صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
ويقال : { أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } ما يدرسون من الكتاب . ويقال : { أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } أن الإصرار على الذنوب ليس من علامة المغفورين ، قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص أَفَلا تَعْقِلُونَ بالتاء على وجه المخاطبة . وقرأ الباقون بالياء على وجه المغايبة . (2/158)
قوله تعالى : { والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب } يعني : يعملون بالتوراة ولا يغيرونها عن مواضعها { والذين يُمَسّكُونَ } يعني : أتموا الصلاة المفروضة { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين } يعني : عمل الموحدين وهم الذين يمسكون بالكتاب ، وأقاموا الصلاة . قرأ عاصم في رواية أبي بكر { يُمَسّكُونَ } بالتخفيف . وقرأ الباقون { يُمَسّكُونَ } بالتشديد على معنى المبالغة .
ثم قال تعالى :
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)
{ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ } يقول : قلعنا ورفعنا الجبل فوقهم { كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } أي كهيئة الغمام { وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } أي أنه يعني : أيقنوا الجبل واقع بهم { خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ } أي قيل لهم : اعملوا بما أعطيناكم من التوراة بقوة أي بجد ومواظبة { واذكروا مَا فِيهِ } أي اعملوا ما فيه من الحلال والحرام والأمر والنهي { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } المعاصي ، وذلك حين أبوا أن يقبلوا التوراة ، فرفع الجبل فوقهم فقبلوا . (2/159)
وقوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ } أي : اذكر يا محمد إذا أخذ ربك . ويقال : معناه وقد أخذ ربك من بني آدم من ظهور بني آدم { ذُرّيَّتُهُم } يعني : { أَخَذَ رَبُّكَ مِن * تَتَّقُونَ * وَإِذْ أَخَذَ } ذريتهم . وقال بعضهم : يعني الذرية التي تخرج وقتاً بعد وقت إلى يوم القيامة { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } فقال لهم : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } يعني : إنَّ كل بالغ تشهد له خلقته بأن الله تعالى واحد { شَهِدْنَا } يعني : قال الله تعالى شهدنا { أَن تَقُولُواْ } أي لكيلا تقولوا . ويقال : هذا كراهة أن يقولوا : { يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } وروي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله مسح على ظهر آدم فأخرج ذريته من صلبه كهيئة الذر من هو مولود إلى يوم القيامة . فقال لهم : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } شهدنا بأنك ربنا قال بعضهم : هذا التفسير لا يصح وطعنوا فيه من وجوه أحدها أن الرواية لم تصح لأنها رواية أبي صالح ، وأبو صالح ليس ممن يعتمد على روايته ، لأنه روي عن الشعبي أنه كان يمر بأبي صالح ويفرك أذنه ، ويقول له : إنك لم تحسن أن تقرأ القرآن ، فكيف تفسره بالرأي . قالوا : ولأن هذا غير محتمل في اللغة لأنه قال : من ظهورهم ولم يقل من ظهر آدم . قالوا : ولأنه لا يجوز من الحكيم أن يخاطب الذر . وإنما يجوز خطاب من هو عاقل . ومن كان مثل الذر كيف يجوز خطابه؟ قالوا : ولأنه لا يجوز أن تكون حجة الله بشيء لم يذكر . وإنما تكون الحجة بشيء يكون الإنسان ذاكراً له . قالوا : ولأن الله تعالى قال : { قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين فاعترفنا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ } [ غافر : 11 ] ولم يقل : أحييتنا ثلاث مرات . ولكن الجواب أن يقال : إن الرواية صحيحة ، لأن الآثار قد جاءت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز دفعه . فمن ذلك ما حدثنا الخليل بن أحمد . قال : حدثنا الماسرخسي . قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم وهو ابن علية عن كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ } قال : مسح الله تعالى ظهر آدم فأخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة .
فأخذ ميثاقهم وأشهدهم على أنفسهم { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } . (2/160)
قال : حدثنا الشيخ الرئيس أبو طاهر محمد بن داود . قال : حدثنا محمد بن أحمد بأستراباذ . قال : حدثنا أحمد بن زكريا . قال : حدثنا عبد السلام بن صالح عن جعفر بن سليمان عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري . قال : حججنا مع عمر في أول خلافته فوقف على الحجر ثم قال : أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّلك ما قبّلتك . فقال له عليٌّ رضي الله عنه : لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فإنه يضر وينفع بإذن الله . ولو أنك قرأت القرآن وعلمت ما فيه ما أنكرت عليّ ما قلت . قال الله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } فلما أقروا بالعبودية على أنفسهم ، كتب إقرارهم في رق ، ثم دعا هذا الحجر فقال له : افتح قال : فألقمه ذلك الرق فهو أمين الله في هذا المكان يشهد لمن استلمه ووافاه يوم القيامة . فقال له عمر رضي الله عنه : لقد جعل الله بين ظهرانيكم من العلم غير قليل .
وروى ربيع بن أنس عن أبن العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ } الآية . قال : جمعهم جميعاً فجعلهم أرواحاً ، ثم صورهم ، ثم استنطقهم ، ثم قال : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } شهدنا بأنك ربنا . قال : فإني أرسل إليكم رسلي ، وأنزل عليكم كتبي ، فلا تكذبوا رسلي ، وصدقوا وعدي؛ وأخذ عهدهم وميثاقهم فنظر إليهم آدم فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك . فقال آدم : رب لو شئت سويت بين عبادك . فقال : إني أحببت أن أشكر . قال : والأنبياء يومئذ مثل السرج فأخذ عليهم ميثاق الرسالة أن يبلغوها . فهو قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقًا غَلِيظاً } [ الأحزاب : 7 ] الآية .
قال الفقيه : أخبرني الثقة بإسناده عن مالك بن أنس عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية فقال عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية فقال : « إنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً ، فَقَالَ : خَلَقْتُ هؤلاء لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ . ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً ، فَقَالَ : خَلَقْتُ هؤلاء لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ »
فقال رجل : يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال : « إنَّ الله تَعَالَى إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ . وَإذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ النَّارَ » وبهذا احتج الجبرية أن ما عمل عبد عملاً من خير أو شر إلا ما قدره الله تعالى يوم الميثاق . (2/161)
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لما خلق الله تعالى آدم أخرج ذريته من ظهره مثل الذر ، فقال لأصحاب اليمين : هؤلاء في الجنة ولا أبالي وقال للآخرين : هؤلاء في النار ولا أبالي .
وروى أسباط عن السدي في قول الله تعالى { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ } الآية . قال : لما أخرج الله تعالى آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء ، مسح صفحة ظهر آدم اليمين فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال : ادخلوا الجنة برحمتي ، ومسح صفحة ظهره اليسرى أخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال لهم : ادخلوا النار ولا أبالي . فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } فأجابه طائفة طائعين ، وطائفة كارهين . فقال هو والملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة : { إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } .
فلما رويت فيه من الأخبار من طرق شتى لا يجوز رده ، ويرجع الطعن إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم . ويجب للطاعن أن يطعن في فهم نفسه لا في الصحابة . وهذا كقوله : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هاذآ إِفْكٌ قَدِيمٌ } [ الأحقاف : 11 ] أما الجواب عن قولهم : إنه قال : { مِن ظُهُورِهِمْ } ولم يقل من ظهر آدم فالمعنى في ذلك والله أعلم أنه قد أخرج ذرية آدم الذين هم ولده من صلبه ، ثم أخرج من ظهورهم ذريتهم ، ثم أخرج من بعدهم حتى أخرج جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فأخرج من ظهورهم كل نسمة تخرج من ظهر ، فذكر الأخذ من ظهور ذريته ، ولم يذكر ظهر آدم لأن في الكلام دليلاً عليه كما قال الله تعالى : { النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب } [ غافر : 46 ] ولم يذكر فرعون لأن في الكلام دليلاً عليه .
وأما الجواب عن قولهم : إنه لا يجوز خطاب الذر فعن هذا القول جوابان .
أحدهما : أنه يجوز أن يكونوا كالذر في الصغر ويرزقهم الله تعالى من العقل ما يكونوا به من أهل الخطاب . ألا ترى أن نملة سليمان بن داود عليهما السلام قد تكلمت بكلام العقلاء وفهم ذلك عنها سليمان ، وسبَّح الطير والجبال مع داود ، فكذلك هذا . والجواب الثاني أنهم كانوا كالذر في الازدحام والكثرة لا في الخلقة والجثة . ولكنهم في الخلقة مثل خلقتهم اليوم لأن الذر إذا كثرت وازدحمت لا يعرف عددها . فكذلك ذرية آدم كانوا في الكثرة والازدحام مثل الذر . ولكنهم في الخلقة مثل خلقتهم اليوم . والجواب عن قولهم : أنه لا تكون الحجة بشيء لم يذكر أن يقال : إن الله تعالى قد أرسل الرسل وأخبرهم بذلك الميثاق ، وإذا أخبرهم الرسل بذلك صار حجة عليهم . فإن قيل : إن الرسل وإن أخبروهم فإذا لم يذكروا ذلك فكيف يصير حجة عليهم؟ قيل لهم : وإن لم يذكروا صار قول الثقات حجة عليهم . ألا ترى أن رجلاً لو طلق امرأته وقد نسي فشهد عليه شاهدان عدلان بأنه قد طلقها قبل غيبته عنها يجب عليه أن يقبل قولهما . وكذلك لو صلى فشهد عليه عدلان أنه ترك ركعة من صلاته وجب عليه أن يأخذ بقولهما وإن كان لا يذكر . فكذلك هاهنا والجواب عن قولهم إنه لم يقل : أحييتنا ثلاث مرات . لأن الإحياء المعروف مرتان فذكر الإحياء الذي كان معروفاً عنده . وقوله تعالى : { شَهِدْنَا } قال بعضهم : هذا حكاية عن قول الذرية قالوا : بلى شهدنا . وتم الكلام . ثم في الآية مضمر ومعناه : أخذنا عليهم الميثاق لكي لا يقولوا هذا يوم القيامة { إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } وقال بعضهم : إنما تمّ الكلام عند قوله : { بلى } ثم إنه قال تعالى : { شَهِدْنَا } يعني : شهدنا عليكم وأخذنا عليكم الميثاق لكيلا يقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن هذا الميثاق غافلين { أَوْ تَقُولُواْ } أي : لكيلا تقولوا : { أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا } ونقضوا العهد { وَكُنَّا ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ } لم نعلم به { أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون } يعني : آباؤنا المشركون . فإن قيل : هل كان إقرارهم إيماناً منهم؟ قيل له : أما المؤمنون كان إقرارهم إيماناً . وأما الكافرون فلم يكن إقرارهم إيماناً . لأن إقرارهم كان تقية . ولم يكن حقيقة . قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو { ذرياتهم } بلفظ الجماعة . وقرأ الباقون { واتبعتهم ذُرّيَّتُهُم } بلفظ واحد لأن الذرية قد أضافها إلى الجماعة فاستغنى عن لفظ الجمع . وقرأ أبو عمرو { أَن يَقُولُواْ } بالياء وكذلك في قوله { أَوْ يَقُولُواْ } . وقرأ الباقون كليهما بالتاء على معنى الخطاب . (2/162)
قوله عز وجل : { وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الايات } يعني : هكذا نبيّن الآيات في أمر الميثاق { وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إلى إقرارهم وإلى التوبة فالواو الأولى للعطف وهو قوله { وكذلك } والواو الثانية زيادة للوصل وهي قوله : { وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ومعناه : وكذلك نفصل الآيات لعلهم يرجعون أي لكي يرجعوا .
قوله تعالى :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)
{ واتل عَلَيْهِمْ } أَيُّ إِن لَّمْ يرجعوا بذكر الميثاق ولم يتوبوا فاتل عَلَيْهِمْ { نَبَأَ الذى ءاتيناه } أي خبر الذي أعطيناه { ءاياتنا } يعني : أكرمناه باسم الله الأعظم . ويقال : { واتل عَلَيْهِمْ } يعني : الكتاب وهي علم التوراة وغيره { فانسلخ مِنْهَا } يعني : خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها . ويقال : تهاون بها ولم يعرف حقها ، ولا حرمتها ، وخرج منها { فَأَتْبَعَهُ الشيطان } يقول : غرّه الشيطان { فَكَانَ مِنَ الغاوين } أي فصار من الظالمين وفي الضالين . قال بعضهم : هو بلعم بن باعوراء كان عابداً من عباد بني إسرائيل ، وكان مستجاب الدعوة ، فنزع الله تعالى الإيمان عنه بدعاء موسى عليه السلام ، وذلك أن موسى عليه السلام قاتل فرعوناً من الفراعنة فجمع ذلك الفرعون الكهنة والسحرة ، فقال لهم : أعينوني على هؤلاء يعني : قوم موسى فقالوا : لن تستطيعهم ، ولكن بجوارك رجل منهم فلو بعثت إليه واستعنت به ، فبعث الملك إلى بلعم فلم يجبه ، فبعث الملك إلى امرأة بلعم الهدايا وطلب منها بأن تأمره بأن يجيب الملك ، فجاءته امرأته وقالت : نحن في جوار هذا الملك فلا بد لك من إجابته . فأجابهم إلى ذلك ، وركب أتاناً له ، وخرج إليهم فسار حتى إذا كان في بعض الطريق وقفت أتانه فضربها ، فلما ألح عليها كلّمته الأتان وقالت : انظر إلى ما بين يديك فنظر فإذا هو جبريل قال له : خرجت مخرجاً ما كان ينبغي لك أن تخرج . فإذا خرجت فقل حقاً قال : فلما قدم عليه أمر له بالذهب والفضة والخدم والفرش فقبل . فقال له : قد دعوتك لتدعو لي على هذا العسكر دعوة . قال : غداً . فلما تلاقى القوم قال بلعم : إن بني إسرائيل أمة موسى ملعون من لعنهم ومبارك من بارك عليهم . فقالوا له : ما زدتنا إلا خبالاً . قال بلعم : ما استطعت غير ما رأيت . ولكني أدلك على أمر إن فعلته فوقعوا به خُذِلوا ونصرت عليهم ، تعمد إلى نساء حسان فتجعل عليهم الحلي والثياب والعطر ثم ترسلهن في عسكرهم . فإن وقعوا بهن خذلوا . ففعل ذلك فما تعرض لهن منهم إلا سفهاؤهم فخذلوا . فأخبر بذلك موسى فدعا عليه فنزع الله منه الإيمان . وقال بعضهم : إنما هو أمية بن أبي الصلت قرأ الكتب ورغب عن عبادة الأوثان وكان يخبر أن نبينا يبعث وكان قد أظل زمانه . وكان يرى أن الوحي ينزل عليه لكثرة علمه . فلما سمع بخروج النبي صلى الله عليه وسلم وقصته كفر حسداً له . وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع شعره قال : « آمن لسانه وكفر قلبه » فذلك قوله : { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ } . (2/163)
ثم قال : { وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا } يعني : بالآيات ويقال : رفعناه في الآخرة بما علمناه من آياتنا { ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الارض } يعني : أمية بن أبي الصلت أو بلعم بن باعوراء مال إلى الدنيا ورضي بها { واتبع هَوَاهُ } أي هوى نفسه ويقال : عمل بهوى المرأة وترك رضى الله ويقال : أخذ مسافل الأمور وترك معاليها { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب } يقول : مثل بلعم كمثل الكلب { إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ } يقول : إن طردته فهو يلهث { أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث } يعني : وإن تركته فهو يلهث . قال القتبي : كل شيء يلهث من إعياء أو عطش ما خلا الكلب . فإنه يلهث في حال الراحة والصحة والمرض . فضرب الله تعالى به مثلاً يعني : كما أن الكلب إن طردته أو تركته يلهث فكذلك بلعم أو أمية بن أبي الصلت إن وعظته لم يتعظ وإن تركته لم يفعل . وقال مجاهد : يعني الكفار إن قرىء عليهم الكتاب لم يقبلوا ، وإن لم يقرأ عليهم لم يعملوا هم أهل مكة . { ذلك مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بثاياتنا } يعني : ذلك صفة الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن { فاقصص القصص } أي اقرأ عليهم القرآن { لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } أي : لكي يتعظوا بأمثال القرآن ويؤمنوا به . (2/164)
قوله تعالى : { سَاء مَثَلاً } يعني : بئس مثل { القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } يعني : بئس مثل من كان مثل الكلب ، وإنما ضرب المثل بالكلب تقبيحاً لمذهبهم . ويقال : { بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ } وكانت صفتهم مثل صفة بلعم وهم أهل مكة كذبوا بآياتنا ، فلم يؤمنوا بها مثل بلعم { وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } يعني : يضرون بأنفسهم ثم قال تعالى : { مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى } يعني : من يهده الله لدينه فهو المهتدي من الضلالة { وَمَن يُضْلِلِ } يعني : ومن يضله عن دينه ويخذله { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } بالعقوبة .
قوله تعالى :
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)
{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا } يعني : خلقنا لجهنم كثيراً { مّنَ الجن والإنس } فإن قيل : قد قال في آية أخرى : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] فأخبر أنه خلق الجن والإنس لعبادته . وهاهنا يقول : خلقهم لجهنم . قيل له : قد خلقهم للأمرين جميعاً منهم من يصلح لجهنم فخلقه لها ، ومنهم من يصلح للعبادة فخلقه لها ، ولأن من لا يصلح لشيء لا يخلقه لذلك الشيء . ويقال معنى قوله : { إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } يعني : إلا للأمر والنهي . ويقال : { إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } يعني : إلا لكي يمكنهم أن يعبدوا ، وقد بينت لهم الطريق . ويقال : في هذه الآية تقديم وتأخير . ومعناه : ولقد ذرأنا جهنم لكثير من الجن والإنس . (2/165)
ثم وصفهم فقال تعالى : { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } يعني : لا يعقلون بها . الحق كما قال في آية أخرى : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غشاوة وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } [ البقرة : 7 ] ثم قال : { وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } يعني : الهدى { وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } يعني : الهدى .
ثم ضرب لهم مثلاً آخر فقال : { أُوْلَئِكَ كالانعام } فشبههم بالأنعام لقلة رغبتهم وتغافلهم عن الحق . يعني : إنهم كالأنعام في ذهنهم لا في صورهم . لأنه ليس للأنعام إلا الأكل والشرب ، فهي تسمع ولا تعقل ، كذلك الكافر هو غافل عن الأمر والنهي والوعد والوعيد .
ثم قال : { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } سبيلاً يعني : الكفار أخطأ طريقاً من الأنعام ، لأن الأنعام إذا عرفت أنها تركت الطريق رجعت إلى الطريق ، والكفار لا يرجعون إلى الطريق . ولأن الأنعام تعرف ربها ، والكفار لا يعرفون ربهم . ويقال : لمَّا نزلت هذه الآية { أُوْلَئِكَ كالانعام } تضرعت الأنعام إلى ربها . فقالت : يا ربنا شبهت الكفار بنا ونحن لا ننكر وحدانيتك . فأعذر الله تعالى الأنعام . فقال : { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } من الأنعام لأن الأنعام مطيعة لله تعالى . والكفار غير مطيعين لله تعالى .
ثم قال : { أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون } يعني : عن أمر الله تعالى وعما ينفعهم . قال الفقيه أبو الليث : حدثنا أبو جعفر . قال : حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن عبد الله القاري . قال : حدثنا حازم بن يحيى الحلواني . قال : حدثنا الحسين بن الأسود . قال : حدثنا أبو أسامة عن يزيد بن سنان عن أبي منيب الحمصي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خَلَقَ الله الجِنَّ ثَلاَثَةَ أصْنَافٍ صِنْفاً حَيَّاتٍ وَعَقَارِبَ وَخَشَاشَ الأَرْضِ ، وَصِنْفاً كَالرِّيحِ فِي الهَوَاءِ ، وَصِنْفَاً عَلَيْهِمُ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ ، وَخَلَقَ الله الإنْسَ ثَلاثَةَ أصْنَافٍ صِنْفاً كَالبَهَائِمِ وَهُمُ الكُفَّارُ ، قال : قال الله تعالى : { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } إلى قوله : { أُوْلَئِكَ كالانعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ } وَصِنْفاً آخَرَ أَجْسَادُهُم كَأَجْسَادِ بَنِي آَدَم وَأَرْوَاحُهُم كَأَرْوَاحِ الشَّيَاطِينِ ، وَصِنْفاً فِي ظِلِّ الله يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلَّهُ »
قوله تعالى : { وَللَّهِ الاسماء الحسنى فادعوه بِهَا } وذلك أن رجلاً دعا الله في صلاته ، ودعا الرحمن . فقال أبو جهل : أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فأنزل الله تعالى { وَللَّهِ الاسماء الحسنى فادعوه بِهَا } الرحمن الرحيم الملك القدوس ونحوه . فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الرجل فقال : « ادْعُ الله أَوْ ادْعُ الرحمن رَغْماً لأَنْفِ المُشْرِكِينَ » ويقال : { وَللَّهِ الاسماء الحسنى } يعني : الصفات العلى { فادعوه بِهَا } . وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مائَةً إلاَّ وَاحِدَةً مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ وَمِنْ أسْمَائِهِ عَزَّ وَجَلَّ الرحمن الرَّحِيمُ » وقد ذكرنا تفسيرها ومن أسمائه الأحد وأصله الوحد بمعنى الواحد ، وهو الذي ليس كمثله شيء ، ومنها الصمد وهو السيد الذي صمد إليه كل شيء أي قصده . ومنها القيوم وهو البالغ في القيام بكل ما خلق . ومنها الولي يعني : المتولي أمور المؤمنين . ومنها اللطيف وهو الذي يلطف بالخلق من حيث لا يعلمون ، ولا يقدرون ومنها الودود المحب الشديد المحبة . ومنها الظاهر والباطن الذي يعلم ما ظهر وما بطن . ومنها البديع الذي ابتدع الخلق على غير مثال . ومنها القدوس أي ذو البركة . ويقال : الطاهر ومنها الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء . ومنها الحنان أي ذو الرحمة والعطف . ومنها المنان الكثير المنّ على عباده . ومنها الفتاح يعني : الحاكم . ومنها الديان يعني : المجازي . ومنها الرقيب : يعني الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء . ومنها ذو القوة المتين يعني الشديد القوة على أمره . ومنها الوكيل الذي يتوكل بالقيام بجميع ما خلق . ومنها السبوح الذي تنزه عن كل سوء ومنها السلام يعني : الذي سَلِم الخلق من ظلمه . ومنها المؤمن الذي أمن الخلق من ظلمه . ومنها العزيز أي : المنيع الذي لا يغلبه شيء . ومنها المهيمن يعني : الشهيد . ومنها الجبار الذي جبر الخلق على ما أراد . ومنها المتكبر الذي تكبر عن ظلم العباد . ومنها الباري يعني : الخالق وسائر الأسماء التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم . وقال الزجاج : لا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يصف به نفسه ، ولم يسم به نفسه ، فيقول : يا جواد ولا ينبغي له أن يقول : يا سخي ، لأنه لم يسم به نفسه . وكذلك يقول : يا قوي ولا يقول : يا جلد . (2/166)
ثم قال : { وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَئِهِ } قرأ حمزة { يُلْحِدُونَ } بنصب الياء والحاء .
وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الحاء { يُلْحِدُونَ } فمن قرأ بالنصب فمعناه : وذروا الذين يميلون في أسمائه يعني : يُحَوِّرون ويمارون في أسمائه ويعدلون ، فسموا اللات والعزى . ومن قرأ بالضم فمعناه : وذروا الذين يجادلون ويمارون في أسمائه . ويقال : إن الله تعالى قد احتج على الكفار بأربعة أشياء بالخلق . وهو قوله تعالى : { هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ بَلِ الظالمون فِى ضلال مُّبِينٍ } [ لقمان : 11 ] وقال : { إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابَاً ولو اجتمعوا له } [ لقمان : 11 ] وقال : { ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب } [ الحج : 73 ] والثاني في الملك وهو قوله { وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا سبحانه بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والارض كُلٌّ لَّهُ قانتون } [ البقرة : 116 ] . (2/167)
وقال في الأوثان { أَمِ اتخذوا مِن دُونِ الله شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ } [ الزمر : 43 ] والثالث في القوة وهو قوله : { يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } [ البقرة : 20 ] { فَاطِرُ السماوات والارض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا وَمِنَ الانعام أزواجا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السميع البصير } [ الشورى : 11 ] { وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الارض واستعمركم فِيهَا فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } [ هود : 61 ] { إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين } [ الذاريات : 58 ] وقال في الأوثان : { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ } [ الأعراف : 195 ] فوصفهم بالعجز . والرابع بالأسماء فقال { وَللَّهِ الاسماء الحسنى } وقال في الأوثان { وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَئِهِ } ويقال : إن الكفار أرادوا أن يسموا آلهتهم الله فجرى على لسانهم اللات وقال أهل اللغة : إنما سمي اللات لأنه كان عنده رجل كان يلت السويق . وأرادوا أن يسموا العزيز فجرى على لسانهم العزى . وأرادوا أن يسموا منان فجرى على لسانهم مناة . وبقيت تلك الأسماء للأصنام . وأصل الإلحاد هو الميل ولهذا سمي اللحد لحداً لأنه في ناحية .
ثم قال { سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعني : وسيهانون ويعاقبون بما كانوا يعملون من الشرك والإلحاد في الأسماء .
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)
قوله تعالى : { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق } يعني : جماعة وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم يهدون بالحق يعني يدعون إلى الحق ويأمرون بالحق { وَبِهِ يَعْدِلُونَ } يعني بالحق يعملون وذلك أنه لما نزل قوله تعالى : { وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ } [ الأعراف : 159 ] قال أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله قد ذكر الله تعالى هؤلاء الرهط بالخير الجسيم من بني إسرائيل إن آمنوا بك وجعل لهم أجرين ، ولنا أجراً واحداً ، وقد صدقناك والرسل والكتب فنزل { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ } يعني : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم { يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ } . (2/168)
قوله تعالى : { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } يعني : بمحمد والقرآن { سَنَسْتَدْرِجُهُم } يعني : سنأخذهم بالعذاب { مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } يعني : من حيث لا يشعرون . وقال الكلبي : يعني نزيّن لهم فنهلكهم من حيث لا يعلمون . يقول : سنأتيهم وهم المستهزئون فيقتل كل رجل منهم بغير قتلة صاحبه . وقال القتبي : الاستدراج أن يذيقهم من بأسه قليلاً قليلاً . ويقال : استدرج فلان فلاناً يعني : يعرف ما عنده وأصل هذا من الدرجة لأن الراقي يرقى درجة درجة . فاستعير من هذا كقوله تعالى { والمرسلات عُرْفاً } [ المرسلات : 1 ] يعني : الملائكة يتابعون بعضهم بعضاً كعرف الفرس . وكقوله تعالى : { المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون } [ التوبة : 67 ] يمسكون عن العطية . وقال السدي : { سَنَسْتَدْرِجُهُم } يعني : كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها ، ثم نأخذهم من حيث لا يعلمون ، فذلك الاستدراج .
ثم قال : { وَأُمْلِى لَهُمْ } يعني : وأمهلهم { إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } يعني : عقوبتي شديدة . ويقال : إن صنيعي محكم . ويقال : إن أخذي شديد .
ثم قال تعالى : { أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ } يعني : أهل مكة فيما يأمرهم محمد صلى الله عليه وسلم أن يعبدوا خالقهم ، ورازقهم ، وكاشف الضر عنهم ، ولا يعبدوا من لا يقدر على شيء منه أمثل هذا يكون مجنوناً . ويقال : معناه { أَوَ لَم يَتَفَكَّرُواْ } في دلائل النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته ليستدلوا بأنه نبي وقد تم الكلام .
ثم استأنف فقال { مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ } ويقال : هذا على وجه البناء . ومعناه : أو لم يتفكروا ليعلموا { مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ } يعني : جنوناً . ويقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم صعد ذات ليلة الصفا ، فدعا قريشاً إلى عبادة الله تعالى بأسمائهم فرداً فرداً ، فقال بعضهم : إن صاحبكم لمجنون . فوعظهم الله تعالى فقال { أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ } يقول : أو لم يجالسوه ويكلموه هل به من جنون { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي رسولاً بيناً .
وهذا كقوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بواحدة أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بصاحبكم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [ سبإ : 46 ] . (2/169)
ووعظهم ليعتبروا في صنعه فيوحدوه فقال : { أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السموات والارض } أي في خلق السموات والأرض { وَمَا خَلَقَ الله مِن شَىْء } في السماء من الشمس والقمر والنجوم وما خلق الله في الأرض من الجبال والبحار وغير ذلك فيعتبروا ، ويؤمنوا بأن الذي خلق الذي ترون ، هو رَبّ واحد لا شريك له { وَأَنْ عسى } يعني : وينظروا في أن عسى { أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } يعني : قد دنا هلاكهم { فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } يعني : إن لم يؤمنوا بالقرآن فبأي حديث يؤمنوا بعد القرآن . لأن هذا آخر الكتب نزولاً وليس بعده كتاب ينزل .
ثم قال تعالى : { مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ } أي : من يخذله الله عن دين الإسلام فلا هادي له إلى الهدى { وَيَذَرُهُمْ فِى طغيانهم يَعْمَهُونَ } أي : يتركهم في ضلالتهم يترددون . قرأ أبو عمرو { وَيَذَرُهُمْ } بالياء وضم الراء على معنى الخبر . وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر { وَنَذَرُهُمْ } بالنون وضم الراء ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { وَيَذَرُهُمْ } بالياء وجزم الراء وجعلوه جواب الشرط . ومعناه : من يضلل الله يذره .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)
قوله تعالى : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة } أي : قيام الساعة { أَيَّانَ مرساها } أي متى حينها وقيامها . ويقال : هذا الكلام على الاختصار . ومعناه : أي أوان قيامها . (2/170)
ثم قال : { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } أي : علم قيام الساعة عند ربي وما لي بها من علم { لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } أي لا يكشفها لحينها إلا الله . ويقال : لا يقدر أحد على إظهارها إلا هو . يعني : إلا الله . ويقال : لا يعلم أحد قيامها إلا هو { ثَقُلَتْ فِى السموات والارض } أي ثقل علم قيام الساعة على أهل السموات وأهل الأرض . ويقال : ثقلت أي : خفي علمها ، وإذا خفي الشيء ثقل علمه . ويقال : معناه ثقل حمل ذكرها لفظاعة شأنها وأمرها .
ثم قال : { لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } يعني : فجأة . ثم قال : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ } قال مقاتل : كأنك استحفيت عنها السؤال حتى علمتها . وقال القتبي : أي : كأنك حفي تطلب علمها . ومنه يقال : تحفى فلان بالقوم إذا بالغ في البر . ويقال : كأنك حفي عنها أي كأنك جاهل بها . ويقال : في الآية تقديم ومعناه : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ } يعني : كأنك عالم بها { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله } وروى إبراهيم بن يوسف بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال : متى الساعة؟ فقال : « مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ عَشْرَةٌ يَقْرَبُ فِيهَا المَاحِلُ وَيَطْرُفُ فِيها الفَاجِرُ وَيَعْجَزُ فِيها المُنْصِفُ وَتَكُونُ الصَّلاَةُ منّاً والزَّكَاةُ مَغْرَماً وَالأَمَانَةُ مَغْنَماً وَاسْتِطَالَةُ القُرَّاءِ فَعِنْدَ ذلك تَكُونُ أَمَارَةُ الصِّبْيانِ وَسُلْطَانُ النِّساءِ وَمَشُورَةُ الإِماءِ »
ثم قال : { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله } يعني : علم قيامها عند الله { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } أنها كائنة ولا يصدقون بها .
قوله تعالى : { قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا } قال مقاتل : يعني لا أقدر لنفسي أن أسوق إليها خيراً أو أدفع عنها ضراً حين ينزل بي فكيف أملك علم الساعة { إِلاَّ مَا شَاء الله } فيصيبني { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب } أي غيب النفع والضر إذ جاء { لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير وَمَا مَسَّنِىَ السوء } يعني : لاستكثرت من النفع وما أصابني الضر . وقال الكلبي : إنّ أهل مكة قالوا له ألا يخبرك ربك بالبيع الرخيص قبل أن يغلو فتشتريه فتربح فيه؟ فنزل قل لهم : { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير } للجدوبة والقحط . ويقال : لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح . وقال الضحاك : قال لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً يعني الغنى والفقر إلا ما شاء الله إن شاء أغنى عبده وإن شاء أفقره { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب } أي مواضع الكنوز لاستخرجتها وما مسني السوء يعني : الفقر { إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ } أي مخوف بالنار { وَبَشِيرٌ } يعني : مبشراً بالجنة { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يعني : يصدقون بالبعث .
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195)
قوله تعالى : { هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } يعني : من نفس آدم { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } يعني : خلق من نفس آدم من ضلع من أضلاعه اليسرى زوجته حواء { لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } يعني : ليطمئن إليها ويجامعها { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } أي : سكن إليها وجامعها { حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } يعني : خفيف الماء { فَمَرَّتْ بِهِ } أي : استمرت بالحمل . يقول : قامت بالحمل وقعدت ولا تدري أهي حبلى أم لا { فَلَمَّا أَثْقَلَت } يعني : ثقل الولد في بطنها { دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا } وذلك أن إبليس أتاها فقال : يا حواء ما هذا الذي في بطنك؟ قالت : ما أدري . قال : أخاف إنها بهيمة ، وإني من الله بمنزلة ، فإن دعوت الله فولدت إنساناً صالحاً أتسميه باسمي؟ قالت : نعم . وما اسمك قال : عبد الحارث فكذب . فدعت حواء وآدم فذلك قوله : دعوا الله ربهما { لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا } يعني : أعطيتنا ولداً سوياً صحيح الجوارح { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } وهذا قول سعيد بن جبير رواه عن ابن عباس . وروى معمر عن قتادة أنه قال : كان آدم لا يولد له ولد إلا مات فجاء الشيطان وقال : إن سرك أن يعيش ولدك فسمه عبد الحارث ففعل . فأشركا في الاسم . ولم يشركا في العبادة . وروي عن السدي أنه قال : اسم إبليس هو الحارث يوم لعن فأراد أن ينسب إليه ، فأمرها فسمته عبد الحارث ، فعاش بعد ذلك أياماً ثم مات . فذلك قوله : { فَلَمَّا ءاتاهما } يعني : أعطاهما { صالحا } خلقاً آدمياً سوياً { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما } قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } بكسر الشين وجزم الراء وقرأ الباقون { شُرَكَاء } بالضم ونصب الراء . فمن قرأ بالكسر فهو على معنى التسمية ، وهو اسم يقوم مقام المصدر ومن قرأ بالضم فمعناه : { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } يعني : الشريك في الاسم وإنما ذكر الشركاء وأراد به الشريك يعني : الشيطان فإن قيل : من قرأ بالكسر كان من حق الكلام أن يقول جعلا لغيره شركاً ، لأنهما لا ينكران أن الأصل لله تعالى . وإنَّما جعلا لغيره شركاً أي نصيباً . قيل له : معناه { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } يعني : ذا شرك . فذكر الشرك والمراد به شركه كقوله تعالى : { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ يوسف : 12 ] أي أهل القرية فضرب الله تعالى بهذا مثلاً للكفار يعني : كما أن آدم وحواء أعطاهما ورزقهما فاشركوا في عبادته . (2/171)
ثم نزه نفسه عن الشرك فقال تعالى : { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي هو أعلى وأجل من أن يوصف بالشرك .
ثم رجع إلى قصة الكفار فقال الله تعالى : { أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً } يعني : أيشركون الآلهة مع الله تعالى وهم كفار مكة ما لا يخلق شيئاً وهي الآلهة { وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } يعني : لا يستطيعون أن يمتنعوا مما نزل بهم من العذاب { وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى } قال الكلبي يعني : الآلهة .
وإن يدع المشركون آلهتهم إلى أمر { لاَ يَتَّبِعُوكُمْ } يعني : لا يتّبعهم آلهتهم { سَوَاء عَلَيْكُمْ } يا أهل مكة { أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون } لا تعقل شيئاً لأنه ليس فيها روح . وقال مقاتل : { وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى } يعني : كفار مكة { لاَ يَتَّبِعُوكُمْ } لا يتبعونكم يعني : النبي صلى الله عليه وسلم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون فلا يؤمنون قرأ نافع { لاَ يَتَّبِعُوكُمْ } بجزم التاء وقرأ الباقون بالنصب والتشديد { لاَ يَتَّبِعُوكُمْ } وهما لغتان تبعه وأتْبعه معناهما واحد . (2/172)
ثم قال تعالى : { إِنَّ الذين تَدْعُونَ } يعني : تعبدون { مِن دُونِ الله } يعني : الأصنام { عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } يعني : مخلوقين مملوكين أشباهكم وليسوا بآلهة { فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صادقين } أنها آلهة .
ثم قال عز وجل : { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } يعني : في حوائجكم { أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا } يعني : يعطون بها ويمنعون عنكم الضر { أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا } يعني : عبادتكم { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ } يعني : دعاءكم وقد احتجت المشبهة بهذه الآية أن من لا يكون له يد ولا رجل ولا بصر لا يصلح أن يكون إلها . ولكن لا حجة لهم في ذلك لأن الله تعالى بيّن ضعف معبودهم وعجزهم ، وبيّن أنهم اشتغلوا بشيء لا فائدة فيه ولا منفعة لهم في ذلك .
ثم قال : { قُلْ } يا محمد يعني : لكفار مكة { ادعوا شُرَكَاءكُمْ } يعني : آلهتكم { ثُمَّ كِيدُونِ } يعني : اعملوا بي ما شئتم { فَلاَ تُنظِرُونِ } يعني : لا تمهلون ولا تؤجلون لأنهم خوفوه بآلهتهم قرأ أبو عمرو { ثُمَّ } بالياء في حال الوصل وقرأ الباقون بغير الياء .
ثم قال عز وجل :
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)
{ إِنَّ وَلِيّىَ الله الذى نَزَّلَ الكتاب } يعني : حافظي وناصري الله الذي نزل الكتاب . يعني : القرآن . ويقال : إن الذي يمنعني منكم الله الذي أنزل جبريل بالكتاب { وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين } يعني : المؤمنين فيحفظهم ولا يكلهم إلى غيره . (2/173)
ثم قال : { والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ } يعني : تعبدون من دون الله { لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ } أي : لا يقدرون منعكم { وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } أي يمنعون ممن أذاها ، لأن الكفار كانوا يلطخون العسل في فم الأصنام ، وكان الذباب يجتمع عليه فلا تقدر دفع الذباب عن نفسها .
ثم قال تعالى : { وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ } قال الكلبي : يعني إن دعا المشركون آلهتهم لا يسمعون أي يجيبونهم { وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } يعني : الأصنام تراهم مفتحة أعينهم وهم لا يبصرون شيئاً . قال مقاتل : { وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى } يعني : كفار مكة { لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } الهدى . قوله تعالى : { خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف } قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني : خذ ما أعطوك من الصدقة يعني : ما فضل من الأكل والعيال ، ثم نسخ بآية الزكاة وهذا كقوله تعالى : { يَسْألُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو كذلك يُبيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } [ البقرة : 219 ] يعني : الفضل وأمر بالمعروف يعني : ادعهم إلى التوحيد { وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } أي من جهل عليك مثل أبي جهل وأصحابه ، وكان ذلك قبل أن يؤمر بالقتال . ويقال : { خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف } يعني : اعف عمن ظلمك واعط من حرمك وصل من قطعك .
قال الفقيه أبو الليث : حدثنا عن الشعبي الخليل بن أحمد . قال : حدثنا الديبلي . قال : حدثنا أبو عبيد الله وحدثنا سفيان عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما نزلت هذه الآية { خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } سأل عنها جبريل . فقال جبريل : حتى أسأل العالم ، فذهب ثم أتاه ، فقال : يا محمد إن الله تعالى يأمرك أن تَصِل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عن من ظلمك . وقال القتبي في قول النبي : صلى الله عليه وسلم « أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ » فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر في هذه الآية كيف جمع له في هذا كل خلق عظيم ، لأن في أخذ العفو صلة القاطعين ، والصفح عن الظالمين ، وإعطاء المانعين ، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله ، وصلة الأرحام ، وغض البصر ، وفي الإعراض عن الجاهلين الحلم ، وتنزيه النفس عن مماراة السفيه ، وعن منازعة اللجوج ، وإنما سمي المعروف معروفاً لأن كل نفس تعرفه وكل قلب يطمئن إليه .
قوله تعالى : { وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان } قال مقاتل يعني : ولا يفتننكم فتنة في أمر أبي جهل { نَزْغٌ فاستعذ بالله } قال الكلبي : أي : وإما يصيبنك من الشيطان وسوسة فاستعذ بالله وقال الزجاج : النزع أدنى حركة . ومعناه : إن أتاك من الشيطان أدنى وسوسة فاستعذ بالله { إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يعني : سميع لدعائك بوسوسة الشيطان .
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)
قوله تعالى : { إِنَّ الذين اتقوا } يعني : اتقوا الشرك والفواحش { إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ الشيطان } يعني : ذنب { تَذَكَّرُواْ } يعني : عرف المتقون أنها معصية { فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } يعني : إذا هم على بصيرة منتهون عن المعصية . وقال الزجاج : { تَذَكَّرُواْ } ما أوضح الله لهم من الحجة { فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي { طيف } بغير ألف وقرأ الباقون بالألف { مَسَّهُمْ طَئِفٌ } . وروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ { إِذَا مَسَّهُمْ } ، والطيف الغضب وعن مجاهد في قوله { مَسَّهُمْ طَئِفٌ } قال الغضب . (2/174)
ثم ذكر حال الكفار فقال عز وجل : { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } يعني : إخوان الشياطين يمدونهم أي : يدعونهم إلى المعصية . ويقال : يلجونهم في الشرك والضلالة . { ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } عنها كما أقصر المسلمون عنها حين أبصروها . قرأ نافع { يَمُدُّونَهُمْ } بضم الياء وكسر الميم من أمَدَّ يُمِدّ . وقرأ الباقون { يَمُدُّونَهُمْ } بالنصب من مَدَّ يَمُدُّ . قال بعضهم : هذا عطف على قوله : { وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ } { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } . وقال الزجاج : معناه التقديم . والمعنى لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } يعني : الشياطين والغي : الجهل والوقوع في الهلكة .
قوله تعالى : { وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِئَايَةٍ } وذلك حين أبطأ عليه جبريل حين سألوه شيئاً { قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها } أي : هلاّ أتاهم من تلقاء نفسه؟ وهذا كقوله : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيِّنَاتٍ قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائت بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لى أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ إنى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [ يونس : 15 ] { قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَىَّ مِن رَّبّى } أي : قل إذا أمرت بأمر فعلت ولا أبتدع ما لم أومر { هذا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } يعني : القرآن بيان من ربكم . وقال بعض أهل اللغة : البصائر في اللغة : طرائق الأمر واحدتها بصيرة : ويقال : طريقة الدين معناه : ظهور الشيء وبيانه { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } أي : القرآن هدى من الضلالة ويقال : كرامة ورحمة من العذاب ونعمة لمن آمن به { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يعني : يصدقون .
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)
قوله تعالى : { وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } وذلك أن المسلمين كانوا يتكلمون في الصلاة قبل نزول هذه الآية ، فنهوا عن ذلك ، وأمروا بالسكوت . وروى عبد الوهاب عن مجاهد عن أبي العالية الرياحي قال : كان النبي عليه السلام إذا صلى فقرأ وقرأ أصحابه خلفه حتى نزل { وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } فسكت القوم . وقرأ النبي عليه السلام وروى قتادة عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى : { وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } قال في الصلاة . وروى مغيرة عن إبراهيم مثله ، وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله : { وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ } هذا لكل قارىء؟ قال : لا ، ولكن هذا في الصلاة المفروضة . وقال أبو هريرة رضي الله عنه مثله . وقال مجاهد : وجب الإنصات في موضعين في الصلاة والإمام يقرأ ، وفي الجمعة والإمام يخطب . وعن مجاهد أنه قال : لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم . وقال عطاء والحسن إن هذا في الصلاة والخطبة . ويقال : { فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } أي : اعملوا بما في كتاب الله تعالى ولا تجاوزوا عنه إلى غيره (2/175)
ثم قال { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } لكي ترحموا فلا تعذبوا .
قوله تعالى : { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا } يقول : اقرأ يا محمد إذا كنت إماماً بنفسك تضرعاً يعني : مستكيناً { وَخِيفَةً } يعني : وخوفاً من عذابه وهذا قول مقاتل . وقال الكلبي : { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } يعني : سراً { وَدُونَ الجهر مِنَ القول بالغدو والاصال } يعني : العلانية حتى يسمع من خلفك . وقال الضحاك : معناه اجهر بالقراءة في الغداة والمغرب والعشاء { وَلاَ تَكُنْ مّنَ الغافلين } يعني : لا تغفل عن القراءة في الظهر والعصر ، فإنك تخفي القراءة فيهما وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال « اذْكُرُوا الله ذِكْراً كَثِيراً خَامِلاً » قيل : وما الذكر الخامل؟ قال : « الذِّكْرُ الخَفِيُّ »
قوله تعالى : { بالغدو والاصال } يعني : غدوة وعشية . وروى يحيى بن أيوب عن خالد بن سعيد بن أبي هلال عن من سمع عقبة بن عامر قال : المسر بالقراءة كالمسر بالصدقة ، والمعلن بالقراءة كالمعلن بالصدقة .
ثم قال : { وَلاَ تَكُنْ مّنَ الغافلين } عن القراءة في الصلاة .
قوله تعالى : { إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ } يعني : الملائكة { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } وذلك أن كفار مكة { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً } [ الفرقان : 60 ] واستكبروا عن السجود فنزل { إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ } يعني : الملائكة لا يستكبرون عن عبادته يعني : لا يتعظمون ولا يستنكفون عن طاعته { وَيُسَبّحُونَهُ } يقول : ويذكرونه { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } يعني : يصلون . وقال أهل اللغة : الآصال جمع الأُصل والأُصُل جمع الأَصِيل والآصال جمع الجمع يعني : العشيات والله أعلم بالصواب .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)
قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } ، يعني الغنائم واحدها غنيمة نفل ، وكذلك قال لبيد : (2/176)
إنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَل ... وَبِإِذْنِ الله رَيْثِي والعَجَلْ
قال ابن عباس { عَنْ } صلة في الكلام وإنّما هو : يسألونك الأنفال أي الغنائم ، ويقال : فيه تقديم ومعناه يسألون عنك الأنفال ، ويقال : يسألونك لمن الأنفال؟ يقال : إنما سألوا عنها لأنها كانت محرمة من قبل ، فسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } يعني الغنائم . قال الفقيه حدثنا أبو الفضل بن أبي حفص قال : حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال : حدثنا إبراهيم بن أبي داود قال : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، عن عبد الرحمن بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن سليمان بن موسى ، عن مكحول ، عن أبي أمامة ، عن عبادة بن الصامت قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فلقي العدو ، فلما هزمهم الله تعالى ، أتبعهم طائفة من المسلمين يقتلونهم ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستولت طائفة بالعسكر والنهب؛ فقال الذين طلبوهم؛ نحن طلبنا العدو ، وبنا نفاهم الله تعالى وهزمهم ، فلنا النفل؛ وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا ينال العدو منه غرة ، فهو لنا؛ وقال الذين استولوا على العسكر والنّهب : والله ما أنتم بأحق منا ، بل هو لنا نحن حويناه واستوليناه . فأنزل الله تعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } ، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بينهم عن فواق أي عن سواء وروى أسباط ، عن السدي قال : كانت الأنفال لله ورسوله ، فنسخ بقوله : { واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إِن كُنتُمْ ءَامَنْتُم بالله وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان والله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } [ الأنفال : 41 ] . وعن عكرمة ومجاهد مثل ذلك . قوله تعالى : { فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } ، يعني اخشوا الله ، وأطيعوه في أمر الغنيمة { وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } أي ما بينكم من الاختلاف في الغنيمة . { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } ، يعني في أمر الصلح والغنيمة . { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ، يعني إن كنتم صادقين . ويقال : معناه اتركوا المراء في أمر الغنيمة بأن كنتم مصدِّقين . ثم نعت المؤمنين المصدِّقين ، فقال عز وجل : { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } ؛ ويقال : إنما المصدقون الذين إذا أُمروا بأمر في الغنيمة وغيرها من قبل الله عز وجل ، خافت قلوبهم؛ ويقال : إنما المصدقون الذين إذا ذكر الله ، أي ذكر عندهم أمر الله؛ ويقال : إذا أُمروا بأمر من الله تعالى ، وجلت قلوبهم ، يعني قبلت قلوبهم .
فسمى قبول القلوب وجلاً ، لأن بالوجل يثبت القبول ، لأنهم وجلوا عقوبة الله تعالى فقبلوه . ثم قال { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا } ، يعني قرئت عليهم آياته بالأمر والنهي في أمر الصلح أو غيره . { زَادَتْهُمْ إيمانا } ، أي تصديقاً ويقيناً . وقال الضحاك : يعني زادتهم يقيناً بحكم الناسخ ، مع تصديقهم بحكم المنسوخ . وقال الزجاج : تأويل الإيمان التصديق ، فكل ما يتلى عليهم من عند الله صدَّقوا به فزادهم تصديقاً فذلك زيادة إيمانهم . وروي عن ابن عباس أنه قال : زادتهم تصديقاً بالفرائض مع تصديقهم بالله . { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ، يعني يفوضون أمرهم إلى الله تعالى ، ويثقون به ولا يثقون بما في أيديهم من الغنائم ، ويعلمون أن الله هو رازقهم . قال الله تعالى : { الذين يُقِيمُونَ الصلاة } ، يعني يتمونها في مواقيتها بركوعها وسجودها؛ { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } ، يعني يتصدَّقون مما أعطيناهم من الأموال ، وينفقونها في طاعة الله . (2/177)
قوله تعالى : { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } ، يعني أهل هذه الصفة ، هم المؤمنون الموحدون صدقاً وهم المصدِّقون . { لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ } ، يعني فضائل عند ربهم في الآخرة؛ ويقال : لهم منازل في الرفعة على قدر أعمالهم؛ { وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } مغفرة لذنوبهم وثواب حسن في الجنة؛ ويقال : الفتوح والغنيمة . قال ابن عباس : المؤمن مؤمن حقاً والكافر كافر حقاً في قوله : { هُمُ المؤمنون حَقّاً } .
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)
{ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين لَكَِّرِهُونَ } ؛ قال القتبي : معناه كراهتهم فيما فعلته في الغنائم ، ككراهتهم الخروج معك . ويقال : معناه أولئك هم المؤمنون حقاً كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وإنْ كان فريقاً من المؤمنين لكارهون؛ فكذلك ننفل الغنيمة لمن نشاء ، وإنْ كرهوا ذلك . ويقال : هذا ابتداء القصة ، ومعناه امض على وجهك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون . قوله تعالى : { يجادلونك فِي الحق } ؛ وكان هذا بعد خروجه إلى بدر ، وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة . وفي تلك السنة ، حولت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام ، وكانت غزوة بدر في شهر رمضان ، وكانت قصته أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن عير قريش خرجت من الشام ، فيهم أبو سفيان بن حرب ومخرمة بن نوفل في أربعين رجلاً من تجار قريش ، ويقال أكثر من ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : « هذه عِيرُ قُرَيْشٍ قَدْ أَقْبَلَتْ ، فَاخْرُجُوا إلَيْهَا ، فَلَعَلَّ الله أنْ يُنَفِّلَكُمُوهَا ، وَتَتَقَوُّوا بِهَا عَلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ » . فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من جهينة ، حليفين من الأنصار بأن ينظرا ويأتيا بخبر العير ، فخرجا وأتيا وادي الصفراء ، وهي منزل على طريق الشام ، فقالا لأهل الصفراء : هل أحسستم من أحد؟ قالوا : لا . فخرجا فمرا بجاريتين متلازمتين ، فقالت إحداهما للأخرى : اقضيني درهماً لي عليك . فقالت : لا والله ما عندي اليوم ، ولكن عير قريش نزلت بموضع كذا ، يقدمون غداً فأعمل لهم ، وأقضيك درهمك . فسمع الرجلان ما قالت الجاريتان فرجعا . فجاء أبو سفيان بن حرب حين أمسى الصفراء ، فقال لأهل الصفراء : هل أحسستم من أحد؟ قالوا : لا إلاَّ رجلين نزلا عند هذا الكثيب ، ثم ركبا . فرجع أبو سفيان إلى ذلك الموضع ، فرأى هناك بعر الإبل فأخذ بعرة ففتها ، فوجد فيها النوى فقال : علائق أهل يثرب واللات والعزى؛ فأرسل من الطريق ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة ، يخبرهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد اعترض لعيركم فأدركوه . (2/178)
وكانت عاتكة بنت عبد المطلب ، رأت قبل أن يقدم ضمضم بن عمرو بثلاثة أيام في منامها ، كأنّ راكباً أقبل على بعير أورق ومعه راية سوداء ، فدخل المسجد الحرام ، ثم نادى بأعلى صوته : يا آل فلان ويا آل فلان ، انفروا إلى مصارعكم إلى ثلاث ، ثم ارتقى على أبي قبيس ونادى ثلاث مرات . ثم قلع صخرة من أبي قبيس فرماها على أهل مكة ، فتكسرت فلم يبق أحد من قريش إلا أصابته فلقة منها . فلما أصبحت ، قصت رؤياها على أخيها العباس وقالت : إني اخاف أن يصيب قومك سوء .
فاغتم العباس لما سمع منها ، وذكر العباس ذلك للوليد بن عتبة ، وكان صديقاً له ، فذكر الوليد ذلك لأبيه عتبة بن ربيعة ، فذكر ذلك عتبة لأبي جهل بن هشام . وفشا ذلك الحديث في قريش ، فخرج العباس إلى المسجد وقد اجتمع فيه صناديد قريش يتحدثون عن رؤيا عاتكة ، فقال أبو جهل : يا أبا الفضل ، متى حدثت فيكم هذه النبية؟ أما رضيتم أن قلتم : منا نبي ، حتى قلتم : منا نبية؟ فوالله لننتظرن بكم ثلاثاً ، فإن جاء تأويل رؤياها؛ وإلا كتبنا عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب . فقال له العباس : يا كذاب ، يا مصفر الاست ، بالله أنت أولى بالكذب واللؤم منا . فلما كان اليوم الثالث ، جاء ضمضم ، وقد شق قميصه ، وجزع أذن ناقته ، وجعل التراب على رأسه ، وهو ينادي : يا معشر قريش ، الغوث الغوث ، أدركوا عيركم ، فقد عرض لها أهل محمد . فاجتمعوا وخرجوا ، وهم كارهون مشفقون من رؤيا عاتكة ، ومعهم القينات والدفوف بطراً ورياء؛ كما قال الله تعالى : { وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن ديارهم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } [ الأنفال : 47 ] . وكل يوم يطعمهم واحد من أغنيائهم . وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وأمر أصحابه بالخروج ، فخرج معه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار ، وخرجوا على نواضحهم ليس لهم ظهر غيرها ، ومعهم ثلاثة أفراس ويقال فرسان ، فخرجوا بغير قوت ولا سلاح ، لا يرون أنه يكون ثمة قتال . فلما نزلوا بالروحاء ، نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبره بخروج المشركين من مكة إلى عيرهم ، وقال : يا محمد ، إن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين ، إما العير وإما العسكر . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بخروج المشركين من مكة إلى عيرهم ، فشقّ ذلك على بعضهم ، وقالوا : يا رسول الله ، هلا كنت أخبرتنا أنه يكون ثمَّ قتال فنخرج معنا سلاحنا وقوسنا ، إنما خرجنا نريد العير ، والعير كانت أهون شوكة وأعظم غنيمة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : « أَشِيرُوا عَلَيَّ » . فكان أبو بكر وعمر يشيران عليه بالمسير ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « أَشِيرُوا عَلَيَّ » . وكان يحب أن يتكلم الأنصار ، فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله امض حيث شئت ، وأقم حيث شئت . فوالله لئن أمرتنا أن نخوض البحر لنخوضنه ، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : { قَالُواْ ياموسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هاهنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] ، ولكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا ، ونحن معكما متَّبعون ، فنزل : { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين لَكَِّرِهُونَ } ، يعني القتال { يجادلونك فِي الحق } ، يخاصمونك في الحرب . (2/179)
{ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ } ، يعني بعد ما تبيَّن لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به { كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت وَهُمْ يَنظُرُونَ } ، يعني ينظرون إلى القتل . (2/180)
ثم قال تعالى : { وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ } ، يعني إما العير وإما العسكر . { وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة } ، أي تمنون غير ذات السلاح . وقال القتبي : ومنه قيل : فلان شاك السلاح ، ويقال : غير ذات الشوكة ، يعني شدة القتال . { تَكُونُ لَكُمْ } الغنيمة؛ { وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بكلماته } ، يعني أن يظهر الإسلام بتحقيقه بما أنزل عليك من القرآن . { وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين } ، يعني يهلك الشرك ويستأصله . { لِيُحِقَّ الحق } ، أي يظهر الإسلام . { وَيُبْطِلَ الباطل } ، يعني الشرك . { وَلَوْ كَرِهَ المجرمون } ، أي المشركون .
فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : « سِيرُوا عَلَىَ بَرَكَةِ الله ، فَإِنِي رَأَيْتُ مَصَارِعَ القَومِ » . وجاءت قريش وأدركوا العير وأفلتوهم ، فقال بعضهم لبعض : إنما خرجتم لأجل العير ، فلما وجدتم العير فارجعوا سالمين . فقال أبو جهل : لا نرجع حتى نقتل محمداً ومن معه . فسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل بدراً بجانب الوادي الأدنى ، ونزل المشركون على جانبه الأقصى على الماء ، والوادي فيما بينهما . فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ، حتى أوتر . وكانت ليلة النصف من شهر رمضان ، وقال في قنوته : « اللَّهُمَّ لا تُفْلِتَنَّ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشّامِ وَفُلاَناً » وفلاناً فباتوا تلك الليلة وقد أجنبوا وليس معهم ماء ، فأتاهم الشيطان عند ذلك ووسوس إليهم ، فقال لهم : تزعمون أنكم على دين الله ، وأنكم تصلون محدثين مجنبين ، والمشركون على الماء . وكان الوادي ذا رمل تغيب فيه الأقدام ، فمطرت السماء حتى سال الوادي ، فاشتد ذلك الرمل واغتسل المسلمون من جنابتهم وشرّبوا دوابهم؛ فذلك قوله : { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الاقدام } [ الأنفال : 11 ] إلى قوله : { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الاقدام } [ الأنفال : 11 ] وكان عليّ والزبير يحرسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء سقاة قريش يسقون الماء ، فأخذهم عليّ والزبير ، فسألاهم عن أبي سفيان ، فقالوا : ما لنا بأبي سفيان من علم . فقالا : فمع من أنتم؟ فقالوا : مع قريش من أهل مكة . فقالا : كم هم؟ قالوا : لا ندري ، هم كثير فضرباهم فقالوا : هم قليل فتركاهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تَضْرِبُونَهُمْ إنْ صَدَقُوكُمْ ، وَتَتْرُكُونَهُمْ إنْ كذَبُوكُمْ » . فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :
« كَم القَوْمُ » فقالوا : هم كثير فلا ندري كم هم . فقال : « كَمْ يُنْحَرُ لَهُمْ في كُلِّ يَوْمٍ » فقالوا : في يوم ينحر لهم عشرة جزر ، وفي يوم تسعة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « القَوْمُ ما بَيْنَ تِسْعِمائَةٍ إلى أَلْفٍ » وكانت عدتهم تسعمائة وخمسين ، وكانوا قد خرجوا من مكة ألفاً ومائتين وخمسين ، فرجع الأخنس بن شريق مع ثلاثمائة من بني زهرة مع العير ، وبقي تسعمائة وخمسون رجلاً . فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة ورفع يديه وقال : « اللَّهُمَّ لا تُهْلِكْ هذه العِصَابَةَ فَإنَّكَ إنْ أَهْلَكْتُهُمْ ، لا تعْبَد عَلَى وَجْهِ الأرْضِ أبَداً » فقال أبو بكر : يا رسولَ الله ، قد دنا القوم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أَبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ ، فإنِّي رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مُعْتَجِراً بِعِمَامةٍ ، يقودُ فَرَساً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ » . فأمدَّه الله بجبريل في ألف من الملائكة ، وميكائيل في ألف من الملائكة ، وإسرافيل في ألف من الملائكة؛ فذلك قوله { بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ } [ آل عمران : 125 ] . (2/181)
فقال أبو جهل : اللهم انصر أحب الدينين إليك ، ديننا العتيق ودين محمد الحديث . وقال عتبة بن ربيعة : يا معشر قريش ، إنّ محمداً رجل منكم ، فإن يكن نبياً فأنتم أسعد الناس به ، وإن يكن ملكاً تعيشوا في ملك أخيكم ، وإن يكن كاذباً يقتله سواكم ، لا يكون هذا منكم . وإني مع ذلك لأرى قوماً زرق العيون لا يموتون ، حتى يقتلوا عدداً منكم . فقال أبو جهل : يا أبا الوليد ، جبنت وانتفخ سحرك . فقال له عتبة يا كذاب ستعلم اليوم أيّنا الجبان فلبس لأمته ، وخرج معه أخوه شيبة بن ربيعة ، وخرج معه ابنه الوليد بن عتبة ، فتقدموا إلى القوم وقالوا : يا محمد ، ابعث لنا أكفاءنا . فخرج إليهم قوم من الأنصار ، فقالوا : من أنتم؟ فقالوا : نحن أنصار الله ورسوله فقالوا : لا نريدكم ولكن نريد إخواننا من قريش ، فانصرفوا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « يا بَنِي هَاشمٍ تَقَدَّمُوا إلَيْهِمْ » فقام عليّ بن أبي طالب ، وحمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، وعليهم البيض فقال لهم عتبة : تكلموا حتى نعرفكم . فقال حمزة : أنا أسد الله وأسد رسوله . فقال عتبة : كفوء كريم . قال : فمن هذان معك؟ فقال : عليّ بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب . فذهب الشيخ إلى الشيخ والشاب إلى الشاب والكهل إلى الكهل؛ فذهب عبيدة بن الحارث إلى شيبة بن ربيعة وكلاهما شيخان ، وذهب عليّ إلى الوليد بن عتبة وكلاهما شابان ، وذهب حمزة إلى عتبة بن ربيعة وكلاهما كهلان . فقتل حمزة بن عبد المطب عتبة بن ربيعة ، وقتل عليّ بن أبي طالب الوليد بن عتبة ، واختلف عبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة في ضربتين ، ضرب عبيدة بالسيف على رأس شيبة بن ربيعة ، وضرب شيبة ضربة في رجل عبيدة .
فمال حمزة وعليٌّ على شيبة بن ربيعة ، فقتلاه وحملا عبيدة إلى العسكر ، فمات عبيدة في حال انصرافهم قبل أن يصل إلى المدينة ، فدفن بمضيق الصفراء . ففي هذا الخبر دليل من الفقه أن المشركين إذا طلبوا البراز ، فلا بأس للمؤمنين بأن يخرجوا بغير إذن الإمام ، ما لم ينههم عن ذلك؛ لأن الأنصار قد خرجوا قبل أن يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وفيه دليل أنه لا بأس بأن ينصر أحد المبارزين صاحبه ، لأن حمزة وعليّاً قد أعانا عبيدة على قتل شيبة؛ وفيه دليل أنه لا بأس بالافتخار عند الحرب ، لأن حمزة قال : أنا أسد الله ، وأسد رسوله . ولا بأس بأن يتبختر في مشيته في حال القتال . ثم خرج مهجع مولى عمر بن الخطاب ، فأصابته رمية بين الصفين؛ فكان أول قتيل يوم بدر وحرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على القتال ، فقال عمير بن الحمام السلمي ، وهو قائم وفي يده تمرات يأكلها : يا رسول الله ، إن قتلت في سبيل الله فلي الجنة؟ قال : نعم . فألقى التمرات ، وأخذ سيفه وشدّ على القوم ، فقاتل حتى قتل . فخرج أبو جهل بن هشام على جمل له لعنه الله فخرج إليه شاب من الأنصار ، يقال له معاذ بن عمرو بن الجموح ، فضربه ضربة على فخذه فخر أبو جهل عن بعيره . فخرج إليه عبد الله بن مسعود ، فلما رآه أبو جهل ، قال : يا ابن أم عبد لمن الدولة؟ وعلى من الدائرة؟ فقال له ابن مسعود : لله ولرسوله يا عدو الله لأنت أعتى من فرعون ، لأن فرعون جزع عند الغرق وأنت لم يزدك هذا الصرع إلاَّ تمادياً في الضلالة؟ ثم وضع رجله على عاتق أبي جهل ، فقال له أبو جهل : لأنت رويعنا بالأمس ، لقد ارتقيت مرتقًى عظيماً . فقتله ابن مسعود وحز رأسه ، وجاء برأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجداً ثم قال لأبي بكر ، ويقال لعليّ : « نَاوِلْنِي كَفّاً مِنْ تُرَابٍ » . فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب ، وَرَمَاهَا في وجوه القوم وقال : « شَاهَتِ الوُجُوهُ » لت في أعين القوم كلهم ، فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم ويأسرون منهم ، وحملوا على المشركين والملائكة معهم وقُذِف في قلوب المشركين الرعب ، فقتلوا في تلك المعركة منهم سبعين ، وأسروا سبعين ، واستشهد يومئذ من المهاجرين ثلاثة عشر رجلاً . ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسارى والغنائم إلى المدينة ، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الأسارى ، فأقبل على أبي بكر فقال : (2/182)
« مَا تَقُولُ يَا أبَا بَكْرٍ » ؟ فقال : قومك وبنو عمك ، فإن قتلتهم صاروا إلى النار ، وإن تُقِدْهُمْ فلعل الله يهديهم إلى الإسلام ، ويكون ما نأخذه منهم قوة للمسلمين وقوة على جهاد أعدائهم . ثم أقبل على عمر فقال : « مَا تَقُولُ يَا أبَا حَفْصٍ » فقال عمر : إن في يديك رؤوس المشركين وصناديدهم ، فاضرب أعناقهم وسيغني الله المؤمنين من فضله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ مَثَلَكَ يَا أبَا بَكْرٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ مَثَلُ مِيكائِيلَ فَإنَّهُ لاَ يَنْزِلُ إلاَّ بالرَّحْمَةَ ، وَمَثَلَكَ مِنَ الأَنْبِياءِ مَثَلُ إبْرَاهِيمَ ، حَيْثَ قَالَ { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ الناس فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ إبراهيم : 36 ] وَمَثَلُ عِيسَى ، حَيْثُ قَال { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } [ المائدة : 118 ] وَمَثْلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ جِبْرِيلَ فَإنَّهُ يَنْزِلُ بِالعَذَابِ وَالشِّدَّةِ ، وَمَثَلُكَ مِنَ الأنْبِيَاءِ مَثَلُ نُوْحٍ ، حَيْثُ قَالَ : { وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الارض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } [ نوح : 26 ] وَمَثَلُ مُوسَى ، حَيْثُ قَالَ : { وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاّهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم } [ يونس : 88 ] » . وروى سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر : عليك بالعير ، فإنه ليس دونها شيء . فناداه العباس وهو أسير في وثاقه : إنه لا يصلح . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « لِمَ » ؟ قال : لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين ، وقد أعطاك ما وعدك . (2/183)
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11)
{ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى كثرة المشركين ، علم أنه لا قوة لهم إلا بالله ، فدعا ربه فقال : « اللَّهُمَّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي النَّصْرَ ، وإِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ المِيعَادَ » . فاستجاب له ربه ونزل { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } يقول : واذكروا إذ تسألون ربكم وتدعونه يوم بدر بالنصرة على عدوكم . { فاستجاب لَكُمْ } ، يعني فأجابكم ربكم : { أَنّي مُمِدُّكُمْ } ، يعني أزيدكم { بِأَلْفٍ مّنَ الملئكة مُرْدِفِينَ } ، يعني متتابعين بعضهم على أثر بعض . قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر { مُرْدِفِينَ } بالنصب ، وقرأ الباقون بالكسر؛ وكلاهما يرجع إلى معنى واحد وهو التتابع . (2/184)
وقال عكرمة : أمدهم يوم بدر بألف من الملائكة ، وعددهم ثلاثة آلاف من الملائكة لغزوة بعده بدعائه وزاده ألفين فذلك خمسة آلاف من الملائكة ويقال هذا كله كان يوم بدر . ثم قال عز وجل { وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى } يقول ما أرسل الله من الملائكة إلا للبشارة . وقال بعضهم : إن الملائكة لم يقاتلوا ، وإنّما كانوا مبشرين . وروي عن ابن عباس أنه قال : قاتلت الملائكة يوم بدر ، ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ولا يوم حنين { وَمَا جَعَلَهُ الله } ، يعني ليس النصر بقلة العدد ولا بكثرة العدد ، ولكن النصرة من عند الله . { أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } عزيز بالنقمة ، حكيم حكم بالنصرة للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، وللهزيمة للمشركين .
قوله تعالى : { إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس } ، يقول : ألقى عليكم النوم { أَمَنَةً مّنْهُ } ، يعني أمناً من عند الله . وروى عاصم ، عن زر بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود قال : النعاس عند القتال أمنة من الله ، وهو في الصلاة من الشيطان . قرأ نافع { يُغَشّيكُمُ النعاس } بضم الياء وجزم الغين ونصب النعاس؛ ومعناه يُغْشِيكُمْ الله النُّعَاسَ . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { يُغَشّيكُمُ النعاس } بالألف ونصب الياء وضم النعاسُ ، يعني أخذكم النعاسُ وقرأ الباقون بضم الياء وتشديد الشين ونصب النعاس { يُغَشّيكُمُ النعاس } ومعناه يغشيكم الله النعاسَ أمنةً منه والتشديد للمبالغة .
ثم قال { وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } ، يعني بالماء من الأحداث والجنابة . { وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان } ، يعني وسوسة الشيطان وكيده . وقال القتبي : أصل الرجز العذاب ، كقوله : { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السمآء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } [ البقرة : 59 ] ثم سمي كيد الشيطان رجزاً ، لأنه سبب العذاب . ثم قال : { وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ } ، يعني يشدد قلوبكم بالنصرة منه عند القتال؛ { وَيُثَبّتَ بِهِ الاقدام } ، يعني لتستقر الرجل على الرمل ، حتى أمكنكم الوقوف عليه . ويقال : ويثبت به الأقدام في الحرب . ثم قال تعالى :
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)
{ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الملئكة } ، يعني ألهم ربك الملائكة ، { إِنّى مَعَكُمْ } ، أي معينكم وناصركم؛ { فَثَبّتُواْ الذين ءامَنُواْ } ، يعني بشروا المؤمنين بالنصر . فكان الملك يمشي أمام الصف فيقول : أبشروا فإنكم كثير وعدوكم قليل والله ناصركم . { سَأُلْقِى } ، يعني سأقذف { فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } ، يعني الخوف من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . (2/185)
ثم علَّم المؤمنين كيف يضربون ويقتلون فقال تعالى : { فاضربوا فَوْقَ الاعناق } ، يعني على الأعناق { واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ، يعني أطراف الأصابع وغيرها ، ويقال كل مفصل . قال الفقيه : سمعت من حكى ، عن أبي سعيد الفارياني أنه قال : أراد الله إلاَّ يلطخ سيوفهم بفرث المشركين ، فأمرهم أن يضربوا على الأعناق ولا يضربوا على الوسط ويقال : معناه اضربوا كل شيء استقبلكم من أعضائهم ولا ترحموهم . { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } ، يعني ذلك الضرب والقتل سبب أَنَّهُمْ { شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ } ، يعني عادوا الله ورسوله ، وخالفوا الله ورسوله . { وَمَن يُشَاقِقِ الله } ورسوله ، يعني من يخالف الله { فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } إذا عاقب .
ثم قال تعالى : { ذلكم } ، يعني ذلكم القتل يوم بدر ، { فَذُوقُوهُ } في الدنيا ، { وَأَنَّ للكافرين عَذَابَ النار } يوم القيامة مع القتل في الدنيا يعني أن القتل والضرب لم يصر كفارة لهم .
قوله تعالى : { النار يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ } ، يعني إذا لقيتم الذين كفروا بتوحيد الله تعالى يوم بدر { زَحْفاً } ، يعني مزاحفة ، ويقال زحف القوم إذا دنوا للقتال ، ومعناه إذا وافقتموهم للقتال؛ { فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الادبار } ، يعني منهزمين .
{ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } ، يعني ظهره منهزماً يومئذ ، يعني يوم حربهم . وقال الكلبي : يعني يوم بدر خاصة؛ { إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ } ، يعني مستطرداً للكرة يريد الكرة للقتال؛ { أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ } ، يعني ينحاز من فئة إلى فئة من أصحابه يمنعونه عن العدو . قال أهل اللغة تحوَّزت وتحيَّزت أي انضممت إليه ، ومعناه إذا كان منفرداً فينحاز ليكون مع المقاتلة ، { فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ الله } وفي الآية تقديم ، يعني ومن يولهم يومئذ دبره ، فقد باء بغضب من الله ، أي استوجب الغضب من الله . { وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير } إلا منحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة .
وروي عن الحسن أنه قال : كان هذا يوم بدر وغيره . وعن الضحاك قال : هذا يوم بدر خاصة ، لأنه لم يكن لهم فئة ينحازون إليها . وعن داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة قال : نزلت يوم بدر ، لأنهم لم ينحازوا إلا إلى المشركين ، لم يكن في الأرض مسلمون غيرهم . وقد قال بعضهم بأن الآية غير منسوخة ، لأنه لا يجوز للواحد أن يهرب من الاثنين وأن يهرب من الجماعة؛ وإذا لم يكن معه سلاح جاز له أن يهرب ممن معه سلاح ، وإذا لم يكن رامياً جاز له أن يهرب من الرامي .
فإذا كان عدد المسلمين نصف عدد الكفار ومعهم سلاح ، لا يجوز لهم أن يهربوا منهم؛ وإذا كان المسلمون اثني عشر ألفاً ومعهم سلاح ، لا يجوز أن يهربوا من الكفار وإن كانوا مائة ألف ، لأنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أرْبَعُمِائِةٍ ، وَخَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلافٍ؛ وَلَنْ يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفاً مِنْ قِلَّةٍ إذَا كَانَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا كَلِمَتَهُمْ وَاحِدَةً وَيُقَاتِلُوهُمْ ، حَتَّى يَنْصُرَهُمُ الله تَعَالَى » . والآية نزلت في الذي لا يجوز له الهرب . وروى سليمان بن بلال ، عن ثور بن زيد ، عن أبي المغيث ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ » . قالوا : وما هي يا رسول الله؟ قال : « الشِّركُ بِالله ، وَأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ المُحَصَنَاتِ » . قوله تعالى : (2/186)
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)
{ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } وذلك أن المسلمين كانوا يقولون : قتلنا فلاناً وقتلنا فلاناً . فأراد الله تعالى أن لا يعجبوا بأنفسهم ، فقال : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } يقول : فما قتلتموهم؛ { ولكن الله قَتَلَهُمْ } ، يعني الله تعالى نصركم عليهم وأمدكم بالملائكة . { وَمَا رَمَيْتَ } ، يعني الله تعالى تولى ذلك . وذلك حين رمى النبي صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب ، فملأ الله تعالى أعينهم بها فانهزموا ، قال الله تعالى : { وَمَا رَمَيْتَ } يعني لم تصب رميتك ولم تبلغ ذلك المبلغ؛ { ولكن الله رمى } الله تعالى تولى ذلك . ويقال : رمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالحربة ، فأصاب أبي بن خلف الجمحي فقتله . (2/187)
قرأ حمزة والكسائي { ولكن الله رمى } بكسر النون والتخفيف والله بالضم ، وكذلك في قوله { ولكن الله قَتَلَهُمْ } وقرأ الباقون بنصب النون مع التشديد ونصب ما بعده { ولكن الله رمى } . قال : { وَلِيُبْلِىَ المؤمنين مِنْهُ بَلاء حَسَنًا } ، يعني لينصرهم نصراً جميلاً ويختبرهم بالتي هي أحسن ، ويقال : ولينعم المؤمنين نعمة بينة . { إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، يعني سميع لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وعليم بإجابته .
{ ذلكم } ، أي الهلاك والهزيمة للكفار ، ويقال معناه الأمر من ربكم . ثم ابتدأ فقال : { وَأَنَّ الله مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين } ، يعني مضعف كيد الكافرين ، يعني صنيع الكافرين ببدر . قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين } بنصب الواو والتشديد منونة { كَيْدَ } بنصب الدال ، وقرأ عاصم في رواية حفص { مُوهِنُ كَيْدِ } بضم النون بغير تنوين { كَيْدَ } بكسر الدال على معنى الإضافة ، وقرأ الباقون { مُوهِنُ كَيْدِ } بالتنوين والتخفيف { كَيْدَ } بالنصب والمُوهِنُ والمُوهَنُ واحد؛ ويقال : وهنت الشيء وأوهنته ، إذا جعلته واهناً ضعيفاً .
ثم قال تعالى : { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح } ، يقول إن تستنصروا فقد نصركم الله حين قلتم؛ وذلك أن أبا جهل بن هشام قال : اللهم انصر أحب الدينين وأحب الجندين وأحب الفئتين إليك ، فاستجيب دعاؤه على نفسه وعلى أصحابه .
ثم قال : { وَإِن تَنتَهُواْ } عن قتاله ، { فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } من قتاله؛ ويقال : إن أهل مكة حين أرادوا الخروج إلى بدر ، أخذوا بأستار الكعبة وقالوا : اللهم أي الفئتين أحب إليك فانصرهم . فنزل { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح وَإِن تَنتَهُواْ } عن قتال محمد صلى الله عليه وسلم وعن الكفر { فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } من الإقامة عليه ، { وَإِن تَعُودُواْ } لقتال محمد صلى الله عليه وسلم ، { نَعُدُّ } على القتل والأسر والهزيمة . { وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ *** فِتْنَتَكُمْ } ، يعني جماعتكم { شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ } في العدد . { وَأَنَّ الله مَعَ المؤمنين } ، يعني معين لهم وناصرهم .
قرأ نافع وابن عامر وعاصم في إحدى الروايتين : { وَأَنَّ الله } بالنصب ، والباقون بالكسر { وَأَنَّ الله } على معنى الاستئناف ويشهد لها قراء عبد الله بن مسعود والله مع المؤمنين . (2/188)
ثم قال تعالى : { المؤمنين يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } في أمر الغنيمة والصلح . { وَلاَ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ } ، يعني لا تعرضوا عن أمره ، ويقال عن طاعته ، ويقال : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ { وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ } المواعظ في القرآن وفي أمر الصلح .
قوله تعالى : { وَلاَ تَكُونُواْ كالذين قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } ، يعني لم يفهموا ولم يتفكروا فيما سمعوا؛ ويقال : قوله { وَلاَ تَكُونُواْ كالذين قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } ، يعني لا يطيعون . قال الكلبي : وهم بنو عبد الدار ، لم يسلم منهم إلا رجلان : مصعب بن عمير وسويد بن حرملة . وقال الضحاك ومقاتل : أي سمعنا الإيمان وهم لا يسمعون ، يعني المنافقين . ثم قال تعالى :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)
{ إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله } ، يعني شر الناس عند الله { الصم } عن الهدى { البكم } ، يعني الخرس الذين لا يتكلمون بخير ، { الذين لاَ يَعْقِلُونَ } الإيمان ، يعني بني عبد الدار وغيرهم من الكفار ، لم يسلموا . (2/189)
قوله تعالى : { وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ } ، يقول : لو علم الله تعالى فيهم صدقاً ، لأعطاهم الإيمان وأكرمهم به . { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } ، يعني لو أكرمهم بالإسلام ، { لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } ؛ يعني أعرضوا عن الإيمان؛ بما سبق في علم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون . وقال الزجاج : معناه ولو علم الله فيهم خيراً ، لأسمعهم الجواب عن كل ما يسألون عنه . { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } ، يعني لو بيَّن لهم كل ما يختلج في نفوسهم ، لأعرضوا عنه لمعاندتهم .
قوله تعالى : { مُّعْرِضُونَ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ } ، يعني أجيبوا الله بالطاعة في أمر القتال . { وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ } إلى القتال أو غيره . وإنّما قال : إذا دعاكم ، ولم يقل : إذا دعواكم ، لأن الدعوة واحدة ومن يجب الرسول فقد أجاب الله تعالى . قوله تعالى : { لِمَا يُحْيِيكُمْ } ، يعني القرآن الذي به حياة القلوب ، ويقال { لِمَا يُحْيِيكُمْ } ، يعني يهديكم في أمر الحرب الذي يعزّكم ويصلحكم ويقويكم بعد الضعف ، ويقال : { لِمَا يُحْيِيكُمْ } ، أي يهديكم . ويقال : { لِمَا يُحْيِيكُمْ } ، يعني لما يكون سبباً للحياة الدائمة في نعيم الآخرة .
{ واعلموا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ } . قال الفقيه : حدثنا محمد بن الفضل قال : حدثنا فارس بن مردويه ، عن محمد بن الفضل ، عن أبي صالح مطيع ، عن حماد بن سلمة ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : يحول بين المؤمن ومعاصيه التي تسوقه وتجره إلى النار ، ويحول بين الكافر وطاعته التي تجره إلى الجنة؛ ويقال : تحول بين المرء وإرادته ، لأن الأمر لا يكون بإرادة العبد وإنما يكون بإرادة الله تعالى ، كما قال أبو الدرداء :
يُرِيدُ المَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاه ... وَيَأْبَى الله إلاَّ مَا أَرَادَا
ويقال : يحال بين المرء وأجله ، لأن الأجل حال دون الأمل . وقال سعيد بن جبير : يحول بين الكافر والإيمان وبين المؤمن والكفر . وقال مجاهد : يحول بين المرء وقلبه يعني حتى يتركه ولا يفعله . ثم قال : { وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } ، يعني في الآخرة فتثابون بأعمالكم .
قوله تعالى : { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } ؛ قال مقاتل : نزلت الآية في شأن عليّ وطلحة والزبير . قال الفقيه : حدثنا عمر بن محمد قال : حدثنا أبو بكر الواسطي قال : حدثنا إبراهيم بن يوسف قال : حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله تعالى : { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } قال : نزلت في شأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
قال : حدثنا عمر بن محمد قال : حدثنا أبو بكر الواسطي قال : حدثنا إبراهيم بن يوسف قال : حدثنا أبو معاوية ، عن السدي ، عن المعلى ، عن أبي ذرّ أن عمر رضي الله عنه أخذ بيده يوماً فغمزها ، فقال : خل عني يا قفل الفتنة . فقال عمر : ما قولك قفل الفتنة؟ قال : إنك جئت ذات يوم فجلست في آخر القوم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا تُصِيبَنَّكُمْ فِتنْةٌ مَا دَامَ هذا فِيكُمْ » . وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال : جعلت أنا وعثمان فتنة لهذه الأمة . وقال بعضهم : قوله { لاَّ تُصِيبَنَّ } هذا على وجه النهي ومعناه اتقوا فتنة ، ثم نهى فقال : { لاَّ تُصِيبَنَّ } ، يعني الذين ظلموا منكم خاصة ، أي لا يتعرض الذين ظلموا منكم خاصة لما نزل بهم ، وقَال بعضهم هذا جواب الأمر بلفظ النهي مثل قوله تعالى : { حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِى النمل قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سليمان وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [ النمل : 18 ] . (2/190)
ثم قال تعالى : { واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } ، أي لمن وقع في الفتنة . ثم ذكرهم النعم فقال تعالى : { واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ } ، يعني واحفظوا نعمة الله عليكم إذ كنتم قليلاً في العدد وهم المهاجرون ، { مُّسْتَضْعَفُونَ فِى الارض } ؛ يعني مقهورون في أرض مكة . { تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس } ، يعني يختلسكم ويذهب بكم الكفار . { فَآوَاكُمْ } بالمدينة { وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ } بنصره يوم بدر . وقال قتادة : كانوا بين أسدين ، بين قيصر وكسرى ، يخافون أن يتخطفهم الناس ، وهم أهل فارس والروم والعرب ممن حول مكة . ثم قال { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } ، يعني الحلال وهو الغنيمة . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، يعني لكي تشكروا الله وتطيعوه وتعرفوا ذلك منه . قوله تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)
{ تَشْكُرُونَ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول } ؛ روى أسباط عن السدي قال : كانوا يسمعون من النبي عليه السلام الحديث ، فيفشونه حتى يبلغ المشركين ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال : { تَشْكُرُونَ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول } . ويقال كل رجل مؤتمن على ما فرض الله عليه ، إن شاء أداها ، وإن شاء خانها . وقال القتبي : الخيانة أن يؤتمن على شيء فلا يؤدي إليه . ثم سمّى العاصي من المسلمين خائناً ، لأنه قد ائتمن على دينه فخان . كما قال في آية أخرى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فالن باشروهن وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا كذلك يُبَيِّنُ الله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ البقرة : 187 ] ، ويقال : نزلت الآية في أبي لبابة بن عبد المنذر ، حين أشار إلى بني قريظة أن لا ينزلوا على حكم سعد وأشار إلى حلقه إنه الذبح . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر بني قريظة من بعد انصرافهم من الخندق ، ووقف بباب الحصن وفيه ستمائة رجل من اليهود ، وقد كانوا ظاهروا قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداهم : « يَا إخْوَةَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ ، انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ الله وَرَسُولِهِ » . فقالت اليهود : يا محمد ، ما كنت فحّاشاً قبل هذا . فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة بن عبد المنذر ، فدخل على اليهود فركبوا إليه وقالوا يا أبا لبابة ، أتأمرنا بالنزول إلى محمد صلى الله عليه وسلم . فأشار بيده إلى حلقه ، يعني إنه الذبح إن نزلتم إليه . فقال أبو لبابة : والذي نفسي بيده ، ما زالت قدماي من مكاني ، حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله؛ وأوثق نفسه إلى سارية المسجد ، حتى أنزل الله تعالى توبته ونزل : { تَشْكُرُونَ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول } . { وَتَخُونُواْ أماناتكم } ، يعني لا تخونوا أماناتكم . { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنها خيانة . قال محمد بن إسحاق : { لاَ تَخُونُواْ الله والرسول } يعني لا تظهروا له من الحق ما يرضى عنكم ثم تخالفوه في السر . قال : فإن ذلك هلاكاً لأنفسكم وخيانة لأماناتكم . (2/191)
ثم قال عز وجل : { واعلموا أَنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ } ، يعني بلاء عليكم ، لأن أبا لبابة إنما ناصحهم من أجل ماله وولده الذي كان عند بني قريظة . { وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } ، يعني الجنة لمن صبر ولم يخن .
قوله تعالى : { عَظِيمٌ ياأيها الذين ءامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله } ، يعني إن تطيعوا الله ولا تعصوه ، { يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا } ؛ يعني يجعل لكم مخرجاً في الدنيا ونجاة ونصراً في الدين؛ ويقال : المخرج من الشبهات . وقال مجاهد : مخرجاً في الدنيا والآخرة . { وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ } ، يقول : يمحو عنكم ذنوبكم ، { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ؛ يعني يستر ذنوبكم وعيوبكم . { والله ذُو الفضل العظيم } ، يعني ذو الكلام والتجاوز عن عباده . (2/192)
قوله تعالى : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ } ؛ وذلك أن نفراً من قريش اجتمعوا في دار الندوة؛ وكانت قريش إذا اجتمعوا للمشورة والتدبير يجتمعون في تلك الدار ، فاجتمعوا فيها وأغلقوا الباب لكيلا يدخل رجل من بني هاشم ، ليمكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ويحتالوا في أمره؛ فدخل إبليس في صورة شيخ وعليه ثياب أطمار ، وجلس معهم فقالوا من أدخلك أيها الشيخ في خلوتنا بغير إذننا؟ فقال : أنا رجل من أهل نجد ، ورأيت حسن وجوهكم وطيب ريحكم ، فأردت أن أسمع حديثكم ، وأقتبس منكم خيراً وقد عرفت مرادكم ، فإن كرهتم مجلسي خرجت عنكم . فقالوا : هذا رجل من أهل نجد وليس من أرض تهامة ، لا بأس عليكم منه فتكلموا فيما بينهم . فقال عمرو بن هشام : أرى أن تأخذوه وتجعلوه في بيت وتسدوا بابه ، وتجعلوا له كوة لطعامه وشرابه حتى يموت . فقال إبليس : بئس الرأي الذي رأيت ، تعمدون إلى رجل له فيكم أهل بيت ، وقد سمع به من حولكم فتحبسونه وتطعمونه ، يوشك أهل بيته الذين فيكم أن يقاتلوكم أو يفسدوا جماعتكم . فقالوا : صدق والله الشيخ .
ثم تكلم أبو البختري بن هشام قال : أرى أن تحملوه على بعير ثم تخرجوه من أرضكم ، حتى يموت أو يذهب به حيث شاء ، فقال إبليس عدو الله : بئس الرأي الذي رأيت ، تعمدون إلى رجل أفسد جماعتكم ومعه منكم طائفة ، فتخرجوه إلى غيركم ، فيأتيهم سوء فيفسد منهم أيضاً جماعة ، ويقبل إليكم ويكون فيه هلاككم . فقالوا : صدق والله الشيخ .
فقال أبو جهل : أرى أن يجتمع من كل بطن منكم رجل ، ثم تعطونهم السيوف فيضربونه جميعاً ، فلا يدري قومه من يأخذون وتؤدي قريش ديته . فقال إبليس : صدق والله هذا الشاب . فتفرقوا على ذلك ، فأمر الله تعالى بالهجرة وأخبره بمكر المشركين فنزلت هذه الآية { وَإِذْ يَمْكُرُ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ } ، يعني ليحبسوك في البيت أو يقتلوك بالبيت ، { أَوْ يُخْرِجُوكَ } من مكة .
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب بأن يبيت في مكانه ، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه ونام عليّ مكانه ، وأهل مكة يحرسونه ويظنون أنه في البيت؛ ثم دخلوا البيت ، فإذا هو عليّ رضي الله عنه فقالوا : يا عليّ أين محمد؟ فقال : لا أدري . فطلبوه فلم يجدوه . { وَيَمْكُرُونَ } ، يعني ويمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويريدون به الشر { وَيَمْكُرُ الله } ، يعني يريد بهم الهلاك حين أخرجهم إلى بدر فقتلوا . { والله خَيْرُ الماكرين } ، يعني أصدق الماكرين فعلاً وأفضل الصانعين صنعاً وأعدل العادلين عدلاً . قوله تعالى :
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35)
{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا } ، يعني القرآن . { قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا } ، يعني قد سمعنا قولك . { لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا } ، أي مثل هذا القرآن . { إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين } ، نزلت في شأن نضر بن الحارث ، كان يحدث عن الأمم الخالية من حديث رستم وإسفنديار ، فقال : إن الذي يخبركم محمد مثل ما أحدثكم من أحاديث الأولين وكذبهم ، فقال له عثمان بن مظعون : اتق الله يا نضر ، فإنه ما يقول إلا حقاً ، فقال النضر بن الحارث قوله تعالى : { وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ } ، يعني إن كان ما يقول محمد من القرآن حقاً ، { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } . قال أبو عبيدة كل شيء في القرآن أمطر فهو من العذاب ، وما كان من الرحمة فهو مطر . وروى أسباط عن السدي قال : قال النضر بن الحارث : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً ، فأمطر علينا حجارة من السماء ، { أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } فنزل { سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } [ المعارج : 1 ] فاستجيب دعاؤه وقتل في يوم بدر . (2/193)
قال سعيد بن جبير : قتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلاثة صبراً النضر بن الحارث ، وطعمة بن عدي ، وعقبة بن أبي معيط . وكان النضر أسره المقداد ، فقال المقداد : يا رسول الله أسيري . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الله وَرَسُولِهِ مَا يَقُولُ » فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيري . فقال : « اللَّهُمَّ أَغْنِ المِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ » . فقال المقداد : هذا الذي أردت فنزل { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } ؛ وكان ذلك القول من النضر حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ، فأخبر الله تعالى أنه لا يعذبهم وأنت بين ظهرانيهم ، حتى يخرجك عنهم كما أخرج الأنبياء قبلك عن قومهم ثم عذبهم .
ثم قال عز وجل : { وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } ، يعني يصلّون لله الخمس وهم أهل الإيمان؛ وقال مجاهد : وهم يستغفرون يعني وهم مسلمون؛ ويقال : وفيهم من يؤول مرة إلى الإسلام؛ ويقال : وهم يستغفرون يعني وفي أصلابهم من يسلم . وروي عن أبي موسى الأشعري أنه قال : كان أمانان في الأرض ، رفع الله أحدهما وبقي الآخر { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } { وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وقال عطية : { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } ، يعني المشركين حتى يخرجك منهم . { وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } ، يعني المؤمنين .
ثم عاد إلى ذكر المشركين فقال : { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله } ، يعني بعد ما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم .
{ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام } ، يعني يمنعون المؤمنين عن المسجد الحرام . { وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ } ؛ يعني المشركين . قال الكلبي : يعني ما كانوا أولياء المسجد الحرام؛ ويقال : وما كانو أولياء الله . { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون } ، يعني ما كان أولياء الله إلا المتقون من الشرك ، { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } توحيد الله تعالى . (2/194)
ثم قال : { وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ } ، معناه وما لهم ألا يعذبهم الله { وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً } ، يعني لم تكن صلاتهم حول البيت إلاّ مكاءً ، يعني إلا الصفير وتصدية ، يعني التصفيق باليدين ، إذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام . قرأ الأعمش { مَا كَانَ *** صَلاَتِهِمْ } بالنصب { إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً } بالضم؛ وهكذا قرأ عاصم في إحدى الروايتين ، فجعل الصلاة خبر كان وجعل المكاء والتصدية اسم كان؛ وقرأ الباقون { صَلاَتِهِمْ } بالضم فجعلوه اسم كان { مُكَاء وَتَصْدِيَةً } بالنصب على معنى خبر كان . ثم قال : { فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } بتوحيد الله تعالى ، فأهلكهم الله تعالى في الدنيا ولهم عذاب الخلود في الآخرة . قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)
{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أموالهم } على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصدوا عن سبيل الله ، يعني ليصرفوا الناس عن دين الله وطاعته . قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت الآية في المطعمين يوم بدر ، وهم الذين كانوا يطعمون أهل بدر حين خرجوا في طريقهم . قال الله تعالى : { فَسَيُنفِقُونَهَا } . وكانوا ثلاثة عشر رجلاً أطعموا الناس الطعام ، فكان على كل رجل منهم يوماً ، منهم : أبو جهل ، وأخوه الحارث ، ابنا هشام وعتبة وشيبة ، ابنا ربيعة ومنبه ونبيه ، ابنا الحجاج ، وأبو البختري بن هشام ، وحكيم بن حزام ، وأبي بن خلف وغيرهم؛ يقول الله تبارك وتعالى : { فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } ، يعني تكون نفقاتهم عليهم حسرة وندامة ، لأنها تكون لهم زيادة العذاب ، فتكوى بها جنوبهم وظهورهم . وقال مجاهد : هو نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد . وقال الحكم : أنفق أبو سفيان على المشركين يوم أحد أربعين أوقية ذهباً . { ثُمَّ يُغْلَبُونَ } ، يعني يهزمون ولا تنفعهم نفقتهم شيئاً : { والذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } ، يعني إن القتل والهزيمة لم تكن كفارة لذنوبهم ، فيحشرون في الآخرة إلى جهنم . (2/195)
ثم قال تعالى : { لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب } ، يعني الخبث من العمل والطيب من العمل ، { وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ } ؛ قول الكلبي ، وقال مقاتل : ليميز الله الكافرين من المؤمنين ، ويجعل في الآخرة الخبيثة أنفسهم ونفقاتهم وأقوالهم ، فيركم بعضه على بعض جميعاً ، فيجعله في جهنم؛ ويقال : ليميز الله الخبيث من الطيب بين نفقة المؤمنين ونفقة المشركين ، فيقبل نفقة المؤمنين ويثيبهم على ذلك ، ويجعل نفقة الكفار وبالاً عليهم؛ ويجعل ذلك سبباً لعقوبتهم ، فتكوى بها جباههم . وقال القتبي : فيركمه ، أي يجعله ركاماً بعضه على بعض . ثم قال { أولئك هُمُ الخاسرون } ، أي المغبونون في العقوبة . قرأ حمزة والكسائي { لِيَمِيزَ الله } بضم الياء مع التشديد ، والباقون { لِيَمِيزَ } بالنصب مع التخفيف؛ ومعناهما واحد . مَازَ يُميِزُ وَمَيَّزَ يُمَيِّزُ .
قوله تعالى : { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } ، يعني أبا سفيان وأصحابه ومن كان في مثل حالهم إلى يوم القيامة : { إِن يَنتَهُواْ } عن الشرك وعن قتال محمد وعن المؤمنين ، { يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } ؛ يعني يتجاوز عنهم ما سلف من ذنوبهم وشركهم . { وَإِن يَعُودُواْ } إلى قتال محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، { فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الاولين } بنصرة أوليائه وقهر أعدائه . ويقال : يعني القتل يحذرهم بالعقوبة لكيلا يعودوا فيصيبهم مثل ما أصابهم؛ وقال الكلبي : { فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الاولين } أن ينصر الله أنبيائه ومن آمن معهم ، كقوله : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءَامَنُواْ فِى الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الاشهاد } [ غافر : 51 ] .
ثم حثَّ المؤمنين على قتال الكفار فقال تعالى : { وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } ، يعني لا يكون الشرك بمكة ، ويقال : حتى لا يتخذوا شركاء ويوحدوا ربهم ، { وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ } ؛ يعني يظهر دين الإسلام ولا يكون دين غير دين الإسلام . { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الشرك وعن عبادة الأوثان وقتال المسلمين ، { فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ؛ فينبئهم بأعمالهم . { وَإِن تَوَلَّوْاْ } ، يعني أبوا وأعرضوا عن الإيمان ، يا معشر المسلمين ، { فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ } ؛ يعني حافظكم وناصركم . ثم قال : { نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } ، يعني الحفيظ والمانع . قوله تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)
{ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } فعلمهم قسَّم الغنيمة وجعل أربعة أخمساها للذين أصابوها ، وأمر بأن يقسم الخمس على خمسة أسهم؛ وقال بعضهم : على ستة أسهم؛ وقال أبو العالية الرياحي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة أسهم ، أربعة لمن شهدها؛ ويأخذ الخمس ، فيجعله على ستة أسهم : سهم لله تعالى للكعبة ، سهم الرسول ، وسهم لذوي القربى أي قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل . وقال بعضهم : سهم الله ورسوله واحد . (2/196)
وروى سفيان ، عن قيس بن مسلم قال : سألت الحسن بن محمد بن الحنفية عن قوله : { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } فأن لله خمسه ، قال : هذا مفتاح الكلام ، لله الدنيا والآخرة؛ ثم قال : وقد اختلف بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في سهم الرسول وسهم ذوي القربى ، فقال بعضهم : للخليفة ، وقال بعضهم : لقرابة الخليفة ، فاجتمعوا على أن جعلوا هذين السهمين في الكراع والعدة في سبيل الله تعالى ، فكانا كذلك في خلافة أبي بكر وعمر . وروى أبو يوسف ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : كان الخمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم على خمسة أسهم : سهم الله ورسوله واحد ، ولذي القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل؛ وقسم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل . وبهذا أخذ أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه أن الخمس يقسم على ثلاثة أسهم ، ولا يكون لأغنياء ذوي القربى شيء ، ويكون لفقرائهم فيه نصيب ، كما يكون لسائر الفقراء ، وكذلك يُتَاماهم وابن السبيل منهم ، وذلك قوله : { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى } .
ثم قال : { وَقَالَ موسى ياقوم إِن } . يجوز أن تكون متعلقة بقوله : { فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ } ، إن كنتم آمنتم بالله عز وجل ، ويجوز أن يكون معناه فاقبلوا ما أمرتم به من الغنيمة في الخمس إن كنتم آمنتم بالله ، يعني إذ كنتم صدقتم بتوحيد الله ، { وَمَا أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان } ؛ يعني وصدقتم بما أنزلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن يوم الفرقان يعني يوم بدر قال الكلبي : أي يوم النصرة؛ ويوم بدر في أمر الغنيمة فَرَّقَ بين الحق والباطل . وقال مقاتل : معناه وما أنزلنا من الفرقان يوم بدر فأَقرُّوا بحكم الله تعالى في أمر الغنيمة . { يَوْمَ التقى الجمعان } ؛ يعني يوم جمع المسلمين وجمع المشركين . { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } ، يعني على نصرة المؤمنين وهزيمة الكافرين .
ثم قال الله تعالى : { إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدنيا } ، يعني اذكروا هذه النعمة إذ كنتم بالعدوة الدنيا . قرأ ابن كثير وأبو عمرو { بِالْعُدْوَةِ } بالكسر ، وقرأ الباقون بالضم؛ ومعناهما واحد وهو شفير الوادي . ويقال عِدْوَةِ الوادي وعُدْوَتِهِ ، يعني كنتم على شاطىء الوادي مما يلي المدينة . { وَهُم بالعدوة القصوى } ، يعني من الجانب الآخر مما يلي مكة ، { والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ } ؛ يعني العير أسفل منكم بثلاثة أميال على شاطىء البحر حين أقبلوا من الشام . (2/197)
{ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ } ، يعني ولو تواعدتم أنتم والمشركون بالإجماع للقتال ، { لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد } أنتم والمشركون ، { ولكن } جمع الله بينكم على غير ميعاد ، { لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } ؛ يعني كائناً وكان من قضائه هزيمة الكفار ونصرة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
قوله تعالى : { لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ } . أي ليكفر من أراد الكفر بعد البيان له من الله تعالى ، { ويحيى مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ } ، يقول : ويؤمن من أراد أن يؤمن بعد البيان له من الله تعالى . وقال الكلبي : ليهلك من هلك على الكفر بعد البيان ، ويحيى من حي بالإيمان عن بينة ويقال : هذا ، وعيد من الله تعالى لأهل مكة يقول : ليقم على كفره من أراد أن يقيم بعد ما بينت له الحق ببدر ، حين فرقت الحق من الباطل ، ويحيى يعني يقم على الإيمان من أراد أن يقيم بعد ما أرسلت إليه الرسول وأقمت عليه الحجة . قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر ، وابن كثير في رواية شبل البزي { مِنْ } بإظهار الياءين ، والباقون بياء واحدة وأصله بياءين ، إلا أن أحد الحرفين أدغم في الآخر ، لأنهما من جنس واحد . ثم قال : { بَيّنَةٍ وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } . قوله تعالى :
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)
{ إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً } ؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن العدو قليل قبل أن يلتفوا ، فأخبر أصحابه بما رأى في المنام أن العدو قليل ، فقالوا : رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق والقوم القليل . فلما التقوا ببدر قلّل المشركين في أعين المؤمنين لتصديق رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم . (2/198)
ثم قال : { وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ } ، يعني لجبنتم وتركتم الصف ، { ولتنازعتم فِى الامر } ؛ يعني اختلفتم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم . { ولكن الله سَلَّمَ } ، يعني ولكن الله أتمّ للمسلمين أمرهم على عدوهم ، ويقال : سلَّم يعني قضى بالهزيمة على الكفار والنصرة للمؤمنين ، ويقال : إذ يريكهم الله في منامك قليلاً يعني في عينك ، لأن العين موضع النوم ، أي في موضع منامك . وروي عن الحسن قال : معناه في عينيك التي تنام بها . ثم قال : { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } ، يعني إني عالم بسرائركم .
{ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم } ، يعني يوم بدر { فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً } في العدد . وروى أبو عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال : لقد قللّوا في أعيننا يوم بدر ، حتى قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين؟ قال : أراهم مائة . حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه ، فقال : كنا ألفاً ، ثم قال : { وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ } معشر المؤمنين في أعين المشركين وذلك حين لقوا العدو قلَّل الله المشركين في أعين المؤمنين ، لكيلا يجبنوا وقلل المؤمنين ، في أعين المشركين ، ليزدادوا جرأة على القتال حتى قتلوا ، ولكي يظهر الله عندهم فضل المؤمنين . { لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } ، يعني إذا قضى الله تعالى أمراً فهو كائن ، وهو النصرة للمؤمنين والذل لأهل الشرك بالقتل والهزيمة . { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور } ، يعني عواقب الأمور في الآخرة .
ثم حرّض المؤمنين على القتال فقال تبارك وتعالى : { الامور ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا } ، يعني جماعة من الكفار فاثبتوا لهم وقاتلوهم مع نبيكم ، { واذكروا الله كَثِيراً } ؛ يعني في الحرب ، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ؛ يعني تفوزون به .
ثم قال الله تعالى : { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } فيما يأمركم من القتال . { وَلاَ تنازعوا } ، يعني لا تختلفوا فيما بينكم ، { فَتَفْشَلُواْ } ؛ يعني فتجبنوا من عدوكم ، { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } . قال مجاهد : يعني نصرتكم ، وذهب ريحهم يوم أُحد حين نازعتموه؛ وقال الأخفش : يعني دولتكم؛ وقال قتادة : ريح الحرب . وأصله في اللغة تستعمل في الدولة ، ويقال الريح له اليوم يراد به الدولة . ثم قال : { واصبروا } ، يعني لقتال عدوكم . { إِنَّ الله مَعَ الصابرين } ، يعني معين لهم وناصرهم .
ثم قال : { وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ } ، معناه قاتلوا لوجه الله تعالى ، ولا تقاتلوا رياءً وسمعةً ولا تكونوا يا أصحاب النبي عليه السلام كالذين خرجوا { مِن ديارهم } وهم أهل مكة { بَطَراً } يعني أشراً . وأصله الطغيان في النعمة . { وَرِئَاء الناس } ، يعني لكي يذكْروا بمسيرهم ، ويقولوا : تسامع الناس بمسيرنا . وقال محمد بن إسحاق : خرجت قريش وهم تسعمائة وخمسون مقاتلاً ، ومعهم مائتا فرس يقودونها ، وخرجوا ومعهم القينات يضربون بالدفوف ويغنون بهجاء المسلمين . ثم قال : { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } ، يعني يصرفون الناس عن دين الإسلام . { والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } ، يعني عالم بهم وبأعمالهم .
قوله تعالى :