صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : بحر العلوم |
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)
ثم نَعَتَ المتقين فقال : { الذين يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء والضراء } الخ الآية . نعت للمتقين . ويقال إن كل نعت من ذلك هو نعت على حدة ، فكأنه يقول : أعدت للمتقين الذين ينفقون من السراء . . . الخ . قوله : { فِى السَّرَّاء والضراء } أي ينفقون أموالهم في حال اليسر وفي حال العسر ، وهذا قول الكلبي . وقال مقاتل والضحاك : في حال السعة والشدة . ويقال : في حال الصحة والمرض . ويقال : { فِى السَّرَّاء } ، يعني في حال الحياة . وفي الضراء ، يعني بعد الموت . ويقال في سراء المسلمين في عرسهم وولائمهم ، والضراء في نوائبهم ومآتمهم . ويقال { فِى السَّرَّاء } يعني النفقة التي تسرّكم ، مثل النفقة التي على الأولاد والأقربين { والضراء } النفقة على الأعداء والكاشحين . ويقال { فِى السَّرَّاء } يعني على الأنبياء يضيفهم ويهدي إليهم { والضراء } يعني على أهل الضر يتصدق عليهم . (1/314)
{ والكاظمين الغيظ } يعني المرددين الغيظ في أجوافهم ، وأصله في اللغة : كظم البعير إذا رَدَّد جِرَّتَه . ومعناه : الذين إذا أصابهم الغيظ تجاوزوا ولم يعاقبوا . { والعافين عَنِ الناس } قال الكلبي : يعني عن المملوكين . ويقال : والعافين عن الناس بعد قدرتهم عليهم فيعفوا عنهم { والله يُحِبُّ المحسنين } من الأحرار والمملوكين ، ويقال : الذين يحسنون بعد العفو ويزيدون عليه إحساناً وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ ينفذَهُ ثُمَّ لَمْ يُنفِذْهُ زَوَّجَهُ الله مِنَ الحُورِ العينِ حَيْثُ يَشَاءُ » ، وفي خبر آخر : عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « مَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلمَةٍ قَطّ إِلاّ زَادَهُ الله بِهَا عِزّاً » .
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)
قوله تعالى : { والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة } نزلت في شأن رجل تَمَّار ، جاءت امرأة تشتري منه تمراً ، فأدخلها في حانوته وقبلها ثم ندم على ذلك ، فنزلت هذه الآية . ويقال : نزلت هذه الآية في رجل مَسّ امرأة أخيه في الله ، وكان أخوه خرج غازياً ، ثم ندم وتاب . ويقال : إنها نزلت في شأن بهلول النباش ، تاب عن صنيعه فنزلت هذه الآية . فقال تعالى : { والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة } يعني الزّنى . { أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } يعني القُبْلَة واللمس . ويقال : الفاحشة كل فعل يستوجب به الحد في الدنيا { أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } ما دون ذلك . ويقال : الفاحشة ما استوجب به النار ، { أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } ما استوجب به الحساب والحبس . وقال إبراهيم النخعي : الظلم هاهنا تفسير الفاحشة فكأنه يقول : { والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } . { ذَكَرُواْ الله } أي خافوا الله ، ويقال ذكروا مقامهم بين يدي الله . ويقال : ذكروا عذاب الله . { فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ } يعني الاستغفار باللسان والندامة بالقلب . ويقال : الاستغفار باللسان بغير ندامة القلب توبة الكذابين . وروي عن الحسن البصري أنه قال : استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار الكثير . (1/315)
ثم قال تعالى : { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } يعني لا يغفر الذنوب إلا الله { وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ } يعني : لم يقيموا على ما فعلوا من المعصية { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنها معصية فلا يرجعون . ويقال : في الآية تقديم وتأخير ، فكأنه يقول : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ، ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون ، ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا الله { أولئك } يعني أهل هذه الصفة { جَزَآؤُهُمْ } يعني ثوابهم { مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ وجنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } يعني : نعم ثواب العاملين الجنة ، وهو قول الكلبي . وقال مقاتل : نعم ثواب التائبين من الذنوب الجنة { وَقَدْ خَلَتْ مِن * قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } أي قد مضت لكل أمة سنة ومنهاج ، فإذا اتبعوها رضي الله عنهم . قال الكلبي : قد مضت سنة بالهلاك فيمن كان قبلكم ، { فانظروا } : أي فاعتبروا كيف كان جزاء المكذبين . وقال مقاتل نحو هذا ، وقال : يخوف الله هذه الأمة بمثل عذاب الأمم السابقة . وقال السدي : { فَسِيرُواْ فِى الارض } أي اقرؤوا القرآن { فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } لأن من لم يسافر فإنه لا يعرف ذلك ، وأما من قرأ القرآن فإنه يعرف ذلك . وقال الحسن : اقرؤوا القرآن وتدبروا فيه ، فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين .
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)
ثم قال : { هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ } يعني القرآن ، بيان للناس من الضلالة { وهدى } من العمى { وَمَوْعِظَةً } من الجهل ، ويقال : { هُدًى وَمَوْعِظَةً } أي كرامة ورحمة { لّلْمُتَّقِينَ } { وَلاَ تَهِنُواْ } أي لا تضعفوا ولا تجبنوا ، ويقال : ولا تَعْجزوا عن عدوكم { وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما أصابكم من القتل والهزيمة يوم أحد { وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ } يعني : الغالبون يقول آخر الأمر لكم . ويقال : { وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ } في الجنة . ويقال : هذا وعد لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في المستأنف { وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ } أي الغالبون على الأعداء بعد أحد ، فلم يخرجوا بعد ذلك في عسكر إلا ظفروا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي كل عسكر كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا كان فيه واحد من الصحابة كان الظفر لهم ، فهذه البلدان كلها إنما فتحت في عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بعد انقراضهم ما فتحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتحون في ذلك الوقت . ويقال : في هذه الآية بيان فضل هذه الأمة ، لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه لأنه قال لموسى عليه الصلاة والسلام : { قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الاعلى } [ طه : 68 ] وقال لهذه الأمة : { وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ } ويقال اشتُقَّت هذه اللفظة من اسم الله تعالى ، لأن اسمه العلي الأعلى . وقال للمؤمنين : { وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يعني : إن كنتم مصدقين بوعد الله . ويقال : معناه إذ كنتم مؤمنين . ويقال : في الآية تقديم وتأخير ، فكأنه قال : ولا تهنوا ولا تحزنوا إن كنتم مؤمنين وأنتم الأعلون . (1/316)
ويقال : إن هذا وعد لهم بأنهم غالبون إن ثبتوا وصدقوا ، فلو أنهم ثبتوا وصدقوا لغَلَبُوا كما غَلَبوا يوم بدر ، ولكنهم تركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع الأمر عليهم . وكانت القصة في ذلك أنهم لما غَلَبُوا المشركين يوم بدر ، وأصابوا منهم ما أصابوا وسنذكر قصة بدر في سورة الأنفال إن شاء الله تعالى فرجع أبو سفيان بن حرب إلى مكة بالعير ، وانهزم المشركون ، وذهب عكرمة بن أبي جهل ، ورجال أُصِيب أبناؤهم وآباؤهم وإخوانهم ببدر إلى أبي سفيان بن حرب وهو رئيس مكة فكلموه ، وأتاه كل من كان له في ذلك العير مال ، فقالوا : إن محمداً قد قتل خياركم ، فاستعينوا بهذه الأموال على حربه ففعلوا . قال الضحاك : فأعانهم أبو سفيان بمائة راحلة وما يصلحها من الزاد والسلاح ، فسارت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل ، وعليهم أبو سفيان بن حرب ، وكان في القوم خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعكرمة بن أبي جهل ، وذلك قبل دخولهم في الإسلام ، فلم يبقَ أحد من قريش إلا وخرج أهله معه وولده يجعلهم خلف ظهره ليقاتل عنهم .
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس ، وقال في خطبته : « إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ فِي سَيْفِي ثلمَةُ فَأَوَّلْتُهَا مصِيبَةً فِي نَفْسِي ، وَرَأَيْتُ بُقُوراً قَدْ ذُبِحَتْ ، فَأَوَّلْتُهَا قَتْلَى فِي أَصْحَابِي ، وَرَأَيْتُ كَأَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ ، فَأَوَّلْتُهَا المَدِينَةَ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ » وكره الخروج إليهم ، فكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يخرج إليهم ، ولكنه كان منافقاً فقال : يا رسول الله لا تخرج إليهم فأنا ما خرجنا إلى عدوّ قط إلا أصاب منا ، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه . فقال رجال من المسلمين ممن أكرمهم الله بالشهادة وغيرهم ممن فاتته بدر : اخرج لهم يا رسول الله ، لكي لا يرى أعداء الله أنا قد جَبُنَّا عنهم وضعفنا عن قتالهم . فلم يزالوا به حتى دخل ولبس لأمته ، ثم خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم وقد خرج الناس فقالوا : استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقالوا : يا رسول الله : قد استكرهناك وما كان لنا ذلك ، فإن شئت فاخرج ، وإن شئت فاقعد . فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : « مَا يَنْبَغِي لِلنَّبِيِّ أَنْ يَضَعَ سِلاَحَهُ إِذَا لَبِسَهُ حَتَّى يُقَاتِلَ » فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسار إلى أُحدٍ ، فانخذل عبد الله بن أبي ابن سلول . قال في رواية الكلبي : فرجع معه ثلاثمائة من الناس ، وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو سبعمائة رجل . وقال في رواية الضحاك : فانخذل في ستمائة رجل من اليهود ، وبقي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ألف رجل من المؤمنين الطيبين . ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشِّعب من أحد ، وأمر عبد الله بن جبير على الرُّمَاة وقال لهم : « لاَ تَبْرَحُوا مِنْ هَذَا المَوْضِعِ ، وَاثْبُتُوا هاهنا إِنْ كَانَ الأَمْرُ عَلَيْنَا أَوْ لَنَا » وقال في رواية الكلبي : كان الرماةُ خمسين رجلاً . وقَال في رواية الضحاك : كانوا سبعين رجلاً . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره إلى أُحد ، ودنا المشركون وأخذوا في الحرب ، فقامت هند امرأة أبي سفيان وصواحبتها حين حميت الحرب ، يضربن بالدُّفوف خلف قريش ويقلن : (1/317)
نَحْنُ بَنَاتُ طَارِق ... نَمْشِي على النَّمَارق
إِن تُقْبِلُوا نُعَانِق ... أَو تُدْبِرُوا نفارق
فِرَاقَ غَيْرَ وَامِق ... فقاتل أبو دجانة في نفر من المسلمين قتالاً شديداً ، وقاتل علي بن أبي طالب حتى انكسر سيفه ، وقاتل سعد بن أبي وقاص ، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول لسعد : « ارْمِ فَداكَ أَبِي وَأُمِّي » فقتلوا جماعة من المشركين ، وَصَدَقَهم الله وعده وأنزل نصره ، حتى كانت هزيمة القوم لا شكّ .
فكشفوهم عن عسكرهم قال الزبير : رأيت هنداً وصواحبتها هوارب ، فلما نظر الرماة إلى القوم وانهزموا ، أقبلوا على النهب فقال لهم عبد الله بن جُبَيْر : لا تَبْرحوا عن هذا الموضع ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عَهِدَ إليكم . فلم يلتفتوا إلى قوله ، وظنوا أن المشركين قد انهزموا؛ فبقي عبد الله بن جبير مع ثمانية نفر ، فخرج خالد بن الوليد مع خمسين ومائتي فارس من قِبَل الشِّعب ، فقتلوا من بقي من الرماة ، ودخلوا خلف أقفية المسلمين ، وتفرق المسلمون ورجع المشركون ، وحملوا حملةً واحدة ، فصار المسلمون ثلاثة أنواع : بعضهم جريح ، وبعضهم قتيل ، وبعضهم منهزم . (1/318)
وكان مصعب بن عمير يَذُبُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قُتِلَ دونه ، ثم قاد زياد بن السكن فقاتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قُتِلَ ، وخلص الحرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقذف بالحجارة حتى وقع بشفتيه ، وأصيبت رباعيَتُه ، وكُلِمَتْ شفته ، وأدمي ساقه . فقال سفيان بن عيينة : لقد أصيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثين رجلاً ، كلهم جثوا بين يديه . أو قال : كلهم يتقدم بين يديه . ثم يقول : وجهي لوجهك الوفاء ، ونفسي لنفسك الفداء ، وعليك سلام الله غير مودع . فرجع الذي قتل مصعب بن عمير ، فظن أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال للمشركين : قتلت محمداً . فصرخ صارخ : ألا إن محمداً قد قُتل . ويقال : كان ذلك إبليس لعنه الله ، فولى المسلمون هاربين متحيّرين ، وجاء إبليس لعنه الله ونادى بأعلى صوته في المدينة : ألا إن محمداً قد قتل وأَخَذَت النسوة في البكاء في البيوت ، فأقبل أَنَس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب ، وطلحة بن عبيد الله في رِجَالٍ من المهاجرين والأنصار ، فقال : ما يُجْلسكم؟ قالوا : قتل محمد . فقال : ما تصنعون بالحياة بعده؟ موتوا كراماً على ما مات عليه نبيُّكم . ثم أقبل نحو العدو ، فقاتل حتى قتل .
قال كعب بن مالك : فأوّل من كنت عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين ، عرفت عينيه من تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين أبشروا ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأشار إليَّ أَن اسكت . وقال أنس بن مالك : قد شجّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسح الدم ويقول : « كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِالدَّمِ » وهو يدعوهم إلى ربهم . ويقال : إن أصحابه لما اجتمعوا قالوا : يا رسول الله ، لو دعوت الله على هؤلاء الذين صنعوا بك؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : « لَمْ أُبْعَثْ طَعَّاناً وَلاَ لَعَّاناً ، وَلَكِن بُعِثْتُ دَاعِياً وَرَحْمَةً اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ »
فجاءه أُبَيّ بن خلف الجمحي ، فقال : يا محمد لا نَجوتُ إن نجوتَ مني . فهمَّ المسلمون بقتله ، فقال لهم . «دَعُوهُ» حتى دنا منه ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ورماه بها ، فخدشه في عنقه خدشاً غير كبير ، وقد كان ذلك لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وقال : عندي فرس أعلفه كل يوم فرق ذرة ، أقتلك عليه . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ الله " فلما خدشه رسول الله صلى الله عليه وسلم في عنقه رجع إلى قريش وهو يقول : قتلني محمد . فقالوا له : ما بك من طعن . فقال : بلى ، لقد قال لي أنا أقتلك ، والله لو بصق علي بعد تلك المقالة لقتلني . فمات قبل أن يصل إلى مكة في طريقها . (1/319)
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفاً عند أحد ، وقد اجتمع عليه بعض أصحابه ، فعلت عليه فرقة من قريش في الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا " فأقبل عمر ورهط من المهاجرين ، فقاتلوهم حتى أهبطوهم من الجبل . وقد كان جبير بن مطعم قال لمملوك له يقال له وحشي : إن أنت قتلت محمداً جعلت لك أعنة الخيل ، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلت لك مائة ناقة كلها سود الحدقة ، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حرٌّ . فقال وَحْشي : أما محمد فعليه حافظ من الله تعالى لا يخلص إليه أحد ، وأما عَلَيُّ فما برز إليه رجل إلا قتله؛ وأما حمزة فرجل شجاع ، فعسى أن أُصَادفه في غِرَّته فاقتله مكانه . وكانت هند كلما مرّ بها وَحْشي أو مرّت به هند قالت له : إيهاً أبا دسمة اشف واستشف . فكمن وحشي خلف صخرة ، وكان حمزة حمل على قوم من المشركين ، فلما رجع من حملته مرّ بوحشي وهو خلف الصخرة ، فزرقه بمزراق فأصابه فسقط ، فذهبت هند ابنة عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى ، يجدعن الآذان والأنوف ، وشَقَّت هند بطن حمزة وأخذت كبده ومضغته ، ثم صعدت هند على صخرة وهي تنادي بأعلى صوتها : نَحْنُ جَزَيْنَاكم بيوم بَدْر . وأقبل أبو سفيان وهو يصرخ بأعلى صوته : اعلُ هبل يوماً بيوم بدر . فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لعمر : " أَجِبْهُ يَا عُمَرَ " فأجابه عمر : الله أعلى وأجل لا سواه ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار .
ثم ركب النبيّ صلى الله عليه وسلم بغلته ، وظاهر بين درعيه ، وأخرج يده من جيب الدرع ، وسلّ سيفه ذا الفقار ، وباشر القتال بنفسه ، وحمل على المشركين والتأم إليه المسلمون فأعانوه ، وهزم الله جمع المشركين ، وقُتل يومئذ من المسلمين سبعون رجلاً : أربعة نفر من المهاجرين ، وستة وستون من الأنصار .
وقتل يومئذ من المشركين تسعة عشر رجلاً أو أكثر ، وكثرت القروح في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعزَّاهم الله تعالى : في ذلك بقوله تعالى : { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } قرأ عاصم في رواية أبي بكر والكسائي وحمزة : قُرْحٌ بضم القاف والباقون بالنصب . قال الفراء : القَرْح والقُرْح واحد . ويقال : القَرْح بالنصب مصدر ، والقُرح بالضم اسم . ويقال : القَرْحُ بالنصب الجراحة ، وبالضم ألم الجراحة . يعني إن أصابكم الجراحات يوم أحد { فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ } يقول : قد أصاب المشركين جراحات مثلها يوم بدر . { وَتِلْكَ الايام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } يقول : يوم لكم ويوم عليكم ، وهذا كما يقال في الأمثال : الأيام دُوَل والحرب سِجَال . (1/320)
ثم بَيّن المعنى الذي تداول مرة لهم ومرة عليهم ، فقال تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } يعني يتبين المؤمن من المنافق أنهم يشكون في دينهم أم لا ، لأن المؤمن المخلص يتبين حالُه عند الشدة والبلايا . وهذا كما روي عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه : إن الذهب والفضة يختبران بالنار ، والمؤمن يختبر بالبلايا ، والاختبار من الله تعالى إظهار ما علم منه من قبل فذلك قوله تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } يعني ليبين لهم الله الذي يعلم إيمانه ، لأنه يعطى الثواب بما يظهر منه لا بما يعلم منه ، وكذلك العقوبة . أَلاَ ترى أنه عَلِم من إبليس المعصية في المستقبل ثم لم يلعنه ما لم يظهر منه . ثم قال تعالى : { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } يعني لكي يتخذ منكم شهداء ، وإنما كان لأجل ذلك لا لأجل حب الكفار { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } أي الجاحدين .
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)
{ وَلِيُمَحّصَ الله الذين ءامَنُواْ } أي : لكي يُظْهر المؤمنين ويكفر ذنوبهم . والتمحيص في اللغة الاختبار والتطهير . والله بَيّن أنه يُداول الأيام بين الناس لكي يَظْهر المؤمن من المنافق ، ويكرم بعض المؤمنين بالشهادة لينالوا ثواب الشهداء ، وقد ذكر ثوابهم بعد هذا في هذه الصورة وليكفر ذنوبهم { وَيَمْحَقَ الكافرين } أي يهلكهم ويستأصلهم لأنهم يجترئون فيخرجون مرة أخرى فيستأصلهم . (1/321)
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } قال مقاتل : بيّن للمؤمنين أنه نازل بهم الشدة والبلاء في ذات الله لكي يصبروا ويحتسبوا . فقال : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } يقول : أَظننتم أن تدخلوا الجنة بغير شيء قبل أن يصيبكم من الشدة في ذات الله ، فذلك قوله تعالى : { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ } قال مقاتل : أي ولما يرى الله الذين جاهدوا منكم . ويقال : ولما يظهر جهاد الذين جاهدوا منكم { وَيَعْلَمَ الصابرين } الذين يصبرون عند البلاء . ويقال : ويعلم الكارّين أي غير الفارين عن القتال .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)
{ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } وذلك أنه لما وصف الله لهم ما نزل بشهداء بدر من الكرامة ، فقالوا : ليتنا نجد قتالاً فنقتل فيه لكي نصيب مثل ما أصابوا ، فلما لقوا القتال يوم أُحد هربوا ، فعاقبهم الله تعالى بقوله : { وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت } أي القتال والشهادة من قبل أن تلقوه ، لأن القتال سبب الموت { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } يوم أحد { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } إلى السيوف فيها الموت . وقال الزجاج : معناه ولقد كنتم تمنون القتال لأن القتال سبب الموت ، فقد رأيتموه ، يعني وأنتم بصراء كقولك : رأيت كذا وكذا ولم يكن في عينيك علّة . ويقال : وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم . وقال القتبي : فقد رأيتموه ، يعني أسبابه وهو السيف . (1/322)
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)
ثم قال تعالى : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل } لأنهم هربوا حيث سمعوا بقتله ، فقال تعالى : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ } كسائر الرسل { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن } أي رجعتم إلى دينكم الشرك . { وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ } أي يرجع إلى الشرك بعد الإسلام { فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً } يقول : لن ينتقص من ملكه وسلطانه شيئاً ، وإنما يضرّ نفسه { وَسَيَجْزِى الله الشاكرين } يعني الموحدين الله تعالى في الآخرة الجنة . ويقال : وسيجزي الله المؤمنين المجاهدين الجنة . (1/323)
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)
{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ } قبل أجلها { إِلاَّ بِإِذْنِ الله كتابا مُّؤَجَّلاً } يقول : في موتها كتاباً مؤجلاً في اللوح ، فلا يسبق أجله . وقال الزجاج : قوله كتاباً مؤجلاً ، أي كتب كتاباً ذا أجل ، وهو الوقت المعلوم ، وذكر الكتاب على معنى التأكيد كقوله : { والمحصنات مِنَ النسآء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم كتاب الله عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بأموالكم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَأاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } [ النساء : 24 ] أي أن المحرمات مفروضة عليكم على معنى التأكيد . وفي هذه الآية إبطال قول المعتزلة ، لأنهم يقولون : إن من قتل فإنما يهلك قبل أجله ، وكل ما ذبح من الحيوان كان هالكاً قبل أجله ، لأنه يجب على القاتل الضمان والدية . وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها . (1/324)
{ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا } قال الكلبي : يعني يرد ثواب الدنيا بالعمل الذي افترض الله عليه { نُؤْتِهِ مِنْهَا } يعني أعطاه الله ما يحب ، وما له في الآخرة من نصيب { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الاخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين } في الآخرة . ومن الناس من قال : إن الرياء يدخل في النوافل ، ولا يدخل في الفرائض ، لأن الفرائض واجبة على جميع الناس . وقال بعضهم : يدخل في الفرائض ولا يدخل في النوافل ، لأنه لو لم يأتِ بها لا يؤاخذ بها ، فإذا أتى بهذا القدر ليس عليه غير ذلك . وقال بعضهم : كلاهما سواء ، فالرياء يدخل في الفرائض والنوافل جميعاً . وهذا القول أصح لقوله تعالى : { إِنَّ المنافقين يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قاموا إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى يُرَآءُونَ الناس وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } [ النساء : 142 ] .
ثم إن الله تعالى أخبرهم بما لَقِيَتِ الأنبياءُ والمؤمنون قبلهم فعزَّاهم ليصبروا فقال تعالى سبحانه : { وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ } قرأ ابن كثير { وَكَأَيّن } بعد الألف والهمزة ، وقرأ الباقون بغير مد ، ومعناهما واحد . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو : وكأيِّن من نبي قُتِل ، بضم القاف وكسر التاء . وقرأ الباقون : { قَاتَلَ } ، فمن قرأ قاتل فمعناه كم من نبيّ قاتل معه جموع كثيرة . ومن قرأ قتل معناه : وكم من نبي قتل { مَعَهُ } جماعة كثيرة . وقوله : { رِبّيُّونَ } قال الكلبي : الربية الواحدة من عشرة آلاف . وقال الزجاج : هاهنا قراءتان رُبِّيُّون بضم الراء ، ورِبِّيّون بكسرها ، فأما بالضم فهي الجماعة الكثيرة عشرة آلاف ، وأما الرِّبّيُّون بالكسر العلماء الأتقياء الصبراء على ما يصيبهم في الله تعالى . ويقال : وكأين من نبي قتل يعني : كم من نبيّ قتل وكان معه ربيون كثير .
{ فَمَا وَهَنُواْ } بعد قَتْلِهِ عن القتال ، وما عجزوا بما نزل بهم من قتل أنبيائهم وأنفسهم { لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ } لَعدُوِّهم ، ويقال : وما جبنوا . (1/325)
ثم قال { وَمَا استكانوا } يقول : وما خضعوا لعدوهم ولكنهم صبروا { والله يُحِبُّ الصابرين } فكأنه يقول للمؤمنين : فهلا قاتلتم مع نبيكم صلى الله عليه وسلم وبعد قتله وإن قتل ، كما قاتلت القرون الماضية من قبلكم إذا أصيبت أنبياؤهم . ثم أخبر عن قول الذين قاتلوا مع النبيين فقال تعالى : { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ } عند قتل أنبيائهم { إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } أي هي دون الكبائر { وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } أي العظائم من الذنوب { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } عند القتال { وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } معناه : هلاّ قلتم كما قالوا وقاتلتم كما قاتلوا . وقرأ بعضهم قولهم بالضم ، والمعنى في ذلك أنه جعل القول اسم كان ، فيكون معناه وما كان قولهم إلا قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا . ومن قرأ بالنصب جعل القول خبر كان ، وجعل الاسم ما بعده .
فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)
قوله تعالى : { فاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا } أي أعطاهم الله ثواب الدنيا بالغنيمة والنصرة { وَحُسْنَ ثَوَابِ الاخرة } أي الجنة { والله يُحِبُّ المحسنين } المؤمنين المجاهدين . (1/326)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)
{ المحسنين ياأيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ } يعني المنافقين { يَرُدُّوكُمْ على أعقابكم } كفاراً بعد إيمانكم { فَتَنقَلِبُواْ خاسرين } إلى دينكم الأول { بَلِ الله مولاكم } أي أطيعوا الله فيما يأمركم ، هو مولاكم يعني : وليكم وناصركم { وَهُوَ خَيْرُ الناصرين } أي المانعين من كفار مكة . (1/327)
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)
{ سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } قرأ أبو عمرو ، وابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وحمزة : الرعب بتسكين العين . وقرأ ابن عامر ، والكسائي : الرعب بالضم . وأصله الضم ، إلا أنه إذا اجتمع ضمتان حذفت إحداهما عند من قرأ بالجزم . ومعنى الآية سنلقي الهيبة في قلوب المشركين ، وذلك بعد هزيمة المؤمنين ، قذف الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب فانهزموا إلى مكة . ويقال : حين صعد خالد بن الوليد الجبل ، قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع خالد منهزماً . ويقال : عنى به يوم الأحزاب ، ألقي في قلوبهم الرعب فانهزموا { بِمَا أَشْرَكُواْ بالله } يعني بأنهم أشركوا بالله { مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } يعني كتاباً فيه عذر وحجة لهم بالشرك { وَمَأْوَاهُمُ النار } أي : مصيرهم إلى النار في الآخرة { وَبِئْسَ مثوى الظالمين } يعني أن مثوى المشركين النار . (1/328)
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)
{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ } وذلك أنهم لما أخذوا في الحرب انهزم المشركون ، فلما أَخَذَ بعض المسلمين في النهب والغارة رجع الأمر عليهم وانهزم المسلمون ، فذلك قوله : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ } . { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } يقول : تقتلونهم بأمره . وقال القتبي : تحسونهم يعني تستأصلونهم بالقتل ، يقال : جراد محسوس إذا قتله البرد . { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وتنازعتم فِى الامر } يعني : جَبُنْتُمْ من عدوكم ، واختلفتم في الأمر { وَعَصَيْتُمْ } أمر الرسول صلى الله عليه وسلم { مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ } يعني أراكم الله { مَّا تُحِبُّونَ } يعني من النصر على عدوكم ، وهزيمة الكفار والغنيمة . (1/329)
ثم قال : { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } أي يطلب الغنيمة { وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاخرة } وهم الذين ثبتوا عند المشركين حتى قتلوا . وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : كنا لا نعرف أن أحداً منا يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية ، فَعَلِمْنا أن فينا من يريد الدنيا { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } بالهزيمة من بعد أن أَظْفَركم عليهم { لِيَبْتَلِيَكُمْ } بمعصية الرسول بالقتل والهزيمة { وَلَقَدْ عَفَا } الله { عَنْكُمْ } ولم يعاقبكم عند ذلك ، فلم تقتلوا جميعاً { والله ذُو فَضْلٍ } في عفوه وإنعامه { عَلَى المؤمنين } بالعفو والإنعام { إِذْ تُصْعِدُونَ } يعني : إلى الجبل هاربين ، حيث صعدوا الجبل منهزمين من العدو ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم : « يَا معْشرَ المُسْلِمينَ أَنَا رَسُولُ الله » فلم يلتفت إليه أحد ، حتى أتوا على الجبل . فذلك قوله تعالى : { إِذْ تُصْعِدُونَ } يعني الجبل . وهذا قول الكلبي وقال الضحاك : إذ تصعدون في الوادي منهزمين . وقال القتبي : يعني تبعدون في الهزيمة ، يقال : أصعد في الأرض إذا أمعن في الهزيمة . وقرأ الحسن : تَصْعَدُون بنصب التاء ، أي تَصْعَدُون الجبل . وقرأ العامة بالضم { وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ } يقول : ولا تقيمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقال : لا يقيم بعضكم على بعض { والرسول يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ } يقول : مِنْ خَلْفِكم { فأثابكم غَمّاً بِغَمّ } يقول : جعل ثوابكم غماً على أثر الغم ، ويقال : جزاكم غماً على أثر الغم ، ويقال غماً متصلاً بالغم . فأما الغم الأول : فإشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين وهم في ذلك الجبل قاله الكلبي . وقال مقاتل : الغم الأول ما فاتهم من الفتح والغنيمة ، فاجتمعوا وكانوا يذكرون فيما بينهم ما أصابهم في ذلك اليوم . والغم الثاني : إذ صعد خالد بن الوليد ، فلما عاينوه أَذْعَرهُم ذلك أي خوفهم ، فأنساهم ما كانوا فيه من الحزن ، فذلك قوله تعالى : { لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ } من الفتح والغنيمة { وَلاَ مَا أصابكم } من القتل والهزيمة .
ويقال : الغم الأول الجُرح والقتل ، والغم الثاني أنهم سمعوا بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد قتل فأنساهم الغم الأول . قال : { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } يعني لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، فيجازيكم بها . (1/330)
{ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً } الأمنة في اللغة الأمن . قال الكلبي : إذا أَمِنَ القوم نعسوا . وقال الضحاك : النعاس عند القتال أَمَنَةٌ من الله تعالى . ويقال : الذي يصيبه الغم والهزيمة لا يكون له شيء أحسن من النعاس ، فيذهب عنه همه ، فأصاب القومَ النعاسُ فذهب عنهم الغم وأمنوا . قوله تعالى : { يغشى طَائِفَةً مّنْكُمْ } يعني النعاسَ يغشى ويعلو طائفة منكم ، من كان من أهل الصدق واليقين . قرأ حمزة والكسائي : تغشى بالتاء . وقرأ الباقون بالياء . فمن قرأ بالتاء انصرف إلى قوله أمنة ، ومن قرأ بالياء يكون نعتاً للنعاس .
ثم قال : { وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } يعني أهل النفاق . وقال الكلبي : هو معتب بن قُشَيْر وأصحابه { يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق } يعني : أنهم يظنون أن لن ينصر الله محمداً وأصحابه { ظَنَّ الجاهلية } قال الكلبي : يعني كظنهم في الجاهلية . وقال مقاتل : ظن الجاهلية كظن الجهال المشركين ، مثل أبي سفيان وأصحابه { يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الامر مِن شَىْء } يعني : النصرة والفتح { قُلْ إِنَّ الامر كُلَّهُ للَّهِ } يعني النصرة والغنيمة كله من الله { يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم } أي يُسِرُّونَ في أنفسهم { مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } أي يقولون ما لا يظهرون لك { يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الامر شَىْء مَّا قُتِلْنَا } أي يقولون لو كان ديننا حقاً ما قتلنا { ها هنا } قال الكلبي : وفي الآية تقديم وتأخير ، ومعناه يقولون : هل لنا من الأمر من شيء ، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ، يقولون : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا { مِن شَىْء قُلْ إِنَّ الامر كُلَّهُ للَّهِ } وقال الضحاك : { قُلْ إِنَّ الامر كُلَّهُ } يعني القدر خيره وشره من الله . قرأ أبو عمرو : قل إِنَّ الأَمْرَ كُلّه لله بضم اللام ، والباقون بالنصب . فمن قرأ بالرفع جعله اسماً مستأنفاً ، ومن نصب جعله نعتاً للأمر .
ثم قال تعالى : { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ } يقول : لظهر . ويقال : لخرج { الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل } أي قُضِيَ عَلَيهم القتل { إلى مَضَاجِعِهِمْ } أي إلى مواضع مصارعهم . معناه : أنهم وإن لم يخرجوا إلى العدو وقد قضى الله عليهم بالقتل ، لخرجوا إلى مواضع قتلهم لا محالة ، حتى ينفذ فيهم القضاء . قال تعالى : { وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِى صُدُورِكُمْ } يعني ليختبر ويظهر ما في قلوبكم { وَلِيُمَحّصَ } يعني : ليظهر ويكفر { مَا فِى قُلُوبِكُمْ } من الذنوب { والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } يعني : بما في القلوب من الخير والشر .
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
ثم نزل في المنهزمين قوله تعالى : { إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ } أي الذين انهزموا منكم { يَوْمَ التقى الجمعان } يعني جمع المسلمين ، وجمع المشركين { إِنَّمَا استزلهم الشيطان } قال القتبي : استزلهم أي طلب زلتهم ، كما يقال : استعجلت فلاناً أي طلبت عجلته؛ واستعملته أي طلبت عمله . ويقال : زَيَّنَ لهم الشيطان { بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } يعني : الذي أصابهم كان بأعمالهم كما قال في آية أخرى { وَمَآ أصابكم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] . { وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ } حيث لم يستأصلهم { أَنَّ الله غَفُورٌ } لذنوبهم { حَلِيمٌ } إذ لم يعجل عليهم بالعقوبة . (1/331)
قال : حدّثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدّثنا السراج ، قال : حدّثنا قتيبة ، قال : حدّثنا أبو بكر عن غيلان بن جرير ، أن عثمان كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف كلام ، فقال له عبد الرحمن : أتسبُّني وقد شهدت بدراً ولم تشهدها؟ وبايعتُ تحت الشجرة ولم تُبَايع؟ وقد كنت توليت فيمن تولى يوم الجمع أي يوم أحد فردّ عليه عثمان وقال : أما قولك إنك شهدت بدراً ولم أشهدها ، فإني لم أغب عن شيء شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أن ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مريضة فكنت معها أُمرِّضها ، وضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم في سهام المسلمين . وأما بيعة الشجرة ، فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم رداً على المشركين بمكة؛ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه على شماله قال : « هَذِهِ لِعُثْمَانَ » فيمين رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ خير من يميني وشمالي . وأما يوم الجمع فقال الله تعالى : { إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ } فكنت فيمن عفى الله عنهم . فخصم عثمان عبد الرحمن بن عوف .
ثم قال تعالى : { حَلِيمٌ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ } يعني منافقي أهل الكتاب { وَقَالُواْ لإخوانهم } من المنافقين : { إِذَا ضَرَبُواْ فِى الارض } يعني إذا ساروا في الأرض تجاراً مسافرين ، فماتوا في سفرهم { أَوْ كَانُواْ غُزًّى } يعني : خرجوا في الغزو فقتلوا . قال القتبي : غزّاً جمع غاز ، مثل صائم وصُوَّم ، ونائم ونوم { لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا } بالمدينة { مَا مَاتُواْ } في سفرهم { وَمَا قُتِلُواْ } في الغزو { لِيَجْعَلَ الله ذلك } الظن { حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } ويقال : جعل الله ذلك القول حسرة في قلوبهم لأنه ظهر نفاقهم . وقال الضحاك : ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب المنافقين ، لأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ، تسرح في أشجار الجنان حيث شاءت .
وأرواح قتلى المنافقين في حواصل طير سُودٍ تسرح في الجحيم . (1/332)
ثم قال تعالى : { والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ } أي يحيي في السفر ويميت في الحضر ، ويحيي في الحضر ويميت في السفر . ويقال : والله يحيي قلوب المؤمنين ويميت قلوب الكافرين ، يحيي قلوب المؤمنين بالنصرة والخروج إلى الغزو ، ويميت قلوب المنافقين بالتخلف وظن السوء . وقال الضحاك : يعني يحيي من أحيى من نطفة بقدرته ، ويميت من أمات بعزته وسلطانه . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } قرأ عبد الله بن كثير وحمزة والكسائي : يعملون بالياء على معنى المغايبة . وقرأ الباقون : بالتاء . ومعناه قل لهم : والله بما تعملون بصير { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ } يعني : إن متم في إقامتكم ، أو قتلتم في سبيل الله وأنتُم مُؤْمنون { لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله } لذنوبكم { وَرَحْمَةً } يعني : ونعمة وجنة { خَيْرٌ مّمَّا } في الدنيا من الأموال يا معشر المنافقين . قرأ أبو عمرو ، وابن كثير ، وابن عامر ، وعاصم : متم بضم الميم في جميع القرآن ، والباقون بكسرها . وهما لغتان ومعناهما واحد .
ثم قال : { يَجْمَعُونَ وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ } في الغزو { لإِلَى الله تُحْشَرُونَ } بعد الموت . قرأ عاصم في رواية حفص : خير مما يَجْمَعون بالياء . وقرأ الباقون : بالتاء على معنى المخاطبة { فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ } يقول : فبرحمة من الله وما صلة ، فالله ذكر منه أن جعل رسوله رحيماً رؤوفاً بالمؤمنين ، حيث قال : فبرحمة من الله { لِنتَ لَهُمْ } يا محمد أني لينت لهم جانبك ، وكنت رؤوفاً رحيماً بالمؤمنين { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب } أي خشناً في القول غليظ القول { لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } أي لتفرقوا من عندك ، ولكن الله جعلك سهلاً سَمْحاً طلقاً ليناً لطيفاً باراً رحيماً ، وهكذا قال الضحاك .
ثم قال : { فاعف عَنْهُمْ } أي : فتجاوز عنهم ، ولا تعاقبهم بما يكون منهم من الزلة والذنب { واستغفر لَهُمُ } من ذلك الذنب { وَشَاوِرْهُمْ فِى الامر } يقول : إذا أردت أن تعمل عملاً فاعمل بتدبيرهم ومشاورتهم ، ويقال : ناظرهم في الأمر . ويقال : ناظرهم عند القتال . وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ : وشاوِرْهُمْ في بَعْضِ الأمر ، لأنه كان يشاورهم فيما لم ينزل عليه الوحي فيه ، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم عاقلاً ذا رأي ، ولكنه أمر بالمشورة ليَقْتَدي به غيره ، ولأن في المشاورة تودُّداً لأصحابه ، لأنه إذا شَاوَرهم تَوَدَّد قلوبهم . وفي المشورة أيضاً ترك الملامة ، لأنه يقال : فعلت كذا بمشاورتكم . وروى سهل بن سعيد الساعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَا شَقِيَ عَبْدٌ قَطّ بِمَشُورَةٍ وَمَا سَعِدَ عَبْدٌ بِاسْتِغْنَاءِ رَأْيٍ » ثم قال تعالى : { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله } أي لا تتوكل على المشورة ، ولكن توكل على الله بعد المشورة لا على الأصحاب { إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين } الذين يتوكلون على الله .
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)
ثم أخبر عزّ وجلّ أن النصرة من عند الله كلها ، فقال تعالى : { إِن يَنصُرْكُمُ الله } يقول إن يمنعكم الله { فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } من العدو يعني يوم بدر { وَإِن يَخْذُلْكُمْ } يعني يوم أحد { فَمَن ذَا الذى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ } أي : يمنعكم من عدوكم { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } أي : فليتّق الواثقون في النصرة ويقال : على المؤمنين أن يتوكلوا على الله ، لأنهم عرفوا أنه لا ناصر لهم غيره . (1/333)
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)
قوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم : يَغُل بنصب الياء . وقرأ الباقون : يُغَل بضم الياء ونصب الغين . فمن قرأ بالنصب معناه : وما كان لنبي أن يخون في الغنيمة ، ومن قرأ بالضم فمعناه : لا ينسب إلى الغلول . وذلك أنه لما كان يوم أحد أخذوا في النهب والغارة وتركوا القتال ، وخافوا أن تفوتهم الغنيمة ، وظنوا أن من أخذ شيئاً يكون له ، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يقسم لهم ، فنزلت هذه الآية : { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } يقول : ما جاز لنبيّ أن يخون في الغنيمة ، وما جاز لأصحابه أن ينسبوه إلى الخيانة { وَمَن يَغْلُلْ } أي يخن في الغنيمة { يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } يعني يحمله على ظهره . وهذا كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لأَعرِفَنّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ يَأْتِي عَلَى عُنقِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ ، فَيَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ : لاَ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله شَيْئاً» يريد أن من غل شاة أو بقرة ، أتى بها يوم القيامة يحملها . ويقال : من غلّ شيئاً في الدنيا ، يمثل له يوم القيامة في النار ، ثم يقال له : انزل إليه فَخُذْه ، فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله ، فكلما انتهى به إلى الباب سقط منه إلى أسفل جهنم ، فيرجع فيأخذه فلا يزال كذلك ما شاء الله . ويقال : { يَأْتِ بِمَا غَلَّ } يعني تشهد عليه يوم القيامة تلك الخيانة والغلول ، ويقال هذا على سبيل التمثيل { يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } أي بوباله ، فيكون وباله على عنقه كما قال في آية أخرى : { قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله حتى إِذَا جَآءَتْهُمُ الساعة بَغْتَةً قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ } [ الأنعام : 31 ] . (1/334)
ثم قال تعالى : { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ } أي توفى وتجازى كل نفس { مَّا عَمِلَتْ } من خير أو شر { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } يعني لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً { أَفَمَنِ اتبع رضوان الله } قال الكلبي : يعني أفمن أخذ الحلال من الغنيمة { كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ الله } يعني : كمن استوجب سخطاً من الله بأخذ الغلول من الغنائم . ثم بيّن مستقر كل من غل يوم القيامة ومن أخذ من الحلال ، فقال لمن غل : { وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير } الذي صاروا إليه يعني النار . وقال في حق من أخذ الحلال : { هُمْ درجات عِندَ الله } يعني لهم درجات في الجنة عند الله ، ويقال : هم ذوو درجات عند الله { والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } أي بمن غلّ وبمن لم يغل . وقال القتبي : هي طبقات عند الله في الفضل ، فبعضهم أرفع من بعض . وقال أبو عبيدة والكسائي : لهم درجات عند الله ، ويقال لمن لم يغل درجات في الجنة ، ولمن غل درجات في النار .
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)
لَقَد مَنَّ الله على المؤمنين } أي أنعم الله عليهم { إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ } يعني : من أصلهم ونسبهم من العرب ، يعرفون نسبه . ويقال : من أنفسهم ، يعني من جنسهم من بني آدم ، ولم يجعله من الملائكة . وإنما خاطب بذلك المؤمنين خاصة لأن المؤمنين هم الذين صدقوه فكأنه منهم . وقرىء في الشاذ : من أَنفسكم بنصب الفاء ، أي من أشرفهم . وقد كانت له فضيلة في ثلاثة أشياء : أحدها : أنه كان من نسب شريف لأنهم اتفقوا أن العرب أفضل ، ثم من العرب قريش ، ثم من قريش بنو هاشم ، فجعله من بني هاشم . والثاني : أنه كان أميناً فيهم قبل الوحي . والثالث : أنه كان أمياً لكي لا يرتاب فيه الافتعال . (1/335)
ثم قال : { يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته } أي يعرض عليهم القرآن { وَيُزَكّيهِمْ } يعني يأخذ منهم الزكاة ليطهر أموالهم ، ويقال : ويزكيهم يعني يطهرهم من الذنوب والشرك . ويقال : ويزكيهم أي يأمرهم بكلمة الإخلاص ، وهي قول لا إله إلا الله ، { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب } يعني القرآن ، والحكمة أي الفقه وبيان الحلال والحرام { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضلال مُّبِينٍ } أي : وقد كانوا من قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم لفي خطأ بَيِّن .
ثم رجع إلى قصة أُحد وذكر التعزية للمؤمنين بما أصابهم من الجراحات ، فقال : { أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ } يعني يوم أُحد { قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا } يوم بدر ، لأن المسلمين يوم بدر قتلوا سبعين نفساً من صناديد قريش وأسروا سبعين ، وقتل من المسلمين يوم أُحد سبعين ولم يؤسر منهم أحد ، فذلك قوله تعالى : { قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا } وقوله : { أَوَلَمَّا } فالألف للاستفهام والواو للعطف وما صلة ، فكأنه قال : ولئن متم أو قتلتم أو أصابتكم مصيبة يوم أحد ، قد أصبتم مثليها يوم بدر { مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا } يعني قلتم : فمن أين لنا هذا؟ وكيف أصابنا هذا ونحن مسلمون؟ { قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } أي من عند قومكم بمعصية الرماة ، بتركهم ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الضحاك : { قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } ، يعني بذنوبكم التي سلفت منكم قبل القتال ، يعني أن في ذلك تطهيراً لما سلف من ذنوبكم وهو قوله تعالى : { وَمَآ أصابكم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] . { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } من النصرة والهزيمة { وَمَا أصابكم يَوْمَ التقى الجمعان } فبإذن الله ، أي جمع المسلمين وجمع المشركين { فَبِإِذْنِ الله } أي فبإرادة الله أصابكم { وَلِيَعْلَمَ المؤمنين وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ } يعني أصابتكم المصيبة لكي يظهر المؤمن من المنافق .
ثم بيّن أمر المنافقين وصنيعهم وقلة حسبتهم في أمر الجهاد ، فقال : { وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا } يعني : إن لم تقاتلوا لوجه الله ، فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وحريمكم .
قال الكلبي : ويقال ادفعوا يعني : كثروا . وقال القتبي : ادفعوا ، أي كثروا لأنكم إذا كثرتم ثم دفعتم القوم بكثرتكم { قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان } يعني : أن ميلهم إلى الكفر أقرب من ميلهم إلى الإيمان . وقوله : { لاتبعناكم } أي لجئنا معكم . قال الضحاك : وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما خرج يوم أحد ، أبصر كتيبة خثناء وفيها كبكبة من الناس ، فقال : « مَنْ هَؤُلاءِ » ؟ فقيل : يا نبيّ الله ، هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي . فقال : « إِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ بِالكُفَّارِ » فرجع عبد الله مع حلفائه من اليهود . فقال له عمر : أقم مع المؤمنين . فقال : { لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم } . ويقال : إن عونهم للكفار أكثر من عونهم للمؤمنين { يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } ذكر الأفواه على معنى التأكيد ، لأن الرجل يقول بالمجاز بالإشارة ، وهذا كما قال : { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } [ البقرة : 79 ] و { سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الاعراب شَغَلَتْنَآ أموالنا وَأَهْلُونَا فاستغفر لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } [ الفتح : 11 ] { والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } من النفاق والكفر . (1/336)
ونزل فيهم أيضاً : { الذين قَالُواْ لإخوانهم } من المنافقين { وَقَعَدُواْ } عن الجهاد { لَوْ أَطَاعُونَا } في القعود عن الجهاد { مَا قُتِلُوا } في الغزو { قُلْ } لهم يا محمد { فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ } في حال حضور { الموت إِن كُنْتُمْ صادقين } في مقالتكم . قال الفقيه : سمعت بعض المفسرين بسمرقند يقول : لما نزلت هذه الآية : { فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ } مات يومئذ سبعون نفساً من المنافقين .
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)
ثم نزل في شأن الشهداء : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله } يعني في طاعة الله (1/337)
{ أمواتا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } من التحف؛ وذلك أن المسلمين كانوا يقولون مات فلان ومات فلان ، فنزلت هذه الآية : { بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } وهذا قول الكلبي . ويقال : ولا تظنن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً كسائر الأموات بل أحياء ، يعني : هم كالأحياء عند ربهم ، لأنه يُكْتب لهم أجرهم إلى يوم القيامة ، فكأنهم أحياء في الآخرة . ويقال : لا تظن كما يظن الكفار بهم أنهم لا يبعثون ، بل يبعثهم الله ويقال : أرواحهم في المنزلة والكرامة بمنزلة الشهداء الأحياء وروي عن عطاء عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لَمَّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ ، جَعَلَ الله أَرْوَاحَهُم فِي أَجْوَافِ طَيْرِ خُضْرٍ ، تَردُ أَنْهَارَ الجَنَّةِ ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا ، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ تَحْتَ العَرْشِ ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مُنْقَلَبِهِمْ وَمَطْعَمِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ ، وَرَأَوْا مَا عِنْدَ الله لَهُمْ مِنَ الكَرَامَةِ ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ ، قَالُوا : يَا لَيْتَ إخْوَانِنَا عَلِمُوا مَا أَعدَّ الله لَنَا مِنَ الكَرَامَةِ ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ ، فَلَمْ يَنكلُوا عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَمْ يَجْبُنُوا عِنْدَ القِتَالِ ، فَقَالَ الله تَعَالَى أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ ، فَأَنْزَلَ : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } » { فَرِحِينَ } أي معجبين { بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } أي من رزقه في الجنة { وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ } من إخوانهم من بعدهم أن يأتوهم .
ثم رجع إلى الشهداء فقال تعالى : { أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فيما يستقبلهم { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما خلفوا من الدنيا . قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة : ولا تَحْسَبَنَّ بنصب السين في جميع القرآن . وقرأ الباقون : بالكسر . وقرأ ابن عامر : قُتِّلُوا بتشديد التاء على معنى التكثير ، يعني أنهم يقتلون واحداً فواحداً . وقرأ الباقون بالتخفيف .
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)
قوله تعالى : { وَيَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ } يقول : بجنة من الله ، ويقال : بمغفرة من الله { وَفَضَّلَ } يعني : الكرامات في الجنة . وروي عن مجاهد أنه كان يقول : السيوف مفاتيح الجنة . وروت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الشَّهِيدُ يَشفعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِهِ » قال الفقيه : أروي هذا الحديث بمعناه لا بلفظه ، إن الله تعالى أكرم الشهداء بخمس كرامات ، لم يكرم بها أحد من الأنبياء ولا أنا ، إحداها : أن جميع الأنبياء قبض أرواحهم ملك الموت وهو الذي سيقبض روحي ، وأما الشهداء فالله تعالى هو الذي يقبض أرواحهم بقدرته كيف يشاء ، ولا يسلط على أرواحهم ملك الموت . والثانية : أن جميع الأنبياء قد غُسِّلوا بعد الموت ، وأنا أَغسَّل بعد الموت ، وأما الشهداء فلا يغسلون ولا حاجة لهم إلى ماء الدنيا . والثالثة : أن جميع الأنبياء قد كفنوا وأنا أكفن أيضاً ، والشهداء لا يكفنون بل يدفنون في ثيابهم . والرابعة : أن جميع الأنبياء لما ماتوا فقد سُمُّوا أمواتاً ، وإذا مت أنا يقال : قد مات؛ والشهداء لا يُسمون موتى . والخامسة : أن الأنبياء تعطى لهم الشفاعة يوم القيامة ، وشفاعتي أيضاً يوم القيامة ، وأما الشهداء فيشفع لهم في كل يوم فيمن يستشفعون . (1/338)
ثم قال تعالى : { وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين } قرأ الكسائي : وإنَّ بكسر الألف ، والباقون بالنصب . فمن قرأ بالنصب فمعناه يستبشرون بنعمة من الله ، ويستبشرون بأن الله لا يضيع ثواب المؤمنين الموحدين . ومن قرأ بالكسر على معنى الابتداء : إن الله لا يبطل ثواب عمل الموحدين ، وهذا الخبر للترغيب في الجهاد . وأما الشهداء والأولياء ، فيشفع لهم لا يبلغون إلى درجة الأنبياء . ومن قال : إنهم يبلغون إلى درجة الإباحة ، ومن أنكر كرامات الأولياء فهو معتزلي .
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)
قوله تعالى : { الذين استجابوا لِلَّهِ والرسول } قال في رواية الكلبي : وذلك أن أبا سفيان حين رجع من أُحد ، نادى فقال : يا محمد ، إن الموعد بيننا وبينك موسم بدر الصغرى . فقال صلى الله عليه وسلم لعمر : « قُلْ لَهُ ذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى » ثم ندم أبو سفيان ، فقال لنعيم بن مسعود وكان يخرج إلى المدينة للتجارة : إذا أتيت المدينة ، فخوّفهم لكيلا يخرجوا . فلما قدم نعيم المدينة قال : إن أبا سفيان قد جمع خلقاً كثيرة ، فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إليهم وتثاقلوا ، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم قال : « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرُجَنَّ إِلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدٌ » قال : فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للميعاد ، ومعه نحواً من سبعين رجلاً ، حتى انتهوا إلى ذلك الموضع ، وكان هنالك سوق فلم يخرج أحد من أهل مكة ، فتسوقوا من السوق حاجتهم وانصرفوا ، فنزل قوله تعالى : { الذين استجابوا لِلَّهِ والرسول } . (1/339)
{ مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح } يعني أصابتهم الجراحات يوم أُحد { لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ } أي الذين أوفوا الميعاد { واتقوا } السخط في معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم { أَجْرٌ عَظِيمٌ } أي ثواب كثير { الذين قَالَ لَهُمُ الناس } يعني نعيم بن مسعود ، وإنما أراد به جنس الناس وكان رجلاً واحداً { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } يعني أبا سفيان وأصحابه { فاخشوهم } ولا تخرجوا إليهم { فَزَادَهُمْ إيمانا } أي تصديقاً ، ويقيناً ، وجرأة على القتال { وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل } أي ثقتنا بالله ، وأيقنوا أن الله لا يخذل محمداً صلى الله عليه وسلم { وَنِعْمَ الوكيل } أي نعم الثقة لنا . { فانقلبوا } انصرفوا { بِنِعْمَةٍ مّنَ الله } أي بأجر من الله { وَفَضَّلَ } يعني ما تسوقوا به من السوق ، واشتروا الأشياء بسعر رخيص { لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } يعني قتال { واتبعوا رضوان الله والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } أي ذو مَنِّ عظيم . وقال في رواية الضحاك : كان ذلك يوم أُحد ، لما انهزمت قريش ، ونزلت في مواضع ، وكثرت الجراحات في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج إليهم فأجابه سبعون رجلاً ، فنزلت هذه الآية قوله تعالى : { إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } يعني نعيم بن مسعود ، لأن كل عات متمرد شيطان يخوف أولياءه ، يعني بأوليائه الكفار . ويقال : يخوف أشكاله . وقال الزجاج : { إِنَّمَا ذلكم الشيطان } أي ذلك التخويف عمل الشيطان ، يخوفكم من أوليائه . وقال القتبي : يخوف أولياءه أي بأوليائه ، أي كما .
قال تعالى : { قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } [ الكهف : 2 ] يعني لينذركم ببأس شديد .
ثم قال تعالى : { فَلاَ تَخَافُوهُمْ } في الخروج { وَخَافُونِ } في القعود { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي مصدقين . قال الزجاج : معناه إن كنتم مصدقين ، فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم .
وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176)
{ وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يسارعون فِى الكفر } قال الكلبي : يعني به المنافقين ورؤساء اليهود ، كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب فنزل : { وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يسارعون فِى الكفر } . ويقال : إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا ، شقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون : إنهم أهل الكتاب ، فلو كان قوله حقاً لاتبعوه . فنزلت هذه الآية . ويقال : نزلت في مشركي قريش ، لأنهم كانوا أقرباءه ، والناس يقولون : لو كان قوله حقاً لاتبعه أقرباؤه ، فشق ذلك عليه فنزلت { وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يسارعون فِى الكفر } أي يبادرون في الكفر ولا يصدقونك { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } أي لا ينقصوا من ملك الله شيئاً وسلطانه شيئاً بكفرهم وهذا كما روى أبو ذر الغفاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « قَالَ الله لَو أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَجِنَّكُمْ وَإنْسَكُمْ كَانُوا عَلَى أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ ، مَا زَادَ ذلك فِي مُلْكِ الله شَيْئاً وَلَوْ كَانَ أوَّلُكُمْ وَآخِرُكُمْ وَجِنُّكُمْ وَإنْسُكُمْ كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ ، مَا نَقَصَ مِنْ مُلْكِ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ » (1/340)
ثم قال تعالى : { يُرِيدُ الله أَن ألا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الاخرة } أي نصيباً في الجنة { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } في الآخرة . قرأ نافع : ولا يُحْزِنْك بضم الياء وكسر الزاي ، وكذلك ما كان نحو هذا في جميع القرآن إلا في قوله تعالى : { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الاكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الذى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } [ الأنبياء : 103 ] وقرأ الباقون بنصب الياء وضم الزاي ، وهما لغتان وتفسيرهما واحد .
إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)
ثم قال تعالى : { إِنَّ الذين اشتروا } يعني اختاروا { الكفر بالإيمان لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } يقول لن ينقصوا من ملك الله شيئاً ، وإنما أضروا بأنفسهم حيث استوجبوا لأنفسهم العذاب ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة . (1/341)
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)
قوله تعالى : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ } يعني : لا يظن الكفار أن الذي نملي لهم ونمهلهم خير لهم ، ويقال : ما نعطيهم من المال والولد لا يظنن أن ذلك خير لهم في الآخرة ، بل هو شر لهم في الآخرة { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } أي نعطي لهم المال والولد ، يهانون به من العذاب . ويقال : إنما نملي لهم ، أي بما أصابوا من الظفر يوم أُحد لم يكن ذلك خيراً لأنفسهم ، وإنما كان ليزدادوا عقوبة . ويقال : إنما نملي لهم ونؤخر العذاب عنهم ليزدادوا إثماً ، أي جرأة على المعاصي . وإنما كان ذلك مجازاة لكفرهم وخبث نياتهم . وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : ما من بر وفاجر إلا والموت خير له ، لأنه إن كان براً فقد قال الله تعالى : { لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا نُزُلاٍ مِّنْ عِندِ الله وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } [ آل عمران : 198 ] وإن كان فاجراً فقد قال الله تعالى : { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } قرأ ابن عامر وعاصم : لا يحسبن بالياء ونصب السين . قرأ الباقون بالتاء وكسر السين ، وكذلك الذي بعد هذا . (1/342)
مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)
ثم قال تعالى : { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } قال الكلبي : وذلك أن قريشاً من أهل مكة قالوا : يا رسول الله إنك تزعم أن الرجل منا في النار ، وإذا ترك ديننا واتبع دينك قلت هو من أهل الجنة ، فأخبرنا عن هذا من أين هو؟ وأخبرنا مَن يأتيك منا ومن لا يأتيك؟ فأنزل الله تعالى : { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } من الكفر والنفاق . { حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب } يقول : حتى يخلص الكافر من المؤمن { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب } أي ليبين لكم المؤمن من الكافر قبل أن يؤمن . وقال الفراء : لم يكن الله ليعلمكم ذلك فيطلعكم على غيبه { وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى } يقول يصطفي { مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } للنبوة والرسالة من خلقه ، فيوحي إليه بإذنه . قال في رواية الضحاك : إن المنافقين أعلنوا الإسلام وأسروا الكفر ، وصلوا وجاهدوا مع المؤمنين ، فأحب الله أن يميز بين الفريقين ، وأن يدل رسوله على سرائر المنافقين فقال تعالى : { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب } يعني المنافق من المؤمن { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب } ولكن الله يطلع أنبياءه ورسله ، يعني : أن المؤمنين لا يعلمون سر المنافقين ، ولكن الله يبين ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم . ويقال : { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين } ، أي ليترك من علم أنه من أهل الإيمان على ما أنتم عليه من الكفر حتى يوفقه للإيمان ، { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب } ولكن الله يطلع أنبياءه ورسله بالوحي ، حتى يكون ذلك علامة لنبوتهم . (1/343)
ثم قال تعالى : { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين } بالله ورسله { وَتَتَّقُواْ } الشرك والمعصية { فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } أي ثواب عظيم في الجنة . ويقال : إن الكفار لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيّن لهم من يؤمن منهم ، فنزل قوله : { مَّا كَانَ الله } يعني ولا تشتغلوا بما لا يعنيكم ، واشتغلوا بما يعنيكم ، فآمنوا بالله ورسله فإنكم إن فعلتم ذلك فلكم أجر عظيم . قرأ حمزة والكسائي : حتى يُميز مع التشديد بضم الياء ونصب الميم . وقرأ الباقون بنصب الياء وكسر الميم بغير تشديد ، وتفسيرهما واحد إلا انك إذا قرأت بالتشديد قد يكون عبارة عن الكثرة والمبالغة .
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)
ثم قال تعالى : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } أي بما أعطاهم الله من المال ، يبخلون ويمنعون الزكاة والصدقة وصلة الأرحام ، فلا يظنوا أن ذلك { هُوَ خَيْرٌ لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ } يعني : أن البخل شر لهم . ويقال : الفضل شر لهم { سَيُطَوَّقُونَ } يقول سيوثقون { مَا بَخِلُواْ بِهِ } من الزكاة كهيئة الطوق . وروي عن ابن عباس أنه قال : يأتي كنز أحدهم ، شجاع أقرع له زبيبتان طوقاً في عنقه ، يلدغ خديه ويقول : أنا الزكاة التي بخلت بي في الدنيا وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو هذا فذلك قوله تعالى : { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة } ويقال : هو طوق من نار في عنقه . ويقال : هو على وجه المثل ، يعني وبال ذلك في عنقهم كما قال في آية أخرى : { وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً } [ الإسراء : 13 ] . (1/344)
قوله تعالى : { وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والارض } يعني إذا هلك الخلق كلهم أهل السموات من الملائكة ، وأهل الأرض من الإنس والجن وسائر الخلق ، ويبقى رب العالمين ثم يقول : { يَوْمَ هُم بارزون لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] . فلا يجيب أحد فيرد على نفسه فيقول : { ياصاحبى السجن ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار } [ يوسف : 39 وغيرها ] فذلك قوله تعالى : { وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والارض } يعني يهلك أهل السموات والأرض ولم يبق لأحد ملك . وإنما سمي ميراثاً على وجه المجاز ، لأن القرآن بلغة العرب ، وكانوا يعرفون أن من رجع الملك إليه يكون ميراثاً على وجه المجاز ، وأما في الحقيقة فليس بميراث ، لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئاً لم يكن يملكه من قبل ، والله عز وجل مالكهما ، وكانت السموات وما فيها والأرض وما فيها له ، وإنما كانت الأموال عارية عند أربابها ، فإذا ماتوا رجعت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل . ومعنى الآية أن الله تعالى أمر عباده أن ينفقوا ولا يبخلوا ، قبل أن يموتوا ويتركوا المال ميراث الله لله تعالى ، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا .
ثم قال تعالى : { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } أي عالم بمن يؤدي الزكاة وبمن يمنعها ، فيجازي كل نفس بما عملت . قرأ ابن كثير وأبو عمرو بما يعملون بالياء ، والباقون بالتاء على وجه المخاطبة { لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } . وقال في رواية الضحاك : لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم : { } قالت الفجرة من كفرة اليهود : أفقير ربنا فيستقرضنا؟ قالوا ذلك على وجه الاستهزاء ، فنزلت هذه الآية .
ويقال إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى اليهود ليأمرهم بالإسلام ، وأن يعطوا الصدقة ويؤمنوا ، فلما انتهى إليهم أبو بكر قال فنحاص بن عازورا : أيسأل الله منا الصدقة؟ فهو فقير ونحن أغنياء . فنزلت هذه الآية { لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ } أي حفظ قولهم ونجازيهم ويقال : سنكتب ما قالوا ، يعني : يكتب عليهم الكرام الكاتبون ويؤاخذون به في الآخرة { وَقَتْلِهِمُ } أي ونكتب قتلهم { الانبياء بِغَيْرِ حَقّ } يعني بلا جرم { وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } أي تقول لهم خزنة جهنم في الآخرة ذلك . قرأ حمزة : سيُكتَب بضم الياء ونصب التاء ، وقتلُهم الأنبياء بضم اللام على معنى فعل ما لم يسم فاعله ، يعني يكتب قتلهم الأنبياء ، ويقول بالياء . والباقون سنكتب بالنون ، وقتلهم بنصب اللام ، ونقول بالنون . وقوله : { ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لَوْ أنَّ شَرَارَةً وَقَعَتْ بِالمَشْرِقِ لَغَلَتْ مِنْهَا جَمَاجِمُ قَوْمٍ بِالمَغْرِبِ ، وَلَوْ أنَّ حَلقَةً مِنْ سَلاَسِلِ النَّارِ وُضِعَتْ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ لاحْتَرَقَ إلى سَبْعِ أَرَضِين » فهذا معنى قوله : { عَذَابَ الحريق } . (1/345)
ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)
ثم قال : { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ } يعني يقال لهم : ذلك العذاب بما قدمت { أَيْدِيكُم } من الكفر والتكذيب ، أي بما قدمتم . وذكر الأيدي على معنى الكتابة { وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } أي لا يعذب أحداً بغير ذنب . (1/346)
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183)
قوله تعالى : { الذين قَالُواْ } يعني كعب بن الأشرف ، ومالك بن الضيف وغيرهما من رؤساء اليهود : قالوا : { إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا } يعني أمرنا في التوراة { أَن لا نُؤْمِنُ } يعني أن لا نصدق { لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار } يعني تجيء نار من السماء فتأكل القربان بالبينات ، فإن جئتنا بها صدقناك قال الله تعالى : { قُلْ } يا محمد { قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ } يعني : بالآيات والعلامات { وبالذى قُلْتُمْ } يعني قد جاءكم الرسل بالذي قلتم من أمر القربان { فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } يعني زكريا ويحيى وغيرهما { إِن كُنتُمْ صادقين } فيما تقولون . (1/347)
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)
قوله تعالى : { فَإِن كَذَّبُوكَ } بما تقول لهم { فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } فالله تعالى يعزي نبيه ليصبر على تكذيبهم ، فقد { موسى بالبينات } يعني الرسل جاؤوا بالبينات ، أي من قبلك ، وقد جاؤوا بالآيات والعلامات { والزبر } قال الكلبي : يعني بأحاديث الأنبياء من قبلهم بالنبوة على ما يكون { والكتاب المنير } يعني : الحلال والحرام . وقال الزجاج : الزبر جماعة الزبور وهو الكتاب يقال : زَبَرْتُ أي كتبت ، ويقال : زَبَرْتُ أي قرأت ، والكتاب المنير يعني المعنيّ بالحلال والحرام . قرأ أبو عمرو بالزبر مع الباء ، وقرأ الباقون والزبر بالواو . (1/348)
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)
ثم قال تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } قال الكلبي : لما نزل قوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [ الرحمن : 26 ] قالت الملائكة هلك أهل الأرض ، فلما نزل : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } أيقنت الملائكة أنها هلكت معهم . ثم قال { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } أي توفون ثواب أعمالكم { يَوْمَ القيامة فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار } يقول بَعُد وَنُحِّي عنها { وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } يعني : نجا وسعد في الجنة . حدثنا محمد بن الفضل قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا إبراهيم بن يوسف ، قال : حدثنا المسيب عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة ، عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْيَأت إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْه » وقوله : { وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور } قال ابن عباس : متاع الغرور مثل القدر والقارورة والسكرجة ونحو ذلك ، لأن ذلك لا يدوم ، وكذلك الدنيا تزول وتفنى ولا تبقى . ويقال : هو مثل الزجاج الذي يسرع إليه الكسر ، ولا يصلحه الجبر . ويقال : كزاد المسافر ، يسرع إليه الفناء فكذلك الدنيا . (1/349)
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)
قوله تعالى : { لَتُبْلَوُنَّ فِى أموالكم وَأَنفُسِكُمْ } يقول : لتختبرن في أموالكم بالنقصان والذهاب ، ويقال بوجوب الحقوق فيها وفي أنفسكم ، بالأمراض والأوجاع والقتل { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } حين قالوا : { لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الانبياء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } [ آل عمران : 181 ] { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } يعني مشركي العرب { أَذًى كَثِيراً } باللسان والفعل ، ويقال : نزلت الآية في شأن أبي بكر رضي الله عنه ، كانوا أهل الجاهلية يهددونه ويشتمونه ويقولون : إن ما يفعله محمد صلى الله عليه وسلم بمشاورته ، فأمره الله تعالى بأن يصبر على أذاهم . فقال تعالى : { وَأَن تَصْبِرُواْ } على أذاهم { وَتَتَّقُواْ } المكافأة ويقال وتتقوا معاصيه { فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الامور } يعني من حقائق الأمور . ويقال : إن ذلك الصبر من خير الأمور . (1/350)
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)
قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب } يعني : أخذ عليهم الميثاق حين أخذ ذرية آدم من ظهورهم . ويقال : أخذ عليهم الميثاق بالوحي في كتب الأنبياء { لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } يعني : نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته { وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } عنهم . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر : ليبيننه للناس ولا يكتمونه ، كلاهما بالياء . وقرأ الباقون بالتاء ، فمن قرأ بالياء فمعناه أخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه ، ومن قرأ بالتاء فمعناه أخذ عليهم الميثاق ، وقال لهم : لتبيننه للناس ولا تكتمونه . ثم أخبر عن سوء معاملتهم ونقضهم الميثاق فقال تعالى : { فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } أي طرحوه خلف ظهورهم ، يعني أنهم تركوا الميثاق ولم يعملوا به { واشتروا بِهِ } أي بكتمان نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته { ثَمَناً قَلِيلاً } أي عَرضاً يسيراً من متاع الدنيا { فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } يعني : بئس ما يختارون لأنفسهم الدنيا على الآخرة { لاَ تَحْسَبَنَّ } يقول : لا تظنن يا محمد { الذين يَفْرَحُونَ بِمَا أُوتُواْ } يقول : يعجبون بما أوتوا ، يعني بما غيرّوا من نعته وصفته ، وهذا قول الكلبي . وقال الضحاك : إن اليهود كانوا يقولون للملوك : إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبياً في آخر الزمان يختم به النبوة ، فلما بعثه الله سألهم الملوك : أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعاً في أموال الملوك : هو غير هذا . فأعطاهم الملوك مالاً فقال الله تعالى : { لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَا أُوتُواْ } أي بما أعطاهم الملوك { وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } لأنهم كانوا يقولون : نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه . ويقال : كانوا يقولون نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب ، ويريدون أن يحمدوا بذلك . قال الله تعالى : { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } يقول فلا تظنهم { بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب } معناه لا تظنن أنهم ينجون من العذاب بذلك { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي دائم لا يخرجون منه أبداً . (1/351)
{ وَللَّهِ مُلْك السموات والارض } أي خزائن السموات المطر ، وخزائن الأرض النبات . ويقال : جميع من في السموات والأرض عبيده وفي ملكه { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } من النبات وغيره . ويقال : هذا معطوف على أول الكلام أنهم لا ينجون من عذابه ، يأخذهم متى شاء لأنه على كل شيء قدير { إِنَّ فِي خَلْقِ *** السموات والارض } وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية لصحة دعواه ، لأنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، فنزل { إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والارض } أي خلقين عظيمين . ويقال : فيما خلق في السموات من الشمس والقمر والنجوم ، وما خلق في الأرض من الجبال والبحار والأشجار { واختلاف اليل والنهار } يقول : وذهاب الليل ومجيء النهار ، ويقال اختلاف لونيهما { لاَيَاتٍ } أي لعبرات { لاِوْلِى الالباب } أي لذوي العقول { الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً } أي يصلون لله قياماً إن استطاعوا على القيام ، وقعوداً إن لم يستطيعوا القيام { وعلى جُنُوبِهِمْ } إن لم يستطيعوا القعود لزمانة .
ويقال : معناه الذين يذكرون الله في الأحوال كلها في حال القيام والقعود والاضطجاع ، كما قال في آية أخرى : { ياأيها الذين ءَامَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً } [ الأحزاب : 41 ] ثم قال : { وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والارض } أي يعتبرون في خلقهما . قال : حدثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدثنا السراج ، قال : حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا ابن زرارة الحلبي ، عن أبي حباب ، عن عطاء بن أبي رباح قال : دخلت مع ابن عمر وعبيد بن عمير على عائشة ، فسلمنا عليها فقالت : من هؤلاء؟ فقلت : عبد الله بن عمر ، وعبيد بن عمير . فقالت : مرحباً بك يا عبيد بن عمير ، ما لك لا تزورنا؟ فقال عبيد : زر غبّاً تَزْدَدْ حُبّاً فقال ابن عمر : دعونا من هذا ، حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكت بكاء شديداً ثم قالت : كل أمره عجب ، أتاني في ليلتي فدخل في فراشي حتى ألصق جلده بجلدي ، فقال : « يَا عَائِشَةُ أَتَأْذَنِينَ لِي أنْ أَعْبُدَ رَبِّي » فقلت : والله إني لأحب قربك ، والله إني لأحب هواك . فقام إلى قربة ماء فتوضأ ، ثم قام فبكى وهو قائم حتى روت الدموع حجره ، ثم اتكأ على شقه الأيمن ، ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن ، فبكى حتى روت الدموع الأرض . ثم أتاه بلال بعدما أذن للفجر ، فلما رآه يبكي قال : أتبكي يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال : « يَا بِلالُ أفَلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً ، وَمَا لِي لا أبْكِي وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةُ { إِنَّ فِي خَلْق السموات والارض إِلَى . . . قَوْلُهُ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَها وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا » وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ وَلا تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ » وقال صلى الله عليه وسلم : « تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ » (1/352)
ثم قال تعالى عز وجل : { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } أي يتفكرون ويقولون : ربنا ما خلقت هذا باطلاً عبثاً بغير شيء ، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن { سبحانك فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } يعني ادفع عذاب النار . وقال الزجاج : معنى { سبحانك } أي تنزيهاً لك من أن تكون خلقتهما باطلاً { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } أي صدَّقْنا رسلك ، وسلَّمنا أن لك جنة وناراً { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } .
{ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } أي أهنته وفضحته { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } يعني : ما للمشركين من مانع من العذاب إذ نزل بهم ، ويقولون أيضاً : { رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى للإيمان } يعني محمداً يدعو إلى التصديق { رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا } أي صدقوا بتوحيد ربكم ، فآمنا أي صدقنا بتوحيد ربنا . وقال محمد بن كعب القرظي : ليس كل الناس لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن المنادي هو كتاب الله يدعو إلى الإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن آمنوا بربكم فآمنا { رَبَّنَا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا } وقال الكلبي : الذنوب الكبائر ودون الكبائر ، والسيئات الشرك . وقال الضحاك : ذنوبنا يعني ما عملوا في حال الجاهلية ، وكفر عنا سيئاتنا ، يعني : ما عملوا في حال الإسلام . ويقال : الذنوب والسيئات بمعنى واحد . ويقال : الذنوب هي الكبائر ، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة { وَتَوَفَّنَا مَعَ الابرار } أي مع المطيعين ، ويقال : اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين والصالحين . ويقولون أيضاً : { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } يعني أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك . ويقال : هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين ، وهو قوله : { تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الارض أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم } [ الشورى : 5 ] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم عليهم السلام للمؤمنين . (1/353)
ثم قال تعالى : { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } يعني لا تعذبنا ، ويقال : لا تخذلنا { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } يعني ما وعدت من الخير والثواب للمؤمنين { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ } فأخبر الله عن فعلهم ، وذكر ما أجابهم به وأنجز لهم موعده ، وبيّن لهم ثوابه وهو قوله : { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ } . روي عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال من دعا بهذه الدعوات فإنه يستجاب له ، لأنه قال تعالى : { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } يعني ثواب عمل عامل في طاعتي { مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } يعني رجلاً أو امرأة . قال : حدثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدثنا الديبلي ، قال : حدثنا أبو عبيد الله ، قال : حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار ، عن رجل من ولد أم سلمة يقال له سلمة بن الأكوع ، عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول الله إني أسمع الله ذكر الهجرة ، فذكر فيها الرجال ولم يذكر فيها النساء فأنزل الله تعالى : { أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } . { بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } قال الكلبي : أي بعضكم أولياء بعض في الدين . وقال الضحاك : يعني يشبه بعضكم بعضاً في الطاعة . ويقال : بعضكم على أثر بعض ، ويقال بعضكم على دين بعض .
{ فالذين هاجروا } من مكة إلى المدينة { وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم } يعني : أن أهل مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة { وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } أي عُذّبوا في طاعتي { وَقَاتِلُواْ } مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين { وَقُتّلُواْ } أي قتلهم المشركون . قرأ حمزة والكسائي : وقتلوا وقاتلوا على معنى التقديم والتأخير كقوله تعالى : { إِذْ قَالَ الله ياعيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كفروا وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كفروا إلى يَوْمِ القيامة ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [ آل عمران : 55 ] وقرأ الباقون : وقاتلوا وقتلوا ، إلا ابن كثير وابن عامر قرآ وقتّلوا بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة ، فذكر الله فعلهم ، ثم ذكر ثوابهم فقال : { لاكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم } أي لأمحون عنهم ذنوبهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار أي تجري يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار { ثَوَاباً مّن عِندِ الله } يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله . وقال الزجاج : إنما صار نصباً لأنه مصدر مؤكد ، معناه : لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، ولأثيبنهم ثواباً . وروي عن الفراء أنه قال : إنما صار نصباً على التفسير . { والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب } أي حسن الجزاء وهو الجنة . ويقال : حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا . (1/354)
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)
لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } يقول : لا يحزنك يا محمد ذهابهم ومجيئهم في تجاراتهم ومكاسبهم في الأرض . ويقال : هذا الخطاب للمؤمنين ، ومعناه : لا يغرنكم تجارات الكفار وتصرفهم في أموالهم في البلاد ، لأن ذلك { متاع قَلِيلٌ } لأن الكفار كانوا في رخاء وعيش ، وكانت لهم رحلة الشتاء والصيف ، وكان المؤمنون في ضيق وشدة ، فأخبر الله تعالى بمرجع الكفار في الآخرة ، وبمرجع المؤمنين فقال تعالى : { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ } أي ما هم فيه من العيش والسعة ، فإنما هو متاع أي يفنى بعد وقت قريب . قوله : { ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } أي مصيرهم إلى جهنم { وَبِئْسَ المهاد } بئس موضع القراء في النار ، وبئس المصير إليها ، فما ينفعهم تجاراتهم وأموالهم . (1/355)
لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)
ثم ذكر مرجع المؤمنين ومصيرهم فقال : { لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ } أي اتقوا الشرك والفواحش ، ووحّدوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون فيها ، ولا يخرجون منها أبداً { نُزُلاٍ مّنْ عِندِ الله } يقول : ثواباً من عند الله للمؤمنين الموحدين خاصة { وَمَا عِندَ الله } الجنة { خَيْرٌ لّلابْرَارِ } من الدنيا للمؤمنين المطيعين { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله } يعني مؤمني أهل الكتاب ، معناه من أهل الكتاب من آمن بالله فصدق بقوله { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } من القرآن وصدق { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } من التوراة والإنجيل ، يعني على أنبيائهم ، فذكر حالهم وبيّن ثوابهم لكي يرغب غيرهم من أهل الكتاب ليؤمنوا إذا علموا بثوابهم . (1/356)
ثم نعتهم فقال تعالى : { خاشعين للَّهِ } أي متواضعين لله ، والخشوع أصله التذلل وكذلك الخضوع ، وقد فرّق بعض أهل اللغة بين الخشوع والخضوع ، فقال الخضوع في البدن خاصة ، والخشوع يكون في البدن والبصر والصوت والقلب . كما قال الله تعالى : { يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعى لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً } [ طه : 108 ] وقال : { خاشعة أبصارهم تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سالمون } [ القلم : 43 ] .
ثم قال تعالى : { لاَ يَشْتَرُونَ بئايات الله ثَمَناً قَلِيلاً } يعني عرضاً يسيراً كفعل اليهود { أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ } أي ثوابهم { عِندَ رَبّهِمْ } الجنة { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } أي شديد العقوبة ، ويقال : سريع الحفظ والتعريف { الحساب يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اصبروا } أي اصبروا على البلاء والجهاد وأداء الفرائض ، وعن المعاصي { وَصَابِرُواْ } مع نبيكم صلى الله عليه وسلم على عدوكم حتى يدعوا دينهم إلى دينكم ، يعني يتركوا الشرك ويدخلوا في الإيمان { وَرَابِطُواْ } مع عدوكم ما أقاموا ، وهذا قول الكلبي . وقال عكرمة : اصبروا على البلاء وعلى طاعة الله ، وصابروا أهل الضلالة ، ورابطوا الخيول . وقال الزجاج : اصبروا على دينكم وصابروا على عدوكم ، ورابطوا أي أقيموا على جهادكم بالحرب { واتقوا الله } في جميع ما أمركم ونهاكم . وقال القتبي : أصل المرابطة أن يربطوا خيولهم في الثغر { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } يقول : تفوزون وتأمنون النار وتنجون منها . ويقال : أصل الفلاح البقاء بالنعمة ، ويقال : الفلاح أن يبلغ الإنسان نهاية ما يؤمل ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين آمين .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)
{ أَيُّهَا الناس } قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } قال : الناس عامة ، وقد يكون { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } خاصة وعامة ، يعني خاصة لأهل مكة ، وفي هذا الموضع عام لجميع الناس { اتقوا رَبَّكُمُ } يعني اخشوا ربكم ويقال أطيعوا ربكم احذروا المعاصي لكي تنجوا من عقوبة ربكم . وقال : وحّدوا ربكم ولا تشركوا به شيئاً ، ثم دل على وحدانية نفسه بصنيعه فقال : { الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } يعني آدم { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } يعني خلق من نفس آدم زوجها حواء ، وذلك أن الله تعالى لما خلق آدم وأسكنه الجنة ألقى عليه النوم ، فكان آدم بين النائم واليقظان ، فخلق من ضلع من أضلاعه اليسرى حواء ، فلما استيقظ قيل له من هذه يا آدم؟ قال امرأة لأنها خلقت من المرء ، فقيل : ما اسمها؟ قال : حواء لأنها خلقت من حي . وقد قيل : إنما سميت حواء لأنه كان على شفتيها حوة وقيل لأن لونها كان يضرب إلى السمرة فسميت حواء من قولك أحوى كقوله تعالى { فَجَعَلَهُ غُثَآءً أحوى } [ الأعلى : 5 ] (1/357)
ثم قال تعالى : { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } يعني : خلق منهما يعني من آدم وحواء ، ونشر منهما رجالاً كثيراً ونساءً ، يعني خلق منهما رجالاً كثيراً ونساءً . قال مقاتل : أي خلق منهما ألف ذرية من الناس . ثم قال تعالى : { واتقوا الله } أي أطيعوا الله { الذى تَسَاءلُونَ بِهِ } قرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم ، وأبو عمرو في رواية هارون : «تسألون» بغير تشديد . وقرأ الباقون بالتشديد ، فأما من قرأ بالتشديد لأن أصله تتساءلون فأدغم إحدى التاءين في السين وأقيم التشديد مقامه ، ومن قرأ بالتخفيف فالأصل أيضاً تتساءلون ، فحذف إحدى التاءين لاجتماع الحرفين من جنس واحد للتخفيف . ثم قال : { والارحام } قرأ حمزة : { والارحام } بكسر الميم ، والباقون بنصب الميم ، ومعناه واتقوا الله الذي تسألون به الحاجات ، يعني الذي يسأل الناس بعضهم بعضاً ، فيقول الرجل للرجل : أسألك بالله وأنشدك بالله والأرحام . يقول : واتقوا الله في ذوي الأرحام ، فصلوها ولا تقطعوها . وأما من قرأ بالكسر معناه : أسألك بالله وبالرحم أن تعطيني شيئاً . وقال الزجاج : من قرأ بالخفض فخطأ في العربية وفي أمر الدين ، أما الخطأ في العربية لأن الاسم يعطف على الاسم المفصح به ولا يعطف على المكنى به إلا في اضطرار الشعر ، كقول الشاعر :
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فما لنا بك والأيام من عجب
وأما في غير الشعر فلا يستعمل ، وأما الخطأ الذي في الدين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ " فالسؤال بالأرحام أمر عظيم . ولكن روي عن إبراهيم النخعي أنه كان يقرأ بالخفض أيضاً .
وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)
ثم قال { وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } يقول للأولياء { أَتَوْا اليتامى أموالهم } التي عندكم إذا بلغوا النكاح ، يعني الحلم { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث } يعني الحرام { بالطيب } يعني بالحلال من أموالكم يقول : لا تذروا أموالكم الحلال ، وتأكلوا الحرام من أموال اليتامى . ويقال : لا تخلطوا الخبيث بالطيب . ويقال : لا تخلطوا من مالكم الرديء ، وتأخذوا الجيد من مال اليتيم . يعني أن يرسل شاة عجفاء في غنمه ويأخذ مكانها شاة سمينة ، وفي الحبوب كذلك . ويقال : لا تجعلوا أموالهم وقاية لأموالكم . (1/358)
ثم قال تعالى { وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم } يعني مع أموالكم { إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } يعني : إثماً عظيماً قرأ الحسن «حوباً» بنصب الحاء . قال مقاتل : هو بلغة الحبش . قال القتبي : الحُوب والحَوْب واحد ، وهو الإثم . وقال مقاتل : نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخيه ، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه العم ، فنزلت الآية فقرأها عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل : أطعنا الله ورسوله ، ونعوذ بالله من الحوب الكبير ، فدفع إليه ماله ، فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لَقَدْ أصَابَ الأَجْرَ وَبَقِيَ الوِزْرُ " فقالوا كيف بقي الوزر وقد أنفقه في سبيل الله؟ فقال : " أصَابَ الغُلامُ الأجْرَ وَبَقِيَ الوِزْرُ عَلَى وَالِدِهِ "
قوله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى } يعني : ألا تعدلوا في أموال اليتامى ، يقال في اللغة : أقسط الرجل إذا عدل ، وقسط إذا جار . وقال صلى الله عليه وسلم : " المُقْسِطُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " يعني العادلون . قال الله تعالى : { وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } [ الجن : 15 ] يعني الجائرون . ثم قال تعالى : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ } وذلك أنهم كانوا يسألون عن أمر اليتامى ويخافون ألا يعدلوا ، وكانوا يتزوجون من النساء ما شاؤوا ، فنزلت هذه الآية { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ } { مّنَ النساء مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } يعني فكما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى ، فخافوا في النساء إذا اجتمعن عندكم ألا تعدلوا بينهن . وروى عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان الناس يتزوجون اليتامى ولا يعدلون بينهن ، ولم يكن لهم أحد يخاصم عنهن ، فنهى الله المؤمنين عن ذلك فقال : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى } الآية . ويقال : إنهم كانوا يتزوجون امرأة لها أولاد أيتام ، وكانوا لا يحسنون النظر إليهم ، فنزل { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ } يعني بغير ولد { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } .
ثم قال تعالى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ } في القسم والنفقة { فواحدة } يقول : تزوجوا امرأة واحدة ، وإن خفتم ألا تعدلوا في الواحدة { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } يعني الإماء ، ويقال إن خفتم ألا تعدلوا في القسم بين النساء فواحدة ، أي واشتروا الإماء لأن الواحدة لا تحتاج إلى القسمة ، والإماء لا يحتاج فيهن إلى القسمة .
وقال بعض الروافض بظاهر هذه الآية أنه يجوز نكاح تسع نسوة ، لأنه قال مثنى وثلاث ورباع ، فيكون ذلك تسعاً . ولكن أجمع المفسرون أن المراد به التفصيل لا الاجتماع ، ومعناه مثنى أو ثلاث أو رباع ، وبذلك جاءت الآثار ، وهو حديث غيلان بن سلمة أنه أسلم ومعه عشر نسوة ، فخيّره النبي صلى الله عليه وسلم فاختار أربعاً وفارق البواقي . وروي عن الكلبي ومقاتل أن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر ، فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق أربعاً ويمسك أربعاً . وروى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير ، أن ذلك كان الحارث بن قيس الأسدي ، وهذا هو المعروف عند الفقهاء . ثم قال تعالى : { ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ } أي أحرى ألا تميلوا ولا تجوروا ولا تظلموا . (1/359)
ثم قال تعالى :
وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)
{ وَءاتُواْ النساء صدقاتهن نِحْلَةً } يعني أعطوا النساء مهورهن فريضة . ويقال : ديانة كما يقال : فلان ينتحل إلى مذهب كذا ، أي يدين بكذا . ويقال نحلة أي صدقة وهبة ، لأن المهر نحلة من الله تعالى للنساء حيث لم يوجب عليهن وأوجب لهن . وقال في رواية الكلبي : إن أهل الجاهلية كان الولي إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلاً ولا كثيراً ، وإن كانت غريبة حملوها على بعير إلى زوجها ، ولا يعطوها مهرها غير ذلك البعير شيئاً ، فنزل قوله تعالى { وَءاتُواْ النساء صدقاتهن نِحْلَةً } يعني به الأولياء ، يعني أعطوهن مهورهن نحلة . يقول : عطية لهن . وقال في رواية مقاتل : كان الرجل يتزوج بغير مهر ، ويقول : أرثك وترثيني ، فنزلت الآية { وَءاتُواْ النساء } يعني الأزواج { صدقاتهن نِحْلَةً } أي مهور النساء نحلة يعني فريضة { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ } يا معشر الأزواج أي أحللن لكم ووهبن لكم ، قال في رواية الكلبي : يعني الأولياء إذا وهبت المرأة المهر للولي فذلك قوله { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ } { عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً } أي طيباً لا إثم فيه { مَّرِيئاً } أي لا داء فيه ، ويقال : هنيئاً مريئاً يعني حلالاً طيباً . وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال : إذا كان أحدكم مريضاً فليسأل من امرأته درهمين من مهرها ، حتى تهب له بطيبة نفسها ، فيشتري بذلك عسلاً فيشربه مع ماء المطر ، فحينئذٍ قد اجتمع الهنيء والمريء ، والشفاء والماء المبارك ، يعني أن الله سبحانه تعالى سمى المهر هنيئاً مريئاً إذا وهبت ، وسمى العسل شفاء ، وسمى ماء المطر مباركاً ، فإذا اجتمعت هذه الأشياء يرجى له الشفاء . (1/360)
ثم قال تعالى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم } يعني النساء والأولاد الصغار ، يعني لا يجعل الرجل ماله في يدي امرأته وأولاده ، ثم يجعل نفسه محتاجاً إليهم فلا يدفع إليه عند حاجته . ويقال : لا تدفعوا أموالكم مضاربة ، ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة . وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا . فذلك قوله تعالى { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم } يعني الجهال بالأحكام . ويقال : لا تدفعوا إلى الكفار ، ولهذا كره علماؤنا أن يوكل المسلم ذمياً بالبيع والشراء ، أو يدفع إليه مضاربة ثم قال تعالى : { التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } يعني الأموال التي جعل الله قواماً لمعاشكم . ثم قال : { وارزقوهم فِيهَا } يعني الأولاد الصغار أطعموهم { واكسوهم } من أموالكم ، وكونوا أنتم القوام على أموالكم { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } يعني إذا طلبوا منكم النفقة ولم يكن عندكم في ذلك الوقت شيء ، فعدوا لهم عدة حسنة ، أي سأفعل ذلك .
ثم قال : { وابتلوا اليتامى } يعني اختبروا اليتامى وجربوا عقولهم ، { حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } يعني الحلم ويقال : مبلغ الرجال { وابتلوا اليتامى حتى إِذَا } يقول : إذا رأيتم منهم رشداً ، وصلاحاً في دينهم ، وحفظاً لأموالهم { فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم } التي معكم { وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً } في غير حق { وَبِدَاراً } يعني مبادرة في أكله { أَن يَكْبَرُواْ } يعني مخافة أن يكبروا فيأخذوا أموالهم منكم . (1/361)
ثم قال : { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } أي ليحفظ نفسه عن مال اليتيم { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } وقد اختلف الناس في تأويل هذه الآية ، وقالوا فيها ثلاثة أقوال . قال بعضهم : يجوز للمعسر أن يأكل على قدر قيامه عليه . وقال بعضهم : لا يجوز أن يأكل إلا على وجه القرض ، ويرد عليه إذا كبر . وقال بعضهم : لا يجوز في الأحوال كلها . فأما من قال إنه يجوز أكله على قدر قيامه فإنه احتج بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم المراد منه بيت المال فمن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف . وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلاً سأله فقال : يا ابن عباس أتي إليّ بمواشي أيتام فهل عليَّ جناح إن أصبت من رسل مواشيهم؟ قال ابن عباس : إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حياضها ولا تفرط لها يوم وردها ، فلا جناح عليك إن أصبت من رسلها . وقال مجاهد : كان يقول من أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن للوصي أن يأكل بالمعروف مع اليتيم ، فإنه يحلب غنمه ويقوم على ماله ويحفظه ، وأما من قال إنه يجوز أكله على وجه القرض احتج بما روي عن محمد بن سيرين أنه قال : سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } قال : هو قرض ثم يرد عليه إذا كبر . فقال : ألا ترى أنه قال في سياق الآية { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } ؟ وقال أبو العالية : ما أكل فهو دين عليه . وقال الشعبي : مثله . وأما من قال إنه لا يجوز أكله ، فلأن الله تعالى قال { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } [ النساء : 10 ] وتلك الآية محكمة وهذه من المتشابهة ، لأنه يحتمل التأويل أنهم يأكلون على وجه القرض أو على وجه الإباحة ، فيرد حكم المتشابه إلى المحكم . وقد قيل إن هذه الآية منسوخة بتلك الآية . قال الفقيه رحمه الله : إذا كان الوصي فقيراً ، فأكل من مال اليتيم مقدار قيامه عليه ، أرجو أن لا بأس به ، لأن كثيراً من العلماء أجازوا ذلك والاحتراز عنه أفضل .
قرأ نافع وابن عامر { التى جَعَلَ الله لَكُمْ قَيِّماً } بكسر القاف ونصب الياء بغير ألف ، والباقون بالألف ومعناهما قريب .
وقال أهل اللغة : قياماً وقواماً وقيماً بمعنى واحد . وقوله تعالى { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم } يعني إذا أدرك اليتامى ودفعتم إليهم أموالهم { فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } على ذلك ، وإنما الإشهاد على معنى الاستحباب لنفي التهمة عن نفسه ، ولو لم يشهد على ذلك لجاز كقوله تعالى { وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } ثم قال : { وكفى بالله حَسِيباً } أي شهيداً في أمر الآخرة ، وأما في أمر الدنيا ينبغي أن يشهد العدول على ذلك لدفع القال عن نفسه ، لأن الله تعالى لا يشهد له في الدنيا . (1/362)
قوله تعالى :
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)
{ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون } وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ، وإنما يورثون الرجال من كان يقاتل ويحوز الغنيمة ، حتى مات أوس بن ثابت الأنصاري ، وترك ثلاث بنات وترك امرأة يقال لها : أم كجة ، فقام ابن عمه وأخذ ماله ، فجاءت المرأة للنبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له القصة . ويقال : مات رفاعة وترك ابنه وابنته ، فأخذ الابن ميراثه كله فجاءت امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فنزل قوله { لّلرّجَالِ نَصِيبٌ } أي حظ { مّمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون } { وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ } أي حظ { مّمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون مِمَّا قَلَّ مِنْهُ } يعني إن قل المال { أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } أي حظاً معلوماً لكل واحد من الميراث ، فبيّن في هذه الآية أن للرجال نصيباً وللنساء نصيباً ، ولكن لم يبين مقدار نصيب كل واحد منهم . ثم بيّن في الآية التي بعدها فقال : { وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى واليتامى والمساكين } قال مقاتل : فيها تقديم وتأخير ، ومعناه إذا حضر أولو القربى قسمة الميراث { فارزقوهم مّنْهُ } يعني فأعطوهم من الميراث . قال مقاتل : وهذا كان قبل قسمة الميراث . (1/363)
ثم قال تعالى : { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } يعني إذا كان الورثة كباراً يعطون من الميراث لذوي القربى ، وإن كانت الورثة صغاراً ليقل لهم الأولياء قولاً معروفاً ، أي عدوا لهم عدة حسنة . يقول لهم : إذا أدرك الصغار أمرناهم يعطوكم شيئاً ويعرفون حقكم . وقال القتبي : { إِذَا حَضَرَ القسمة } فيه قولان : أحدهما أن تكون قسمة الوصية إذا حضرها أقرباؤكم ، فاجعلوا لهم حظاً من الثلث . ووجه آخر : أن يكون قسمة الميراث فارضخوا لهم منها .
ثم قال : { وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ } يقول : وليخش على أولاد الميت الضياع ، كما أنكم لو تركتم أولاداً { ذُرّيَّةً ضعافا } يقول : عجزة صغار ، يعني الذي يحضره الموت لا يقال له قدم لنفسك وأوص بكذا وكذا حتى يوصي بعامة ماله ، فليخش على ذرية الميت كما يخشى على ذرية نفسه . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إذا حضر الرجل الوصية ، فلا ينبغي أن يقول له أوص بمالك؛ فإن الله تعالى رازق أولادك ولكن يقول : له قدم لنفسك واترك لولدك؛ فذلك قوله تعالى : { خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } يعني : يقول للميت قولاً عدلاً ، وهو أن يلقنه لا إله إلا الله ولا يأمره بذلك ، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمعه منه ويتلقن . وهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم « لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إله إلاَّ الله » ولم يقل مروهم بذلك ، لأنه لو أمر بذلك فلعله يغضب ويجحد .
قوله تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } يعني بغير حق { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } أي حراماً ، لأن الحرام يوجب النار ، فسماه الله باسمها ويقال : إنه يلقم من النار إذا صار إلى جهنم ، فذلك قوله تعالى : { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } . وروي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض قصة المعراج أنه قال : « رَأَيْتُ أَقْوَاماً بُطُونُهُمْ كَالحُبَالَى فِيهَا الحَيَّاتُ وَالعَقَارِبُ ، فَقُلْتُ : مَنْ هؤلاء يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ : هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً » ، { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } أي سيدخلونها في الآخرة . قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر ( وسيصلون ) بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله . وقرأ الباقون النصب ، وهذا كقوله : سيدخلون . وسيدخلون وقال القتبي في قوله : { وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ } معناه : وليخش الذين يكفلون اليتامى ، وليفعل بهم ما يحب أن يفعل بولده من بعده . (1/364)
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)
{ يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } أي يبين الله لكم ميراث أولادكم كما بيّن قسمة المواريث ، يعني : إذا مات الرجل أو المرأة وترك أولاداً ذكوراً وإناثاً ، يكون { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين } يعني لكل ابن سهمان ، ولكل بنت سهم . وروى ابن أبي نجيح عن عطاء قال : كان ابن عباس يقول : كان الميراث للولد ، وكانت الوصية للوالدين والأقربين ، فنسخ الله من ذلك ما أحب ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس ، وللمرأة الثمن أو الربع ، وللزوج النصف أو الربع . ثم قال تعالى : { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين } يعني إذا ترك الميت بناتاً ولم يترك أبناء ، فللبنات إن كن اثنتين فصاعداً { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } من الميراث ، ولم يذكر في الآية حكم البنتين ، ولكن أجمع المسلمون ما خلا رواية عن ابن عباس أنه قال : للاثنتين النصف ، كما كان للواحدة وللثلاث بنات الثلثان وأما سائر الصحابة فقد قالوا : إن للاثنتين الثلثين ، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . روى جابر بن عبد الله قال : جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هاتان ابنتا سعد وقد قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً ، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالاً ، ولا تنكحان إلا ولهما مال . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سَيَقْضِي الله ذلك» فأنزل الله تعالى آية الميراث ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمهما وقال : " أَعْطِ لابْنَتَيْ سَعْدٍ الثّلثَيْنِ وَأَعْطِ أمَّهُمَا الثُّمُنَ وَالبَاقِي لَكَ " (1/365)
ثم قال تعالى : { وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف } يعني : إن ترك الميت بنتاً واحدة فلها النصف من الميراث ، والباقي للعصبة بالخبر . قرأ نافع : ( وإن كانت واحدة ) بالرفع على اسم كانت وقرأ الباقون بالنصب على معنى الخبر؛ ويكون الاسم فيه مضمراً . ثم قال تعالى : { وَلاِبَوَيْهِ لِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ } الميت من المال { وَإِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ } ذكر أو أنثى أو ولد الابن { فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ } للميت { وَلَدَ } ولا ولد ابن { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } يعني : إن لم يكن للميت وارث سوى الأبوين { فَلاِمّهِ الثلث } يعني للأم ثلث المال والباقي للأب . قرأ حمزة والكسائي : ( فلإمه ) بكسر الألف لكسر ما قبله ، وقرأ الباقون بالضم . ثم قال تعالى : { وَإِن كَانَ *** لَهُ إِخْوَةٌ فَلاِمِهِ السدس } يعني : إذا كان للميت إخوة ، وقد اتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اسم الإخوة يقع على الاثنين فصاعداً ، إلا في قول ابن عباس ثلاثة فصاعداً ، واتفقوا أن الذكور والإناث فيه سواء ، فيكون للأم السدس والباقي للأب { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ } يعني : أن قسمة المواريث من بعد وصية { يُوصِى بِهَا } الميت { أَوْ دَيْنٍ } يعني بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصية .