صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)
{ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } قال الكلبي : يعني في الأحوال كلها . يعني : ادعوا الذي خلق هذه الأشياء في الأحوال كلها . ويقال خفية يعني : اعتقدوا عبادته في أنفسكم لأن الدعاء معناه العبادة . (2/118)
ثم قال : { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } يعني : أن يدعوا بما لا يحل أو يدعوا على أحد باللعن والخزي أو تدعوا عليه بالشر . ثم قال : { وَلاَ تُفْسِدُوا في الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا } وذلك أن الله تعالى إذا بعث نبياً فأطاعوه صلحت الأرض وصلح أهلها ، وفي المعصية فساد الأرض وفساد أهلها ، ويقال : { لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أي لا تجوروا في الأرض فتخرب الأرض لأن الأرض قامت بالعدل ، ويقال لا تخربوا المساجد فتتركوا الجماعات { وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً } يعني اعبدوه خوفاً وطمعاً أي : خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته : ويقال : ادعوه في حال الخوف والضيق ، ويقال : خوفاً عن قطيعته ورجاء إلى الغاية .
ثم قال : { إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } ولم يقل قريبة . قال بعضهم : لأن القريب والبعيد يصلحان للواحد والجمع والمذكر والمؤنث . كما قال : { يَسْئَلُكَ الناس عَنِ الساعة قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً } [ الأحزاب : 63 ] وقال : { مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِى مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ } [ هود : 83 ] وقال بعضهم : تفسير الرحمة هاهنا المطر . فذكر بلفظ المذكر ، وقال بعضهم إن رحمة الله قريب . يعني الغفران والعفو فانصرف إلى المعنى . ومعناه : المحسنون قريب من الجنة وهم المؤمنون .
ثم قال { وهو الذي يرسل الرياح بُشْراً بَيْن يَدَي رحْمَتِهِ } أي قدام المطر .
قرأ حمزة والكسائي الريح بلفظ الوحدان . وقرأ الباقون الرياح بلفظ الجماعة . واختار أبو عبيد أن كل ما ذكر في القرآن من ذكر الرحمة فهو رياح وكل ما كان فيه ذكر العذاب فهو ريح . واحتج بما روي عن النبيِّ عليه السلام : أنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إذا هَبَّتِ الرِّيحُ يَقُولُ : « اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِياحاً وَلا تَجْعَلْها رِيحاً »
وقرأ ابن عامر نُشْراً بضم النون وجزم الشين .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع نُشُراً بضمتين .
وقرأ حمزة والكسائي نشراً بنصب النون وجزم الشين .
وقرأ عاصم بشراً بالباء ويكون من البشارة كما قال في آية أخرى { وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح مبشرات وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِىَ الفلك بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ الروم : 46 ] .
ومن قرأ نَشْراً بالنون والنصب فيكون معناه { يرسل الرياح } تَنْشُر السحاب نَشْراً ، ومن قرأ بالضمتين يكون جمع نشور ، يقال : ريح نشور ، أي تنشر السحاب ورياح نُشُر ، ومن قرأ بضمة واحدة لأنه لما اجتمعت الضمتان حذفت إحداهما للتخفيف .
ثم قال : { حَتَّى إذا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً } من الماء ، والسحاب جمع السحابة يعني الريح حملت سحاباً ثقالاً { سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ } يعني : السحاب تمر بأمر الله تعالى إلى أرض ليس فيها نبات { فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ } يعني : بالمكان .
ويقال : بالسَّحاب { فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ } أي نخرج بالماء من الأرض الثمرات { كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى } أي يقول : هكذا نحيي الموتى بالمطر كما أحييت الأرض الميتة بالمطر . وذكر في الخبر أنه إذا كان قبل النفخة الأخيرة أمطرت السماء أربعين يوماً مثل مَني الرجال فتشرب الأرض ، فتنبت الأجساد بذلك الماء ، ثم ينفخ في الصور ، فإذا هم قيام ينظرون . وفي هذه الآية إثبات القياس وهو ردّ المختلف إلى المتفق ، لأنهم كانوا متفقين أن الله تعالى هو الذي ينزل المطر ويخرج النبات من الأرض . فاحتج عليهم لإحيائهم بعد الموت بإحياء الأرض بعد موتها . ثم قال : { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي : لكي تتعظوا وتعتبروا في البعث أنه كائن . ثم ضرب مثلاً للمؤمنين والكافرين فقال : (2/119)
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)
{ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بَإِذْنِ رَبِّهِ } يعني : المكان العذب الزّكي اللين من الأرض اللينة يخرج نباته إذا أمطرت فينتفع به ، كذلك المؤمن يسمع الموعظة فتدخل في قلبه فينتفع بها وينفعه القرآن كما ينفع المطر الأرض الطيبة . (2/120)
{ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إلاَّ نَكِداً } يعني : الأرض السبخة لا يخرج نباتها إلا من كد وعناء ، فكذلك الكافر لا يسمع الموعظة ولا ينتفع بها ، ولا يتكلم بالإيمان ، ولا يعمل بالطاعة إلا كرهاً لغير وجه الله .
ثم قال : { كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } أي هكذا نبيّن الآيات والعلامات والأمثال لمن آمن وشكر رب هذه النعم ووحّده .
قوله عز وجل : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلَى قَوْمِهِ } يعني : بعثنا نوحاً إلى قومه بالرسالة فأتاهم ، ويقال : معناه جعلنا نوحاً رسولاً إلى قومه . { فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } أي وحّدوا الله ، { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } أي ليس لكم رب سواه .
قرأ الكسائي { إله غَيْرِه } بكسر الراء .
وقرأ الباقون { غَيرُهُ } بالضم . فمن قرأ بكسر الراء فلأجل مِنْ وجعله كله كلمة واحدة والغير تابعاً له . ومن قرأ بالضم فمعناه ما لكم إله غيره ودخلت من مؤكدة .
ثم قال : { إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وهو الغرق ف { قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ } وهم الرؤساء والأجلة والأشراف ، سموا بذلك لأنهم ملِئوا بما يحتاج إليه منهم ، ويقال : لأنهم ملؤوا الناظر هيبة إذا اجتمعوا في موضع . قالوا : { إِنَّا لَنَراكَ في ضَلاَلٍ مُبِينٍ } يعني : في خطأ بَيِّنٍ . { قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وفي الآية بيان أدب الخلق في حسن الجواب والمخاطبة . لأنه ردّ جهلهم بأحسن الجواب ، وهذا كما قال الله تعالى : { وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً } [ الفرقان : 63 ] يعني : السداد من القول .
ثم قال : { أُبلِّغُكُمْ رِسَالاَت رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ } أي أمنعكم من الفساد وأدعوكم إلى التوحيد وأحذركم من العذاب . وقال أهل اللغة : أنصح لكم وأنصحكم لغتان بمعنى واحد ، كما يقال : شكرت لك وشكرتك ثم قال : { وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } يعني : أعلم أنكم إن لم تتوبوا يأتيكم العذاب وأنتم لا تعلمون ذلك ، وذلك أن سائر الأنبياء عليهم السلام خوّفوا أمتهم بعذاب الأمم السابقة ، كما قال شعيب لقومه : { وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقى أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالح وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ } [ هود : 89 ] وأما قوم نوح فلم يكن بلغهم هلاك أمة قبلهم . فقال لهم نوح : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } من العذاب الذي ينزل بكم . فقالت الكبراء للضعفاء لا تتبعوه فإن هذا بشر مثلكم فأجابهم نوح فقال : { أَوَ عَجِبْتُمْ أنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ } يعني : ينزل الكتاب والرسالة على رجل منكم تعرفون حسبه ونسبه { لينذركم } بالنار ولتتقوا الشرك .
قال بعضهم : «هذه الواو صلة وهو زيادة في الكلام . ومعناه { لينذركم } لكي تتقوا . وقال بعضهم هذه واو العطف أي : جاءكم رسول لكي ينذركم . (2/121)
{ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } يعني : لكي تنجوا من العذاب . قرأ أبو عمرو أبلغكم بجزم الباء والتخفيف . وقرأ الباقون أُبَلّغكم بالتشديد فيكون فيه معنى المبالغة . قوله : { فَكَذَّبُوهُ } أي نوحاً { فَأنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ } يعني : الذين اتبعوه من المؤمنين في السفينة ، والفلك اسم لواحد والجماعة يعني : أنجينا المؤمنين من الغرق { وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ } عن نزول العذاب . ويقال { عمين } عن الحق يعني : جعلوا أمره باطلاً .
وقد بيّن الله قصته في سورة هود .
قوله عز وجل :
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)
{ وَإلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً } يعني : أرسلنا إلى عاد نبيهم هوداً عطفاً على قوله : { لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه } أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم . لم يكن هود أخاهم في الدين ولكن كان من نسبهم . قال السدي : كانت عاد قوماً من أهل اليمن فأتاهم هود ، فدعاهم إلى الإيمان ، وذكّرهم ، ووعظهم فكذبوه . ويقال : عاد اسم ملك ينسب القوم كلهم إليه . ويقال : اسم القرية { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } أي وحّدوه { مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ } وقد ذكرناه { أَفَلا تَتَّقُونَ } عن الشرك و { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } وقد ذكرناه { إنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ } أي جهالة { وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } بأنك رسول الله { قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ } جهالة { وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ ربِّ الْعَالَمِينَ } إليكم { أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أمِينٌ } يعني : كنت فيكم قبل اليوم أميناً فكيف تتّهموني اليوم . (2/122)
{ أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِن رَّبِّكُمْ } يعني : الرسالة والبيان { على رجل منكم } تعرفون نسبه { لِيُنْذِرَكُمْ } بالعذاب { وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } أي جعلكم خلفاء في الأرض بعد هلاك قوم نوح { وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً } أي : فضيلة في الطول على غيركم . والخلفاء والخلائف جمع الخليفة .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو بسْطة بالسين .
وقرأ حمزة بإشمام الزاي .
وقرأ الباقون بالصاد . قال ابن عباس رضي الله عنهما كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً . وروى إبراهيم بن يوسف عن المسيب عن الكلبي قال : كان طول قوم عاد أطولهم مائة وعشرين ذراعاً وأقصرهم ثمانون ذراعاً . وقال مقاتل عن قتادة : كان طول كل رجل منهم اثني عشر ذراعاً فذلك قوله { التى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى البلاد } [ الفجر : 8 ] ويقال : كان بين نوح وبين آدم عشرة آباء كلهم على الإسلام . وكان إدريس جد أبي نوح ولم يكن بين آدم ونوح نبي مرسل ، وكان إدريس نبياً ولم يؤمر بدعوة الخلق ، ويقال : أنزل عليه عشرون صحيفة ، وقد آمن به كثير من الناس ، وكان بين نوح وإبراهيم ألف سنة ويقال : ألفان وأربعون سنة وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة . وكان بين موسى وعيسى ألف سنة . وبين عيسى ومحمد عليه السلام خمسمائة سنة . وكان هود بين نوح وإبراهيم فلما دعا قومه فكذبوه ، أنذرهم بالعذاب ، وقال : إن الله تعالى يرسل عليكم الريح فيهلككم بها ، فاستهزؤوا به وقالوا : أي ريح يقدر علينا ، فأمر الله تعالى خازن الريح أن يخرج من الريح العقيم التي هي تحت الأرض مقدار ما يخرج من حلقة الخاتم ، كما قال في آية أخرى { واستمع يَوْمَ يُنَادِ المناد مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } [ الذاريات : 41 ] فجاءتهم وحملت الرجال والدواب كالأوراق في الهواء فأهلكتهم كلهم فلم يبق منهم أحد .
كما قال { تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مساكنهم كَذَلِكَ نَجْزِى القوم المجرمين } [ الأحقاف : 25 ] وذلك بعد ما أنذرهم وأخذ عليهم الحجة وذكرهم نعم الله تعالى ، قال لهم : { فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ } أي : اشكروا نعمة الله قال بعضهم : الآلاء إيصال النعم ، والنعماء دفع البلية . وقال بعضهم على ضد هذا ، وقال أكثر المفسرين : الآلاء والنعماء بمعنى واحد { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } يعني : لكي تنجوا من البلايا ومن عذابه . (2/123)
قوله تعالى : { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ } قالوا : يا هود أتأمرنا أن نعبد رباً واحداً { وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاونَا } أي نترك عبادة آلهتنا التي كان يعبدها آباؤنا . قال لهم هود عليه السلام : إن لم تفعلوا ما آمركم يأتيكم العذاب . قالوا : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب أي : بما تخوفنا { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } أنك لرسول الله { قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ } أي : وجب عليكم عذاب وغضب من ربكم { أَتجَادِلُونَنِي فِي أسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وآبَاوكُمْ } أي : تجعلون قول أنفسكم وقول آبائكم حجة من غير أن يثبت لكم من الله حجة ، وقد اتخذتم الأصنام بأيديكم ، وسميتموها آلهة { مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } يقول : ليس لكم علة وعذر وحجة بعبادة الأصنام . { فَانْتَظِرُوا } الهلاك { إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرينَ } يعني : لنزول العذاب بكم ، لأنهم أرادوا إهلاكه قبل أن يهلكوا .
قال الله تعالى : { فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ منَّا } يعني : بنعمة منا عليهم { وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } أي : قطع أصلهم واستأصلهم { وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ } يعني : أن الذين أهلكهم الله تعالى كلهم كانوا كافرين .
قوله تعالى :
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)
{ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً } يعني : أرسلنا إلى ثمود نبيهم صالحاً قال بعضهم : ثمود اسم القرية . وقال بعضهم : ثمود اسم القبيلة وأصله في اللغة الماء القليل . ويقال : كانت بئراً بين الشام والحجاز . ويقال : هي عين يخرج منها ماء قليل في تلك الأرض ويقال لها أرض الحِجر كما قال في آية أُخرى { وَلَقَدْ كَذَّبَ أصحاب الحجر المرسلين } [ الحجر : 80 ] وقال بعضهم : كان في تلك القرية أهل تسعمائة بيت . وقال بعضهم : ألف وخمسمائة ، فأتاهم صالح ودعاهم إلى الله سنين كثيرة فكذبوه وأرادوا قتله فخرجوا إلى عبد لهم ، فأتاهم صالح ودعاهم إلى الله تعالى . فقالوا له : إن كنت نبياً فأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عَشَرَاء حتى نؤمن بك ونصدقك فقام صالح وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فتحركت الصخرة وانصدعت عن ناقة عشراء ذات زغب فلم يؤمنوا به فولدت الناقة ولداً وقال بعضهم خرج ولدها خلفها من الصخرة . فصارت الناقة بلية ومحنة عليهم ، وكانت من أعظم الأشياء فتأتي مراعيهم فتنفر منها دوابهم . وتأتي العين وتشرب جميع ما فيها من الماء . فجعل صالح الماء قسمة بينهم يوماً للناقة ، ويوماً لأهل القرية ، فإذا كان اليوم الذي تشرب الناقة لا يحضر أحد العين وكانوا يحلبونها في ذلك اليوم مقدار ما يكفيهم ، وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون . فاجتمعوا لقتل الناقة فقال لهم صالح : لا تفعلوا فإنكم إذا قتلتموها يأتيكم العذاب فجاؤوا ووقفوا على طريق الناقة فلما مرت بهم الناقة متوجهة إلى العين رماها واحد منهم يقال له مصدع بن وهر فأصابت السهم رجل الناقة فلما رجعت الناقة من العين خرج قدار بن سالف وهو أشقى القوم كما قال الله تعالى { إِذِ انبعث أشقاها } [ الشمس : 12 ] فضربها بالسيف ضربة فقتلها وقسموا لحمها على أهل القرية . (2/124)
وروي عن الحسن البصري رحمة الله عليه أنه قال : لما عقرت ثمود الناقة ذهب فصيلها حتى صعد جبلاً وقال ثلاث مرات أين أمي أين أمي أين أمي؟ فأخبر بذلك صالح فقال يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام . فقالوا : وما العلامة في ذلك؟ فقال : أن تصبحوا في اليوم الأول وجوهكم مصفرة ، وفي اليوم الثاني وجوهكم محمرة ، وفي اليوم الثالث وجوهكم مسودة . ثم خرج صالح من بين أظهرهم مع من آمن منهم فأصبحوا في اليوم الأول وجعل يقول بعضهم لبعض : قد اصفر وجهك ، وفي اليوم الثاني يقول بعضهم لبعض : قد احمر وجهك ، وفي اليوم الثالث يقول بعضهم لبعض : قد اسود وجهك . فأيقنوا جميعاً الهلاك . فجاء جبريل عليه السلام وصاح بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم ، ويقال : قد أتتهم النار فأحرقتهم فذلك قوله تعالى : { قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا الله } أي : وحدوا الله { ما لكم من إله غيره } قد ذكرناه { قَدْ جَاءَتكُمْ بَيِّنَةً مِنْ رَبِّكُمْ } يقول : قد أتيتكم بعلامة نبوتي وهي الناقة كما قال الله تعالى : { هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ آيَةً } أي علامة لنبوتي لكي تعتبروا وتوحّدوا الله ربكم { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ الله } يقول : دعوها ترتع في أرض الحجر { وَلا تَمَسُّوها بِسوءٍ } يقول : لا تعقروها { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهو ما عذبوا به .
قوله عز وجل : { وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ } أي : بعد هلاك عاد { وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ } يعني : أنزلكم في أرض الحجر { تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً } وذلك أنه كانت لهم قصور يسكنون فيها أيام الصيف ، وقد اتخذوا بيوتاً في الجبل لأيام الشتاء ، فذكرهم نعمة الله تعالى . فقال : اذكروا هذه النعم حيث وفقكم الله حتى اتخذتم القصور في سهل الأرض واتخذتم البيوت في الجبال . (2/125)
{ فَآذْكُرُوا آلاَءَ الله } أي نعم الله عليكم { وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ } أي : لا تعملوا في الأرض بالمعاصي .
قوله عز وجل : { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعفُوا } قرأ ابن عامر وقَالَ الْمَلأُ بالواو . وقرأ الباقون بغير واو أي قال الملأ الذين تكبروا عن الإيمان من قومه وهم القادة للذين استضعفوا { لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ } بصالح { أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ } يعني : أتصدقون صالحاً بأنه مرسل من ربه إليكم { قَالُوا } يعني : المؤمنين { إنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ } أي : مصدقون به { قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } أي : من رسالة صالح { فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ } أي : عصوا وتركوا أمر ربهم وأبوا عن طاعته . ثم التوحيد ويقال : فيه تقديم . ومعناه عتَوا عن أمر ربهم وعقروا الناقة . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إنهم عقروا الناقة ليلة الأربعاء في عشية الثلاثاء فأهلكهم الله في يوم السبت . { وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } أي : بما تخوفنا به من العذاب { إنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } يعني : إن كنت رسول رب العالمين { فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } أي : الزلزلة ويقال : صيحة جبريل كما قال في آية أُخرى { فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُصْبِحِينَ } [ الحجر : 83 ] ويقال : أخذتهم الزلزلة ثم أخذتهم الصيحة . ويقال : النار { فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهُمْ جَاثِمِينَ } أي : صاروا في مدينتهم ومنازلهم ميتين ، لا يتحركون وأصله من الجثوم . ويقال : أصابهم العذاب بكرةً يوم الأحد { فَتَوَلَّى عَنْهُمْ } فيه تقديم وتأخير أي : حين كذبوه خرج من بين أظهرهم { وَقَالَ يا قَومِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ } أي دعوتكم إلى التوبة وحذرتكم العذاب { وَلَكِن لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } أي : لا تطيعون الداعين . ويقال : إنما قال ذلك بعد إهلاكهم . قال على وجه الحزن . إني قد أبلغتكم الرسالة . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله تعالى لم يهلك قوماً ما دام الرسول فيهم فإذا خرج من بين ظهرانيهم أتاهم ما أوعد لهم . وقال في رواية الكلبي : لما هلك قوم صالح رجع صالح ومن معه من المؤمنين ، فسكنوا ديارهم . وقال في رواية الضحاك خرج صالح إلى مكة فكان هناك حتى قبضه الله تعالى .
قوله عز وجل :
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)
{ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } يعني : وأرسلنا لوطاً إلى قومه . ويقال : معناه واذكروا لوطاً إذ قال لقومه { أَتَأْتُونَ الفاحشة } يعني : اللواطة { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا } يعني : لم يعمل بمثل عملكم { مِنْ أَحَدٍ مّن العالمين } قبلكم { إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً مّن دُونِ النساء } أي : تجامعون الرجال من دون النساء يعني : إن إتيان الرجال أشهى إليكم من إتيان النساء وقرأ أبو عمرو آيِنَّكُمْ بالمد بغير همز وقرأ ابن كثير ونافع إنَّكُمْ بهمزة واحدة بغير مد . وقرأ الباقون بهمزتين بغير مد ومعنى ذلك كله واحد وهو الاستفهام . (2/126)
ثم قال : { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } أي : متعدون من الحلال إلى الحرام { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ } وإنما صار جواب نصباً لأنه خبر كان والاسم هو ما بعده { إِلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } يعني : يتقذرون منا ويتنزهون عن فعلنا { فأنجيناه وَأَهْلَهُ } يعني : ابنتيه زعوراء وريثا { إِلاَّ امرأته } وهي واعلة { كَانَتْ مِنَ الغابرين } يعني : من الباقين في الهلاك فيمن أهلكوا { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } يعني : الحجارة ويقال : أمطر بالعذاب ومطر بالرحمة . ويقال : أمطر ومطر بمعنى واحد { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين } أي : كيف كان آخر أمرهم ، وقد بيّن قصته في سورة هود . وقال مجاهد : لو أن الذي يعمل عمل قوم لوط اغتسل بكل قطرة في السماء ، وبكل قطرة في الأرض ، ما زال نجساً إلى يوم القيامة وقد اختلف الناس في حَدِّه . قال بعضهم : هو كالزاني فإن كان محصناً يرجم وإن كان غير محصن يجلد . وروي عن الشعبي أنه قال : يرجم في الأحوال كلها محصناً كان أو غير محصن . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أتي برجل قد عمل بذلك العمل ، فأمر بأن يلقى من أشرف البناء منكوساً ثم يتبع بالحجارة ، لأن الله تعالى ذكر قتلهم بالحجارة .
وهو قوله تعالى : { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } أي : حجارة وقال بعضهم : يعزر ويحبس حتى تظهر توبته ولا يحد وهو قول أبي حنيفة رحمه الله .
ثم قال تعالى :
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)
{ وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً } يعني : أرسلنا إلى مدين نبيّهم شعيباً ومدين هو آل مدين وكان مدين بن إبراهيم خليل الرحمن ، تزوج ريثاء ابنة لوط ، فولدت آل مدين ، فتوالدوا وكثروا ، ثم صار هو اسماً للمدينة ، فسميت المدينة مدين ، وسمي أولئك القوم مدين . فكفروا بالله تعالى ونقصوا المكيال والميزان في البيع ، وأظهروا الخيانة فبعث الله تعالى إليهم شعيباً . وقال الضحاك كان شعيب أفضلهم نسباً ، وأصدقهم حديثاً ، وأحسنهم وجهاً ، ويقال : إنه بكى من خشية الله تعالى حتى ذهب بصره فصار أعمى فدعا قومه إلى الله تعالى و { قَالَ يَا قَوْمٌ اعبدوا الله } أي وحّدوه وأطيعوه { مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ } قال بعضهم : مجيء شعيب النبي عليه السلام إليهم آية ولم يكن لشعيب علامة سوى مجيئه وإخباره أن الله تعالى واحد . وقال بعضهم : كانت له علامة لأن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا وقد جعل له علامة ليظهر تصديق مقالته ، إلا أن الله تعالى لم يبيّن لنا علامته ، وقد بيّن علامة بعض الأنبياء ، ولم يبيّن علامة الجميع . (2/127)
ثم قال : { فَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط } أي أتموا الكيل والميزان بالعدل { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ } يقول : ولا تنقصوا الناس حقوقهم في البيع والشراء { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الارض بَعْدَ إصلاحها } يعني : لا تعملوا في الأرض المعاصي بعد ما بيّن الله تعالى طريق الحق وأمركم بالطاعة { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } يعني : وفاء الكيل وترك الفساد في الأرض خير لكم من النقصان والفساد في الأرض إن كنتم مصدقين بما حرم الله تعالى عليكم .
قوله تعالى : { وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط تُوعِدُونَ } أي لا ترصدوا بكل طريق توعدون أهل الإيمان بالقتل { وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } يقول : تمنعون الناس عن دين الإسلام { مَنْ ءامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } يقول : تريدون بملة الإسلام زيغاً وغيراً . وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : { بِكُلّ صراط تُوعِدُونَ } قال : بكل سبيل حتى تصدوا أهلها عنها { وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } قال وتلتمسون بها الزيغ . ويقال معناه : لا تقعدوا على كل طريق تخوفون الناس وتخوفون أهل الإيمان بشعيب عليه السلام .
ثم قال : { واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } أي كنتم قليلاً في العدد فكثَّر عددكم . ويقال : كنتم فقراء فأغناكم وكثر أموالكم { وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } أي كيف صار آخر أمر المكذبين بالرسل ، يعني : الذين قبلهم قوم نوح وقوم عاد وقوم هود وقوم صالح .
ثم قال : { وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بالذى أُرْسِلْتُ بِهِ } يعني : إن كان جماعة منكم صدقوا بي { وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ } بي أي لم يصدقوا { فاصبروا حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا } يعني : حتى تنظروا عاقبة المؤمنين أفضل أم عاقبة الكافرين .
فذلك قوله : { حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا } يعني : حتى يقضي الله بين المؤمنين وبين الكافرين { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } أي أعدل العادلين . (2/128)
{ قَالَ الملا الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ } يعني : الأشراف والرؤساء تعظموا عن الإيمان من قومه { لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين ءامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } أي لتدخلنا في ديننا الذي نحن عليه . ويقال : هذا الخطاب لقومه الذين آمنوا لترجعن إلى ديننا كما كنتم { قَالَ } لهم شعيب { أَوْ لَوْ كُنَّا كارهين } يعني : أتجبروننا على ذلك؟ قالوا : نعم قال لهم شعيب : { قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ } يقول : قد اختلقنا على الله كذباً إن دخلنا في دينكم { بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا } يقول : إن الله تعالى أكرمنا بالإسلام وأنقذنا من ملّتكم . يقال : معناه كنا كاذبين مثلكم لو دخلنا في دينكم بعد إذ نجانا الله منها . ويقال : أكرمنا الله تعالى بالإسلام ولم يجعلنا من أهل الكفر فأنقذنا وأبعدنا من ملتكم . { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله } يعني : ما ينبغي لنا وما يجوز لنا أن ندخل في ملتكم إلا أن يشاء الله { رَبَّنَا } دخولنا فيها وأن ينزع المعرفة من قلوبنا . ويقال : معناه وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها . ويقال : معناه إلا أن يشاء الله يعني : لا يشاء الله الكفر مثل قولك . لا أكلمك حتى يبيض القار ، وحتى يشيب الغراب ، وهذا طريق المعتزلة .
ثم قال : { وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } يعني : علم ما يكون منا ومن الخلق { عَلَى الله تَوَكَّلْنَا } أي فوضنا أمرنا إلى الله لقولهم : { لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب * شُعَيْبٌ } { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } أي اقض بيننا وبين قومنا بالعدل . وروى قتادة عن ابن عباس قال : ما كنت أدري ما معنى قوله : { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا } حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لعلي بن أبي طالب تعال أفاتحك يعني : أخاصمك . وقال القتبي : الفتح أن تفتح شيئاً مغلقاً كقوله : { وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين } [ الزمر : 73 ] وسمي القضاء فتحاً لأن القضاء فصل للأمور وفتح لما أشكل منها { وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين } يعني : خير الفاصلين .
قوله تعالى : { وَقَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لاِنْ اتبعتم شُعَيْبًا } أي لأن أطعتم شعيباً في دينه { إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون } يعني : جاهلون . فلما وعظهم شعيب ، ولم يتعظوا أخبرهم أن العذاب نازل بهم .
فلم يصدقوه . فخرج شعيب ومن آمن معه من بين أظهرهم فأصابهم يعني : أهل القرية حر شديد ، فخرجوا من القرية ، ودخلوا غيضة كانت عند قريتهم وهي الأيكة كما قال الله تعالى في آية أُخرى { كَذَّبَ أصحاب لْأيْكَةِ المرسلين } [ الشعراء : 176 ] فأرسل الله تعالى ناراً فأحرقت الأشجار ومن فيها من الناس . ويقال : أصابتهم زلزلة فخرجوا ، فأتتهم نار فأحرقتهم ، وذلك قوله تعالى : { فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } يعني : الزلزلة والحر الشديد فهلكوا واحترقوا { فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جاثمين } يعني : صاروا ميتين . (2/129)
قوله تعالى : { الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } يعني : كأن لم يكونوا فيها قط وقال قتادة : { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } يعني : كأن لم يتنعموا فيها . ويقال : معناه من كان رآهم بعد إهلاكنا إياهم ظن أنه لم يكن هناك أحد يعني : لم يعيشوا . ويقال : كأن لم يعمروا .
ثم قال : { الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الخاسرين } يعني : المغبونين في العقوبة ، يعني : إنهم كانوا يقولون لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون . فصار الذين كذبوا هم الخاسرون لا الذين آمنوا منهم .
قوله تعالى : { فتولى عَنْهُمْ } يعني : أعرض عنهم حين خرج من بين أظهرهم { وَقَالَ يأَ قَوْمٌ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالات رَبّى } في نزول العذاب { وَنَصَحْتُ لَكُمْ } وقد ذكرناه { فَكَيْفَ ءاسى على قَوْمٍ كافرين } أي كيف أحزن بعد النصيحة على قوم إن عذبوا .
قوله تعالى :
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)
{ وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا } ففي الآية مضمر ومعناه : وما أرسلنا في قرية من نبي فكذبوه إلا أخذنا أهلها { بالبأساء والضراء } يعني : عاقبنا أهلها بالخوف والبلاء والقحط والفقر . ويقال : البأساء ما يصيبهم من الشدة في أموالهم ، والضراء ما يصيبهم في أنفسهم { لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } يعني : لكي يتضرعوا ، فأدغمت التاء في الضاد وأقيم التشديد مقامه . ومعناه : لكي يدعوا ربهم ويؤمنوا بالرسل ويعرفوا ضعف معبودهم . (2/130)
قوله تعالى : { ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة } يعني : حولنا مكان الشدة الرخاء ، ومكان الجدوبة الخصب ، { حتى عَفَواْ } أي كثروا ، واستغنوا ، وكثرت أموالهم فلم يشكروا الله تعالى . ويقال : حتى عفوا أي حتى سروا به { وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا الضراء والسراء } أي مثل ما أصابنا مرة يكون الرخاء ، ومرة يكون الشدة ، { فَأَخَذَتْهُمُ بَغْتَةً } أي فجأة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } يعني : أتاهم العذاب من حيث لم يعلموا به . ويقال : إن الشدة للعامة تكون تنبيهاً وزجراً . والنعمة تكون استدراجاً وأما النعمة للخاصة فهي تنبيه ، لأنه بعد ذلك عقوبة . كما روي أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام إذا رأيت الفقر مقبلاً إليك فقل مرحباً بشعار الصالحين . وإذا رأيت الغنى مقبلاً إليك فقل ذنب عجلت عقوبته
قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ واتقوا } يعني : وحّدوا الله تعالى واتقوا الشرك { لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والارض } يعني : أنزلنا عليهم من السماء المطر والرزق والنبات من الأرض { ولكن كَذَّبُواْ } الرسل { فأخذناهم } أي عاقبناهم { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من الشرك . ففي الآية دليل على أن الكفاية والسعة في الرزق من السعادة إذا كان المرء شاكراً . وتكون عقوبة له إذا لم يكن شاكراً . لأنه قال في آية أخرى : { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } [ الزخرف : 33 ] يعني : الغنى يكون وبالاً لمن لا يشكر الله تعالى وعقوبة له .
ثم قال تعالى : { أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتا } أي ينزل عليهم عذابنا ليلاً { وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى } فتحت الواو لأنها واو العطف ، أدخلت عليها ألف الاستفهام . وكذلك أفأمن لأنها فاء العطف دخلت عليها ألف الاستفهام . قرأ نافع وابن كثير أو أمن بجزم الواو لأن أصله أو وأمن وأو حرف من حروف الشك فأدغم في حرف النسق { أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى } يعني : يأتيهم عذابنا نهاراً { وَهُمْ يَلْعَبُونَ } يعني : لاهون عنه .
ثم قال تعالى : { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله } يعني : عذاب الله { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله } يعني : عذاب الله { إِلاَّ القوم الخاسرون } أي المغبونون بالعقوبة .
قوله تعالى :
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)
{ أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الارض } يعني : أو لم يبيّن . قال القتبي : أصل الهدى الإرشاد كقوله : { عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى } يعني : يرشدني . ثم يصير الإرشاد لمعان منها إرشاد بيان مثل قوله { أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ } يعني : أو لم يبين لهم . ومنها إرشادٌ بمعنى بالدعاء كقوله : { وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } [ الرعد : 7 ] يعني : نبياً يدعوهم وقوله : { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكواة وَكَانُواْ لَنَا عابدين } [ الأنبياء : 73 ] أي يدعون الخلق . وقرأ بعضهم أو لم نهد بالنون يعني : أو لم نبين لهم الطريق . ومن قرأ بالياء معناه : أو لم يبين الله للذين يرثون الأرض من بعد أهلها يعني : ينزلون الأرض { مِن بَعْدِ } هلاك { أَهْلِهَا } . ويقول أو نبيّن لأهل مكة هلاك الأمم الخالية كيف أهلكناهم ولم يقدر مبعودهم على نصرتهم . { أَن لَّوْ نَشَاء أصبناهم بِذُنُوبِهِمْ } يعني : أهلكناهم بذنوبهم كما أهلكنا من كان قبلهم عند التكذيب . (2/131)
ثم قال : { وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ } يعني : نختم على قلوبهم بأعمالهم الخبيثة عقوبة لهم { فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } الحق ولا يقبلون المواعظ .
ثم قال عز وجل : { تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا } أي تلك القرى التي أهلكنا أهلها ، نخبرك في القرآن من حديثها { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } يعني : بالعلامات الواضحة ، والبراهين القاطعة ، التي لو اعتبروا بها لاهتدوا . { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } يعني : إنّ أهل مكة لم يصدقوا بما كذب به الأمم الخالية . وقال مجاهد : فما كانوا ليؤمنوا بعد العذاب بما كذبوا من قبل وهذا مثل قوله تعالى : { بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لكاذبون } [ الأنعام : 28 ] وقال السدي : { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } أي يوم الميثاق فما كانوا ليؤمنوا في دار الدنيا بما كذبوا من قبل يوم الميثاق وأقروا به . وهو قوله : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } [ الأعراف : 172 ] ثم في الدنيا ما وجدناهم على ذلك الإقرار . ويقال : { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } عند مجيء الرسل { بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } مجيء الرسل معناه أن مجيء الرسل لم ينفعهم . { كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله } يعني : هكذا يختم الله تعالى { على قُلُوبِ الكافرين } مجازاة لكفرهم . قوله تعالى : { وَمَا وَجَدْنَا لاِكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ } مِنْ زيادة للصلة يعني : ما وجدنا لأكثرهم وفاءً فيما أمروا به يعني : الذين كذبوا من الأمم الخالية .
ويقال : { مَا وَجَدْنَا لاِكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ } لأنهم أقروا يوم الميثاق ، ثم نقضوا العهد حيث كفروا . ويقال : { مَا وَجَدْنَا لاِكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ } أي قبول العهد الذي عاهدوا على لسان الرسل . (2/132)
ثم قال : { وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لفاسقين } يعني : وقد وجدنا أكثرهم لناقضين العهد ، تاركين لما أمروا به .
قوله تعالى { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى } يعني : أرسلنا من بعد الرسل الذين ذكرهم في هذه السورة . ويقال : ثم بعثنا من بعد هلاكهم موسى وهو موسى بن عمران { بئاياتنا } يعني : اليد البيضاء والعصا { إلى فِرْعَوْنَ } وهو ملك مصر واسمه الوليد بن مصعب . وروي عن وهب بن منبه أنه قال : كان فرعون في وقت يوسف فعاش إلى وقت موسى عليهما السلام . فبعث الله تعالى إليه موسى ليأخذ عليه الحجة . وأنكر عليه ذلك عامة المفسرين . وقالوا هو كان غيره ، وكان جباراً ، ظهر بمصر واستولى عليها ، وأرسل الله تعالى إليه موسى فذلك قوله تعالى : { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى بئاياتنا إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيِهِ } يعني : جنوده وأتباعه { فَظَلَمُواْ بِهَا } يعني : فجحدوا بالآيات { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } يعني : كيف صار آخر أمر المشركين . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أول الآيات العصا فضرب بها موسى باب فرعون ، ففزع منها فرعون ، فشاب رأسه ، فاستحيا فخضب بالسواد ، فأول من خضب بالسواد فرعون . قال ابن عباس : كان طول العصا عشرة أذرع على طول موسى ، وكانت من آس الجنة يضرب بها الأرض فتخرج النبات ، فلما دخل عليه مع هارون { وَقَالَ } له { موسى يافرعون إِنّى رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين } إليك قال له فرعون : كذبت . قال موسى : { حَقِيقٌ عَلَىَّ أَنْ لا أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق } قرأ نافع حقيق علي بالتشديد . وقرأ الباقون بتخفيف على . فمن قرأ بالتخفيف فمعناه واجب علي أن لا أقول ، أي : واجب أن أترك القول على الله إلا الحق . ومن قرأ بالتشديد معناه : واجب علي ترك القول على الله إلا الحق . أي لا أقول على الله إلا الحق فلما كذبوه قال : إني لا أقول بغير حجة وبرهان { قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ } يعني : قد جئتكم بعلامة لنبوتي { فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إسراءيل } ولا تستعبدهم ، لأن فرعون كان قد استعبد بني إسرائيل واتخذهم في الأعمال سخرة ف { قَالَ } له فرعون : { قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ } أي بعلامة لنبوتك { فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } بأنك رسول الله { فَأُلْقِىَ } موسى { عصاه } يعني : ألقى موسى عصاه من يده { فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } وهي أعظم الحيات ، ويقال الثعبان الحية الذكر الصفراء الشقراء ويقال صارت حية من أعظم الحيات رأسها مع شرف قصر فرعون ، ففتحت فاها نحو فرعون ، وكان فرعون على سريره فوثب فرعون عن سريره ، وهرب منها ، وهرب الناس ، وصاحوا إلى موسى ، ونادى فرعون يا موسى خذها عني فأخذها ، فإذا هي عصا بيضاء بيده كما كانت ، وجعل الناس يضحكون مما يصنع موسى .
ومعنى قوله : { ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } يعني : أنها حية تسعى لا لبس فيها . فقال له فرعون : هل معك غير هذا؟ فقال : نعم { وَنَزَعَ يَدَهُ } يعني : أخرج يده أخرجها من جيبه كما قال في آية أخرى { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء فِى تِسْعِ ءايات إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } [ النمل : 12 ] يعني : من غير برص { فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين } يعني : لها شعاع غلب على نور الشمس . ومعنى قوله : { للناظرين } يعني : يتعجب ويتحير منها الناظرون . ويقال : إن البياض من غير برص . لأن الناس يكرهون النظر إلى الأبرص ، فأخبر أن ذلك بياض ينظرون إليه من غير سوء . ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها فصارت كما كانت . (2/133)
{ قَالَ الملا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ } يعني : الأشراف والرؤساء . قال مقاتل : إن فرعون قال بهذه المقالة فصدقه قومه كما قال في سورة الشعراء : { قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ } [ الشعراء : 34 ] يعني : حاذق بالسحر .
ثم قال لقومه : { إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ } تصديقاً لقوله : { يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ } بسحره يعني : من أرض مصر . فقال لهم فرعون : { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } يعني : أي فماذا تشيرون في أمره؟ ويقال : إن بعضهم قال لبعض فماذا تأمرون؟ أي ماذا ترون في أمره { قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } يعني : احبسهما ولا تقتلهما . وأصله في اللغة التأخير أي أخر أمرهما حتى تجتمع السحرة فيغلبوهما . فإنك إن قتلتهما قبل أن يظهر حالهما يظن الناس أنهما صادقان . فإذا تبين كذبهما عند الناس فاقتلهما حينئذٍ . فذلك قوله : { أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ } أي : ابعث { فِى المدائن حاشرين } يعني : الشرط يحشرون الناس إليكم أي : { يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ } أي : حاذق بالسحر قرأ ابن كثير أرجئهو بالهمزة والواو بعد الهاء . وقرأ الكسائي أرجهي إلا أنه بكسر الهاء ولا يتبع الياء . وقرأ أبو عمر وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر في إحدى الروايتين أرجئه بالهمز بغير مد والضمة . وهذه اللغات كلها مروية عن العرب . وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي بكل سَحَّار عليم على وجه المبالغة في السحر . وقرأ الباقون بكل ساحر وهكذا في يونس واتفقوا في الشعراء .
قوله تعالى : { وَجَاء السحرة فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لاجْرًا } يعني : قالوا لفرعون أتعطينا جعلاً ومالاً { إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين } لموسى { قَالَ } لهم فرعون { نِعْمَ } لكم الجعل { وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين } يعني : لكم المنزلة به سوى العطية يعني : إنكم تكونون أول من يدخل علي بالسلام قرأ أبو عمرو آينَّ لنا لأجْراً بمد الألف .
وقرأ عاصم في رواية حفص إن بهمزة واحدة بغير ياء وقرأ الباقون بهمزتين وقرأ ابن كثير ونافع إنَّ لَنَا بهمزة واحدة بغير ياء . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي أإن لنا بهمزتين فلما اجتمع السحرة وغدوا للخروج يوماً وأعلن الناس بخروجهم ليجتمعوا عند سحرهم كما قال في آية أخرى : { قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى } [ طه : 59 ] أي : يوم عيد كان لهم ويقال : يوم النيروز . فلما اجتمعت السحرة { قَالُواْ يأَبَانَا *** موسى إَمَامًا *** أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين } يعني : إما أن تطرح عصاك على الأرض وإما أن نكون نحن الملقين قبلك . { قَالَ } لهم موسى { أَلْقَوْاْ فَلَمَّا أَلْقُوْاْ } يعني : السحرة ألقوا الحبال والعصي { سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس } أي أخذوا أعينهم بالسحر { واسترهبوهم } يعني : طلبوا رهبتهم حتى رهبهم الناس . قال الكلبي : كانت السحرة سبعين فألقوا سبعين عصا وسبعين حبلاً . وقال بعضهم : كانوا اثنين وسبعين حبلاً . وروى أسباط عن السدي قال : قال ابن عباس كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً . وقال محمد بن إسحاق : كانوا ألف رجل وخمسمائة رجل ومع كل واحد منهم عصا : وقد كانوا خاطوا الحبال وجعلوها مموهة بالرصاص وحشوها بالزئبق حتى إذا ألقوها تحركت كأنها حيات ، لأن الزئبق لا يستقر في مكان واحد ، فلما طلعت عليه الشمس صارت شبيهاً بالحيات فنظر موسى فإذا الوادي قد امتلأ بالحيات ، فدخل فيه الخوف ، ونظر الناس إلى ذلك فخافوا من كثرة الحيات . فذلك قوله : { واسترهبوهم } يعني : أفزعوهم وأخافوهم { وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } يعني : بسحر تام . ويقال : { وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } يعني : بقول عظيم حيث قالوا { فَأَلْقَوْاْ حبالهم وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون } [ الشعراء : 44 ] ويقال : { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } حيث قالوا : بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون . قال الله تعالى : (2/134)
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)
{ وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } يعني : اطرح عصاك إلى الأرض فألقى عصاه من يده فصارت حية أعظم من جميع حياتهم { فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } يعني : تلتقم وتأكل جميع ما جاؤوا به من الكذب والسحر . قرأ عاصم في رواية حفص تَلْقَفْ بجزم اللام والتخفيف . وقرأ الباقون بنصب اللام وتشديد القاف ، ومعناهما واحد . (2/135)
ثم إن الحية قصدت إلى فرعون ، فنادى موسى فأخذها ، فإذا هي عصا على حالها فنظرت السحرة فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت { فَوَقَعَ الحق } أي استبان الحق وظهر أنه ليس بسحر { وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من السحر أي : ذهب وهلك واضمحل { فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ } أي وغَلَب موسى السحرة عند ذلك { وانقلبوا صاغرين } يعني : رجعوا ذليلين .
قالوا : لو كان هذا سحراً فأين صارت حبالنا وعصينا . ولو كانت سحراً لبقيت حبالنا وعصينا وهذا من الله تعالى وليس بسحر . فآمنوا بموسى . قوله تعالى : { وَأُلْقِىَ السحرة ساجدين } يعني : خروا ساجدين لله تعالى . قال الأخفش : من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا . ويقال : وفّقهم الله تعالى للسجود { قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ العالمين } فقال لهم فرعون : إياي تعنون . فأراد أن يلبس على قومه فقالوا : { رَبّ موسى وهارون } فقدم فرعون لما سألهم ، لأن بعض الناس كانوا يظنون عند مقالتهم رب العالمين أنهم أرادوا به فرعون . فلما سألهم فرعون وقالوا : برب موسى وهارون ، ظهر عند جميع الناس أنهم لم يريدوا به فرعون ، وإنما أرادوا به الإيمان بموسى وبرب العالمين .
{ قَالَ فِرْعَوْنُ ءامَنتُمْ بِهِ } يعني : صدقتم بموسى { قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } يعني : قبل أن آمركم بالإيمان بموسى . قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر آمنتم . وقرأ الباقون بغير مد بهمزتين ومعناهما واحد ويكون استفهاماً . إلا عاصم في رواية حفص قرأ آمنتم بهمزة واحدة بغير مد على وجه الخبر .
{ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى المدينة } يعني : صنعاً صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في المدينة { لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا } يعني : إنكم أردتم أن تخرجوا الناس من مصر بسحركم .
ثم قال لهم : { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } يعني : تعلمون ماذا أفعل بكم { لاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } يعني : اليد اليمنى والرجل اليسرى { ثُمَّ لاَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } على شاطىء نهر مصر { قَالُواْ إِنَّا إلى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } أي : لا نبالي من عقوبتك وفعلك فإن مرجعنا إلى الله تعالى يوم القيامة .
قال تعالى : { وَمَا تَنقِمُ مِنَّا } يعني : وما تعيب علينا ، وما تنكر منا إلا إيماننا بالله تعالى . ويقال : وما نقمتك علينا ولم يكن منا ذنب { وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا لَمَّا جَاءتْنَا } يعني : لما ظهر عندنا أنه حق .
ثم سألوا الله تعالى الصبر على ما يصيبهم لكي لا يرجعوا عن دينهم فقالوا : { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } يعني : أنزل علينا صبراً عند القطع والصلب ، ومعناه : ارزقنا الصبر وثبت قلوبنا حتى لا نرجع كفاراً { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } على دين موسى . وروي عن عبيد الله بن عمير أنه قال : كانت السحرة أول النهار كفاراً فجرة ، وآخر النهار شهداء بررة . وقال بعض الحكماء : إن سحرة فرعون كانوا كفروا خمسين سنة فغفر لهم بإقرار واحد وبسجدة فكيف بالذي أقر وسجد خمسين سنة كيف لا يرجو رحمته ومغفرته؟ . (2/136)
قوله تعالى { وَقَالَ الملا مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الارض } يعني : إن السحرة قد آمنوا به فلو تركتهما يؤمن بهما جميع أهل مصر ، فيفسدوا في الأرض يعني : موسى وقومه ويغيروا عليك دينك في أرض مصر { وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ } وذلك أن فرعون كان قد جعل لقومه أصناماً يعبدونها ، وكان يقول لهم هؤلاء أربابكم الصغار ، وأنا ربكم الأعلى . فذلك قوله تعالى : { وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ } يعني : يدعك ويدع أصنامك التي أمرت بعبادتها . وروي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان يقرأ { وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ } يعني : عبادتك وتعبدك . قال ابن عباس : كان فرعون يُعْبد ولا يَعْبُد . ويقال : معنى قوله : { أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الارض } يعني : يغلبوا عليكم ، ويقتلون أبناءكم ، ويستحيون نساءكم كما فعلتم بهم كما قال في آية أُخرى { وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذرونى أَقْتُلْ موسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنى أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الارض الفساد } [ غافر : 26 ] فقال لهم فرعون : { سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِى نِسَاءهُمْ } لأنهم قد كانوا تركوا قتل الأبناء ، فأمرهم أن يرجعوا إلى ذلك الفعل . قرأ ابن كثير ونافع { سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ } بجزم القاف والتخفيف . وقرأ الباقون بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة في القتل .
ثم قال : { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون } أي : مسلطون فشكت بنو إسرائيل إلى موسى :
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131)
{ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله } يعني : سلوا الله التوفيق { واصبروا } يعني : اصبروا على أذاهم حتى يأتيكم الفرج { إِنَّ الارض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } يعني : أرض مصر ينزلها من يشاء من عباده ويقال الجنة قرأ عاصم في رواية حفص بالتشديد . وقرأ الباقون بالتخفيف . وهما لغتان ورّث وأوْرَث بمعنى واحد . (2/137)
ثم قال : { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } أي الذين يعملون في طاعة الله تعالى على نور من الله مخافة عقاب الله ورجاء ثواب الله تعالى ، أي آخر الأمر لهم . وروي في الخبر أن مسيلمة الكذاب كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد . فإن الأرض بيني وبينكم نصفان إلا أن العرب قوم يظلمون الناس فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مِنْ مُحَمَّد رَسُولِ الله إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذَّابِ . أمَّا بَعْدُ فَإنَّ الأرْضَ لله يُورِثُها مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ »
قوله تعالى : { قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا } يعني : إن قوم موسى قالوا لموسى : إنهم قد عذبوا قبل أن تأتينا بالرسالة { وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } لأن قوم فرعون كانوا يكلفون بني إسرائيل من العمل ما لا يطيقون ، وكان آل فرعون لا يعرفون شيئاً من الأعمال ، وكان بنو إسرائيل حذاقاً في الأشياء والأعمال ، فكانوا يأمرونهم بالعمل ولا يعطونهم الأجر . { فَقَالَ } لهم موسى { عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } يعني : فرعون وقومه { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الارض } أي : يجعلكم سكاناً في أرض مصر من بعد هلاكهم يعني : من بعد هلاك فرعون وقومه { فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } يعني : يبتليكم بالنعمة كما ابتلاكم بالشدة ، فيظهر عملكم في حال اليسر والشدة ، لأنه قد وعد لهم بقوله تعالى : { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِى الارض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين } [ القصص : 5 ] .
ويقال : فينظر كيف تعملون من بعده يعني : من بعد انطلاق موسى إلى الجبل فعبدوا العجل .
قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين } أي : بالجوع والقحط { وَنَقْصٍ مّن الثمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } أي يتعظون ويؤمنون فلم يتعظوا . قال الله تعالى : { فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة } يعني : الخير والخصب والرخاء { قَالُواْ لَنَا هذه } يعني : نحن أهل لهذه الحسنة وأحق بها { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } يعني : القحط والبلاء والشدة { يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ } وأصله يتطيروا فأدغمت التاء في الطاء . كقوله : { يَذَّكَّرُونَ } أي يتشاءمون بموسى ومن معه على دينه . قال الله تعالى : { أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله } يعني : إن الذي أصابهم من عند الله وبفعلهم . ويقال : إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا ما ينالهم في الدنيا { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أنه من الله تعالى ولا يعلمون ما عليهم في الآخرة .
قوله تعالى :
وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)
{ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن ءايَةٍ } يقول : متى ما تأتنا . ويقال : كلما تأتينا . وروي عن الخليل أنه قال : مهما تأتنا أصلها الشرطية أدخلت معها ما الزائدة كقوله متى ما تأتني آتك . وما زائدة فكأنه قال : ما تأتنا به فأبدلوا الهاء من الألف ، وهكذا قال الزجاج . (2/138)
{ بِهِ مِن ءايَةٍ } يعني : بشيء من آية { لّتَسْحَرَنَا بِهَا } يعني : لتأخذ أعيننا بها { فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } يعني : بمصدقين بأنك مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب موسى عند ذلك فدعا عليهم . قال الله تعالى : { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان } وهو المطر الدائم من السبت إلى السبت حتى خربت بنيانهم وانقطعت السبل وكادت أن تصير مصر بحراً واحداً ، فخافوا الغرق ، فاستغاثوا بموسى ، فأرسلوا إليه اكشف عنا العذاب نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل . فدعا موسى ربه ، فكشف عنهم المطر ، وأرسل الله عليهم الريح فجففت الأرض فخرج من النبات شيء لم يروا مثله بمصر قط . قالوا : هذا الذي جزعنا منه خير لنا ولكنا لم نشعر به . فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل . فنقضوا العهد ، وعصوا ربهم ، فمكثوا شهراً ، فدعا عليهم موسى فأرسل الله تعالى عليهم الجراد مثل الليل ، فكانوا لا يرون الأرض ، ولا السماء من كثرتها ، فأكل كل شيء أنبتته الأرض . فاستغاثوا بموسى { وَقَالُواْ ياأيه الساحر ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } [ الزخرف : 49 ] يعني : يا أيها العالم سل لنا ربك ليكشف عنا العذاب ، ونؤمن بك ، ونرسل معك بني إسرائيل . فدعا موسى ربه ، فأرسل الله تعالى ريحاً فاحتملت الجراد وألقته في البحر فلم يبق في أرض مصر جرادة واحدة . فقال لهم فرعون : انظروا هل بقي شيء؟ فنظروا فإذا هو قد بقي لهم بقية من كلئهم وزرعهم ما يكفيهم عامهم ذلك . قالوا : قد بقي لنا ما فيه بلغتنا هذه السنة . فقالوا : يا موسى لا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فمكثوا شهراً ثم دعا عليهم فأرسل الله تعالى عليهم القُمَّل . قال قتادة : القمل أولاد الجرادة التي لا تطير وهكذا قال السدي . وذكر عن أبي عبيدة أنه قال : القمل عند العرب الحمنان وهو ضرب من القردان فلم يبق من الأرض عود أخضر إلا أكلته . فأتاهم منه مثل السيل على وجه الأرض ، فأكل كل شيء في أرض مصر من نبات الأرض أو ثمر فصاحوا إلى موسى ، واستغاثوا به ، وقالوا : ادع لنا ربك هذه المرة يكشف عنا العذاب ونحن نطيعك ونعطيك عهداً وموثقاً لنؤمنن بك ، ولنرسلن معك بني إسرائيل . فدعا موسى ربه فأرسل الله تعالى ريحاً حارة فأحرقته فلم يبق منه شيء ، وحملته الريح ، فألقته في البحر ، فقال لهم موسى : أرسلوا معي بني إسرائيل؟ فقالوا له : قد ذهبت الأنزال كلها فأيش تفعل بعد هذا؟ فعلى أي شيء نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل؟ اذهب فما استطعت أن تضر بنا فافعل .
فمكثوا شهراً فدعا الله تعالى عليهم موسى ، فأرسل الله تعالى عليهم آية وهي الضفادع ، فخرجوا من البحر ، مثل الليل الدامس ، فغشوا أهل مصر ، ودخلوا البيوت ، ووقفوا على ثيابهم ، وسررهم ، وفرشهم ، وكان الرجل منهم يستيقظ بالليل فيجد فراشه وقد امتلأ من الضفادع ، فكان الرجل يكلم صاحبه في الطريق يجعل فمه في أذنه ليسمع كلامه من كثرة نعيق الضفادع . فضاق الأمر عليهم فصاحوا إلى موسى فقالوا يا موسى : لئن رفعت عنا هذه الضفادع لنؤمنن بك ولنرسلن معك بني إسرائيل . فدعا لهم موسى ربه فأذهب الله تعالى عنهم الضفادع . فقال لهم موسى : أرسلوا معي بني إسرائيل فقالوا : نعم اخرج بهم ولا تخرج معهم بشيء من مواشيهم وأموالهم . فقال لهم موسى : إن الله أمرني أن أخرج بهم ولا أخلف من أموالهم ومواشيهم شيئاً . فقالوا : والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل . فمكثوا شهراً ، فدعا عليهم ، فأرسل الله تعالى عليهم الدم ، فجرت أنهارهم دماء ، فلم يكونوا يقدرون على الماء العذب ولا غيره ، وبنو إسرائيل في الماء العذب . وكلما دخل رجل من آل فرعون ليستقي من أنهار بني إسرائيل . صار الماء دماً من بين يديه ، ومن خلفه . فركب فرعون وأشراف أصحابه حتى أتوا أنهار بني إسرائيل فإذا هي عذبة صافية . فجعل فرعون يدخل الرجل منهم ، فإذا دخل واغترف صار الماء في يده دماً . فمكثوا كذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم فمات كثير منهم في ذلك . فاستغاثوا بموسى فقال فرعون : اقسم بإلهك يا موسى لئن كشفت عنا الرجز ، لنؤمننّ بك ، ولنرسلن معك بني إسرائيل . فدعا موسى ربه فأذهب الله تعالى عنهم الدم ، وعذب ماؤهم وصفي . فعادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى : { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ءايات مّفَصَّلاَتٍ } يعني : متتابعات قال الحسن وسعيد بن جبير وغيرهما قالوا : مما كانوا يعافون بين كل آيتين شهراً فإذا جاءت الآية ، قامت عليهم سبعاً من السبت إلى السبت . وروي عن مجاهد أنه قال : الطوفان المطر الكثير وقوله آيات صارت نصباً للحال . (2/139)
وقوله تعالى : { فاستكبروا } يعني : تعظّموا عن الإيمان { وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } يعني : أقاموا على كفرهم .
قوله تعالى : { وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز } يعني : وجب عليهم العذاب وحل بهم { قَالُواْ يا موسى ادع لَنَا رَبَّكَ } يعني : سل لنا ربك { بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } أي : بما أمرك ربك أن تدعو الله ويقال : بالعهد الذي سأل ربك { لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز } أي : رفعت عنا العذاب { لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ } يعني : لنصدقنك { وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إسراءيل } قال الله تعالى : { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرجز } يعني : العذاب { إلى أَجَلٍ هُم بالغوه } يعني : إلى وقت الغرق .
ويقال : إلى بقية آجالهم { إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } يعني : ينقضون العهد الذي عاهدوا عليه مع موسى . (2/140)
قال الله تعالى : { فانتقمنا مِنْهُمْ فأغرقناهم فِي اليم } يعني في البحر بلسان العبرانية . وذلك أن الله تعالى أمر موسى بأن يخرج ببني إسرائيل من أرض مصر ليلاً ، فاستعارت نسوة بني إسرائيل من نساء آل فرعون حليهن وثيابهن ، وقلن : إن لنا خروجاً فخرج موسى ببني إسرائيل في أول الليل وهم ستمائة ألف من رجل وامرأة وصبي . فذكر ذلك لفرعون . فتهيأ للخروج إليهم فلما كان وقت الصبح ركب فرعون ومعه ألف ألف رجل ، ومائتا ألف رجل ، فأدركهم حين طلعت الشمس وانتهى موسى إلى البحر؛ فضرب البحر فانفلق له اثنا عشر طريقاً . وكانت بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً . فعبر كل سبط في طريق ، وأقبل فرعون ومن معه حتى انتهوا إلى حيث عبر موسى ، فدخلوا تلك الطريق في طلبهم فلما دخل آخرهم وهمّ أولهم أن يخرج ، أمر الله تعالى أن ينطبق عليهم فغرقهم . فذلك قوله تعالى : { فانتقمنا مِنْهُمْ فأغرقناهم فِي اليم بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بئاياتنا } يعني : الآيات التسع وهي اليد والعصا والسنون ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات { وَكَانُواْ عَنْهَا غافلين } يعني : معرضين . فلم يتفكروا ولم يعتبروا بها حتى رجع موسى ببني إسرائيل ، فسكنوا أرض مصر فذلك قوله : { وَأَوْرَثْنَا القوم } يعني : بني إسرائيل { الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الارض } أي : الأرض المقدسة { ومغاربها } يعني : الأردن وفلسطين . ويقال : مشارق الأرض يعني : الشام ومغاربها { التى بَارَكْنَا فِيهَا } يعني بالبركة الماء والثمار الكثيرة { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى } يقول : وجبت نصرة ربك بالإحسان { على بَنِى إسراءيل } قال مجاهد : هو ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض . وقال مقاتل : يعني : بالكلمة التي ذكرها في سورة القصص { أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } [ القصص : 5 ] وقال الكلبي : وتمت كلمة ربك يعني : نعمة ربك الحسنى . يعني : أنهم يجزون الحسنى الجنة { بِمَا صَبَرُواْ } ولم يدخلوا في دين فرعون . ويقال : وتمت كلمة ربك أي : ما وعدهم الله من إهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض .
ثم قال : { وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } يعني : أهلكنا ما كان يعمل فرعون ، وأبطلنا كيده ومكره . { وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } يعني : أهلكنا ما كانوا يبنون من البيوت والكروم . وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر { يَعْرِشُونَ } بضم الراء . وقرأ الباقون بالكسر ومعناهما واحد .
قوله تعالى :
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)
{ وجاوزنا بِبَنِى إِسْرءيلَ البحر فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ } يقول : مروا على قوم يعني : يعبدون الأصنام ويقومون على عبادتها ، وكل من يلازم شيئاً ويواظب عليه يقال : عكفه . ولهذا سمي الملازم للمسجد معتكفاً { قَالُواْ يَا موسى اجعل لَّنَا إلها } قال الجهال من بني إسرائيل لموسى { اجعل لَّنَا إلها } نعبده { كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } يعبدونها { قَالَ } لهم موسى : { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } يعني : تكلمتم بغير علم وعقل ، وجهلتم الأمر . (2/141)
قوله تعالى : { إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } يعني : مهلك مفسد ما هم فيه من عبادة الأصنام { وباطل } يعني : ضلال { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } والتبار : الهلاك . كقوله تعالى : { رَّبِّ اغفر لِى ولوالدى وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً } [ نوح : 28 ] أي : هلاكاً . ثم { قَالَ } لهم { أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها } يعني : أسوى الله آمركم أن تعبدوا وتتخذوا إلها { وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين } يعني : على عالمي زمانكم . يعني : أنه قد أحسن إليكم فلا تعرفون إحسانه ، وتطلبون عبادة غيره . وهم الذين كانوا أجابوا السامري حين دعاهم إلى عبادة العجل بعد انطلاق موسى إلى الجبل .
ثم ذكر النعم فقال تعالى : { وَإِذْ أنجيناكم } من آل فرعون يعني : اذكروا حين أنجاكم الله من آل فرعون : وقرأ ابن عامر وإذْ أَنْجَاكُمْ يعني : اذكروا حين أنجاكم الله { مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } وقرأ الباقون { وَإِذْ أنجيناكم } ومعناه مثل ذلك { يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } يعني : يعذبونكم بأشد العذاب { يُقَتّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } يعني : يستخدمون نساءكم { وَفِى ذلكم بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } أي : الإنجاء نعمة من ربكم عظيمة . ويقال : في قتل الأبناء واستخدام النساء بلية من ربكم عظيمة . قرأ نافع { يُقَتّلُونَ أَبْنَاءكُمْ } بنصب الياء مع التخفيف . وقرأ الباقون بضم الياء وكسر التاء مع التشديد . يُقَتِّلُونَ على معنى التكثير . وقرأ حمزة والكسائي يَعْكِفُونَ بكسر الكاف وقرأ الباقون بالضم يَعْكُفُونَ .
قوله تعالى :
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)
{ وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً } قرأ أبو عمرو وَوَعَدْنَا بغير ألف ، والباقون بالألف ومعناهما واحد . { وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } يعني : ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة . ويقال : ثلاثين من ذي الحجة وعشر من المحرم . والمناجاة في يوم عاشوراء . وكانت المواعدة ثلاثين يوماً وأمر بأن يصوم ثلاثين يوماً ، فلما صام ثلاثين يوماً ، أنكر خلوف فمه فاستاك بعود خرنوب وقيل : بورقة موز ، فقالت له الملائكة : كنا نجد من فيك ريح المسك فأفسدته بالسواك فأمر بأن يصوم عشراً أخر ، فصارت الجملة أربعين يوماً . كما قال في آية أخرى { وَإِذْ واعدنا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظالمون } [ البقرة : 51 ] يعني : صارت في الجملة أربعين ولكن مرة ثلاثين يوماً ، ومرة عشرة . { فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } يعني : ميعاد ربه أربعين ليلة . يعني : ميعاد ربه . (2/142)
{ وَقَالَ موسى لاِخِيهِ هارون اخلفنى } يعني : قال له قبل انطلاقه إلى الجبل : اخلفني { فِى قَوْمِى } أي كن خليفتي على قومي { وَأَصْلَحَ } يعني : مرهم بالصلاح . ويقال : وأصلح بينهم . ويقال : ارفق لهم { وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين } أي ولا تتبع سبيل أي طريق العاصين ، ولا ترضى به . واتّبع سبيل المطيعين . وقال بعض الحكماء : من ها هنا ترك قومه عبادة الله وعبدوا العجل ، لأنه سلمهم إلى هارون ولم يسلمهم إلى ربهم . ولهذا لم يستخلف النبي بعده . وسلم أمر أمته إلى الله تعالى . فاختار الله لأمته أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فأصلح بينهم .
قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا } يعني : لميعادنا لتمام أربعين يوماً . ويقال : لميقاتنا أي للوقت الذي وقّتنا له .
{ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } فسمع موسى كلام الله تعالى بغير وحي ، فاشتاق إلى رؤيته { قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } انظر صار جزماً لأنه جواب الأمر { قَالَ } له ربه : { لَن تَرَانِى } يعني : إنك لن تراني في الدنيا { ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } يعني : انظر إلى أعظم جبل بمدين { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } يعني : سوف تقدر أن تراني إن استقر الجبل مكانه . معناه : كما أن الجبل لا يستقر لرؤيتي فإنك لن تطيق رؤيتي { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } قال الضحاك : ألقى عليه من نوره فاضطرب الجبل من هيبته يعني : من رهبة الله تعالى . وقال القتبي : تجلى ربه للجبل أي ظهر وأظهر من أمره ما شاء . يقال : جلوت المرأة والسيف إذا أبرزته من الصدأ وكشف عنه . وجلوت العروس إذا أبرزتها . { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } أي : جبل زبير { جَعَلَهُ دَكّا } قرأ حمزة والكسائي جعله دكاء بالهمز يعني : جعله أرضاً دكاء .
وقرأ الباقون دَكّاً بالتنوين يعني : دَكَّه دَكّاً . قال بعضهم : صار الجبل قطعاً ، فصار على ثمان قطع . فوقع ثلاث بمكة وثلاث بالمدينة واثنان بالشام . ويقال : صار ستة فرق . ويقال : صار أربع فرق . ويقال : صار كله رملاً عالجاً أي ليناً . وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : جعله دكاً أي تراباً ، وقال القتبي : جعله دكاً أي ألصقه بالأرض . ويقال : ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام أي تراباً . وروي عن وهب بن منبه أنه قال : لما سأل موسى النظر إلى ربه أمر الله الضباب والصواعق والظلمات والرعد والبرق فهبطن حتى أحطن بالجبل ، وأمر الله تعالى ملائكة السموات فهبطوا ، وارتعدت فرائص موسى وتغير لونه . فقال له جبريل : اصبر لما سألت ربك ، فإنما رأيت قليلاً من كثير فلما غشي الجبل النور ، خمد كل شيء ، وانقطعت أصوات الملائكة وانهار الجبل من خشية الله تعالى . حتى صار دكاً . (2/143)
قوله تعالى : { وَخَرَّ موسى صَعِقًا } قال مقاتل : يعني ميتاً . كقوله عز وجل : { فَصَعِقَ مَن فِى *** السموات } يعني : مات . ويقال : وخر موسى صعقاً أي مغشياً عليه { فَلَمَّا أَفَاقَ } من غشيانه قال مقاتل : رد الله حياته إليه { قَالَ سبحانك } أي تنزيهاً لك { تُبْتُ إِلَيْكَ } من قولي { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } . روى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال : قد كان قبله من المؤمنين . ولكن يقول أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة . وقال مقاتل : أول المؤمنين بأنك لا تُرى في الدنيا . وقال القتبي : أراد به في زمانه كقوله : { يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } [ البقرة : 47 ] ويقال : معناه تبت إليك بأن لا أسألك بعد هذا سؤالاً محالاً . فاعترف أنه طلب شيئاً في غير حينه وأوانه ووقته . وقال الزجاج : قد قال موسى : { أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } أرني أمراً عظيماً لا يرى مثله في الدنيا مما لا تحتمل عليه نفسي { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } أي : أمر ربه قال : وهذا خطأ . ولكن لما سمع كلامه قال يا رب : إنِّي سمعت كلامك وأحب أن أراك .
قوله تعالى : { قَالَ يَا موسى إِنّى *** اصطفيتك عَلَى الناس برسالاتي } يعني : بنبوتي . قرأ ابن كثير ونافع برسَالَتِي . وقرأ الباقون برسَالاتي بلفظ الجماعة ومعناهما واحد أي : اختصصتك بالنبوة . { وبكلامي } أي بتكلمي معك من غير وحي { فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ } أي : اعمل بما أعطيتك { وَكُنْ مّنَ الشاكرين } لما أعطيتك . وقال القتبي : قوله { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } أراد به في زمانه كقوله { وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } [ البقرة : 47 ] .
قوله تعالى :
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)
{ وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الالواح } روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أعطى الله تعالى موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد فيها تبيان لكل شيء وموعظة . قال : التوراة مكتوبة . ويقال : طول الألواح عشرة أذرع { مِن كُلّ شَىْء مَّوْعِظَةً } من الجهل { وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء } يعني : تبياناً لكل شيء من الحلال والحرام . قال الفقيه رحمه الله تعالى : حدثنا الفقيه أبو جعفر قال : حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن القاري قال : حدثنا أبو بكر بن أبي العوام . قال : حدثنا أبي قال : حدثنا يحيى بن سابق عن خيثمة بن خليفة عن ربيعة عن أبي جعفر عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « كَانَ فِيمَا أَعْطَى الله مُوسَى فِي الأَلْوَاحِ عَشَرَة أبْوَابٍ : يا مُوسَى لا تُشْرِكْ بي شَيْئاً ، فَقَدْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَتَلْفَحَنَّ وُجُوهَ المُشْرِكِينَ النَّارُ ، وَاشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ، أَقِكَ المَتَالِفَ ، وَأُنسِىءُ لَكَ فِي عُمُرِكَ ، وَأُحْيِيكَ حَيَاةً طَيِّبَةً ، وَأَقْلِبُكَ إلَى خَيْرِ مِنْهَا ، وَلا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمْتُهَا إلاَّ بالحَقِّ ، فَتَضِيقَ عَلَيْكَ الأرْضِ بِرُحْبِهَا ، وَالسَّمَاءُ بِأَقْطَارِهَا ، وَتَبُوءَ بِسَخْطِي وَنَاري ، وَلا تَحْلِفْ بِاسْمِي كَاذِباً فَإنِّي لا أُطَهِّرُ ولا أُزَكِّي مَنْ لَمْ يُنَزِّهْنِي ، وَلَمْ يُعَظِّمْ أَسْمَائِي ، وَلا تَحْسُدِ النَّاسَ عَلَى ما آتاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ ، فَإنَّ الحَاسِدَ عَدُوٌّ لِنِعْمَتِي ، رَادٌّ لِقَضَائِي ، سَاخِطٌ لِقِسْمَتِي ، الَّتي أَقْسِمُ بَيْنَ عِبَادِي ، ولا تَشْهَدْ بِمَا لِمَ يَقَعْ بِسَمْعِكَ ، وَيَحْفَظْ قَلْبُكَ ، فَإنِّي لوَاقِفٌ أَهْلَ الشَّهَادَاتِ عَلَى شَهَادَاتِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ، ثُمَّ أَسَأَلَهُمْ عَنْهَا سُؤَالاً حَثِيثاً ، وَلاَ تَزْنِ ، وَلاَ تَسْرِقْ ، فَأَحْجُبَ عَنْكَ وَجْهِي ، وَأُغْلِقَ عَنْكَ أَبْوَابَ السَّمَاءِ ، وَأَحْبِبْ لِلنَّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ . ولا تُذَكِّ لِغَيْرِي ، فَإنِّي لا أقْبَلُ مِنَ القُربَانِ إلاَّ ما ذُكِرَ علَيْهِ اسْمِي ، وَكَانَ خَالِصاً لِوَجْهِي ، وَتَفَرَّغْ لِي يَوْمَ السَّبْتِ وَجَمِيعُ أهْلِ بَيْتِكَ » فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « جُعِلَ يَوْمُ السَّبْتِ لِمُوسَى عِيداً وَاخْتَارَ لَنَا يَوْمَ الجُمُعَةِ فَجَعَلَها لنا عِيداً » (2/144)
قوله تعالى : { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } يعني : اعمل بما أمرك الله بجد ومواظبة عليها { وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } أي يعملون بما فيها من الحلال والحرام . ويقال : امرهم بالخير وانههم عن الشر : يعني : اعملوا بالخير وامتنعوا عن الشر . ويقال : اعملوا بأحسن الوجوه وهو أنه لو يكافىء ظالمه وينتقم منه جاز ، ولو تجاوز كان أحسن وقال الكلبي : كان موسى عليه السلام أشد عبادةً من قومه . فأمر بما لم يؤمروا به . يعني : أمر بأن يعمل بالمواظبة ، وأمر قومه بأن يأخذوا بأحسن الفعل .
ثم قال : { سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين } قال مقاتل : يعني : سنة أهل مصر يعني : هلاكهم حين قذفهم البحر فأراهم سنة الفاسقين في التقديم .
ويقال : جهنم هي دارُ الكافرين . ويقال : إذا سافروا أراهم منازل عاد وثمود . وقال مجاهد : مصيرهم في الآخر إلى النار . (2/145)
قوله تعالى : { سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ } يعني : أصرف قلوب الذين يتكبرون عن الإيمان حتى لا يؤمنوا . فأخذلهم بكفرهم ولا أوفقهم بتكذيبهم الأنبياء مجازاة لهم . ويقال : أمنع قلوبهم من التفكر في أمر الدين وفي خلق السموات والأرض الذين يتكبرون . { فِى الارض بِغَيْرِ الحق } يعني : يتعظمون عن الإيمان لكي لا يتفكروا في السماء ، ولا يعقلون فيها ، ولا يذكرونها . ويقال : سأصرف عن النعماء التي أعطيتها المؤمنين يوم القيامة أصرف عنهم تلك النعمة { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } امتنعوا منها كي { لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد } يعني : طريق الحق الإسلام { لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } يعني : لا يتخذوه ديناً { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغى } يعني : طريق الضلالة والكفر { يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } أي ديناً ويتّبعونه { ذلك بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بئاياتنا } قال مقاتل : أي بآياتنا التسع وقال الكلبي : يعني : بمحمد والقرآن { وَكَانُواْ عَنْهَا غافلين } يعني : تاركين لها . قرأ حمزة والكسائي { سَبِيلَ الرشد } بنصب الراء ، والشين ، وقرأ الباقون { الرشد } بضم الراء وإسكان الشين وهما لغتان ومعناهما واحد .
ثم قال عز وجل : { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } أي بمحمد والقرآن { وَلِقَاء الاخرة } يعني : كذبوا بالبعث بعد الموت { حَبِطَتْ أعمالهم } يعني : بطلت حسناتهم { هَلْ يُجْزَوْنَ } أي هل يثابون { إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعني : في الدنيا .
قوله تعالى :
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)
{ واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ } يعني : من بعد انطلاقه إلى الجبل ، وذلك أن موسى عليه السلام لما وعد لقومه ثلاثين يوماً فتأخر عن ذلك ، قال السامري لقوم موسى : إنكم أخذتم الحلي من آل فرعون ، فعاقبكم الله تعالى بتلك الخيانة ، ومنع الله عنا موسى . فاجمعوا الحلي الذي أخذتم من آل فرعون حتى نحرقها ، فلعل الله تعالى يرد علينا موسى فجمعوا الحلي وكان السامري صائغاً ، فجعل الحلي في النار واتخذ { مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ } وقد كان رأى جبريل على فرس الحياة ، فكلما وضع الفرس حافره ظهر النبات في موضع حافره . فأخذ كفاً من أثر حافره من التراب وألقى ذلك التراب في العجل . فصار العجل من حليهم عجلاً جسداً . قال الزجاج : الجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز إنما معنى الجسد معنى الجثة فقط . وروي عن ابن عباس قال صار عجلاً له لحم ودم وله خوار يعني : صوت مثل صوت العجل ولم يسمع منه إلا صوت واحد . وقال بعضهم : سمع منه صوت ولم يسمع منه إلا مثل صوت العجل . وقال بعضهم : جعله مشتبكاً فدخل فيه الريح فسمع منه صوت مثل صوت العجل . فقال لقومه : هذا إلهكم وإله موسى ، فاغترّ به الجهال من بني إسرائيل وعبدوه . قال الله تعالى : { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ } يعني : لا يقدر على أن يكلمهم { وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً } يعني : لا يرشدهم طريقاً { اتخذوه وَكَانُواْ ظالمين } يعني : كافرين بعبادتهم . وقرأ حمزة والكسائي { مِنْ حُلِيّهِمْ } بكسر الحاء . وقرأ الباقون { مِنْ حُلِيّهِمْ } بضم الحاء . فمن قرأ بالكسر فهو اسم لما يحسن به من الذهب والفضة . ومن قرأ بالضم ، فهو جمع الحَلْي ويقال : كلاهما جمع الحَلْي وأصله الضم إلا أن من كسر فلاتباع الكسرة بالكسرة . (2/146)
قوله تعالى : { وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ } يعني : ندموا على ما صنعوا . يقال : سقط في يده إذا ندم . وأصله أن الإنسان إذا ندم جعل يده على رأسه .
{ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ } أي علموا أنهم قد ضلوا عن الهدى { قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا } قرأ حمزة والكسائي { لَئِن لَّمْ } بالتاء على معنى المخاطبة رَبَّنَا بالنصب يعني : يا ربنا . وقرأ الباقون { قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا } بالياء وضم الباء على معنى الخبر . { وَيَغْفِرْ لَنَا } بعد التوبة عطف على قوله { لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا } { لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } يعني : من المغبونين .
قوله تعالى : { وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ } يعني : من الجبل { غضبان أَسِفًا } يعني : حزيناً . ويقال : الأسف في اللغة شدة الغضب . ومنه قوله تعالى :
{ فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ فأغرقناهم أَجْمَعِينَ } [ الزخرف : 55 ] ويقال : أشد الحزن كقوله : { وتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياأسفا عَلَى يُوسُفَ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن فَهُوَ كَظِيمٌ } [ يوسف : 84 ] { قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى } يعني : بعبادة العجل يعني : بئسما فعلتم في غيبتي { أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ } يعني : استعجلتم ميعاد ربكم . ويقال : أعصيتم أمر ربكم . ويقال : معناه { أَعَجِلْتُمْ } بالفعل الذي استوجبتم به عقوبة ربكم { وَأَلْقَى الالواح } من يده . قال الكلبي : انكسرت الألواح وصعد عامة الكلام الذي كان فيها من كلام الله تعالى إلى السماء . وقال بعضهم : هذا الكلام في ظاهره غير سديد . لأن الكلام صفة والصفة لا تفارق الموصوف . فلا يجوز أن يقال : الكلام يصعد ويذهب . ولكن تأويله أن الألواح لما انكسرت ذهب أثر المكتوب منها وهذا إذا كان غير الأحكام . وأما الأحكام أيضاً فلا يجوز أن تذهب عنه وإنما أراد بذلك حجة عليهم . وروي في الخبر : أن الله تعالى أخبر موسى أن قومه عبدوا العجل . قال موسى : يا رب من اتخذ لهم العجل؟ قال : السامري . قال : ومن جعل فيه الروح؟ قال : أنا . قال : فأنت فتنت قومي؟ . قال له ربه : تركتهم لمرادهم . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ » لما أخبر الله تعالى بأن قومه قد عبدوا العجل لم يلق الألواح . فلما عاين ألقى الألواح . (2/147)
ثم قال : { وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ } يعني : أخذ بشعر رأسه ولحيته { يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابن أُمَّ } يعني : قال له هارون : يا ابن أمي لا تأخذ بلحيتي . قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص : يا { ابن أُمَّ } بنصب الميم . وقرأ الباقون بالكسر . وهكذا في سورة طه فمن قرأ بالنصب جعله كاسم واحد كأنه يقول يا ابن أماه . كما يقال : يا ويلتاه ويا حسرتاه . ومن قرأ بالكسر فهو على معنى الإضافة إلى نفسه . وكان موسى أخاه لأبيه وأمه . ولكن ذكر الأم ليرفعه عليه .
{ إِنَّ القوم استضعفونى } يعني : قهروني واستذلوني { وَكَادُواْ } يعني : هموا بقتلي { يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الاعداء } يعني : لا تفرح عليّ أعدائي يعني : الشياطين ويقال : أصحاب العجل { وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القوم الظالمين } يعني : لا تظنن أني رضيت بما فعلوا . قال موسى : { رَبّ اغفر لِى } بما فعلت بأخي هارون ويقال : لإلقاء الألواح { ***و } اغفر { ***لأخي } ما كان منه من التقصير في تركهم على عبادة العجل { وَلاخِى وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ } يعني : جنتك { وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين } يعني : أنت أرحم بنا منا بأنفسنا . وقال الحسن : يعني أنت أرحم بنا من الأبوين .
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)
{ إِنَّ الذين اتخذوا العجل } يعني : اتخذوا العجل إلها { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ } يعني : يصيبهم عذاب من ربهم { وَذِلَّةٌ فِى الحياة الدنيا } وهو ما أمروا بقتل أنفسهم . ويقال : هذا قول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم يعني : يصيب أولادهم ذلة في الحياة الدنيا . وهي الجزية { وكذلك نَجْزِى المفترين } يعني : هكذا نعاقب المكذبين . (2/148)
ثم قال تعالى : { والذين عَمِلُواْ السيئات ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا } يعني : رجعوا عن الشرك بالله وعن السيئة { وَءامَنُواْ } يعني : صدقوا بوحدانية الله تعالى { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } من بعد التوبة ، ويقال : من بعد السيئات { لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } يعني : { لَغَفُورٌ } لذنوبهم { رَّحِيمٌ } بهم بعد التوبة .
ثم رجع إلى قصة موسى عليه السلام وهو قوله تعالى : { وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب أَخَذَ الالواح } يعني : لما سكت عن موسى الغضب . ويقال : ولما سكت موسى عن الغضب { أَخَذَ الالواح وَفِى نُسْخَتِهَا } يعني : في بقيتها فنسخت له الألواح ، وأعيدت له في اللوحتين مكان التي انكسرت . { هُدًى وَرَحْمَةً } يعني : فيما بقي منها بياناً من الضلالة ورحمة من العذاب . { لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ } يعني : يخافون الله ويعملون له بالغيب . ويقال : وفي نسختها يعني : في كتابها هدى من الضلالة ورحمةٌ من العذاب للذين يخشون ربهم .
قوله تعالى : { واختار موسى قَوْمَهُ } أي من قومه { سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا } يعني : للميقات الذي وقتنا له { فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة } يعني الزلزلة ، تزلزل الجبل بهم فماتوا { قَالَ } موسى { رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ } يعني : من قبل أن يصحبوني { وإياى } بقتل القبطي { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا } قال الكلبي : ظن موسى أنه إنما أهلكهم باتخاذ بني إسرائيل العجل . وروي عن عليّ بن أبي طالب أنه قال : انطلق موسى وهارون ومعهما شَبَّر وَشَبيِّر وهما ابنا هارون حتى انتهوا إلى جبل وفيه سرير ، فنام عليه هارون فقبض ، فرجع موسى إلى قومه ، فقالوا له : أنت قتلته حسداً على خلقه ولينه . قال : كيف أقتله ومعي ابناه ، فاختاروا من شئتم ، فاختاروا سبعين ، فانتهوا إليه . فقالوا له : من قتلك يا هارون : قال ما قتلني أحد ولكن توفاني الله تعالى . فأخذتهم الرجفة فماتوا كلهم . فقال موسى : { رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ } وإياي . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لما انطلق موسى إلى الجبل أمر بأن يختار سبعين رجلاً من قومه : فاختار من كل سبط ستة رجال ، فبغلوا اثنين وسبعين ، فقال موسى : إني أمرت بسبعين فليرجع اثنان ، ولهما أجر من حضر ، فرجع يوشع بن نون وكالوب بن يوقنا .
فذهب موسى مع السبعين إلى الجبل ، فلما رجع إليهم موسى من المناجاة قالوا له : إنك قد لقيت ربك فأرنا الله جهرة حتى نراه كما رأيته . فجاءتهم نار فأحرقتهم فماتوا . فقال موسى : حين أماتهم الله تعالى { رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ } هذا اليوم وإياي معهم أتهلكنا بما فعل السفهاء منا يعني : أتوقعني في ملامة بني إسرائيل وتعييرهم بفعل هؤلاء السفهاء ثم أحياهم الله تعالى . (2/149)
وروى أسباط عن السدي قال : إن موسى انطلق بسبعين من بني إسرائيل يعتذرون إلى ربهم عن عبادة العجل ، وذكر نحو حديث عبد الله بن عباس ثم قال : { إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } يعني بليتك وعذابك ويقال : يعني عبادة العجل بليتك حيث جعلت الروح فيه { تُضِلُّ بِهَا } أي بالفتنة { مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء } من الفتنة { أَنتَ وَلِيُّنَا } أي حافظنا وناصرنا { فاغفر لَنَا } يعني : ذنوبنا { وارحمنا } يعني : ولا تعذبنا { وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين } يعني : المتجاوزين عن الذنوب .
قوله تعالى :
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
{ واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً } يعني : اقض لنا وأعطنا في الدنيا العلم والعبادة والنصرة والرزق الحسن الحلال { وَفِي الاخرة } يعني : وأعطنا في الآخرة حسنة وهي الجنة { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } يعني : تبنا إليك وأقبلنا إليك هكذا قال عكرمة ومجاهد وعطاء وقتادة . وأصله في اللغة الرجوع من الشيء إلى الشيء { قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء } يعني : هذا عذابي أخصّ به من أشاء من العباد من كان أهلاً لذلك { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } إنْ رحمتهم ويقال : إن الزلزلة والرجفة كانتا عذابي ، وأنا أنزلتها ، وأنا أصيب بالعذاب من أشاء ، وما سألت من الغفران فمن رحمتي ورحمتي وسعت كل شيء من كان أهلاً لها . ويقال : لكل شيء حظ من رحمتي . وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن قتادة والحسن قالا : ورحمتي التي وسعت كل شيء يعني : وسعت في الدنيا البر والفاجر وفي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة . ويقال : لما نزلت هذه الآية { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } تطاول إبليس ، وقال : أنا من تلك الأشياء فأكذبه الله تعالى وآيسه فأنزل قوله { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } يعني : فسأقضيها وسأوجهها للذين يتقون الشرك { وَيُؤْتُونَ الزكواة والذين هُم بئاياتنا يُؤْمِنُونَ } فقالت اليهود والنصارى : نحن آمنا بالآيات ، وهي التوراة والإنجيل ، ونعطي الزكاة فهذه الرحمة لنا فأكذبهم الله تعالى وأنزل { الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبى الامى } الآية ويقال ورحمتي وسعت كل شيء يعني : طمع كل قوم برحمتي ، وأنا أوجبتها للمؤمنين وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يتقون الشرك ، ويؤتون الزكاة ، والذين هم بآياتنا يؤمنون ، يعني : يصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن . (2/150)
قوله تعالى : { الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبى الامى } يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم الذي لا يكتب ولا يقرأ الكتب قال الزجاج : الأُمِّيُّ الذي هو على خِلْقَةِ أمه لم يتعلم الكتابة وهو على جبلته . ويقال : إنما سمي محمد صلى الله عليه وسلم أمِّيّاً لأنه كان من أم القرى وهي مكة .
ثم قال : { الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ } يعني : يجدون نعته وصفته { فِى التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف } يعني : شرائع الإسلام بالتوحيد يرخص لهم الحلالات من الشحوم واللحوم وأشباهها { وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث } يعني : ويبيّن لهم الحرام الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ } يعني : ثقلهم من العهود قرأ ابن عامر { ***آصَارَهُمْ } على معنى الجماعة . وأصل الإصر الثقل . فسمي العهد إصْراً لأن حفظ العهد يكون ثقيلاً . ويقال : يعني الأمور التي كانت عليهم في الشرائع . ويقال : هو ما عهد عليهم من تحريم الطيبات .
ثم قال : { إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } وهي كناية عن أمور شديدة لأن في الشريعة الأولى كان الواحد منهم إذا أصابه البول في ثوبه وجب قطعه ، وكان عليهم ألا يعملوا في السبت ، وغير ذلك من الأعمال الشديدة فوضع عنهم ذلك .
ثم قال : { فالذين ءامَنُواْ بِهِ } يعني : صدقوه وأقروا بنبوته { وَعَزَّرُوهُ } يعني : عظموه وشرفوه . ويقال : أعانوه { وَنَصَرُوهُ } بالسيف { واتبعوا النور } يعني : القرآن { الذى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ } يعني : أهل هذه الصفة { هُمُ المفلحون } أي والناجون في الآخرة وهم في الرحمة التي قال الله تعالى : { واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الاخرة إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عذابى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكواة والذين هُم بأاياتنا يُؤْمِنُونَ } [ الأعراف : 156 ] . (2/151)
قوله :
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)
{ قُلْ ياأهل * أَيُّهَا الناس } يعني : يا أهل مكة ويقال : هو لجميع الناس { إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } ويقال : إنه أول نداء نادى به في مكة بهذه الآية . وكان من قبل يدعو واحداً واحداً . فلما نزلت هذه الآية ، أظهر ونادى في الناس : يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً من ذلك الرب { الذى لَهُ ملكالسموات والارض لاَ إله إِلاَّ هُوَ } يعني : لا خالق ولا رازق في السماء ولا في الأرض إلا هو { لاَ إله } يعني : يحيي الأموات للبعث ، ويميت الأحياء في الدنيا ، ويحيي للبعث ثانياً . ويقال : يحيي يعني : يخلق الخلق من النطفة ، ويميتهم عند انقضاء آجالهم . { قُلْ ياأيها الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } يعني : يصدق بالله { وكلماته } يعني : القرآن قال : السدي وَكَلِمَتُهُ يعني : صدق بأن عيسى صار مخلوقاً بكلمة الله { واتبعوه } يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } من الضلالة . (2/152)
قوله : { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق } يعني : جماعة يدعون إلى الحق { وَبِهِ يَعْدِلُونَ } يعني : وبالحق يعملون . وقال بعضهم : يعني به مؤمني أهل الكتاب وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وهذا كما قال في آية أخرى : { لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَآءَ اليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } [ آل عمران : 113 ] الآية . وقال بعضهم : هم قوم من وراء الصين من أمة موسى ما وراء رمل عالج . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به إلى البيت المقدس ومعه جبريل فرفعه إليهم وكلّمهم وكلّموه . فقال لهم جبريل : هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا : لا . قال : فإن هذا محمد النبي الأمي . قال : يا جبريل وقد بعثه الله تعالى؟ قال نعم فآمنوا به وصدّقوه . وقالوا : يا رسول الله إن موسى بن عمران أوصى إلينا أن من أدرك ذلك النبي منكم فليقرأ عليه السلام مني ومنكم ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم على موسى ورد عليهم السلام ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما لِي أَرَى بُيُوتَكُمْ مُسْتَوِيَةً » ؟ قالوا : لأنا قوم لا يبغي بعضنا على بعض . قال : « فما لي لا أرى عليها أبواباً » ؟ قالوا : إنّا لا يضر بعضنا بعضاً . قال : « فَمَا لِي لا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ » ؟ قالوا : ما ضحكنا قط لأن الله تعالى أخبرنا في كتابه أن جهنم عرضها ما بين الخافقين وقعرها الأرض السفلى ، وقد أقسم الله تعالى ليملأنها من الجنة والناس أجمعين . قال : « فَهَلْ تَبْكُونَ عَلَى المَيِّتِ »
؟ قالوا : يا رسول الله كيف نبكي على الميت وكلنا ميتون . وهو سبيل لا بد منه . والله أعطانا والله أخذ منا . قال : « فَهَلْ تَمْرَضُونَ » ؟ قالوا : يا رسول الله إنما يمرض أهل الذنوب والخطايا . فأما نحن فمعصومون بدعاء نبي الله موسى عليه السلام قال : « فَكَيْفَ تَمُوتُونَ إِذَا لَمْ تَمْرَضُوا؟ » قالوا : إذا استوفى أحدنا رزقه جاءه ملك الموت فقبض روحه فندفنه ، حيث يموت . قال : « فَهَلْ تَحْزَنُونَ إذَا وُلِدَ لأَحَدِكُمْ جَارِيَةٌ » ؟ قالوا : يا رسول الله لا ولكنا نصوم لله تعالى شهراً شكراً ، فإذا ولدط لأحدنا غلام نصوم لله شهرين شكراً لله تعالى . قال : « فَهَلْ فِيكُمْ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبٌ » ؟ قالوا : نعم . قال : « كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهِنَّ » ؟ قالوا : يا رسول الله نمشي عليهن ويمشين علينا ، ولا نؤذيهن ولا تؤذينا ، آمنات منا ونحن آمنون منهن . قال : « فَهَلْ لَكُمْ مَاشِيَةٌ » ؟ قالوا : نعم ، نجز أصوافها فنتخذ منه الأفنية والأكسية ، ونأكل من لحومهن الكفاف ، وكل أهل القرية فيها شرع أي سواء ليس أحد أحق به منا . قال : « فَهَلْ تَزِنُونَ أَوْ يُوزَنُ عَلَيْكُمْ » ؟ قالوا : لا نزن ولا يوزن علينا ولا نكيل ولا يكال علينا ولا نشتري ولا نبيع . قال : « فَمِنْ أيْنَ تَأْكُلُونَ » ؟ قالوا : يا رسول الله : نخرج فنزرع ، ويرسل الله تعالى السماء علينا فينبته ، ثم نخرج إليه فنحصده ، ونضعه في أماكن من القرية ، فيأخذ أهل القرية منها الكفاف ويدعون ما سواه . قال : « فَهَلْ تُجَامِعُونَ النِّسَاءَ » ؟ قالوا : نعم يا رسول الله لنا بيوت مظلمة وثياب معلومة فإذا أردنا المجامعة لبسنا ثيابنا تلك ودخلنا تلك البيوت ، لا يرى الرجل عورة امرأته ولا المرأة عورة زوجها . قال : « فَهَلْ فِيكُمُ زِنًى؟ » قالوا : يا رسول الله لا فإن فعل ذلك أحد منا لظننا أن الله تعالى يبعث عليه ناراً فيحرقه أو يخسف به الأرض ، ولكن إذا كان للرجل منا ابنة طلبها منه رجل فيزوجه إياها إرادة الأجر والعفة . قال : « فَهَلْ تَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ » ؟ قالوا : لا . يا رسول الله . إنما يكنز الذهب والفضة من لا يثق بالله ، ومن يرى أن الله تعالى لم يتكفل له برزقه . فأما نحن فلا نكنز الذهب والفضة . فأقرأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سور من القرآن أنزلت بمكة ، ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة فعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالصلاة والزكاة ورجع من ليلته . وقال قتادة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : في قوله : { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ } قال : « قَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا » { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ } يعني : في هذه الأمة . (2/153)
ثم قال : { وقطعناهم } يعني : بني إسرائيل فرقناهم { اثنتى عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا } يعني : جماعة والأسباط جَمْعٌ والسبط في بني إسرائيل مثل القبيلة عند العرب { وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى } يعني : في التيه { إِذِ استسقاه قَوْمُهُ } إلى قوله : { رِجْزًا مّنَ السماء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ } كل ذلك مذكور في سورة البقرة قرأ أبو عمرو { نَّغْفِرْ لَكُمْ } بالنون { خطاياكم } . وقرأ ابن عامر { تَغْفِرْ * لَكُمْ } بالتاء والضم { خطيئاتكم } بالرفع وبلفظ الواحد . وقرأ نافع { تَغْفِرْ } لكم» بالتاء ، والضم { خطيئاتكم } بلفظ الجماعة ، وقرأ الباقون { نَّغْفِرْ لَكُمْ } بالنون { خطيئاتكم } بلفظ الجماعة . (2/154)
قوله تعالى :
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)
{ وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر } واسمها أيلة وذلك أن اليهود قالوا : نحن من أبناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم فلا يعذبنا الله تعالى إلا مقدار عبادة العجل فقال الله تعالى : { وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية } يعني : أهل القرية التي كانت حاضرة البحر كيف عذبهم الله تعالى بذنوبهم . (2/155)
ثم أخبر عن ذنوبهم فقال تعالى : { إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت } يعني : أنهم استحلوا الصيد في يوم السبت . وقال : يعتدون في يوم السبت . وأصل الاعتداء هو الظلم . يقال : عدوت على فلان إذا ظلمته واعتديت عليه .
ثم قال : { إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا } يعني : يوم استراحتهم شوارع في الماء وهو جمع الشارع { وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ } يعني : إذا لم يكن يوم السبت ويوم الراحة لا تأتيهم . وإنما تمّ الكلام عند قوله : { تَأْتِيَهُمُ } ثم ابتدأ فقال : { كذلك نَبْلُوهُم } يعني : هكذا نختبرهم . وقال بعضهم : إنّما يتم الكلام عند قوله : { وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ } كذلك يعني : لا تأتيهم كما تأتيهم يوم السبت لأن في يوم السبت تأتيهم الحيتان شارعات من أسفل الماء إلى أعلاه وفي سائر الأيام يأتيهم القليل ، ولا يأتيهم كما يأتيهم في يوم السبت .
ثم ابتداء الكلام فقال : { كذلك نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } يعني : نختبرهم بما كانوا يعصون الله تعالى .
ثم قال عز وجل : { وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مّنْهُمْ } أي عصبة وجماعة منهم وهي الظلمة للأمة الواعظة { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ } لأن الواعظة نهوهم عن أخذ الحيتان ، وخوفوهم ، فرد عليهم الظلمة { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ } { أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ } قرأ عاصم في إحدى الروايتين { مَعْذِرَةً } بالنصب يعني : نعتذر إلى ربكم . وقرأ الباقون { مَعْذِرَةً } بالضم يعني : هي معذرة يعني : لا ندع الأمر بالمعروف حتى نكون معذورين عند الله تعالى { وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يعني : لعلهم ينتهون { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } يعني : تركوا ما وعظوا به { أَنجَيْنَا } من العذاب { الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ } يعني : عذبنا الذين تركوا أمر الله { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } يعني : شديد { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } يعني : يعصون ويتركون أمر الله تعالى . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : كان القوم ثلاثة فرق . فرقة كانوا يصطادون . وفرقة كانوا ينهون . وفرقة لم ينهوا ولم يستحلوا وقالوا للواعظة : { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ } . وروى أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال : أتيت ابن عباس وهو يقرأ في المصحف ويبكي فدنوت منه حتى أخذت بلوحي المصحف وقلت : ما يبكيك قال : تبكيني هذه السورة وهو يقرأ سورة الأعراف .
وقال : هل تعرف أيلة؟ قلت : نعم . قال : إن الله تعالى أسكنها حياً من اليهود ، وابتلاهم بحيتان حرمها عليهم يوم السبت وأحلها لهم في سائر الأيام . فإذا كان يوم السبت خرجت إليهم الحيتان . فإذا ذهب السبت غابت في البحر حتى يغوص لها الطالبون ، وإن القوم اجتمعوا واختلفوا فيها . فقال فريق منهم : إنما حرمت عليكم يوم السبت أن تأكلوها فصيدوها يوم السبت ، وكلوها في سائر الأيام . وقال الآخرون : بل حرم عليكم أن تصيدوها أو تنفروها أو تؤذوها . وكانوا ثلاث فرق : فرقة على أَيمانهم ، وفرقة على شمائلهم ، وفرقة على وسطهم فقالت الفرقة اليمنى فجعلت تنهاهم في يوم السبت ، وجعلت تقول : الله يحذركم بأس الله . وأما الفرقة اليسرى فأمسكت أيديها ، وكفت ألسنتها . وأما الوسطى فوثبت على السمك تأخذه . وجعلت الفرقة الأخرى التي كفت أيديها ، وألسنتها ، ولم تتكلم . تقول : { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا } فقال : { الذين يَنْهَوْنَ } { مَعْذِرَةً إلى رَبّكُم وَلَعَلَّكُم تَتَّقُونَ } فدخل الذين أصابوا السمك إلى المدينة ، وأبى الآخرون أن يدخلوا معهم فغدا هؤلاء الذين أبوا أن يدخلوا المدينة . فجعلوا ينادون من فيها فلم يجبهم أحد . فقالوا : لعل الله خسف بهم ، أو رموا من السماء بحجارة ، فارفعوا رجلاً ينظر ، فجعلوا رجلاً على سلم فأشرف عليهم ، فإذا هم قردة تتعادى ولها أذناب قد غيّر الله تعالى صورهم بصنيعهم . فصاح إلى القوم فإذا هم قد صاروا قردة ، فكسروا الباب ، ودخلوا منازلهم ، فجعلوا لا يعرفون أنسابهم ، ويقولون لهم : ألم ننهكم عن معصية الله تعالى ونوصيكم؟ فيشيرون برؤوسهم بلى ودموعهم تسيل على خدودهم . فأخبر الله تعالى أنه أنجى الذين ينهون عن السوء ، وأخذ الذين ظلموا . قوله : { أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } . ولا يدرى ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يأخذوا . (2/156)
وقال عكرمة : بل أهلكهم الله لأنه أنجى الذين ينهون عن السوء . وأهلك الفريقين الآخرين . فوهب له ابن عباس بردة بهذا الكلام .
وروي في رواية أُخرى أنهم كانوا يأخذون الحظائر والحياض بجنب البحر ، ويسيلون الماء فيها يوم السبت من البحر حتى يدخل فيها السمك ، ويأخذونه في يوم الأحد فقالوا : إنا نأخذه في يوم الأحد . فلما لم يعذبوا استحلوا الأخذ في يوم السبت من البحر وقالوا : إنما حرم الله على أبنائنا ولم يحرم علينا فنهاهم الصلحاء فلم يمتنعوا ، فضربوا حائطاً بينهم ، وصارت الواعظة في ناحية ، والذين استحلوا في ناحية والحائط بين الفريقين . فأصبحوا في يوم من الأيام ولم يفتح الباب الذي بينهما ، فارتقى واحد منهم الحائط ، فإذا القوم قد مسخوا إلى قردة . وقال بعضهم : كان القوم أربعة أصناف صنف يأخذون ، وصنف يرضون ، وصنف ينهون ، وصنف يسكتون ، فنجا صنفان ، وهلك صنفان . قال بعضهم : كانوا صنفين صنف يأخذون ، وصنف ينهون .
وروى قتادة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : كانوا ثلاث فرق فهلك الثاني ، ونجا الثالث ، والله أعلم ما فعل بالفرقة الثالثة . قرأ نافع بعذاب { بِيْس } بكسر الباء وسكون الياء بلا همز . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بعذاب { بَيْأَس } بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة . وقرأ الباقون : { ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } بنصب الباء وكسر الياء والهمزة وسكون الياء وهي اللغة المعروفة ، والأولى لغة لبعض العرب . (2/157)
ثم قال : { فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ } يعني : تركوا ما وعظوا به { قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } يعني : صاغرين مبعدين عن رحمة الله .
قوله تعالى : { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } يعني : أعلم ربك ويقال : قال ربكم وكل شيء في القرآن تأذن فهو إعلام . ومعناه قال : { لَيَبْعَثَنَّ } أي ليسلطن { عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة } أي على بني إسرائيل ، والذين لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم { مَن يَسُومُهُمْ سُوء العذاب } يعني : يعذبهم بالجزية والقتل { إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب } إذا عاقب من أصرّ على كفره { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ } لمن تاب من الشرك { رَّحِيمٌ } بعد ذلك .
ثم قال : { وقطعناهم } أي فرقناهم { فِي الارض أُمَمًا } أي فرقاً { مّنْهُمُ الصالحون } أي المؤمنون وهم مؤمنو أهل الكتاب . ويقال : هم الذين وراء رمل عالج { وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك } وهم الكفار منهم { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } يعني : اختبرناهم بالخصب والجدوبة { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } من الكفر إلى الإيمان .
ثم قال : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } يعني : بعد بني إسرائيل خلف السوء { وَرِثُواْ الكتاب } يعني : التوراة { يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الادنى } يقول : يستحلون أخذ الحرام من هذه الدنيا وهو الرشوة في الحكم { وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } قال مجاهد : يعني : يأخذون ما يجدون حلالاً أو حراماً ويتمنَّون المغفرة { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } أي وإن يجدوا مثله من العرض يأخذوه . ويقال : معناه أنهم يصرون على الذنوب وأكل الحرام ، فإذا أخذوا أول النهار يعودون إليه في آخر النهار ولا يتوبون عنه . ويقال : يطلبون بعلمها الدنيا . ويقال : يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون : سيغفر لنا هذه المرة . وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ويقولون مثل ذلك : أي سيغفر لنا لأنا لا نشرك بالله شيئاً . وقال سعيد بن جبير : يأخذون عرض هذا الأدنى . يقول : يعملون بالذنوب . ويقولون : سيغفر لنا ما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار . وما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل . { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } يعني : الذنوب . قال الله تعالى : { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب } يعني : ألم يؤخذ عليهم ميثاقهم في التوراة { أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } أي : إلا الصدق { وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } أي قرؤوا ما فيه { والدار الاخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } أي : يتقون الشرك ، ويحلون حلاله ، ويحرمون حرامه { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أن الآخرة خير من الدنيا .