صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)
قوله : { واذكر فِى الكتاب مَرْيَمَ إِذِ انتبذت } ، يعني : اذكر في القرآن خبر مريم ، ومعناه : اقرأ عليهم ما أنزل عليك في القرآن من خبر مريم { إِذِ انتبذت } يعني : اعتزلت وتنحت { مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } ، يعني : مشرقة الشمس في دار أهلها . { فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً } ، يعني : ضربت وأرخت من دونهم ستراً . { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } ، يعني : بعثنا إليها جبريل عليه السلام { فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } ، يعني : تشبه لها في صورة شاب تامّ الخلق فدنا منها ، فأنكرت مريم مكان الرجل . { قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } ، يعني : إن كنت مطيعاً لله . وإنما قالت ذلك ، لأن التقي إذا وعظ بالله عز وجل اتعظ وخاف ، والفاسق يخوف بالسلطان ، والمنافق يخوف بالناس؛ فالتقيّ يخوف بالله . ويقال : في الآية مضمر ومعناه احذر إن كنت تقياً . { قَالَ } لها جبريل : { إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لاِهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً } ، يعني : ولداً صالحاً . قرأ أبو عمرو ونافع في إحدى الروايتين { أَحْلَلْنَا لَكَ } بالياء ، وقرأ الباقون { لاِهَبَ } . فمن قرأ { ***لِيَهَبَ } ، فمعناه ليهب الله لك ومن قرأ { رَبّكِ لاِهَبَ لَكِ } يكون فيه مضمر . ومعناه : إنما أنا رسول ربك قال : { لاِهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً } يعني : قال ربك وهذا اختيار أبي عبيدة ، وهو موافق لخط المصاحف . (3/70)
{ قَالَتْ } مريم لجبريل عليه السلام : { أنى يَكُونُ لِي غلام } ، يعني : من أين يكون لي ولد؟ { وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } ، يعني : لم يقربني زوج ، { وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } ؛ يعني : لم أك فاجرة . { قَالَ } لها جبريل : { كذلك } ، يعني : هكذا كما قلت . { قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } ، يعني : خلقه عليّ يسير ، { وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ } ؛ يعني : عبرة لبني إسرائيل ، { وَرَحْمَةً مّنَّا } ؛ أي ونعمة منا . { وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً } ، يعني : قضاء كائناً .
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)
{ فَحَمَلَتْهُ } يعني : حملت مريم بعيسى عليه السلام وقال وهب بن منبه : إن مريم حملت بعيسى عليه السلام تسعة أشهر ، وقال بعضهم : ثمانية أشهر؛ فتلك آية ، لأنه لا يعيش مولود في ثمانية أشهر . وروي في بعض الروايات ، عن ابن عباس أنه قال : ما هي إلا أن حملت ثم وضعت ، وقال مقاتل : حملت في ساعة ووضعت في ساعة . { فانتبذت بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً } ، يعني : انفردت بولادتها مكاناً بعيداً . قال القتبي : القصيُّ أشد بعداً من القاصي . (3/71)
ثم قال : { فَأَجَاءهَا المخاض } ، يعني : جاء بها وألجأها المخاض ، يعني : الطلق بولادة عيسى عليه السلام { إلى جِذْعِ النخلة } ، أي أصل النخلة . قال ابن عباس : النخلة اليابسة في شدة الشتاء ، يعني : الطلق . { قَالَتْ ياأيها *** لَيْتَنِى ***** مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً } ، يعني : شيئاً متروكاً لم أذكر ، ويقال للشيء الحقير الذي إذا ألقي ينسى نسيٌ؛ وقال قتادة : يعني : لا أعرف ولا أدري من أنا؛ وقال عكرمة : يعني : جيفة ملقاة ، وهكذا قال الضحاك؛ وقال ربيعة بن أنس؛ يعني : سقطاً . قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص { وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً } بنصب النون والباقون { نَسِيّاً } بكسر النون ، قال أبو عبيد : وبالكسر نقرؤها ، لأنها كانت أكثر في لغة العرب وأفشاها عليها أهل الحرمين والبصرة .
{ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا } ؛ قرأ حمزة والكسائي ونافع وعاصم في رواية حفص { مِنْ } بالكسر ، يعني : الملك ، وهكذا قرأ مجاهد والحسن ، والباقون { مِنْ } بالنصب يعني به عيسى عليه السلام وقال أبو عبيد : بالأولى نقرأ يعني : بالكسر ، لأن قراءتها أكثر والمعنى فيها أعمّ ، لأنه إذا قال : { مِن تَحْتِهَا } فإنما هو عيسى خاصة . { أَلاَّ تَحْزَنِى } بولادة عيسى وبمكان الجدب ، { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } ؛ أي نهراً صغيراً بحبال؛ ويقال : { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } ، أي بيتاً ، فذكر هذا القول عند ابن حميد فأنكره وقال : هو الجدول . ألا ترى أنه قال : { فَكُلِى واشربى } . قال مجاهد : السريّ بالسريانية ، وقال سعيد بن جبير : بالنبطية .
{ وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة } ؛ يقول : حركي أصل النخلة { تساقط عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } ، أي غضاً طرياً . قرأ حمزة { تساقط } بنصب التاء وتخفيف السين ، وأصله تتساقط إلا أنه حذفت منه إحدى التاءين للتخفيف وهذا كقوله : { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الارض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً } [ النساء : 42 ] وأصله تتسوى ، وكقوله { ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن ديارهم تظاهرون علَيْهِم بالإثم والعدوان وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْىٌ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ }
[ البقرة : 85 ] ، وكقوله { تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الارض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً } [ مريم : 90 ] وقرأ عاصم في رواية حفص { تساقط } بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف يعني : أن النخلة تساقط عليك ، وقرأ الباقون بالنصب وتشديد السين ونصب القاف ، لأن التشديد أقيم مقام التاء التي حذفت . وروي عن البراء بن عازب أنه كان يقرأ { ***يُسَاقِط } بالياء يعني : أن الجذع يساقط عليك ، وقرأ بعضهم : { ***نُسَاقِطُ } بالنون ومعناه ونحن نساقط عليك ، وروي أنها كانت نخلة بلا رأس وكان ذلك في الشتاء ، فجعل الله تعالى لها رأساً وأنبت فيها رطباً ، فذلك قوله : { النخلة تساقط عَلَيْكِ رُطَباً } أي غضاً طرياً . (3/72)
قيل لها : { فَكُلِى } من الرطب ، { واشربى } من النهر ، { وَقَرّى عَيْناً } ؛ أي طيبي نفساً بولادة عيسى . وقال الربيع بن خيثم ما للنفساء عندي دواء إلا الرطب ولا للمريض إلا العسل . ثم قال تعالى : { فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً } ، يعني : إن رأيت أحداً من الناس ، { فَقُولِى } إن سألك أحد شيئاً فقولي : { إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً } ، يعني : صمتاً . وروي عن ابن عباس في بعض الروايات أنه كان يقرأ { إِنّى نَذَرْتُ للرحمن } . { صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ اليوم إِنسِيّاً } ؛ يعني : قولي ذلك بالإشارة لا بالقول ، وكان المتقدمون يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام .
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)
{ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا } ؛ وذلك أن مريم حملت عيسى عليه السلام ودخلت على أهلها ، وكان أهلها أهل بيت صالحين . { قَالُواْ } لها أي قومها : { قَالُواْ يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } ، يعني : أتيت وفعلت أمراً عظيماً منكراً ، لا يعرف منك ولا من أهل بيتك { فَأَرْسِلْ إلى هارون } ، يعني : هارون بن ماثان ، وكان من أمثل بني إسرائيل { فَأَرْسِلْ إلى هارون } ، يعني : يا شبه هارون في الصلاة والصلاح ، ويقال : كان رجل سوء يسمى هارون فعيّروها به وشبهوها بهارون ، ويقال : كان لها أخ يقال له هارون من أبيها ولم يكن من أمها ، وذكر أن أهل الكتاب قالوا : كيف تقولون إن مريم أخت هارون وكان بينهما ستمائة سنة؟ فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « إنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ الأنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ » يعني : أن أخا مريم سُمِّي باسم هارون النبي عليه السلام . (3/73)
ثم قال : { مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء } ، يعني : زانياً { وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } ، يعني : فاجرة .
{ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ } ، يعني : أشارت إلى عيسى عليه السلام أن كلموه ، يعني : كلموا عيسى . { قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِى المهد صَبِيّاً } ؟ يعني : من هو في الحجر وهو رضيع . ويقال : معناه كيف نكلم من هو يكون في المهد؟ ويقال : معناه كيف نكلم من يكون في المهد صبياً؟ فأنطق الله تعالى عيسى ، فتكلم و { قَالَ إِنّى عَبْدُ الله } ، فأول الكلام الذي تكلم به ردّ على النصارى ، لأنه أقر بأنه عبد الله ورسوله . ثم قال : { الكتاب وَجَعَلَنِى } ؛ روي عن ابن عباس أنه قال : معناه علمني الكتاب في بطن أمي ، ويقال : معناه يؤتيني الكتاب وهو الإنجيل ، { وَجَعَلَنِى نَبِيّاً } ؛ أي أكرمني الله تعالى بأن جعلني نبياً ، { وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً } ؛ يعني : جعلني معلماً للخلق { أَيْنَمَا * كُنتُ } ، يعني : حيث ما كنت ، { وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ } ؛ يعني : أوصاني وأمرني بإتمام الصلاة وإعطاء الزكاة { مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِى } ، يعني : جعلني رحيماً بوالدتي ، { وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً } ؛ يعني : لم يخذلني حتى صرت به جباراً عصياً . { والسلام عَلَىَّ } ؛ يعني : السلام عليَّ من الله تعالى { يَوْمَ وُلِدْتُّ } يعني : حين ولدت ، { وَيَوْمَ أَمُوتُ } ؛ يعني : حين أموت ، { وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } ؛ يعني : أبعث يوم القيامة . فكلمهم بهذا ثمّ سكت ، فلم يتكلم حتى كان قدر ما يتكلم الغلمان .
ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39)
ثم قال عز وجل : { ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ } ، أي ذلك الذي قال إني عبد الله ، عيسى ابن مريم ، لا ما يقول النصارى إنه إله . { قَوْلَ الحق } ، يعني : خبر الصدق . قرأ عاصم وابن عامر { قَوْلَ } بنصب اللام ، والباقون بالضم؛ فمن قرأ بالنصب فمعناه أقول الحق ، ومن قرأ بالضم معناه وهو قول الحق . { الذى فِيهِ يَمْتُرُونَ } ، يعني : يشكون في عيسى عليه السّلام ويختلفون فيما بينهم . (3/74)
ثم كذبهم في قولهم فقال : { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } ، يعني : عيسى . ثم نزّه عن الولد فقال : { سبحانه إِذَا قضى أَمْراً } ، يعني : إذا أراد أن يخلق خلقاً مثل عيسى ، { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ، قرأ ابن عامر { فَيَكُونُ } بالنصب ، وقرأ الباقون بالضم ، وقرأ بعضهم : { تَمْتَرُونَ } بالتاء على وجه المخاطبة ، وقراءة العامة بالياء لأنها ليست فيها مخاطبة . { وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ } ؛ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { رَبُّكُمْ } بالنصب على معنى البناء ، والباقون { وَأَنَّ الله } بالكسر على معنى الابتداء وهي قراءة أبي عبيدة؛ وفي قراءة أبيّ { إِنَّ الله } بغير واو فتكون قراءته شاهدة على الكسر . ثم قال : { فاعبدوه } ، يعني : وحدوه وأطيعوه . { هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } ، يعني : هذا الإسلام طريق مستقيم .
{ فاختلف الاحزاب مِن بَيْنِهِمْ } ، يعني : الكفار من أهل النصارى من بينهم ، يعني : بينهم في عيسى وتفرقوا ثلاثة فرق : قالت النسطورية : عيسى ابن الله ، واليعقوبية قالوا : إن الله هو المسيح ، والملكانية قالوا : إن الله ثالث ثلاثة . { فَوَيْلٌ } ، يعني : الشدة من العذاب { لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } ، يعني : من عذاب يوم القيامة ، بأن عيسى لم يكن الله ولا ولده ولا شريكه ، ويقال : ويل صخرة في جهنم .
{ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لكن الظالمون } ، أي المشركون . { اليوم } ، يعني : في الدنيا { فِى ضلال مُّبِينٍ } ، أي في خطأ بيّن لا يسمعون الهدى ولا يبصرون ولا يرغبون فيه . { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة } ، يقول : وأنذرهم يا محمد أي خوفهم بهول يوم القيامة ، { إِذْ قُضِىَ الامر } ؛ يعني : فرغ من الأمر إذا دخل أهل الجنة الجنة ، ودخل أهل النار النار ، وهو يوم القيامة . { وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ } ، يعني : هم في الدنيا في غفلة من تلك الندامة والحسرة . { وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ، يعني : لا يصدقون بالبعث .
قال : حدثنا محمد بن الفضل قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا إبراهيم بن يوسف قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي مسلمة ، عن الزهري ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يَؤْتَى بِالمَوْتِ فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ ، فَيُقَالُ : يَا أَهْلَ الجَنَّةِ ، فَيطلعُونَ . وَيُقَالُ : يا أهْلَ النَّارِ ، فيطلعونَ . فيقالُ : هَلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فَيَقُولُونَ : نَعَم يَا رَبَّنَا ، هَذا المَوْتُ . قال : فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ على الصَّرَاطِ ، ثم يقالُ : للفريقينِ . خُلُودٌ لا مَوْتَ فِيهَا أبداً » . وروى الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، فذلك قوله : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة إِذْ قُضِىَ الامر } الآية .
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)
نَحْنُ نَرِثُ الارض وَمَنْ عَلَيْهَا } ، يعني : نميت أهل الأرض كلهم ومن عليها ، { وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } في الآخرة . { واذكر فِى الكتاب إبراهيم } ، يعني : خبر إبراهيم . { إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً } ، يعني : صادقاً . وقال الزجاج : الصديق اسم للمبالغة في الصدق ، يقال : كل من صدق بتوحيد الله عز وجل وأنبيائه عليهم السلام وفرائضه وعمل بما صدق فيه فهو صديق ، ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق . { إِذْ قَالَ لاِبِيهِ } ، وهو آزر بن تارخ بن تاخور وكان يعبد الأصنام : { لاِبِيهِ ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ } دعاءك { وَلاَ يَبْصِرُ } عبادتك { وَلاَ يُغْنِى عَنكَ } من عذاب الله عز وجل { شَيْئاً } ؛ قرأ ابن عامر : { ***يَا أَبَتَ } بالنصب ، والباقون بالكسر ، وكذلك ما بعده . والعرب تقول في النداء : يا أبت ولا تقول يا أبتي . (3/75)
ثم قال : { شَيْئاً ياأبت إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ العلم } من الله تعالى من البيان ، { مَا لَمْ يَأْتِكَ } أنه من عند غير الله ، عذبه الله في الآخرة بالنار . { فاتبعنى } ، يعني : أطعني فيما أدعوك ، ويقال : اتبع دين الله؛ { أَهْدِكَ } ، يعني : أرشدك { صِرَاطاً سَوِيّاً } ، يعني : طريقاً عدلاً قائماً ترضاه . { سَوِيّاً ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان } ، يعني : لا تطع الشيطان ، فمن أطاع شيئاً فقد عبده . { إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً } ، يعني : عاصياً .
ثم قال : { عَصِيّاً ياأبت إِنّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ } ، يعني : أعلم أن يمسك { عَذَابِ } ، إن أقمت على كفرك يصيبك عذاب . { مّنَ الرحمن } ، { فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً } ؛ يعني : قريناً في النار . { قَالَ } له أبوه : { أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى } ، يعني : أتارك أنت عبادة آلهتي؟ { الِهَتِى ياإبراهيم لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لارْجُمَنَّكَ } ، يقول : إن لم تنته عن مقالتك ولم ترجع عنها ، لأسبنك وأشتمنك . وكل شيء في القرآن من الرجم فهو القتل غير ها هنا ، فإن هاهنا المراد به السبُّ والشتم . { واهجرنى مَلِيّاً } ، يعني : تباعد عني حيناً طويلاً ولا تكلمني؛ وقال السدي : { مَلِيّاً } تعني أبداً ، وقال قتادة : { واهجرنى مَلِيّاً } يعني : تباعد عني سالماً؛ ويقال : لا تُكلِّمني دهراً طويلاً .
{ قَالَ } إبراهيم : { سلام عَلَيْكَ } ، يعني : أكرمك الله بالهدى؛ { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } ، يعني : سأدعو لك ربي . { إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً } ، يعني : باراً عوّدني الإجابة إذا دعوته ، ويقال : تحفَّيتُ بالرجل إذا بالغتُ في إكرامه ، وهذا قول القتبي ، ويقال : { حَفِيّاً } يعني : عالماً يستجيب لي إذا دعوته ، وكان يستغفر له ما دام أبوه حياً؛ فلما مات كافراً ، ترك الاستغفار له وكان يرجو أن يهديه الله عز وجل . قوله عز وجل :
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)
{ وَأَعْتَزِلُكُمْ } يعني : وأترككم { وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } ، يعني : أترك عبادة ما تعبدون من دون الله عز وجل ، { وَأَدْعُو رَبّى عَسَى * أَن لا ****أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا } ؛ يعني : لا يخيبني إذا دعوته ، فهاجر إلى بيت المقدس . { فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ } ، يعني : أكرمناه بالولد وهو إسحاق وولد الولد وهو يعقوب . وقال بعض الحكماء : من هاجر في طلب رضاء الله عز وجل ، أكرمه الله عز وجل في الدنيا والآخرة؛ كما أن إبراهيم هاجر من قومه في طلب رضى الله تعالى عنه ، فأكرمه الله تعالى بإسحاق ويعقوب عليهما السلام والثناء العمل الصالح . (3/76)
ثم قال تعالى : { وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً } ، يعني : إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام أكرمناهم بالنبوة ، { وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا } ؛ يعني : من نعمتنا المال والولد في الدنيا؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « نِعْمَ المالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِح » . { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } ، يعني : أكرمناهم بالثناء الحسن ، وكل أهل دين يقولون دين إبراهيم بزعمهم .
{ واذكر فِى الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً } ، يعني : أخلصه الله عز وجل ، ويقال : { مُخْلِصاً } يعني : جعله الله مختاراً خالصاً . قرأ حمزة والكسائي وعاصم بنصب اللام يعني : أخلصه الله عز وجل ويقال : مخلصاً من الكفر والمعاصي وقرأ الباقون { مُخْلِصاً } بالكسر يعني : مخلصاً في العمل . { وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } إلى بني إسرائيل ، { وناديناه مِن جَانِبِ الطور الايمن } ، يعني : من يمين موسى ولم يكن للجبل يمين ولا شمال { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } ، أي كلمناه بلا وحي؛ وقال الكلبي : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } وقربناه حتى سمع صرير القلم في اللوح ، وقال السدي : أدخل في السماء الدنيا وكلم ، وقال الزجاج : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } مناجياً .
ثم قال عز وجل : { وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا } من نعمتنا { أَخَاهُ هارون نَبِيّاً } ، فكان معه وزيراً معيناً .
{ واذكر فِى الكتاب إسماعيل } ، يعني : اذكر في القرآن خبر إسماعيل . { إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد } ، إذا وعد أنجز . قال مقاتل : إن إسماعيل وعد رجلاً أنْ ينتظره ، فقام مكانه ثلاثة أيام للميعاد ، حتى رجع الرجل إليه؛ وقال في رواية الكلبي : كان ميعادُه الذي وعد فيه صاحبه انتظره حتى حال الحول ، وقال مجاهد : إنه كان صادق الوعد ، يعني : لم يعد شيئاً إلا وفى به . { وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } ، يعني : كان رسولاً إلى قومه ، نبياً يُخبر عن الله عز وجل . { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ } ، يعني : أهل دينه وقومه { وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً } ، يعني : بإتمام الصلاة وإيتاء الزكاة . { وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً } ، يعني : صالحاً ذكياً .
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)
{ واذكر فِى الكتاب إِدْرِيسَ } ، يعني : خبر إدريس . { إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً } ، يعني : صادقاً يُخبر عن الله عز وجل ، وذكر عن وهب بن منبه أنه قال : إنما سمي إدريس لكثرة ما يدرس من كتاب الله عز وجل والسنن ، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة ، وهو أول من لبس ثوب القطن؛ وكانوا من قبل ذلك يلبسون جلود الضأن ، واسمه أخنوخ ويقال إلياس . { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } ، يعني : الجنة؛ وقال مجاهد : يعني : في السماء الرابعة . قال : أخبرني الثقة بإسناده ، عن ابن عباس أنه سئل كعب الأحبار عن إدريس فقال كعب : إن إدريس كان رجلاً خياطاً ، وكان يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفتر عن ذكر الله عز وجل ، وكان يكتسب فيتصدق بالثلثين . فأتاه ملك من الملائكة يقال له إسرافيل ، فبشره بالجنة وقال له : هل لك من حاجة؟ قال : وددت أني أعلم إلى متى أجلي فأزداد خيراً . فقال له : ما أعلمه ، ولكن إن شئت حملتك إلى السماء . قال : فحمله إلى السماء ، فلقي ملك الموت ، فسأله عن أجله ، ففتح كتاباً معه فقال : لم يبق من أجلك إلا ست ساعات أو سبع ساعات ، وقال : أُمرتُ أن أقبض نفسك هاهنا ، فقبض نفسه في السماء ، فذلك رفع مكانه . (3/77)
وروى الكلبي ، عن زيد بن أسلم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن إدريس جد أبي نوح؛ وكان أهل الأرض يومئذ بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً ، فكان يصعد لإدريس من العمل ما كان يصعد لجميع بني آدم ، فأحبه ملك الموت ، فاستأذن الله تعالى في خلته ، قال : فأذن له . قال : فهبط إليه في صورة غير صورته ، على صورة آدمي لكيلا يعرفه فقال : يا إدريس إني أحب أن أصحبك وأكون معك . فقال له إدريس : إنك لا تطيق ذلك . قال : أنا أرجو أن يقويني الله عز وجل على ذلك ، فكان معه يصحبه . وكان إدريس يسيح النهار كله صائماً؛ فإذا جنّه الليل أتاه رزقه حيث يمسي ، فيفطر عليه ثم يحيي الليل كله . فساحا النهار كله صائمين ، حتى إذا أمسيا أتى إدريس رزقه فأكله ودعا الآخر ، فقال : لا والذي جعلك بشراً ما أشتهيه ، فيطعم إدريس ثم يستقبلا الليل بالصلاة . فإدريس تناله السآمة والفترة من الليل والآخر لا يسأم ولا يفتر ، فجعل إدريس يتعجب منه ثم أصبحا صائمين فساحا ، حتى إذا جنهما الليل أتى إدريس رزقه فجعل يطعم ودعا الآخر فقال : لا والذي جعلك بشراً ما أشتهيه فيطعم .
ثم استقبلا الليل كله فإدريس تناله السآمة والفترة والآخر لا يسأم ولا يفتر ، فجعل إدريس يتعجب منه ثم أصبحا اليوم الثالث صائمين ، فساحا فمرا على كرم قد أينع وطاب فقال : يا إدريس لو أنا أخذنا من هذا الكرم فأكلنا . فقال إدريس : ما أرى صاحبه فأشتريه منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن . قال : فمضيا حتى مرا على غنم فقال : يا إدريس لو أخذنا من هذا الغنم شاة فأكلنا من لحمها فقال له إدريس : إنك معي منذ ثلاثة أيام ، فلو كنت آدمياً لطعمت؛ وإني لأدعوك كل ليلة إلى الحلال فتأبى علي ، فكيف تدعوني إلى الحرام أن آخذه؟ فبصحبة ما بيني وبينك إلا ما أنبأتني من أنت . قال : إنك ستعلم . قال : أخبرني من أنت؟ قال : أنا ملك الموت . ففزع حين قال أنا ملك الموت .
قال : فإني أسألك حاجة . قال : ما هي قال : أن تذيقني الموت . قال : ما لي من ذلك شيء وليس لك بد من أن تذوقه . قال : فإنه قد بلغني عنه شدة؛ ولعلي أعلم ما شدته ، فأكون له أشد استعداداً . قال : فأوحى الله عز وجل إلى ملك الموت أن يقبض روحه ساعة ثم يرسله . قال : فقبض نفسه ساعة ثم أرسله ، فقال : كيف رأيت؟ قال : لقد بلغني عنه شدة فلقد كان أشد مما بلغني عنه .
قال : فإني أسألك حاجة أُخرى . قال : ما هي؟ قال : أحب أن تُريني النار . قال : ما لي من ذلك شيء ، ولكن سأطلب لك ، فإن قدرت عليه فعلت . فسأل ربه ، فأمره فبسط جناحه فحمله عليه ، حتى صعد به إلى السماء فانتهى به إلى باب من أبواب النار فدقه فقيل : من هذا؟ فقال : ملك الموت . فقال : مرحباً بأمين الله عز وجل ، فهل أمرت فينا بشيء؟ فقال : لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم ، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه النار ، فأحب أن تروها إياه . ففُتح منها بشيء ، فجاءت بأمر عظيم ، فخرّ إدريس مغشياً عليه؛ فحمله ملك الموت وحبسه في ناحية حتى أفاق فقال له ملك الموت؛ ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي ، ولكن سألتني فأحببت أن أسعفك .
قال : فإني أسألك حاجة أخرى ، لا أسألك غيرها . قال : ما هي؟ قال : أحب أن تريني الجنة . قال : ما لي من ذلك شيء ، ولكن سأطلب لك فإن قدرت عليه فعلت . فانطلق به إلى خزنة الجنة ، فدق باباً من أبوابها فقيل : من هذا؟ فقال : أنا ملك الموت . فقالوا : مرحباً بأمين الله عز وجل ، هل أمرت فينا بشيء؟ فقال : لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم ، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه . قال : ففتح له الباب فدخل فنظر إلى شيء لم ينظر مثله قط ، فطاف فيها ساعة ثم قال له ملك الموت : انطلق بنا فلنخرج . فانطلق إلى شجرة فتعلق بها ثم قال : والله لا أخرج ، حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني . فقال ملك الموت : إنه ليس حينها ولا زمانها ، ولكن طلبت إليهم لترى ، فانطلق بنا . فأبى عليه فقبض الله ملكاً من الملائكة فقال له ملك الموت : اجعل هذا الملك حكماً بيني وبينك؟ قال : نعم . قال الملك : ما هو يا ملك الموت؟ فأخبره بالقصة ، ثم نظر الملك إلى إدريس قال : ما تقول يا إدريس؟ قال : أقول إن الله يقول : { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور } [ آل عمران : 185 ] ويقول : { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } [ مريم : 71 ] وقد وردتها وقال لأهل الجنة : { لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } [ الحجر : 48 ] . فوالله لا أخرج منها حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني . قال : فسمع هاتفاً يقول : بإذني دخل وبإذني فعل فخل سبيله ، فذلك قوله عز وجل : { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } »
أي الجنة؛ ويقال : ورفعناه في القدر والمنزلة ، ويقال : ورفعناه في النبوة والعلم . (3/78)
ثم قال عز وجل : { أولئك } ، يعني : إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس وسائر الأنبياء { الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين مِن ذُرّيَّةِ *** ءادَمَ **وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } من سائر الأنبياء وهم ولد نوح إلا إدريس ، يعني : حملناهم على السفينة وهم في صلب نوح وأولاده ، { وَمِن ذُرّيَّةِ إبراهيم وإسراءيل } وهو يعقوب؛ { وَمِمَّنْ هَدَيْنَا } يعني : أكرمنا بالنبوة ، ويقال : أكرمنا بالإسلام ، { واجتبينا } ؛ يعني : واصطفينا بعد هؤلاء . { أُولَئِكَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم } ، يعني : القرآن ، { خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً } ؛ يعني : يسجدون ويبكون من خوف الله عز وجل . بكيّ : جمع باكي . وقوله : { سُجَّداً وَبُكِيّاً } منصوب على الحال ، وقال بعضهم : { ***بُكِياً } مصدر بكى يبكي بكياً ، وقال الزجاج : من قال مصدر فهو خطأ ، لأن { لِلاْذْقَانِ سُجَّدًا } جمع ساجد { وَبُكِيّاً } عطف عليه فهو جمع باك .
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)
{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } يعني : بقي بعد الأنبياء الذين ذكرناهم من أول السورة إلى هنا بقيات سوء ، وهم اليهود والنصارى . يقال : في الرداءة خَلْفٌ بإسكان اللام وفي الصلاح خَلَفَ بفتح اللام . ثم وصفهم فقال : { فَخَلَفَ مِن } ، يعني : عن وقتها ، ويقال : تركوها ، ويقال : تركوا الصلاة فلم يؤدُّوها وجحدوا بها فكفروا ، { واتبعوا الشهوات } ؛ يعني : وشربوا الخمر ، ويقال : استحلوا الزنى ، ويقال : استحلوا نكاح الأخت من الأب . { فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } ، يعني : شراً ، ويقال : وادي في جهنم يسمى غَيّاً ، ويقال : مجازاة الغيّ كما قال الله عز وجل { والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً } [ الفرقان : 68 ] أي مجازاة الآثام . (3/79)
ثم استثنى فقال تعالى : { إِلاَّ مَن تَابَ } ، يعني : رجع عن الكفر { وَامَنَ } ، يعني : صدق بتوحيد الله عز وجل ، { وَعَمِلَ صالحا } بعد التوبة . { فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } ، يعني : لا ينقصون شيئاً من ثواب أعمالهم . ثم قال عز وجل : { جنات عَدْنٍ } صار خفضاً ، لأن معناه يدخلون في جنات عَدْنٍ . { التى وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب } ، يعني : ما غاب عن العباد والله عز وجل لا يغيب عنه شيء . { إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } ، يعني : جائياً كائناً وقال القتبي : { مَأْتِيّاً } يعني : المفعول بمعنى الفاعل ، يعني : جائياً؛ وقال الزجاج : { مَأْتِيّاً } مفعول من الإتيان ، لأن كل من وصل إليك فقد وصلت إليه وكل من أتاك فقد أتيته .
{ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا } ، يعني : في الجنة { لَغْواً } ، يعني : حَلفاً وباطلاً . { إِلاَّ سلاما } ، يعني : ويسمعون السلام يسلم بعضهم على بعض . وقال الزجاج : اللغو ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه ، والسلام اسم جامع للخير لأنه يتضمن السلامة ، يعني : لا يسمعون إلا سلامهم . { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } ، يعني : طعامهم على مقدار البكرة والعشي ، وليس هناك بُكرة ولا عشيّ . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبهم ذلك ، فأخبرهم الله تعالى أن لهم في الجنة هذه الحالة؛ وقال القتبي : الناس يختلفون في مطاعمهم ، فمنهم من يأكل وجبة أي مرة واحدة في كل يوم ، ومنهم من يأكل متى وجد بغير وقت ولا عداد ، ومنهم من يأكل الغداء والعشاء . فأعدل هذه الأحوال كلها وأنفعها الغداء والعشاء . والعرب تقول : عن ترك العشاء مهرمة ، ويذهب بلحم الكارة ، يعني : باطن الفخذ ، فجعل طعام أهل الجنة على قدر ذلك .
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70)
ثم قال عز وجل : { تِلْكَ الجنة التى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً } يعني : مطيعاً لله عز وجل . { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } وذلك حين أبطأ عليه الوحي ، وعند سؤال أهل مكة عن ذي القرنين وأصحاب الكهف وأمر الروح عاتب المصطفى جبريل ، فقال الله تعالى : قل يا جبريل لمحمد ومعناه : قل : { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } { لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } من أمر الآخرة { وَمَا خَلْفَنَا } من أمر الدنيا { وَمَا بَيْنَ ذلك } أي ما بين النفختين { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } يعني : لم يكن ينساك ربك حيث لم يوح إليك ، ويقال : { مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } من أمر الآخرة والثواب والعقاب { وَمَا خَلْفَنَا } جميع ما مضى من أمر الدنيا { وَمَا بَيْنَ ذلك } ما يكون في هذا الوقت منا . { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } أي قد علم الله عز وجل ما كان وما يكون وما هو كائن حافظ لذلك ، ويقال : ما نسيك ربك وإن تأخر عنك الوحي . وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل : « مَا مَنَعَكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَر مِمّا تَزُورُنَا » فنزلت هذه الآية . (3/80)
ثم قال { رَبّ * السموات والارض } أي : خالق السموات وخالق الأرض { وَمَا بَيْنَهُمَا } من الخلق ، ويقال : { رَبّ * السموات والارض } أي مالكهما وعالم بهما وما فيهما . { فاعبده } أي : أطعه { واصطبر لِعِبَادَتِهِ } يعني : احبس نفسك على عبادته { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } يعني : هل تعلم أحداً يسمى الله سوى الله وهل تعلم أحداً يسمى الرحمن سواه ، ويقال هل تعلم أحداً يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون .
{ وَيَقُولُ الإنسان } يعني : أبي بن خلف { أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } للبعث على معنى الاستفهام ، قال الله عز وجل : { أَوْ لاَ *** يَذْكُرُ إلإنسان } يعني أو لا يتعظ ويعتبر { أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } قرأ : نافع وعاصم وابن عامر { أَوْ لاَ * يُذْكَرِ } بجزم الذال مع التخفيف يعني أو لا يعلم والباقون { أَوْ لاَ * يُذْكَرِ } ، بنصب الذال والتشديد ثم قال { فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ } أقسم الرب بنفسه ليبعثنهم وليجمعنهم يعني الذين أنكروا البعث . { والشياطين } يعني الشياطين { ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ } يعني : لنجمعنهم { حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً } يعني : جميعاً . قال أهل اللغة : الجثيُّ جمع جَاثِي مثل بارِك وبرك وساجد وسجد وقاعد وقعد ، أي على ركبهم ، ولا يقدرون على القيام . قال الزجاج : الأصل في الجسم ، وجاز كسرها إتباعاً لكسر التاء وهو نصب على الحال { ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ } يعني : لنخرجن من كل شيعة من أهل كل دين { أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً } يعني : جرأة على الله عز وجل ، وهم القادة في الكفر وساداتهم ، نبدأ بهم فنعذبهم في النار . وروي عن سفيان عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص في قوله { أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً } قال : يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً .
قوله عز وجل : { ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً } أي : أحق بالنار دخولاً .
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)
{ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } قال بعضهم : أي داخلها ، المؤمن والكافر يدخلون على الصراط ، وهو ممدود على متن جهنم ، ويقال : { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } يعني الكفار الذين تقدم ذكرهم . (3/81)
وروى سفيان عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد أن نافع بن الأزرق خاصم ابن عباس وقال : لا يردها مؤمن ، فقال ابن عباس : أما أنا وأنت فسندخلها ، فانظر بماذا نخرج منها إن خرجنا .
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : يرد الناس جميعاً الصراط وورودهم قيامهم حول النار ثم يمرون على الصراط بأعمالهم ، فمنهم من يمر مثل البرق ، ومنهم من يمر مثل الريح ، ومنهم من يمر مثل الطير ، ومنهم من يمر كأجود الخيل ، ومنهم من يمر كأجود الإبل ، ومنهم من يمر كعدو الرجل ، حتى أن آخرهم مثل رجل نوره على إبهامي قدميه ، ثم يتكفأ به الصراط ، والصراط دحض مزلة كحدّ السيف عليه حسك كحسك العتاد ، وحافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار يختطفون بها الناس ، فبين مارٍ ناج ، وبين مخدوش مكدوش في النار ، والملائكة عليهم السلام يقولون : ربِّ سلِّم سلِّم .
وروى سفيان عن ثور بن خالد بن معدان قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا : أَلَمْ يَعِدْنا رَبُّنَا أَنَّا نَرِدُ النَّارَ؟ قال : إنكم قد مررتم بها وهي خامدة ، فذلك قوله عز وجل { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } يعني : الخلائق على الصرط ، والصراط في جهنم { كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } يعني قضاء واجباً .
قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مندوست قال : حدثنا فارس بن مردويه قال : حدثنا محمد بن الفضل قال : حدثنا عدي بن عاصم قال : حدثنا يزيد بن هارون قال : حدثنا جرير عن أبي السليل عن غنيم بن قيس عن أبي العوام قال : قال كعب : هل تدرون ما قوله { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } ؟ قالوا : ما كنا نرى ورودها إلا دخولها . قال : لا ، ولكن ورودها أن يجاء بجهنم كأنها متن إهالة ، حتى إذا استوت عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم نادى مناد : خذي أصحابك وذري أصحابي ، فتخسف بكلّ ولي لها وهي أعلم بهم من الوالد لولده ، وينجو المؤمنون نديَّة ثيابهم .
قال : وحدثني الثقة بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية كبا لها الناس كبوةً شديدة ، وحزنوا حتى بلغ الحزن كل مبلغ ، وليس أحداً إلا وهو يدخلها فأنشؤوا يبكون .
قال : ونزل بابن مظعون ضيف فقال لامرأته : هيئي لنا طعاماً فاستوصي بضيفك خيراً حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهى إليه وهم يبكون فقال : ما يُبْكِيكُمْ؟ قالوا : نزلت هذه الآية { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } يقول : كائناً لا يبقى أحد إلا دخلها ، فأنشأ عثمان بن مظعون يبكي ، ثم انصرف إلى منزله باكياً ، فلما أتى منزله سمعت امرأته بكاءه ، فأنشأت تبكي ، فلما سمع الضيف بكاءهما أنشأ يبكي ، فلما دخل عليهما عثمان قال لها : ما يبكيك؟ قالت : سمعت بكاءك فبكيت ، فقال للضيف : وأنت ما يبكيك؟ قال : عرفت أن الذي أبكاكما سيبكيني ، قال عثمان فابكوا وحق لكم أن تبكوا ، أنزل الله عز وجل اليوم على رسوله { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } فمكثوا بعد هذه الآية سنتين ، ثم قال عز وجل : { ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا } وروي في بعض الأخبار أنه نزل بعد ثلاثة أيام { ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا } الشرك والمعاصي { وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً } يعني : المشركين جميعاً فيها ، ففرح المسلمون بها قرأ الكسائي .
{ نُنَجّى } بالتخفيف والباقون بالنصب والتشديد ، أنجى ينجي وَنَجَّى ينجي بمعنى واحد . (3/82)
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)
{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ } تعرض عليهم ، يعني واضحات قد بين فيها الحلال والحرام { قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } يعني أن النضر بن الحارث قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويقال : أهل مكة قالوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم { أَىُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً } يعني أهل الدينين ، يعني : منزلاً ، قرأ ابن كثير { مَقَاماً } بضم الميم والباقون بالنصب ، فمن قرأ بالضم فهو الإقامة ، يقال : أقمت إقامة ومقاماً ، ومن قرأ بالنصب فهو المكان الذي يقام فيه { وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } يعني : مجلساً ، وذلك أنهم لبسوا الثياب ، ودهنوا الرؤوس ، ثم قالوا للمؤمنين : أيُّ الفريقين خير منزلةً المسلمون أو المشركون؟ وأرادوا أن يصرفوهم عن دينهم { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً } يعني : أكثر أموالاً وَرِئْياً يعني : منظراً حسناً ، فلم يُغن عنهم ذلك من عذاب الله شيئاً . قرأ نافع وابن عامر { ***وريّاً } بتشديد الياء بغير همز ، يعني النعمة ، والباقون { ***ورئياً } بالهمز بغير تشديد يعني المنظر . قال أبو عبيد : وهكذا نقرأ مهموزاً لأنه من رؤية العين ، وإنما هي المنظر . (3/83)
ثم قال عز وجل : { وَرِءياً قُلْ مَن كَانَ فِى الضلالة } يعني : قل يا محمد من كان في الكفر والشرك { فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً } يعني : يزيد له مالاً وولداً . قوله : { فَلْيَمْدُدْ } هذا لفظ الأمر ، ومعناه الخبر ، وتأويله أن الله عز وجل جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها ، ويمده فيها ، كما قال { الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ } [ البقرة : 15 ] { حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } يعني في الآخرة من العذاب والثواب { إِمَّا العذاب } في الدنيا { وَإِمَّا الساعة } أي قيام الساعة { فَسَيَعْلَمُونَ } يعني : فسيعرفون يوم القيامة { مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً } يعني : صنيعاً في الدنيا ، ومنزلاً في الآخرة { وَأَضْعَفُ جُنداً } يعني : أقل عدداً وقوة ومنعة أهم أم المؤمنون ، { وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى } يعني : يزيد الله عز وجل الذين آمنوا بالمنسوخ هدى بالناسخ ليعملوا بالناسخ دون المنسوخ ، ويقال جعل جزاءهم أن يزيدهم في يقينهم ويزيدهم بصيرة { والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا } وقد ذكرناه { وَخَيْرٌ مَّرَدّاً } يعني : وأفضل مرجعاً في الآخرة .
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)
{ أَفَرَأَيْتَ الذى كَفَرَ بئاياتنا } يعني : بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { وَقَالَ لاَوتَيَنَّ } يعني : لأعطين { مَالاً وَوَلَدًا } في الجنة . روى أسباط عن السدي أن خباب بن الأرت كان صائغاً يعمل للعاص بن وائل حلياً ، فجاء يسأله أجره ، فقال له العاص : أنتم تزعمون أن لنا بعثة وجنة وناراً ، فإذا كان يوم القيامة ، فإني سأوتى مَالاً وَوَلداً ، وأعطيك منه ، فنزل { أَفَرَأَيْتَ الذى كَفَرَ بئاياتنا وَقَالَ لاَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً } في الجنة . قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو { مَالاً وَوَلَدًا } بفتح اللام والواو في كل القرآن ، غير أن أبا عمرو قرأ في سورة نوح بالضم ، وهكذا روي عن مجاهد ، وقرأ حمزة والكسائي بضم الواو وجزم اللام من ها هنا إلى آخر السورة ، والتي في الزخرف ، والتي في سورة نوح ، وقال أبو عبيد : إنما قرأ هكذا لأنهما جعلا الوُلْد غير الوَلَد ، فيقال : الوُلْد جماعة الأهل ، والوَلَد واحد ، وقال الزجاج : الوُلْد مثل أسد وأُسْد ، وجائز أن يكون الوَلد بمعنى الولد قال أبو عبيد والذي عندنا في ذلك أنهما لغتان ، والذي نختاره منهما بفتح اللام والواو . (3/84)
قال الله عز وجل رداً على الكافرين { أَطَّلَعَ الغيب } يقول : أنظر في اللوح المحفوظ { أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً } يعني : أعقد عند الله عقد التوحيد وهو قول لا إله إلاّ الله ، ويقال : أعهد إليه أن يجعل له في الجنة { كَلاَّ } وهو رد عليه لا يعطى له ذلك ، واعلم أنه ليس في النصف الأول كلا ، وأما النصف الثاني ففيه نيف وثلاثون موضعاً ، ففي بعض المواضع في معنى الرد للكلام الأول ، وفي بعض المواضع للتنبيه في معنى الافتتاح ، وفي بعض المواضع يحتمل كلا الوجهين . فأول ذلك { أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً *** كَلاَّ } تم الكلام عنده أي : كلا لم يطلع الغيب ولم يتخذ عهداً ، ثم ابتدأ { سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ } من ذلك قوله { فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلاَّ } لا يقتلونك . وأما الذي هو للتنبيه في معنى الافتتاح قوله عز وجل { حتى زُرْتُمُ المقابر * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } [ التكاثر : 2/3 ] وقوله عز وجل { سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ } من الكذب ، يعني : سنحفظ ما يقول { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب } يعني : نزيد له من العذاب { مَدّاً } يعني : بعضه على إثر بعضٍ { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } يعني : نعطيه غير ما يقول في الجنة ، ونعطي ما يدعي لنفسه لغيره { وَيَأْتِينَا فَرْداً } يعني : وحيداً بغير مال ولا ولد { واتخذوا مِن دُونِ الله ءالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } يعني : منعة في الآخرة { كَلاَّ } رد عليهم أي لا يكون لهم منعة . وتم الكلام . ثم قال : { سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم } يعني : الآلهة يجحدون عبادتهم { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } يعني : الآلهة تكون عوناً عليهم في العذاب ، ويقال : عدواً لهم في الآخرة ، ومن هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : « مَنْ طَلَبَ رِضَا المَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ عَادَ الحَامِدُ لَهُ ذَامّاً »
أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)
ثم قال عز وجل : { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين } يعني : ألم تخبر في القرآن أنا سلطنا الشياطين { عَلَى الكافرين } مجازاة لهم ويقال : خلينا بينهم وبين الكفار فلم نعصمهم { تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } يعني : تزعجهم إزعاجاً وتغريهم إغراءً حتى يركبوا المعاصي ، قال الضحاك : { تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } أي تأمرهم أمراً ، وقال الحسن : تقدمهم إقداماً إلى الشر ، وقال الكلبي : نزلت الآية في المستهزئين بالقرآن وهم خمسة رهط { فَلاَ تَعْجَلْ } يا محمد { عَلَيْهِمْ } بالعذاب { إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً } يعني : أيام الحياة ، ثم ينزل بهم العذاب ويقال : نعد عليهم النفس بعد النفس ويقال : الأيام والليالي والشهور قوله عز وجل : { يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين } يعني : اذكر يوم نحشر المتقين الذين اتقوا الشرك والفواحش { إِلَى الرحمن وَفْداً } يعني : ركباناً على النوق والوفد جمع الوافد مثل الركب جمع راكب والوفد الذي يأتي بالخبر والبشارة ويجازي بالحياة الكرامة . وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ { يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً } ثم قال : أتدرون على أي شيء يحشرون أما والله ما يحشرون على أقدامهم ، ولكن يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها ، عليها أرحال الذهب ، وأزمتها من الزبرجد ثم ينطلق بهم حتى يقرعوا باب الجنة . وقال الربيع بن أنس يوفدون إلى ربهم فيكرمون ويعظمون ويشفعون ويحيون فيها بالسلام . ويقال : { إِلَى الرحمن } يعني : إلى الرحمة وهي الجنة ويقال : { إِلَى الرحمن } يعني : إلى دار الرحمن . ثم قال عز وجل { وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً } يعني : عطاشاً مشاة ، وأصله الورود على الماء والوارد على الماء يكون عطشاناً . (3/85)
لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)
قال عز وجل : { لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً } يعني : من جاء بلا إله إلا الله ، وقال سفيان الثوري : إلا من قدم عملاً صالحاً { وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً } يعني : اليهود والنصارى { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } يعني : قلتم قولاً عظيماً منكراً ويقال كذباً وزوراً ، قال عز وجل { تَكَادُ * السموات *** يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } يعني : من قولهم { وَتَنشَقُّ الارض } يعني : تتصدع الأرض { وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً } تصير الجبال كسراً { أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً } يعني : بأن قالوا لله ولد . روي عن بعض الصحابة أنه قال كان بنو آدم لا يأتون شجرة إلا أصابوا منها منفعة حتى قالت فجرة بني آدم اتَّخذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً اقشعرت الأرض وهلك الشجر ، وقرأ نافع والكسائي { يَكَادُ } بالياء على لفظ التذكير والباقون بالتاء لأن الفعل مقدم ، فيجوز كلاهما ، وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وعاصم في رواية حفص { يَتَفَطَّرْنَ } بالتاء والباقون بالنون ومعناهما واحد مثل ينشق وتنشق ، قال الله عز وجل : { وَمَا يَنبَغِى للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } يعني : ما اتخذ الله عز وجل ولداً { إِن كُلُّ مَن فِى *** السموات والارض **إِلاَّ اتِى الرحمن عَبْداً } يعني : أقر بالعبودية يعني : به الملائكة وعيسى وعزيراً وغيرهم { لَّقَدْ أحصاهم } يعني : حفظ عليهم أعمالهم ليجازيهم بها { وَعَدَّهُمْ عَدّاً } يعني : علم عددهم ، ويقال : { أحصاهم } أي : حفظ أعمالهم فيجازيهم { وَعَدَّهُمْ عَدّاً } أي : علم عدد أنفاسهم وحركاتهم { وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً } يعني : وحيداً بغير مال ولا ولد { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } يعني : الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً } يعني : يحبهم ويحببهم إلى الناس ، وقال كعب الأحبار : قرأت في التوراة أنها لم تكن محبة لأحد إلا كان بدؤها من الله تعالى ينزل إلى أهل السماء ثم ينزلها إلى أهل الأرض ، ثم قرأت القرآن فوجدته فيه وهو قوله { سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً } يعني : محبة في أنفس القوم ، روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إِذَا أَحَبَّ الله عَبْدَاً نَادَىَ جِبْرِيْلَ قَدْ أَحْبَبْتُ فُلاَنَاً فَأَحِبُّوهُ فَيُنَادِي في السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ المَحَبَّةُ فِي الأَرْضِ ، وَإِذَا أَبْغَضَ الله عَبْدَاً نَادَىَ جِبْرِيلَ قَدْ أَبْغَضْتُ فُلاناً فَيُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءَ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ » . قوله عز وجل : { فَإِنَّمَا يسرناه بِلَسَانِكَ } يعني : هَوَّنا قراءة القرآن على لسانك { لِتُبَشّرَ بِهِ المتقين } أي : الموحدين { وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً } أي جُدلاً بالباطل شديدي الخصومة ، هو جمع ألد مثل أصم وصم . (3/86)
{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ } يعني : من قبل قريش { هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ *** مّنْ أَحَدٍ } يعني : هل ترى منهم من أحد { أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } أي صوتاً خفياً ، والركز الصوت الذي لا يفهم ، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله .
طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)
قوله تعالى : { طه } قرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي في رواية أبي بكر «طِهِ» بكسر الطاء والهاء ، وقرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية حفص بنصب الطاء والهاء ، وقرأ نافع وسطاً بين النصب والكسر ، وقرأ أبو عمرو وابن العلاء بنصب الطاء وكسر الهاء . (3/87)
قال ابن عباس رضي الله عنه في رواية أبي صالح : لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادة ، فاشتد عليه ، فجعل يصلي الليل كله حتى شق عليه ذلك ، ونحل جسمه ، وتغير لونه فقال أبو جهل وأصحابه : إنك شقي فأتنا بآية أنه ليس مع إلهك إله ، فنزل { طه } يعني : يا رجل بلسان عك ، وعنى به النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال عكرمة والسدي : هو بالنبطية ، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : طه كقولك يا فلان ، ويقال : إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع رجلاً ووضع أُخرى ، فنزل : { طه } يعني : طإ الأرض بقدميك جميعاً .
وقال مجاهد : { طه } فواتح السورة .
ويقال : طا طرب المؤمنين في الجنة وها هو أن الكافرين في النار .
ويقال : الطا طلب المؤمنين في الحرب والها : هرب الكافرين .
{ مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرءان لتشقى } يعني : لتنصب نفسك وتتعبها { إِلاَّ تَذْكِرَةً لّمَن يخشى } يقول : لم ننزله إلا عظة لمن يسلم ، وقال القتبي : في الآية تقديم ، يقول : ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى لا أن تشقى ، ثم قال : { تَنْزِيلاً } يعني : تنزل به جبريل عليه السلام { مّمَّنْ خَلَق الارض والسماوات العلى } يعني : نزل من عند خالق السموات والأرض { العلى } يعني : الرفيع . وقال أهل اللغة : { العلى } جمع العليا ، تقول : السماء العليا والسموات العلى ثم قال { الرحمن عَلَى العرش استوى } أي : حكمه ، ويقال : كان فوق العرش حين خلق السموات والأرض ويقال : استوى استولى وملك كما يقال : استوى فلان على بلد كذا يعني : استولى عليها وملكها ، فالله تعالى بين لخلقه قدرته وتمام ملكه أنه يملك العرش وله ما في السموات وما في الأرض ، فذلك قوله : { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض *** وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثرى } يعني : ما تحت الأرض السابعة السفلى وروى أسباط عن السدي في قوله عز وجل : { وَمَا تَحْتَ الثرى } قال : الصخرة التي تحت الأرض السابعة وهي صخرة خضراء ، وهي سجين التي فيها كتاب الكفار ، ويقال : الثرى تراب رطب مقدار خمسمائة عام تحت الأرض ، ولولا ذلك لأحرقت النار الدنيا وما فيها . وروي عن ابن عباس أنه قال : بسطت الأرض على الصخرة ، والصخرة بين قرني الثور ، والثور على الثرى وما يعلم ما تحت الثرى ، إلا الله عز وجل .
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)
ثم قال : { وَإِن تَجْهَرْ بالقول } يعني : تعلن بالقرآن { فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى } يعني : ما أسررت في نفسك { وَأَخْفَى } يعني : ما لم تحدث في نفسك ، وهذا قول الضحاك ، وقال ابن عباس هكذا ، وقال عكرمة : السر ما حدث الرجل به أهله وأخفى ما تكلمت به نفسك ، وروى منصور بن عمار عن بعض الصحابة قال : السر ما أسررت به في نفسك ، وأخفى من السر ما لم يطلع عليه أحد أنه كَائِنٌ ، ثم قال عز وجل : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } يعني : هو الله الخالق الرزاق لا خالق ولا رازق غيره { لَهُ الاسماء الحسنى } يعني : الصفات العلى . (3/88)
{ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى } يعني : خبر موسى عليه السلام في القرآن ثم أخبره فقال { إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لاِهْلِهِ امكثوا } يعني : انزلوا مكانكم وقفوا { إِنّى آنَسْتُ نَاراً } يعني : أبصرت ناراً وذلك حين رجع من مدين مع أهله أصابهم البرد فرأى موسى ناراً من البعد فقال لهم : { امكثوا إِنّى ءانَسْتُ نَاراً } { لَّعَلّى اتِيكُمْ مّنْهَا بِقَبَسٍ } يعني : بشعلة وهو ما اقتبس من عود { أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى } يعني : هادياً يدلنا على الطريق وكان موسى عليه السلام ضل الطريق وكانت ليلة مظلمة { فَلَمَّا أتاها } يعني : انتهى إلى النار { نُودِىَ } يعني : دعي { حَدِيثُ موسى } قال ابن عباس : لما أتى النار فإذا هي نار بيضاء تستوقد من شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها وهي خضراء فجعل يتعجب منها ، وقال في رواية كعب : فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسه ، فلما طال ذلك أهوى إليها بضغث في يده وهو يريد أن يقتبس من لهبها ، فلما فعل ذلك مالت نحوه كأنها تريده ، فاستأخر عنها ، ثم عاد فطاف بها ، فنودي { واحدة فَإِذَا هُم بالساهرة هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ } يعني : المطهر ، قال مقاتل : طوى اسم الوادي ، وقال مجاهد : أي : طي الأرض حافياً . قال عامة المفسرين : إنما أمره أن يخلع نعليه لأنهما كانا من جلد حمار ميت ، وقال بعضم : أراد أن يصيب باطن قدميه من الوادي ليتبرك به ، وروي عن كعب الأحبار أنه كان جالساً في المسجد فجاء رجل يصلي فخلع نعليه ثم جاء آخر يصلي فخلع نعليه ، ثم جاء آخر فخلع نعليه ، فقال لهم كعب الأحبار : أنبيكم صلى الله عليه وسلم أمركم بهذا؟ قالوا لا . قال : فلم تخلعون نعالكم إذا صليتم؟ قالوا : سمعنا الله تعالى يقول : { أَتَاكَ حَدِيثُ موسى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ } قال : أتدرون من أي شيء كانتا نعلاه؟ قالوا : لا . قال : إنما كانتا من جلد حمار ميت ، فأمره الله تعالى أن يخلعهما ليمسه القدس كله . وقال عكرمة : { أَتَاكَ حَدِيثُ موسى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ } قال : لكي يمس راحة قدميه الأرض الطيبة . قرأ ابن كثير وأبو عمرو { إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ } بنصب الألف يعني : بأني أنا ربك على معنى البناء ، والباقون بكسر الهاء ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع { طُوًى } بنصب الواو بغير تنوين وقرأ الباقون بالتنوين .
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)
ثم قال : { وَأَنَا اخترتك } يعني : اصطفيتك للرسالة ، قرأ حمزة بكسر الألف وتشديد النون { وَأَنَا } بالنون بلفظ الجماعة ، والباقون بنصب الألف وتخفيف النون و { أَنَاْ *** اخترتك } بالتاء ، قال أبو عبيدة : وبهذا نقرأ لموافقة الخط يعني : بخط عثمان ثم قال : { فاستمع لِمَا يُوحَى } يعني : اعمل بما تؤمر وتنهى ، ثم قال : { إِنَّنِى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ فاعبدنى } يعني : أطعني واستقم على توحيدي { إِنَّنِى أَنَا الله } يعني : لتذكرني فيها ، ويقال : إن نسيت الصلاة فصلها إذا ذكرتها . وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس قال : « مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّهَا إذا ذَكَرَهَا إِنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ : { أَقِمِ الصلاة *** لِذِكْرِى } » قال بعضهم : هذا خطاب لموسى وقال بعضهم : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله { واتبع هَوَاهُ فتردى } ثم رجع إلى قصة موسى بقوله : { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى * فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا واتبع هَوَاهُ فتردى * وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى *** موسى } ثم قال : { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ } يعني : كائنة { أَكَادُ أُخْفِيهَا } يعني : أسرها عن نفسي فكيف أعلنها لكم يا أهل مكة؟ هكذا روي عن جماعة من المتقدمين ، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح ، وقال القتبي كذلك في قراءة أبيّ أخفيها من نفسي ، وهكذا روى جماعة من المتقدمين ، وروى طلحة عن عطاء في قوله { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } عن نفسي ، وروي في إحدى الروايتين عن أبي بن كعب أنه كان يقول { أَكَادُ أُخْفِيهَا } بنصب الألف يعني : أكاد أظهرها ، وهي قراءة سعيد بن جبير قال أهل اللغة : خفى أي أظهر ، وقال امرؤ القيس : (3/89)
خفاهن من انفاقهن كأنما
خفاهن ودق من عشيّ مجلب يذكر الفرس أنه استخرج الفأرة من جحرهن كالمطر ، ثم قال : { لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى } يعني : لتثاب كل نفس بما تعمل : ثم قال عز وجل : { فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا } يعني : لا يصرفنك عنها ، يعني : عن الإقرار بقيام الساعة { مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا } يعني : من لا يصدق بقيام الساعة { واتبع هَوَاهُ فتردى } يعني : فتهلك ، ويقال : الردى الموت والهلاك ، ثم رجع إلى قصة موسى عليه السلام .
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)
فقال عز وجل : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى *** موسى } يعني : أي الشيء الذي بيدك ، وكان عالماً بما في يده ولكن الحكمة في سؤاله لإزالة الوحشة عن موسى ، لأن موسى كان خائفاً مستوحشاً كرجل دخل على ملك وهو خائف فسأله عن أي شيء فتزول بعض الوحشة عنه بذلك ويستأنس بسؤاله ، وقال بعضهم : إنما سأله تقريراً له أن ما في يده عصاً لكيلا يخاف إذا صار ثعباناً { قَالَ } موسى { قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا } يعني : أعتمد عليها إذا أعييت { وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِى } يعني : أخبط بها ورق الشجر لغنمي ، فإن قيل إنما سأله عما في يده ولم يسأله عما يصنع بها فلم أجاب موسى عن شيء لم يسأله عنه؟ قيل له : قد قال بعضهم : في الآية إضمار يعني : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى *** موسى * قَالَ هِىَ عَصَاىَ } فقال وما تصنع بها قال { قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ } وقال بعضهم : إنما خاف موسى بذلك لأنه أمره بأن يخلع نعليه ، فخاف أن يأمره بإلقاء عصاه ، فجعل يذكر منافع عصاه فقال : { قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ } { وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أخرى } يعني : حوائج أُخرى وواحدها مأربة ، وقال مقاتل : كان موسى يحمل زاده على عصاه إذا سار ، وكان يركزها في الأرض فيخرج الماء ، وتضيء له بالليل بغير قمر ، فيهتدي على غنمه . وروى أسباط عن السدي قال : كانت عصا موسى من عود شجر آس من شجر الجنة ، وكان استودعها إياه ملك من الملائكة في صورة إنسان ، يعني : عند شعيب ، وقال علي بن أبي طالب : كانت عصا موسى من عود ورد من شجر الجنة اثني عشر ذراعاً من ذراع موسى . قوله تعالى : { قَالَ أَلْقِهَا ياموسى *** موسى } يعني : ألق عصاك من يدك فظن موسى أنه يأمره بإلقائها على وجه الرفض ، فلم يجد بداً { فألقاها فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى } يعني : تسرح وتسير على بطنها رافعة رأسها ، فخاف موسى وولى هارباً { قَالَ } الله تعالى لموسى : { خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الاولى } يعني : سنجعلها عصاً كما كانت أول مرة وأصل السيرة الطريقة كما يقال : فلان على سيرة فلان ، أي على طريقته ، وإنما صار نصباً لنزع الخافض ، والمعنى : سنعيدها إلى حالها الأولى ، فتناولها موسى فإِذا هي عصاً كما كانت ، ثم قال عز وجل : { واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ } قال الكلبي : الجناح أسفل الإبط ، يعني : أدخل يدك تحت إبطك { تَخْرُجْ بَيْضَاء } لها شعاع يضي ( كضوء ) الشمس { مِنْ غَيْرِ سُوء } يعني : من غير برص { أخرى لِنُرِيَكَ } يعني : علامة أُخرى مع العصا { لِنُرِيَكَ مِنْ ءاياتنا الكبرى } يعني : العظمى ، ومعناه : لنريك الكبرى من آياتنا ولهذا لم يقل الكبريات لأنه وقع المعنى على واحدة . (3/90)
اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36)
ثم قال تعالى : { اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى } ، يعني : علا وتكبر وادعى الربوبية ، أي : اذهب إليه وادعه إلى الإسلام . { قَالَ } موسى عليه السلام : { رَبّ اشرح لِى صَدْرِى } ، يعني : يا رب وسع لي قلبي حتى لا أخاف منه ، ويقال : لين قلبي بالإسلام حتى أثبت عليه ، { وَيَسّرْ لِى أَمْرِى } ؛ يعني : هون علي ما أمرتني به ، { واحلل عُقْدَةً مّن لّسَانِى } ؛ يعني : ابسط العقدة أي : الرثة من لساني { يَفْقَهُواْ قَوْلِي } ، يعني : يفهموا كلامي . وذلك أن موسى عليه السلام في حال صغره رفعه فرعون في حجره فلطمه موسى لطمة ، ويقال : أخذ بلحيته ومدها إلى الأرض ، فقال فرعون : هذا من أعدائي الذين كنت أتخوف به ، فقالت امرأته آسية بنت مزاحم : صبيّ جاهل ، لا عقل له ضع له طستاً من ذهب وطستاً من نار ، حتى نعلم ما يصنع . فوضعوا له ذلك فجاء جبريل عليه السلام فأخذ يده وأهوى بها إلى النار ، فأخذ جمرة فوضعها في فيه فكانت الرثوثة من ذلك ، فذلك قوله تعالى : { يَفْقَهُواْ قَوْلِي } . (3/91)
{ واجعل لّى وَزِيراً مّنْ أَهْلِى * هارون أَخِى } ، يعني : اجعل لي معيناً من أهلي أخي هارون . { اشدد بِهِ أَزْرِى } ، حتى يكون قوة لي . والأزر الظهر وجمعه أزر ويراد به القوة . يقال : آزرت فلاناً على الأمر أي : قويته عليه ، وإنما نصب { هارون } لوقوع الفعل عليه ، والمعنى اجعل هارون أخي وزيراً ، فصار الوزير المفعول الثاني . ثم قال تعالى : { وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى } ، يعني : في نبوتي؛ قرأ ابن عامر { اشدد } بنصب الألف { وَأَشْرِكْهُ } بضم الألف على معنى الخبر عن نفسه ، أي : أنا أفعل ذلك وإنما كان جزماً على الجزاء في الأمر ، والباقون { اشدد } بضم الألف { وَأَشْرِكْهُ } بنصب الألف على معنى الدعاء ، يعني : اللهم أشدد به أزري وأشركه في أمري ، قال أبو عبيدة : بهذه القراءة نقرأ ، ويكون حرف ابن مسعود شاهداً لها . وكان يقرأ { هارون أَخِى * واشدد ***** بِهِ أَزْرِى * وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى } وفي حرف أُبَي { وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى * واشدد ***** بِهِ أَزْرِى } قال كأنه دعا ثم قال : { كَىْ نُسَبّحَكَ كَثِيراً } ، يعني : نصلي لك كثيراً ، { وَنَذْكُرَكَ } باللسان { كَثِيراً } ، يعني : على كل حال { إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } ، أي : كنت عالماً بنا في الأحوال كلها { قَالَ } الله تعالى : { قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى *** موسى } ، يعني : أعطيناك ما سألته .
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)
{ ولقد منَّنا عليك مرة أخرى } ، يعني : قد أكرمتك بكرامات قبل هذا من غير أن تسألني . ثم بيّن له الكرامات والنعم فقال : { *** } ، يعني : قد أكرمتك بكرامات قبل هذا من غير أن تسألني . ثم بيّن له الكرامات والنعم فقال : { إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمّكَ مَا يوحى } ، أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ، أي : ألهمنا أمك ما ألهمت ، ويقال : { مَا يوحى } على الحجر ، يعني : كان إلهاماً ولم يكن وحياً . { أَنِ اقذفيه فِى التابوت } ، يعني : اجعلي موسى في التابوت ، ثم { فاقذفيه فِى اليم } ، يعني : اطرحيه في البحر . { فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل } ، يعني : شاطىء البحر . { يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّى وَعَدُوٌّ لَّهُ } ، يعني : آل فرعون { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } ، يعني : ألقيت محبتي عليك فكل من رآك أحبك . { وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى } ، يقول ما يصنع بك على منظر مني وبعلمي وبإرادتي . (3/92)
{ إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ فَتَقُولُ } : لآل فرعون { هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ } ؟ يعني : أرشدكم على من يكفله ، يعني : يضمه ويحوطه ويرضعه . { فرجعناك إلى أُمّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها } ، يعني : رددناك إليها لتطيب نفسها . { وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فنجيناك مِنَ الغم } ، يعني : من القود ، { وفتناك فُتُوناً } ؛ يعني : ابتليناك ببلاء بعد بلاء ويقال : بنعمة على إثر نعمة .
قال : أخبرني الثقة بإسناده ، عن سعيد بن جبير قال : سألت ابن عباس . عن قوله تعالى لموسى : { وفتناك فُتُوناً } فسألته عن الفتون ما هو؟ فقال : استأنف النهار يا ابن جبير ، فإن له حديثاً طويلاً . فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس ، ليخبرني ما وعدني من حديث الفتون ، فقال ابن عباس : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً ، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون فيه . قال فرعون : فكيف ترون؟ فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشفار ، يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه ففعلوا ، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون وأن الصغار يذبحون قالوا : يوشك أن يفني بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي يكفونكم ، فاقتلوا عاماً ودعوا ، أي : اتركوا عاماً لا تقتلوا منهم أحداً فنشأ الصغار مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إياكم فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان ، فولدته علانيةً حتى إذا كان من قابل حملت بموسى ، فوقع في قلبها من الحزن والهم ما لا يعلم ، فذلك من الفتون يا ابن جبير .
فأدخل عليه في بطن أمه ما يراد به فأوحى الله تعالى إليها أنْ { لا *** تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وجاعلوه مِنَ المرسلين } وأمرها إذا هي ولدته أن تجعله في التابوت ، ثم تلقيه في اليم .
فلما ولدته فعلت ما أُمرت به ، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها : ما فعلت بابني لو ذبح عندي فواريته وكفنته ، كان أحب إلي من أن ألقيته بيدي إلى دواب البحر تأكله . فانطلق به الماء حتى رقا به عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون ، فرأينه وأخذنه فهممن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن لبعض : إن في هذا مالاً ، وإنَّا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه . فحملنه كهيئته حتى دخلن به عليها فدفعنه إليها . فلما فتحنه ونظرت ، فإذا فيه غلام فألقى عليه منها محبة لم يُلْقَ مثلها على أحد قط من البشر ، { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً } من ذكر كل شيء إلا ذكر موسى؛ فلما سمع الذباحون بذكره ، أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير . (3/93)
فقالت للذباحين : اصبروا عليّ ، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل ولا ينقص ، حتى آتي فرعون فأستوهبه إياه؛ فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم أنهكم . فلما أتت فرعون به قالت : قرة عين لي ولك لا تقتلوه ، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً . فقال فرعون : يكون لك فأما لي فلا حاجة لي فيه . فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « وَالَّذِي يَحْلِفُ بهِ لَوْ أَقَرَّ فِرْعَوْنُ بِأنْ يَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ لَهَدَاهُ الله تَعَالَى بِمُوسَى . كَمَا هَدَى بهِ امْرَأَتَهُ » . قال : فأرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار له ظِئراً ، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل من ثديها ، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنها ذلك ثم أمرت به فأخرج إلى السوق واجتمع الناس ترجوا أن تجد له ظئراً تأخذه منها ، فلم تجد فأصبحت أم موسى والهاً ، فقالت لأخته قصي أثره فاطلبيه . هل تسمعين له ذكراً أحيٌّ ابني ، أم قد أكلته الدواب في البحر؟ فبصرت به عن جنب ، أي : عن بعد . والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد ، وهي إلى جنبه لا يشعر بها فقالت : { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصحون } [ القصص : 12 ] فقالوا وما يدريك ما نصحهم له ، وهل يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك وذلك من الفتون يا ابن جبير .
فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه ، لرغبتهم في الملك ورجاء منفعته . فتركوها فانطلقت إلى أمها ، فأخبرتها بالخبر ، فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها ، فمصه حتى امتلأ جنباه ريّاً ، فانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها بأن قد وجدنا لابنك ظئراً ، فأرسلت إليها فأتت به وبها .
فلما رأت ما تصنع به ، قالت لها : امكثي عندي ترضعين ابني ، فإني لم أحب مثل حبه شيئاً قط . قالت : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي ، لا آلو خيراً . إلا فعلت به ، فإن طابت نفسك؛ وإلا فإني غير تاركةٍ بيتي وولدي . (3/94)
فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها ، فأنجزها الله عز وجل وعده فأنبته الله نباتاً حسناً . فلم تزل بنو إسرائيل تمتنع به من الظلم والسحرة . فلما ترعرع أي : كبر ، قالت امرأة فرعون لأم موسى : أريني ابني . فواعدتها يوماً وقالت لخزانها وقهارمتها : لا يبقى منكم أحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامة . فلم تزل الهدايا والكرامة تستقبله من حيث خرج من بيت أمه إلى أن دخل إلى امرأة فرعون ، فلما دخل عليها بَجَّلَتْه وأَكرمته وفرحت به وأعجبها؛ وبَجَّلت أمه بحسن أثرها عليه . ثم قالت : لأدخلن به على فرعون فليبجلنَّه وليكرمنَّه . فلما دخلت به عليه جعلته في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون ومدها إلى الأرض ، فقالت له الغواة من أعداء الله تعالى : ألا ترى إلى ما وعد الله لإبراهيم؟ إنه يريد أن يصرعك وينزع عنك ملكك ويهلكك ، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه ، وذلك من الفتون يا ابن جبير .
فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت له : ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي؟ فقال : ألا ترينه ، إنه سيصرعني؟ فقالت له : اجعل بينك وبينه أمراً لتعرف فيه الحق . ائت بجمرتين ولؤلؤتين؛ فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين ، علمت أنه يعقل؛ وإن تناول الجمرتين ، فاعلم بأنه لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل . فقرب ذلك إليه ، فتناول الجمرتين فانتزعوهما منه مخافة أن يحرقا يديه .
فلما بلغ أشده وكان من الرجال ، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم ولا بسخرة . فبينما هو يمشي في ناحية المدينة ، إذا هو برجلين يقتتلان . أحدهما من بني إسرائيل ، والآخر من آل فرعون فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى واشتد غضبه فوكزه فقتله ، وليس يراهما أحد إلا الله عز وجل والإسرائيلي . فأتى فرعون فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون فخذ لنا بحقنا . فقال : ائتوني بقاتله والذي يشهد عليه آخذ لكم بحقكم .
فبينما هم يطوفون لا يجدون شيئاً ، وإذا موسى قد رأى من الغد الإسرائيلي يقاتل فرعونياً آخر ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني وقد ندم موسى على ما كان منه بالأمس ، وكره الذي رأى مثل ذلك ، فخاف الإسرائيلي من موسى وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، فقال الإسرائيلي : { فَأَصْبَحَ فِى المدينة خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الذى استنصره بالامس يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ موسى إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ }
[ القصص : 18 ] فخاف الإسرائيلي وظن أنه يريده فقال : يا موسى { أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالامس } [ القصص : 19 ] ، فتتاركا فانطلق الفرعوني إلى قومه وأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر . فأرسل فرعون إلى الذباحين ليقتلوا موسى فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم يطلبون موسى ، وجاء رجل من شيعة موسى فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى ، فأخبره الخبر؛ وذلك من الفتون يا ابن جبير . (3/95)
فخرج موسى متوجهاً نحو مدين ، لم يلق بلاءً قبل ذلك وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه تعالى ، فإنه قال تعالى : { وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عسى ربى أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ السبيل } [ القصص : 22 ] { وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ الناس يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امرأتين تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِى حتى يُصْدِرَ الرعآء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } [ القصص : 23 ] . يعني : إنهما حابستان غنمهما . فقال : ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا : ليس لنا قوة نزاحم القوم ، وإِنما ننتظر فضل حياضهم فنسقي ، فسقى لهما موسى فجعل يغدق في الدلو ماء كثيراً حتى لو كان أول الرعاة فراغاً ، فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما ، وانصرف موسى إلى شجرة فاستظل بها . فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حُفلاً بطاناً فقال : إن لكما لشأناً اليوم . فحدثاه بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوه ، فأتته فدعته . فلما دخل على شعيب فأخبره بالقصة قال : { فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى استحيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين } [ القصص : 25 ] ، أي : ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان ولسنا في مملكته .
وقوله تعالى : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوى الأمين } [ القصص : 26 ] فاحتملته الغيرة وقال : وما يدريك ما أمانته وقوته ، فقالت : أما قوته لما سقى لنا لم أر رجلاً قط أقوى منه في ذلك السقي؛ وأما أمانته فإنه ما نظرني حين أقبلت إِليه صَوَّبَ رأسه ولم يرفعه ، ولم ينظر إلي حين بلغته رسالتك فقال لي : امشي خلفي وانعتي إلي الطريق ، يعني : صفي ودليني على الطريق ، فسري عن أبيها فقال له : { قَالَ إنى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتى هَاتَيْنِ على أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصالحين } [ القصص : 27 ] .
فكان على موسى ثمان سنين واجبة بسنتين عدة منه؛ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله؛ كان من أمره ما قصّ الله عليك في القرآن ، فشكا إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه عن كثير من الكلام ، فسأل ربه أن يعينه بأخيه ليتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به .
فأعطاه الله سؤاله وحلّ عقدة من لسانه ، فاندفع موسى بالعصا فلقي هارون ، فانطلقا جميعاً إِلى فرعون فأقاما على بابه حيناً لا يؤذن لهما بعد بالدخول ، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا : إنَّا رسولا ربك . قال : فمن ربكما؟ فأخبراه بالذي قصّ الله تعالى في القرآن . فقال : مَا تُريدَانِ؟ فقال موسى : أريد أن تؤمن بالله وأن ترسل معنا بني إسرائيل . فأبى عليه ذلك وقال : { مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِأايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } [ الشعراء : 154 ] . فألقى عصاه فتحولت حية عظيمة ، فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون ، فاقتحم فرعون عن سريره ، واستغاث بموسى أن يكفها عنه ، ففعل وأخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء ، ثم أعادها إلى كمه فصارت إلى لونها الأول . فاستشار الملأ فيما رأى فقالوا : اجمع لهما السحرة فإنهم بأرضك كثير فأرسل فرعون في المدائن فحضر له كل ساحر متعالم . فلما أتوا فرعون ، قالوا : بمَ يعمل هذان الساحران؟ قال : يعملان بالحيات . فقالوا : والله ما في الأرض أحد يعمل بالحيات التي نعمل . فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى . (3/96)
ويوم الزينة هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة ، وهو يوم عاشوراء ، فقال الناس بعضهم لبعض : انطلقوا فلنحضر هذا الأمر فنتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ، يعنون بذلك موسى وهارون استهزاءً بهما . قالت السحرة لموسى { ***لِقُدْرَتِهِمْ بسحرهم } { قَالُواْ ياموسى إِمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين } [ الأعراف : 115 ] . قال لهم موسى : ألقوا . فألقوا حبالهم وعصيهم فرأى موسى من سحرهم شيئاً عظيماً ، فأوجس في نفسه خيفة فأوحى الله تعالى إليه : أن ألق عصاك . فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيماً فاغرة فاها ، فجعلت تلتقم العصي والحبال حتى ما أبقت عصاً ولا حبلاً إلا ابتلعته . فلما عرفت السحرة ذلك قالوا : لو كان هذا ساحراً لم يبلغ من سحره كل هذا ، ولكن هذا أمر من أمر الله تعالى .
فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة ، أمر موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلاً ، فأصبح فرعون فبعث في المَدَائِن حَاشِرين وتبعهم بجنود عظيمة فنسي موسى أن يضرب بعصاه البحر ، فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال قوم موسى إنا لمدركون ، افعل ما أمرك الله تعالى . فذكر موسى ما وعده الله عز وجل ، فضرب البحر بعصاه فانفلق البحر اثنتي عشرة فرقة . فلما جاوز أصحاب موسى كلهم ودخل أصحاب فرعون كلهم ، التقم البحر عليهم ، فقال أصحاب موسى : إنا نخاف أن لا يكون فرعون . فدعا موسى ربه فأخرجه حتى استيقنوا ، فمضوا حتى أنزلهم منزلاً ، ثم قال لهم : أطيعوا هارون فإني استخلفته عليكم ، وإني ذاهب إلى ربي . وأجَّلهم ثلاثين يوماً وصامهن .
وكره أن يكلمه ربه وريح فمه ريح فم الصائم فتناول موسى من نبات الأرض شيئاً فمضغه ، فقال له ربه حين أتاه : لم أفطرت؟ وهو أعلم .
قال : يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح . قال الله تعالى : أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك ارجع حتى تصوم عشرة أيام ، ثم ائتني . ففعل موسى الذي أمره ربه تعالى ، فلما رأى قوم موسى أنه لم يأتهم للأجل ، ساءهم ذلك . (3/97)
وأخرج لهم السامري عجلاً جسداً ، له خوار من حلي آل فرعون فتفرقت بنو إسرائيل ، فقالت فرقة للسامري : ما هذا؟ قال : هذا ربكم ، ولكن موسى أخطأ الطريق . فقالوا : لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى . وقالت فرقة : هذا من عمل الشيطان ، وليس هذا بربنا . وأسرت فرقة في قلوبهم التصديق ، وقال لهم هارون : إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن . فلما كلم الله موسى ، أخبره بما لقي قومه بعده ، فرجع موسى إلى قومه غضبان أَسِفاً ، وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه كما قصَّ الله عز وجل في هذه السورة؛ وذلك من الفتون يا ابن جبير .
ويقال : { وفتناك فُتُوناً } ، أي : اختبرناك اختباراً ، ويقال : أخلصناك إخلاصاً . كما قال تعالى : { واذكر فِى الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } [ مريم : 51 ] .
ثم قال عز وجل : { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } ، أي : عشر سنين عند شعيب { ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى *** موسى } ؛ يعني : على وقت مقدور عليك يا موسى ، وهذا قول ابن عباس ، وقال مقاتل : على قدر ، أي : على ميقات ، ويقال : على موعد ، ويقال : على قدر من تكلمي إياك ، ويقال : على قضاء قضيته ، ويقال : على تمام الذي يوحى للأنبياء أربعين سنة .
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)
{ واصطنعتك لِنَفْسِى } ، يعني : اخترتك للرسالة والنبوة ولإقامة حجتي . فقال موسى : يا رب حسبي حسبي فقد تمت كرامتي ، فقال الله تعالى : { اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بئاياتى } ، يعني : آياتي التسع ، { وَلاَ تَنِيَا فِى ذِكْرِى } ؛ يعني : لا تفترا ولا تعجزا ولا تضعفا عن أداء رسالتي . { اذهبا إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى } ، يعني : تكبر وعلا . { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } ، يعني : كلاماً باللين والشفقة والرفق ، لأن الرؤساء بكلام اللين أقرب إلى الانقياد من الكلام العنيف . أي : قولا له : أيها الملك ، ويقال : { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } لوجوب حقه عليك بما رباك ، وإن كان كافراً . (3/98)
وروى أسباط عن السدي قال : القول اللين أن موسى جاءه ، فقال له : تسلم وتؤمن بما جئت به وتعبد رب العالمين ، على أن لك شباباً لا تهرم أبداً ، ويكون لك ملك لا ينزع منك أبداً حتى تموت ، ولا ينزع منك لذة الطعام والشراب والجماع أبداً حتى تموت؛ فإذا مت دخلت الجنة . قال : فكأنه أعجبه ذلك وكان لا يقطع أمراً دون هامان ، وكان هامان غائباً فقال له فرعون : إن لي من أوامره وهو غائب حتى يقدم . فلم يلبث أن قدم هامان فقال له فرعون : علمت بأن ذلك الرجل أتاني؟ فقال هامان : ومن ذلك الرجل؟ فقال فرعون : هو موسى . قال : فما قال؟ فأخبره بالذي دعاه إليه . قال : فما قلت له؟ قال : لقد دعاني إلى أمر أعجبني . فقال له هامان : قد كنت أرى لك عقلاً وأن لك رأياً بيناً أنت رب ، أفتريد أن تكون مربوباً ، وبينا أنت تعبد أفتريد أن تعبد غيرك؟ فغلبه على رأيه فأبى .
ثم قال تعالى : { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } ، يعني : يتعظ أو يسلم . وقال الزجاج : لعل في اللغة للترجي والتطمع ، يقول : لعله يصير إلى خير . والله سبحانه وتعالى خاطب العباد بما يعقلون ، والمعنى عند سيبوبه اذهبا على رجائكما وطمعكما ، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى؛ إلا أن الحجة إنما تجب بإبائه؛ وقال بعض الحكماء : إذا أردت أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فعليك باللين لأنك لست بأفضل من موسى وهارون ، ولا الذي تأمره بالمعروف ليس بأسوأ من فرعون؛ وقد أمرهما الله تعالى بأن يأمراه باللين ، فأنت أولى أن تأمر وتنهى باللين .
قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54)
ثم قال عز وجل : { قَالاَ } ، أي : موسى وهارون : { رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا } ؛ يعني : أن يبادر بعقوبتنا . يقال : قد فرط منه أمر ، أي : قد بدر منه . قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ » . ويقال : أن يفرط علينا ، يعني : أن يضر بنا . { أَوْ أَن يطغى } ، يعني : يقتلنا : قال : كان هذا القول من موسى وهارون حين رجع موسى إلى مصر ، وأوحى إليهما فقالا عند ذلك : إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى؛ وقال بعضهم : قد قال الله ذلك لموسى عند طور سيناء؛ فأجابه موسى عن نفسه وعن هارون ، فأضاف القول إليهما جميعاً . (3/99)
{ قَالَ } الله تعالى : { لاَ تَخَافَا } ، أي : لا تخافا عقوبة فرعون عند أداء الرسالة . { إِنَّنِى مَعَكُمَا } ، أي : معينكما . { أَسْمَعُ وأرى } ، أي : أسمع ما يرد عليكما ، وأرى ما يصنع بكما { فَأْتِيَاهُ } ، يعني : فاذهبا إلى فرعون ، { فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } . قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : في الآية دليل أنه يجوز رواية الأخبار بالمعنى ، وإنما العبرة للمعنى دون اللفظ ، لأن الله تعالى حكى معنى واحداً بألفاظ مختلفة ، وقال في آية أخرى { فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين } [ الشعراء : 16 ] وقال هاهنا : { إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } وقال في آية أخرى : { قالوا ءَامَنَّا بِرَبِّ العالمين * رَبِّ موسى وهارون } [ الأعراف : 121/122 ] ، وقال في موضع : { امَنَّا بِرَبّ هارون وموسى } .
ثم قال تعالى : { فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل وَلاَ تُعَذّبْهُمْ } ، يعني : لا تستعبدهم . { قَدْ جئناك بِئَايَةٍ مّن رَّبّكَ } ، يعني : باليد والعصا . { والسلام على مَنِ اتبع الهدى } ، أي : على من طلب الحق ورغب في الإسلام . قال الزجاج : { والسلام على مَنِ اتبع الهدى } معناه أن من اتبع الهدى ، فقد سلم من عذاب الله وسخطه { إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ العذاب } في الآخرة بالدوام { على مَن كَذَّبَ وتولى } عن التوحيد ، والإيمان ولم يذكر في الآية أنهما فرعون ، لأن في الكلام دليلاً عليه حيث ذكر قول فرعون ، ومعناه أنهما أتيا فرعون وأديا إليه الرسالة وقالا : { إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } .
{ قَالَ } فرعون : { فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى *** موسى } ، ولم يقل من ربي تكبراً منه . { قَالَ } موسى : { رَبُّنَا الذى أعطى كُلَّ شَىء خَلْقَهُ } ، يعني : شكله؛ ويقال : خلق لكل ذكر أنثى شبهه؛ { ثُمَّ هدى } ، يعني : ألهمه الأكل والشرب والجماع ، وقال القتبي : الإهداء أصله الإرشاد ، كقوله { وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عسى ربى أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ السبيل } [ القصص : 22 ] . ثم الإرشاد مرة يكون بالدعاء ، ومرة بالبيان . وقد ذكرناه في سورة الأعراف ، ومرة بالإلهام كقوله : { أعطى كُلَّ شَىء خَلْقَهُ } أي : صورته { ثُمَّ هدى } أي : ألهمه إتيان الإناث .
ويقال : ألهمه طلب المرعى وتوقي المهالك . وقال الحسن : أعطى كل شيء من خلقه ما يصلح له ، ثم هداه أن موسى أخبره بالبعث والجزاء وأمر الآخرة . (3/100)
وقال فرعون : { فَمَا بَالُ القرون الاولى } ؟ يعني : ما حال القرون الماضية وما شأنها؟ { قَالَ } موسى : { عِلْمُهَا عِندَ رَبّى فِى كتاب } ، يعني : في اللوح المحفوظ . { لاَّ يَضِلُّ رَبّى } يعني : لا يخفى على ربي ، { وَلاَ يَنسَى } ما كان من أمرهم . وقال مجاهد { لاَّ يَضِلُّ رَبّى } ، أي : لا يخفى على ربي شيء واحد . قال السدي : أي : لا يغفل ولا يترك ، وكان الحسن يقرأ { لاَّ يَضِلُّ } بضم الياء ، يعني : لا يضله الله ، يعني به الكتاب . وإلى هذا الموضع حكاية كلام موسى .
ثم إن الله تبارك وتعالى قال لمشركي مكة : { الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض مَهْداً } ، يعني : موضع القرار ، وهو الرب الذي ذكر موسى لفرعون ودعاه إلى عبادته . قرأ حمزة والكسائي وعاصم { مهادا } والباقون { مهادا } أي : فراشاً وبساطاً . قال أبو عبيد : المهد الفعل ، يقال : مهدت مهداً؛ والمهاد اسم الموضع . { وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } ، يعني : حصل لكم فيها طرقاً ، { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } ؛ يعني : المطر ، { فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً } ؛ يعني : أنبتنا بالمطر أصنافاً وألواناً . { مّن نبات شتى } مختلف ألوانه . { كُلُواْ وارعوا أنعامكم } . اللفظ لفظ الأمر ومعناه معنى الخبر ، يعني : لتأكلوا منه وترعوا أنعامكم . { إِنَّ فِى ذَلِكَ } ، يعني : إن في اختلاف ألوانه { لاَيَاتٍ } ، أي : لعبرات { لاِوْلِى النهى } ، يعني : لذوي العقول من الناس .
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61)
{ مِنْهَا خلقناكم } ، يعني : آدم خلقناه من الأرض ، { وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } أي : بعد موتكم ، { وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ } ؛ يعني : نحييكم ونخرجكم من الأرض { تَارَةً أخرى } . ثم رجع إلى قصة فرعون فقال : { وَلَقَدْ أريناه كُلَّهَا فَكَذَّبَ } ، يعني : العلامات والدلائل ، { فَكَذَّبَ } بالآيات ، { وأبى } أن يسلم . { قَالَ } فرعون وقومه : { أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ ياموسى *** موسى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مّثْلِهِ فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ } ، يعني : ميعاداً لا نخلفه { نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَاناً سُوًى } أي : لا نجاوزه مكاناً سوى ذلك المكان ، وهذه قراءة نافع؛ وأبي عمرو والكسائي وابن كثير يقرؤون بالكسر قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة { سُوًى } بضم السين معناه الإنصاف ، وقال بعضهم : سُوى وسِوَى لغتان ، وقال مجاهد : مكاناً منصفاً بينهم ، وقال السدي : أي : عدلاً بينهم وقال القتبي : أي : وسطاً بين الفريقين . (3/101)
{ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة } ، يعني : يوم عيد لهم وهو يوم النيروز؛ وروي عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : هو يوم عاشوراء . { وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى } ، يعني : إذا حشر الناس واجتمعوا على وقت الضحى ، { فتولى فِرْعَوْنُ } ؛ يعني : رجع إلى أهله ، { فَجَمَعَ كَيْدَهُ } ؛ يعني : سحرته ، { ثُمَّ أتى } ؛ يعني : أتى الميعاد . قرأ بعضهم : { يَوْمُ الزينة } بنصب الميم ، والمعنى يقع في { يَوْمُ الزينة } وقراءة العامة يوم الزينة رفع على معنى خبر الابتداء .
{ قَالَ لَهُمْ موسى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً } ، يعني : ضيّق الله عليكم الدنيا ، لا تفتروا على الله كذباً قال الزجاج : { وَيْلَكُمْ } منصوب على أن ألزمهم الله ويلاً ، ويجوز أن يكون على النداء كما قال : { قَالَتْ ياويلتا ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ } [ هود : 72 ] قوله { فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } ، يعني : يأخذكم بعذاب ويهلككم . قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { فَيُسْحِتَكُم } بضم الياء وكسر الحاء ، والباقون { فَيُسْحِتَكُم } بالنصب؛ وهما لغتان . يقال : سحته وأسحته إذا استأصله وأهلكه . { وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى } ، يعني : خسر من اختلق على الله كذباً .
فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66)
{ فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } أي : تناظروا أمرهم بينهم ، يعني : اختلفوا فيما بينهم سراً من فرعون وهم السحرة ، وقالوا فيما بينهم : إن كان ما يقول موسى حقاً واجباً فيكون الغلبة لموسى ، وذلك قوله عز وجل : { فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } ، يعني : تناظروا أمرهم بينهم . فذلك قوله : { وَأَسَرُّواْ النجوى } ، أي : أخفوا الكلام . { قَالُواْ إِنْ هاذان لساحران } ، يعني : موسى وهارون ، { يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا } ؛ قرأ أبو عمرو : { ءانٍ * هاذان لساحران } لأن إن تنصب ما بعدها . وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص { إِنْ هاذان } بجزم إن وتشديد نون هذانّ عند ابن كثير خاصة ، والباقون إنَّ بالنصب والتشديد { هاذان لساحران } بالتخفيف . وقال أبو عبيد : نقرأ بهذا ورأيت في مصحف عثمان { ءانٍ } بهذا الخط ليس فيه ألف ، وهكذا رأيت رفع الاثنين في جميع المصاحف بإسقاط الألف وإذا كتبوا بالنصب والخفض كتبوها بالياء . وحكى الكسائي ، عن أبي الحارث بن كعب وخثعم وزيد وأهل تلك الناحية ، الرفع مكان النصب قال القائل : (3/102)
أَي قلوص راكب تراها ... طاروا علاهن فطر علاها
وقال آخر :
إنَّ أبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا ... قَدْ بَلَغَا فِي الجِدِّ غَايَتَاهَا
وقال آخر :
فَمَنْ يَكُ بِالْمَدِينَةِ أَمْسَى رَحْلُه ... فَإِنِّي وَقَيَّارٍ بِهَا لَغَرِيبُ
وروى وكيع ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قالوا : كانوا يريدون أن الألف والياء في القراءة سواء { قَالُواْ إِنْ هاذان لساحران } و { ءانٍ } سواء . وفي مصحف عبد الله { إِنْ هاذان } وفي مصحف أبي { إِنْ هاذان *** إِلا } .
ثم قال الله عز وجل : { بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى } ، يقول برجالكم الأمثل ، فالأمثل . يقول : ليغلبا على الرجال من أهل العقول والشرف ، وقال القتبي : يقال : هؤلاء طريقة القوم ، أي : أشرافهم ، ويقال : أراد سنتكم ودينكم ، وقال الزجاج : معناه يذهبا بأهل طريقتكم ، كما قال : { واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لصادقون } [ يوسف : 82 ] .
ثم قال عز وجل : { فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ } ؛ قرأ أبو عمرو { فَأَجْمِعُواْ } بجر الألف ونصب الميم ، يعني : جيئوا بكل كيد تقدرون عليه ، لا تبقوا منه شيئاً؛ وقرأ الباقون { فَأَجْمِعُواْ } بقطع الألف وكسر الميم ، ومعناه ليكن عزمكم كلكم على الكيد مجمعاً عليه ، ولا تختلفوا فتخذلوا؛ وقال أبو عبيد : بهذا نقرأ ، لأن الناس عليها ولصحتها في العربية يقال : أجمعت الأمر واجتمعت عليه؛ وإنما يقال : جمعت الشيء المتفرق فتجمّع . { ثُمَّ ائتوا صَفّاً } ، يعني : جميعاً . قال أبو عبيد : الصف المصلى؛ وقال الزجاج : ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم . قال : ويجوز أن قوله ثم ائتوا مصطفين ، أي : مجتمعين ليكون أنظم لكم ولأمركم ، وأشد لهيبتكم . { وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى } ، يعني : قد فاز ونجا اليوم من علا بالغلبة .
ثم جمع فرعون بينهم وبين موسى عليه السلام { قَالُواْ يأَبَانَا *** موسى } ، يعني : السحرة ، { إِمَّا أَن تُلْقِىَ } ؛ يعني : أن تطرح عصاك على الأرض ، { وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى } إلى الأرض . { قَالَ } لهم موسى : { بَلْ أَلْقُواْ } ، فألقوا في الكلام مضمر . { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ } ، يعني : تراءت إلى موسى { مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } ، يعني : كأنها حيات . وروي عن الحسن أنه كان يقرأ بالتاء { تُخَيَّلُ } لأن جمع العصي مؤنث ، وقراءة العامة بالياء يعني : سعيها .
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)
{ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً موسى } ، يعني : أضمر في قلبه الخوف ، وخاف أن لا يظفر به إن صنع القوم مثل ما صنع؛ ويقال : خاف من الحيات من جهة الطبع . { قُلْنَا لاَ تَخَفْ } ، يعني : أوْحَى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن لا تخف { إِنَّكَ أَنتَ الاعلى } يعني : الغالب . (3/103)
قوله تعالى : { وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ } ، يعني : اطرح ما في يمينك من العصا ، { تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ } ؛ يعني : تلقم ما عملوا . { إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ } ، يعني : عمل سحر . قرأ عاصم في رواية حفص { تَلْقَفْ } بالجزم والتخفيف؛ وقرأ ابن كثير في الروايتين { تَلْقَفْ } بالنصب والتشديد وضم الفاء ، وقرأ الباقون بجزم الفاء لأنه جواب الأمر؛ وقرأ حمزة والكسائي { كَيْدَ *** ساحر } بغير ألف ، وقرأ الباقون { كَيْدُ سَاحِرٍ } ، وقال أبو عبيد : بهذا نقرأ ، لأن إضافة الكيد إلى الرجل أولى من إضافته إلى السحر . وقرأ بعضهم { كَيْدَ *** ساحر } بنصب الدال جعله نصباً لوقوع الفعل عليه وهو قوله تعالى : { إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ } ؛ وهذا كقوله : إنما ضربت زيداً؛ وقراءة العامة بالضم ، لأنه خبر إن وما اسم ، ومعناه إن الذي صنعوه كيد سحار . { وَلاَ يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى } ، أي : حيثما عمل؛ ويقال : لا يفوز حيثما كان وذهب .
قوله تعالى : { فَأُلْقِىَ السحرة سُجَّداً } ، يعني : من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا وهذا قول الأخفش؛ وقال الفراء والقتبي : وقعوا للسجود { قَالُواْ امَنَّا بِرَبّ هارون وموسى } يعني ، صدقنا به { قَالَ } لهم فرعون : { قَالَ ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ } ، يعني : قبل أن آمركم { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ } ، يعني : موسى لعالمكم . { الذى عَلَّمَكُمُ السحر } ؛ وإنما أراد به التلبيس على قومه ، لأنه علم أنهم لم يتعلموا من موسى ، وإنما علموا السحر قبل قدوم موسى وقبل ولادته . ثم قال : { فَلاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } ، اليد اليمنى والرجل اليسرى . { وَلاصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النخل } ، يعني : على أصول النخل على شاطىء النيل ، { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى } ؛ يعني : وأدوم أنا أم رب موسى .
{ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ } ، أي : لن نختار عبادتك وطاعتك ولن نتبع دينك { على مَا جَاءنَا مِنَ البينات } ، يعني : على دين الله بعدما جاءنا من العلامات { والذى فَطَرَنَا } ، يعني : ولا عبادتك على عبادة الذي خلقنا ، ويقال : هو على معنى القسم ، أي : لن نختارك ودينك والذي فطرنا . { فاقض مَا أَنتَ قَاضٍ } ؛ يقول اصنع ما أنت صانع فاحكم فينا من القطع والصلب ما شئت . { قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا } ، يقول : لست بحاكم علينا ولا تملكنا إلا في الدنيا ما دام الروح فينا .
قوله تعالى : { إِنَّا امَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خطايانا } ، يعني : ما عملنا في حال الشرك ، { وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر } ؛ يعني : ليغفر لنا ما أجبرتنا عليه من السحر يروى أن فرعون أكرههم على تعلم السحر { والله خَيْرٌ وأبقى } ، يعني : الله خير لنا منك وأدوم ، وثواب الله عز وجل خير من عطائك وأبقى مما وعدتنا به من التعذيب .
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80)
{ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } أي : مشركاً؛ والهاء للعباد وهذا قول الله تعالى عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم إنه من يأت ربه يوم القيامة كافراً ، { فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى } ، يعني : لا يموت فيستريح من العذاب ، ولا يحيى حياة تنفعه . قوله عز وجل : { وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً } ، يعني : يأتي يوم القيامة مؤمناً يعني : مصدقاً ، { قَدْ عَمِلَ الصالحات } ؛ يعني : الطاعات . { فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدرجات العلى } ، يعني : الفضائل في الجنة . (3/104)
ثم قال : { جنات عَدْنٍ } ، يعني : هي جنات عدن . { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا } ، يعني : دائمين في الجنة . { وذلك جَزَاء مَن تزكى } ، يعني : ثواب من وحَّد . قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى } ، يعني : سر بعبادي ليلاً { فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً } ؛ يعني : بيِّن لهم طريقاً { فِى البحر يَبَساً } ، يعني : يابساً . { لاَّ تَخَافُ دَرَكاً } يعني إدراك فرعون ، { وَلاَ تخشى } الغرق . قرأ حمزة : { لاَ تَخَفْ * دَرَكاً } على معنى النهي ، يعني : لا تخف أن يدركك فرعون؛ وقرأ الباقون { لاَّ تَخَافُ } بالألف ومعناه لست تخاف؛ وقال أبو عبيد بهذا نقرأ ، لأن من قرأ بالجزم يلزم أن يخشى ، لأنه حرف معطوف على الذي قبله . p> > ثم قال : { فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ } ، يعني : لحقهم فرعون بجموعه ، { فَغَشِيَهُمْ مّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ } ؛ يعني : أصابهم من البحر ما أصابهم؛ ويقال : علاهم من البحر ما علاهم حين التقى البحر عليهم ، ويقال : فغشيهم من البحر ما غرقهم . { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى } ، يعني : أهلكهم وما نجا بنفسه ، ويقال : أضلهم بحمله إياهم على الضلالة ، { وَمَا هدى } يعني : ما هداهم إلى الرشاد وهذا رد لقوله : { وَقَالَ الذى ءَامَنَ ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد } [ غافر : 38 ] ويقال : { وَمَا هدى } يعني : ما هداه إلى الصواب . ثم ذكر نعمته على بني إسرائيل فقال عز وجل : { هدى يابنى إسراءيل قَدْ أنجيناكم مّنْ عَدُوّكُمْ } ، يعني : فرعون ، { وواعدناكم جَانِبَ الطور الايمن } ؛ يعني : يمين موسى ، { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى } حيث كانوا في التيه .
كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)
{ كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم } ، يعني : قال لهم : كلوا من حلالات ما رزقناكم ، يعني : أعطيناكم . قرأ حمزة والكسائي { ***أَنْجَيْتكُمْ وَوَاعَدْتكُمْ مَا رَزَقْتكُمْ } الثلاثة كلها بالتاء؛ وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع وابن عامر الثلاثة بالألف والنون ، وقرأ أبو عمرو بالتاء إلا قَوْلَهُ : { قَدْ أنجيناكم مّنْ عَدُوّكُمْ وواعدناكم } . ثم قال : { وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } ، أي : لا ترفعوا منه شيئاً للغد ، { فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى } ؛ يعني : فيجب وينزل عليكم عذابي . { وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى } ، يعني : يجب وينزل عليه غضبي ، { فَقَدْ هوى } ؛ يعني : هلك وتردى في النار . وقرأ الكسائي { فَيَحِلَّ } بضم الحاء ومن { يَحْلِلْ } بضم اللام ، والباقون كلاهما بالكسر . فمن قرأ بالضم يعني : ينزل ، ومن قرأ بالكسر يعني : يجب . (3/105)
{ وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَامَنَ } ، يعني : رجع من الشرك والذنوب { وَامَنَ } يعني : صدق بالله ورسله ، { وَعَمِلَ صالحا } ؛ يعني : خالصاً فيما بينه وبين ربه ، { ثُمَّ اهتدى } ؛ يعني : علم أن لعمله ثواباً؛ وهذا قول مقاتل . وروى جويبر عن الضحاك في قوله { ثُمَّ اهتدى } أي : ثم استقام ، وروى وكيع عن سفيان قال { ثُمَّ اهتدى } ، أي : مات على ذلك وقال ابن عباس : { ثُمَّ اهتدى } أي : مات على السنة .
وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)
قوله عز وجل : { وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى *** موسى } ؛ وذلك أن موسى لما انتهى إلى الجبل مع السبعين الذين اختارهم ، عجل موسى عليه السلام شوقاً إلى كلام ربه وأمرهم بأن يتبعوه إلى الجبل ، فقال الله تعالى لموسى عليه السلام { وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى *** موسى } ، يعني ما أسبقك عن قومك وتركت أصحابك خلفك؟ { قَالَ هُمْ أُوْلاء على أَثَرِى } ، ويحتمل أن يكون أولاء صلة ، يعني : هم على أثري يجيئون من بعدي . { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى } ، يعني : لكي يزداد رضاك عني . (3/106)
قوله عز وجل : { قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } ؛ وهذا على وجه الاختصار ، لأنه لم يذكر ما جرى من القصة ، لأنه ذكر في موضع آخر فها هنا اختصر الكلام وقال : { فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ } ، يعني : ابتلينا قومك من بعد انطلاقك إلى الجبل ، { وَأَضَلَّهُمُ السامرى } ؛ يعني : أمرهم السامري بعبادة العجل . { فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفاً } ، حزيناً وقال القتبي : { أَسَفاً } أي : شديد الغضب؛ فلما دخل المحلة رآهم حول العجل فأبصر ما يصنعون حوله ، { قَالَ يَاءادَمُ *** قَوْمٌ *** أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً } ؛ يعني : وعداً صدقاً ومعناه وعد الله عز وجل بأن يدفع الكتاب إلى موسى ليقرأه عليهم ويهتدوا به؟ { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد } ، يعني : أطالت عليكم المدة؟ { أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ } ، يعني : يجب { عَلَيْكُمْ غَضَبٌ } ، يعني : سخط { مّن رَّبّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى } ؟ بترك عبادة الله .
{ قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } ، يعني : ما تعمدنا ذلك؛ قرأ حمزة والكسائي { بِمَلْكِنَا } بضم الميم ، يعني ما فعلناه بسلطان كان لنا ولا قدرة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر { بِمَلْكِنَا } بكسر الميم . والملك ما حوته اليد ، وقرأ نافع وعاصم { بِمَلْكِنَا } بنصب الميم وهو بمعنى الملك . { ولكنا حُمّلْنَا أَوْزَاراً } ، يعني : آثاماً { مّن زِينَةِ القوم } ، يعني : من حلي آل فرعون؛ ويقال : أوزاراً يعني : حمالاً ، { فَقَذَفْنَاهَا } ؛ يعني : فطرحناها في النار . قرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو عمرو ، وعاصم في رواية أبي بكر { حُمّلْنَا } بالنصب والتخفيف ، وقرأ الباقون بضم الحاء وتشديد الميم على فعل ما لم يُسم فاعله . { فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامرى } يعني ألقاها في النار كما ألقينا .
وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان السامري من أهل قرية يعبدون البقر ، فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام معهم ، وفي قلبه حب عبادة البقر ، فابتلى الله عز وجل به بني إسرائيل؛ فكشف له عن بصره ، فرأى أثر فرس جبريل عليه فأخذ من أثرها . وقد كان هارون قال لبني إسرائيل : إنكم قد تحملتم من حلي آل فرعون وأمتعتهم معكم ، وهي نجسة فتطهروا منها ، وأوقدوا لهم ناراً فأحرقوها فيه .
فجعلوا يأتون بالحلي والأمتعة فيقذفونها في النار ، فانسبك الحلي . وأقبل السامري وفي يده تلك القبضة من أثر فرس الرسول يعني جبريل عليه السلام فوقف فقال : يا نبي الله ألقها فيه . فقال : نعم . وهارون لا يظن إلا أنه من الحلي الذي يأتي به بنو إسرائيل ، فقذفها فيه وقال : كن عجلاً جسداً له خوار وقال السدي : جاء جبريل ليذهب بموسى إلى ربه ، وجبريل على فرس ، فبصر به السامري : ويقال : إن ذلك الفرس فرس الحياة فأخذ قبضة من أثر حافر الفرس ، فلما ألقى التراب في الحلي صار عجلاً جسداً له خوار ، فذلك قوله تعالى : { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هذا إلهكم وإله موسى } . (3/107)
وقال بعضهم : كان السامري من بني إسرائيل وقد ولدته أمه في غار مخافة أن يذبح ، فرباه جبريل عليه السلام في الغار حتى كبر؛ فلما رأى جبريل على فرس الحياة ، عرفه لأنه قد كان رآه في صغره . فأخذ قبضة من تراب من أثر حافر فرسه ، ثم ألقاها في جوف العجل ، فصار عجلاً له خوار ، يعني : صوتاً . وقال مجاهد : خوار العجل كان هفيف الريح إذا دخلت جوفه؛ وهكذا روي عن علي بن أبي طالب ، وإحدى الروايتين عن ابن عباس أنه قال : صار عجلاً له لحم ودم وخرج منه الصوت مرة واحدة . فقال : { هذا إلهكم } ، يعني : قال السامري وَإلَهُ مُوسَى { فَنَسِىَ } ، يعني : أخطأ موسى الطريق . وروى عكرمة عن ابن عباس قوله : { فَنَسِىَ } أي نسي موسى أن يخبركم أن هنا إله ، وقال قتادة : قوله { هذا إلهكم وإله موسى } ولكن موسى نسي ربه عندكم . قال الله تعالى : { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً } ؟ يعني : لم يكن لهم عقل يعلموا أنه لم يكن إلههم حيث لا يكلمهم ولا يجيبهم . { وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً } ، يعني : لا يقدر على دفع مضرتهم ، { وَلاَ نَفْعاً } ؛ أي : ولا جر منفعة .
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)
{ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هارون مِن قَبْلُ } يعني : من قبل مجيء موسى إليهم : { قَبْلُ ياقوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ } ، يعني : إنما ابتليتم بعبادة العجل . { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن } ، يعني : إلهكم الرحمن ، { فاتبعونى } ، يعني : اتبعوا ديني { وَأَطِيعُواْ أَمْرِى } ؛ يعني : قولي . قوله تعالى : { قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عاكفين } ، يعني : لا نزال على عبادة العجل مقيمين ، { حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى } . فلما جاءهم موسى ، { قَالَ يَاءادَمُ *** هارون مَا *** مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ } ، يعني أخطؤوا الطريق بعبادة العجل { إِلا } يعني : أن لا تتبع أمري في وصيتي فتناجزهم الحرب؟ ثم قال : { تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } ، يعني : أفتركت وصيتي؟ . (3/108)
{ قَالَ } له موسى ذلك بعدما أخذ بشعر رأسه ولحيته ، فقال هارون عليه السلام : { قَالَ ابن أُمَّ } قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر { قَالَ ابن أُمَّ } بكسر الميم على معنى الإضافة ، والباقون بالنصب بمنزلة اسم واحد { لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } ، أي : ولا بشعر رأسي . { إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءيلَ } ، يعني : جعلتهم فريقين وألقيت بينهم الحرب ، { وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى } ؛ يعني : لم تنتظر قدومي ثم أقبل على السامري ، { قَالَ } له : { فَمَا خَطْبُكَ ياسامري } ؟ يقول : ما شأنك ، وما الذي حملك على ما صنعت؟ ف { وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ } السامري : { بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } . قرأ حمزة والكسائي بالتاء على معنى المخاطبة ، وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة { بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } ، يعني : رأيت ما لم يَرَوا وعلمت ما لم يعلموا به يعني : بني إسرائيل . قال موسى : ما الذي رأيت دون بني إسرائيل؟ فقال : رأيت جبريل على فرس الحياة .
قوله : { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول } ، يعني : من أثر فرس جبريل؛ وفي قراءة عبد الله بن مسعود { ***فَقَبصتُ قَبْصَةً } بالصاد ، وروي عن الحسن أنه قرأ { يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً } بالصاد ، وهو الأخذ بأطراف الأصابع ، وقراءة الجماعة { فَقَبَضْتُ } بالضاد وهو القبض بالكف . { فَنَبَذْتُهَا } ، يعني : فطرحتها في العجل . { وكذلك سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى } ، أي : زينت لي نفسي ، فلا تلمني بهذا الفعل ولمهم بعبادتهم إياه .
{ قَالَ } له موسى : { فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِى الحياة } ، يعني : عقوبتك في الدنيا { أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ } ، يعني : لا أمس أحداً ولا يَمسَّني أحد ، ويقال : ابتلي بالوسواس وأصل الوسواس من ذلك الوقت ، ويقال : معناه لن تخالط أحداً ولن يخالطك أحد فنفاه عن قومه . { وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ } في الآخرة . قرأ ابن كثير وأبو عمرو : { لَّن تُخْلَفَهُ } بكسر اللام ، لن تغيب عنه ، ومعناه تبعث يوم القيامة لا تقدر على غير ذلك ولا تخلفه ، وقرأ الباقون { تُخْلَفَهُ } بنصب اللام ، يعني : لن تؤخر ولن تجاوز عنه ، ويقال : معناه يكافئك الله تعالى على ما فعلت والله لا يخلف الميعاد .