صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51)
{ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم } يعني مسيرهم ومعناه أن خروجهم لما كان للشيطان ، زين لهم الشيطان أعمالهم وذلك أن أهل مكة لما وجدوا العير ، أرادوا الرجوع إلى مكة ، فأتاهم إبليس على صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني ، فقال لهم : لا ترجعوا حتى تستأصلوهم ، فإنكم كثير وعدوكم قليل . ثم قال : { وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس } ، يعني لا يطيقكم أحد لكثرتكم وقوتكم . (2/199)
{ فَلَمَّا تَرَاءتِ الفئتان } ، يعني اجتمع الجمعان ، جمع المؤمنين وجمع المشركين ، { نَكَصَ على عَقِبَيْهِ } ؛ أي راجعاً وراءه؛ فقال له الحارث بن هشام : أين ما ضمنت لنا؟ { وَقَالَ إِنّي بَرِىء مّنْكُمْ إِنّي أرى مَا لاَ تَرَوْنَ } . فقال له الحارث : وهل ترى إلا جعاشيش أهل يثرب؟ والجعاشيش جمع جعشوش ، وهو الرجل الحقير الدميم القصير . فقال : { إِنّي أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب } . قال ابن عباس : خاف إبليس أن يأخذه جبريل أسيراً ، فيعرفه الناس فيراه الكفار ، فيعرفونه بعد ذلك ، فلا يطيعونه؛ ولم يخف على نفسه الموت والقتل ، لأنه كان يعلم أن له بقاء إلى يوم ينفخ في الصور . قال إبليس : إني أرى ما لا ترون ، أي أرى جبريل معتجراً بردائه يقود الفرس ، فلما تولى قالوا هزم الناس سراقة . فسار سراقة بعد رجوعهم إلى مكة ، وقال : والله ما شعرت بمسيركم ، حتى بلغني هزيمتكم . فقالوا له : ألم تأتنا يوم كذا وكذا؟ فحلف أنه لم يحضر؛ فلما أسلموا ، علموا أنه كان إبليس .
وقال مقاتل : لم يجتمع جمع قط منذ كانت الدنيا أكثر من يوم بدر ، وذلك أن إبليس جاء بنفسه ، وحضرت الشياطين ، وحضر كفار الجن كلهم ، وتسعمائة وخمسون من المشركين ، وثلاثمائة وثلاثة عشر من المؤمنين ، وتسعون من مؤمني الجن ، وألف من الملائكة . وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه السورة ، كان يقول : طوبى لجيش كان قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومبارزهم أسد الله ، وجهادهم في طاعة الله ، ومددهم ملائكة الله ، وجارهم أمين الله ، وثوابهم رضوان الله .
قوله تعالى : { إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } ، يعني شكاً ونفاقاً . قال الحسن : هم قوم من المنافقين لم يشهدوا القتال يوم بدر ، فسموا منافقين؛ وقال الضحاك : نزلت في عبد الله بن أبيّ وأصحابه؛ ويقال : معناه إذ يقول المنافقون وهم الذين في قلوبهم مرض . قال ابن عباس : نزلت الآية في الذين أسلموا بمكة وتخلفوا عن الهجرة ، فأخرجهم أهل مكة إلى بدر كرهاً ، فلما رأوا قلة المؤمنين ارتابوا ونافقوا ، وقالوا لأهل مكة : { غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ } . وقاتلوا مع المشركين فقتل عامتهم .
يقول الله تعالى : { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله } ، يعني يثق بالله ولا يثق بغيره ، { فَإِنَّ الله عَزِيزٌ } بالنقمة ، { حَكِيمٌ } حكم بهزيمة المشركين .
فلما قتلوا ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم ، فنزل : { وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ } ، يعني ولو ترى ، يا محمد إذ يتوفى الذين كفروا ، يعني حين يقبض أرواح الذين كفروا { الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ } عند قبض أرواحهم ، { وأدبارهم } ، { ***و } يقول لهم الملائكة يوم القيامة : { وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } ؛ ولم يذكر الجواب ، لأن في الكلام دليلاً عليه ، ومعناه لو رأيت ذلك لرأيت أمراً عظيماً . قرأ ابن عامر { إِذْ } الذين بلفظ التأنيث ، وقرأ الباقون { الله يَتَوَفَّى } بلفظ التذكير . وروي عن ابن مسعود أنه كان يُذَكِّر الملائكة في جميع القرآن ، خلافاً للمشركين بقولهم : الملائكة بنات الله . (2/200)
ثم قال تعالى : { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } ، يعني ذلك العذاب بما قدمت أيديكم من الكفر والتكذيب وبترككم الإيمان . { وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } يقول لم يعذبهم بغير ذنب . ثم قال عز وجل :
كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)
{ كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ * وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ * فَأْتُواْ بِئَابَائِنَا إِن كُنتُمْ صادقين * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والذين مِن قَبْلِهِمْ } من الأمم الخالية . { كَفَرُواْ بئايات الله } ، يعني جحدوا بعذاب الله في الدنيا أنه غير نازل بهم ، { فَأَخَذَهُمُ الله } ؛ يعني عاقبهم وأهلكهم { بِذُنُوبِهِمْ } وشركهم . ثم قال : { إِنَّ الله قَوِىٌّ شَدِيدُ العقاب } ، يعني قوي في أخذه ، شديد العقاب لمن عصاه . (2/201)
قوله تعالى : { ذلك } العذاب الذي نزل بهم ، { بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } في الدين والنعم؛ فإذا غيّروا ، غيّر الله عليهم ما بهم من النعم؛ وهذا قول الكلبي . وروى أسباط ، عن السدي في قوله { لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ } قال : أنعم الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم على أهل مكة وكفروا به ، فنقله إلى الأنصار؛ ويقال : أطعمهم من جوع ، وأمنهم من خوف ، فلم يشكروا ، فجعل لهم مكان الأمن الخوف ، ومكان الرخاء الجوع . وهذا كقوله : { وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } [ النحل : 112 ] إلى قوله { وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } [ النحل : 112 ] وقال الضحاك : ما عذب الله قوماً قط وسلبهم النعم ، ولا فرق بينهم وبين العافية ، حتى كذبوا رسلهم؛ فلما فعلوا ذلك ألزمهم الذل وسلبهم العز ، فذلك قوله تعالى : { ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ثم قال : { وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } سميع لمقالتهم ، عليم بأفعالهم .
ثم قال { كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } في الهلاك . { والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيات رَبّهِمْ فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ } ، يعني بكفرهم ، { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ } ؛ يعني فرعون لادعائه الربوبية ، وآله لأنهم عبدوا غيري . { وَكُلٌّ كَانُواْ ظالمين } ، يعني مشركين . ومعناه كصنيع آل فرعون ، قد أعطاه الله تعالى الملك والعز في الدنيا ، ولم يغير عليه تلك النعمة ، حتى كذب بآيات الله ، فغيَّر الله عليه النعمة وأهلكه مع قومه
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)
{ إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ، يعني شر الناس . قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في بني قريظة ، كعب بن الأشرف وأصحابه ، لأنهم عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نقضوا العهد وأعانوا أهل مكة بالسلاح على قتال النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قالوا : نسينا وأخطأنا . فعاهدهم مرة أُخرى ، فنقضوا العهد؛ فذلك قوله تعالى : { وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ } نقض العهد . (2/202)
قوله تعالى : { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى الحرب } يقول : إن تظفر بهم في الحرب ، يعني في القتال ، ويقال : إن أدركتهم في القتال ، { فَشَرّدْ بِهِم } ؛ يقول نكّل بهم في العقوبة { مّنْ خَلْفِهِمْ } ، يعني ليتَّعِظْ بهم من بعدهم الذين بينك وبينهم عهد ، ويقال : افعل بهم فعلاً من العقوبة والتنكيل يفرق به من وراءهم من أعدائك . وقال أبو عبيدة : فشرد بهم إنها لغة لقريش ، سمع بهم ، أي خوِّف . والتشريد في كلامهم ، التشريد والتفريق . { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } ، يعني النكال فلا ينقضون العهد .
قوله تعالى : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } ، يعني وإن علمت من قوم نقض العهد؛ والخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء ، فلا يؤدي الأمانة . وسمي ناقض العهد خائناً ، لأنه اؤتمن بالعهد فغدر ونكث . { فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَاء } ، أي فأعلمهم بأنك قد نقضت العهد وأعلمهم بالحرب ، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء . وقال القتبي : إذا أردت أن تعرف فضل العربية على غيرها ، فانظر في الآية . وقد ترجموا سائر الكتب؛ ومن أراد أن يترجم القرآن إلى لغة أُخرى ، فلا يمكنه ذلك ، لأنك لو أردت أن تنقل قوله : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } لم تستطع بهذا اللفظ ، ما لم تبسط مجموعها وتظهر مستورها فتقول : إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد ، فخفت منهم خيانة ونقضاً ، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم وآذنهم بالحرب ، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء . ثم قال : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين } ، يعني الناقضين للعهد .
قوله تعالى : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ } ، يعني لا يظنن الذين كفروا من العرب وغيرهم من الذين جحدوا بوحدانية الله تعالى { سَبَقُواْ } ، يعني فاتوا بأعمالهم الخبيثة { إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } ، يقول لن يفوتوا الله تعالى حتى يعاقبهم ، ويقال : لا يجحدون الله تعالى عاجزاً عن عقوبتهم . قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم في رواية حفص : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ } بالياء على وجه المغايبة ونصب السين ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر { وَلاَ تَحْسَبَنَّ } بالتاء على وجه المخاطبة ونصب السين ، وقرأ الباقون على وجه المخاطبة وكسر السين ، وقرأ ابن عامر { أَنَّهُمْ } بالنصب على معنى البناء ، وقرأ الباقون بالكسر على معنى الابتداء . فمن قرأ بالنصب ، معناه لأنهم لا يعجزون ، يعني لا يفوتون . وقرأ بعضهم بكسر النون { لاَ يُعْجِزُونَ } يعني لا يعجزونني؛ وهي قراءة شاذة .
قوله تعالى :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)
{ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ } ، يعني السلاح . وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر : { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ } قال : « أَلاَ إنَّ القُوَّة الرَّمْيُ ، أَلا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ » ثلاثاً . وفي خبر آخر وزيادة : « لَهْوَ المُؤْمِنِ فِي الخَلاءِ وَقُوَّتُهُ عِنْدَ القِتَالِ » . وروي عن عكرمة قال : { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ } قال الحصون . { وَمِن رّبَاطِ الخيل } ، قال الإناث من الخيل . (2/203)
ثم قال : { تُرْهِبُونَ بِهِ } ، أي تخوفون بالسلاح { عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ } ، يعني تخوفون بالسلاح كفار العرب ، { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا } ، يعني بني قريظة . ثم قال : { لاَ تَعْلَمُونَهُمُ } ، يعني لا تعرفونهم . { الله يَعْلَمُهُمْ } ، يعرفهم ويعرفكم ، فأعدوا لهم أيضاً . وقال مقاتل : { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا } أي من دون كفار العرب ، يعني اليهود . وقال السدي : { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا } أهل فارس .
ثم قال { وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء فِى سَبِيلِ الله } ، يعني السلاح والخيل . { يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } ثوابه . { وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } ، أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً . ويقال : إن الجن لا تدخل بيتاً فيه قوس وسهام .
قوله تعالى : { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ } ، يقول إن أرادوا الصلح ومالوا إليه ، { فاجنح لَهَا } ؛ يعني مل إليها يعني صالحهم . قرأ عاصم في رواية أبي بكر { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ } بالكسر ، وقرأ الباقون بالنصب لِلسَّلْم . { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } ، يقول : ثق بالله وإن نقضوا العهد والصلح ، فإني أنصرك ولا أخذلك . { إِنَّهُ هُوَ السميع العليم } ، يعني سميع بمقالتهم ، عليم بنقض العهد .
قال الفقيه : إنما يجوز الصلح إذا لم يكن للمسلمين قوة القتال؛ فأما إذا كان للمسلمين قوة فلا ينبغي أن يصالحوهم ، وينبغي أن يقاتلوهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية إن لم يكونوا من العرب . وإنّما لم توضع الجزية على العرب وتوضع على غيرهم ، حتى لا تبقى بقية كفر في أنساب النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن العرب كلهم من نسبه ، ولا توضع حتى يسلموا أو يقتلوا . إنما أمر الله تعالى نبيه بالصلح ، حين كانت الغلبة للمشركين وكانت بالمسلمين قلة .
ثم قال { وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ } بالصلح ، يعني يهود بني قريظة أرادوا أن يصالحوك لتكف عنهم ، حتى إذا جاء مشركو العرب أعانوهم عليك ، قال الله تعالى : { فَإِنَّ حَسْبَكَ الله } ، يعني إن أرادوا إن يخدعوك ، فإن حسبك الله بالنصرة لك . { هُوَ الذى أَيَّدَكَ } ، أي أعانك وقواك { بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين } ، يعني الأنصار وهم قبيلتان : الأوس والخزرج .
قوله تعالى : { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } ، يعني ليّن قلوبهم من العداوة التي كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية . { لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الارض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } ، يعني ما قدرت أن تؤلف بينهم ، { ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } بالإسلام . { إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } حكم بالألفة بين الأنصار بعد العداوة ، وحكم بالنصر على أعدائه .
وروى أبو إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود قال : نزلت هذه الآية في المتحابين في الله { لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الارض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } وقال عبد الله : المؤمن متألف يألف ويؤلف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف . قوله تعالى :
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)
{ أَيُّهَا النبى حَسْبُكَ الله } يعني حسبك الله بالنصرة والعون لك ، { وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } . قال بعضهم : { مِنْ } في موضع رفع ، ومعناه وحسبك من اتبعك من المؤمنين وهم الأنصار؛ ويقال : يعني عمر بن الخطاب؛ ويقال : هذه الآية خاصة من هذه السورة نزلت بمكة ، حين أسلم عمر وكان المسلمون تسعة وثلاثين ، فلما أسلم عمر تمّ عددهم أربعون ، وظهر الإسلام بمكة بإسلام عمر؛ وقال بعضهم : من في موضع النصب ، يعني حسبك ومن اتبعك من المؤمنين؛ وقال الضحاك : ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله وهو ناصرهم في الدنيا والآخرة . (2/204)
ثم قال عز وجل : { المؤمنين ياأيها النبى حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال } ، يعني حثَّهم على قتال الكفار . { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون } ، يعني محتسبين في الجهاد ، { يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ الذين كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } أمر الله تعالى . وروى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ألفاً يوم بدر؛ جعل على كل رجل منهم قتال عشرة ، فرفعوا أصواتهم بالدعاء فضجوا ، فجعل على كل رجل قتال رجلين تخفيفاً من الله ، وهو قوله { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ } ؛ يعني هوَّن الله عليكم القتال الذي افترضه عليكم يوم بدر .
{ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } ؛ يعني عجزاً عن القتال . { فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ } ، يعني محتسبة صادقة ، { يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } من المشركين . { وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ } من المشركين { بِإِذُنِ الله } ، يعني بأمر الله تعالى وبنصرته . { والله مَعَ الصابرين } بالنصر لهم على عدوهم .
وقال مقاتل لم يكن فريضة ، ولكن كان تحريضاً ، فلم يطق المؤمنين ، فخفف الله عنهم بعد قتال بدر فنزل : { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ } وروى عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : فرض على المسلمين أن لا يفر رجل من عشرة ، ولا عشرة من مائة ، فجهد الناس وشقّ عليهم ، فنزلت هذه الآية الأُخْرَى : { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ } ففرض عليهم أن لا يفر رجل من رجلين ، ولا قوم من مثلهم؛ فنقص من النصرة بقدر ما نقص من العدد . وروى عطاء ، عن ابن عباس قال : من فرّ من رجلين فقد فرّ ، ومن فرّ من ثلاثة لم يفر . قال الفقيه : إذا لم يكن معه سلاح ومع الآخر سلاح ، جاز له أن يفر ، لأنه ليس بمقاتل . قوله تعالى :
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69)
{ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى } ؛ يقول : ما ينبغي وما يجوز لنبي أن يبيع الأسارى ، يقول : لا يقبل الفدية عن الأسارى ، ولكن السيف { حتى يُثْخِنَ فِي الارض } ، يعني حتى يغلب في الأرض على عدوه . قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر : { فَانٍ * تَكُنْ } كلاهما بالتاء بلفظ التأنيث ، لأن لفظ المائة جماعة العدد مؤنث؛ وقرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو الأولى خاصة بالياء والأُخرى بالتاء؛ وقرأ كلاهما بالتاء بلفظ التذكير ، لأن الفعل مقدم . وقرأ حمزة وعاصم { وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } بنصب الضاد وجزم العين؛ وقرأ الباقون بضم الضاد ومعناهما واحد ، ضَعْف وضِعْف ، وهما لغتان . وقرأ بعضهم { ضعافا } بضم الضاد ونصب العين ، وهي قراءة أبي جعفر المدني يعني عجزة . (2/205)
قوله تعالى : { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا } ، يعني أتريدون عرض الدنيا وهي الفداء؟ وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أسروا الأسارى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما : « ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسَارَى » قال أبو بكر : هم بنو العم والعشيرة ، أرى لهم أن تأخذ منهم الفدية فتكون لنا عدة على الكفار ، ولعل الله يهديهم الإسلام . وقال عمر : أرى أن تمكننا منهم ، فنضرب أعناقهم . فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما قال أبو بكر؛ قال عمر : فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت : يا رسول الله ، من أي شيء تبكي؟ فقال : « أبْكِي لِلَّذِي عُرِضَ عَلَيَّ لأَصْحَابِكَ مِنْ أخْذِهِمُ الفِدَاءَ » . فنزل { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى } وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ ما نَجَا مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُ عُمَرَ » . قرأ أبو عمرو { أَن تَكُونَ لَهُ *** أسرى } بلفظ التأنيث والباقون بلفظ التذكير ، لأن الفعل مقدم . ثم قال : { والله يُرِيدُ الاخرة } ، يعني عز الدين . { والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ } عزيز في ملكه حكيم في أمره .
قوله تعالى : { لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ } ، يقول : لولا أن الله أحلّ الغنائم لأمة محمد عليه السلام ، { لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ } ؛ يعني لأصابكم فيما أخذتم من الفداء { عَذَابٌ عظِيمٌ } ، ثم طيبها لهم وأحلها لهم ، فقال عز وجل : { فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حلالا طَيّباً } . وروى الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : لم تحل الغنيمة لقوم سود الرؤوس قبلكم ، كان تنزل نار من السماء فتأكلها ، حتى كان يوم بدر ، فرفعوا في الغنائم فأحلت لهم فأنزل الله تعالى : { لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ } وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
« أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَها أَحَدٌ قَبْلِي ، بُعِثْتُ إلى النَّاسِ كَافَّةً ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً ، وَجُعِلَتْ لِي شَفَاعَةٌ لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ » . وروى الضحاك في قوله تعالى : { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى } قال : إنه لما كان يوم بدر ووقعت الهزيمة على المشركين ، أسرع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخذ أسلاب المشركين ممن قتل منهم ، وأخذ الغنائم وفداء الأسرى وشغلوا أنفسهم بذلك عن القتال ، فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله ، ألا ترى إلى ما يصنع أصحابك؟ تركوا قتال العدو ، وأقبلوا على أسلابهم . وإني أخاف أن تعطف عليهم خيل من خيل المشركين فنزل : { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا } ، يعني أتطلبون الغنائم وتتركون القتال { والله يُرِيدُ الاخرة } ، يعني قهر المشركين وإظهار الإسلام ، { والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ *** لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ } ؛ لولا ما سبق في الكتاب ، يعني أن الغنائم تحلّ لهذه الأمة ، لأصابكم عذاب عظيم . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ ، مَا نَجَا أَحَدٌ غَيْرُ عُمَرَ لأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ القِتَالَ » . وروى مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ } قال : سبقت من الله الرحمة لهذه الأمة قبل أن يعملوا بالمعصية؛ وقال الحسن : سبقت المغفرة لأهل بدر . وعن الحسن أنه قال : { لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ } قال في الكتاب السابق من الله تعالى أن لا يعذب قوماً إلا بعد قيام الحجة عليهم . وقال سعيد بن جبير : لَوْلاَ ما سبق لأهل بدر من السعادة ، { لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ } من الفداء { عَذَابٌ عظِيمٌ } ، ويقال : { لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ } أن لا يعذب قوماً ، حتى يبين لهم ما يتقون . (2/206)
ثم قال { واتقوا الله } فيما أمركم به ولا تعصوه . { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، أي متجاوز ، يعني ذو تجارة فيما أخذتم من الغنيمة قبل حلها وحين إذ أحلها لكم .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70)
{ ياأيها النبى قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ الاسرى } ، قرأ أبو عمرو { مِنْ } بالضم وزيادة الألف ، وقرأ الباقون { مّنَ الاسرى } بالنصب بغير الألف . فمن قرأ الأسرى فهو جمع الأسرى ، يقال : أسير وأسرى مثل جريح وجرحى ، ومريض ومرضى ، وقتيل وقتلى؛ من قرأ الأسارى فهو جمع الجمع؛ ويقال هما لغتان بمعنى واحد . (2/207)
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وضع الفداء على كل إنسان من الأسارى أربعين أوقية من الذهب ، فكان مع العباس عشرون أوقية من ذهب ، فأخذها منه ولم يحسبها من فدائه؛ وكان قد خرج بها معه ليطعم بها أهل بدر من المشركين ، لأنه أحد الثلاثة عشر الذين ضمنوا إطعام أهل بدر؛ وقد جاءت توبته فأراد أن يطعمهم ، فاقتتلوا يومئذ فلم يطعمهم ، حتى أخذ وأخذ ما معه؛ فكلَّم العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل العشرين أوقية من فدائه ، فأبى عليه وقال : « هذا شَيْءٌ خَرَجْتَ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلَيْنَا فَلا نَتْرُكُهُ لَكَ » فوضع عليه فداءه وفدى ابن أخيه عقيل ، فقال العباس : تترك عمك يسأل الناس بكفه؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي أعْطَيْتَ لأمِّ الفَضْلِ ، وَقُلْتَ لَهَا كَيْتَ وَكَيْتَ » فقال له : من أعلمك بهذا يا ابن أخي؟ قال : « الله أخْبَرَنِي » . فأسلم العباس وأمر ابن أخيه أن يسلم فنزل : { قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ الاسرى } يعني العباس وابن أخيه .
{ إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً } ، يعني معرفة وصدقاً وإيماناً ، كقوله : { وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ الله وَلاَ أَعْلَمُ الغيب وَلاَ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تزدرى أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ إنى إِذًا لَّمِنَ الظالمين } [ هود : 31 ] أي إيماناً . { يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } ، يعني يعطيكم في الدنيا أفضل مما أخذ منكم من الفداء ، { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ذنوبكم . { والله غَفُورٌ } لما كان منكم في الشرك ، { رَّحِيمٌ } بكم في الإسلام . روى سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال قال : بعث العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البحرين بثمانين ألفاً ، ما أتاه من مال أكثر منه لا قبل ولا بعد قال فنثرت على حصير ونودي بالصلاة ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمثل على المال قائماً؛ وجاء أهل المسجد ، فما كان يومئذ عدد ولا وزن ما كان إلا فيضاً . قال : فجاء العباس فقال : يا رسول الله ، أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر ، ولم يكن لعقيل مال ، فأعطني من هذا المال . قال : « خُذْ مِنْ هذا المَالِ » .
قال : فجثا في خميصته وهب فأراد أن يقوم فلم يستطع ، فرفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، ارفع عَلَيَّ . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « أعِدْ مِنَ المَالِ طَائِفَةً وَقُمْ بِمَا تُطِيقُ » . قال : ففعل فجعل العباس يقول وهو منطلق : أما إحدى اللتين وعدنا الله تعالى فقد أنجزها ، فلا ندري ما يصنع في الأُخرى وهو قوله : { يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } . وعن أبي صالح أنه قال : رأيت للعباس بن عبد المطلب عشرين عبداً ، كل واحد منهم يتجر بعشرة آلاف قال العباس : أنجزني الله أحد الوعدين ، فأرجو أن ينجز الوعد الثاني . ويقال : { يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } يعني الجنة . قوله تعالى : (2/208)
وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)
{ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ } ، يعني خلافك ويميلوا إلى الكفر بعد الإسلام ، { فَقَدْ *** خَافُواْ * الله مِن قَبْلُ } ؛ يعني عصوا الله وكفروا من قبل . { فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } ، يعني فأمكنك منهم وأظهرك عليهم يوم بدر ، حتى قهرتهم وأسرتهم . { والله عَلِيمٌ } بخلقه ، { حَكِيمٌ } حيث أمكنك منهم ، يعني إن خانوك أمكنتك منهم ، لتفعل بهم مثل ما فعلت من قبل . (2/209)
قوله تعالى : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ } ، يعني صدقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، { وَهَاجَرُواْ } من مكة إلى المدينة ، { وجاهدوا } العدو { بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله } ، يعني في طاعته وفيما فيه رضاه . ثم ذكر الأنصار فقال : { والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ } ، يعني أووا ونصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين ، يعني أنزلوهم وأسكنوهم ديارهم ونصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبق . { أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } ، يعني في الميراث وفي الولاية ليرغبهم في الهجرة وكانت الهجرة فريضة في ذلك الوقت .
ثم قال : { والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ } إلى المدينة . { مَا لَكُم مّن ولايتهم مّن شَىْء } في الميراث . قرأ حمزة { ولايتهم } بكسر الواو ، وقرأ الباقون { ولايتهم } بالنصب ، يعني النصرة ، ومن قرأ بالكسر فهو من الإمارة والسلطان . ثم قال { حتى يُهَاجِرُواْ } ، يعني إلى المدينة . يا رسول الله ، هل نعينهم إذا استعانوا بنا؟ يعني الذين آمنوا ولم يهاجروا فنزل : { وَإِنِ استنصروكم فِى الدين } ، يعني استعانوا بكم على المشركين فانصروهم ، { فَعَلَيْكُمُ النصر } على من قاتلهم ، { إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ } ؛ يعني إلا أن يقاتلوا قوماً بينكم وبينهم عهد ، فلا تنصروهم عليهم وأصلحوا بينهم . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } في العون والنصرة . قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)
{ والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } ، يعني في الميراث يرث بعضهم من بعض . { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } ، يعني إن لم تفعلوا ، يعني ولاية المؤمنين للمؤمنين والكافرين للكافرين ، { تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الارض } ؛ يعني بلية { وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } ، يعني سفك الدماء ، فافعلوا ما أمرتم واعرفوا أن الولاية في الدين . وقال الضحاك : { والذين كَفَرُواْ } يعني كفار مكة وكفار ثقيف { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } ، يعني إن لم تطيعوا الله في قتل الفريقين ، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . وقال مقاتل وفي الآية تقديم وتأخير ، ومعناه وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ، { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } يعني إن لم تنصروهم على غير أهل عهدكم من المشركين ، { تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الارض } يعني كفر وفساد كبير في الأرض . (2/210)
ثم قال : { والذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين ءاوَواْ } ، يعني أنزلوا وأوطنوا ديارهم المهاجرين ، { وَّنَصَرُواْ } النبي صلى الله عليه وسلم . وإنما سُمِّي المهاجرون مهاجرين ، لأنهم هجروا قومهم وديارهم . { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } ، يعني صدقاً . { لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } ، يعني ثواب حسن في الجنة .
ثم قال تعالى : { والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ } ، يعني من بعد المهاجرين ، { وَهَاجَرُواْ } ؛ يعني من بعد المهاجرين ، { وجاهدوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ } ؛ يعني على دينكم . { وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } ، يعني في الميراث من المهاجرين والأنصار .
وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : كان المسلمون يتوارثون بالهجرة وبالمؤاخاة التي آخى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا يتوارثون بالإسلام وبالهجرة؛ وكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرثه أخاه ، فنسخ بقوله : { وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } وروى الحسن بن صالح ، عن ابن عباس أنه قال : هيهات هيهات ، أين ذهب عبد الله بن مسعود؟ إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الأعراب فنزل { أُوْلُو *** الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } ثم قال : { فِى كتاب الله } ، يعني في حكم الله ، كقوله تعالى : { كَتَبَ الله لاّغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلى إِنَّ الله قَوِىٌّ عَزِيزٌ } [ المجادلة : 21 ] يعني حكم الله تعالى . ويقال : { فِى كتاب الله } أي مبين في القرآن ، ويقال : { فِى كتاب الله } يعني في اللوح المحفوظ . { أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } من قسمة المواريث وبما فرض عليكم من المواريث؛ والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2)
{ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } ، أي تبرؤ من الله ورسوله إلى من كان له عهد من المشركين من ذلك العهد؛ ويقال : براءة أي قطع من الله ورسوله إلى من كان له عهد من المشركين من ذلك العهد؛ ويقال : معناه هذه الآية براءة من الله ورسوله؛ ويقال : هذه السورة { بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } { إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين } . وقال ابن عباس : البراءء نقض العهد إلى الذين عاهدتم من المشركين؛ يقول : من كان بينه وبين رسول الله عهد ، فقد نقضه؛ وذلك أن المشركين نقضوا عهودهم قبل الأجل ، وأمر الله تعالى نبيه فيمن كان له عهد أربعة أشهر ، أن يقره إلى أن يمضي أربعة أشهر ، ومن كان عهده أكثر من ذلك أن يحطه إلى أربعة أشهر . (2/211)
وروى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها ، فأراد الحج ، ثم قال : إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة ، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك . فأرسل أبا بكر وعلياً ، فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يجتمعون بها ، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرام ، ثم لا عهد لهم؛ فذلك قوله تعالى : { فَسِيحُواْ فِى الارض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } ، يعني فسيروا في الأرض أربعة أشهر آمنين غير خائفين ، { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } ؛ يعني غير سابقي الله بأعمالكم ، وغير فائتين بعد الأربعة الأشهر . ومعناه إنكم وإن أجلتم هذه الأربعة الأشهر ، فلن تفوتوا الله . { وَأَنَّ الله } يعني واعلموا أن الله { مِنَ الكافرين } ، يعني مذل الكافرين . ويقال : معذب الكافرين في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار . ثم قال عز وجل :
وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)
{ وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } ، يعني : إعلام من الله ورسوله . عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : كنت مع عليّ بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة ، فقيل له : ما كنتم تنادون؟ قال : كنا ننادي إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، ولا يطوف بالبيت عريان؛ ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله إلى أربعة أشهر ، فإذا مضت الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله ، ولا يحج بعد العام مشرك . (2/212)
ويقال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر ومعه عشر آيات ، وأمره أن يقرأها على أهل مكة؛ ثم بعث عليّاً وأمره أن يقرأ هذه الآيات ويقال : إنما أمر علياً بالقرآن ، لأن أبا بكر كان خفيض الصوت وكان عليّ جهوري الصوت ، فأراد أن يقرأ عليّ حتى يسمعوا جميعاً فذلك قوله تعالى : { وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } .
{ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الاكبر } . وروى الأعمش ، عن عبد الله بن أبي سنان قال : خطبنا المغيرة بن شعبة يوم النحر ، فقال : هذا يوم النحر وهذا يوم الحج الأكبر؛ وقال الحسن : إنما سمي الحج الأكبر ، لأنه حج أبو بكر فاجتمع فيها المسلمون والمشركون ، ووافق أيضاً عيد اليهود والنصارى فلذلك سمي الحج الأكبر ، لاجتماع المسلمين والمشركين في ذلك اليوم .
وروي عن عليّ رضي الله عنه قال : «الحج الأكبر يوم النحر . وروي عن محمد بن قيس بن مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الحَجُّ الأَكْبَرُ يَوْمُ عَرَفَةَ " وإنما سمي يوم عرفة يوم الحج الأكبر ، لأنه يوقف بعرفة . ويقال : الحج الأكبر هو الحج ، والحج الأصغر هو العمرة . كما قال ابن عباس رضي الله عنهما : العمرة هي الحجة الصغرى؛ وقال ابن أبي أوفى : الحج الأكبر يوم إهراق الدماء وحلق الشعر وهو يوم النحر .
{ أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ } ، يعني : ورسوله أيضاً بريء من المشركين . وقرأ بعضهم { وَرَسُولُهُ } بنصب اللام ومعناه أن رسوله بريء من المشركين؛ وهي قراءة شاذة . ثم قال : { فَإِن تُبْتُمْ } ، يعني : رجعتم من الكفر ، { فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } من الإقامة عليه . { وَإِن تَوَلَّيْتُمْ } ، يعني : أبيتم الإسلام وأقمتم على الكفر وعبادة الأوثان ، { فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الله } ؛ يعني : لن تفوتوا من عذابه .
ثم قال : { وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ؛ وهو القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة إلى الأبد في النار ، ثم استثنى الذين لم ينقضوا العهد فقال : { إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين } ، وهم بنو كنانة وبنو ضمرة؛ { ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } من عهودكم ، { وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً } ؛ يقول : ولم يعاونوا عليكم أحداً { فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ } ، يعني : إلى إتمام أجلهم . { إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } الذين يتقون نقض العهد . قوله تعالى :
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)
{ فَإِذَا انسلخ الاشهر الحرم } ؛ يقول : إذا مضى الأشهر التي جعلتها أجلهم ، { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } في الحل والحرم ، يعني : المشركين الذين لا عهد لهم بعد ذلك الأجل . ويقال : إن هذه الآية { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } نسخت سبعين آية في القرآن من الصلح والعهد والكف ، مثل قوله { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } [ الأنعام : 66 ] وقوله : { لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ } [ الغاشية : 22 ] ، وقوله : { أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } [ النساء : 63 ] ، وقوله : { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } [ الكافرون : 6 ] ؛ وما سوى ذلك من الآيات التي نحو هذا صارت كلها منسوخة بهذه الآية . (2/213)
ثم قال : { وَخُذُوهُمْ } ، يعني : ائسروهم وشدوهم بالوثاق ، { واحصروهم } ؛ يعني : إن لم تظفروا بهم ، فاحصروهم في الحصن والحصان . قال الكلبي : يعني : واحبسوهم عن البيت الحرام أن يدخلوه؛ وقال مقاتل : واحصروهم يعني : التمسوهم ، { واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } ، يعني : ارصدوا لهم بكل طريق؛ وقال الأخفش : يعني : اقصدوا لهم على كل مرصد ، وكلمة «على» محذوفة من الكلام ، ومعناه واقعدوا لهم على كل طريق يأخذون .
{ فَإِن تَابُواْ } من الشرك { والذين يُمَسّكُونَ } ، يعني : وأقرّوا بالصلاة . { وَإِذْ أَخَذْنَا } ، يعني : وأقروا بالزكاة المفروضة . { فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } ، يعني : اتركوهم ولا تقتلوهم . { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، يعني : غفور لما كان من الذنوب في الشرك ، رحيم بهم بعد الإسلام .
فقال رجل من المشركين : يا عليّ ، إن أراد رجل منا بعد انقضاء الأجل أن يأتي لمحمد ويسمع كلامه ، أو يأتيه لحاجة أيقتل؟ فقال عليّ : لا . يقول الله تعالى : { وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك } ، يعني : استأمنك . ويقال : فيه تقديم ، ومعناه وإن استجارك أحد من المشركين ، يقول : إن طلب أحد من المشركين منكم الأمان ، { فَأَجِرْهُ } ، أي فأمنه ، { حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله } ؛ يعني : اعرض عليه القرآن حتى يسمع قراءتك كلام الله تعالى ، فإن أبى أن يسلم { ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } ؛ يقول : فرده إلى مأمنه من حيث أتاك . { ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } ، يعني : أمرتك بذلك ، لأنهم قوم لا يعلمون حكم الله تعالى . وفي الآية دليل أن حربياً لو دخل دار الإسلام على وجه الأمان ، يكون آمناً ما لم يرجع إلى مأمنه .
ثم قال على وجه التعجب : { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله * وَرَسُولُهُ } ؛ ويقال : على وجه التوبيخ ، يعني : لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله . ثم استثنى فقال : { إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام } ، يعني : بني كنانة وبني ضمرة ، وهم لم ينقضوا العهد فأمر الله بإتمام عهدهم . ويقال هم بنو خزاعة وبنو مدلج وبنو خزيمة . { فَمَا استقاموا لَكُمْ } على وفاء العهد ، { فاستقيموا لَهُمْ } بالوفاء على التمام . { إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } الذين يتقون ربهم ويمتنعون عن نقض العهد . قوله تعالى :
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14)
{ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } ؛ يقول : كيف تقاتلوهم . ويقال : كيف يكون لهم عهد ، وقد سبق في الكلام ما يدل على هذا الإضمار { وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } يقول : يغلبوا عليكم ويظفروا بكم . { لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } ، يعني : لا يحفظوا فيكم قرابة ولا عهداً . وقال سعيد بن جبير : الإل هو الله . وقال ابن عباس : الإل القرابة والذمة العهد . وقال مجاهد : لا يرقبون الله ولا عهداً . وعن الضحاك أنه قال : الإل القرابة والذمة العهد . { يُرْضُونَكُم بأفواههم } ، يعني : بألسنتهم مثل قول المنافقين . { على قُلُوبِهِمْ } ، يعني : وتنكر قلوبهم يقولون قولاً بغير حقيقة . { وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون } ، يعني : عاصون بنقض العهد . (2/214)
قوله تعالى : { اشتروا بئايات الله ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ } ؛ قال مقاتل : باعوا الإيمان بعرض من الدنيا قليل؛ وذلك أن أبا سفيان كان يعطي الناقة والطعام والشيء ، ليصد بذلك الناس عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الكلبي : { اشتروا بئايات الله ثَمَنًا } ؛ يقول : كتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم بشيء من المآكلة ، يأخذونه من السفلة . { إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ، يعني : بئسما كانوا يعملون بصدهم الناس عن دين الله .
قوله تعالى : { لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } ، يعني : لا يحفظون في المؤمنين قرابة ولا عهداً . { وَأُوْلَئِكَ هُمُ المعتدون } بنقض العهد وترك أمر الله تعالى . قوله تعالى : { فَإِن تَابُواْ } من الشرك . { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة } ؛ يعني : أقروا بهما؛ { فَإِخوَانُكُمْ فِى الدين } ، يعني : هم مؤمنون مثلكم . { وَنُفَصّلُ الايات } ، يعني : بيَّن العلامات { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أنه من الله تعالى .
قوله تعالى : { وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم } ؛ يقول : وإن نقضوا عهودهم { مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ } ؛ يقول من بعد أجله ، { وَطَعَنُواْ } ؛ يقول : وعابوا { فِى دِينِكُمْ } الإسلام ، { فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر } ؛ يعني : قادة أهل الكفر ورؤساؤهم . { إِنَّهُمْ لا أيمان لَهُمْ } . قرأ ابن عامر لا { أيمان } بالكسر ، وهي قراءة الحسن البصري أي لا إسلام لهم ، والباقون بالنصب يعني : : لا قرار لهم . قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر أية بهمزة واحدة والباقون بهمزتين . ثم قال : { لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } ، يعني : لعلهم ينتهون عن نقض العهد .
ثم حثّ المؤمنين على قتال كفار قريش ، وذلك قبل فتح مكة فقال عز وجل : { أَلاَ تقاتلون قَوْماً نَّكَثُواْ أيمانهم } ؛ يقول : نقضوا عهودهم من قبل أجلها . { وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول } ؛ يقول : هموا بقتال الرسول صلى الله عليه وسلم ، { وَهُمْ *** بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } بنقض العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة . { أَتَخْشَوْنَهُمْ } لا تقاتلوهم؟ { فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } في ترك أمره ، { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ؛ يعني : إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى .
ثم وعد لهم النصرة ، فقال تعالى : { قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ } ، يعني : بالقتل والهزيمة ، { وَيُخْزِهِمْ } ؛ يعني : ويذلهم بالهزيمة ، { وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ } ؛ يعني : على قريش ، { وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } ؛ يعني : ويفرح قلوب بني خزاعة . وفي الآية دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن الله تعالى قد وعد المؤمنين على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب الكفار بأيديهم ويخزهم وينصركم ، فأنجز وعده ولم يظهر خلاف ما وعد لهم . (2/215)
قال الفقيه : حدثنا أبي قال : حدثنا أحمد بن يحيى السمرقندي قال : حدثنا محمد بن الحسن الجوباري قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن عكرمة قال : لما واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة ، وقد كانت بنو خزاعة حُلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية ، وكانت بنو بكر حلفاء قريش؛ فدخلت بنو خزاعة في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخلت بنو بكر في صلح قريش؛ ثم كان بين بني بكر وبين بني خزاعة فقال : فأمدت قريش بني بكر بسلاح وطعام وظلوا عليهم؛ ثم إن قريشاً خافوا أن يكونوا قد نقضوا العهد وغدروا ، فقالوا لأبي سفيان : اذهب إلى محمد وجدد العهد ، فليس في قوم أطعموا قوماً ما يكون فيه نقض العهد ، يعني : الذي أطعم الطعام لا ينقض عليه العهد .
فانطلق أبو سفيان في ذلك ، فلما قصد أبو سفيان المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قَدْ جَاءَكُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَسَيَرْجِعُ رَاضِياً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ » . فلما قدم أبو سفيان المدينة ، أتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر ، جدد الحلف وأصلح بين الناس؛ فقال له أبو بكر : الأمر إلى الله وإلى رسوله . ثم أتى عمر فقال له نحو ما قال لأبي بكر ، فقال له عمر : نقضتم؟ فما كان منه جديداً فأبلاه الله ، وما كان منه متيناً أو شديداً فقطعه الله تعالى . فقال له أبو سفيان : ما رأيت كاليوم شاهد عشيرة مثلك ، يعني : شاهداً على هلاك قومه .
ثم أتى فاطمة رضي الله عنها فقال لها : يا فاطمة ، هل لك في أمر تسودين فيه نساء قريش؟ ثم قال لها نحو ما قال لأبي بكر وعمر ، فقالت : الأمر إلى الله وإلى رسوله . ثم أتى علياً فذكر له نحواً من ذلك ، فقال له عليّ : ما رأيت كاليوم رجلاً أضل منك أنت سيد الناس ، فجدِّد وأصلح بين الناس .
فضرب أبو سفيان يمينه على يساره وقال : أجرت الناس بعضهم من بعض ثم رجع إلى قومه ، فأخبرهم بما صنع فقالوا : ما رأينا كاليوم وافد قوم ، والله يا أبا سفيان ما جئنا بصلح فنأمن ولا بحرب؛ فقدم وافد بني خزاعة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبره بما صنع القوم ودعاه إلى النصرة ، فقال في ذلك شعراً :
اللَّهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا ... حلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا (2/216)
إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا ميثَاقَكَ المُؤَكَّدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا ... وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدا
وَهُمْ أَتُونَا بِالوَتِينِ هجدَا ... نَتْلُو الكِتَابَ رُكَّعاً وَسُجَّدَا
ثَمَّةَ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزعْ بُدَّا ... فَانْصُرْ رَسُولَ الله نَصْراً أَعْتَدَا
وَابْعَثْ جُنُودَ الله تَأْتِي مَدَدَا ... فِيهِمْ رَسُولُ الله قَدْ تَجَرَّدَا
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل وروي في خبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « والله ، لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً » . وقال : « والله لا نُصِرْتُ ، إِنْ لَمْ أَنْصُرْكُمْ » . فخرج إلى مكة ومعه عشرة آلاف رجل ، ثم رجعنا إلى حديث عكرمة قال : فتجهزوا . وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ، حتى نزلوا برمال الظهران ، فخرج أبو سفيان من مكة ، فرأى النيران والعسكر فقال : ما هذه؟ فقيل : هؤلاء بنو تميم . فقال : والله هؤلاء أكثر من أهل منًى . فلما علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تنكَّر وأقبل يقول : دلوني على العباس؛ فأتاه فانطلق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أدخله عليه ، فقال له : رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يَا أَبَا سُفْيَانَ ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ » . فقال : كيف أصنع بالَّلات والعزى؟
قال حماد بن زيد : حدثني أبو الخليل ، عن سعيد بن جبير أن عمر رضي الله عنه قال وهو خارج من القبة ، وفي عنقه السيف : أخر عليهما؛ أما والله لو كنت خارجاً عن القبة ما سألت عنهما أبداً ، قال : من هذا؟ فقالوا : عمر بن الخطاب . فأسلم أبو سفيان ، فانطلق به العباس إلى منزله؛ فلما أصبح ، رأى الناس قد تحركوا للوضوء والصلاة ، فقال أبو سفيان للعباس : يا أبا الفضل أو أمروا فيَّ بشيء؟ قال : لا ، ولكنهم قاموا إلى الصلاة فتوضأ . ثم انطلق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة قاموا ، فلما كبر كبروا ، فلما ركع ركعوا ، فلما سجد سجدوا . فقال أبو سفيان : يا أبا الفضل ، ما رأيت كاليوم طاعة قوم ، لا فارس الأكارم ، ولا الروم ذات القرون .
قال حماد بن زيد ، فزعم يزيد بن حازم ، عن عكرمة أنه قال : يا أبا الفضل ، أصبح ابن أخيك عظيم الملك ، فقال له العباس : إنه ليس بملك ولكنه نبوة . قال : هو ذاك . وقال حماد : قال أيوب ثم قال : واصباح قريش وقال العباس : يا رسول الله ، لو أذنت لي فأتيتهم ودعوتهم ، وأمنتهم وجعلت لأبي سفيان شيئاً يذكر به . قال : « فَافْعَلْ » فركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل مكة فنادى : يا أهل مكة أسلموا تسلموا ، فقد استبطأتم بأشهب باذل؛ قد جاءكم الزبير من أعلى مكة ، وجاء خالد من أسفل مكة . وخالد وما خالد والزبير وما الزبير . ثم قال : من أسلم فهو آمن ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهر عليهم ، فآمن الناس جميعاً إلا بني بكر من خزاعة ، فقاتلتهم خزاعة إلى نصف النهار ، فأنزل الله تعالى : { قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } وهم خزاعة .
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)
{ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } يعني : حقد قلوب خزاعة وروى مصعب بن سعد ، عن أبيه قال : لما كان يوم فتح مكة ، آمن الناس إلا ستة ، ونفر عكرمة بن أبي جهل ، وعبد الله بن أخطل ، ومقيس بن ضبابة ، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح ، وامرأتين فقال : اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة . (2/217)
وروى عبد الله بن رباح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار إلى مكة ، ذكر إلى أن قال : دخل صناديد قريش من المشركين إلى الكعبة ، وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم ، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت فصلى ركعتين ، ثم أتى الكعبة ، فأخذ بعضادتي الباب فقال : « ما تَقُولُونَ وَمَا تَظُنُّونَ؟ » نقول أخ كريم ، وابن عم حليم رحيم . قال : أقول كما قال يوسف : « { لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ } » . قال : فخرجوا كأنما نشروا من القبور ودخلوا في الإسلام؛ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يلي الصفا ، فخطب والأنصار أسفل منه ، فقالت الأنصار بعضهم لبعض : أما إن الرجل أخذته الرأفة بقومه ، وأدركته الرغبة في قرابته . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أَقُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ وَالله إِنِّي رَسُولُ الله حَقّاً . إِنَّ المَحْيَا لَمَحْيَاكُمْ ، وَإِنَّ المَمَاتَ لَمَمَاتُكُمْ » . فقالوا : يا رسول الله قلنا مخافة أن تفارقنا ضناً بك . قال : « أَنْتُمْ الصَّادِقُونَ عِنْدَ الله وَعِنْدَ رَسُولِهِ » . قال الله تعالى : { وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَاء } ، يعني : من أهل مكة يهديهم الله لدينه . { والله عَلِيمٌ } بمن يؤمن من خلقه ، { حَكِيمٌ } في أمره . قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ } ؛ وذلك أنه لما أمرهم الله تعالى بالقتال ، شق ذلك على بعض المؤمنين ، فنزل قوله : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ } ، يعني : أظننتم أن تتركوا على الإيمان أيها المؤمنون ، ولا تبتلوا بالقتال ولا تؤمروا به . { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ } ، يعني : لم يميز الذين جاهدوا منكم من الذين لم يجاهدوا . وقد كان يعلم الله تعالى ذلك منهم قبل أن يجاهدوا وقبل أن يخلقهم ، ولكن كان علمه علم الغيب ، ولا يستوجبون الجنة والثواب بذلك العلم؛ وإنما يستوجبون الثواب والعقاب بما يظهر منهم من الجهاد . ويقال : معناه أظننتم أن تدخلوا الجنة بغير جهاد وبغير تعب النفس ، وهكذا قال في آية أُخرى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ }
[ البقرة : 214 ] . وكما قال في رواية أُخرى : { أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [ العنكبوت : 2 ] الآية . (2/218)
ثم قال { وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ } ، يعني : لم يتخذوا من دون الله تعالى ولا رسوله ، يعني : ولا من دون رسوله ، { وَلاَ المؤمنين } ، يعني : ويميز الذين لا يتخذون ولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين يميِّزهم من غيرهم ، { وَلِيجَةً } ؛ يعني : بطانة من غير أهل دينه ، يفشي إليه سره . وقال الزجاج : الوليجة البطانة ، وهي مأخوذة من ولج الشيء إذا دخل ، يعني : ولم يتخذوا بينهم وبين أهل الكفر خُلَّةً ومودة . ويقال : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ، حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد الخروج إليهم ، وأراد بذلك مودة أهل مكة ، وفيه نزلت : { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الحق يُخْرِجُونَ الرسول وإياكم أَن تُؤْمِنُواْ بالله رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وابتغآء مَرْضَاتِى تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل } [ الممتحنة : 1 ] الآية . ثم قال تعالى : { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ، يعني : من الخير والشر والجهاد والتخلف ومودة أهل الكفر . قوله تعالى :
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)
{ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَهِدِينَ } ، قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي { مساجد } بلفظ الجماعة ، وكذلك الثاني يعني : جميع المساجد؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأول { مساجد } بغير ألف والثاني بألف . وروي عن ابن كثير كلاهما بغير ألف ، يعني : المسجد الحرام . ومن قرأ مساجد أيضاً ، يجوز أن يحمل على المسجد الحرام ، لأنه يذكر المساجد ويراد به مسجد واحد . كما قال : { ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [ المؤمنون : 51 ] ، يعني به النبي صلى الله عليه وسلم . ثم قال تعالى : { شَهِدِينَ على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } ، يعني : ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر يعني : لا ثواب لهم بغير إيمان . (2/219)
{ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم } ، يعني : بطل ثواب أعمالهم ، ويقال : { شَهِدِينَ على أَنفُسِهِم } يعني : كلامهم يشهد عليهم بالكفر . { وَفِى النار هُمْ خالدون } ، يعني : يكونون في النار هم خالدين؛ ويقال شاهدين عليهم يوم القيامة ، فلا ينفعهم عمارة المسجد بغير إيمان . وروى أسباط ، عن السدي في قوله : { شَهِدِينَ على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } أنه قال : يسأل النصراني ما أنت؟ فيقول : نصراني . ويسأل اليهودي ما أنت؟ فيقول : يهودي . ويسأل المشرك ما أنت؟ فيقول : مشرك . فذلك قوله تعالى { شَهِدِينَ على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } .
ويقال : هذه الآية نزلت في شأن العباس حين أُسِر يوم بدر ، فأقبل عليه نفر من المهاجرين وعيّروه بقتال النبي صلى الله عليه وسلم وبقطيعة الرحم ، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟ فقال له عليُّ : فهل لكم من المحاسن شيء؟ فقال : نعم ، إنا نعمر المسجد الحرام ، ونحج الكعبة ، ونسقي الحاج ، ونفك العاني ، ونفادي الأسير ، ونؤمن الخائف ، ونقري الضيف؛ فنزل { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ } إلى قوله : { أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم وَفِى النار هُمْ خالدون } .
قوله تعالى : { إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءامَنَ بالله } ، يعني : صدق بوحدانية الله تعالى . { واليوم الاخر } ، يعني : آمن بالبعث بعد الموت ، لأن عمارة المسجد بإقامة الجماعات؛ وهم كانوا لا يقيمون الصلاة ، فلم يكن ذلك عمارة المسجد . فذلك قوله : { لَّيْسَ البر } ، يعني : يداوم على الصلوات الخمس ، ويقيمها بركوعها وسجودها في مواقيتها ، { لَّيْسَ البر } المفروضة ، { وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله } ؛ يعني : ولم يوحد إلا الله ولم يعبد غيره { فعسى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين } ، يعني : أُولئك هم المهتدون لدينه ، ولهم ثواب أعمالهم . قوله تعالى :
أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)
{ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ ءامَنَ بالله واليوم الاخر وجاهد فِى سَبِيلِ الله } ، يعني : كإيمان من آمن بالله وجاهد . وقال القتبي : أجعلتم سقاية الحاج ، يعني : صاحب سقاية الحاج ، كمن آمن بالله؟ ويقال : أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله؟ كما قال في آية أُخرى : { الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ وصلوات ومساجد يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ } [ الحج : 40 ] والصلوات لا تهدم؛ وإنما أراد به بيوت الصلوات ، كما قال { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ أهلكناهم فَلاَ ناصر لَهُمْ } [ محمد : 13 ] ، يعني : أهل قريتك . كذلك هاهنا سقاية الحاج ، أراد به صاحب السقاية . قرأ بعضهم { بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ المسجد الحرام } يعني : جمع الساقي والعامر ، وهي قراءة شاذة ثم قال : { لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله } ، يعني : لا يستوون عند الله في الثواب والعمل عند الله . { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } ، يعني : لا يرشد المشركين إلى الحجة ، ويقال : لا يكرمهم بالمعرفة ، ما لم يتركوا كفرهم . كما قال في آية أُخرى : { والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين } [ العنكبوت : 69 ] . (2/220)
قوله تعالى : { الذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ } ، يعني : صدقوا بوحدانية الله ، يعني : وهاجروا إلى المدينة . { وجاهدوا فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله } ، يعني : هؤلاء أفضل عند الله ، وأفضل درجة في الجنة من الذين لم يهاجروا ، ولم يؤمنوا ، ولم يعمروا المسجد الحرام ، ولم يسقوا الحاج . { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفائزون } ، يعني : الناجون من النار .
قوله تعالى : { يُبَشّرُهُمْ } ، يعني : يفرحهم { رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ } ، يعني : بالجنة منه ، { وَرِضْوَانٍ } ؛ يعني : رضي الله تعالى عنهم؛ كما قال في آية أُخرى : { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانوا ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إخوانهم أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أولئك كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا رَضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أولئك حِزْبُ الله أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون } [ المجادلة : 22 ] بالثواب الذي أعطاهم . وقال : { وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } ، يعني : دائماً لا ينقطع عنهم . { خالدين فِيهَا } ، يعني : مقيمين دائمين في الجنات { أَبَدًا } ، هو تأكيد للخلود . { إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } ، وهي الجنة .
قوله تعالى : { عَظِيمٌ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءابَاءكُمْ وإخوانكم أَوْلِيَاء } ، يعني : لا تتخذوا الذين بمكة أولياء . قال مقاتل : نزلت الآية في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة ، فنهاهم الله تعالى عن ولايتهم . وقال في رواية الكلبي : لما أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة ، فجعل الرجل يقول لامرأته ولأخيه : إنا قد أمرنا بالهجرة . فتخرج معه ، ومنهم من تعلقت به زوجته وعياله ، فيقولون له : تدعنا لمن حتى نضيع؟ فيرق لهم ويجلس معهم ، فنزل { عَظِيمٌ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءابَاءكُمْ وإخوانكم أَوْلِيَاء } في الدين والعون { إِنِ استحبوا الكفر } ، يعني : إن اختاروا الكفر { عَلَى الإيمان } ، ويقال : اختاروا الجلوس مع الكفار على الجلوس مع المؤمنين . { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ } بعد نزول هذه الآية ، { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } الضارون بأنفسهم . قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)
{ قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وإخوانكم وأزواجكم وَعَشِيرَتُكُمْ } { يعني : قومكم . قرأ عاصم في رواية أبي بكر { ***وعَشِيرَاتُكُمْ } بالألف بلفظ الجماعة ، وقرأ الباقون بغير ألف . { وَعَشِيرَتُكُمْ وأموال اقترفتموها } ، يعني : اكتسبتموها بمكة ، { وتجارة تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا } ؛ : تخشون أن تبقى عليكم فلا تنفق ، { ومساكن تَرْضَوْنَهَا } يعني : منازلكم التي بمكة تعجبكم الإقامة فيها ، { أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } ؛ يعني : أن كانت هذه الأشياء أحب إليكم من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة ، { وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ } ؛ يعني : في طاعة الله تعالى؛ { فَتَرَبَّصُواْ } ، يعني : فانتظروا ، { حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ } ، يعني : فتح مكة ، ويقال : الموت والقيامة . وقال الضحاك : حتى يأتي الله بأمره ، يعني : حتى يأمر الله بقتال آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وعشيرتكم ثُمَّ قال : { والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } . وهذا وعيد من الله تعالى للذين لم يهاجروا ، ويقال : من أول سورة براءة إلى قوله : { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وءاتوا الزكواة فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدين وَنُفَصِّلُ الايات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [ التوبة : 11 ] نزلت بعد فتح مكة . ثم من قوله : { وَإِن نكثوا أيمانهم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر إِنَّهُمْ لاَ أيمان لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } [ التوبة : 12 ] إلى هاهنا كان نزل قبل فتح مكة فوضع هاهنا . (2/221)
ثم ما بعد هذا ، نزل بعد فتح مكة وهو قوله تعالى : { لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ } ؛ وذلك أنه لما نزل قوله تعالى : { فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ التوبة : 5 ] ، فأمرهم الله تعالى بأن يقاتلوا ويتوكلوا على الله ، ويطلبوا النصرة منه ، ولا يعتمدوا على الكثرة والقلة ، لأن النصرة من الله تعالى؛ فذلك قوله تعالى : { لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ } ، يعني : نصركم الله في مواطن كثيرة وهو يوم بدر ، ويوم بني قريظة ، ويوم خيبر ، ويوم فتح مكة ، وخاصة يَوْمَ حُنَيْنٍ . { إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } ، يعني : جماعتكم ، { فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً } ؛ يعني : عن قضاء الله تعالى كثرتكم شيئاً .
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى حنين في اثني عشر ألفاً ، وعشرة آلاف التي خرجت معه من المدينة إلى فتح مكة ، وخرج معه ألفان من أهل مكة ، فقال رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلام : لن نغلب اليوم من قلة . وقد كان فتح مكة في شهر رمضان ، وبقيت عليه أيام من رمضان ، فمكث حتى دخل شوال . فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني سليم عيناً له يقال له عبد الله بن أبي حدرد ، فأتى حنيناً وكان بينهم يسمع أخبارهم ، فسمع من مالك بن عوف أمير القوم يقول لأصحابه : أنتم اليوم أربعة آلاف رجل ، فإذا لقيتم العدو فاحملوا عليهم حملة رجل واحد ، واكسروا جفون سيوفكم فوالله لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئاً إلا أفرج لكم .
وكان مالك بن عوف على هوازن ، فأقبل ابن أبي حدرد حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبره بمقالتهم ، فقال رجل من المسلمين : فوالله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نغلب اليوم من كثرة . فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته ، وابتلى الله المؤمنين بكلمته تلك . (2/222)
قال الفقيه : حدثنا أبو جعفر قال : حدثنا الفقيه ، علي بن أحمد الفارسي قال : حدثنا نصير بن يحيى قال : حدثنا أبو سليمان قال : حدثنا الفقيه ، محمد بن الحسن ، عن مجمع بن يعقوب ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أبي طلحة قال : سمعت أنس بن مالك يقول : لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي حنين ، وهو وادي من أودية تهامة له مضايق وشعاب ، فاستقبلنا من هوازن جيش لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان قط من السواد والكثرة . وقد ساقوا أموالهم ونساءهم وأبناءهم وراءهم ، ثم صفوا فحملوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال ، ثم جاؤوا بالإبل والغنم وراء ذلك ، لكيلا يفروا بزعمهم . فلما رأينا ذلك السواد ، حسبناهم رجالاً كلهم . فلما انحدرنا والوادي ، وهو وادي حدور ، فبيَّنا نحن فيه إنَّ شعرنا ، أي ما شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضايق الوادي وشعبه ، فحملوا علينا حملة رجل واحد .
وقد كانت قريش بمكة طلبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا معه إلى حنين ، فلم يقل لهم لا ولا نعم ، فخرجوا وكانوا هم أول من انهزم من الناس قال أنس : فولوا دبرهم وأتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء . فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يقول ، والتفت عن يمينه وعن يساره : «يَا أَنْصَارَ الله وَأَنْصَارَ رَسُولِهِ ، أَنَا عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ صَابِرٌ اليَوْمَ» ، ثم تقدم بحربته . أما الناس ، فوالذي بعثه بالحق ما ضربنا بسيف ولا طعنا برمح ، حتى هزم الله تعالى . ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعسكر ، وأمر بطلبهم وأن يقتل كل من قدر عليه منهم .
وجعلت هوازن تولي وثاب من انهزم من المسلمين . قال الراوي : فقالت أم سليم ، وكانت يومئذ تقاتل شادة على بطنها بثوب تقول : أرأيت يا رسول الله الذين أسلموا وفروا عنك وخذلوك ، لا تعف عنهم إن أمكنك الله تعالى منهم فاقتلهم ، كما تقتل هؤلاء المشركين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ، عَفْوُ الله أَوْسَعُ» .
وروي في خبر آخر أن دريد بن الصمة ، كان شيخاً كبيراً في عسكر مالك بن عوف ، وكان صاحب تدبير ، وكان لا يبصر شيئاً ما لم ترفع حاجباه .
فقال : ما لي أسمع رغاء الإبل وثغاء الغنم وصوت الصبيان ، فقالوا له : إن مالك بن عوف أمر بإخراج الأموال ، لكي يقاتل كل واحد منهم عن ماله . فقال لهم : هلا أخبرتموني بذلك قبل الخروج . فالرجل إذا جاءته الهزيمة متى يبالي بماله وولده؟ ولكن إذا فعلتم ذلك فاكسروا جفون سيوفكم ، واحملوا حملة رجل واحد . ففعلوا ذلك ، فانهزم المسلمون ، ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا العباس بن عبد المطلب ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وعدة من الأنصار . (2/223)
فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته ، وأخذ السيف ومضى نحو العدو ، وجعل ينادي : «يَا أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ ، يَا أَصْحَابَ سُورَةِ البَقَرَةِ إِليَّ إِليَّ» فأمدّه الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة ، ورجع إليه المسلمون ، وانهزم المشركون ، وأخذ المسلمون أموالهم . وهو الذي يسمى يوم أوطاس ، فنزلت هذه الآية { لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ } فأخبر الله تعالى أن الغلبة ليست بكثرتكم ، ولكن بنصرة الله تعالى ، وكان ذلك من آيات الله . ثم قال { وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الارض بِمَا رَحُبَتْ } ؛ يعني : برحبتها وسعتها من خوف العدو ، { ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } ؛ يعني : منهزمين لا يلوون على أحد . قوله تعالى :
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)
{ ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ } ، يعني : رحمته { وَعَلَى المؤمنين وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } ، يعني : خمسة آلاف من الملائكة وفي الآية دليل أن المؤمن لا يخرج من الإيمان وإن عمل الكبيرة ، لأنهم ارتكبوا الكبيرة ، حيث هربوا وكان عددهم أكثر من عدد المشركين ، فسماهم الله تعالى مؤمنين . { وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ } ، يعني : بالقتل والهزيمة . { وَذَلِكَ } يعني : ذلك العذاب { جَزَاء الكافرين } ، أي عقاب . (2/224)
قوله تعالى : { ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَاء } من أصحاب مالك بن عوف من كان أَهْلاً للإسلام . وروي عن محمد بن كعب القرظي قال : لما انهزم مالك بن عوف ، سار مع ثلاثة آلاف ، فقال لأصحابه : هل لكم أن تصيبوا من محمد مالاً؟ قالوا : نعم . فأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم : إني أريد أن أسلم ، فما تعطيني؟ فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم : « إِنِّي أُعْطِيكَ مِائةً مِنَ الإِبِلِ وَرُعَاتَهَا » . فجاء فأسلم ، فأقام يومين أو ثلاثة؛ فلما رأى المسلمين ورقتهم وزهدهم واجتهادهم ، رق لذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يَا ابْنَ عَوْفٍ أَلاَ نَفِي لَكَ بِمَا أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الشَّرْطِ؟ » فقال : يا رسول الله ، أمثلي من يأخذ على الإسلام شيئاً؟ قال : فكان مالك بن عوف بعد ذلك ممن افتتح عامة الشام ثم قال الله عز وجل : { والله غَفُورٌ } لما كان من الشرك ، { رَّحِيمٌ } بهم في الإسلام .
قوله تعالى : { رَّحِيمٌ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } ، يعني : قذر ورجس؛ ولم يقل أنجاس ، لأن النَّجَس مصدر والمصدر لا يثنَّى ولا يجمع ، { فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } ؛ فهذه الآية من الآيات التي قرأها عليهم عليّ بن أبي طالب بمكة ، يعني : لا يدخلوا أرض مكة ، وقال مقاتل : يعني : الحرم كله ، وقال مالك بن أنس : لا يجوز للكفار أن يدخلوا المساجد ، لأن الله تعالى قال : { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } كما أن الجنب لا يجوز له أن يدخل المسجد .
وقال الزهري : له أن يدخل جميع المساجد إلا المسجد الحرام؛ وهو قول الشافعي رحمه الله وقال أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه : يجوز للذمي أن يدخل جميع المساجد ، لأن الكفار كانوا يدخلون مسجد المدينة ، إذا قدموا وافدين من قومهم . وهذه الآية نزلت في شأن أهل الحرب ، إنهم لا يدخلون المسجد الحرام بغير أمان ، ولا يكون لهم ولاية البيت . وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال : لا يدخلون المسجد الحرام إلا برق أو عهد .
{ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } ، يعني : حاجة وفقراً . وقال الزجاج العيلة الفقر ، كما قال الشاعر :
وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غِنَاه ... وَلاَ يَدْرِي الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ (2/225)
ثم قال : { فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ } ؛ وذلك أنه لما منع المشركون من مكة ، قال أناس من التجار لأهل مكة : من أين تأكلون إذا فعلتم هذا؟ فنزل { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ } ، يعني : من رزقه؛ ففرحوا بذلك فأسلم أهل جدة وصنعاء من أهل اليمن ، فحملوا الطعام إلى مكة من البر والبحر وأغناهم الله تعالى بذلك ، يعني : أغناهم عن تجار الكفار بالمؤمنين . ثم قال : { إِن شَاء } ، يعني : يدوم لكم بمشيئة الله تعالى . { إِنَّ الله عَلِيمٌ } بخلقه { حَكِيمٌ } في أمره . قوله تعالى :
قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)
{ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله } ، يعني : لا يصدقون بتوحيد الله ، { وَلاَ باليوم الاخر } بالبعث بعد الموت ، { وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ } ، في التوراة والإنجيل والقرآن ، { وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق } ، يقول : لا يخضعون لدين الحق ، ولا يقرون بشهادة لا إله إلا الله . ومعناه لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين ، لأن أهل الكتاب كانوا يقرون بالله ، ولكنهم قالوا : لله ولد؛ وأقروا بالبعث ، ولكنهم لا يقرون لأهل الجنة بالنعمة ، لأنهم لا يقرون بالأكل والشرب والجماع . فليس يدينون دين الحق ، يعني : دين الإسلام؛ ويقال : دين الله تعالى ، لأن الله تعالى هو الحق ، فأمر الله تعالى بقتلهم إلا أن يعطوا الجزية . وهو قوله تعالى : { حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون } ؛ قال بعضهم : عن قهر وذلّ ، كما يقال : اليد في هذا لفلان ، يعني : الأمر النافذ لفلان . ويقال : { عَن يَدٍ } ، يعني : عن إنعام عليهم بذلك ، لأن قبول الجزية وترك أنفسهم يد ونعمة عليهم . ويقال : عن اعتراف المسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم . ويقال : { عَن يَدٍ } يعني : عن قيام يمشون بها صاغرين تؤخذ من أيديهم . وقال الأخفش : يعني : كرهاً . { وَهُمْ صاغرون } ، يعني : ذليلين . (2/226)
قال الفقيه : قتال الكفار على ثلاثة أنواع : في وجه ، يقاتلون حتى يسلموا ولا يقبل منهم إلا الإسلام ، وهم مشركو العرب والمرتدون من الأعراب أو من غيرهم؛ وفي وجه آخر ، يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية؛ وهم اليهود والنصارى والمجوس؛ فأما اليهود والنصارى بهذه الآية ، وأما المجوس بالخبر ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : « سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ » وفي الوجه الثالث ، واختلفوا فيه ، وهم المشركون من غير العرب وغير أهل الكتاب ، مثل الترك والهند ونحو ذلك ، في قول الشافعي : لا يجوز أخذ الجزية منهم ، وفي قول أبي حنيفة وأصحابه : يجوز أخذ الجزية منهم ، كما يجوز من المجوس ، لأنهم من غير العرب . قوله تعالى :
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)
{ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله } . قرأ عاصم والكسائي { عُزَيْرٌ } بالتنوين ، وقرأ الباقون بغير تنوين فمن قرأ بالتنوين ، لأن الابن خبر وليس بنسبة ، ومن قرأ بغير التنوين فلالتقاء الساكنين؛ كما قرأ بعضهم { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] بغير تنوين . فلا اختلاف بين النحويين أن إثبات التنوين أجود من طريق أهل اللغة ، وإنما قالت اليهود ، لأنه لما خرب بُخْتُنَصَّر بيت المقدس وأحرق التوراة ، حزنوا على ذهاب التوراة ، فأملاها عليهم عزير صلوات الله عليه عن ظهر قلبه فتعلموها وفي أنفسهم منها شيء ، مخافة أن يكون قد زاد فيها أو نقص منها شيئاً؛ فبينما هم كذلك ، إذ وقعوا على جراب مدفونة في قرية فيها التوراة ، فعارضوا بها على ما كتبوا من عزير عليه السلام فلم يزد شيئاً ولم ينقص حرفاً ، فقالوا عند ذلك : ما علم عزير هذا ، إلا وهو ابن الله . (2/227)
{ وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله } ؛ وإنما قالوا ذلك ، لأن المسيح كان يبرىء الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى بإذن الله تعالى؛ فقالوا : لم يكن يفعل هذا إلا وهو ابن الله . ويقال : إنّ الإفراط في كل شيء مذموم ، لأن النصارى أفرطوا في حب عيسى عليه السلام تغالوا ، وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا بسبب ذلك؛ واليهود أفرطوا بحب عزير ، وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا؛ كما أفرطت الروافض في حب عليّ حتى أبغضوا غيره وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما .
ثم قال تعالى : { ذلك قَوْلُهُم بأفواههم } ، يعني : ذلك كذبهم بألسنتهم ، ويقال : معناه يقولون بأفواههم قولاً بلا فائدة ، ولا برهان ، ولا معنى صحيح تحته . ثم قال : { يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ } ؛ يعني : يوافقون قول الذين كفروا { مِن قَبْلُ } ، حين قالوا : الملائكة بنات الله . وقال قتادة : يشبهون قول الذين كفروا ، يعني : إنّ قول اليهود يوافق قول النصارى ، وقول النصارى يوافق قول اليهود؛ ويقال : يتشابهون في قولهم هذا من تقدم من كفر منهم ، يعني : إنما قالوا اتباعاً لهم بدليل قوله تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم } . قرأ عاصم { يضاهئون } بكسر الهاء مع الهمزة ، وهي لغة لبعض العرب؛ وقرأ الباقون بالسكون بغير همزة وهي اللغة المعروفة؛ وقال القتبي : يضاهون يعني : يشبهون ، يعني : قول من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى قول أوليهم الذين كانوا قبلهم .
ثم قال : { قاتلهم الله } ، يعني : لعنهم الله . { أنى يُؤْفَكُونَ } ، يعني : من أين يكذبون بتوحيد الله تعالى .
ثم قال عز وجل : { اتخذوا أحبارهم } ، يعني : علماءهم { ورهبانهم } ، يعني : أصحاب الصوامع والمتعبدين منهم . { أَرْبَابًا مّن دُونِ الله } ، يعني : اتخذوهم كالأرباب يطيعونهم في معاصي الله تعالى . قال الفقيه الزاهد : حدثنا الفقيه أبو جعفر قال : حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن القاري قال : حدثنا محمد بن عيسى قال : حدثنا الحسن بن يزيد الكوفي ، عن عبد السلام بن حرب ، عن عطيف بن أعين ، عن مصعب بن سعيد ، عن عدي بن حاتم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ من سورة براءة { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله } ، قال « أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ ، ولكن كَانُوا إذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئاً اسْتَحَلُّوا ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئَاً حَرَّمُوا » . ثم قال : { والمسيح ابن مَرْيَمَ } ، يعني : اتخذوا المسيح ابن مريم رباً من دون الله تعالى . { وَمَا أُمِرُواْ } ، يقول وما أمرهم عيسى عليه السلام { إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } ، يعني : إلا قوله : { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } [ المائدة : 117 ] ويقال وما أُمروا في جميع الكتب إلا ليعبدوا إلها ، يعني : ليوحدوا الله تعالى إلها واحداً . ثم نزّه نفسه فقال تعالى : { لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، يعني : عما يعبدون من دونه . ثم قال عز وجل : (2/228)
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)
{ يُرِيدُونَ } { يعني : اليهود والنصارى { أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم } ، يعني : يريدون أن يردوا القرآن تكذيباً بألسنتهم؛ ويقال : يريدون أن يغيروا دين الإسلام بألسنتهم ، ويقال : يريدون أن يبطلوا كلمة التوحيد بكلمة الشرك . { ويأبى الله } ، يعني : لا يرضى الله تعالى ولا يترك { إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ } ، يعني : يظهر دين الإسلام . { وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } فيظهره . (2/229)
ثم قال تعالى : { هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى } ، يعني : بالقرآن والتوحيد ، { وَدِينِ الحق } ؛ يعني : دين الإسلام؛ ويقال : دين الله تعالى ، { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } ؛ يعني : يظهره بالحجة على الدين كله؛ ويقال : بالقهر والغلبة والرعب في قلوب الكفار؛ وقال ابن عباس : { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } يعني : بعد نزول عيسى عليه السلام لا يبقى أحد إلا دخل في دين الإسلام ، { وَلَوْ كَرِهَ المشركون } . قوله تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)
{ المشركون ياأيها الذين ءامَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مّنَ الاحبار والرهبان } ، قال السدي : الأحبار اليهود ، والرهبان النصارى؛ وقال ابن عباس : الأحبار العلماء ، والرهبان أصحاب الصوامع . { لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل } ، يعني : بالظلم بغير الحق ، { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } ؛ يعني : يصرفون الناس عن دين الله . (2/230)
ثم بيّن الله تعالى حالهم للمؤمنين ، لكي يحذروا منهم ولا يطيعوهم . قوله تعالى : { والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله } ، أي يجمعونها ويمنعون زكاتها؛ قال بعضهم : هذا نعت للأحبار والرهبان ، وقال بعضهم : هذا ابتداء في كل من جمع المال ومنع منه حق الله تعالى ، وقال ابن عباس : الكنز الذي لا يؤدى عنه زكاته .
وروى نافع ، عن ابن عمر أنه قال : أي مال كان على وجه الأرض لا تؤدى زكاته ، فهو كنز يعذب صاحبه يوم القيامة؛ وما كان في بطن الأرض يؤدى زكاته ، فليس بكنز . وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة ، وما كان أكثر منها فهو كنز . ثم قال { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ، يعني : أهل هذه الصفة الذين يكنزون الذهب والفضة ، ولا ينفقونها في سبيل الله ، يعني : لا يؤدون حقها في طاعة الله تعالى؛ وقال : ولا ينفقونها ولم يقل : ينفقونها ، لأنه انصرف إلى المعنى ، يعني : لا ينفقون الكنوز؛ ويقال : لا ينفقون الأموال؛ ويقال : يعني الفضة .
وقال بعضهم : نزلت في شأن الكفار ، وقال بعضهم : كان هذا في أول الإسلام ووجب عليهم أن يؤدوا الفضل ، ثم نسخ بآية الزكاة؛ وقال بعضهم : كل مؤمن لا يؤدي الزكاة فهو من أهل هذه الآية؛ وهو قوله تعالى : { يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ } ، يعني : يوقد على الكنوز ، { فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } ، ويقال لهم : { هذا مَا كَنَزْتُمْ لانفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } ، يعني : فذوقوا العذاب بما كنتم تكنزون .
قال الفقيه : حدثنا محمد بن الفضل قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا إبراهيم بن يوق قال : حدثنا أبو معاوية ، ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم أنه قال : والذي لا إله غيره ، لا يعذب رجل بكنز فيمس دينار ديناراً ، ولا درهم درهماً ، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم على حدة وكل دينار على حدة . وروى أبو أمامة الباهلي قال : مات رجل من أهل الصُّفة فوجد في مؤتزره دينار ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كية » . ومات رجل آخر فوجد في مؤتزره ديناران فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « كيتان » والمعنى في ذلك أنه قد أصاب ذلك من الغلول ، ولو لم يكن أصابه من الغلول لكان لا يستحق العقوبة ، لأن الزكاة لا تجب في أقل من عشرين ديناراً . وقال بعضهم : كان هذا في الوقت الذي وجب عليه أن ينفق الفضل . قوله تعالى :
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)
{ إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب الله } ، فأعلم الله تعالى المسلمين أن عدة الشهور التي يعدون اثنا عشر شهراً على منازل العمر ، فجعل حجهم وأعيادهم وصيامهم على هذا العدد؛ فالحج والصوم يكون مرة في الشتاء ومرة في الصيف . وكانت أعياد أهل الكتاب في متعبداتهم في سنتهم على حساب دوران الشمس على كل سنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً ، فجعل شهور المسلمين بالأهلة؛ كما قال الله تعالى : { يَسْألُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا ولكن البر مَنِ اتقى وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ البقرة : 189 ] ويقال : { إِنَّ عِدَّةَ الشهور } ، يعني : عدة الشهور التي وجبت عليكم الزكاة فيها اثنا عشر شهراً { فِى كتاب الله } ، يعني : في اللوح المحفوظ { يَوْمَ خَلَقَ * السموات والارض } ، كتبها عليكم . { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } ، يعني : رجب وذا القعدة وذا الحجة والمحرم . (2/231)
{ ذلك الدين القيم } ، يعني : ذلك الحساب المستقيم ، لا يزاد ولا ينقص . وقال مقاتل بن حبان : { ذلك الدين القيم } يعني : ذلك القضاء البيِّن ، وهكذا قال الضحاك . ثم قال : { فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } ، قال بعضهم : في الأربعة أشهر ، وقال قتادة : الظلم في الشهر الحرام أعظم وزراً مما سوى ذلك ، وإنْ كان الظلم على كل حال غير جائز ، ولكن الله تعالى يعظم من أمره ما يشاء . ويقال : { فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } ، يعني : في هذه الاثني عشر شهراً ، ويقال : هو على وجه التقديم ، إنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ، فلا تظلموا فيهن أنفسكم ، منها أربعة حرم ، يعني : وخاصة في الأربعة أشهر .
ثم قال : { وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً } ، يعني : جميعاً في الشهر الحرام وغيره . وكان القتال في الشهر الحرام محرماً ، فنسخ بهذه الآية وصار مباحاً في جميع الشهور وقال بعضهم : هو غير مباح ، ومعنى هذه الآية وقاتلوا المشركين كافة ، إن قاتلوكم في الشهر الحرام ، وإن لم يقاتلوكم لا يجوز . والقول الأول أصح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصر الطائف في الشهر الحرام ، ثم افتتحها بعد ما مضى الشهر الحرام؛ فلو كان القتال حراماً ، لم يحاصرهم في الشهر الحرام . { كَمَا *** يقاتلوكم *** كَافَّةً } . ثم قال : { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } ، يعني : معينهم وناصرهم . قوله تعالى :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)
{ إِنَّمَا النسىء زِيَادَةٌ فِى الكفر } ، يعني : تأخير المحرم إلى صفر زيادة الإثم في كفرهم . وروى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أنه قال : كانوا يحجون في ذي الحجة عامين ، ثم يحجون في المحرم عامين ، ثم يحجون في صفر عامين . وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين ، حتى وافقت حجة أبي بكر رضي الله عنه الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة وقال في خطبته : « أَلاَ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات والأَرْضِ » . وروى أسباط ، عن السدي أنه قال : كان رجل من بني مالك بن كنانة ، يقال له جنادة بن عوف ، يكنى أبا أمامة ينسىء عدد الشهور . وقال في رواية الكلبي : كان اسمه نعيم بن ثعلبة ، من بني كنانة . وقال في رواية مقاتل : كان اسمه ثمامة الكناني ، وكانت العرب يشتد عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغير بعضهم على بعض ، فإذا أرادوا أن يغيروا ، قام الكناني يوم منى وخطب الناس وقال : إني قد أحللت لكم المحرم ، وحرمت لكم صفر مكانه ، فقاتل الناس في المحرم؛ فإذا كان صفر ، غمدوا السيوف ووضعوا الأسنة . ثم يقوم من قابل ويقول : إني قد أحللت صفر وحرمت المحرم . (2/232)
فذلك قوله تعالى : { يُضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا } قرأ ورش ، عن نافع ، وقرأ ابن كثير : { إِنَّمَا النسىء } بتشديد الياء بغير همز ، وقرأ الباقون بالهمز؛ ومعناها واحد . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { يُضِلُّ بِهِ } بضم الياء ونصب الضاد على معنى فعل ما لم يسم فاعله ، وقرأ الباقون { يُضِلُّ بِهِ } بكسر الضاد ، ويكون معناه أن أُخيرهم عمل يضل به الذين كفروا ، يحلونه عاماً ويقاتلون فيه ، ويحرمونه عاماً ولا يقاتلون فيه ، { لّيُوَاطِئُواْ } ؛ يعني : ليوافقوا { عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله زُيّنَ لَهُمْ سُوء أعمالهم } ، يعني : حسن لهم قبح أعمالهم . { والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } ، يعني : لا يرشدهم إلى دينه مجازاة لكفرهم . قوله تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)
{ الكافرين ياأيها الذين ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِى سَبِيلِ الله } ، يعني : في الجهاد { اثاقلتم إِلَى الارض } ، يعني : تثاقلتم ، فأدغم التاء في الثاء ، وأجلب الألف لتسكين ما بعد هذه ، يعني : قعدتم ولم تخرجوا؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالخروج إلى غزوة تبوك ، وكان في أيام الصيف ، حين اشتد الحر وطابت الثمار والظلال ، فكانوا يتثاقلون عن الخروج؛ فعاتبهم الله فقال : { ياأيها الذين ءامَنُواْ مَا لَكُمْ } ، يقول : آثرتم واخترتم عمل الدنيا على عمل الآخرة . { فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا } ، يعني : منفعة الدنيا { فِى الاخرة إِلاَّ قَلِيلٌ } ، يعني : بجنب منفعة الآخرة إلا ساعة؛ ويقال : معناها ما يتمتع به في الدنيا قليل عندما يتمتع به أولياء الله تعالى في الجنة . (2/233)
ثم خوفهم فقال : { إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ } الله؛ وأصله إن لا تنفروا فأدغم النون في اللام ، ومعناه إن لم تنفروا ، يعني : إن لم تخرجوا إلى الغزو مع نبيكم صلى الله عليه وسلم ، يُعَذِّبكُمْ . { عَذَاباً أَلِيماً } ، يعني : يسلط عليكم عدوكم ويهلككم ، { وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } خيراً منكم وأطوع لله تعالى . { وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا } ، يقول ولا تنقصوا عن ملكه شيئاً بجلوسكم عن الجهاد . { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } أن يستبدل بكم قوماً غيركم . قوله تعالى :
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)
{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله } ، يعني : إن لم تنصروه وتخرجوا معه إلى غزوة تبوك ، فالله ينصره كما نصره . { إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ } ، يعني : كفار مكة من مكة . { ثَانِيَ اثنين } ، يعني : كان واحداً من اثنين ، يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه ولم يكن معهما غيرهما ، فنصرهما الله تعالى . { إِذْ هُمَا فِى الغار } ؛ وذلك حين أراد أهل مكة قتله ، فهاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة؛ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر فلم يجده ، فجلس إلى أن جاء أبو بكر ، فقبَّل رأس النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما لك ، بأبي أنت وأمي . قال : « مَا أَرَى قُرَيْشاً إِلاَّ قَاتِلِيَّ » . فقال أبو بكر : دمي دون دمك ونفسي دون نفسك ، لا يصنع بك شيء ، حتى يبدأ بي . فقال : « اخْلُ بِي » . قال أبو بكر : ليس بك عين؛ إنَّما هما ابنتاي أسماء وعائشة . قال : « قَدْ أُذِنَ لِي بِالخُرُوجِ مِنْ مَكَّة » . فقال أبو بكر : يا رسول الله ، إن عندي بعيرين حبستهما للخروج ، فخذ أحدهما واركبه . قال : « لاَ آخُذُهُ إِلاَّ بِالثَّمَنِ » فأخذه بالثمن . وهي ناقته القصوى . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب بأن يبيت مكانه ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ، حتى أتيا جبل ثور ، جبل بأسفل مكة . (2/234)
قال الفقيه : حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل القاضي قال : حدثنا يحيى بن أبي طالب ، عن عبد الرحمن بن إبراهيم الرازي قال : حدثنا الفرات ، عن ميمون بن مهران ، عن عتبة بن محصن ، عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه قال : والله لليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر . فقيل : وأي ليلة هي؟ قال : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هارباً من أهل مكة ليلاً ، فتبعه أبو بكر ، فجعل أبو بكر يمشي مرّة أمامه ومرة خلفه ومرةٌ عن يمينه ومرةٌ عن يساره ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَا هذا يَا أَبَا بَكْرٍ؟ » قال : يا رسول الله ، أذكر الرصد فأكون أمامك ، وأذكر الطلب فأكون خلفك . ومرة عن يمينك وعن يسارك ، لا آمن عليك . قال : فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه ، حتى حفيت؛ فلما رآها أبو بكر أنها قد حفيت ، حمله على عاتقه وجعل يشتد به ، حتى أتى فم الغار فأنزله وقال : والذي بعثك بالحق ، لا تدخله حتى أدخله أنا ، فإن كان من شيء نزل بي قبلك .
فدخل فلم ير شيئاً فحمله وأدخله . (2/235)
وقال في رواية محمد بن إسحاق : كان الغار معروفاً بالهوام فجعل أبو بكر يسد الجحور ، حتى بقي جحران فوضع عقبيه عليهما حتى أصبح . وقال في رواية عمر : وكان في الغار خرق فيه حيات ، فخشي أبو بكر أن يخرج منه شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه؛ وجعلت الدموع تنحدر على خده من شدة الألم ما يجده؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « يَا أَبَا بَكْرٍ لا تَحْزَنْ » فذلك قوله تعالى : { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ } يعني : الطمأنينة لأبي بكر ، فهذه ليلته .
قال الفقيه : حدثنا أبو جعفر قال : حدثنا أبو بكر القاضي قال : حدثنا أحمد بن جرير قال : حدثنا عمرو بن عليّ قال : حدثنا عون بن عمرو القيس ، عن مصعب المكي قال أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك ، يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار ، أمر الله تعالى شجرة فخرجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، فسترت وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن الله تعالى بعث العنكبوت ، فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر الله حمامتين وحشيتين ، فأقبلتا تزقان ، حتى وقفتا بين العنكبوت وبين الشجرة ، فأقبلت فتيان قريش من كل بطن ، معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم ، حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم على ق نظروا ، فإذا حمامتان وحشيتان بفم الغار ، فرجعوا وقالوا : رأينا حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفنا أنه ليس فيه أحد . فسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم فعرف أن الله درأ بهما عنه؛ فشمت عليهما ، يعني : أنه بارك عليهما ، فأحرزهما الله تعالى في الحرم فأفرختا فيه كما هما إلى الآن .
وفي خبر آخر زيادة وقد كان أبو بكر أمر عامر بن فهيرة أن يرعى له غنمه بثور ، فكان يريح إليهما غنمه ، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار أهل مكة ، فكانا فيه ثلاث ليال ، وكانا يريحان الغنم ويجليان كل ليلة ما أرادا؛ فلما هدؤوا من الالتماس وجاءهم عبد الله بن أبي بكر ، فأخبرهم بذلك فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعامر بن فهيرة ، واستأجر رجلاً من بني الدئل يهديهم الطريق ، يقال له عبد الله بن أريقط ، أخذ بهم أسفل مكة حتى خرجوا قريباً من جدة . ثم عارضوا الطريق قريباً من عسفان ، ففطن سراقة بن مالك آثارهم فلبس لأمته ، وركب فرسه حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسخت قوائم فرسه فقال : يا محمد ادع الله أن يطلق فرسي؛ فإني أرى الحي قد التمسوني .
فإن أكن وراءك خير لك فأرد عنك من ورائي من الناس . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقاً فَأَطْلِقْ فَرَسَهُ » فانطلق فرسه . فقال : يا محمد خذ سهماً من كنانتي ، فمر به على إبلي فإن أردت لبوناً فخذ ، وإن أردت حمولة فخذ . (2/236)
فرجع سراقة فوجد الناس يلتمسون أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال لهم : ارجعوا فقد استبرأت لكم ما هاهنا ، وقد عرفتم من بصيرتي بالآثار . قال : فرجعوا عنه؛ فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر المدينة؛ فذلك قوله تعالى : { ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِى الغار } . قوله تعالى : { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } ؛ وإنما كان يخاف أبو بكر على نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى ذهاب التوحيد والإسلام ، لا على نفسه { إِنَّ الله مَعَنَا } في الدفع عنا . { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } ، يعني : طمأنينته عليه . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : يعني على أبي بكر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه؛ وقال حبيب بن أبي ثابت : { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } ، يعني : على أبي بكر؛ وقال في رواية الكلبي : فأنزل الله سكينته على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى سكن واطمأن .
قال : حدثنا الفقيه أبو جعفر قال : حدثنا أحمد بن محمد الحاكم القاضي قال : حدثنا أحمد بن جرير قال : حدثنا الحسن بن عرفة قال : حدثنا أبو سوار ، عن أبي العطوف ، عن الزهري قال قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت : « هَلْ قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئَاً؟ » قال : نعم . قال : « فَقُلْ حَتَّى أَسْمَعَ » فقال :
وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ المُنِيفِ وَقَد ... طَافَ الْعَدُوُّ بِهِ إذْ يَصْعَدُ الْجَبَلا
وَكَانَ حِبَّ رَسُول الله قَدْ عَلِمُوا ... مِنَ الْبَرِيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رَجُلا
قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى بدت نواجذه وقال : « صَدَقْتَ يَا حَسَّانُ ، هُوَ كَمَا قُلْتَ » . ثم قال تعالى : { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } ، يعني : قوم بدر والأحزاب وحنين { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى } ، يعني : الشرك بالله تعالى . { وَكَلِمَةُ الله هِىَ العليا } ، يعني : شهادة أن لا إله إلا الله . قرأ الأعمش ويعقوب الخضرمي { وَكَلِمَةُ الله } بالنصب ، يعني : وجعل كلمة الله؛ وقراءة العامة { وَكَلِمَةُ الله } بالضم على معنى الاستئنافِ { والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ } حكم بإظهار التوحيد وإطفاء دعوة المشركين . قوله تعالى :
انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)
{ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً } ؛ قال الكلبي : خفافاً يعني : أهل العسرة من المال ، وقلة العيال ، وثقالاً يعني : أهل المسيرة في المال والصبية العيال . وقال الكلبي : ويقال فيها وجه آخر { انفروا خِفَافًا } ، يقول : نشاطاً في الجهادِ { وَثِقَالاً } غير نشاط في الجهاد ، وكذا قال مقاتل؛ ويقال : { انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً } شباناً وشيوخاً . وروى حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس أن أبا طلحة الأنصاري قرأ هذه الآية { انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً } ، فقال : ما أرى الله تعالى إلا سينفرنا شباناً وشيوخاً ، قال : جهزوني فقلنا : قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وأنت اليوم شيخ كبير . قال : جهزوني . فجهزناه فركب البحر فمات في غزاته . وروى سفيان ، عن منصور ، عن الحكم قال : مشاغيل وغير مشاغيل . وروى مسروق ، عن أبي الضحى قال : أول ما نزلت من سورة براءة هذه الآية { انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً } ثم نزل أولها وآخرها . وروي عن ابن عباس أنه قال : نسختها هذه الآية : { وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] وقال بعضهم : ليست بمنسوخة ، ولكنها في الحالة التي وقع فيها النفير ، وجب على جميع الناس الخروج إلى الجهاد ، وإذا لم يكن النفير عاماً ، يكون فرضاً عاماً؛ فإذا خرج بعض الناس ، سقط عن الباقين وبه نأخذ . (2/237)
ثم قال تعالى : { وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ الله ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } ، يعني : الجهاد خير لكم من الجلوس ، { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ؛ يعني : تصدقون بثواب الله . ويقال : معناه إن كنتم تعلمون أن الخروج إلى الجهاد خير لكم من القعود فَانْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً .
ثم نزل في شأن المنافقين الذين تخلفوا قوله تعالى : { لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا } ، يعني : غنيمة قريبة ويقال : سهلاً قريباً . { وَسَفَرًا قَاصِدًا } ، يعني : هيناً يقيناً ، { لاَّتَّبَعُوكَ } ؛ يعني : لو علموا أنهم يصيبون مغنماً ، { لاَّتَّبَعُوكَ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة } والشقة : السفر ، يعني : ثقل عليهم السفر . { وَسَيَحْلِفُونَ بالله } ، أي الذين تخلفوا . { لَوِ استطعنا } ، يعني : لو قدرنا ولو كانت لنا سعة في المال والزاد ، { لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } إلى الغزو . وقال الله تعالى : { يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ } ، يعني : بحلفهم كذباً . { والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون } بحلفهم ، وأن لهم سعة للخروج ، ولكنهم لم يريدوا الخروج .
قوله تعالى : { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } ؛ وذلك أن بعض المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخلف عن الخروج إلى غزوة تبوك ، ولم يكن لهم عذر ، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } وقال عون بن عبد الله : أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب .
ويقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل فعلين قبل أن يؤذن له ، فعاتبه الله على ذلك وعفا عنه ، أحدهما في فداء أسارى بدر ، والثاني في إذنه للمنافقين بالتخلف . فقال له : { عَفَا الله عَنكَ } وَلم يقل : يعافيك لم أذنت لهم في التخلف والقعود عن الجهاد . (2/238)
قال الفقيه : سمعت من يذكر ، عن أبي سعيد الفاريابي أنه قال : معناه عافاك الله يا سليم القلب لم أذنت لهم ، فيقال : إن الله تعالى إذا قال لعبده : لم فعلت كذا وكذا؟ يكون ذلك أشد عليه من الموت كذا وكذا مرةً لهيبة قوله : لم فعلت كذا؟ ولو أنه بدأ للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله : لم أذنت ، لكان يخاف على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام . إلا أن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو ، حتى سكن قلبه ، ثم قال { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } بالقعود عن الجهاد . { حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ } ، يعني : معرفة الذين صدقوا بعذرهم وإيمانهم . { وَتَعْلَمَ الكاذبين } في عذرهم وإيمانهم ويقال : معناه حتى يتبين لك المؤمن المخلص من المنافق .
ثم بيّن له علامة المؤمنين وعلامة المنافقين ، فقال الله تعالى : { لاَ يَسْتَأْذِنُكَ } ، يعني : بغير عذر { الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر } في السر والعلانية { أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ والله عَلِيمٌ بالمتقين } ، يعني : بالمؤمنين المخلصين . ثم ذكر علامة المنافقين فقال : { إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ } ، يعني : في القعود عن الجهاد . { الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر } ، يعني : لا يصدقون في السر ، { وارتابت قُلُوبُهُمْ } ؛ يعني : شكت قلوبهم ونافقت قلوبهم ، ولا يتوبون ولا يرجعون عن ذلك . { فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } ، يعني : في شكهم ونفاقهم يتحيرون .
قوله تعالى :
وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)
{ وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج } معك إلى الغزو ، { لاعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً } ؛ يعني : اتخذوا لأنفسهم قوة من السلاح . معناه : إن تركهم العدة دليل على إرادتهم التخلف . ثم قال { ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم } ، يعني : لم يرد الله خروجهم معك لخبثهم وسوء نياتهم ، { فَثَبَّطَهُمْ } ؛ يعني : حبسهم وأقعدهم عن الخروج؛ ويقال : ثقلهم عن الخروج؛ ويقال : جعل حلاوة الجلوس في قلوبهم حتى أقعدهم عن الخروج . { وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين } ، يعني : ألهموا وخيّل إليهم القعود مع المتخلفين . (2/239)
ثم أخبر الله تعالى أن لا منفعة للمسلمين في خروجهم معهم ، بل عليهم مضرة منهم ، فقال تعالى : { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم } ؛ يعني : المنافقين لو خرجوا معكم { مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } ، يعني : فساداً ويقال : شراً وجبناً؛ { ولاَوْضَعُواْ خلالكم } ، يقول ساروا بينكم . والإيضاع في اللغة هو إسراع الإبل ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفات : « أيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ ، فَإنَّ البِرَّ لَيْسَ فِي إيضَاعِ الإبِلِ وَلا فِي إيجَافِ الخَيْلِ » . يعني : إن المنافقين لو خرجوا معكم ، يسرعون الإبل فيما بينكم ويؤتونكم .
ثم قال { يَبْغُونَكُمُ الفتنة } ، يعني : يطلبون منكم الشرك ويطلبون هزيمتكم وعيوبكم ، ويفشون سركم . { وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ } ، يعني : وفي عسكركم عيون وجواسيس للمنافقين؛ ويقال : وفيكم من يسمع ما يقول المنافقون ويقبلون منه . { والله عَلِيمٌ بالظالمين } ، يعني : بالمنافقين . وهذا وعيد لهم ، يعني : عليم بعقوبتهم .
ثم قال عز وجل : { لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ } ، يعني : من قبل غزوة تبوك ، لأنهم قصدوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم قبل كثرة المؤمنين؛ ويقال : طلبوا إظهار الشرك قبل غزوة تبوك؛ { وَقَلَّبُواْ لَكَ الامور } ، يعني : احتالوا في هلاكك من كل وجه؛ ويقال : { وَقَلَّبُواْ لَكَ الامور } ظهراً لبطن ، فانظر كيف يصنعون . { حتى جَاء الحق } ، يعني : كثر المسلمون؛ ويقال : حتى جاء الحق يعني : الإسلام { وَظَهَرَ أَمْرُ الله } ؛ يعني : ظهر دين الله الإسلام . { وَهُمْ كارهون } ، يعني : كارهون الإسلام .
قوله تعالى : { وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي } ، يعني : جد بن قيس كان من المنافقين حرّضه النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج إلى الغزو ، فقال : يا رسول الله ، إن قومي يعلمون حرصي على النساء ، فأخشى أني لو خرجت وقعت في الإثم ولا تفتني ببنات الأصفر . وكان الأصفر رجلاً من الحبش ملك ناحية من الروم ، فتزوج رومية فولدت له بنات اجتمع فيهن سواد الحبش وبياض الروم فكنَّ فتنة ، فقال جد بن قيس لا تفتني ببنات الأصفر ، فإني أخاف أن لا أصبر وأضع يدي على الحرام . فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالقعود ، فنزل { وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي } ، يعني : من المنافقين من يقول : ائذن لي في التخلف { وَلاَ تَفْتِنّى } ، يعني : ولا توقعني في الفتنة . ثم قال الله تعالى : { أَلا فِى الفتنة سَقَطُواْ } ، يعني : في الكفر والنفاق وقعوا . { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين } ، يعني : جعلت جهنم للكافرين ، وهو جد بن قيس ومن تابعه .
قوله تعالى :
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)
{ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } يعني : إن أصابك الغنيمة والنصر ساءهم ذلك . { وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ } ، يعني : الشدة والنكبة الهزيمة . { يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ } ، يعني : حذرنا بالقعود والتخلف من قبل المصيبة . { وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ } بما أصابك وبتخلفهم . (2/240)
قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا } ، يعني : إلاَّ ما قضي لنا وقدر علينا من شدة أو رخاء ، ويقال : { إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا } ، يعني : في اللوح المحفوظ؛ ويقال : { إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا } في القرآن وهو قوله تعالى : { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة يقاتلون فِى سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التوراة والإنجيل والقرءان وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذى بَايَعْتُمْ بِهِ وذلك هُوَ الفوز العظيم } [ التوبة : 111 ] ثم قال : { هُوَ مولانا } ، أي ولينا وناصرنا وحافظنا . { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } ، يعني : وعلى المؤمنين واجب أن يتوكلوا على الله؛ ويقال : وعلى الله فليثق الواثقون .
ثم قال تعالى : { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين } إمّا الشهادة وإمّا الغنيمة . { وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ } ، يعني : ننتظر بكم { أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ } وهو الموت ، { أَوْ بِأَيْدِينَا } ، يعني : فيأمرنا أن نقتلكم؛ ويقال : معناه { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين } ، يعني : إلا إحدى الخبرين . ونحن نتربص بكم إحدى الشرين فبين ما ننتظر وتنتظرونه فرق عظيم . { فَتَرَبَّصُواْ } ، يعني : انتظروا بنا الهلاك . { إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ } ، يعني : المنتظرين لإهلاككم .
ثم قال عز وجل : { قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } ، يعني : قل للمنافقين : أنفقوا طوعاً من قبل أنفسكم ، أو كرهاً مخافة القتل . { لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } النفقة . { إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فاسقين } ، يعني : منافقين . فقوله : { أَنفَقُواْ } اللفظِ لفظ الأمر والمعنى معنى الخبر ، يعني : إن أنفقتم ، كما إنه يذكر لفظ الخبر والمراد به الأمر؛ كقولك : غفر الله لك ، وقولك : رحم الله فلاناً ، يعني : اللهم اغفر له . وهاهنا اللفظ لفظ الأمر ومعناه الخبر والشرط يعني : إن أنفقتم طوعاً أو كرهاً ، لن يتقبل منكم . قرأ حمزة والكسائي { كَرْهاً } بضم الكاف . وقرأ الباقون { كَرْهاً } بالنصب .
ثم بيّن المعنى الذي لم تقبل نفقاتهم من أجله ، فقال تبارك وتعالى : { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ } ، يعني : في السر . قرأ حمزة والكسائي { لَنْ * يَقْبَلُ } بالياء على لفظ التذكير ، وقرأ الباقون بلفظ التأنيث ، لأن الفعل مقدم فيجوز أن يذكر ويؤنث . قوله : { وَلاَ يَأْتُونَ الصلاة إِلاَّ وَهُمْ كسالى } ، يعني : متثاقلين ولا يرونها واجبة عليهم ، { وَلاَ يُنفِقُونَ } في الجهاد { إِلاَّ وَهُمْ كارهون } غير محتسبين .
ثم قال عز وجل : { فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم } ، يعني : كثرة أموالهم؛ { وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا } . في الآية تقديم وتأخير قال ابن عباس فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنَّما يريد الله ليعذبهم في الآخرة ثم قال : { وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ } ، يعني : تذهب أنفسهم وتقبض أرواحهم . وأصله الذهاب ، كقوله تعالى { وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا } [ الإسراء : 81 ] { وَهُمْ كافرون } ، يعني : يقبض أرواحهم على الكفر .