صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
وفي هذه الآية دليل أن السلام سنة ، والرد واجب لأن الله تعالى أمر بالرد ، والأمر من الله تعالى واجب ويقال : { وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } يعني إذا أهدي إليكم بهدية ، فكافئوا بأفضل منها أو مثلها . وهذا التأويل ذكر عن أبي حنيفة . (1/407)
ثم قال تعالى : { إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء حَسِيباً } أي مجازياً .
قوله تعالى : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } نزلت في شأن الذين شكوا في البعث ، فأقسم الله تعالى بنفسه { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } وهذه لام القسم ، وكل لام بعدها نون مشددة فهي لام القسم . وقوله : { إلى يَوْمِ القيامة } قال بعضهم : إلى صلة في الكلام ، معناه ليجمعنكم يوم القيامة . ويقال : ليجمعنكم في الموت وفي قبوركم إلى يوم القيامة ، ثم يبعثكم { لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي لا شك فيه ، وهو البعث . يعني : لا شك فيه عند المؤمنين ، ويقال : يعني لا ينبغي أن يشك فيه . ثم قال تعالى : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً } أي من أوفى من الله قولاً وعهداً . قرأ حمزة والكسائي : ( ومن أزدق ) بالزاي . وقرأ الباقون : { أَصْدَقُ } وأصله الصاد ، إلا أنه لقرب مخرجيهما يجعل مكانه زاي .
قوله تعالى :
فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)
{ فَمَا لَكُمْ فِى المنافقين فِئَتَيْنِ } نزلت في تسعة نفر ارتدوا عن الإسلام ، فخرجوا من أموالهم . ويقال : كان قوم من المنافقين بمكة ، خرجوا إلى الشام ، فاختلف المسلمون في أمرهم ، فبيّن الله تعالى للمسلمين نفاقهم ، فقال تعالى : { فَمَا لَكُمْ فِى المنافقين } يعني صرتم في المنافقين فئتين ، أي فريقين تختصمون في أمرهم { والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ } أي أذلهم . ويقال : أهلكهم . ويقال : أركسهم أي ردهم إلى كفرهم . ويقال : ركست الشيء وأركسته إذا رددته إلى الحال الأول . (1/408)
ثم قال تعالى : { أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله } يعني : أترشدون إلى الهدى من أضله الله { وَمَن يُضْلِلِ الله } عن الهدى { فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } يعني ديناً . ويقال : مخرجاً . ثم قال تعالى : { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } أي ترجعون عن هجرتكم { كَمَا كَفَرُواْ } أي كما رجعوا { فتكونوا } أنتم وهم على الكفر { فِيهِ سَوَآء } ومن هذا يقال في المثل : إن من أحرق يوماً كدسه يتمنى حرق أكداس الأمم . فكذلك الكفار كانوا يتمنون أن يكون الناس كلهم كفاراً ، حتى يحترقوا معهم . قال الله تعالى : { فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء } في الدين والنصرة { حتى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ الله } حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دار الهجرة بالمدينة { فَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني : أبوا الهجرة { فَخُذُوهُمْ } يعني : فأسروهم { واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } يعني : أين وجدتموهم من الأرض { وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } في العون . ثم استثنى الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد فقال : { إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق } وهم خزاعة ، وبنو مدلج ، وبنو خزيمة ، وهلال بن عويمر الأسلمي وأصحابه ، صالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل من أتاهم من المسلمين فهو آمن ، ومن جاء منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو آمن . وفي هذه الآية إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام ، إذا كانت في الموادعة مصلحة للمسلمين .
ثم قال تعالى : { أَوْ جَاءوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } أي ضاقت قلوبهم { ءانٍ *** يقاتلوكم } من قبل العهد { أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ } معكم من قبل القرابة . ثم قال تعالى : { وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فلقاتلوكم } ذكر منته على المؤمنين أنه يدفع عنهم البلاء ومنعهم عن قتالهم ، ثم قال تعالى { فَإِنِ اعتزلوكم } في القتال { فَلَمْ يقاتلوكم وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم } أي الصلح ، معناه أنهم لو ثبتوا على صلحهم فلا تقاتلوهم ، فذلك قوله : { فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } أي حجة وسلطاناً في قتالهم .
ثم قال عز وجل : { سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ } وهم أسد وغطفان ، كانوا إذا أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : آمنا بك .
وإذا رجعوا إلى قومهم قالوا : آمنا بالعقرب والخنفساء . يقول : إنهم لم يريدوا بذلك تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما أرادوا به الاستهزاء . وقال مجاهد : هم ناس من أهل مكة ، كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ويسلمون رياء ، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون بالأوثان ، ويريدون أن يأمنوا ها هنا وها هنا . فذلك قوله تعالى : { كُلَّمَا * رُدُّواْ إِلَى الفتنة } يقول : كلما دعوا إلى الشرك { أُرْكِسُواْ فِيِهَا } يقول : عادوا إليه ودخلوا فيه { فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } في القتال { وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم } أي لم يلقوا إليكم الصلح { وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ } عن قتالكم ، يعني إن لم يكفوا أيديهم { فَخُذُوهُمْ } يعني أسروهم { واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } يعني : حيث أدركتموهم ووجدتموهم { وَأُوْلَئِكُمْ } يعني أهل هذه الصفة { جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا } يعني : حجة { مُّبِيناً } أي حجة مبينة في القتال . (1/409)
وقوله تعالى :
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ } يقول : وما جاز لمؤمن أن يقتل مؤمناً متعمداً إلا خطأ ، بغير قصد منه . ويقال : معناه : ولا خطأ أي ما جاز له يقتل عمداً ولا خطأ . ثم قال تعالى : { وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً } نزلت الآية في شأن عياش بن أبي ربيعة ، حين قتل الحارث بن زيد ، وذلك أن عياشاً هاجر إلى المدينة مؤمناً ، فجاءه أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام ، وهما أخواه لأمه ، ومعهما الحارث بن زيد فقالوا له : إن أمك تناشدك بحقها ورحمها أن ترجع إليها وإنك أحب الأولاد إليها ، وقد حلفت ألا يظلها بيت ولا تأكل طعاماً ، ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها ، فارجع إليها وكن على دينك . فخرج معهم ، فلما خرج من المدينة أوثقوه بحبل وضربوه ، وحملوه إلى مكة ، وألقوه في الشمس ، وحلفت أمه بأن لا يحله أحد ما لم يكفر بالله ، فتركوه على حاله حتى أعطاهم الذي أرادوه ، فحلُّوه من الوثاق فقال له الحارث بن زيد : إن كان الذي كنت عليه هدى فقد تركته ، وإن كان ضلالة ، فقد كنت في ضلالة ، فحلف عياش بأن يقتل الحارث بن زيد إذا لقيه خالياً . ثم إن عياشاً خرج إلى المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أسلم الحارث بن زيد بعد ذلك ، فلقيه عياش في بعض سكك المدينة ولم يعلم بإسلامه فقتله ، ثم علم بإسلامه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالأمر الذي كان منه ، فنزلت هذه الآية فيه ، وصارت الآية عامة لجميع الناس . وهو قوله : { وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } أي فعليه عتق رقبة مؤمنة ، ولو أعتق رقبة كافرة لم يجز بالإجماع { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } أي وعليه دية مسلمة إلى أهل القتيل ، والدية مائة من الإبل { إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } وأصله يتصدقوا ، فأدغم التاء في الصاد ، وأقيم التشديد مقامه . ومعناه : إلا أن يعفو عنه أولياء القتيل ، ولا يأخذوا منه شيئاً . (1/410)
ثم قال : { فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ } يعني إن كان القتيل من أهل الحرب وقد أسلم في دار الحرب ، فقتله رجل في دار الحرب ، فعلى القاتل الكفارة عتق رقبة مؤمنة ، ولا دية عليه . وهذا بالإجماع . وقد نزلت في شأن أسامة بن زيد ، قتل رجلاً يقال له مرداس وكان مسلماً ، فنزلت هذه الآية . وروي عن عطاء بن السائب عن ابن عباس أنه قال : كان الرجل يأتي فيسلم ، ثم يأتي قومه وهم مشركون فيقيم فيهم ، فتغزوهم جيوش من جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتل الرجل ، فنزلت هذه الآية { فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ } { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } وليس عليه دية .
ثم قال : { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ } يعني إن كان المقتول من أهل الذمة { فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } أي فعليه دية مسلمة { إلى أَهْلِهِ } { و } عليه أيضاً { تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } وروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن مستأمنين دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكساهما وحملهما ، فلما خرجا من عنده لقيهما عمرو بن أمية الضمري فقتلهما ، ولم يعلم أنهما مستأمنان ، ففداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية حرّين مسلمين ، فنزلت هذه الآية { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } ولهذا قال علماؤنا رحمهم الله : إن دية الذمي والمسلم سواء . وهكذا روي عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان رضي الله عنهم أن دية الذمي والمسلم سواء ، مائة من الإبل . ثم قال : { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } أي قاتل الخطأ ، إذا لم يجد رقبة مؤمنة { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ } أي فعليه صيام شهرين { مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله } أي تلك الكفارة توبة للقاتل من الله تعالى ، ويقال سبب التجاوز من الله . ثم قال : { وَكَانَ الله عَلِيماً } يعني عليماً بالقاتل { حَكِيماً } حكم بالكفارة على من قتل خطأ . (1/411)
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)
قوله تعالى : { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } روي عن سالم بن أبي الجعد قال : كنت عند عبد الله بن عباس بعدما كفّ بصره ، فجاءه رجل فناداه : ما تقول فيمن قتل مؤمناً متعمداً؟ فقال : جزاؤه جهنم خالداً فيها . { وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } فقال : أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال : وأنى له الهدى ، سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : « يَأَتِي قَاتِلُ المُؤْمِنِ مُتَعَمِّداً وَيَتَعَلَّقُ بِهِ المَقْتُولُ عِنْدَ عَرْشِ الرحمن ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ سَلْ هذا فِيمَ قَتَلَنِي؟ » فوالذي نفسي بيده في هذا أنزلت هذه الآية ، فما نسختها آية بعد نبيكم ، وما نزل بعده من برهان . وروي عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما قالا : لا توبة له . وقال غيرهم : له التوبة لأن الله تعالى ذكر الشرك والقتل والزنى ثم قال : { إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالحا فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حسنات وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } إلى قوله { إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالحا فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حسنات وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } [ الفرقان : 70 ] ويقال : معناه فجزاؤه جهنم خالداً فيها ، أي داخلاً فيها لأنه لم يذكر فيها الأبد ، كما أن الرجل يقول : خلدت فلاناً في السجن أي أدخلته . ويقال فجزاؤه جهنم أي إن جازاه . وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إِذَا وَعَدَ الله لِعَبْدِهِ ثَوَاباً فَهُوَ مُنْجِزُهُ ، وَإِنْ أَوْعَدَ لَهُ العُقُوبَةَ فَلَهُ المَشِئَةُ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْه » ويقال : معناه من يقتل مؤمناً متعمداً يعني مستحّلاً لقتله ، فجزاؤه جهنم خالداً فيها ، لأنه كفر باستحلاله . ويقال : { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } يعني يقتله متعمداً لأجل إيمانه ، كما روي في الأثر أن بغض الأنصار كفر إن كان بغضهم لأجل نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكذلك ها هنا إذا قتله لأجل إيمانه صار كافراً . ويقال هو منسوخ بقوله تعالى { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً } [ النساء : 48 ] ويقال : معناه فجزاؤهم جهنم بقتله خالداً فيها بارتداده ، لأن الآية نزلت في شأن رجل قتل مؤمناً متعمداً ثم ارتد عن الإسلام ، وهو مقيس بن ضبابة ، وجد أخاه هشام بن ضبابة قتيلاً في بني النجار ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني فهر إلى بني النجار ، وأمره بأن يقرئهم السلام ويأمرهم بأن يطلبوا قاتله ، فإن وجدوه قتلوه ، وإن لم يجدوه حلفوا خمسين يميناً وغرموا الدية ، فلما أتاهم مقيس بن ضبابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغهم الرسالة ، فقالوا سمعاً وطاعة لأمر الله ورسوله . وقالوا : ما نعرف قاتله ، فحلفوا وغرموا الدية . فلما رجع مقيس بن ضبابة قال في نفسه : إني بعت دم أخي بمائة من الإبل . ودخلت فيه حمية الجاهلية ، وقال : أقتل هذا الفهري مكان أخي ، وتكون الدية فضلاً لي . فقتله وتوجه إلى مكة وقال في ذلك شعراً . (1/412)
قتلت به فهراً وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع
فأدركت ثأري واضطجعت موسدا ... وكنت إلى الأوثان أول راجع
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)
فنزلت هذه الآية في شأنه إن جزاؤه جهنم خالداً فيها وكل من يعمل مثل عمله . (1/413)
ثم قال عز وجل :
{ عَظِيماً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله } أي يقول إذا خرجتم وصرتم في الجهاد { فَتَبَيَّنُواْ } نزلت الآية في شأن أسامة بن زيد ، لقي رجلاً يقال له مرداس فقال له مرداس : لا إله إلا الله . وسلم عليهم وقال : السلام عليكم إني مؤمن ، فقتله أسامة ولم يصدقه بأنه مسلم ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أَقَتَلْتَ رَجُلاً يَقُولُ لا إله إِلأ الله » ؟ فقال أسامة : إنه قال بلسانه دون قلبه فقال صلى الله عليه وسلم : « هَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ » فقال أسامة : استغفر لي فقال له : « فَكَيْفَ لَكَ بِلاَ إله إِلأ الله » ثلاث مرات . ثم استغفر له الرابعة ، وأمره بأن يعتق رقبة . وروى شهر بن حوشب عن جندب بن سفيان ، عن رجل من بجيلة قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه بشير من السرية فأخبره بالفتح وقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بينما نحن نطلب القوم وقد هزمهم الله تعالى ، فقصدت رجلاً بالسيف ، فلما أحس أن السيف واقع به فقال إني مسلم فقتلته ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أَقَتَلْتَ مُسْلِماً » فقال : يا رسول الله؛ إنه قال متعوّذاً فقال صلى الله عليه وسلم : « أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ » فقال يا رسول الله : استغفر لي فقال : « لاَ أَسْتَغْفِرُ لَكَ » فمات الرجل فدفنوه ، ثم أصبح على وجه الأرض ثم دفنوه ، ثم أصبح على وجه الأرض ثلاث مرات ، فلما رأى ذلك قومه استحيوا وحزنوا ، فحملوه وألقوه في شعب من تلك الشعاب فنزلت هذه الآية { عَظِيماً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ } أي قفوا وانظروا من تقتلون . قرأ حمزة والكسائي { فتثبتوا } بالثاء ، وقرأ الباقون { الله فَتَبَيَّنُواْ } بالباء ، فمن قرأ بالثاء فهو من التثبت يقول : قفوا ولا تعجلوا في الأمر حتى يتبين لكم الكافر من المسلم . ومن قرأ بالباء فهو من التبين ومعناهما قريب .
ثم قال تعالى : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً } قرأ أبو عمرو وعاصم وابن كثير والكسائي : { السلام } بالألف . وقرأ نافع وابن عامر وحمزة { السلام } بغير ألف . وأما من قرأ { السلام } فلأن مرداساً قال لهم : السلام عليكم . وأما من قرأ { السلام } فهو الدخول والانقياد والمتابعة ، يعني إن انقاد لكم وتابعكم فلا تقولوا له لست مؤمناً ، وأسلم واستسلم بمعنى واحد ، أي دخل في الانقياد .
كما تقول : أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء ، وأربع إذا دخل في الربيع . ثم قال : { تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا } وذلك أن الرجل كانت معه غنيمة حين قتلوه ، وأخذوا ما كان معه من الغنيمة ، فعيّرهم الله تعالى بطمعهم في المال . ثم قال : { فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } أي عند الله ثواب كثير في الآخرة لمن اتقى ، ويقال : غنائم كثيرة في الدنيا ، فاطلبوا من حيث أذن لكم وأبيح لكم . (1/414)
ثم قال تعالى : { كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ } أي هكذا كنتم من قبل الهجرة بمنزلة مرداس ، تأمنون في قومكم بالتوحيد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تخيفوا أحداً ، وكنتم تأمنون بمثله قبل هجرتكم { فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ } بالهجرة ويقال : هكذا كنتم يعني كنتم تكتمون إيمانكم من قبل ، ويقال : أي كنتم كفاراً ، فمنَّ الله عليكم بالإسلام . ثم قال تعالى : { فَتَبَيَّنُواْ } أي قفوا وانظروا في أمركم لكي لا تقتلوا مؤمناً ، فصارت الآية عامة لجميع السرايا إذا دخلوا دار الحرب ينبغي أن يتبينوا لكي لا يقتلوا مؤمناً . ثم قال : { إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } أي عالماً بكم وبأعمالكم .
ثم قال تعالى :
لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)
{ لاَّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين } يعني القاعدين عن الجهاد لا يكون حالهم مثل حال الذين يجاهدون في الثواب والأجر { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } أي القاعدين الذين لا عذر لهم ، ومن كان له عذر فهو خارج من هذا . قال ابن عباس : يعني ابن أم مكتوم ومحمد بن جحش . ويقال : عبد الله بن جحش . فقال : إنا عميان فهل لنا من رخصة فنزلت { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } . حدّثنا أبو الفضل بن أبي حفص ، قال : حدّثنا أبو جعفر الطحاوي ، قال : حدّثنا إبراهيم بن داود ، قال : حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله الأوسي ، قال : حدّثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن سهل بن سعد الساعدي قال : رأيت مروان بن الحكم جالساً في المسجد ، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه ، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه { لاَّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِى الضرر } { والمجاهدون فِى سَبِيلِ الله } فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليَّ ، فقال : يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت . وكان رجلاً أعمى ، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فثقلت عليَّ حتى خفت أن يرضَّ فخذي ، ثم سري عنه أي زال عنه التغير فأنزل الله تعالى : { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } يعني : إلا أن يكون أولي الضرر . (1/415)
قرأ نافع والكسائي وابن عامر : { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } بنصب الراء ، وقرأ حمزة وعاصم وابن كثير وأبو عمرو { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } بالضم . وقرأ بعضهم { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } بالكسر . فمن قرأ بالضم جعله نعتاً للقاعدين ، أي يعني لا يستوي القاعدون غير أولي الضرر . ومن قرأ بالنصب فهو على معنى الاستثناء ، ويقال : هو نصب على الحال . ومن قرأ بالكسر فلحرف الكسر وهو من قوله تعالى : { والمجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين } أي بغير عذر { دَرَجَةً } أي فضيلة في الآخرة { وَكُلاًّ } يعني : المجاهدين والقاعدين والمعذورين { وَعَدَ الله الحسنى } أي وعد الله لهم الثواب وهو الجنة .
ثم قال تعالى : { وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً } أي بغير عذر ، ثم بيّن الأجر فقال : { درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً } أي فضائل من الله في الجنة أي سبعين درجة . روى هشام بن حسان ، عن جبلة بن عطية ، عن ابن محيريز قال : ما بين الدرجتين حضر الفرس أو الجواد سبعين عاماً . ثم قال تعالى : { وَمَغْفِرَةٌ } يعني مغفرة لذنوبهم { وَرَحْمَةً } نعمة في الجنة { وَكَانَ الله غَفُوراً } لمن جاهد { رَّحِيماً } إذ سوّى بين من له عذر بالفضل مع غيره .
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)
قوله تعالى : (1/416)
{ إِنَّ الذين توفاهم الملئكة } يعني ملك الموت يقبض أرواحهم { ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } يعني الذين أسلموا بمكة ، وتخلفوا عن الهجرة ، وخرجوا مع المشركين إلى بدر ، فلما رأوا قلة المؤمنين شكوا وكفروا ، فقتل بعضهم ، فأخبر الله تعالى عن حالهم فقال تعالى : { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } يعني الملائكة تقول لهم : في أي شيء كنتم؟ ويقال : أين كنتم عن الهجرة؟ { قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الارض } أي يقولون : كنا مقهورين في أرض مكة ، لا نقدر أن نظهر الإيمان { قَالُواْ } أي : قالت الملائكة { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة } يعني المدينة مطمئنة آمنة { فتهاجروا } يعني : تهاجروا إليها . فقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } أي منزلهم ومصيرهم إلى النار { وَسَاءتْ مَصِيراً } أي بئس المصير صاروا إليها . حدّثنا أبو الفضل بن أبي حفص ، قال : حدّثنا الطحاوي قال حدّثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدّثنا أبو عبد الرحمن المقري ، عن حيوة بن شريح ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : إن ناساً من المسلمين مع المشركين ، يكثرون سواد المشركين يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله ، فأنزل الله تعالى { إِنَّ الذين توفاهم الملئكة ظالمى أَنفُسِهِمْ - الاْيَةَ } .
ثم استثنى أهل العذر فقال : { إِلاَّ المستضعفين } أي المقهورين { مِنَ الرجال والنساء والولدان } فليس مأواهم جهنم وهم الذين { لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } أي لا يجدون سعة الخروج عنهم إلى المدينة ، ولا يعرفون طريقاً إلى المدينة { فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } أي يتجاوز عنهم ، وعسى من الله واجب { وَكَانَ الله عَفُوّاً } عنهم { غَفُوراً } لهم فلا يعاقبهم ، فقال عبد الله بن عباس : أنا ممن استثنى الله يومئذٍ؛ وكنت غلاماً صغيراً وكان ذلك قبل نسخ الهجرة ، ثم نسخت الهجرة بعد فتح مكة . حدّثنا أبو الفضل بن أبي حفص ، قال : حدّثنا الطحاوي ، قال : حدّثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم ، قال : حدّثنا عبيد الله بن موسى ، قال : حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، خطب الناس فقال في خطبته : « وَلاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ » وروى طاوس عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح : « إِنَّهُ لاَ هِجْرَةَ ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا »
ثم قال تعالى :
وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)
{ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ } يقول : في طاعة الله إلى المدينة { يَجِدْ فِى الارض مُرَاغَماً كَثِيراً } يقول : ملجأ ومحولاً من الكفر إلى الإيمان { واسعة } من الرزق . وقال القتبي : المراغم والمهاجر واحد . ويقال : راغمت وهاجرت ، لأنه إذا أسلم خرج مراغماً لأهله أي مغايظاً لهم ، والمهاجر المنقطع . وقيل للذاهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة مراغم ، لأنه إذا خرج هجر قومه . وروي عن معمر عن قتادة قال : لما نزلت { إِنَّ الذين توفاهم الملئكة ظالمى أَنفُسِهِمْ } الآية . فقال رجل من المسلمين وهو مريض : والله ما لي عذر إني أجد الدليل في الطريق وإني لموسر فاحملوني فحملوه فأدركه الموت في الطريق ، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لو بلغ إلينا لتمّ أجره وقد مات بالتنعيم ، وجاء بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالقصة ، فنزلت هذه الآية : { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت } يعني في الطريق { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } أي ثوابه على الله الجنة { وَكَانَ الله غَفُوراً } لما كان منه في الشرك { رَّحِيماً } حين قبل توبته ، وكان اسمه جندع بن ضمرة . (1/417)
قوله تعالى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الارض } يعني إذا خرجتم إلى السفر { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } ويقول : لا مأثم ولا حرج عليكم { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الارض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ } يعني يقتلكم . والفتنة في أصل اللغة الاختبار ، ثم سمي القتل فتنة لأن معنى الاختبار كما قال { فَمَآ ءامَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الارض وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين } [ يونس : 83 ] أي يقتلهم . فالله تعالى قد أباح قصر الصلاة عند الخوف ، ثم صار ذلك عاماً لجميع المسافرين أن يقصروا من الصلاة خافوا أو لم يخافوا . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ » ثم قال تعالى : { إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } ظاهر العداوة ، ومعناه كونوا بالحذر منهم .
قوله تعالى :
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)
{ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة } يعني بالمؤمنين ، ومعناه : إذا كنت بحضرة العدو وحضرت الصلاة { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ } أي جماعة منهم { مَعَكَ } في الصلاة { وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } يعني الذين يصلون معك ، ويقال : وليأخذوا أسلحتهم الذين هم بإزاء العدو { فَإِذَا سَجَدُواْ } يعني : إذ صلوا الذين خلف الإمام ركعة واحدة { فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } أي ينصرفون إلى موضع العدو ، ويقفون هناك { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ } كانوا بإزاء العدو { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } ركعة أخرى ، ولم يذكر في الآية لكل طائفة إلا ركعة واحدة؛ ولكن ذكر في الخبر عن عبد الله بن عمر وغيره ، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى صلاة الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعة ، وبالطائفة الأخرى ركعة كما ذكر في الآية؛ ثم جاءت الطائفة الأولى ، وذهبت هذه الطائفة إلى موضع العدو ، حتى قضت الطائفة الأولى الركعة الأخرى وسلموا ، ثم جاءت الطائفة الأخرى ، وقضوا الركعة الأولى وسلموا ، حتى صارت لكل طائفة ركعتان . وهذا اختيار أصحابنا في صلاة الخوف ثم قال تعالى : { وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الذين كَفَرُواْ } يقول : تمنى الذين كفروا { لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ } يعني أمتعة الحرب { فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة } يعني : يحملون عليكم حملة واحدة ، وإنما حذرهم لكي يكونوا بالحذر منهم . (1/418)
ثم قال تعالى : { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة أنمار ، فهزمهم وسبى ذريتهم ، فلما رجعوا أصابهم المطر ، فنزلوا وادياً تحت الأشجار ، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه وذهب إلى الجانب الآخر من الوادي وحده ، فجاء السيل فحال بينه وبين أصحابه . وكان بعض المشركين على ذلك الجبل ، فرآه حين حال السيل بينه وبين أصحابه ، فجاءه واحد منهم يقال له حويرث بن الحارث ، وقال : أنا أقتله ، فأتاه وقال : يا محمد من يمنعك مني؟ فقال : « الله عزَّ وَجَلَّ » فسلَّ سيفه وأراد أن يضربه ، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم الكافر في صدره دفعة ، فسقط السيف من يده . فوثب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ سيفه وقال : « مَنْ يُخَلِّصُكَ مِنِّي؟ » فقال : لا أحد . فقال له : « إِنْ أَسْلَمْتَ حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْكَ سَيْفَكَ » فقال : لا أسلم . ولكن أعاهد الله تعالى ألا أكون لك ولا عليك أبداً ، فرد عليه سيفه فقال الرجل : يا محمد أنت خير مني ، لأنك قدرت على قتلي فلم تقتلني ، فرجع الكافر إلى أصحابه ، فأخبرهم بالقصة فآمن بعضهم ثم انقطع السيل . وجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأخبرهم بالقصة ، وقرأ عليهم هذه الآية { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى } أي أصابتكم الجراحات { أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } من العدو يعني كونوا بالحذر منهم . وقال الضحاك : { وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } أي تقلدوا سيوفكم ، فإنما ذلك هيبة الغزاة . ثم قال تعالى : { إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين } في الآخرة { عَذَاباً مُّهِيناً } يهانون فيه .
ثم قال عز وجل :
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)
{ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة } قال بعضهم : فإذا فرغتم من الصلاة { فاذكروا الله } بالقلب واللسان على أي حال كنتم { قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ } إن لم تستطيعوا القيام ، ويقال : فإذا قضيتم الصلاة ، أي إذا صليتم في دار الحرب فصلوا على الدوابّ ، أو قياماً أو قعوداً أو على جنوبكم إن لم تستطيعوا القيام ، إذا كان خوفاً أو مرضاً . وهذا كما قال في آية أخرى { فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَآ أَمِنتُمْ فاذكروا الله كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 239 ] يقال : { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطمأننتم فَأَقِيمُواْ الصلاة إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كتابا مَّوْقُوتاً } [ النساء : 103 ] أي فرغتم من صلاة الخوف { فاذكروا الله } أي فصلوا لله ، وصلاة الصحيح قياماً والمريض قاعداً ، أو على جنوبكم إن كان المرض أشد من ذلك . ثم قال تعالى : { فَإِذَا اطمأننتم } يقول : أمنتم ورجعتم إلى منازلكم { فَإِذَا قَضَيْتُمُ } يعني : فأتموا الصلاة أربعاً . وهذا كقوله { يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ } أي مطمئنين . (1/419)
ثم قال : { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً } يعني فرضاً مفروضاً معلوماً ، للمسافر ركعتان ، وللمقيم أربع . وقال مقاتل : { كتابا مَّوْقُوتاً } يعني فريضة معلومة كقوله { ياأيها الذين ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والانثى بالانثى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بإحسان ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ البقرة : 178 وغيرها ] أي فرض عليكم . وقال الزجاج : { كتابا مَّوْقُوتاً } أي مفروضاً موقتاً فرضه .
قوله تعالى { وَلاَ تَهِنُواْ فِى ابتغاء القوم } يقول : لا تضعفوا في ابتغاء القوم ، أي في طلب المشركين أبي سفيان وأصحابه بعد يوم أحد ، وذلك أن المسلمين لما أصابتهم الجراحات يوم أحد ، وكانوا يضعفون عن الخروج إلى الجهاد ، فأمرهم الله تعالى بأن يظهروا من أنفسهم الجد والقوة ، وهذا الخطاب لهم ، ولجميع المسلمين الغزاة إلى يوم القيامة . قوله : { إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ } قال عكرمة : الألم الوجع ، وكذلك قال الضحاك والسدي : إن أصابكم الوجع والجراحات في الحرب { فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ } أي يصيبهم الوجع مثل ما يصيبكم ، ولكم زيادة ليست للمشركين ، وذلك قوله تعالى : { وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ } يعني الثواب في الآخرة { وَكَانَ الله عَلِيماً } بما كان { حَكِيماً } بما يكون . ثم قال :
إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109)
{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } يعني : أنزلنا عليك جبريل عليه السلام ، ليقرأ عليك القرآن بالعدل والأمر والنهي { لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله } أي بما أعلمك الله وألهمك ، وبما أوحي إليك { وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } ولا تكن للسارقين معيناً . وروى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر ، عن جده قتادة بن النعمان ، قال : كان بنو أبيرق وكانوا ثلاثة : بشر ، وبشير ، ومبشر . فكان بشر يكنى أبا طعمة ، وكان شاعراً ، وكان منافقاً ، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول : قال فلان وكان لعمي رفاعة بن زيد علية فيها طعام وسلاح ، فطرقه بشر من الليل ، فأخذ ما فيها من الطعام والسلاح ، فلما أصبح عمي دعاني وقال لي : إنه أغير علينا الليلة فقلت : من فعله؟ فقال : بشير وأخوه . فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أن بشيراً قد سرق من عمي الطعام والسلاح ، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه ، وأما السلاح فليردوه علينا ، فجاء قومه وكانوا أهل لسان وبيان فقالوا : إن رفاعة وابن أخيه عمدوا إلى أهل بيت منا يتهمونهم بالسرقة ، فوقع قولهم عند النبي صلى الله عليه وسلم موقعاً ، فبين الله خيانتهم فنزل : { وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } وهو ابن طعمة . وقال الضحاك : سرق طعمة بن أبيرق اليهودي درعاً للزبير بن العوام ، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للزبير : « لاَ بُدَّ لَكَ مِنْ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى ذلك بِحُجَّةٍ قَيِّمَةٍ وَشَهَادَةٍ صَحِيحَةٍ » فأنزل الله تعالى تصديقاً لقوله : { وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } . وقال مقاتل : سرق طعمة بن أبيرق المنافق درعاً من يهودي ، فلما جاؤوا إلى بيته بالأثر ، رمى الدرع في دار رجل من الأنصار وأنكر ، فجاء قومه ليبرئوه من السرقة فنزلت هذه الآية . وقال الكلبي : سرق طعمة بن أبيرق درعاً من جار له يقال له قتادة بن النعمان ، فوضعه عند رجل من اليهود يقال له زيد بن السمين ، وأنكر السرقة فجاء قومه يخاصمون عنه ، فنزلت هذه الآية { وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } . (1/420)
قوله تعالى : { واستغفر الله } عن جدالك عن طعمة حين جادلت عنه { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } ثم قال تعالى : { وَلاَ تجادل عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } يقول : ولا تخاصم عن الذين يضرون أنفسهم بالسرقة { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً } أي خائناً بالسرقة فاجراً برميه على غيره . ثم قال تعالى : { يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس } قال الضحاك : لما سرق الدرع اتخذ حفرة في بيته ، وجعل الدرع تحت التراب فنزل { يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس } بالتراب { وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله } يقول : لا يخفى مكان الدرع على الله { وَهُوَ مَعَهُمْ } أي رقيب حفيظ عليهم .
ويقال : يستخفون يعني يستترون من الناس وهم قوم طعمة ، ولا يستخفون من الله يقال : ولا يقدرون أن يستتروا من الله { وَهُوَ مَعَهُمْ } يعني عالماً بهم وبخيانتهم { إِذْ يُبَيّتُونَ } يقول : إذ يؤلفون ويغيرون { مَا لاَ يرضى مِنَ القول } يقول : ما لا يرضو لأنفسهم من القول وهم سرقوا ، ويقال : ما لا يرضى الله ولا يحبه . ثم قال : { وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً } أي عالماً بهم وبخيانتهم ، ثم أقبل على قوم طعمة فقال : { ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء } يقول : ها أنتم هؤلاء { جادلتم } أي خاصمتم { عَنْهُمْ فِى الحياة الدنيا فَمَن يجادل الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة } يقول : فمن يخاصم الله عنهم يوم القيامة { أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } أي كفيلاً ، ويقال خصيماً . (1/421)
وقال الضحاك : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم الحد على طعمة بن أبيرق ، وكان طعمة مطاعاً في اليهود ، فجاءت اليهود شاكين في السلاح ، وهربوا بطعمة وجادلوا عنه ، فنزل { ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء } يعني اليهود الآية .
ثم قال :
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)
{ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } قال الضحاك : نزلت الآية في شأن وحشيّ قاتل حمزة رضي الله عنه ، أشرك بالله وقتل ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني لنادم فهل لي من توبة؟ فنزل { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } { ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله } الآية . وقال الكلبي : نزلت في شأن طعمة { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً } بسرقة الدرع أو يظلم نفسه برميه غيره وجحوده ، ثم يستغفر الله أي يتوب إلى الله { يَجِدِ الله غَفُوراً } متجاوزاً { رَّحِيماً } لمن اتقى الشرك . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : كنت إذا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعني الله به ما شاء ، وإذا سمعته من غيره حلفته . وحدثني أبو بكر الصديق ، وصدق أبو بكر رضي الله عنه قال : ما من عبد يذنب ذنباً ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ، ويستغفر الله تعالى إلا غفر الله له . وتلا هذه الآية { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } الآية . (1/422)
ثم قال تعالى : { وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً } يعني الشرك بالله تعالى { فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ } أي يضر بنفسه { وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً } ثم قال : { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً } يعني عمل بالمعصية { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } قال مقاتل : وهو طعمة حين رمى بالدرع في دار الأنصاري واتهمه به ، وهو قوله { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } . وقال الضحاك : يعني به المنافقين حيث قالوا في عائشة رضي الله عنها قولاً عظيماً ، فقال : { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً } بالمعاصي { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } يعني عائشة وصفوان . ثم قال تعالى : { فَقَدِ احتمل بهتانا } يقول : فقد قال كذباً { وَإِثْماً مُّبِيناً } ذنباً طاهراً . قوله تعالى : { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ } يعني فضل الله عليك بالنبوة ، ورحمته بالوحي { لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } أي جماعة { أَن يُضِلُّوكَ } أي يخطئون في الحكم { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } أي وما يرجع وبال ذلك إلا على أنفسهم { وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } وإنما يضرون بأنفسهم . قال الضحاك : نزلت الآية في وفد ثقيف ، قدموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : جئناك لنبايعك على أن لا تكسر أصنامنا ولا تعشرنا ، فلم يجبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت { لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ } وقال الكلبي : يعني قوم طعمة . ثم قال : { وَأَنزَلَ * عَلَيْكَ الكتاب } يعني القرآن { والحكمة } يعني يعني القضاء والمواعظ { وَعَلَّمَكَ } بالوحي { مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } قبل الوحي { وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً } بالنبوة . ثم قال :
لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)
{ لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } وهو ما يتناجون فيما بينهم ، ويقال : في كثير من أحاديثهم ، وهم وفد ثقيف أو قوم طعمة { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } يقول : إلا نجوى من أمر بصدقة { أَوْ مَعْرُوفٍ } يعني لقرض ، كقوله { وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وكفى بالله حَسِيباً } [ النساء : 6 ] ويقال : المعروف يعني القول بالمعروف والنهي عن المنكر { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } يعني : يذهب فيما بين اثنين ليصلح بينهما { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } الذي ذكرنا { ابتغاء } يعني طلباً { مَرْضَاتَ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ } يعني في الآخرة { أَجْراً عَظِيماً } قرأ حمزة وأبو عمرو { نُؤْتِيهِ } بالياء ، أي يؤتيه الله تعالى . وقرأ الباقون { نُؤْتِيهِ } بالنون ، أي نحن نعطيه في الآخرة أجراً عظيماً أي ثواباً عظيماً . (1/423)
قوله تعالى : { وَمَن يُشَاقِقِ الرسول } يعني يخالفه في التوحيد { مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى } أي من بعد ما تبين لهم التوحيد { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين } أي يتبع ديناً غير دين المؤمنين ، ويقال : يتبع طريقاً أو مذهباً غير طريق المؤمنين . وفي الآية دليل أن الإجماع حجة ، لأن من خالف الإجماع فقد خالف سبيل المؤمنين . وقال الضحاك : قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا ، ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين ، فنزلت هذه الآية { وَمَن يُشَاقِقِ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى } أي دين الإسلام { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين } المسلمين { نُوَلّهِ مَا تولى } نكله إلى الأصنام يوم القيامة ، وهم لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً ، ولا ينجونهم من عذاب الله تعالى . وقال مقاتل : { نُوَلّهِ مَا تولى } أي نتركه وما اختار لنفسه . وقال الكلبي : { نُوَلّهِ مَا تولى } يعني نوله في الآخرة ما تولى في الدنيا ، وهذا كما قال بعض الحكماء : من أراد أن يعلم كيف يعامل معه في الآخرة ، فلينظر كيف يعامل هو في الدنيا . وقال الكلبي : نزلت الآية في شأن طعمة ، لما ظهر حاله وسرقته هرب إلى مكة وارتد ، فنقب بمكة حائطاً لرجل ، فسقط حجر فبقي في النقب حتى وجدوه على حاله ، فأخرجوه من مكة فخرج إلى الشام ، فسرق بعض أموال القافلة فرجموه وقتلوه ، فنزل قوله : { نُوَلّهِ مَا تولى } . { وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً } قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو { نُوَلّهِ وَنُصْلِهِ } بجزم الهاء ، وقرأ الباقون بالكسر وهما لغتان .
ثم قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)
{ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } قال الضحاك : وذلك أن شيخاً من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا ، إلا أني لم أشرك بالله شيئاً مذ عرفته وآمنت به ، ولم أتخذ من دونه ولياً ، ولم أواقع المعاصي جرأة على الله ، ولا مكابرة له ، وإني لنادم وتائب مستغفر ، فما حالي عند الله؟ فأنزل الله تعالى { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } ويقال : نزل في شأن وحشيّ ، وقد ذكرناه من قبل . { وَمَن يُشْرِكْ بالله } أي من يعبد غير الله { فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً } يعني فقد ضل عن الهدى ضلالاً بعيداً عن الحق . ثم قال تعالى في ذم الكفار وبيّن جهلهم فقال : { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا } يقول : ما يعبدون من دون الله إلا أصناماً أمواتاً ، وهذا قول ابن العباس . وعن الحسن أنه قال : الإناث الشيء الميت الذي ليس فيه روح . وقال السدي : سموها إناثاً : اللات والعزى ومناة . ثم قال تعالى : { وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً } وذلك أن الشيطان كان يدخل في الصنم ويكلمهم ، وهم يعبدون الصنم وفيه الشيطان . ويقال : إبليس زين لهم عبادة الأصنام ، وإذا عبدوا بإذنه فكأنهم عبدوا الشيطان . ثم قال : مريداً أي مارداً مثل قدير وقادر ، والمارد العاتي . ويقال : كل فاسد مفسد يكون مريداً ، أي يكون فاسداً لنفسه ويفسد غيره . (1/424)
ثم قال تعالى : { لَّعَنَهُ الله } يعني طرده الله من رحمته وهو إبليس ، حيث لم يسجد لآدم فلما لعنه { وَقَالَ لاَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } أي حظاً معلوماً ، قال مقاتل : يعني من كل ألف واحد في الجنة وسائرهم في النار ، فهذا نصيب مفروض . ثم قال : { وَلاَضِلَّنَّهُمْ } يعني عن الهدى والحق { وَلامَنّيَنَّهُمْ } يعني لأخبرنهم بالباطل أنه لا جنة ولا نار ولا بعث { وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام } وهي البحيرة ، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يشقون آذان الأنعام ويسمونها بحيرة ، وذكر قصتهم في سورة المائدة . ثم قال : { وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله } قال عكرمة : هو الخصاء ، وهكذا روي عن ابن عباس وأنس بن مالك . وروي عن سعيد بن جبير قال : هو دين الله ، وهكذا قال الضحاك ومجاهد . وقيل لمجاهد : إن عكرمة يقول : هو الخصاء فقال : ما له لعنه الله وهو يعلم أنه غير الخصاء . فبلغ ذلك عكرمة ، فقال : هو فطرة الله . وقال الزجاج : إن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم ، وخلق الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس فجعلوها آلهة يعبدونها ، فقد غيروا خلق الله عز وجل . { وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً } أي يعبد الشيطان ويطيعه { مِن دُونِ الله } يعني ترك أمر الله تعالى وطاعته { فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } أي ضلّ ضلالاً مبيناً بيناً عن الحق . ثم قال تعالى : { يَعِدُهُمْ } يعني الشيطان ، يخوفهم بالفقر حتى لا يصلوا رحماً ولا ينفقوا في خير { وَيُمَنّيهِمْ } أي يخبرهم بالباطل أنه لا ثواب لهم في ذلك العمل { وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً } أي باطلاً . قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } يعني الذين يطيعون الشيطان مصيرهم إلى جهنم { وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً } أي مفرّاً ومهرباً . قوله تعالى :
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)
قوله تعالى : (1/425)
{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } أي صدقوا بالله تعالى والرسول والقرآن ، وأدوا الفرائض ، وانتهوا عن المحارم { سَنُدْخِلُهُمْ جنات } وهي البساتين { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } وهي أربعة أنهار : نهر من ماء غير آسن ، ونهر من لبن ، ونهر من خمر ، ونهر من عسل مصفى . { خالدين فِيهَا أَبَداً } يعني مطمئنين فيها ، لا يتغير بهم الحال . فهذا وعد من الله تعالى . ثم قال : { وَعْدَ الله حَقّا } أي صدقاً وكائناً ، أنجز لهم ما وعد لهم من الجنة { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً } أي قولاً ووعداً ، قوله تعالى : { لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب } وذلك أن أهل الكتاب قالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى . وقال المؤمنون : إنا أسلمنا لا تضرنا الذنوب فنزل : { لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب } يقول : ليس لكم يا معشر المسلمين ما تمنيتم ، ولا أهل الكتاب ما تمنوا { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } أي من يعمل معصية دون الشرك يعاقب به . وقال الزجاج : معناه ليس ثواب الله بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، وقد جرى ما يدل على إضمار الثواب وهو قوله : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } أي إنما يدخل الجنة من آمن وعمل صالحاً ، ليس كما تمنيتم و { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } أي لا ينفعه تمنيه .
ويقال : لما نزلت هذه الآية { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } شق ذلك على المسلمين . وقال أبو بكر رضي الله عنه : كيف الفلاح بعد هذه الآية يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم : « أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟ أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللأواءُ؟ أي الشدة فذَلِكَ كُلُّهُ جَزَاؤُهُ » حدّثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدّثنا العباسي ، قال : حدّثنا الحسن بن صباح ، قال : حدّثنا عبد الوهاب الخفاف ، عن زياد ، عن علي بن زيد ، عن مجاهد قال : مرّ ابن عمر على ابن الزبير وهو مصلوب ، فنظر إليه فقال : يغفر الله لك ثلاثاً ، والله ما علمتك إلا كنت صواماً قواماً وصّالاً للرحم ، أما والله إني لأرجو مع مساوىء ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها أبداً ، ثم التفت فقال : سمعت أبا بكر الصديق يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا » وروى محمد بن قيس ، عن أبي هريرة قال : لما نزلت { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } شق ذلك على المسلمين ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَكُلُّ مَا يُصِيبُ المُؤْمِنَ كَفَّارَةٌ حَتَّى الشَّوْكَةُ تُشَاكُهُ والنَّكْبَةُ تَنْكُبُهُ » وقال الضحاك : السوء الكفر .
وقال مجاهد : قالت قريش : لن نبعث ولن نعذب ، فنزلت : { لَّيْسَ بأمانيكم } أي أماني كفار قريش ولا أماني أهل الكتاب { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } أي يعاقب عليه . (1/426)
ثم قال تعالى : { وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً } يعني الكافر لا يجد لنفسه { مِن دُونِ الله } أي من عذاب الله ولياً يمنعه { وَلاَ نَصِيراً } ينفعه ويمنعه من العذاب . ثم قال تعالى : { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات } يعني يؤدي الفرائض وينتهي عن المحارم { مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } أي من رجل أو امرأة { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } أي مصدق بالثواب والعقاب { فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة } لا شك فيها { وَلاَ يُظْلَمُونَ } أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم { نَقِيراً } وهي النقرة التي تكون على ظهر النواة . قرأ أبو عمرو وابن كثير { فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة } بضم الياء ونصب الخاء ، على معنى فعل ما لم يسم فاعله . وقرأ الباقون بنصب الياء وضم الخاء ، أي يدخلون الجنة بأعمالهم .
ثم فضل دين الإسلام على سائر الأديان فقال تعالى :
وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)
{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ } أي أخلص دينه { لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } في عمله ويقال : وهو موحد { واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً } أي مستقيماً ، ويقال : مائلاً إلى دين الإسلام . ثم قال تعالى { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً } وذلك أن إبراهيم عليه السلام كان يوسع على الضعفاء الطعام ، واحتاج في بعض الأوقات إلى الطعام ، فبعث غلمانه مع الجمال إلى خليل له بمصر ليقرضه شيئاً من الطعام فيرد عليه إذا أدرك إنزاله ، فلما انتهوا إليه قال : إني أخاف أن أحتاج قبل إدراك الإنزال ، فلم يدفع إليهم ورجعوا ، فاستحيا الغلامان أن يدخلوا في قرية إبراهيم والناس ينظرون إليهم وليس معهم شيء ، فجعلوا الرحل في الجواليق وحملوا على الجمال ، وجاؤوا إلى منزل إبراهيم عليه السلام وألقوا الأحمال وتفرقوا ، وجاء واحد منهم وأخبر إبراهيم بالقصة فاغتمّ لذلك ودخل البيت ونام ، فخرجت جواريه ونظرن إلى الأحمال فإذا الجواليق دقيق ، فرفعن منها وجعلن يخبزن خبزاً ، حتى إذا استيقظ إبراهيم عليه السلام وخرج وقال : من أين هذا الدقيق؟ فقلن : من عند خليلك المصري . فقال إبراهيم : ليس هذا من عند خليلي المصري ولكن من عند خليل السماء . فاتخذه الله تعالى خليلاً بذلك . (1/427)
ويقال : لما دخلت عليه الملائكة في شبه الآدميين ، وجاءهم بعجل سمين فلم يأكلوا منه ، وقالوا : إنا لا نأكل شيئاً بغير ثمن . فقال لهم : أعطوني ثمنه وكلوه . قالوا : وما ثمنه؟ قال : أن تقولوا في أوله بسم الله وفي آخره الحمد لله . فقالوا فيما بينهم : حقاً على الله أن يتخذه خليلاً فاتخذه الله خليلاً .
ويقال : إنه أضاف رؤساء الكفار ، وأهدى لهم هدايا وأحسن إليهم فقالوا له : ما حاجتك؟ فقال : حاجتي أن تسجدوا لله سجدة ، فسجدوا . فدعا الله تعالى وقال : اللهم إني قد فعلت ما أمكنني ، فافعل أنت ما أنت أهل لذلك . فوفقهم الله تعالى للإسلام فاتخذه الله خليلاً لذلك .
وروى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « اتَّخَذَ الله إِبْراهِيمَ خَلِيلاً لإطْعَامِهِ الطَّعَامَ وَإِفْشَائِهِ السَّلاَمَ وَصَلاَتِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ » ثم قال عز وجل : { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } كلهم عبيده وفي ملكه وحكمه نافذ فيهم { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } أحاط علمه بكل شيء .
قوله تعالى : { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء } أي يسألونك عن ميراث النساء ، نزلت في أم كجة التي ذكرنا في أول السورة { قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } أي يبين لكم ما لهن من الميراث { وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِى الكتاب } أي وكتاب الله يفتيكم بذلك { فِى يتامى النساء } يعني في ميراث يتامى النساء { اللاتى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ } لا تعطونهن { مَا كُتِبَ لَهُنَّ } أي ما فرض لهن من الميراث { وَتَرْغَبُونَ } أي وتزهدون { أَن تَنكِحُوهُنَّ } لدمامتهن .
وروى معمر عن إبراهيم قال : كان الرجل يكون عنده اليتيمة الدميمة ولها مال ، ويكره أن يزوجها من غيره من أجل مالها . قال إبراهيم : وكان عمر يأمر الرجل إذا كانت عنده اليتيمة الدميمة ولها مال ، أن يتزوجها . وروى عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كانت يتيمة في حجر رجل ، فأراد أن يتزوجها ولم يكمل صداق نصابها ، فأمروا بإكمال الصداق . وقال مجاهد : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئاً ، ويقولون : لا يغزون ، ففرض الله لهم الميراث وأمر لليتيم بالقسط . ثم قال تعالى : { والمستضعفين } يقول : يسألونك عن ميراث المستضعفين { مِنَ الولدان } ويقال : يفتيكم في المستضعفين من الولدان { وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط } أي بالعدل { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً } يجازيكم . وفي هذه الآية دليل على أن ما سوى الأب والجد إذا زوج اليتيمة جاز ، وفيه أنه إذا زوج من نفسه جاز إذا كانت غير ذي رحم محرم . (1/428)
قوله تعالى :
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)
{ وَإِنِ امرأة خافت } أي علمت { مِن بَعْلِهَا } يعني زوجها { نُشُوزاً } يعني عصياناً في الأثرة { أَوْ إِعْرَاضاً } عنها وترك محادثتها ، نزلت في رافع بن خديج تزوج امرأة أشبّ من امرأته خولة بنت محمد بن مسلمة . وقال في رواية الكلبي : نزلت في ابنة محمد بن مسلمة ، وفي زوجها أسعد بن الزبير تزوجها وهي شابة ، فلما أدبرت وعلاها الكبر تزوج عليها امرأة شابة وآثرها عليها ، وجفا بنت محمد بن مسلمة ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه فنزل : { وَإِنِ امرأة خافت مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً } يعني ترك مجامعتها { أَوْ إِعْرَاضاً } يعني يعرض بوجهه ويقل مجالستها ومحادثتها { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي لا إثم على الزوج والمرأة { أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي { أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا } بضم الياء والتخفيف ، وهو من الصلح . وقرأ الباقون { ءانٍ } بالألف وتشديد الصاد ، لأن أصله وتصالحا فأدغمت التاء في الصاد ، وأقيم التشديد مكانه/ (1/429)
ثم قال : { صُلْحاً والصلح خَيْرٌ } يعني الصلح خير من الفرقة . ويقال : الصلح خير من النشوز ، ويقال : الصلح خير من الخصومة والخلاف . وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى : { وَإِنِ امرأة خافت مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً } قال : قول الرجل لامرأته أنت كبيرة ، وإني أريد أن أستبدل بك شابة ، فقري على ولدك ولا أقسم لك من نفسي شيئاً ورضيت بذلك ، فذلك الصلح بينهما . قال : وهذا قول أبي السنابل بن بعكك حين جرى بينهما هذا الصلح ، ثم صارت الآية عامة في جواز الصلح الذي يجري فيما بين الناس ، لقوله تعالى : { والصلح خَيْرٌ } . ثم قال تعالى : { وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح } يعني الشح حملها على أن تدع نصيبها ، ويقال : شحت المرأة بنصيبها من زوجها أن تدعه للأخرى ، وشحّ الرجل بنصيبه من الأخرى . وقال مقاتل : طمعها وحرصها يجرها إلى أن ترضى . ثم قال تعالى : { وَإِن تُحْسِنُواْ } يقول تحسنوا إليهن { وَتَتَّقُواْ } الميل والجور { فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } في الإحسان والجور .
قوله تعالى : { وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء } يقول : لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب بين الشابة والكبيرة { وَلَوْ حَرَصْتُمْ } أي ولو جهدتم ، ولكن اعدلوا في القسمة والنفقة { فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل } بالنفقة والقسمة إلى الشابة { فَتَذَرُوهَا كالمعلقة } بغير قسمة كالمسجونة لا أيم ولا ذات بعل . وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ ، فَمَالَ إِلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ » وفي رواية أخرى
« وَأَحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ » وروى أبو أيوب عن أبي قلابة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل في القسمة ويقول : « اللَّهُمَ هذا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ » يعني الحب والجماع . (1/430)
ثم قال تعالى : { وَإِن تُصْلِحُواْ } يعني تصلحوا بينهما بالسوية { وَتَتَّقُواْ } الجور والميل { فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } حيث رخص لكم في الصلح . ثم قال عز وجل : { وَإِن يَتَفَرَّقَا } يعني الزوج والمرأة { يُغْنِى الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ } يعني من رزقه . وقال مجاهد : يعني الطلاق . وروي عن جعفر بن محمد أن رجلاً شكا إليه الفقر فأمره بالنكاح ، فذهب الرجل وتزوج ثم جاء إليه فشكا إليه الفقر ، فأمره بالطلاق ، فسئل عن ذلك فقال : أمرته بالنكاح . وقلت : لعله من أهل هذه الآية { وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ النور : 32 ] فلما لم يكن من أهل هذه الآية . قلت : فلعله من أهل هذه الآية ( وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ من سعته ) وروي عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ : فَتَذَرُوهَا كَأَنَّهَا مسجونة . ثم قال : { وَكَانَ الله واسعا } يعني واسع الفضل { حَكِيما } حكم بفرقتهما وتسويتهما .
ثم قال تعالى :
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)
{ وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض وَلَقَدْ وَصَّيْنَا } أي أمرنا { الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } يعني أهل التوراة والإنجيل { وإياكم } يعني أمرناكم يا أمة محمد عليه السلام في كتابكم { أَنِ اتقوا الله } فيما أوصاكم به في كتابكم من التوحيد ، ثم بعد التوحيد بالشرائع { وَإِن تَكْفُرُواْ } يقول : تجحدوا بما أوصاكم وبوحدانية الله تعالى { فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى * السموات وَمَا فِي الارض } يعني هو غني عن عبادتكم { وَكَانَ الله غَنِيّاً } عن إيمان الخلق وطاعتهم { حَمِيداً } محموداً في أفعاله . وقوله تعالى : { وَللَّهِ مَا فِى * السموات وَمَا فِي الارض } يعني كلهم عبيده وإماؤه ، ويقال : هذا موصولاً بالأول ، وكان الله غنياً حميداً في أفعاله ، لأن له ما في السموات وما في الأرض ، وهو رازقهم والمدبر في أمورهم . ثم قال : { وكفى بالله وَكِيلاً } أي حفيظاً وربّاً ، ثم ذكر التهديد لمن رجع عن عبادته فقال : { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } أي يهلككم إذا عصيتموه { وَيَأْتِ بِاخَرِينَ } أي يخلق خلقاً جديداً غيركم من هو أطوع لله منكم ، وهذا كما قال في آية أخرى { هَآ أَنتُمْ هؤلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ والله الغنى وَأَنتُمُ الفقرآء وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أمثالكم } [ محمد : 38 ] . (1/431)
ثم قال تعالى : { وَكَانَ الله على ذلك قَدِيراً } أي يذهبكم ويأتِ بغيركم . ويقال : في الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية أو إمارة أو رئاسة ، فلا يعدل في رعيته أو كان عالماً ، فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس أن يذهبه ويأتي بغيره .
قوله تعالى : { مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا } يعني من كان يطلب الدنيا بعمله الذي يعمل ولا يريد به وجه الله ، فليعمل لآخرته كما قال : { فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والاخرة } يعني الرزق في الدنيا والثواب في الآخرة ، وهو الجنة . ويقال : في الآية مضمر فكأنه يقول : من كان يريد ثواب الدنيا نؤته منها ، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة . وقال الزجاج : كان المشركون مقرين بأن الله خالقهم ، وأنه يعطيهم خير الدنيا ، فأخبر الله تعالى أن خير الدنيا والآخرة إليه . وروي عن عيسى ابن مريم أنه قال للحواريين : أنتم لا تريدون الدنيا ولا الآخرة ، لأن الدنيا والآخرة لله تعالى ، فاعبدوه إما لأجل الدنيا وإما لأجل الآخرة . وروي في بعض الأخبار أن في جهنم وادياً تتعوذ منه جهنم ، أعد للقراء المرائين . ثم قال : { وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً } يعني عالماً بنية كل واحد منهم . وروى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « نِيَّةُ المُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ ، وَعَمَلُ المُنَافِقِ خَيْرٌ مِنْ نِيَّتِهِ » وكان يعمل على نيته .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137)
قوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ } أي كونوا قوامين بالعدل ، وأقيموا الشهادة لله بالعدل ، ومعناه قولوا الحق { وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } أي وإذا كانت عندكم شهادة ، فأدوا الشهادة ولو كانت الشهادة على أنفسكم { أَوِ الوالدين والاقربين } ثم قال : { إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً } أي أدوا الشهادة لا تكتموها ، سواء كان لغني أو لفقير ، ولا تميلوا إلى الغني لأجل غناه ، ولا تكتموا الشهادة على الفقير لأجل فقره . ويقال : اشهدوا على الوالدين كانا غنيين أو فقيرين { فالله أولى بِهِمَا } أي بالغني وبالفقير . ويقال : أولى بالوالدين وأرحم بهما إن كانا غنيين أو فقيرين . ثم قال : { فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى } أي لا تشهدوا بهواكم ، ولكن اشهدوا على ما شهدتم عليه . (1/432)
ثم قال تعالى : { أَن تَعْدِلُواْ } يعني أولى بهما أن تعدلوا على وجه التقديم والتأخير . ويقال : فلا تتبعوا الهوى أن لا تعدلوا . وقال مقاتل : يعني فلا تتبعوا الهوى للقرابة ، واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق إلى الهوى .
وقال تعالى : { وَإِن تَلْوُواْ } أي تحرفوا الشهادة وتلجلجوا بها ألسنتكم ، فلا تقيموها على الوجه لتبطل به الشهادة { أَوْ تُعْرِضُواْ } عنها فلا تشهدوا بها عند الحاكم . قرأ حمزة وابن عامر : { وَأَنْ } بواو واحدة يعني من الولاية ، يعني أقيموا الشهادة إذا وليتم . وقرأ الباقون : { وَإِن تَلْوُواْ } بواوين من التحريف { فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ } من كتمان الشهادة وإقامتها { خَبِيراً } يعني عالماً . فهذا تهديد للشاهد لكيلا لا يقصروا في أداء الشهادة ولا يكتموها . وقال النبي صلى الله عليه وسلم « مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُقِمْ شَهَادَتَهُ عَلَى مَنْ كَانَتْ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَومِ الآخِرِ فَلا يَجْحَد لِحَقَ هُوَ عَلَيْهِ بَلْ يُؤَدِّهِ ، وَلاَ يُلْجِئْهُ إِلَى السُّلْطَانِ والخُصُومَةِ »
قوله تعالى { خَبِيراً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } قال الضحاك : يعني أخبار أهل الكتابين الذين آمنوا بموسى وعيسى ، آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم . وقال في رواية الكلبي : نزلت في عبد الله بن سلام وأسيد وأسد ابني كعب ، وثعلبة بن قيس وغيرهم ، قالوا : يا رسول الله نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وبعزير ، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : « بَلْ آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَكِتَابِهِ القُرْآنِ ، وَبِكُلِّ كِتَابٍ كَانَ مِنْ قَبْلُ » فنزلت هذه الآية { خَبِيراً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذى نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ } ويقال : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } خاطب به جميع المؤمنين ، آمنوا بالله يعني اثبتوا على الإيمان .
وقال : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } يعني يوم الميثاق { بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ } ويقال : نزلت في شأن أهل الكتاب لأنه علم أن فيهم من يؤمن ، فلقربهم من الإيمان سماهم مؤمنين كما قال : { واترك البحر رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ } [ الدخان : 24 ] وكانوا لم يغرقوا بعد . ويقال : إنهم كانوا يقولون نحن مؤمنون فقال لهم : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } أي بزعمهم كما قال { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } [ الدخان : 49 ] أي بزعمه . قرأ نافع وعاصم عن حمزة والكسائي { والكتاب الذى نَزَّلَ } بنصب النون والزاي { والكتاب الذى نَزَّلَ } بنصب الألف . وقرأ الباقون ( نزل ) بضم النون وكسر الزاي ، ونزل وأنزل بضم الألف على معنى فعل ما لم يسم فاعله . (1/433)
ثم قال : { وَمَن يَكْفُرْ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليوم الاخر } أي من يجحد بوحدانية الله تعالى وملائكته أنهم عبيده ، وبرسله أنهم أنبياؤه وعبيده ، وبالبعث بعد الموت { فَقَدْ ضَلَّ } عن الهدى { ضلالا بَعِيداً } عن الحق . وقوله تعالى : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ } قال مقاتل : يعني آمنوا بالتوراة وبموسى عليه السلام ، ثم كفروا من بعد موسى ، ثم آمنوا بعيسى عليه السلام والإنجيل ، ثم كفروا من بعده { ثُمَّ ازدادوا كُفْراً } بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن . ويقال : إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا بعيسى ، ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من قبل أن يبعث ، ثم كفروا به بعدما بعث ، ثم ازدادوا كفراً يعني ثبتوا على كفرهم . وقال في رواية الكلبي : آمنوا بموسى عليه السلام ثم كفروا به بعده ، ثم آمنوا بعزير ، ثم كفروا بعيسى ، ثم ازدادوا كفراً يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقال في رواية الضحاك : نزلت في شأن أبي عامر الراهب ، وهو الذي بنى مسجد الضرار ، آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم كفر ، ثم آمن ثم كفر ومات على كفره . وقال الزجاج : يجوز أن يكون محارباً آمن ثم كفر ، ثم آمن ثم كفر ، ويجوز أن يكون منافقاً أظهر الإيمان وأبطن الكفر ، ثم آمن ثم كفر ، ثم ازداد كفراً بإقامته على النفاق . فإن قيل : إن الله تعالى لا يغفر كفراً مرة واحدة فأيش الفائدة في قوله { إِنَّ الذين ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءامَنُواْ } ؟ قيل له : لأن الكافر إذا أسلم فقد غفر له ما قد سلف من ذنبه ، فإذا كفر بعد إيمانه لم يغفر الله له الكفر الأول ، فهو مطالب بجميع ما فعل في كفره الأول ، فذلك قوله عز وجل : { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ } يعني إذا ماتوا على كفرهم { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } أي يوفقهم طريقاً .
ثم قال تعالى :
بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)
{ بَشّرِ المنافقين } وذلك أنه لما نزل قوله تعالى : { لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً } [ الفتح : 2 ] فقال المؤمنون هذا لك فما لنا؟ فنزل قوله تعالى : { وَبَشِّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ الله فَضْلاً كِبِيراً } [ الأحزاب : 47 ] فقال المنافقون : فما لنا؟ فنزل قوله تعالى { بَشّرِ المنافقين } { بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } في الآخرة . ثم نعت المنافقين فقال : { الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين } يعني اليهود { أَوْلِيَاء } في العون والنصرة { مِن دُونِ المؤمنين } ثم عيّرهم بذلك فقال { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة } يعني يطلبون عندهم المنعة والظفر على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، العزة في اللغة المنفعة والغلبة كما يقال : من عزَّ بزَّ ، أي من غلب سلب . ويقال : عز الشيء إذا اشتد وجوده ، ثم ذكر أنه لا نصرة لهم من الكفار ، والنصرة من الله تعالى ، فقال : { فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } يعني الظفر والنصر كله من الله تعالى ، وهذا كما قال في آية أخرى { يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الاعز مِنْهَا الاذل وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ولكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ } [ المنافقون : 8 ] . (1/434)
ثم قال : { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الكتاب } وذلك أن المشركين بمكة كانوا يستهزئون بالقرآن ، فنهى الله تعالى المسلمين عن القعود معهم ، وهو قوله { وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فى ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين } إلى قوله { وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فى ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين } [ الأنعام : 68 ] فامتنع المسلمون عن القعود معهم ، فلما قدموا المدينة كانوا يجلسون مع اليهود والمنافقين ، وكان اليهود يستهزئون بالقرآن ، فنزلت هذه الآية { فَقَدْ * نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الكتاب } { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الكتاب أَنْ إِذَا } أي يجحد بها { وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } أي حتى يأخذوا في كلام أحسن . ثم قال تعالى : { إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ } يعني : لو جلستم معهم كنتم معهم في الوزر ، وفي هذه الآية دليل أن من جلس في مجلس المعصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء ، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها ، فإن لم يقدر بأن ينكر عليهم ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية . وروى جويبر عن الضحاك أنه قال : دخل في هذه الآية كل محدث في الدين ، وكل مبتدع إلى يوم القيامة . قرأ عاصم { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ } بنصب النون والزاي ، وقرأ الباقون بضم النون وكسر الزاي على فعل ما لم يسم فاعله .
ثم قال تعالى : { إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً } يعني إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم ، فبدأ بالمنافقين لأنهم شر من الكفار ، وجعل مأواهم جميعاً النار . وقال في رواية الكلبي : قوله تعالى { فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } نسخ بقوله عز وجل { وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ ولكن ذكرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ الأنعام : 69 ] وقال عامة المفسرين : إنها محكمة وليست بمنسوخة .
ثم أخبر عن المنافقين ، فقال تعالى :
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)
{ الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } يعني ينتظرون بكم الدوائر ، وهو تغيير الحال عليكم { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله } يعني النصرة والغلبة على العدو { قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } فأعطونا من الغنيمة { وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ } يعني الظفر والغلبة على المؤمنين { قَالُواْ } للكفار { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } يعني : ألم نخبركم بصورة المسلمين ونطلعكم على سرهم ، ونخبركم عن حالهم . ويقال : { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } يعني : ألم نغلب عليكم بالمودة لكم . والاستحواذ هو الاستيلاء على الشيء ، كقوله تعالى { استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان فأنساهم ذِكْرَ الله أولئك حِزْبُ الشيطان أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشيطان هُمُ الخاسرون } [ المجادلة : 19 ] ثم قال : { وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين } يعني نجادل المؤمنين عنكم ونجنبهم عنكم . قال الله تعالى : { فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة } أي بين المؤمنين والمنافقين والكافرين { وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً } أي الحجة ، ويقال : دولة دائمة أي لا تدوم دولتهم . وروي عن علي كرم الله وجهه ، أنه سئل عن قوله عز وجل إن الله تعالى يقول : { وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً } وهم يسلطون علينا ويغلبوننا ، فقال : لا يسلط الكافر على المؤمن في الآخرة يوم القيامة . (1/435)
ثم بين حال المنافقين في الدنيا وخداعهم ، فقال تعالى : { إِنَّ المنافقين يخادعون الله } أي يظنون أنهم يخادعون الله { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أي يجازيهم جزاء خداعهم ، وهو أنهم يمشون مع المؤمنين على الصراط يوم القيامة ، ثم يسلبهم النور فيبكون في ظلمة . ثم قال تعالى : { إِنَّ المنافقين يخادعون الله } يعني المنافقين { قَامُواْ كسالى } أي متثاقلين { بِرَبّ الناس } أي لا يرونها حقاً ، ويصلون مراءاة للناس وسمعة { وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } قال ابن عباس : لو كان ذلك القليل لله تعالى لكان كثيراً وتقبل منهم ، ولكن لن يريدوا به وجه الله تعالى . ثم قال : { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك } أي مترددين . ويقال : منفضحين بين ذلك { لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء } يعني ليسوا مع المؤمنين في التصديق ، ولا مع اليهود في الظاهر { وَمَن يُضْلِلِ الله } أي من يخذله الله عن الهدى { فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أي مخرجاً . ثم قال : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } أي صدقوا . قال مقاتل : الذين آمنوا بزعمهم وهم المنافقون { لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين } ويقال : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } في الظاهر وأسروا النفاق . ويقال : يعني المؤمنين المخلصين ، كانت بينهم وبين اليهود صداقة ، وكانوا يأتونهم فنهاههم الله تعالى عن ذلك . فقال : { لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين } . ثم قال تعالى : { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } يعني حجة مبينة في الآخرة .
ثم بيّن مأوى المنافقين في الآخرة فقال تعالى :
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)
{ إِنَّ المنافقين فِى الدرك الاسفل مِنَ النار } المنافق في اللغة اشتقاقه من نافقاء اليربوع ، ويقال : لليربوع جحران أحدهما نافقاء ، والآخر قاصعاء ، فيظهر نفسه في أحدهما ويخرج من الآخر ، ولهذا يسمى المنافق منافقاً لأنه يظهر من نفسه أنه مسلم ، ويخرج عن الإسلام إلى الكفر . قرأ أهل الكوفة حمزة والكسائي وعاصم الدرك بجزم الراء ، وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان : الدرك والدرك ، وجماعتهما أدراك وهي المنازل بعضها أسفل من بعض ، فأعد للمنافقين الدرك الأسفل من النار وهي الهاوية . (1/436)
ثم قال تعالى : { وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } أي مانعاً يمنعهم من العذاب . ثم قال تعالى : { إِلاَّ الذين تَابُواْ } من النفاق { وَأَصْلَحُواْ } أعمالهم { واعتصموا بالله } أي تمسكوا بدين الله وبتوحيده { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } أي بتوحيدهم لله بالإخلاص ، فإن فعلوا ذلك { فَأُوْلَئِكَ مَعَ المؤمنين } أي المصدقين على دينهم لهم ، ما للمسلمين وعليهم ما عليهم . ثم قال : { وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين } أي يعطي الله المؤمنين { أَجْراً عَظِيماً } يعني ثواباً عظيماً في الآخرة . وفي هذه الآية دليل أن المنافقين هم شر خلق الله ، لأنه أوعدهم الدرك الأسفل من النار . ثم استثنى لهم أربعة أشياء التوبة والإخلاص والإصلاح والاعتصام . ثم قال بعد هذا كله : { فَأُوْلَئِكَ مَعَ المؤمنين } ولم يقل هم المؤمنون . ثم قال : { وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين } ولم يقل : سوف يؤتيهم الله بغضاً لهم وإعراضاً عنهم ، والمنافقون هم الزنادقة والقرامطة الذين هم بين المؤمنين ، يظهرون من أنفسهم الإسلام وإذا اجتمعوا فيما بينهم يسخرون بالإسلام وأهله ، فهم من أهل هذه الآية ومأواهم الهاوية . قوله تعالى : { مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ } أي ما يصنع الله بعذابكم { إِن شَكَرْتُمْ } يعني إن آمنتم بالله تعالى ووحدتموه ، ويقال : معناه ما حاجة الله إلى تعذيبكم لو كنتم موحدين شاكرين له { وَءامَنتُمْ } به وصدقتم رسله . ثم قال تعالى : { وَكَانَ الله شاكرا عَلِيماً } أي شاكراً للقليل من أعمالكم ، عليماً بأعمالكم وثوابكم . ويقال : شاكراً يقبل اليسير ويعطي الجزيل ، عليماً بما في صدوركم . ويقال : بمن شكر وآمن فلا يعذب شاكراً ولا مؤمناً .
لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)
{ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول } أي لا يحب أن يذكر بالقول القبيح لأحد من الناس { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } فيقتص من القول بمثل ما ظلم ، فلا جناح عليه . نزلت الآية في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، شتمه رجل فسكت أبو بكر مراراً ، ثم ردّ عليه ، ويقال : { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } فيدعو الله تعالى على ظالمه . وقال الفراء : { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } يعني ولا من ظلم . وقال السدي : يقول من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم فليس عليه جناح . وقال الضحاك : { لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء } أي لا يحب لكم أن تنزلوا برجل ، فإذا ارتحلتم عنه تذمون طعامه إلا رجلاً أردتم النزول عليه عند حاجتكم فمنعكم . وقال مجاهد : هو في الضيافة إذا دخل الرجل المسافر إلى القوم ، يريد أن ينزل عليهم فلم يضيفوه ، فقد رخص له أن يذكر كلاماً عنهم ويقول فيهم . ويقال : يعني يسبه مثل ما سبه ما لم يكن كلاماً فيه حد أو كلمة لا تصلح ، ولو لم يقل كان أفضل . وقرأ بعضهم : { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } متصل بما يفعل الله بعذابكم إلا من ظلم ، يعني من إشراك بالله ، وهو شاذ من القراءة ثم قال تعالى : { وَكَانَ الله سَمِيعاً عَلِيماً } أي سميعاً بدعاء المظلوم ، عليماً بعقوبة الظالم . (1/437)
ثم أخبر عن التجاوز أنه خير من الانتصار ، فقال تعالى : { إِن تُبْدُواْ خَيْراً } يعني إن تظهروا حسنة { أَوْ تُخْفُوهْ } يعني الحسنة { أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء } يعني يتجاوز عن ظالمه ولا يجهر بالسوء عنه ، فهو أفضل لأن الله تعالى قادر على عباده فيعفو عنهم ، وذلك قوله { فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً } يعني أن الله أقدر على العقوبة لكم ، فيعفو عنكم . قوله تعالى : { إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ } قال ابن عباس : نزلت الآية في أهل الكتاب ، يؤمنون بموسى وعيسى ويكفرون بغيرهما ، وهو قوله : { وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ } يعني يريدون أن يتخذوا ديناً لم يأمر به الله ورسوله { وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ } بموسى وعزير والتوراة { وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } بمحمد صلى الله عليه وسلم وبعيسى والإنجيل والقرآن { وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً } يعني بين اليهودية والإسلام . قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً } حين كفروا ببعض الرسل { وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } يهانون فيه . وقوله تعالى : { والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ } يعني أقروا بوحدانية الله تعالى وصدقوا بجميع الرسل { وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } في الإيمان والتصديق ، يعني لم يكفروا ولم يجحدوا بأحد من الأنبياء والرسل عليهم السلام ، ويصدقون بجميع الكتب { أولئك } يعني أهل هذه الصفة { سَوْف نؤتّيهِمْ أُجُورَهُمْ } أي سنعطيهم ثوابهم في الجنة { وَكَانَ الله غَفُوراً } لذنوبهم { رَّحِيماً } بهم لما كان منهم في الشرك . قرأ عاصم في رواية حفص : { يُؤْتِيهِمْ } بالياء؛ وقرأ الباقون { نؤتيهم } بالنون .
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)
قوله تعالى : { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء } يعني جملة واحدة كما جاء به موسى عليه السلام . ويقال : إن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وأصحابهما قالوا : لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتاباً تحمله الملائكة إلينا فتقرؤه . قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك } يعني إن هؤلاء من أصل أولئك القوم الذين { فَقَالُواْ } لموسى عليه السلام { أَرِنَا الله جَهْرَةً } يعني عياناً ، وهم القوم الذين ساروا مع موسى عليه السلام إلى طور سيناء { فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة } أي أحرقتهم النار { بِظُلْمِهِمْ } أي بقولهم وسؤالهم { ثُمَّ اتخذوا العجل } أي ومع ذلك ، قد عبدوا العجل وهم قوم موسى في حال غيبته { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } أي جاءهم موسى بالآيات والعلامات { فَعَفَوْنَا عَن ذلك } كله ولم نستأصلهم { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن } أي حجة بينة ، وهي اليد والعصا { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ } يقول : قلعنا فوقهم { الطور بميثاقهم } يعني بإقرارهم بما في التوراة حين أبوا أن يتقبلوا الشرائع { وَقُلْنَا لَهُمُ ادخلوا الباب سُجَّداً } يعني باب أريحة منحنية أصلابهم { وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِى السبت } يقول : لا تستحلوا أخذ السمك في يوم السبت . قرأ نافع في رواية ورش { لاَ تَعْدُواْ } بالتشديد ، لأن أصله لا تعتدوا ، فأدغم التاء في الدال وأقيم التشديد مقامه . وقرأ الباقون { لاَ تَعْدُواْ } بالتخفيف من عدا يعدو عدواناً . (1/438)
ثم قال تعالى : { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً } يعني إقراراً وثيقاً شديداً في التوراة ، يعني تركوا هذه الأشياء كلها ونقضوا الميثاق . ثم قال عز وجل : { فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } ولم يذكر في هذه الآية جوابهم ، والجواب فيه مضمر فكأنه قال : وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ، فبنقضهم الميثاق لعنهم الله تعالى وخذلهم كقوله { فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثاقهم وَكُفْرِهِم بأايات الله وَقَتْلِهِمُ الانبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } [ النساء : 155 ] ثم قال : { وَكُفْرِهِم بئايات الله } يعني بكفرهم بآيات الله لعنهم الله وخذلهم . ثم قال تعالى : { وَقَتْلِهِمُ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ } يعني : وبقتلهم الأنبياء بغير جرم { وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } يعني : ذا غلاف ولا نفقه حديثك ، وقرأ بعضهم : غلف بضم اللام وجماعة الغلاف يعني أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك . قال الله تعالى : { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا } يعني ختم الله على قلوبهم { بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي لا يؤمنون إلا قليل منهم ويقال لا يؤمنون إلا بالقليل لأنهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض . وقال مقاتل : يعني ما أقل ما يؤمنون ، يقول : بأنهم لا يؤمنون البتة .
ثم قال تعالى : { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً } وذلك أن مريم كانت متعبدة لله تعالى ناسكة ، اصطفاها الله تعالى بولد بغير أب ، فعيرها اليهود واتهموها وقذفوها بيوسف بن ماثان ، وكان يوسف خادم بيت المقدس ويقال : كان ابن عمها ، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم وبيّن بهتانهم فقال : { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً } يعني لعنهم الله وخذلهم بذلك { وَقَوْلِهِمْ } أي وبقولهم { إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله } هذا قول الله لا قول اليهود وقول اليهود إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم . ثم قال الله تعالى { رَسُولِ الله } يعني الذي هو رسول الله؛ وذلك أن اليهود لما اجتمعوا على قتله هرب منهم ودخل في بيت ، فأمر ملك اليهود رجلاً يدخل البيت يقال له يهوذا ويقال ططيانوس ، فجاء جبريل عليه السلام ورفع عيسى عليه السلام إلى السماء ، فلما دخل الرجل إلى البيت لم يجده ، فألقى الله شبه عيسى عليه ، فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وصلبوه . ثم قالوا : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فاختلفوا فيما بينهم ، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم فقال : { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ } يعني ألقي شبه عيسى على غيره فقتلوه . ثم قال { وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِى شَكّ مّنْهُ } أي من قتله { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } يعني لم يكن عندهم علم يقين أنه قتل أو لم يقتل { إِلاَّ اتباع الظن } أي قالوا قولاً بالظن { وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً } أي لم يستيقنوا بقتله ، ويقال : يقيناً ما قتلوه { بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } وقال مقاتل : بل رفعه الله إلى السماء في شهر رمضان ليلة القدر . وقال الضحاك : رفعه في يوم عاشوراء بين صلاتي المغرب والعشاء . ثم قال تعالى : { وَكَانَ الله عَزِيزاً } أي منيعاً حين منع عيسى من القتل { حَكِيماً } حين حكم رفعه إلى السماء . (1/439)
وقوله عز وجل :
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)
{ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب } يقول : وما من أهل الكتاب { إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ } يعني بعيسى عليه السلام { قَبْلَ مَوْتِهِ } وذلك أن اليهودي إذا حضرته الوفاة وعاين أمر الآخرة ضربته الملائكة ، وقالت له : يا عدو الله أتاك عزير فكذبته ، ويقال للنصراني : يا عدو الله أتاك عبد الله ورسوله ، وهو عيسى ، فزعمت أنه ابن الله ، فيؤمن عند ذلك ويقر أنه عبد الله ورسوله ، ولا ينفعه إيمانه في ذلك الوقت ، ويكون إيمانهم عليهم شهيداً يوم القيامة . وروي عن مجاهد أنه قال : ما من أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن بعيسى عليه السلام قبل موته ، فقيل له : وإن غرق أو احترق أو أكله السبع يؤمن بعيسى عليه السلام؟ فقال : نعم . وروي أن الحجاج بن يوسف سأل شهر بن حوشب عن هذه الآية فقال إني لأوتى بالأسير من اليهود والنصارى ، فآمر بضرب عنقه ، وأنظر إليه في ذلك الوقت فلا أرى منه الإيمان ، فقال له شهر بن حوشب : إنه حين يعاين أمر الآخرة يقر بأن عيسى عبد الله ورسوله فيؤمن به ولا ينفعه . فقال له الحجاج : من أين أخذت هذا؟ قال : أخذته من محمد بن الحنفية . فقال له الحجاج : لقد أخذت من عين صافية . وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : { قَبْلَ مَوْتِهِ } يعني قبل موت عيسى عليه السلام هكذا قال الحسن . (1/440)
قال الفقيه : حدّثنا عمر بن محمد ، قال : حدّثنا أبو بكر الواسطي ، قال : حدّثنا إبراهيم بن يوسف ، قال : حدّثنا يزيد بن زريع ، عن رجل ، عن الحسن في قوله : { وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } قال : قبل موت عيسى ، والله إنه لحي عند الله الآن ، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون . وروي عن ابن عباس أنه قال : يمكث عيسى عليه السلام في الأرض أربعين سنة نبياً إماماً مهدياً ، ثم يموت وتصلي عليه هذه الأمة . وقال الضحاك : يهبط عيسى عليه السلام من السماء إلى الأرض بعد خروج الدجال ، فيكون هبوطه على صخرة بيت المقدس ، ثم يقتل الدجال ، ويكسر الصليب ، ويهدم البيع والكنائس ، ولا يبقى على وجه الأرض يهودي ولا نصراني إلا آمن بالمسيح ودخل في الإسلام .
ثم قال تعالى : { وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } يعني يكون عليهم عيسى عليه السلام شهيداً ، بأنه قد بلغهم الرسالة . قوله تعالى : { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } يعني بشركهم حرمنا عليهم أشياء كانت حلالاً لهم ، وهو كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم أحلت لهم { وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً } أي بصرفهم كثيراً من الناس عن دين الله على وجه التقديم { وَأَخْذِهِمُ الربا } أي حرم عليهم الحلال بكفرهم ، وبصرف الناس عن دين الله ، وبأخذهم الربا { وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } أي يعني عن أخذ الربا في التوراة { وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل } وهو أخذ الرشوة في الحكم { وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } أي هيأنا لهم عذاباً وجيعاً دائماً .
لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)
وقوله : { لكن الراسخون فِى العلم مِنْهُمْ } يعني المبالغون في العلم الذين أدركوا علم الحقيقة ، وهم مؤمنو أهل الكتاب ، وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا : هذه الأشياء كانت حراماً في الأصل وأنت تحلها ، ولم تكن حرمت بظلمنا ، فنزل { لكن الراسخون فِى العلم مِنْهُمْ } يصدقون بما أنزل إليك أنه الحق ، ويقال : إن مؤمني أهل الكتاب يعلمون أن الذي أنزل إليك من القرآن هو الحق ، وأنك نبي مبعوث وهو مكتوب عندهم . ثم قال : { والمؤمنون } يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم { يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } ثم قال : { والمؤمنون بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } يعني يصدقون بالقرآن { وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } ويصدقون بما أنزل من قبلك من كتب الله . (1/441)
ثم وصفهم فقال : { والمقيمين الصلاة } قال بعض الجهال : هذا غلط الكاتب حيث كتب مصحف الإمام ، كان ينبغي أن يكتب والمقيمون فأوهم وكتب والمقيمين . واحتج بما روي عن عائشة أنها قالت : ثلاثة أحرف في المصحف غلط من الكاتب : قوله تعالى : { والمقيمين الصلاة } وقوله { والصابئون والنصارى } وقوله { إِنْ هاذان لساحران } وروي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها ، ولكن هذا بعيد عند أهل العلم والخبر ، لم يثبت عن عثمان ولا عن عائشة رضي الله عنهما ، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا حماة الدين والقدوة في الشرائع والأحكام ، فلا يظن بهم أنهم تركوا في كتاب الله تصحيفاً يصلحه غيرهم ، وهم أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . والمعنى في قوله { والمقيمين الصلاة } قال بعضهم : يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة ، يعني بالنبيين المقيمين الصلاة . وقال بعضهم : لكن الراسخون في العلم منهم ، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك .
ثم قال تعالى : { والمؤتون الزكواة } يعني الذين يعطون الزكاة المفروضة { والمؤمنون بالله واليوم الاخر } يعني المقرون بوحدانية الله تعالى وبالبعث بعد الموت . ثم قال : { أولئك } يعني أهل هذه الصفة { سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً } أي يعطيهم الله في الآخرة ثواباً عظيماً وهو الجنة . قرأ حمزة { سيؤتيهم } بالياء وقرأ الباقون بالنون .
قوله تعالى :
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)
{ إنا أوحينا إليك } يعني أرسلنا إليك جبريل { إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ } يعني كما أرسلنا إلى نوح ، ويقال : أوحينا إليك بأن تثبت على التوحيد وتأمر الناس بالتوحيد ، كما أوحينا إلى نوح بأن يثبت على التوحيد ، ويدعو الناس إلى التوحيد { والنبيين مِن بَعْدِهِ } أي أوحينا إليهم بذلك { وَأَوْحَيْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل *** وإسحاق } وهما ابنا إبراهيم عليهم السلام { وَيَعْقُوبَ } وهو ابن إسحاق { وَالاسْبَاطَ } وهم أولاد يعقوب عليه السلام ، كانوا اثني عشر سبطاً ، أوحينا إلى أنبيائهم بأن يثبتوا على التوحيد ، ويدعوا الناس إلى ذلك ، { و } أوحينا إلى { عيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } قرأ حمزة : { زَبُوراً } بضم الزاي . وقرأ الباقون بالنصب في جميع القرآن ، ومعناهما واحد ، وهو عبارة عن الكتاب . ثم قال : { وَرُسُلاً قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ } يعني قد سميناهم لك من قبل ، يعني بمكة { وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ } يعني لم نسمهم لك ، وقد أرسلناك كما أرسلنا هؤلاء . وروي عن كعب الأحبار أنه قال : كان الأنبياء ألفي ألف ومائتي ألف . وقال مقاتل : كان الأنبياء ألف ألف ، وأربعمائة ألف ، وأربعة وعشرين ألفاً . وروي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « بُعِثْتُ عَلَى أَثَرِ ثَمَانِيَةِ آلافٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْهُمْ أَرَبَعَةُ آلافٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ » قال الفقيه أبو الليث : حدّثنا الفقيه أبو جعفر ، قال : حدّثنا أحمد بن محمد القاضي ، قال : حدّثنا إبراهيم بن حشيش البصري ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث الأعور ، عن أبي ذر الغفاري قال : قلت يا نبي الله كم كانت الأنبياء؟ وكم كان المرسلون فقال صلى الله عليه وسلم : « كَانَتِ الأنْبِياءُ مِائَةَ ألْفِ نَبِيٍّ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ نَبِيٍّ ، وَكَانَ المُرْسَلُونَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ » ثم قال : { وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً } قال بعضهم : معناه أنه قد أوحى إليه ، وإنما سماه كلاماً على وجه المجاز كما قال في آية أخرى { أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } [ الروم : 35 ] أي يستدلون بذلك ، والعرب تقول : قال الحائط كذا . وقال عامة المفسرين وأهل العلم : إن هذا كلام حقيقة لا كلام مجاز ، لأنه قد أكده بالمصدر حيث قال : { وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً } والمجاز لا يؤكد لأنه لا يقال : قال الحائط قولاً ، فلما أكده بالمصدر نفى عنه المجاز ، وقال في موضع آخر : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 40 ] وقد أكده بالتكرار ونفى عنه المجاز . وقال في موضع آخر { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ } [ الشورى : 51 ] يعني الأنبياء الذين لم يكونوا مرسلين ، فأراهم في المنام أو من وراء حجاب بكلام مثل ما كلم الله موسى ، أو يرسل رسولاً وهو رسالة جبريل إلى المسلمين . ثم قال تعالى : (1/442)
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169)
{ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } أي أرسلنا رسلاً مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار { لِئَلاَّ يَكُونَ } يقول : لكيلا يكون { لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } يعني : بعد إرسال الرسل ، كي لا يقولوا يوم القيامة إنك لم ترسل إلينا رسولاً . ولو أن الله تعالى لم يرسل رسولاً كان ذلك عدلاً منه إذ أعطى كل واحد من خلقه من العقل ما يعرفه ، ولكن أرسل تفضلاً منه ، ولكي يكون زيادة في الحجة عليهم . ثم قال تعالى : { وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً } . { عَزِيزاً } بالنقمة لمن يجحده { حَكِيماً } حكم إرسال الرسل والأنبياء عليهم السلام . قوله تعالى : { لكن الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } قال ابن عباس : وذلك أن رؤساء مكة أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا سألنا اليهود عن صفتك ونعتك ، فزعموا أنهم لا يعرفونك في كتابهم ، فأتِنا بمن يشهد لك بأنك نبي مبعوث فنزل : { لكن الله يَشْهَدُ } يعني إن لم يشهد لك أحد منهم ، فالله تعالى أعظم شهادة من خلقه ، هو يشهد لك بأنك نبيّ ويظهر نبوتك . قال القتبي : هذا من الاختصار لأنه لما نزل { إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والاسباط وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وهارون وسليمان وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } [ النساء : 163 ] قال المشركون : لا نشهد لك بهذا فمن يشهد لك؟ فنزلت هذه الآية حكاية قولهم . فقال تعالى { لكن الله يَشْهَدُ } { بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } لأن كلمة لكن إنما تجيء بعد نفي شيء ، فوجب ذلك الشيء بها . (1/443)
ثم قال تعالى : { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } أي بأمره . ويقال : أنزل القرآن الذي فيه علمه . ثم قال تعالى : { والملئكة يَشْهَدُونَ } أيضاً على شهادتك بالذي شهدت أنه الحق { وكفى بالله شَهِيداً } فلا أحد أفضل من الله تعالى ، شهادة بأنه أنزل عليك القرآن . قوله تعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } يعني صرفوا الناس عن دين الله { قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً } عن الحق . ثم قال تعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ } أي جحدوا وأشركوا { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ } أي ما داموا على كفرهم { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً } يعني : لا يوفقهم لطريق الإسلام { إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } يعني : يتركهم ويخذلهم في طريق الكفر عقوبة لكفرهم ولجحودهم وهو طريق جهنم . ويقال : إلا العمل الذي يجبرهم إلى جهنم . وقال الضحاك : لا يهديهم طريقاً يوم القيامة ، أي لا يرفع لهم إلا طريق جهنم . وذلك أن أهل الإيمان يرفع لهم في الموقف طريق تأخذ بهم إلى الجنة ، ويرفع لأهل الكفر طريق ينتهي بهم إلى النار . ثم قال تعالى : { خالدين فِيهَا أَبَداً } أي دائمين فيها { وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً } أي خلودهم وعذابهم في النار هيّن على الله تعالى .
قوله تعالى :
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)
{ أَيُّهَا الناس } قال ابن عباس : يعني أهل مكة { قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ } أي بشهادة أن لا إله إلا الله ، ويقال : ببيان الحق . ويقال : للحق ، يعني للعرض والحجة وقوله تعالى : { قَدْ جَاءكُمُ } على وجه المجاز ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان فيهم ، ولكن معناه أنه قد ظهر فيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال في آية أخرى { لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [ التوبة : 128 ] أي ظهر فيكم ثم قال : { يأَيُّهَا الناس قَدْ } أي صدقوا بوحدانية الله تعالى ، والقرآن الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم خيراً لكم من عبادة الأوثان ، لأن عبادة الأوثان لا تغنيكم شيئاً . ثم قال تعالى : { وَإِن تَكْفُرُواْ } أي إن تجحدوا بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم ، فإن الله غنيٌّ عنكم { فَإِنَّ للَّهَ مَا فِي السموات والارض } كلهم عبيده وإماؤه { وَكَانَ الله عَلِيماً } بخلقه { حَكِيماً } في أمره . (1/444)
ثم قال تعالى : { حَكِيماً يأَهْلَ الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } قال الضحاك : أي لا تكذبوا في دينكم . وقال بعض أهل اللغة : الغلو مجاوزة القدر في الظلم . ويقال : الغلو أن تجاوز ما حدَّ لك . وقال القتبي : يعني لا تفرطوا في دينكم ، فإن دين الله بين المقصر والغالي . وغلا في القول إذا تجاوز المقدار . وقال ابن عباس : وذلك أن اليعقوبية وهم صنف من النصارى قالوا : عيسى هو الله . وقالت النسطورية : هو ابن الله . وقالت المرقوسية ويقال لهم الملكانية : هو ثالث ثلاثة ، فنزل { حَكِيماً يأَهْلَ الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } . قال مقاتل : الغلو في الدين أن يقول على الله غير الحق . ويقال : لا تتعمقوا في دينكم . ثم قال تعالى : { وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } يعني : لا تصنعوا بالله بما لا يليق بصفاته ، فإن الله تعالى واحد لا شريك له ولا ولد له .
ثم قال تعالى : { إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ } وهو قوله { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 40 ] ثم قال : { وَرُوحٌ مّنْهُ } قال ابن عباس في رواية الكلبي : يعني أمر منه فأتاها جبريل ، فنفخ في جيب درعها فدخلت تلك النفخة بطنها ، ثم وصل إلى عيسى ابن مريم فتحرك في بطنها وأمه أمة الله تعالى { مَّا كَانَ الله } يعني : صدقوا بوحدانية الله تعالى وبما جاءكم به الرسل من الله تعالى { وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة } يعني : لا تقولوا إن الله ثالث ثلاثة { انتهوا خَيْراً لَّكُمْ } يقول : توبوا إلى الله تعالى من مقالتكم ، فالتوبة خيرٌ لكن من الإصرار على الكفر { إِنَّمَا الله إله واحد } ثم نزّه نفسه عما قال الكفار فقال : { سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } . ثم قال تعالى : { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض } من الخلق { وكفى بالله وَكِيلاً } يعني كفيلاً ويقال شاهداً ولا شاهد أفضل منه .
قوله تعالى :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173)
{ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله } يعني : لن يتعظم ولن يأنف ولن يتكبر . ويقال : لن يحتشم أن يكون عبداً لله . ويقال : إن وفد نجران أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وناظروه في أمر عيسى عليه السلام ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : كان عبد الله ورسوله ، فقالوا : لا تقل هكذا فإن عيسى يأنف عن هذا القول ، فنزل تكذيباً لقولهم { لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ } يعني كان عيسى مقرّاً بالعبودية . ثم قال تعالى : { وَلاَ الملئكة المقربون } يعني حملة العرش لن يأنفوا عن الإقرار بالعبودية . وقال مقاتل : الملائكة المقربون أقرب إليه ، فلم يأنفوا عن عبادته فكيف يأنف عيسى عليه السلام وهو عبد من عباده؟ (1/445)
ثم قال تعالى : { وَمَن يَسْتَنْكِفْ } أي يتعظم { عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ } والاستكبار هو الاستنكاف ، يقال : استنكف واستكبر يعني استكبر عن طاعته { فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } يأمر بهم إلى النار . ثم قال عز وجل : { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } أي يوفر لهم ثواب أعمالهم { وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } أي من رزقه في الجنة { وَأَمَّا الذين استنكفوا واستكبروا } عن عبادة الله تعالى { فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً } أي وجيعاً دائماً { وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله } يعني من عذاب الله { وَلِيّاً } يعينهم { وَلاَ نَصِيراً } مانعاً يمنعهم .
ثم قال عز وجل :
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)
{ يَأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ } أي بياناً من ربكم وحجة من ربكم ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } أي بياناً من العمى وبيان الحلال من الحرام ، وهو القرآن . قوله تعالى : { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله } أي صدقوا بوحدانية الله تعالى { واعتصموا بِهِ } أي تمسكوا بدينه { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ } يعني الجنة { وَفَضَّلَ } أي الثواب { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ } أي يرشدهم إلى دينه ، ويوفقهم لذلك . وفي الآية تقديم وتأخير فكأنه يقول : يهديهم في الدنيا { صراطا مُّسْتَقِيماً } أي ديناً لا عوج فيه ، ويثيبهم على ذلك ويدخلهم في الآخرة في رحمة منه وفضل وهو الجنة والكرامة . (1/446)
قوله تعالى : { يَسْتَفْتُونَكَ } يعني يسألونك في حكم الميراث { قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة } روي عن قتادة أنه قال : الكلالة من لا ولد له ولا والد ، وكذلك قال ابن عباس : وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : إني قد رأيت رأياً فإن يكن صواباً فمن الله ، وإن يكن خطأ فمن نفسي ومن الشيطان : الكلالة ما عدا الوالد والولد . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ثلاث لا يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهن لنا كان أحب إليّ من الدنيا وما فيها : الكلالة ، والخلافة ، وأبواب الربا . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الكلالة فقال : « أَلَمْ تَرَ الآيةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي النِّسَاءِ { قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } » يعني هذا تفسير الكلالة . وهذه الآية نزلت في شأن جابر بن عبد الله ، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن لي أختاً فما لي من ميراثها؟ فنزلت هذه الآية ، فبيّن ميراث جابر أولاً ثم ميراث أخته ، فصارت الآية عامة لجميع الناس . قال : { إِن امرؤ هَلَكَ } يعني إن مات رجل { لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } من المال { وَهُوَ يَرِثُهَا } يعني إذا ماتت الأخت والأخ حيّ ورثها { إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ } وقد ذكرت الآية حكم الأخ والأخت إذا لم يكن لهما ولد ، ولم يبين أنه لو كان لأحدهما ولد فمات أحدهما فما حكمه؟ ولكن بيّن على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن للابنة النصف ، وما بقي فللأخت وإن كانت الأخت هي التي ماتت وتركت ابنة وأخاً ، فللابنة النصف وما بقي فللأخ . وفي هذا إجماع وفي الأول اختلاف قال ابن عباس : لا ترث الأخت مع الابنة شيئاً ، وخالفه جميع الصحابة وقالوا كلهم : الأخوات مع البنات عصبة .