صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56)

ثم قال : { نَبّىء عِبَادِى } أي : أخبر عبادي يا محمد { أَنّى أَنَا الغفور الرحيم } لمن تاب منهم { وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ العذاب الاليم } لمن مات على الكفر ، ولم يتب . قال : حدّثنا أبو جعفر . قال : حدّثنا إسحاق بن عبد الرحمن . قال : حدّثنا محمد بن شاذان الجوهري . قال : حدّثنا محمد بن مقاتل . قال : حدّثنا عبد الله بن المبارك . قال : حدّثنا مصعب بن ثابت عن عاصم بن عبيد ، عن عطاء ، عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة ، ونحن نضحك ، فقال : « أَتَضْحَكُونَ؟ » ثم قال : « لا أُرَاكُمْ تَضْحَكُونَ » ثم أدبر فكأن على رؤوسنا الرخم ، حتى إذا كان عند الحجر ، ثم رجع القهقري فقال : « جَاءَ جِبْرِيلُ . فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ : لِمَ تُقْنِطُ عِبَادِي؟ { نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا الغفور الرحيم * وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ العذاب الاليم } » وقال قتادة : ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لَوْ عَلِمَ العَبْدُ قَدَرَ رَحْمَةِ الله ، مَا تَوَرَّعَ عَنْ حَرَامٍ . وَلَوْ عَلِمَ العَبْدُ قَدَرَ عُقُوَبةِ الله ، لَبَخَعَ نَفْسَهُ » . أي : في عبادة الله تعالى .
ثم قال : { وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } أي : عن أضياف إلا أن هذا اللفظ مصدر ، والمصدر لا يثنى ، ولا يجمع ، وذلك حين بعث الله تعالى جبريل في اثني عشر من الملائكة .
قوله : { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ } أي : على إبراهيم { فَقَالُواْ سَلامًا } أي : فسلموا عليه . فرد عليهم السلام . كما قال في موضع آخر { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سلاما قَالَ سلام قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } [ الذاريات : 25 ] وقال الكلبي : فأنكرهم إبراهيم في تلك الأرض ، لأنهم لم يطعموا من طعامه . { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } أي : خائفين { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ } أي : لا تخف منا ، وبشروه ، فقالوا : { إِنَّا نُبَشّرُكَ } قرأ حمزة { نُبَشّرُكَ } بجزم الباء ، مع التخفيف . ونصب النون ، وضم الشين . وقرأ الباقون بالتشديد { بغلام عَلِيمٍ } أي : بإسحاق عليم في صغره ، حليم في كبره ، { قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى على أَن مَّسَّنِىَ الكبر } أي : بعدما أصابني الكبر والهرم { فَبِمَ تُبَشّرُونَ } قرأ نافع { فَبِمَ تُبَشّرُونَ } بكسر النون مع التخفيف لأن أصله تبشروني بالياء فأقيم الكسر مقامه وقرأ ابن كثير { فَبِمَ تُبَشّرُونَ } بكسر النون مع التشديد ، لأنه في الأصل بنونين ، فأدغم إحداهما في الأخرى مثل قوله { ***تَأْمُرُنِّي } { قَالَ أَتُحَاجُّونّى } . وقرأ الباقون { تُبَشّرُونَ } بنصب النون مع التخفيف ، لأنها نون الجماعة . وقال أبو عبيدة : هذا أعجب إليّ لصحتها في العربية { قَالُواْ بشرناك بالحق } أي : بالولد . ويقال : بالصدق { فَلاَ تَكُن مّنَ القانطين } أي : من الآيسين من الولد . ويقال : من نعم الله تعالى { قَالَ إبراهيم *** وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ } أي : من نعمة ربه { إِلاَّ الضآلون } أي : الجاهلون قرأ الكسائي ، وأبو عمرو ، { يَقْنَطُ } بكسر النون ، وقرأ الباقون { يَقْنَطُ } بالنصب ومعناهما واحد .

(2/448)


قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71)

{ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون } أي قال لهم إبراهيم ما حالكم ، وشأنكم ، وبماذا جئتم ، { قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } أي : مشركين . قال إبراهيم : من هم؟ قالوا : قوم لوط . قال إبراهيم : أتهلكونهم ، وفيهم لوط؟ فقالوا : { إِلا ءالَ لُوطٍ } يعني : ابنتيه زعورا ، وريثا . ويقال : امرأة له أخرى غير التي أهلكت { إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } قرأ حمزة ، والكسائي { إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ } بالتخفيف . وقرأ الباقون : بنصب النون ، وتشديد الجيم . من أَنْجَى ، يُنْجِي ، وَنَجَّى ، يُنَجِّي ، بمعنى واحد { إِلاَّ امرأته قَدَّرْنَآ } عليها الهلاك { إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين } أي لمن المتخلفين للهلاك . قرأ عاصم في رواية أبو بكر { قَدَّرْنَآ } بالتخفيف ، وهو من القدر . وقرأ الباقون : بالتشديد ، وهو من التقدير .
قوله : { فَلَمَّا جَآء ءالَ لُوطٍ المرسلون * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } أي : لما دخلوا عليه ، أنكرهم ولم يعرفهم { قَالُواْ بَلْ جئناك بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي : بما كانوا يشكون من نزول العذاب بهم { واتيناك بالحق } أي : بالعذاب ، وهو العدل والصدق { وِإِنَّا لصادقون } بأن العذاب نازل بهم { قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ } أي : في بعض الليل . قرأ ابن كثير ، ونافع { فَأَسْرِ } بجزم الألف ، والباقون بالنصب ، سريت وأسريت إذا سرت ليلاً { واتبع أدبارهم } يقول : امش وراءهم { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } يعني لا يتخلف منكم أحد { وامضوا } أي : انطلقوا { حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } أي إلى المدينة وهي مدينة زعر .
قوله : { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر } يعني : أخبرناه ، وأوحينا إليه ذلك الأمر ، ثم فسّر ذلك الأمر فقال : { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } يعني : إنهم مستأصلون عند الصباح . ويقال : قضينا إليه ذلك الأمر . يعني : أمرناه بالخروج إلى الشام ، إلى المدينة زعر ، لأن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين قوله : { وَجَآء أَهْلُ المدينة يَسْتَبْشِرُونَ } بدخول الرجال منزل لوط { قَالَ *** لُوطٍ إِنَّا *** هَؤُلآء ضَيْفِى } يقول : أضيافي { فَلاَ تَفْضَحُونِ } فيهم { واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ } أي : لا تذلوني في أضيافي { قَالُواْ أُوذِينَا *** لَمْ *** نَنْهَكَ عَنِ العالمين } ألم ننهك أن تضيف أحداً من الغرباء { قَالَ هؤلاءآء بَنَاتِى } أي : بنات قومي أزوجكم { إِن كُنتُمْ فاعلين } أي : فتزوجوا النساء ، فإن الله تعالى خلق النساء للرجال ، وأمر بتزويجهن .

(2/449)


لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79)

{ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } أي : بحياتك يا محمد إنهم لفي جهالتهم ، وضلالتهم { يَعْمَهُونَ } أي : يترددون ، ويتجبرون . يعني : إن أهل مكة يسمعون هذه العجائب ، ولا تنفعهم ، وهم على جهلهم مصرون . قال : حدّثنا الخليل بن أحمد . قال : حدّثنا ابن معاذ . قال : حدّثنا عبد العزيز بن أبان ، عن سعيد بن زيد ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس أنه قال : ما خلق الله نفساً أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره . فقال { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } ثم رجع إلى قصة قوم لوط ، فقال تعالى : { فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة } أي : أخذتهم صيحة جبريل { مُشْرِقِينَ } يعني : عند طلوع الشمس ، وذلك أن جبريل قلع الأرض وقت الصبح ، فرفعها مع الملائكة إلى قريب من السماء ، ثم قلبها وأهواها إلى الأرض ، وصاح بهم وقت طلوع الشمس فذلك قوله : { فَجَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } وقد ذكرناها { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي : في هلاك قوم لوط { لاَيَاتٍ } أي : علامات { لِلْمُتَوَسّمِينَ } يقول : للمتفكرين . وقال قتادة : للمعتبرين . وقال الضحاك : للناظرين . وقال مجاهد : للمفترسين . قال الفقيه : حدّثنا الخليل بن أحمد . قال : حدّثنا أبو يعقوب . قال : حدّثنا عمار بن الربيع الباهلي ، عن أبي صالح بن محمد ، عن محمد وهو ابن مروان ، عن عمرو بن قيس ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « اتّقُوا فَرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ الله » . ثم قرأ { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيات لِلْمُتَوَسّمِينَ } وقال الزجاج : حقيقته في اللغة ، النظار المثبتون في نظرهم ، حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء . يقال : توسمت في فلان كذا وكذا أي : عرفت ذلك فيه .
ثم قال : { وَإِنَّهَا } أي : قريات لوط { لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } أي : بطريق واضح بيّن يرونها ، حين مروا بها { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي في هلاك قوم لوط { لآيَةً } أي لعلامة وعبرة { لِلْمُؤْمِنِينَ *** وَإِن كَانَ } يقول : وقد كان { كَذَّبَ أصحاب } أي : أصحاب الغيضة ، والغيضة والأيكة الشجرة . وهم قوم شعيب قال قتادة : مدين وإلى أصحاب الأيكة ، وقال بعضهم : آل مدين والأيكة واحد ، لأن الأيكة كانت عند مدين ، وهذا أصح { لظالمين } أي : لكافرين .
قوله : { فانتقمنا مِنْهُمْ } بالعذاب { وَإِنَّهُمَا } أي : قريات لوط وشعيب { لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } أي لبطريق واضح . وقال القتبي : أصل الإمام ما يؤتم به . قال الله تعالى : { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } أي : يؤتم ، ويقتدى بك ، ثم تستعمل لمعاني منها . الكتاب إماماً ، لأنه يؤتم بما أحصاه الكتاب . قال الله تعالى { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم فَمَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ فأولئك يَقْرَءُونَ كتابهم وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } [ الإسراء : 71 ] أي : بكتابهم . وقال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الموتى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ وَكُلَّ شىْءٍ أحصيناه فى إِمَامٍ مُّبِينٍ } [ يس : 12 ] أي : في اللوح المحفوظ . وهو الكتاب . وسمي الطريق إماماً . لأن المسافر يأتم به ، ويستدل به . قال الله تعالى : { وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } أي : بطريق واضح . أي : قريات قوم لوط ، وقرية شعيب عليهما السلام .

(2/450)


وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86)

{ وَلَقَدْ كَذَّبَ أصحاب الحجر المرسلين } وهم قوم صالح ، كذبوا صالحاً ، والحجر أرض ثمود { وءاتيناهم ءاياتنا } أي : الناقة { فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } يقول : مكذبين بها { وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتًا ءامِنِينَ } من أن تقع عليهم الجبال . ويقال : { ءامِنِينَ } من نزول العذاب ، فلم يعرفوا نعمة الله تعالى . ويقال { ءامِنِينَ } من العذاب بعقر الناقة . فعقروا الناقة ، وقسموا لحمها ، فأهلكهم الله تعالى بصيحة جبريل فذلك قوله : { فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُصْبِحِينَ } أي : حين أصبحوا { فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يعني : فما نفعهم ما كانوا يكسبون من الكفر والشرك .
قوله : { وَمَا خَلَقْنَا * السموات والارض ***** وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق } أي : للحق . والباء توضع موضع اللام أي : لينظر عبادي إليها فيعتبروا . ويقال : وما خلقناهما إلا عذراً ، وحجة على خلقي ، { وَإِنَّ الساعة لآتِيَةٌ } أي : لكائنة ، لا محالة { فاصفح الصفح الجميل } أي : اعرض عنهم إعراضاً جميلاً بلا جزع منك { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخلاق العليم } أي : عليماً بمن يؤمن ، وبمن لا يؤمن ، ويقال العليم يعلم متى تقوم الساعة .

(2/451)


وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (91)

قوله : { وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني } أي : فاتحة الكتاب { وَلَقَدْ ءاتيناك } أي : سائر القرآن وهذا قول ابن عباس وعليّ بن أبي طالب وابن مسعود وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال : السبع المثاني : السبع الطوال . وعن سعيد بن جبير قال : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، ويونس . قال : لأنه يثني فيها حدود الفرائض والقرآن . ويقال : السبع المثاني ، والقرآن كله وهو سبعة أسباع . سمي مثاني لأن ذكر الأقاصيص فيه مثنى كقوله : { الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كتابا متشابها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ الزمر : 23 ] وقال طاوس : القرآن كله مثاني . وقال أبو العالية المثاني : فاتحة الكتاب سبع آيات ، وإنما سمي مثاني ، لأنه يثنى مع القرآن كلما قرىء القرآن . قيل إنهم يزعمون أنها السبع الطوال . قال : لقد أنزلت هذه الآية ، وما أنزل شيء من الطوال . وسئل الحسن عن قوله : { سَبْعًا مّنَ المثاني } قال : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } حتى أتى على آخرها . وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ أُمُّ الكِتَابِ وَأَمُّ القُرْآنِ وَالسَّبْعُ المَثَانِي » . وقال قتادة : { سَبْعًا مّنَ المثاني } هي فاتحة الكتاب تثنى في كل ركعة مكتوبة ، وتطوع ، يعني : في كل صلاة . ويقال : من المثاني أي : مما أثني به على الله تعالى ، لأن فيها حمدَ الله تعالى وتوحيده ومن ههنا على ضربين ، يكون للتبعيض من القرآن أي : أعطيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى ، وآتيناك القرآن العظيم ، ويجوز أن يكون السبع هي المثاني كقوله : { ذلك وَمَن يُعَظِّمْ حرمات الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الانعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ فاجتنبوا الرجس مِنَ الاوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور } [ الحج : 30 ] أي : اجتنبوا الأوثان .
قوله : { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } أي : لا تنظرن بعين الرغبة { إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ } أي : ما أعطيناهم في الدنيا . يعني : ما أعطيناك من القرآن أفضل مما أعطيناهم من الأموال . فاستغن بما أعطيناك من القرآن ، والدين والعلم ، ولا تنظر إلى أموالهم .
قوله : { أزواجا مّنْهُمْ } أي : أصنافاً منهم ، وألواناً من الأموال ، يعني : أعطينا رجالاً منهم ، أي : المشركين منهم { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } أي : على كفار مكة إن لم يؤمنوا ، لأن مقدوري عليهم الكفر . ويقال : { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } إن نزل بهم العذاب { واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } يقول : ليّن جناحك عليهم أي : تواضع للمؤمنين { وَقُلْ إِنّى أَنَا النذير المبين } أخوفكم بعذاب مبين بلغة تعرفونها .

(2/452)


{ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين } أي : كما أنزلنا العذاب على المقتسمين ، وهم الذين أقسموا على عقبات مكة ، ليردوا الناس عن دين الإسلام ، وعن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم . ويقال : { إِنّى أَنَا النذير المبين } بالقرآن ، كما أنزلنا التوراة والإنجيل على المقتسمين ، وهم اليهود ، والنصارى اقتسموا فآمنوا ببعض ، وكفروا ببعض . وقال مجاهد : هم اليهود والنصارى . فرقوا القرآن ، آمنوا ببعضه ، وكفروا ببعضه . ويقال : إن أهل مكة قالوا أقاويل مختلفة .
قوله : { الذين جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ } أي : فرقوا القول فيه . قال بعضهم : سحر وقال بعضهم : شعر . وهذا قول قتادة . ويقال : أصله في اللغة الفرقة . يقال : فرّقوه أي : عضوه أعضاء . يقال : ليس دين الله بالتعضية أي : بالتفريق . وروى الضحاك ، عن ابن عباس ، أنه قال : جزؤوه ، وجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور .

(2/453)


فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)

ثم قال : { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } يعني : أقسم بنفسه ليسألنهم يوم القيامة { عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من الشرك ، وعن ترك قول : لا إله إلا الله ، وعن الإيمان بالله ، والرسول { فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ } أي : أظهر أمرك ، وامض ، واقض ما أمرتك { وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } أي : اتركهم ، حتى يجيء أمر الله تعالى ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية ، مستخفياً ، لا يظهر شيئاً مما أنزل الله عليه ، حتى نزلت هذه الآية .
ثم قال : { إِنَّا كفيناك المستهزءين } أي : أظهر أمرك ، فقد أهلك الله المستهزئين ، وهم خمسة رهط . فأهلكوا كلهم في يوم وليلة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى الموسم أيام الحج ، ليدعو الناس ، فمنعه المستهزئون ، وبعثوا على كل طريق رجلاً ، فإذا سألهم أحد من الغرباء عن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : هو ساحر كاهن . ثم قالوا : هذا دأبنا كل سنة . فشقّ على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأهلكهم الله تعالى ، منهم الوليد بن المغيرة .
نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كيف تجد هذا؟ فقال : « بِئْسَ الرَّجُلُ » . فقال : كفيناكه . فمضى وهو يتبختر في ردائه ، ويقال : ببردته ، فمر برجل يصنع السهام ، فتعلق سهم بردائه ، وأخذ طرف ردائه ليجعله على كتفه ، فأصاب السهم أكحله ، فنزف فمات . ومنهم العاص بن وائل السهمي ، مرّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم فسئل عنه فقال : « بئس الرجل هو » . فقال : كفيناكه فوطىء على شوكة؟ فتساقط لحمه عن عظامه ، حتى هلك ، ومنهم الحارث بن حنظلة ، أصاب ساقه شيء فانتفخ فمات . ومنهم أسود بن عبد يغوث ، أصابه العطش ، فجعل يشرب الماء حتى انتفخ بطنه فمات . ومنهم أسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد عزى ، ضربه جبريل بجناحه ، فمات . ويقال : خرج مع غلام له ، فأتاه جبريل عليه السلام وهو قاعد في أصل شجرة ، فجعل ينطح برأسه الشجرة ، ويضرب وجهه بالشوك ، فاستغاث بغلامه ، فقال غلامه : لا أرى أحداً يصنع بك شيئاً غير نفسك حتى مات ، وهو يقول : قتلني رب محمد وفي رواية الكلبي : أن أسود بن عبد يغوث ، خرج من أهله ، فأصابه السواد حتى عاد حبشياً ، فأتى أهله فلم يعرفوه ، وأغلقوا دونه الباب حتى مات . وروي في خبر آخر أن العاص بن وائل السهمي ، خرج في يوم مطير على راحلته مع ابنين له؟ فنزل شعباً من الشعاب ، فلما وضع قدمه على الأرض ، لدغت رجله ، فطلبوا ، فلم يجدوا شيئاً ، فانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق بعير ، فمات مكانه وعن أبي بكر الهذلي أنه قال : قلت للزهري : إن سعيد بن جبير ، وعكرمة قد اختلفا في رجل من المستهزئين .

(2/454)


فقال سعيد : هو الحارث بن عيطلة . وقال عكرمة : هو الحارث بن قيس . فقال : صدقاً كانت أمه اسمها عيطلة ، وأبوه قيساً . ويقال : إنه أكل حوتاً مالحاً فأصابه عطش ، فلم يزل يشرب عليه الماء حتى أنفذ فمات ، وهو يقول : قتلني رب محمد فنزل { إِنَّا كفيناك المستهزءين } { الذين يَجْعَلُونَ } أي : يقولون { مَعَ الله إلها ءاخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ } ماذا يفعل بهم ، هذا وعيد لسائر الكفار .
قوله : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } من تكذيبهم إياك { فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } يقول : صلِّ بأمر ربك . ويقال : اشتغل بعبادة ربك ، ولا تشغل قلبك بهم { وَكُنْ مّنَ الساجدين } يعني : من المصلين .
قوله : { واعبد رَبَّكَ } يعني : على التوحيد { حتى يَأْتِيَكَ اليقين } أي : واستقم على التوحيد حتى يأتيك اليقين . أي : الموت قال الفقيه : حدّثنا محمد بن الفضل . قال : حدّثنا محمد بن جعفر . قال : حدّثنا إبراهيم بن يوسف . قال : حدّثنا المحارمي ، عن إسماعيل بن عياش ، عن شرحبيل بن مسلم عن جبير بن نصير ، عن أبي مسلم الخولاني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « مَا أَوْحَى الله تَعَالَى إَليَّ أَنْ أَجْمَعَ المَالَ وَأَكُونَ مِنَ التَّاجِرينَ ، ولكن أَوْحَى إِليَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ، وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّىَ يَأْتِيَكَ اليَقِينُ » والله أعلم .

(2/455)


أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3)

قوله تعالى : { أتى أَمْرُ الله } أي يوم القيامة . ويقال : يعني : العذاب . كقوله : { حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنور قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول وَمَنْ ءَامَنَ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } [ هود : 40 ] وقوله : { إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السمآء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الارض مِمَّا يَأْكُلُ الناس والانعام حتى إِذَآ أَخَذَتِ الارض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالامس كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ يونس : 24 ] أي : أتى أمر الله . يعني : يأتي . أي : هو قريب لأن ما هو آتٍ آتٍ . وهذا وعيد لهم إنها كائنة . وقال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية { اقترب لِلنَّاسِ حسابهم وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } [ الأنبياء : 1 ] ثم نزلت بعدها { اقتربت الساعة وانشق القمر } [ القمر : 1 ] قالوا : يا محمد تزعم أن الساعة قد اقتربت ، ولا نرى من ذلك شيئاً فنزل { أتى أَمْرُ الله } أي : عذاب الله ، فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً ، لا يشك أن العذاب قد أتاهم ، فقال لهم جبريل : { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } قال : فجلس النبي صلى الله عليه وسلم بعد قيامه ، ثم قال : { سبحانه } نزّه نفسه عن الولد ، والشريك . ويقال : ارتفع ، وتعاظم عن صفة أهل الكفر . فقال عز وجل : { وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } به من الأوثان . قرأ حمزة ، والكسائي { تُشْرِكُونَ } بالتاء على معنى المخاطبة . وقرأ الباقون : بالياء بلفظ المغايبة ، وكذلك ما بعده .
ثم قال : { يُنَزّلُ الملائكة } أي : جبريل { بالروح } أي : بالوحي والنبوة والقرآن { مِنْ أَمْرِهِ } أي : بأمره . قال القتبي : { مِنْ } توضع موضع الباء كقوله : { لَهُ معقبات مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } [ الرعد : 11 ] أي : بأمر الله . وقال ههنا : يلقي الروح { مِنْ أَمْرِهِ } أي : بأمره { على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أي : يختار للنبوة والرسالة . وقال قتادة : ينزل الملائكة بالرحمة ، والوحي { على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } يعني : من كان أهلاً لذلك . قرأ ابن كثير وأبو عمرو { يُنَزّلٍ } بجزم النون من قولك أنْزَلَ يُنْزِلُ ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر { تُنَزَّلَ } بالتاء ، ونصب النون ، والزاي مع التشديد ، على معنى فعل ما لم يسم فاعله . وقرأ الباقون { يُنَزّلٍ } بالياء ، وكسر الزاي مع التشديد ، من قولك : نَزَّلَ يُنَزِّلُ .
ثم قال تعالى : { أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ } أي : خوفوا بالقرآن الكفار ، وأعلموهم أن الله واحد لا شريك له . فذلك قوله : { لا إله إِلا أَنَاْ فاتقون } أي : أطيعون ، ووحدون .
ثم قال : { خُلِقَ * السموات والارض بالحق } أي : للحق . ويقال : للزوال ، والفناء . { تَعَالَى } تنزه { عَمَّا يُشْرِكُونَ } به من الأوثان .

(2/456)


خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)

ثم قال : { خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ } يقول : من ماء الرجل { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } يقول : جدل بالباطل ظاهر الخصومة ، وهو أبي بن خلف حيث أخذ عظماً بالياً فَفَتَّهُ بيده ، وقال : عجباً لمحمد يزعم أنه يعيدنا بعد ما كنا عظاماً ورفاتاً ، وإنا نعاد خلقاً جديداً ، فنزل { أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ } { صلى الله عليه وسلم [ يس : 77 ] الآية .
ثم بيّن النعمة فقال تعالى : { وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ } الدفء ما يستدفأ به من الأكسية وغيرها . والذي يتخذ منه البيوت من الشعر ، والوبر ، والصوف . وأما المنافع فظهورها التي تحمل عليها . وألبانها . ويقال : الدفء الصغار من الإبل .
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : { لَكُمْ فِيهَا دِفْء } أي : في نسل كل دابة ثم قال : { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أي : من لحومها . قوله : { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } أي : ولكم يا بني آدم في الأنعام ، جمال حسن المنظر ، { حِينَ تُرِيحُونَ } أي : حتى تروح الإبل راجعة إلى أهلها { وَحِينَ تَسْرَحُونَ } أي : تسرح إلى الرعي أول النهار { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } أي : أمتعتكم وزادكم { إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بالغيه إِلاَّ بِشِقّ الانفس } إلا بجهد الأبدان . وروى سماك عن عكرمة قال : { بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بالغيه إِلاَّ بِشِقّ الانفس } قال : هي مكة . ويقال : هذا الخطاب لأهل مكة ، كانوا يخرجون إلى الشام ، وإلى اليمن ، ويحملون أثقالهم على الإبل .
ثم قال : { إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } إذ لم يعجلكم بالعقوبة . ثم قال : { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } أي : جمالاً ، ومنظراً ، وحسناً . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ، أنه سئل عن لحوم الخيل ، فكرهه ، وتلا هذه الآية { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } يعني : إنما خلق هذه الأصناف الثلاثة للركوب والزينة ، لا للأكل ، وسائر الأنعام خلقت للركوب ، والأكل ، كما قال : { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } وبه كان يقول أبو حنيفة : إن لحم الخيل مكروه .
ثم قال : { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي : خلق أشياء تعلمون ، وخلق أشياء مما لا تعلمون . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إِنَّ الله خَلَقَ أَرْضَاً بَيْضَاءَ مِثْلَ الدُّنْيَا ثَلاثِينَ مَرَّةً مَحْشُوَّةً خَلْقاً مِنْ خَلْقِ الله تَعَالَى ، لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله تَعَالَى يُعْصَى طَرْفَةَ عَيْنٍ » قالوا : يا رسول الله أمن ولد آدم هم؟ قال : « مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ آَدَمَ » . قالوا : فأين إبليس منهم؟ قال : « مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ إِبْلِيسَ » ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم « { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } » قوله : { وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل } أي : بيان الهدى . ويقال : هداية الطريق { وَمِنْهَا جَائِرٌ } أي : من الطرق ما هو مائل عن طريق الهدى إلى طريق اليهودية ، والنصرانية . وروى جويبر عن الضحاك أنه قال : { وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل } يعني : بيان الهدى ، { وَمِنْهَا جَائِرٌ } أي : سبيل الضلالة . وقال قتادة : في قراءة عبد الله بن مسعود { وَمِنْهَا جَائِرٌ } أي : مائل عن طريق الهدى { وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } أي : لو علم الله تعالى أن الخلق كلهم أهلاً للتوحيد لهداهم . ويقال : لو شاء الله لأنزل آية يضطر الخلق إلى الإيمان بها .

(2/457)


هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17)

ثم قال : { هُوَ الذى أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآء } أي : المطر { لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } وهو ما يستقر في الأرض من الغدران ، وتشربون منه ، وتسقون أنعامكم { وَمِنْهُ شَجَرٌ } أي : من الماء ما ينتشر في الأرض ، فينبت منه الشجر ، والنبات { فِيهِ تُسِيمُونَ } أي : ترعون أنعامكم .
قوله : { يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون } أي : يخرج لكم بالمطر الزرع ، والزيتون { والنخيل والاعناب } أي : الكروم { وَمِن كُلّ الثمرات } أي : من ألوان الثمرات قرأ عاصم في رواية أبي بكر : { الله لَكُمْ } بالنون . وقرأ الباقون بالياء ، ومعناهما واحد .
ثم قال : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } يعني : فيما ذكر من نزول المطر ، وخروج النبات لعبرة { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في إنشائه . ثم قال : { وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر } أي ذلّل لكم الليل ، والنهار لمعايشكم { والشمس والقمر } أي : خلق الشمس والقمر { والنجوم مسخرات } بأمره أي : مذللات { بِأَمْرِهِ } أي : بإذنه { إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَاتٍ } أي : لعبرات { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي : لمن له ذهن الإنسانية .
ثم قال عز وجل : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الارض } أي : وما خلق لكم في الأرض ، من الدواب ، والأشجار ، والثمار { مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } أي في اختلاف ألوانها لعبرة { لِقَوْمٍ * يَتَذَكَّرُونَ } أي : يتعظون قرأ ابن عامر { والشمس والقمر والنجوم } كلها بالرفع على معنى الابتداء . وقرأ عاصم في رواية حفص { والشمس والقمر } بالنصب على معنى البناء . أي : سخر لكم الشمس والقمر . ثم ابتدأ فقال : { والنجوم } بالضم على معنى الابتداء . وقرأ الباقون الثلاثة كلها بالنصب ، ويكون بمعنى المفعول .
ثم قال : { وَهُوَ الذى سَخَّرَ البحر } أي : ذلّل لكم البحر . ويقال : ذلّل لكم ما في البحر { لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ } أي : من البحر { لَحْمًا طَرِيّا } أي : السمك الطري { وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ } يعني : من البحر { حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } يعني : لؤلؤاً تتزينون بها . يعني : زينة للنساء { وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ } أي : مقبلة ، ومدبرة فيه . ويقال : تذهب ، وتجيء بريح واحدة . وقال عكرمة : يعني : السفينة حين تشق الماء يقال : مخرت السفينة إذا جرت ، لأنها إذا جرت تشق الماء { وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } أي : لكي تطلبوا من رزقه ، حين تركبون السفينة للتجارة { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي : لكي تشكروا الله فيما صنع لكم من النعمة .
ثم قال : { وألقى فِى الارض رَوَاسِىَ } يعني : الجبال الثوابت { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } يعني : لكيلا تميد بكم ، وقد يحذف لا ويراد إثباته ، كما قال هاهنا : { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } أي لا تميل بأهلها . وروى معمر عن قتادة أنه قال لما خلقت الأرض كادت تميد فقالت الملائكة ما هذه بمقرة على ظهرها أحداً فأصبحوا وقد خلقت الجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال وقال القتبي الميد الحركة والميل ويقال { أَن تَمِيدَ } أي كراهة أن تميد بكم { وأنهارا } أي : وجعل لكم أنهاراً { وَسُبُلاً } أي : طرقاً { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } أي : تعرفون بها الطرق { وعلامات } أي : جعل في الأرض علامات من الجبال ، وغيرها تهتدون به الطرق في حال السفر .

(2/458)


{ وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } أي : بالجدي ، والفرقدين ، تعرفون بها الطرق في البر والبحر . وروى عبد الرزاق عن معمر في قوله : { وعلامات } قال : قال الكلبي : الجبال . وقال قتادة : النجوم . وروى سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله : { وعلامات وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } قال : منها ما يكون علامة ، ومنها ما يهتدى به . وقال عمر بن الخطاب : تعلموا من النجوم ما تهتدون به ، في طرقكم ، وقبلتكم ، ثم كفوا ، وتعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم . وقال السدي : { وعلامات } أي : الجبال بالنهار يهتدون بها الطرق ، والنجوم بالليل .
ثم قال : { أَفَمَن يَخْلُقُ } يعني : هذه الأشياء التي وصفت لكم { كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } أي : لا يقدر أن يخلق شيئاً وهم الأصنام . { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي : أفلا تتعظون في صنعه ، فتوحّدوه وتعبدوه ، ولا تعبدوا غيره .

(2/459)


وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23)

ثم قال تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } أي : لا تطيقوا إحصاءها . فكيف تقدرون على أداء شكرها { إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن تاب ورجع . ثم قال : { والله يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ } في قلوبكم { وَمَا تُعْلِنُونَ } بالقول . ويقال : ما تخفون من أعمالكم { وَمَا تُعْلِنُونَ } أي : تظهرون منها ، فالسر والعلانية عنده سواء .
ثم قال : { والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله } أي : يعبدون من دون الله من الأوثان { لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا } أي : لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً { وَهُمْ يُخْلَقُونَ } أي : ينحتون من الأحجار ، والخشب ، وغيره . ثم قال تعالى : { أموات غَيْرُ أَحْيَاء } قال في رواية الكلبي : يعني : أن الأصنام أموات ليس فيها روح { وَمَا يَشْعُرُونَ } يعني : الأصنام { أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } أي : متى يحيون فيحاسبون ويقال { أَمْوَاتٌ } يعني : أن الكفار غير أحياء . يعني : كأنهم أموات لا يعقلون شيئاً وما يشعرون أيَّان يبعثون غيره { فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } يعني : الذين لا يصدقون بالبعث { قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ } أي جاحدة للتوحيد ويقال قلوبهم خبيثة لا تدخل المعرفة فيها { وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } أي متعظمون عن الإيمان ثم قال عز وجل { لاَ جَرَمَ } أي : حقاً . ويقال : نعم . وذكر عن الفراء أنه قال { لاَ جَرَمَ } بمنزلة لا بد ولا محالة .
ثم كثرت في الكلام ، حتى صارت بمنزلة حقاً { أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } أي : ما يكتمون ، وما يظهرون من الكفر ، والمكر في أمر محمد صلى الله عليه وسلم { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين } أي : المتعظمين عن الإيمان . ويقال : لا يحب المتكبرين الذين يتكبرون على الناس . قال الفقيه : حدّثنا محمد بن الفضل . قال : حدّثنا محمد بن جعفر . قال : حدّثنا إبراهيم بن يوسف . قال : حدّثنا الفضل بن دكين ، عن مسعر بن كدام ، عن أبي مصعب ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب قال : سيأتي المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذر في صور الرجال ، يغشاهم ، ويأتيهم الذل من كل مكان .

(2/460)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)

قوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } يعني : الخراصين من أهل مكة . وروى أسباط عن السدي قال : اجتمعت قريش ، فقالوا : إن محمداً رجل حلو اللسان ، إذا كلمه رجل ذهب بعقله . وفي رواية أخرى : بقلبه . فانظروا أناساً من أشرافكم ، فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين . فمن جاء يريده ردّوه عنه . فخرج ناس منهم في كل طريق ، فكان إذا جاء الرجل من وفد القوم ، ينظر ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم . فنزل بهم ، فقالوا له : أنا فلان بن فلان ، فيعرفه بنسبه . ثم قال : أنا أخبرك ثم قال : أنا أخبرك . عن محمد ، فلا تنفر إليه هو رجل كذاب لم يتبعه إلا السفهاء والعبيد ، ومن لا خير فيه ، أما أشياخ قومه ، وأخيارهم ، فهم مفارقوه . فيرجعون أي : الوافدون . وإذا كان الوافد ممن عزم الله له على الرشد يقول : بئس الوافد أنا لقومي . إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم ، رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل ، وأنظر ماذا يقول . فيدخل مكة ، فيلقى المؤمنين ، فيسألهم : ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : { وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الاخرة خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين } [ النحل : 30 ] فذلك قوله : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } للمقتسمين من أهل مكة { مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ } يعني : ما الذي أنزل ربكم على محمد صلى الله عليه وسلم ، { قَالُواْ أساطير الاولين } يعني : الذين يذكرون أنه منزل ، هو كذب الأولين ، وأحاديثهم .
قال الله تعالى : { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ } أي : آثامهم { كَامِلَةٌ } أي : وافرة { يَوْمُ القيامة } أي : لا يغفر لهم شيء . وذنوب المؤمنين تكفر عنهم من الصلاة إلى الصلاة ، ومن رمضان إلى رمضان ، ومن الحج إلى الحج ، وتكفر بالشدائد ، والمصائب . وذنوب الكفار لا تغفر لهم ، ويحملونها كاملة يوم القيامة . أي : يحملون وبال الذنوب التي عملوا بأنفسهم { وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ } أي : يصدُّونهم عن الإيمان { بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي : بغير عذر ، وحجة ، وبرهان . ويقال : { مِنْ * أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ } أي : أوزار إضلالهم . وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من سنّ سنة سيئة ، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» . ثم قال : { أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } أي : بئس ما يحملون من الذنوب . ويقال : بئس الزاد زادهم الذنوب .

(2/461)


قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)

ثم قال تعالى : { قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ } أي : قد صنع الذين من قبلهم مثل المقتسمين ، فأبطل الله كيدهم { فَأَتَى الله بنيانهم مّنَ القواعد } أي : قلع بنيانهم من أساس البيت { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ } أي : سقف البيت ، قال الكلبي : وهو نمروذ بن كنعان ، بنى صرحاً طوله في السَّماء خمسة آلاف ذراع وخمسون ذراعاً ، وكان عرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسون ذراعاً ، فهدم الله بنيانه ، وخرّ عليهم السقف من فوقهم ، فأهلكهم الله . وقال القتبي : هذا مثل . أي : أهلك من قبلهم من الكفار ، كما أهلك من هدم مسكنه من أسفله ، فخرّ عليه . ويقال : هدم بنيان مكرهم من الأصل ، فخرّ عليهم السقف . أي : رجع وبال مكرهم إليهم ، كقوله تعالى : { استكبارا فِى الارض وَمَكْرَ السيىء وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلاٌّوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً } [ فاطر : 43 ] { وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } أي : لا يعلمون .
قوله : { ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ } أي : يعذبهم ، وما أصابهم في الدنيا ، لم يكن كفارة لذنوبهم . { وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ } أي : تعادونني ، وتخالفونني فيهم ، يعني : بسببهم وعبادتهم قرأ نافع { تشاقون } بكسر النون على معنى الإضافة . والباقون : بنصب النون لأنها نون الجماعة . { قَالَ الذين أُوتُواْ العلم } أي : الملائكة . ويقال : يعني : المؤمنين { إِنَّ الخزى اليوم } أي : العقاب { والسوء } أي : الشدة من العذاب { عَلَى الكافرين } .
قوله تعالى : { الذين تتوفاهم الملائكة } أي : يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه { ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } أي : الذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله تعالى { فَأَلْقَوُاْ السلم } أي : انقادوا ، واستسلموا حين رأوا العذاب . قالوا : { مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء } أي : ما كنا نشرك بالله . وقال الكلبي : هم قوم خرجوا مع المشركين يوم بدر ، قد تكلموا بالإيمان ، فلما رأوا قلة المؤمنين ، رجعوا إلى الشرك فقتلوا . ويقال : جميع المشركين . قال الله تعالى : { بلى } أشركتم بالله { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } من الشرك .

(2/462)


فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33)

قوله : { فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ } أي : يقول لهم خزنة جهنم ، ادخلوا أبواب جهنم { خالدين فِيهَا } أي : مقيمين فيها أبداً { فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين } يعني : لبئس مأوى المتكبرين عن الإيمان . ثم نزل في المؤمنين الذين يدعون الناس إلى الإيمان ، وذلك أن أهل مكة ، لما بعثوا إلى أعقاب مكة رجالاً ، ليصدوا الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً من أصحابه ، إلى أعقاب مكة . فكان الوافد إذا قدم إليهم ، قالوا له : إن هؤلاء المشركين كذبوا ، بل محمد صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الحق ، ويأمر بصلة الرحم ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويدعو إلى الخير .
قوله تعالى : { وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا } أي : يدعو إلى الخير { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ } أي : للذين وحّدوا في هذه الدنيا ، لهم الحسنة في الآخرة أي : الجنة { وَلَدَارُ الاخرة } يعني : الجنة { خَيْرٌ } أي : أفضل من الدنيا { وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين } يعني : المطيعين . قال مقاتل في قوله : { قَالُواْ خَيْرًا } أي : قالوا للوافد إنه يأمر بالخير ، وينهى عن الشر { قَالُواْ خَيْرًا } ثم قطع الكلام .
يقول الله تعالى : { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } أي : أحسنوا العمل في هذه الدنيا ، لهم حسنة في الآخرة أي : في الجنة { وَلَدَارُ الاخرة } خير يعني : الجنة أفضل من ثواب المشركين الذين يحملون أوزارهم . ويقال : هذه كلها حكاية كلام المؤمنين ، إلى قوله : { المتقين } قرأ عاصم في رواية أبي بكر : { تُسِرُّونَ } بالتاء على معنى المخاطبة . { سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ } بالياء على معنى المغايبة . وروي عن حفص : الثلاث كلها بالياء على معنى المغايبة . وقرأ الباقون : بالتاء على معنى المخاطبة .
ثم وصف دار المتقين فقال : { جنات عَدْنٍ } يعني : الدار التي هي للمتقين جنات عدن { يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءونَ } أي : يحبون ، ويتمنون { كَذَلِكَ يَجْزِى الله المتقين } أي : هكذا يثبت الله المتقين الشرك .
قوله : { الذين تتوفاهم الملائكة } أي : ملك الموت { طَيّبِينَ } يقول : زاكين ، طاهرين من الشرك ، والذنوب ، { يَقُولُونَ } أي : يقول لهم خزنة الجنة في الآخرة { سلام عَلَيْكُمُ ادخلوا الجنة بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا . ويقال : هذا مقدم ومؤخر . أي : جنات عدن يدخلونها .
ثم قال : { الذين تتوفاهم الملائكة } قرأ حمزة : { الذين } بالياء بلفظ التذكير . والباقون : بالتاء بلفظ التأنيث ، لأن الفعل إذا كان قبل الاسم جاز التذكير والتأنيث . قوله : { أَلِيمٍ هَلْ يَنظُرُونَ } يقول : ما ينظرون وهم أهل مكة { إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة } أي : ملك الموت يقبض أرواحهم { أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ } أي : عذاب ربك يوم بدر ، ويقال : يوم القيامة { كَذَلِكَ فَعَلَ } أي : كذلك كذب { الذين مِن قَبْلِهِمْ } رسلهم ، كما كذبك قومك ، فأهلكهم الله تعالى { وَمَا ظَلَمَهُمُ الله } يعني : بإهلاكه إياهم { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بتكذيبهم رسلهم . قرأ حمزة والكسائي : إلا أن يأتيهم بالياء بلفظ التذكير ، والباقون بلفظ التأنيث ، لأن الفعل مقدم .

(2/463)


فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34) وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39)

{ فَأَصَابَهُمْ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أي : جزاء ما عملوا { وَحَاقَ بِهِم } أي : نزل بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } من العذاب أنه غير نازل بهم . قوله : { وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ } أي : أهل مكة { لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } قالوا ذلك على وجه الاستهزاء . يعني : إن الله قد شاء لنا ذلك الذي { نَحْنُ } فيه { وَلاَ ىَابَاؤُنَا } ولكن شاء لنا ولآبائنا { وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } ولا آباؤنا ، ولكن شاء لنا من تحريم البحيرة ، والسائبة ، وأمرنا به . ولو لم يشأ ، ما حرمنا من دونه من شيء .
قال الله تعالى : { كَذَلِكَ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } يقول : هكذا كذب الذين من قبلهم من الأمم { فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ } أي : ليس عليهم إلا تبليغ الرسالة { المبين } أي : بينّوا لهم ما أمروا به . قوله : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ } أي : في كل جماعة { رَسُولاً } كما بعثناك إلى أهل مكة { أَنِ اعبدوا الله } أي : وحدوا الله ، وأطيعوه { واجتنبوا الطاغوت } أي : اتركوا عبادة الطاغوت ، وهو الشيطان ، والكاهن ، والصنم ، { فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله } لدينه ، وهم الذين أجابوا الرسل للإيمان { وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ } يعني : وجبت { عَلَيْهِ الضلالة } فلم يجب الرسل إلى الإيمان { فَسِيرُواْ فِى الارض } يقول سافروا في الأرض { فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } يقول : اعتبروا كيف كان آخر أمر المكذبين . فلما نزلت هذه الآية ، قرأها صلى الله عليه وسلم عليهم فلم يؤمنوا ، فنزل قوله : { إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ } يعني : على إيمانهم { فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ } يقول : من يضلل الله ، وعلم أنه أهل لذلك ، وقدر عليه ذلك . قال مقاتل : { مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِى طغيانهم يَعْمَهُونَ } [ الأعراف : 186 ] قرأ أهل الكوفة ، حمزة ، وعاصم ، والكسائي ، { لاَّ يَهِدِّى } بنصب الياء ، وكسر الدال ، أي لا يهدي من يضلله الله . وقرأ الباقون : { لاَّ يَهِدِّى } بضم الياء ، ونصب الدال ، على معنى فعل ما لم يسم فاعله ، ولم يختلفوا في { يُضِلَّ } أنه بضم الياء ، وكسر الضاد . وقال إبراهيم بن الحكم : سألت أبي عن قوله تعالى : { فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ } فقال : قال عكرمة . قال ابن عباس : من يضلله الله لا يهدى { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } أي : من مانعين من نزول العذاب .
قوله : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } وكل ما حلف بالله ، فهو جهد اليمين لأنهم كانوا يحلفون بالأصنام بآبائهم ، ويسمون اليمين بالله جهد باليمين ، وكانوا ينكرون البعث بعد الموت ، وحلفوا بالله حين قالوا : { لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } فكذبهم الله تعالى في مقالتهم ، فقال : { بلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا } أوجبه على نفسه ليبعثهم بعد الموت .
{ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } أي : لا يصدقون بالبعث بعد الموت .
قوله : { لِيُبَيّنَ لَهُمُ الذى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } من الدين يوم القيامة يعني : يبعثهم ، ليبين لهم أن ما وعدهم حقّ { وَلِيَعْلَمَ الذين كَفَرُواْ } يعني : ليستبين لهم عندما خرجوا من قبورهم { أَنَّهُمْ كَانُواْ كاذبين } في الدنيا .

(2/464)


إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)

قوله : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء } يعني : إن بعثهم على الله يسير { إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وحمزة : { فَيَكُونُ } بضم النون . وقرأ الباقون : بالنصب .
قوله : { والذين هاجروا فِى الله } أي : هاجروا من مكة إلى المدينة في طاعة الله { مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } أي : عذبوا { لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى الدنيا حَسَنَة } أي : لننزلنهم بالمدينة ، ولنعطينهم الغنيمة فهذا الثواب في الدنيا { وَلاَجْرُ الاخرة } أي : الجنة { أَكْبَرَ } أي : أفضل { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أي : يصدقون بالثواب .
ثم نعتهم فقال : { الذين صَبَرُواْ } على العذاب { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي : يثقون به ، ولا يثقون بغيره ، منهم بلال بن حمامة ، وعمار بن ياسر ، وصهيب بن سنان ، وخباب بن الأرت؛ قال مقاتل : نزلت الآية في هؤلاء الأربعة . عذبوا على الإيمان بمكة . وقال في رواية الكلبي : نزلت في ستة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أسرهم أهل مكة ، وذكر هؤلاء الأربعة ، واثنين آخرين ، عابس وجبير مولى لقريش . فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام . فأما صهيب فابتاع نفسه بماله ، ورجع إلى المدينة وأما سائر أصحابه ، فقالوا بعض ما أرادوا ثم هاجروا إلى المدينة بعد ذلك .
ثم قال قوله : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ } كما أوحي إليك ، وذلك أن مشركي قريش لما بلغهم النبي صلى الله عليه وسلم الرسالة ، ودعاهم إلى عبادة الله تعالى ، أنكروا ذلك ، وقالوا : لن يبعث الله رجلاً إلينا ، ولو أراد الله أن يبعث إلينا رسولاً ، لبعث إلينا من الملائكة الذين عنده ، فنزل { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ } إلى الأمم الماضية { إِلاَّ رِجَالاً } مثلك { نُّوحِى إِلَيْهِمْ } كما نوحي إليك قرأ عاصم في رواية حفص { نُوحِى } بالنون وقرأ الباقون : بالياء .
ثم قال : { فاسألوا أَهْلَ الذكر } أي : أهل التوراة والإنجيل { إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بالبينات والزبر } وفي الآية تقديم وتأخير . أي : وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم بالبينات ، والزبر . وروى أسباط عن السدي قال : البينات : الحلال ، والحرام . والزبر : كتب الأنبياء . وقال الكلبي : البينات أي : بالآيات الحلال ، والحرام ، والأمر ، والنهي ، ما كانوا يأتون به قومهم منها ، وهو كتاب النبوة . ويقال : البينات التي كانت تأتي بها الأنبياء ، مثل عصا موسى وناقة صالح . وقال مقاتل : { والزبر } يعني : حديث الكتب .
ثم قال : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر } يعني : القرآن { لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ } لتقرأ للناس { مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } أي : ما أمروا به في الكتاب { وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } يتفكروا فيه ، ليؤمنوا به .
ثم خوّفهم فقال : { أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ السيئات } أي : أشركوا بالله { أَن يَخْسِفَ الله بِهِمُ الارض } يعني : أن تغور الأرض بهم ، حتى يدخلوا فيها إلى الأرض السفلى { أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } أي : من حيث لا يعلمون بهلاكهم .

(2/465)


قوله : { أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ } أي : في ذهابهم ، ومجيئهم في تجارتهم { فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ } أي : بفائتين { أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ } أي : على تنقص . ويقال : يأخذ قرية بالعذاب ، ويترك أخرى قريبةً منها ، فيخوفها بمثل ذلك . وهذا قول مقاتل : وروي عن بعض التابعين أن عمر سأل جلساءه عن قوله : { أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ } فقالوا : ما نرى إلا عند بعض ما يرون من الآيات يخوفهم ، فقال عمر : ما أراه إلاَّ عندما يتنقصون من معاصي الله ، فخرج رجل فلقي أعرابياً ، فقال : يا فلان ما فعل دينك؟ قال : تخيلته أي : تنقصته . فرجع إليه فأخبره بذلك . ثم قال تعالى : { فَإِنَّ رَبَّكُمْ * لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } أي : لا يعجل عليهم بالعقوبة .

(2/466)


أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56)

قوله : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ } قرأ حمزة والكسائي { أَوَلَمْ *** تَرَوْاْ } بالتاء على معنى المخاطبة وقرأ الباقون : بالياء على معنى المغايبة يعني : أولم يعتبروا { إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَىْء } عند طلوع الشمس وعند غروبها { يَتَفَيَّأُ ظلاله } يعني : يدور ظله { عَنِ اليمين والشمآئل } قال القتبي : أصل الفيء الرجوع . وتفيؤ الظلال : رجوعها من جانب إلى جانب { سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخرون } أي : صاغرون ، وهم مطيعون . وأصل السجود التطأطؤ ، والميل . يقال : سجد البعير إذا تطأطأ ، وسجدت النخلة إذا مالت . ثم قد يستعار السجود ، ويوضع موضع الاستسلام ، والطاعة ، ودوران الظل ، من جانب إلى جانب . هو سجوده لأنه مستسلم ، منقاد ، مطيع . فذلك قوله : { سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخرون } قرأ أبو عمرو : { ***تَتَفَيَّأُ } بالتاء بلفظ التأنيث ، والباقون : بالياء ، لأن تأنيثه ليس بحقيقي ، ولأن الفعل مقدم ، فيجوز التذكير والتأنيث .
ثم قال تعالى : { داخرون وَلِلَّهِ يَسْجُدُ } أي : يستسلم { مَا فِي السموات } من الملائكة ، والشمس ، والقمر ، والنجوم ، { وَمَا فِى الارض مِن دَآبَّةٍ } يعني : يسجد لله جميع ما في الأرض من دابة { والملئكة } يعني : وما على الأرض من الملائكة . ويقال : فيه تقديم وتأخير ، ومعناه : ما في السموات من الملائكة ، وما في الأرض من دابة . ويقال : معناه يسجد له جميع ما في السموات ، وما في الأرض ، من دابة والملائكة . يعني : الدواب ، والملائكة ، والذين هم في السموات والأرض .
ثم قال : { وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } أي : لا يتعظمون عن السجود لله تعالى { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } أي : يخافون الله تعالى . روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنَّ لله تَعَالَى مَلائِكَةً فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ سُجّداً مُذْ خَلَقَهُمُ الله تَعَالَى إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَةِ الله تَعَالَى ، فَإِذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ فَقَالُوا : ما عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } » أي : يخافون خوفاً ، معظمين ، مبجلين . ويقال : خوفم بالقهر ، والغلبة ، والسلطان . ويقال : معناه يخافون ربهم الذي على العرش ، كما وصف نفسه بعلوه ، وقدرته ، والطريق الأول أوضح كقوله : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ وَمَنْ أوفى بِمَا عاهد عَلَيْهِ الله فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } [ الفتح : 10 ] أي : لا يعصون الله تعالى طرفة عين . قرأ أبو عمرو : { ***يتفيؤا } بالتاء بلفظ التأنيث . وقرأ الباقون : بالياء لأن تأنيثه مقدم فيجوز أن يذكر ويؤنث .
قوله : { يُؤْمَرُونَ وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين } أي : لا تقولوا ، ولا تصفوا إلهين اثنين ، أي : نفسه ، والأصنام . ويقال : نزلت الآية في صنف من المجوس ، إنهم وصفوا إلهين اثنين .
قال الله تعالى : { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ فإياي فارهبون } أي : فاخشوني ، ووحدوني ، وأطيعوني ، ولا تعبدوا غيري { وَلَهُ مَا فِى *** السموات } من الملائكة { والارض } من الخلق ، الجن ، والإنس ، كلهم عبيده وإماؤه { وَلَهُ الدين وَاصِبًا } أي : دائماً ، خالصاً .

(2/467)


ويقال : الألوهية . والربوبية له خالصاً . ويقال : دينه واجب أبداً لا يجوز لأحد أن يميل عنه . ويقال : معناه : وله الدين والطاعة ، رضي العبد بما يؤمر به أو لم يرض ، والوصب في اللغة : الشدة والتعب .
ثم قال : { أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ } أي : تعبدون غيره { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } يعني : إن الذي بكم من الغنى ، وصحة الجسم ، من قبل الله تعالى { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر } يعني : الفقر ، والبلاء في جسدكم . { وَمَا بِكُم } يعني : إليه تتضرعون ليكشف الضر عنكم ، كما قال في سورة الدخان { رَّبَّنَا اكشف عَنَّا العذاب إِنَّا مْؤْمِنُونَ } [ الدخان : 12 ] { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مّنْكُم } يعني : الكفار { بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } أي : يعبدون غيره .
قوله : { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم } أي : يجحدوا بما أعطيناهم من النعمة { فَتَمَتَّعُواْ } اللفظ لفظ الأمر والمراد به التهديد ، كقوله : { إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ فى ءاياتنا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يلقى فِى النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتى ءَامِناً يَوْمَ القيامة اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ فصلت : 40 ] يعني : تمتعوا بقية آجالكم { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } أي : تعرفون في الآخرة ماذا نفعل بكم .
قوله : { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا } أي : يجعلون لآلهتهم نصيباً من الحرث والأنعام ، كقوله : { وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والانعام نَصِيباً فَقَالُواْ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ الأنعام : 136 ] وقوله : { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمّا رزقناهم تالله لَتُسْألُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } [ النحل : 56 ] قال بعضهم : يعني : الكفار جعلوا لأصنامهم نصيباً ، ولا يعلمون منهم ضراً ولا نفعاً . وبعضهم قال : معناه يجعلون للأصنام الذين لا يعلمون شيئاً نصيباً ، أي : حظاً { مّمّا رزقناهم } من الحرث والأنعام . قال تعالى : { تالله لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } أي : تكذبون على الله ، لأنهم كانوا يقولون إنَّ الله أمرنا بهذا .

(2/468)


وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62)

قوله : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات } يعني : يصفون لله ، ويقولون : الملائكة بنات الله { سبحانه } أي : تنزيهاً له عن الولد { وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } يعني : الأولاد الذكور . أي : يصفون لغيرهم البنات ، ولأنفسهم الذكور .
ثم وصف كراهتهم البنات لأنفسهم فقال : { وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالانثى } يقول : إذا بشر أحد الكفار بالأنثى { ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا } أي : صار وجهه متغيراً من الحزن ، والخجل ، { وَهُوَ كَظِيمٌ } يعني : مكروباً ، مغموماً من الحزن ، يتردد حزنه في جوفه .
قوله : { يتوارى مِنَ القوم مِن سُوء } يعني : يكتم ما به من القوم . ويقال : يستر وجهه من القوم ، ويختفي من سوء { مَا بُشّرَ بِهِ } أي : ما ظهر على وجهه من الكراهية ، ويدبر في نفسه كيف أصنع بها { أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ } أي : الأنثى التي ولدت له على هوان يعني : أيحفظه على هوان { أَمْ يَدُسُّهُ فِى } أي : يدقه { التراب أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ } أي : بئسما يفضون به ، لأنفسهم الذكور ، وله الإناث .
ثم قال : { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } أي : المشركين { مَثَلُ السوء } أي : جزاء السوء النار في الآخرة . ويقال : يعني : عاقبة السوء . ويقال : لآلهتهم صفة السوء صم ، بكم ، عمي . { وَلِلَّهِ المثل الاعلى } أي : الصفة العليا ، وهي شهادة أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له { فَاطِرُ السماوات والارض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا وَمِنَ الانعام أزواجا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السميع البصير } [ الشورى : 11 ] { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [ الإخلاص : 3/4 ] فهذه الصفة العليا { وَهُوَ العزيز } في ملكه ، { الحكيم } في أمره ، أَمَرَ الخلق أن لا يعبدوا غيره .
قوله : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ } أي : بشركهم ومعصيتهم ، { مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ } أي : لم يترك على ظهر الأرض من دابة ، ودل الإضمار على الأرض ، لأن الدواب إنما هي على الأرض . يقول : أنا قادر على ذلك . { ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى } أي : إلى وقت معلوم ، ويقال : { مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ } لأنه لو أخذهم بذنوبهم ، لمنع المطر . وإذا منع المطر ، لم يبق في الأرض دابة إلا أهلكت ، ولكن يؤخر العذاب إلى أجلٍ مسمًّى . وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : لو عذب الله الخلائق بذنوب بني آدم ، لأصاب العذاب جميع الخلائق ، حتى الْجُعْلاَن في جحرها ، ولأمسكت السماء عن الأمطار ، ولكن يؤخرهم بالفضل والعفو .
ثم قال : { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } أي : أجل العذاب { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ } أي : لا يتأخرون عن الوقت { سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } أي : لا يتقدمون قبل الوقت .
ثم قال : { وَيَجْعَلُونَ } أي : يصفون ويقولون { لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } لأنفسهم ، وهو البنات { وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب } أي : يقولون الكذب { أَنَّ لَهُمُ الحسنى } أي : الذكور من الولد .

(2/469)


ويقال : الجنة أي : يصفون لأنفهسم مع أعمالهم القبيحة أن لهم في الآخرة الجنة .
ثم قال : { لاَ جَرَمَ } يعني : حقاً ويقال : لا بد ، ولا محالة { أَنَّ لَهُمُ النار } وهو كقوله : { أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَوَآءً محياهم ومماتهم سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ الجاثية : 21 ] { وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ } قرأ نافع : بكسر الراء . يعني : أفرطوا في القول ، وأفرطوا في المعصية . وقرأ الباقون : { مُّفْرَطُونَ } بفتح الراء أي : متروكون في النار . ويقال : منسيون في النار ، وهو قول سعيد بن جبير . وقال قتادة : أي معلجون في النار . ويقال : الفارط في اللغة الذي يتقدم إلى الماء ، وهذا قول يوافق قول قتادة .

(2/470)


تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)

ثم قال : { تالله } يقول والله { لَقَدْ أَرْسَلْنَآ } أي : بعثنا { إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } أي : بعثنا إلى أمم من قبلك الرسل ، كما أرسلناك إلى قومك { فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطن أَعْمَالَهُمْ } أي : ضلالهم حتى أطاعوا الشيطان ، وكذبوا الرسل { فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم } أي : قرينهم في النار { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فهذا تهديد لكفار مكة أنه يصيبهم مثل ما أصابهم ، وتعزية للنبي صلى الله عليه وسلم ليصبر على أذاهم .
ثم قال تعالى : { وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } أي : القرآن { إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ الذى اختلفوا فِيهِ } من الدين ، لأنهم كانوا في طرق مختلفة ، اليهودية ، والنصرانية ، والمجوسية ، وغيرهم . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبيّن لهم طريق الهدى .
ثم قال : { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } أي : أنزلنا القرآن بياناً من الضلالة ، ونعمة من العذاب لمن آمن به { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بالقرآن .
قوله : { والله أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء } أي : المطر { فَأَحْيَا بِهِ الارض بَعْدَ مَوْتِهَا } أي : بعد يبسها { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } أي : في إحيائها لعلامة لوحدانيته ، إذ علموا أن معبودهم لا يستطيع شيئاً { لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } أي : يطيعون ، ويصدقون ، ويعتبرون ، ويبصرون .
قوله : { وَإِنَّ لَكُمْ فِى الانعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ } قرأ نافع ، وابن عامر ، وعاصم ، في رواية أبي بكر : { نُّسْقِيكُمْ } بنصب النون ، وقرأ الباقون : بضم النون . ومعناهما قريب . يقال : سقيته وأسقيته بمعنى واحد { مّمَّا فِى بُطُونِهِ } ولم يقل : مما في بطونها . والأنعام جماعة مؤنثة . وفي هذا قولان : إن شئت رددت إلى واحد من الأنعام ، وواحدها نعم ، والنعم تذكر ، وتؤنث ، كقوله : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المآء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } [ البقرة : 74 ] أي : من الحجر . وإن شئت قلت على تأويل آخر { نُّسْقِيكُمْ } وهو { مّمَّا فِى بُطُونِهِ } أي : بطون ما ذكرنا . وهذا مثل قوله : { وَهُوَ الذى أَنشَأَ جنات معروشات وَغَيْرَ معروشات والنخل والزرع مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزيتون والرمان متشابها وَغَيْرَ متشابه كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } [ الأنعام : 141 ] وقال : { ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والانصاب والازلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ المائدة : 90 ] ولم يقل فاجتنبوها . أي : فاجتنبوا ما ذكرنا .
ثم قال تعالى : { مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ } يعني : يخرج اللبن من بين الفرث والدم . قال ابن عباس ، في رواية أبي صالح : إن الدابة تأكل العلف ، فإذا استقر في كرشها ، طحنته الكبد فكان أسفله فرث ، وأوسطه لبن ، وأعلاه دم الكبد مسلط على هذه الأصناف الثلاثة .

(2/471)


فيقسم الدم ، فيجري في العروق ، ويجري اللبن في الضرع ، ويبقى الفرث كما هو في الكرش . وقال بعضهم : إذا استقر العلف في الكرش ، صار دماً بحرارة الكبد ، ثم ينصرف الدم في العروق ، فمقدار ما ينتهي إلى الضرع صار لبناً ، لبرودة الضرع ، بدليل أنَّ الضرع إذا كانت فيه آفة ، يخرج منه الدم مكان اللبن .
ثم قال : { لَّبَنًا خَالِصًا } صار اللبن نصباً على معنى التفسير { سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } أي : سهلاً في الشرب لا يغص به شاربه . ويقال : يشتهي شاربه ( إليه ) .
ثم قال تعالى : { وَمِن ثمرات النخيل والاعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ } أي : من التمر . ويقال : { مِنْهُ } كناية عن الأول ، وهو قوله { وَمِن ثمرات النخيل والاعناب تَتَّخِذُونَ } من ذلك { سَكَرًا } والسكر هو نقيع التمر ، إذا غلى واشتد قبل أن يطبخ . ويقال سكراً أي : خمراً . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية وهي يومئذٍ كانت لهم حلال . وهكذا قال الحسن والقتبي : إن هذه الآية نزلت في الخمر { وَرِزْقًا حَسَنًا } يعني : الخل ، والزبيب ، والرُّبُّ . وروي عن ابن عباس أنه قال : { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } يعني : ما حرم منه { وَرِزْقًا حَسَنًا } ما أحل منه . وقال الشعبي : السكر : النبيذ ، والخل ، والرزق الحسن : التمر ، والزبيب . وقال الضحاك : السكر : الحرام ، والرزق الحسن : الحلال . وهؤلاء كلهم قالوا : قبل تحريم الخمر . وقال الأخفش : سكراً طعاماً . يقال : هذا سكر لك أي : طعام لك . وقال القتبي : لست أدري هذا . ثم قال : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } أي : لعبرة { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } توحيد الله تعالى .

(2/472)


وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71)

وقوله : { وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } أي : ألهمها إلهاماً مثل قوله { بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا } [ الزلزلة : 5 ] { أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا } أي : مسكناً { وَمِنَ الشجر } يعني : أن اتخذي من الجبال ، ومن الشجر ، مسكناً { وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } يعني : ومما يبنون من سقوف البيت . قرأ ابن عامر ، وعاصم في رواية أبي بكر : { يَعْرِشُونَ } بضم الراء والباقون : بالكسر . ومعناهما واحد . أي : ومما يبنون من سقوف البيت { ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ الثمرات } أي من ألوان الثمرات . أي : ألهمها بأكل الثمرات ، { فاسلكى سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً } أي : ادخلي الطريق الذي يسهل عليك . ويقال : خذي طرق ربك مذللاً أي مسخراً لك . وقال مقاتل : { فاسلكى سُبُلَ رَبّكِ } يعني : ادخلي طرق ربك في الجبال ، وفي خلال الشجر { ذُلُلاً } لأنَّ الله تعالى ذلل لها طرقها حيثما توجهت { يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا } أي : من بطون النحل ، من قبل أفواهها مثل اللعاب { شَرَابٌ } يعني : العسل { مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } أي : العسل أبيض ، وأصفر ، وأحمر . ويقال : يخرج من أفواه الشباب من النحل الأبيض ، ومن الكهول الأصفر ، ومن الشيوخ الأحمر { فِيهِ } أي : في العسل { شِفَآء لِلنَّاسِ } روى أبو المتوكل الناجي ، عن أبي سعيد الخدري . قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي استطلق بطنه . فقال له : « اسْقِهِ عَسَلاً » . فسقاه . ثم جاء فقال : سقيته فلم يزده إلا استطلاقاً . فقال له : « اسْقِهِ عَسَلاً » . فسقاه . ثم جاءه فقال : سقيته فلم يزده إلاَّ استطلاقاً . فقال له : « اسْقِهِ عَسَلاً . صَدَقَ الله وَكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ » . فسقاه فبرىء . قال الفقيه أبو الليث : إنما يكون العسل شفاء إذا عرف الإنسان مقداره ، ويعرف لأي داء هو . فإذا لم يعرف مقداره ، ولم يعرف موضعه ، فربما يكون فيه ضرر . كما أن الله تعالى جعل الماء حياة كل شيء ، وربما يكون الماء سبباً للهلاك . وقال السدي : العسل شفاء الأوجاع التي يكون شفاؤها فيه . وقال مجاهد : { فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } أي : في القرآن بيان للناس من الضلالة . وروى أبو الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود أنه قال : العسل شفاء من كل داء ، والقرآن شفاء لما في الصدور . وروى الأسود عن ابن مسعود أنه قال : عليكم بالشفاء من القرآن ، والعسل .
ثم قال : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } أي : فيما ذكر من أمر النحل لعلامة لوحدانيتي { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } يعني : علموا أن معبودهم لم يغنهم من شيء . ثم قال : { والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يتوفاكم } أي : يقبض أرواحكم { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } أي : إلى أسفل العمر ، وهو الهرم { لِكَىْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا } أي : صار بحال لا يعلم ما علم من قبل .

(2/473)


ويقال : لكيلا يعقل من بعد عقله الأول شيئاً . ويقال : إن الهرم اسوأ العمر ، وشره ، وقوله : { لِكَىْ لاَ يَعْلَمَ } أي : حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور شيئاً ، لشدة هرمه ، بعد ما كان يعلم الأمور قبل الهرم { إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ } على تحويلكم . ويقال : معناه { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } أي : إني محولكم من حال إلى حال تكرهونه ، ولا يقدر معبودكم أن يمنعني عن ذلك ، والله عليم قدير على ذلك .
قوله : { والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِى الرزق } أي : فضّل الموالي على العبيد في المال { فَمَا الذين فُضّلُواْ بِرَآدّى رِزْقِهِمْ على مَا مَلَكَتْ أيمانهم } أي : الموالي لا يرضون بدفع المال إلى المماليك { فَهُمْ فِيهِ سَوَآء } أي : لا ترضون لأنفسكم أن يكون عبيدكم معكم شركاء في أموالكم ، فكيف ترضون لله تعالى أن تصفوا له شريكاً في ملكه ، وصفاته ، وتصفوا له ولداً من عباده . وقال قتادة : هو الذي فضل في المال والولد لا يشرك عبيده في ماله . فقد رضيتم بذلك لله تعالى ، ولم ترضوا به لأنفسكم . وقال مجاهد : ضرب الله مثلاً للآلهة الباطلة مع الله تعالى . ويقال نزلت الآية في وفد نجران حين قالوا في عيسى عليه السلام ما قالوا .
ثم قال تعالى : { أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ } يقول : بوحدانية الله تعالى تكفرون ، وترضون له ما لا ترضون لأنفسكم .

(2/474)


وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74)

قوله : { والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } يعني : خلق لكم من جنسكم إناثاً { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أزواجكم بَنِينَ } أي : خلق لكم من نسائكم بَنِينَ { وَحَفَدَةً } أي : ولد الولد . ويقال : هم الأَعوان ، والخدم ، والأصهار . وروي عن زر بن حبيش ، عن ابن مسعود أنه قال : الحفدة : الأختان . وقال مجاهد : الخدم ، وأنصاره ، وأعوانه . وعن ابن مسعود أنه قال : هم أصهاره . وقال الربيع بن أنس : البنون بنو الرجل من امرأته . والحفدة بنو المرأة من غيره . وقال زر بن حبيش : الحفدة : حشم الرجل . وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : الولد الصالح . وقال أَهل اللغة : أصله في اللغة السرعة في المشي ، ويقال : في دعاء التوتر : ونحفد أي : ونجتهد في الخدمة والطاعة .
ثم قال : { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } قال الكلبي : يعني : الحلال إن أخذتم به . وقال مقاتل : { الطيبات } الخبز ، والعسل ، وغيرهما من الأشياء الطيبة ، بخلاف رزق البهائم والطيور .
ثم قال : { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } قال الكلبي : يعني : الآلهة وقال مقاتل : { أفبالباطل } يقول : بالشيطان يصدقون بأن مع الله إلهاً آخر . ويقال { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } يعني : أفيعبدون الأصنام التي لا تقدر على مضرتهم ، ولا على منفعتهم { والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ } أي : يجحدون بوحدانية الله تعالى ويقال : { والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ } فلا يؤمنون برب هذه النعمة .
قوله : { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } يعني : الأصنام { مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ } أي : لا يقدر لهم { رِزْقًا مّنَ *** السموات } أي : إنزال المطر { والارض } أي : والنبات { شَيْئاً } يعني : لا يملكون شيئاً من ذلك . وقال القتبي : إنما نصب { شَيْئاً } بإيقاع الرزق عليه . ومعناه : يعبدون ما لا يملك أن يرزقهم شيئاً . كما تقول : ويخدم من لا يستطيع إِعطاءَه درهماً .
ثم قال : { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } يعني : ذلك { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الامثال } يعني : لا تصفوا لله شريكاً فإنه لا إله غيره { أَنَّ الله يَعْلَمُ } أنه لا شريك له ويقال إن الله يعلم ضرب الأمثال { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ضرب المثل .

(2/475)


ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76)

ثم قال تعالى : { ضَرَبَ الله مَثَلاً } أي : وصف الله شبهاً { عَبْدًا مَّمْلُوكًا } وهو الكافر { لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } يقول : لا يقدر على مال ينفقه في طاعة الله { وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } أي : مالاً حلالاً { فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ } أي : يتصدق منه { سِرّا وَجَهْرًا } يقول : يتصدق خفية وعلانية وهو المؤمن { هَلْ يَسْتَوُونَ } في الطاعة مثلاً { الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ضرب المثل . وروي عن ابن عباس أنه قال : نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان . والآخر أبو الفيض بن أمية وهو كافر ، لا يقدر أن ينفق خيراً لمعاده ، وعثمان أنفق لآخرته فهل يستويان؟ أي : هل يستوي الكافر والمؤمن؟ ويقال ضرب المثل للآلهة . ومعناه : أن الاثنين المتساويين في الخلق ، إذا كان أحدهما قادراً على الإنفاق ، والآخر عاجزاً ، لا يستويان . فكيف يسوون بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل ، وبين الذي هو على كل شيء قدير؟ فبيّن الله تعالى علامة ضلالتهم ، ثم حمد نفسه ، ودل خلقه على حمده ، فقال : { الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ثم زاد في البيان ، وضرب مثلاً آخر فقال : { وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ } يعني أخرس وهو الصنم { لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } من مال ولا منفعة { وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ } يعني : ثقل على وليه ، وقرابته . يعني : الصنم عيال ، ووبال على عابده . { أَيْنَمَا يُوَجّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } يعني : حيث يبعثه لا يجيء بخير { هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل } يعني : بالتوحيد { وَهُوَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } يدل الخلق على التوحيد . ويقال : هذا المثل للكافر مع النبي صلى الله عليه وسلم يعني : الكافر الذي لا يتكلم بالخير ، هل يستوي هو { وَمَن يَأْمُرُ بالعدل } أي : التوحيد ويدعو الناس إليه { وَهُوَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } يدعو الناس إليه وهو دين الإسلام . وقال السدي : المثلان ضربهما الله لنفسه وللآلهة .

(2/476)


وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)

ثم قال تعالى : { وَللَّهِ غَيْبُ السموات والارض } يعني : ما غاب عن العباد { وَمَا أَمْرُ الساعة } يعني : قيام الساعة { إِلاَّ كَلَمْحِ البصر } كرجع البصر { أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } يقول : بل هو أقرب . أي أسرع . قال الزجاج : أخبر الله تعالى أن البعث والإحياء في قدرة الله تعالى ، ومشيئته كلمح البصر . ولم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر ، ولكنه وصف سرعة القدرة على الإتيان بها . ويقال : أو هو أقرب الألف زيادة ، ومعناه : وهو أقرب .
ثم قال : { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } يعني : من البعث وغيره .
قوله : { والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم } قرأ حمزة والكسائي «أُمَّهاتكم» بكسر الألف . والباقون : بالضم . ومعناهما واحد . وقال الزجاج : الأصل في الأمهات ، ولكن الهاء زيدت مؤكدة ، كما زادوها في قولهم : أهرقت الماء ، وأصله أرقت الماء . { لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } يعني : لا تعقلون شيئاً . ويقال : لا تعلمون الأشياء كلها . { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والابصار والافئدة } تعقلون بها الخير والشر { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي : لكي تشكروا النعمة .
ثم بيّن لهم العبرة ليعتبروا بها ، ويعرفوا بها وحدانيته فقال : { أَلَمْ تَرَوْاْ * إلى الطير مسخرات } يقول : مذللات { فِى جَوّ السمآء } قال ابن عباس أي : في الهواء { مَا يُمْسِكُهُنَّ } عند قبض الأَجنحة ، وعند بسطها { إِلاَّ الله إِنَّ فِى ذلك } أي : فيما ذكرت { لاَيَاتٍ } أي : علامات لوحدانية الله ، لمن علم أن معبودهم لم يعنه في ذلك . يعني : الكفار لا يعلمون متى يبعثون وأيان كلمة الاختصار وأصله أي أوان؟ .
ثم قال تعالى { إلهكم إله واحد } يعني : ربكم رب واحد فاعبدوه ، ولا تعبدوا غيره { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي : لمن آمن به . قرأ ابن عامر وحمزة { أَلَمْ تَرَوْاْ } بالتاء على معنى المخاطبة . وقرأ الباقون بالياء .
ثم قال : { والله جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا } أي : خلق لكم البيوت قراراً ومأوًى لكم . ويقال : معناه سخر لكم الأرض ، لتبنوا فيها البيوت . ويقال : معناه وفقكم لبناء البيوت لسكناكم ، وقراركم ، فذكر النعم ، والمنن ، والدلائل لوحدانيته .
ثم قال : { وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الانعام } أي : من الشعر ، والصوف ، والوبر ، { بُيُوتًا } أي : الفساطيط والخيام { تَسْتَخِفُّونَهَا } أي : تستخفون حملها { يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إقامتكم } أي : يوم انتقالكم ، وسفركم ، ويوم نزولكم { وَمِنْ أَصْوَافِهَا } أي : من أصواف الغنم { وَأَوْبَارِهَا } يعني : الإبل { وَأَشْعَارِهَا } يعني : أشعار المعز { أَثَاثاً } أي : متاع البيت من الفرش ، والأكسية . وقال قتادة والكلبي : يعني : المال . { ومتاعا إلى حِينٍ } يعني : المنفعة حتى تعيشون فيه إلى الموت . ويقال : تنتفعون بها إلى حين تبلى ، وتهلك . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو { ظَعْنِكُمْ } بنصب العين . وقرأ الباقون : بالجزم ومعناهما واحد .

(2/477)


وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86)

قوله : { والله جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظلالا } أي : أشجاراً تستظلون بها . ويقال : بيوتاً تسكنون فيها { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الجبال أكنانا } أي : جعل لكم من الجبال بيوتاً تسكنون فيها . ويقال : أكناناً يعني : الغيران ، والأسراب واحدها كنّ { وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } أي : القمص { تَقِيكُمُ الحر } يعني : والبرد اكتفاء أحدهما إذا كان يدل على الآخر . وقال قتادة في قوله : { مّمَّا خَلَقَ ظلالا } أي : من الشجر وغيره { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الجبال أكنانا } يعني : غيراناً في الجبال يسكن فيها { تَقِيكُمُ * مِنَ الحرث } أي : من القطن ، والكتان ، والصوف . قال : وكانت تسمى هذه السورة سورة النعم . { وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } وهي الدروع من الحديد تدفع عنكم قتال عدوكم .
ثم قال : { كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } أي : ما ذكر من النعم في هذه السورة { لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } أي : تعرفون رب هذه النعم . فتوحّدوه ، وتخلصوا له بالعبادة . وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ : { لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } بنصب التاء واللام ، ومعناه : تسلمون من الجراحات إذا لبستم الدروع ، وتسلمون من الحر والبرد إذا لبستم القمص .
ثم قال : بعد ما بيّن العلامات : { فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي : أعرضوا عن الإيمان { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين } تبلغهم رسالتي ، وتبيّن لهم الهدى من الضلالة .
ثم قال تعالى : { يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } أي : يعرفون أن خالق هذه الأشياء هو الله تعالى ، ثم ينكرونها . ويقولون : هي بشفاعة آلهتنا ، وهذا قول الكلبي . وقال السدي : يعني : يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم أنه نبي ، وأنه صادق ، ولا يؤمنون به . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله { يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } قال : هي المساكن ، والأنعام ، وما يرزقون منها . وسرابيل الحديد والثياب ، يعرف هذا الكافرون { ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } ويقولون : هذا كان لآبائنا ، وورثناها . ويقال : إنكارهم قولهم : لولا كذا لكان كذا . ويقال : { يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله } وذلك أنهم إذا سئلوا من خلقهم؟ يقولون : الله { ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } يعني : البعث { وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون } يعني : كلهم كافرون بالتوحيد . ويقال : جاحدون بالنعم .
قوله { وَيَوْمَ نَبْعَثُ } اذكر يوم نبعث { فِى كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } أي : نبياً شاهداً على أمته بالرسالة أنه بلغها { ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي : في الكلام { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } يقول : لا يرجعون من الآخرة إلى الدنيا . وقال أهل اللغة : عَتَب يَعْتِب إذا وجد عليه ، وأعْتَبَ يُعْتِبُ إذا رجع عن ذنبه ، واستعتب يستعتب إذا طلب منهم الرجوع ، أي : لا يطلب منهم الرجوع إلى الدنيا .
قوله : { وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب } أي : الكفار { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ } أي : لا يهوّن عليهم العذاب حين رأوها { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } أي : لا يمهلون ، ولا يؤجلون ، ولا يتركون ساعة ، ليستريحوا .
قوله : { وَإِذَا رَءا الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ } أي : آلهتهم { قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا } يعني : نعبد { مِن دُونِكَ } يقولون : نعبد دونك ، وهم أمرونا بذلك . ويقال : يعني : السفلة إذا رأوا شركاءهم . يعني : أمراءهم ورؤساءهم قالوا : ربنا هؤلاء قادتنا الذين كنا ندعو من دونك . أي : هم أَمرونا بالمعصية فأطعناهم { فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول } يعني : الآلهة ، والقادة ، وأجابوهم { إِنَّكُمْ لكاذبون } ما أمرناكم بذلك .

(2/478)


وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)

قوله : { وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم } أي : استسلموا ، وخضعوا ، وانقادوا . العابد والمعبود ، والتابع والمتبوع ، يومئذٍ خضعوا كلهم لله تعالى { وَضَلَّ عَنْهُم } أي : اشتغل عنهم آلهتهم بأنفسهم { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } يعني : يختلفون . ويقال : بطل عنهم ما كانوا يقولون من الكذب في الدنيا .
ثم بيّن عذابهم فقال تعالى : { الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } أي : صرفوا الناس عن دين الإسلام { زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب } يعني : القادة { بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } من الشرك والتكذيب . زدناهم عذاباً فوق عذاب السفلة . ويقال : التابع والمتبوع زدناهم في كل وقت عذاباً مع العذاب . وقال مقاتل : يجري الله عليهم خمسة أنهار من نحاس ذائب . ثلاثة أنهار في مقدار وقت الليل ، واثنان في مقدار وقت النهار بما كانوا يفسدون في الدنيا . وقال الكلبي نحو هذا . قال الفقيه أبو الليث : حدثنا محمد بن الفضل . قال : حدثنا محمد بن جعفر . قال : حدثنا إبراهيم بن يوسف ، عن عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن مرة ، عن عبد الله بن مسعود في قوله : { زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب } قال : أفاعي في النار . وعن ابن مسعود أيضاً قال : زيدوا عقارب في النار . أنيابها كالنخيل الطوال . وعن مجاهد أنه قال : في النار عقارب كالبغال ، أنيابهن كالرماح ، تضرب إحداهن على رأسه ، فيسقط لحمه على قدميه . وقال : يسألون الله تعالى المطر في النار ألف سنة ، ليسكن ما بهم من شدة الحر ، والغم ، فيظهر لهم سحابة ، فيظنون ، أنها تمطر عليهم ، فجعلت السحابة تمطر عليهم الغيث . فإذا هي تمطر عليهم بالحيات ، والعقارب . ويقال : يسلط عليهم الجوع . ويقال : الجرب . ويقال : الخوف .
قوله { وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مّنْ أَنفُسِهِمْ } أي : رسولاً من الآدميين { وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد { شَهِيدًا على هَؤُلآء } أي : على أمتك { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } أي : القرآن { تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } من الأمر والنهي . إلا أن بعضه مفسر ، وبعضه مجمل ، يحتاج إلى الاستخراج ، والاستنباط . وقال مجاهد : ما يسأل الناس عن شيء إلا في كتاب الله تبيانه ، ثم قرأ : { تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } وقال علي بن أبي طالب : كل شيء علمه في الكتاب إلا أن آراء الرجال تعجز عنه .
ثم قال : { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } أي { هُدًى } من الضلالة { وَرَحْمَةً } أي : نعمة لمن آمن به ، وعمل بما فيه { وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ } بالجنة .

(2/479)


إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)

قوله : { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان } أي : بتوحيد الله ، وشهادة أن لا إله إلا الله ، والإحسان إلى الناس ، والعفو عن الناس . ويقال : الإحسان القيام بالفرائض { وَإِيتَآء ذِى القربى } أي : صلة الرحم { وينهى عَنِ الفحشاء } أي : عن الزنى ويقال : جميع المعاصي { والمنكر } يعني : ما لا يعرف في شريعة ، ولا في سنة . ويقال : المنكر ما وعد الله عليه النار { والبغى } يعني : الاستطالة ، والكبر . فقد أمر بثلاثة أشياء ، ونهى عن ثلاثة أشياء ، وجمع في هذه الأشياء الستة علم الأولين والآخرين ، وجميع الخصال المحمودة . وروي عن عثمان بن مظعون أنه قال : ما أسلمت يوم أسلمت إلا حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه كان يدعوني ، فيعرض عليَّ الإِسلام ، فاستحييت منه ، فأسلمت ، ولم يقر الإِسلام في قلبي ، فمررت به ذات يوم وهو بفناء بابه ، جالساً محتبياً ، فدعاني ، فجلست إليه ، فبينما هو يحدثني ، إذ رأيت بصره شخص إلى السماء حتى رأيت طرفه قد انقطع ، ثم رأيته خفضه عن يمينه ، ثم ولاَّني وركه ينفض رأسه كأنه يستفهم شيئاً يقال له : ثم دعا فرفع رأسه إلى السماء ، ثم خفضه حتى وضعه عن يساره ، ثم أقبل عليَّ محمراً وجهه ، يفيض عرقاً ، فقلت : يا رسول الله ما رأيتك صنعت هذا في طول ما كنت أجالسك فقال : « وَلَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ » قلت : نعم . قال : « بَيْنَمَا أُحَدِّثُكَ إذْ رَفَعْتُ بَصَرِي إلى السَّمَاءِ ، فَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ عَلَيَّ ، فَلَمْ تَكُنْ لِي هِمَّةٌ غَيْرَهُ ، حَتَّى نَزَلَ عَنْ يَمِينِي فَقَالَ : يا مُحَمَّدُ { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآء ذِى القربى } إلى آخر الآية » . قال عثمان : فوقر الإيمان في قلبي ، فآمنت ، وصدقته . قال : فأتيت أبا طالب ، فأخبرته بما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا معشر قريش ، اتبعوا ابن أخي ، ترشدوا ، وتفلحوا ، ولئن كان محمد صادقاً أو كاذباً ، ما يأمركم إلاَّ بمكارم الأخلاق . فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من عمه اللين ، قال : « يا عَمَّاهُ أَتَأْمُرُ النَّاسَ أَنْ يَتَّبِعُونِي وَتَدَعُ نَفْسَكَ » وجهد عليه ، فأبى أن يسلم فنزل { إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } [ القصص : 56 ] إلى آخر الآية . قال الفقيه أبو الليث : حدثنا أبو منصور عبد الله الفرائضي بسمرقند بإسناده عن عكرمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد بن المغيرة { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان } إلى آخر الآية . فقال له : يا ابن أخي أعد عليَّ ، فأعاد عليه ، فقال : والله يا ابن أخي إنّ له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وما هذا بقول البشر . وقال قتادة في قول الله تعالى : { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان } الآية . قال : ليس من خلق حسن ، كان أهل الجاهلية يستحسنونه بينهم إلا أمر الله به ، وليس من خلق سيِّىءٍ يتعايرونه بينهم إلاَّ نهى الله عنه .
ثم قال تعالى : { يَعِظُكُمُ } أي : يأمركم ، وينهاكم عن هذه الأَشياء التي ذكرها الله في الآية { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي : تتعظون .

(2/480)


وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93)

قوله : { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عاهدتم } يقول : إذا حلفتم بالله ، فأتموا له بالفعل . ويقال : { أَوْفُواْ بِعَهْدِ الله } يعني : العهود التي بينكم وبين الله تعالى ، والعهود التي بينكم وبين الناس .
ثم قال : { وَلاَ تَنقُضُواْ الايمان } يعني : لا تنكثوا العهود { بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } يعني : بعد تغليظها ، وتشديدها ، { وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً } أي : شهيداً على إتمام العهود ، والوفاء بها . ويقال : حفيظاً على ما قال الفريقان { إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } في وفاء العهد ، والنقض .
ثم ضرب الله تعالى مثلاً فقال عز وجل : { وَلاَ تَكُونُواْ } في نقض العهد { كالتى نَقَضَتْ غَزْلَهَا } وهي ريطة الحمقاء بنت عمرو بن كعب بن سعد وهي أم أخنس بن شريق الزهري { مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنكاثا } أي : من بعد ما أبرمته ، وأحكمته ، كانت إذا غزلت الشعر والكتان نقضته ، ثم غزلته . فقال : ولا تنقضوا العهد بعد توكيده ، كما نقضت المرأة غزلها ، وقال القتبي : أي لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان ، والعهود ، ثم تنقضوا ذلك ، فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت ، ثم نقضت ذلك النسج فجعلته أنكاثاً ، والأنكاث ما نقض من غزل الشعر وغيره ، واحدها نكث .
ثم قال : { تَتَّخِذُونَ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ } أي : دغلاً وخيانة { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ } أي : فريق منكم { هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } أي : هي أكثر وأغنى من أمة ، من فريق . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كندة ، ومراد ، وذلك أنه كان بينهم قتال ، حتى كَلَّ الظهر . ثم توادعوا لستة أشهر ، حتى يصلح الظهر أي : الدواب ، ويجم الخيل . فلما مضت خمسة أشهر ، أمر قيس بن معديكرب بالجهاد إليهم ، فقالوا : قد بقي من الأجل شهر ، فمكث حتى علم أنه يأتيهم بعد انقضاء الأجل بيوم ، ثم سار إليهم ، فإذا هو يوم انقضاء الأجل ، فقتلوه ، وهزموا قومه ، فذلك قوله : { وَلاَ تتخذوا أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السواء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ النحل : 94 ] يعني : عهودكم بالله دخلاً أي : مكراً وخديعة بينكم { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } يعني : أن تكون أمة أكثر من أمة فينقضون العهد ، لأجل كثرتهم ، فلا تحملنكم الكثرة على نقض العهد { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ } يعني : إنما يبتليكم الله بالكثرة ، لنقض العهد والوفاء . وقال مجاهد : كانوا يحالفون الحلفاء ، فإِذا وجدوا أكثر منهم وأعز ، نقضوا ، وحالفوا الأعز ، فنزل { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ } أي : يختبركم بنقض العهود وبالكثرة { وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من الدين ويبيّن لكم ما نقضتم من العهود ، ويجازيكم به .
قوله : { وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة } أي : على ملة واحدة . وهي الإسلام { ولكن يُضِلُّ مَن يَشَآء } يعني : يخذل من علم أنه ليس من أهل الإسلام { وَيَهْدِى مَن يَشَاء } أي : يكرم بالإِسلام من هو أهل لذلك { وَلَتُسْئَلُنَّ } فهذه اللام لام القسم ، والتأكيد يَوْمَ الْقِيَامَةِ { عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي : يسألكم { عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } من الوفاء ، والنقض بالعهد .

(2/481)


وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)

ثم قال تعالى : { وَلاَ تَتَّخِذُواْ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا } أي : إنّ ناقض العهد يزل عن الطاعة ، كما تزل قدم الرجل بعد الاستقامة { وَتَذُوقُواْ السوء } أي : تتجرعوا العقوبة { بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله } أي : صرفتم الناس عن دين الإسلام { وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } يعني : شديد في الآخرة { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله } أي : لا تختاروا على عهد الله ، والحلف به { ثَمَناً قَلِيلاً } أي : عرضاً يسيراً من الدنيا { إِنَّمَا عِنْدَ الله } في الآخرة من الثواب الدائم { هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي : ثواب الجنة { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أَن الآخرة خير من الدنيا . ويقال : إن كنتم تصدقون بثوابه . قال الكلبي : نزلت الآية في رجل من حضرموت يقال له : عبدان بن الأشوع . قال : يا رسول الله إنّ امرأ القيس الكندي جاورني في أرض ، فاقتطع أرضي ، فذهب بها ، وغلبني عليها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أَيَشْهَدُ لَكَ أَحَدٌ عَلَى ما تَقُولُ " قال : يا رسول الله إِنَّ القوم كلهم يعلمون أنِّي صادق فيما أقول ، ولكنه أكرم عليهم مني عليهم : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرىء القيس " مَا يَقُولُ صَاحِبُكَ " قال : الباطل ، والكذب . فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحلف . فقال عبدان : إنه لفاجر ، وما يبالي أن يحلف . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ شُهُودٌ فَخُذْ يَمِينَهُ " فقال عبدان : وما لِي يا رسول الله إلا يمينه؟ فقال : «لا» فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلف . فلما قام ليحلف ، أخره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : " انْصَرِفْ " . فانصرف من عنده . فنزلت هذه الآية { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله ثَمَناً قَلِيلاً } إلى قوله : { مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ } أي : ما عندكم من أمور الدنيا يفنى { وَمَا عِندَ الله بَاقٍ } أي : ثواب الله في الجنة دائم لأَهلها { وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صَبَرُواْ } عن اليمين وأقروا بالحق . ويقال : الذين صبروا على الإيمان ، وأقروا بالحق { أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعني : بالإحسان الذي كانوا يعملون في الدنيا . ويقال : يجزيهم بأحسن أعمالهم ، ويبقى سائر أعمالهم فضلاً . قال الكلبي : فلما نزلت هاتان الآيتان ، قال امرؤ القيس : أَمَّا ما عندي فينفد ، وأمَّا صاحبي فيجزى بأَحسن ما كان يعمل . اللَّهم إنه صادق فيما قال . لقد اقتطعت أرضه ، والله ما أدري كم هي ، ولكنه يأخذ ما يشاء من أرض ومثلها معها بما أكلت من ثمارها . فنزل : { مَنْ عَمِلَ صالحا مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ } يعني : لا يقبل العمل منه ما لم يكن مؤمناً .

(2/482)


فإذا كان مؤمناً ، وعمل صالحاً ، يقبل منه .
ثم قال : { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً } في الجنة . ويقال : يجعل حياته في طاعة الله . ويقال : فلنقنع منه باليسير من الدنيا . وروي عن ابن عباس أنه قال : الكسب الطيب ، والعمل الصالح . وعن علّي أنه قال : القناعة . وقال الحسن : لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة . وقال الضحاك : الرزق الحلال ، وعبادة الله تعالى .
ثم قال : { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم } أي : ثوابهم { بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي : يثيبهم بإحسانهم ، ويعفو عن سيئاتهم . قرأ ابن كثير ، وعاصم وابن عامر في إحدى الروايتين { وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صَبَرُواْ } بالنون . وقرأ الباقون : بالياء . واتفقوا في قوله : «وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ» بالنون .

(2/483)


فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)

قوله : { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله } يعني : إذا أردت أن تقرأ القرآن في الصلاة ، وفي غير الصلاة ، فتعوذ بالله . وهذا كقولك : إذا أكلت فقل : بسم الله يعني : إذا أردت أن تأكل وهذا مثل قوله { ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الغائط أَوْ لامستم النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ المائدة : 6 ] يعني : إذا أردتم القيام للصلاة . وقوله { مِنَ الشيطان الرجيم } يعني : اللعين . ويقال : الخبيث . ويقال : المرجوم . ويقال : فيه تقديم . ومعناه : فاستعذ بالله ، إذا قرأت القرآن .
ثم قال : { إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ } ليس له غلبة ، ولا حجة . ويقال : ليس له نفاذ الأمر { عَلَى الذين ءامَنُواْ } أي : صدقوا بتوحيد الله تعالى { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي : يثقون به ، ولا يثقون بغيره .
قوله : { إِنَّمَا سلطانه } أي غلبته وحجته { على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ } أي : يطيعونه من دون الله تعالى . فمن أطاعه فقد تولاه { والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } أي : أشركوا بعبادة ربهم إياه . وقال مقاتل : أي بالله تعالى . وقال القتبي : { والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } لم يرد أنهم بإبليس كافرون ، ولو كان هكذا ، لكانوا مؤمنين . وإنَّما أراد به الذين هم من أجله مشركون بالله تعالى ، كما يقال : صار فلان بك عالماً أي : من أجلك .
قوله : { وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً } يعني : ناسخة { مَّكَانَ ءايَةٍ } يعني : منسوخة . أي : نسخنا آية بآية . قال ابن عباس : إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت عليه آية فيها شدة ، أخذ الناس بها ، وعملوا ما شاء الله أن يعملوا ، فيشق ذلك عليهم . فينسخ الله تعالى هذه الشدة ، ويأتيهم بما هي ألين منها ، وأهون عليهم ، رحمة من الله لهم ، فيقول لهم كفار قريش : والله ما محمد إِلاَّ يسخر بأصحابه ، يأمرهم اليوم بأمر ، وغداً يأتيهم بما هو أهون عليهم منه . وما يعلمه إلا عابس ، غلام حويطب بن عبد العزى ، ويسار بن فكيهة مولى ابن الحضرمي ، وكانا قد أسلما ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهما ، فيحدثهما ، ويعلمهما ، وكانا يقرآن كتابهما بالعبرانية . فنزل { وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ } { والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ } يعني : بما يصلح للخلق { قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } أي : مختلق من تلقاء نفسك { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن الله أمرك بما يشاء ، نظراً لصلاح العباد . وقال مقاتل : في الآية تقديم ، ومعناه : { وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ } { قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } فتقول على الله تعالى الكذب . قلت : كذا ثم نقضته ، فجئت بغيره . ثم قال في التقديم : { والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ } .

(2/484)


قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)

ثم قال تعالى : { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس } يعني : قل يا محمد نزل جبريل بالقرآن ، والتشديد لكثرة نزوله . ويقال : نَزَّلَ بمعنى تَنَزَّلَ . كما يقال : قَدَّمَ بمعنى تَقَدَّمَ . وَبَيَّنَ : بمعنى تَبَيَّنَ . ويقال : { نَزَّلَهُ } بمعنى : تلاه ، وبلغه . ويقال : { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس } يعني : جبريل الذي يأتيك بالناسخ والمنسوخ { مِن رَبّكَ } أي : من عند ربك . ويقال : من كلام ربك { بالحق } أي : بالوحي . ويقال : بالصدق . ويقال : للحق . ويقال : لصلاح الخلق { لِيُثَبّتَ الذين ءامَنُواْ } أي : ليحفظ قلوب الذين آمنوا على الإسلام . ويقال : لِتَطمئن إليه قلوب الذين آمنوا { وهدى } من الضلالة { وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ } بالجنة .
ثم قال : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ } يعني : أن كفار قريش يقولون : { إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } يعنون : جبراً ويساراً . وروى حصين عن عبد الله بن مسلم قال : كان لنا غلامان من أهل اليمن نصرانيان ، اسم أحدهما يسار ، والآخر جبر ، صيقليان . وكانا يقرآن بلسانهما ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر عليهما ، يسمع منهما . فقال المشركون : إنما يتعلم منهما ، فأكذبهم الله تعالى حيث قال : { لّسَانُ الذى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ } أي : رومي اللسان . وقال مقاتل كان غلام لعامر بن الحضرمي اسمه يسار ، يهودي أعجمي اللسان ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا آذاه كفار قريش يدخل عليه ، ويحدثه ، فقال المشركون : إنما يعلمه يسار . فقال الله تعالى رداً عليهم : { لّسَانُ الذى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ } أي : يميلون إليه ، ويزعمون أنه يعلمه أعجمي أي : عبراني . وأصل الإلحاد الميل { وهذا } يعني : القرآن { لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ } يعني : مفقه بلغتهم . وروي عن طلحة بن عمير أنه قال : بلغني أن خديجة كانت تختلف إلى غلام ابن الحضرمي ، وكان نصرانياً ، وكان صاحب كتب . يقال له : جبر وكانت قريش تقول : إنَّ عبد ابن الحضرمي يعلم خديجة ، وخديجة تعلم محمداً صلى الله عليه وسلم ، فنزل { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } ثم أسلم جبر بعد ذلك ، وحسن إسلامه ، وهاجر مع سيده . قرأ ابن كثير { رُوحُ القدس } بجزم الدال . وقرأ الباقون : { القدس } بضم الدال وقرأ حمزة والكسائي { يُلْحِدُونَ } بنصب الياء والحاء . وقرأ الباقون : { يُلْحِدُونَ } بضم الياء وكسر الحاء ومعناهما واحد .

(2/485)


إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)

ثم قال : { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله } أي : القرآن { لاَ يَهْدِيهِمُ الله } أي : لا يوفقهم الله ، ولا يكرمهم ، لقلة رغبتهم في الإيمان . ويقال : لا ينجيهم في الآخرة من النار { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة .
ثم قال : { إِنَّمَا يَفْتَرِى الكذب الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله وَأُوْلئِكَ هُمُ الكاذبون } قال الزجاج : معناه { إِنَّمَا يَفْتَرِى الكذب الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلاَّ الله ، كذبوا بها ، وهؤلاء أكذب الكذبة .
قوله { مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه } فعليهم غضب من الله على معنى التقديم .
ثم استثنى فقال : { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ } أي : أكره على الكفر ، وتكلم بالكفر مكرهاً { وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } أي : قلبه معتقد عليه . وهو عمار بن ياسر ، وأصحابه . وذلك أن ناساً من أهل مكة آمنوا ، فخرجوا مهاجرين ، فأدركتهم قريش بالطريق ، فعذبوهم ، فكفروا مكرهين ، فنزلت هذه الآية فيهم . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله . وروي عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أن عمار بن ياسر أخذه بنو المغيرة ، فطرحوه في بئر ميمونة حتى أمسى ، فقالوا له : اكفر بمحمد ، وأشرك بالله فبايعهم على ذلك ، وقلبه كاره فنزلت الآية . وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عمار بن ياسر وهو يبكي ، فجعل يمسح الدموع من عينيه ، ويقول : أخذني الكفار ، ولم يتركوني حتى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير . فقال : " كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ " قال : مطمئن بالإيمان . فقال : «إنْ عَادُوا فَعُدْ» . وقال مقاتل : أسلم جبر مولى ابن الحضرمي ، فأخذه مولاه وعذبه ، حتى رجع إلى اليهودية . ثم رجع إلى هؤلاء النفر ، فنزلت الآية { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } ثم بيّن حال الذين ثبتوا على الكفر فقال : { ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } أي : فتح صدره بالقبول . يعني : قبل الكفر طائعاً وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتدّ ولحق بمكة { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي : شديد في الآخرة { ذلك } العذاب { ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة } أي : اختاروا الدنيا { على الاخرة وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى } أي : لا يرشد إلى دينه { القوم الكافرين } أي : لا يرشدهم إلى دينه .

(2/486)