صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)

قوله عز وجل : { يَدْعُواْ *** مِن دُونِ الله } ، يعني : يعبد من دون الله { مَا لاَ يَضُرُّهُ } ، إن لم يعبده ، يعني : الصنم ، { وَمَا لاَ يَنفَعُهُ } إن عبده . { ذلك هُوَ الضلال البعيد } ، يعني : الخطأ البين؛ ويقال : في خطأ طويل بعيد عن الحق . { يَدْعُواْ *** لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } ، يعني : يعبد لمن إثمه وعقوبته أكثر من ثوابه ومنفعته؛ ويقال : ضره في الآخرة أكثر من نفعه في الدنيا؛ فإن قيل : لم يكن في عبادته نفع البتة ، فكيف يقال : من نفعه ولا نفع له؟ قيل له : إنما قال هذا على عاداتهم؛ وهم يقولون لشيء لا منفعة فيه : ضره أكثر من نفعه ، كما يقولون لشيء لا يكون هَنَا بَعِيدٌ ، كما قالوا { أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } [ ق : 3 ] .
ثم قال تعالى : { لَبِئْسَ المولى } ، يعني : بئس الصاحب ، { وَلَبِئْسَ العشير } ؛ يعني : بئس الخليط؛ ويقال : معناه من كانت عبادته عقوبة عليه ، فبئس المعبود هو . ثم ذكر ما أعد الله تعالى لأهل الصلاح والإيمان ، فقال تعالى : { إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } ، يعني : يحكم في خلقه ما يشاء من السعادة والشقاوة .
قوله تعالى : { مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله } ، الهاء كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ويجوز في اللغة الإضمار في الكناية وإن لم تكن مذكورة إذا كان الأمر ظاهراً ، كقوله تعالى : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً } [ فاطر : 45 ] ، يعني : على ظهر الأرض ، وكقوله عز وجل : { فَقَالَ إنى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِى حتى تَوَارَتْ بالحجاب } [ ص : 32 ] يعني : الشمس . ومعناه من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالغلبة والحجة . { فِى الدنيا والاخرة } الشفاعة في { الاخرة } .
قوله : { فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء } ، يعني : فليربط بحبل من سقف البيت ، لأن كل ما علاك فهو سماء . { ثُمَّ لْيَقْطَعْ } ، يعني : ليختنق ، { فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ } ، يعني : اخْتِنَاقُه . { مَا يَغِيظُ } ، معناه هل ينفعه ذلك . قال ابن عباس : نزلت الآية في نفر من أسد وغطفان ، فقالوا : نخافُ أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم ، فيقطع ما بيننا وبين حلفائنا من المودة يعني : اليهود وقال القتبي : كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين ، يستبطئون ما وعد لهم من النصرة ، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم لهم أمره ، فنزل { مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله } ، يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم بعدما سمعوا منه النصرة والإظهار .

(3/152)


ولكن كلام العرب على وجه الاختصار ، يعني : إن لم تثق بما أقول لك ، فاذهب واختنق أو اجتهد جهدك .
قال : وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون هاهنا السماء بعينها لا السقف ، فكأنه قال { فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء } أي بحبل وليرتق فيه ، ثم ليقطع ، يعني : الحبل ، حتى يخر فيهلك ، فلينظر هل ينفعه ، كقوله عز وجل : { وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى الارض أَوْ سُلَّماً فِى السمآء فَتَأْتِيَهُمْ بِأايَةٍ وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين } [ الأنعام : 35 ] وقال أبو عبيدة : { مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِى الدنيا والاخرة } يعني : أن لن يرزقه الله . وذهب إلى قول العرب : أرض منصورة ، أي ممطورة؛ فكأنه قال : من كان قانطاً من رزق الله ورحمته ، فليفعل ذلك { فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ } ، أي حيلته ما يغيظ ، أي غيظه لتأخير الرزق عنه؛ وقال الزجاج : من كان يظن أن لن ينصره الله ، يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم ، حتى يظهره الله على الدين كله فليمت غيظاً .

(3/153)


وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)

ثم قال تعالى : { وكذلك أنزلناه } ، يعني : جبريل عليه السلام بالقرآن { بَيّنَاتٍ فاسأل } ، يعني : واضحات بالحلال والحرام . { وَأَنَّ الله يَهْدِى مَن يُرِيدُ } ، يعني : يرشد إلى دينه من كان أهلاً لذلك ، فيوفقه لذلك؛ وهذا كقوله : { والله يدعوا إلى دَارِ السلام وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ يونس : 25 ] .
{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } ، يعني : أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن كان مثل حالهم ، { والذين هَادُواْ } ؛ يعني : مالوا عن الإسلام يعني : اليهود { والصابئين } ؛ وقد ذكرناه من قبل ، { والنصارى والمجوس } ، يعني : عبدة النيران ، { والذين أَشْرَكُواْ } ؛ يعني : عبدة الأوثان والأديان ستة : فواحد لله تعالى ، والخمسة للشيطان . { إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ } ، يعني : يقضي ويحكم بينهم { يَوْمُ القيامة } ، يعني : بين هذه الأديان الستة؛ وقال بعضهم : إن الفاء مضمرة في الكلام ومعناه : فإن الله يفصل بينهم على معنى جواب الشرط؛ ويقال : جوابه في قوله : { فالذين كَفَرُواْ } .
ثم قال : { إِنَّ الله على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } ، من أعمالهم . ثم قال عز وجل : { أَلَمْ تَرَ } ، يعني : ألم تعلم؟ ويقال : ألست تعلم ، ويقال : ألم تخبر في الكتاب؟ { أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى * السموات } من الملائكة ، { وَمَن فِى الارض } من الخلق ، { والشمس والقمر والنجوم والجبال } . قال مقاتل : سجود هؤلاء حين تغرب الشمس تحت العرش؛ ويقال : سجودها دورانها { ***وَ } سجود { الشجر *** والدواب } ، إذا تحول ظل كل شيء فهو سجوده .
قوله : { وَكَثِيرٌ مّنَ الناس } ، أي المؤمنين . { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب } أي : بترك سجودهم في الدنيا ويقال { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب } بعدم الطاعة؛ ويقال : سجود الشجر ، أي هو سجود ظلّها ، ويقال : يسجد أي يخضع . وفيه آية الخلق ، فهو سجودهم . { وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } ، يعني : من قضى الله عز وجل عليه بالشقاوة ، فما له من مسعد . { إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء } ، يعني : يحكم ما يشاء في خلقه من الإهانة والإكرام .

(3/154)


هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)

قوله عز وجل : { هذان خَصْمَانِ } ، يعني : أهل دينين { اختصموا فِى رَبّهِمْ } ، يعني : احتجوا في دين ربهم . قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه نزلت هذه الآية في الذين بارزوا يوم بدر ، يعني : حمزة ، وعلي بن أبي طالب ، وعبيدة بن الحارث من المؤمنين رضي الله عنهم وشيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة من المشركين ، يعني : أن المؤمنين يخاصمون الكفار ويجاهدونهم ويقاتلونهم .
ثم بيَّن مصير كلا الفريقين بقوله : { فالذين كَفَرُواْ } ؛ وقال مجاهد : { هذان خَصْمَانِ } ، يعني : المؤمنين والكافرين اختصما في البعث ، فالكافرون { قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ } ، والمؤمنون يدخلون جنات تجري من تحتها الأنهار ، وقال عكرمة : { هذان خَصْمَانِ اختصموا } ، أي اختصمت الجنة والنار ، فقالت الجنة : خلقت للرحمة ، وقالت النار : خلقت للعذاب .
وروي عن ابن عباس أنه قال : { هذان خَصْمَانِ } ، وذلك أن اليهود قالوا : كتابنا ونبينا أفضل ، وقالت النصارى : ونبينا كان يحيي الموتى وهو أفضل من نبيكم ، فنحن أولى بالله؛ وقال المؤمنون : نحن آمنا بالله وبجميع الأنبياء عليهم السلام وبجميع الكتب ، وأنتم كفرتم ببعض الرسل وببعض الكتب ، فديننا أولى من دينكم ، فنزل : { هذان خَصْمَانِ } الآية؛ وقال : { هذان خَصْمَانِ اختصموا } ، ولم يقل اختصما ، لأن كل واحد من الخصمين جمع . قرأ ابن كثير { هذان } بتشديد النون ، والباقون بالتخفيف . وفي الآية دليل أن الكفر كله ملة واحدة ، لأنه ذكر ستة ملل من الأديان .
ثم قال : { هذان خَصْمَانِ } ثم بيَّن مصير كلا الفريقين ، فقال : { فالذين كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ } ، أي جحدوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، هيئت لهم ثياب أي قُمُصٌ من نار ، ويقال : نحاس . { يُصَبُّ مِن فَوْقِ * رُؤُوسَهُمْ ****الحميم } ؛ قال مقاتل : يضرب الملك رأسَه بالمقمع ، فيثقب رأسه . ثم يصب من فوق رؤوسهم الحميم ، الذي قد انتهى حَرُّهُ . { يُصْهَرُ } به ، يعني : يذاب به { مَا فِى بُطُونِهِمْ والجلود } ، يعني : تنضج الجلود فتسلخ . { وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } ، يضرب بها هامتهم ، { كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ } ، يعني : من الغم والشدة التي أدركته ، ضرب بمقمعة من حديد ، فيهوي بها كذلك . فذلك قوله : { غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا } ، أي ردوا إليها . { وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } ، أي المحرق ، يعني : يقال لهم : ذوقوا عذاب النار؛ وهذا الجزاء لأحد الخصمين .
ثم بين جزاء الخصم الآخر ، فقال عز وجل : { إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا } ، يعني : يلبسون في الجنة . { مِنْ أَسَاوِرَ } ، يعني : أقلبة . { مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً } . قرأ نافع وعاصم في رواية حفص { وَلُؤْلُؤاً } بالهمز والنصب ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر هكذا إلا أنه لم يهمز الواو الأولى؛ وقرأ الباقون بالهمز والكسر . فمن قرأ بالكسر ، فلأجل مِنْ ، ومن قرأ بالنصب فمعناه يحلون . لؤلؤاً نصب لوقوع الفعل عليه ، وهو اختيار أبي عبيد . ثم قال : { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } ، أي في الجنة . قوله عز وجل : { وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول } ، يعني : أرشدوا؛ ويقال : دعوا إلى قول التوحيد ، لا إله إلا الله ، ويقال : القرآن . { وَهُدُواْ إلى صراط الحميد } ، يعني : الطريق المحمود في أفعاله وهو دين الإسلام .

(3/155)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)

ثم قال عز وجل : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } يعني : أهل مكة . { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } ، يعني : صرفوا الناس عن دين الإسلام . { والمسجد الحرام } ؛ يعني : وعن المسجد الحرام . وهذه الآية مدنية ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج مع أصحابه من الحديبية ، منعهم المشركون عن المسجد الحرام . ثم وصف المسجد الحرام ، فقال : { الذى جعلناه لِلنَّاسِ سَوَاء } ، يعني : عاماً للمؤمنين جميعاً { العاكف فِيهِ والباد } ، يعني : سواء المقيم في الحرم ، ومن دخل مكة من غير أهلهما؛ ومعناه المقيم والغريب فيه سواء؛ ويقال : في تعظيمه وحرمته؛ ويقال : المسجد الحرام أراد به جميع الحرم المقيم وغيره ، في حق النزول سواء . وقال عمر رضي الله عنه : يا أهل مكة ، لا تتخذوا لدوركم أبواباً ، لينزل البادي حيث يشاء . ولهذا قال أبو حنيفة : إن بيع دور مكة لا يجوز . وفي إحدى الروايتين يجوز ، وهذا قول أبي يوسف ، والأول قول محمد . قرأ عاصم في رواية حفص { سَوَآء } بالنصب ، يعني : جعلناه سواء ، وقرأ الباقون { سَوَآء } بالضم على معنى الابتداء .
ثم قال : { وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ } ، وهو الظلم والميل عن الحق؛ ويقال : أصله ومن يرد فيه إلحاداً ، فزيد فيه الباء ، كما قال : { تَنبُتُ بالدهن } ، ويقال : من اشترى الطعام بمكة للاحتكار ، فقد ألحد . { بِظُلْمٍ } ، يعني : بشرك أو بقتل . { نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } ، أي مؤلم . قال الزجاج : الإلحاد في اللغة العدول عن القصد ، وقال مقاتل : نزلت الآية في عبد الله بن أنيس بن خطل القرشيّ ، وذلك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعث رجلين أحدهما مهاجريّ ، والآخر أنصاريّ ، فافتخرا في الأنساب ، فغضب عبد الله بن أنس ، فقتل الأنصاري ، ثم ارتد عن الإسلام ، وهرب إلى مكة . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة بقتله ، فقتل . قرأ أبو عمرو : { ***وَالبَادِي } بالياء عند الوصل ، وكذلك نافع في رواية ورش ، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر بغير ياء في الوصل والقطع ، وقرأ ابن كثير بالياء في الوصل والقطع . وهو الأصل في اللغة . ومن أسقطه ، لأن الكسر يدل عليه .

(3/156)


وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)

قوله عز وجل : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت } ، قال مقاتل : يعني : دللنا لإبراهيم موضع البيت ، فبناه مع إسماعيل عليهما السلام ولم يكن له أثر ولا أساس البيت ، لأن البيت كان أيام الطوفان مرفوعاً ، قد رفعه الله إلى السماء وهو البيت المعمور؛ وقال الكلبي : { وَإِذْ بَوَّأْنَا } أي جعلنا لإبراهيم مكان البيت يتكلم ، فيقول : بموضع البيت . جعله الله منزلاً لإبراهيم ، بعث الله تعالى سحابة على قدر البيت فيها رأس يتكلم ، فيقول : يا إبراهيم ، ابن على قدري وحيالي ، فأسس عليها البيت ، وذهبت السحابة . ثم بناه حتى فرغ منه ، فأوحى الله تعالى إليه : { أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً } ؛ وقال أبو قلابة : بناه من خمسة أجبل : حراء ، وثبير ، وطور سيناء ، ولبنان ، وجبل أحد؛ وقال الزجاج : { وَإِذْ بَوَّأْنَا } ، أي جعلنا مكان البيت مبوأ لإبراهيم . والمبوأ المنزل ، يعني أن الله تعالى علم إبراهيم عليه السلام مكان البيت ، فبناه على أسه القديم ، وكان البيت قد رفع إلى السماء . قال : ويروى أن البيت الأول كان من ياقوتة حمراء .
وروي عن ابن عباس أنه قال : رفع السماء إلى السادسة ، يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك ، وهو بحيال الكعبة . ثم قال؛ { وَطَهّرْ بَيْتِىَ } ، يعني : أوحى الله تعالى إلى إبراهيم أن طهر بيتي من النجاسات ومن عبادة الأوثان { لِلطَّائِفِينَ } ، يعني : لأجل الطائفين بالبيت من غير أهل مكة { والقائمين } ، يعني : المقيمين من أهل مكة { والركع السجود } ، يعني : أهل الصلاة بالأوقات من كل وجه .
ثم قال الله عز وجل : { وَأَذّن فِى الناس بالحج } ، يعني : ناد في الناس ، وذلك أن إبراهيم لما فرغ من بناء الكعبة ، أمره الله تعالى أن ينادي ، فصعد إبراهيم على أبي قبيس ونادى : يا أيها الناس ، أجيبوا ربكم . إن الله تعالى قد بنى بيتاً وأمركم بأن تحجوه؛ وقال مجاهد : فقام إبراهيم على المقام ، فنادى بصوت أسمع من بين المشرق والمغرب : يا أيها الناس ، أجيبوا ربكم ، فأجابوه من أصلاب الرجال : لبيك . قال : فإنما يحج من أجاب إبراهيم يومئذٍ؛ ويقال : التلبية اليوم جواب الله عز وجل من نداء إبراهيم عن أمر ربه ، فذلك قوله : { يَأْتُوكَ رِجَالاً } ، يعني : على أرجلهم مشاة { وعلى كُلّ ضَامِرٍ } ، يعني : على الإبل وغيرها . فلا يدخل بعيره ولا غيره الحرم ، إلا وقد ضمر من طول الطريق .
{ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ } ، أي من نواحي الأرض { عَميِقٍ } ، يعني : بعيد . وقال مجاهد : الفج الطريق ، والعميق البعيد ، وقال : إن إبراهيم وإسماعيل . عليهما السلام حجا ماشيين؛ وقال ابن عباس : ما آسى على شيء ، إلا أني وددت أني كنت حججت ماشياً ، لأن الله تعالى قال : { يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلّ ضَامِرٍ } . قال الفقيه أبو الليث : هذا إذا كان بيته قريباً من مكة؛ فإذا حج ماشياً ، فهو أحسن . وأما إذا كان بيته بعيداً ، فالركوب أفضل . وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال : الراكب أفضل ، لأن في المشي يتعب نفسه ويسوء خلقه . وإن كان الرجل يأمن على نفسه أن يصبر ، فالمشي أفضل ، لأنه روي في الخبر أن الملائكة عليهم السلام تتلقى الحاج ، فيسلمون على أصحاب المحامل ، ويصافحون أصحاب البعير والبغال والحمير ويعانقون المشاة .

(3/157)


لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)

ثم قال عز وجل : { لّيَشْهَدُواْ منافع لَهُمْ } ، يعني : الأجر في الآخرة في مناسكهم؛ ويقال : وليحضروا مناحرهم وقضاء مناسكهم . { وَيَذْكُرُواْ اسم الله } ، يعني : ولكي يذكروا الله { فِى أَيَّامٍ معلومات } ، يعني : يوم النحر ويومين بعده؛ وقال مجاهد وقتادة : المعلومات أيام العشر ، والمعدودات أيام التشريق؛ وقال سعيد بن جبير : كلاهما أيام التشريق؛ ويقال : المعلومات أيام النحر ، والمعدودات أيام التشريق ، وهو طريق الفقهاء وأشبه بتأويل الكتاب ، لأنه ذكر في أيام معلومات الذبح ، وذكر في أيام معدودات الذكر عند الرمي ، ورخص بتركه في اليوم الآخر بقوله : { واذكروا الله فى أَيَّامٍ معدودات فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتقى واتقوا الله واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [ البقرة : 203 ] .
ثم قال : { على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الانعام } ، يعني : ليذكروا اسم الله عند الذبح والنحر على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، وهو البقر والإبل والغنم . ثم قال : { فَكُلُواْ مِنْهَا } ، يعني : من لحوم الأنعام ، { وَأَطْعِمُواْ البائس الفقير } ؛ يعني : الضرير والزمن والفقير ، الذي ليس له شيء؛ وقال الزجاج : البائس الذي أصابه البؤس وهو الشدة .
قوله عز وجل : { ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ } ، يعني : مناسكهم؛ وقال مجاهد : التفث حلق الرأس وتقليم الأظفار . وروي عن عطاء ، عن ابن عباس وقال : التفث : الرمي ، والحلق ، والتقصير ، وحلق العانة ، ونتف الإبط ، وقص الأضافير ، والشارب ، والذبح . وروى نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنه قال : التفث : ما عليه من المناسك؛ وقال الزجاج : التفث ، لا يعرف أهل اللغة ما هو؛ وإنما عرفوا في التفسير ، وهو الأخذ من الشارب ، وتقليم الأظافر ، والأخذ من الشعر ، كأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال .
ثم قال : { وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } ، يقول : من كان عليه نذر في الحج والعمرة مما أوجب على نفسه من هدي أو غيره؛ فإذا نحر يوم النحر ، فقد أوفى بنذره . ثم قال : { وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق } ، يعني : طواف الزيارة ، بعدما حلق رأسه أو قصر؛ وقال مقاتل : { العتيق } يعني : عتقه في الجاهلية من القتل والسبي والجراحات ، وغيرها؛ وقال الحسن : { العتيق } يعني : القديم ، كما قال : { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى للعالمين } [ آل عمران : 96 ] ؛ وقال مجاهد : عتيق ، يعني : أعتق من الجبابرة ، ويقال : أعتق من الغرق يوم الطوفان؛ وهذا قول الكلبي؛ وقرأ حمزة والكسائي وعاصم : { لْيَقْضُواْ } بجزم اللام وكذلك { وَلْيُوفُواْ } ؛ وقرأ أبو عمرو الثلاثة كلها بالكسر ، بمعنى لام كي؛ وقرأ ابن كثير بكسر اللام الأولى خاصة . فمن قرأ بالجزم ، جعلها أمر الغائب؛ ومن قرأ بالكسر ، جعله خبراً عطفاً على قوله : { لّيَذْكُرُواْ } . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر { وَلْيُوفُواْ } بنصب الواو وتشديد الفاء ، وقرأ الباقون بالتخفيف من أوفى يوفي ، والأول من وفَّى يوفّي؛ ومعناهما واحد .

(3/158)


ثم قال عز وجل : { ذلك } ، يعني : هذا الذي ذكر من أمور المناسك . ثم قال : { وَمَن يُعَظّمْ حرمات الله } ، يعني : أمر المناسك كلها ، { فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبّهِ } ؛ يعني : أعظم لأجره ، { وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الانعام } ؛ يعني : الإبل والبقر والغنم وغيره . { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } في التحريم في سورة المائدة . { فاجتنبوا الرجس مِنَ الاوثان } ، يعني : اتركوا عبادة الأوثان ، { واجتنبوا } ؛ يعني : اتركوا { قَوْلَ الزور } ، يعني : الكذب؛ وهو قولهم : هذا حلال وهذا حرام؛ ويقال : معناه اتركوا الشرك؛ ويقال : اتركوا شهادة الزور .
ثم قال عز وجل : { حُنَفَاء للَّهِ } ، يعني : مخلصين مسلمين لله؛ ويقال : معناه كونوا مخلصين بالتلبية ، لأن أهل الجاهلية كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك ، إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك . ويقال : إن هذا القول بالزور الذي أمرهم الله باجتنابه . ثم قال : { غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السماء } ، أي وقع من السماء ، { فَتَخْطَفُهُ الطير } ، يعني : تختلسه الطير ، { أَوْ تَهْوِى بِهِ الريح } ، يعني : تذهب به الريح { فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ } ، يعني : بعيد؛ فكذلك الكافر في البعد من الله عز وجل؛ ويقال : معناه من يشرك بالله ، فقد ذهب أصله . وقال الزجاج : الخطف هو أخذ الشيء بسرعة ، فهذا مثل ضربه الله عز وجل للكافرين في بعدهم من الحق ، فأخبر أن بعد من أشرك من الحق ، كبعد من خر من السماء ، فذهبت به الطير وهوت به الريح في مكان { سَحِيقٍ } ، يعني : بعيد . قرأ نافع : { فَتَخْطَفُهُ الطير } بنصب الخاء والتشديد ، وقرأ الباقون بالجزم والتخفيف من خطف . ومن قرأ بالتشديد ، فلأن أصله فتخطفه فأدغم التاء في الطاء ، وألقيت حركة التاء على الخاء .

(3/159)


ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35)

ثم قال عز وجل : { ذلك } ، يقول هذا الذي أمر من اجتناب الأوثان . { وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله } ، يعني : البدن فيذبح أعظمها وأسمنها . وروي عن ابن عباس أنه قال : تعظيمها استعظامها ، وأيضاً استسمانها واستحسانها . ثم قال : { فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب } ، يعني : من إخلاص القلوب؛ ويقال : من صفاء القلوب ، وشعائر الله : معالم الله ودينه ، ندب الله إليها وأمر بالقيام بها ، وواحدها شعيرة .
قوله عز وجل : { لَكُمْ فِيهَا منافع } ، يعني : في البدن؛ وقال مجاهد : يعني : في ركوبها وشرب ألبانها وأوبارها . { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } ، يعني : إلى أجَلٍ مسمًّى بدناً ، فمحلها إلى البيت العتيق . وروي عن ابن عباس نحو هذا قول بعض الناس : إنه يجوز ركوب البدن؛ وقال أهل العراق : لا يجوز إلا عند الضرورة ، ويضمن ما نقصها الركوب ، وهذا القول أحوط الوجهين . { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق } ، يعني : منحرها في الحرم . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « جَمِيعُ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ » . ثم قال عز وجل : { وَلِكُلّ أُمَّةٍ } ، أي لكل أهل دين؛ ويقال : لكل قوم من المؤمنين فيما خلا ، { جَعَلْنَا مَنسَكًا } ؛ يعني : ذبحاً لهراقة دمائهم؛ ويقال : مذبحاً يذبحون فيه . قال الزجاج : معناه جعلنا لكل أمة أن تتقرب بأن تذبح الذبائح لله تعالى . قرأ حمزة والكسائي { مَنسَكًا } بكسر السين ، وقرأ الباقون بالنصب . فمن قرأ بالكسر ، يعني : مكان النسك؛ ومن قرأ بالنصب ، فعلى المصدر؛ وقال أبو عبيد : قراءتنا هي بالنصب لفخامتها .
ثم قال : { لّيَذْكُرُواْ اسم الله على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الانعام } ، يعني : يذكرون اسم الله تعالى عند الذبح . { فإلهكم إله واحد } ، أي ربكم رب واحد . { فَلَهُ أَسْلِمُواْ } ، يعني : أخلصوا بالتسمية عند الذبيحة وفي التلبية . { وَبَشّرِ المخبتين } ، يعني : المخلصين بالجنة؛ ويقال : { المخبتين } المجتهدين في العبادة والسكون فيها . قال قتادة : المخبتون المتواضعون؛ وقال الزجاج : أصله من الخبت من الأرض ، وهو المكان المنخفض من الأرض؛ ويقال : المخبت الذي فيه الخصال التي ذكرها الله بعده ، وهو قوله : { الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } ، يعني : خافت قلوبهم { والصابرين على مَا أَصَابَهُمْ } من أمر الله من المرازي والمصائب { الذين إِذَا } يعني : يقيمونها بمواقيتها ، { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } ؛ يعني : يتصدقون وينفقون في الطاعة . ثم ذكر البدن ، يعني : ينحرون البدن . فهذه الخصال الحسنة صفة المخبتين .

(3/160)


وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)

قوله عز وجل : { والبدن جعلناها لَكُمْ } ؛ قرأ بعضهم : { والبدن } بضم الدال والباء ، وقراءة العامة بسكون الدال والمعنى واحد . { مِن شَعَائِرِ الله } ، يعني : جعلنا البدن من مناسك الحج . { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } ، يعني : في نحرها أجر في الآخرة ومنفعة في الدنيا . { فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَافَّ } ، يعني : إذا نحرتم ، فاذكروا اسم الله عليها { صَوَافَّ } أي قائمة قد صفت قوائمها . والآية تدل على أن الإبل تنحر قائمة . وروي عن عبد الله بن عمر ، أنه أمر برجل قد أناخ بعيره لينحره ، فقال له : انحره قائماً ، فإنه صفة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم ، وروي عن ابن مسعود ، وابن عباس أنهما كانا يقرآن { فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا } ، والصوافن التي تقوم على ثلاثة قوائم ، إذا أرادوا نحره ، تعقل إحدى يديه فهو الصافن ، وجماعته صوافن؛ وقال مجاهد : من قرأ صوافن ، قال : قائمة معقولة . من قرأها صواف ، قال يصف بين يديها . وروي عن زيد بن أسلم أنه قرأ { ***صوافي } بالياء منتصبة ، ويقال : خالصة من الشرك؛ وروي عن الحسن مثله وقال : خالصة لله تعالى ، وهكذا روى عنهما أبو عبيدة ، وحكى القتبي عن الحسن قال : كان يقرأ { عَلَيْهَا صَوَافَّ } مثل قاض وغاز أي خالصة لله تعالى ، يعني : لا تشرك به في حال التسمية على نحرها .
ثم قال : { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } ، يعني : إذا ضربت بجنبيها على الأرض بعد نحرها ، يقال : وجب الحائط إذا سقط ، ووجب القلب إذا تحرك من الفزع؛ ويقال : وجب البيع إذا أبرم . { فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر } ، فالقانع الراضي الذي يقنع بما أعطي وهو السائل والمعتر الذي يتعرض للمسألة ولا يتكلم؛ ويقال : القانع المتعفف الذي لا يسأل ويقنع بما أرسلت إليه والمعتر : السائل الذي يعتريك للسؤال .
وقال الزهري : السنة أن يأكل الرجل من لحم أضحيته قبل أن يتصدق ، وروي عن عطاء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَتِه » . وروى منصور ، عن إبراهيم قال : كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم ، فرخص للمسلمين بقوله : { فَكُلُواْ مِنْهَا *** فَمَن شَاء ***** أَكَلَ *** وَمَن شَاء ***** لَمْ ***** يَأْكُلُ } . قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : والأفضل أن يتصدق بثلثه على المساكين ، ويعطي ثلثه للجيران والقرابة أغنياء كانوا أو فقراء ويمسك لنفسه ثلثه . وروي عن ابن مسعود نحو هذا . وروي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن القانع والمعتر ، فقال : القانع الذي يقنع بما أعطي ، والمعتر الذي يعتري بالأبواب ، قال : أما سمعت قول زهير :
عَلَى مُكْثريهمُ حَقُّ مَنِ يَعتَرِيهِم ... وَعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ وَالبَذْلُ

(3/161)


وقال مجاهد : القانع جارك وإن كان غنياً . ثم قال تعالى : { كذلك سخرناها لَكُمْ } ، أي ذللناها لكم وهي البدن . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، يعني : لكي تشكروا رب النعمة . قوله عز وجل : { لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا } ، وذلك أن أهل الجاهلية ، كانوا إذا نحروا البدن عند زمزم ، أخذوا دماءها ، ولطخوها حول الكعبة ، وعلقوا لحومها بالبيت ، وقالوا : اللهم تقبل منا . فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك ، فنزل : { لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا } ، يعني : لن يصل إلى الله عز وجل لحومها ولا دماؤها . { ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ } ، أي يصل إليه التقوى من أعمالكم الزاكية والنية الخالصة . قرأ الحضرمي : { لَن تَنَالُواْ *** الله } بالتاء ، لأن لفظ اللحوم مؤنثة ، ولكن تناله بالتاء ، لأن لفظ التقوى مؤنث ، وقراءة العامة بالياء ، وانصرف إلى المعنى ، لأن الفعل مقدم .
ثم قال : { كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ } ، يعني : ذلَّلها لكُم ، { لِتُكَبّرُواْ الله } ؛ يقول : لتعظموا الله { على مَا هَدَاكُمْ } ، يعني : أرشدكم لأمر دينه . { وَبَشّرِ المحسنين } بالجنة ، فمن فعل ما ذكر في هذه الآيات ، فهو محسن؛ ويقال : المحسن الذي يحسن الذبيحة فيختار بغير عيب .

(3/162)


إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)

قوله تعالى : { إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءامَنُواْ } ، يعني : يدفع كفار مكة عن الذين آمنوا ، فلا ينالون منهم شيئاً؛ وقال الزجاج : إذا فعلتم هذا وخالفتم أهل الجاهلية ، فيما يفعلون في نحرهم وإشراكهم ، فإن الله يدافع عن حزبه ، أي المؤمنين؛ ويقال : إن أهل مكة آذوا المسلمين قبل الهجرة ، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في قتالهم في السر ، فنهاهم الله عز وجل عند ذلك . ثم قال عز وجل : { إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءامَنُواْ } ، يعني : يدفع أذاهم عن المسلمين ، فأمرهم بالصبر . قرأ ابن كثير وأبو عمرو { إِنَّ الله } ، بغير ألف ، والباقون { الله يُدَافِعُ } بالألف ، من دافع يدافع ، بمعنى دفع . ثم قال : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } ، يعني : أثيم لأمانته ، كفور لربه ولنعمته؛ وقال أهل اللغة : الخوان الفعال من الخيانة ، وهو المبالغة في الخيانة ، فمن ذكر اسماً غير اسم الله وتقرب إلى الأصنام بذبيحته ، فهو خوان كفور .
قوله عز وجل : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يقاتلون } ، يعني : أذن للمؤمنين بقتال المشركين . { بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } ، يعني : أذن لهم بالقتال بسبب أنهم ظلموا . قرأ عاصم في رواية حفص { أَذِنَ } بضم الألف على معنى فعل ما لم يسم فاعله . أذن الله للذين يقاتلون بنصب التاء على معنى أنهم مفعولون ، وقرأ ابن عامر : { أَذِنَ } بنصب الألف على معنى أذن الله للذين يقاتلون بنصب التاء؛ وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو { أَذِنَ } بالضم { يقاتلون } بالكسر؛ وقرأ الباقون بالنصب . قرأ حمزة والكسائي وابن كثير { يقاتلون } بالكسر ثم قال : { وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } ، يعني : قادر ، وكان المشركون لا يزالون يؤذونهم باللسان وباليد ، فشكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فلما هاجروا ، أمروا بالقتال .
ثم أخبر الله عن ظلم كفار مكة ، فقال عز وجل : { الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقّ } ، يعني : بلا جرم أجرموا . { إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله } ، يعني : لم يخرج كفار مكة المؤمنين بسبب ، سوى أنهم كانوا يقولون : ربنا الله ، فأخرجوهم بهذا السبب ويقال : في الآية تقديم ومعناه { أُذِنَ لِلَّذِينَ يقاتلون } الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ، إلا أن يقولوا : ربنا الله : { وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } .
ثم قال : { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } بالجهاد و إقامة الحدود وكف الظلم؛ يقول : لولا أن يدفع المشركين بالمؤمنين ، لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين . { لَّهُدّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ } ؛ ويقال : ولولا دفع الله بالأنبياء وبالمؤمنين من غيرهم ، لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى . { وصلوات } ، يعني : كنائس اليهود ، { ومساجد } المسلمين . { يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً } ؛ وقال مجاهد : لولا دفع الله تعالى الناس بعضهم ببعض في الشهادة في الحق ، لهدمت هذه الصوامع ، وما ذكر معها .

(3/163)


وقال الزجاج : تأويل هذا ، ولولا أن دفع الله بعض الناس ببعض ، لهدمت في شريعة كل نبي المكان الذي يصلي فيه ، فكان معناه : لولا دفع الله ، لهدم في زمن موسى الكنائس ، وفي زمن عيسى البيع ، وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء المساجد . قرأ نافع : { وَلَوْلاَ *** عَبْدُ الله } بالألف ، والباقون بغير ألف؛ وقرأ ابن كثير ونافع { لَّهُدّمَتْ } بالتخفيف ، والباقون بالتشديد على معنى المبالغة والتكثير .
ثم قال : { وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ } ، يعني : لينصرن بالغلبة على عدوه من ينصره بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ويقال : لينصرن الله من ينصره ، يعني : ينصر الله من ينصر دينه بالغلبة ، كما قال في آية أخرى : { ياأيها الذين ءامنوا إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [ محمد : 7 ] . ثم قال : { إِنَّ الله لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ } ، أي منيع قادر على أن ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم بغير عونكم .
قوله عز وجل : { الذين إِنْ مكناهم فِى الارض } ، يعني : إن أنزلناهم بالمدينة ، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . قوله : { الذين إِنْ مكناهم فِى الارض أَقَامُواْ } ، يعني : بالتوحيد واتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، { وَنَهَوْاْ عَنِ المنكر } ؛ أي عن الشرك . { وَلِلَّهِ عاقبة الامور } ، يعني : لله ترجع عواقب الأمور ، يعني : عاقبة أمور العباد في الآخرة .

(3/164)


وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45)

قوله عز وجل : { وَإِن يُكَذّبُوكَ } ، يعني : إن يكذبوك يا محمد أهل مكة ، { فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } ؛ يعني : قبل قومك . { قَوْمُ نُوحٍ } كذبوا نوحاً ، { وَعَادٌ } كذبت هوداً ، { وَثَمُودُ } كذبوا صالحاً ، { وَقَوْمِ إبراهيم } كذبوا إبراهيم ، { وَقَوْمُ لُوطٍ } كذبوا لوطاً { وأصحاب مَدْيَنَ } كذبوا شعيباً ، { وَكُذّبَ موسى } يعني : كذبه قومه . { فَأمْلَيْتُ للكافرين } ؛ يعني : أمهلتهم . { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } ؛ يعني : عاقبتهم بعد المهل بالعذاب . { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } ؟ يعني : كيف رأيت تغييري وإنكاري عليهم؟ يعني : أليس قد وجدوا حقاً؟ فكذلك كفار مكة تصيبهم العقوبة ، كما أصابهم .
ثم قال عز وجل : { فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } ، يعني : وكم من أهل قرية { أهلكناها } ، يعني : أهلكنا أهلها ، { وَهِىَ ظالمة } ؛ يعني : كافرة . { فَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } ، يعني : ساقطة حيطانها على سقوفها { وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ } ، يعني : خالية ليس عندها ساكن ، { وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } ؛ يعني : طويلاً في السماء؛ ويقال : معناه كم من بئر معطلة ، عطلها أربابها وليس عليها أحد يستسقي ، وقصر مشيد يعني : كم من حصن طويل مشيد ليس فيه ساكن؛ ويقال : المشيد هو المبني بالشيد ، وهو الجص وهو المشيد المطول؛ ويقال : المشيد والمشيد سواء ، أي المطول . قرأ أبو عمرو : { ***أهلكتها } بالتاء ، وقرأ الباقون : { قَرْيَةٍ أهلكناها } بلفظ الجماعة ، وقرأ نافع في رواية ورش ، وأبو عمرو في إحدى الروايتين وبير بالتخفيف ، وهي لغة لبعض العرب؛ وقرأ الباقون بالهمز ، وهي اللغة المعروفة .

(3/165)


أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)

ثم قال عز وجل : { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الارض } ؛ يعني : أو لم يسافروا في الأرض فيعتبروا . { فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } ، يعني : فتصير لهم قلوب بالنظر والعبرة يعقلون بها ، { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الارض } التخويف . { فَإِنَّهَا } ، أي النظرة بغير عبرة؛ ويقال : كلمة الشرك . { لاَ تَعْمَى الابصار ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور } ، يعني : العقول التي في الصدور؛ وذكر الصدر للتأكيد .
ثم قال عز وجل : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب } ؛ وهو النضر بن الحارث . { وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ } في العذاب . { وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ } ، يعني : إن يوماً من الأيام التي وعد لهم في العذاب عند ربك في الآخرة ، { كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } في الدنيا . ثم بيَّن لهم العذاب في الآخرة ، حيث قال : { وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ } ، ووصف طول عذابهم؛ ويقال : إنه أراد بذلك قدرته عليهم بحال استعجالهم ، أنه يأخذهم متى شاء . قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي { مّمَّا * يَعْدُونَ } بالياء ، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة .
ثم قال عز وجل : { وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا } ، فلم أعجل عليها العقوبة . { وَهِىَ ظالمة } ، أي كافرة . { ثُمَّ أَخَذْتُهَا } بالعذاب ، ولكن لم يذكر العذاب لأنه سبق ذكره . ثم قال : { وَإِلَىَّ المصير } ، يعني : المرجع في الآخرة .
قوله عز وجل : { قُلْ يأَيُّهَا الناس إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } ، يعني : رسول مبين أبلغكم بلغة تعرفونها . { فالذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } ، يعني : الطاعات ، { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم ، { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } حسن في الجنة . { والذين سَعَوْاْ فِى ءاياتنا } ، يعني : عملوا في القرآن بالتكذيب { معاجزين } . قرأ ابن كثير وأبو عمرو : { معاجزين } بغير ألف والتشديد في جميع القرآن ، والباقون بالألف والتخفيف . فمن قرأ : { معاجزين } ، أي يعجزون من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم ويثبطونهم ، ومن قرأ : { معاجزين } ، أي ظانين أنهم يعجزوننا ، لأنهم يظنون أنهم لا يبعثون . وقيل : { معاجزين } أي معاندين ، ومعناه ليسوا بفائتين . { أولئك أصحاب الجحيم } ، يعني : النار .

(3/166)


وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)

قوله عز وجل : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تمنى } ، يعني : حدث نفسه ، { أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ } ؛ أي في حديثه؛ ويقال : تمنى أي قرأ ، كما قال القائل :
تَمَنَّى كِتَابَ الله أوَّلَ لَيْلِه ... وَآخِرَهُ لاَقَى حِمَامَ المَقَادِرِtd>
وقال آخر :
تَمَنَّى دَاوُدُ الزَّبُورَ عَلَى الرِّسْلِp> > أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ p> > ... أي في تلاوته : { فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِى الشيطان } ، يعني : يذهب الله به ويبطله . { ثُمَّ يُحْكِمُ الله ءاياته } ، يعني : بيَّن الله عز وجل الناسخ من المنسوخ . قال ابن عباس في رواية أبي صالح : أتاه الشيطان في صورة جبريل ، وهو يقرأ سورة { والنجم إِذَا هوى } ( النجم 1 ) عند الكعبة ، حتى انتهى إلى قوله : { أَفَرَءَيْتُمُ اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى } [ النجم : 19 ، 20 ] ، ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ، فلما سمعه المشركون يقرأ ذلك ، أعجبهم : فلما انتهى إلى آخرها ، سجد وسجد المشركون معه والمسلمون . فأتاه جبريل عليه السلام فقال : ما جئتك بهذا . فنزل : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ } الآية .
وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس نحو هذا قال : حدّثنا الخليل بن أحمد قال : حدّثنا إبراهيم بن محمد قال : حدّثنا جعفر بن زيد الطيالسي قال : حدّثنا إبراهيم بن محمد قال : حدّثنا أبو عاصم ، عن عمار بن الأسود ، عن سعيد بن جبير ، وعن ابن عباس قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومناة الثالثة الاخرى } ثم قال : تلك الغرانيق العلى وإن الشفاعة منها ترتجى ، فقال المشركون : قد ذكر آلهتنا . فنزلت الآية .
وقال مقاتل : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم والنجم بمكة عند مقام إبراهيم ، فنعس ، فقرأ تلك الغرانيق العلى . فلما فرغ من السورة ، سجد وسجد من خلفه فنزل { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ } ؛ وقال قتادة : لما ألقى الشيطان ، ما ألقى ، قال المشركون : قد ذكر الله آلهتنا بخير ففرحوا بذلك؛ فذلك قوله : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فى أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِى الشيطان ثُمَّ يُحْكِمُ الله ءاياته والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشيطان فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والقاسية قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظالمين لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } [ الحج : 52/53 ] .
روى أسباط ، عن السدي ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقرأ سورة النجم ، فلما انتهى إلى قوله : { ومناة الثالثة الاخرى } [ النجم : 20 ] فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ، حتى بلغ إلى آخر السورة ، سجد وسجد أصحابه وسجد المشركون لذكره آلهتهم . فلما رفع رأسه ، حملوه وأسندوا به بين قطري مكة؛ حتى إذا جاءه جبريل عليه السلام عرض عليه ، فقرأ عليه الحرفين ، فقال جبريل عليه السلام معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا واشتد عليه ، فأنزل الله تعالى لتطييب نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبره أن الأنبياء عليهم السلام قبله قد كانوا مثله .

(3/167)


ويقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وجلس عنده جماعة من المشركين ، فتمنى في نفسه أن لا يأتيه من الله شيء ينفرون منه ، فابتلاه الله تعالى بما ألقى الشيطان في أمنيته؛ وقال بعضهم : تمنى : أي تفكر وحدث تلك الغرانيق العلى ، ولم يتكلم به ، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم كان حجة ، فلا يجوز أن يكون يجري على لسانه كلمة الكفر . وقال بعضهم : لما رآه الشيطان يقرأ ، خلط صوته بصوت النبي صلى الله عليه وسلم : فقرأ الشيطان : تلك الغرانيق ، فظن الناس أنه قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن قرأها؛ وقال بعضهم : قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التعيير والزجر ، يعني : أنكم تعبدونها كأنهن الغرانيق العلى ، كما قال إبراهيم عليه السلام { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْألُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } [ الأنبياء : 63 ] وقال الزجاج : ألقى الشيطان في تلاوة؛ فذلك محنة يمتحن الله تعالى بها من يشاء؛ فجرى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم شيء من صفة الأصنام ، فافتتن بذلك أهل الشقاوة والنفاق . وروي عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار : أن ابن عباس كان يقرأ ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث ) والمحدث الذي يرى أمره في منامه من غير أن يأتيه الوحي .
ثم قال : { والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، أي عليم بمَا ألقى الشيطان { حَكِيمٌ } حكم بالناسخ . وبيّن قوله عز وجل : { لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشيطان فِتْنَةً } ، يعني : بلية { لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } ، أي شك ، { والقاسية قُلُوبُهُمْ } ؛ يعني : الذين قست قلوبهم عن ذكر الله وهم المشركون . { وَإِنَّ الظالمين لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } ، عن الحق؛ يعني : المشركين في خلاف طويل عن الحق .
ثم ذكر المؤمنين فقال : { وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم } ، يعني : الذين أكرموا بالتوحيد والقرآن؛ ويقال : هم مؤمنو أهل الكتاب . { أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ } ، يعني : القرآن . { فَيُؤْمِنُواْ بِهِ } ، أي فيصدقوا به؛ ويقال : لكي يعلموا أن ما أحكم الله في آياته حق ، وأن ما ألقى الشيطان باطل ، ويزداد لهم يقين وبيان ، فذلك قوله : { فَيُؤْمِنُواْ بِهِ } ، أي يثبتوا على إيمانهم . { فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ } ، يعني : فتخلص له قلوبهم . { وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ } ، يعني : إن الله عز وجل لحافظ قلوب المؤمنين في هذه المحنة ، حتى لم ينزع المعرفة من قلوبهم عند إلقاء الشيطان

(3/168)


وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)

{ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ } ، أي في شك منه ، يعني : من القرآن . { حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً } ، يعني : فجأة ، { أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } لا فرح فيه ولا راحة ولا رحمة ولا رأفة ، وهو عذاب يوم القيامة؛ وقال السدي وقتادة : { يَوْمٍ عَقِيمٍ } ؛ يوم بدر؛ ويقال : إنما سمي يوم عقيم ، لأنه أعقم كثيراً من النساء؛ وقال عمرو بن قيس : { يَوْمٍ عَقِيمٍ } يوم القيامة يوم ، ليس له ليلة ولا بعده يوم . والعقيم أصله في اللغة المرأة التي لا تلد؛ وكذلك رجل عقيم ، إذا كان لا يولد له؛ وكذلك كل شيء لا يكون فيه خير ، يعني : لا يكون للكافرين خير في يوم القيامة ، كما قال الله تعالى : { عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ } [ المدثر : 10 ] ثم وصف ذلك اليوم ، فقال عز وجل : { الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ } لا ينازع فيه أحد { يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } ، يعني : يقضي بين الخلق لا حاكم في ذلك اليوم غيره . ثم قال : { فالذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } ، يعني : أن حكمه في يوم القيامة أن المؤمنين { فِي جنات النعيم } .
قوله عز وجل : { الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا * فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ، يعني : الشدة . ثم قال عز وجل : { والذين هاجروا } ، وذلك أن المسلمين قاتلوا فاستشهدوا { فِى سَبِيلِ الله } ، فقال الذين لم يستشهدوا : وهل لنا أجر؟ فنزل : { والذين هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ الله } ، يعني : في طاعة الله من مكة إلى المدينة . { ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقاً حَسَناً } ، يعني : يرزقهم الغنيمة في الدنيا لمن لم يموتوا ولم يقتلوا . { وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرزقين } ، يعني : أفضل الرازقين وأقوى المعطين . { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ } ، يعني : الجنة إذا قتلوا وماتوا . { وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ * حَكِيمٌ } ، حيث لم يعجل بالعقوبة؛ وهذه الآية مدنية .

(3/169)


ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)

قوله عز وجل : { ذلك وَمَنْ عَاقَبَ } ؛ قال مقاتل : وذلك أن مشركي العرب لقوا المسلمين في الشهر الحرام ، فكره المسلمون القتال ، فقاتلهم المشركون فبغوا عليهم ، فنصر الله المسلمين عليهم . فوقع في أنفس المؤمنين من القتال في الشهر الحرام ، فنزل : { ذلك وَمَنْ عَاقَبَ } ؛ يقول : هذا جزاء من عاقب { بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } ؛ وقال بعضهم : ذلك يعني : ما وصفنا من صفة أهل الجنة وأهل النار ، فهو كذلك . فقد تم الكلام { وَمَنْ عَاقَبَ } ابتداء الكلام بمثل ما عوقب به في الدنيا؛ وقال الكلبي : الرجل يقتل وله الحميم ، فله أن يقتل به قاتله .
{ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ الله } على من بغى عليه؛ ويقال : إذا زاد على القتل لينصرنه الله؛ ويقال : إن الرجل إذا وجب له القصاص ، فله أن يقتل أو يأخذ الدية . فإن أخذ أكثر من حقه بالقتل وأخذ الدية { ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ } ، أي ظلم عليه ، يعني : غضب عليه أولياء المقتول باستيفاء حقه ، فجنوا عليه؛ لينصرنه الله ، أي له أن يطلب بجنايته؛ ويقال له : إذا ظلم على ولي المقتول بالاستطالة بالقتل ، أو بأخذ الدية لينصرنه الله بأخذ حقه . { إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } بقتالهم .
ثم قال عز وجل : { ذلك } ، يعني : ذلك القدرة { ذلك بِأَنَّ الله يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى اليل وَأَنَّ الله سَمِيعٌ } . ثم قال : { ذلك } ، يعني : هذا الذي ذكر من صفته وقدرته ، { بِأَنَّ الله } ؛ يعني : لعلموا أن الله { هُوَ الحق } ، وأن عبادته الحق ، { وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الباطل } ؛ ولا يقدرون على شيء . { وَأَنَّ الله هُوَ العلى الكبير } ؛ يعني : هو أعلى وأكبر من أن يعدل به الباطل . قرأ ابن عامر : { ثُمَّ قُتِلُواْ } بالتشديد ، وقرأ الباقون بالتخفيف ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ } بالياء بلفظ المغايبة ، وقرأ الباقون بالتاء ، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً } بنصب الميم ، وقرأ الباقون بالضم .

(3/170)


أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71)

ثم قال عز وجل : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } ، يعني : المطر . { فَتُصْبِحُ الارض مُخْضَرَّةً } ، يعني : تصير الأرض مخضرة بالنبات؛ ويقال : ذات خضرة . { إِنَّ الله لَطِيفٌ } باستخراج النبات ، { خَبِيرٌ } ؛ أي عليم به وبمكانه . ثم قال عز وجل : { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض } من الخلق . { وَإِنَّ الله لَهُوَ الغنى } عن الخلق وعن عبادتهم ، { الحميد } ؛ يعني : المحمود في أفعاله .
قوله عز وجل : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُم } ، يعني : ذلل لكم { مَّا فِى الارض والفلك تَجْرِى } ، يعني : تسير { فِى البحر بِأَمْرِهِ } ، يعني : بإذنه . وروي عن عبد الرحمن الأعرج أنه قرأ : { الفلك } بضم الكاف على معنى الابتداء ، وقراءة العامة بالنصب لوقوع التسخير عليها ، يعني : سخر لكم الفلك؛ ويقال صار نسباً بمنطلق على أن تعني أن الفلك تجري .
ثم قال : { وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ عَلَى الارض } ، يعني : لكيلا تقع على الأرض؛ ويقال : كراهية أن تقع على الأرض ، { إِلاَّ بِإِذْنِهِ } ، يعني : بأمره يوم القيامة . { إِنَّ الله بالناس *** لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ، يعني : رحيم مع شركهم ومعصيتهم ، حيث يرزقهم في الدنيا ولم يعاقبهم في العاجل . ثم قال عز وجل : { وَهُوَ الذى أَحْيَاكُمْ } ، يعني : خلقكم ولم تكونوا شيئاً ، { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } في الدنيا ، { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } للبعث . { إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ } ، أي كفور لنعمه لا يشكره ولا يطيعه .
قوله عز وجل : { لِكُلّ أُمَّةٍ } ، يعني : لكل قوم { جَعَلْنَا مَنسَكًا } ، يعني : مذبحاً . { هُمْ نَاسِكُوهُ } ، يعني : ذابحوه؛ وفي منسك من الاختلاف ما سبق . { فَلاَ ينازعنك فِى الامر } ، لا يخالفنك في أمر الذبيحة . نزلت في قوم من خزاعة قالوا : ما ذبح الله ، فهو أحل مما ذبحتم؛ وقال الزجاج : المعنى فيه ، أي فلا يجادلنك ولا تجادلهم ، والدليل عليه وإن جادلوك؛ ويقال : فلا ينازعنك في الأمر ، يعني : لا يغلبونك في المنازعة . { وادع إلى رَبّكَ } ، يعني : ادع الخلق إلى معرفة ربك ، وإلى توحيد ربك . { إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ } ، يعني : على دين مستقيم .
قوله عز وجل : { وَإِن جادلوك } ، يعني : إن حاججوك في أمر الذبيحة والتوحيد ، { فَقُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } ؛ يعني : عالماً بأعمالكم فيجازيكم ، وذلك قوله : { الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } ، يقضي بينكم { يَوْمَ القيامة فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من الدين والذبيحة . قال عز وجل : { أَلَمْ تَعْلَمْ } يا محمد ، { أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى *** السموات والارض *** إِنَّ ذلك فِى كتاب } ، يعني : إن ذلك العلم مكتوب في اللوح المحفوظ .
{ إِنَّ ذلك فِى كتاب } يعني : إن كتابته . { عَلَى الله يَسِيرٌ } ، يعني : هين حال حفظه على الله ، أي كتابته على الله يسير . ثم قال عز وجل : { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } ، يعني : عذر ولا حجة . قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين { مَا لَمْ يُنَزّلْ } بالتخفيف ، والباقون بالتشديد . { وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } ، يعني : ليس لهم بذلك حجة من المعقول . { وَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ } ، أي مانع يمنعهم من العذاب .

(3/171)


وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)

ثم قال عز وجل : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ } ، يعني : يعرض عليهم القرآن . { تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر } ، يعني : الغم والحزن والكراهية . { يكادون يَسْطُونَ } ، أي هموا لو قدروا يضربون ويبطشون أشد البطش { بالذين يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءاياتنا } ، يعني : يقرؤون عليهم القرآن؛ وقال القتبي : { يَسْطُونَ } أي يتناولونهم بالمكروه من الضرب والشتم؛ ويقال : { يَسْطُونَ } يعني : يفرطون عليهم ، والسطوة العقوبة .
{ قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلكم النار } ، يعني : بأشد وأسوأ من ضربكم وبطشكم؛ ويقال : إنهم كانوا يعيرون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ببذاذة حالهم ورثاثتها . قال الله تعالى : قل لهم يا محمد : أفأنبئكم بشر من ذلك يعني : مما قلتم للمؤمنين؟ قالوا : ما هي؟ قال : النَّارُ . { وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ } يعني : للكافرين . قوله : { وَبِئْسَ المصير } صاروا إليه . قوله عز وجل : { المصير يأَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ } يعني : بين ووصف شبه به لآلهتكم ، أي أجيبوا عنه؛ وقال بعضهم : ليس هاهنا مثل ، وإنما أراد به قطع الشغب لأنهم كانوا يقولون : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [ فصلت : 26 ] ، فقال : يا أيها الناس ضرب مثل ، فاصغوا إليه استماعاً للمثل . فأوقع في أسماعهم عيب آلهتهم ، فقال : { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } ، ويقال مثلكم مثل من عبد آلهة ، { لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } ، أي يقدروا على خلق الذباب؛ ويقال : المثل في الآية لا غير ، وهو قوله : { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } ، أي لن يقدروا أن يخلقوا ذباباً من الذباب في المثل . { وَلَوِ اجتمعوا لَهُ } ، أي على تخليقه .
ثم ذكر من أمرها ما هو أضعف من خلق الذباب ، فقال : { وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً } ، وذلك أنَّهم كانوا يلطخون العسل على فم الأصنام ، فيجيء الذباب فيسلب منها ما لطخوا عليها . { لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ } ، أي لا يقدرون أن يستنقذوا من الذباب ما أخذ منهم . { ضَعُفَ الطالب والمطلوب } ، يعني : الذباب والصنم؛ ويقال : ضعف العابد والمعبود .

(3/172)


مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)

قوله عز وجل : { مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } ، أي ما عظموا الله حق عظمته ، حين أشركوا به غيره ولم يوحدوه؛ ويقال : ما وصفوه حق صفته؛ ويقال : ما عرفوه حق معرفته كما ينبغي . وقال ابن عباس : نزلت الآية في يهود المدينة ، حين قالوا : خلق السموات والأرض في ستة أيام ، ثم استلقى فاستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى ، وكذب أعداء الله ، فنزل { مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } . { إِنَّ الله لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ } ، أي قوي في أمره ، { عَزِيزٌ } ؛ يعني : منيع في ملكه ، ومعبودهم لا قوة له ولا منفعة؛ ويقال : إن الله لقوي على عقوبة من جعل له شريكاً ، عزيز للانتقام منهم .
قوله عز وجل : { الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلاً } ؛ قيل : جبريل ، وإسرافيل ، وميكائيل ، وملك الموت ، والحفظة الذين يكتبون أعمال بني آدم . { وَمِنَ الناس } ، يعني : ويختار من الناس مثل ، منهم محمد ، وعيسى ، وموسى ، ونوح عليهم السلام فجعلهم أنبياء ورسلاً إلى خلقه . { إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ } ، سميع لمقالتهم ، بصير بمن يتخذه رسولاً؛ وذلك أن الوليد بن المغيرة قال : أأنزل عليه الذكر من بيننا؟ فأخبر الله تعالى أنه سميع مقالة من يكفر ، بصير بمن يصلح للرسالة فيختاره ويجعله رسولاً .
ثم قال عز وجل : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ، يعني : من أمر الآخرة وأمر الدنيا . { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور } ، يعني : عواقب الأمور في الآخرة؛ ويقال : معناه منه بدأ وإليه يرجع . قوله عز وجل : { الامور يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اركعوا واسجدوا } ، يعني : صلوا لله تعالى؛ وقال : بعض الناس يسجد في هذا الموضع ، يذكر ذلك عن عمر وابن عمر؛ وروي عن ابن عباس أنه قال : السجدة في الحج في الأولى منهما ، وهذا قول أهل العراق ، لأن السجدة سجدة الصلاة ، بدليل أنها مقرونة بالركوع . معناه : اركعوا واسجدوا في الصلوات المفروضات والتطوع؛ وروي عن ابن عباس أنه قال : أول ما أسلموا ، كانوا يسجدون بغير ركوع ، فأمرهم الله تعالى بأن يركعوا ويسجدوا . ثم قال : { وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ } ، أي وحدوه وأطيعوه ، { وافعلوا الخير } ؛ أي أكثروا من الطاعات والخيرات ما استطعتم ، وبادروا إليها؛ ويقال : التسبيحات . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ، يعني : تنجون من عذاب الله تعالى .
قوله عز وجل : { وجاهدوا فِى الله حَقَّ جهاده } ، يعني : اعملوا لله عز وجل حق عمله؛ ويقال : جاهدوا في طاعة الله عز وجل وطلب مرضاته؛ وقال الحسن : { حَقَّ جهاده } أن تؤدي جميع ما أمرك الله عز وجل به ، وتجتنب جميع ما نهاك الله عنه ، وأن تترك رغبة الدنيا لرهبة الآخرة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً سأله ، فقال : أي الجهاد أفضل؟ فقال : كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ السُّلْطَانِ .

(3/173)


ثم قال : { هُوَ اجتباكم } ، يعني : اختاركم واصطفاكم . { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } ، يعني : في الإسلام من ضيق ، ولكن جعله واسعاً ولم يكلفكم مجهود الطاقة ، وإنما كلفكم دون ما تطيقون؛ ويقال : وضع عنكم إصركم والأغلال التي كانت عليكم؛ ويقال : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } وهو ما رخص في الإفطار في السفر ، والصلاة قاعداً عند العلة؛ وقال قتادة : أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم يعطها إلا نبي ، كان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم : اذهب فليس عليك من حرج ، وقال لهذه الأمة { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } ؛ وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم : أنت شهيد على قومك ، وقال لهذه الأمة : { وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } ؛ وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم : سل تعط ، وقال لهذه الأمة : { وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين } [ غافر : 60 ] .
ثم قال : { مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم } ، قال الزجاج : إنما صار منصوباً ، لأن معناه اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم . قال : وجائز أن يكون وافعلوا الخير فعل أبيكم إبراهيم؛ ويقال : معناه { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } ولكن جعل لكم ملة سمحة سهلة كملة أبيكم إبراهيم . { هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ } ، يعني : الله تعالى سماكم المسلمين؛ ويقال : إبراهيم سماكم ، أي من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن؛ ويقال : إبراهيم سماكم المسلمين يا أمة محمد؛ والطريق الأول أصح ، لأنه قال : من قبل هذا القرآن . { وَفِى هذا } ، يعني : القرآن ، الله سماكم المسلمين في سائر الكتب من قبل هذا القرآن . وفي هذا القرآن ، { لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ } ؛ يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم على أمته بأنه بلغهم الرسالة بالتصديق لهم { وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } ؛ يعني : على سائر الأمم أن الرسل قد بلغتهم؛ وقال مقاتل : { وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } ، يعني : للناس ، يعني : للرسل على قومهم ، كقوله : وما ذبح على النصب أي المنصب .
ثم قال : { فَإِذَا قَضَيْتُمُ } ، يعني : أقروا بها وأتموها ، { وَإِذْ أَخَذْنَا } ؛ يعني : أقروا بها وأدوها . ثم قال : { واعتصموا بالله } ، يعني : وثقوا بالله إذا فعلتم ذلك ، ويقال : معناه تمسكوا بتوحيد الله ، وهو قول لا إله إلا الله . { هُوَ مولاكم } ، أي وليكم وناصركم وحافظكم . { فَنِعْمَ المولى } ، يعني : نعم الحافظ ، { وَنِعْمَ النصير } ؛ يعني : نعم المانع لكم برحمته؛ والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليماً كثيراً .

(3/174)


قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)

قال : حدثنا الفقيه أبو الليث . رحمه الله : حدثنا أبو جعفر قال : حدثنا أبو بكر بن أبي سعيد قال : حدثنا محمد بن علي بن طرخان قال : حدثنا أبو بكر قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن يونس بن سليم ، عن زيد الأيلي ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عبد الرحمن بن عيد القارىء ، عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ :
{ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } إلى عشر آيات ، وروي عن كعب الأحبار قال : إن الله تعالى ، لما خلق الجنة ، قال لها : تكلمي ، فقالت : { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } . وروي عن غيره . أنها قالت : أنا حرام على كل بخيل ومرائي؛ وروي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو هذا . وقوله : { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } ؛ أي سعد وفاز ونجا المصدقون بإيمانهم ، ثم نعتهم ووصف أعمالهم ، فقال : { الذين هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خاشعون } ، يعني : متواضعين؛ وقال الزهري : سكون المرء في صلاته ، لا يلتفت يميناً ولا شمالاً؛ وقال الحسن البصري : أي خائفون؛ وروي عنه أنه قال : { خاشعون } الذين لا يرفعون أيديهم في الصلاة إلا في التكبيرة الأولى؛ وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : الخشوع في الصلاة ، أن لا تلتفت في صلاتك يميناً ولا شمالاً وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان إذا قام في الصلاة ، رفع بصره إلى السماء ، فلما نزلت هذه الآية ، رمى بصره نحو مسجده؛ وروي عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة ، فقال : « لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ » . ثم قال عز وجل : { والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ } ، يعني : الحلف والباطل من الكلام تاركون . قال قتادة : كل كلام أو عمل لا يحتاج إليه فهو لغو؛ ويقال الذين هم عن الشتم والأذى معرضون ، كقوله عز وجل : { والذين لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } [ الفرقان : 72 ] . ثم قال : { والذين هُمْ للزكواة فاعلون } ، يعني : مؤدون . { والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون } عن الفواحش وعن ما لا يحل لهم . ثم استثنى ، فقال : { إِلاَّ على أزواجهم } ، يعني : على نسائهم الأربع ، وذكر عن القراءة أنه قال ، على بمعنى من يعني : إلا من نسائهم مثنى وثلاث ورباع . { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } ، يعني : الإماء ، { فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } ، لا يلامون على الحلال . { فَمَنِ ابتغى وَرَاء ذلك } ، يعني : طلب بعد ذلك ما سوى نسائه وإِمائه ، { فَأُوْلَئِكَ هُمُ العادون } ، يعني : المعتدين من الحلال إلى الحرام؛ ويقال : وأُولئك هم الظالمون الجائرون الذين تعمدوا الظلم .

(3/175)


{ والذين هُمْ لاماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون } ، يعني : ما ائتمنوا عليه من أمر دينهم ، مما لا يطلع عليه أحد ومما يأتمن الناس بعضهم بعضاً . { وَعَهْدِهِمْ } ، يعني : وفاء بالعهد راعون ، يعني : حافظين . وأصل الرعي في اللغة ، القيام على إصلاح ما يتولاه . قرأ ابن كثير { والذين هُم } بلفظ الوحدان ، وقرأ الباقون بلفظ الجمع ، يعني : بيع الأمانات .
ثم قال عز وجل : { قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } ، يعني : على المواقيت يحافظون ، لا تشغلهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، ويتمونها بركوعها وسجودها . قرأ حمزة والكسائي { على صَلاَتِهِمْ } بلفظ الوحدان ، وقرأ الباقون { صلواتهم } بلفظ الجماعة ، ومعناهما واحد ، لأن الصلاة اسم جنس يقع على الواحد والأكثر ، فهذه الخصال صفة المؤمنين المخلصين في أعمالهم .
ثم بين ثوابهم ، فقال عز وجل : { أُوْلَئِكَ هُمُ الوارثون } ، يعني : النازلين . ثم بيّن ما يرثون ، فقال : { الذين يَرِثُونَ الفردوس } ، وهي البساتين بلغة الروم عليها حيطان ، ويقال : لم يكن أحد من أهل الجنة إلا وله نصيب في الفردوس ، لأن هناك كلها بساتين وأشجار؛ ويقال : { أُوْلَئِكَ هُمُ الوارثون } ، يعني : يرثون المنازل التي للكفار في الجنة؛ وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقال : الفردوس البستان الحسن . { هُمْ فِيهَا خالدون } ، يعني : في الجنة دائمون؛ وقال القتبي : حدثني أبو حاتم السجستاني قال : كنت عند الأخفش ، وعنده الثوري ، فقال : يا أبا حاتم ، ما صنعت بكتاب المذكر والمؤنث؟ قلت : قد عملت شيئاً . فقال : ما تقول في الفردوس؟ قلت : مذكر . قال : فإن الله يقول : { هُمْ فِيهَا خالدون } . قلت : أراد الجنة ، فأنث . فقال : يا غافل ، أما تسمع الناس يقولون أسألك الفردوس الأعلى؟ فقلت : يا نائم ، إنما الأعلى هاهنا أفعل وليس بفعلى .

(3/176)


وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)

قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } ، يعني : آدم . قال الكلبي ومقاتل : السلالة إذا عصر الطين؛ يسيل الطين والماء بين أصابعه؛ وقال الكلبي : خلقنا الإنسان يعني : ابن آدم من نطفة سُلَّت تلك النطفة من طين ، والطين آدم عليه السلام والنطفة ما يخرج من صلبه فيقع في رحم المرأة؛ وقال الزجاج : { سلالة مّن طِينٍ } ، أي من طين آدم ، والسلالة القليل من أن ينسل . وكل مبني على فعالة ، فهو يراد به القليل ، مثل النخالة ، والنطفة سلالة . وإنما سميت النطفة سلالة ، لأنها تنسل من بين الصلب والترائب . ثم جعلناه { نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } ، يعني : في مكان حريز حصين . { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } ، أي حولنا الماء دماً ، { فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً } ، أي حولنا الدم مضغة ، { فَخَلَقْنَا المضغة عظاما } ؛ أي خلقنا في المضغة عظاماً؛ { فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً ثُمَّ أنشأناه خَلْقاً ءاخَرَ } . قال عكرمة وأبو العالية والشعبي : معناه نفخ فيه الروح .
وروى الأخفش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الله بن مسعود أنه قَالَ : «إِنَّ خَلْقَ أَحَدكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْل ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَبْعَثُ الله عز وجل مَلَكاً ، فَيُأْمَرُ بأنْ يَكْتُبَ أَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ، فَهِيَ أَرْبَعُ كَلِمَاتٍ . ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» .
وروي ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله : { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } قال : نفخ فيه الروح ، وروى ابن نجيح ، عن مجاهد : { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } قال : حين استوى شاباً؛ وروى معمر ، عن قتادة : { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } ، قال : هو نبات الشعر والأسنان ، وقال بعضهم : هو نفخ الروح؛ ويقال : ذكراً أو أنثى؛ ويقال : معناه { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } ، يعني : الجلد . وروي عن عطاء ، عن ابن عباس أنه قال : ينفخ فيه الروح ، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ : «ثم أنشأته خلقاً آخر» .
{ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } ، يعني : أحكم المصورين؛ وروى أبو صالح عن عبد الله بن عباس قال : كان عبد الله بن أبي سرح يكتب هذه الآيات للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلما انتهى إلى قوله : { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } ، عجب من تفضل الإنسان أي من تفضل خلق الإنسان فقال : { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اكْتُبْ هاكذا أُنْزِلَتْ " فشك عند ذلك ، وقال : لئن كان محمد صادقاً فيما يقول إنه يوحى إليه ، فقد أوحي إلي كما أوحي إليه؛ ولئن قال من ذات نفسه ، فلقد قلت مثل ما قال .

(3/177)


فكفر بالله تعالى .
وقال مقاتل والزجاج : كان عمر رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذْ أُنْزِلَتْ عليه هذه الآية ، فقال عمر : { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : { هاكذا أُنْزِلَتْ عَلَيَّ } فكأنه أجرى على لسانه هذه الآية قبل قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقد قيل إن الحكاية الأولى غير صحيحة ، لأن ارتداد عبد الله بن أبي سرح كان بالمدينة ، وهذه الآية مكية . قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر { فَخَلَقْنَا المضغة عظاما فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً } ، وقرأ الباقون بالألف ، ومعناهما واحد ، لأن الواحد يغني عن الجنس .

(3/178)


ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ (20)

قوله تعالى : { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ } ، يعني : تموتون عند انقضاء آجالكم . { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ } ، يعني : تحيون بعد الموت؛ فذكر أول الخلق ، لأنهم كانوا مقرين بذلك؛ ثم أثبت الموت ، لأنهم كانوا يشاهدونه؛ ثم أثبت البعث الذي كانوا ينكرونه؛ ثم ذكر قدرته ، فقال عز وجل : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ } ، يعني : سبع سموات بعضها فوق بعض كالقبة؛ وقال مقاتل والكلبي : غِلَظُ كل سماء خمسمائة عام ، وبين كل سماءين كذلك؛ وقال أهل اللغة : الطرائق واحدها طريقة؛ ويقال : طارقت الشيء ، يعني : إذا جعلت بعضه فوق بعض . وإنما سميت الطرائق ، لأن بعضها فوق بعض .
ثم قال : { وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق غافلين } ، أي عن خلقهن عاجزين تاركين؛ ويقال : لكل سماء طريقة ، لأن على كل سماء ملائكة عبادتهم مخالفة لعبادة ملائكة السماء الأخرى ، يعني : لكل أهل سماء طريقة من العبادة : { وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق غافلين } ، أي لم نكن نغفل عن حفظهن ، كما قال : { وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ ءاياتها مُعْرِضُونَ } [ الأنبياء : 32 ] .
قوله عز وجل : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء بِقَدَرٍ } ، يعني : بوزن ، ويقال : بقدر ما يكفيهم لمعايشهم؛ ويقال : { بِقَدَرٍ } ، يعني : كل سنة تمطر بقدر السنة الأولى ، كما روي عن ابن مسعود أنه قال : ليست سنة بأمطر من سنة ، ولكن الله عز وجل يصرفه حيث يشاء ويقال : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء } ، أي أربعة أنهار ، تخرج من الجنة دجلة والفرات وسيحان وجيحان . { فَأَسْكَنَّاهُ فِى الارض } ، أي فأدخلناه في الأرض؛ ويقال : جعلناه ثابتاً فيها من الغدران والعيون والركايا . { وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لقادرون } ، يعني : يغور في الأرض ، فلا يقدر عليه ، كقوله عز وجل : { قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ } [ الملك : 30 ] .
{ فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جنات } ، يعني : وأخرجنا بالماء جنات ، يعني : الخضرة؛ ويقال : جعلنا لكم بالماء البساتين . { مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } ، يعني : الكروم { لَّكُمْ فِيهَا فواكه كَثِيرَةٌ } ، يعني : ألوان الفواكه سوى النخيل والأعناب . { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } . ثم قال عز وجل : { وَشَجَرَةً } ، أي وأنبتنا شجرة ، ويقال : خلقنا شجرة ، { تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء } ؛ قال قتادة : طور سيناء جبل حسن؛ وقال الكلبي : جبل ذو شجرة؛ وقال مجاهد : الطور جبل والسيناء حجارة؛ وقال القتبي : الطور جبل والسيناء اسم؛ وقال مقاتل : خلقنا في الجبل الحسن الذي كلم الله تعالى موسى عليه السلام قرأ ابن كثير وأبو عمر ونافع { طُورِ سَيْنَاء } بكسر السين ، وقرأ الباقون بالنصب ، ومعناهما واحد . ثم قال : { تَنبُتُ بالدهن } ، أي تخرج بالدهن . قرأ ابن كثير وأبو عمرو { تُنبِتُ } بضم التاء وكسر الباء ، يعني : تخرج الدهن ، وقرأ الباقون { تُنبِتُ } بنصب التاء وضم الباء ، وهو اختيار أبي عبيد ، أي تنبت معه الدهن ، كما يقال : جاءني فلان بالسيف . { وَصِبْغٍ لّلاكِلِيِنَ } ، يعني : الزيت يصطبغ به ، وجعل الله عز وجل في هذه الشجرة إداماً ودهناً ، وهي صبغ للآكلين .

(3/179)


وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25)

ثم قال عز وجل : { وَإِنَّ لَكُمْ فِى الانعام لَعِبْرَةً } ، يعني : في الإبل والبقر والغنم لمن يعتبر فيها ، يقال العبر بأوقار والمعتبر بمثقال . { نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهَا } ، يعني : من ألبانها وهي تخرج من بين فرث ودم . قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر { نُّسْقِيكُمْ } بنصب النون ، وقرأ الباقون بالضم ، وهذا مثل ما في سورة النحل .
ثم قال : { وَلَكُمْ فيِهَا منافع كَثِيرَةٌ } ، يعني : في ظهورها وأصوافها وألبانها وأشعارها ، { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } ؛ يعني : من لبنها ولحومها وأولادها . { وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ } ، يعني : على الأنعام في المفازة وعلى السفينة في البحر تسافرون .
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ } ، يعني : أرسلناه إلى قومه كما أرسلناك إلى قومك . فإن قيل : إيش الحكمة في تكرار القصص؟ قيل له : لأن في كل قصة كررها ألفاظاً وفوائد ونكتاً ما ليس في الأخرى ، ونظمها سوى نظم الأخرى . وقال الحسن : للقصة ظهر وبطن ، فالظهر خبر يخبرهم ، والبطن عظة تعظهم؛ ويقال : إنما كررها تأكيداً للحجة والعظة ، كما أنه كرر الدلائل ويكفي دليل واحد لمن يستدل به تفضلاً من الله تعالى ورحمة منه .
فقال تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ } ، { فَقَالَ ياقوم *** قَوْمٌ *** اعبدوا الله } ؛ يعني : أطيعوا الله عز وجل ووحدوه . { مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ } ، يعني : ليس لكم رب سواه ، { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } عبادة غير الله عز وجل فتوحدونه؟ يعني : اتقوه ووحدوه .
قوله عز وجل : { فَقَالَ الملا الذين كَفَرُواْ } ، يعني : الأشراف الذين كفروا { مِن قَوْمِهِ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } ، يعني : خلقاً آدمياً مثلكم . { يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } . بالرسالة ، ويقال : يريد أن يتفضل عليكم ، يعني : يريد أن يجعل لنفسه فضلاً عليكم بالرسالة . { وَلَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة } ، أي لو شاء أن يرسل إلينا رسولاً ، لأنزل ملائكة . { مَّا سَمِعْنَا بهذا } ، يعني : مما يدعونا إليه نوح من التوحيد . { فَقَالَ الملؤا الذين * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } ، يعني : الجنون ، { فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حتى حِينٍ } ؛ يعني : انتظروا به حتى يتبين لكم أمره وصدقه من كذبه؛ ويقال : { حتى حِينٍ } ، أي حتى يموت فتنجوا منه . فلما أبوا على نوح ، دعا عليهم .

(3/180)


قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35)

{ قَالَ رَبّ انصرنى } يعني : أعني عليهم بالعذاب . { بِمَا كَذَّبُونِ } ، يعني : بتحقيق قولي في العذاب ، لأنه أنذر قومه بالعذاب ، فكذبوه . قوله عز وجل : { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا } ، أي اعمل السفينة بأَعيننا ، يعني : بمنظر منا وبعلمنا . ثم قال : { وَوَحْيِنَا } ، يعني : بوحينا إليك وأمرنا . { فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا } ، يعني : عذابنا ، { وَفَارَ التنور } ؛ يعني : بنبع الماء من أسفل التنور ، { فاسلك فِيهَا } ؛ يعني : فأدخل في السفينة { مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين } ، يعني : من كل حيوان صنفين ولونين ذكراً وأنثى ، { وَأَهْلَكَ } ؛ يعني : وأدخل فيها أهلك ، { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ } ؛ يعني : إلا من وجب عليه العذاب ، وهو ابنه كنعان . { وَلاَ تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ } يعني : ولا تراجعني بالدعاء في الذين كفرُوا وهو ابنه . { إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } بالطوفان . قرأ عاصم في رواية حفص { مِن كُلّ زَوْجَيْنِ } بتنوين اللام ، وقرأ الباقون بغير تنوين .
ثم قال عز وجل : { فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك } ، يعني : ركِبت في السفينة ، { فَقُلِ الحمد للَّهِ } ، يعني : الشكر لله { الذى نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين } المشركين . قوله عز وجل : { وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى } ، يعني : إذا نزلت من السفينة إلى البر ، فقل : رب أنزلني { مُنزَلاً مُّبَارَكاً } . قرأ عاصم في رواية أبي بكر { مُنزَلاً } بنصب الميم وكسر الزاي ، يعني : موضع النزول؛ وقرأ الباقون { مُنزَلاً } بضم الميم ونصب الزاي ، وهو اختيار أبي عبيدة ، وهو المصدر من أنزل ينزل ، فصار بمعنى أنزلني إنزالاً مباركاً . { وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين } من غيرك؛ وقد قرأ في الشواذ { وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين } بنصب الزاي ، يعني : أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام : قل هذا القول ، حتى تكون خير المنزلين .
ثم قال عز وجل : { إِنَّ فِى ذَلِكَ } ، يعني : في إهلاك قوم نوح . { لاَيَاتٍ } ، يعني : لعبراً لمن بعدهم . { وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } ، يعني : وقد كنا لمختبرين بالغرق؛ ويقال : بالطاعة والمعصية . وإن بمعنى قد ، كقوله { َقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال } [ إبراهيم : 46 ] ، يعني : وقد كان مكرهم .
قوله عز وجل : { ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ } ، أي خلقنا من بعدهم { قَرْنٍ مكناهم } وهم قوم هود ، { فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } ؛ يعني : نبيّهم هوداً عليه السلام { أَنِ اعبدوا الله } ، يعني : قال لهم هود : احمدوا الله وأطيعوه ، { مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } ، يعني : اتقوه . اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الأمر .
قوله عز وجل : { وَقَالَ الملا مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الاخرة } ، يعني : بالبعث بعد الموت ، { وأترفناهم } ؛ يعني : أنعمنا عليهم ، ويقال : وسعنا عليهم حتى أترفوا . { وَقَالَ الملا مِن قَوْمِهِ الذين } ، يعني قالوا : ما هذا { إِلاَّ بَشَرٌ } ، يعني : آدمياً { مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ } ، يعني : كما تأكلون منه ، { وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } ؛ يعني : كما تشربون . { وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً } ، يعني : آدمياً { مّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون } ، أي لمغبونون { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً } ، أي صرتم تراباً { وعظاما أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ } ، يعني : محيون .

(3/181)


هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44) ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48)

قوله عز وجل : { هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ } قرأ أبو جعفر المدني { هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ } كلاهما بكسر التاء . قال أبو عبيد : قراءتها بالنصب ، لأنه أظهر اللغتين وأفشاهما ، وقال بعضهم : قد قُرىء هذا الحرف بسبع قراءات بالكسر ، والنصب ، والرفع ، والتنوين ، وغير التنوين ، والسكون . وهذه الكلمة يعبر بها عن البعد ، يعني : بعيداً بعيداً ، ومعناه أنهم قالوا : هذا لا يكون أبداً ، يعني : البعث . { لِمَا تُوعَدُونَ } ، يعني : بَعِيداً بَعيداً لِمَا تُوْعَدُونَ .
{ إِنْ هِىَ } ، يعني : ما هي { إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا } ، يعني : نحيا ونموت على وجه التقديم؛ ويقال : معناه يموت الآباء وتعيش الأبناء . { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } ، يعني : لا نبعث بعد الموت . { إِنْ هُوَ } ، يعني : ما هو { إِلاَّ رَجُلٌ افترى على الله كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ } ، أي بمصدقين ، فلما كذبوه دعا عليهم ، { قَالَ رَبّ انصرنى } ، يعني : قال هود : أعني عليهم بالعذاب { بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ } الله تعالى : { عَمَّا قَلِيلٍ } ، يعني : عن قريب . وما صلة ، كقوله { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الامر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين } [ آل عمران : 159 ] . { لَّيُصْبِحُنَّ نادمين } ، يعني : ليصيرن نادمين ، فأخبر الله تعالى عن معاملة الذين كانوا من قبل مع أنبيائهم وسوء جزائهم وأذاهم لأنبيائهم ، ليصبر النبي صلى الله عليه وسلم على أذى قومه .
ثم أخبر عن عاقبة أمرهم ، فقال تعالى : { فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق } ؛ يعني : العذاب وهو الريح العقيم؛ ويقال : وهي صيحة جبريل عليه السلام { فجعلناهم غُثَاء } ، يعني : يابساً؛ ويقال : هلكى كالغثاء ، وهو جمع غثاء وهو ما على السيل من الزبد ، لأنه يذهب ويتفرق؛ وقال الزجاج : الغثاء البالي من ورق الشجر ، أي جعلناه يبساً كيابس الغثاء؛ ويقال : الغثاء النبات اليابس كقوله : { فَجَعَلَهُ غُثَآءً أحوى } [ الأعلى : 5 ] . ثم قال : { فَبُعْداً } ، يعني : سحقاً ونكساً { لّلْقَوْمِ الظالمين } ، يعني : بعداً من رحمة الله تعالى .
قوله عز وجل : { ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً } ، يعني : خلقنا من بعدهم قروناً { ءاخَرِينَ *** مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا } ؛ وفي الآية مضمر ومعناه : فأهلكناهم بالعذاب في الدنيا ما تسبق من أمة ، يعني : ما يتقدم ولا تموت قبل أجلها طرفة عين ، { وَمَا يَسْتَخِرُونَ } بعد أجلهم طرفة عين .
قوله عز وجل : { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا } ، يعني : بعضها على إثر بعض قرأ ابن كثير وأبو عمرو { رُسُلَنَا تَتْرَى } بالتنوين ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الراء بغير تنوين ، وقرأ الباقون بنصب الراء وبغير تنوين وهو التواتر . قال مقاتل : كلّ ما في القرآن «تَتْرا وَمِدْرَاراً وَأَبَابِيلَ وَمُرْدِفِينَ» ، يعني : بعضها على إثر بعض .

(3/182)


قال القتبي : أصل تترى وتراً ، فقلبت الواو تاءً كما قلبوها في التقوى والتخمة وأصلها وتراً ، والتخمة وأصلها .
ثم قال عز وجل : { كُلَّمَا جَاءهُمْ *** أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً } بالهلاك الأول فالأول ، { فجعلناهم أَحَادِيثَ } ؛ أي أخباراً وعبراً لمن بعدهم؛ ويقال : فجعلناهم أحاديث لمن بعدهم ، يتحدثون بأمرهم وشأنهم؛ وقال الكلبي : ولو بقي واحد منهم لم يكونوا أحاديث . { فَبُعْداً } لِلْهَالِكِ؛ ويقال : فسحقاً { لّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } ، يعني : لا يصدقون .
قوله عز وجل : { ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هارون بئاياتنا } التسع ، { وسلطان مُّبِينٍ } ؛ يعني : بحجة بينة { إلى فِرْعَوْنَ } ، أي قومه : { عَادٌ فاستكبروا } ؛ يعني : تعظموا عن الإيمان والطاعة ، { وَكَانُواْ قَوْماً عالين } ؛ يعني : متكبرين . { فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ } ، يعني : أنُصدق { لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } ؟ يعني : خلقين آدميين . { وَقَوْمُهُمَا لَنَا عابدون } ، أي مستهزئين ذليلين . { فَكَذَّبُوهُمَا } ، يعني : موسى وهارون ، { فَكَانُواْ مِنَ المهلكين } ؛ يعني : صاروا مغرقين في البحر .

(3/183)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)

قوله عز وجل : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } ، يعني : التوراة ، { لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } ؛ يعني : لكي يهتدوا ، يعني : بني إسرائيل . قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً } ، يعني : عبرة وعلامة لبني إسرائيل ، ولم يقل آيتين؛ وقد ذكرناه . ثم قال : { وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ } ، يعني : أنزلناهما إلى ربوة ، وذلك أنها لما ولدت عيسى عليه السلام هم قومها أن يرجموها ، فخرجت من بيت المقدس إلى أرض دمشق ، والربوة المكان المرتفع . { ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } ، يعني : أرضاً مستوية { وَمَعِينٍ } يعني : الماء الجاري الطاهر ، وهو مفعول من العين ، وأصله معيون ، كما يقال : ثوب مخيط؛ وقال سعيد بن المسيب : الربوة هي دمشق؛ ويقال : هي بيت المقدس ، لأنها أقرب إلى السموات من سائر الأرض؛ ويقال : إنها الرملة وفلسطين . قرأ ابن عامر وعاصم { رَبْوَةٍ } بنصب الراء ، وقرأ الباقون بالضم ، ومعناهما واحد .
قوله عز وجل : { لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل } ، يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم . وإنما خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم وأراد به النبي صلى الله عليه وسلم وأمته ، كما يجيء في مخاطبتهم . { كُلُواْ مِنَ الطيبات } ، يعني : من الحلالات . قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : حدثنا الخليل بن أحمد قال : حدثنا ابن صاعد قال : حدثنا أحمد بن منصور قال : حدثنا الفضيل بن دكين قال : حدثنا الفضل بن مرزوق قال : أخبرني عدي بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّبَاً ، وَإنَّ الله تَعَالَى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ ، فَقَالَ : { وَمَعِينٍ يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات } وقال : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ البقرة : 57 ] . ثمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ ، يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ : يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِّيَ بِالحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك » وقال الزجاج : خوطب بهذا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل : { لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل } وتضمن هذا الخطاب أن الرسل عليهم السلام جميعاً كذا أمروا . قال : ويروى أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه ، وكان رزق النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة وأطيب الطيبات الغنائم . ثم قال تعالى : { واعملوا صالحا } ؛ يعني : خالصاً . { إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } ، يعني : قبل أن تعملوا .
قوله عز وجل : { وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة } ، يعني : دينكم الذي أنتم عليه ، يعني : ملة الإسلام دين واحد ، عليه كانت الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون .

(3/184)


{ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون } ، يعني : أنا شرعته لكم فأطيعون . قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو : { ءانٍ } بنصب الألف وتشديد النون ، وقرأ ابن عامر بنصب الألف وسكون النون ، وقرأ الباقون بكسر الألف والتشديد على معنى الابتداء .
ثم قال عز وجل : { فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } ، يقول : فرقوا دينهم وتفرقوا في دينهم ، ومعناه : أن دين الله تعالى واحد ، فجعلوه أدياناً مختلفة زبراً . قرأ ابن عامر : { زُبُراً } بنصب الباء ، أي قطعاً وفرقاً ، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي { زُبُراً } . بضم الباء ، أي كتباً ، معناه : جعلوا دينهم كتباً مختلفة؛ ويقال : فتقطعوا كتاب الله وحرفوه وغيروه { زُبُراً } . { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } ، يعني : بما هم عليه من الدين معجبون ، راضون به .

(3/185)


فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)

قوله عز وجل : { فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ } ، يعني : اتركهم في جهالتهم { حتى حِينٍ } ، يعني : إلى حين يأتيهم ما وعدوا به من العذاب . { أَيَحْسَبُونَ } ، يعني : أيظنون وهم أهل الفرق ، { أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ } يعني : أن الذي نزيدهم به { مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } في الدنيا . { نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الخيرات } ، يعني : هو خير لهم في الآخرة؟ قرأ بعضهم { ***يُسَارَعُ } بالياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله ، وقراءة العامة { وَبَنِينَ نُسَارِعُ } بالنون وكسر الراء ، يعني : يظنون أنا نسارع لهم في الخيرات ، بزيادة المال والولد؛ بل هو استدراج لهم .
وروي في الخبر ، أن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء عليهم السلام أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا ، وهو أبعد له مني ويجزع عبدي المؤمن أن أقبض منه الدنيا ، وهو أقرب له مني؟ ثم قال : { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } ، وقد تم الكلام ، يعني : أيظنون أن ذلك خير لهم في الدنيا؟ ثم قال : { نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الخيرات } { بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } أن ذلك فتنة لهم؛ ويقال : { أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } وقد تم الكلام ، يعني : أيظنون أن ذلك خير لهم في الدنيا؟ ثم قال عز وجل : { نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الخيرات } يعني : نبادرهم في الطاعات وهو خير لهم ، أي في الآخرة { بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } أن زيادة المال والولد أن ذلك مكر بهم وشر لهم في الآخرة .
ثم ذكر المؤمنين ، فقال عز وجل : { إِنَّ الذين هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ } ، يعني : خائفين من عذابه؛ ويقال : هذا عطف على قوله : { والذين هُمْ لاماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون * والذين هُمْ على صلواتهم يحافظون * والذين هُم مّنْ *** خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ } ثم قال : { والذين هُم بئايات رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ } ، يعني : بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن يصدقون .
قوله : { والذين هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ } ، يعني : لا يشركون معه غيره ، ولكنهم يوحدون ربهم؛ ويقال : بربهم لا يشركون ، وهو أن يقول : لولا فلان ما وجدت هذا . ثم قال عز وجل : { والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ } ، يعني : يعطون ما أعطوا من الصدقة والخير . { وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } ، يعني : خائفة . وروى سالم بن معول ، عن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني : أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية { والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } هم الذين يشربون الخمر ويسرقون ويزنون ، قال : « ا يا بِنْتَ أبِي بَكْرٍ ، ولكنهم هُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيُصَلُّونَ » . وروي عن أبي بكر بن خلف أنه قال : دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقلنا : كيف تقرئين يا أم المؤمنين { والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ } ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ { والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ } ، فقلت يا نبي الله ، هو الرجل الذي يسرق ويشرب الخمر؟ قال :

(3/186)


« ا يا بِنْتَ أبِي بَكْرٍ ، هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ ، وَيَخَافُ أنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُ » . وقال الزجاج : من قرأ { يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ } ، معناه يعطون ما أعطوا ، ويخافون أن لا يقبل منهم؛ ومن قرأ { يَأْتُونَ * مَا ءاتَواْ } أي يعملون من الخيرات ما يعملون ، ويخافون مع اجتهادهم أنهم مقصرون . ثم قال تعالى : { أَنَّهُمْ إلى رَبّهِمْ راجعون } ، يعني : لأنهم إلى ربهم راجعون ، ومعناه يعملون ويوقنون أنهم يبعثون بعد الموت .
قوله عز وجل : { أُوْلَئِكَ يسارعون فِى الخيرات } ، يعني : يبادرون في الطاعات من الأعمال الصالحة ، { وَهُمْ لَهَا سابقون } ، يعني : هم لها عاملون ، يعني : الخيرات ، وقال الزجاج : فيه قولان : أحدهما معناه هم إليها سابقون ، كقوله عز وجل : { بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا } يعني : إليها ، ويجوز هم لها سابقون أي لأجلها ، أي من أجل اكتسابها ، كقولك : أنا أكرم فلاناً لك ، أي من أجلك .

(3/187)


وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)

قوله عز وجل : { وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } ، يعني : بقدر طاقتها . { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ } ، يعني : وعندنا نسخة أعمالهم التي يعملون ، وهي التي تكتب الحفظة عليهم { يَنطِقُ بالحق } ، يعني : يشهد عليهم بالصدق؛ وقال الكلبي : { وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } ، أي طاقتها؛ فمن لم يستطع أن يصلي قائماً ، فليصلِّ قاعداً . { وَعِندَنَا كتاب * يَنطِقُ بالحق } ؛ وهو الذكر ، يعني : اللوح المحفوظ . { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } ، يعني : لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم . { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مّنْ هذا } ، يعني : في غفلة من الإيمان بهذا القرآن؛ ويقال : هم في غفلة من هذا الذي وصفنا من كتابة الأعمال . { وَلَهُمْ أعمال مّن دُونِ ذلك } ؛ قال مقاتل : يقول : لهم أعمال خبيثة دون الشرك { هُمْ لَهَا عاملون } ، أي لتلك الأعمال لا محالة التي في اللوح المحفوظ . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : ذكر الله تعالى : { الذين هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ } . ثم قال للكفار : { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مّنْ هذا } ثم رجع إلى المؤمنين ، فقال : { وَلَهُمْ أعمال مّن دُونِ ذلك } الأعمال التي عددتهم لها عاملون .
ثم قال عز وجل : { حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب } ، يعني : أغنياءهم وجبابرتهم بالعذاب . قال مجاهد : يعني : بالسيوف يوم بدر ، وقال الكلبي : بالجوع سبع سنين ، حتى أكلوا الجيف . { حتى إِذَا أَخَذْنَا } ، أي يصيحون ويتضرعون إلى الله تعالى ، حين نزل بهم العذاب؛ ويقال يدعون ويستغيثون . قول الله تعالى : { لاَ تَجْئَرُواْ اليوم } ، يعني : لا تضجوا ولا تتضرعوا اليوم . { إِنَّكُمْ مّنَّا لاَ تُنصَرُونَ } ، يعني : من عذابنا لا تمنعون .
قوله عز وجل : { قَدْ كَانَتْ ءايَتِى تتلى عَلَيْكُمْ } ، أي تقرأ وتعرض عليكم ، { فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ } ، أي ترجعون إلى الشرك وتميلون إليه . { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } ، أي متعظمين؛ ويقال { تَنكِصُونَ } أي تقيمون عليه { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } يعني : بالبيت ، صار هذا كناية من غير أن يسبق ذكر البيت ، لأن ذلك البيت كان معروفاً عندهم . وقال مجاهد : { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } أي بمكة بالبلد . { سامرا } بالليل لجلسائهم . { تَهْجُرُونَ } بالقول الذي في القرآن؛ ويقال : { تَهْجُرُونَ } يعني : تتكلمون بالفحش وسب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : « زُورُوها يعني : المقابر ولا تَقُولُوا هُجْراً » يعني : فحشاً؛ وقال القتبي : { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } ، يعني : بالبيت العتيق تهجرون به ، ويقولون : نحن أهله سامراً . والسمر حديث الليل؛ وقال أهل اللغة : السمر في اللغة ظل القمر؛ ولهذا سمي حديث الليل سمراً ، لأنهم كانوا يجتمعون في ظل القمر ويتحدثون . قرأ نافع { سامرا تَهْجُرُونَ } بضم التاء وكسر الجيم ، وقرأ الباقون بنصب التاء وضم الجيم ، وقال أبو عبيد : هذه القراءة أحب إلينا ، فيكون من الصدود والهجران ، كقوله : { فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ } ، يعني : تهجرون القرآن ولا تؤمنون به . ومن قرأ : { تَهْجُرُونَ } أراد الإفحاش في المنطق ، وقد فسرها بعضهم على الشرك .

(3/188)


أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)

ثم قال عز وجل : { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول } ؛ وأصله يتدبروا فأدغم التاء في الدال ، يعني : أفلم يتفكروا في القرآن؟ { أَمْ جَاءهُمْ } من الأمان { مَّا لَمْ يَأْتِ ءابَاءهُمُ الاولين } ، حتى يؤمنوا؛ وقال : معناه جاءهم الذي لم يجىء آباءهم الأولين؛ وهذا كقوله : { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ } ؛ وقال الكلبي : { مَّا لَمْ يَأْتِ ءابَاءهُمُ الاولين أَمْ لَمْ } من البراءة من العذاب ثم قال تعالى : { أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ } ، يعني : نسبة رسولهم . { فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } ، يعني : جاحدين؛ قال أبو صالح : عرفوه ولكن حسدوه .
{ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ } ، يعني : بل يقولون به جنون . { بَلْ جَاءهُمْ بالحق } ، يعني : الرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة والقرآن من عند الله عز وجل ، أن لا تعبدوا إلا الله . { وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقّ كارهون } ، يعني : جاحدين مكذبين ، وهم الكفار .
قوله عز وجل : { وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَاءهُمْ } ، والحق هو الله تعالى ، يعني : لو اتبع الله أهواءهم يعني : مرادهم ، { لَفَسَدَتِ *** السموات والارض *** وَمَن فِيهِنَّ } ، يعني : لهلكت ، لأن أهواءهم ومرادهم مختلفة؛ ويقال : لو كانت الآلهة بأهوائهم ، كما قالوا : لفسدت السموات ، كقوله : { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا فسبحان الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنبياء : 22 ] . ثم قال : { بَلْ أتيناهم بِذِكْرِهِمْ } ، يعني : أنزلنا إليهم جبريل عليه السلام بعزهم وشرفهم ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم . { فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ } ، يعني : عن القرآن ، أي تاركوه لا يؤمنون به . { أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً } ، قرأ حمزة والكسائي { ***خراجاً } . { خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ } ، يعني : فثواب ربك خير ، ويقال : قوت ربك من الحلال خير من جعلهم وثوابهم . { وَهُوَ خَيْرُ الرزقين } ، أي أفضل الرازقين .
قوله عز وجل : { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } ، يعني : دين مستقيم ، وهو الإسلام لا عوج فيه . { وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } ، يعني : لا يصدقون بالبعث { عَنِ الصراط لناكبون } ، أي عن الدين لعادلون ومائلون .

(3/189)


وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77)

{ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ } ، يعني : من الجوع الذي أصابهم ، يعني : من الجوع الذي أصابهم ، { لَّلَجُّواْ } ؛ أي مضوا وتمادوا { فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ } ، يعني : في ضلالتهم يترددون . قوله عز وجل : { وَلَقَدْ أخذناهم بالعذاب } ، يعني : بالجوع ، { فَمَا استكانوا لِرَبّهِمْ } ؛ يعني : ما تضعفوا وما خضعوا لربهم . { وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } ؛ يقول : ما يرغبون إلى الله في الدعاء وبالطاعة ، { حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } ؛ يعني : نفتح عليهم . قال السدي : هو فتح مكة . { إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } ، قال : أبلسوا يومئذٍ وتغيرت وجوههم وألوانهم ، حين ينظرون أصنامهم تكسرت ، وقال عكرمة : ذا عذاب شديد ، يعني : فتح مكة؛ ويقال : الجوع الشديد { إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } ، أي آيسون من كل خير ورزق .

(3/190)


وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90)

قوله عز وجل : { وَهُوَ الذى أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والابصار والافئدة } ، فهذه الأشياء من النعم . { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } ، يعني : أنتم لا تشكرون؛ ويقال : شكركم فيما صنع إليكم قليل . { وَهُوَ الذى ذَرَأَكُمْ } ، يعني : خلقكم في الأرض . { وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } في الآخرة ، { وَهُوَ الذى يُحىِ وَيُمِيتُ } ؛ أي يحيي الموتى ويميت الأحياء . { وَلَهُ اختلاف اليل والنهار } ، أي ذهاب الليل ومجيء النهار ، { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أمر الله؟ ويقال : أفلا تعقلون توحيد ربكم فيما ترون من صنعه فتعتبرون؟ ثم قال عز وجل : { بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الاولون } ، يعني : كذبوا مثل ما كذب الأولون . { قَالُواْ * أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا هذا مِن قَبْلُ } ، يعني : هذا القول . { إِنَّ هَذَا } ، يعني : ما هذا { إِلاَّ أساطير الاولين } ، يعني : أحاديثهم وكذبهم .
قوله عز وجل : { قُلْ } لكفار مكة : { لّمَنِ الارض وَمَن فِيهَا } من الخلق . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أن أحداً يفعل ذلك غير الله تعالى ، فأجيبوني . { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } ، يعني : تتعظون فتطيعونه وتوحدونه . { قُلْ مَن رَّبُّ *** السموات **السبع وَرَبُّ العرش العظيم * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } ، وكلهم قرؤوا الأول بغير ألف ، وأما الآخر فإن كلهم قرؤوا بغير ألف غير أبي عمرو ، فإنه قرأ الله؛ والباقون لله . قال أبو عبيد : وجدت في مصحف الإمام كلها بغير ألف . قال : وحدثني عاصم الجحدري أن أول من قرأ هاتين الألفين نصر بن عاصم الليثي . فأما من قرأ { الله } ، فهو ظاهر لأنه جواب السائل عما يسأل ، ومن قرأ { لِلَّهِ } ، فله مخرج في العربية سهل ، وهو ما حكى الكسائي عن العرب أنه يقال للرجل : من رب هذه الدار؟ فيقول : لفلان ، يعني : هي لفلان . والمعنى في ذلك أنه إذا قيل : من صاحب هذه الدار؟ فكأنه يقول : لمن هذه الدار . وإذا قال المجيب : هي لفلان أو قال : فلان ، فهو جائز ولو كان الأول { الله } ، لكان يجوز في اللغة ، ولكنه لم يقرأ والاختلاف في الآخرين .
ثم قال : { قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } عبادة غير الله تعالى ، فتوحدوه .
قوله عز وجل : { قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء } ، يعني : خزائن كل شيء . { وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ } ، يعني : يقضي ولا يقضى عليه ، ويقال : وهو يؤمن من العذاب ولا يؤمن عليه ، أي ليس له أحد يؤمن الكفار من عذابه . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ *** سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ } ، يعني : من الذين تصرفون عن الإسلام وعن الحق . ثم قال عز وجل : { بَلْ أتيناهم بالحق } ، قال الكلبي : يعني : القرآن؛ وقال مقاتل : يعني : جئناهم بالتوحيد . { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } في قولهم إن الملائكة عليهم السلام كذا وكذا ثم قال :

(3/191)


مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)

{ مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ } ، أي من شريك . { إِذاً لَّذَهَبَ } ، يعني : لو كان معه آلهة لذهب { كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ } ، يعني : لاستولى كل إله بما خلق وجمع لنفسه كلما خلق . { وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ } ، يعني : ولغلب بعضهم على بعض . { سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ } من الكذب .
قوله عز وجل : { عالم الغيب والشهادة } ، يعني : عالم السر والعلانية؛ ويقال : عالم بما مضى وما هو كائن . { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، يعني : هو أجلُّ وأعلى مما يوصف له من الشريك والولد . قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وعاصم في رواية حفص : { عالم الغيب } بكسر الميم على معنى النعت لقوله { سبحان الله } ، وقرأ الباقون بالضم على معنى الابتداء .
قوله : { قُل رَّبّ إِمَّا تُرِيَنّى مَا يُوعَدُونَ } من العذاب وما صلة؛ ويقال : إن أريتني عذابهم . { رَبّ فَلاَ تَجْعَلْنِى فِى القوم الظالمين } ، يعني : أخرجني منهم قبل أن تعذبهم ، فلا تعذبني معهم بذنوبهم . { وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ } من العذاب { لقادرون } ؛ قال الكلبي : هذا أمر قد كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شهده أصحابه وقد مضى بعد الفتنة التي وقعت في الصحابة ، بعد قتل عثمان رضي الله عنه وذكر : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير بعد نزول هذه الآية ضاحكاً ولا مبتسماً؛ وقال مقاتل : { وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لقادرون } يعني : يوم بدر؛ ويقال : يوم فتح مكة؛ ويقال : قل : { رَّبّ إِمَّا تُرِيَنّى مَا يُوعَدُونَ } يعني : الفتنة { رَبّ فَلاَ تَجْعَلْنِى فِى القوم الظالمين } ، يعني : مع الفئة الباغية ، وهذا كقوله : { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } [ الأنفال : 25 ] . وذكر عن الزبير أنه كان إذا قرأ هذه الآية ، يقول قد حذرنا الله فلم نحذر .
ثم قال عز وجل : { ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ السيئة } ، يعني : ادفع بحلمك جهلهم؛ ويقال : بالكلام الحسن الكلام القبيح؛ ويقال : ادفع بقول لا إله إلا الله الشرك من أهل مكة . ثم قال : { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } ، يعني : بما يقولون من الكذب؛ ويقال : معناه نحن أعلم بما يقولون فلا تعجل أنت أيضاً . { وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين } ، يعني : أعتصم بك من نزغات الشيطان وضرباته ووساوسه . ثم قال : { وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونِ } ، يعني : قل : رب أعوذ بك من قبل أن يحضرون الشياطين عند تلاوة القرآن؛ ويقال : يحضرون عند الموت؛ ويقال : عند الصلاة . وأصله أن يحضرونني ، إلا أنه يكتب { يَحْضُرُونِ } بحذف إحدى النونين للتخفيف .

(3/192)