صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)

{ وَقَالُوا إن هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا } يعني : ما هي إلا آجالنا تنقضي في الدنيا ، فيموت الآباء ، ويجيء الأبناء { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } بعد الموت . فيبيّن الله تعالى حالهم يومئذٍ فقال : { وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ } يعني : عرضوا وسيقوا وحبسوا { على رَبّهِمْ } يعني : عند ربهم وعند عذاب ربهم { قَالَ أَلَيْسَ هذا } يعني : العذاب والبعث { بالحق قَالُواْ بلى وَرَبّنَا } أقروا في وقت لا ينفعهم الإقرار { قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } به وتجحدونه .
قوله تعالى : { قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله } يعني : غبن الذين جحدوا بالله ، وبالبعث حين اختاروا العقوبة على الثواب { حتى إِذَا جَاءتْهُمُ الساعة بَغْتَةً } يعني : فجأة ومعناه : أنهم جحدوا وثبتوا على جحودهم حتى إذا جاءتهم القيامة { قَالُواْ يأَبَانَا } يعني : يا ندامتنا وخزينا والعرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن أمر عظيم تقع فيه جعلته نداء كقوله : { يا حسرتنا } و { وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَا لهذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [ الكهف : 49 ] و يا ندامتنا { قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا } يعني : ضيعنا وتركنا العمل { فِيهَا } يعني : في الدنيا من عمل الآخرة { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ } يعني : آثامهم { على ظُهُورِهِمْ } يعني : إنهم يحملون آثامهم . وروى أسباط عن السدي قال : ليس من رجل ظالم يدخل قبره إلا آتاه ملك قبيح الوجه ، أسود اللون ، منتن الريح ، عليه ثياب دنسة ، فإذا رآه قال : ما أقبح وجهك فيقول : كذلك كان عملك قبيحاً . فيقول ما أنتن ريحك فيقول : كذلك كان عملك منتناً . فيقول : من أنت؟ فيقول : أنا عملك . فيكون معه في قبره . فإذا بعث يوم القيامة قال له : إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات ، فأنت اليوم تحملني . فيركب على ظهره حتى يدخله النار .
قال : وذلك قوله : { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ } وذلك على سبيل المجاز يعني : يحملون وبال ذلك على ظهورهم وعقوبته . ويقال : وقرت ظهورهم من الآثام . ثقلت وحملت ، وأصل الوزر في اللغة : هو الثقل ثم قال : { أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } يعني : يحملون .
قوله تعالى :

(2/30)


وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)

{ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا لَعِب ولَهْوٌ } يعني : لعب كلعب الصبيان يبنون بنياناً ، ثم يهدمونه . ويلعبون ويلهون ويبنون ما لا يسكنون . كذلك أهل الدنيا يجمعون ما لا يأكلون ، ويبنون ما لا يسكنون ويأملون ما لا يدركون .
ثم قال : { وَلَلدَّارُ الاخرة } يعني : الجنة { خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الشرك والفواحش { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أي أن الآخرة أفضل من الدنيا . قرأ ابن عامر : { وَلَدَارُ الاخرة } بلام واحدة بالتخفيف ، وبكسر الآخرة على معنى الإضافة . وقرأ الباقون : { وَلَلدَّارُ الاخرة } بلامين ، { والاخرة } بالضم على معنى النعت . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص : { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } بالتاء على معنى المخاطبة والباقون بالياء على معنى المغايبة .
قوله تعالى :

(2/31)


قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)

{ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُون } روى سفيان عن أبي إسحاق ، عن ناجية بن كعب قال : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به ، فنزلت هذه الآية . وروى أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو حزين فقال : ما يحزنك؟ قال : « كَذَّبَنِي هؤلاء » فقال : إنهم لا يكذبونك ، يعلمون أنك صادق فنزلت هذه الآية : { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذى يَقُولُونَ } من تكذيبهم إياك في العلانية { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ } في السر ، ويعلمون أنك صادق . وكانوا يسمونه أميناً قبل أن يوحى إليه فلما أوحي إليه ، كذّبوه ، فقال : { ولكن الظالمين بئايات الله يَجْحَدُونَ } وهم يعلمون أنك صادق . والجحد يكون ممن علم الشيء ثم جحده كقوله تعالى : { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } [ النمل : 14 ] قرأ نافع والكسائي : { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ } بالتخفيف . وقرأ الباقون بالتشديد . فمن قرأ بالتخفيف فمعناه أنهم لا يجحدونك كاذباً . ومن قرأ بالتشديد فمعناه : أنهم لا ينسبونك إلى الكذب ، ولا يكذبونك في السر . وقرأ نافع : { يَحْزُنكَ } برفع الياء ، وكسر الزاي . وقرأ الباقون { لَيَحْزُنُكَ } بنصب الياء ، وضم الزاي ، ومعناهما واحد .
ثم عزّاه ليصبر على أذاهم فقال : { وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } يعني : أن قومهم كذبوهم كما كذبك قريش { فَصَبَرُواْ على مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ } يعني : صبروا على تكذيبهم وأذاهم { حتى أتاهم نَصْرُنَا } يعني : عذابنا لهلاكهم { وَلاَ مُبَدّلَ لكلمات الله } يعني : لا مغيّر لوعد الله . فهذا وعد من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بالنصرة ، كما نصر النبيين من قبله .
ثم قال : { وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ المرسلين } يعني : من خبر المرسلين ، كيف أنجيت المرسلين ، وكيف أهلكت قومهم . فلما وعد الله تعالى بالنصرة للنبي صلى الله عليه وسلم تعجل أصحابه لذلك ، وأرادوا أن يعجل بهلاك الكفار فنزل : { وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ } خاطب النبي صلى الله عليه وسلم وأراد به قومه فقال : إن عظم عليك إعراضهم عن الإيمان ، ولا تصبر على تكذيبهم إياك { فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى الارض } يعني : إن قدرت أن تطلب سِرْباً في الأرض والنافقاء إحدى جحري اليربوع { أَوْ سُلَّماً فِى السماء } يعني : مصعداً إلى السماء { وَإِن كَانَ } فافعل ذلك على وجه الإضمار . وهذا كما قال في آية أخرى : { مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِى الدنيا والاخرة فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السمآء ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } [ الحج : 15 ] الآية .

(2/32)


وروى محمد بن المنكدر : أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله أمر السماء أن تطيعك ، وأمر الأرض أن تطيعك ، وأمر الجبال أن تطيعك ، فإن أحببت أن ينزل عذاباً عليهم قال : « يا جبريل أؤخر عن أمتي لعل الله أن يتوب عليهم »
ثم قال : { وَلَوْ شَاء *** لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى } يعني : لهداهم إلى الإيمان . ويقال : ولو شاء لاضطرهم إلى الهدى كما قال في آية أخرى { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء ءَايَةً فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين } [ الشعراء : 4 ] ومعناه : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى قهراً وجبراً ، ولكن ما فعل وكلفهم وتركهم فاختيارهم .
ثم قال : { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين } يعني : بأنه لو شاء لهداهم . وقال الضحاك : يعني : القدر خيره وشره من الله تعالى ، فلا تجعل معرفة ذلك بعد البيان .
ثم قال :

(2/33)


إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)

{ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ } يعني : يطيعك ، ويصدقك الذين يسمعون منك كلام الهدى والمواعظ . قال الزجاج يعني : يسمع سماع قابل . فالذي لا يقبل كأنه أصم . كما قال القائل : أصم عما ساءه سميع . ويقال : { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين } بأنه يؤمن بك بعضهم ، ولن يؤمن بك البعض . وإنما يؤمن بك الذي وفقه الله للهدى وهو أهل لذلك . وقال : { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ } يعني : يعقلون الموعظة .
ثم قال : { والموتى يَبْعَثُهُمُ الله } أي : كفار مكة سماهم الله موتى ، لأنه لا منفعة لهم في حياتهم { يَبْعَثُهُمُ الله } يعني يحييهم بعد الموت { ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } يعني الكفار في الآخرة فينبئهم ، فهذا تهديد لهم .
وقوله تعالى :
{ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } يعني : الكفار . قالوا : هلاّ نزل عليه آية من ربه يعني : علامة لنبوته { قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزّلٍ ءايَةً } كما سألوك { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } بأن الله قادر على أن ينزلها . ويقال : { لاَّ يَعْلَمُونَ } بما في نزول الآية لأنه لو نزلت الآية عليهم فلم يؤمنون به استوجبوا العذاب .
قوله تعالى : { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الارض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } فذكر الجناحين للتأكيد لأنه يقال : طار في الأمر إذا أسرع فيه ، فإذا ذكر الجناحين صار تأكيداً له . وقرأ بعضهم { وَلاَ طَائِرٍ } بالضم لأن معناه : وما دابةٌ في الأرض ولا طائرٌ لأن { مِنْ } زيادة ، فيكون الطائر عطفاً ورفعاً وهي قراءة شاذة .
ثم قال : { إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم } في الخلق ، والموت ، والبعث ، تعرف بأسمائهم { مَّا فَرَّطْنَا } يقول : ما تركنا { فِى الكتاب مِن شَىْء } يعني : في اللوح المحفوظ مما يحتاج إليه الخلق إلا قد بيّناه . ويقال : في القرآن قد بيّن كل شيء يحتاج إليه { ثُمَّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } يعني : الدواب والطير { يُحْشَرُونَ } ثم يصيرون تراباً .
وروى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال : يَحْشُرُ الله تعالى الخلق كلهم يوم القيامة والبهائم والدواب والطيور وكل شيء ، فيبلغ من عدله أن يأخذ للجمَّاء من القرناء ، ثم يقول : كوني تراباً . وعن أبي ذر قال : انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « يا أبَا ذَرَ هَلْ تَدْرِي فِيمَا انْتَطَحَتَا » ؟ قلت : لا قال : « لكن الله تَعَالَى يَدْرِي فَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا » وقال بعضهم : هذا على وجه المثل لأنه لا يجري عليهم القلم فلا يجوز أن يؤاخذوا به .
ثم قال :

(2/34)


وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن { صُمٌّ } عن الخبر فلا يسمعون الهدى { وَبُكْمٌ } يعني : خرساً فلا يتكلمون بخير { فِى الظلمات } يعني : في الضلالات { مَن يَشَآء *** الله يُضْلِلْهُ } يعني : يخذله فيموت على الكفر { وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } يعني : يستنقذه من الكفَر فيوفّقه للإسلام .
ثم قال : { قُلْ أَرَأَيْتُكُم } الكاف زيادة في بيان الخطاب { إِنْ أتاكم عَذَابُ الله } في الدنيا { أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة } يعني : القيامة ، ثم رجع إلى عذاب الدنيا فقال : { أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ } ليدفع عنكم العذاب { إِن كُنتُمْ صادقين } بأن مع الله آلهة أخرى .
قوله تعالى : { بَلْ إياه تَدْعُونَ } قال أهل اللغة : بل للاستدراك والإيجاب بعد النفي . وإنما تستعمل في موضعين : أحدهما لتدارك الغلط ، والثاني : لترك شيء وأخذ شيء آخر . فهاهنا بيّن أنهم لا يدعون غير الله تعالى . وإنما يدعون الله عنهم ليكشف عنهم العذاب . { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء } وإنما قرن بالاستثناء وبالمشيئة ، لأن كشف العذاب فضل الله تعالى ، وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء .
ثم قال : { وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } يعني : تتركون دعاء الآلهة عند نزول الشدة .
ثم ذكر حال الأمم الماضية لكي يعتبروا فقال عز وجل : { وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } فكذبوهم على وجه الإضمار { فأخذناهم بالبأساء } يعني : بالخوف والشدة { والضراء } يعني : الزمانة والفقر وسوء الحال والجوع . وقال الزجاج : البأساء : الجوع ، والضراء : النقص في الأموال والأنفس { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } يعني : لكي يرجعوا إليه ويؤمنوا به .
قوله تعالى : { فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا } يقول : فهلا إذا جاءهم عذاباً { تَضَرَّعُواْ } إلى الله ويؤمنون به حتى يرفع عنهم العذاب يعني : أنهم لو آمنوا لدفع عنهم العذاب ، ولكن أصروا على ذلك فذاك قوله تعالى : { ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } يعني : جفت ويبست قلوبهم { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ } من عبادتهم الأصنام .
ثم قال :

(2/35)


فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)

{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } يعني : الأمم الخالية حين لم يعتبروا بالشدة ولم يرجعوا : { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } من النعم والخصب ويقال : إن الله تعالى يبتلي العوام بالشدة ، فإذا أنعم عليهم يكون استدراجاً . وأما الخواص فيبتليهم بالنعمة والرخاء فيعرفون ويعدّون ذلك بلاء . كما روي في الخبر : إن الله تعالى أوحى إلى موسى بن عمران إذا رأيت الفقر مقبلاً إليك فقل : مرحباً بشعار الصالحين . وإذا رأيت الغنى مقبلاً إليك فقل : ذنب عجلت عقوبته فهؤلاء الذين أرسل إليهم ، ابتلاهم الله تعالى بالشدة ، فلم يعتبروا ولم يرجعوا ، فتح عليهم أبواب كل خير عقوبة لهم لكي يعتبروا فيها .
قال الفقيه : حدّثنا الخليل بن أحمد قال : حدّثنا عبد الله بن أحمد قال : حدّثنا أبو عتبة قال : حدّثنا محمد بن حمير عن شهاب بن خراش عن حرملة عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا رَأَيْتَ الله يُعْطِي عَبْداً مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعْصِيَةٍ مِمَّا يُحِبَّ فإنَّمَا ذلك مِنْهُ اسْتِدْرَاج » ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } الآية . وقال الحسن : والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه . وما أمسكها الله تعالى عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه . { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } يعني : تركوا ما وعظوا به { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } يعني : أرسلنا عليهم كل خير . ويقال : { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء *** مِنَ الرزق } قرأ ابن عامر : { فَتَحْنَا } بالتشديد على معنى المبالغة . والباقون بالتخفيف { حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ } من أنواع الخير فأعجبهم ما هم فيه { أخذناهم بَغْتَةً } يعني : أصبناهم بالعذاب فجأة { فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } يعني : آيسين من كل خير . وقال مجاهد : الإبلاس : الفضيحة . وقال الفراء : المبلس : المنقطع بالحجة . وقال الزجاج : المبلس : الشديد الحسرة والآيس الحزين . وقال بعضهم : في الآية تقديم وتأخير . ومعناه : فلما فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، ونسوا ما ذكروا به أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون .
ثم قال عز وجل : { فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ } يعني : قُطع أصلهم فلم يبقَ منهم أحد { والحمد للَّهِ رَبّ العالمين } على هلاك أعدائه واستئصالهم ويقال : الحمد لله الذي ينتقم من أعدائه ، ولا ينتقم منه أحد . ويقال : هذا تعليم ليحمدوه سبحانه على إهلاك الظالمين .
قوله تعالى :

(2/36)


قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)

{ قُلْ أَرَءيْتُمْ } أَيُّ قُلْ لاهْلِ مَكَّةَ { أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ } فلم تسمعوا شيئاً { وأبصاركم } فلم تبصروا شيئاً { وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ } فلم تعقدوا شيئاً { مَّنْ إله غَيْرُ الله } يعني هل أحد يرده عليكم { يَأْتِيكُمْ بِهِ } يعني : يخلقها لكم .
ثمَّ قال : { انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الايات } أي : كيف تبين لهم العلامات فيما ذكر من تخويفهم { ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ } يعني : يُعرضون ولا يعتبرون . قرأ نافع : { أَرَءيْتُمْ } : بعد الألف بغير همز . وقرأ الكسائي بغير مد ولا همز . وقرأ الباقون : بالهمز . فهي كلها لغات العرب .
ثم قال : { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أتاكم عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً } يعني : فجأة أو علانية { هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون } يعني : لا يهلك إلا القوم الكافرون .
ثم قال : { وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } يعني : ليس لهم أن يقترحوا من أنفسهم ، وإنما أرسلهم بتبليغ الرسالة مبشرين بالجنة لمن أطاعه ، ومنذرين بالنار لمن عصاه . { فَمَنْ ءامَنَ } يعني : صدق بالرسل { وَأَصْلَحَ } يعني : سلك طريقهم ، وأصلح العمل . ويقال : أخلص العمل بعد الإيمان { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } يعني : لا خوف عليهم من أهوال القيامة ولا هم يحزنون عند الصراط .
ثم قال : { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا يَمَسُّهُمُ العذاب بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } يعني : يصيبهم العذاب بكفرهم ، ولا يعذب أحداً بغير ذنب .
ثم قال :

(2/37)


قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)

{ قُلْ لا أقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ الله } يعني : مفاتيح الرزق { وَلا أَعْلَمُ الغيب } يعني : متى ينزل العذاب بكم . هذا جواب لقولهم : { وَقَالُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الامر ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } [ الأنعام : 8 ] { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ ءايَةً ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } [ الأنعام : 37 ] { وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } من السماء ، إنما أنا بشر مثلكم { إِنْ أَتَّبِعُ } يعني : ما أتبع { إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ } من القرآن { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير } يعني : الكافر والمؤمن { أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } في أمثال القرآن ومواعظه .
قوله تعالى : { وَأَنذِرْ بِهِ } يعني : خوّف بالقرآن { الذين يَخَافُونَ } يعني : يعلمون { أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ } في الآخرة . وإنما خصّ بالإنذار الذين يعلمون وإن كان منذراً لجميع الخلق ، لأن الحجة عليهم وجبت لاعترافهم بالمعاندة وهم أهل الكتاب كانوا يقرون بالبعث . ويقال : هم المسلمون يعلمون أنهم يبعثون يوم القيامة ويؤمنون به .
{ لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ } يعني : يعلمون أنه ليس لهم من دون الله . يعني : من عذاب الله { وَلِيُّ } في الدنيا { وَلاَ شَفِيعٍ } في الآخرة { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يعني : أنذرهم { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } المعاصي . ويقال : { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } لكي يتقوا ويثبتوا على الإسلام . فإنهم إن لم يثبتوا { لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ }
قوله تعالى : { وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى } روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عبد الله بن مسعود . قالت قريش : تدني هؤلاء السفلة هم الذين يلونك أي : يصرونك . فوقع في قلبه أن يطردهم فنزل : { وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى } وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال : كان رجال يستبقون إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيهم بلال وصهيب ، فيجيء أشراف من قومه وسادتهم فيجلسون ناحية فقالوا له : إنّا سادات قومك وأشرافهم فلو أدنيتنا؟ فهم أن يفعل فنزل { وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى } الآية . ويقال : إن أبا جهل وأصحابه اختالوا ليطرد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن نفسه . فقالوا : إن محمداً يتبعه الموالي والأراذل فلو طردهم لاتّبعناه . فاستعانوا بعمر رضي الله عنه فأخبر عمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يفعل ذلك . فنزل : { وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } يعني : يعبدون ربهم { بالغداة والعشى } يعني : يصلون لله تعالى في أول النهار وآخره { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } يعني : يريدون بصلواتهم وجه الله تعالى { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } يعني : ما عليك من عملهم من شيء { وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء } يعني : الإثم ويقال : معناه : فما عليك إن لم يسلموا ، فليس عليك من أوزارهم شيء . ويقال : يعني به : الضعفة من المسلمين ، فلا تطردهم لأنه ليس عليك من حسابهم من شيء أي : فليس عليك من أرزاقهم شيء لكن أرزاقهم على الله .
ثم قال : { فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } يعني : لو طردتهم من مجلسك فتكون من الضارين بنفسك . قرأ ابن عامر : { بالغدوة } وقرأ الباقون : { رَبَّهُمْ بالغداة } وهما لغتان .
ثم قال :

(2/38)


وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)

{ وَكذلِكَ فَتَنَّا } يقول : هكذا ابتلينا { بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } يعني : الشريف بالوضيع ، والعربي بالمولى ، والغني بالفقير { لّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } فلم يكن الاختبار لأجل أن يقولوا ذلك . ولكن كان الاختبار سبباً لقولهم .
وهكذا قوله تعالى : { فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خاطئين } [ القصص : 8 ] فلم يأخذوه لأجل ذلك ، ولكن كان أخذهم سبباً لذلك فكأنهم أخذوه لأجل ذلك ، هاهنا ما كان الاختبار لأجل أن يقولوا هؤلاء منّ الله عليهم من بيننا لأنهم كانوا يقولون : لو كان خيراً ما سبقونا إليه . ومعناه : ليظهر الذين يقولون : هؤلاء منّ الله عليهم من بيننا .
قال الله تعالى : { أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين } يعني : بالموحدين منكم من غيرهم . قال الكلبي : فلما نزلت هذه الآية جاء عمر رضي الله عنه فاعتذر . فنزلت هذه الآية : { وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا } يعني عمر { فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ } يعني : قبلتُ توبتكم . ويقال : قبل الله عذركم . ويقال : المعنى وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا يعني : الضعفة من المسلمين ، فابتدىء بالسلام . وقل : سلام عليكم { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } يعني : أوجب الرحمة وقبول التوبة { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ } يعني : من ركب معصية وهو جاهل بركوبها ، وإن كان يعلم أنها معصية { ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ } بعد السوء { وَأَصْلَحَ } العمل { فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } غفور يعني : متجاوز للذنوب رحيم حين قبل التوبة ، ويقال : معناه : من عمل منكم سوءاً ثم تاب يغفر له ، فكيف من كان قصده الخير فهو أولى بالرحمة .
وروى سفيان عن مجمع عن ماهان الحنفي قال : جاء قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد أصابوا ذنوباً عظاماً فأعرض عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل : { وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } قرأ عاصم وابن عامر { أَنَّهُ مَن عَمِلَ } : بنصب الألف . فإنه غفور بالنصب على معنى البناء ومعناه : كتب { أَنَّهُ } وقرأ نافع : { أَنَّهُ } بالنصب على معنى البناء { فَإِنَّهُ } بالكسر على معنى الابتداء . وقرأ الباقون : كلاهما بالكسر على معنى الابتداء .
ثم قال :

(2/39)


وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)

{ وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الايات } قال القتبي : يعني : نأتي بها متفرقة شيئاً بعد شيء ، ولا ننزلها جملة متصلة . ويقال : { نُفَصّلُ الآيات } يعني : نبين الآيات بالقرآن { وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين } يعني : طريق المشركين لماذا لا يؤمنون ، لأنهم إذا رأوا الضعفاء يسلمون قبلهم ، امتنعوا . ويقال : { وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين } يعني : تفرقهم . قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص : { وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ } بالتاء و { سَبِيلٍ } بالضم لأن السبيل مؤنث كقوله : { قُلْ هذه سبيلى أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعنى وَسُبْحَانَ الله وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين } [ يوسف : 108 ] ومعناه : ليظهر لكم طريق المشركين . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر : { وليستبين } بالياء { وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين } بالضم لأن السبيل هو الطريق . والطريق يذكر ويؤنث . وقرأ نافع : { وَلِتَسْتَبِينَ } بالتاء { سَبِيلٍ } بالنصب يعني : لتعرف يا محمد طريق المشركين .
قوله تعالى : { قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } يعني : الأصنام ويقال : معناه قل إني نهيت عن طرد الضعفاء عن مجلسي ، كما نهيت عن عبادة الأصنام .
ثم قال : { قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ } يعني : لا أذهب مذهبكم . ويقال : لا أتبع هواكم يعني : لا أرجع إلى دينكم في بغض الفقراء ومجانبتهم { قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً } يعني : إن فعلت ذلك فقد ضللت إذاً . قرأ بعضهم : { ضَلَلْتُ } بالكسر وهو شاذ يعني : ضللت سبيل الهدى { وَمَا أَنَاْ مِنَ المهتدين } يعني لم أكن على الحق .
ثم قال :

(2/40)


قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)

{ قُلْ إِنّى على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } يعني : على أمر بيّن . ويقال : على دين من ربي . { وَكَذَّبْتُم بِهِ } يعني : بالقرآن . ويقال : بالعذاب . وذلك أن النضر بن الحارث قال : إن كان ما تقوله حقاً فأتنا بعذاب الله فنزل : { مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } يعني : العذاب { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } يعني : ما القضاء في ذلك إلا لله في نزول العذاب { يَقُصُّ الحق } بنزول العذاب . وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم : { يَقُصُّ الحق } بالصاد يعني : يبين الحق . ويقال : يأمر بالحق وقرأ الباقون : { يَقْضِ * الحق } بالضاد ، ولكن لا يكتب بالياء . لأن الياء سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين ، ويقوم الكسر مقام الياء كقوله تعالى : { سَنَدْعُ الزبانية } [ العلق : 18 ] فحذفت الواو . وتفسيره يقضي قضاء الحق ، وقرأ ابن عباس رضي الله عنه : { يَقْضِى بالحق } .
ثم قال : { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين } يعني : الحاكمين القاضين ثم قال : { قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } يعني : العذاب { لَقُضِىَ الامر بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } بالعذاب { والله أَعْلَمُ بالظالمين } يعني : بعقوبة الظالمين ، هو أعلم متى ينزل بهم العذاب .
قوله تعالى :

(2/41)


وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)

{ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب يعني : يعلم ما يهلك في البر والبحر . ويقال : يعلم ما في البر من النبات والحب والنوى وما في البحر من الدواب وقوت ما فيها { وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ } من الشجر { إِلاَّ يَعْلَمُهَا } يعلم من وقت سقوطه ، وموضع مسقطه . وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه قال : ليس أحد من خلق الله تعالى أكثر من الملائكة ، وليس من شجرة تخرج إلا وملك موكل بها . ويقال : إن الإنسان كالشجرة ، وأعضاءه كالأغصان ، والحركات منه كالأوراق ، فهو يعلم حركة بني آدم .
ثم قال تعالى : { وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظلمات الارض } يعني : تحت الصخرة التي هي أسفل الأرضين السابعة . ويقال : الحبة التي تحت الأرض التي يخرج منها النبات .
ثم قال : { وَلاَ رَطْبٍ } يعني : الماء { وَلاَ يَابِسٍ } يعني : الحجر ويقال : ولا رطب : يعني العمران والأمصار والقرى { وَلاَ يَابِسٍ } يعني : الخراب والبادية { إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } يعني في اللوح المحفوظ . ويقال : { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } يعني : لا قليل ولا كثير { إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } يعني : في اللوح المحفوظ . ويقال : القرآن قد بيّن فيه كل شيء ، بعضه مفسر ، وبعضه يعرف بالاستدلال والاستنباط . وقرأ بعضهم : { وَلاَ حَبَّةٍ } { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } كل ذلك بالضم على معنى الابتداء . وهي قراءة شاذة والقراءة المعروفة بالكسر لأجل : { مِنْ } .
قوله تعالى :

(2/42)


وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)

{ وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل } يعني : يقبض أرواحكم في منامكم { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم } يعني : ما كسبتم من خير أو شر { بالنهار ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } يعني : من النوم في النهار ويرد إليكم أرواحكم { ليقضى أَجَلٌ مّسَمًّى } يعني : ليتم أجلكم وتأكلون رزقكم إلى آخر العمر . قال بعضهم : إذا نام الإنسان تخرج منه روحه كما روي في الخبر « الأَرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَة فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ » يعني : الأرواح إذا تعارفت وقعت الألفة بين الأبدان . وإذا لم تتعارف الأرواح تناكرت الأبدان وقال : إن الروح إذا خرجت في المنام من البدن يبقى فيه الحياة ، فلهذا تكون فيه الحركة والنفس . وإذا انقضى عمره خرجت روحه وتنقطع حياته ، وصار ميتاً لا يتحرك ، ولا يتنفس . فإن قيل : لو خرجت روحه فكيف لا يتوجع لخروجه إذا نام؟ قيل : لأنه يخرج بطيبة نفسه ، ويعلم أنه يعود . وأما إذا انقطع عمره خرج بالكره ، فتوجع له . وقال بعضهم : لا تخرج منه الروح ، ولكن يخرج منه الذهن . وهو الذي يسمى بالفارسية روان وقال بعضهم : إنما هو ثقل يدخل في نفسه ، وهو سبب لراحة البدن وغذائه كقوله : { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً } [ النبأ : 9 ] أي : راحة ويقال : هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى ، وهذا أصح الأقاويل .
وقوله تعالى : { ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } يعني : مصيركم في الآخرة { ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير أو شر فيجازيكم بذلك .
وقوله تعالى :

(2/43)


وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)

{ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } يعني : القادر الغالب عليهم { وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } والحفظة جمع الحافظ ، مثل الكتبة والكاتب . يعني به : الملائكة موكلين ببني آدم ، ملكين بالليل ، وملكين بالنهار ، ويكتب أحدهما الخير ، والآخر الشر . فإذا مشى يكون أحدهما بين يديه ، والآخر خلفه ، فإذا جلس يكون أحدهما عن يمينه ، والآخر عن شماله . كقوله : { إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق : 17 ، 18 ] ويقال : لكل إنسان خمسة من الملائكة : اثنان بالليل ، واثنان بالنهار ، والخامس لا يفارقه لا ليلاً ولا نهاراً .
وقوله تعالى : { حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت } يعني : حضر أحدكم الوفاة عند انقضاء أجله { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } يعني : ملك الموت وأعوانه { وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ } يعني : لا يؤخرون طرفة عين . قرأ حمزة { توفيه } بلفظ التذكير بالإمالة . وقرأ الباقون : { الموت تَوَفَّتْهُ } بلفظ التأنيث . لأن فعل الجماعة إذا تقدم على الاسم جاز أن يذكر ويؤنث . ويقال : معه سبعون من ملائكة الرحمة وسبعون من ملائكة العذاب ، فإذا قبض نفساً مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة فيبشرونها بالثواب ، ويصعدون بها إلى السماء . وإذا قبض نفساً كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب ، فيبشرونها بالعذاب ، ويفزعونها ، ثم يصعدون بها إلى السماء ، ثم ترد إلى سجّين ، وروح المؤمن إلى عليين { ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله مولاهم الحق } يعني : يرد أمورهم إلى الله تعالى { أَلاَ لَهُ الحكم } ألا : كلمة التنبيه ومعناه : اعلموا أن الحكم لله تعالى في خلقه ما يشاء ، ويقضي بينهم يوم القيامة { وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين } يعني : إذا حاسب فحسابه سريع . ويقال : وهو أحكم الحاكمين وأعدل القاضين .
وقوله تعالى :

(2/44)


قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)

{ قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظلمات البر والبحر } يعني من أهواله وشدائدهِ ، والظلمات كناية عن الأهوال والشدائد { تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } وقال الكلبي : سراً وعلانية . وقال مقاتل : يعني . في خفض وسكون . ، قرأ عاصم في رواية أبي بكر { خُفْيةً } بكسر الخاء ، والباقون بالضم . وهما لغتان وكلاهما واحد { وَخُفْيَةً لَّئِنْ أنجانا مِنْ هذه } يعني : من غمّ هذه الأهوال والشدائد { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } يعني : من الموحدين . { قُلِ الله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا } يعني : من أهوال البر والبحر { وَمِن كُلّ كَرْبٍ } يعني : ينجيكم من كل كرب . يعني : من كل غم وشدة { ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } يعني : ترجعون إلى الشرك . وقرأ بعضهم { يُنَجّيكُمْ } بالتخفيف والقراءة المعروفة بالتشديد وقرأ عاصم وحمزة والكسائي { لَّئِنْ أنجانا } بالألف يعني : أنجانا الله تعالى . وقرأ الباقون { لاِن أَنْجَيْتَنَا } على معنى المخاطبة . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي { قُلِ الله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا } بالتشديد . وقرأ الباقون بالتخفيف ومعناهما واحد . ويقال : أنْجَى يُنْجِي ونَجَّى يُنَجِّي .
وقوله تعالى : { قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } يعني : الحصب بالحجارة كما فعل بقوم لوط ، والغرق كما أرسل على قوم نوح . يعني : إن استكبرتم ، وأصررتم ، وكذبتم رسلي مثل ما فعل قوم نوح ، أو فعلتم الفعلة التي فعل قوم لوط ثم قال : { أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } يعني يخسف بكم كما خسف بقارون ومن معه ، إن استكبرتم واغتررتم بالدنيا كما فعل قارون .
ثم قال : { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } يعني : الأهوال المختلفة ، كما ألبس بني إسرائيل إن تركتم أمر رسولي ، واتبّعتم هواكم كما فعل بنو إسرائيل { وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } يعني يقتل بعضكم بعضاً بالسيف كما فعل بالأمم الخالية ، إن فعلتم مثل ما فعلوا . فلما نزلت هذه الآية قال النبي : صلى الله عليه وسلم « يا جِبْرِيلُ ما بَقَاءُ أُمَّتِي عَلَى ذلك؟ » قال له جبريل : إنَّمَا أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ فادْعُ رَبَّكَ وَسَلْهُ لأمَّتِكَ فقام النبِي صلى الله عليه وسلم فتوضأ ، وأسبغ الوضوء ، فأحسن الصلاة ، ثم دعا فنزل جبريل فقال : إنَّ الله تعالَى سَمِعَ مَقَالَتَكَ ، وَأَجَارَهُمْ مِنْ خَصْلَتَيْنِ ، وَهُوَ العَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ ، وَمِنْ تَحْتَ أَرْجُلِهِمْ . فَقَالَ : « يَا جِبْرِيلُ ما بَقَاءُ أُمَّتِي إذا كان فِيهِمْ أَهْوَاءَ مُخْتَلِفَةٌ وَيُذِيقُ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ؟ » فنزل جبريل بهذه الآية { الم أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [ العنكبوت : 1/2 ] الآية وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفَتَرِقُ أُمَّتِي اثْنَانَ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إلاَّ وَاحِدَةَ » قالوا : يا رسول الله ما هذه الواحدة؟ قال :

(2/45)


« أهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ الَّذِي أنا عَلَيْهِ ، وأصْحَابِي » وفي خبر آخر . « السَّوَادُ الأعْظَمُ » وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أنه قال : لما نزلت هذه الآية { قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أعُوذُ بِوَجْهِ الله » فلما نزلت { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } قال : « هاتان أهون » ويقال : عذاباً من فوقكم يعني : سلطاناً جائراً ، { أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } من سفهائكم يقلبون عليكم { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } يعني : الفتنة بين المحلتين أو القريتين .
ثم قال : { انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الايات } يعني : نبيّن الآيات من البلاء والعذاب في القرآن { لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } يعني : يعقلون ما هم عليه .
ثم قال :

(2/46)


وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)

{ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق } يعني : القرآن { قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } يعني : بحفيظ ومسلط . وهذا قبل الأمر بالقتال . { لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } المستقر : هو غاية ينتهي إليها . يقال : لكل قول وفعل حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه ، وما كان منه في الآخرة فسوف تبدو لكم ، وستعلمون ذلك في الدنيا وفي الآخرة ويقال : معناه : سوف أؤمر بقتالكم إذا جاء وقته { وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } في ذلك الوقت .
قوله تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى ءاياتنا } يعني : يستهزئون بالقرآن { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } يعني : قم من عندهم ، واترك مجالستهم { حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } أي : حتى يكون خوضهم واستهزاؤهم في غير القرآن { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان } يقول : إن أنساك الشيطان وصية الله تعالى ، فتجلس معهم { فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين } يقول : قم إذا ذكرت ، ودع القوم الظالمين . يعني : المشركين . قرأ ابن عامر : { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان } بنصب النون ، وتشديد السين . وقرأ الباقون : بالتخفيف والجزم . وهما لغتان : نسيته وأنسيته .
ثم قال : { وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ } يعني : الشرك والاستهزاء { مِنْ حِسَابِهِم } يعني : من آثامهم { مّن شَىْء ولكن ذكرى } يعني : ذكروهم بالقرآن إذا فعلوا ذلك { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يعني : لكي يتقوا الاستهزاء . قال الكلبي : وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله : لئن قلنا كلما استهزؤوا بالقرآن ، قمنا من عندهم لا نستطيع أن نجلس في المسجد الحرام . فنزل { وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } الآية .
قوله تعالى : { وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً } قال الضحاك : يعني : كفار قريش نصبوا أصنامهم في المسجد الحرام إلى أنصاب الحرم ، وقرطوها بالمقراط ، وعلقوا بيض النعامة في أعناقها . فنزل { وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً } وقال الكلبي : إن الله تعالى جعل لكل قوم عيداً يعظمونه ، ويصلون فيه لله تعالى ، وكل قوم اتخذوا دينهم يعني : عيدهم لعباً ولهواً إلا هذه الأمة ، فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة لله ، وحصناً للصدقة ، وهي الجمعة والفطر والأضحى . قال مقاتل : اتخذوا دينهم الإسلام لعباً يعني : باطلاً ولهواً عنه .
ثم قال : { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا وَذَكّرْ بِهِ } يعني : عِظْ وَخَوِّفْ بالقرآن { أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ } يعني : لكي لا تهلك نفس { بِمَا كَسَبَتْ } يعني : بما عملت ويقال : تحبس نفس يعني تسلم نفس بذنوبها إلى النار وهذا قول الضحاك . وقال الأخفش : أن ترهن نفس بما عملت . ويقال : تحبس . وقال القتبي : أي تسلم للهلكة . ويقال : تخذل ولا تنصر .
ثم قال : { لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِىٌّ } يعني : إذا وقع في العذاب ، لم يكن لها مانع يمنعها من العذاب { وَلاَ شَفِيعٍ } يشفع لها { وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } يقول : لو جاءت بعدل نفسها رجلاً مكانها أو يفتدي بما في الأرض جميعاً لا يؤخذ يعني : لا يقبل منها { أُوْلَئِكَ الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ } يعني : أهلكوا . ويقال : أسلموا بذنوبهم إلى النار { لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ } يعني : ماء حار قد انتهى حره { وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } في الدنيا .
قوله تعالى :

(2/47)


قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)

{ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا } قال مقاتل : وذلك أن كفار مكة عذبوا نفراً من المسلمين ، وراودوهم على الكفر . قال الله تعالى للمسلمين : قولوا لهم { أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله } يعني : الأوثان { مَا لاَ يَنفَعُنَا } في الآخرة { وَلاَ يَضُرُّنَا } في الدنيا { وَنُرَدُّ على أعقابنا } نعود ونرجع إلى الشرك { بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله } إلى الإسلام { كالذى استهوته الشياطين فِى الارض حَيْرَانَ } يعني : كمثل رجل كان مع قوم ، فضلَّ الطريق ، فحيره الشياطين و { لَهُ أصحاب يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى } يعني : إلى الطريق أن { ائتنا } فإنا على الطريق ، فأبى أن يأتيهم . فذلك مثلنا إن تركنا دين محمد عليه السلام . وقال مجاهد : هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار ، يقول : الكافر حيران يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب الكافر . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : نزلت الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر ، كان أبوه وأمه يدعوانه إلى الإسلام ، فأبى أن يأتيهما وهو يدعوهما إلى الشرك . فضرب الله تعالى له المثل بالذي استهوته الشياطين يعني : أضلته .
{ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى } يعني : دين الله هو الإسلام { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين } يعني : لنخلص بالعبادة والتوحيد بالله تعالى . قرأ حمزة { استهواه } بلفظ التذكير بالإمالة . وقرأ الباقون { كالذى استهوته } بلفظ التأنيث ، لأن فعل الجماعة مقدم ، فيجوز أن يذكر ويؤنث كقوله : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ } [ الأنعام : 61 ] قوله تعالى :

(2/48)


وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)

{ وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة } يعني : وأمرنا بالهدى وبالعمل : يعني : أقيموا الصلاة { واتقوه } يعني : وحّدوه . ويقال : أطيعوه ويقال : هذا عطف على قوله : و { لَهُ أصحاب يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى } وإلى إقامة الصلاة . ويقال : معناه : أمرنا بالإسلام ، وبإقامة الصلاة { واتقوه } يعني : وحّدوه . وقيل : أطيعوه .
ثم خوّفهم فقال : { وَهُوَ الذى خَلَق السموات والارض بالحق } يعني : للحق والعبرة { وَيَوْمَ يَقُولُ } اليوم صار نصباً ، لأن معناه : واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً . ويقال : معناه واذكروا يوم يقول : { كُنْ فَيَكُونُ } يعني : يوم البعث يقول : انتشروا فانتشروا كلهم كقوله تعالى : { يَخْرُجُونَ مِنَ الاجداث } يعني : القبور { خُشَّعاً أبصارهم يَخْرُجُونَ مِنَ الاجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } [ القمر : 7 ] .
ثم قال { قَوْلُهُ الحق } { قَوْلُهُ } رفع بالابتداء ، وخبره { الحق } يعني : قوله الصدق أنه كائن . قرأ ابن عامر { فَيَكُونُ } بالنصب على معنى الخير ، وكذا في كل القرآن ، إلا في موضعين : هاهنا ، وفي آل عمران . وقرأ الباقون : بالرفع على معنى الخبر .
{ وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور } يوم صار نصباً لنزع الخافض . ومعناه : وله الملك في يوم ينفخ في الصور وهذا كقوله عز وجل : { يَوْمَ هُم بارزون لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] وكقوله : { مالك يَوْمِ الدين } [ الفاتحة : 4 ] ويقال : هذا مبين لقوله الأول ، ومعناه : يوم يقول له { كُنْ فَيَكُونُ } . { يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور } وروي عن أبي عبيدة أنه قال : معناه : يوم يَنْفُخ الأرواح في الصور . يعني : في الأجسام . وهذا خلاف أقاويل جميع المفسرين لأنهم كلهم قالوا : هو نفخ إسرافيل في الصور . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَهُ » وفي خبر آخر « وَصَاحِبُ الصُّوَرِ قَدِ الْتَقَمَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخَ فِيهِ »
ثم قال : { عالم الغيب والشهادة } الغيب ما غاب عن العباد والشهادة ما علم العباد به ، ويقال السر والعلانية . ويقال { عالم } بما يكون وبما قد كان . ويقال : { عالم } بأمر الآخرة وبأمر الدنيا { وَهُوَ الحكيم الخبير } يعني : { الحكيم } في أمره { الخبير } بأفعال الخلق وبأمر البعث .
قوله تعالى :

(2/49)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)

{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم لاِبِيهِ ءازَرَ } وكان اسم أبيه تارح بن ناخور بلغة قومه ، وبلغة غيرهم كان آزر . وقال السدي : كان اسم أبيه آزر . وهكذا قال الكلبي . وقال بعضهم : لم يكن آزر اسم أبيه ، ولكن كان اسم كبير أصنامهم . فقال أبوه لإبراهيم : ربي آزر . فقال إبراهيم على وجه التعجب : آزر .
{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم } وقال مجاهد : آزر ليس اسم أبيه ، وإنما هو اسم صنم . وقال الضحاك عن ابن عباس : إن في هذه الآية تقديماً فكأنه قال : أتتخذ آزر أصناماً آلهة يعني : أتتخذ الصنم إلهاً . ويقال : آزر بلغتهم المخطىء الضال . ومعناه : { وَإِذْ قَالَ إبراهيم لاِبِيهِ } يا آزر المخطىء أتتخذ أصناماً آلهة . وقرأ الحسن ويعقوب الحضرمي : { ءازَرَ } بالضم ويكون معناه : وإذ قال إبراهيم لأبيه : يا آزر . والقراءة المعروفة بالنصب لأنه على ميزان أفعل . ينصرف فصار نصباً . وهو بموضع الخفض . ولأنه اسم أعجمي فلا ينصرف .
ثم قال { إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضلال مُّبِينٍ } يعني : في خطأ وجهل بَيِّنٍ بعبادتكم الأصنام . ثم قال { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ } والملكوت والملك بمعنى واحد . إلا أن الملكوت أبلغ مثل : رَهَبُوت وَرَحَمُوت كما يقال في المثل : رَهَبُوت خير من رَحَمُوت يعني : لأن ترهب خير من أن ترحم . يعني : لما أن إبراهيم برىء من دين أبيه أراه الله ملكوت { السموات والارض } يعني : عجائب السموات والأرض { وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } يعني : لكي يكون من الموقنين . والواو زيادة كقوله : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خطاياكم وَمَا هُمْ بحاملين مِنْ خطاياهم مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لكاذبون } [ العنكبوت : 12 ] يعني : لكي نحمل ، وكذلك هاهنا { لِيَكُونَ مِنَ الموقنين } يعني : حتى يثبت على اليقين . قال بعضهم : صارت فرجة في السماء حتى رأى إلى سبع سماوات . وصارت فرجة في الأرض حتى رأى إلى تحت الصخرة . ويقال : حين عرج به إلى السماء ، فنظر إلى عجائب السموات . وروي عن عطاء أنه قال : لما رفع إبراهيم في ملكوت السماوات ، أشرف على عبد يزني فدعا عليه ، فهلك . ثم أشرف على آخر يزني فدعا عليه ، فهلك . ثم رأى آخر فأراد أن يدعو عليه ، فقال له ربه عز وجل : على رِسْلِك يا إبراهيم ، فإنك مستجاب لك ، وإني من عبدي على إحدى ثلاث خلال : إما أن يتوب فأتوب عليه ، وإما أن أُخرِج منه ذرية طيبة ، وإما أن يتمادى فيما هو فيه ، فأنا من ورائه أي أنا قادر عليه .
وروي عن سلمان الفارسي أنه قال : لما رأى إبراهيم ملكوت السموات ، رأى عَبْداً على فاحشة ، فدعا عليه فهلك ، ثم رأى آخر على فاحشة ، فدعا عليه فهلك ، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه ، قال الله تعالى : أنْزِلوا عبدي كي لا يهلك عبادي .

(2/50)


ويقال : إنه كان يقول : أنا أرحم الخلق . فلما رأى المعصية فدعا عليهم ، قال الله تعالى : أنا أرحم بعبادي منك ، اهبط لعلّهم يرجعون . ويقال إن نمرود بن كنعان قالت له كهنته : يولد في هذه السنة غلام ينازعك في ملكك ، فأمر بذبح كل غلام يولد في تلك السنة . ويقال : رأى في المنام ، أن كبشاً دخل عليه ، فنطح سريره بقرنه ، فسأل المعبِّرين فأخبروه ، أنه يولد غلام ينازعك في ملكك . فأمر بذبح كل غلام يولد . فحملت أم إبراهيم بإبراهيم ، ولم يتبيّن حملها ، ولم يعرف أحد أنها حامل ، حتى أخذها الطَّلْق فخرَّت إلى جبل من الجبال ، ودخلت في غار فولدت إبراهيم . وخرجت ووضعت صخرة على باب الغار . فجاءه جبريل عليه السلام ووضع إبهامه في فمه ، وكان يمصه ويخرج منه اللبن ، وكان يجعل سبّابته في فمه فيمصها ، ويخرج منها العسل . حتى كبر وأدرك في أيام قليلة . ويقال : إن أمه كانت تختلف إليه وترضعه حتى أرضعته سنتين ، وتحمل إليه الطعام حتى أدرك في المدة التي يدرك فيها الصبيان فخرج من الغار فنظر إلى السماء ، وإلى الأرض ، وإلى الجبال ، فتفكَر في نفسه ثم قال : إن لهذه الأشياء خالقاً خلقها . والذي خلق هذه الأشياء هو الذي خلقني فذلك قوله { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السماوات والارض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } وكان في ذلك التفكير إذا نظر إلى نجم يضيء وهو المشتري ، فرآه أضوَأ الكواكب . وقد علم أن الله تعالى أعلى الأشياء ولا يشبهه شيء من خلقه . ورأى الكواكب أعلى الأشياء وكان أحسنها .

(2/51)


فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبّى } وقال : هذا بغير فكرة . فكان ذلك منه زلة . ويقال : إنما قال ذلك على سبيل الاستفهام أهذا ربي؟ { فَلَمَّا أَفَلَ } يعني : غاب الكوكب { قَالَ لا أُحِبُّ الافلين } يعني : لا أحب ربنا يتغير عن حاله ويزول { فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغاً } يعني : طالعاً . ويقال : إن ذلك كان في وقت السحر ، وكان ذلك في آخر الشهر . فرأى كوكباً يعني : الزهرة ، حين طلعت ، وكان من أضوء الكواكب . فلما ارتفع وطلع الفجر نقص ضوءه { قَالَ لا أُحِبُّ الافلين } يعني : لا أحب ربنا يتغير . فلما رأى القمر فرأى ضوءه أكثر { قَالَ هذا رَبّى } على سبيل الاستفهام { فَلَمَّا أَفَلَ } يعني : نقص ضوءه حين أسفر الصبح { قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لاَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } يعني : لئن لم يحفظ ربي قلبي . لقد كنت اتخذت إلها ما لم يكن إلهاً { فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً } يعني : طالعة قد ملأت كل شيء ضوءاً ف { قَالَ هذا رَبّى هذا أَكْبَرُ } يعني : أعظم وأكثر نوراً { فَلَمَّا أَفَلَتْ } يعني : غربت . علم أنه ليس بإله . فجاءته أمه فقال لها : من ربي؟ قالت : أنا . قال : ومن ربك؟ قالت : أبوك . قال : ومن رب أبي؟ قالت : نمرود بن كنعان . قال : ومن ربه؟ قالت له : اسكت . فقال لها : كيف هو؟ هل يأكل ويشرب وينام؟ قالت : نعم . قال : هذا لا يصلح أن يكون ربًّا وإلها . فرجعت الأم إلى أب إبراهيم ، فأخبرته بالقصة فخرج إليه فسأله مثل ذلك . ثم قال له في آخره : تعال حتى تعبد الذي خلقني وخلقك وخلق نمرود . فغضب أبوه ، فرجع عنه ، ثم دخلت عليه رأفة الوالد لولده ، فرجع إليه . وقال له : ادخل المِصْر لتكون معنا ، فدخل فرأى القوم يعبدون الأصنام . فدعوه إلى عبادة الأصنام ف { قَالَ } لهم حينئذٍ : { قَالَ ياقوم إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } فقيل له من تَعْبُد أنت يا إبراهيم؟ فقال أعبد الله الذي خلقني وخلق السموات والأرض .
فذلك قوله : { إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ } يعني : أخلصت ديني وعملي { لِلَّذِى فَطَر السموات } يعني : خلق السموات { والارض حَنِيفاً } يقول : إني وجهت وجهي مخلصاً مستقيماً { وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين } على دينكم . ويقال : إن قوله { هذا رَبّى } قال ذلك لقومه على جهة الاستهزاء بهم . كما قال : { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْألُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } [ الأنبياء : 63 ] ويقال : أراد بهذا أن يستدرجهم فيظهر قبيح فعلهم ، وخطأ مذهبهم وجهلهم . لأنهم كانوا يعبدون النجوم والشمس ، والقمر . فلما رأى الكوكب قال لهم : { هذا رَبّى } . وأظهر لهم أنه يعبد ما يعبدون .

(2/52)


فلما غاب الكوكب قال لهم : { لا أُحِبُّ الافلين } فأخبرهم بأن الآفل لا يصلح أن يكون إلها . ثم قال في الشمس والقمر هكذا . كما روي عن عيسى عليه السلام أنه بعث رسولاً إلى ملك أرض . فلما انتهى إليهم ، جعل يسجد ويصلي عند الصنم ويريهم أنه يعبد الصنم ، وهو يريد عبادة الله تعالى . ثم إن الملك ظهر له عدو . فقالوا لهذا الرسول : أشر علينا بشيء في هذا الأمر . فقال : نتشفع إلى هذا الذي نعبده . فجعلوا يسجدون له ويتشفعون إليه ، فلا يسمعون منه جواباً . فقالوا : إنه لا ينفعنا شيئاً . قال لهم : لم تعبدون من لا يدفع عنا ضراً؟ ارجعوا حتى نعبد من ينفعنا . فقالوا لمن نعبد؟ قال : لرب السماء . فجعل يدعو ويدعون حتى فرّج ، الله عنهم . فآمن به بعضهم . وكذلك هاهنا أراد إبراهيم عليه السلام أن يريهم قبح ما يعبدون من دون الله ، لعلهم يرجعون فلما لم يرجعوا قال { قَالَ ياقوم إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } قرأ حمزة والكسائي { رَأَى كَوْكَباً } بكسر الراء والألف ، وهي لغة لبعض العرب والنصب أفصح .
قوله تعالى :

(2/53)


وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)

{ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } معناه : وحاجّه قومه في دين الله يعني خاصموه ف { قَالَ } لهم إبراهيم { أَتُحَاجُّونّى فِى الله } يعني : أتخاصموني في دين الله { وَقَدْ هَدَانَا } الله لدينه . قرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان { أَتُحَاجُّونّى } بتشديد الجيم وتخفيف النون . وقرأ الباقون بتشديد النون . لأن أصله { أتحاجونني } بنونين فأدغم أحدهما في الآخر . فقال : { قَالَ أَتُحَاجُّونّى } يعني : أتجادلوني في دين الله { وَقَدْ هَدَانِى } يعني : بيّن لي الطريق . وكانت خصومتهم أنهم حين سمعوه عاب آلهتهم فقالوا له : أما تخاف تخبلك فتهلك؟ فقال : إني لا أخاف ما لا يسمع ولا يبصر . وقال الكلبي ومقاتل : لما خوّفوه بذلك قال لهم : إنما تخافون أنتم إذ سوّيتم بين الذكر والأنثى ، والصغير والكبير . أما تخافون من الكبير إذ سويتموه بالصغير؟ وهذا قوله : { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } .
قوله تعالى : { إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً } فيضلني ، فأخاف منهم . ويقال : إلا أن يشاء ربي شيئاً يعني : ملأ علم ربي كل شيء علماً . يعني : يعلم السر والعلانية .
ثم قال : { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } يعني : أفلا تتعظون فتؤمنون به؟ قوله تعالى : { وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } يعني : من الأصنام { وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا } يقول : كتاباً وعذراً وحجة لكم فيه { فَأَىُّ الفريقين أَحَقُّ بالامن } من العذاب؟ الموحّد أم المشرك { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ذلك . ثم قال : { الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ } قال بعضهم : هذا قول الله تعالى لما حكى قول إبراهيم للنبي صلى الله عليه وسلم قال : على أثر ذلك { الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ } يعني : لم يخالطوا تصديقهم بالشرك ولم يعبدوا غيره . { أُوْلَئِكَ لَهُمُ الامن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } من الضلالة . وقال بعضهم : هذا كله قول إبراهيم لقومه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ وَأُعْطِيَ فَشَكَرَ وَظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ وَظُلِمَ فَغَفَرَ » قيل له : ما لهم يا رسول الله؟ قال : { أُوْلَئِكَ لَهُمُ الامن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } .
قال الفقيه : حدّثنا الخليل بن أحمد . قال : حدّثنا الماسرجي . قال : حدّثنا أبو كريب . قال : حدّثنا ابن إدريس عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود . قال : لما نزلت هذه الآية { الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ } شقّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا ترون إلى قول لقمان لابنه { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يابنى لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] » يعني : إن الظلم أراد به الشرك .
ثم قال { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ } يعني : أعطيناها إبراهيم على قومه . يعني : وفقناه للحجة يخاصم بها قومه { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } يعني : فضائل من نشاء في الدنيا بالحجة ، وفي الآخرة بالدرجات { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } في أمره { عَلِيمٌ } بخلقه من يصلح للنبوة . قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي { درجات } بالتنوين وقرأ الباقون { درجات } على معنى الإضافة .
ثم قال :

(2/54)


وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)

{ وَوَهَبْنَا لَهُ } يعني : لإبراهيم { إسحاق وَيَعْقُوبَ } قال الضحاك : ولدت سارة إسحاق ولها تسعة وتسعون سنة . ولإبراهيم مائة وعشرون سنة ثم ولد لإسحاق يعقوب { كُلاًّ هَدَيْنَا } يعني : إسحاق ويعقوب هديناهما بالنبوة والإسلام { وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ } يعني : هديناه للنبوة والإسلام من قبل إبراهيم { وَمِن ذُرّيَّتِهِ } قال الكلبي : يعني من ذرية نوح . وقال الضحاك : يعني من ذرية إبراهيم { دَاوُودُ } النبي عليه السلام { وسليمان } وهو ابن داود { وَأَيُّوبَ } وهو من ولد عيصو بن إسحاق { وَيُوسُفَ } وهو ابن يعقوب { وموسى وهارون وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } يعني : نعطيهم أفضل الثواب { وَزَكَرِيَّا } يعني : من ذرية إبراهيم زكريا { ويحيى وعيسى وَإِلْيَاسَ } قال الضحاك : كان إلياس من ولد إسماعيل .
وذكر عن القتبي أنه كان من سبط يوشع بن نون { كُلٌّ مّنَ الصالحين } يعني : من المرسلين { وإسماعيل } وهو من صلب إبراهيم عليه السلام { واليسع } قرأ حمزة والكسائي { واليسع } مشدداً . وقرأ الباقون { إسماعيل واليسع } بالتخفيف . فمن قرأ بالتشديد فالاسم منه ليسع ثم أدخلت الألف واللام للتعريف فصار الليسع . ومن قرأ بالتخفيف فالاسم منه يسع . ثم أدخلت الألف واللام للتعريف فصار اليسع . وكذا هذا الاختلاف في سورة { ص } وكان اليسع تلميذ إلياس وكان خليفته من بعده .
{ وَيُونُسَ } ابن متى { وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين } بالرسالة والنبوة في ذلك الزمان ثم ذكر آباءهم فقال : { وَمِنْ ءابَائِهِمْ وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم } يعني : وقد اصطفيناهم بالنبوة يعني : آدم ونوحاً وإدريس وهوداً وصالحاً عليهم السلام { وهديناهم إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو دين الإسلام { ذلك هُدَى الله } يعني : دين الله { يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } يعني : يكرم بدينه من يشاء من عباده { وَلَوْ أَشْرَكُواْ } يعني : هؤلاء النبيين { لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في الدنيا يعني : إنما فضلهم الله بالطاعة .
ثم قال : { أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم } يعني : العلم والفهم والفقه { والنبوة فَإِن يَكْفُرْ بِهَا } أي : الأنبياء { هَؤُلاء } يعني : أهل مكة { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا } يعني : ألزمنا بها { قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين } .
قال سعيد بن جبير هم الأنصار . ويقال { فَإِن يَكْفُرْ بِهَا } يعني : بآياتنا { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا } يعني : بالإيمان بها { قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين } يعني : الأنبياء الذين سبق ذكرهم . ويقال : الملائكة . وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة : { فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء } يعني : أمة محمد عليه السلام { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا } قوماً ليسوا بها كافرين . يعني : النبيين الذين قصّ الله عنهم .

(2/55)


ثم قال { أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله } يعني الأنبياء { فَبِهُدَاهُمُ } يعني : بسنتهم وتوحيدهم { اقتده } على دينهم استقم واعمل به . وفي هذه الآية دليل أن شرائع المتقدمين واجبة علينا ما لم يظهر نسخها إذا ثبت ذلك في الكتاب ، أو على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى أمرنا بأن نقتدي بهداهم ، واسم الهدى يقع على التوحيد والشرائع .
مثل قوله : { الم * ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 1 ، 2 ] والكتاب يشتمل على الشرائع وغيرها . قرأ حمزة والكسائي : { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } بالهاء في الوقف والوصل جميعاً وقرأ الباقون : بالهاء في الوصل والوقف جميعاً لأنها هاء الوقف .
مثل قوله : { كتابيه } و { حِسَابِيَهْ } ثم قال : { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } يعني : قل للمشركين لا أسألكم على الإيمان والقرآن جَعْلاً { إِنْ هُوَ } يعني : ما هو وهو القرآن { إِلاَّ ذكرى للعالمين } يعني : موعظة للعالمين الإنس والجن .
قوله تعالى :

(2/56)


وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)

{ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } يعني : ما عظّموا الله حق عظمته ، وما عرفوه حق معرفته . نزلت في مالك بن الضيف خاصمه عمر في النبي صلى الله عليه وسلم أنه مكتوب في التوراة . فغضب وقال : { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } وكان رئيس اليهود . فعزلته اليهود عن الرئاسة بهذه الكلمة . قال مقاتل : نزلت هذه الآية بالمدينة ، وسائر السور بمكة . ويقال : إن هذه السورة كلها مكية . وكان مالك بن الضيف خرج مع نفر إلى مكة معاندين ليسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء ، وقد كان اشتغل بالنعم ، وترك العبادة ، وسمن . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بمكة . فقال له رسول الله : « أَنْشدكَ الله أَتَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ الله يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِين » ؟ قال : نَعَمْ قال : « فَأَنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ فَقَدْ سَمِنْتَ مِنْ مَأْكَلَتِكَ » فضحك به القوم فخجل مالك بن الضيف وقال : ما أنزل الله على بشر من شيء فبلغ ذلك اليهود فأنكروا عليه . فقال : إنه قد أغضبني . فقالوا : كلما غضبت قلت بغير حق وتركت دينك؟ فأخذوا الرياسة منه وجعلوها إلى كعب بن الأشرف فنزلت هذه الآية { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } حيث جحدوا تنزيله { إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } يعني : على رسول من كتاب .
{ قُلْ } يا محمد { مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى } وهو التوراة { نُوراً } يعني : ضياء { وهدى } يعني : بياناً { لِلنَّاسِ } من الضلالة { تَجْعَلُونَهُ قراطيس } يقول : تكتبونه في الصحف { تُبْدُونَهَا } يقول : تظهرونها في الصحف { وَتُخْفُونَ كَثِيراً } يعني : تكتمون ما فيه صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وآية الرجم ، وتحريم الخمر .
{ وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ } يعني : علمتم أنتم وآباؤكم في التوراة ما لم تعلموا . ويقال : علمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم فإن أجابوك وإلا ف { قُلِ الله } أنزله على موسى { ثُمَّ ذَرْهُمْ } إن لم يصدقوك { فِى خَوْضِهِمْ } يعني : في باطلهم { يَلْعَبُونَ } يعني : يلهون ويفترون قرأ ابن كثير وأبو عمرو { وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } كل ذلك بالياء على لفظ المغايبة . وقرأ الباقون : بالتاء على معنى المخاطبة لأن ابتداء الكلام على المخاطبة .
ثم قال : { هذا كتابنا أنزلناه } يعني : القرآن أنزلناه على محمد صلى الله عليه وسلم { مُّبَارَكٌ } لمن عمل به لأن فيه مغفرة للذنوب . وقال الضحاك { مُّبَارَكٌ } يعني : القرآن لا يتلى على ذي عاهة إلا برىء ، ولا يتلى في بيت إلا وخرج منه الشيطان .

(2/57)


{ مُّصَدّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } يعني : هو مصدق الذي بين يديه من الكتب { وَلِيُنْذِرَ } قرأ عاصم في رواية أبي بكر { ولينذر } بالياء يعني : الكتاب . يعني : أنزلناه للإنذار والبركة . وقرأ الباقون : بالتاء يعني : لتنذر به يا محمد { وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى } يعني : أهل مكة وهي أصل القرى . وإنما سميت أم القرى لأن الأرض كلها دُحِيَتْ من تحت الكعبة . ويقال : لأنها مثلث قبلة للناس جميعاً . أي : يؤمونها . ويقال : سميت أم القرى لأنها أعظم القرى شأناً ومنزلة .
{ وَمَنْ حَوْلَهَا } يعني : قرى الأرض كلها .
ثم قال : { والذين يُؤْمِنُونَ بالاخرة } يعني : بالبعث { يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي : بالقرآن ومن هم في علم الله أنه سيؤمن { وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } بوضوئها وركوعها وسجودها ومواقيتها .
وقوله تعالى :

(2/58)


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } نزلت في مسيلمة الكذاب زعم أن الله تعالى أوحى إليه وهو قوله { وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله } يعني : عبد الله بن أبي سرح كان كاتب الوحي فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أملى عليه { سَمِيعاً عَلِيماً } يكتب عليماً حكيماً . وإذا أملى عليه عليماً حكيماً ، كتب هو سميعاً بصيراً وشكّ وقال : إن كان محمد صلى الله عليه وسلم يوحى إليه فقد أوحي إليّ ، وإن كان ينزل إليه فقد أنزل إليّ مثل ما أنزل إليه فلحق بالمشركين وكفر . وقال الضحاك : هو مسيلمة الكذاب كان يقول : بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى جسيم الأمور ، وبعثت إلى محقرات الأمور . ويقال هذا جواب لقولهم : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هاذآ إِنْ هاذآ إِلاَّ أساطير الأولين } [ الأنفال : 31 ] .
ثم قال : { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون } يعني : ولو تعلم إذ الكافرون { فِى غَمَرَاتِ الموت } أي : في نزعات الموت وسكراته . فحذف الجواب لأن في الكلام دليلاً عليه . ومعناه : لو رأيتهم في عذاب شديد .
ثم قال : { والملئكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } بالضرب . ويقولون : { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } يعني : أرواحكم الخبيثة قال الفقيه أبو جعفر . قال : حدّثنا أبو القاسم أحمد بن حسين . قال : حدّثنا محمد بن سلمة . قال : حدّثنا أبو أيوب عن القاسم بن الفضل الحداني عن قتادة عن أسامة بن زهير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بحَرِيرَةٍ فيها مِسْكٌ ، ومِنْ ضَبَايِرِ الرَّيْحَانِ ، وَتُسَلُّ رُوحُهُ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ ، ويقالُ لها : يا أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً وَمَرْضِيّاً عَنْكِ إلَى رُوحِ الله وَكَرَامَتِهِ ، فإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلَى ذلك المِسْكِ والرَّيْحَانِ وَطُوِيَتْ عَلَيْهِ الحَرِيرَةُ وَبُعِثَ بِهَا إلى علِّيِّينَ وَإِنَّ الكافِرَ إذَا حُضِرَ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِمِسْحٍ فِيهِ جَمْرَةٌ ، فَتُنْتَزَعُ رُوحُهُ انْتِزَاعاً شَدِيداً . ويقالُ لَهَا : أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ اخْرُجِي سَاخِطَةً وَمَسْخُوطَةً إلَى هَوَانِ الله وَعَذَابِهِ ، فإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلَى تِلْكَ الجَمْرَةِ وإنَّ لَهَا نَشِيجاً وَيُطْوَى عَلَيْهَا المِسْحُ ، وَيُذْهَبُ بِهَا إلى سِجِّين »
ثم قال الله تعالى : { اليوم تُجْزَوْنَ } يعني إذا بعثوا يوم القيامة يقال لهم : اليوم تجزون { عَذَابَ الهون } يعني : الهوان أي الشديد { بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله } في الدنيا { غَيْرَ الحق } بأن معه شريكاً { وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ } يعني : عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ، ولم تقرّوا به .
قوله تعالى : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى } يعني : في الآخرة { فرادى } لا ولد لكم ولا مال .

(2/59)


الفرادى جمع فرد ، يعني : ليس معكم من دنياكم شيء . { كَمَا خلقناكم } يعني : أعطيناكم من المال والولد { وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ } في الدنيا . { وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ } يعني : آلهتكم { الذين زَعَمْتُمْ } في الدنيا { أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء } يعني : قلتم لي شريك ولكم شفعاء عند الله .
{ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية حفص { بَيْنِكُمْ } بالنصب وقرأ الباقون { بَيْنِكُمْ } بالضم فمن قرأ بالضمّ جعل البَيْن اسماً ، يعني : تقطع وصْلُكم ومودتكم . ومن قرأ بالنصب فمعناه لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم ، فيصير نصباً بالظرف كما تقول : أصبحت بينكم أي فيما بينكم . { وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } يعني : اشتغل عنكم ما كنتم تعبدون وتزعمون أنها شفعاؤكم .
وقوله تعالى :

(2/60)


إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)

{ إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى } يعني : يشق الحبة اليابسة ، فيخرج منها ورقاً خضراً . ويقال : فالق الحب مثل البر والشعير والذرة والحبوب كلها ، والنوى كل ثمرة فيها نوى مثل الخوخ والمشمش والغيبر والإجاص { يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } ، وقد ذكرنا تأويله { ذَلِكُمُ الله } يعني : هذا الذي يفعل بكم هو الله تعالى : { فأنى تُؤْفَكُونَ } يعني : كيف تكفرون ومن أين تكذبون؟ فذكر عيب آلهتهم ، ثم دلّ على وحدانيته بصنعته .
ثم قال : { فَالِقُ الإصباح } يعني : خالق الإصباح والإصباح والصبح واحد ويقال الإصباح مصدر أصبح يصبح إصباحاً ، والصبح اسم وقال : فالق الإصباح يعني خالق النهار . { وَجَعَلَ اليل سَكَناً } قرأ أهل الكوفة حمزة والكسائي وعاصم { وَجَعَلَ اليل } على معنى الخبر وقرأ الباقون { جَاعِلِ * فَالِقُ الإصباح } على معنى الإضافة يعني : يسكن فيه الخلق .
ثم قال : { والشمس والقمر حُسْبَاناً } يعني : وجعل الشمس والقمر حسباً يعني : منازلها بالحساب لا يجاوزانه إذا انتهيا إلى أقصى منازلهما رجعا وهذا قول الكلبي . وقال مقاتل { حُسْبَاناً } يعني : يُعرف بها عدد السنين والحساب . وقال القتبي : { حُسْبَاناً } أي حساباً ، يقال : خذ كل شيء بحُسْبانه أي : بحسابه . وقال الكلبي : ويقال للشيء المعلق : حسباناً .
{ ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم } يقول : هذا فعل العزيز في ملكه العليم بخلقه لا فعل لأصنامكم فيه .
ثم قال :

(2/61)


وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)

{ وَهُوَ الَّذي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا } يعني : لتعرفوا الطريق . { فِى ظلمات البر والبحر } يعني : لتهتدوا بالكواكب في اللَّيالي وتعرفوا بها قبلتكم . { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات } يعني : بينَّا العلامات لوحدانية الله تعالى . { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } وإنما أضاف إلى أهل العلم ، لأنهم هم الذين ينتفعون به ، فكأنه بيِّن لهم . ويقال لقوم يعلمون يعني : يصدقون أنه من الله تعالى .
ثم قال : { وَهُوَ الذى أَنشَأَكُم } يعني : خلقكم { مّن نَّفْسٍ واحدة } وهو آدم . { فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } يعني : في الرحم ومستودع في الصلب . ويقال : مستقر في الصلب ومستودع في الرحم . ويقال : مستقر في الدنيا ومستودع في القبر . قرأ ابن كثير وأبو عمرو { فَمُسْتَقَرٌّ } بكسر القاف ، وقرأ الباقون بالنصب . فمن قرأ بالنصب فمعناه فلكم مستقر ولكم مستودع يعني : موضع قرار وموضع إيداع ومن قرأ بالكسر فعلى معنى الفاعل يقال قَرّ الشيء واستقر بمعنى واحد يعني كنتم مستقرين { قَدْ فَصَّلْنَا الايات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } يعني : بيّنا الآيات لمن له عقل وذهن .
قوله تعالى :

(2/62)


وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)

{ وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } يعني : ماء المطر { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } يعني : بالمطر { نَبَاتَ كُلّ شَىْء } يعني : معاشاً للخلق من الثمار والحبوب وغير ذلك . { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } خَضِرَ واخْضَرّ بمعنى واحد ، الأخضر يعني : النبات الأخضر ، وهو أول ما يخرج .
ثم قال : { نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً } يعني : السنبلة قد ركب بعضها بعضاً . { وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا } يعني : أخرجنا بالماء من النخل من طلعها يعني : من عذوقها وثمرها . { قنوان دَانِيَةٌ } يعني : عُذوقاً متدانية قريبة ينالها القائم والقاعد . { وجنات مّنْ أعناب } يعني : يخرج بالماء . قرأ الأعمش { وجنات } بالضم عطفها على قوله : { قنوان دَانِيَةٌ } ، وقرأ العامة بالكسر ومعناه وأخرجنا من أعناب . { والزيتون } يعني : أخرجنا منه شجر الزيتون . { والرمان متشابها } في المنظر ، { وَغَيْرَ متشابه } في الطعم يعني : بعضها حلو وبعضها حامض . { انظروا إلى ثَمَرِهِ } قرأ حمزة والكسائي { انظروا إلى ثَمَرِهِ } ، بضم الثاء والميم ، وقرأ الباقون بالنصب ، وكذلك ما بعده . فمن قرأ بالنصب فهو اسم الثمرة ، وإنما أراد به الجنس ومن قرأ بالضم فهو جمع الثمار . { إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } يعني : ونضجه يعني : انظروا إلى نضجه واعتبروا به ، واعلموا أن له خالقاً فهو قادر على أن يحييكم بعد الموت ، كما أخرج من الأرض اليابسة النبات الأخضر ومن الشجرة الثمار . { إِنَّ فِى ذلكم لايات } يعني : في اختلاف ألوانه لعلامات { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يعني : يصدقون ويرغبون في الحق .
قوله تعالى :

(2/63)


وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)

{ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } يعني : وضعوا لله شركاء . وقال مقاتل : وذلك أن بني جهينة قالوا : إن صنفاً من الملائكة يقال لهم الجن بنات الرحمن وذلك قوله : { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } . وقال الكلبي : وجعلوا الجن شركاء لله نزلت هذه الآية في الزنادقة ، قالوا : إن الله تعالى وإبليس لعنه الله ولعنهم أخوان . قالوا : إن الله تعالى خالق الناس والدواب ، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب كقوله : { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } [ الصافات : 158 ] قال الزجاج : معناه أطاعوا الجن فيما سوّلت لهم من شركهم ، فجعلوهم شركاء الله وهذا قريب مما قاله الكلبي . ثم قال : { وَخَلَقَهُمْ } يعني : جعلوا لله الذي خلقهم شركاء ، ويقال : وخلقهم يعني خلق الجن ، ويقال : وخلقهم يعني : الذين تكلموا به { وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ } يعني : وصفوا له بنين وبنات . { بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني : بلا علم يعلمونه ، ويقال بلا حجة وبيان . وروى عبد الله بن موسى عن جويرية قال : سمعت رجلاً سأل الحسن عن قوله : { وَخَرَقُواْ لَهُ } قال : كلمة عربية كانت العرب تقولها ، كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول بعض القوم : خرقها . ثم نزّه نفسه فقال : { سبحانه } يعني : تنزيهاً له . { وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ } يعني : هو أعلى وأجل مما يصف الكفار بأن له ولداً . قرأ نافع { وَخَرَقُواْ } بالتشديد على معنى المبالغة .
قوله تعالى : { بَدِيعُ السموات والارض } يعني : خالق السموات والأرض يعني مبدعهما ، وهو أن يبتدىء شيئاً لم يكن يعني ابتدعهما ولم يكونا شيئاً . { أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } قال القتبي : { إِنّى } على وجهين يكون بمعنى كيف كقوله { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لاًّنفُسِكُمْ واتقوا الله واعلموا أَنَّكُم ملاقوه وَبَشِّرِ المؤمنين } [ البقرة : 223 ] وكقوله : { أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا قَالَ أنى يُحْىِ هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانظر إلى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ البقرة : 259 ] ، ويكون بمعنى من أين كقوله : { ياأيها الذين ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِى سَبِيلِ الله اثاقلتم إِلَى الارض أَرَضِيتُم بالحياة الدنيا مِنَ الاخرة فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا فِى الاخرة إِلاَّ قَلِيلٌ } [ التوبة : 38 ] وكقوله : { أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } { وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة } يعني : زوجة . { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } يعني : الملائكة وعيسى وغيرهم وهم خلقه وعبيده .

(2/64)


{ وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } مما خلق .
ثم قال : { ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ } يعني : الذي فعل هذا فهو ربكم { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } يعني : لا خالق غيره . { خالق كُلّ شَىْء فاعبدوه } يعني : وحّدوه وأطيعوه . { وَهُوَ على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } يعني : كفيل بأرزاقهم ، ويقال وكيل يعني : حفيظ .
ثم عظّم نفسه فقال : { لاَّ تُدْرِكُهُ الابصار } قال مقاتل : يعني لا يراه الخلق في الدنيا . وروى الشعبي عن مسروق قال قلت لعائشة هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ فقالت : لقد اقْشَعَرَّ قلبي مما قلت أين أنت من ثلاثة من حدثك بهن فقد كذّب : من حدثك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب ثم قرأت { لاَّ تُدْرِكُهُ الابصار وَهُوَ يُدْرِكُ الابصار } ومن حدثك أنه قد علم ما في غد فقد كذب ، ثم قرأت : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزِّلُ الغيث وَيَعْلَمُ مَا فِى الارحام وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلَيمٌ خَبِيرٌ } [ لقمان : 34 ] ومن حدثك أنه كتم شيئاً من الوحي فقد كذب . ثم قرأت { يَأَيُّهَا الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين } [ المائدة : 67 ] .
ثم قال : { وَهُوَ يُدْرِكُ الابصار } يعني : لا يخفى عليه شيء ولا يفوته . قال الزجاج : في هذه الآية دليل أن الخلق لا يدركون الأبصار أي لا يعرفون كيف حقيقة البصر ، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه فاعلم أنهم لا يحيطون بعلمه فكيف به .
ثم قال : { وَهُوَ اللطيف الخبير } بخلقه وبأعمالهم وقال أبو العالية لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه أبصار المؤمنين في الآخرة . قوله تعالى :

(2/65)


قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)

{ قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } يعني بياناً من ربكم وهو القرآن الذي فيه البيان { فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ } يقول : من صدق بالقرآن وآمن به فثوابه لنفسه ، { وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } يعني : من لم يصدق بالقرآن ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فعليها جزاء العذاب { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } يعني : بمسلط وهذا قبل أن يؤمر بالقتال .
ثم قال : { وكذلك نُصَرّفُ الايات } يعني : نبين لهم الآيات في القرآن في كل وجه . { وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو { دَارَسْتَ } يعني : ذاكرت أهل الكتاب وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي { الايات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } يعني : قرأت الكتب . ويقال : تعلمت من جبر ويسار وكانا غلامين بمكة عبرانيين فقال أهل مكة : إنما يتعلم منهما وقرأ ابن عامر { دَرَسْتَ } بنصب الراء والسين يعني : هذا شيء قديم قد خلفت وقرأ بعضهم { دَرَسْتَ } أي قرئت . وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ { لّيَقُولواْ } بغير واو { درس } بغير تاء يعني : لكي يقولوا دَرَسَ النبي صلى الله عليه وسلم . وكان نزول هذه الآيات سبباً لقولهم هذا ، فأضاف قولهم إلى الآيات . ثم قال { دَرَسْتَ وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يعني : أصحاب محمد عليه السلام .
ثم قال :

(2/66)


اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)

{ اتبع مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } يعني : اعمل بما أنزل إليك من ربك من أمره ونهيه حين دعي إلى ملة آبائه . ثم قال { لا إله إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } يعني : اتركهم على ضلالتهم . ثم قال { وَلَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكُواْ } يقول : ولو شاء الله لجعلهم مؤمنين . ويقال : لو شاء لأنزل عليهم آية يؤمنوا بها لو شاء لاستأصلهم فقطع سبب شركهم . { وَمَا جعلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } يعني : أن لم يوحّدوا { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } يعني : بمسلط وقوله تعالى : { وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كان يذكرون الأصنام بسوء ويذكرون عيبهم ، فقال المشركون : لتنتهين عن شتم آلهتنا ، أو لنسبنّ ربك . فنهى الله تعالى المؤمنين عن شتم آلهتهم عندهم لأنهم جهلة . { فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً } يعني : اعتداءً { بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني : بلا علم منهم ويقال : { عَدُوّا } يعني : ظلماً صار نصباً بالمصدر ، وفي الآية دليل أن الإنسان إذا أراد أن يأمر بالمعروف فيقع المأمور به في أمر هو شر مما هو فيه من الضرب أو الشتم أو القتل ، ينبغي أن لا يأمره ويتركه على ما هو فيه . ثم قال : { كَذَلِكَ زَيَّنَّا } يقول : هكذا زينا { لِكُلّ أُمَّةٍ } يعني : لكل أهل دين عملهم يعني : ضلالتهم في الدنيا عقوبة ومجازاة لهم { ثُمَّ إلى رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ } في الآخرة { فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعني : فيجازيهم بذلك . قوله تعالى :

(2/67)


وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)

{ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } وكان أهل الجاهلية يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك ، وكانوا يحلفون بالله تعالى ، وكان يسمونه جهد اليمين إذا كانت اليمين بالله ، ولما نزل قوله تعالى { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء ءَايَةً فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين } [ الشعراء : 4 ] الآية قالوا : أنْزِلها فوالله لنؤمنن بك . وقال المسلمون : أنْزِلها لكي يؤمنوا فنزل { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } يقول : حلفوا بالله { لَئِن جَاءتْهُمْ ءايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا } قال الله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا الايات عِندَ الله } إن شاء أنزلها وإن شاء لم ينزلها .
ثم قال : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا } يقول : وما يدريكم أنها { إِذَا جَاءتْ } يعني : الآية { لاَ يُؤْمِنُونَ } وقال مقاتل : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } يا أهل مكة أنها إذا جاءتكم لا تؤمنون . وقال الكلبي { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } . أيها المؤمنون أنها إذا جاءت لا يؤمنون . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر { أَنَّهَا } بالكسر على معنى الابتداء وإنما يتم الكلام عند قوله { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } ثم ابتدأ فقال : { أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } . ويشهد لهذا قراءة عبد الله بن مسعود { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } . وقرأ الباقون { أَنَّهَا } بالنصب على معنى البناء ويشهد لها قراءة أُبي وما يشعركم لعلها إذا جاءت . وقرأ ابن عامر وحمزة { لاَ تُؤْمِنُونَ } بالتاء على معنى المخاطبة ، وهذه القراءة توافق لقول مقاتل .
ثم قال :

(2/68)


وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)

{ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم } يعني : نترك قلوبهم وأبصارهم مغلقة كما هي ولا أوفقهم . { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } قبل نزول الآيات ويقال عند انشقاق القمر : لما لم يعتبروا به ولم يؤمنوا فعاقبهم الله تعالى وختم على قلوبهم فثبتوا على كفرهم . { وَنَذَرُهُمْ } يقول : وندعهم { فِي طغيانهم } يعني : في ضلالتهم { يَعْمَهُونَ } يعني : يترددون ويتحيرون فيه . ويقال : { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } يعني : كما لم يؤمن به أوائلهم من الأمم الخالية لما سألوا الآية من أنبيائهم قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة } هذا جواب لقولهم : { وَقَالُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الامر ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } [ الأنعام : 8 ] { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ يَقُولُ ياليتنى اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً } [ الفرقان : 27 ] قال الله تعالى . ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة كما سألوا حتى يشهدوا بأنك رسول الله { وَكَلَّمَهُمُ الموتى } بأنك رسول الله { وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً } قرأ نافع وابن عامر { قُبُلاً } بكسر القاف ونصب الباء . وقرأ الباقون بالضم ، فمن قرأ بالضم فمعناه جماعة القبيل . والقبيل الكفيل . ويقال قبلاً : أي أصنافاً من الآدميين ومن الملائكة ومن الوحش . ومن قرأ { قُبُلاً } بالكسر معناه : وحشرنا عليهم كل شيء معاينة فعاينوه . { مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } وهذا إعلام للنبي صلى الله عليه وسلم بأنهم لا يؤمنون كما أعلم نوحاً عليه السلام { وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءَامَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } [ هود : 36 ] .
ثم قال : { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } يعني : إلا من هو أهل لذلك فيوفقه الله تعالى . ويقال : { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } يقول : قد شاء الله أن لا يؤمنوا حيث خذلهم ولم يوفقهم . { ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } عن ذلك ويقال : أكثرهم يجهلون الحق أنه من الله تعالى . ويقال : يجهلون ما في العلامة من وجوب هلاكهم بعد العلامة إن لم يؤمنوا . قوله تعالى :

(2/69)


وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)

{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } يعني : أعداء ومعنى ذلك كما جعلنا لك ولأمتك أعداء مثل أبي جهل وأصحابه كذلك جعلنا لكل نبي عدواً { شياطين الإنس والجن } قال مقاتل وذلك أن إبليس وكل شياطين الإنس وشياطين الجن يضلونهم فإذا التقى شيطان الجن مع شيطان الإنس قال أحدهما للآخر : إني أضللت صاحبي بكذا وكذا فأضْلِلْ أنت صاحبك بكذا وكذا . فذلك قوله : { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ } يعني : يكلم بعضهم بعضاً بالإضلال . وقال عكرمة : للجن شياطين مثل شياطين الإنس . وروي عن الزبير بن العوام أنّ جنياً شكا إليه ما لقي من الشيطان ، فعلمه دعاء ليخلص منه فدعا به ، ووجه آخر شياطين الإنس والجن يعني : الشياطين من الإنس والشياطين من الجن ، لأن كل عات متمرد فهو شيطان . وروي عن أبي ذر الغفاري أنه قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فأمرني أن أصلي ركعتين فصليت ثم جلست عنده قال : « يا أَبَا ذَرَ تَعَوَّذْ بِالله مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَشَيَاطِينَ الجِنِّ » فقلت يا رسول الله أوَ من الإنس شياطين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم « أوَ مَا تَقْرَأ قَوْلَهُ { شياطين الإنس والجن } ؟ » وكذلك هذان القولان من قوله تعالى { الذى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ الناس * مِنَ الجنة والناس } [ الناس : 5 ، 6 ] ثم قال { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ } يعن يوسوس بعضهم بعضاً . { زُخْرُفَ القول غُرُوراً } يعني : ما زين منه وحسن وموه يعني : يزين القول باطلاً ، يغرهم بذلك . وأصل الزخرف الذهب . وسمى الزينة زخرفاً لأن أصل الزينة من الذهب يعني : يزين لبعض الأعمال .
ثم قال : { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } يعني : لو شاء ربك لمنعهم من الوسوسة ، ولكن الله يمتحن بما يعلم أنه أبلغ في الحكمة وأجزل في الثواب { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } يعني : خلّ عنهم وما يكذبون من القول والغرور .
ثم قال : { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ } يقول : ولتميل إلى ذلك الزخرف والغرور . { أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } إلى هذه الزينة والغرور { وَلِيَرْضَوْهُ } يقول : لكي يقبلوا من الشياطين الزينة والغرور { وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } يعني : ليكسبوا ما هم مكتسبون من المعاصي وليعملوا ما هم عاملون . وقرأ بعضهم { وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ } بجزم اللام على معنى الأمر ، والمراد به التهديد كقوله { إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ فى ءاياتنا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يلقى فِى النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتى ءَامِناً يَوْمَ القيامة اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ فصلت : 40 ] والقراءة المعروفة بكسر اللام ، والمراد به التهديد ، ومعناه : اتركهم ليعلموا ما هم عاملون .
وقوله تعالى :

(2/70)


أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)

{ أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً } يعني : أعْبُدُ غير الله؟ ويقال : أأطلب القضاء من غير الله؟ { وَهُوَ الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب مُفَصَّلاً } يعني : مبيناً فيه أمره ونهيه بلغة يعرفونها . ويقال : مفرقاً سورة سورة وآية آية . { والذين ءاتيناهم الكتاب } يعني : مؤمني أهل الكتاب { يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بالحق } يعني : القرآن منزل من الله بالعدل . قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص { مُنَزَّلٌ } بتشديد الزاي ، وقرأ الباقون بالتخفيف .
ثم قال : { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } يعني : الشاكين في أنه الحق وأنه من الله تعالى . خاطبه بذلك وأراد به غيره من المؤمنين لكي لا يشكوا فيه .
قوله تعالى : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } يقول وجب قول ربك بأنه ناصر محمد صلى الله عليه وسلم وأن عاقبة الأمر به { صِدْقاً وَعَدْلاً } يعني : { صِدْقاً } فيما وعد الله له من النصرة { وَعَدْلاً } فيما حكم به { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } يقول : لا مغيّر لوعده كقوله { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءَامَنُواْ فِى الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الاشهاد } [ غافر : 51 ] ويقال : { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } يعني : لا ينقض بعضها بعضاً ولا يشبه كلام البشر . وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً } قال : « هُوَ قَوْلُ لاَ إله إِلاَّ الله » { وَهُوَ السميع العليم } { السميع } بما سألوا { العليم } بهم .
ثم قال : { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الارض } يعني : أهل أرض مكة فيما يدعونه إلى ملة آبائه . ويقال : وإن تطع أكثر من في الأرض يعني : الكفار لأن أكثر من في الأرض كانوا الكفار . { يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } يعني : يصرفوك عن دين الإسلام { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } يعني : أن أكثرهم يتبعون أكابرهم بالظن ، ويتبعونهم فيما لا يعلمون أنهم على الحق فإن قيل : كيف يعذبون وهم ظانون على غير يقين؟ قيل لهم : لأنهم اقتصروا على الظن والجهل ، لأنهم اتبعوا أهواءهم ولم يتفكروا في طلب الحق . ويقال : { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } يعني في أكل الميتة واستحلالها { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يعني : ما هم إلا كاذبون باستحلالهم الميتة ، لأنهم كانوا يقولون : ما قتل الله فهو أولى بالحل وبأكله مما نذبحه بأيدينا . { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ } يعني : عن دينه وعن شرائع الإسلام . { وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } لدينه قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } وقرأ الباقون { كلمات } بلفظ الجماعة .
قوله تعالى :

(2/71)


فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)

{ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } من الذبائح { إِن كُنتُم بآياته مُؤْمِنِينَ } يعني : مصدقين . فقد بيّن الله تعالى أنه لا يجوز أكل الميتة وإنما يحل أكله إذا ذُبح وذُكر اسْمُ الله عليه .
ثم قال : { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } مما ذبح وذكر اسم الله عليه { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم } يعني : بيّن لكم تحريمه في سورة المائدة وغيره من { مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } يعني : الميتة وغيرها { إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ } يقول : ما اجتهدتم إلى أكل الميتة عند الجوع . قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو { فَصَّلَ لَكُم } بضم الفاء { مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } بضم الحاء على معنى فعل ما لم يسم فاعله وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر { وَقَدْ فَصَّلَ } بالنصب { وَمَا حَرَّمَ } بالضم وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص كلاهما بالنصب يعني : بيّن الله لكم ما حرم عليكم .
ثم قال : { وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ } يقول : يدعون إلى أكل الميتة بغير علم { إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين } من الحلال إلى الحرام .
قوله تعالى :

(2/72)


وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)

{ وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ } يعني : زنى السر والعلانية لأن أهل الجاهلية كانوا يحرمون الزنى في العلانية ، ولا يرون به بأساً في السر . فأخبر الله تعالى أن الزنى حرام في السر والعلانية . ويقال : ظاهر الإثم وهو الزنى وباطنه القُبْلة واللَّمس والنظر . وقال الضحاك { ظاهر الإثم } الزنى وباطنه نكاح الأمهات والأخوات وقال قتادة : { ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ } يعني : قليله وكثيره . ويقال : ظاهره ارتكاب المعاصي ، وباطنه ترك الفرائض . ويقال : باطنه الرياء في الأعمال . ويقال : الكفر ويقال : جميع المعاصي . { إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم } يقول : يعملون الفواحش ويتكلمون بها { سَيُجْزَوْنَ بِمَا يَقْتَرِفُونَ } سيعاقبون بما كانوا يكسبون من الإثم . قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي : وإن كثيراً ليُضلون بأهوائهم بضم الياء يعني : يضلون الناس . وقرأ الباقون { لَّيُضِلُّونَ } بنصب الياء يعني يَضلون بأنفسهم .
قوله تعالى : { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } يعني : ما لم يُذَك ولم يذبح أو ذبح بغير اسم الله { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } يعني : أكله معصية واستحلاله كفر . { وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ } يعني : يوسوسون إلى أوليائهم من المشركين { ليجادلوكم } يقول : ليخاصموكم في أكل الميتة . وهو قولهم : ما قتله الله فهو أولى أن يؤكل . وروي عن عبد الله بن الزبير أنه قيل له : إن المختار يقول : يوحى إليّ فقال ، صَدَق { وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ } .
قال الفقيه قال : حدّثنا أبو الفضل بن أبي حفص قال : حدّثنا أبو جعفر الطحاوي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال قال المشركون للمسلمين : ما قتل ربكم ومات فلا تأكلوه وما قتلتم أنتم وذبحتم فتأكلوه فأوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } . . . إلى قوله : { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } يعني : في أكل الميتة واستحلاله { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } مثلهم ففي الآية دليل أن من استحل شيئاً مما حرم الله تعالى صار مشركاً .
ثم قال :

(2/73)


أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)

{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه } يعني من كان ضالاً كافراً فهديناه إلى الإسلام والتوحيد { وجعلنا له نوراً يمشي في الناس } يعني : أكرمناه بالمعرفة . ويقال : جعلنا له إيماناً يهتدي به سبيل الخيرات ، والنجاة يمشي به في الناس يعني : مع المؤمنين . ويقال : أعطيناه نوراً يوم القيامة يمشي به على الصراط مع المؤمنين . لا يكن حاله { كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات } يعني : كمن قدر عليه الكفر ونزل في الكفر مخذولاً { لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } يعني : ليس براجع منها . يعني : ليسا بسواء . قال الكلبي : نزلت في عمار بن ياسر يعني ليس حاله بحال الكفار . وقال مقاتل : يعني به النبي صلى الله عليه وسلم ليس مثل أبي جهل بن هشام الذي بقي في الكفر . ويقال : يعني جميع المؤمنين ليس حالهم كحال الكفار . قرأ نافع { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا } بالتشديد ، وقرأ الباقون بالتخفيف ، ومعناهما واحد .
ثم قال : { كَذَلِكَ زُيّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعني : هكذا نعاقب من اختار الكفر على الإيمان فنختم على قلبه مجازاة لكفره .
ثم قال : { وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا } يعني جعلنا مجرميها أكابرها وجبابرتها كما جعلنا في أهل مكة وهذا معطوف على ما قبله أي مثل ذلك جعلنا في كل قرية كما زين للكافرين { لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } يعني : ليتكبروا فيها ويكذبوا رسلهم { وَمَا يَمْكُرُونَ } يعني : وما يصنعون ذلك { إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } يعني : إلا على أنفسهم { وَمَا يَشْعُرُونَ } أن ذلك على أنفسهم .
قوله تعالى :
{ وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَةٌ } يعني : الأكابر الذين سبق ذكرهم . ويقال : كفار مكة إذا جاءتهم علامة مثل انشقاق القمر وغيره { قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ } يعني : لن نصدقك ولن نؤمن بالآية { حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ } أي مثل ما أعطي { رُسُلُ الله } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم من الآيات والعلامات . ويقال : لم نصدقك حتى يوحى إلينا كما أوحي إلى الرسل ، وذلك أن الوليد بن المغيرة وأبا مسعود الثقفي قالا : لو أراد الله تعالى أن ينزل الوحي لأنزل علينا . قال بعضهم : أرادوا به محمداً صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم : أرادوا به جميع الرسل فقال الله تعالى : { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } ومن يصلح للنبوة ومن لا يصلح فخصّ بها محمداً صلى الله عليه وسلم { سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ } يعني : أشركوا { صَغَارٌ عِندَ الله } يعني : مَذَلَّة وهوان عند الله أي من عند الله العذاب بالمستهزئين { وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ } يعني : يكذبون بالرسل قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص { حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } بلفظ الوحدان وقرأ الباقون { ***رسالاته } بلفظ الجماعة .

(2/74)


قوله تعالى : { يَمْكُرُونَ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ } يعني : من يرد الله أن يوفقه للإسلام ويهديه لدينه { يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام } يقول يوسع قلبه ويلينه لقبول الإسلام ، ويدخل فيه نور الإسلام وحلاوته . وقال القتبي : { يَشْرَحْ صَدْرَهُ } يعني : يفتحه .
قال الفقيه : قال : حدّثنا الخليل بن أحمد حدّثنا الديبلي قال : حدّثنا أبو عبيد الله عن سفيان عن خالد بن أبي كريمة عن عبد الله بن المسور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما نزلت هذه الآية { فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام } قالوا : يا رسول الله : فكيف ذلك؟ إذا دخل النور في القلب انشرح وانفسح قالوا : وهل لذلك من علامة يعرف به؟ قال : « نَعَمْ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ وَالإنَابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ وَالاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ »
ثم قال تعالى : { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ } عن الإسلام فلا يقبله ويتركه بغير نور { يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً } عن الإسلام يعني : غير موسع { حَرَجاً } يعني : شاكاً . وقال ابن عباس : كالشجرة الملتفة بعضها في بعض لا يجد النور منفذاً ومجازاً قرأ ابن كثير { ضَيّقاً } بتخفيف الياء وجزمها . وقرأ الباقون بالتشديد . وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر { حَرَجاً } بكسر الراء . وقرأ الباقون بالنصب . فمن قرأ بالنصب فهو المصدر . ومن قرأ بالكسر فهو النعت .
ثم قال : { كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السماء } يعني : مثله كمثل الذي يتكلف الصعود إلى السماء وهو لا يستطيع ، فكذلك قلب الكافر لا يستطيع قبول الإسلام . قرأ ابن كثير { يَصْعَدُ } بجزم الصاد ونصب العين بغير تشديد من صَعَد يَصْعَد . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر { يَصَّاعد } بالألف مع تشديد الصاد وتخفيف العين لأن أصله يتصاعد فأدغم التاء في الصاد . وقرأ الباقون : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ } بتشديد الصاد والعين بغير ألف لأن أصله يتصعد فأدغم التاء في الصاد ثم قال : { كذلك يَجْعَلُ الله الرجس } يعني : العذاب { عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } بترك حلاوة الإيمان على الذين لا يرغبون في الإيمان ويقال الرجس في اللغة : هو اللعنة والعذاب .
قوله تعالى :

(2/75)


وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125)

{ وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَةٌ } يعني : الأكابر الذين سبق ذكرهم . ويقال : كفار مكة إذا جاءتهم علامة مثل انشقاق القمر وغيره { قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ } يعني : لن نصدقك ولن نؤمن بالآية { حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ } أي مثل ما أعطي { رُسُلُ الله } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم من الآيات والعلامات . ويقال : لم نصدقك حتى يوحى إلينا كما أوحي إلى الرسل ، وذلك أن الوليد بن المغيرة وأبا مسعود الثقفي قالا : لو أراد الله تعالى أن ينزل الوحي لأنزل علينا . قال بعضهم : أرادوا به محمداً صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم : أرادوا به جميع الرسل فقال الله تعالى : { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } ومن يصلح للنبوة ومن لا يصلح فخصّ بها محمداً صلى الله عليه وسلم { سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ } يعني : أشركوا { صَغَارٌ عِندَ الله } يعني : مَذَلَّة وهوان عند الله أي من عند الله العذاب بالمستهزئين { وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ } يعني : يكذبون بالرسل قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص { حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } بلفظ الوحدان وقرأ الباقون { ***رسالاته } بلفظ الجماعة .
قوله تعالى : { يَمْكُرُونَ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ } يعني : من يرد الله أن يوفقه للإسلام ويهديه لدينه { يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام } يقول يوسع قلبه ويلينه لقبول الإسلام ، ويدخل فيه نور الإسلام وحلاوته . وقال القتبي : { يَشْرَحْ صَدْرَهُ } يعني : يفتحه .
قال الفقيه : قال : حدّثنا الخليل بن أحمد حدّثنا الديبلي قال : حدّثنا أبو عبيد الله عن سفيان عن خالد بن أبي كريمة عن عبد الله بن المسور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما نزلت هذه الآية { فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام } قالوا : يا رسول الله : فكيف ذلك؟ إذا دخل النور في القلب انشرح وانفسح قالوا : وهل لذلك من علامة يعرف به؟ قال : « نَعَمْ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ وَالإنَابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ وَالاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ »
ثم قال تعالى : { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ } عن الإسلام فلا يقبله ويتركه بغير نور { يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً } عن الإسلام يعني : غير موسع { حَرَجاً } يعني : شاكاً . وقال ابن عباس : كالشجرة الملتفة بعضها في بعض لا يجد النور منفذاً ومجازاً قرأ ابن كثير { ضَيّقاً } بتخفيف الياء وجزمها . وقرأ الباقون بالتشديد . وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر { حَرَجاً } بكسر الراء . وقرأ الباقون بالنصب . فمن قرأ بالنصب فهو المصدر . ومن قرأ بالكسر فهو النعت .
ثم قال : { كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السماء } يعني : مثله كمثل الذي يتكلف الصعود إلى السماء وهو لا يستطيع ، فكذلك قلب الكافر لا يستطيع قبول الإسلام . قرأ ابن كثير { يَصْعَدُ } بجزم الصاد ونصب العين بغير تشديد من صَعَد يَصْعَد . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر { يَصَّاعد } بالألف مع تشديد الصاد وتخفيف العين لأن أصله يتصاعد فأدغم التاء في الصاد . وقرأ الباقون : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ } بتشديد الصاد والعين بغير ألف لأن أصله يتصعد فأدغم التاء في الصاد ثم قال : { كذلك يَجْعَلُ الله الرجس } يعني : العذاب { عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } بترك حلاوة الإيمان على الذين لا يرغبون في الإيمان ويقال الرجس في اللغة : هو اللعنة والعذاب .
قوله تعالى :

(2/76)