبدون غيري ، فكيف يخافون إن أسلموا أن لا يكون الحرم أمناً لهم؟ فذلك قوله : { أَوَلَمْ نُمَكّن لَّهُمْ } يعني أولم ننزلهم مكة حرماً آمناً من الغارة والسبي { يجبى إِلَيْهِ } بالياء يعني : يحمل إليه { ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } أي : من ألوان الثمرات قرأ نافع { ***تجبى } بالتاء لأن الثمرات مؤنثة . وقرأ الباقون بالياء لتقديم الفعل ثم قال : { شَىْء رّزْقاً مّن لَّدُنَّا } أي : من عندنا { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } يأكلون رزقي ، ويعبدون غيري ، وهم آمنون في الحرم ويقال لا يعلمون أن ذلك من فضل الله عليهم .
ثم خوفهم فقال تعالى : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ } فيما مضى { بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } كفرت برزق ربها ذكر القرية ، وأراد به أهل القرية يعني : أنهم كانوا ينقلبون في رزق الله تعالى : فلم يشكروه في نعمته . ويقال : بطرت معيشتها يعني : طغوا في نعمة الله ، فأهلكهم الله تعالى بالعذاب في الدنيا . ويقال : عاشوا في البطر وكفران النعم { فَتِلْكَ مساكنهم } يعني : انظروا واعتبروا في بيوتهم وديارهم بقيت خالية { لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً } وهم المسافرون ينزلون بها يوماً أو ساعة { وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين } أي : نرث الأرض ومن عليها { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى } يعني : لم يعذب أهل القرى { حتى يَبْعَثَ فِى أُمّهَا رَسُولاً } يعني : معظمها ويقال : في أكبر قراها .

(3/324)


ويقال : أم القرى مكة . قرأ حمزة والكسائي { فِى أُمّهَا } بكسر الألف . والباقون بالضم ، ومعناهما واحد يبعث في أمها رسولاً { يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتنا } يعني : القرآن { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظالمون } يعني : لم نهلكها إلا بظلم أهلها .
ثم قال عز وجل : { وَمَا أُوتِيتُم مّن شَىْء } يعني ما أعطيتم من مال . ويقال : ما أعطيتم من الدنيا ، فهو { فمتاع الحياة الدنيا } يعني : فهو متاع الحياة الدنيا ، ينتفعوا بها أيام حياتهم { وَزِينَتَهَا } يعني : وزهراتها ولا تبقى دائماً { وَمَا عِندَ الله } من الثواب والجنة { خَيْرٌ وأبقى } يعني : أفضل وأدوم لأهله مما أعطيتم في الدنيا { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أن الباقي خير من الفاني . قرأ عمرو { يَعْقِلُونَ } بالياء على معنى الخبر عنهم . وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة .

(3/325)


أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66)

قوله عز وجل : { أَفَمَن وعدناه وَعْداً حَسَناً } يعني : الجنة { فَهُوَ لاَقِيهِ } يعني : مدركه ومصيبه { كَمَن مَّتَّعْنَاهُ متاع الحياة الدنيا } بالمال { ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين } في النار هل يستوي حالهما؟ قال في رواية الكلبي : نزل في عمار بن ياسر ، وأبي جهل بن هشام وقال غيره : هذا في جميع المؤمنين ، وجميع الكافرين ويقال نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي أبي جهل ، يعني : من كان له في هذه الدنيا عدة مع دين الله ، خير ممن كان له سعة وفرج مع الشرك ، ثم هو يوم القيامة من المحضرين . يعني : من المعذبين في النار . وقال عز وجل : { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } يعني : واذكر يوم يدعوهم يعني : المشركين { فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين } يعني : المشركين : { كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } لهم شركاتي في الدنيا { قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول } وجبت عليهم الحجة فوجب عليهم العذاب ويقال وجب عليهم القول وهو قوله { قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } [ الأعراف : 18 ] { رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا أغويناهم } يعني : القادة يقولون ربنا هؤلاء الذين أضللنا يعني : السفلة أغويناهم { كَمَا غَوَيْنَا } أي : أضللناهم كما كنا ضالين . ويقال : يقول الكافرون { رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا } يعني : الشياطين . فقالت الشياطين : أغويناهم . يعني : أضللناهم كما غوينا ، أي أضللنا { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } من عبادتهم { مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } يعني : ما كانوا يأمرونا بعبادة الآلهة { وَقِيلَ } للكفار { ادعوا * شُرَكَائِكُمْ } يعني آلهتكم التي تعبدون من دون الله { فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } يقول الله عز وجل : { وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } يعني : يودون لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا . ويقال : يودون أن لم يكونوا اتبعوهم . فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ، أي : لم يجيبوهم بحجة تنفعهم فيودون أنهم لم يعبدوهم لما رأوا العذاب . ثم قال عز وجل : { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } يعني : يسألهم يوم القيامة { فَيَقُولُ مَاذَا * لَمِنَ المرسلين } في التوحيد { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الانباء } يعني : ألبست عليهم الحجج { يَوْمَئِذٍ } من الهول { فَهُمْ لاَ يَتَسَاءلُونَ } يعني : لا يسأل بعضهم بعضاً عما يحتجون به ، رجاء أن يكون عنده من الحجة ما لم يكن عند غيره ، لأن الله تعالى أدحض حجتهم ، وفي الدنيا إذا اشتبهت عليه الحجة ، ربما يسأل عن غيره ، فيلقنه الحجة ، وفي الآخرة آيس من ذلك .

(3/326)


فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)

ثم قال الله عز وجل : { فَأَمَّا مَن تَابَ وَءامَنَ } يعني : من الشرك { وَعَمِلَ صالحا } فيما بينه وبين الله تعالى { فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين } أي : من الناجين الفائزين بالخير . قوله عز وجل : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ } وذلك أن الوليد بن المغيرة كان يقول : { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ] يعني به نفسه وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف فقال تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ } للرسالة من يشاء { مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة } يعني : ليس [ الخيار إليهم . ويقال : هو ربك يخلق ما يشاء ، ويختار لهم ما يشاء ، { مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة } ، أي ما كان لهم طلب الخيار ، والأفضل . ويقال : ما كان لبعضهم على بعض فضل ، والله تعالى هو الذي يختار . وقال الزجاج : الوقف على قوله ، { وَيَخْتَارُ } . والمعنى وربك يخلق ما يشاء ، ويختار . ثم قال : { مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة } ، أي لم يكن لهم أبداً يختاروا على الله ، ويكون ما للنفي . قال : ووجه آخر أن تكون بمعنى الذي يعني ، وربك يخلق ما يشاء ، ويختار الذين لهم الخيرة أن يدعوهم إليه من عبادته ، ما لهم فيه الخيرة . ويقال : ما كان لهم الخيرة . يعني : ليس لهم أن يختاروا على الله عز وجل ، وليس إليهم الاختيار ، والمعنى لا نرسل الرسل إليهم على اختيارهم .
ثم قال : { سبحان الله } أي تنزيهاً لله { وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } يعني : ما تضمر وتسر قلوبهم { وَمَا يُعْلِنُونَ } من القول { وَهُوَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ } يعني : لا خالق ولا رازق غيره { لَهُ الحمد فِى الاولى والاخرة } أي : في الدنيا والآخرة ، وقال مقاتل : يعني يحمده أولياؤه في الدنيا ، ويحمدونه في الجنة ويقال : له الألوهية في الدنيا والآخرة ، وله الحكم ، يعني نفاذ الحكم ، والقضاء يحكم في الدنيا والآخرة بما يشاء { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } في الآخرة ، فيجازيكم بأعمالكم . قوله عز وجل : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله } يعني : ألا تنظرون إلى نعمة الله تعالى في خلق الليل والنهار لمصلحة الخلق ، فلو جعل { عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً } أي دائماً { إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } المواعظ ، وتعتبرون بها . قوله عز وجل : { قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة } يعني : دائماً { مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ } يعني : تقرّون تريحون فيه { أَفلاَ تُبْصِرُونَ } من يفعل ذلك بكم ، لأن العيش لا يصلح إلا بالليل والنهار ، فأخبر عن صنعه لمصلحة الخلق ، ليشكروه ويوحدوه ويعبدوه فقال : { وَمِن رَّحْمَتِهِ } أي ومن نعمته وفضله { جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } يعني : في الليل وجعل لكم النهار { وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } يعني : لتطلبوا من رزقه في النهار { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي : تشكرون رب هذه النعمة .

(3/327)


ثم قال عز وجل : { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } يعني : { أَنذَرَهُمْ } بذلك اليوم ويقال : معناه اذكر ذلك اليوم الذي يناديهم أي : يدعوهم { فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أنها لي شريك { وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً } أي : أخرجنا من كل أمة نبيها ورسولها { شَهِيداً } بالرسالة والبلاغ { فَقُلْنَا } للمشركين { هَاتُواْ برهانكم } أي : حجتكم بأن معي شريكاً ، فلم يكن لهم حجة { فَعَلِمُواْ أَنَّ الحق لِلَّهِ } يعني : أن عبادة الله هي الحق . ويقال : علموا أن التوحيد لله . ويقال : إن الحق ما دعا إليه الله ، وأتاهم به الرسول { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } يعني : اشتغل عنهم بأنفسهم ما كانوا يفتدون ، يعني : يكذبون في الدنيا يعني : الأصنام . ويقال : يعني الشياطين . ويقال : وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ، يعني : تشفعوا بما عبدوه من دون الله .

(3/328)


إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)

قوله عز وجل : { إِنَّ قارون كَانَ مِن قَوْمِ موسى } يعني : من بني إسرائيل . ويقال : كان ابن عم موسى { فبغى عَلَيْهِمْ } يعني : تطاول وتكبر على بني إسرائيل ، وكان فرعون قد ملكه على بني إسرائيل حين كانوا بمصر ، فلما قطع موسى البحر ببني إسرائيل ، ومعه قارون فأغرق الله تعالى فرعون وجنوده ورجع موسى عليه السلام ببني إسرائيل إلى أرض مصر ، وسكنوا ديارهم كما قال في رواية أُخرى { كَذَلِكَ وأورثناها بنى إسراءيل } [ الشعراء : 59 ] وجعلت جنوده لهارون ، وهو الرأس ، والذي بقرب القربان فقال قارون لموسى : لك النبوة ، ولهارون الحبورة ، والمذبح ، وأنا لست في ذلك من شيء . فقال له موسى : أنا لم أفعل ذلك ، ولكن الله تعالى فعل ذلك . فقال له قارون : لا أصدقك على ذلك ، واعتزل قارون ومن تبعه من بني إسرائيل ، وكان كثير المال والتبع .
وروي عن الحسن أنه قال : أول من شرف الشرف قارون ، لما بنى داره وفرغ منها ، وشرفها صنع للناس طعاماً سبعة أيام ، يجمعهم كل يوم ويطعمهم .
وروي عن ابن عباس أنه قال : لما أمر الله تعالى موسى بالزكاة قال لقارون : إن الله أمرني أن آخذ من مالك الزكاة ، فأعط من كل مائتي درهم خمسة دراهم ، فلم يرض بذلك فقال له : اعط من كل ألف درهم درهماً ، فلم يرض بذلك . وقال لبني إسرائيل : إن موسى لم يرض حتى تناول أموالكم ، فما ترون؟ قالوا : رأينا لرأيك تبع . قال : فإني أرى أن ترموه فتهلكوه ، فبعثوا إلى امرأة زانية ، فأعطوه حكمها على أن ترميه بنفسها ، ثم أتوه في جماعة بني إسرائيل . فقالوا : يا موسى ما على من يسرق من الحد . قال : تقطع يده . قالوا : وإن كنت أنت؟ قال : وإن كنت أنا . قالوا : وما على الزاني إذا زنى؟ قال : يرجم . قالوا : وإن كنت أنت؟ قال : وإن كنت أنا . قالوا : فأنت قد ازنيت . قال : أنا وجزع من ذلك ، فأرسلوا إلى المرأة ، فلما جاءت وعظها ، وعظم عليها موسى الحلف بالله ، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل ، وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت . قالت : أما إذا حلفتني ، فإني أشهد أنك بريء ، وإنك رسول الله . وقالت : أرسلوا إليَّ فأعطوني حكمي على أن أرميك بنفسي . قال : فخرّ موسى عليه السلام لله ساجداً يبكي ، فأوحى الله تعالى إليه ما يبكيك قد أمرت الأرض أن تطيعك ، فأمرها بما شئت . فقال موسى : خذيهم ، فأخذتهم .
وقال في رواية الحسن : خرج موسى عليه السلام مغضباً . فدعى الله عز وجل . وقال : عبدك قارون الذي عبد غيرك دونك وجحدك ، فأوحى الله تعالى إلى موسى إني قد أمرت الأرض ، بأن تطيعك ، فجاء موسى حتى دخل إلى قارون حين اجتمع الناس في داره .

(3/329)


فقال : يا عدو الله كذبتني بكلام له غيظ ، حتى غضب قارون ، وأقبل عليه بكلام شديد ، وهّم به . فلما رأى موسى ذلك قال : يا أرض خذيهم . قالوا : وكان قارون على فرش على سرير مرتفع في السماء ، فأخذت الأرض أقدامهم ، وغاب سريره ومجلسه ، وقد دخل من الدار في الأرض مثل ما أخذت منهم على قدرها ، فأقبل موسى يوبخهم ، ويغلظ لهم المقالة ، فلما رأى القوم ما نزل بهم ، عرفوا أن هذا الأمر ليس لهم به قوة ، فنادوا : يا موسى كف عنا ، وارحمنا ، وجعلوا يتضرعون إليه ، ويطلبون رضاه ، وهو لا يزداد إلا غضباً وتوبيخاً لهم ثم قال : يا أرض خذيهم ، فأخذتهم إلى ركبهم ، فجعلوا يتضرعون إليه ، ويسألونه ، وهو يوبخهم ثم قال : يا أرض خذيهم ، فأخذتهم إلى أوساطهم ، وكانت الأرض تأخذ من الدار كل مرة مثل ما تأخذ منهم ، وهم يتضرعون في ذلك إلى موسى ، ويسألونه . ثم قال : يا أرض خذيهم ، فأخذتهم إلى آباطهم ، فمدوا أيديهم إلى وجه الأرض رجاء أن يمتنعوا بها . ثم قال : يا أرض خذيهم ، فأخذتهم إلى أعناقهم ، فلم يبق على وجه الأرض منهم شيء إلا رؤوسهم ، ولم يبق من الدار إلا شرفها . وقال قارون : يا موسى أنشدك بالله وبالرحم . فقال : يا أرض خذيهم ، فاستوت الأرض عليهم ، وعلى الدار ، فانطلق موسى ، وهو فرح بذلك ، فأوحى الله تعالى إلى موسى ، يا موسى يتضرع إليك عبادي ، ودعوك وسألوك ، فلم ترحمهم ، أما وعزتي وجلالي لو أنهم سألوني ، واستغاثوا بي لرحمتهم ، ولكن تركوا أن يجعلوا رغبتهم ورجاءهم إلي ، وجعلوها إليك ، فتركتهم فذلك قوله تعالى : { إِنَّ قارون كَانَ مِن قَوْمِ موسى فبغى عَلَيْهِمْ } يعني : تطاول على بني إسرائيل ، وعلى موسى { إِنَّ قارون كَانَ } يعني : من المال { مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ } يعني : خزائنه { إِنَّ قارون } قال مقاتل : العصبة من العشرة إلى أربعين ، فإذا كانوا أربعين ، فهم أولو قوة يقول : لتعجز العصبة أولو القوة عن حمل مفاتيح الخزائن .
وقال أهل اللغة : ناء به الحمل إذا أثقله . وقال القتبي : تنوء بالعصبة ، أي تميل بها العصبة ، أي تميل بهم العصبة إذا حملتها من ثقلها ، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : العصبة في هذا الموضوع أربعون رجلاً ، وخزائنه كانت أربعمائة ألف ما يحمل كل رجل منهم عشرة آلاف إلا أن ويقال { مَّفَاتِحهُ } يعني : مفاتيح خزائنه يحملها أربعون رجلاً . ويقال : أربعون بغلاً .
وروى وكيع عن الأعمش عن خيثمة قال : كان مفاتيح كنوز من جلد كل مفتاح مثل الإصبع ، كل مفتاح على خزانة على حدة ، فإذا ركب حمل المفاتيح على ستين بغلاً كل بغل أغر محجل { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ } يعني : بني إسرائيل { لاَ تَفْرَحْ } يعني : لا تفخر بما أديت من الأموال .

(3/330)


ويقال : لا تفرح بكثرة المال { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين } يعني : المرحين المفاخرين . ويقال : البطرين ويقال : لا تفرح أي : لا تأشر والأشر أشد الفرح الذي يخالطه حرص شديد حتى يبطر ، يعني : يطغى وقالوا له : { وابتغ فِيمَا ءاتَاكَ الله } يعني : اطلب مما أعطاك الله من الأموال والخير { الدار الاخرة وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا } يعني : لا تترك حظك من الدنيا أن تعمل لآخرتك { وَأَحْسَنُ } العطية من الصدقة والخير { كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } يعني : أعط الناس كما أعطاك الله . ويقال : أحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك { وَلاَ تَبْغِ الفساد فِى الارض } يعني : أنفقه في طاعة الله ، ولا تنفقه في معصية الله { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين } أي : المنفقين في المعصية . وقوله : وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ، ولا تنس نصيبك في الدنيا ، أي : لا تضيع عمرك ، فإنه نصيبك من الدنيا { قَالَ } قارون { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِى } قال مقاتل : أي على خير علمه الله عندي . وقال في رواية الكلبي : يعني : علم التوراة ، وكان قارون أقرأ رجل في بني إسرائيل في التوراة ، فأعطيت ذلك لفضل علمي ، وكنت بذلك العلم ومستحقاً بفضل المال . ويقال : على علم عندي . يعني : علم الكيمياء ، وكان يعمل كيمياء الذهب . وقال الزجاج : الطريق الأول أشبه ، لأن الكيمياء لا حقيقة لها ، يقول الله تعالى : { أَوَ لَمْ *** يَعْلَمْ أَنَّ الله } تعالى { قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً } من الأموال منهم : نمرود وغيره { وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون } يعني : لا يسأل الكافرون عن ذنوبهم ، لأن كل كافر يعرف بسيماه ، وهذا قول الكلبي . وقال مقاتل : لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية وقيل : لا يسأل الكافرون يوم القيامة عن ذنوبهم سؤال النجاة ، بل يسألون سؤال العذاب والمناقشة .
قوله عز وجل : { فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ } يعني : خرج قارون على بني إسرائيل . قال مقاتل : وهو على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب عليها أرجوان ، ومعه أربعة آلاف فارس ، وعليهم وعلى دوابهم الأرجوان ، ومعه ثلاثمائة جارية بيضاء ، عليهن من الحلل والثياب الحمر على البغال الشهب . وقال قتادة : خرج معه أربعة آلاف دابة عليها ثياب حمر ، منها ألف بغلة بيضاء عليها قطائف أرجوان . وقال في رواية الكلبي خرج على ثلاثمائة دابة بيضاء عليها نوع من الكساء وعليها ثلثمائة قطيفة حمراء عليها جواري وغلمان { قَالَ الذين يُرِيدُونَ الحياة الدنيا } وكانوا من أهل التوحيد { الدنيا ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون } يعني : مثل ما أعطي من الأموال قارون { إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ } يقول : ذو نصيب وافر في الدنيا .

(3/331)


قوله عز وجل : { وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم } يعني : أكرموا بالعلم بما وعد الله في الآخرة للذين تمنوا ذلك { وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ } يعني : ويحكم ثواب الله في الآخرة خير يعني : أفضل { لِمَنْ ءامَنَ } يعني : صدق بتوجيه الله تعالى { وَعَمِلَ صالحا } فيما بينه وبين الله تعالى مما أعطى قارون في الدنيا { وَلاَ يُلَقَّاهَا } يعني : ولا يلقن ولا يوقف ويرزق في الجنة { إِلاَّ الصابرون } في الدنيا على أمر الله تعالى . ويقال : { وَلاَ يُلَقَّاهَا } ، أي لا يعطى الأعمال الصالحة إلاَّ الصابرون على الطاعات وعن زينة الدنيا . ويقال : ولا يلقاها ، يعني : ولا يلقن بهذه الكلمة إلاَّ الصابرون عن زينة الدنيا يقول الله تعالى { فَخَسَفْنَا بِهِ } يعني : قارون { وَبِدَارِهِ الارض } يعني : بقارون وبداره وأمواله ، فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل إلى يوم القيامة { فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله } يعني : لم يكن له جنة وأعوان يمنعونه من عذاب الله عز وجل { وَمَا كَانَ مِنَ المنتصرين } يعني : وما كان قارون من الممتنعين مما نزل به من عذاب الله . قوله عز وجل : { وَأَصْبَحَ الذين تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بالامس } حين رأوه في زينته وقالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون { يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله } قال القتبي : قد اختلف في هذه اللفظة . فقال الكسائي : معناها ألم تر أن الله يبسط ، ويكأنه يعني : ألم تر أنه لا يفلح الكافرون .
روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنه قال : { وَيْكَأَنَّ الله } ، يعني : أو لا يعلم أن الله { يَبْسُطُ } وهذا شاهد لقول الكسائي . وذكر الخليل بن أحمد أنها مفصولة وي ثم يبتدىء فيقول : كأن الله . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : كان الله يبسط { الرزق لِمَن يَشَاء } كأنه لا يفلح الكافرون . وقال وي صلة في الكلام ، وهذا شاهد لقول الخليل . وقال الزجاج : الذي قاله الخليل أجود ، وهو أن قوله وي مفصولة من كان ، لأن من يدم على شيء يقول : وي يعاتب الرجل على ما سلف يقول : وي كأنك قصدت مكروهاً . وقال مقاتل : معناه ولكن الله يبسط الرزق لمن يشاء { مِنْ عِبَادِهِ } يعني : يوسعه على من يشاء من عباده { وَيَقْدِرُ } يعني : يقتر ويقال : ويضيق على من يشاء يعني : لولا أن الله منَّ علينا لكنا مثل قارون في العذاب { لَوْلا أَن مَّنَّ الله عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا } معهم . ويقال : لولا منَّ الله علينا بالإيمان ، لكنا مثل قارون في العذاب . ويقال لولا أن منَّ الله علينا ، يعني : عصمنا مثل ما كان عليه من البطر والبغي ، لخسف بنا كما خسف به . قال قرأ عاصم في رواية حفص بنصب الخاء ، وكسر السين { لَخَسَفَ *** الله *** بِنَا } وقرأ الباقون بالضم على فعل ما لم يسم فاعله { وَيْكَأَنَّهُ } يعني : ولكنه { لاَ يُفْلِحُ الكافرون } أي الجاحدون للنعم .

(3/332)


تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)

قوله عز وجل : { تِلْكَ الدار الاخرة } يعني : الجنة { نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى الارض } يعني : نعطيها للذين لا يريدون تعظيماً وتكبراً ، وتجبراً فيها عن الإيمان { وَلاَ فَسَاداً } في الأرض يعني : لا يريدون المعاصي في الدنيا .
وروى وكيع عن سفيان عن مسلم البطين { لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى الارض } . يعني : التكبر بغير حق ، { وَلاَ فَسَاداً } قال : أخذ المال بغير حق . ويقال : العلو الخطرات في القلب ، والفساد فعل الأعضاء { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } يعني : الجنة للذين يتقون الشرك والمعاصي . ويقال : عاقبة الأمر ، وما يستقر عليه للمتقين الموحدين . ويقال في العاقبة المحمودة للمتقين . قوله عز وجل : { مَن جَاء بالحسنة } يعني : بكلمة الإخلاص وهي قول لا إله إلا الله { فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } وقد ذكرناه { وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى } يعني : لا يثاب { الذين عَمِلُواْ السيئات إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعني : يصيبهم بأعمالهم . قوله عز وجل : { إِنَّ الذى فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان } يعني : أنزل عليك القرآن . ويقال : أمرك بالعمل بما في القرآن { لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ } .
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : الموت . وقال السدي : إلى معاد يعني : الجنة . وهكذا روي عن مجاهد .
وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال : يعني : إلى مكة . وقال القتبي : معاد الرجل بلده ، لأنه يتصرف في البلاد ، وينصرف في الأرض ثم يعود إلى بلده . والعرب تقول : ردّ فلان إلى معاده ، يعني : إلى بلده ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة إلى المدينة اغتم لمفارقته مكة ، لأنها مولده وموطنه ، ومنشأه وبها عشيرته ، واستوحش فأخبر الله تعالى في طريقه أنه سيرده إلى مكة ، وبشره بالظهور والغلبة . ثم قال تعالى : { قُل رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى } أي يعني : بالرسالة والقرآن ، وذلك حين قالوا : إنك في ضلال مبين { وَمَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ } وذلك حين قالوا : فنزل { قُل رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى } يعني : فأنا الذي جئت بالهدى ، وهو يعلم بمن هو في ضلال مبين نحن أو أنتم .
ثم قال عز وجل : { وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب } يعني : أن يلقى وينزل عليك القرآن { إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } ويقال في الآية تقديم . ومعناه : أن الذي فرض عليك القرآن يعني : جعلك نبياً ينزل عليك القرآن ، وما كنت ترجو قبل ذلك أن تكون نبياً بوحي إليك ، لرادك إلى معاد إلى مكة ظاهراً قاهراً . ويقال { إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } يعني : لكن دين ربك رحمة ، واختارك لنبوته ، وأنزل عليك الوحي ، ثم قال : { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين } يعني : عوناً للكافرين حين دعوه إلى دين آبائه { وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءايات الله } يعني : لا يصرفنك عن آيات الله القرآن والتوحيد { بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ } أي : بعد ما أنزل إليك جبريل عليه السلام بالقرآن { وادع إلى رَبّكَ } يعني : ادع الخلق إلى توحيد ربك { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } يعني : لا تكونن مع المشركين على دينهم { وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } أي : لا تعبد غير الله .

(3/333)


ثم وحد نفسه فقال : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } يعني : لا خالق ولا رازق غيره { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } يعني : تهلك جميع الأشياء إلا الله ، فإنه لم يزل ولا يزال ، ويقال : كل شيء هالك إلا وجهه ، أي كل عمل هالك لا ثواب له إلا ما يراد به وجه الله عز وجل . ويقال : كل شيء متغير إلا ملكه ، فإن ملكه لا يتغير ، ولا يزال إلى غيره أبداً { لَهُ الحكم } أي : له القضاء ، وله نفاذ الأمر والحكم على ما يريد { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يعني : إليه المرجع في الآخرة ليجازيكم بأعمالكم ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَنْ قَرَأَ سُورَةَ القَصَصِ كَانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَنْ صَدَّقَ مُوسَى وَكَذَّبَ ، وَلَمْ يَبْقَ مَلَكٌ فِي السموات وَالأرْضِ ، إلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ، أنَّهُ كَانَ صَادِقاً فِي قَوْلِهِ { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وَالحَمْدُ لله وَحْدَهُ ، وَصَلَّى الله عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ ، وَحَسْبُنَا الله ، وَنِعْمَ الوَكِيلُ ، ولاَ حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بالله العَلِيِّ العَظِيمِ ، صَدَقَ الله جَلَّ رَبُّنا ، وَهُوَ أَصْدَقُ الصَّادِقِينَ ، وَصَدَقَ رُسُلُهُ قَوْلُهُ صِدْقٌ وَوَعْدُهُ حَقٌّ » .

(3/334)


الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)

قوله سبحانه وتعالى : { الم * أَحَسِبَ الناس } يعني : أيظن الناس { أَن يُتْرَكُواْ } يعني : أن يمهلوا { أَحَسِبَ الناس أَن } أي صدقنا { وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } يعني : لا يبتلون قال في رواية الكلبي لما نزلت هذه الآية { قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ الايات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } [ الأنعام : 65 ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يَا جِبْرِيلُ ما بَقَاءُ أمَّتِي عَلَى هذا » فقال له جبريل عليه السلام : فادع الله لأمتك ، فقام فتوضأ ، ثم صلى ركعتين ، ثم سأل ربه عز وجل أن لا يبعث عليهم العذاب . قال : فنزل جبريل عليه السلام ، فقال : يا محمد إن الله عز وجل قد أجار أمتك من خصلتين ، وألزمهم خصلتين ، قال : فعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم صلى ، فأحسن الصلاة ، ثم سأل ربه عز وجل لأمته أن لا يلبسهم شيعاً ، ولا يذيق بعضهم بأس بعض ، فنزل جبريل عليه السلام ، فقال : يا محمد قد سمع الله عز وجل مقالتك ، فإنه يقول ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك ، فصدقهم مصدقون ، وكذبهم مكذبون ، ثم لم يمنعنا أن نبتليهم بعد قبض أنبيائهم ببلاء يعرف فيه الصادق من الكاذب ، ثم نزل قوله عز وجل { الم * أَحَسِبَ الناس } الآية .
قال مقاتل في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أول قتيل قتل من المسلمين يوم بدر ، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة ، فجزع أبواه وامرأته ، وقد كان الله بيّن للمسلمين أنه لا بد لهم من البلاء والمشقة في ذات الله عز وجل فنزل { الم * أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ } .
وقال بعضهم : لما أصيب المسلمون يوم أحد ، وكانت الكرة عليهم ، فعيرهم اليهود والنصارى والمشركون ، فشقّ ذلك على المسلمين ، فنزلت هذه الآية . ويقال : نزلت في عباس بن أبي ربيعة ، وفي نفر معه أخذهم المشركون وعذبوهم على الإسلام ، فنزلت هذه الآية . ويقال : نزلت في جمع المسلمين . ومعناه : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ، ثم لا يفرض عليهم الفرائض . وقال الزجاج : هذا اللفظ لفظ الاستخبار ، والمعنى تقرير وتوبيخ ، معنى أحسب الناس أن يقنع منهم؛ بأن يقولوا : آمنا فقط ، ولا يختبروا ويقال : أن لا يعذبوا في الدنيا . ثم قال عز وجل : { وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ } يعني : اختبرنا الذين كانوا من قبل هذه الأمة وابتليناهم ببلايا { فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ } يعني : إنما يبتليهم ليبين الذين صدقوا من المؤمنين في إيمانهم { وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين } منهم فشكوا عند البلاء . ويقال : معناه ليبين صدق الصادق ، وكذب الكاذب بوقوع صدقه ، ووقوع كذبه . وقال القتبي : يعني : ليميزن الله الذين صدقوا ، ويميز الكاذبين .

(3/335)


أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)

ثم قال : { أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات } يعني : الشرك والمعاصي { أَن يَسْبِقُونَا } يعني : أن يفوتونا . ويقال : يعجزونا . ويقال : يهربوا منا فلا نجازيهم { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } يعني : بئس ما يقضوا لأنفسهم . قال الكلبي : نزلت في عتبة وشيبة والوليد بن عتبة بارزوا يوم بدر ، فبارزهم من المسلمين علي وحمزة وعبيدة بن الحارث ، فنزل في شأن مبارزي المسلمين { مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ } يعني : الآخرة لكائن { وَهُوَ السميع العليم } السميع لمقالتهم العليم بهم ، وبأعمالهم . وقوله عز وجل : { وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يجاهد لِنَفْسِهِ } يعني : علي بن أبي طالب وصاحباه رضي الله عنهم { إِنَّ الله لَغَنِىٌّ عَنِ العالمين } يعني : عن نصرة العالمين يوم بدر . ويقال : نزلت في جميع المسلمين من كان يرجو لقاء الله ، أي : يخاف الآخرة ويقال : يخاف الموت ، فيستعد للآخرة والموت بالعمل الصالح { فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ } ويعني : كائن { وَهُوَ السميع } لدعائهم ، { العليم } بأمر الخلق ، ومن جاهد يعني : عمل الخيرات ، فإنما يجاهد لنفسه يعني : ثوابه لنفسه إن الله لغني عن العالمين . يعني : عن أعمالهم ، فإنما ثوابهم لأنفسهم . ثم قال عز وجل : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ } أي : لنمحون عنهم { سَيّئَاتِهِمْ } يعني : ذنوبهم ويقال : { ***لنجزينهم } . يعني : ثواباً أفضل من أعمالهم ، لكل حسنة عشرة وأكثر . ويقال : { ***لنجزينهم } . يعني : لنثيبنهم أحسن الذي كانوا يعملون ، أي أفضل من أعمالهم ، يعني : يجازيهم بأحسن أعمالهم الذي كانوا يعملون في الدنيا ، فذلك قوله عز وجل : { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } يعني : ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن ، يعني : براً بهما .
وقال الكلبي : نزلت الآية في سعد بن أبي وقاص لما أسلم قالت له أمه : يا سعد بلغني أنك صبوت إلى دين محمد ، فوالله لا يظلني سقف بيت ، وإن الطعام والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد ، وترجع إلى دينك الذي كنت عليه فأبى عليها ذلك ، فثبتت على حالها لا تطعم ولا تشرب ، ولا تسكن بيتاً ، فلما خلص إليها الجوع لم تجد بداً من أن تأكل وتشرب ، فحثّ الله سعد بالبر إلى أمه ، ونهاه أن يطيعها على الشرك فقال : { وَإِن جاهداك لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أي : ما ليس لك به حجة يعني : الشرك { فَلاَ تُطِعْهُمَا } في الشرك ، ثم حذّره ليثبت على الإسلام فقال : { إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } يعني : مصيركم في الآخرة { فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } يعني : أخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شر ، وأثيبكم على ذلك .

(3/336)


وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (15)

ثم قال عز وجل : { والذين ءامَنُواْ } يعني : أقروا وصدقوا بوحدانية الله تعالى وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم { وَعَمِلُواْ الصالحات } يعني : الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى الصالحين } أي : مع الأنبياء والرسل عليهم السلام في الجنة . ويقال : لندخلنهم في جملة الصالحين ، ونحشرهم مع الصالحين قوله عز وجل : { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله } نزلت في عياش بن أبي ربيعة هاجر إلى المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، فجزعت أمه من ذلك جزعاً شديداً . فقالت لأخويه : أبي جهل بن هشام والحارث بن هشام ، وهما أخواه لأمه ، وأبناء عمه ، فخرجوا في طلبه ، فظفروا به . وقالوا له : إن برّ الوالدة واجب ، فعليك أن ترجع فتبرها ، فإنها حلفت أن لا تأكل ولا تشرب ، وأنت أحب الأولاد إليها ، فلم يزالوا به حتى تتابعهم ، فجاؤوا به إلى أمه ، فعمدت أمه فقيدته ، وقالت : والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بمحمد ، وضربوه حتى رجع إلى دينهم فنزل { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله } { فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله } يعني : عذب في دين الله عز وجل : { جَعَلَ فِتْنَةَ الناس } يعني : عذاب إخوته في الدنيا { كَعَذَابِ الله } في الآخرة ويقال نزلت في قوم من المسلمين أخذوهم إلى مكة ، وعذبوهم حتى ارتدوا فنزل { مِنَ الناس *** مَن يِقُولُ ءامَنَّا بالله فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله } يعني : جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله فينبغي للمسلم أن يصبر على إيذائه في الله ، وصارت الآية لجميع المسلمين ليصبروا على ما أصابهم في الله عز وجل .
ثم قال : { وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ } يعني : لو يجيء نصر من الله عز وجل بظهور الإسلام والغلبة على العدو بمكة وغيرها { لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } أي : على دينكم { أَوَلَيْسَ *** الله بِأَعْلَمَ } يعني : أوليس الله عليم { بِمَا فِى صُدُورِ العالمين } من التصديق والتكذيب أعلم بمعنى عليم يعني : هو عليم بما في قلوب الخلق ويقال : معناه هو أعلم بما في صدورهم منهم . أي : بما في صدور أنفسهم { وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين ءامَنُواْ } يعني : ليميزن الله الذين ثبتوا على دين الإسلام { وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين } يعني : ليميزن المنافقين الذين لم يكن إيمانهم حقيقة قوله عز وجل : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } أي : جحدوا وأنكروا { لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } وذلك : أن أبا سفيان بن حرب ، وأمية بن خلف ، وعتبة بن شيبة ، قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : أو خباب بن الأرت ، وأناس آخرين من المسلمين : { اتبعوا سَبِيلَنَا } يعني : ديننا الذي نحن عليه ، واكفروا بمحمد ودينه { وَلْنَحْمِلْ خطاياكم } يعني : نحن الكفلاء لكم بكل تبعة من الله عز وجل تصيبكم ، وأهل مكة شهداء علينا يقول الله عز وجل : { وَمَا هُمْ بحاملين مِنْ خطاياهم مّن شَىْء } يعني : لا يقدرون أن يحملوا خطاياهم .

(3/337)


يعني : وبال خطاياهم عنهم ، ولا يدفعون عنهم ، لأنهم لو استطاعوا أن يدفعوا لدفعوا عن أنفسهم { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } في مقالتهم ثم قال عز وجل : { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ } يعني : يحملون من أوزار الذين يضلونهم من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيء ، وهذا كقوله عز وجل : { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ } [ النحل : 25 ] وهذا كما روي في الخبر من سن سنة سيئة ، كان عليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ } يعني : عما يقولون من الكذب .
قوله : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً } يدعوهم إلى الإسلام ، ويحذرهم وينذرهم ، فأبوا أن يجيبوه فكذبوه { فَأَخَذَهُمُ الطوفان } يعني : الغرق { وَهُمْ ظالمون } وقال القتبي : الطوفان المطر الشديد ، وكذلك الموت إذا كثر . وقال مقاتل : الطوفان ما طغى فوق كل شيء . وقال بعض أهل اللغة : هذا الاشتقاق غير صحيح ، لأنه لو كان هذا . لقال : طغوان لأنه يقال : طغى يطغو . وقال بعضهم : هذا على وجه القلب ، كما يقال : جذب وجبذ . ويقال : أصله من الطوف ، أي : سار وطاف في الأرض . وقال الزجاج : الطوفان من كل شيء ما كان كثيراً كالقتل الذريع الكثير ، يسمى طوفان . ثم قال عز وجل : { فأنجيناه } يعني : نوحاً عليه السلام { وأصحاب السفينة } من الغرق { وجعلناها ءايَةً للعالمين } يعني : جعلنا السفينة عبرة لمن بعدهم ، وقد بقيت السفينة على الجودي إلى وقت قريب من وقت خروج النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان ذلك علامة وعبرة لمن رآها ، ومن لم يرها ، لأن الخبر قد بلغه . ويقال : رسم السفينة التي بقيت بين الخلق وقت نوح ، وتجري في البحر علامة للعالمين .

(3/338)


وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22)

قوله عز وجل : { وإبراهيم } يعني : أرسلنا إبراهيم عطفاً على قوله : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا } ويقال : معناه واذكر إبراهيم { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعبدوا الله واتقوه } يعني : وحدوا الله عز وجل ، { واتقوه } يعني : اخشوه ولا تعصوه { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } يعني : التوحيد وعبادة الله عز وجل خير من عبادة الأوثان { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } . قوله عز وجل : { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أوثانا } يعني : أصناماً { وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } يعني : تعملونها بأيديكم ، ثم يقولون إنها آلهة ويقال تتخذونها آلهة كذباً ثم قال : { إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } وهي الأصنام { لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً } يعني : لا يقدرون أن يعطوكم مالاً ، ولا يقدرون أن يرزقوكم { فابتغوا عِندَ الله الرزق } يعني : الله عز وجل ، هو الذي يملك رزقكم ، فاطلبوا الرزق من الله عز وجل : { واعبدوه واشكروا لَهُ } أي : وحدّوه واشكروا له في النعم ، فإن مصيركم إليه { إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بعد الممات . قال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم : قل لأهل مكة { وَإِن تُكَذّبُواْ } بما أخبرتكم من قصة نوح وإبراهيم عليهما السلام { فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ } يعني : كذبوا رسلهم { وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين } يعني : إلا أن يبلغ الرسالة ، ويبين أمر العذاب . ويقال : إلا أن يبلغ الرسالة ، ويبين مراد الرسالة .
ثم قال الله عز وجل : { أَوَ لَمْ *** يَرَوْاْ } قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر { أَوَ لَمْ *** تَرَوْاْ } بالتاء على معنى المخاطبة . يعني : قل لهم يا محمد أو لم تروا . وقرأ الباقون بالياء . ومعناه : يا محمد أو لم يروا هؤلاء الكفار { كَيْفَ يُبْدِىء الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } يعني : يخلقهم في الابتداء ، ولم يكونوا نسياً ، ثم يعيدهم كما خلقهم { إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ } يعني : إن الذي خلق الخلق ، يقدر أن يعيدهم ، وهو عليه هين قوله عز وجل : { قُلْ سِيرُواْ فِى الارض } يعني : سافروا في الأرض . يعني : فتعتبروا في أمر البعث . ويقال : سيروا في الأرض . يعني : اقرؤوا القرآن { فانظروا } أي فاعتبروا { كَيْفَ بَدَأَ الخلق } يعني : كيف خلق الخلق { ثُمَّ الله يُنشِىء النشأة الاخرة } يعني : يحييهم بعد الموت للمبعث { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } من أمر البعث وغيره . ثم قال عز وجل : { يُعَذّبُ مَن يَشَاء } يعني : يخذل من يشاء ولا يهدي من لم يكن أهلاً لذلك . { وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء } أي يهديه إن كان أهلاً كذلك { وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } يعني : ترجعون إليه في الآخرة قوله عز وجل : { وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الارض } يعني : لا تهربون منه ولا تفوتونه { وَلاَ فِى السماء } يعني : إن كنتم في الأرض ، ولا في السماء لا يَقدرون أن يهربوا منه { وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله } يعني : من عذاب الله { مِن وَلِىّ } يعني : من قريب ينفعكم { وَلاَ نَصِيرٍ } يعني : ولا مانع يمنعكم من عذاب الله عز وجل .

(3/339)


وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25)

ثم قال عز وجل : { والذين كَفَرُواْ بئايات *** والله } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { وَلِقَائِهِ } يعني : كفروا بالبعث بعد الموت { أُوْلَئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى } يعني : من جنتي { وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة ، ثم رجع إلى قصة إبراهيم . حيث قال لقومه : { اعبدوا الله واتقوه } قوله عز وجل : { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرّقُوهُ فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار } وفي الآية مضمر ومعناه : فقذفوه في النار ، فأنجاه الله من النار فلم تحرقه ، وجعلها برداً وسلاماً { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي فيما أنجاه الله من النار بعدما قذفوه فيها { لاَيَاتٍ } يعني : لعبرات { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يعني : يصدقون بتوحيد الله تعالى فقال لهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام : { وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا } يعني : إنما عبدتم من دون الله أوثاناً يعني : أصناماً { مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ } على عبادة أصنامكم . قرأ نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر ، { مَّوَدَّةَ } بنصب الهاء مع التنوين { بَيْنِكُمْ } بنصب النون . يعني : اتخذتم أوثاناً آلهة مودة بينكم على عبادتها صار نصباً لوقوع الفعل عليه . وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص مودة بنصب الهاء بغير التنوين بينكم بكسر النون على معنى الإضافة ، وقرأ الباقون مودة بالضم بينكم بالكسر .
وروي عن الفرّاء أنه قال : إنما صار المودة رفعاً بالصفة بقوله عز وجل : { وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم } وينقطع الكلام عند قوله : { إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا } ثم يبين ضرر مودتهم في الحياة الدنيا فقال تعالى : { ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ } يعني : ليس مودتكم تلك الأصنام بشيء ، لأن مودة ما بينكم في الحياة الدنيا تنقطع ، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ، يعني : الأصنام من العابد ، والشياطين ممن عبدها . ويقال يعني : الأتباع والقادة تتبرأ القادة من الأتباع { وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } يعني : الأتباع يلعنون القادة ، والعابد يلعن المعبود { وَمَأْوَاكُمُ النار } يعني : مصيركم إلى النار { وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين } يعني : مانعين من عذاب الله عز وجل .

(3/340)


فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30)

قوله عز وجل : { فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } يعني : صدق لوط إبراهيم عليهما السلام على الهجرة . ويقال : صدقه بالنبوة حين لم تحرقه النار { وَقَالَ } إبراهيم { إِنّى مُهَاجِرٌ إلى رَبّى } يعني : إلى رضاء ربي وطاعة ربي . ويقال : إلى أرض مصر في أرض ربي ، فهجر قومه الكافرون وخرج إلى الأرض المقدسة ، ومعه سارة ثم قال : { إِنَّهُ هُوَ العزيز } في ملكه { الحكيم } في أمره . ويقال : حكيم حكم أن من لم يقدر في بلدة على طاعة الله عز وجل فليخرج إلى بلدة أخرى . قوله عز وجل : { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ } يعني : المهاجر إلى طاعة الله عز وجل أكرمه الله في الدنيا وأعطاه ذرية طيبة ، وهو ولده إسحاق ، وولد ولده يعقوب عليهم السلام ووهب له أربعة أولاد : إسحاق من سارة ، وإسماعيل من هاجر ، ومدين ومداين من غيرهما { وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ النبوة } يعني : من ذرية إبراهيم النبوة والكتاب يعني أكرم الله عز وجل ذريته بالنبوة ، وأعطاهم الصحف . ويقال : أخرج من ذريته ألف نبي { والكتاب } يعني : الزبور والتوراة والإنجيل والفرقان { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ } يعني : أعطيناه في الدنيا الثناء الحسن { وَإِنَّهُ فِى الاخرة لَمِنَ الصالحين } يعني : مع النبيين في الجنة .
قوله عز وجل : { وَلُوطاً } يعني : وأرسلنا لوطاً { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة } قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص ، { إِنَّكُمْ } على معنى الخبر . وقرأ أبو عمرو { أَئِنَّكُمْ } بالمد على معنى الاستفهام ، { لَتَأْتُونَ الفاحشة } يعني : المعصية { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن العالمين *** أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال } واتفقوا في هذا الحرف على لفظ الاستفهام ، واختلفوا في الأول ، فقرأ الذين سميناهم على وجه الإخبار عنهم إنكم تفعلون ، وتكون على وجه التعيير . وقرأ الباقون الأول على وجه الاستفهام ، فيكون اللفظ لفظ الاستفهام ، والمعنى منه التوبيخ والتقريع ثم قال : { وَتَقْطَعُونَ السبيل } يعني : تعترضون الطريق لمن مرّ بكم بعملكم الخبيث . ويقال : { وَتَقْطَعُونَ السبيل } . يعني : تأخذون أموالكم ، كانوا يفعلون ذلك ، لكيلا يدخلوا في بلدهم ، ويتناولوا من ثمارهم ، ويقال : تقطعون السبيل النسل { وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ المنكر } يعني : تعملون في مجالسكم المنكر . وقال بعضهم : يعني به اللواطة كانوا يفعلون ذلك في المجالس بالعلانية . ويقال : أراد به المعاصي ، وهي الرمي بالبندق الصغير والحذف ، ومضغ العلك ، وحل إزار القباء ، واللعب بالحمام ، وشرب الخمر ، وضرب العود والمزامير ، وغير ذلك من المعاصي . وروت أم هانىء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ المنكر } قال : « كَانُوا يَحْذِفُونَ أهْلَ الطَّرِيقِ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ » { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } بالعذاب ، وإن العذاب نازل بنا { قَالَ رَبّ انصرنى } أي أعني { عَلَى القوم المفسدين } يعني : المشركين .

(3/341)


وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37)

قوله عز وجل : { وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إبراهيم بالبشرى } يعني : بالبشارة بالولد { قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هذه القرية } يعني : قريات لوط { إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظالمين } يعني : كافرين { قَالَ } إبراهيم { إِنَّ فِيهَا لُوطاً } يعني : أتهلكهم وفيهم لوط { قَالُواْ } يعني : قال جبريل عليه السلام : { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين } يعني : من الباقين في الهلاك { وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىء بِهِمْ } يعني : ساء مجيئهم { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } يعني : اغتم بقدومكم ، فلا يدري أيأمرهم بالخروج أم بالنزول . ويقال : ضاق بهم القلب { وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ } علينا { وَلاَ تَحْزَنْ } من العذاب { إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ } قرأ حمزة والكسائي { لَنُنَجّيَنَّهُ } ، و { إِنَّا مُنَجُّوكَ } كلاهما بالتخفيف . وقرأ أبو عمرو ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم كلاهما بالتشديد . وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم الأول بالتشديد ، والثاني بالتخفيف ، ومعناهما واحد . ويقال : أنجيته ونجيته بمعنى واحد { إِلاَّ امرأتك كَانَتْ مِنَ الغابرين } .
ثم قال عز وجل : { إِنَّا مُنزِلُونَ على أَهْلِ هذه القرية } قرأ ابن عامر وعاصم في إحدى الروايتين { مُنزِلُونَ } بالتشديد . وقرأ الباقون بالتخفيف ومعناهما واحد { رِجْزًا مّنَ السماء } يعني : أنزلنا عذابنا من السماء { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } يعني : يعصون الله عز وجل . قوله عز وجل : { وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا } يعني : من قرية لوط { بَيّنَةً لّقَوْمٍ } يعني : علامة ظاهرة واضحة يعني : هلاكهم علامة ظاهرة ويقال : قرياتهم علامة ظاهرة { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يعني : لمن كان له ذهن الإنسانية { وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا ءايَةً } . يعني : الحجارة التي أنزلها الله تعالى من السماء على كل واحد منها اسم صاحبها { وإلى مَدْيَنَ } يعني : وأرسلنا إلى مدين { أخاهم شُعَيْباً } يعني : نبيهم شعيباً { فَقَالَ ياقوم *** قَوْمٌ *** اعبدوا الله } يعني : وحدوا الله وأطيعوه { وارجوا اليوم الاخر } يعني : خافوا يوم القيامة ، لأنه آخر الأيام . ويقال : يوم الموت ، وهو آخر أيامهم { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الارض مُفْسِدِينَ } يعني : لا تعملوا في الأرض بالمعاصي في نقصان الكيل والوزن { فَكَذَّبُوهُ } يعني : أوعدهم بالعذاب على نقصان الكيل والوزن . فكذبوه { فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } يعني : العذاب . ويقال : الزلزلة ، وأصله الحركة { فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ } يعني : صاروا في دارهم يعني : في محلتهم { جاثمين } يعني : ميتين ، أو يقال : خامدين فصاروا كالرماد . ويقال : جثم بعضهم على بعض بالموت . وقال أبو سهل : جاثمين ، أي ساقطين على وجوههم وركبهم . وقال مقاتل : شبه أرواحهم في أجسادهم ، وهم أحياء بالنار إذا اتقدت ، ثم طفئت ، فبينما هم أحياء إذ صاح بهم جبريل ، فصعقوا أمواتاً أجمعين .

(3/342)


وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)

ثم قال عز وجل : { وَعَاداً وَثَمُودَ } وقال بعضهم : انصرف إلى قوله : { وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين } [ العنكبوت : 3 ] وقال بعضهم : انصرف إلى قوله : { فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جاثمين } [ الأعراف : 78 ] يعني : أخذهم العذاب وأخذ عاداً وثموداً . ويقال : معناه اذكر عاداً وثموداً ، أو يقال : صار نصباً لنزع الخافض ومعناه : وأرسلنا الرسل إلى عاد وثمود . { وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مّن مساكنهم } يعني : ظهر لكم يا أهل مكة من منازلهم آية في إهلاكهم . { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم } يعني : ضلالتهم { فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل } يعني : صرفهم عن الدين ، ويقال : منعهم عن التوحيد . ويقال : صدّ يصدّ صدّاً إذا منعه وصدّ يصدّ صدوداً إذا امتنع بنفسه وأعرض .
قوله { وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ } في دينهم وهم يرون أنهم على الحق ، وهم على الباطل . ويقال : كانوا مستبصرين ، أي : ذوي بصيرة ، ومع ذلك جحدوا .
ثم قال عز وجل { وقارون وَفِرْعَوْنَ وهامان } يعني : أهلكنا قارون وفرعون وهامان { وَلَقَدْ جَاءهُمْ موسى بالبينات } يعني : بالعلامات والآيات { فاستكبروا فِى الارض } يعني : طغوا فيها ، وتعظموا عن الإيمان { وَمَا كَانُواْ سابقين } يعني : بفائتين من عذابنا .
قوله عز وجل : { فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } يعني : كلهم أهلكناهم بذنوبهم . ويقال : معناه أهلكنا كلّ واحد منهم بذنبه لا بذنب غيره . { فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً } يعني : الحجارة ، وهم قوم لوط . { وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الارض } يعني : قارون { وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا } وهم فرعون وقومه . وقال العتبي الأخذ أصله باليد ، ثم يستعار في مواضع ، فيكون بمعنى القبول ، كقوله عز وجل { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى قالوا أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين } [ آل عمران : 81 ] أي قبلتم عهدي ، والأخذ التعذيب ، كقوله { وكذلك أَخْذُ رَبّكَ } وكقوله { فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } يعني : عذبنا ، وكقوله { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والاحزاب مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } [ غافر : 5 ] يعني : ليعذبوه { وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ } يعني : لم يعذبهم من غير جرم منهم . { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بجرمهم يستوجبون العقوبة .

(3/343)


مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44)

قوله عز وجل : { مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء } يعني : مثل عبادتهم الأصنام في الضعف ، وقلة نفعهم إياهم . { كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت } يعني : أضعف البيوت { لَبَيْتُ العنكبوت } لأنه لا يغني من حر ولا من برد ولا من مطر وكذلك آلهتهم لا يدفعون عنهم ضرّاً ، ولا يقدرون لهم نفعاً .
ثم قال : { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } يعني : لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأصنام كذلك ، لأنهم قد علموا أن بيت العنكبوت أوهن البيوت ، ولكن قوله { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } انصرف إلى قوله : { اتخذوا } ، يعني : لا يعلمون أن هذا مثله .
ثم قال عز وجل : { إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْء } وهذه كلمة تهديد ، يعني : يعلم بعقوبتهم . ويقال : إن الله يعلم أن الآلهة لا شفاعة لهم ولا قدرة . { وَهُوَ العزيز } بالنعمة لمن عصاه { الحكيم } حكم بالعقوبة على من عبد غيره ، ويقال : حكم أن لا يعبد غيره . { وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ } يعني : أمثال آلهتهم نبينها للناس . { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون } يعني : لا يفهمها ويعلمها إلا الموحدون ، ويقال : يعني : العاقلين .
قرأ أبو عمرو وعاصم { إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ } بالياء على لفظ المغايبة . وقرأ الباقون بالتاء على لفظ المخاطبة ، يعني : قل لهم يا محمد إن الله يعلم ما تدعون من دونه .
ثم قال عز وجل : { خَلَقَ الله السموات والارض بالحق } يعني : بالعدل ، ويقال : لبيان الحق ، ولم يخلقها باطلاً . { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي : خلق السموات والأرض { لآيَةً } يعني : لعبرات { لِلْمُؤْمِنِينَ } يعني : المصدقين وإنما أضاف إلى المؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون بها .

(3/344)


اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)

قوله عز وجل : { اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ } يعني : اقرأ عليهم ما أنزل إليك { مّنَ الكتاب } يعني : من القرآن . ويقال : هو أمر بتلاوة القرآن ، يعني : اقرؤوا القرآن ، واعملوا بما فيه . { اتل مَا } يعني : وأتمَّ الصلاة { اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب } يعني : ما دام العبد يصلي لله عز وجل انتهى عن الفحشاء والمنكر والمعاصي . ويقال : { اتل مَا } يعني : وأدِّ الصلاة الفريضة في مواقيتها بركوعها وسجودها والتضرع بعدها { اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ } يعني : إذا صلى العبد لله صلاة خاشع يمنعه من المعاصي ، لأنه يرق قلبه ، فلا يميل إلى المعاصي .
وروى أبو أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاَتُهُ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ لَمْ تَزِدْهُ صَلاتُهُ عِنْدَ الله إلاَّ مَقْتاً » وروي عن الحسن البصري رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاَتَهُ عَن فَحْشَاءَ وَلاَ مُنْكَرٍ لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنَ الله إلاَّ بُعْداً » وقال الحسن : إذا لم تنته بصلاتك عن الفحشاء فلست بمُصَلٍ . ثم قال { وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ } يعني : أفضل من سائر العبادات . وروي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال : قراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من صلاة لا يكون فيها كثير القراءة ، ثم قرأ هذه الآية { اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب وَأَقِمِ الصلاة إِنَّ الصلاة تنهى } قال مقاتل : ولذكر الله إياك أفضل من ذكرك إياه بالصلاة ، وقال الكلبي : يقول : ذكره إياكم بالخير أكبر من ذكركم إياه ، والله يذكر من ذكره بالخير .
قال أبو الليث رحمه الله : حدثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدثنا الماسرجسي قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الله بن ربيعة ، قال سألني ابن عباس عن قوله : { وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ } فقلت : هو التسبيح والتهليل والتقديس ، فقال : لقد قلت شيئاً عجيباً ، وإنما هو ذكر الله العباد أكثر من ذكر العباد إياه . وقال قتادة : { وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ } أي : ليس شيء أفضل من ذكر الله . وسئل سلمان الفارسي أي العمل أفضل؟ قال : ذكر الله . ويقال : ذكر الله أفضل من الاشتغال بغيره . ويقال : ذكر الله حين كتبكم في اللوح المحفوظ من المسلمين أفضل . ويقال : ذكر الله عز وجل لك بالمغفرة أفضل من ذكرك إياه . وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَنْ ذَكَرَ الله فِي نَفْسِهِ ذَكَرَهُ الله في نَفْسِهِ وَمَنْ ذَكَرَهُ في مَلإٍ ذَكَرَهُ الله عَزَّ وَجَلَّ في مَلإٍ أَكْبَرَ مِنَ المَلإِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِمْ وَأَطْيَبَ ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنَ الله شِبْراً تَقَرَّبَ الله مِنْهُ ذِرَاعاً يعني : بإجابته وتوفيقه ورحمته وَمَنْ تَقَرَّبَ إلى الله تَعَالَى ذِرَاعاً تَقَرَّبَ الله مِنْهُ باعاً ، وَمَنْ أتَى الله مَاشِياً أتاهُ هَرْوَلةً »

(3/345)


يعني : بإجابته وتوفيقه .
ثم قال تعالى : { والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } من الخير والشر فيجازيكم به .
قوله عز وجل : { وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب } قال مقاتل : { وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب } البتة ، يعني : مؤمنيهم ، ثم استثنى كفارهم ، فقال : { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } فيها تقديم ثم نسخته آية قتال أهل الكتاب . وقال الكلبي : { وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب } إن الله عز وجل أمر المسلمين إذ كانوا بمكة قبل أن يأمرهم بالقتال ، فقال : { وَلاَ تجادلوا } من أتاكم من أهل الكتاب { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } بالقرآن تعظونهم به ، وتدعونهم إلى الإسلام ، وهي التي أحسن { إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } في الملاعنة ، وهم أهل نجران . ويقال : { لا *** تجادلوا أَهْلَ الكتاب } يعني : لا تخاصموهم { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } يعني : إلا بالكلمة التي هي أحسن ، وهي كلمة التوحيد { إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } يعني : ولا الذين ظلموا منهم . ويقال : إلا الذين ظلموا منهم ، فلا بأس بأن تجادلوهم بما هو أشد ، ثم بيّن الكلمة التي هي أحسن ، فقال : { وَقُولُواْ ءامَنَّا بالذى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ } يعني : القرآن والتوراة . { وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ } يعني : ربنا وربكم واحد . { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } يعني : مخلصون بالتوحيد .
ثم قال عز وجل : { وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } يعني : القرآن ، كما أنزلنا إلى موسى وعيسى عليهما السلام { فالذين ءاتيناهم الكتاب } وهم مؤمنو أهل الكتاب { يُؤْمِنُونَ بِهِ } يعني : يصدقون بالقرآن { وَمِنْ هَؤُلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ } يعني : قريشاً { وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا } يعني : بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن { إِلاَّ الكافرون } من اليهود ومشركي العرب .
ثم قال عز وجل : { وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كتاب } يعني : من قبل القرآن { وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } أي : لم تكن تكتب شيئاً بيدك . { إِذاً لارتاب المبطلون } يعني : فلو كنت قرأت الكتب أو كنت تكتب بيدك لشكَّ أهل مكة في أمرك ، ويقولون إنه قرأ الكتب ، وأخذ منها ، ويقال : معناه لارتاب المبطلون يعني : لشك أهل الكتاب في أمرك لأنهم وجدوا في كتبهم نعته وصفته أنه أمي لا يقرأ الكتب ، كيلا يشكوا في صفته . { بَلْ هُوَ ءايات بينات فِى صُدُورِ الذين أُوتُواْ العلم } يعني : بل هو يقين أنه نبي عند أهل العلم ، ويقال : يعني : القرآن آيات بينات ، يعني : واضحات ، ويقال : بل إنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات ، لأنه أخبر عن أقاصيص الأولين في صدور الذين أوتوا العلم ، يعني : مؤمني أهل الكتاب { وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا إِلاَّ الظالمون } يعني : الكافرون .

(3/346)


قوله عز وجل : { وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايات مّن رَّبّهِ } أي علامة من ربه { قُلْ إِنَّمَا الايات } يعني : العلامات { عَندَ الله } يعني : من عند الله عز وجل وليس بيدي شيء . { وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } يعني : مخوفاً مفقهاً لكم أنبئكم بلغة تعرفونها . قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص { ءايات } بلفظ الجماعة ، يعني : آيات القرآن . والباقون { ءايَةً } يعني : آية واحدة ، يعني : أنه كان لا يكتب ، وكان له في ذلك آية بينة لنبوته ، ويجوز أن يكونا معناه الآيات للجنس .

(3/347)


أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55) يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59)

ثم قال عز وجل : { أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } يعني : القرآن فيه خبر ما مضى ، وخبر ما يكون أو لم يكفهم هذا علامة ، ويقال : أو لم يكفهم أنهم فصحاء فجاءهم بالقرآن الذي أعجزهم عن ذلك . وقال الزجاج : كان قوم من المسلمين كتبوا شيئاً عن اليهود فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « كَفَى هَذا حَمَاقَةَ قَوْمٍ أوْ ضَلاَلَةَ قَوْمٍ أَنْ يَرْغَبُوا عَمَّا أتاهُمْ بهِ نَبِيُّهُمْ إلى ما أَتَى بِهِ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ » فقال عز وجل : { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } { يتلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذلك لَرَحْمَةً } يعني : في هذا القرآن لنعمة لمن آمن به { وذكرى } أي موعظة ويقال : تفكر { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يعني : يصدقون بالقرآن ، فقال له كعب بن الأشرف : فقد كان قدم مكة من يشهد لك أنك رسول الله إن لم يشهد لك ، فنزل { قُلْ كفى بالله بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً } بأني رسول الله { يَعْلَمُ مَا فِى السموات والارض *** والذين ءامَنُواْ بالباطل } يعني : بالصنم ويقال بالشيطان ، ويقال : بالطاغوت ، وهو كعب بن الأشرف . { وَكَفَرُواْ بالله } يعني : جحدوا وحدانية الله { أولئك هُمُ الخاسرون } يعني : المغبونين في العقوبة . ويقال : خسروا حيث استوجبوا لأنفسهم العقوبة .
ثم قال عز وجل : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب } وذلك أنهم قالوا : ائتنا بعذاب الله .
يقول الله عز وجل : { وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى } أي لولا الوقت الذي وقّتَ لهم { لَّجَاءهُمُ العذاب وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً } يعني : فجأة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بنزول العذاب .
{ يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين } يعني : جعلت لهم النار تحيط بهم . قوله عز وجل { يَوْمَ يغشاهم العذاب } يعني : يعلوهم { مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو : { وَنَقُولُ ذُوقُواْ } بالنون ، يعني : نقول لهم نحن ذوقوا ، وهي حكاية عن الله سبحانه وتعالى بلفظ الجماعة ، وهو لفظ الملوك . وقرأ الباقون بالياء يعني : يقول الله عز وجل . ويقال : وتقول لهم الخزنة { ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يعني : جربوا عقوبة ما كنتم تعملون في الدنيا .
ثم قال عز وجل : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو بسكون الياء ، وقرأ الباقون بنصب الياء ، وقرأ ابن عامر وحده { إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ } بنصب الياء ، وقرأ الباقون بسكونها في مثل هذه المواضع ، لغتان يجوز كلاهما ، ومعناه : إن أرضي واسعة ، إذا أُمِرْتُم بالمعصية والبدعة فاهربوا ، ولا تطيعوا في المعصية ، نزلت في ضعفاء المسلمين { إِن كُنتُمْ } يعني : إذا كنتم في ضيق من إظهار الإسلام بمكة فَإِنَّ أَرْضِيَ وَاسِعَةٌ يعني : المدينة واسعة بإظهار الإسلام .

(3/348)


وروي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال : « مَنْ فَرَّ بِدِينهِ مِنْ أَرْضٍ إلى أرضٍ وإنْ كَانَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ وَكَانَ رَفِيقَ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلام » وإنما خصَّ إبراهيم لأنه قال { فَأامَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إلى ربى إِنَّهُ هُوَ العزيز الحكيم } [ العنكبوت : 26 ] ففرَّ بدينه إلى الأرض المقدسة ، وإنما خصّ محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه هاجر من مكة إلى المدينة . ويقال : إن القوم كانوا في ضيق من العيش فقال : إن كنتم تخافون شدة العيش فإن أرضي واسعة . { فَإِيَّاىَ فاعبدون } أي موحدون بالمدينة علانية .
ثم خوفهم بالموت ليهاجروا فقال : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } لأنهم كانوا يخافون على أنفسهم بالخروج ، فقال لهم : لا تخافوا فإنَّ { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم . قرأ عاصم في رواية أبي بكر { يَرْجِعُونَ } بالياء بلفظ المغايبة على معنى الخبر عنهم . وقرأ الباقون بالتاء على معنى الخطاب لهم .
ثم قال عز وجل : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } يعني : صدقوا بالله ورسوله { وَعَمِلُواْ الصالحات } يعني : الطاعات وهاجروا فسمى الهجرة من الأعمال الصالحة لأنها كانت فريضة في ذلك الوقت { لَنُبَوّئَنَّهُمْ } يعني : لننزلنهم ولنسكننهم . { مّنَ الجنة غُرَفَاً } يعني : غرفاً من الجنة . قرأ حمزة والكسائي : { ***لنثوينهم } بالثاء ، وقرأ الباقون { ظُلِمُواْ لَنُبَوّئَنَّهُمْ } بالياء ، فمن قرأ بالثاء فهو من ثويت بالمكان ، يعني : أقمت به ، كقوله { وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فى أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتنا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } [ القصص : 45 ] ومن قرأ بالباء يعني : لننزلنهم ، وذكر عن الفراء أنه قال : كلاهما واحد ، بوأته منزلاً أي أنزلته ، وأثويته منزلاً يعني : أنزلته سواء ، كقوله { وَمَا كُنتَ ثَاوِياً } .
ثم قال { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ العاملين } أي ثواب الموحدين { الذين صَبَرُواْ } على الهجرة . ويقال : صبروا على أمر الله تعالى . { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي : يثقون به ولا يهتمون للرزق لأنهم كانوا يقولون : كيف نهاجر وليس لنا مال ولا معيشة ، فوعظهم الله ليعبتروا فقال :

(3/349)


وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63)

{ وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ } يعني : وكم من دابة في الأرض أو من طائر في السماء { لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } معها ولا يجمع الغذاء إلا النملة والفأرة . ويقال : لا تخبىء رزقها { الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } يعني : يرزق الدواب حيث ما توجهت ، وإياكم إذا هاجرتم إلى المدينة . { وَهُوَ السميع } لمقالتكم { العليم } بكم { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } يعني : كفار مكة { مِنْ خلاق *** السموات والارض *** وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ } يعني : من أين يكذبون بتوحيد الله عز وجل .
ثم رجع إلى أهل الهجرة ورغبهم فيها فقال { الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاء } يعني : يوسع على من يشاء { مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } ويقتر لمن يشاء { أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } من البسط والتقتير { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السماء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الارض *** بَعْدَ مَوْتِهَا } يعني : من بعد يبسها وقحطها { لَيَقُولُنَّ الله قُلِ الحمد لِلَّهِ } على إقرارهم بذلك { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } توحيد ربهم ، وهم مقرون بالله عز وجل خالق هذه الأشياء .

(3/350)


وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)

قوله عز وجل : { وَمَا هذه الحياة الدنيا إِلاَّ لَهْوٌ } يعني : باطل { وَلَعِبٌ } كلعب الصبيان ، ولهو كلهو الشبان . ويقال : فرح لا يبقى للخلق ولا يبقى فيها إلا العمل الصالح . روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه أو عالماً أو متعلماً» وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مَرَّ بسخلة منتنة فقال : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ للدُّنْيَا على الله أهْوَنُ مِنْ هذه السَّخْلَةِ عَلَى أَهْلِهَا» { وَإِنَّ الدار الاخرة لَهِىَ الحيوان } يعني : هي دار الحياة لا موت فيها { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } يعني : لو كانوا يصدقون بثواب الله عز وجل . { فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك } يعني : في السفن { دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } يعني : مجدين وتركوا دعاء أصنامهم ، ويعلمون أنه لا يجيبهم أحد إلا الله تعالى . { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر } يعني : إلى القرار { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } به .
قوله عز وجل : { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم } يعني : ما أعطيناهم من النعمة { وَلِيَتَمَتَّعُواْ } قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر ونافع في رواية ورش : { وَلِيَتَمَتَّعُواْ } بكسر اللام ، وقرأ الباقون بالجزم . فمن قرأ بالكسر ، فمعناه : لكي يتمتعوا ، لأن الكلام عطف على ما قبله يعني : يشركون لكي يكفروا ، ولكي يتمتعوا في الدنيا . ومن قرأ بالجزم فهو على معنى التهديد والتوبيخ بلفظ الأمر ، وتشهد له قراءة أبيَّ كان يقرأ تمتعوا . { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } ومعناه وليتمتعوا ، يعني : وليعيشوا فسوف يعلمون إذا نزل بهم العذاب { أَوَ لَمْ *** يَرَوْاْ } يعني : أو لم يعلموا ويعتبروا { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس } يعني : يختلس الناس فيقتلون ويسبون وهم آمنون يأكلون رزقي ويعبدون غيري ، فكيف أسلط عليهم إذا أسلموا . { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } يعني : أفبالشيطان يصدقون أن لي شريكاً . ويقال : أفبالأصنام يؤمنون { وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ } يعني : وبخالق هذه النعمة ورسوله يجحدون .
ثم قال عز وجل : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } بأن معه شريكاً { أَوْ كَذَّبَ بالحق } يعني : بالقرآن { لَمَّا جَاءهُ } أي حين جاءه { أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين } مثوى ، أي مقاماً للكافرين بالتوحيد كما قال { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِى الجنة وَفَرِيقٌ فِى السعير } [ الشورى : 7 ] ثم قال عز وجل : { والذين جاهدوا فِينَا } يعني : رغبوا في طاعتنا { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } يعني : لنعرفنهم طريقنا ، ويقال : معناه لنرشدنهم طريق الجنة { وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين } يعني : في العون لهم ويقال : والذين عملوا بما علموا لنوفقنهم لما لم يعلموا ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

(3/351)


الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6)

قول الله سبحانه وتعالى : { الم * غُلِبَتِ الروم } يعني قهرت الروم { فِى أَدْنَى الارض } مما يلي فارس يعني أرض الأردن وفلسطين { وَهُمْ } يعني أهل الروم { مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } أهلَ فارس ، وذلك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر ، ملك الروم ، يدعوه إلى الإسلام ، فقرأ كتابه ، وقبّله ووضعه على عينيه ، وختمه بخاتمه ، ثم أوثقه على صدره ، ثم كتب جواب كتابه : إنا نشهد أنك نبي ولكنا لا نستطيع أن نترك الدين القديم الذي اصطفى الله لعيسى ، فعجب النبي صلى الله عليه وسلم وقال : « قَدْ ثَبَّتَ الله مُلْكَهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَى أدْنَى الأَرْضِ مِنْهَا بِفَتْحِ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى المُسْلِمِينَ »
وكتب إلى كسرى ملك فارس فمزَّق كتابه ، ورجع الرسول بعدما أراد قتله ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم : « قَد مَزَّقَ الله مُلُكهم فلا مُلكَ لَهُمْ أبَداً . إذا ماتَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بَعْدَهُ » فلمّا ظهرت فارس على الروم اغتمَّ المسلمون لذلك ، فنزل قوله تعالى : { الم الم غُلِبَتِ الروم فِى أَدْنَى الارض وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } .
وقال في رواية الكلبي : إن مشركي قريش شتموا حين غلب المشركون أهل الكتاب ، فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه لمَ تشتمون؟ فوالله ليظهرنَّ الروم عليهم . فقال أبيُّ بن خلف : والله لا يكون ذلك أبداً فتبايعا أبو بكر وأبيّ بن خلف لتظهرن الروم على أهل فارس إلى ثلاث سنين على تسع ذود . فرجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبره بالأمر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « انْطلِقْ فَزِدْهُ فِي الخَطَرِ ، وَمُدَّهُ فِي الأجَلِ » فرجعَ أبو بكر إلى أبيّ بن خلف ، فقال : أنا أبايعك إلى سبع سنين على عشرة ذَود ، فبايعه فلما خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة إلى المدينة مهاجراً أتاه فلزمه ، فكفل له عبد الرحمن بن أبي بكر . فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحدُ أتاه محمد بن أبي بكر ، فلزمه ، فأعطاه كفيلاً ، ثم خرج إلى أحدُ فظهرت الرُّوم على فارس عام الحديبية ، وذلك عند رأس سبع سنين ، فذلك قوله : { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون * بِنَصْرِ الله } .
وروى أسباط ، عن السدي ، عن أصحابه ، قال : اقتتلت فارس والروم ، فغلبتهم فارس ، ففخر أبو سفيان بن حرب على المسلمين ، وقال : الذين ليس لهم كتاب غلبوا على الذين لهم كتاب ، فشقَّ ذلك على المسلمين ، فلقي أبو بكر رضي الله عنه أبا سفيان ، فقامره على ثلاثة أبكار على أنَّ الروم ستغلب فارس إلى ثلاث سنين ، ثم أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال له :

(3/352)


« انْطَلِقْ فَزِدْ فِي الجَعْلِ ، وَزِدْ في السِّنِينَ » فزايده إلى سبع سنين على سبعة أبكار . فالتقى الروم وفارس ، فغلبتهم الروم ، وظهر عليهم هرقل ، فجاءه جبريل عليه السلام بهزيمة فارس ، وظهور الرّوم عليهم ، ووافق ذلك يوم بدر وظهور النبيّ صلى الله عليه وسلم على المشركين ، ففرح المؤمنون بظهورهم على المشركين ، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك .
ويقال إن أهل الروم كانوا أهل كتاب ، وكان المسلمون يرجون إسلامهم ، وأهل فارس كانوا مجوساً ، فكان المسلمون لا يرجون إسلامهم ، وكانوا يحزنون لغلبة فارس عليهم فنزل { الم غُلِبَتِ الروم فِى أَدْنَى الارض } أي أقرب الأرض إلى أرض فارس { وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } روي عن الفراء أنه قال : يعني من بعد غلبتهم ، ولكن عند الإضافة سقطت الهاء ، كما قال : { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكواة وَكَانُواْ لَنَا عابدين } [ الأنبياء : 73 ] ولم يقل : وإقامة الصلاة .
وقال الزجاج : هذا غلط ، وإنا يجوز ذلك في المعتلّ خاصة . والغلب والغلبة كلاهما مصدر . و { سَيَغْلِبُونَ فِى بِضْعِ سِنِينَ } يعني إلى خمس سنين ، ويقال : إلى سبع سنين .
روي عن أبي عبيدة أنه قال : البضع من واحد إلى أربعة . وقال القتبي : البضع ما فوق الثلاثة إلى دون العشرة . وقال مجاهد : البضع ما بين الثلاث إلى التسع ، ويقال { مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ } وهذا اللفظ يكون للغالبين وللمغلوبين كقولهم من بعد قتلهم .
ثم قال عز وجل : { لِلَّهِ الامر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } يعني لله الأمر حين غلبت الروم فارس { وَمِن بَعْدِ } يعني حين غلبت الروم فارس .
ولفظ القبل والبعد إذا كان في آخر الكلام يكون رفعاً على معنى الإضافة للغاية ، ولو كان إضافة إلى شيء يكون خفضاً ، كقولك : من بعدهم ومن قبلهم .
ثم قال : { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون } لما يرجون من إسلامهم ، ويقال : يفرح أبو بكر رضي الله عنه خاصة ، ويقال : يفرح المؤمنون بتصديق وعد الله تعالى . وروي عن الشعبي أنه قال : كان ذلك عام الحديبية ، فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فبايعوه مبايعة الرضوان ، ووعد لهم غنائم خيبر ، وظهرت الروم على فارس ، وكان تصديقاً لهذه الآية { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون } وإنَّما جازت مخاطرة أبي بكر رضي الله عنه لأن المخاطرة كانت مباحة في ذلك الوقت ، ثم حرمت بقوله : { ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والانصاب والازلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ المائدة : 90 ] الآية ، ثم قال { بِنَصْرِ الله } يعني بفتح الله { يَنصُرُ مَن يَشَاء } يعني نصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه { وَهُوَ العزيز الرحيم } بالمؤمنين حين نصرهم .
قوله عز وجل : { وَعَدَ الله } نصب الوعد لأنه مصدر ، ومعناه وعد الله وعداً يعني انتصروا وعد الله .
ثم قال : { لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ } حيث وعد لهم غلبة الروم { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } يعني الكفار لا يعلمون أن الله عزَّ وجلَّ لا يخلف وعده ، ويقال : لا يعلمون الآخرة .

(3/353)


يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11)

قوله عزَّ وجلَّ : { يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا } يعني يعلمون حرفتهم ، وأمر معايشهم ، ومتى يدرك زرعهم . ويقال في أمر التجارة كانوا أكيس الناس . وقال الحسن : كان الرجل منهم يأخذ درهماً ويقول وزنه كذا ولا يخطىء . { وَهُمْ عَنِ الاخرة هُمْ غافلون } أي لا يؤمنون بها . ويقال : عن أمر الآخرة ، وما وعدوا فيها من الهول والعذاب هم غافلون .
ثم وعظهم فقال عز وجل : { أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ } فيعتبروا في خلق السموات والأرض . وروي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : تفكر ساعة خير من قيام ليلة .
ثم قال : { مَّا خَلَقَ الله السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق } يعني للحق { وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } يعني السموات والأرض لهن أجل ووقت معلوم { وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس بِلِقَاء رَبّهِمْ لكافرون } يعني جاحدون للبعث .
ثم خوفهم ، فقال عز وجل : { أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى الارض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ } يعني الأمم الخالية كانت عاقبتهم الهلاك ، ثم أخبر عنهم فقال : { كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الارض } قال مقاتل : يعني ملكوا الأرض . وقال الكلبي : يعني حرثوها . ويقال : أثاروا الأرض إذا قلبوها للزراعة . { وَعَمَرُوهَا } يعني عمروا الأرض { أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا } يعني أهل مكة . ويقال : عاشوا فيها أكثر مما عاش أهل مكة { وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } يعني بالحجج الواضحات فكذبوهم ، فأهلكهم الله عزَّ وجلَّ { فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ } أي ليعذبهم بغير ذنب { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالمعاصي .
قوله عز وجل : { ثُمَّ كَانَ عاقبة الذين أَسَاءواْ } يعني آخر أمر الذين أشركوا { السوأى } يعني العذاب ، فيجوز أن تكون ثم على معنى التأخير ، ويجوز أن يكون معناه : ثم مع هذا كان عاقبة الذين . قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { وَلِلَّهِ عاقبة } بالضّمّ ، وقرأ الباقون بالنصب ، فمن قرأ بالضم جعله اسم كان ، وجعل { السوء } خبر كان ، ومن قرأ بالنصب جعل العاقبة خبر كان والسوء اسم كان ، ومعنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد ، يعني ثم كان عاقبة الكافرين النار لتكذيبهم بآيات الله عزَّ وجلَّ . والسوء هاهنا جهنم ، كما أن الحسنى الجنة .
ثم قال : { ثُمَّ كَانَ عاقبة الذين } يعني : عاقبة جهنم ، لأنهم كذبوا بآيات الله ما جاءت بها الرسل { وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ } يعني : بآيات الله { الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } يعني يحييهم بعد الموت { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } في الآخرة . قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر : { يَرْجِعُونَ } بالياء على معنى الإخبار عنهم ، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة .

(3/354)