صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)
ثم قال عز وجل : { أَوْفُواْ الكيل وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المخسرين } يعني : من الناقصين في الكيل والوزن ، وفي هذا دليل على أنه أراد بهذا أهل مدين ، لأنه ذكر في تلك الآية { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ الأنعام : 152 ] كما ذكرها هنا ثم قال : { وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم } يعني : بميزان العدل بلغة الروم . ويقال : هو القبان { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ } يعني : لا تنقصوا الناس حقوقهم قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { بالقسطاس } بكسر القاف ، والباقون بالضم ، وهما لغتان . ثم قال : { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الارض مُفْسِدِينَ } يعني : لا تسعوا فيها بالمعاصي . يقال : عثى يعثو وعاث يعيث ، وعثى يعثي إذا ظهر الفساد . ثم قال عز وجل : { واتقوا الذى خَلَقَكُمْ والجبلة الاولين } يعني : الخليقة الأولى { قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين * وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } وقد ذكرنا { وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين } يعني : ما نظنك إلا من الكاذبين { فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ السماء } أي جانباً من السماء ، وقرىء { كِسَفًا } بنصب السين ، أي قطعاً ، وهو جمع كسفة { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين * قَالَ } لهم شعيب عليه السلام : { رَبّى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من نقصان الكيل { فَكَذَّبُوهُ } في العذاب { فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلة } لأنه أصابهم حر شديد ، فخرجوا إلى غيضة ، فاستظلوا بها ، فأرسل عليهم ناراً ، فأحرقت الغيضة ، فاحترقوا كلهم { إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } صار العذاب نصباً ، لأنه خبر كان { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } يعني : لعبرة لمن نقص في الكيل والوزن { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } يعني : قوم شعيب { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } بالنقمة لمن نقص الكيل والوزن { الرحيم } لمن تاب ورجع . (3/275)
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)
قوله عز وجل : { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين } يعني : القرآن ويقال : إنه إشارة إلى ما ذُكر في أول السورة تلك آيات الكتاب المبين ، وأنه يعني : الكتاب لتنزيل رب العالمين { نَزَلَ بِهِ الروح الامين } قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر { نَزَّلَ } بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف ، فمن قرأ بالتشديد ، فمعناه نَزَّلَ الله تعالى بالقرآن الروح الأمين ، يعني : جبريل عليه السلام نصب الروح لوقوع الفعل عليه ، يعني : أنزل الله تعالى جبريل بالقرآن ، ومن قرأ بالتخفيف ، فمعناه نزل جبريل عليه السلام بالقرآن ، فجعل الروح رفعاً ، لأنه فاعل ثم قال : { على قَلْبِكَ } أي نزله عليك ليثبت به قلبك ويقال أي يحفظ به قلبك . ويقال : { على قَلْبِكَ } أي نزل على قدر فهمك وحفظك . ويقال : أي نزله عليك فوعاه قلبك ، وثبت فيه ، فلا تنساه أبداً كما قال : { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى } [ الأعلى : 6 ] ويقال : على قلبك يعني : على موافقة قلبك ومرادك { لِتَكُونَ مِنَ المنذرين } يعني : من المخوفين بالقرآن للكفار من النار . (3/276)
ثم قال عز وجل : { لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ } يعني : مبين لهم بلغتهم . ويقال : بلغة قريش وهوازن ، وكان لسانهما أفصح . قال مقاتل : وذلك أنهم كانوا يقولون : إنه يُعلمه أبو فكيهة ، وكان أعجمياً رومياً ، فأخبر أن القرآن بلغة قريش { وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الاولين } يعني : أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته في كتب الأولين ، كما قال : { الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبى الأمى الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وينهاهم عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فالذين ءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ واتبعوا النور الذى أُنزِلَ مَعَهُ أولئك هُمُ المفلحون } [ الأعراف : 157 ] والزبر الكتب ، واحدها زبور ، مثل رسل ورسول ، ويقال : إنه يعني : القرآن لفي زبر الأولين ، يعني : بعضه كان في كتب الأولين ، ويقال : نعت القرآن ، وخبره كان في كتب الأولين ، ثم قال عز وجل : { أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ءايَةً } بالتاء وضم الهاء ، وقرأ الباقون بالياء بلفظ التذكير { ءايَةً } بالنصب ، فمن قرأ بلفظ التذكير والنصب ، جعل { أَن يَعْلَمَهُ } اسم كان ، وجعل { ءايَةً } خبر كان ، والمعنى أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل على جهة المعنى . ومن قرأ بلفظ التأنيث والضم ، جعل { ءايَةً } هي الاسم ، { وَأَنْ * يَعْلَمْهُ } خبر تكن ، ومعنى القراءتين واحد ، وذلك أن كفار مكة بعثوا رسولاً إلى يهود المدينة ، وسألوهم عن بعثته فقالوا : هذا زمان خروجه ونعته كذا ، فنزل : { أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ءايَةً } يعني : لكفار مكة علامة { أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِى إسراءيل } يعني : إن هذا علامة لهم ليؤمنوا به . ثم قال : { وَلَوْ نزلناه على بَعْضِ الاعجمين } يعني : القرآن لو نزلناه بالعبرانية على رجل ليس بعربي اللسان من العبرانيين { فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم } يعني : على كفار مكة { مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } يعني : بالقرآن ، فهذا منة من الله تعالى ، حيث خاطبهم بلغتهم ليعرفوه وليفهموه . وقال القتبي : في قوله على بعض الأعجمين . يقال : رجل أعجمي إذا كان في لسانه عجمة ، وإن كان من العرب ، ورجل عجمي بغير ألف إذا كان من العجم وإن كان فصيح اللسان .
كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)
ثم قال عز وجل : { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ } يعني : جعلنا التكذيب بالقرآن { فِى قُلُوبِ المجرمين } يعني : المشركين مجازاة لهم أن طبع على قلوبهم ، وسلك فيها التكذيب . ويقال : جعل حلاوة الكفر في قلوبهم { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } يعني : بالقرآن ويقال : بمحمد صلى الله عليه وسلم { حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم } في الدنيا والآخرة { فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً } يعني : يأتيهم العذاب فجأة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } به فيتمنون الرجعة والنظرة { فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } فلما وعدهم العذاب قالوا : فأين العذاب؟ تكذيباً به يقول الله تعالى : { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } يعني : أبمثل عذابنا يستهزئون ثم قال { أَفَرَأَيْتَ إِن متعناهم سِنِينَ } يعني : سنين الدنيا كلها . ويقال : سنين كثيرة { ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ } من العذاب . قوله عز وجل : { مَا أغنى عَنْهُمْ } يعني : ما ينفعهم { مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ } في الدنيا . ثم خوفهم فقال : { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ } يعني : من أهل قرية فيما خلا { إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } يعني : رسلاً ينذرونهم { ذِكْرِى } يعني : العذاب تذكرة وتفكراً ، قال بعضهم : إن { ذِكْرِى } في موضع النصب . وقال بعضهم : في موضع رفع ، أما من قال : في موضع النصب ، فيقول لها منذرون يذكرونهم ذكرى ، يعني : يعظونهم عظة . ومن قال : إنه في موضع رفع فيقول لها منذرونهم ذكرى { وَمَا كُنَّا ظالمين } يعني : بإهلاكنا إياهم ثم قال عز وجل : { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين } . (3/277)
روي عن الحسن أنه قرأ { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ } شبههُ بقوله : كافرون ومسلمون . قال أبو عبيدة : وهذا وهم ، لأن واحدها شيطان ، والنون فيه أصلية أما مسلمون وكافرون ، فالنون فيهما زائدة في الجمع ، لأن واحدهما مسلم وكافر . وقال بعضهم : هذا غلط على الحسن ، لأنه كان فصيحاً لا يخفى عليه ، وإنما الغلط من الراوي ، ومعنى الآية أن المشركين كانوا يقولون : إن الشيطان هو الذي يقرأ عليه . قال الله تعالى رداً لقولهم : { ظالمين وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين } { وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ } يعني : وما جاز لهم { وَمَا يَسْتَطِيعُونَ } ذلك وقد حيل بينهم وبين السمع .
وقد روي عن ابن عباس أنه قال لا يستطيعون أن يحملوا القرآن ، ولو فعلوا ذلك لاحترقوا . ثم قال عز وجل : { إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ } يعني : إنهم عن الاستماع لمحجوبون وممنوعون ثم قال { فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } وذلك حين دُعي إلى دين آبائه ، فأخبر الله تعالى أنه لو اتخذ إلها آخر عذبه الله تعالى ، وإن كان كريماً عليه كقوله : { وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } [ الزمر : 65 ] فكيف بغيره .
وروي في الخبر : أن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل ، يقال له أرميا ، بأن يخبر قومه بأن يرجعوا عن المعصية ، فإنهم إن لم يرجعوا أهلكتهم ، فقال أرميا : يا رب إنهم أولاد أنبيائك ، وأولاد إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ، أفتهلكهم بذنوبهم؟ فقال الله تعالى : وإنما أكرمت أنبيائي ، لأنهم أطاعوني ، ولو أنهم عصوني لعذبتهم ، وإن كان إبراهيم خليلي ويقال : { فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم المراد به غيره ، لأنه علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتخذ إلهاً آخر ثم قال { فَتَكُونَ مِنَ المعذبين } إن عبدت غيري ، فتكون من الهالكين .
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)
قوله عز وجل : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين } يعني : خوف أقرباءك بالنار لكي يؤمنوا ، أو يثبتوا على الإيمان من كان منهم مؤمناً . وروى هشام عن الحسن قال لما نزلت هذه الآية { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين } جمع النبي صلى الله عليه وسلم أهل بيته فقال لهم : « يَا بَنِي هَاشِمٍ يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ ، وَأَنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئاً ، لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ، وَإِنَّما أَوْلِيائِي مِنْكُمُ المُتَّقُونَ ، فَلا أَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِالآخِرَةِ ، وَجِئْتُمْ بِالدُّنْيا تَحْمِلُونَها عَلَى رِقَابِكُمْ » وذكر السدي هكذا ثم قال : « أَلا فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ » . وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال لما نزل { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين } أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا ، فصعد عليه ، ثم نادى بأعلى صوته : « يا صباحاه » فاجتمع الناس فقال صلى الله عليه وسلم : « يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ يَا بَنِي هَاشِمٍ ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِسَفْحِ هذا الجَبَلِ تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَصَدَّقْتُمُونِي؟ » قالوا : نعم . قال : « فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ » . فقال أبو لهب : تباً لك سائر اليوم ألهذا دعوتنا؟ فنزل { تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ } [ المسد : 1 ] . (3/278)
ثم قال عز وجل : { واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } يعني : لين جانبك لمن اتبعك من المؤمنين يعني : من المصدقين { فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ } قال مقاتل : فيها تقديم يعني : الأقربين أي : فإن خالفوك { فَقُلْ إِنّى بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } من الشرك ثم قال : { وَتَوكَّلْ عَلَى العزيز الرحيم } قرأ نافع وابن عامر بالفاء فتوكل ، لأنه متصل بالكلام الأول ، ودخلت الفاء للجزاء وقرأ الباقون : { وَتَوَكَّلْ } بالواو على وجه العطف ، { وَتَوكَّلْ عَلَى العزيز الرحيم } يعني : أي ثق بالله ، وفوض جميع أمورك إلى العزيز الرحيم { الذى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } في الصلاة وحدك { وَتَقَلُّبَكَ فِى الساجدين } أي : وحين تصلي في الجماعة . وقال عكرمة : وتقلبك في الساجدين قال في حال القيام والركوع والسجود يعني : يرى قيامك وركوعك وسجودك ، ويراك مع المصلين ويقال : الذي يراك حين تقوم من مقامك للصلاة بالليل ، ويقال : حين تقوم وتدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، ويقال وتقلبك في الساجدين يعني : تقلبك في أصلاب الآباء ، وأرحام الأمهات من آدم إلى نوح ، وإلى إبراهيم ، وإلى من بعده صلوات الله عليهم . قوله عز وجل : { إِنَّهُ هُوَ السميع العليم } يعني : بآبائهم وبأعمالهم .
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
ثم قال { هَلْ أُنَبّئُكُمْ } يعني : هل أخبركم { على مَن تَنَزَّلُ الشياطين } هذا موصول بقوله : { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين } { تَنَزَّلُ على كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } يعني : كذاب صاحب الإثم ، فاجر القلب . الأفاك الكذاب ، والأثيم الفاجر ، يعني به كهنة الكفار { يُلْقُونَ السمع } يعني : يلقون بآذانهم إلى السمع من السماء لكلام الملائكة عليهم السلام { وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون } يعني : حين يخبرون الكهنة . (3/279)
وروى معمر عن الزهري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : الشياطين تسترق السمع ، فتجيء بكلمة حق ، فتقذفها في أذن وليها ، فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة ، وهذا كان قبل أن يحجبوا من السماء ثم قال عز وجل : { والشعراء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون } قال قتادة ومجاهد : يتبعهم الشياطين . وقال في رواية الكلبي : الغاوون هم الرواة الذين كانوا يروون هجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فيتبعهم . ويقال : الغاوون هم الضالون . ويقال : شعراء الكفار كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال عز وجل : { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ } يعني : في كل وجه وفن يذهبون ويخوضون ، يأخذون مرة يذمون ، ومرة يمدحون ، وذكر عن القتبي أنه قال : في كل واد يهيمون من القول ، وفي كل مذهب يذهبون كما تذهب البهائم على وجهها . وقال غيره : هام الرجل والبعير ، إذا مضى على وجهه ، لا يدري أين يذهب ، فكذلك الشاعر يأخذ كلامه لا يدري أين ينتهي . قرأ نافع وحده يتبعهم بجزم التاء ، والتخفيف ، وقرأ الباقون يتبعهم بنصب التاء والتشديد ، وهما بمعنى واحد يتبعهم ويتبعهم ثم قال : { وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } يعني : أن الشعراء يقولون : قد فعلنا كذا وكذا . وقلنا : كذا ، فيمدحون بذلك أنفسهم وهم كذبة ، ثم استثنى شعراء المسلمين حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك رضي الله عنهم ، فقال عز وجل : { إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً } يعني : ذكروا الله في أشعارهم . ويقال : وذكروا الله عز وجل في الأحوال كلها { وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } يعني : انتصر شعراء المسلمين من شعراء الكافرين ، فكافؤوهم والبادىء أظلم . ويقال : انتصروا من أهل مكة من بعدما أخرجوا ، لأن الحرب تكون بالسيف وباللسان ، فأذن القتال بالشعر ، كما أذن بالسيف ، إذ فيه قهرهم .
ثم أوعد شعراء الكافرين فقال تعالى : { وَسَيَعْلَمْ الذين ظَلَمُواْ } يعني : الذين هجوا المسلمين { أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } يعني : أي مرجع يرجعون إليه في الآخرة يعني : إلى الخسران والنار . ويقال : هاتان الآيتان مدنيتان ، يذكر أنه لما نزل { والشعراء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون } جاء عبد الله بن رواحة ، وحسان بن ثابت ، وهما يبكيان فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { والشعراء } إلى قوله : { إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } فقال : عليه السلام " هذا أنتم { وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } » . وروي عن عكرمة قال عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً ، وَإِنَّ مِنَ الشُّعَرَاءِ لَحُكَمَاءَ " وفي رواية أخرى : " وَإِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً " والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم .
طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)
قول الله سبحانه وتعالى : { طس تِلْكَ ءايات القرءان } يعني : هذه الأحكام ويقال : تلك الآيات التي وعدتم بها ، وذلك أنهم وعدوا بالقرآن في كتبهم . ويقال : يعني : العلامات جميع الأحرف للقرآن { وكتاب مُّبِينٌ } كلاهما واحد ، وإنما كرر اللفظ للتأكيد { مُّبِينٌ } يعني : بيّن ما فيه من أمره ونهيه . ويقال : مبين للأحكام الحلال والحرام . ثم قال : { هُدًى } يعني : القرآن هدى وبياناً من الضلالة لمن عمل به . ويقال { هُدًى } يعني : هادياً { وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ } يعني : ما فيه من الثواب للمؤمنين ، قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وورش عن نافع { وبشرى } بإمالة الراء ، وقرأ الباقون بالتفخيم ، وكلاهما جائز ، والإمالة أكثر في كلام العرب ، والتفخيم أفصح ، وهي لغة أهل الحجاز { لِلْمُؤْمِنِينَ } ، يعني : للمصدقين بالقرآن أنه من الله تعالى . ثم نعتهم فقال : { الذين يُقِيمُونَ الصلاة } يعني : يقرون بها ويتمونها { وَيُؤْتُونَ الزكواة } يعني : يقرون بها ويعظمونها { وَهُم بالاخرة هُمْ يُوقِنُونَ } يعني : يصدقون بأنها كائنة ثم قال : { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } أي : لا يصدقون بالبعث بعد الموت { زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم } يعني : ضلالتهم عقوبة لهم ولما عملوا ، ومجازاة لكفرهم زينا لهم سوء أعمالهم { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } يعني : يترددون فيها ، ويتحيرون في ضلالتهم . قوله عز وجل : { أولئك } يعني : أهل هذه الصفة { الذين لَهُمْ سُوء العذاب } يعني : شدة العذاب { وَهُمْ فِى الاخرة هُمُ الاخسرون } يعني : الخاسرون بحرمان النجاة ، والمنع من الحسنات . ويقال : هم أخسر من غيرهم وقال أهل اللغة متى ذكر الأخسر مع الألف واللام ، فيجوز أن يراد به الأخسر من غيرهم . وإن لم يذكر غيرهم ، وإن ذكر بغير ألف ولام ، فلا يجوز أن يقال : هو أخسر إلا أن يبين أنه هو أخسر من فلان أو من غيره . قوله عز وجل : { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان } يعني : كقوله { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظِّ عَظِيمٍ } [ فصلت : 35 ] يعني : مما يؤتي بها . ويقال : وما يؤتي ، { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان } يعني : لتلقن القرآن . وقال أهل اللغة تلقى وتلقن بمعنى واحد إذا أخذ وَقُبِلَ من غيره ويقال { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان } ، أي يلقى إليك القرآن وحياً من الله عز وجل . ثم قال : { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } يعني : نزل عليك جبريل من عند حكيم عليم في أمره ، عليم بأعمال الخلق قوله عز وجل : { إِذْ قَالَ موسى لاِهْلِهِ } قال بعضهم : معناه إنه عليم بما نزل عليك ، كعلمه بقول موسى عليه السلام ويقال : حكمت لك بالنبوة ، كما حكمت لموسى ، إذ قال لأهله : { إِنّى آنَسْتُ نَاراً } يعني : رأيت ناراً { إِذْ قَالَ موسى } يعني : خبر الطريق { إِذْ قَالَ موسى لاِهْلِهِ } يعني : بنارٍ ويقال : كل أبيض ذو نور فهو شهاب ، والقبس كل ما يقتبس من النار ، والقبس يعني : المقبوس . كما يقال : ضرب فلان ، يعني : مضروبه . (3/280)
قرأ عاصم وحمزة والكسائي { شِهَابٌ *** قَبَسٍ } بالتنوين ، وقرأ الباقون بغير تنوين ، فمن قرأ منوناً ، جعل القبس نعت الشهاب ومن قرأ بشهاب غير منون ، أضاف الشهاب إلى القبس ثم قال { لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } يعني : تستدفئون من البرد .
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)
قوله عز وجل : { فَلَمَّا جَاءهَا } يعني : النار ويقال يعني : الشجرة { نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِى النار } يعني : بورك مَنْ عند النار ، وهو موسى عليه السلام { وَمَنْ حَوْلَهَا } يعني : الملائكة عليهم السلام وهو على وجه التقديم يعني : فلما جاءها ومن حولها من الملائكة ، نودي أن بورك من في النار ، أي : عند النار . ويقال : من في طلب النار أو قصدها والمعنى : بورك فيك يا موسى . وقال أهل اللغة : باركه وبارك فيه ، وبارك عليه واحد ، وهذا تحية من الله تعالى لموسى عليه السلام ثم قال : { وسبحان الله } يعني : قيل له قل سبحان الله تنزيهاً لله تعالى من السُّوء ويقال : إنه أي الله في النداء قال : فسبحان الله { رَبّ العالمين } وقال بعض المفسرين : كان ذلك نور رب العزة ، وإنما أراد به تعظيم ذلك النور ، كما يقال للمساجد بيوت الله تعظيماً لها . (3/281)
ثم قال عز وجل : { العالمين ياموسى إِنَّهُ أَنَا الله } وذكر عن الفراء أنه قال : هذه الهاء عماد ، وإنما يراد به وصل الكلام ، كما يقال : إنما ، وما يكون للوصل كذلك هاهنا ، فكأنه قال : يا موسى إني أنا الله { العزيز الحكيم } ويقال : معناه إن الذي تسمع نداءه هو الله العزيز الحكيم قوله عز وجل : { وَأَلْقِ عَصَاكَ } يعني : من يدك فألقاها ، فصارت حية ، وقد يجوز أن يضمر الكلام إذا كان في ظاهره دليل { فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ } يعني : تتحرك { كَأَنَّهَا جَانٌّ } يعني : حية والجان هي الحية الخفيفة الأهلية ، فإن قيل : إنه قال في آية أخرى ، { فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } [ الأعراف : 107 ] والثعبان الحية الكبيرة ، فأجاب بعض أصحاب المعاني أنه كان في كبر الثعبان ، وفي خفة الجان قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : والجواب الصحيح أن الثعبان كان عند فرعون ، والجان عند الطور ثم قال : { ولى مُدْبِراً } يعني : أدبر هارباً من الخوف { وَلَمْ يُعَقّبْ } يعني : لم يرجع ويقال : لم يلتفت يقول الله تعالى لموسى { خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ } من الحية { إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون } يعني : لا يخاف عندي ، ثم استثنى فقال : { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } قال مقاتل : إلا من ظلم نفسه من المرسلين ، مثل آدم وسليمان ، وإخوة يوسف ، وداود وموسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . ويقال : إلا من ظلم يعني : لكن من ظلم { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء } أي : فعل إحساناً بعد إساءته { فَإِنّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } قال الكلبي : { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } يعني : أشرك فهذا الذي يخاف { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً } يعني : توحيداً بعد سوء ، يعني : بعد شرك { فَإِنّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
قال أبو الليث رحمه الله : ويكون إلا على هذا التفسير ، بمعنى لكن لا وعلى وجه الاستثناء ، وذكر عن الفراء أنه قال : الاستثناء وقع في معنى مضمر من الكلام ، كأنه قال : لا يخاف لدي المرسلون ، بل غيرهم الخائف . (3/282)
وقال القتبي : هذا لا يصح ، لأن الإضمار يصح إذا كان في ظاهره دليل ، ولكن معناه أن الله تعالى لما قال : { إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون } ، علم أن موسى كان مستشعراً خيفة من قبل القبطي ، فقال : { إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء } فإنه يخاف ، ولكني أغفر له ، { فَإِنّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } . ويقال { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } يعني ، ولا من ظلم ، ولا يبين ظلمه ، { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء } فإنه لا يخاف أيضاً ، ثم قال عز وجل : { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } يعني : جيب المدرعة ، ثم أخرجها { تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء } يعني : من غير برص { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى } يعني : هذه الآية من تسع آيات ، كما تقول أعطيت لفلان عشرة أبعرة فيها فحلان ، أي منها وقد بيّن في موضع آخر حيث قال : { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى تِسْعَ ءايات بَيِّنَاتٍ فاسأل بَنِى إسراءيل إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّى لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُورًا } [ الإسراء : 101 ] وقد ذكرناها { إلى فِرْعَوْنَ } أي اذهب إلى فرعون { وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } يعني : إنهم كانوا قوماً عاصين قوله : { فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءاياتنا } يعني : جاءهم موسى بآياتنا التسع { مُبْصِرَةً } يعني : معاينة . ويقال : مبينة ، أي علامة لنبوته ، ويقال : مبصرة يعني : مضيئة واضحة { قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي بيّن { وَجَحَدُواْ بِهَا } يعني : بالآيات بعد المعرفة { واستيقنتها أَنفُسُهُمْ } أنها من الله تعالى ، وإنما استيقنتها قلوبهم ، لأن كل آية رأوها استغاثوا بموسى ، وسألوا بأن يكشف عنهم ، فكشفنا عنهم ، فظهر لهم بذلك أنه من الله تعالى ، وفي الآية تقديم . ومعناه وجحدوا بها { ظُلْماً } يعني : شركاً { وَعُلُوّاً } يعني : تكبراً وترفعاً عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى { واستيقنتها } أنفسهم يعني : وهم يعلمون أنها من الله .
ثم قال : { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } يعني : الذين يفسدون في الأرض بالمعاصي ، فكانت عاقبتهم الغرق .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا * دَاوُودُ ***** وسليمان عِلْماً } يعني : علم القضاء ، والعلم بكلام الطير والدوابّ { وَقَالاَ } يعني : داود وسليمان { الحمد لِلَّهِ الذى فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ المؤمنين } بالكتاب والنبوة وكلام البهائم والطير والملك ، ويقال : فضلنا على كثير من الأنبياء ، حيث لم يعط أحداً من الأنبياء عليهم السلام ما أعطانا . وقال مقاتل : كان سليمان أعظم ملكاً ، وأقضى من داود ، وكان داود أشدَّ تعبداً من سليمان عليهما السلام . (3/283)
ثم قال عز وجل : { وَوَرِثَ سليمان * دَاوُودُ } يعني : ورث ملكه . وقال الحسن : ورث المال والملك لا النبوة والعلم ، لأن النبوة والعلم من فضل الله ، ولا يكون بالميراث ويقال : ورث العلم والحكم لأن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون دراهم ولا دنانير .
{ وَقَالَ } سليمان لبني إسرائيل : { وَقَالَ ياأيها الناس عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير } يعني : أفهمنا وألهمنا منطق الطير ، وذلك أن سليمان كان جالساً في أصحابه إذ مرّ بهم طير يصوت ، فقال لجلسائه : أتدرون ماذا يقول؟ قالوا : لا . قال : إنه يقول : ليت الخلق لم يخلقوا ، فإذا خلقوا علموا لماذا خلقوا قال : وصاح عنده ديك فقال : هل تدرون ماذا يقول؟ قالوا : لا . قال : إنه يقول اذكروا الله يا غافلين .
ثم قال تعالى : { وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } يعني : أعطينا علم كل شيء . ويقال : النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين والرياح . { إِنَّ هَذَا } الذي أعطينا { لَهُوَ الفضل المبين } يعني : المبين ويقال : المبين تبين للناس فضلهم .
ثم قال عز وجل : { وَحُشِرَ لسليمان جُنُودُهُ } يعني : جموعه ، والحشر هو أن يجمع ليساق ، ثم قال : { مِنَ الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ } يعني : يساقون . ويقال : { يُوزَعُونَ } يعني : يكفون ، ويحبس أولاهم على آخرهم ، وأصل الوزع الكف ، يقال : وزعت الرجل إذا كففته . وعن الحسن أنه قال : لا بد للناس من وزعة ، أي : من سلطان يكفهم . وقال مقاتل : إنه استعمل جنياً عليهم يرد أولهم على آخرهم . ويقال : هكذا إعادة القوافل والعساكر . ويقال : { وَحُشِرَ } ، أي : جمع لسليمان جنوده مسيرة له من الجن والإنس والطير { فَهُمْ يُوزَعُونَ } يجلس أولهم على آخرهم ، حتى يجتمعوا .
قوله عز وجل : { حتى إِذَا أَتَوْا على وَادِى النمل } وذلك أن سليمان كان له بساط فرسخ في فرسخ ، ويقال : أربع فراسخ في أربع فراسخ ، وكان يضع عليه كرسيه وجميع عساكره ، ثم يأمر الريح فترفعه ، وتذهب به مسيرة شهر في ساعة واحدة ، فركب ذات يوم في جموعه ، فمر بواد النمل في أرض الشام . { قَالَتْ نَمْلَةٌ يأَيُّهَا * أَيُّهَا ****النمل ادخلوا مساكنكم } يعني : بيوتكم ، ويقال : حجركم { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } أي لا يهلكنكم ، ويقال : لا يكسرنكم { سليمان وَجُنُودُهُ } وإنما خاطبهم بقوله { أَدْخِلُواْ } بخطاب العقلاء لأنه حكى عنهم ما يحكى عن العقلاء ، ثم قال : { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } يعني : قوم سليمان لا يشعرون بكم ولو كانوا يشعرون بكم لا يحطمونكم لأنهم علموا أن سليمان عليه السلام ملك عادل لا بغي فيه ولا جور ، ولئن علم بها لم توطأ ويقال : { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } يعني : جنوده خاصة لأنه علم أن سليمان يعلم بمكانه ويتعاهده .
ويقال : { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } يعني : النمل لا يشعرون بجنود سليمان حتى أخبرتهم النملة المنذرة ، فرفع الريح صوتها إلى سليمان . { فَتَبَسَّمَ ضاحكا مّن قَوْلِهَا } كما يكون ضحك الأنبياء عليهم السلام وإنما ضحك من ثنائها على سليمان بعدله في ملكه ، يعني : أنه لو شعر بكم لم يحطمكم . ويقال : { فَتَبَسَّمَ ضاحكا } أي متعجباً . ويقال : فرحاً بما أنعم الله تعالى عليه ، صار ضاحكاً ، نصباً على الحال . { وَقَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ } يعني : ألهمني ، ويقال : أوزعني من الكف أيضاً ، كأنه قال : احفظ جوارحي لكيلا تشتغل بشيءٍ سوى شكر نعمتك عليَّ . { وعلى وَالِدَىَّ } يعني : النبوة والملك . { وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه } يعني : تقبله مني . وذكر أنه مر بزارع ، فقال؟ الزارع : إنه ما أعطي مثل هذا الملك لأحد؟ فقال له سليمان : ألا أنبئك بما هو أفضل من هذا؟ القصد في الغنى والفقر ، وتقوى الله تعالى في السر والعلانية ، والقضاء بالعدل في الرضا والغضب . (3/284)
ثم قال تعالى : { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين } يعني : أدخلني بنعمتك مع عبادك الصالحين ، يعني : المرسلين في جنتك . فوقف سليمان عليه السلام بموضعه ليدخل النمل مساكنهم ، ثم مضى .
قرأ يعقوب الحضرمي وأبو عمرو في إحدى الروايتين { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } بسكون النون وقراءة العامة بنصب النون وتشديدها ، وهذه النون تدخل للتأكيد فيجوز التخفيف والتثقيل ، ولفظه لفظ النهي ، ومعناه جواب الأمر ، يعني : إن لم تدخلوا مساكنكم حطمكم .
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21)
ثم قال عز وجل : { وَتَفَقَّدَ الطير } يعني : طلب الطير ، وذلك أنه أراد أن ينزل منزلاً ، فطلب الهدهد { فَقَالَ مَالِيَ * لِىَ لاَ ****أَرَى الهدهد } وكان رئيس الهداهد ، وكان سليمان قد جعل على كل صنف منهم رئيساً ، ثم جعل الكركي رئيساً على جميع الطيور . قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة { مَا لِى } بسكون الياء . وقرأ الباقون بنصب الياء ، وهما لغتان : يجوز كلاهما ، ثم قال : { أَمْ كَانَ مِنَ الغائبين } يعني : أم صار غائباً لم يحضر بعد . ويقال : الميم للصلة ، ومعناه أكان من الغائبين يعني : أصار من الغائبين . وذكر أن الهدهد كان مهندساً يعرف المسافة التي بينهم وبين الماء . ويقال : كان يعرف الماء من تحت الأرض ، ويراه كما يرى من القارورة . (3/285)
وروى عكرمة أنه قال : قلت لابن عباس : كيف يرى الماء من تحت الأرض . وأن صبياننا يأخذونه بالفخ فلا يرى الخيط والشبكة من تحت التراب . فقال ابن عباس : ما ألقى هذه الكلمة على لسانك إلا الشيطان ، أما علمت أنه إذا نزل القضاء ذهب البصر . فدعا سليمان أمير الطير ، فسأله عن الهدهد ، فقال : أصلح الله الملك ما أدري أين هو؟ وما أرسلته مكاناً ، فغضب سليمان عند ذلك وقال : { لاعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً } يعني : لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطيور حولاً ولأشمسنه في الحر حتى يأكله الذر { أَوْ لاَذْبَحَنَّهُ } يعني : لأقتلنه حتى لا يكون له نسل { أَوْ لَيَأْتِيَنّى بسلطان } يعني : بحجة بينة واضحة أعذره بها { مُّبِينٌ } بيّن ، فإن قيل كيف يجوز أن يعاقب من لا يجري عليه القلم؟ قيل له : تجوز العقوبة على وجه التأديب إذا كان منه ذنب ، كما يجوز للأب أن يؤدب ولده الصغير ، وأما الذبح ، فيجوز ، وإن لم يكن منه ذنب .
قرأ ابن كثير { ***ليأتينني } بنونين . وقرأ الباقون بنون واحدة ، فمن قرأ بنونين فهو للتأكيد ، لأن النون الأولى مشددة ، وتسمى تلك نون القسم ، وهي في الحقيقة نونين ، والنون الثانية للإضافة . ومن قرأ بنون واحدة ، فقد استقل الجمع بين النونات ، واقتصر على نونين ، فأدغم إحداهما في الأخرى .
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)
قوله عز وجل : { مُّبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } قرأ عاصم بنصب الكاف . وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان : ومعناهما واحد . يعني : لم يلبث إلا قليلاً . ويقال : لم يظل الوقت حتى جاء الهدهد { فَقَالَ أَحَطتُ } وفي الآية مضمر ، ومعناه فمكث غير بعيد أن جاءه الهدهد . فقال له سليمان : أين كنت؟ فخرّ له ساجداً وقال : أحطت { بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } يعني : علمت ما لم تعلم ، وجئتك بخبر لم تكن تعلمه ، ولم يخبرك عنه أحد ثم أخبره فقال : { وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } فإن قيل : كيف يجوز أن يقال إن سليمان لم يعلم به ، وكانت أرض سبأ قريبة منه ، وهناك ملك لم يعلم به سليمان؟ قيل له : علم به سليمان ، ولكنه لم يعلم أنهم يسجدون للشمس . ويقال : إنه علم بها ، ولكنه لم يعلم أن ملكها قد بلغ هذا المبلغ ، وعلم أنهم أهل الضلالة ، والإحاطة هي العلم بالأشياء بما فيها وجهتها كما قال { وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ } ، يعني : من أرض سبأ ، وهي مدينة باليمن بنبأ يقيني يعني : بخبر صدق لا شك فيه . ويقال : بخبر عجيب . (3/286)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو { سَبَإٍ } بالنصب بغير تنوين . وقرأ الباقون بالكسر والتنوين ، فمن قرأ بالنصب جعله اسم مدينة ، وهي مؤنثة لا تنصرف ، ومن قرأ بالكسر والتنوين جعله اسم الرجل . ويقال : جعله اسم مكان . فقال له سليمان : وما ذلك الخبر؟ فقال : { إِنّى وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ } يعني : تملك أرض سبأ { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } يعني : أعطيت علم ما في بلادها . ويقال : من كل صنف من الأموال والجنود ، وأنواع الخير مما يعطى الملوك { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } يعني : سريراً كبيراً أعظم من سريرك . ويقال : كان طول سريرها ثمانون ذراعاً في ثمانين مرصعاً بالذهب والدر والياقوت ، وقوائمه من اللؤلؤ والياقوت ، واسمها بلقيس . قال مقاتل : كانت أمها من الجن . ويقال : ولها عرش عظيم ، أي شديد . قوله عز وجل : { وَجَدتُّهَا } يعني : رأيتها { وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ } يعني : يعبدون الشمس { مِن دُونِ الله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم } الخبيثة { فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ } يعني : طريق الهدى ، ومعناه صدهم الشيطان عن الإسلام ، فهم لا يهتدون . يعني : لا يعرفون الدين قوله عز وجل : { أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ } قرأ الكسائي { إِلا } بالتخفيف ، وقرأ الباقون بالتشديد ، فمن قرأ بالتخفيف ، فمعناه أن الهدهد قال عند ذلك : أنْ لاَ تسجدوا لله؟ وقال مقاتل : هذا قول سليمان قال لقومه : { أَلاَّ يَسْجُدُواْ } ويقال هذا كلام الله { أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ } وهذا من الاختصار ، فكأنه قال : ألا يا هؤلاء اسجدوا لله . ومن قرأ بالتشديد فمعناه فصدهم عن السبيل أن لا يسجدوا لله .
يعني : لأن لا يسجدوا . ويقال : معناه وزين لهم الشيطان أعمالهم ، لأن لا يسجدوا وإذا قرىء بالتخفيف ، فهو موضع السجدة ، وإذا قرىء بالتشديد ، فليس بموضع سجدة في الوجهين جميعاً . وهذا القول أحوط { الذى يُخْرِجُ الخبء } يعني : المخبئات { فِي السموات *** والارض } مثل الثلج والمطر ، وفي الأرض مثل النبات والأشجار والكنوز والموتى . ويقال : الذي يظهر سر أهل السموات والأرض ، ويعلنها فذلك قوله تعالى : { وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } ثم قال عز وجل : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش العظيم } أي الذين يعلم ذلك . قرأ عاصم والكسائي في رواية حفص { مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } بالتاء على معنى المخاطبة لهم . وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر لهم . (3/287)
قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)
{ قَالَ } سليمان { سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ } في قولك { أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين } يعني : أم أنت فيها من الكاذبين ، فكتب كتاباً وقال له : { اذهب بّكِتَابِى هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ } يعني : على ماذا يتفقون . { ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } . يعني : ارجع عنهم ويقال ليس فيها تقديم . ومعناه : { اذهب بّكِتَابِى هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } يعني : استأخر في ناحية غير بعيد ، { فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ } ؟ أي ماذا يريدون من الجواب؟ قرأ ابن عامر وابن كثير ، { ***فألقهي } إليهم بالياء بعد الهاء . وقرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين وقرأ حمزة وعاصم بالجزم . وقرأ نافع { هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ } بكسر الهاء ، ولا يبلغ الياء ، وكل ذلك جائز في اللغة . والقراءة بالياء أوسع اللغتين وأكثر استعمالاً . قال مقاتل : فجعل الهدهد الكتاب في منقاره ، ثم طار حتى وقف على رأس المرأة ، فرفرف ساعة ، والناس ينظرون إليه ، فرفعت المرأة رأسها ، فألقى الكتاب في حجرها . (3/288)
وروي في بعض الروايات أنها كانت نائمة في البيت ، وقد أغلقت بابها ، فدخل من الكوة ، ووضع الكتاب على صدرها . ويقال : عند رأسها . وأكثر الروايات أنه ألقاه في حجرها ، فقرأت الكتاب . قرأت فيه الخاتم ، فارتعدت وخضعت ، وخضع من معها من الجنود ، لأن ملك سليمان كان في خاتمه ، فقرأت الكتاب ، وأخبرتهم بما فيه قال مقاتل : ولم يكن في الكتاب إلا قوله : { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم * أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ } لأن كلام الأنبياء عليهم السلام على الإجمال ، ولا يكون على التطويل . وقال في رواية الكلبي : نكتب فيه إن كنتم من الإنس ، فعليكم بالطاعة ، وإن كنتم من الجن ، فقد عبدتم إلى قوله عز وجل : { قَالَتْ } أي المرأة { قَالَتْ ياأيها الملا إِنّى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } يعني : حسن . ويقال : كتاب مختوم .
وروي عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كرامة الكتاب ختمه » . ويقال : كل كتاب لا يكون مختوماً ، فهو مغلوب . ويقال : كان سليمان عليه السلام إذا كتب إلى الشياطين ختمه بالحديد ، وإذا كتب إلى الجن ختمه بالصفر ، وإذا كتب إلى الإنس ختمه بالطين ، وإذا كتب إلى الملوك ختمه بالفضة ، فجعل ختم كتابها من ذهب . ويقال : إن المرأة إنما قالت : { كِتَابٌ كَرِيمٌ } ، لأنها ظنت أنه نزل من السماء ، فلما نظرت إليه قرأت عنوان : { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم } يعني : عنوانه من سليمان وإنه يعني : في داخله ، وأول سطره بسم الله الرحمن الرحيم { أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ } أي : لا تتعظموا علي ، ولا تتطاولوا علي .
ويقال : لا تترفعوا علي ، وإن كنتم ملوكاً . قوله عز وجل : { وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ } يعني : مستسلمين خاضعين . ويقال : يعني : مخلصين منقادين طائعين . قال محمد بن موسى : إنما بدأ سليمان بنفسه لعلمه بأن ذكره على سائر الملوك أعظم من ذكره معبوده ، فهول عليها بذكر نفسه ثم ذكر معبوده ، فذهب بنفسها ، وانقادت في مملكتها ، وإنما خافت من هول سليمان حين آمنت بالله فقالت عند ذلك : رب ظلمت نفسي بعبادة الشمس ، وما خفت منك ، فالآن عرفتك ، وتبت إليك وأنت رب العالمين { قَالَتْ } المرأة { قَالَتْ ياأيها الملا } يعني : الأشراف والقادة { أَفْتُونِى فِى أَمْرِى } وكان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر قائداً تحت يد كل قائد ألف رجل ، وقد قيل أكثر من هذا : { أَفْتُونِى فِى أَمْرِى } . يعني : أجيبوني في أمري . ويقال : بينوا لي أمري وأخبروني . ويقال : أشيروا علي { مَا كُنتُ قاطعة أَمْراً } أي قاضية أمراً . ويقال : فاصلة أمراً { حتى تَشْهَدُونِ } يعني : تحضرون أي : لا أقطع أمراً دونكم { قَالُواْ } مجيبين لها { نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ } يعني : عدة وكثرة وسلاحاً وقتال شديد { والامر إِلَيْكِ } يعني : أخبرناك بما عندنا أيتها الملكة ، ومع ذلك لا نجاوز ما تقولين . يعني : إن أمرتينا بقتال قاتلنا ، وإن أمرتنا بغير ذلك أطعناك { فانظرى مَاذَا تَأْمُرِينَ } يعني : ماذا تشيرين إلينا . (3/289)
قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38)
قوله عز وجل : { قَالَتْ } يعني : المرأة { إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً } على وجه القوة والغلبة { أَفْسَدُوهَا } يعني : أهلكوها وخربوها { وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } يعني : أهانوا أشرافها وكبراءها ليستقيم لهم الأَمر { وكذلك يَفْعَلُونَ } قال ابن عباس : هذا قول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم قال : { وكذلك يَفْعَلُونَ } تصديقاً لقول المرأة قال الحسن : هذا قول بلقيس : إن سليمان وجنوده كذلك يفعلون ، وأكثر المفسرين على خلاف ذلك . ثم قالت المرأة : { وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } يعني : أصانعهم بالمال ، فإن كان من أهل الدنيا ، فإنه يقبل ويرضى بذلك ويقال : أختبره أملك هو أم نبي ، فإن كان ملكاً قبلها ، وإن كان نبياً لم يقبلها { فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون } يعني : أنظر بماذا يرجع المرسلون من الجواب من عنده؟ وذكر في الخبر أنها بعثت إليه لبنتين من ذهب والمسك والعنبر ، وبعثت بعشرة غلمان ، وعشرة جواري . وكان في الجواري بعض الغلظة ، وكان في الغلمان بعض اللين ، وأمرت بأن تخضب أيديهم جميعاً ، وجعلتهم على هيئة الجواري ، وبعثت إليه جوهرة في ثقبها اعوجاج ، وطلبت أن يدخل الخيط فيها ، وكتبت إلى سليمان إن كنت نبياً ، فميز بين الجواري والغلمان ، فأمر سليمان الشياطين بأن يلقوا في طريق الرسل لبناً كثيراً من الذهب ، فلما جاءت رسل بلقيس استحقروا هديتهم ، فلما قدموا على سليمان أمر بماء ، فوضع وأمر الغلمان والجواري بأن يتوضؤا ، فجعل الغلام يحدر الماء على يده حدراً ، وأما الجواري ، فكن يصببن صباً . وفي رواية أُخرى كانت الجارية تأخذ الماء بكفها ، وتدلك ذراعها ، وأما الجوهرة ، فأخذ بوردة حمراء عقد فيها خيطاً ، ثم أدخلها في الحجر حتى خرجت من الجانب الآخر ، فرد الهدية . وقال للوافد : { أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } يعني : أتغرونني بالمال . قوله عز وجل : { فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ } قال بعضهم : يعني : جاء الرسول . وقال بعضهم : يعني : جاء بريدها والأول أشبه ، لأنه خاطب الرسول . { قَالَ *** أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } قرأ حمزة { أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } بنون واحدة والتشديد ، وقرأ الباقون بنونين وأصله نونان ، إلا أن حمزة أدغم إحداهما في الأخرى ، وشددها . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { ***أتمدونني } بالياء في الوصل ، لأنه في الأصل الياء ، وهو ياء الإضافة . وقرأ الباقون بغير ياء ، لأن الكسر يدل عليه . ثم قال : { بِمَالٍ فَمَا ءاتانى الله } يعني : ما أعطاني الله عز وجل من النبوة والحكمة والدين والإسلام والملك { خَيْرٌ مّمَّا ءاتاكم } يعني : خير مما أعطاكم من الدنيا والمال { بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } يعني : إذا أهدى بعضكم إلى بعض يقال : معناه بل أنتم تفرحون بهديتكم إذا ردت إليكم ، لأنكم قليلوا المال . ويقال : لأنكم مكاثرون بالدنيا . (3/290)
قوله عز وجل : { ارجع إِلَيْهِمْ } يعني : قال سليمان للأمير الوافد : ارجع إليهم بالهدية ، فإن لم يحضروني { فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا } يعني : لا طاقة لهم بها . قال بعض المتقدمين : ومتى يكون لهم طاقة بجنود سليمان ، وكان جنود سليمان من الجن والإنس والشياطين { وَلَنُخْرِجَنَّهُم مّنْهَا } يعني : من أرض سبأٍ { أَذِلَّةٍ } يعني : مغلولة أيديهم إلى أعناقهم { وَهُمْ صاغرون } أي ذليلون ، فلما بلغ الخبر إلى المرأة ورسالة سليمان لم تجد بداً من الخروج إليه ، فخرجت نحوه ، فلما علم سليمان بمسيرها إليه { قَالَ } لجلسائه { قَالَ يأَيُّهَا الملا أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا } يعني : بسرير بلقيس { قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ } أي موحدين : لأنه قد كان أوحي إلى سليمان بأنها تسلم . وقال بعضهم : إنما أراد سليمان بإحضار سريرها قبل أن تسلم ليكون السرير له ، لأنها لو أسلمت حرم عليه ما كان لها وقال بعضهم : إنما أراد أن يبين دلالة نبوته عندها ، فتعلم المرأة أنه نبي فتسلم . (3/291)
قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)
قوله عز وجل : { قَالَ عِفْرِيتٌ مّن الجن } يعني : ما أراد من الجن والعفريت هو الشديد القوي ويقال : العفريت من كل شيء المبالغ والحاذق في أمره { قَالَ عِفْرِيتٌ مّن الجن أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ } يعني : في مجلس القضاء ، وكان قضاؤه إلى إنصاف النهار . ويقال : إلى وقت الضحى { وَإِنّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ } قوله { عَلَيْهِ } أي على إتيان السرير لقوي على حمله أمين على ما فيه من الجواهر واللؤلؤ وغير ذلك . فقال سليمان : أنا أريد أسرع من هذا { قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب } يعني : آصف بن برخيا ، وكان وزيره ومؤدبه في حال صغره ، وكان يعلم الاسم الأعظم ، ويقرأ كتاب الله . فقال : يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت . ويقال : هو قوله يا حي يا قيوم . ويقال يا ذا الجلال والإكرام ويقال إن الذي عنده علم من الكتاب هو جبريل عليه السلام ، وهو قول المعتزلة . (3/292)
قال الشيخ الإمام : لأنهم لا يرون كرامة الأولياء وأكثر المفسرين على أنه آصف بن برخيا رضي الله عنه قال : { قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب أَنَاْ ءاتِيكَ } يعني : قبل أن ينتهي إليك الذي وقع عليه منتهى بصرك ، وهو جاءٍ إليك . ويقال : قبل أن تطرف . قال له سليمان : لقد أسرعت إن فعلت ذلك ، فدعا بالاسم الأعظم ، فإذا بالسرير قد ظهر بين يدي سليمان { فَلَمَّا رَءاهُ } أي : رأى سليمان السرير { مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } أي : موجوداً عنده { قَالَ } سليمان { هذا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى } يعني : ليختبرني { شَكَرَ } هذه النعمة { أَمْ أَكْفُرُ } نعم الله تعالى إذا رأيت من دوني هو أعلم مني . قال مقاتل : فلما رفع رأسه قال : الحمد لله الذي جعل في أهلي من يدعوه ، فيستجيب له { وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } يعني : يفعل لنفسه ، لأنه يعود إليه حيث يستجيب المزيد من الله تعالى { وَمَن كَفَرَ } النعم يعني : ترك الشكر { فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ } عن شكر العباد { كَرِيمٌ } في الإفضال على من شكره بالنعمة . ويقال : كريم لمن شكر من عباده . ويقال : لما رأى آصف السرير مستقراً عنده خرج من فضل نفسه ، ورجع إلى فضل الله ، ورأى الحول والقوة لله تعالى ، فقال : هذا من فضل ربي لا من فضل نفسي ، ولو لم يقل من فضل ربي لسقط عن المنزلة أسرع من إتيان السرير حيث قال : { قَالَ عِفْرِيتٌ مّن } حيث شهر نفسه بالفضيلة . ويقال : { قَالَ عِفْرِيتٌ مّن } . يعني : بالله آتيك لا بالمدة والحيلة؛ فأسقط الحول والقوة عن نفسه ، وسلم الأمر إلى الله . فقال : { هذا مِن فَضْلِ رَبّى } ، فلما رأى سليمان السرير عنده علم أن هذا ليس من قوة جلسائه ، إنما هو من صنع ربه .
قوله عز وجل : { قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا } يعني : قال سليمان عليه السلام : غيّروا لها عرشها عن صورته ، والتنكير هو التغيير يقال : نكرته فنكر ، أي غيرته ، فتغير . (3/293)
وروى الضحاك عن ابن عباس قال : التنكير أن يزاد فيه أو ينقص منه يعني : زيدوا في سريرها ، وانقصوا منه ، حتى نرى أنها تعرف سريرها أم لا ، وذلك قوله : { نَنظُرْ أَتَهْتَدِى } يعني : أتعلم أنه عرشها { أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ } يعني : لا يعلمون يقال : إنه جعل أعلاه أسفله ، وأسفله أعلاه . ويقال : إنه أمر بذلك ، لأن الجن قالوا لسليمان عليه السلام في عقلها شيء من النقصان ، فأراد سليمان أن يمتحن عقلها ، فأمر بأن يغير السرير ، ويسألها عن ذلك .
فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)
قوله : { فَلَمَّا جَاءتْ } يعني : بلقيس وجلست على السرير { قِيلَ } لها { أَهَكَذَا عَرْشُكِ } يعني : أهكذا سريرك { قَالَتْ } بلقيس { كَأَنَّهُ هُوَ } شبهته به قال مقاتل : شبهوا عليها ، فشبهت عليهم ، ولو قيل لها أهذا عرشك؟ لقالت : نعم . ويقال : إنها شكت في ذلك ، لأنها تركت سريرها في سبعة أبيات مقفلة أبوابها ، ومفاتيح الأقفال بيدها . فقال سليمان : { وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا } يعني : حمد الله على ما أعطاه من إِتيان السرير وحضورها ، وعلى ما أعطاه قبل إتيانها من النبوة والإسلام ، فقال : { وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا } . يعني : أعطينا العلم من قبل مجيئها . ويقال : أعطينا علم ملكها وعرشها من قبل مجيئها { وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } يعني : مخلصين لله تعالى . ويقال : مسلمين منقادين له . قوله عز وجل : { وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله } يعني : عبادتها التي كانت تعبد الشمس منعها عن الإسلام . ويقال : معناه صدها إبليس عن الإيمان ، فتكون { مَا } ها هنا بمعنى الفاعل . ويقال : ما هنا بمعنى المفعول ، فكأنه يقول صدها سليمان عما كانت تعبد من دون الله ، كرجل يقول : منعت فلاناً الماء ، يعني : عن الماء . (3/294)
ويقال معناه : أن الله تعالى صدّها عما كانت تعبد من دون الله ، ووفقها للإسلام . ويقال : صدها عن الإسلام العبادة التي كانت تعبدها ، لأنها نشأت على ذلك وربيت ، ولم تعرف إلا قوماً يعبدون الشمس ثم قال : { إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كافرين } أي : من قوم جاحدين لله تعالى . قوله عز وجل : { قِيلَ لَهَا ادخلى الصرح } يعني : القصر ، وذلك لأنها لما أقبلت قالت الجن : لقد لقينا من سليمان ما لقينا من التعب ، فلو اجتمع سليمان وهذه ، وما عندها من العلم لهلكنا ، وخشوا أن يتزوجها ، ويكون بينهما ولد ، فيرث الملك فيبقون في ذلك العناء إلى الأبد فأرادوا إن يبغضوها إلى سليمان فقالوا إن رجليها شعراوان وقال مقاتل كانت أمها جنية وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال كانت أمها جنية وكانت شعراء . وقال بعضهم هذا لا يصح لأن الجن ليسوا من جنس الآدميين فلا يكون بينهما شهوة ونسل وقد قال الله تعالى { ياأيها الناس إِنَّا خلقناكم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لتعارفوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [ الحجرات : 13 ] . يعني : آدم وحواء عليهما السلام فلا يجوز أن يكون النسل من غيرهما ويقال إنهم قالوا لسليمان إن رجلها تشبه حافر الدواب فأراد سليمان أن ينظر إلى رجليها فأمر بأن يوضع سريرها في الصرح المبني من القوارير يعني : من الزجاج وجعل تحت الصرح الماء فيه السمك فجلس سليمان على سريره في الصرح ومقدميه ثم أمر بلقيس بأن تدخل الصرح { فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً } أي فلما جاءت إلى الصرح رأت ما فيه من السمك حسبته لجة أي ظنت أنه ماء كثير بين يدي سرير سليمان فأرادت أن تخوض في الماء فشمرت ثيابها { وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا } فنظر سليمان إلى ساقيها وكانت شعراً فاستشار سليمان الإنس في ذلك فأشاروا عليه بالموسى فقال سليمان الموسى تخدش ساقيها فاستشار الجن فأشاروا عليه بالنورة فأصل النورة من ذلك الوقت وروي أن سليمان ما نظر إلى ساق أحسن من ساقيها ولا خلاف بين الروايتين لأنه يكون أحسن الساقين شعراوين وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أنا أحسن ساقين أم بلقيس فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49)
قوله عز وجل { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا أَنِ اعبدوا الله } يعني : أمرهم بأن يعبدوا الله ويطيعوه ويوحدوه { فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } يعني : مؤمنون وكافرون فإذا قوم صالح مؤمن وكافر يختصمون يقول كل فريق الحق معي وقد ذكرنا خصومتهم في سورة الأعراف وهي قوله : { قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالحا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قالوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ } [ الأعراف : 75 ] الآية فطلبت الفرقة الكافرة على تصديق صالح العذاب ، { قَالَ } لهم صالح عليه السلام { قَالَ ياقوم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسيئة } ، أي : بالعذاب { قَبْلَ الحسنة } ، يعني : العافية . ويقال : التوبة وهو قولهم : يا صالح إن كان ما أتيت به حقاً ، فأتنا بما تعدنا من العذاب . ثم قال : { لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ الله } يعني : لكي تُرحموا ، فلا تعذبوا . (3/295)
قوله عز وجل : { قَالُواْ اطيرنا بِكَ } وأصله تطيرنا بك يعني : تشاءمنا بك . { وَبِمَن مَّعَكَ } ، وذلك أنه قد أصابهم القحط بتكذيبهم إياه . فقالوا : هذا الذي أصابنا بشؤمك وشؤم أصحابك { قَالَ } : لهم صالح { طَائِرُكُمْ عِندَ الله } ، يعني : ما أصابكم ، فمن الله ويقال : هذا الذي يصيبكم هو مكتوب عند الله ، ويقال : خيركم وشركم ورخاؤكم وشدتكم من عند الله عليكم بفعلكم . ويقال : عقوبتكم عند الله { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } ، أي : تبتلون بذنوبكم ويقال : تختبرون بالخير والشر ، وأصل الفتنة هي الاختبار ويقال : فتنت الذهب بالنار ، لينظر إلى جودته قوله عز وجل : { وَكَانَ فِى المدينة } ، يعني : في قرية صالح ، وهي الحجر { تِسْعَةُ رَهْطٍ } ، كانوا أغنياء قوم صالح { يُفْسِدُونَ فِى الارض وَلاَ يُصْلِحُونَ } ، يعني : يعملون بالمعاصي في أرض قريتهم ، ولا يصلحون ، أي لا يطيعون الله تعالى فيها ، ولا يتوبون من المعصية ، ولا يأمرون بها ، فسأل قوم صالح منه ناقة ، فصارت الناقة بلية لهم ، فكانت تأتي مراعيهم ، فتأكل جميع ما فيها ، فتنفر منها دوابهم ، وتشرب ماء ، بئرهم العذب الذي يشربون منه ، فجعلوا نيابة لشرب الماء ، اللبن ، فتشرب ذلك اليوم الماء كله ، وتسقيهم اللبن ، حتى يرووا ، فجاء هؤلاء التسعة ، وفيهم قدار بن سالف عاقر الناقة . وكان ابن زانية أحمر أزرق ، ومصدع بن دهر وكانا قد قعدوا لها ، فلما مرت بهما ، رماها مصدع بسهم ثم قال : يا قدار اضرب ، فضرب عرقوبها فعقروها ، ثم سلخوها ، واقتسموا لحمها ، فأوعدهم الله الهلاك ، وبيّن لهم العلامة ، بتغيير ألوانهم ، فاجتمعوا التسعة { قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بالله } ، يعني : تحالفوا بالله { لَنُبَيّتَنَّهُ } ، قرأ حمزة والكسائي بالتاء وضم التاء الثاني { وَأَهْلَهُ ثُمَّ } ، بالتاء وضم اللام والباقون بالنون ، ونصب التاء ، { وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ } بالنون ونصب اللام ، فمن قرأ : بالنون جعل تقاسموا خبراً ، فكأنهم قالوا : متقاسمين فيما بينهم ، { لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ } أي : لنقتلنه وعياله . ويقال : { وَأَهْلَهُ } يعني : ومن آمن معه ، ومن قرأ بالتاء ، فمعناه : جعل تقاسموا أمراً فكان أمر بعضهم بعضاً وقال بعضهم لبعض : تحالفوا { لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ } { لِوَلِيّهِ } ، يعني : لولي صالح إن سألونا فنقول { مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ } يعني : إهلاك أهله وقومه . ويقال : ما حضرنا عند إهلاك أهله ، { وِإِنَّا لصادقون } ، يعني : إنا لصادقون بما نقول لهم . ويقال : معناه إنا لصادقون عندهم ، فيصدقونا إذا أخرجنا من بيوتنا . p>>
وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)
قوله عز وجل : { وَمَكَرُواْ مَكْراً } يعني : أرادوا قتل صالح { وَمَكَرْنَا مَكْراً } ، يعني : جثم عليهم الجبل ، فماتوا كلهم ويقال : رجمتهم الملائكة عليهم السلام بالحجارة ، فماتوا فذلك قوله تعالى : { وَمَكَرُواْ مَكْراً } أي : أرادوا قتل صالح ، { وَمَكَرْنَا مَكْراً } يعني : أراد الله عز وجل قتلهم جزاء لأعمالهم ، { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } ، بأن الملائكة يحرسون صالحاً في داره . قرأ عاصم في رواية أبي بكر : { مُهْلِكَ } بنصب الميم واللام ، وفي رواية حفص { مُهْلِكَ } بنصب الميم وكسر اللام . (3/296)
وقرأ الباقون : بضم الميم ، ونصب اللام .
ثم قال : { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة مَكْرِهِمْ } يعني : جزاء مكرهم { أَنَّا دمرناهم } قرأ عاصم وحمزة والكسائي أنا بالنصب ، وقرأ الباقون بكسر الألف ، فمن قرأ بالنصب ، فمعناه فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ، لأنا دمرناهم ويجوز أن يكون خبر كان ومن قرأ : بالكسر لأنه لما قال ، { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة مَكْرِهِمْ } . يعني : إيش كان عاقبة مكرهم ، ثم فسر فقال : إنا دمرناهم على وجه الاستئناف ، { وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } ، يعني : أهلكناهم بصيحة جبريل عليه السلام . ويقال : خرجت النار من تحت أرجلهم وأحرقتهم . ويقال : إنهم خرجوا ليلاً لإهلاك صالح ، فدمغتهم الملائكة بأحجار من حيث لا يرونهم ، فقتلوهم ، وقومهم أجمعين .
قوله عز وجل : { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } يعني : خالية من الناس . ويقال : بيوتهم خاوية . يعني : مساكنهم خربة ساقطة ، { بِمَا ظَلَمُواْ } أي : أشركوا . ويقال : بكفرهم بالله تعالى صارت خاوية نصباً على الحال . يعني : فانظر إلى بيوتهم خاوية ، وقرىء في الشاذ خاوية بالضم ، على معنى النعت ، للبيوت ثم قال : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } يعني : في إهلاكهم ، وفيما أصابهم لغيره لمن بعدهم { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } ، يعني : يعقلون ويصدقون ، { وَأَنجَيْنَا الذين ءامَنُواْ } ، يعني : صدقوا صالحاً برسالته ، { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الشرك والفواحش .
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)
قوله عز وجل : { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } يعني : وأرسلنا لوطاً عطفاً على قوله ، { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلى ثَمُودَ } ويقال معناه واذكر لوطاً إذ قال لقومه يعني : حين قال لقومه . قوله عز وجل { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال * شَهْوَةً } يعني : تجامعون الرجال شهوة منكم { مّن دُونِ النساء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } أي جاهلون { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } وإنما نصب الجواب ، لأنه خبر كان واسمه { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن } يعني : يتنزهون ويقذروننا بهذا الفعل ، وإنا لا نحب أن يكون بين أظهرنا من ينهانا عن أعمالنا . قال الله تعالى : { فأنجيناه وَأَهْلَهُ } يعني : ابنتيه ريثا وزعورا { إِلاَّ امرأته } لم ننجها من العذاب { قدرناها } أي : تركناها { مِنَ الغابرين } أي : من الباقين في العذاب . ويقال : قضينا عليها أنها من الباقين في العذاب قوله عز وجل : { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } يعني : الحجارة { فَسَاء مَطَرُ المنذرين } يعني : بئس مطر من أنذرتهم الرسل ، فلم يؤمنوا . ثم قال عز وجل : { قُلِ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ } قال بعضهم : معناه قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم { قُلِ الحمد لِلَّهِ } وقال بعضهم : معناه الحمد لله على هلاك كفار الأمم الماضية . يعني : ما ذكر في هذه السورة من هلاك فرعون وقومه ، وثمود وقوم لوط . ويقال : قال : الحمد لله الذي علمك ، وبيّن لك هذا الأمر . ويقال : إن هذا كان للوط حين أنجاه ، أمره بأن يحمد الله تعالى . ثم قال : { وسلام على عِبَادِهِ } يعني : المرسلين { الذين اصطفى } يعني : اختارهم الله تعالى للرسالة والنبوة . (3/297)
وروي عن مجاهد أنه قال : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكذلك قال مقاتل . وقال سفيان الثوري : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال : { الله خَيْرٌ *** أَمَّا يُشْرِكُونَ } يعني : الله تعالى أفضل أم الآلهة التي تعبدونها ، اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به التقرير يعني : الله تعالى خير لهم مما يشركون ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية قال : « بل الله خير وأبقى ، وأجل وأكرم » ويقال : معناه أعبادة الله خير أم عبادة ما يشركون به من الأوثان . وقال القتبي : { الله خَيْرًا * أَمَّا يُشْرِكُونَ } . يعني : أم من يشركون؟ فتكون ما مكان من كما قال : { والسمآء وَمَا بناها } [ الشمس : 5 ] يعني : ومن بناها { وَمَا خَلَقَ الذكر والانثى } [ الليل : 3 ] يعني : ومن خلق .
أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68)
ثم قال عز وجل : { أَمَّنْ خَلَقَ السموات والارض **وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء مَاء } يعني : المطر { فَأَنبَتْنَا بِهِ } يعني : بالمطر { حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } يعني : البساتين واحدها حديقة ، وإنما سميت حديقة لأنها محاطة بالحيطان . وقال بعضهم : إذا كانت ذا شجر يقال لها : حديقة سواء كان لها حائط ، أو لا { ذَاتَ بَهْجَةٍ } ، يعني : ذات حسن { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } يعني : ما كان لمعبودكم قوة . ويقال : ما كان ينبغي لكم أن تنبتوا شجرها . ويقال : ما قدرتم عليه ، وقرأ أبو عمرو وعاصم : أما يشركون بالياء على معنى الخبر . وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر { قدرناها } بتخفيف الدال ، والباقون بالتشديد . ثم قال : { مَّعَ الله بَلْ } يعينه على صنعه اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الإنكار والزجر { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } يعني : يشركون الأصنام ثم قال عز وجل : { أَمَّن جَعَلَ الارض قَرَاراً } يعني : مستقراً لا تميد بأهلها . ويقال : قراراً أي سكناً لأهلها { وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً } أي : فجر بسواد الأرض أنهاراً . ويقال : شقّ بينهما أنهاراً { وَجَعَلَ لَهَا } أي خلق لها { رَوَاسِىَ } أي : خلق للأرض الجبال الثوابت { وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين حَاجِزاً } يعني : العذب والمالح حاجزاً يعني : ستراً مانعاً بقدرته لا يختلطان بعضهما في بعض { مَّعَ الله بَلْ } يعينه على صنعه { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } يعني : ولكن أكثرهم لا يعلمون بتوحيد الله عز وجل { أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ } يعني : أمن يستجيب في البلاء للمضْطَّر إذا دعاه { وَيَكْشِفُ السوء } يعني : ومن يكشف الضر { وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء الارض } يعني : سكان الأرض بعد هلاك أهلها { مَّعَ الله قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن } قرأ أبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين بالياء على معنى الخبر عنهم . وقرأ الباقون { تَذَكَّرُونَ } بالتاء على معنى المخاطبة . وقرأ حمزة والكسائي بتخفيف الذال . وقرأ أبو عمرو ونافع في رواية قالون : { مَّعَ الله بَلْ } بالهمز والمد . وقرأ الباقون : بغير مد بهمزتين . (3/298)
ثم قال عز وجل : { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظلمات البر والبحر } يعني من يرشدكم في أهوال البر والبحر . { وَمَن يُرْسِلُ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } يعني : قدام المطر { مَّعَ الله تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن } أي : تعظم الله عما يشركون { أَمَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعيدُهُ } يعني : خلقهم ، ولم يكونوا شيئاً ، ثم يعيدهم في الآخرة { وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء } يعني : المطر { والارض } يعني : النبات { مَّعَ الله قُلْ هَاتُواْ برهانكم إِن } يعني : حجتكم وعلتكم ، بأنه صنع شيئاً من هذا غير الله { إِن كُنتُمْ صادقين } بأن مع الله آلهة أخرى { قُلْ } يا محمد لكفار مكة { لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السموات والارض } من الملائكة والناس { الغيب إِلاَّ الله } يعني : متى تقوم الساعة إلا الله رفع على معنى البدل ، فكأنه يقول : لا يعلم أحد الغيب إلا الله ، أي لا يعلم ذلك إلا الله { وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } يعني : متى يبعثون ومتى يبعثون قوله عز وجل : { بَلِ ادرك عِلْمُهُمْ فِى الاخرة } قرأ ابن كثير وأبو عمرو { ادرك } .
قرأ الباقون { أَدْرَاكَ } بالألف ، فمن قرأ أدرك ، فمعناه أدرك علمهم علم الآخرة . (3/299)
وروي عن السدي قال : اجتمع علمهم يوم القيامة ، فلم يشكوا ، ولم يختلفوا ويقال : معناه علموا في الآخرة أن الذين كانوا يوعدون حق ، ولا ينفعهم ذلك . ومن قرأ { أَدْرَاكَ } فأصله تدارك فأدغم التاء في الدال ، وشددت وأدخلت ألف الوصل ، ليسلم السكون للدال ، ومعناه تتابع علمهم ، أي حكمهم على الآخرة ، واستعمالهم الظنون في علم الآخرة ، فهم يقولون تارة : إنها تكون ، وتارة لا تكون الساعة .
ويقال : معناه تدارك ، أي تكامل علمهم يوم القيامة بأنهم يبعثون ، ويشاهدون ما وعدوا { بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا } أي : من قيام الساعة في الدنيا { بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ } يعني : يتعامون عن قيامها . ويقال : بل هم منها عمون ، أي من علمها جاهلون .
وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ، { بَلِ *** أَدْرَاكَ } وهذه القراءة أشد إيضاحاً ، للمعنى الذي ذكرناه .
ثم حكى قول الكفار فقال عز وجل : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ أَءذَا كُنَّا تُرَاباً وَءابَاؤُنَا أَءنَّا لَمُخْرَجُونَ } يعني : أحياء من القبور { لَقَدْ وُعِدْنَا هذا } يعني : هذا الذي يقول محمد صلى الله عليه وسلم : { نَحْنُ وَءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هذا } الذي يقول { إِلاَّ أساطير الاولين } يعني : أحاديث الأولين وكذبهم ، مثل حديث رستم واسفنديار . ويقال : إن هذا إلاَّ مثل رسل الأولين مما كذبوا .
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81)
قوله عز وجل : { قُلْ سِيرُواْ فِى الارض فَاْنظُرُواْ } يعني : فاعتبروا { كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين } يعني : آخر أمر المشركين { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } إن لم يؤمنوا ، بل ويقال : { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } أي على تكذيبهم وإعراضهم عنك { وَلاَ تَكُن فِى ضَيْقٍ } يعني : لا يضيق صدرك { مّمَّا يَمْكُرُونَ } يعني : بما يقولون من التكذيب . ويقال : ولا يضيق قلبك بمكرهم { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } أي : وعد العذاب { إِن كُنتُمْ صادقين } أن العذاب نازل بالمكذب . ويقال : ولا تكن في ضيق مما يمكرون . بقولهم : فهذا دأبنا ودأبك أيام الموسم ، وهم الخراصون ، فكانوا يأمرون أهل الموسم ، بأن لا يسمعوا كلامه ، ثم قال عز وجل : { قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم } يعني : قرب وحضر لكم . قال القتبي : أي تبعكم واللام زائدة ، فكأنه قال : ردفكم قال وقيل في التفسير دنا منكم { بَعْضُ الذى تَسْتَعْجِلُونَ } من العذاب ، وهو عذاب القبر . ويقال : يعني : القحط . ويقال : يوم بدر { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس } حين لم يأخذهم بالعذاب عند معصيتهم { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } بتأخير العذاب عنهم حتى يتوبوا { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ } يعني : ما تسر قلوبهم من عداوة النبي صلى الله عليه وسلم { وَمَا يُعْلِنُونَ } بألسنتهم من الكفر والشرك . (3/300)
قوله عز وجل { وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ } يعني : من أمر العذاب . ويقال : ما من شيء غائب عن العباد { فِي السموات *** والارض إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } يعني : مكتوب في اللوح المحفوظ . ويقال : أي جملة غائبة عن الخلق إلا في كتاب مبين { إِنَّ هذا القرءان يَقُصُّ على بَنِى إسراءيل } قال مقاتل : يعني : أن هذا القرآن يبين للناس أهل الكتاب { أَكْثَرَ الذى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } يعني : اختلافهم وقال ابن عباس : إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم ، فصاروا أهواءً وأحزاباً يطعن بعضهم على بعض ، ويبرأ بعضهم من بعض ، فنزل القرآن بتبيان ما اختلفوا فيه . ثم قال عز وجل : { وَأَنَّهُ } يعني : القرآن { لَهَدَى } يعني : لبياناً من الضلالة { وَرَحْمَةً } من العذاب { لِلْمُؤْمِنِينَ *** إِن رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم } يعني : بين المختلفين في الدين { بِحُكْمِهِ } أي : بقضائه يوم القيامة { وَهُوَ العزيز } يعني : المنيع بالنقمة . ويقال : العزيز يعني : القوي فلا يرد له أمر { العليم } بأحوال خلقه سبحانه { فَتَوَكَّلْ عَلَى الله } يعني : ثق بالله . ويقال : فوّض أمرك إلى الله { إِنَّكَ عَلَى الحق المبين } يعني : الدين المبين ، وهو الإسلام .
ثم قال عز وجل : { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى } فهذا مثل ضربه للكفار ، أي فكما أنك لا تسمع الموتى ، فكذلك لا تتفقه كفار مكة { وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعاء } قرأ ابن كثير { وَلاَ يَسْمَعُ } بالياء والنصب ، و { الصم } بالرفع ، والباقون بالتاء وضم التاء وكسر الميم ، والصَّم بالنصب ، فمن قرأ بالياء فلا يسمع ، فالفعل للصم ، ومن قرأ بالتاء ، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم إنك لا تسمع الصم الدعاء { إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } يعني : أعرضوا عن الحق مكذبين قوله عز وجل : { وَمَا أَنتَ بِهَادِى العمى عَن ضلالتهم } قرأ حمزة { تَهْدِى العمى } بغير ألف وقرأ الباقون بالألف ، فمن قرأ تهدي ، فمعناه ما أنت يا محمد بالذي تهدي الذين عميت بصائرهم عن آياتنا ، ولكن عليك الدعاء ، ويهدي الله من يشاء ، ومن قرأ { بِهَادِى } فإن الباء دخلت لتأكيد النفي ، كقولك ما أنت بعالم ، فالياء لتأكيد النفي ، وخفض العمي للإضافة ثم قال : { وَمَا أَنتَ بِهَادِى العمى عَن ضلالتهم } يعني : لا تسمع الهدى إلا من صدق بالقرآن أنه من الله تعالى .
ويقال : بآياتنا يعني : أدلتنا { فَهُم مُّسْلِمُونَ } يعني : مخلصون مقرون بها . ويقال : مسلمون في علم الله تعالى . (3/301)
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)
قوله عز وجل : { وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم } يعني : إذا وجب عليهم العذاب والسخط وذلك حين لا يقبل الله من كافر إيمانه ، ولم يبق إلا من يموت كافراً في علم الله تعالى { أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مّنَ الارض تُكَلّمُهُمْ } بما يسوءهم يعني : الدابة التي تكلم الناس ، وخروجها من أول أشراط الساعة . { إِنَّ الناس } قرأ عاصم وحمزة والكسائي { ءانٍ } بالنصب . وقرأ الباقون بالكسر ، فمن قرأ بالنصب يكون حكاية قول الدابة . ومعناه : تكلمهم بأن الناس { كَانُوا بئاياتنا لاَ يُوقِنُونَ } أي : لا يؤمنون بآيات ربهم وهو خروج الدابة ، ومن قرأ بالكسر يكون بمعنى الابتداء ، ويتم الكلام عند قوله تكلمهم . ثم يقول الله تعالى : { وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ } يعني : لا يؤمنون . قال أبو عبيد حدّثنا هشام عن المغيرة أن أبا زرعة بن عمر وابن عباس ، قرأها { تُكَلّمُهُمْ } بنصب التاء ، وكسر اللام ، وبسكون الكاف ، والتخفيف يعني : تسمهم ، فيتبين الكافر من المؤمن قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : وحدثني الثقة عن أبي بكر الواسطي ، عن إبراهيم بن يوسف ، عن محمد بن الفضل الضبي ، عن أبيه عن سعيد بن مسروق ، عن ابن عمر رضي الله عنهم قال ألا أريكم المكان الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم تخرج الدابة منه فضرب بعصاه قبل الشق الذي في الصفا وقال : إنها ذات زغب وريش ، وإنها لتخرج تلبها أول ما تخرج ، كحضر الفرس الجواد ثلاثة أيام ولياليهن ، وإنها لتدخل عليهم؛ وإنهم ليفرون منها إلى المساجد ، فتقول : أترون أن المساجد تنجيكم مني . (3/302)
وروى مقاتل قال : تخرج الدابة من الصفا ، ولا يخرج إلا رأسها وعنقها ، فتبلغ رأسها السحاب ، فيراه أهل المشرق والمغرب ، ثم تقاد إلى مكانها ، ثم تزلزل الأرض في ذلك اليوم في ست ساعات ، فيمسون خائفين ، فإذا أصبحوا جاءهم الصريخ بأن الدجال قد خرج .
وروي عن أبي هريرة أنه قال : تخرج الدابة ومعها عصا موسى ، وخاتم سليمان عليهما السلام فتجلو وجه المؤمن بعصا موسى ، وتختم وجه الكافر بخاتم سليمان ثم تقول لهم : يا فلان أنت من أهل الجنة ، ويا فلان أنت من أهل النار ، فترى أهل البيت مجتمعين على خوانهم يقول لهذا يا مؤمن ، ولهذا يا كافر .
وروى ابن جريج عن أبي الزبير قال : رأسها رأس ثور ، وعيناها عينا خنزير ، وأذناها أذنا فيل ، وقرناها أيل ، وعنقها عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر ، وخاصرتها خاصرة هرة ، وذنبها ذنب كبش ، وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين منها اثني عشر ذراعاً بذراع آدم عليه السلام تخرج ومعها عصا موسى ، وخاتم سليمان ، فتنكت على وجه المؤمن حتى يبيض ، وتختم على وجه الكافر بخاتم سليمان حتى يسود ، فيعرف المؤمن من الكافر .
وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال : تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء ، فتفشو في وجهه حتى يبيض وجهه ، ويتابعون في الأسواق ، فيعرفون المؤمن من الكافر .
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86)
قوله عز وجل : { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً } يعني : نوجب عليهم العذاب في يوم نحصر من كل أمة فوجاً . يعني : من أهل كل دين جماعة . ويقال : { يَوْمَ نَحْشُرُ } يعني : نجمع من كل أمة فوجاً يعني : جماعة { مّمَّن يُكَذّبُ بئاياتنا فَهُمْ يُوزَعُونَ } يعني : يحبس أولهم لآخرهم يجتمعوا { حتى إِذَا } يعني : اجتمعوا للحشر { جَاءوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بئاياتى } يعني : قال الله تعالى لهم أكذبتم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن؟ اللفظ لفظ الاستفهام . والمراد به التقرير . يعني : قد كذبتم بآياتنا { وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً } اللفظ لفظ النفي ، والمراد به المناقشة في الحساب . يعني : كذبتم كأنكم لم تعلموا . ويقال : لم تعرفوها حق معرفتها ثم قال : { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } اللفظ لفظ السؤال ، والمراد به التوبيخ ، ومعناه : ماذا كنتم تعملون أن تؤمنوا بالكتاب والرسل؟ يعني : أي عمل منعكم من ذلك { وَوَقَعَ القول عَلَيْهِم } يعني : نزل عليهم العذاب ، ووجب عليهم { بِمَا ظَلَمُواْ } يعني : بما أشركوا { فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ } يعني : لا يمكنهم أن يتكلموا من الهيبة لما ظهر لهم من المعاينة ، ولما تحيروا في ذلك . (3/303)
ثم وعظ كفار مكة فقال : { أَلَمْ يَرَوْاْ } يعني : ألم يعتبروا { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا اليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ } يعني : مضيئاً ، وأضاف الفعل إلى النهار ، لأن الكلام يخرج مخرج الفاعل ، إذا كان هو سبباً للفعل . كما قال : { وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا بَلْ مَكْرُ اليل والنهار إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب وَجَعَلْنَا الاغلال فى أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ سبأ : 33 ] { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي : فيما ذكر من الليل والنهار ، لعبرات لقوم يصدقون بتوحيد الله تعالى .
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)
وقال عز وجل { وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور } أي : واذكر يوم ينفخ إسرافيل في الصور { فَفَزِعَ مَن فِى *** السموات **وَمَن فِى الارض } أي : من شدة الصوت والفزع . ويقال : ماتوا . وقال بعضهم : النفخ ثلاثة : أحدها الفزع وهو قوله : { فَفَزِعَ مَن فِى *** السموات } ونفخة أخرى للموت . وهو قوله : { وَنُفِخَ فِى الصور فَصَعِقَ مَن فِى السماوات وَمَن فِى الارض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } [ الزمر : 68 ] ونفخة للبعث وهي قوله { وَنُفِخَ فِى الصور فَصَعِقَ مَن فِى السماوات وَمَن فِى الارض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } [ الزمر : 68 ] وقال بعضهم : إنما هما نفختان والفزع والصعق كناية عن الهلاك ، ثم نفخة للبعث { إِلاَّ مَن شَاء الله } يعني : جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ، ثم يموتوا بعد ذلك { وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين } . (3/304)
روى سفيان بإسناده عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ : { وَكُلٌّ أَتَوْهُ } بغير مد ونصب التاء ، وهي قراءة حمزة وعاصم في رواية حفص . والباقون بالمد والضم . ومن قرأ بالمد وضم التاء ، فمعناه كل حاضروه { داخرين } أي : صاغرين . ويقال : متواضعين . ومن قرأ بغير مد يعني : يأتوا الله { وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } أي : تحسبها واقفة مكانها ويقال : مستقرة { وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب } حتى تقع على الأرض فتستوي ، أي في أعين الناظرين كأنها واقفة . قال القتبي : وكذلك كل عسكر غض به الفضاء ، فينظر الناظر ، فيرى أنها واقفة وهي تسير { صُنْعَ الله الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء } يعني : أحكم خلق كل شيء . ويقال : الشيء المتقن أن يكون وثيقاً ثابتاً ، فما كان من صنع غيره يكون واهياً ، ولا يكون متقناً { إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } أي : عليم بما فعلتم { مَن جَاء بالحسنة } أي : بالإيمان والتوحيد ، وكلمة الإخلاص ، وشهادة أن لا إله إلا الله { فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } على وجه التقديم ، وله منها خير أي : حين ينال بها الثواب والجنة . ويقال : فله خير منها . أي : خير من الحسنة . يعني : أكثر منها للواحد عشرة . ويقال : فله خير منها من الحسنة ، وهي الجنة ، لأن الجنة هي عطاؤه وفضله ، والعمل هو اكتساب العبد ، فما كان من فضله وعطائه ، فهو أفضل ، وهذا تفسير المعتزلة ، والأول قول المفسرين . { وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ } أي : من فزع يوم القيامة . قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع في رواية ورش { مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ } بغير تنوين ، { وَيَوْمَئِذٍ } بكسر الميم ، والباقون بالتنوين ، ونصب الميم . قال أبو عبيد : وبالإضافة نقرأ ، لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع ، فزع ذلك اليوم ، وإذا قال : فزع بالتنوين ، صار كأنه قال : فزع دون فزع .
وقال غيره : إنما أراد به الأكبر ، لأن بعض الأفزاع تصيب الجميع . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر { إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا *** يَفْعَلُونَ } بالياء على معنى الإخبار عنهم ، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة { وَمَن جَاء بالسيئة } أي بالشرك { فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النار } ويقال : يكبون على وجوههم ، ويجرون إلى النار ، وتقول لهم خزنة النار : { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } من الشرك ويقال : فكبت أي : ألقيت وطرحت { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ البلدة } أي : قل يا محمد لأهل مكة : أمرني الله تعالى أن أستقيم على عبادة رب هذه البلدة . يعني : مكة الذي حرمها بدعاء إبراهيم عليه السلام وحرم فيها القتل والصيد . قال بعضهم : كان حراماً أبداً . قال بعضهم : وهو أصح إن إبراهيم لما دعا ، فجعلها الله حراماً بدعوته . (3/305)
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَأَنَا حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْهَا » . ثم روي أنه قد رخص في المدينة ثم قال تعالى : { وَلَهُ كُلُّ شَىء } أي وخلق كل شيء ، { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين } ، أي : من المخلصين { وَأَنْ أَتْلُوَ القرءان } يعني : أمرت أن أقرأ عليكم القرآن يا أهل مكة { فَمَنُ اهتدى } أي : آمن بالقرآن { فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ } أي : يؤمن لنفسه ويثاب عليها { وَمَن ضَلَّ } ولم يوحد ، ولم يؤمن بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم { فَقُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مِنَ المنذرين } أي : من المخوفين ومن المرسلين ، فليس عليَّ إلا تبليغ الرسالة { وَقُلِ الحمد لِلَّهِ } يعني : الشكر لله على ما هداني { سَيُرِيكُمْ } أيها المشركون آياته . يعني : العذاب في الدنيا { فَتَعْرِفُونَهَا } أنها حق ، وذلك أنه أخبرهم بالعذاب ، فكذبوه فأخبرهم أنهم يعرفونها أنها حق ، وذلك إذا نزل بهم ، وهو القحط والقتل . ويقال : هو فتح مكة { وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } فهذا وعيد للظالم ، وتعزية للمظلوم . وقال الزجاج في قوله : { سَيُرِيكُمْ ءاياته } أي : سيريكم الله آياته في جميع ما خلق ، وفي أنفسكم . قرأ نافع وعاصم في رواية حفص ، وابن عامر في إحدى الروايتين { تَعْمَلُونَ } بالتاء على معنى المخاطبة . وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر عنه ، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم .
طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)
قوله تعالى : { طسم تِلْكَ ءايَاتُ الكتاب المبين } أي : القرآن وهو مبين للأحكام ، وقد ذكرناه قال أبو سعيد الفاريابي في قوله تعالى طا قال : هو طاهر عما يعلوه ، والسين سامع لما وصفوه ، والميم ماجد حين سألوه ، والماجد كثير العطاء . ويقال : أمجدني فلان إذا أكثر إعطاؤه . ويقال : طا أي أقسم الله بطالوت ، وسين أقسم الله بسليمان ، وميم أقسم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم . { نَتْلُواْ عَلَيْكَ } يعني : ننزل عليك جبريل عليه السلام ، يقرأ عليك { مِن نَّبَإِ موسى وَفِرْعَوْنَ بالحق } أي : من خبر موسى وفرعون بالصدق { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يعني : يصدقون محمداً صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ، وإنما أنزل القرآن لجميع الناس ولكن المؤمنين هم الذين يصدقون ، فكأنه لهم ، وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذونهم المشركون ، فيشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه السورة في شأنهم ، لكي يعرفوا ما نزل في بني إسرائيل من فرعون وقومه ، ليصبروا كصبرهم ، وينجيهم ربهم كما أنجا بني إسرائيل من فرعون وقومه ، وهذا كقوله { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } [ البقرة : 214 ] الآية . (3/306)
ثم أخبر عن فرعون فقال تعالى : { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى الارض } يعني : اسْتَكْبَرَ وتعظم عن الإيمان ، وخالف أمر موسى في أرض مصر { وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً } يعني : أهل مصر فرقاً { يَسْتَضْعِفُ } يعني : يستقهر { طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } يعني : من أهل مصر ، وهم بنو إسرائيل ، فجعل بعضهم ينقل الحجارة من الجبل ، وبعضهم يعملون له عمل النجارة ، وبعضهم أعمال الطين ، ومن كان لا يصلح لشيء من أعماله يأخذ منه كل يوم ضريبة درهماً ، فإذا غابت الشمس ، ولم يأت بالضريبة غلت يده اليمنى إلى عنقه ، ويأمره بأن يعمل بشماله ، هكذا شهراً . ثم قال : { يُذَبّحُ أَبْنَاءهُمْ } أي يعني : أبناء بني إسرائيل صغاراً . { إِنَّ فِرْعَوْنَ } يعني : يستخدم نساءهم ، وأصله من الاستحياء . يعني : يتركهن أحياء .
وروى أسباط عن السدي قال : بلغنا أن فرعون رأى فيما يرى النائم ، كأن ناراً أقبلت من أرض الشام ، فاشتملت على بيوت مصر ، وكانت الشام أرض بني إسرائيل أول ما كانوا ، فأحرقتها كلها إلا بيوت بني إسرائيل ، فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا : يولد في بني إسرائيل مولود ، يكون على يديه هلاك أهل مصر ، فأمر فرعون بأن لا يولد في بني إسرائيل ذكر إلا ذبح ، وعمد إلى ما كان من بني إسرائيل خارج مصر ، فأدخلهم المدينة ، واستعبدهم ، ورفع العمل عن رقاب أهل مصر ، ووضعه على بني إسرائيل ثم قال : { إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين } يعني : فرعون كان يعمل بالمعاصي .
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)
قوله عز وجل : { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِى الارض } يعني : أردنا أن نمن بالنجاة على الذين استضعفوا في الأرض ، وهم بنو إسرائيل { نَّمُنَّ } يعني : ننعم عليهم { وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً } يعني : قادة في الخير { وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين } يعني : أرض مصر ، وملك فرعون ، وقومه بعد هلاك فرعون . { وَنُمَكّنَ لَهُمْ } يعني : نملكهم ويقال : ننزلهم في الأرض { فِى الارض } يعني : في أرض مصر { وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وهامان } قرأ حمزة والكسائي { وَيَرَى } بالياء والنصب ، و { فِرْعَوْنَ وهامان } { وَجُنُودَهُمَا } بالرفع ، كل ذلك قرأ . والباقون { وَنُرِىَ } بالنون والضم و { فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا } كلها بالنصب ونصب نرى ، لأنه معطوف على قوله : { أَن نَّمُنَّ } ، فكأنه قال أن نمن وأن نري ، ونصب فرعون لوقوع الفعل عليه . ومن قرأ بالياء رفعه ، لأن الفعل منه ثم قال : وهامان وجنودها { مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } يعني : يرون ما كانوا يخافون من ذهاب الملك . وقوله عز وجل : { وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى } يعني : أَلْهمنا أم موسى { أَنْ أَرْضِعِيهِ } وذلك : أن أم موسى حبلت ، فلم يظهر بها أثر الحبل حتى ولدت موسى وأرضعته ثلاثة أشهر أو أكثر ، فألهمها الله تعالى بقوله : { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } يعني : إلى صباحه { فَأَلْقِيهِ فِى اليم } يعني : في البحر قال مقاتل وهو النيل فعلمها جبريل . ويقال : رأت في المنام بأنها تؤمر أن تلقيه في البحر . ويقال : كان هذا إلهاماً . ويقال : كانت دلالة حيث علمت بالرؤيا أو شيء خيل لها أن تفعل ما فعلت ، كما أن إبراهيم عليه السلام رأى في المنام ذبح إسحاق وإسماعيل عليهما السلام وذكر أنها كانت تخبز يوماً ، وكان موسى عليه السلام على رأس التنور ، إذ دخل قوم فرعون يطلبون الولد ، فوضعته في التنور ، فدخلوا فلم يجدوا موسى عليه السلام فجاءت إلى التنور ، فوجدته يلعب بأصابعه في الأرض ، فاستيقنت أن الله تعالى يحفظه ، فجعلته في التابوت ، وألقته في النيل ، ثم قال : { وَلاَ تَخَافِى } الغرق { وَلاَ تَحْزَنِى } أن لا يرد إليك { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وجاعلوه مِنَ المرسلين } يعني : رسولاً إلى فرعون وقومه ، فلما ألقته في النيل جاء به الماء ، وكان ممر الماء في دار فرعون ، فوجدته جواري فرعون بين الماء والشجر ، فمن ثم سمي موسى بلفظ القبط موسى ، فذلك قوله تعالى : { فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } يعني : إن أخذهم إياه كان سبباً لحزنهم ، فكأنهم أخذوه لذلك ، وإنما كان أخذهم لم يكن لذلك . قرأ حمزة والكسائي { وَحَزَناً } بضم الحاء ، وسكون الزاي . وقرأ الباقون بنصب الحاء والزاي ، وهما لغتان : ومعناهما واحد . { إِنَّ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خاطئين } يعني : مشركين ويقال : عاصين آثمين . (3/307)
وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11)
قوله عز وجل : { وَقَالَتِ امرأت فِرْعَوْنَ } واسمها آسية لفرعون هذا الغلام { قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ } فإنه آتانا به الماء من مصر آخر ، ومن أرض أخرى ، وليس من بني إسرائيل ويقال : إنها قالت إن هذا كبير ، ومولود قبل هذه المدة التي أخبر لك { عسى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } فإنه لم يكن له ولد ذكر . قال فرعون : فهو قرة عين لك ، فأما أنا فلا . (3/308)
وروي عن ابن عباس أنه قال : لو قال فرعون أيضاً : هو قرة عين لي لنفعه الله تعالى به ، ولكنه أبى . ويقال : { قُرَّةُ عَيْنٍ لّى } ، وقد تمّ الكلام . ثم قالت : { وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ } .
قال : وروى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقف على { قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ } ثم قال لا تقتلوه ، أي { لاَ تَقْتُلُوهُ } ، فلا الثاني إضمار في الكلام ، والتفسير الأول أصح ثم قال : { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي لا يشعر فرعون وقومه أن هلاكهم على يديه . ثم قال عز وجل : { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً } يعني : خالياً من كل ذكر وشغل إلا ذكر موسى عليه السلام . ويقال : صار قلبها فارغاً حين بعثت أخته لتنظر ، فأخبرتها بأنه قد أخذ في دار فرعون ، فسكنت حيث لم يغرق . ويقال : صار قلبها فارغاً ، لأنها علمت أنه لا يقتل .
وروي عن فضالة بن عبيد أنه قرأ : { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ موسى } يعني : خائفاً . وقراءة العامة { موسى فَارِغاً } ، وتفسيره ما ذكرناه وقد قيل أيضاً : فارغاً من شغل نفقته { إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ } يعني : وقد كادت لتظهر به . قال مقاتل : وذلك أنها لما ألقت التابوت في النيل ، فرأت التابوت يدفعه مرة ، ويضعه أخرى ، فخشيت عليه الغرق ، فعند ذلك فزعت عليه ، وكادت أن تصيح ويقال : إنه لما كبر كان الناس يقولون : هو ابن فرعون ، فكأن ذلك شق عليها ، وكادت أن تظهر أن هذا ولدي ، وليس بولد فرعون . ويقال : لما دخل الليل ، دخل الغم في قلبها ، حيث لم تدر أين صار ولدها ، فأرادت أن تظهر ذلك { لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا } أي : ثبتنا قلبها . ويقال : قوينا قلبها ، وألهمناها الصبر { لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين } يعني : من المصدقين بوعد الله تعالى حيث وعد لها بإنا رادوه إليك ، فلم تجزع ، ولم تظهر . قوله عز وجل : { وَقَالَتْ لاخْتِهِ قُصّيهِ } يعني : قالت أم موسى ، لأخت موسى وكان اسم أخته مريم { قُصّيهِ } يعني : اتبعي أثره . ويقال : يعني : امشي بجنبه في الحد ، وهو في الماء حتى تعرف من يأخذه { فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ } يعني : بصرته عن بعد كما قال { واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إحسانا وَبِذِى القربى واليتامى والمساكين والجار ذِى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً } [ النساء : 36 ] يعني : البعيد منهم من قوم آخرين . ويقال : عن جنب يعني : في جنب { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنها أخت موسى . ويقال : وهم لا يشعرون يعني : وهم لا يعرفون أنها ترقبه .
وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)
قوله عز وجل : { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع مِن قَبْلُ } أي : من قبل مجيء أمه . ويقال في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن أم موسى عليها السلام . قالت لأخته قصيه : أي اطلبي أثره بعد ما أخذه آل فرعون ، ولم يقبل رضع أحد ، وحرمنا عليه المراضع من قبل مجيء أخته . ويقال : حرمنا عليه المراضع . يعني : منعنا موسى أن يقبل ثدي مرضع من قبل أن نرده على أمه { فَقَالَتْ } أخته حين تعذر عليهم إرضاعه { هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } يعني : يضمنون لكم رضاعه . ويقال : يضمنونه { وَهُمْ لَهُ ناصحون } يعني : مشفقون للولد . ويقال مخلصون شفقة . فقال هامان : خذوها حتى تخبرنا بقصة هذا الغلام ، فأخذت فألهمها الله تعالى أن قالت عند ذلك : إنما ذكرت النصيحة لفرعون أعني : وهم له ناصحون لفرعون لا لغيره . فقال هامان : دعوها ، فقد صدقت ، فأرسل إليها ، فلما جاءت أمه وضعت الثدي في فمه ، فأخذ ثديها ، وسكن فذلك قوله تعالى : { فرددناه إلى أُمّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } يعني : كائن صدق وهو قوله { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ } { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } بأن وعد الله حق . يعني : أهل مصر . (3/309)
قوله عز وجل : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } .
ثم قال : قال مجاهد يعني : بلغ ثلاثاً وثلاثين سنة . { واستوى } يعني : بلغ أربعين سنة . قال : وفي رواية الكلبي الأشد ما بين ثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة . ويقال : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } يعني : منتهى قوته ، وهو ما فوق الثلاثين ، { واستوى } يعني : بلغ أربعين سنة { اتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } يعني : علماً وعقلاً . ويقال : النبوة وعلم التوراة . وروى مجاهد عن ابن عباس قال : الأشد ثلاثاً وثلاثين سنة ، وأما الاستواء فأربعون سنة ، والعمر الذي أعذر الله تعالى ابن آدم فيه إلى ستين سنة . يعني قوله : { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النذير فَذُوقُواْ فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ } [ فاطر : 37 ] ثم قال : { وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } يعني : المؤمنين . قوله عز وجل : { وَدَخَلَ المدينة } قال مقاتل : يعني : قرية على رأس فرسخين . وقال غيره : يعني : المصر { على حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا } يعني : نصف النهار وقت القيلولة . ويقال : ما بين المغرب والعشاء { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذا مِن شِيعَتِهِ } يعني : من بني إسرائيل { وهذا مِنْ عَدُوّهِ } يعني : من القبط .
وقال القتبي : { هذا مِن شِيعَتِهِ } أي : من أصحابه ، { وهذا مِنْ عَدُوّهِ } أي : من أعدائه ، والعدو يدل على الواحد ، والجمع ، وذكر أن خباز فرعون أخذ رجلاً من بني إسرائيل سخرة ، فأمره بأن يحمل الحطب إلى دار فرعون { فاستغاثه الذى مِن شِيعَتِهِ } يعني : هذا الذي من شيعة موسى استغاث بموسى { عَلَى الذى مِنْ عَدُوّهِ فَوَكَزَهُ موسى } يعني : ضربه بكفه ضربة في صدره .
وقال القتبي : { فَوَكَزَهُ } يعني : لكزه ويقال : لكزته ووكزته إذا دفعته { فقضى عَلَيْهِ } يعني : مات الخباز بضربته ، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته ، وقضيت عليه . فمعنى قوله : { فقضى عَلَيْهِ } ، أي : قتله ، ولم يتعمد قتله ، وكان موسى شديد البطش ، ثم ندم على قتله فقال : إني لم أؤمر بالقتل ، وإن كان كافراً { قَالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان } يعني : هو الذي حملني على هذا الفعل { إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } يعني : يضل الخلق { مُّبِينٌ } يعني : ظاهر العداوة ، ثم استغفر إلى الله تعالى { فَقَالَ } موسى { رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى فَغَفَرَ لَهُ } يعني : غفر الله ذنبه عز وجل { إِنَّهُ هُوَ الغفور } للذنوب لمن تاب { الرحيم } بخلقه (3/310)
قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22)
قَالَ موسى { رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ } يعني : بالمغفرة كقوله { قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الارض وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 39 ] يعني : أما إذا أغويتني ثم قال : { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } يعني : أعوذ بالله أن أكون معيناً للكافرين ، لأن الإسرائيلي كان كافراً ، ولم يستثن على كلامه ، فابتلاه الله عز وجل في اليوم الثاني ، بمثل ذلك ، وكانوا لا يعرفون من قتل خباز الملك ، وكانوا يطلبون قاتله { فَأَصْبَحَ } موسى { فِى المدينة خَائِفاً } أن يؤخذ فيقتل { يَتَرَقَّبُ } يعني : ينطتظر الطلب . ويقال : ينتظر الأخبار { فَإِذَا الذى استنصره بالامس يَسْتَصْرِخُهُ } يعني : رأى الإسرائيلي كان يقاتل مع رجل آخر من القبط يستصرخه يعني : يستغيثه كقوله : { وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِىَ الامر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى فَلاَ تَلُومُونِى ولوموا أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ إبراهيم : 22 ] يعني : بمغيثكم { قَالَ لَهُ موسى } يعني : للإسرائيلي { إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ } يعني : ضال بيّن ويقال جاهل بين ويقال : ظاهر الغواية ، وقد قتلت لك الأمس رجلاً ، وتدعوني إلى آخر ، ثم أقبل إليه ، فظن الذي من شيعته أنه يريده ، فذلك قوله تعالى : { فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا } يعني : يريد أن يضرب القبطي ، فظن الإسرائيلي أنه يريده بعد ما عاتبه . قرأ أبو جعفر المدني { يَبْطِشَ } بضم الطاء ، وقراءة العامة بالكسر ، ومعناهما واحد ، فظن الإسرائيلي أن موسى يريد ضربه ف { قَالَ يَاءادَمُ *** موسى *** أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالامس } وقال بعضهم : كان ذلك إبليس تشبه بالرجل الإسرائيلي ، ليظهر أمر موسى . وقال بعضهم : كان ذلك الرجل بعينه . فقال ذلك الرجل من الخوف { إِن تُرِيدُ } يعني : ما تريد { إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِى الارض } يعني : قتالاً . (3/311)
قال الكلبي : من قتل رجلين ، فهو جبار . ويقال : إن من سيرة الجبابرة القتل بغير حق { وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين } يعني : المطيعين لله تعالى . فلما قال الإسرائيلي ، هذا ، علم القبطي أن موسى هو قاتل القبطي ، فرجع القبطي ، فأخبرهم أن موسى هو القاتل ، فائتمروا بينهم بقتل موسى . قال : فأذن فرعون بقتله فجأه خزيلي ، وهو مؤمن من آل فرعون ، وأخبر موسى بذلك ، فذلك قوله : { وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى المدينة يسعى } يعني : من وسط المدينة يمشي على رجليه ، ويقال : يسرع ويشتد في مشيته ف { قَالَ يَاءادَمُ *** موسى أَنِ *** الملا } يعني : الأشراف من أهل مصر { يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } قال أبو عبيد : يعني : يتشاورون في أمرك .
وقال القتبي : يعني : يهمون بك ليقتلوك { فاخرج } من هذه المدينة { إِنّى لَكَ مِنَ الناصحين } قوله عز وجل : { فَخَرَجَ مِنْهَا } أي من مصر { خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } يعني : ينتظر الطلب { قَالَ رَبّ نَجّنِى مِنَ القوم الظالمين } يعني : المشركين { وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ } أي : بوجهه نحو مدين ، وذلك أن موسى عليه السلام حين خرج وتوجه نحو مدين ، وكان بينه وبين مدين ثمانية أيام ، كما بين الكوفة والبصرة . ويقال : تلقاء مدين ، يعني : سلك الطريق الذي تلقاء مدين ويقال : لما قال { رَبّ نَجّنِى مِنَ القوم الظالمين } استجاب الله تعالى دعاءه ، فجاءه جبريل عليه السلام وأمره بأن يسير تلقاء مدين ، فسار إلى مدين في عشرة أيام وهو قوله : { قَالَ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل } يعني : يرشدني قصد الطريق إلى مدين . (3/312)
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)
قوله عز وجل : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ } ومدين بن إبراهيم عليهما السلام وكانت البير تنسب إليه الماء ، وصار مدين اسم قبيلة { وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً } أي : جماعة { مّنَ الناس يَسْقُونَ } أي وجد على الماء جماعة من الناس يسقون أنعامهم وأغنامهم . ويقال : هم أربعون رجلاً ويقال : عشرة رجال { وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ } يعني : من دون الناس { امرأتين تَذُودَانِ } أي : تطردان وقال سعيد بن جبير : يعني : حابستان ويقال تحسبان غنمهما . وقال القتبي : تذودان ، أي تكفان غنمهما ، وحذف الغنم اختصاراً . ويقال كانتا تحبسان الغنم لكيلا تختلط بغيرها . ويقال : تحسبان الغنم لتصدر مواشي الناس ، وتسقيان بفضل الماء ، ومما فضل من أغنام الناس ، وهما ابنتا شعيب النبي عليه السلام { قَالَ } لهما موسى { مَا خَطْبُكُمَا } أي : ما شأنكما ترعيان الغنم مع الرجال ، وما بالكما لا تسقيان { قَالَتَا لاَ نَسْقِى حتى يُصْدِرَ الرعاء } قرأ أبو عمرو وابن عامر { يُصْدِرَ } بنصب الياء ، وضم الدال . وقرأ الباقون { يُصْدِرَ } بضم الياء ، وكسر الدال ، فمن قرأ بالنصب ، فهو من مصدر صدر إذا رجع من الماء ، ومعناه لا نسقي حتى يرجع الرعاء ، ونسقي بفضلهم ، لأنا لا نقدر أن نسقي ، وأن نزاحم الرجال ، إذا صدروا سقينا بفضل مواشيهم ، ومن قرأ { يُصْدِرَ } بالضم ، فهو من أصدر يصدر ، والمعنى حتى يصدر الرعاة أغنامهم { وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } لم يقدر على الخروج ، وليس له عوناً يعينه غيرنا فرجع الرعاة ووضعوا صخرة على البئر ، فانتهى موسى إلى البئر ، وقد أطبقت عليها الصخرة ، فاقتلعها ثم سقى لهما حتى روتا أغنامهما . (3/313)
وقال في رواية الكلبي : كان للبئر دلو يجتمع عليه أربعون رجلاً حتى يخرجوه من البئر ، فجاء موسى أهل الماشية ، فسألهم أن يهيئوا له دلواً من الماء . فقالوا : إن شئت أعطيناك الدلو على أن تسقي أنت . قال : نعم ، فأخذ موسى عليه السلام الدلو ، فسقى بها وحده ، فصب في الحوض ، ثم قربتا غنمهما فشربت ، فذلك قوله عز وجل : { فسقى لَهُمَا } يعني : أغنامهما { ثُمَّ تولى إِلَى الظل } يعني : تحول إلى ظل الشجرة { فَقَالَ رَبّ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } أي : لما أنزلت إلي من الطعام ، فأنا محتاج إلى ذلك أنه كان جائعاً ، فسأل ربه ، ولم يسأل الناس ، ففطنت الجاريتان ، فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة . فقال أبوهما : هذا رجل جائع . وقال لإحداهما : اذهبي فادعيه ، فلما أتته عظمته ، وغطت وجهها فذلك قوله : { فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى استحياء قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } قوله : { عَلَى استحياء } . يعني : على حياء ، لأنها كانت مقنعة ، ولم تك متبرجة .
ويقال : على استحياء . يعني : على حياء ، لأنها كانت واضعة يدها على وجهها . ويقال { عَلَى استحياء } ، أي مستترة بكم درعها . قال : فالوقف على تمشي إذا كان قولها على الحياء ، فأما إذا كان مشيها على الحياء ، فالوقف على استحياء . والقول بالحياء أشبه من المشي بالحياء ، فكيف ما يقف يجوز بالمعنى . فقالت : { إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } ، وكان بين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال . ويقال : أقل من ذلك ، فتبعها فلم يجد بداً من أن يتبعها ، لأنه كان بين الجبال خائفاً مستوحشاً ، فلما تبعها هبت الريح ، فجعلت تصفق ثيابها ، وتظهر عجيزتها . وجعل موسى عليه السلام يعرض مرة ، ويغض أخرى ، فلما عيل صبره ناداها : يا أمة الله كوني خلفي ، وأريني السمت بقولك . يعني : دليني الطريق ، فلما دخل على شعيب عليه السلام إذا هو بالعشاء مهيأ ، فقال له شعيب : اجلس يا شاب ، فتعش . فقال موسى : أعوذ بالله . فقال له شعيب : لم لا تأكل أما أنت جائع؟ فقال : بلى ، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما ، وأنا من أهل بيت ، لا نبيع شيئاً من ديننا بملء الأرض ذهباً . فقال : لا يا شاب ، ولكنها عادتي وعادة آبائي إنا نقري الضيف ، ونطعم الطعام ، فجلس موسى فأكل ، وأخبره بقصة القتل والهرب ، فذلك قوله عز وجل : { فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين } يعني : خرجت من ولاية فرعون ، ولا سلطان له في أرضنا . وقال في رواية الكلبي : كان هذا الرجل اسمه نيرون ابن أخي شعيب ، وشعيب كان توفي قبل ذلك . وقال عامة المفسرين : إن هذا كان شعيباً . (3/314)
قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)
قوله عز وجل : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت ياأبت استجره } أي : قالت إحدى الابنتين التي جاءت به . (3/315)
وقال في رواية مقاتل : هي الكبرى . وقال في رواية الكلبي : هي الصغرى { ***يا أبت } استأْجر موسى ليرعى لك الغنم { ياأبت استجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استجرت القوى الامين } يعني : خير الأجراء من يكون قوياً في العمل ، أميناً على المال والعورة .
ثم قال : إيش تعلمين أنه قوي أمين بماذا؟ فأخبرته بالقصة . قال أبو الليث : حدّثنا محمد بن الفضل ، قال حدّثنا محمد بن جعفر ، قال : حدّثنا إبرهيم بن يوسف ، قال حدّثنا أبو معاوية عن الحجاج . عن الحكم قال : كان سريع لا يفسر شيئاً من القرآن إلا ثلاث آيات { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ البقرة : 237 ] قال الزوج { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وءاتيناه الحكمة } [ ص : 20 ] قال : الحكمة الفقه والعلم ، وفصل الخطاب البينة والإيمان ، وقوله : { إِنَّ خَيْرَ مَنِ استجرت القوى الامين } قال : كانت قوته أن يحمل صخرة لا يقوى على حملها إلا عشرة رجال ، وكانت أمانته أن ابنة شعيب مشت أمامه ، فوصفتها الريح فقال لها : تأخري وصفي لي الطريق { قَالَ } شعيب لموسى عليهما السلام : { إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتى هَاتَيْنِ على أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ } يعني : أزوجك إحدى ابنتي على أن ترعى غنمي ثمان سنين ، وهذا الحكم في هذه الأمة جائز أيضاً ، لو تزوج الرجل المرأة على أن يرعى غنمها كذا وكذا سنة ، أو يرعى غنم أبيها ، يجوز النكاح ، ويكون ذلك مهراً لها { فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً } يعني : عشر سنين { فَمِنْ عِندِكَ } يعني : فإن أتممت عشر سنين فبفضلك ، وليس ذلك بواجب عليك { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } في السنتين يعني : أنت بالخيار في ذلك . ويقال : بأن أشرط عليك العشر { سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصالحين } أي من الوافين بالعهد . وقال مقاتل : يعني : من المرافقين بك كقوله : { وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ ميقات رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ موسى لاًّخِيهِ هارون اخلفنى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين } [ الأعراف : 142 ] يعني : ارفق بهم { قَالَ } موسى : { ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الاجلين قَضَيْتُ } يعني : ذلك الشرط بيني وبينك أيما الأجلين أتممت لك ، إما الثماني وإما العشر { فَلاَ عُدْوَانَ عَلَىَّ } أي : لا سبيل لك علي . ويقال : لا ظلم علي بأن أطالب أكثر منه ، فإن قيل : كيف تجوز الإجارة بهذا الشرط على أحد الأجلين بغير وقت معلوم؟ قيل له : العقد قد وقع على الثماني ، وهو قوله : { أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ } خير في الزيادة والإجازة بهذا الشرط في الشريعة جائزة أيضاً ، ثم قال : { والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } يعني : شهيد فيما بيننا .