صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9)
ثم قال عز وجل : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } يعني : كفار مكة { إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ } يعني : ما القرآن إلا كذب { افتراه } يعني : كذباً اختلقه من ذات نفسه { وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ ءاخَرُونَ } يعني : جبراً ويساراً { فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً } وقال بعضهم : هذا قول الله تعالى ردّاً على الكفار بقولهم هذا { فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً } يعني : شركاً وكذباً { وَقَالُواْ أساطير الاولين اكتتبها } يعني : أباطيل اكتتبها ، أي كتبها من جبر ويسار يعني : أساطير الأولين . { فَهِىَ تملى عَلَيْهِ } يعني : تقرأ وتملى عليه { بُكْرَةً وَأَصِيلاً } يعني : غدوة وعشية . (3/235)
قوله عز وجل : { قُلْ } يا محمد { أَنزَلَهُ } يعني : القرآن { الذى يَعْلَمُ السر فِى * السموات والارض } يعني : يعلم السِّرَّ والعلانية ، ومعناه : لو كان هذا القول من ذات نفسه لعلمه الله تعالى ، وإذا علمه عاقبه ، كما قال تعالى : { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاقاويل * لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين } [ الحاقة : 44 ، 45 ] ثم قال { إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } فكأنه يقول : ارجعوا وتوبوا ، فإنه كان غفوراً لمن تاب ، رحيماً بالمؤمنين .
قوله عز وجل : { وَقَالُواْ *** مَّالِ *** هذا ***** الرسول يَأْكُلُ الطعام } مثل ما نأكل { وَيَمْشِى فِى الاسواق } يعني : يتردد في الطريق { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } يعني : معيناً يخبره بما يراد به من الشر { أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ } يعني : يعطى له كنز { أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ } يعني : بستاناً { يَأْكُلُ مِنْهَا } أي وذلك أن كفار قريش اجتمعوا في بيت ، فبعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم ، فقال له العاص بن وائل السهمي وقريش معه : قد تعلم يا محمد أن لا بلاد أضيق من بلادنا ساحة ، ولا أقل أنهاراً ولا زرعاً ، ولا أشدَّ عيشاً ، فادع ربك أن يسير عنا هذه الجبال ، حتى يفسح لنا في بلادنا ، ثم يفجر لنا فيها أنهاراً ، حتى نعرف فضلك عند ذلك . ونراك تمشي في الأسواق معنا تبتغي من سير العيش ، فاسأل ربك أن يجعل لك قصوراً أو جناناً ، وليبعث معك ملكاً يصدقك ، فنزل حكاية عن قولهم : { أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } قرأ حمزة والكسائي : نأكل بالنون ، وقرأ الباقون بالتاء .
{ وَقَالَ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ } يعني : ما تطيعون يا أصحاب محمد { إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } يعني : مغلوب العقل . ويقال : مسحوراً أي مخلوقاً ، لأن الذي يكون مخلوقاً يكون حياته بالمعالجة بالأكل والشرب ، فيسمى مسحوراً . ويقال : مسحوراً أي سحر به .
قوله عز وجل : { انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الامثال } يعني : انظر يا محمد كيف وصفوا لك الأشباه إلى ماذا شبهك قومك بساحر وكاهن وكذاب { فُضّلُواْ } عن الهدى ، ويقال ذهبت حيلتهم ، وأخطؤوا في المقالة . { فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } يعني : لا يجدون حيلة ، ولا حجة على ما قالوا لك ، ولا مخرجاً لأنه تناقض كلامهم ، حيث قالوا مرة : مجنون ، ومرة : ساحر .
تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)
ثم قال عز وجل : { تبارك } وتعالى ، وقد ذكرناه { الذى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلك } يعني : خيراً مما يقول الكفار في الآخرة { جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } في الجنة ، ويقال في الدنيا إن شاء أعطاك . وروى سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت قال : عن خيثمة قال : قيل للنبيِّ صلى الله عليه وسلم إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتحها ما لم نعط من قبلك أحداً ، ولا نعطي من بعدك أحداً ، ولا ينقص ذلك مما عند الله شيئاً وإن شئت جمعناها لك في الآخرة . قال صلى الله عليه وسلم : « بَلْ اجْمَعُوها لِي في الآخِرَة » فنزل { تَبَارَكَ الذى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلك } الآية قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ( وَيَجْعَلُ ) بضم اللام على معنى خبر الابتداء والباقون بالجزم لأنه جواب الشرط ثم قال عز وجل { بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة } معناه ولكن كذبوا بالساعة يعني : بالقيامة { وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً } يعني : هيأنا لمن كذب بالقيامة وقوداً ، وهُوَ نار جهنم { إِذَا رَأَتْهُمْ } جهنم { مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } يعني : من مسيرة خمسمائة عام . ويقال : من مسيرة خمسمائة سنة { سَمِعُواْ لَهَا } يعني : منها { تَغَيُّظاً } على الكفار { وَزَفِيراً } يعني : صوتاً كصوت الحمار . وقال قوم : معناه يسمعون منها تغيظ المعذبين وزفيرهم ، كما قال : { فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِى النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } [ هود : 106 ] وقال عامة المفسرين : التغيظ زفير يسمع من النار ، ألا ترى أنه قال : { سَمِعُواْ لَهَا } ، ولم يقل : سمعوا منها ، ولا فيها . وقال في آية أخرى : { تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } [ الملك : 8 ] وروي في الخبر « أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى ملك مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل إلا خرَّ على وجهه ترعد فرائصهم حتى إن إبراهيم الخليل عليه السلام ليجثو على ركبتيه ويقول : يا رب لا أسألك إلا نفسي » ثم قال عز وجل : { وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا } يعني : فيها { مَكَاناً ضَيّقاً } يعني : يضيق عليهم المكان كتضييق الزُّجِّ من الرُّمح { مُقْرِنِينَ } أي : مسلسلين في القيود ، موثقين في الحديد قرنوا مع الشياطين { دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } فعند ذلك دعوا بالويل ، يعني : يقولون : واهلاكاه ، فتقول لهم الخزنة { لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً } يعني : ادعوا ويلاً كثيراً دائماً . (3/236)
قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : { قُلْ } يا محمد لكفار مكة { أذلك خَيْرٌ } يعني : هذا الذي وصف من العذاب خير { أَمْ جَنَّةُ الخلد } فإن قيل كيف يقال خير وليس في النار خير؟ قيل له : قد يقال على وجه المجاز ، وإن لم يكن فيه خير ، والعاقبة تقول العاقبة خير من البلاء ، وإنما خاطبهم بما يتعارفون في كلامهم { التى وُعِدَ المتقون } يعني : الذين يتقون الشرك والكبائر .
{ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيراً } يعني : جزاء بأعمالهم الحسنة ومرجعاً إليها . (3/237)
ثم قال عز وجل : { لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءونَ } أي : يحبون { خالدين } أي : دائمين في الجنة { كَانَ على رَبّكَ وَعْداً } منه في الدنيا { مَسْؤُولاً } يسأله المتقون . ويقال { مَسْؤُولاً } يسأل لهم الملائكة عليهم السلام ، وهو قوله عز وجل : { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وأزواجهم وذرياتهم إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } [ غافر : 8 ] ويقال : وعداً على لسان رسولهم ، وقد سألوا الله عز وجل ذلك ، وهو قوله : { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } ويقال : وعداً لا خلف فيه لمن سأله .
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19)
قوله عز وجل : { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } يعني : نجمعهم { وَمَا يَعْبُدُونَ } يعني : ونحشر ما يعبدون { مِن دُونِ الله } يعني : الأصنام . ويقال المسيح وعزير . ويقال : الملائكة عليهم السلام { فَيَقُولُ أَءنتُمْ أَضْلَلْتُمْ } يعني : أأنتم أمرتم { عِبَادِى هَؤُلاَء } أن يعبدوكم { أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل } يعني : أم هم أخطؤوا الطريق ، فتبرأت الملائكة والأصنام . (3/238)
قوله تعالى : { قَالُواْ سبحانك } أي : تنزيهاً لك { مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا } أي : ما يجوز لنا { أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء } وقرأ الحسن وأبو جعفر المدني أن { نَّتَّخِذَ } بضم النون ونصب الخاء ، ومعناه : ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك إلها فيعبد . وقراءة العامة بنصب النون وكسر الخاء ، يعني : ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فيعبدوننا . ويقال : معناه ما كان فينا روح نأمرهم بطاعتنا . ويقال : ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فنعبدهم ، فكيف نأمر غيرنا بعبادتنا ، كقوله تعالى : { قَالُواْ سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } [ سبأ : 41 ] قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } بالياء . { فَيَقُولُ } بالياء وقرأ ابن عامر كليهما بالنون . وقرأ الباقون الأول بالنون والثاني بالياء .
ثم قال : { ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ } يعني : أن هذا كان بكرمك وفضلك ، حيث لما عصوك لم تمنع عنهم الدنيا حتى اغتروا بذلك ، وظنوا أنهم على الحق ، حيث لم يصبهم بلاء ولم تمنع منهم النعمة ، فذلك قوله تعالى : { ولكن مَّتَّعْتَهُمْ } يعني : تركتهم في الدنيا يتمتعون ، وأجلتهم وآباءهم في المتاع والسعة . { حتى نَسُواْ الذكر } يعني : تركوا التوحيد والإيمان بالقرآن . { وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً } أي هلكى فاسدين . وأصله الكساد يقال : بارت السوق إذا كسدت . وقال الكلبي : بوراً يعني : هالكين ، فاسدة قلوبهم ، غير متقين ، ولا محسنين . يقول الله تعالى لعبدة الأوثان { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ } يعني : الأصنام ، ويقال الملائكة { فَمَا * يَسْتَطِيعُونَ ***** صَرْفاً وَلاَ نَصْراً } يعني : لا يستطيع الكفار انصرافاً إلى غير حجتهم التي تكلموا بها . ويقال : لا يستطيعون صرفاً ، أي : انصرافاً عن حجتهم ولا نصراً ، يعني : ولا ينتصرون من آلهتهم حين كذبتهم . ويقال : لا يقدرون ، يعني : الأصنام ، ولا الملائكة صرف العذاب عنهم { وَلاَ نَصْراً } يعني : لا يمنعونهم منه . ويقال : الصرف الحيلة . ويقال : لا يقبل منهم فدية أن يصرفوا عن أنفسهم بالفدية .
قرأ عاصم في رواية حفص { فَمَا تَسْتَطِيعُونَ } بالتاء على معنى المخاطبة ، يعني : يقال لهم : لا تستطيعون صرف ذلك . وقرأ الباقون بالياء ، ومعناه أن الله تعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : فما يستطيعون صرف ذلك عنهم .
ثم قال تعالى : { وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ } يعني : يشرك بالله في الدنيا . ويقال : يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً } في الآخرة ، وهو عذاب النار .
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)
قوله عز وجل : { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين } جواباً لقولهم : { مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام } { إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِى الاسواق } يعني : كانت الرسل من الآدميين ، ولم يكونوا من الملائكة عليهم السلام . ثم قال : { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } يقول : ابتلينا بعضكم ببعض ، الفقير بالغني ، والضعيف بالقوي ، وذلك أن الشريف إذا رأى الوضيع قد أسلم ، أنف عن الإسلام . وقال : أأسلم ، فأكون مثل هذا ، فثبت على دينه حمية . يقول الله تعالى للشريف : { أَتَصْبِرُونَ } أن تكونوا شرعاً ، سواء في الدين { وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } أي عالماً بمن يؤمن ، ومن لا يؤمن ، ويقال : { جَعَلْنَا *** بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } يعني بلية الغني للفقير ، والقوي للضعيف ، لأن ضعفاء المسلمين وفقراءهم ، إذا رأوا الكفار في السعة والغنى ، يتأذون منهم ، وكان في ذلك بلية لهم ، فقال تعالى : { أَتَصْبِرُونَ } اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الأمر ، يعني : اصبروا كقوله : { أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ المائدة : 74 ] يعني : توبوا إلى الله . ويقال : أهل النعم بلية لأهل الشدة ، لأن أهل الشدة إذا رأوا أهل النعمة تنغص عيشهم ، فأمرهم الله تعالى بالصبر . (3/239)
وذكر عن بعض المتقدمين أنه كان إذا رأى غنياً من الأغنياء . يقول : نصبر يا رب نصبر يا رب ، أراد جواباً لقوله تعالى : { أَتَصْبِرُونَ } { وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } يعني : عالماً بمن يصلح له الغنى والفقر ويقال : { وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } يعني : عالماً بثواب الصابرين .
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26)
قوله عز وجل : { وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } يعني : لا يخافون البعث بعد الموت . ويقال : لا يرجون الجنة والمغفرة ، وهم كفار أهل مكة { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة } يعني : هلا أنزل علينا الملائكة ، فيخبروننا بأنك رسول الله إلينا { أَوْ نرى رَبَّنَا } فيخبرنا بأنك مرسل . قال الله تعالى : { لَقَدِ استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ } يعني : تعظموا في أنفسهم ، وأعرضوا عن الإيمان . ويقال : لقد استكبروا في أنفسهم ، يعني : وضعوا لأنفسهم قدراً ومنزلة ، حيث أرادوا لأنفسهم الرسل من الملائكة عليهم السلام ورؤية الرب عز وجل : { وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً } يعني : أبوا إباءً كثيراً . (3/240)
ويقال اجترؤوا على الله اجتراء كثيراً .
وقال أهل اللغة : العاتي الذي لا ينفعه الوعظ والنصيحة ، ثم أخبر متى يرون الملائكة فقال عز وجل : { يَوْمَ يَرَوْنَ الملئكة } يعني : يوم القيامة { لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ } يعني : للمشركين ، وتكون البشارة للمؤمنين . ثم قال : { وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } يعني : تقول لهم الملائكة : حراماً محرماً ، أي تكون لهم البشرى يومئذ بما يبشر به المتقون ، وإنما قيل للحرام حجر ، لأنه حجر عليه .
وقال مجاهد : تقول الملائكة حراماً محرماً أن يدخلوا الجنة . وقال الحسن وقتادة ، وهي كلمة كانت العرب تقولها . كان الرجل إذا نزلت به الشدة قال : حجراً محجوراً ، أي : حراماً محرماً . ويقال : إن قريشاً كانوا إذا استقبلهم أحد كانوا يقولون له : حاجورا حاجورا ، حتى يعرف أنهم من الحرم ، فلا يضرونهم ، وأخبر أنهم كانوا يقولون ذلك ، ولا ينفعهم .
ويقال : إن المشركين في الشهر الحرام إذا استقبلهم أحد يقولون : حجراً محجوراً ، ويريدون أن يذكروه أنه في الشهر الحرام ، وذلك القول لا ينفعهم يوم القيامة .
وقرأ الحسن حجراً بضم الحاء ، وقراءة العامة بكسر الحاء { وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ } قال الكلبي : يعني عمدنا إلى ما عملوا من عمل لغير الله تعالى . ويقال : قصدنا إلى ما عملوا من عمل ، ومعناه نظرنا في أعمالهم ، ولم نجد فيها خيراً ، فأبطلناها ، ولم نجعل لها ثواباً ، فذلك قوله تعالى : { فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } قال الضحاك : هو الغبار ما لا يستطاع جمعه ، ولا أخذه بيد .
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الهباء المنثور الذي تراه في شعاع الشمس في الكوة ، وهذا قول عكرمة والكلبي . وقال قتادة : هو ما ذرت الريح من حطام الشجر . ويقال : الغبار الذي يسطع من حوافر الدواب . ثم قال عز وجل : { أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } يعني : أفضل منزلاً { وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } يعني : مرجعاً ومجلساً .
وروي عن الأعمش عن إبراهيم في قوله : خير مستقراً ، وأحسن مقيلاً يعني ، قال : كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس إلى مقدار نصف النهار فيقيل هؤلاء في الجنة ، وهؤلاء في النار .
وروي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا : لا ينتصف النهار من ذلك اليوم ، حتى يقيل أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، عنيا بذلك يوم القيامة ، ولأن مقدار ذلك اليوم خمسون ألف سنة ، وإنما أراد بتلك القيلولة القرار لا النوم ، لأنه لا يكون في الجنة نوم ، ولا في النار نوم قوله عز وجل : { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء } . (3/241)
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر تشقَّق بتشديد الشين ، لأن أصله يتشقق ، فأدغم إحدى التاءين في الشين .
وقرأ الباقون بالتخفيف ، وهذا مثل الاختلاق في قوله تسألون فقال : { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء بالغمام } يعني : الغمام والغمام هو شيء مثل السحاب الأبيض فوق سبع سموات . كما روي في الخبر أن دعوة المظلوم ترفع فوق الغمام ، يعني : تشقق السماء ، وتظهر بالغمام { وَنُزّلَ الملائكة تَنزِيلاً } .
قرأ ابن كثير وننزل الملائكة بنونين ونصب الهاء ، ومعناه : أن الله تعالى يقول : { نُنَزّلُ الملائكة } وقرأ الباقون ونزل على ما فعل ما لم يسم فاعله ، معناه : أن الله تعالى ينزل ملائكة السموات .
وروي في الخبر أنه تشقق سماء الدنيا فينزل ملائكة سماء الدنيا ، بمثلَيْ من في الأرض من الجن والإنس . ويقول لهم : الخلائق أفيكم ربنا؟ يعني : هل جاء أمر ربنا بالحساب؟ فيقول : لا ، وسوف يأتي ، ثم تنزل ملائكة السماء الثانية بمثلي من في الأرض من الملائكة ، والإنس والجن ، ثم تنزل ملائكة كل سماء على هذا التضعيف حتى تنزل ملائكة سبع سموات ، فيظهر بالغمام ، وهو كالسحاب الأبيض فوق سبع سموات ، ثم ينزل بالأمر بالحساب ، فذلك قوله : { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء بالغمام وَنُزّلَ الملائكة تَنزِيلاً } ويقال : الغمام الذي قال في سورة البقرة : { فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام والملائكة } ثم قال عز وجل : { الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن } وفي الآية تقديم ، ومعناه : الملك يومئذ الحق للرحمن الحق صفة الملك ، والمعنى : الملك الذي هو الملك حقاً ملك الرحمن ، لأنه لا يدعي الملك يومئذ أحد . ويقال : الحق يومئذ الملك الخالص . ويقال : يعني : الملك الصدق .
ثم قال تعالى : { وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً } يعني : شديداً . وفي الآية دليل أن ذلك اليوم يكون على المؤمنين يسيراً ، وهذا كما قال في آية أخرى : { عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ } [ المدثر : 10 ] .
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)
قوله عز وجل : { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ } يعني : عقبة بن أبي معيط ، وذلك أن عقبة كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً ، وكان يدعو إلى الطعام من أهل مكة من أحب وأراد ، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويعجبه حديثه ، فقدم ذات يوم من سفره ، وصنع طعاماً ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم الطعام إليه ، فأبى أن يأكل ، وقال : ما أنا بالذي آكل من طعامك ، حتى تشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، وكان عندهم من العار أن يخرج أحدهم ، قبل أن يأكل من الطعام شيئاً ، فألح عليه أن يأكل ، فلم يأكل ، فشهد بذلك عقبة ، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم من طعامه ، وكان أبيُّ بن خلف الجمحي غائباً ، وكان خليله ، فلما قدم أخبر ذلك ، فأتاه فقال : صبوت يا عقبة . فقال : لا والله ما صبوت ، ولكن دخل علي رجل ، فأبى أن يأكل من طعامي ، إلا أن أشهد له ، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم ، فشهدت فطعم . فقال له : ما أنا بالذي أرضى عنك أبداً حتى تأتيه ، فتبزق في وجهه ، وتشتمه وتكذبه ، ففعل ذلك . فنزلت هذه الآية : { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم } يعني : عقبة على يديه يعني : على أنامله . (3/242)
وروي عن أنس بن مالك أنه قال : يعض عقبة بن أبي معيط على يديه يوم القيامة ، يأكل لحم يديه حتى يبلغ العضد من الندامة ، وهو { يَقُولُ ياليتنى * لَيْتَنِى **اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً } يعني : اتخذت طريق الهدى ، وكنت معه على الإسلام قوله عز وجل : { سَبِيلاً ياويلتا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً } يعني : أبيَّ بن خلف .
وقال إنما قال فلاناً ، ولم يذكر اسمه لحقارته { لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذكر } أي عن الإيمان { بَعْدَ إِذْ جَاءنِى } أي حين جاءني ويقال : إنه لم يذكر اسمه ، لأنه دخل في جميع الظالمين ، لأن مَنْ صَنَع مِثْلَ هَذَا الصَّنِيع يكون جزاؤه هذا ، وقتل عقبة يوم بدر صبراً ، وقتل أبيُّ بن خلف يوم أحد ويقال { لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً } ، يعني : الشيطان بدليل قوله عز وجل : { وَكَانَ الشيطان للإنسان خَذُولاً } يعني : يتبرأ منه يوم القيامة ، ونزل فيه : { الاخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف : 67 ] ثم قال عز وجل : { وَقَالَ الرسول يارب * رَبّ إِنَّ قَوْمِى ****اتخذوا هذا القرءان مَهْجُوراً } يعني : متروكاً لا يؤمنون به ، ولا يعملون بما فيه . وقال القتبي : يعني : جعلوه كالهذيان . ويقال : فلان يهجر في منامه ، أي يهذي . وقال مجاهد : يهجرون منه بالقول ، يعني : يقولون فيه بالقبيح ، فبين الشكاية من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرب عز وجل ، ثم إن الله عز وجل عزاه ، وأخبره أن الرسل من قبله كانوا يتأذون بقومهم ، فذلك قوله عز وجل : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ المجرمين } يعني : من المشركين ، فيهجرون الكتاب .
ثم قال : { وكفى بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً } يعني : هادياً إلى دينه من كان أهلاً لذلك . ويقال : وكفى بربك حافظاً على الدين ونصيراً ، أي مانعاً . ويقال : وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً ، يعني : فرعوناً كما جعلنا أبا جهل فرعونك ، ويقال : سلطنا على كل نبي متكبراً ليتكبر عليه ، ويكذبه ويؤذيه . (3/243)
وروي في الخبر لو أن مؤمناً ارتقى على ذروة جبل ، فقيض الله تعالى إليه منافقاً يؤذيه ، فيؤجر عليه { وكفى بِرَبّكَ هَادِياً } يعني : اكتف بربك واصبر على أذاهم ، صار هادياً ونصيراً ، نصباً على الحال ، أي : وكفى بربك في حال الهداية ، والنصرة نصيراً ويقال : الباء زائدة للصلة . ومعناه : كفى بربك هادياً إلى دينه ونصيراً .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)
قوله { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ } يعني : هلا { نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة } كما أنزلت التوراة على موسى ، والإنجيل على عيسى عليهما السلام ويقول الله تعالى : { كذلك } يعني : هكذا أنزلناه متفرقاً { لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } يعني : ليحفظ ويقوى به قلبك ، ونفرحك دخل قلبه الغم نزلت عليه آية وآيتان ، فيفرح بها . ويقال : لنثبت به فؤادك يعني : ليكون قبوله على المسلمين أسهل ، لأنه لو أنزلت الأحكام والشرائع كلها جملة واحدة ، شق على المسلمين قبولها ، كما شق على بني إسرائيل . ويقال : أنزلناه هكذا لنرسخ القرآن في قلبك ، لكي تحفظ الآية والآيتين . ويقال : كذلك أنزلناه لتحكم عند كل حادثة ، وعند كل واقعة لتقوي به قلبك في ذلك { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } يعني : بيناه تبييناً . (3/244)
ويقال : شيء رتل ورتيل إذا كان مبيناً . وقال مجاهد : ورتلناه ترتيلاً ، أي : بعضه على أثر بعض .
وروى عكرمة عن ابن عباس قال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ، ثم أنزل بعد ذلك جبريل عليه السلام به في عشرين سنة ، وهو قوله تعالى : { كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } { وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ ونزلناه تَنْزِيلاً } [ الإسراء : 106 ] { وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جئناك بالحق } يعني : لا يخاصمونك بمثل مثل قوله : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } [ الفرقان : 32 ] ثم قال : { إِلاَّ جئناك بالحق } يعني : أنزلنا عليك جبريل بالقرآن ، فتخاصمهم به { وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً } يعني : وأحسن بياناً لترد به خصومهم . ويقال : معناه ولا يأتونك بحجة ، إلا بينا لك في القرآن ما فيه نقص لحجتهم ، وأحسن تفسيراً ، أي جواباً لهم ويقال : ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بما هو أحسن من مثلهم . ويقال : كل نبي ، إذا قال له قومه قولاً ، كان هو الذي يرد عليهم وأما النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قالوا له شيئاً ، فالله تعالى هو الذي يرد عليهم ، ثم أخبرهم بمستقرهم في الآخرة فقال عز وجل : { الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ } يعني : يسحبون على وجوههم { إلى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً } يعني : منزلاً في النار وضيقاً في الدنيا { وَأَضَلُّ سَبِيلاً } يعني : أخطأ طريقاً ، وذلك أن كفار مكة قالوا : ما كان محمد وأصحابه أولى بهذا الأمر منا ، والله إنهم لشر خلق الله ، فأنزل الله عز وجل : { الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ } .
وروي في الخبر أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أصناف فصنف على النجائب ، وصنف على أرجلهم ، وصنف على وجوههم ، فقيل : يا رسول الله كيف يحشرون على وجوههم؟ فقال : إن الذي أمشاهم على أقدامهم ، فهو قادر على أن يمشيهم على وجوههم ، فذلك قوله : { أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً } .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39)
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } يعني : أعطينا موسى التوراة { وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هارون وَزِيراً } أي معيناً { فَقُلْنَا اذهبا إِلَى القوم } يعني : به موسى ، كقوله عز وجل في سورة طه : { اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بأاياتى وَلاَ تَنِيَا فِى ذِكْرِى } [ طه : 42 ] خاطب موسى خاصة إلى القوم { الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } يعني : فرعون وقومه كذبوا بآياتنا ، أي بتوحيدنا وديننا . وقال الكلبي : يعني كذبوا بآياتنا التسع . وقال بعضهم : هذا التفسير خطأ ، لأن الآيات التسع أعطاها الله تعالى موسى بعد ذهابه إليه ، وقد قيل : معناه اذهبا إلى القوم ، وهذا الخطاب لموسى عليه السلام . ثم قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : { الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } يعني : بالعلامات التي خلق الله تعالى في الدنيا . ويقال : بآياتنا ، يعني : بالرسل ، وبكتب الأنبياء عليهم السلام الذين قبل موسى ، ثم قال : { فدمرناهم تَدْمِيراً } يعني : كذبوهما فأهلكناهم إهلاكاً . ويقال : في الآية تقديم قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } يعني : كتاباً قبل التوراة . (3/245)
قوله عز وجل { وَقَوْمَ نُوحٍ } يعني : واذكر قوم نوح عليه السلام { لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل } يعني : نوحاً وحده كما قال : { ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [ المؤمنون : 51 ] ولم يكن إلا واحد وقت هذا الخطاب ، فيجوز أن يذكر الجماعة ، ويراد به الواحد كما يذكر الواحد ، ويراد به الجماعة كقوله : { والعصر } [ العصر : 1 ] وإنما أراد به الناس ، ألا ترى أنه استثنى منه جماعة . ويقال : إن نوحاً كان يدعو قومه إلى الإيمان به ، وبالأنبياء الذين بعده ، فلما كذبوه فقد كذبوا جميع الرسل ، فلهذا قال : { لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل } { وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ } يعني : عبرة لمن بعدهم { وَأَعْتَدْنَا للظالمين عَذَاباً أَلِيماً } أي : وجيعاً ، ثم قال عز وجل : { وَعَاداً وَثَمُودَ *** وأصحاب الرس } يعني : واذكر عاداً وثمود وأصحاب الرس ، وهم قوم قد نزلوا عند بئر ، كانت تسمى : الرس ، فكذبوا رسلهم ، فأهلكهم الله تعالى ، ويقال : إنما سُمُّوا أصحاب الرس ، لأنهم قتلوا نبيهم ورسولهم في بئر لهم ، وقال مقاتل : يعني : البئر التي كان فيها أصحاب ياسين بأنطاكية التي بالشام { وَقُرُوناً بَيْنَ ذلك كَثِيراً } يعني : أهلكنا أمماً بين قوم نوح وعاد ، وبين عاد وثمود إلى أصحاب الرس كثيراً { وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الامثال } يعني : بينا لهم العذاب أنه نازل بهم في الدنيا { وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً } أي : دمرناهم بالعذاب تدميراً ، يقال : تبره إذا أهلكه .
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)
ثم قال عز وجل : { وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية } يعني : أهل مكة مروا على القرية { التى أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء } يعني : قريات لوط أمطرنا عليهم الحجارة قوله : { أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا } يعني : أفلم يبصرونها ، فيعتبروا بها { بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً } يعني : بل كانوا لا يخافون البعث . ويقال : لا يرجون ثواب الآخرة ، وإنما جاز أن يعبر به عنهما ، لأن في الرجاء طرفاً من الخوف ، لأن كل من يرجو شيئاً ، فإنه يخاف ، وربما يدرك ، وربما لا يدرك ، قوله عز وجل : { وَإِذَا رَأَوْكَ } يعني : أهل مكة { إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً } يعني : ما يقولون لك إلا سخرية فيما بينهم ويقولون : { أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً } يعني : إلينا ، وهو قول أبي جهل ، حين قال لأبي سفيان بن حرب : أهذا نبي بني عبد مناف { إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا } يعني : أراد أن يصرفنا { عَنْ ءالِهَتِنَا } يعني : عن عبادة آلهتنا { لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } يعني : ثبتنا على عبادتها لأدخلنا في دينه حكى قولهم ثم بين مصيرهم فقال : { وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب } يعني : يوم القيامة { مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً } يعني : أخطأ طريقاً يعني : تبين لهم أن الذي قلت لهم كان حقاً ، قوله عز وجل : { أَرَءيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } يعني : اتخذ هوى نفسه إلهاً ، يعني : يعمل بكل ما يدعوه إليه هواه . ويقال : إنهم كانوا يعبدون حجراً ، فإذا رأوا جحراً أحسن منه تركوا الأول ، وعبدوا الثاني { أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } يعني : أتريد أن تكون بيدك المشيئة في الهدى والضلالة ، ويقال : معناه أفأنت تكون عليه وكيلاً ، يعني : أتريد أن تكون رباً لهم ، فتجزيهم بأعمالهم ، يعني : لست كذلك ، فأنذرهم ، فإنما أنت منذر ثم قال عز وجل : { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ } يعني : أتظن أنهم يريدون الهدى أو { يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ } الهدى { إِنْ هُمْ } يعني : ما هم { إِلاَّ كالانعام } في الأكل والشرب ، ولا يتفكرون في أمر الآخرة ، { بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } يعني : أخطأ طريقاً من البهائم ، لأن البهائم ليسوا بمأمورين ، ولا بمنهيين . (3/246)
وقال مقاتل : البهائم تعرف ربها ، وتذكره وكفار مكة لا يعرفون ربهم ، فيوحدونه .
قوله عز وجل : { أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل } قال بعضهم : فيه تقديم ، ومعناه : ألم تر إلى الظل كيف مده ربك . وقال بعضهم : فيه مضمر . ومعناه : ألم تر إلى صنع ربك كيف مد الظل؟ يعني : بسط الظل بعد انفجار الصبح إلى طلوع الشمس { وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } يعني : دائماً كما هو لا شمس معه ، كما يكون في الجنة ظل ممدود ، ويقال : تلك الساعة تشبه ساعات الجنة إلا أن الجنة أنور { ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً } حيث ما تكون الشمس يظهر الظل .
وقال القتبي : إنما يكون دليلاً ، لأنه لو لم تكن الشمس لم يعرف الظل ، لأن الأشياء تعرف بأضدادها { ثُمَّ قبضناه إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } يعني : الظل بعد غروب الشمس ، وذلك أن الشمس إذا غابت عاد الظل ، وذلك وقت قبضه ، لأن ظل الشمس بعد غروب الشمس لا يذهب كله جملة ، وإنما يقبض الله ذلك الظلّ قبضاً خفياً شيئاً فشيئاً ، دلَّ الله تعالى بهذا الوصف على قدرته ، ولطفه في معاقبته بين الظل والشمس لمنافع الناس ، ولمصالح عباده ، وبلاده . ويقال : ثم قبضناه ، أي : قبضناه سهلاً . ويقال : يسيراً عند طلوع الشمس ، ثم قبضناه يسيراً . يعني : هيناً سهلاً . ويقال : يسيراً يعني : خفياً ، فلا يدري أحد أين يصير ، وكيف يصير؟ ويقال : ثم قبضناه ، يعني . ورفعناه رفعاً خفيفاً . (3/247)
ويقال قوله : { ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً } أي : على الأوقات في النهار ليعرف زوال الشمس وأوقات الصلاة .
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)
قوله عز وجل : { وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاساً } يعني : سكناً لتسكنوا فيه . ويقال : لباساً ستراً يستر جميع الأشياء { والنوم سُبَاتاً } يعني : راحة للخلق ليستريحوا فيه بالنوم { وَجَعَلَ النهار نُشُوراً } أي : للنشور ينتشرون فيه لابتغاء الرزق . ثم قال عز وجل : { وَهُوَ الذى أَرْسَلَ الرياح *** بَشَرًا } يعني : تنشر السحاب ، والاختلاف في القراءات كما ذكرنا في سورة الأعراف { بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } يعني : قدام المطر { وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً } يعني : مطهراً يطهر به الأشياء ، ولا يطهر بشيء { لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } يعني : أرضاً لا نبات فيها ، فينبت بالمطر { وَنُسْقِيَهِ } يعني : نسقي بالمطر { مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً } وهو جماعة الإنس يعني : نسقي به الناس والدواب لفظ البلدة مؤنث ، إلا أن معنى البلدة والبلد واحد ، فانصرف إلى المعنى ، ولو قال : ميتة ، لجاز إلا أنه لم يقرأ . (3/248)
ثم قال عز وجل : { وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ } يعني : قسمناه بين الخلق . ويقال : نصرفه من بلد إلى بلد مرة بهذا البلد ، ومرة ببلد آخر .
كما روي عن ابن مسعود أنه قال : ما من عام بأمطر من عام ، ولكن الله تعالى يصرفه في الأرض ثم قرأ هذه الآية .
كما روي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « مَا مِنْ سَنَةٍ بَأَمْطَرَ مِنْ أُخْرَى ، ولكن إذَا عَمِلَ قَوْمٌ بِالمَعَاصِي حَوَّلَ الله ذلك إلَى غَيْرِهِمْ فَإذَا عَصَوْا جَمِيعاً ، صَرَفَ الله ذلك إلَى الفَيَافِي وَالبِحَارِ » . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما من عام بأكثر من عام ، ولكنه يصرفه حيث يشاء ، فذلك قوله تعالى : { وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ } { لّيَذْكُرُواْ } يعني : ليتعظوا في صنعه ، فيعتبروا في توحيد الله تعالى ، فيوحدوه .
وقرأ حمزة والكسائي { لّيَذْكُرُواْ } بالتخفيف ، وضم الكاف . وقرأ الباقون بالتشديد والنصب . ثم قال : { فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا } يعني : كفراناً في النعمة ، وهو قولهم : مطرنا بنوء كذا ، ويقال : إلا جحوداً وثباتاً على الكفر قوله عز وجل : { وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً } قال مقاتل : ولو شئنا لبعثنا في زمانك في كل قرية رسولاً ، ولكن بعثناك إلى القرى كلها رسولاً اختصصناك بها { فَلاَ تُطِعِ الكافرين } وذلك حين دعوه إلى ملة آبائه { وجاهدهم بِهِ } أي بالقرآن { جِهَاداً كَبيراً } يعني : شديداً .
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57)
قوله عز وجل : { وَهُوَ الذى مَرَجَ البحرين } يعني : أرسل . ويقال : حلى البحرين . ويقال : فلق البحرين . ويقال : خلق البحرين العذب والمالح { هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ } يعني : حلواً { وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ } يعني : مرّ مالح { وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } أي حاجزاً { وَحِجْراً مَّحْجُوراً } أي حرم على العذب أن يملح ، وحرم على المالح أن يعذب ، وحرم على كل واحد منهما أن يختلط بصاحبه ، وأن يغير كل واحد منهما طعم صاحبه . قوله عز وجل : { وَهُوَ الذى خَلَقَ مِنَ الماء بَشَراً } أي من النطفة إنساناً { فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً } فالنسب ما لا يحل لك نكاحُه من القرابة ، والصهر ما يحل لك نكاحه من القرابة ، وغير القرابة وهذا قول الكلبي . (3/249)
وقال الضحاك : النسب القرابة ، والصهر الرضاع ، ويحرم من الصهر ما يحرم من النسب . ويقال : النسب الذي يحرم بالقرابة ، والصهر الذي يحرم بالنسب ، وهو ما ذكر في قوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الاخ وَبَنَاتُ الاخت وأمهاتكم الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مِّنَ الرضاعة وأمهات نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وحلائل أَبْنَآئِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } [ النساء : 23 ] فهذه السبع تحرم بالقرابة والسبع التي تحرم بالنسب ، فهو ما ذكر بعده وهو قوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الاخ وَبَنَاتُ الاخت وأمهاتكم الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مِّنَ الرضاعة وأمهات نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وحلائل أَبْنَآئِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } [ النساء : 23 ] إِلى آخر الآية . وامرأة الأب ثم قال تعالى : { وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } فيما أحل النكاح ، وفيما حرم يقال : قديراً على ما أراد . قوله عز وجل : { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } يعني : الأصنام { مَا لاَ يَنفَعُهُمْ } إن عبدوهم { وَلاَ يَضُرُّهُمْ } إن لم يعبدوهم { وَكَانَ الكافر على رَبّهِ ظَهِيراً } أي : عوناً للشياطين على ربه . قال بعضهم : نزلت في شأن أبي جهل بن هشام . ويقال : في شأن جميع الكفار .
ثم قال : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } يعني : ما أرسلناك يا محمد إلا مبشراً بالجنة ، لمن أطاع الله ، ونذيراً بالنار لمن عصاه ، { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } يعني : قل لكفار مكة : ما أسألكم ، يعني : على القرآن والإيمان { مِنْ أَجْرٍ } يعني : من جُعل { إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إلى رَبّهِ سَبِيلاً } يعني : إلا من شاء أن يوحده ، ويتخذ إلى ربه بذلك التوحيد سبيلاً ، يعني : مرجعاً . ويقال : يعمل ، فيتخذ عند ربه مرجعاً صالحاً ، فيدخل به الجنة . يعني : لا أريد الأجر ، ولكن أريد لكم هذا الذي ذكر ، وقصدي هذا لا أَنْ آخُذ منكم شيئاً .
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)
قوله عز وجل : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الحى الذى لاَ يَمُوتُ } وذلك حين دعي إلى ملة آبائه ، فأمره الله تعالى بأن يتوكل على ربه قال الكريم : { وَسَبّحْ بِحَمْدِهِ } قال مقاتل : واذكر بأمره وقال الكلبي : صلِّ بأمره { وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً } يعني : عالماً معناه ، وكفى بالله عالماً بذنوب عباده وبمجازاتهم ، فلا أحد أعلم بذنوب عباده ومجازاتهم منه . (3/250)
ثم قال عز وجل : { الذى خَلَقَ * السموات والارض *** وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش } وقد ذكرناه وتمّ الكلام ثم قال : { الرحمن } يعني : استوى الرحمن على العرش . قال : ويجوز أن يكون على معنى الابتداء ثم قال : { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً } يعني : فاسأل عنه عالماً . ويقال : معناه ما أخبرتك به من شيء ، فهو كما أخبرتك ، فاسأل بذلك عالماً حتى يبين لك ذلك كقوله : { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } [ يونس : 94 ] الآية . خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم ، وأراد به أمته . قوله عز وجل : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن } يعني : صلوا للرحمن . ويقال : اخضعوا له ووحدوه { قَالُواْ وَمَا الرحمن } يعني : ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب قالوا : { أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا } لذلك الكذاب . قرأ حمزة والكسائي بالياء على معنى المغايبة وقرأ الباقون على المخاطبة { وَزَادَهُمْ نُفُوراً } يعني : زادهم ذكر الرحمن تباعداً عن الإيمان ، فمن قرأ بالياء ، فمعناه لما يأمرنا الرحمن بالسجود . ويقال : لما يأمرنا محمد ، يعني : لا نسجد لما يأمرنا كقوله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وثلاث وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ } [ النساء : 3 ] يعني : من طاب لكم ، ومن قرأ بالتاء ، أراد به النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو عبيد : هذا هو الوجه ، لأن المشركين خاطبوه بذلك ، وكانوا غير مقرين بالرحمن .
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)
قوله عز وجل : { تبارك } وقد ذكرناه { الذى جَعَلَ فِى السماء بُرُوجاً } يعني : خلق في السماء بروجاً ، يعني : نجوماً وكواكب . ويقال : قصوراً . وذكر أنه جعل في القصور حراساً ، كما قال في آية أخرى : { وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فوجدناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً } [ الجن : 8 ] الآية . (3/251)
ويقال : البروج الكواكب العظام ، وكل ظاهر مرتفع ، فهو برج ، وإنما قيل لها بروج لظهورها وارتفاعها ، ثم قال تعالى : { وَجَعَلَ } يعني : خلق فيها { سِرَاجاً } يعني : شمساً { وَقَمَراً مُّنِيراً } يعني : منوراً مضيئاً . قرأ حمزة والكسائي { ***سُرُجاً } بلفظ الجمع ، يعني : الكواكب . وقرأ الباقون { الشمس سِرَاجاً } ، وبه قال أبو عبيدة : بهذا نقرأ . كقوله : { وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً } ولأنه قد ذكر الكواكب بقوله : { بُرُوجاً } ثم قال عز وجل : { وَهُوَ الذى جَعَلَ اليل والنهار } أي : خلق الليل والنهار { خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } أي خلفة يخلف كل واحد منهما صاحبه يذهب الليل ، ويجيء النهار ، ويذهب النهار ، ويجيء الليل ، ويقال : خلفة يعني : مخالفاً بعضه لبعض ، أحدهما أبيض ، والآخر أسود ، فهما مختلفان كقوله عز وجل : { إِنَّ فِى اختلاف اليل والنهار } الآية .
وعن الحسن أنه قال : النهار خلف من الليل ، لمن أراد أن يعمل بالليل ، فيفوته ، فيقضي ، فإذا فاته بالنهار يقضي بالليل لمن أراد أن يذكر . قرأ حمزة { يُذْكَرِ } بتسكين الذال ، وضم الكاف . يعني : يذكر ما نسي ، إذا رأى اختلاف الليل والنهار . وقرأ الباقون بالتشديد { يُذْكَرِ } وأصله يتذكر يعني : يتعظ في اختلافهما ، ويستدل بهما { أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } يعني : العمل الصالح ويترك ما هو عليه من المعصية . ويقال : { أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } ، أو أراد توحيداً وإقراراً ، فيمكنه ذلك قوله عز وجل : { وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ } يعني : وإن من عباد الرحمن عباداً يمشون { على الارض هَوْناً } يعني : يمضون متواضعين ، وهذا جواب لقولهم { وَمَا الرحمن أَنَسْجُدُ } ؟ فقال : الرحمن الذي جعل في السماء بروجاً ، وهو الذي له عباد مثل هؤلاء . يعني : أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن كان مثل حالهم ، وهذا كقوله : { جنات عَدْنٍ التى وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } [ مريم : 61 ] وكقوله : { والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا وأنابوا إِلَى الله لَهُمُ البشرى فَبَشِّرْ عِبَادِ } [ الزمر : 17 ] الآية .
وقال مجاهد : يمشون على الأرض هوناً في طاعة الله متواضعين . ويقال : هوناً ، أي : هيناً لا جور فيه على أحد ، ولا أذى . ويقال : هوناً يعني : سكينة ووقاراً . وحلماً . { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون } يعني : كلمهم الجاهلون بالجهل { قَالُواْ سَلاَماً } يعني : سداداً من القول . ويقال : ردوا إليهم بالجميل . وقال الحسن : أي حلماً لا يجهلون ، وإن جهل عليهم حلموا . وقال الكلبي : نسخت بآية القتال .
وقال بعضهم : هذا خطأ ، لأن هذا ليس بأمر ، ولكنه خير من حالهم ، والنسخ يجري في الأمر والنهي ثم وصف حال لياليهم فقال عز وجل : { وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً } يعني : يقومون بالليل في الصلاة سجداً { وقياما } يعني : يكونون في ليلتهم مرة ساجدين ، ومرة قائمين . (3/252)
وروي عن ابن عباس أنه كان يقول : من صلى ركعتين أو أربعاً بعد العشاء ، فقد بات لله ساجداً وقائماً ، ثم وصف خوفهم فقال : إنهم مع جهدهم خائفون من عذاب الله عز وجل ، ويتعوذون منه فقال عز وجل : { والذين يَقُولُونَ } يعني : عباد الرحمن { رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً } يعني : لازماً لا يفارق صاحبه . وقال بعض أهل اللغة : الغرام في اللغة أشد العذاب . وقال محمد بن كعب القرظي : { إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً } . قال : سألهم عن النعم ، فلم يأتوا بثمنها ، فأغرمهم ثمن النعم ، وأدخلهم النار ثم قال : { إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } يعني : بئس المستقر ، وبئس الخلود ، والمقام الخلود كقوله : { الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } [ فاطر : 35 ] يعني : دار الخلود . ويقال : نصب المستقر للتمييز ، ومعناه لأنها ساءت في المستقر . ثم قال عز وجل : { والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } وقرأ نافع وابن عامر { يَقْتُرُواْ } بضم الياء وكسر التاء . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { لَمْ * يَقْتُرُواْ } بنصب الياء وكسر التاء . وقرأ أهل الكوفة بنصب الياء ، وضم التاء ، ومعنى ذلك كله واحد . يعني : لم يسرفوا ، فينفقوا في معصية الله ، ولم يقتروا فيمسكوا عن الطاعة { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } يعني : بين ذلك عدلاً ووسطاً . وقال الحسن : ما أنفق الرجل على أهله في غير إسراف ولا فساد ، ولا إقتار ، فهو في سبيل الله تعالى . وقال مجاهد لو كان لرجل مثل أبي قبيس ذهباً ، فأنفقه في طاعة الله ، لم يكن مسرفاً ، ولو أنفق درهماً في معصية الله تعالى كان مسرفاً .
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)
ثم قال عز وجل : { والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } يعني : لا يشركون بالله . ويقال : الشرك ثلاثة : أولها أن يعبد غير الله تعالى ، والثاني أن يطيع مخلوقاً بما يأمره من المعصية ، والثالث أن يعمل لغير وجه الله تعالى ، فالأول كفر والآخران معصية ثم قال : { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق } أي إلا بإحدى خصال ثلاث وقد ذكرناه . { وَلاَ يَزْنُونَ } يعني : لا يستحلون الزنى ، ولا يقتلون النفس { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } يعني : الشرك والقتل والزنى { يَلْقَ أَثَاماً } قال الكلبي يعني : عقاباً في النار ، وذكر عن سيبويه والخليل أنهما قالا : معناه جزاء الآثام . ويقال : الآثام العقوبة وقال الشاعر : (3/253)
جَزَى الله ابْنَ عُرْوَةَ حِينَ أَمْسَى ... عَقُوقاً فَالْعُقُوقُ لَهُ أَثَامُ
أي عقوبة ثم قال عز وجل : { يضاعف لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً } يعني : في العذاب صاغراً يهان فيه . قرأ عاصم { يضاعف لَهُ } بالألف ، وضم الفاء . وقرأ ابن عامر وابن كثير { يضاعف } بغير ألف ، والتشديد ، وجزم الفاء . وقرأ الباقون { ***يضاعفون } بالألف ، وجزم الفاء . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر ، { القيامة وَيَخْلُدْ } بضم الدال .
وروى حفص عن عاصم وابن كثير ، { وَيَخْلُدْ } بالإشباع ، والباقون بجزم الدال . ثم قال عز وجل : { إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ } يعني : تاب من الشرك والزنى والقتل ، وصدَّق بتوحيد الله تعالى : { وَعَمِلَ صالحا فَأُوْلَئِكَ * يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } يعني : مكان الشرك الإيمان ، ومكان القتل الكف ، ومكان الزنى العفاف ، ومكان المعصية العصمة والطاعة . ويقال : إنه يبدل في الآخرة مكان عمل السيئات والحسنات .
وروي عن ابن مسعود أنه قال : إن يوم القيامة إذا أعطي الإنسان كتابه لينظر في كتابه فيرى أوله معاصي ، وفي الآخر حسنات ، فلما رجع إلى أول الكتاب ، رآه كله حسنات .
روى أبو ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يُعْرَضُ عَلَيْهِ أَصَاغِرُ ذُنُوبِهِ ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنَ الكَبَائِرِ أَنْ تَجِيءَ ذُنُوبُهُ العِظَامُ ، فَإِذَا أَرَادَ بِهِ خَيْراً قِيلَ : أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً . فَيَقُولُ : يَا ربّ إِنَّ لِي ذُنُوباً مَا أرَاها هنا " . قال : ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ، ثم تلا : { فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } . وذكر عن أبي هريرة أنه قال : خرجت من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألتني امرأة في الطريق فقالت زنيت ، ثم قتلت الولد ، فهل لي من توبة؟ فقلت : لا توبة لك أبداً . ثم قلت : أفتيتها ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ، فرجعت إليه ، فأخبرته بذلك فقال : «هَلِكْتَ وَأهْلَكْتَ ، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ هذه الآية . { والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } إلى قوله : { فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } فخرجت وقلت : من يدلني على امرأة سألتني مسألة ، والصبيان يقولون : جن أبو هريرة حتى أدركتها ، وأخبرتها بذلك فسرت . وقالت : إن لي حديقة جعلتها لله ولرسوله . وقال بعضهم : هذه الآية مدنية نزلت في شأن وحشي وقال بعضهم الآية قد كانت نزلت بمكة فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى وحشي ثم قال تعالى : { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } يعني : غفوراً لما فعلوا قبل التوبة لمن تاب رحيم بالمؤمنين بعد التوبة .
وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)
{ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صالحا } يعني : تاب من الشرك والمعاصي ، وعمل صالحاً بعد التوبة { فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتاباً } يعني : مناصحاً لا يرجع . ويقال : متاباً له في الجنة . ويقال : { مَتاباً } . يعني : توبة . يعني : يتوب توبة مخلصة ثم قال : { والذين لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ } يعني : لا يحضرون مجالس الكذب والفحش والكفر { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ } يعني : مجالس اللهو والباطل { مَرُّواْ كِراماً } يعني : حُلماء عُلماء معرضين عنها . وقال القتبي : مروا كراماً لم يخوضوا فيه ، وأكرموا أنفسهم . (3/254)
ثم قال عز وجل : { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بئايات رَبّهِمْ } يعني : وعظوا بالقرآن { لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا } يعني : لم يقعوا عليها { صُمّاً وَعُمْيَاناً } يعني : لا يسمعون ولا يبصرون ، ولكنهم سمعوا وانتفعوا به . وهذا قول مقاتل . وقال القتبي : لم يخروا عليها ، أي لم يتغافلوا عنها ، فكأنهم صم لم يسمعوها عمي لم يروها .
ثم قال عز وجل : { والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أزواجنا وذرياتنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } يعني : اجعل أزواجنا وذريتنا من الصالحين ، تقر أعيننا بذلك . ويقال : وفقهم للطاعة ، واعصمهم من المعصية ، ليكونوا معنا في الجنة ، فتقر بهم أعيننا . قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ، { وذرياتنا } بلفظ الوحدان . وقرأ الباقون { وذرياتنا } بلفظ الجماعة ، ثم قال : { واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } يعني : اجعلنا أئمة في الخير يقتدي بنا المؤمنون ، كما قال : { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكواة وَكَانُواْ لَنَا عابدين } [ الأنبياء : 73 ] أي : قادة في الخير .
وروي عن عروة ، أنه كان يدعو بأن يجعله الله ممن يحمل عنه العلم ، فاستجيب دعاؤه . وروي عن مجاهد معناه : واجعلنا ممن نقتدي بمن قبلنا ، حتى يقتدي بنا من بعدنا . ويقال : معناه اجعلنا ممن يقتدي بالمتقين ، ويقتدي بنا المتقون ، فهذا كله من خصال عباد الرحمن ، من قوله : { وَعِبَادُ الرحمن } إلى هاهنا . فوصف أعمالهم ، ثم بيّن ثوابهم فقال عز وجل : { أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغرفة } يعني : غرف الجنة كقوله : { لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله الميعاد } [ الزمر : 20 ] { بِمَا صَبَرُواْ } يعني : صبروا على أمر الله تعالى في الدنيا ، وعلى طاعته { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا } يعني : في الجنة { تَحِيَّةً } يعني : التسليم { وسلاما } يعني : سلام الله تعالى لهم . قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر . وإحدى الروايتين عن ابن عباس ، { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا } بنصب الياء ، وجزم اللام ، والتخفيف . وقرأ الباقون { وَيُلَقَّوْنَ } بضم الياء ونصب اللام ، وتشديد القاف ، فمن قرأ بالتخفيف ، يعني : يلقي بعضهم بعضاً بالسلام ، ومن قرأ بالتشديد يعني : يجيء إليهم سلام الله ، يعني : يلقى إليهم السلام من الله تعالى .
ثم قال عز وجل : { خالدين فِيهَا } يعني : دائمين في الجنة { حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } يعني : موضع القرار ، وموضع الخلود قوله عز وجل : { قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ } يقول : ما يفعل بكم ربي لولا عبادتكم . ويقال : ما يفعل بعذابكم لولا عبادتكم غير الله تعالى . ويقال : ما ينتظر بهلاككم ، لولا عبادة من يعبدوني ، لأنزلت عليكم عذابي . ويقال : لولا دعاؤكم يعني : يقول لولا إيمانكم ثم قال عز وجل سبحانه : { فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً } يعني : عذاباً يلزمهم ، فقتلوا ببدر ، وعجلت أرواحهم إلى النار ، فتلك عقوبتهم فيها . ويقال : { لِزَاماً } يعني : موتاً . وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه خمس قد مضين من ذلك اللزام ، واللزم والقمر والدخان والبطشة . ويقال : ما يحتاج بعذابكم لولا عبادتكم الأصنام . ويقال : ما يفعل الله بعذابكم لولا عبادتكم غير الله . ويقال : ما ينتظر بهلاككم لولا عبادة من يعبدني ، لأنزلت عذابي إلى غير ذلك ، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد . (3/255)
طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6)
قول الله سبحانه وتعالى : { طسم } قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر ، بإمالة الطاء . وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالتفخيم ، وهما لغتان معروفتان عند العرب ، ويجوز كلاهما ، وقرأ نافع بين ذلك ، وقرأ حمزة بإظهار النون ، والباقون بالإدغام لتقارب مخرجهما ، ومن لم يدغم أراد التبيين ، وكلاهما جائز . وأما التفسير ، فروى معمر عن قتادة أنه قال : اسم من أسماء القرآن . ويقال : والطاء طوْله ، والسين سَنَاؤُهُ ، والميم ملكه ، ومجده ، ويقال : الطاء شجرة طوبى ، والسين سدرة المنتهى ، والميم محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : عجزت العلماء عن تفسيرها . وقال بعضهم : هو قسم قسم الله تعالى به { تِلْكَ ءايات الكتاب } يعني : هذه آيات الكتاب . ويقال : تلك آيات الكتاب التي كنت وعدت في التوراة أن أنزلها على محمد صلى الله عليه وسلم { المبين } يعني : القرآن بيّن لكم الحق من الباطل { لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ } يعني : مهلك نفسك . ويقال : قاتل نفسك بالحزن { أَن لا *** يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } يعني : إذا لم يصدقوا بالقرآن ، وذلك حين كذبه أهل مكة شقّ ذلك عليه ، وحزن بذلك فقال له : ليس عليك سوى التبليغ ، ولا تقتل نفسك إن لم يؤمنوا . (3/256)
ثم قال عز وجل : { إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السماء ءايَةً } يعني : علامة { فَظَلَّتْ } يعني : فصارت { أعناقهم لَهَا خاضعين } يعني : وننزل عليهم آية تضطرهم إلى أن يؤمنوا ، ولكنه لم يفعل ، لأنه لو فعل ذلك لذهبت المحنة ، فلم يستوجبوا الثواب إذا آمنوا بعد معاينة العذاب ، كمن آمن يوم القيامة لا ينفعه إيمانه ، لأنه قد ظهر له بالمعاينة . ويقال : فظلت أعناقهم يعني : ساداتهم وكبراؤهم ، والأعناق الكبراء ، فإن قيل : جمع الأعناق مؤنث . قال : خاضعين ، ولم يقل : خاضعات . قيل له : لأن الكلام انصرف إلى المعنى ، فكأنه قال هم لها خاضعون قوله : { وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ *** رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } وقد ذكرناه { إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ } يعني : مكذبين معرضين عن الإيمان به { فَقَدْ كَذَّبُواْ } يعني : كذبوا بالقرآن ، كما قال في آية أُخرى : { فَقَدْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } [ الأنعام : 5 ] يعني : { فَقَدْ كَذَّبُواْ } يعني : أخبار { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } يعني : يوم القيامة . ويقال : قد جاءهم بعض ذلك في الدنيا ، وهو القتل والقهر والغلبة .
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15)
قوله عز وجل : { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى الارض } يعني : أو لم ينظروا في عجائب الأرض ، ويتفكروا فيها { كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ كَرِيمٌ } يعني : من كل نوع من النبات . ويقال : من كل لون حسن . وقال القتبي : الكريم يقع على الأنواع ، والكريم الشريف الفاضل . قال الله تعالى : { ياأيها الناس إِنَّا خلقناكم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لتعارفوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [ الحجرات : 13 ] { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ وحملناهم فِى البر والبحر ورزقناهم مِّنَ الطيبات وفضلناهم على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } [ الإسراء : 70 ] { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم } [ التوبة : 129 ] { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } [ النساء : 31 ] { قَالَتْ ياأيها الملأ إنى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } [ النمل : 29 ] أي شريف فاضل ، والكريم الصفوح ، وذلك من الشرف كما قال : { قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هذا مِن فَضْلِ رَبِّى ليبلونى أَءَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ } [ النمل : 40 ] { ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم } [ الانفطار : 6 ] أي الصفوح ، والكريم الكثير كما قال : { أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً لَّهُمْ درجات عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [ الأنفال : 4 ] أي : كثير ، والكريم الحسن كما قال : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الارض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } [ الشعراء : 7 ] أي : حسن { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا } [ الإسراء : 23 ] أي : حسناً . (3/257)
وروي عن الشعبي أنه قال : كم أنبتنا فيها . يعني : بني آدم ، فمن دخل الجنة ، فهو كريم ، ومن دخل النار ، فهو لئيم . ثم قال عز وجل : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } يعني : في اختلاف النبات وألوانه { لآيَةً } يعني لعبرة لأهل مكة أنه إله واحد ثم قال : { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } يعني : مصدقين بالتوحيد ولو كان أكثرهم مؤمنين يعني : وما كانوا مؤمنين بل كلهم كافرين { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } يعني : المنيع بالنقمة لمن لم يجب الرسل { الرحيم } حيث لم يعجل بعقوبتهم . ويقال : رحيم بالمؤمنين . قوله عز وجل : { وَإِذْ نادى رَبُّكَ موسى } يعني : اتل عليهم إذ نادى ربك موسى كما قال : { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ إبراهيم } وقال مقاتل : إذ نادى ربك موسى ، يعني : أمر ربك يا محمد لموسى { أَنِ ائت القوم الظالمين } يعني : اذهب إلى القوم المشركين { قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ } قال مقاتل : يعني قل لهم ألا تتقون عبادة غيره وتوحدونه .
ويقال { أَلا يَتَّقُونَ } يعني : ألا تعبدون الله تعالى { قَالَ } موسى { رَبّ } أي : قال يا رب { إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ } بما أقول { وَيَضِيقُ صَدْرِى } إذا كذبوني في رسالتك { وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِى } لمهابته . قرأ يعقوب الحضرمي ، { وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلاَ يَنطَلِقُ } كلاهما بنصب القاف ، وجعله نصباً بأن . ومعناه : أخاف أن يكذبون ، وأن يضيق صدري ، وأن لا ينطلق لساني . وقراءة العامة بالضم على معنى الاستئناف . (3/258)
ثم قال : { فَأَرْسِلْ إلى هارون } يعني : أرسله معي لكي يكون عوناً لي في أداء الرسالة . ثم قال : { وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ } يعني : قصاص بقتل القبطي { فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } به قال القتبي : على معنى عندي ، أي لهم عندي ذنب { قَالَ } الله تعالى { كَلاَّ } أي لا تخف . وقال الزجاج : كلا رَدْعٌ وتنبيه ، أي : لا يقدرون على ذلك { فاذهبا بئاياتنا } خاطب به موسى خاصة بأن يذهب مع أخيه إلى فرعون بآياتنا التسع { إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ } يعني : سامعين ، وقد بيّن ذلك في موضع آخر وهو قوله : { قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى } [ طه : 46 ] والاستماع سبب للسمع فيعبر به عنه .
فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33)
قوله عز وجل : { فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين } يعني : موسى وحده ، ويضاف الشيء إلى اثنين ، ويراد به الواحد . وقال القتبي : الرسول يكون بمعنى الجمع ، كما يكون الضيف بمعنى الجمع . { قَالَ إِنَّ هؤلاءآء ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحُونِ } [ الحجر : 68 ] . وقال أبو عبيدة : رسول بمعنى رسالة . ويقال رسول : يعني : به رسولين كقوله : { فَأْتِيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بنى إسراءيل وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جئناك بِأايَةٍ مِّن رَّبِّكَ والسلام على مَنِ اتبع الهدى } [ طه : 47 ] فقال : { إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين } { أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل } يعني : قل لفرعون ذلك ، ولم يذكر إتيانه إلى فرعون ، لأن في الكلام دليلاً عليه . وقد بيّن في موضع آخر حيث قال : { فَلَمَّا جَآءَهُم موسى بأاياتنا بينات قَالُواْ مَا هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بهذا فى ءَابَآئِنَا الاولين } [ القصص : 36 ] وقال مقاتل : { إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين } وانقطع الكلام ، ثم انطلق موسى ، وكان هارون بمصر ، فانطلقا إلى فرعون قال مقاتل : فلم يأذن لهما سنة ثم أخبر البواب فرعون أن هاهنا إنساناً يذكر أنه رسول رب العالمين فقال : ائذن له لعلنا نضحك منه . وقال السدي : لما أتى باب فرعون ضرب موسى عليه السلام عصاه على الباب ، ففزع فرعون من ذلك ، فأذن له في الدخول من ساعته ، فلما دخل عليه عرفه ، فأدى الرسالة فقال له فرعون : { قَالَ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً } قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : أول ما بدأ فرعون بكلام السفلة ، ومنَّ على نبي الله صلى الله عليه وسلم أنما أطعمه . فقال : { أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً } . يعني : ألم تكن صغيراً قد ربيناك { وَلَبِثْتَ فِينَا } يعني : مكثت عندنا { مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } يعني : ثلاثين سنة { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التى فَعَلْتَ } يعني : قتلت النفس التي قتلتها . (3/259)
وقرأ في الشاذ : { فَعْلَتَكَ } بكسر الكاف هي قراءة الشعبي ، وقراءة العامة بالنصب ، والنصب يقع على فعل واحد ، والكسر على المرات . يعني : قتلت مرة ، وهممت بالقتل ثانياً ثم قال : { وَأَنتَ مِنَ الكافرين } بنعمتي . ويقال : كفرت بي ، حيث قتلت النفس . ويقال : وأنت من الجاحدين للقتل . يعني : لم تقر بالقتل ، فأخبره موسى أنه غير جاحد للقتل { قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً } يعني : قتلت النفس { وَأَنَاْ مِنَ الضالين } عن النبوة كقوله { وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى } [ الضحى : 7 ] ويقال : من الجاهلين ولم أتعمد القتل . قال القتبي : أصل الضلالة العدُول عن الحق ، ثم يكون لمعاني منها النسيان ، لأن الناسي عادل عنه ، فكما قال هاهنا { فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين } أي : من الناسين وكما قال : { ياأيها الذين ءامنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الذى عَلَيْهِ الحق سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاخرى وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تسأموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلى أَجَلِهِ ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ للشهادة وأدنى أَلاَّ ترتابوا إِلاَ أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }
[ البقرة : 282 ] ثم قال عز وجل : { فَفَرَرْتُ مِنكُمْ } يعني : هربت منكم إلى مدين { لَمَّا خِفْتُكُمْ } على نفسي أن تقتلوني { فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْماً } قال الكلبي : يعني النبوة . وقال مقاتل : يعني العلم والفهم ، { وَجَعَلَنِى مِنَ المرسلين } إليكم . (3/260)
ثم قال عز وجل : { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إسراءيل } يعني : أو كان هذا نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ، فكأنه أنكر عليه . فقال : كيف تكون نعمتك التي تمن علي؟ فإنك قد عبدت بني إسرائيل ، أي استعبدتهم ، وتمن علي . ويقال : قد اعترف له بالنعمة . فقال : وتلك نعمة تمن علي حيث عبدت بني إسرائيل ، ولم تعبدني . ويقال : معناه تلك نعمة ، إنما صارت نعمة بتعبيدك بني إسرائيل ، ولم تعبدني ، لأنك لو لم تعبدهم لم تجعلني أمي في التابوت حتى صرت في بيتك ، ولكن إنما صارت نعمة لأجلك ، حيث عبدت بني إسرائيل . وقال مقاتل : وتلك نعمة تمنها علي يا فرعون بإحسانك إلي خاصة ، وبترك أبنائك أن عبدت بني إسرائيل . وقال الكلبي يقول : تستعبد بني إسرائيل ، وتمن علي لذلك { قَالَ فِرْعَوْنُ } لموسى { وَمَا رَبُّ العالمين } منكراً له ، وهذا جواب لقوله : { إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين } فجاء بجواب قطع حجته { قَالَ رَبّ * السموات والارض ***** وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } بتوحيد الله تعالى ، فعجز فرعون عن الجواب { فَقَالَ * لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ } إلى قول موسى عليه السلام قالوا له فيما تقول يا موسى؟ فجاء بحجة أُخرى ليؤكد عليهم { قَالَ رَبُّكُمْ } يعني : أدعوكم إلى ربكم { وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الاولين } يعني : إلى توحيد خالقكم وخالق آبائكم الأولين { قَالَ } فرعون لجلسائه { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ } موسى عليه السلام ليس بمجنون مثلي أدعوكم إلى { رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } يعني : إن كان لكم ذهن الإنسانية ، فلما عجز عن الجواب ، مال إلى العقوبة كما يفعل السلاطين { فَقَالَ * لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِى } يعني : لئن عبدت رباً غيري .
{ لاجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين } يعني : لأحبسنك في السجن . قال ابن عباس : وكان سجنه أشد من القتل { قَالَ } موسى { أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ } يعني : ولو جئتك بحجة بينة يستبين لكم أمري { قَالَ } فرعون { فَأْتِ بِهِ } يعني : فَأَرِنَاهُ { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } بأنك رسول { فألقى عَصَاهُ } من يده { فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } يعني : حية صفراء من أعظم الحيات { وَنَزَعَ يَدَهُ } يعني : أخرج يده فقال : ما هذه؟ فقالوا : يدك ، فأدخلها في جيبه وأخرجها { فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين } يعني : لها شعاع كشعاع الشمس ، وانتشر الضوء حوالي مصر للناظرين لمن نظر إليها من غير برص ، فعجبوا من ذلك . (3/261)
قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)
قوله عز وجل : ف { قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ } يعني : قال فرعون لمن حوله يعني : الرؤساء والأشراف ، وأصله في اللغة من ملأ . قال بعضهم : الملأ إنما بما يراد بهم مائتان وخمسون ، وقال بعضهم : ثلاثمائة وخمسون ، وهم جماعة الملأ . ويقال : ملأ العين هيبة يعني : إذا نظر إليها الناظر ، ثم قال : { إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ } { يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ } يعني : من أرض مصر { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } يعني : تشيرون { قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } يعني : احسبهما وأخرجهما ولا تقتلهما ، ولا تؤمن بهما وأصله من التأخير يعني : أخر أمرهما حتى تنظر { وابعث فِى المدائن حاشرين } يحشرون عليك السحرة { يَأْتُوكَ بِكُلّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ } يعني : حاذقاً { فَجُمِعَ السحرة لميقات يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } وهو يوم عيد لهم ، وهو يوم الزينة . قال مقاتل : وكانوا اثنين وسبعين ساحراً . ويقال : سبعون ألفاً . وقال الزجاج : ذكر أن السحرة كانوا اثني عشر ألفاً { وَقِيلَ لِلنَّاسِ } يعني : أهل مصر { هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ } للسحرة للميعاد { لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السحرة } على أمرهم { إِن كَانُواْ هُمُ الغالبين } . (3/262)
قوله عز وجل : { فَلَمَّا جَاء السحرة } يعني : إلى الميقات { قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ * إِنَّ لَنَا لاجْرًا } يعني : لجعلاً { إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين } يعني : أتجازينا إن غلبناه { قَالَ نَعَمْ } نجازيكم { وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين } يعني : لكم مع الجائزة الكرامة والمنزلة عندي { قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ } يعني : اطرحوا { فَأَلْقَوْاْ حبالهم وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون } يعني : نغلب موسى { فألقى موسى عصاه فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } يعني : تلتقم وتبتلعُ ما يطرحون من الحبال والعصي قوله عز وجل : { فَأُلْقِىَ السحرة ساجدين } أي خروا سجداً لله تعالى { قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ العالمين } فقال فرعون : إياي تعنون قالوا : { رَبّ موسى وهارون } يعني : خالق موسى وهارون { قَالَ ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذى عَلَّمَكُمُ السحر فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ماذا أصنع بكم؟ { لاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ وَلاَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } على شاطىء نهر مصر { قَالُواْ } يعني : السحرة { لاَ ضَيْرَ } أي لا يضرنا ما فعلت بنا { إِنَّا إلى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } يعني : إلى خالقنا راجعون { إِنَّا نَطْمَعُ } يعني : نرجو { أَن يَغْفِرَ لَنَا خطايانا } يعني : شركنا وسحرنا { أَن كُنَّا أَوَّلَ المؤمنين } يعني : أول المصدقين من قوم فرعون وذكر عن الفراء أنه قال : كانوا أول مؤمني أهل دهرهم . وقال الزجاج : لا أحسبه عرف الرواية ، لأن الذين كانوا مع موسى روي في التفسير أنهم ستمائة ألف وسبعين ألفاً ، ولكن معناه أول من آمن في هذه الساعة .
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)
قوله عز وجل : { وَأَوْحَيْنَا إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى } يعني : ببني إسرائيل { إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ } يعني : يتبعكم فرعون وقومه ويقال أسرى يسري إسراء إذا سار ليلاً ، يعني اذهبْ بهم بالليل { فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِى المدائن حاشرين } يحشرون الناس لقتال موسى عليه السلام وخرج في طلبه . وقال : { إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } يعني : طائفة وعصبة وجماعة قليلون . وقال الزجاج الشرذمة في كلام العرب القليل . (3/263)
ويروى أنهم كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً { وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ } يعني : لمبغضين ويقال : إنا لغائظون بخلافهم لنا ، وذهابهم بحيلتنا . ثم قال عز وجل : { وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذرون } أي : مودون شاكون في السلاح . قرأ ابن كثير ونافع { حاذرون } بغير ألف ، والباقون بالألف ، { حاذرون } ، والحاذر المستعد ، والحذر المستيقظ . ويقال : الحاذر الذي يحذر في الفور ، والحذر الذي لا تلقاه إلا حذراً .
وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ : { حاذرون } بالألف ، وكان يقول : يعني ذا أداة من السلاح . ومعناه : إنا قد أخذنا حذرنا من عدونا بسلاحنا قال الله تعالى : { فأخرجناهم } يعني : فرعون وقومه { مّن جنات } يعني : البساتين { وَعُيُونٍ } يعني : الأنهار الجارية { وَكُنُوزٍ } يعني : من الأموال الكثيرة { وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } يعني : المنازل الحسنة . ويقال : المنابر التي يعظم عليها فرعون . قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وعيون بضم العين في جميع القرآن ، والباقون بالكسر ، وهما لغتان ، وكلاهما جائز . وقال بعضهم : { فأخرجناهم مّن جنات وَعُيُونٍ } كلام فرعون إنا أخرجنا بني إسرائيل من أرض مصر والطريق الأول أشبه كما قال في آية أخرى : { كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات وَعُيُونٍ } [ الدخان : 25 ] الآية . ثم قال : { كذلك } يعني : هكذا أفعل بمن عصاني .
ثم استأنف فقال عز وجل : { وأورثناها } ويقال لك : أورثناها يعني : هكذا أنزلنا في مساكن فرعون { بَنِى إسراءيل } بعد ما غرق فرعون ، ثم قال : { فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ } يعني : طلوع الشمس . قوله عز وجل : { فَلَمَّا تَرَاءا الجمعان } يعني : تقاربا ورأى بعضهم بعضاً ، وذلك أن فرعون أرسل في المدائن حاشرين ليحشروا الناس ، فركب وركب معه ألف ألف ومائتا ألف فارس سوى الرحالة ، أي المشاة ، فلما دنوا من عسكر موسى { قَالَ أصحاب موسى } لموسى عليه السلام { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } يعني : يدركنا فرعون { قَالَ } موسى { كَلاَّ } لا يدرككم { إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } يعني : سينجيني ويهديني إلى طريق النجاة .
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85)
قوله عز وجل : { فَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق } يعني : وفي الآية مضمر ، ومعناه فضربه بالعصا فانفلق البحر { فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم } يعني : كالجبل العظيم { وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الاخرين } يعني : قربنا قوم فرعون إلى البحر ، وأدنيناهم إلى الغرق ، ومنه قوله تعالى : { وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ } [ الشعراء : 90 ] أي أدنيت وقربت . (3/264)
وروي عن الحسن قال : وأزلفنا . يعني : أهلكنا . وقال غيره : وأزلفنا ، أي جمعناهم في البحر حتى غرقوا ، ومنه قوله قبل الجمع المزدلفة . { وَأَنجَيْنَا موسى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ } يعني : من البحر { ثُمَّ أَغْرَقْنَا الاخرين } يعني : فرعون وقومه ، وقد ذكرنا القصة في موضع آخر ثم قال : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } يعني : فيما صنع لآية ، يعني : لعبرة لمن بعدهم { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } يعني : مصدقين يعني : لو كان أكثرهم مؤمنين لم يهلكهم الله تعالى : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } بالنعمة { الرحيم } لمن تاب . قوله عز وجل : { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ إبراهيم } يعني : أخبر أهل مكة خبر إبراهيم { إِذْ قَالَ لاِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ } أي : كيف قال لقومه ثم أخبرهم عن ذلك وذلك أن إبراهيم عليه السلام ، لما ولدته أمه في الغار ، فلما كبر وخرج دخل المصر ، فأراد أن يعلم على أي مذهب هم وهكذا ينبغي للعاقل إذا دخل بلدة أن يسألهم عن مذهبهم ، فإن وجدهم على الاستقامة ، دخل معهم ، وإن وجدهم على غير الاستقامة ، أنكر عليهم . فقال لهم إبراهيم : ما تعبدون؟ { قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عاكفين } أي : نقوم عليها عابدين ، فأراد أن يبين عيب فعلهم فقال : { قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ } يعني : هل تجيبكم الآلهة ، سمَّى الإجابة سمعاً ، لأن السمع سبب الإجابة { إِذْ تَدْعُونَ } يعني : هل يجيبوكم إذا دعوتموهم { أَوْ يَنفَعُونَكُمْ } إذا عبدتموهم { أَوْ يَضُرُّونَ } يعني : يضرونكم إن لم تعبدوهم { قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَا ءابَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } يعني : وجدنا آباءنا يعبدونهم ، هكذا فنحن نعبدهم . قال لهم إبراهيم عليه السلام { قَالَ أَفَرَءيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ } اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الإعلام ، يعني : اعلموا أن الذي كنتم تعبدون { أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمُ } وَأَجْدَادُكُمْ يعني : معبودكم ومعبود آبائكم وأجدادكم { الاقدمون } يعني : الماضين { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى } يعني : إنهم أعدائي { إِلاَّ رَبَّ العالمين } يقال معناه : إلا من يعبد رب العالمين . ويقال : كانوا يعبدون مع الله الآلهة . فقال لهم : جميع ما تعبدون من الآلهة ، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ، فإنه ليس لي . ويقال : معناه أتبرأ من أفعالكم وأقوالكم ، إلا الذي تقولون : رب العالمين وهو قوله : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ } [ الزخرف : 87 ] ويقال : إلا بمعنى لكن ، ومعناه : فإنهم عدو لي ، لكن رب العالمين ، يعني : لكن أعبد رب العالمين .
ثم وصف لهم رب العالمين فقال : { الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } يعني : يحفظني ويثبتني على الهدى { والذى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ } يعني : هو الذي يرزقني ويرحمني . ثم قال : { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } فقد أضاف سائر الأنبياء إلى الله تعالى ، وأضاف المرض إلى نفسه ، لأن المرض كسب يده كقوله عز وجل : { وَمَآ أصابكم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] وفيه كفارة وإذا كان أصله من كسب نفسه أضافه إلى نفسه ثم قال : { والذى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ } يعني : يميتني في الدنيا ، ويحييني في المبعث { والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } يعني : أرجو أن يغفر خطيئتي ، وهو قوله : { فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ } [ الصافات : 89 ] ويقال وقوله : { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْألُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } [ الأنبياء : 63 ] وقوله لسارة : هذه أختي . ويقال : يعني : ما كان مني الزلل ويقال : هو قوله : { فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبِّى هاذآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ ياقوم إِنِّى برىء مِّمَّا تُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 78 ] ويقال ما كان نبي من الأنبياء إلا وقد همّ بزلة ، ثم قال : { رَبّ هَبْ لِى حُكْماً } يعني : النبوة { وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } يعني : بالمرسلين في الجنة { واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الاخرين } يعني : الثناء الحسن في الباقين ، وإنما أراد بالثناء الحسن ، لكي يفيدوا به ، فيكون له مثل أجر من اقتدى به { واجعلنى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النعيم } يعني : اجعلني ممن ينزل فيها . (3/265)
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)
ثم قال : { واغفر لاِبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين } يعني : اهده إلى الحق من الضلالة والشرك . يعني : إنه كان من المشركين في الحال كقوله عز وجل : { فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى المهد صَبِيّاً } [ مريم : 29 ] يعني : من هو في الحال صبي . ويقال : إنه كان من الضالين حين فارقته كقوله : { أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين يَعْمَلُونَ فِى البحر فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } [ الكهف : 79 ] وهذا الاستغفار حين كان وعده بالإسلام . (3/266)
وقال مقاتل : إن إبراهيم عليه السلام قد كذب ثلاث كذبات ، وأخطأ ثلاث خطيئات ، وابتلي بثلاث بليات ، وسقط سقطة ، فأما الكذبات فقال : { فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ } [ الصافات : 89 ] وقوله : { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْألُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } [ الأنبياء : 63 ] وقوله لسارة حين قال هي أختي . والخطايا قوله للنجم والشمس والقمر : { فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبِّى هاذآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ ياقوم إِنِّى برىء مِّمَّا تُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 78 ] وأما البليات : حين قذف في النار ، والختان والأمر بذبح الولد ، وسقط سقطة حين دعا لأبيه ، وهو مشرك . وقال غيره لم يكذب ولم يخطىء ، ولم يسقط ، لأنه قال : { إِنّى سَقِيمٌ } يعني : سأسقم ، لأن كل آدمي سيصيبه السقم . وقوله : { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا } قَد قرنه بالشرط ، وهو قوله : { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْألُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } [ الأنبياء : 63 ] وقوله لسارة : هي أخته ، فكانت أخته في الدين وقوله : { هذا رَبّى } كان على وجه الاسترشاد لا للتحقيق . ويقال : كان ذلك القول على سبيل الإنكار والزجر . يعني : أمثل هذا ربي ، وأما دعاؤه لأبيه ، فعن وعدة وعدها إياه ، وقد بيّن الله تعالى بقوله : { وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لاًّبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } [ التوبة : 114 ] الآية . يعني : أن أباه وعده أنه سيؤمن ، فما دام حياً يرجو أو يدعو ، وإذا مات ضالاً ترك الاستغفار . ويقال : إن إبراهيم كان وعده أن يستغفر له حيث قال : { قَالَ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً } [ مريم : 47 ] ، فَاستغفر له ليكون منجزاً لوعده ثم قال : { وَلاَ تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ } يعني : لا تعذبني يوم يبعثون من قبورهم إلى هاهنا كلام إبراهيم ، وقد انقطع كلامه .
ثم إن الله تبارك وتعالى وصف ذلك اليوم { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ } يعني : يوم القيامة لا ينفع المال الذي خلفوه في الدنيا ، وأما المال الذي أنفقوا في الخير ، فليس ينفعهم ، { وَلاَ بَنُونَ } يعني : الكفار لأنهم كانوا يقولون : { وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أموالا وأولادا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } [ سبأ : 35 ] ، فأخبر الله تعالى أنه لا ينفعهم في ذلك اليوم المال ولا البنون ، وأما المسلمون ينفعهم المال والبنون ، لأن المسلم إذا مات ابنه قبله يكون له ذخراً وأجراً في الجنة ، وإن تخلف بعده ، فإنه يذكره بصالح دعائه ، فينفعه ذلك ثم قال : { إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } يعني : من جاء بقلب سليم يوم القيامة ينفعه المال والبنون .
ويقال : { إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } ، فذلك ينفعه ، والقلب السليم هو القلب المخلص . وقال ابن عباس : يعني : بقلب خالص من الشرك . (3/267)
وروى أبو أسامة بن عوف قال : قلت لابن سيرين ، ما القلب السليم قال : أن تعلم أن الله عز وجل حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، ويقال : سليم من اعتقاد الباطل . ويقال : سليم من النفاق والهوى والبدعة . وسئل أبو القاسم الحكيم عن القلب السليم ، قال له ثلاث علامات ، أولها أن لا يؤذي أحداً ، والثاني أن لا يتأذى من أحد ، والثالث إذا اصطنع مع أحد معروفاً لم يتوقع منه المكافأة ، فإذا هو لم يؤذ أحداً ، فقد جاء بالورع ، وإذا لم يتأذ من أحد ، فقد جاء بالوفاء ، وإذا لم يتوقع المكافأة بالاصطناع ، فقد جاء بالإخلاص .
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110)
ثم قال عز وجل : { وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ } يعني : قربت الجنة للمتقين الذين يتقون الشرك والفواحش ، يعني : أن المتقين قربوا من الجنة ثم قال : { وَبُرّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ } يعني : أظهرت الجحيم ، وكشفت غطاءها للكافرين . ويقال : يؤتى بها في سبعين ألف زمام { وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ *** مِن دُونِ الله } أي يقال للكفار : أين معبودكم الذين كنتم تعبدون من دون الله { هَلْ يَنصُرُونَكُمْ } يعني : هل يمنعونكم من العذاب؟ { أَوْ يَنتَصِرُونَ } يعني : هل يمتنعون من العذاب؟ فاعترفوا أنهم لا ينصرونهم ، ولا ينتصرون ، فأمر بهم إلى النار . ويقال : { أَيْنَمَا *** كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ***** مِن دُونِ الله } يعني الشياطين ، لأنهم أطاعوها في المعصية ، فكأنهم عبدوها . قوله عز وجل : { فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ والغاوون } يعني : جمعوا فيها هم والغاوون . ويقال : فكبكبوا فيها فقدموا من النار هم ، والغاوون يعني : الكفار والآلهة ، والشياطين الذين أغووا بني آدم ، وهذا قول مقاتل ويقال : فكبكبوا فيها يعني : ألقي بعضهم على بعض . وقال القتبي : الأصل كببوا ، أي ألقوا على رؤوسهم فيها ، فأبدل مكان إحدى الباءين كاف . وقال الزجاج : هو تكرير الانكباب ، لأنه إذا ألقي ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر فيها . ويقال : جمعوا فيها ومنه حديث جبريل عليه السلام أنه ينزل في كبكبة من الملائكة . يعني : جماعة من الملائكة عليهم السلام . ثم قال عز وجل : { وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ } يعني : جمعوا فيها جميعاً { قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ } يعني : الكفار والأصنام . ويقال : الكفار والشياطين ويقال : الرؤساء والأتباع . ومعناه : قالوا وهم يختصمون فيها على ما معنى التقديم { تالله } يعني : والله { إِن كُنَّا لَفِى ضلال مُّبِينٍ } يعني : في خطأ بين { إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ العالمين } يعني : نطيعكم كما يطيع المؤمنون أمر الله عز وجل : { وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ المجرمون } يعني : ما صرفنا عن الإيمان إلا الشياطين . ويقال : رؤساؤنا ويقال : آباؤنا المشركون { فَمَا لَنَا مِن شافعين } يعني : حيث يرون الأنبياء عليهم السلام يشفعون للمؤمنين والملائكة عليهم السلام يشفعون ولا يشفع أحد للكفار . فيقولون : ليس أحد يشفع لنا { وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } يعني : قريب يهمه أمرنا . قوله عز وجل : { فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } يعني : رجعة إلى الدنيا { فَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } يعني : من المصدقين على دين الإسلام { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } يعني : لعبرة لمن يعبد غير الله ، ليعلم أنه يتبرأ منه في الآخرة ، ولا ينفعه { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } يعني : الذين جمعوا في النار ، ولم يكونوا مؤمنين { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } بالنقمة لمن عبد غيره { الرحيم } بالمؤمنين قوله عز وجل : { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين } يعني : نوحاً عليه السلام وحده . (3/268)
ويقال : جميع الأنبياء عليهم السلام ، لأن نوحاً عليه السلام ، دعاهم إلى الإيمان بجميع الأنبياء والرسل عليهم السلام ، فلما كذبوه ، فقد كذبوا جميع الرسل { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ } يعني : نبيهم سماه أخوهم ، لأنه كان منهم وابن أبيهم { أَلاَ تَتَّقُونَ } يعني : ألا تخافون الله تعالى فتوحدوه { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } فيما بينكم وبين ربكم ، وجعلني الله عز وجل أميناً في أداء الرسالة إليكم . ويقال : إنه كان أميناً فيهم قبل أن يبعث { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } أي : خافوا الله واتبعوني فيما أمركم به { وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } يعني : على الإيمان مِنْ أَجْرٍ أي أجر { إِنْ أَجْرِىَ } يعني : ما ثوابي { إِلاَّ على رَبّ العالمين *** فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } وقد ذكرناه . (3/269)
قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)
قوله عز وجل : { قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الارذلون } يعني : أنصدقك واتبعك سفلتنا ويقال : الضعفاء . قرأ يعقوب الحضرمي وأتباعك الأرذلون ، وهو جمع تابع ومعناه : وأتباعك الأرذلون ، وقراءة العامة { واتبعك الارذلون } بلفظ الماضي . فيقال : من اتبع قال لهم نوح { قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعني : ما كنت أعلم أن الله تعالى يهديهم من بينكم ويدعكم { إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّى } يعني : ما حسابهم إلا على ربي . ويقال : ما سرائرهم إلا عند ربي { لَوْ تَشْعُرُونَ } أن الله تعالى علام الغيوب قالوا لنوح : اطردهم حتى نؤمن لك . قال لهم نوح : { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين * إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } يعني : ما أنا إلا منذر لكم بلغة تعرفونها { قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط *** نُوحٌ *** لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين } أي من المقتولين ويقال من المرجومين بالحجارة قوله عز وجل : { قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ } بالعذاب والتوحيد { فافتح بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً } يعني : اقض بيني وبينهم قضاء ويقال للقاضي فتاح ، وهذه لغة أهل اليمن { وَنَجّنِى وَمَن مَّعِى مِنَ المؤمنين } من العذاب ومن أذى الكفار { فأنجيناه وَمَن مَّعَهُ فِى الفلك المشحون } يعني : السفينة المملوءة الموقرة من الناس ، والأنعام ، وغير ذلك { ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الباقين } يعني : من بقي ممن لم يركب السفينة ، ولفظ البعد والقبل إذا كان بغير إضافة يكون بالرفع مثل قوله : { فِى بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الامر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون } [ الروم : 4 ] وكقوله : { ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الباقين } وإذا كانت بالإضافة يكون نصباً في موضع النصب كقوله : { وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظالمة وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ } [ الأنبياء : 11 ] ثم قال عز وجل : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } يعني : لعبرة لمن استخف بفقراء المسلمين واستكبر عن قول الحق { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } فلم يؤمن من قومه إلاَّ ثمانون من الرجال والنساء { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } بالنقمة لمن تعظم عن الإيمان ، واستخف بضعفاء المسلمين ، واستهزأ بهم { الرحيم } لمن تاب . (3/270)
كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)
وقوله عز وجل : { كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين } يعني : كذبوا هوداً عليه السلام { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ } أي : نبيهم هود وقد ذكرناه { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ *** فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ *** وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين } وقد تقدم ذكره { أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءايَةً } يعني : بكل طريق علامة ويقال : بكل شرف علماً { تَعْبَثُونَ } يعني : تلعبون ويقال : تضربون ، فتأخذون المال ممن مر بكم . (3/271)
وروي عن ابن عباس في قوله تعالى : { تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ } يعني : تبنون ما لا تسكنون . وقال أهل اللغة : كل لعب لا لذة فيه ، فهو عبث . واللعب ما كان فيه لذة ، فهم إذا بنوا بناء ، ولا منفعة لهم فيه ، فكأنهم يعبثون ثم قال عز وجل : { وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ } يعني : القصور وقال مجاهد : المصانع قصور وحصون . وقال القتبي : المصانع البناء واحدها مصنعة ويقال : الريع الارتفاع من الأرض . ومعناه : أنكم تبنون البناء والقصور ، وتظنون أن ذلك يحصنكم مِنْ أقدار الله تعالى . ويقال : وتتخذون مصانع يعني : الحياض { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } يعني : كأنكم تخلدون في الدنيا . قوله عز وجل : { وَإِذَا بَطَشْتُمْ } يعني : عاقبتم ويقال : يعني : ضربتم بالسوط وقتلتم بالسيف { بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } يعني : فعلتم كفعل الجبارين لأن الجبارين ، يضربون ويقتلون بغير حق ، وأصل البطش في اللغة هو الأخذ بالقهر والغلبة { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم به { واتقوا الذى أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ } يعني : أعطاكم ما تعلمون من الخير ، ثم بيّن فقال { أَمَدَّكُمْ بأنعام وَبَنِينَ } يعني : أعطاكم الأموال والبنين { وجنات وَعُيُونٍ } يعني : البساتين والأنهار الجارية ، فاعرفوا رب هذه النعمة ، واشكروه ليديم عليكم النعمة ، فإنكم إن لم تشكروه { فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ * عظِيمٌ } يعني : أعلم أنه يصيبكم العذاب في الدنيا والآخرة . قوله عز وجل : { قَالُواْ سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ } يعني : أنهيتنا وخوفتنا من العذاب { أَمْ لَمْ تَكُنْ مّنَ الواعظين } يعني : من الناهين .
روي عن ابن عباس أنه قال : هو الوعظ بعينه { إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الاولين } قرأ أبو عمرو والكسائي وابن كثير : إن هذا إلا خلق ، بنصب الخاء ، وقرأ الباقون بالضم ، فمن قرأ بالنصب ، فمعناه : ما هذا العذاب الذي تذكره إلا أحاديث الأولين . ويقال : الإحياء بعد الموت لا يكون ، وإنما هذا خلق الأولين أنهم يعيشون ، ثم يموتون { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } قال القتبي : الخلق الكذب كقوله : { مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة الاخرة إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق } [ ص : 7 ] وكقوله : { إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الاولين } [ الشعراء : 137 ] أي : خوضهم للكذب . والعرب تقول للخرافات أحاديث الخلق قال : وأعمل الخلق التقدير ، وهاهنا أراد بهم اختلافهم ، وكذبهم ، وأما من قرأ بضم الخاء ، فمعناه : إن هذا إلا عادة الأولين ، والعادة أيضاً تحتمل المعنيين ، مثل الأول . ثم قال عز وجل : { فَكَذَّبُوهُ فأهلكناهم } يعني : كذبوا هوداً فأهلكناهم { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } يعني : لعبرة لمن يعمل عمل الجبارين ، ولا يقبل الموعظة ، وهو تخويف لهذه الأمة { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } يعني : قوم عاد ولو كان أكثرهم لم يهلكهم الله تعالى : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } يعني : المنيع بالنقمة لمن يعمل عمل الجبارين ، ولا يقبل الموعظة ، وهو تخويف لهذه الأمة لكيلا يسلكوا مسالكهم { الرحيم } لمن تاب .
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)
قوله عز وجل : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين } يعني : صالحاً ومن قبله من المرسلين عليهم السلام { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ } يعني : نبيهم { صالح أَلا تَتَّقُونَ } وقد ذكرناه { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ *** فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ *** وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين } وقد ذكرناه { أَتُتْرَكُونَ *** فِيمَا ***** هاهنا *** ءامِنِينَ } يعني : في هذا الخير والسعة آمنين من الموت { فِى جنات وَعُيُونٍ } يعني : البساتين والأنهار . ويقال : العيون هاهنا الآثار ، لأن قوم صالح لم يكن لهم أنهار جارية . ويقال : كانت لهم بالشتاء آبار ، وكانوا يسكنون في الجبال ، وفي أيام الصيف كانوا يخرجون إلى القصور والكروم والأنهار . ثم قال عز وجل : { وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } قال مقاتل : يعني : متراكباً بعضه على بعض . وقال القتبي : الهضيم الطلع قبل أن تنشق عنه القشر يريد أنه ينضم متكثر يقال : رجل أهضم الكشحين إذا كان منضماً . ويقال : هضيم أي طري لين ويقال : هضيم متهشهش في الفم { وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً فارهين } قرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع : { فارهين } بغير ألف ، وقرأ الباقون { فارهين } بالألف ، فمن قرأ { فارهين } ، فهو بمعنى أشرين بطرين ، وهو الطغيان في النعمة ، وإنما صار نصباً على الحال ، ومن قرأ { فارهين } ، أي حاذقين { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم . (3/272)
قوله عز وجل : { وَلاَ تُطِيعُواْ أَمْرَ المسرفين } يعني : قول المشركين وهم التسعة رهط { الذين } كانوا { يُفْسِدُونَ فِى الارض وَلاَ يُصْلِحُونَ } يعني : لا يأمرون بالصلاح ، ولا يجيبونه ، ولا يطيعونه فأجابوه قوله : { قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين } يعني : من المخلوقين . ويقال : ذو سحر ، والسحر هو الدية ، يعني : إنك مثلنا . وروي عن ابن عباس أنه قال : من المسحرين ، أي من المخلوقين . وقال : أما سمعت قول لبيد :
فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر
ويقال إنما أنت من المسحرين . يعني : سوقة مثلنا ، والسوق إذا كان دون السلوك . ثم قال عز وجل : { مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } يعني : آدمي مثلنا { مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا فَأْتِ } أنك رسول الله تعالى : { قَالَ هذه نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ } والشرب في اللغة النصيب من الماء والشُرب بضم الشين المصدر ، والشَرب بنصب الشين جماعة الشراب ، فكان للناقة شرب يوم ، ولهم شرب يوم ، فذلك قوله : { وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ *** وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } يعني : لا تصيبوها بعقر يعني : لا تقتلوها ، فإنكم إن قتلتموها { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ } يعني : صيحة جبريل عليه السلام { فَعَقَرُوهَا } يعني : قتلوا الناقة { فَأَصْبَحُواْ نادمين } يعني : فصاروا نادمين على عقرها قوله عز وجل : { فَأَخَذَهُمُ العذاب } يعني : عاقبهم الله تعالى بالعذاب { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } يعني : لعبرة لمن يعظم آيات الله تعالى ، وكانت النَّاقة علامة لنبوة صالح عليه السلام ، فلما أهلكوها ولم يعظموها صاروا نادمين ، والقرآن علامة لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن رفضه ، ولم يعمل بما فيه ، ولم يعظمه يصير نادماً غداً ، ويصيبه العذاب { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } يعني : قوم صالح عليه السلام { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } يعني : المنيع بالنقمة لمن لم يعظم آيات الله تعالى ، الرحيم لمن تاب ورجع .
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)
قوله عز وجل : { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المرسلين } يعني : لوطاً وغيره { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ } وقد ذكرناه { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ *** وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين } وقد ذكرناه { أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين } يعني : أتجامعون الرجال من بين العالمين { وَتَذَرُونَ } يعني : وتتركون { مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مّنْ أزواجكم } يعني : من نسائكم { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } يعني : معتدين من الحلال إلى الحرام { قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط *** لُوطٍ } من مقالتك { لَتَكُونَنَّ مِنَ المخرجين } من قريتنا { قَالَ إِنّى لِعَمَلِكُمْ مّنَ القالين } يعني : من المبغضين ويقال : قلت الرجل إذا بغضته ومنه قوله : { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى } [ الضحى : 3 ] (3/273)
قوله عز وجل : { رَبّ نَّجِنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ } من الفواحش { فنجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِى الغابرين } يعني : الباقين في العذاب . يعني : وامرأته ويقال : إن هذا من أسماء الأضداد . يقال : غبر الشيء إذا مضى ، وغبر الشيء إذا بقي : وقال بعض أهل اللغة : القالي التارك للشيء ، الكاره له غاية الكراهية { ثُمَّ دَمَّرْنَا الاخرين } يعني : أهلكنا الباقين { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } يعني : الحجارة { فَسَاء مَطَرُ المنذرين } يعني : بئس مطر من أنذر ، فلم يؤمن { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } يعني : لعبرة لمن عمل الفواحش ، أي وارتكب الحرام { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } يعني : المنيع بالنقمة لمن ارتكب الفواحش ، وعمل الحرام رحيم لمن تاب ، وقد ذكرناه .
كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180)
قوله عز وجل : { كَذَّبَ أصحاب لْئَيْكَةِ } قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي { لْئَيْكَةِ } بكسر الهاء والألف ، والباقون { ***ليكة } بغير ألف ونصب الهاء اسم بلد ، ولا ينصرف . من قرأ الأيكة فلأنها عرفت بالألف واللام ، فيصير خفضاً بالإضافة في الشاذ ليكة بكسر الهاء بغير ألف ، لأن الأصحاب مضاف إلى ليكة ، فصار اسماً واحداً . ويقال : الأيكة هي الشجرة الملتفة يقال : أيك وأيكة ، مثل أجم وأجمة ، ويقال : شجرة الدوم ، وهو شجر المقل . ثم قال عز وجل : { المرسلين إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ } ولم يقل أخوهم قال بعضهم : كان شعيب بعث إلى قومين أحدهما مدين ، وكان شعيب منهم ، فسماه أخاهم حيث قال : { وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان إنى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وإنى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } [ هود : 84 ] ، والآخر أصحاب الأيكة ، ولم يكن شعيب عليه السلام منهم ، فلم يقل أخوهم وقال بعضهم : كان مدين ، والأيكة واحداً ، وهو الغيضة بقرب مدين ، فذكره في موضع أخوهم ، ولم يذكره في الآخر . ثم قال : { أَلاَ تَتَّقُونَ } يعني : ألا تخافون الله تعالى فتوحدوه { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ *** فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ *** وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين } وقد ذكرناه . (3/274)