صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فذهب يوسف فأخذها ، وكان يوسف أعطف على أبيه ، وكان أحب أولاده إليه . فحسده إخوته مما رأوا من حب أبيه له .
ورأى يوسف في المنام ، أن أحد عشر كوكباً ، والشمس ، والقمر ساجدين له { إِذْ قَالُواْ } عند ذلك { لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ } بنيامين ، { أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } يعني : جماعة عشرة ، فهو يؤثرهما علينا ، في المنزلة والحب ، { إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ } يعني : في خطأ بَيِّنٍ في حب يوسف وأخيه ، حيث قدم الصغيرين في المحبة علينا ، ونحن جماعة ، ونفعنا أكثر من نفعهما . وقال مقاتل : كان فضل حُسْنِ يوسف على الناس في زمانه ، كفضل القَمَرِ ليلة البدر على سائر الكواكب . وقال القتبي : العصبة : ما بين العشرة إلى الأربعين .
ثم قال بعضهم لبعض : { اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضًا } بعيداً من أبيكم { يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } يقول : ليقبل لكم أبوكم بوجهه ، ويصف لكم وجهه . ويقال : يصلح حالكم عند أبيكم ، وتكونوا من بعدِهِ قوماً صالحين . يعني : تصلح أحوالكم عند أبيكم ، بعد ذهاب يوسف . ويقال : وتكونوا من بعد هلاكه قوماً تائبين إلى الله تعالى . وقال بعض العلماء : هكذا يكون المؤمن يهيىء التوبة قبل المعصية .

(2/366)


قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)

قوله تعالى : { قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } يعني : من إخوة يوسف { لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ } فإن قتله عظيم . وقال الكلبي : كان صاحب هذا القول : يهوذا ، لم يكن أكبرهم ، ولكن كان أعقلهم . وقال قتادة ، والضحاك : صاحب هذا القول : روبيل ، وكان أكبر القوم سناً . { وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ الجب } يعني اطرحوه في أسفل الجب . وقال الزجاج : الغيابة كل ما غاب عنك أو غيب شيئاً عنك . قرأ نافع : غيابات بلفظ الجماعة ، وقرأ الباقون غَيَابَة ، لأن المعنى على موضع واحد . وروي عن أبي بن كعب ، أنه كان يقرأ : { غَيَابَةِ الجب } . وقال الزجاج : الجُبُّ : البئر . التي ليست بمطوية سميت جُبًّا ، لأنها قطعت قطعاً ، ولم يحدث فيها غير القطع .
ثم قال : { يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة } يعني : يأخذه بعض من يمر عليه من المسافرين { إِن كُنتُمْ فاعلين } يعني : إن كنتم لا بد فاعلين من الشر الذي تريدون . وروي عن الحسن ، ومجاهد ، أنهما قرآ : { ***تلتقطه } بالتاء ، ومعناه : تلتقطه السيارة ، وينصرف إلى المعنى . فلما قال لهم ذلك يهوذا أو روبيل ، أطاعوه في ذلك ، وجاؤوا إلى أبيهم و { قَالُواْ يأَبَانَا *** أَبَانَا * مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ } أن ترسله معنا ، { وَإِنَّا لَهُ لناصحون } يعني : لحافظون . ويقال : محبون مشفقون . قرأ أبو جعفر القارىء المدني : { لاَ تَأْمَنَّا } بجزم النون ، وقرأ الباقون بإشمام النون إلى الرفع ، لأن أصلها تأمننا ، فأدغمت إحداهما في الأخرى ، وأقيم التشديد مقامه ، وبقي رفعه .
ثم قال : { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً } يعني : أخوة يوسف قالوا لأبيهم : أرسل يوسف معنا إلى الغنم { يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } قال مجاهد : يحفظ بعضنا بعضاً ، ونتحارس . وقال قتادة : نشط ، ونسعى ، ونلهو . وقال القتبي : من قرأ بتسكين العين ، أي نأكل يقال : رتعت الإبل إذا رعت ، ومن قرأ بكسر العين ، أراد به نتحارس ، ويرعى بعضنا بعضاً ، أي : يحفظ . قرأ ابن كثير : { ***نَرْتَعِ } بالنون وكسر العين ، { نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } بالنون . وقرأ نافع : { يَرْتَعْ } بالياء وكسر العين ، وقرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم : { يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } بالياء وجزم العين ، وقرأ أبو عمرو ، وابن عامر : { نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } بالنون وجزم العين . واتفقوا في جزم الباء .
قال أبو عبيدة ، قلت لأبي عمرو : كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟ قال : لم يكونوا يومئذٍ أنبياء . قال أبو الليث رحمه الله : لم يريدوا به اللعب الذي هو منهيّ عنه ، وإنما أرادوا به المطايبة في خروجهم ، وفيه دليل أن القوم إذا خرجوا من المصر ، فلا بأس بالمطايبة والمزاح ، في غير مأثم . ويقال : { يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } يعني : يجيء ويذهب ، حتى يتشجع ويترجل . ويقال : حتى نجمع النفع والسرور .
{ وَإِنَّا لَهُ لحافظون } لا يصيبه أذًى ولا مكروه ، وإنا مشفقون عليه { قَالَ } لهم يعقوب : { إِنّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ بِهِ } يعني : إنَّ ذهابكم به ليحزنني .

(2/367)


قرأ نافع : { لَيَحْزُنُنِى } بضم الياء وكسر الزاي ، وقرأ الباقون بنصب الياء ، وضم الزاي . ومعناهما واحد . ثم قال { وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب } يعني : أخاف أن تضيعوه فيأكله الذئب ، { وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافلون } يعني : مشغولين في أمركم . قرأ أبو عمرو ، والكسائي ، ونافع ، في رواية ورش : { ***الذِّيبُ } بغير همز . وقرأ الباقون بالهمز ، وهما لغتان . وروي عن بعض الصحابة ، أنه قال : لا ينبغي أن يلقن الخصم بحجة ، لأن إخوة يوسف كانوا لا يعلمون أن الذئب يأكل الناس ، إلى أن قال ذلك يعقوب ، وإنما قال ذلك يعقوب ، لأنه رأى في المنام أن ذئباً كان يعدو على يوسف فأنجاه بنفسه .

(2/368)


قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)

{ قَالُواْ } يعني : إخوة يوسف { لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } يعني : جماعة عشرة { إِنَّا إِذَا لخاسرون } يعني : لعاجزين . فلما قالوا ذلك رضي بخروجه ، فبعثه معهم ، وأوصاهم عند خروجه ، أن يحسنوا إليه ، ويتعاهدوا أمره ، ويردوه إذا طلب الرجوع . فقبلوا ذلك منه . ويقال : إنه أبى أن يرسله معهم ، حتى أتوا يوسف ، فقالوا له : اطلب من أبيك ليبعثك معنا ، وطلب يوسف ذلك من أبيه ، فبعثه معهم .
{ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ } يعني : فلما برزوا به إلى البَريَّة { وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ الجب } يقول : واتفقوا أن يلقوه في أسفل الجب ، ثم أظهروا له العداوة فجعل أحدهم يضربه فيستغيث ، فيضربه الآخر ، فجعل لا يرى منهم رحيماً ، فضربوه حتى كادوا يقتلونه . فقال يهوذا : أليس قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه؟ فانطلقوا به إلى الجب ، وهي بئر على رأس فرسخين من كنعان ، ويقال : أربع فراسخ ، فجعلوا يدلونه في البئر ، فيتعلق بشفة البئر ، فربطوا يديه ونزعوا قميصه . فقال : يا إخوتاه ، ردوا عليّ قميصي أتوارى به في الجب ، فقالوا : ادع الأحد عشر كوكباً ، والشمس ، والقمر يؤنسوك فدلوه في البئر ، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه ، وأرادوا أن يموت ، وكان في البئر ماء فسقط فيه ، ثم أوى إلى صخرة في البئر ، وقام عليها وجعل يبكي . فجاءه جبريل يؤنسه ويطعمه .
قال الله تعالى : { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ } يعني : لتخبرهم { بِأَمْرِهِمْ هذا } يعني : بصنيعهم هذا بمصر { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } يعني : لا يعرفونك بمصر . ويقال : معناه وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا ، وهم لا يشعرون ، أن الله تعالى أوحى إليه ، وهم لا يعرفون . ويقال : لما أرادوا أن يلقوه في البئر ، تعلق بإخوته ، فقال له جبريل : لا تتعلق بهم فإنك تنجو من البئر . فألقوه حتى وقع في قعرها ، فارتفع حجر حتى قام عليه ، ثم إنهم أخذوا جدياً من الغنم فذبحوه ، ثم لطخوا القميص بدمه .
{ وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ } يعني : أقبلوا إلى أبيهم عشاء يبكون ، فلما سمع أصواتهم يعقوب ، فزع وقال : يا بني ما لكم { قَالُواْ يأَبَانَا *** أَبَانَا * إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } يعني : ويقال : نتصيَّد ننتضل ، أي يسابق بعضنا البعض في الرمي ، { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا فَأَكَلَهُ الذئب } فلما قالوا هذا القول : بكى يعقوب ، وصاح بأعلى صوته : ثم قال : أين قميصه؟ فأخذ القميص وبكى ، ثم قال إن هذا الذئب كان بابني رحيماً ، كيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟ وروى سماك ، عن عامر ، أنه قال : في قميص يوسف ثلاث آيات ، حين قُدَّ قميصه من دبر ، وحين ألقي على وجه أبيه ، فارتد بصيراً ، وحين جاؤوا على قميصه بدم كذب ، على أن الذئب لو أكله لخرق قميصه .

(2/369)


فقال لهم كذبتم ، فقالوا له : { وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } يعني : بمصدق لنا في مقالتنا { وَلَوْ كُنَّا صادقين } في مقالتنا { وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } يعني : بدم السخلة ولم يكن دم يوسف . ويقال : بدم كذب أي مكذوب به . وقرأ بعضهم : { بِدَمٍ } بالدال ، يعني : بدم طري . فأروه القميص بالدم ليعرف به ، وهي قراءة شاذة ، وقراءة العامة بالذال { كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } يقول : زينت واشتهت لكم أنفسكم أمراً ، فضيعتموه { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } يعني : على صبر جميل ، بلا جزع . ويقال : معناه لا حيلة لي إلا الصبر . ويقال : فصبري صبر جميل .
وروي عن بعض الصحابة ، أنه كان يقرأ { سَرَاحاً جَمِيلاً } ، يعني : أصبر صبراً جميلاً . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن قوله { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } قال « صبر لا شكوى فيه ، ومن بث فلم يصبر » . ثم قال : { والله المستعان على مَا تَصِفُونَ } يقول : أستعين بالله ، وأطلب العون من الله ، على ما تقولون ، وتكذبون من أمر يوسف .

(2/370)


وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)

قوله تعالى :
{ وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ } أي : قافلة يمرون من قبل مدين إلى مصر ، فنزلوا بقرب البئر ، { فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ } أي : طالب مائهم ، ويقال : أرسل كل قوم ساقيهم ليستقي لهم الماء ، فجاء مالك بن ذعر إلى الجب ، الذي فيه يوسف ، { فأدلى دَلْوَهُ } يقول أرخى ، وأرسل دلوه في البئر ، فتعلق يوسف بالدلو ، فنظر مالك بن ذعر ، فإذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان .
{ قَالَ يَاءادَمُ * بُشْرىً ***** هذا غُلاَمٌ } قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : { ***يَا بُشْرَايَ } بالألف والياء ، ونصب الياء ، وقرأ عاصم : { الرياح بُشْرىً } بنصب الراء وسكون الياء ، وقرأ نافع ، في رواية ورش : بالألف والياء مع السكون { ***يَا بُشْرَايْ } ، وكذلك يقرأ في { رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ } و { ***مَحْيَايَ } و { هِىَ عَصَاىَ } ، بسكون بالياء . وقرأ حمزة ، والكسائي : { ***يَا بُشْرِي } بغير ألف ، وسكون الياء ، وكسر الراء .
فمن قرأ : { ***يا بشرَايَ } ، يكون بمعنى الإضافة إلى نفسه ، ومن قرأ : { الرياح بُشْرىً } يكون على معنى تنبيه المخاطبين ، كقوله يا عجبَا ، وإنما أراد به : اعجبوا ، ومن قرأ : { الرياح بُشْرىً } ، كأنه اسم رجل دعاه باسمه بشرى ، وقال أبو عبيدة : هذه القراءة تقرأ ، لأنها تجمع المعنيين ، إن أراد به الاسم ، أو أراد به البشرى بعينها .
وقال السدي : تعلق يوسف بالحبل ، فخرج فلما رآه صاحب الدلو ، نادى رجلاً من أصحابه ، يقال له البشرى ، وقال : يا بشراي ، هذا غلام . وقال قتادة وغيره : إنه بشر واردهم حين وجد يوسف .
ثم قال : { وَأَسَرُّوهُ بضاعة } يعني : التُّجار بعضهم من بعض ، وقال بعضهم لبعض : اكتموه من أصحابكم لكيلا يسألوكم فيه شركة ، فإن قالوا لكم ما هذا الغلام؟ قولوا : استبضعنا بعض أهل الماء ، لنبيعه لهم بمصر ، فذلك قوله : { وَأَسَرُّوهُ بضاعة } يعني : أسروه ، وأعلنوه بضاعة ، فرجع إخوته بعد ثلاثة أيام ، فرأوا يوسف في أيديهم ، فقالوا : هذا غلام أبق منا منذ ثلاثة أيام ، فقيل لهم : ما بال هذا الغلام لا يشبه العبيد ، وإنما هو يشبهكم؟ فقالوا : إنما وُلِدَ في حجرنا وإنه ابن وليدة أمنا ، أمرتنا ببيعه . وقالوا ليوسف بلسانهم : لئن أنكرت أنك عبد لنا ، أخذناك ونقتلك . أترى أنا نرجع بك إلى يعقوب أبداً ، وقد أخبرناه أن الذئب قد أكلك . فقال : يا إخوتاه ارجعوا بي إلى أبي ، ضامن لكم رضاه ، وأنا لا أذكر لكم هذا أبداً . فأبوا عليه فذلك قوله تعالى { والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } يعني : بما يصنع به إخوته .
قوله تعالى { وَشَرَوْهُ } بثمن ، يعني : باعوه { بِثَمَنٍ بَخْسٍ } يعني : ظلماً وحراماً لم يحل بيعه . ويقال : بدراهم رديئة ويقال : البخس : الخسيس { دراهم مَعْدُودَةٍ } أي : يسير عددها . وقال مجاهد : البخس القليل ، والمعدودة : عشرين درهماً ، وقال : كان في ذلك الزمان ، ما كان فوق الأوقية ، وزنوه وزناً وما كان دون الأوقية عدّوه عداً .

(2/371)


وقال بعضهم : باعوه بعشرة دراهم لأن اسم الدرهم يقع على ما بين الثلاثة إلى العشرة ، فأصاب كل واحد منهم درهماً .
وروي عن الضحاك ، أنه قال : باعوه باثني عشر درهماً ، وقال ابن مسعود بيع بعشرين درهماً ، وقال عكرمة : البخس : أربعون درهماً ، وقال بعضهم : لم يبعه إخوته ولكن الذين وردوا الماء ، وجدوه في البئر ، وأخرجوه من البئر ، فباعوه بثمن بخس ، دراهم معدودة ، وهو قول المعتزلة ، لأن مذهبهم أن الأنبياء معصومون عن الكبيرة قبل النبوة ، لأن الكبيرة عندهم تخرج المؤمن عن الإيمان ، وعند أهل السنة ، الكبيرة لا تخرج المؤمن عن الإيمان . وجاز جريان المعصية قبل النبوة وقال عامة المفسرين : إن إخوته باعوه وروي عن ابن عباس : أن إخوته باعوه بعشرين درهماً ، وكتب يهوذا شراءه على رجل منهم .
ثم قال : { وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزهدين } يعني : الذين اشتروه لم يعلموا بحاله وقصته . ويقال : يعني : إخوة يوسف ، في ثمنه لم يكونوا محتاجين إليه . ثم إن مالك بن ذعر ، لما أدخله مصر باعه . قال مقاتل : باعه بعشرين ديناراً ، ونعلين ، وحلة . وقال الكلبي : بعشرين درهماً ، ونعلين ، وحلة . وقال بعضهم : باعه بوزنه فضة . وقال بعضهم : باعه بوزنه ذهباً . وقال وهب بن منبه : باعه مالك بن ذعر ، بعدما عرضه في بيع «من يزيد» ، ثلاثة أيام ، فزاد الناس بعضهم على بعض ، حتى بلغ ثمنه بحيث لا يقدر أحد عليه ، فاشتراه عزيز مصر ، وكان خازن الملك وصاحب جنوده لامرأته زليخا ، بوزنه مرة مسكاً ، ومرة لؤلؤاً ، ومرة ذهباً ، ومرة فضة ، ومرة حللاً ، وسلم إليه كلها .

(2/372)


وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)

قوله تعالى : { وَقَالَ الذى اشتراه مِن مّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ } قال ابن عباس : كان اسمه قطيفر ، وهو العزيز ، قال لامرأته ، واسمها : زليخا { أَكْرِمِى مَثْوَاهُ } يعني : منزله وولايته { عسى أَن يَنفَعَنَا } في ضياعنا وغلاتنا ، على وجه التبرك به { أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } يقول : نتبناه فيكون ابناً لنا . وروى ابن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : أفرس الناس ثلاثة : العزيز ، حين قال لامرأته { أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عسى أَن يَنفَعَنَا } وبنت شعيب التي قالت { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوى الأمين } [ القصص : 26 ] وأبو بكر ، حين تفرَّس في عمر وولاه من بعده .
قال الله تعالى : { وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الارض } يعني : في أرض مصر ، وهي أربعين فرسخاً في أربعين فرسخاً { وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الاحاديث } يعني : كي يلهمه تعبير الرؤيا ، وغير ذلك من العلوم ، { والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ } إذا أمر بشيء ، لا يقدر أحد أن يرد أمر الله تعالى ، إذا أراد بأحد من خلقه . ويقال : { والله * تَعَالَى ***** غَالِبٌ على أَمْرِهِ } ، يعني : وليته فيتم أمر يوسف ، الذي هو كائن { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } يعني : أهل مصر . ويقال : يعني : أهل مكة لا يعلمون أن الله تعالى غالب على أمره .
قوله تعالى : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } يعني : تمت قوة نفسه ، وعقله . ويقال : بلغ مبلغ الرجال . ويقال : الأشد بلوغ ثلاثين سنة . وقال الضحاك : يعني : بلغ ثلاثاً وثلاثين سنة . ويقال الأشد : ما بين ثماني عشرة سنة ، إلى ثمان وثلاثين سنة { اتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } أي : أكرمناه بالنبوة ، والعلم ، والفهم ، والفقه ، فجعلناه حكيماً ، وعليماً ، { وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } يعني : هكذا نكافىء من أحسن . ويقال : هكذا نجزي المخلصين في العمل ، بالفهم والعلم .
قوله تعالى { وَرَاوَدَتْهُ التى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ } يعني : راودته عما أرادت عليه ، مما تريد النساء من الرجال ، فعلم بذكره ذكر الفاحشة ، ومعناه : طلبت إليه أن يمكنها من نفسه ، يعني : امرأة العزيز واسمها زليخا { وَغَلَّقَتِ الابواب } عليها ، وعلى يوسف ، وجعلت تغره وتمازحه ، ويوسف يعظها بالله ، ويزجرها . ويروى عن ابن عباس ، أنه قال : كان يوسف إذا تبسم ، رأيت النور في ضواحكه ، وإذا تكلم ، رأيت شعاع النور في كلامه ، يذهب من بين يديه ، ولا يستطيع آدمي أن ينعت نعته . فقالت له : يا يوسف ما أحسن عينيك قال : هما أول شيء يسيلان إلى الأرض من جسدي . ثم قالت : يا يوسف ما أحسن ديباج وجهك قال : هو للتراب يأكله . ثم قالت : يا يوسف ما أحسن شعرك قال : هو أول ما ينتشر من جسدي . { وَقَالَتِ } : يا يوسف ، { هَيْتَ لَكَ } .

(2/373)


قرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم ، { هَيْتَ } بنصب الهاء والتاء ، يعني : أقبل ، ويقال : هلم إليّ ، والعرب تقول : هيت فلان لفلان ، إذا دعاه وصاح به ، وهكذا قرأ ابن مسعود وابن عباس والحسن ، وقرأ ابن عامر في رواية هشام { ***هِئْتُ } بكسر الهاء والهمز وضم التاء ، بمعنى تهيأت لك ، وقرأ ابن كثير { وَقَالَتْ هَيْتَ } لك بنصب الهاء وضم التاء ، ومعناه أنا لك ، وأنا فداؤك ، وقرأ نافع وابن عامر في إحدى الروايتين { هَيْتَ } بكسر الهاء ونصب التاء ، بغير همز . { قَالَ مَعَاذَ الله } يعني : قال يوسف : أعوذ بالله أن أعصيه وأخونه . { إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ } يعني : إن سيدي الذي اشتراني أحسن إكرامي ، فلم أكن لأفعل بامرأته ذلك . { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } يعني : لا ينجو الزناة من عذاب الله تعالى ، وفي هذه الآية دليل أن معرفة الإحسان واجب ، لأن يوسف امتنع عنها لأجل شيئين لأجل المعصية والظلم ، ولأجل إحسان الزوج إليه .
قوله تعالى : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } روى حماد بن سلمة ، عن الكلبي أنه قال : كان من همها أنها دعته إلى نفسها واضجعت وهَمَّ بها بالموعظة والتخويف من الله تعالى ، وقيل إنه حلَّ سراويله ، وجلس بين رجليها { لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } يقول : مثل له يعقوب في الحائط عاضاً على شفتيه ، فاستحيى ، فتنحى بنفسه ، وقال وهب بن منبه : لم تزل تخدعه حتى همَّ بها ، ودخل معها في فراشها ، فنودي من السماء . مهلاً يا يوسفُ فإنك لو وقعت في الخطيئة محي اسمك عن ديوان النبوة . وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله { لَقَدِ *** هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } ما بلغ من همه؟ قال : أطلق هميانه فنودي يا يوسف لا تكن كالطائر له ريش فزنى ، فسقط ريشه . ويقال : كان همها هم إرادة وشهوة ، وهمه همّ اضطرار وغلبة . وقال بعضهم : كان همه حديث النفس والفكر ، وحديث النفس والفكر مرفوعان . وقال بعضهم : { هُمْ * بِهَا } يعني : يضربها . وقال بعضهم : يعني : هم بالفرار عنها . وقال بعضهم : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } تم الكلام ، ثم { وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } يعني : لما رأى البرهان لم يهم بها ، فقد قيل هذه الأقاويل ، والله أعلم . وقد روي في الخبر أنه ليس من نبي إلا وقد أخطأ أو همَّ بخطيئة غير يحيى بن زكريا ، ولكنهم كانوا معصومين من الفواحش .
قوله تعالى : { لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : مثل له يعقوب ، فضرب بيده على صدره ، فخرجت شهوته من أنامله .
وقال محمد بن كعب { لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } قال : لولا أن قرأ القرآن من تحريم الزنى ، وذلك أنه استقبل بكتاب لله تعالى { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً } [ الإسراء : 32 ] .
قال الله تعالى { كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء والفحشاء } يقول : هكذا صرفت السوء والفحشاء عن يوسف بالبرهان ، حين استعاذ إليّ بقوله : معاذ الله .
ثم قال : { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين } بالتوحيد والطاعة . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر { المخلصين } بكسر اللام ، ومعناه ما ذكرناه . وقرأ الباقون { المخلصين } بالنصب ، يعني : المعصومين من الذنوب والفواحش ، ويقال : أخلصه الله تعالى بالنبوة والرسالة والإسلام .

(2/374)


وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)

قوله تعالى : { واستبقا الباب } يعني : تبادرا إلى الباب ، يعني : يوسف وزليخا . أما يوسف ، فاستبق ليخرج من الباب ، وأما زليخا فاستبقت لتغلق الباب على يوسف ، فأدركته قبل أن يخرج ، فتعلقت به قبل أن يخرج من الباب . { وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ } يعني : مزقت قميصه من خلفه . { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا } يعني : صادفَ ، ووجدا سيدها { لدى الباب } يعني : زوجها عند الباب . { قَالَتْ } زليخا لزوجها : { مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا } يعني : قالت لزوجها : { مَا جَزَاء } ، يعني : ما عقاب { مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا } يعني : قصد بها الزنى { إِلا أَن يُسْجَنَ } يعني : يحبس في السجن . { أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعني : يضرب ضرباً وجيعاً ، وذلك أن الزوج قال لهما ما شأنكما؟ قالت له زليخا : كنت نائمة في الفراش عريانة ، فجاء هذا الغلام العبراني ، وكشف ثيابي ، وراودني عن نفسي ، فدفعته عن نفسي ، فانشق قميصه . { قَالَ } يوسف : بل { هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } يعني : دعتني إلى نفسها { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا } قال مجاهد : قميصه شاهد أنه قَدْ قُدَّ من دبر فظهر أن الذنب لها بتلك العلامة . وروي عن ابن عباس أنه قال : كان صبي في المهد لم يتكلم بعد فتكلم ، وقال { إِن كَانَ * قَدْ ***** قَمِيصَهُ مِن ***** قَبْلُ } الآية . وقال قتادة : كان رجلاً حكيماً من أهلها . ويقال : كان رجلاً من خواصِّ الملك . وروي عن عكرمة أنه قيل له إنه صبي قال : لا ، ولكنه رجل حكيم . وقال الحسن : كان رجلاً له رأي ، فقال برأيه . وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : كان زوجها على الباب مع ابن عم لها يقال له ممليخا ، وكان رجلاً حكيماً ، فقال : قد سمعنا الاشتداد والجلبة من وراء الباب ، ولا ندري أيكما قدام صاحبه؟ إن كان قد شقّ القميص من قدامه فأنت صادقة فيما قلت ، وإن كان مشقوقاً من خلفه فهو صادق ، فنظروا إلى قميصه ، فإذا هو مشقوق من خلفه ، فذلك قوله تعالى : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ } يعني : زليخا { وَهُوَ } يعني : يوسف { مِنَ الكاذبين } . { وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ } ، يعني : زليخا { وَهُوَ } يعني : يوسف { مِنَ الصادقين } وذلك أن الرجل لا يأتيها إلا مقبلاً . { فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ } يعني : مقدوداً من دبر { قَالَ } ابن العم { إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ } يعني : صنيعكن ، ويقال قال الزوج : { إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } يعني : صنيعكن عظيم يخلص إلى البريء والسقيم والصالح والطالح . وفي هذه الآية دليل أن القضاء بشهادة الحال جائز وقال بعض الحكماء : سمى الله كيد الشيطان ضعيفاً ، وسمى كيد النساء عظيماً لأن كيد الشيطان بالوسوسة والخيال ، وكيد النساء بالمواجهة والعيان .
ثم أقبل على يوسف فقال : { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا } يعني : يا يوسف أعرض عن هذا القول ، ولا تذكره ، واكتم هذا الحديث .
ثم أقبل عليها فقال : { واستغفرى لِذَنبِكِ } يعني : توبي وارجعي عن ذنبك ، ويقال ابن عمها هو الذي قال لها : واستغفري لذنبك ، يعني : اعتذري إلى زوجك من ذنبك . { إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين } يعني : من المذنبين . وفشا ذلك الخبر في مصر وتحدثت النساء فيما بينهن .

(2/375)


وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)

قوله تعالى : { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى المدينة } قال الكلبي : ( هنَّ ) أربع نسوة امرأة ساقيه يعني : ساقي الملك ، وامرأة الخباز ، وامرأة صاحب السجن ، وامرأة صاحب الدوابّ . ويقال هن خمس ، خامستهن امرأة صاحب الملك . ويقال : أربعون امرأة . ويقال : جماعة كثيرة من النساء اجتمعت في موضع ، وقلن فيما بينهنّ { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى المدينة امرأت العزيز } يعني : تطلب عبدها وتدعوه إلى نفسها . { قَدْ شَغَفَهَا حُبّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضلال مُّبِينٍ } قال : الحسن أي شق شغاف قلبها حبه . وقال عامر الشعبي : الشغوف المحب ، والمشغوف المحبوب . وقال القتبي : { قَدْ شَغَفَهَا حُبّا } بلغ الحب شغافها ، وهو غلاف القلب ، قال : ومن قرأ شغفها أي فتنها من قولك فلان شغوف بفلانة . ويقال : شغف الشيء إذا علاه { قَدْ شَغَفَهَا } أي علاها . ويقال : أهلكها ، فلا تعقل غيره { إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضلال مُّبِينٍ } يعني : في خطأ بيّن . ويقال : في عشق بيّن . أي : لا تعقل غيره .
قوله تعالى : { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } يعني : سمعت زليخا بمقالتهن . وإنما سمَّي قولهنّ مكراً والله أعلم ، لأن قولهن لم يكن على وجع النصيحة ، والنهي عن المنكر . ولكن كان على وجه الشماتة والتعيير . { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ } فدعتهن { ***وَأعَدَّتْ لَهُنَّ متكأ } أي : اتخذت لهن وسائد يتكين عليها . وذلك أنها اتخذت ضيافة ، ودعت النساء ، ووضعت الوسائد لجلوسهن . وقال الفراء : من قرأ متكاً غير مهموز فإنه الأترج . وكذلك قال ابن عباس .
روى منصور عن مجاهد أنه قال : من قرأ مثقلة قال : يعني : الطعام ، ومن قرأ : مخففة قال الأترج . ويقال : الزُّمَّاوَرْد وهو نوع من التمر . وقال عكرمة كل شيء يقطع بالسكين { فِى ضلال مُّبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ } يعني : أعطت زليخا كل واحدة من النسوة سكيناً ، وأمرت يوسف بأن يلبس أحسن ثيابه ، وزيّنته أحسن الزينة { وَقَالَتِ } له { اخرج عَلَيْهِنَّ } يعني : اخرج على النساء فخرج عليهن . روى أبو الأحوص عن ابن مسعود قال : أوتي يوسف وأمه ثلث حسن الناس ، في الوجه ، والبياض ، وغير ذلك . وكانت المرأة إذا رأت يوسف ، غطّى وجهه مخافة أن تفتن به . فلما خرج يوسف إلى النسوة غطى نفسه فنظرن إليه { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } يقول : أعظمنه . أي : أعظمن شأنه ، وتحيرن ، وبقين مدهوشات ، طائرة عقولهن ، { وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } يقول : حززن ، وخدشن أيديهن بالسكين ، ولم يشعرن بذلك { وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ } يعني : معاذ الله { مَا هذا بَشَرًا } قرأ بعضهم : بالرفع . وقرأ بعضهم { مَا هذا } يعني : مثل هذا لا يكون بشراً . وقراءة العامة ما هذا بشراً بنصب الراء والتنوين ، لأنه خبر «ما» . ولأنه صار نصباً لنزع الخافض . ومعناه : { للَّهِ مَا هذا بَشَرًا } يعني : مثل هذا لا يكون آدمياً { إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } يعني : على ربه .

(2/376)


فإن قيل : إنهن لم يرين الملك فكيف شبّهنه بشيء لم يرينه؟ قيل له : لأن المعروف عند الناس ، أنهم إذا وصفوا أحداً بالحسن ، يقولون : هذا يشبه الملك ، وإن لم يروا الملائكة ، كما أنهم إذا وصفوا أحداً بالقبح ، يقولون : هو كالشيطان ، وإن لم يروا الشيطان . قرأ أبو عمرو { يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } بالألف . وقرأ الباقون : بغير ألف . وكذلك الذي بعده { قَالَتْ } زليخا للنسوة { فذلكن الذى لُمْتُنَّنِى فِيهِ } يقول : عذلتنني فيه وعبتنني فيه فهل عذرتنني؟ فقلن لها : أنت معذورة . قالت : { وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ } يعني : طلبت إليه أن يمكنني من نفسه { فاستعصم } أي فامتنع بنفسه مني { وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ } يعني : احبسنه في السجن { وَلَيَكُونًا مّن الصاغرين } يعني : من المهانين بالسجن . ويقال : مذللين . وقرأ بعضهم { لَّيَكُونُنَّ } بتشديد النون وهذا خلاف مصحف الإمام . وقراءة العامة : { وَلَيَكُونًا } لأن النون الخفيفة تبدل منها في الوقف بالألف .
{ قَالَ رَبّ } يقول : يا سيدي { السجن أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى } النسوة { إِلَيْهِ } من العمل القبيح . قرأ بعضهم { قَالَ رَبّ السجن } بنصب السين على معنى المصدر . يقال : سجنته سَجْناً وهي قراءة شاذة . وقراءة العامة بالكسر يعني : نزول بيت السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ، يعني به : امرأة العزيز خاصة . ويقال : أراد به النسوة اللاتي حضرن هناك ، لأنهن قلن له : أطع مولاتك ، ولا تخالفها ، فإن لها عليك حقاً . وقد اشترتك بمالها وهي تحسن إليك ، وتحبك ، وتطلب هواك . فقال : { رَبّ السجن أَحَبُّ إِلَىَّ } وقال بعض الحكماء : لو أنه قال : رب العافية أحَبُّ إليّ ، لعافاه الله تعالى . ولكن لما نجا بدينه ، لم يبال بما أصابه في الله .
ثم قال : { وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ } يعني : إذا لم تصرف عني عملهن وشرهن { أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } أي : أمل إليهن { وَأَكُن مّنَ الجاهلين } يعني : من المذنبين .

(2/377)


فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)

قوله تعالى : { فاستجاب لَهُ رَبُّهُ } فيما دعاه { فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ } يعني : فعلهن ، وشرهن . { إِنَّهُ هُوَ السميع العليم } يسمع لمن دعاه . يعني : { السميع } للدعاء فيما دعاه يوسف { العليم } به .
ثم إن المرأة قالت لزوجها : إن هذا الغلام العبراني لا ينقطع عني ، وقد فضحني في الناس ، يعتذر إليهم ويخبرهم ، أنني راودته عن نفسه ، ولست أطيق أن أعتذر بعذري . فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى الناس ، وأخبرهم بحالي . وإما أن تحبسه حتى ينقطع حديثه فذلك قوله تعالى { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات } يعني : ثم بدا للزوج من بعد ما رأى شق القميص ، وقضاء ابن عمها بينهما { لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ } قال الكلبي : سجنه خمس سنين . ويقال : { حتى حِينٍ } يعني : إلى يوم من الأيام وإلى وقت من الأوقات .
قوله تعالى : { وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانَ } يعني : حبس معه في السجن الخباز ، والساقي . عبدان للملك غضب عليهما . يعني : صاحب شرابه ، وصاحب مطعمه { قَالَ أَحَدُهُمَا } ليوسف { إِنّى أَرَانِى } في المنام { أَعْصِرُ خَمْرًا } يعني : عنباً بلغة عمان . قال الضحاك : إن ناساً من العرب يسمون العنب خمراً . ويقال : معناه أعصر العنب الذي يكون عصيره خمراً ، وذلك أنه قال : رأيت في المنام ، كأني دخلت كرماً فيه حبلة حسنة ، فيها ثلاث من القضبان ، وفي القضبان ثلاثة عناقيد ، عنب قد أينع ، وبلغ ، فأخذته وعصرته في الكأس ، ثم أتيت به الملك فسقيته .
{ وَقَالَ الآخر إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا } يقول : رأيت في المنام ، كأني أحمل فوق رأسي ثلاث سلال خبزاً { تَأْكُلُ الطير مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } يقول : أخبرنا بتفسير هذه الرؤيا { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } أي : من الموحدين . وذلك أنه ينصر المظلوم ، ويعين الضعيف ، وكان يداوي مرضاهم ، ويعزي مكروبهم . فإذا احتاج واحد منهم ، قام وجمع له شيئاً . ويقال : { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } يعني : من الصادقين في القول . ويقال : كان متعبداً لربه . ويقال : كان أهل السجن يجتمعون عنده ، ويسألونه أشياء ، فيخبرهم . فقالا : { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } يعني : نراك عالماً ، وقد أحسنت العلم { قَالَ } لهما يوسف عليه السلام { لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ } يعني : تطعمانه { إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } يقول : أخبرتكما بتفسيره ، وألوانه { قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا } الطعام . وإنما أراد بذلك ، أن يبيّن لهما علامة نبوته . وهذا مثل قول عيسى عليه السلام لقومه : { وَرَسُولاً إلى بنى إسراءيل أَنِّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أنى أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله وَأُبْرِىءُ الاكمه والابرص وَأُحْىِ الموتى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 49 ] فلما أخبر يوسف بذلك ، قالا وكيف تعلم ولست بساحر ، ولا عرّاف ، ولا كاهن؟ قال يوسف : { ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } أراد أن يبيّن لهما علامة نبّوته لكي يسلما .
ثم قال : { إِنّى تَرَكْتُ } يعني : تبرأت من { مِلَّةَ قَوْمٍ } يعني : دين قوم { لاَ يُؤْمِنُونَ بالله } أي : لا يصدّقون بوحدانيته { وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون } يعني : بالبعث جاحدون . ثم :

(2/378)


وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)

قال تعالى : { واتبعت مِلَّةَ ءابَاءي إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ } يعني : دينهم { مَا كَانَ لَنَا } أي : ما جاز لنا { أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَىْء } من الآلهة { ذلك مِن فَضْلِ الله } يعني : ويقال ذلك الإرسال ، الذي أرسل إليه بالنبوة من فضل الله { وَعَلَيْنَا *** وَعَلَى الناس } يعني : المؤمنين { ولكن أَكْثَرَ الناس } يعني : أهل مصر { لاَ يَشْكُرُونَ } النعمة .
ثم دعاهما إلى الإسلام فقال : { يَشْكُرُونَ ياصاحبى السجن } يعني : الخباز والساقي { مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ } أي : الآلهة وعبادتها { خَيْرٌ أَمِ } عبادة { الله الواحد القهار } .
ثم قال : { مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ } أي : من الآلهة { لاَ يَعْلَمُونَ ياصاحبى السجن أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الاخر } يعني : لا عذر ، ولا حجة لعبادتكم إياها ، { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } ما القضاء في الدنيا والآخرة إلا لله { أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ } يعني : أمر في الكتاب أن لا تطيعوا في التوحيد إلا إياه { ذلك الدين القيم } يعني : التوحيد الدين المستقيم وهو دين الإسلام الذي لا عوج فيه { ولكن أَكْثَرَ الناس } يعني : أهل مصر { لاَّ يَعْلَمُونَ } أن دين الله هو الإسلام .
ثم أخبرهما بتأويل الرؤيا ، بعد ما نصحهما ودعاهما إلى الإسلام ، وأخذ عليهما الحجة ، فقال : { يَعْلَمُونَ ياصاحبى السجن أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا } وهو الساقي . قال له يوسف : تكون في السجن ثلاثة أيام ، ثم تخرج ، فتكون على عملك ، وتسقي سيدك خمراً . قراءة العامة { فَيَسْقِى } بنصب الياء . يقال : سَقَيْتُهُ إذا ناولته . وقرأ بعضهم { فَيَسْقِى } من أسقيته إذا جعلت له ساقياً . يعني : تتخذ الشراب الذي يسقي الملك .
ثم بيّن تأويل رؤيا الآخر فقال : { وَأَمَّا الاخر } وهو الخباز { فَيُصْلَبُ } يعني : يخرج من السجن بعد ثلاثة أيام ويصلب { فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ } . فلما أخبرهما يوسف بتأويل الرؤيا ، قالا : ما رأينا شيئاً فقال لهما يوسف عليه السلام : { قُضِىَ الامر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } يعني : تسألان . رأيتماها أو لم ترياها ، قلتما لي ، وقلت لكما ، فكذلك يكون . وروى إبراهيم النخعي عن علقمة ، عن عبد الله بن مسعود أنه قال : إنهما كانا تحالما ليجرّباه . فلما أوَّلَ رؤياهما ، قالا : إنما كنا نلعب ، قال يوسف : { قُضِىَ الامر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } .

(2/379)


وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44)

قوله تعالى : { وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا } يعني : قال يوسف عليه السلام للذي علم أنه ينجو من السجن والقتل ، وهو الساقي { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } قال يوسف للساقي : إذا دعاك الملك ، وسقيته ، فاذكرني عنده إني مظلوم قد عدا عليّ إخوتي فباعوني . { فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبّهِ } يعني : أنسى الشيطان يوسف أن يستغيث بالله ، فاستغاث بالملك ، وقال الفراء : أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى : { فَأَنْسَاهُ الشيطان } قال : هو يوسف . أنساه الشيطان ذكر ربه ، وأمره بذكر الملك ، وابتغى الفرج من عنده { فَلَبِثَ فِى السجن بِضْعَ سِنِينَ } بقوله : { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } .
وروى معمر عن قتادة أنه قال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لَوْ لَمْ يَسْتَعِنْ يُوسُفُ عَلَى رَبِّهِ ، لَمَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ » . وروي عن أبي عبيدة أنه قال : البضع ما دون نصف العقد . يعني : من واحد إلى أربعة . وقال الأصمعي : ما بين الثلاث إلى التسع . هكذا قال قطرب ، والسدي . وروى منصور عن مجاهد قال : البضع ما بين الثلاث إلى التسع . وذكر عبد العزيز بن عمير الكندي ، أن يوسف رأى جبريل في السجن . فقال له : يا أبا المنذرين ، ما لي أراك بين الخاطئين؟ فقال له جبريل : يا طاهر الطاهرين ، رب العزة يُقْرِئُكَ السلام ، ويقول : أما استحيت مني إذ استغثت بالآدميين ، فبعزتي لألبثنك في السجن بضع سنين . قال بعضهم : يعني سبع سنين ، سوى الخمس الذي مكث فيه . وذلك اثنتا عشرة سنة . وقال بعضهم : جميع ما أقام فيه سبع سنين . وقال بعضهم : ثماني عشرة سنة . وقال بعضهم : إن الملك رأى في المنام ، واسم الملك ريان بن الوليد فذلك قوله تعالى : { وَقَالَ الملك إِنّى أرى } يعني : رأيت في المنام { سَبْعَ بقرات سِمَانٍ } خرجن من نهر مصر { يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ } بقرات { عِجَافٌ } هزلى ، فابتلع العجاف السمان ، فدخلن في بطونهن ، فلم يرَ منهنّ شيء ، ورأيت { وَسَبْعَ سنبلات خُضْرٍ وَأُخَرَ يابسات يأَيُّهَا *** أَيُّهَا *** الملا } يعني : العرافين ، والسحرة ، والكهنة ، { أَفْتُونِى فِى رؤياى } يعني : عبروا رؤياي ، وبيّنوا تفسيرها { إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } أي : تفسرون { قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ } يعني : أباطيل الأحلام مختلطة { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الاحلام بعالمين } يعني : ليس للرؤيا المختلطة عندنا تأويل . وقال أهل اللغة كل رؤيا لا تأويل لها ، فهي { أضغاث أَحْلاَمٍ } أي : أباطيل الأحلام واحدها ضغث .

(2/380)


وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)

قوله تعالى : { وَقَالَ الذى نَجَا مِنْهُمَا } وهو الساقي { وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ } يعني : تذكر بعد حين . يعني : بعد سبع سنين . وقال الزجاج : أصل ادكر اذكر . ولكن التاء أبدلت بالدال وأدغم الذال في الدال . وقال القتبي : الأمة الصنف من الناس ، والجماعة كقوله تعالى : { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى الارض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } [ الأنعام : 38 ] ثم تستعمل الأمة في الأشياء المختلفة . يقال للإمام : أمة كقوله : { إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين } [ النحل : 120 ] لأنه سبب للاجتماع . ويسمى الدين أمة كقوله : { بَلْ قالوا إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على ءاثارهم مُّهْتَدُونَ } [ الزخرف : 22 ] أي : على دين ، لأن القوم يجتمعون على دين واحد ، فيقام ذلك اللفظ مقامه . ويسمى الحين أمة كقوله : { وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ } وكقوله : { وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } [ هود : 8 ] وإنما سمي الحين أمة أيضاً ، لأن الأمة من الناس ينقرضون في حين ، فيقام الأمة مقام الحين وقرأ بعضهم { وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ } يعني : بَعْدَ بعُدَ نسيانٍ يقال : أمَهْتُ أي : نسيت . وقال الفراء : يقال رجل مأموه ، كأنه ليس معه عقل فلما تذكر الساقي حال يوسف ، جاء وجثا بين يدي الملك ، وقال : { أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ } يعني : بتأويل ما رأيت من الرؤيا . وروي عن الحسن : أنه كان يقرأ : { أَنَاْ *** ءاتِيكُمْ *** بِتَأْوِيلِهِ } ، وقراءة العامة { أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ } فقال : وما يدريك يا غلام ، ولست بمعبّر ، ولا كاهن؟ فقصَّ عليه أمره الذي كان وقت كونه في السجن برؤيته ، وتعبير يوسف لها ، وصدق تعبيره على نحو ما وصفه له . وأخبره بحال يوسف وحكمته ، وعلمه ، وفهمه ، { فَأَرْسِلُونِ } يعني : أرسلوني أيها الملك إلى يوسف . خاطبه بلفظ الجماعة ، كما يخاطب الملوك . فأرسله الملك . فلما جاء إلى يوسف في السجن ، ودخل عليه ، واعتذر إليه بما أنساه الشيطان ذكر ربه ، وقال : { يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق } والصديق كثير الصدق : يعني : أيها الصادق فيما عبرت لنا { أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ } هزلى { وَسَبْعِ سنبلات خُضْرٍ وَأُخَرَ يابسات لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس } يعني : إلى أهل مصر { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } قَدْرك ، ومنزلتك . ويقال : إلى الناس ، يعني إلى الملك ، لكي يعلم مكانك ، فيكون ذلك سبباً لخلاصك إذا علم تعبير رؤياه . فعبر يوسف ورؤياه وهو في السجن ، فقال : أما السبع البقرات السمان ، فهي سبع سنين خصب . أما السبع العجاف ، فهي سبع سنين شدة وقحط ، ولا يكون في أرض مصر البر . وأما السبع السنبلات الخضر ، فهي الخصب ، واليابسات هي القحط .

(2/381)


{ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا } يعني : ازرعوا لسبع سنين { دَأَبًا } يعني : دائماً { فَمَا حَصَدتُّمْ } من الزرع { فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ } يعني : في كعبره . فهو أبقى لكم ، لكي لا يأكله السوس إذا كانت في الكعبرة ، { إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ } يعني : تدرسون بقدر ما تحتاجون إليه ، فتأكلون .
{ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك } الخصب { سَبْعٌ شِدَادٌ } يعني : مجدبات { يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } يعني : للسنين . ويقال : { مَا قَدَّمْتُمْ } يعني : ما جمعتم { إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ } يعني : تدّخرون ، وتحرزون .
{ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك } القحط { عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس } يعني : يمطر الناس . والغيث : المطر . ويقال : هو من الإغاثة يعني : يغاثون بسعة الرزق { وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } يعني : ينجون من الشدة ويقال يعصرون العنب ، والزيتون . قرأ حمزة والكسائي : { ***تَعْصِرُونَ } بالتاء على معنى المخاطبة . وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة . يعني : الناس وقرأ بعضهم { وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } بضم الياء ، ونصب الصاد ، يعني : يمطرون من قوله تعالى : { وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً } [ النبأ : 14 ] فرجع الساقي إلى الملك ، وأخبره بذلك ، { وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ } قال بعضهم : كان الملك رأى الرؤيا ، ونسيها ، فأتاه يوسف ، فأخبره بما رأى ، وأخبره بتفسيره . ولكن في ظاهر الآية ، أن الملك كان ذاكراً لرؤياه ، وأن يوسف عبّر رؤياه وهو في السجن . قبل أن ينتهي إلى الملك { وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ } يعني : بيوسف { فَلَمَّا جَاءهُ الرسول } برسالة الملك ، أنَّ الملك يدعوك { قَالَ } يوسف للرسول { ارجع إلى رَبّكَ } يعني : إلى سيدك وهو الملك { فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة *** التى **قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } يعني : سله حتى يتبيّن أني مظلوم في حبسي أو ظالم { إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } يعني : إن سيدي وخالقي ، عالم بما كان منهن . قال : حدّثنا الخليل بن أحمد . قال : حدّثنا إبراهيم الدبيلي . قال : حدّثنا أبو عبيد الله ، عن سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لَوْلا الكَلِمَةُ الَّتِي قَالَ يُوسُفُ { لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا اذكرنى عِندَ رَبّكَ } ما لَبِثَ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبَثَ وَلَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ يُوسُفَ وَكَرَمِهِ ، وصَبْرِهِ ، وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ أنا الَّذِي دُعِيتُ إلى الخُرُوجِ لَبَادَرْتُهُمْ إلى البَابِ ، وَلكِنْ أَحَبَّ أنْ يَكُونَ لَهُ العُذْرُ بِقَوْلِهِ { فَلَمَّا جَاءهُ الرسول قَالَ ارجع إلى رَبّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة *** التى **قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } » قال ابن عباس لو خرج يوسف حين دعي ، لم يزل في قلب الملك منه شيء . فلذلك { قَالَ ارجع إلى رَبّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة } .

(2/382)


قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)

قوله تعالى : { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ } وذلك أن الملك أرسل إلى النسوة ، وجمعهن ، ثم سألهنّ فقال : { مَا خَطْبُكُنَّ } يعني : ما حالكن ، وشأنكن ، وأمركن ، { إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } يعني : طلبت امرأة العزيز إلى يوسف المراودة عن نفسه ، هل ليوسف في ذلك ذنب؟ فأخبرن الملك ببراءة يوسف { قُلْنَ حَاشَ للَّهِ } يعني : معاذ الله { مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } يعني : ما رأينا منه شيئاً من الفاحشة ، ولم يكن له ذنب . فلما رأت امرأة العزيز ، أن النسوة شهدن عليها ، اعترفت على نفسها ، وأقرت بذلك ، فذلك قوله تعالى : { قَالَتِ امرأت العزيز الئن حَصْحَصَ الحق } يعني : ظهر الحق ، ووضح . ويقال : استبان . قال زجاج : هو في اللغة من الحصة أي : بانت حصة الحق ، وجهته من حصة الباطل ، ومن جهته { أَنَاْ راودته عَن نَّفْسِهِ } يعني : طلبت إليه أن يمكنني من نفسه { وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين } أي : إنه لم يراودني وهو صادق فيما قال ذلك اليوم . قال يوسف عند ذلك إنما فَعَلَت { ذلك لِيَعْلَمَ } العزيز { أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } لم أخن في امرأته ، إذا غاب عني ، فذلك قوله : { وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين } يعني : لا يرضى عمل الزانين . وروى إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح قال : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } قال : هو يوسف لم يخن العزيز في امرأته . وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لما قال يوسف { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } قال له جبريل عند ذلك : ولا يوم هممت بما هممت به . قال يوسف عليه السلام : { وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } يعني : من الهم الذي هممت به { إِنَّ النفس لامَّارَةٌ بالسوء } يعني : بالمعصية . ويقال : القلب آمر للجسد بالسوء ، والإثم . يقال في اللغة : إذا أمرت النفس بشيء ، هي آمرة . وإذا أكثرت الأمر ، يقال : هي أمارة . فقال : { إِنَّ النفس لامَّارَةٌ بالسوء } يعني : مائلة إلى الشهوات { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } إلا من عصم الله تعالى من المعصية { إِنَّ رَبّى غَفُورٌ } للهم الذي هممت به { رَّحِيمٌ } حين تاب عليّ وعصمني وغفر لي

(2/383)


وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60)

قوله تعالى : { وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى } يعني : أجعله في خاصة نفسي . فلما خرج يوسف من السجن ، ودّع أهل السجن ، ودعا لهم ، وقال : اللهم اعطف قلوب الصالحين عليهم ، ولا تستر الأخبار عنهم . فمن ثمة تقع الأخبار عند أهل السجن ، قبل أن تقع عند عامة الناس . ولما دخل يوسف على الملك وكان الملك ، يتكلم سبعين لساناً ، فأجابه يوسف بذلك كله . ثم تكلم يوسف بالعبرانية ، فلم يحسنها الملك ، فقال : ما هذا اللسان يا يوسف؟ قال : هذا لسان آبائي إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب عليهم السلام .
ثم كلمه بالعربية ، فلم يحسنها الملك . فقال : ما هذا اللسان؟ فقال : لسان عمي إسماعيل { فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ } أي : قال له الملك { مَّكِينٍ } في المنزلة { أَمِينٌ } على ما وكلتك . قَالَ له يوسف عليه السلام : { اجعلنى على خَزَائِنِ الارض } يعني : على خراج مصر { إِنّى حَفِيظٌ } للتدبير . ويقال : { حَفِيظٌ } بما وكلت به { عَلِيمٌ } بجميع الألسن . ويقال : عليم بأخذها ، ووضعها مواضعها . وإنما سأل ذلك صلاحاً للخلق ، لأنه علم أنه ليس أحد يقوم بإصلاح ذلك الأمر مثله . ويقال : { حَفِيظٌ } يعني : عليماً بساعة الجوع . وكان الملك يأكل في كل يوم نصف النهار . فلما كانت الليلة التي قضى الله بالقحط ، أمر يوسف بأن يتخذ طعام الملك بالليل . فلما أصبح الملك ، قال : الجوع الجوع . فأتي بطعام مهيىء . قال : وما يدريكم بذلك؟ قالوا : أمرنا بذلك يوسف . ففوض الملك أموره كلها إلى يوسف ، وهو قوله تعالى : { وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ } يعني : صنعنا ليوسف { فِى الارض } يعني : أرض مصر { يَتَبَوَّأُ مِنْهَا } يعني : ينزل منها { حَيْثُ يَشَاء } . قرأ ابن كثير { حَيْثُ نَشَاء } بالنون يعني : حيث يشاء الله . وقرأ الباقون : بالياء { حَيْثُ يَشَاء } يوسف { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء } نختص بنعمتنا ، النبوة ، والإسلام ، والنجاة من نشاء { وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } يعني : لا نبطل ثواب الموحدين ، حتى نوفيّه جزاءه في الدنيا ، ومع ذلك له ثواب في الآخرة ، فذلك قوله تعالى : { وَلاَجْرُ الاخرة خَيْرٌ } يعني : ثواب الآخرة أفضل مما أعطي في الدنيا { لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي : صدقوا بوحدانية الله تعالى { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الشرك .
وروي في الخبر ، أن زوج زليخا مات . وبقيت امرأته زليخا . فجلست يوماً على الطريق ، فمر عليها يوسف في حشمه . فقالت زليخا : الحمد لله الذي جعل العبد ملكاً بطاعته ، وجعل الملك مملوكاً بشهوته ، وتزوجها يوسف فوجدها عذراء ، وأخبرت أن زوجها كان عنيناً ، لم يصل إليها . ثم وقع القحط بالناس حتى أكلوا جميع ما في أيديهم ، واحتاجوا إلى ما عند يوسف .

(2/384)


وقد كان يوسف جمع في وقت الخصب ، مقدار ما يكفي السنين المجدبة للأكل والبيع ، فجعل الناس يعطونه أموالهم ، العروض ، والرقيق ، والعقار ، وغير ذلك . ويأخذون منه الطعام . ووقع القحط بأرض كنعان ، حتى أصاب آل يعقوب الحاجة إلى الطعام . فقال يعقوب لبنيه : إنهم يزعمون أن بمصر ملكاً يبيع الطعام ، فخرج بنو يعقوب وهم عشرة نحو مصر ، حتى أتوا يوسف فدخلوا عليه ، وعليه زي الملك فلم يعرفوه ، وعرفهم يوسف وكلموه بالعبرانية ، فأرسل يوسف إلى الترجمان ، وهو يعلم لسانهم . ولكنه أراد أن يشتبه عليهم ، فذلك قوله تعالى : { وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ } يعني : عرف يوسف أنهم إخوته { وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } يعني : لم يعرفوا أنه يوسف . لأنهم رأوه في حال الصغر ، وكان يوسف على زي الملوك ، بخلاف ما كانوا رأوه في الصغر .
روى أسباط عن السدي وغيره ، قال : استعمله الملك على مصر ، وكان صاحب أمره الذي يلي البيع والتجارة . فبعث يعقوب بنيه إلى مصر فلما دخلوا على يوسف ، عرفهم . فلما نظر إليهم ، قال : أخبروني ما أمركم؟ فإني أنكر شأنكم . قالوا : نحن قوم من أرض الشام . قال : فما جاءكم؟ قالوا : جئنا نمتار طعاماً . قال : كأنكم عيون . كم أنتم؟ قالوا : عشرة . قال : أنتم عشرة آلاف . كل رجل منكم أمير ألف . فأخبروني خبركم . قالوا : إنا إخوة بنو رجل ، صديق ، وإنا كنا اثني عشر ، فكان أبونا يحب أخاً لنا ، وهو هلك في الغنم ، ووجدنا قميصه ملطخاً بالدم ، فأتينا به أبانا ، فكان أحبنا إلى أبينا منا . قال : فإلى من سكن منكم أبوكم بعده؟ قالوا : إلى أخ له أصغر منه . قال : فكيف تخبروني أنه صديق ، وهو يختار الصغير منكم دون الكبير؟ وكيف تخبروني أنه هلك ، وبقي قميصه؟ فلو : كان اللصوص قتلوه ، لأخذوا قميصه ، ولو كان الذئب أكله ، لمزق قميصه . فأرى كلامكم متناقضاً . احبسوهم . ثم قال : إن كنتم صادقين في مقالتكم ، فخلفوا عندي بعضكم ، واتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه { فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ } قالوا : اختر أينا شئت ، فارتهن شمعون ، ثم أمر بوفاء كيلهم ، فذلك قوله تعالى : { وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ } يعني : كال لهم كيلهم ، وأعطى كل واحد منهم حمل بعير ، ثم { قَالَ ائتونى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى الكيل وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين } يعني : أفضل من يضيف ، ويكرم الذي نزل به { فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ } أي : بالأخ { فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى } فيما تستقبلون { وَلاَ تَقْرَبُونِ } يعني : ولا تستقبلوا إليَّ مرة أخرى ، فإني لا أعطي لكم الطعام . قال الزجاج : القراءة بالكسر يعني : بكسر النون وهو الوجه . ويجوز { وَلاَ تَقْرَبُونِ } بفتح النون ، لأنها نون الجماعة كما قال : { قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى على أَن مَّسَّنِىَ الكبر فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } [ الحجر : 54 ] بفتح النون . قال : ويكون { وَلاَ تَقْرَبُونِ } لفظه لفظ الخبر ، ومعناه : النهي .

(2/385)


قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63) قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)

قوله تعالى : { قَالُواْ سنراود عَنْهُ أَبَاهُ } يعني : سنطلب من أبيه أن يبعثه معنا { وَإِنَّا لفاعلون } يعني : لصانعون ذلك فنطلبه من أبيه ليبعثه ويقال : وإنا لضامنون ذلك { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ } قرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم ، في رواية حفص { لِفِتْيَانِهِ } بالألف والنون وقرأ الباقون { ***لِفِتَيْتِهِ } . فقال أهل اللغة : الفتيان والفتية بمعنى واحد ، وهم الغلمان والخدم . يعني : قال يوسف لغلمانه وقومه الذين يكيلون يعني الطعام { واجعلوا *** بضاعتهم فِى رِحَالِهِمْ } يعني : دسوا دراهمهم في رحالهم . يعني : في جواليقهم { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا } يعني : يعرفون كرامتي عليهم { إِذَا انقلبوا } يعني : إذا رجعوا { إلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الثانية . قال الفراء : فيها قولان . أحدهما أن يوسف خاف ألا يكون عند أبيهم دراهم ، فجعل البضاعة في رحالهم ، لعلهم يرجعون ، ولا يتأخرون عن الرجوع بسبب الدراهم . والقول الآخر : أنهم إذا عرفوا بضاعتهم ، وقد اكتالوا الطعام ، ردوها عليه ، ولا يستحلون إمساكها ، لأنهم أنبياء الله تعالى ، لا يستحلون إمساك مال الغير { فَلَمَّا رَجِعُوا إلى أَبِيهِمْ قَالُواْ يأَبَانَا *** أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الكيل } فيما نستقبل يعني : الحنطة ، وأخبروه بالقصة . قالوا : { فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا } بنيامين { نَكْتَلْ } يعني : يشتري هو ، ويكيلون لنا { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } من الضيعة حتى نرده إليك . قرأ حمزة والكسائي { ***يَكْتَلْ } بالياء . وقرأ الباقون بالنون . فمن قرأ بالياء ، يعني : هو يكتال لنفسه ، لأنهم كانوا لا يبيعون من كل رجل إلا وقراً واحداً . ومن قرأ بالنون ، فمعناه : أن الملك قد أخبر أنه لا كيل لنا في المستقبل . فلو أرسلته معنا ، فإنا نكتال منه ، فلما أخبروه بذلك { وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ } يعقوب عليه السلام { هَلْ امَنُكُمْ عَلَيْهِ } يعني : هل أئتمنكم عليه { إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ } يوسف { مِن قَبْلُ } ومعناه : هكذا قلتم لي في أمر يوسف ، ولا أقدر أن آخذ عليكم من العهد أكثر ما أخذت عليكم في يوسف من قبل . قرأ ابن مسعود : هل تحفظونه إلا كما حفظتم أخاه يوسف من قبل { فالله خَيْرٌ حافظا } منكم إن أرسله معكم { وَهُوَ أَرْحَمُ الرحمين } حين أطعته ولا بد أن أرسله قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { حافظا } بالألف . وقرأ الباقون { حافظا } بغير ألف ، والحافظ الاسم ، والحفظ : المصدر .

(2/386)


وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66) وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68)

قوله تعالى : { وَلَمَّا فَتَحُواْ متاعهم } يعني : أوعيتهم وجواليقهم { وَجَدُواْ بضاعتهم } يعني : دراهمهم { رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ } لأبيهم { قَالُواْ يأَبَانَا مَا نَبْغِى } يعني : ما نكذب . إنه ألطف علينا وأكرمنا { هذه بضاعتنا } أي : دراهمنا { رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } يعني : نمتار لأهلنا . يقال : مار أهله ، وأمار لأهله ، إذا حمل إليهم قوتهم من غير بلده . يعني : ابعثه معنا ، لكي نحمل الطعام لأهلنا { وَنَحْفَظُ أَخَانَا } من الضيعة { وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } أي : حمل بعير من أجله .
روى الأعمش عن إبراهيم ، عن علقمة ، أنه كان يقرأ { رُدَّتْ إِلَيْنَا } بكسر الراء ، لأن أصله رددت . فأدغمت إحدى الدالين بالأخرى ، ونقل الكسر إلى الراء وهي قراءة شاذة .
ثم قال : { ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ } يعني : سريع ، لا حبس فيه إن أرسلته معناه ويقال : ذلك أمر هين الذي نسأل منك .
{ وَقَالَ } لهم يعقوب { لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ الله } يعني : تعطوني عهداً وثيقاً من الله { لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } قال الكلبي : إلا أن ينزل بكم أمر من السماء ، أو من الأرض . وروى معمر عن قتادة أنه قال : إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك . وقال مجاهد : { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } يعني : تهلكوا جميعاً . وقال الفراء : إلا أن يأتيكم من أمر الله تعالى ما يعذركم .
{ فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } يعني : أعطوه عهودهم { قَالَ } يعقوب { الله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } يعني : كفيلاً . ويقال : شهيداً .
ثم : { قَالَ يَاءادَمُ *** بَنِى *** لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ } قال يعقوب لبنيه ، حين أرادوا الخروج : يا بني لا تدخلوا من باب واحد . يعني : إذا دخلتم مصر ، فلا تدخلوا من سكة واحدة ، ومن طريق واحد؛ ويقال : من درب واحد { وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } يعني : من سكك متفرقة ، ومن طرق شتى . لكي لا يظن بكم أحد ، أنكم جواسيس . ويقال : خاف يعقوب عليهم العين لجمالهم ، وقوتهم ، وهم كلهم بنو رجل واحد . فإن قيل : أليس هذا بمنزلة الطيرة ، وقد نهي عن الطيرة قيل له : لا . ولكن أمر العين حق . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرقي من العين ، ويتعوذ منها للحسن والحسين .
ثم قال : { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله } يعني : من قضاء الله { مِن شَىْء إِنِ الحكم } يعني : ما القضاء { أَلاَ لِلَّهِ } إن شاء أصابكم العين ، وإن شاء لم يصبكم . { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } يعني : فوضت أمري ، وأمركم إليه { وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } يعني : فليثق الواثقون .
قوله تعالى : { وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم } من السكك المتفرقة { مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } يعني : حذرهم لا يغني من قضاء الله من شيء .

(2/387)


يعني : إن العين لو قدرت أن تصيبهم ، لأصابتهم وهم متفرقون ، كما تصيبهم وهم مجتمعون { إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ } يعني : حزازة في قلبه ، وهي الحزن { قَضَاهَا } يعني : أبداها ، وتكلم بها . ويقال : معناه لكن لحاجة في نفس يعقوب قضاها { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ } يعني : علم يعقوب أنه لا يصيبهم إلا ما أراد الله تعالى ، وقدر عليهم . وعلم أن دخولهم في سكك متفرقة ، لا ينفعهم من قضاء الله تعالى من شيء . ويقال : معناه أنه عالم بما علمناه . ويقال : { لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ } أي : لتعليمنا إياه . ويقال : لذو حظ لما علمناه .
ثم قال : { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } أنه لا يصيبهم إلا ما قدر الله تعالى عليهم .

(2/388)


وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)

قوله تعالى : { وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ } يعني : إخوته { اوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } يعني : ضمّ إليه أخاه بنيامين { قَالَ إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ } قال بعضهم : أخبره في السر أنه أخوه . وقال بعضهم : لم يخبره . ولكن معناها : إني لك كأخيك الهالك . فأنزلهم يوسف منزلاً ، وأجرى عليهم الطعام والشراب ، فلما كان الليل أتاهم بالفرش ، وقال : لينام كل أخوين منكم على فراش واحد . ففعلوا . وبقي الغلام وحده فقال يوسف : هذا ينام معي على فراشي . فبات معه يوسف ، يشم ريحه . ويقال : لما كان عند الطعام ، أمر كل اثنين ليأكلا في قصعة واحدة ، وبقي بنيامين وحده ، فبكى وقال : لو كان أخي في الأحياء ، لأكلت معه . فقال له يوسف : إني أنا أخوك ، يعني : بمنزلة أخيك { فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يقول : لا تحزن بما يعيرون يوسف ، وأخاه بشيء .
قوله تعالى : { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ } يعني : كال لهم كيلهم { جَعَلَ السقاية } يعني : وضع ودس الإناء { فِى رَحْلِ أَخِيهِ } بنيامين ، فخرجوا ، وحملوا الطعام ، وذهبوا . فخرج يوسف على أثرهم ، حتى أدركهم { ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ } يعني : نادى منادٍ بينهم ، واسم المنادي أفرايم من فتيان يوسف . قال : { أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } إناء الملك ، فانقطعت ظهورهم ، وساء ظنهم .
قوله تعالى : { قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ } يعني : وأقبلوا إليهم { مَّاذَا تَفْقِدُونَ } يعني : ماذا تطلبون { قَالُواْ } يعني : قال النادي والغلمان { نَفْقِدُ صُوَاعَ الملك } قال قتادة : إناء الملك الذي يشرب فيه . وقال عكرمة : هو إناء من فضة . وقال سعيد بن جبير : هو المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه ، وكانت الأعاجم تشرب فيه . وروى سعيد بن حبير ، عن ابن عباس أنه قال : كان إناء من فضة مثل المكوك ، وكان للعباس واحد منها في الجاهلية . وروي عن أبي هريرة أنه قرأ : { وَقَالَ الملك } يعني : الصاع الذي يكال به الحنطة . وقرأ بعضهم : { وَقَالَ الملك } . وقرأ يحيى بن عمرو { وَقَالَ الملك } بالغين . يعني : إناء مصوغاً . وقراءة العامة { صُوَاعَ الملك } يعني : الإناء وهي المشربة من فضة . وكان الشرب في إناء الفضة مباحاً في الشريعة الأولى . وأما في شريعتنا ، فالشراب في إناء الفضة حرام .
ثم قال : { وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } يعني : قال المنادي : من جاء بالصوع ، فله حمل بعير من بر ، { وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } يعني : أنا كفيل بتسليمها إليه ، لأن الملك يتهمني في ذلك .
{ قَالُواْ تالله } يعني : قال إخوة يوسف والله { لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الارض } يعني : ما جئنا لنعمل بالمعاصي في أرض مصر ، ونخون أحداً . { وَمَا كُنَّا سارقين } وكان الحكم في أرض مصر للسارق الضرب والتضمين ، وكان الحكم بأرض كنعان ، أنهم يأخذون السارق ، ويسترقونه ، ففوضوا الحكم إلى بني يعقوب ، ليحكموا بحكم بلادهم { قَالُواْ } يعني : المؤذن وأصحابه لأولاد يعقوب { فَمَا جَزَاؤُهُ } يعني : فما جزاء السارق { إِن كُنتُمْ كاذبين *** قَالُواْ } يعني : إخوة يوسف { جَزَاؤُهُ } يعني : عقابه { مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ } يعني : في وعائه { فَهُوَ جَزَاؤُهُ } يعني : الاستعباد جزاء سرقته { كذلك نَجْزِى الظالمين } يعني : هكذا نعاقب السارق في سنة آل يعقوب .

(2/389)


{ فَبَدَأَ } يعني : المنادي ، ويقال : يوسف { بِأَوْعِيَتِهِمْ } يعني : أوعية إخوته ، وطلب في أوعيتهم { قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ } فلم يجد فيها . وروى معمر عن قتادة أنه قال : كلما فتح متاع رجل ، استغفر الله تائباً مما صنع ، حتى بقي متاع الغلام ، فقال : ما أظن هذا أخذ شيئاً ، قالوا : بلى ، فاستبرأه ، فطلب ، فوجد فيه ، فاستخرجها من وعاء أخيه ، فلما استخرجت من رحله ، انقطعت ظهور القوم ، وتحيروا ، وقالوا : يا بنيامين لا يزال لنا منكم بلاءً ما لقينا من ابني راحيل . فقال بنيامين : بل ما لقي ابنا راحيل منكم ، فأما يوسف فقد فعلتم به ما فعلتم ، وأما أنا فسرقتموني . قالوا : فمن جعل الإناء في متاعك؟ قال : الذي جعل الدراهم في متاعكم . فسكتوا . فذلك قوله { ثُمَّ استخرجها مِن وِعَاء أَخِيهِ كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ } يعني : كذلك صنعنا ليوسف ، والكيد : الحيلة . يعني : كذلك احتلنا له وألهمناه الحيلة .
ثم قال : { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الملك } يعني : في قضاء ملك مصر ، لأنه لم يكن في قضائه أن يستعبد الرجل في سرقته .
ثم قال : { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } يعني : وقد شاء الله أن يأخذه بقضاء أبيه . ويقال : ما كان يقدر أن يأخذ في ولاية الملك بغير حكم ، إلا بمشيئة الله تعالى . ويقال : إلا أن يشاء الله ذلك ليوسف .
ثم قال : { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } يعني : من نشاء بالفضائل . وقرأ أهل الكوفة { نَرْفَعُ درجات } بتنوين التاء . وقرأ الباقون : { درجات مَّن نَّشَاء } بغير تنوين ، على معنى الإضافة { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } يعني : ليس من عالم إلا وفوقه أعلم منه ، حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى . وروى وكيع ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب ، أن رجلاً سأل علياً عن مسألة . فقال فيها قولاً . فقال الرجل : ليس هو كذا ، ولكنه كذا . فقال : عليّ أصبتَ وأخطأت { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } . وروي عن سعيد بن جبير ، أن ابن عباس حدث بحديث ، فقال : رجل عنده : الحمد لله { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } فقال ابن عباس : إن الله هو العالم وهو فوق كل عالم .

(2/390)


قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79) فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81)

{ قَالُواْ إِن يَسْرِقْ } يعني : قال إخوة يوسف : إن يسرق بنيامين { فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } يعنون يوسف { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ } يعني فأضمر الكلمة يوسف { فِى نَفْسِهِ } أي في قلبه { وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } يعني : لم يعلن لهم جواباً { قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } يعني : صنيعاً من يوسف ، لأن يوسف سرق الوثن ، وأنتم تسرقون الصواع . وذلك أن يوسف كان سرق صنماً من ذهب من خاله لاوي وقال قتادة : ذكر لنا أنه سرق صنماً ، كان لجده أب أمه . فعيّروه بذلك . فقال : أنتم شر مكاناً ، لأن سرقتكم قد ظهرت ، وسرقة أخيه لم تظهر إلا بقولكم ، ولا ندري أنتم صادقون في مقالتكم أم لا . { والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } يعني : بما تقولون . وروى عكرمة عن ابن عباس . قال : عوقب يوسف ثلاث مرات : حين هَمَّ ، فسجن . وحين قال : { اذكرنى عِندَ رَبّكَ فَلَبِثَ فِى السجن بِضْعَ سِنِينَ } وحين قال : { إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } فردوا عليه ، وقالوا : فقد سرق أخ له من قبل .
قوله تعالى : { قَالُواْ يأَبَانَا *** أَيُّهَا *** العزيز إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } يعني : ضعيفاً حزيناً على ابن له مفقود { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } رهناً { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } إن فعلت ذلك إلينا ، فقد أحسنت إلينا الإحسان كله . ويقال : { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } يعني : من أتاك من الآفاق فأحسن إلينا ف { قَالَ مَعَاذَ الله } يعني : أعوذ بالله { أَن نَّأْخُذَ } رهناً { إِلاَّ مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لظالمون } لو أخذنا غيره .
قوله تعالى : { فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ } يعني : من بنيامين أن يرد عليهم ويقال أيسوا من الملك أن يقضي حاجتهم { خَلَصُواْ نَجِيّا } يعني : اعتزلوا ، يتناجون بينهم ، ليس معهم غيرهم . { قَالَ كَبِيرُهُمْ } يعني : كبيرهم في العقل ، وهو يهوذا . ولم يكن أكبرهم في السن . وهذا في رواية الكلبي ، ومقاتل . وقال مجاهد : { كَبِيرُهُمْ } أي : أعلمهم وهو شمعون . وكان رئيسهم . وقال قتادة : { كَبِيرُهُمْ } في السن روبيل ، وهو الذي أشار إليهم ألا يقتلوه { أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ الله } يعني : عهداً من الله في هذا الغلام { لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } أي : لتردنه إليَّ { وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ } يعني : ما تركتم ، وضيعتم العهد في أمر يوسف من قبل هذا الغلام { فَلَنْ أَبْرَحَ الارض } يعني : فلن أزال في أرض مصر { حتى يَأْذَنَ لِى *** رَبّى } أي : حتى يبعث إليَّ أحداً أن آتيه { أَوْ يَحْكُمَ الله لِى } فيرد عليّ أخي بنيامين { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } يعني : أعدل العادلين ، وأقضى القاضين .

(2/391)


وروى أسباط ، عن السدي . أنه قال : كان بنو يعقوب إذا غضبوا ، لن يطاقوا . فغضب روبيل ، فقال : أيها الملك ، والله لتتركنا أو لأصيحن صيحة ، لا تبقى امرأة حامل ، إلا ألقت ما في بطنها ، وقامت كل شعرة في جسده ، فخرجت من ثيابه . وقال ابن عباس : كان يهوذا إذا غضب ، وصاح ، لم تسمع صوته امرأة حامل ، إلا وضعت حملها ، وتقوم كل شعرة في جسده . فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه ، فيسكن . فقال يوسف لابن له صغير : اذهب وضع يدك عليه ، فذهب ووضع يده عليه ، فسكن غضبه ، فقال : إن في هذا الدار أحداً من آل يعقوب .
ثم قال لإخوته : { ارجعوا إلى أَبِيكُمْ } يعني : قال يهوذا { فَقُولُواْ يأَبَانَا *** أَبَانَا إِنَّ ابنك سَرَقَ } أي : سرق الصواع ، يعني : إناء الملك . وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ { سَرَقَ } بضم السين وكسر الراء مع التشديد ، يعني : اتهم بالسرقة { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } أي : وما قلنا إلا ما رأينا حين أخرج من رحله { وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافظين } يعني : وما كنا نرى أنه سرق ، ولو علمنا ما ذهبنا به . ويقال : إنا لم نطلع على أنه سرق ولكنهم سرقوه .

(2/392)


وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)

قوله تعالى؛ { واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا } يعني : أهل القرية . قال الكلبي : وهي قرية من قرى مصر . ويقال : هي مصر بعينها . ويقال : هو المنزل المؤذن فيه ، إنكم لسارقون { والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا } يعني : سل أهل العير الذين كانوا معنا من أرض كنعان { وِإِنَّا لصادقون } في قولنا . فرجعوا إلى يعقوب بذلك القول ، فاتهمهم ، فقال : كلما خرجتم من عندي ، نقصتم واحداً ، ذهبتم مرة ، فنقصتم يوسف . وذهبتم مرة ، فنقصتم شمعون . وذهبتم الآن ، ونقصتم بنيامين . فقد صرتم كالذئاب ، يأكل بعضهم بعضاً .
ثم قال تعالى : { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ } قال يعقوب اشتهت ، وزينت لكم قلوبكم { أمْراً } فصنعتموه { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } يعني : عليّ صبر جميل ، حسن ، من غير جزع ، لا أشكو فيه إلى أحد { عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } يعني : لعل الله أن يرد عليّ يوسف ، ويهوذا ، وبنيامين { إِنَّهُ هُوَ العليم } بمكانتهم { الحكيم } أن يردهم عليّ .
قوله تعالى : { وتولى عَنْهُمْ } يعني : أعرض عن بنيه وخرج عنهم { وَقَالَ يأَبَتِ *** دَخَلُواْ على يُوسُفَ } يعني : يا حزناً ، والأسف : أشد الحسرة { وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن } يعني : من البكاء { فَهُوَ كَظِيمٌ } يعني : مغموماً ، مكروباً ، يتردد الحزن في جوفه . والكظيم والكاظم بمعنى واحد مثل القدير والقادر . وهو المتمسك على حزنه ، لا يظهره ، ولا يشكوه . وروي عن الحسن أنه قال : مكث يعقوب ثمانين سنة ، ما تجف دموعه ، ولا يفارق قلبه الحزن يوماً ، وما كان على الأرض يومئذٍ أحد أكرم على الله منه . قال : وألقي يوسف في الجب ، وهو يومئذٍ ابن سبع سنين ، وغاب عن أبيه ثمانين سنة ، وعاش بعدما جمع الله شمله ثلاثاً وعشرين سنة . وروي عن ابن عباس أنه قال : غاب يوسف عنه اثنين وعشرين سنة . وقال سعيد بن جبير : ما أعطيت أمة من الأمم { الذين إِذَآ أصابتهم مُّصِيبَةٌ قالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ راجعون } [ البقرة : 156 ] غير هذه الأمة ، ولو كان أوتيها أحد قبلكم لأوتيها يعقوب حين قال : { فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ } وروي عن إبراهيم بن ميسرة أنه قال : لو أن الله أدخلني الجنة ، لعاتبت يوسف بما فعل بأبيه ، حيث لم يكتب إليه ، ولم يعلمه حاله ، ليسكن ما به من الغم .

(2/393)


قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89)

قوله تعالى : { قَالُواْ تالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ } يعني : لا تزال تذكر يوسف { حتى تَكُونَ حَرَضاً } أي : دنفاً من الوجع . ويقال : حتى تبلى وتهرم . وقال القتبي : لا تحذف من الكلام ، ويراد إثباتها ، لقوله : { ***تفتؤ } أي : لا تزال . كقوله : { تَالله تَفْتَأُ } وكقول { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ ترفعوا أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبى وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أعمالكم وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } [ الحجرات : 2 ] أي : أن لا تحبط . وقال الربيع بن أنس : حتى تكون بالياً ، يابس الجلد ، وقال محمد بن إسحاق : حتى تكون حرضاً يعني : لا عقل لك { أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين } يعني : من الميتين . وقال مجاهد : الحرض ما دون الموت والهالك الميت { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى } يعني : همي وغمي { إِلَى الله } لما رأى من فظاظتهم ، وسوء لفظهم ، ولا أشكو ذلك إليكم . وقال القتبي : البث أشد الحزن ، إنما سمي الحزن البث ، لأن صاحبه لا يصبر عليه ، حتى يبثه أي : يفشوه .
ثم قال : { وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أن يوسف حي ، وليس بميت . وإنما كان يعلم ذلك من تحقيق رؤيا يوسف ، حين رأى في المنام أحد عشر كوكباً ، أن ذلك سيكون . ويقال : إن يعقوب رأى ملك الموت في المنام ، وسأله هل قبضت روح قرة عيني يوسف؟ قال : لا . ولكن هو في الدنيا حي ، فلذلك قال : { وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .
ثم قال تعالى : { تَعْلَمُونَ يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ } يعني : انطلقوا إلى مصر ، فاطلبوا خبر يوسف { وَأَخِيهِ } قالوا له : أما بنيامين فلا نترك الجهد في أمره ، وأما يوسف فإنه ميت ، وإنا لا نطلب الأموات . فقال لهم يعقوب : { وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ الله } يعني : لا تقنطوا من رحمة الله { يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن } يعني : الجاحدون للنعمة .
قوله تعالى : { فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ } يعني : رجعوا إلى يوسف ، ودخلوا عليه { قَالُواْ يأَبَانَا *** أَيُّهَا *** العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر } يعني : أصابنا ، وأهلنا الجوع { وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } قال الحسن يعني : قليلة . ويقال : نفاية . وكان لا يؤخذ في الطعام ، ويؤخذ في غيره ، لأن الطعام كان عزيزاً . فلا يؤخذ فيه إلا الجيد . وعن عبد الله بن الحارث في قوله : { وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } قال : متاع الأعراب الصوف ، والسمن ، ونحو ذلك . وعن ابن عباس قال : يعني جئنا بدراهم رديئة . وقال سعيد بن جبير بدراهم زيوف { فَأَوْفِ لَنَا الكيل } يعني : أتمم لنا الكيل { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } يعني : تفضل علينا باستيفائه منا ، مكان الجيد ، وتصدق علينا ، ما بين الثمنين . يعني : ما بين الجيد والرديء { إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين } يعني : يثيبهم في الآخرة بما صنعوا .

(2/394)


وقال ابن عباس : لو علموا أنه مسلم ، لقالوا : إن الله يجزيك بالصدقة . يعني : إنه كان يلبس عليهم ، فلا يعرفون حاله ، ومذهبه . فأخرج يوسف الكتاب الذي كان كتبه يهوذا حين باعوا يوسف ، ودفعه إليهم ، فعرف يهوذا خطه ، وقالوا : نحن بعنا هذا الغلام ، إذ كنا نرعى الغنم . فقال لهم : ظلمتم ، وبعتم الحر . فدعا يوسف السيافين ، وأمر بإخوته بأن يقتلوا جميعاً ، فاستغاثوا كلهم ، وصرخوا ، وقالوا : إن لم ترحمنا ، فارحم الشيخ الضعيف . فإنه قد جزع على ولد واحد ، فكيف وقد أهلكت أولاده كلهم . { قَالَ } لهم يوسف { هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون } يعني : شابون ، مذنبون ، ووصف لهم ما فعلوا به .

(2/395)


قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)

{ قَالُواْ أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ } قرأ ابن كثير { إِنَّكَ لاَنتَ } بهمزة واحدة ، وكسر الألف . يعني : حققوا أنه يوسف . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم ، وابن عامر : { أَءنَّكَ } بهمزتين على معنى الاستفهام . يعني : إنك يوسف أم لا؟ وقرأ نافع وأبو عمرو ، { ***آينك } بهمزة واحدة مع المد . ومعناه : مثل الأول على معنى الاستفهام { يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وهذا أَخِى قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا } يعني : أنعم علينا بالصبر { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ } أي : يتق الله { وَيِصْبِرْ } على البلاء { فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } أي : ثواب الصابرين .
قوله تعالى : { قَالُواْ تالله لَقَدْ اثَرَكَ الله عَلَيْنَا } يعني : إخوة يوسف اعتذروا إليه ، وقالوا : لقد فضلك الله علينا ، واختارك { وَإِن كُنَّا لخاطئين } يقول : وقد كنا لعاصين لله فيما صنعنا بك { قَالَ } يوسف عليه السلام { لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ اليوم } يعني : لا تعيير عليكم اليوم ، ولا عيب ، ولا عار عليكم ، وأصل التثريب : الإفساد . ويقال : أثربت الأمر علينا إذا أفسدت .
ثم قال : { يَغْفِرَ الله لَكُمْ } فيما فعلتم { وَهُوَ أَرْحَمُ الرحمين } من غيره .
ثم قال تعالى : { اذهبوا بِقَمِيصِى هذا } وروي عن وهب بن منبه قال : كان القميص من الجنة . وهو القميص الذي ألبس جبريل إبراهيم ، حين ألقي في النار ، فبردت عليه النار ، فصار عند إسحاق ، ثم صار عند يعقوب ، فجعله يعقوب في عوذة ، وعلقه في عنق يوسف ، فكان معه حين ألقي في الجب ، ونزع عنه القميص ، فبشره جبريل ، وألبسه عي ألج ، وكان القميص معه ، وقال لإخوته : { اذهبوا بِقَمِيصِى هذا } { فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا } وذلك أنه سألهم ، فقال : ما فعل أبي بعدي؟ قالوا : لما فارقه بنيامين ، عمي من الحزن . قال : { اذهبوا بِقَمِيصِى هذا } فألقوه على وجه أبي ، يأت بصيراً ، كما كان أول مرة .
ثم قال : { وَائْتُونِي بَأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } فاختلفوا فيما بينهم . فقال كل واحد منهم : أنا أذهب به . فقال يوسف : يذهب به الذي ذهب بقميصي الأول . فقال يهوذا : أنا ذهبت بالقميص الأول ، وهو ملطخ بالدم ، وأخبرته بأنه قد أكله الذئب ، وأنا اليوم أذهب بالقميص ، فأخبره أنه حي ، وأفرحه ، كما أحزنته . وأمر لهم بالهدايا ، والدواب ، والرواحل ، فتوجهوا نحو كنعان .

(2/396)


وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)

قوله تعالى : { وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ } يعني : خرجت العير من مصر { قَالَ أَبُوهُمْ إنَّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } قال ابن عباس : لما خرجت العير ، هاجت ريح ، فجاءت بريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال ، فقال يعقوب : إني لأشم ريح يوسف { لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُون } يقول لولا أن تعيروني ، وتجهلوني . يقال : فنده الهرم إذا خلط في كلامه { قَالُوا تَالله إنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ } يعني : ولد ولده قالوا ليعقوب : إنك مختلط في الكلام كما كنت في القديم من ذكر يوسف .
قوله تعالى : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ } يعني : جاء يهوذا بالبشارة { أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ } يعني : دفع القميص إليه ، ووضعه على وجهه ، { فَارْتَدَّ بَصِيراً } يعني : رجع بصيراً كما كان { قَالَ } يعقوب لولد ولده { أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إنَّي أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ويقال : قال لولده : ألم أقل لكم حين قلت لكم : { إنَّمَا أشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أن يوسف في الأحياء { قَالُوا يا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } فاعتذروا إليه ، فيما فعلوا به ، وطلبوا منه أن يستغفر لهم ، واعترفوا بذنبهم ، وقالوا : { إنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } . { قَالَ } لهم يعقوب عليه السلام { سَوْفَ اسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي } يعني : عند السحر استغفر لكم . ويقال : معناه سوف استغفر لكم إن شاء الله على وجه التقديم في قوله : { وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ الله آمِنِينَ } ، فأخّر الاستغفار ، إلى أن قدموا مصر ، فاستغفر لهم ليلة الجمعة عند السحر { إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } لمن تاب ، ورجع ، وندم على ما فعل ، فخرجوا كلهم بأثقالهم ، وأهاليهم ، ومواشيهم ، وكانوا اثنين وسبعين رأساً ، وروى أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال : كان أهل بيت يعقوب حين دخلوا مصر ، ثلاثة وسبعين إنساناً ، رجالهم ونساؤهم ، فخرجوا مع موسى عليه السلام وهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً ، فلما دنوا من مصر ، خرج يوسف بجماعته وحاشيته حتى أدخلهم مصر .

(2/397)


فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

قوله تعالى : { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إلَيْهِ } أي : ضمّ إليه { أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ الله آمِنِينَ } قال أبو عبيدة : هذا من كلام يعقوب ، حيث قال : سوف استغفر لكم إن شاء الله . وكذلك قال ابن جريج . ويقال : هذا من كلام يوسف . قال لهم حين دخلوا مصر : انزلوا بأرض مصر . ويقال : إنما قال لهم قبل أن يدخلوها { ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين } من الجوع . ويقال : { آمنين } من الخوف ، لأنها أرض الجبابرة .
قوله تعالى : { وَرَفَعَ أَبَويْهِ عَلَى الْعَرْشِ } يعني : على السرير . أحدهما عن يمينه ، والآخر عن شماله . قال مقاتل : يعني أباه وخالته . وكانت أمه راحيل قد ماتت ، وخالته تحت يعقوب ، وعن وهب بن منبه قال : أبوه وخالته . وعن سفيان الثوري مثله ، وهو قول ابن عباس . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الخالة أم » . ويقال : إن أمه راحيل قد ماتت في ولادة بنيامين . ولذلك سمي بنيامين ، واليامين وجع الولادة بلسانهم .
ثم قال : { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً } على وجه التقديم ، يعني : { وخرُّوا له سجداً } ورفع أبويه على العرش ، وكانت تحيتهم ، أن يسجد الوضيع للشريف ، فسجد له إخوته ، وأبوه ، وخالته ، { وَقَالَ } يعني يوسف عند ذلك { يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ } يعني : هذا السجود تحقيق رؤياي من قبل { قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً } يعني : جعل رؤياي صدقاً . ويقال : كائناً . وروي عن ابن عباس أنه قال : كان بين رؤياه ، وبين ذلك ، اثنان وعشرون سنة . وروى أبو عثمان النهدي ، عن سلمان أنه قال : كان بين رؤياه ، وبين أن رأى تأويلها ، أربعون سنة . وعن عبد الله بن شداد أنه قال : وقعت رؤيا يوسف بعد أربعين سنة ، وإليه تنتهي الرؤيا . وقال السدي : كان بينهما تسع وثلاثون سنة . وقال : حين رأى رؤياه ، كان يوسف ابن تسع سنين ، فظهر تأويلها وهو ابن أربعين سنة .
ثم قال : { وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَني مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ } يعني : جاء بكم معافين ، سالمين من البادية . يعني : أرض كنعان و { مِنْ بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ } يعني : من بعد أن أفسد وألقى الشيطان { بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ } من الفرقة ، والجماعة . ويقال : { لطيف } في فعاله ، إن شاء فرق ، وإن شاء جمع { إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ } بما صنعوا { الْحَكِيمُ } إذ رد عَليّ أبي ، وجمع بيني وبين إخوتي .

(2/398)


رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)

قوله تعالى : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : إن الله تعالى مدح يوسف في هذه السورة ، في ثمانية مواضع . أولها أن أخوته لما فعلوا به ما فعلوا ، صرف العداوة من إخوته إلى الشيطان . فقال : { مِنْ بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشيطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوِتِي } والثاني : حين راودته المرأة ، قال : { إنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ } فعرف حرمة سيده ، ولم يهتك حرمته . الثالث { قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ } فاختار السجن على الشهوة الحرام .
والرابع قال : { وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ } بعد ما ظهر أن الذنب كان من غيره .
والخامس لما اعتذر إليه إخوته ، قال لهم : { لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } والسادس أنه بعث القميص على يد إخوته كما أدخلوا على أبيهم الحزن في الابتداء ، أراد أن يدخلوا عليه السرور . فقال : { اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا } والسابع : لما لقي أباه ، لم يذكر عنده ما لقي من الشدة ، وإنما ذكر المحاسن ، حيث قال : { يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِّنَ البَدْوِ } .
والثامن : لما تمّ أمره ، تمنى الموت ، وترك الدنيا ، قال : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } أي : أعطيتني من الملك . يعني : بعض الملك ، وهو ملك مصر { وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } يعني : بعض التأويل . ويقال : من ههنا لإبانة الجنس ، لا للتبعيض . ومعناه { رب قد آتيتني من الملك وعلمتني تأويل الأحاديث } يعني : تعبير الرؤيا { فَاطِر السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ } يعني : خالق السموات والأرض { أَنْتَ وَلِييِّ فِي الدُّنْيَا وَاْلآخِرَة تَوَفَّنِي مُسْلِماً } يعني : أمتني مخلصاً بتوحيدك { وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } يعني : بآبائي المرسلين . ويقال : عاش يعقوب في أرض مصر ، سبع عشرة سنة ، وكان عمره مائة وسبعاً وأربعين سنة . وعاش يوسف بعده ثلاثاً وعشرين سنة ، ومات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة . ويقال : ابن مائة وعشر سنين . وأوصى يعقوب بأن يدفن عند آبائه ، فحمل إلى الأرض المقدسة ، فدفن مع أخيه يحصوص بن إسحاق . فلما مات يوسف ، أرادوا أن يحملوه إلى الأرض المقدسة ، فلم يتركهم أهل مصر ، واختلفوا في دفنه ، وأراد أهل كل محلة أن يدفن في مقابرهم ، وكاد أن يقع بينهم قتال ، حتى اصطلحوا واتفقوا على أن يدفن عند قسمة مياههم في أعلى مصر ، لكي يصيب بركته أهل مصر ، وكان هناك إلى زمن موسى عليه السلام ، فرفعه موسى ، وحمله إلى الأرض المقدسة ، ووضعه عند آبائه ، وقد كان يوسف أوصى إلى بني إسرائيل أن يحملوا عظامه من أرض مصر إذا خرجوا من مصر .

(2/399)


ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)

قوله تعالى : { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ } يقول : من أخبار ما غاب عنك ، علمه يا محمد { نُوحِيهِ إِلَيْكَ } يعني : ننزل عليك جبريل بالقرآن ، ليقرأه عليك { وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ } يعني : عند إخوة يوسف { إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ } يعني : قولهم أن يطرحوا يوسف في البئر { وَهُمْ يَمْكُرُونَ } أي : يحتالون ليوسف .
ثم قال : { وَمَا أكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصَتْ بِمُؤْمِنِينَ } في الآية تقديم . ومعناه : وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت لعلم الله السابق فيهم . ويقال : { ولو حرصت بمؤمنين } . يعني : من قدرت عليه الكفر ، وعلمت أنه أهل لذلك . لا يؤمن بك .
ثم قال تعالى : { وَمَا تَسْألُهُمْ عَلَيْهِ } يعني : على الإيمان { مِنْ أَجْرٍ } يعني : إن لم يجيبوك ، فلا تبال ، لأنهم لا ينقصون من رزق ربك شيئاً { إِنْ هُوَ } يعني : ما هذا القرآن { إلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } من الجن والإنس . وقوله تعالى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ } يعني : وكم من علامة { فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ } يعني : الشمس والقمر والنجوم ، وفي الأرض الأمم الخالية ، والأشياء التي خلقت في الأرض ، { يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } يعني : مكذبين ، لا يتفكرون .
ثم قال تعالى : { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ } قال ابن عباس : ولئن سألتهم من خلقهم ، ليقولن الله ، فهذا إيمان منهم . ثم هم يشركون به غيره . وقال القتبي : الإيمان قد يكون في معان . فمن الإيمان تصديق ، وتكذيب ببعض . قال الله تعالى : { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } [ يوسف : 106 ] يعني : مقرون أن الله خالقهم ، وهم مع ذلك يجعلون لله شريكاً . وقال الضحاك : كانوا مشركين في تلبيتهم . وقال عكرمة : يعلمون أنه ربهم ، وهم مشركون به من دونه .
ثم قال تعالى : { أَفَأَمِنُوا } يعني : أهل مكة { أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ } يعني : مغشاهم العذاب ، ويقال : غاشية قطعة { مِنْ عَذَابِ الله } في الدنيا { أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً } يعني : فجأة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بقيامها { قُلْ } يا محمد { هَذِهِ سَبِيلي } يعني : هذه الملة ، ديني الإسلام ، ويقال : هذه دعوتي { أدْعُوا } الخلق { إلَى الله } تعالى . ويقال : أدعوكم إلى توحيد الله وعبادته { عَلَى بَصِيرَةٍ } أي : على يقين وحقيقة . ويقال : على بيان { أنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } يعني : من اتبعني على ديني ، فهو أيضاً على بصيرة { وَسُبْحَانَ الله } تنزيهاً لله عن الشرك { وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ } على دينهم .

(2/400)


وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)

قوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إلَيْهِمْ } يعني : الأنبياء كانوا من الآدميين ، ولم يكونوا من الملائكة . قرأ عاصم في رواية حفص : { نُوحِي إلَيْهِمْ } بالنون . وقرأ الباقون بالياء { يُوحَى إِلَيْهِمْ } ، ومعناهما واحد { مِنْ أهْلِ الْقُرَى } يعني : منسوبين إليها . ثم أمرهم بأن يعتبروا ، فقال تعالى : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا } يعني : يسافروا { فِي الأَرْضِ } ويقال : يقرؤوا القرآن { فَيَنْظُرُوا } يعني : يعتبروا { كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } يعني : كيف كان آخر المنذرين من قبلهم من الأمم الخالية { وَلَدَارُ الآخِرَةِ } وهي الجنة { خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا } الشرك { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أن الآخرة أفضل من الدنيا . ثم رجع إلى حديث الرسل الذين كذبهم قومهم ، فقال تعالى : { حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ } يعني : أيسوا من إيمان قومهم أن يؤمنوا { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قرأ أهل الكوفة عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، { كُذِبُوا } بتخفيف الذال . وقرأ الباقون : بالتشديد . وروى الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، أنه قرأ : { كُذِبُوا } بالتخفيف . ويقال : لما أيست الرسل ، أن يستجيب لهم قومهم ، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا عليهم ، جاءهم بالنصرة . وروى ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس أنه قال : { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا } قال : كانوا بشراً ، فضعفوا ، وسئموا ، وظنوا أنهم قد كذبوا ، وأشار بيده إلى السماء . قال ابن أبي مليكة : فذكرت ذلك لعروة . فقال : قالت عائشة رضي الله عنها : معاذ الله ما حدث شيئاً إلا وعلم الله ورسوله أنه سيكون قبل أن يموت . قالت : ولكن نزل الأنبياء البلاء حتى خافوا أن يكون من معهم ، كذبوهم من المؤمنين؛ وكانت تقرأ { قد كُذِّبُوا } بالتشديد . وعن عائشة قالت : استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم ، أن يصدقوهم ، وظنوا أن من قد آمن بهم من قومهم ، قد كذبوهم . وقال القتبي : الذي قالت عائشة أحسنها في الظاهر ، وأولاها بأنبياء الله تعالى { جَاءَهُمْ نَصْرُنَا } أي : للأنبياء بالنصرة .
ثم قال : { فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءَ } يعني : من آمن بالأنبياء . قرأ عاصم وابن عامر { فَنُجِّيَ } بنون واحدة مع التشديد . وقرأ الباقون بالنونين ، وأصله { فَنُنْجِيَ } بالنونين ، إلا أن من قرأ بنون واحدة ، أدغم إحداهما في الأُخرى ثم قال : { وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا } يعني : عذابنا { عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } يعني : الكافرين .

(2/401)


لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)

قوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ } يعني : في قصة يوسف وإخوته { عِبْرَةٌ لاُِولِى الأَلْبَابِ } يعني : لذوي العقول . يعني : عجيبة لمن له عقل ، لكيلا يحسد أحد أحداً . ويقال : لمن أراد أن يعتبر بيوسف ، ويقتدي به ، ولا يكافىء أحداً بسيئة . ويقال : { عبرة } يعني : دلالة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لمن أراد أن يؤمن به { مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى } يعني : مثل هذا الكلام لا يكون اختلاقاً وكذباً { وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب التوراة والإنجيل { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ } يعني : بيان الحلال والحرام { وَهُدًى } من الضلالة { وَرَحْمَةً } يعني : رحمة من العذاب { لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يعني : يصدقون بتوحيد الله تعالى ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبالقرآن .

(2/402)


المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)

قوله تعالى : { المر } قال ابن عباس : أنا الله أعلم وأرى ، ويقال : معناه أنا الله أرى ما تحت العرش إلى الثرى ، وما بينهما . ويقال : أنا الله أعلم ، وأرى ما لا يعلم الخلق ، وما لا يرى . ويقال : أنا الله أعلم ، وأرى ما يعملون ، ويقولون . ويقال : هذا قسم أقسم الله به { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ } قال قتادة : يعني : التي قبل القرآن . يعني : التوراة والإنجيل { وَالَّذِي } يعني : القرآن { أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ الْحَقُّ } يعني : الكتب التي قبل القرآن ، والقرآن الذي أُنزل إليك ، كله من الله تعالى ، وهو الحق ، والإيمان به واجب . وقال ابن عباس : { تلك آيات الكتاب } ، يعني : تلك آيات القرآن . ومعناه : هذه آيات الكتاب . والذي أُنزل من ربك هو الحق يعني : القرآن . ويقال : { تلك آيات الكتاب } يعني : الأحكام ، والحجج ، والدلائل { والذي أنزل إليك } يعني : جبريل ، ليقرأ عليك من ربك الحق . يعني : اتبعوه ، واعملوا به . { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ } يعني : أهل مكة { لاَ يُؤْمِنُونَ } يعني : لا يصدقون أنه من الله تعالى فلما ذكر أنهم لا يؤمنون بيّن في الدلائل التي توجب التصديق بالخالق .
ثم قال تعالى : { الله الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها } يعني : ليس لها عمد ترونها . وهذا قول الحسن وقتادة ، رفعها الله تعالى بغير عمد وقال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، معناه : لها عمد ، ولكن لا ترونها . يعني : أنتم ترونها بغير عمد في المشاهدة ، ولكن لها عمد . وكلا التفسيرين معناهما واحد . لأن من قال : إن لها عمداً ، ولكن لا ترونها ، يقول : العمد هو قدرة الله تعالى التي تمسك السموات والأرض .
{ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } قال ابن عباس : كان فوق العرش حين خلق السموات والأرض ، وقد ذكرناه من قبل { وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } يعني : ضوء الشمس بالنهار ، وضوء القمر بالليل ، ذلك لبني آدم { كُلٌّ يَجْرِي لاَِجَلٍ مُّسَمًّى } يقول : يسير إلى وقت معلوم لا يجاوزه ، وللشمس والقمر منازل ، كل واحد منهما يغرب في كل ليلة في منزل ويطلع في منزل ، حتى ينتهي إلى أقصى منازله { يُدَبِّرُ الأمْرَ } يعني : يقضي القضاء ، ويبعث الملائكة بالوحي ، والتنزيل { يُفَصِّلُ الآيَاتِ } يقول : يبيّن العلامات في القرآن { لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } يعني : تصدقون بالبعث .

(2/403)


وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)

قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ } يعني : بسط الأرض من تحت الكعبة على الماء . وكانت تكفي بأهلها ، كما تكفي السفينة ، فأرساها الله بالجبال ، وهو قوله تعالى { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ } يعني : الجبال الثوابت من فوقها { وَأَنْهَاراً } يعني : خلق في الأرض أنهاراً { وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ } يعني : خلق فيها من ألوان الثمرات { جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } يعني : خلق من كل شيء لونين من الثمار ، حلواً وحامضاً . ومن الحيوان ذكراً وأنثى .
{ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ } يعني : يعلو الليل على النهار ، ويعلو النهار على الليل ، واقتصر بذكر أحدهما ، إذا كان في الكلام دليل عليه . قرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم ، في رواية أبي بكر : { يُغَشِّي } بنصب الغين ، وتشديد الشين . وقرأ الباقون : بالجزم والتخفيف .
ثم بيّن أن ما ذكر من هذه الأشياء ، فيه برهان وعلامات لمن تفكر فيها فقال : { إِنَّ فِي ذَلِكَ } يعني : فيما ذكر من صنعه { لآيَاتٍ } يعني : لعبرات { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في اختلاف الليل والنهار ، فيوحّدونه .
ثم بيّن أن في الأرض علامات كثيرة ، ودلائل كثيرة لوحدانيته ، لمن له عقل سليم فقال تعالى : { وَفِى الارض قِطَعٌ متجاورات } يعني : بالقطع الأرض السبخة ، والأرض العذبة . { متجاورات } يعني : ملتزقات ، متدانيات ، قريبة بعضها من بعض ، فتكون أرض سبخة ، وتكون إلى جنبها أرض طيبة جيدة . وقال قتادة : { قِطَعٌ متجاورات } أي : قرى متجاورات . ويقال : العمران ، والخراب ، والقرى والمغاور . { وجنات مّنْ أعناب } يعني : الكروم { وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صنوان وَغَيْرُ صنوان } قرأ بعضهم : بضم الصاد . وقراءة العامة : بالكسر . وهما لغتان ومعناهما واحد . قال مجاهد وقتادة : الصنوان النخلة التي في أصلها نخلتان ، وثلاث أصلهن واحدة . وقال الضحاك : يعني : النخل المتفرق والمجتمع ويقال { صنوان } النخلة التي بجنبها نخلات وغير صنوان يعني : المنفردة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لاَ تُؤْذُونِي فِي العَبَّاسِ ، فإِنَّهُ بَقِيةُ آبَائي ، وإنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» . قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم في رواية حفص : { وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صنوان } كلها بالضم على معنى الابتداء . وقرأ الباقون : كلها بالكسر على معنى النعت للجنات . ويقال : على وجه المجاورة . لأن الزرع لا يكون في الجنات .
ثم قال : { يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِى الاكل } يعني : الماء ، والتراب واحد . وتكون الثمار مختلفة في ألوانها ، وطعومها ، لأنه لو كان ظهور الثمار بالماء والتراب ، لوجب في القياس ، أن لا تختلف الألوان والطعوم ، ولا يقع التفاضل في الجنس الواحد إذا ثبت في مغرس واحد ، وسقي بماء واحد ، ولكنه صنع اللطيف الخبير . وقال مجاهد : هذا مثل لبني آدم ، أصلهم من أب واحد ، ومنهم صالح ، ومنهم خبيث .
ثم قال تعالى : { إِنَّ فِى ذَلِكَ } يعني : فيما ذكر { لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أنه من الله تعالى . قرأ حمزة والكسائي : { يسقى } وَ { ***يُفَضَّلُ } بالياء وقرأ عاصم وابن عامر في إحدى الروايتين : { صنوان يسقى } بالياء بلفظ التذكير ، { وَنُفَضّلُ } بالنون . وقرأ الباقون : تُسْقَى بالتاء { وَنُفَضّلُ } بالنون .

(2/404)


وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8)

ثم قال تعالى :
{ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } قال الكلبي : يعني : إن تعجب من تكذيب أهل مكة لك ، وكفرهم بالله ، { فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } يقول : أعجب من ذلك قولهم . { أَءذَا كُنَّا تُرَابًا } وقال مقاتل : { وَإِن تَعْجَبْ } مما أوحينا إليك من القرآن ، تعجب . قولهم : { أَءذَا كُنَّا تُرَابًا } { إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } إكذاباً منهم بالبعث . قرأ الكسائي : { أَءذَا } بهمزتين على وجه الاستفهام ، { أَنَاْ *** لَفِى خَلْقٍ } بهمزة واحدة . وقرأ عاصم وحمزة كليهما : بهمزتين . وقرأ أبو عمرو : { ***آيِذَا } بهمزة واحدة مع المد ، وكذلك في قوله : { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا } بالمد . وقرأ ابن كثير : { ***أَيِذَا } بالياء ، وكذلك { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا } ، وقرأ ابن عامر { أَن كُنَّا } بهمزة واحدة بغير استفهام ، { أَيُّنَا } بالهمزة والمد . قال : لأنهم لم يشكوا في الموت ، وإنما شكوا في البعث ، فينبغي أن يكون الاستفهام في الثاني دون الأول .
ثم قال تعالى : { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ } يعني : جحدوا بوحدانية الله تعالى { وَأُوْلَئِكَ الاغلال فِى أعناقهم } يعني : تغل أيمانهم على أعناقهم بالحديد في النار { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } أي : دائمون فيها ، ولا يخرجون منها .
قوله تعالى : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة } قال ابن عباس : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم العذاب ، استهزاءً منهم بذلك ، فنزل { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة } يعني : بالعذاب قبل العافية { وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات } يعني : العقوبات ، والنقمات قبل قريش فيمن هلك ، وأصل المثلة : الشبه ، وما يعتبر به ، وجمعه المثلات { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ } يقول : تجاوز { لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } يعني : على شركهم إن تابوا . ويقال : بتأخير العذاب عنهم { وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب } لمن مات منهم على شركه .
قوله تعالى : { وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ ايَةٌ مّن رَّبّهِ } يعني : هلاّ أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم علامة من ربه لنبوته .
قال الله تعالى : { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ } يعني : مخوف ، ومبلغ لهذه الأمة الرسالة { وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ } قال الكلبي : داعٍ يدعوهم إلى الضلالة ، أو إلى الحق . وقال الضحاك : يعني : { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ } وأنا الهادي . وقال سعيد بن جبير الهادي ، هو الله . وقال عكرمة : محمد صلى الله عليه وسلم هو نذير ، وهو الهادي . يعني : يدعوهم إلى الهدى . { وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ } وقال مجاهد : يعني : لكل قوم نبي . قرأ ابن كثير . { هَادِيَ } بالياء عند الوقف . وكذلك قوله : { وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِىٍّ وَلاَ وَاقٍ } [ الرعد : 37 ] وقرأ الباقون : بغير ياء .
قوله تعالى : { الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى } ذكراً أو أُنثى ، ويعلم ما في الأرحام سوياً أو غير سوي .

(2/405)


ثم قال : { وَمَا تَغِيضُ الارحام } يعني : ما تنقص الأرحام من تسعة أشهر في الحمل { وَمَا تَزْدَادُ } يعني : على التسعة أشهر في ذلك الحمل { وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } قال قتادة : رزقهم ، وأجلهم ، وقال ابن عباس . من الزيادة ، والنقصان ، والمكث في البطن ، والخروج ، كل ذلك بمقدار قدره الله تعالى ، فلا يزيد على ذلك . وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى : { وَمَا تَغِيضُ الارحام } يعني : الحامل إن ترى الدم نقص من الولد ، وإن لم تر الدم ، يزيد في الولد . وروى أسباط عن السدي قال : إن المرأة إذا حملت ، واحتبس حيضها ، كان ذلك الدم رزقاً للولد . فإذا حاضت على ولدها ، خرج وهو أصغر من الذي لم تحض عليه { وَمَا تَغِيضُ الارحام } وهي الحيضة التي على الولد ، { وَمَا تَزْدَادُ } . فحين يستمسك الدم ، فلا تحيض وهي حبلى . قال الفقيه : هذا الذي قال السدي . إن الحامل تحيض ، إنما هو على سبيل المجاز ، لأن دم الحامل لا يكون حيضاً . ولكن معناه : إذا سال منها الدم فيكون ذلك استحاضة . قال : حدثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدثنا ابن خزيمة . قال : حدثنا عليّ . قال : حدثنا إسماعيل ، عن عبد الله بن دينار ، أنه سمع ابن عمر رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه : « مِفْتَاحُ الغَيبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ الله ، لاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأرْحَامُ أَحَدٌ إلاَّ الله ، وَلاَ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أحَدٌ إلاَّ الله ، ولاَ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أحَدٌ إلاَّ الله ، ولاَ تَدْرِي نَفْسٌ بأَيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلاَّ الله ، ولاَ يَعْلَمُ أَحْدٌ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إلاَّ الله » .

(2/406)