صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقال أبو عبيدة : معناه قالت امرأة عمران ، وقالت الملائكة و«إذ» زيادة . وقال الأخفش : معناه واذكر إذ قالت امرأة عمران ، واذكر إذ قالت الملائكة ، وقال أهل اللغة : المحرر والعتيق في اللغة بمعنى واحد ، ثم إن حنة لفتها في خرق ، ثم وضعتها في بيت المقدس عند المحراب ، فاجتمعت القراء ، أي الزهاد فقال زكريا : أنا أحق بها ، لأن خالتها عندي . فقال القُرّاء : إن هذه محررة ، فلو تركت لخالتها ، فكانت أمها أحق بها ، ولكن نتساهم ، فخرجوا إلى عين سلوان ، فأَلْقَوْا أقلامهم في النهر . قال بعضهم : كانت أقلامهم من الشَّبَّة ، فغابت أقلامهم في الماء ، وبقي قلم زكريا على وجه الماء . وقال بعضهم كانت أقلامهم من قَصَب ، فبقيت أقلامهم على وجه الماء ، وغاب قلم زكريا في الماء . وقال بعضهم : أَلْقَوْا أَقلامهم في النهر ، فسال الماء بأقلامهم إلا قلم زكريا ، فإنه جرى من الجانب الأعلى ، فعلموا أن الحق له ، فضمّها إلى نفسه فذلك قوله تعالى : { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } أي تقبل منها نَذْرها { وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } وقال مجاهد غذاها غذاء حسناً ، ورباها تربية حسنة { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتشديد ، أي كفلها الله إلى زكريا . وقرأ الباقون بالتخفيف ، أي ضمها زكريا إلى نفسه ، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي في رواية حفص زكريا بغير إعراب ، وجزم الألف . وقرأ الباقون بالإعراب والمد ، وهما لغتان معروفتان عند العرب ، فمن قرأ كفلها بالتشديد ، قرأ زكريا بنصب الألف ، لأنه يصير مفعولاً ، ومن قرأ كفلها بالتخفيف قرأ زكريا برفع الألف على معنى الفاعل .
وذكر في الخبر أن زكريا بنى لها محراباً في غرفة ، وجعل باب الغرفة في وسط الحائط ، لا يصعد إليها إلا بسلم ، واستأجر ظئراً ، فكان يغلق عليها الباب ، وكان لا يدخل عليها أحد إلا زكريا حتى كبرت ، فإذا حاضت أخرجها إلى منزله ، فتكون عند خالتها ، وكانت خالتها امرأة زكريا . وهذا قول الكلبي .
وقال مقاتل : كانت أختها امرأة زكريا ، وكانت إذا طهرت من حيضها ، واغتسلت ردها إلى المحراب . وقال بعضهم : كانت لا تحيض ، وكانت مطهرة من الحيض ، وكان زكريا إذا دخل عليها في أيام الشتاء ، رأى عندها فاكهة الصيف ، وإذا دخل عليها في أيام الصيف ، وجد عندها فاكهة الشتاء ، وكانت الحكمة في ذلك أن لا يدخل في قلب زكريا شيء من الريبة ، إذا رأى الفاكهة في غير أوانها ، وعلم أنه لم يدخل عليها أحد من الآدميين ، فذلك قوله تعالى : { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } ويقال : المحراب في اللغة أشرف المجالس ، وهو المكان العالي ، وقد قيل : إن مساجدهم كانت تسمى المحاريب ف { قَالَ } لها زكريا { قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا } يعني : من أين لك هذا؟ فإنه لا يدخل عليك أحد غيري { فَقَالَتْ } مريم { هُوَ } أي هذا الرزق { مِنْ عِندِ الله } أي من فضل الله { إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } في غير حينه . ويقال : من حيث لا يحتسب .

(1/261)


هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)

{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } يقول عند ذلك طمع في الولد ، وكان آيساً من ذلك ، وكان مفاتيح بيت القربان عند آبائه ، وقد صار ذلك بيده ، وكان يخشى أن يخرج من أهل بيته إذا مات . فقال عند ذلك : إن الله قادر على أن يأتيها برزق الشتاء في الصيف ، وبرزق الصيف في الشتاء ، فهو قادر أن يرزق لي الولد بعد الكبر فذلك قوله تعالى : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } { قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ } أي من عندك { ذُرّيَّةً طَيّبَةً } أي من عندك تقية مهذبة . ويقال : مستوي الخلق . ويقال : مسلمة مطيعة . ويقال : تقية { إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء } أي مجيب له .

(1/262)


فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)

{ فَنَادَتْهُ الملئكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى المحراب } قرأ حمزة والكسائي بالياء ، أي جبريل عليه السلام وإنما صار مذكراً على معنى الجنس ، كما يقال : فلان ركب السفن ، وإنما ركب سفينة واحدة ، وقرأ الباقون ، فنادته على معنى التأنيث ، لأن اللفظ لفظ الجماعة ، والمراد به أيضاً جبريل { أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } قرأ حمزة وابن عامر : إن الله يبشرك ، بكسر الألف ، ومعناه : فنادته الملائكة . وقالوا له : إن الله يبشرك . وقرأ الباقون بالنصب ، ومعناه : فنادته الملائكة ، بأن الله يبشرك بيحيى قال مقاتل : اشتق اسمه من اسم الله تعالى ، والله تعالى حي ، فسماه الله تعالى يحيى ، ويقال : لأنه أحيا به رحم أمه . ويقال : لأنه حي به المجالس . ويقال غير ذلك { بيحيى } ، بأن الله يحييه ، فيكون حياً عند الله أبداً ، لأنه شهيد قال الله تعالى : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آل عمران : 169 ] ثم قال تعالى : { مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } يعني بعيسى عليه السلام وكان يحيى أول من صدق بعيسى عليهما السلام ، وهو ابن ثلاث سنين ، فشهد له أنه كلمة الله وروحه ، فلما شهد بذلك يحيى ، عجب بنو إسرائيل لصغره ، فلما شهد سمع زكريا شهادته ، فقام إلى عيسى ، فضمه إليه ، وهو في خرقه ، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين . وقال بعضهم صدقه وهو في بطن أمه ، كانت أم يحيى عند مريم ، إذ سجد يحيى بالتحية لعيسى ، وكل واحد منهما كان في بطن أمه ، وذلك قوله مصدقاً بكلمة من الله { وَسَيّدًا } يعني حكيماً { وَحَصُورًا } يعني لا يأتي النساء ، وهو قول الكلبي . وقال سعيد بن جبير : السيد الذي يملك غضبه ، والحصور الذي لا يأتي النساء .
وقال مقاتل : يعني لا ماء له ، يعني أن يحيى لم يكن له ماء في الصلب . وقال بعضهم : هذا لا يصح ، لأن العنة عيب بالرجال ، والنبي لا يكن معيباً ، ولكن معناه أنه كان مانعاً نفسه من الشهوات ، لأن الذي يمنع نفسه من الشهوات مع قدرته ، كانت فضيلته أكثر من الذي لا قدرة له ، ثم قال تعالى : { وَنَبِيّا مّنَ الصالحين } يعني أن يحيى كان نبياً من الصالحين ، فلما بشره جبريل بذلك { قَالَ رَبّ أنى يَكُونُ لِي غلام } قال ذلك على وجه التعجب ، لا على وجه الشك ، قال لجبريل : رب أي يا سيِّدي من أين يكون لي غلام؟ يعني ولد ، وهذا قول الكلبي .
وقال بعضهم قوله رب ، يعني قال : يا الله على وجه الدعاء ، يا رب من أين يكون لي ولد؟ { وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } قال القتبي : هذا من المقلوب ، يعني بلغت الكبر . وقال الكلبي : كان يوم بشر ابن تسعين سنة ، وامرأته قريبة في السن منه . وقال الضحاك : كان ابن مائة وعشرين سنة ، فذلك قوله ، { وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } أي الهرم { وامرأتى عَاقِرٌ } لا تلد { قَالَ كذلك } قال بعضهم : تم الكلام عند قوله كذلك ، يعني هكذا كما قلت : إنه قد بلغك الكبر ، وامرأتك عاقر ثم قال تعالى : { الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء } وقال بعضهم : معناه . قال : كذلك يعني الله تعالى هكذا قال : أنه يكون لك ولد ، والله يفعل ما يشاء ، إن شاء أعطاك الولد في حال الصغر ، وإن شاء في حال الكبر .

(1/263)


قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)

ثم قال تعالى : { قَالَ رَبّ اجعل لِّى ءايَةً } يعني اجعل لي علامة حين حملت امرأتي أعرف { قَالَ رَبّ } يعني علامة الحبل { أَلاَّ تُكَلّمَ الناس ثلاثة أَيَّامٍ } يعني أنك تصبح ، فلا تطيق الكلام ثلاثة أيام { إِلاَّ رَمْزًا } أي كلاماً خَفِيّاً . ويقال : الرمز بالشفتين والحاجبين ، والإيماء باليد والرأس .
قال بعضهم : كان منع الكلام عقوبة له ، لأنه بُشِّر بالولد ، فسأل آية فحبس الله لسانه عن الناس ثلاثة أيام ، ولم يحبسه عن ذكر الله ، وعن الصلاة . وقال بعضهم : لم يكن عقوبة ، ولكن كانت كرامة له ، حين جعلت له علامة لظهور الحبل ، ومعجزة له . وروى أسباط عن السدي أنه قال : لما بُشِّر بيحيى قال له الشيطان : إن النداء الذي سمعت بالبشارة من الشيطان ، ولو كان من الله ، لأوحى إليك ، كما أوحى إلى سائر الأنبياء . فقال عند ذلك : اجْعَل لي آية ، حتى أعلم أن هذه البشارة منك . قال : { أَلاَّ تُكَلّمَ الناس ثلاثة أَيَّامٍ إِلاَّ } .
وقال في آية أخرى : { قَالَ رَبِّ اجعل لِى ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثلاث لَيَالٍ سَوِيّاً } [ مريم : 10 ] ، يعني أنك مستوي الخَلْق ، ولا علة بك ، ثم أمره بذكر ربه ، لأن لسانه لم يمنع عن ذكر الله تعالى فقال : { واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بالعشى والإبكار } يعني بالغداة والعَشِيِّ ويقال بالليل والنهار .

(1/264)


وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

{ وَإِذْ قَالَتِ الملئكة } يعني جبريل { الملئكة يامريم إِنَّ الله اصطفاك } يعني اختارك بالإسلام { وَطَهَّرَكِ } من الذنوب والفواحش . ويقال : من دم الحيض والنفاس { واصطفاك على نِسَاء العالمين } يعني بولادة عيسى بغير أب .
وقال بعضهم : اصطفاك أي فضلك على نساء العالمين يعني عالمي زمانها { العالمين يامريم اقنتى لِرَبّكِ } يعني أطيعي . ويقال : أطيلي القيام في الصلاة . وقال مجاهد : قامت في الصلاة حتى تورَّمَتْ قدماها ، ونحل جسمها . ثم قال تعالى : { واسجدى واركعى مَعَ الركعين } أي مع المسلمين ، يعني مع قراء بيت المقدس .

(1/265)


ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)

قوله { ذلك مِنْ أَنبَاء الغيب } يعني الذي ذكر في هذه الآية من قصة زكريا ومريم من أخبار الغيب ، مما غاب عنك خبره ، ولم تكن حاضراً ، وفي الآية دليل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ، ولم يكن قرأ الكتب ، وأخبر عن ذلك ، وصدقه أهل الكتاب بذلك ، فذلك قوله تعالى : { ذلك مِنْ أَنبَاء الغيب نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } يعني لم تكن عندهم ، وإنما تخبر عن الوحي . فقال : { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } يعني يطرحون أقلامهم في النهر بالقرعة { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في أمر مريم { إِذْ قَالَتِ الملئكة يامريم } يعني جبريل عليه السلام وحده { إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } قرأ نافع وعاصم وابن عامر { يُبَشّرُكِ } بالتشديد في جميع القرآن .
وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو بالتشديد في جميع القرآن إلا في حم ، عسق { ذَلِكَ الذى يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات قُل لاَّ أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِى القربى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ } [ الشورى : 23 ] بالتخفيف ، وقرأ حمزة بالتخفيف إلا في قوله { قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى على أَن مَّسَّنِىَ الكبر فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } [ الحجر : 54 ] ووافقه الكسائي في بعضها ، فمن قرأ بالتشديد ، فهو من المباشرة ، ومن قرأ بالتخفيف ، فمعناه يفرحك ، وكانت قصة البشارة أن مريم لما طهرت من الحيض ، ودخلت المغتسل كما قال في سورة مريم ، { واذكر فِى الكتاب مَرْيَمَ إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } [ مريم : 16 ] ، يعني أرادت أن تغتسل في جنب المشرفة ، فلما دخلت المغتسل ، رأت بشراً كهيئة الإنسان كما قال { فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } [ مريم : 17 ] ، فخافت مريم ، ثم قالت : { قَالَتْ إنى أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } [ مريم : 18 ] ، لأن التقي يخاف الرحمن . فقال لها جبريل : { قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً } [ مريم : 19 ] ، وذكرها هنا بلفظ آخر . ومعناه واحد قال : { إِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدنيا والاخرة وَمِنَ المقربين } [ آل عمران : 45 ] ، أي بولد بغير أب يصير مخلوقاً بكلمة من الله ، وهو قوله كن فكان { اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ } ويقال إنما سمي المسيح ، لأنه يسيح في الأرض . ويقال : المسيح بمعنى الماسح ، كان يمسح وجه الأعمى فيبصر .
وقال الكلبي : المسيح الملك . ثم قال { وَجِيهاً } أي ذا جاه { فِى الدنيا والاخرة } له منزلة { فِى الاخرة } وقال مقاتل : فيها تقديم يعني وجيهاً في الدنيا { وَمِنَ المقربين } في الآخرة عند ربه . وقال الكلبي : { وَجِيهًا فِي الدنيا } يعني في أهل الدنيا بالمنزلة ، { وَفِي الاخرة مِنَ المقربين } في جنة عدن { وَيُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلاً } أي في حال صغره ، وهو طفل في حجر أمه طفلاً وكهلاً ، يعني إذا اجتمع عقله وكبر ، فإن قيل : ما معنى قوله كهلاً؟ والكلام من الكهل لا يكون عجباً .

(1/266)


قيل له : المراد منه كلام الحكمة والعبرة . ويقال : كهلاً بعد نزوله من السماء ، وهو قول الكلبي { وَمِنَ الصالحين } مع آبائه في الجنة { قَالَتْ } مريم { رَبّ أنى يَكُونُ لِى وَلَدٌ } يعني من أين يكون لي ولد { وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } وهو كناية عن الجماع ف { قَالَ } جبريل { كذلك } يعني هكذا كما قلت أنه لم يمسسك بشر ولكن { الله يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا } يعني إذا أراد أن يخلق خَلْقاً { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } فنفخ جبريل في جيبها ، يعني في نفسها قال بعضهم : وقع نفخ جبريل في رحمها ، فعلقت بذلك . وقال بعضهم : لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل ، لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة ، وبعضه من الإنس ، ولكن سبب ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام وأخذ الميثاق من ذريته ، فجعل بعضهم في أصلاب الآباء ، وبعضهم في أرحام الأمهات ، فإذا اجتمع الماءان صار ولداً ، وإن الله تعالى جعل المَاءَيْن جميعاً في مريم ، بعضه في رحمها ، وبعضه في صلبها ، فنفخ فيها جبريل لتهيج شهوتها ، لأن المرأة ما لم تهج شهوتها ، لا تحبل ، فلما هاجت شهوتها بنفخة جبريل ، وقع الماء الذي كان في صلبها في رحمها ، فاختلط الماءان فعلقت بذلك ، فذلك قوله : { إِذَا قَضَى أَمْرًا } ، يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً سبحانه ، { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } بغير أب ، ثم قال تعالى : { وَيُعَلّمُهُ الكتاب } قرأ نافع وعاصم { وَيُعَلّمُهُ } بالياء يعني أن الله يعلمه ، وقرأ الباقون بالنون ، ومعناه أن الله يقول ونعلمه { الكتاب } يعني كتب الأنبياء . وهذا قول الكلبي .
وقال مقاتل : يعني الخط والكتابة ، فعلّمه الله بالوحي والإلهام { والحكمة } يعني الفقه { والتوراة والإنجيل } يعني يحفظ التوراة عن ظهر قلبه . وقال بعضهم : وهو عالم بالتوراة . وقال بعضهم : ألهمه الله بعدما كبر حتى تعلم في مدة يسيرة .
ثم قال : { وَرَسُولاً إلى بَنِى إسراءيل } نصب رسولاً لمعنيين : أحدهما يجعله رسولاً إلى بني إسرائيل ، والثاني ويكلم الناس ورسولاً . أي في حال رسالته إلى بني إسرائيل دليله أنه قال : { أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } وذكر الزجاج فالمعنى والله أعلم ويكلمهم رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم . ثم أخبر عن أداء رسالته بعدما أوحى إليه في حال الكبر ، حيث قال لقومه : إني قد جئتكم بآية من ربكم ، يعني علامة لنبوتي ، ثم بيّن العلامة فقال : { أَنِى أَخْلُقُ } أي أقدر { لَكُمْ مّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله } ويقال : إن الناس سألوه عنه على وجه التعنت فقالوا له : اخلق لنا خفَّاشاً ، واجعل فيه روحاً إن كنت صادقاً في مقالتك ، فأخذ طيناً ، وجعل منه خفاشاً ، ونفخ فيه ، فإذا هو يطير بين السماء والأرض ، فكأن تسوية الطين ، والنفخ من عيسى عليه السلام والخلق من الله عز وجل كما أن النفخ من جبريل عليه السلام والخلق من الله عز وجل ويقال : إنما طلبوا منه خلق خفاش ، لأنه أعجب من سائر الخلق ، ومن عجائبه أنه لحم ودم ، يطير بغير ريش ، ويلد كما يلد الحيوان ، ولا يبيض كما تبيض سائر الطيور ، ويكون له ضرع يخرج منه لبن ، ولا يبصر في ضوء النهار ، ولا في ظلمة الليل ، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة ، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جداً ، ويضحك كما يضحك الإنسان ، ويحيض كما تحيض المرأة ، فلما أن رأوا ذلك منه ضحكوا .

(1/267)


وقالوا : هذا سِحْر .
ثم قال تعالى : { وَأُبْرِىء الاكمه والابرص } الأكمه الذي ولد أعمى فقالوا : إن لنا أطباء يفعلون مثل هذا ، فذهبوا إلى جالينوس ، وأخبروه بذلك فقال جالينوس : إذا ولد أعمى ، لا يبصر بالعلاج ، والأبرص إذا كان بحال إذا غرزت الإبرة فيه لا يخرج الدم منه لا يبرأ بالعلاج ، فرجعوا إلى عيسى عليه السلام وجاؤوا بالأكمه والأبرص ، فمسح يده عليهما ، فأبصر الأعمى ، وبرأ الأبرص ، فآمن به بعضهم ، وجَحَد بعضهم . وقالوا : هذا سِحْر . ثم قال تعالى : { وَرَسُولاً إلى بَنِى إسراءيل } فأَخْبَروا بذلك جالينوس . فقال : الميت لا يعيش ، ولا يحيى بالعلاج ، فإن كان هو يحيي الموتى ، فهو نبي ، وليس بطبيب ، فطلبوا منه أن يحيي الموتى ، فأحيا أربعة نفر ، أحدهم عازر ، وكان صديقاً له ، فبلغه أنه مات ، فذهب مع أصحابه ، وقد دفن ، وأتى عليه أيام ، فدعا الله ، فقام بإذن الله تعالى وَوَدَكُه يقطر ، فعاش وَوُلد له . والثاني ابن العجوز ، مَرّ به وهو يحمل على سرير ، فدعا الله ، فقام بإذن الله تعالى ، ولبس ثيابه ، وحمل السرير على عنقه ، ورجع إلى أهله . والثالث ابنة من بنات العاشر ماتت ، وأتى عليها ليلة ، فدعا الله تعالى ، فعاشت بعد ذلك ، وولد لها . والرابع سام بن نوح ، لأن القوم قالوا له : إنك تحيي من كان موته قريباً ، فلعلهم لم يموتوا ، وأصابتهم سكتة ، فأحيي لنا سام بن نوح . فقال : دلوني على قبره ، فخرج وخرج القوم معه حتى انتهوا إلى قبره ، فدعا الله تعالى ، فأحياه وخرج من قبره قد شابت رأسه . فقال له عيسى : كيف شابت رأسك ولم يكن في زمانكم شيب؟ فقال : يا روح الله إنك لما دعوتني ، سمعت صوتاً يقول أَجِبْ روحَ الله ، فظننت أن القيامة قد قامت ، فمن ذلك الهول شابت رأسي ، فسأله عن النَّزْع .

(1/268)


فقال له : يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي ، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة ، ثم قال للقوم : صدقوه فإنه نبي الله ، فآمن به بعضهم ، وكذب به بعضهم . وقالوا : هذا ساحر ، فأرنا آية نعلم أنك صادق ، فأخبرنا بما نأكل في بيوتنا ، وما نَدَّخر للغد ، فأخبرهم . فقال : يا فلان أنت أكلت كذا وكذا ، وأنت أكلت كذا وكذا ، وادّخرت كذا وكذا ، فذلك قوله عز وجل : { وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } فمنهم من آمن به ، ومنهم من كفر .
ويقال إن الله بعث كل نبي إلى قومه ، وأظهر لهم نوع ما كانوا يعرفونه ، فكان في زمن موسى عليه السلام الغالب عليهم السحر ، فبيَّن لهم من جنس ذلك ، ليعرفوا أن ذلك ليس بِسِحْر ، وأنه من الله تعالى ، وكان الغالب في زمن عيسى عليه السلام علم الطب ، فجاءهم عيسى بما عجز الأطباء عنه ، فعرف الأطباء أن ذلك ليس من الطب ، وكان في زمن نبينا عليه السلام الفصاحة والشعر ، فجاءهم بقرآن عجز الفصحاء والشعراء عن إتيان مثله .
ثم قال تعالى : { إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ } يعني فيما صنع عيسى عليه السلام علامة لنبوته { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي مصدقين أنه نبي ، قرأ نافع : فيكون طائراً ، وكذلك في سورة المائدة . وقرأ الباقون بغير ألف ، ومعناهما واحد . ويقال : الطائر واحد ، والطير جماعة . ثم قال : { وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة } ومعناه جئتكم مصدقاً ، يعني الكتاب الذي أنزل عليّ ، وهو الإنجيل مُصَدِّقاً ، أي موافقاً لما بين يدي من التوراة { وَلاِحِلَّ لَكُم } يعني أرخص لكم { بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ } مثل الشحوم ، ولحوم الإبل ، ولحم كل ذي ظفر ، وأما الميت ، ولحم الخنزير ، فهو حرام أبداً . قوله : { وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } يعني أني لم أحل لكم شيئاً بغير برهان ، فحقيق عليكم اتباعي ، لأني أتيتكم ببرهان ، وأتيتكم بتحليل الطيبات { فاتقوا الله } فيما أمركم ونهاكم { وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم وأنهاكم ، وأنصح لكم { إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ } هذا تكذيب لقول النصارى حيث قالوا : إن الله هو المسيح . وقالوا : إن الله ثالث ثلاثة ، فاعترف عيسى أنه عبد الله ، وهو قوله تعالى : { إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ } أي خالقي وخالقكم ، ورازقي ورازقكم ، فاعبدوه ، أي وحدوه ولا تشركوا به شيئاً { هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } يعني هذا التوحيد الذي أدعوكم إليه طريق مستقيم ، لا عوج فيه ، وهو طريق الجنة .

(1/269)


فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)

{ فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر } قال الكلبي : فلما عرف منهم الكفر بالله . ويقال : فلما سمع منهم كلمة الكفر . وقال الزجاج : أحس في اللغة علم ، ووجد . ويقال هل أحسست الخبر؟ أي هل عرفته وعلمته؟ .
وقال مقاتل : فلما رأى من بني إسرائيل الكفر . كقوله عز وجل : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } [ مريم : 98 ] يعني هل ترى؟ ويقال : إنه لما علم عيسى أنهم أرادوا قتله { قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله } يقول : من أعواني مع الله؟ قال القتبي : إلى هاهنا بمعنى مع مثل قوله ، { وَءَاتُواْ اليتامى أموالهم وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } [ النساء : 2 ] ، أي مع أموالكم ، كما يقال : الذود إلى الذود إبل ، أي مع الذود . فقال : { مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله } ؟ أي مع الله { قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله } قال الكلبي : الحواريون هم أصفياء عيسى عليه السلام وكانوا اثني عشر رجلاً . وقال مقاتل : كانوا قَصَّارين ، فمر بهم عيسى عليه السلام وقال : من أنصاري إلى الله؟ قالوا : نحن أنصار الله . ويقال : إنه مر بهم ، وهم يغسلون الثياب . فقال لهم : إيش تصنعون قالوا : نطهر الثياب . فقال : ألا أدلكم بطهارة أنفع من هذا؟ قالوا : نعم . فقال : تَعَالَوْا حتى نطهرَ أنفسنا من الذنوب ، فبايعوه . ويقال : إنهم كانوا صيادين ، فمرَّ بهم . وقال : ألا أدلُّكم على اصطياد أنفعَ لكم من هذا؟ قالوا : نعم . فقال : تَعَالَوْا حتى نصطاد أنفسنا من شر إبليس ، فبايعوه . وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : إنما سُمُّوا حواريين لبياض ثيابهم ، وكانوا صيّادين .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي وَحَوارِيَّ من أُمَّتِي » ، يعني به الخالص ، فهذا يكون دليلاً لقول الكلبي : إنهم خواصه وأصفياؤه ، ومعنى آخر نحن أنصار الله ، يعني أنصار دين الله { بالله فَإِذَا } أي صدقنا بتوحيد الله { واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } يعني أشهدنا ، على ذلك ، فاشهد يا عيسى بأنا مسلمون ثم قالوا : { رَبَّنَا ءامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ } من الإنجيل على عيسى { واتبعنا الرسول } أي عيسى عليه السلام على دينه { فاكتبنا مَعَ الشاهدين } يعني اجعلنا مع من أسلم قبلنا ، وشهدوا بوحدانيتك .

(1/270)


وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)

ثم قال تعالى حكاية عن كفار قومه : { وَمَكَرُواْ } يعني أرادوا قتل عيسى عليه السلام { وَمَكَرَ الله } تعالى ، أي جازاهم جزاء المكر { والله خَيْرُ الماكرين } لأن مكرهم جَوْرٌ ومكر الله عَدْل . قال الكلبي : وذلك أن اليهود اجتمعوا على قتل عيسى ، فدخل عيسى عليه السلام البيت هارباً منهم ، فرفعه جبريل من الكوَّة إلى السماء . كما قال في آية أخرى ، { وأيدناه بِرُوحِ القدس } فقال ملكهم لرجل خبيث يقال له يهوذا : ادخل عليه ، فاقتله ، فدخل الرجل الخوخة ، فلم يجد هناك عيسى ، وألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام فلما خرج رأوه على شبه عيسى ، فأخذوه وقتلوه وصلبوه ، ثم قالوا : وجهه يشبه وجه عيسى ، وبدنه يشبه بدن صاحبنا فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ، وإن كان هذا صاحبنا ، فأين عيسى ، فوقع بينهم قتال ، فقتل بعضهم بعضاً ، فلما خرجوا رأوه على بيت ، فذلك قوله : { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين } قال الضحاك : وكانت القصة أن اليهود خذلهم الله تعالى لما أرادوا قتل عيسى عليه السلام اجتمع الحواريون في غرفة ، وهم اثنا عشر رجلاً ، فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة فأخبر إبليس جميع اليهود ، فركب منهم أربعة آلاف رجل ، فأحدقوا بالغرفة . فقال المسيح للحواريين : أيكم يخرج فَيُقْتَلُ وهو معي في الجنة؟ فقال رجل منهم : أنا يا نبي الله ، فألقى إليه مدرعة من صوف ، وعمامة من صوف ، وناوله عكازه ، فألقي عليه شبه عيسى عليه السلام فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه ، وأما المسيح ، فكساه الله الريش ، وألبسه النور ، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب ، فطار في الملائكة .

(1/271)


إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)

قوله تعالى : { إِذْ قَالَ الله ياعيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } ففي الآية تقديم وتأخير ، ومعناه إني رافعك من الدنيا إلى السماء ، ومتوفّيك بعد أن تنزل من السماء على عهد الدجال ويقال : إنه ينزل ويتزوج امرأة من العرب بعدما يقتل الدجال ، وتلد له ابنة ، فتموت ابنته ، ثم يموت هو بعدما يعيش سنين ، لأنه قد سأل ربه أن يجعله من هذه الأمة ، فاستجاب الله دعاه . وروي عن أبي هريرة أنه جاء إلى الكتاب ، وقال للمعلم : قل للصبيان حتى يسكتوا ، فلما سكتوا قال لهم : أيها الصبيان من عاش منكم إلى وقت نزول عيسى عليه السلام فليقرئه مني السلام ، وإني كنت أرجو أن لا أخرج من الدنيا حتى أراه هذا كناية عن قرب الساعة .
ثم قال : { وَمُطَهّرُكَ } أي منجيك { مِنَ الذين كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الذين اتبعوك } على دينك { فَوْقَ الذين كَفَرُواْ } بالحجة والغلبة { إلى يَوْمِ القيامة } . وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال : الذين اتبعوه هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنهم هم الذين صدّقوه .
ثم قال { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } يعني الذين اتبعوك ، والذين كفروا كلهم مرجعهم إلي . { فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } يعني بين المؤمنين والكفار { فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من الدين ، ثم أخبر عن حال الفريقين في الآخرة فقال : { فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدنيا والاخرة } في الدنيا بالقتل والجزية ، وفي الآخرة بالنار { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } يعني مانع يمنعهم من عذاب الله { وَأَمَّا الذين ءامَنُوا وَعَمِلُواْ الصالحات } قال مقاتل هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم " فَيوفيهم أجورهم "
قرأ عاصم في رواية حفص ، فيوفيهم بالياء ، يعني يوفيهم أجورهم ، وأما الباقون بالنون ، يعني أن الله قال { فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } وهذا لفظ الملوك ، إنهم يتكلمون بلفظ الجماعة ، ويقولون : نحن نفعل كذا وكذا ، ونكتب إلى فلان ، ونأمر بكذا ، فالله تعالى خاطب العرب بما يفهمون فيما بينهم كما قال في سائر المواضع { إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ } [ القمر : 19 ] { إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً } [ النساء : 105 ] وكذلك ها هنا قال : «فنوفيهم أجورهم» أي نعطيهم ثواب عملهم { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } أي لا يرضى دين الكافرين .

(1/272)


ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)

{ ذلك نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيات والذكر الحكيم } يقول هذه الآيات ، وهذه القصص بينات في القرآن . وأنزلنا عليك جبريل ، ليقرأ عليك من الآيات يعني من البيان { والذكر الحكيم } يعني القرآن كله . وقال الكلبي : الذكر الحكيم الذي عند رب العالمين في درة بيضاء ، وهو اللوح المحفوظ . ويقال هو القرآن ، لأنه محكم ليس فيه تناقض ، ولا يقدر أحد أن يأتي بمثله . ويقال : هو الشرف كقوله : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْألُونَ } [ الزخرف : 44 ] .

(1/273)


إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)

ثم قال : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله } نزلت في وفد نجران ، السيد والعاقب ، والأسقف ، وجماعة من علمائهم وأحبارهم ، قدموا على النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وناظروه في أمر عيسى عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ » ، فقالوا : أرنا خلقاً من خلق الله تعالى بغير أب ، وَكَانَ يُحيي الموتى ، وكان فيه دليل على ما قلنا ، وكانوا يقولون : إنه اتخذه ابناً ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أسْلِمُوا » فقالوا : قد أسلمنا قبلك ، فقال لهم : « كَذَبْتُمْ ، إنَّمَا يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ ، أَكْلُ لَحْمِ الخَنْزِيرِ ، وَعِبَادَةُ الصَّلِيبِ ، وَقَوْلُكُمْ : لله وَلَدٌ » ، فقالوا له : من أبو عيسى؟ فنزل قوله تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ } يعني : شبه خلق عيسى عند الله كشبه خلق آدم { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } يعني : صوّره من غير أب ولا أم { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فكان بشراً بغير أب ، كذلك عيسى كان بشراً بغير أب ، وفي هذه الآية دليل علمي أن الشيء يشبه بالشيء ، وإن كان بينهما فرق كبير ، بعد أن يجتمعا في وصف واحد ، كما أن هاهنا خلق آدم من تراب ، ولم يخلق عيسى من تراب ، وكان بينهما فرق من هذا الوجه ، ولكن الشبه بينهما أنه خلقهما من غير أب ، ولأن أصل خلقهما جميعاً كان من تراب ، لأن آدم لم يخلق من نفس التراب ، ولكنه جعل التراب طيناً ، ثم جعله صلصالاً ، ثم خلقه منه ، فكذلك عيسى عليه السلام حوله من حال إلى حال ، ثم خلقه بشراً من غير أب .

(1/274)


الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)

ثم قال تعالى : { الحق مِن رَّبّكَ } يعني خبر عيسى ، كما أخبرتك وأنبأتك في القرآن { فَلاَ تَكُنْ مّن الممترين } أي من الشاكين . ويقال : المثل الذي ذكر في عيسى ، هو الحق من ربك ، وهذا الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم ، والمراد منه جميع من اتبعه ، ومعناه فلا تكونوا من الممترين ، أي من المشركين ، يعني إن مثله كمثل آدم عليهما السلام { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ } وذلك أن النصارى لما أخبرهم بالمثل في حق عيسى عليه السلام قالوا ليس كما تقول ، وهذا ليس بمثل ، فنزلت هذه الآية { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ } يعني خاصمك في أمر عيسى عليه السلام { مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم } أي من البيان في أمره { فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ } أي نخرج أبناءنا وأبناءكم { و } نخرج { وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ } يعني نحن بأنفسنا ، ويقال : إخواننا ونجتمع في موضع { ثُمَّ نَبْتَهِلْ } أي نلتعن . وقال مقاتل : يعني نخلص في الدعاء . ويقال : هي المبالغة في الدعاء والتضرع { فَنَجْعَل لَّعْنَتُ الله عَلَى الكاذبين } فواعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يخرجوا للملاعنة ، فجعلوا وقتاً للخروج ، وتفرقوا على ذلك ، ثم ندموا ، فلما كان ذلك اليوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذ بيد الحسن والحسين ، وخرج معه علي بن أبي طالب ، وفاطمة ، فلما اجتمعوا في الموضع الذي واعدهم ، طلب منهم الملاعنة ، فقالوا نعوذ بالله ، فقال لهم : « إِمَّا أَنْ تُلْعَنُوا ، وَإِمَّا أَنْ تُسْلِمُوا ، وَإِمَّا أَنْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ » ، فقبلوا الجزية ، وصالحوه بأن يؤدوا كل سنة ألفي حلة ، ألف حلة في المُحَرَّم ، وألف حلة في رجب ، وأَمَّرَ عليهم أبا عبيدة بن الجراح ، ورجعوا ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : « لَوْ أَنَّهُمُ الْتَعَنُوا لَهَلَكُوا كُلُّهُمْ حَتَّى العَصَافِيرُ فِي سُقُوفِ الحِيطَانِ » .

(1/275)


إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66)

ثم قال الله تعالى : { إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق } يعني ما أُخْبِرُوا من أمر عيسى عليه السلام هو الخبر الحق يعني أنه كان عبد الله ورسوله . ويقال : هذا القرآن هو الحق { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } لا شريك له { وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم } العزيز في ملكه ، الحكيم في أمره حكم بخلق عيسى في بطن أمه من غير أب . { فَإِن تَوَلَّوْاْ } يقول : أَبَوْا ، ولم يسْلموا { فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين } يجازيهم بذلك ، وهذه كلمة تهديد { قُلْ ياأهل * أَهْلِ الكتاب **تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } يعني كلمة عدل بيننا وبينكم . ويقال في قراءة عبد الله بن مسعود : إلى كلمة عدل بيننا وبينكم ، يعني لا إله إِلاَّ الله ، وهي كلمة الإخلاص ويقال إلى كلمة تسوي بيننا وبينكم ، فتصير دماؤكم كدمائنا ، وأموالكم كأموالنا { أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله } يعني ألا نُوَحِّد إِلا الله { وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } من خلقه { وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله } لأنهم اتخذوا عيسى رباً من دون الله .
ويقال : لا يطيع بعضنا بعضاً في المعصية . كما قال : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها واحدا لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ سورة التوبة : 31 ] أي أطاعوهم في المعصية . ويقال : لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً . كما قالت النصارى : إن الله ثالثُ ثلاثة { فَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني أبوا عن التوحيد { فَقُولُواْ } لهم يا معشر المسلمين { اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي مخلصون لله بالعبادة والتوحيد { مُسْلِمُونَ ياأهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إبراهيم } وذلك أن اليهود والنصارى كانوا اجتمعوا في بيت مدرسة اليهود ، وكل فريق يقول كان إبراهيم منا ، وكان على ديننا فنزل { مُسْلِمُونَ ياأهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إبراهيم } أي لِمَ تخاصمون في دين إبراهيم { وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } يعني من بعد إبراهيم عليه السلام ولكن اليهودية والنصرانية إنما سميت بهذا الاسم بعد نزول التوراة والإنجيل . وقال الكلبي : نزلت في شأن النفر الذين كانوا بالحبشة من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فهم جعفر الطيار وغيره . كما قال الله تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً } أي أطاعوهم في المعصية ، وكانت بينهم ، وبين أحبار الحبشة مناظرة في ذلك الوقت ، فنزلت هذه الآية .
وقال الزجاج : هذه الآية أبين الحجج على اليهود والنصارى ، بأن التوراة والإنجيل أنزلا من بعده ، وليس فيهما اسم لواحد من الأديان ، واسم الإسلام في كل كتاب ، وهو قوله : { لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إبراهيم وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } ، { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يقول : أليس لكم ذهن الإنسانية أن تنظروا فيما تقولون { تَعْقِلُونَ هأَنتُمْ هؤلاء حاججتم } يقول أنتم يا هؤلاء خاصمتم { فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } في صفة محمد صلى الله عليه وسلم فتجدونه في كتبكم { فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } يقول : ما ليس في كتابكم ، وهو أمر إبراهيم عليه السلام { الله يَعْلَمُ } أن إبراهيم كان على دين الإسلام { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك .

(1/276)


مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)

{ وَمَا كَان إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا } يقول : لم يكن إبراهيم عليه السلام على دين اليهودية ولا النصرانية { وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا } أي مخلصاً { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } يعني ما كان أي لم يكن على دينهم . وقال الزجاج : الحنف في اللغة إقبال صدر القدمين إقبالاً لا رجوع فيها أبداً ، فمعنى الحنيفية في الإسلام ، الإقبال والميل إليه ، والإقامة على ذلك .

(1/277)


إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)

ثم قال : { إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم } يقول : أحق الناس بدين إبراهيم { لَلَّذِينَ اتبعوه } واقتدوا به وآمنوا به { وهذا النبى } يعني هو على دينه ومنهاجه { والذين ءامَنُواْ } هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على دينه ، { والله وَلِىُّ المؤمنين } في العَوْن والنُّصرة .

(1/278)


وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69)

{ وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب } يعني أرادت ، وتمنت جماعة من أهل الكتاب { لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } أي يصرفونكم عن دين الإسلام { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } أي وَبَالُ ذلك يرجع إلى أنفسهم . ويقال : وما يضلون إلا أنفسهم ، أمثالهم كقوله عزّ وجلّ : { وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم } [ سورة البقرة : 54 ] أي بعضكم بعضاً { وَمَا يَشْعُرُونَ } قال مقاتل : أي وما يشعرون أنهم يضلون أنفسهم . وقال الكلبي : وما يشعرون أن الله يَدُلُّ نبيَّه عليه السلام على ضلالتهم أي يُطْلِعُه .

(1/279)


يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)

ثم قال : { يأَهْلَ الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بأيات الله } يقول لم تجحدون بالقرآن { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } أنه نبيّ الله ، لأنهم كانوا يخبرون بأمره قبل مبعثه ويقال : بآيات الله ، يعني بعجائبه ودلائله . ويقال : بآية الرجم ثم قال : { تَشْهَدُونَ ياأهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل } يقول لِمَ تخلطون الكفر بالإيمان؟ لأنهم آمنوا ببعضه ، وكفروا ببعضه { وَتَكْتُمُونَ الحق } يعني بعث محمد صلى الله عليه وسلم { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه حق ، وأنه في التوراة .

(1/280)


وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)

وَقَالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بالَّذِي أُنْزِلَ على الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ } قال الكلبي : وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قَدِمَ المدينة ، صلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً ، أو ثمانية عشر شهراً ، فلما صرف الله نبيّه إلى الكعبة عند صلاة الظهر ، وقد كان صلى صلاة الصبح إلى بيت المقدس ، وصلّى صلاة الظهر والعصر إلى الكعبة . فقال رؤساء اليهود منهم : كعب بن الأشرف ، ومالك بن الضيف ، وغيرهما للسفلة منهم ، آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ، صدقوه بالقبلة التي صلّى صلاة الصبح في أول النهار وآمنوا به ، وإنه الحق ، { واكفروا ءاخِرَهُ } يعني اكفروا بالقبلة التي صلى إليها آخر النهار { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إلى قبلتكم ودينكم . وقال مقاتل : معناه أنهم جاؤوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم أول النهار ، ورجعوا من عنده ، وقالوا للسفلة : هو حق فاتبعوه ، ثم قالوا : حتى ننظر في التوراة ، ثم رجعوا في آخر النهار . فقالوا : قد نظرنا في التوراة ، فليس هو إياه ، يعنون أنه ليس بحق ، وإنما أرادوا أن يلبسوا على السفلة ، وأن يشككوا فيه فذلك قوله : { وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب ءامِنُواْ بالذي أُنزِلَ } يعني قالوا : لهم في أول النهار آمنوا به { واكفروا ءاخِرَهُ } يعني قالوا : في آخر النهار ، واكفروا به { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي يشكون فيه فيرجعون .
ثم قال للسفلة : { وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } قال بعضهم : في الآية تقديم وتأخير ، ومعناه ولا تؤمنوا ، أي لا تصدقوا ، إلا لمن تبع دينكم ، فإنه لن يُؤْتَى أَحَدٌ مثلَ ما أُوتيتُمْ من التوراة ، والمَنّ والسَّلوى ، ولا تخبروهم بأمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فيحاجوكم عند ربكم ، أي يخاصموكم ، ويجعلوه حجة عليكم . فقالوا ذلك حسداً حيث كان النبيّ صلى الله عليه وسلم من غيرهم قال الله تعالى : { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } وإن الفضل بيد الله ، وهو قول مقاتل .
وقال الكلبي : بغير تقديم وتأخير ، يقول : { وَلاَ تُؤْمِنُواْ } ، أي ولا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية ، وصلى إلى قبلتكم ، { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } يقول : دين الله هو الإسلام . { أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } يقول لن يعطى أحد مثل ما أوتيتم من دين الإسلام ، والقرآن الذي فيه الحلال والحرام { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } أي : لن يخاصمكم اليهود عند ربكم يوم القيامة ، ثم قال { قُلْ } يا محمد { إِنَّ الفضل بِيَدِ الله } يعني النبوة ، والكتاب والهدى ، بيد الله ، أي : بتوفيق الله ، { يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } يعني يوفق من يشاء ، { والله واسع عَلِيمٌ } . يقول : واسع الفضل { عَلِيمٌ } بمن يؤتيه الفضل { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } يعني بدينه يعطيه من يشاء من عباده { والله ذُو الفضل العظيم } أي ذو المن العظيم ، لمن اختصه بالإسلام .

(1/281)


وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)

{ وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ } قرأ أبو عمرو وحمزة يُؤَدِّهْ بجزم الهاء ، وهي لغة لبعض العرب ، واللغة المعروفة هي بإظهار الكسرة . قال مقاتل : يعني عبد الله بن سلام وأصحابه . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح إن الله تعالى ذكر أن أهل الكتاب فيهم أمانة ، وفيهم خيانة وقال الضحاك : { وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ } يعني به عبد الله بن سلام أودعه رجل ألفاً ومائتي أوقيّة من الذهب ، فأداها إليه ، فمدحه الله تعالى ويقال : إن نعت محمد صلى الله عليه وسلم أمانة ، فمن كتمه ، دخل تحت قوله { لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } ، ومن لم يكتمه دخل تحت قوله { يُؤَدّهِ } ، ثم قال تعالى : { وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } وهو فنْخاص بن عازورا اليهودي ، أودعه رجل ديناراً ، فخانه . ويقال : { يُؤَدّهِ إِلَيْكَ } ، يعني النصارى كانوا أَلْيَنَ قُلوباً ، يؤدون الأمانة ، واليهود لا يؤدون الأمانة ، فكانوا إذا أخذوا أمانات الناس ، أو مال اليتامى ، فكانوا يغتنمون ذلك ، كما يفعل بعض أهل الإسلام إذا وقع في يده شيء من أموال المسلمين جعله كالغنيمة .
ثم قال تعالى : { إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } أي مُلِحّاً متقاضياً و { ذلك } يعني الاستحلال { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الاميين سَبِيلٌ } يعني يقولون ليس علينا في مال العرب مأثم . ويقال : من لم يكن على ديننا ، فَمَالُه لنا حلال ، بمنزلة مذهب الخوارج أنهم يستحلون مال من كان على خلاف مذهبهم { وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب } وهم يعلمون ، لأنهم كانوا يقولون إن ذلك حلال في التوراة ، فأخبر الله تعالى أنهم كاذبون على الله { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أن الله أمرهم بأداء الأمانة ، وأخذ على ذلك ميثاقهم ، فهذا قوله تعالى : { بلى مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ } أي بعهد الله الذي أخذ عليهم بأداء الأمانة ، وهي نعت محمد صلى الله عليه وسلم { واتقى } محارمه ، هذا قول مقاتل وقال الكلبي : واتقى ظلم الناس { فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } عن نقض العهد .

(1/282)


إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)

{ إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله } قال ابن عباس في رواية أبي صالح : نزلت في شأن عبدان بن الأشوع ، وامرىء القيس بن عابس ، ادّعى أحدهما على صاحبه حقاً ، فأراد المدَّعى عليه أن يحلف بالكذب ، فنزلت هذه الآية . وقال مقاتل : نزلت في شأن رؤساء اليهود ، كتموا نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، لأجل منافع الدنيا . ويقال : إن جماعة من علماء اليهود ، قَدِموا المدينة من الشام ليُسلموا ، فلقيهم كَعْب بن الأشرف فقال لهم : تعلمون أنه نبي؟ قالوا : نعم . فقال لهم كعب : حَرَّمْتُمْ على أنفسكم خيراً كثيراً ، لأني كنت أردت أن أَبْعث لكم الهدايا . فقالوا : حتى ننظر في ذلك ، فنظروا ثم رجعوا . فقالوا : ليس هو الذي وجدنا صفته ، فأخذ منهم إقرارهم وخطوطهم وأَيْمَانهم على ذلك ، ثم بعث إلى كل واحد منهم ثمانية أذرع من الكرباس ، وخمسة أصوع من الشعير ، فنزل في شأنهم { إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلا } أي عرضاً يسيراً { أُوْلَئِكَ لاَ خلاق لَهُمْ فِى الاخرة } أي لا نصيب لهم في الآخرة { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله } وقال الزجاج : قوله { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله } ، يحتمل معنيين؛ أحدهما إسماع كلام الله تعالى أولياءه ، خصوصاً لهم ، كما كلم موسى خصوصية له دون البشر ، ويجوز أن يكون تأويله للغضب عليهم ، كما يقال : فلان لا يكلم فلاناً ، ولا ينظر إليه ، أي هو غضبان عليه ، وإن كان هو يكلمه بكلام السوء ، فذلك معنى قوله لا يكلمهم ، أي بكلام الرحمة { وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة } بالرحمة { وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
ثم قال { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا } يعني طائفة من اليهود ، وهذه اللام لزيادة تأكيد على تأكيد { يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب } أي يحرفون ألسنتهم بالكتاب ، يعني بنعت محمد صلى الله عليه وسلم ويغيرونه ، ويقال : يغيرونه في التلاوة فيقرؤونه على خلاف ما في التوراة . ويقال : يحرفون تأويله على خلاف ما فيه { لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب } أي من التوراة { وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب } أي من التوراة ، بل هم كتبوا وهم تأوَّلوا { وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله } أي ليس هو من عند الله { وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنه كذب .

(1/283)


مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الكِتاب } أي التوراة والإنجيل { والحكم } يعني الفهم { والنبوة } وهو عيسى ابن مريم عليهما السلام { ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ } ما جاز له أن يقول للناس : { كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله } ويقال : إن اليهودَ والنصارى اختلفوا فيما بينهم ، فجاء الفريقان جميعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال كل فريق : نحن أولى بإبراهيم عليه السلام فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كُلُّكُمْ عَلَى الخَطَأ " فغضبوا . وقالوا : والله ما تريد إلا أن نتخذك حَنَّاناً ، أي معبوداً ، فأنزل الله تعالى { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب } ، يعني القرآن والحكم ، يعني الحلال والحرام والنبوة ، ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله { ولكن } يقول لهم { كُونُواْ ربانيين } أي متعبدين ويقال كونوا علماء فقهاء .
قال الزجاج : الربانيون أرباب العلم ، والبيان ، أي كانوا علماء { بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب } أي كونوا عاملين بما كنتم تعلمون ، لأن العالم إنما يقال له عالم إذا عمل بما علم ، وإن لم يعمل بعلمه ، فليس بعالم ، لأن من ليس له من علمه منفعة ، فهو والجاهل سواء ثم قال : { وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } يقول بما كنتم تقرؤون يعني كونوا علماء بذلك عاملين به . قرأ ابن كثير ونافع ، وأبو عمرو «بما كنتم تَعْلَمُون» بنصب التاء والتخفيف ، يعني يُعَلِّمكم الكتاب ودراستكم والباقون بضم التاء والتشديد يعني تُعَلِّمُون غيركم فإنما يأمركم بذلك { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا } يعني عيسى وعُزَيراً والملائكة صلوات الله عليهم ، ولو أمركم بذلك لَكَفَر ، وتنزع النبوة منه { أَيَأْمُرُكُم بالكفر } يعني بعبادة الملائكة { بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } أي مخلصون بالتوحيد لله . قرأ عاصم وحمزة وابن عامر : ولا يَأْمُرَ بنصب الراء ينصرف إلى قوله { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ الله } ، فيصير نصباً بأن ، والباقون ولا يأمرُكم بضم الراء على معنى الابتداء .

(1/284)


وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)

ثم قال تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين } يعني الميثاق حيث أخرجهم من صُلْبِ آدم عليه السلام وَأَخَذَ عليهم الميثاق العهد أن يبلغ الأول الآخر ، وأن يصدق الآخر الأول ، فذلك قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين } يعني إقرار النَّبِيِّين { لَمَا ءاتَيْتُكُم } قرأ حمزة لِمَا آتيتكم بكسر اللام والتخفيف ، يعني بما آتيتكم ، والباقون بنصب اللام ، ومعناه فما آتيتكم يعني ، أي كتاب آتيتكم لتؤمنوا به . وقرأ بعضهم بنصب اللام والتشديد ، أي حين آتيتكم { مّن كتاب وَحِكْمَةٍ } يعني بيان الحلال والحرام . وقرأ نافع آتيناكم بلفظ الجماعة ، وهو لفظ الملوك ، والباقون آتيتكم بلفظ الوحدان . ويقال : أخذ الميثاق بالوحي ، فلم يبعث نبيّاً ، إلا ذكر له محمداً صلى الله عليه وسلم ونعته ، وأخذ عليه ميثاقه أن يبينه لقومه ، وأن يأخذ منهم ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم ، ولا يكتمونه { ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ } يعني به أهل الكتاب ، الذين كانوا في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم { مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } في التوحيد وبعض الشرائع ، وذلك أن الله تعالى لما أخذ ميثاق الأنبياء ، وأخذ الأنبياء الميثاق من قومهم بأن يبينوه ، فلما قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة ، فكذبوه فذكرهم الله تعالى ما أتاهم به أنبياؤهم فقال تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ } يعني محمد صلى الله عليه وسلم مصدق لما معكم من التوراة { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } يعني قال لهم في الميثاق : لتؤمنن به أي لتصدقنه إذا بُعث { وَلَتَنصُرُنَّهُ } إذا خرج { قَالَ } لهم { ءأَقْرَرْتُمْ } بتصديقه ، يعني : هل أقررتم بما أخذ عليكم من الميثاق بتصديقه ونصره؟ { وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى } يعني : هل قبلتم على ذلك عهدي الذي أخذت عليكم على إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ { قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ } الله تعالى { فَأَشْهِدُواْ } بعضكم على بعض بأني قد أخذت عليكم العهد { وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين } على إقراركم .
قال الزجاج : قوله فاشهدوا ، أي فاثبتوا ، لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي ، { وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين } ، وشهادة الله للنبيين تبيينه أمر نبوتهم بالآيات المعجزات . وقال القتبي : أصل الإصر الثقل ، فسمي العهد إصراً ، لأنه يمنع صاحبه عن مخالفة الأمر الذي أخذ عليه فثقل .

(1/285)


فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)

قوله تعالى : { فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك } أي أعرض عن الإيمان ، وعن البيان بعد ذلك الإقرار والعهد قوله : { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } أي الناقضون للعهد ، ويقال : هم العاصون ، وأصل الفسق الخروج من الطاعة كقوله تعالى : { وَإِذَا قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآِدَمَ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ للظالمين بَدَلاً } [ سورة الكهف : 50 ] أي خرج عن طاعة ربه وقوله تعالى : { أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ } قال الكلبي : وذلك أن كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم . فقالوا : أينا أحق بدين إبراهيم؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : « كِلاَ الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ دِينِهِ » فقالوا : ما نرضى بقضائك ، ولا نأخذ بدينك ، فنزل قوله تعالى : { أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ } أي يطلبون ، قرأ عاصم في رواية حفص { يَبْغُونَ } { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } كلاهما بالياء . وقرأ أبو عمرو يبغون بالياء ، وإليه ترجعون بالتاء ، وقرأ الباقون كلاهما بالتاء على معنى المخاطبة ، فمن قرأ بالياء ، يعني أفغير دين الله يطلبون من عندك ، ومن قرأ بالتاء يعني أفغير دين الله تطلبون ، { وَلَهُ أَسْلَمَ } ، أي أخلص وخضع { مَن فِى السموات والارض طَوْعًا وَكَرْهًا } .
قال الكلبي : أما أهل السموات ، فأسلموا لله طائعين ، وأما أهل الأرض ، فمن ولد في الإسلام أسلم طوعاً ، ومن أبى قُوتِل حتى دخل في الإسلام كرهاً ، وما أفاء الله عليهم مما يسبون ، فيجاء بهم في السلاسل ، فيكرهون على الإسلام . وقال مجاهد : يسجد ظل المسلم ووجهه طائع ، ويسجد ظل الكافر ، وهو كاره . وقال مقاتل : وله أسلم من في السموات ، يعني الملائكة والأرض ، يعني المؤمنين طوعاً وكرهاً ، يعني أهل الأديان يقولون الله ربكم وخالقكم ، فذلك إسلامهم ، وهم مشركون معنى قوله : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السموات والارض } يعني خضعوا من جهة ما فطرهم عليه ودبرهم ، لا يمتنع ممتنع من جبلة ما جبل عليها ، ولا يقدر على تغيير ما خلق عليها طوعاً وكرهاً . ثم قال : { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } كما خلقكم ، أي كما بدأكم فلا تقدرون على الامتناع ، كذلك يبعثكم كما بدأكم . قرأ عاصم في رواية حفص يرجعون ، وقرأ الباقون بالتاء .

(1/286)


قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)

ثم قال : { قُلْ ءامَنَّا بالله } خاطب النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وأراد به أمته فقال : قل للمؤمنين إن لم يؤمن أهل الكتاب فقولوا أنتم آمنا بالله { وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والاسباط وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى والنبيون مِن رَّبّهِمْ لاَ } وقد ذكرناه في سورة البقرة .

(1/287)


وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)

قوله { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا } قال الكلبي : نزلت في شأن مرثد بن أبي مرثد ، وطُعْمَة بن أَبَيْرق ، ومقيس بن صبابة ، والحارث بن سُوَيد ، وكانوا عشرة . وقال مقاتل : كانوا اثني عشر . وقال الضحاك : يعني لا يقبل من جميع الخلق من أهل الأديان ديناً غير دين الإسلام ، ومن يتدين غير الإسلام ديناً { فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الاخرة مِنَ الخاسرين } أي من المغبونين ، لأنه ترك منزله في الجنة ، واختار منزله في النار .

(1/288)


كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)

{ كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم وَشَهِدُواْ أَنَّ الرسول حَقٌّ وَجَاءهُمُ البينات } أي بعدما ظهر لهم العلامات { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } فإن قيل في ظاهر الآية أن من كفر بعد إسلامه ، لا يهديه الله ، ومن كان ظالماً لا يهديه الله ، وقد رأينا كثيراً من المرتدين ، أسلموا وهداهم الله ، وكثيراً من الظالمين تابوا عن الظلم . قيل له : لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم ، ولا يُقْبِلُون إلى الإسلام ، فأما إذا جاهدوا ، وقصدوا الرجوع ، وفقهم الله لذلك لقوله : { والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين } [ سورة العنكبوت : 69 ] وتأويل آخر : { كَيْفَ يَهْدِى الله } يقول : كيف يرشدهم إلى الجنة؟ كما قال في آية : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً } [ النساء : 168 ] ويقال : كيف يرحمهم الله وينجيهم من العقوبة؟ ويقال : كيف يغفر الله لهم؟ وقالت المعتزلة : كَيْفَ يَهْدِي الله؟ معناه : كيف يكونون مهتدين ، لأنهم لا يرون الهداية ، والاهتداء في الابتداء إلا على سبيل الجزاء ، ويرون ذلك من كسب العبد . ثم قال : { أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ } يعني أهل هذه الصفة التي ذكر { أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله } أي سخط الله . ويقال : الطرد والتبعيد من رحمة الله والخذلان . ويقال : يلعنهم بالقول : { والملئكة } يعني عليهم لعنة الله والملائكة { والناس أَجْمَعِينَ } إذا لعن رجل رجلاً ، فإن لم يكن أَهْلاً لذلك ، رجعت اللعنة إلى الكفار ، ويقال : من لم يكن على دينهم ، يلعنهم في الدنيا ، ومن كان على دينهم ، يلعنهم في الآخرة . لقوله تعالى : { وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم مِّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الحياة الدنيا ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن ناصرين } [ سورة العنكبوت : 25 ] فذلك قوله تعالى : { والناس أَجْمَعِينَ } .
ثم قال تعالى : { خالدين فِيهَا } يعني في اللعنة فيما توجبه اللعنة ، وهو عذاب النار خالدين فيها { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب } أي لا يهون عليهم العذاب { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } أي لا يؤجلون . ثم استثنى التوبة فقال تعالى : { إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ } يقول : من بعد الكفر ، وأصلحوا أعمالهم بالتوبة . ويقال : أصلحوا لمن أفسدوا من الناس { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لما كان منهم في الكفر رحيم بهم بعد التوبة . قال الكلبي ومقاتل لما نزلت هذه الآية ، أي الرخصة بالتوبة ، كتب أخو الحارث بن سُوَيْد ، إلى الحارث : إن الله قد عرض عليكم التوبة ، فرجع وتاب . وبلغ ذلك إلى أصحابه الذين بمكة ، فقالوا : إن محمداً تتربص به ريب المنون . فقالوا : نقيم بمكة على الكفر ، متى بدا لنا الرجعة رجعنا ، فينزل فينا ما نزل في الحارث ، فتقبل توبتنا فأنزل الله تعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا } أي ثبتوا على كفرهم بقولهم : نقيم بمكة ما بدا لنا { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } ما أقاموا على الكفر .

(1/289)


قال الزجاج : كانوا كلما نزلت آية كفروا بها ، فكان ذلك زيادة كفرهم . وقوله : { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } ، أي توبتهم الأولى ، وحبط أجر عملهم . ويقال : { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } ، معناه أنهم لن يتوبوا . كما قال : { واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } [ سورة البقرة : 48 ] ، أي لا يشفع لها أحد ، ثم قال تعالى : { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون } عن الإسلام ، وهم الذين لم يتوبوا { إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الارض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ } قال الكلبي : يعني وزن الأرض ذهباً .
وقال مقاتل : إن الكافر إذا عاين النار في الآخرة ، يتمنى أن يكون له الأرض ذهباً ، فيقدر على أن يفتدي به نفسه من العذاب ، لافتدى به ولو افتدى به ما تقبل منه ، { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، ونظيرها في سورة المائدة { إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الارض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ المائدة : 36 ] . قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مّن ناصرين } الآية .

(1/290)


لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)

{ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } قال ابن عباس في رواية أبي صالح أنه قال لن تنالوا ما عند الله من ثوابه في الجنة ، حتى تنفقوا مما تحبون ، أي حتى تخرجوا أموالكم طيبة بها أنفسكم . وقال مقاتل : يعني لن تنالوا التقوى ، حتى تنفقوا مما تحبون من الصدقة ، أي بعض ما تحبون من الأموال { وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء } يعني الصدقة وصلة الرحم { فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } أي لا يخفى عليه ، فيثيبكم عليه . ويقال : لن تنالوا البر حتى تستكملوا التقوى . ويقال : لا تكونوا بارين ، حتى تنفقوا مما تحبون ، أي من الصدقة ، أي بعض ما تحبون من الأموال .
وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يشتري أعدالاً من السُّكَّر ، ويتصدق بها . فقيل له : هلا تصدقت بثمنه؟ فقال : لأنَّ السُّكَّر أَحبّ إِليَّ ، فأردت أن أتصدق مما أحب .
وروي عن عبد الله بن عمر أنه اشترى جارية جميلة ، وكان يحبها ، فمكثت عنده أياماً ، ثم أعتقها وزوجها من رجل ، فَوُلِد لها ولد ، فكان يأخذ ولدها ، ويضمّه إلى نفسه . ويقول : أشم منك ريح أمك . فقيل له : قد رزقك الله من حلال ، وأنت تحبها ، فلم تركتها؟ فقال : ألم تسمع هذه الآية : { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } . وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ في مصحف مذهب ، فلما انتهت إلى هذه الآية باعته ، وتصدقت بثمنه .

(1/291)


كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)

قوله تعالى : { كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل } قال في رواية الكلبي : خرج يعقوب إلى بيت المقدس ، فلقيه ملك في الطريق ، فظن يعقوب أنه لص ، فعالجه ، فغمز الملك رجل يعقوب ، فهاج به عرق النساء ، فنذر أن يحرم أحب الطعام إليه إن برأ من ذلك لما رأى فيه من الجهد . فلما برأ كان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وألبانها ، فحرمها على نفسه . فقالت اليهود : هذا التحريم من الله تعالى في التوراة ، فنزل قوله تعالى : { كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل } أي كان حلالاً ، إلا الميتة والدم ولحم الخنزير ثم قال : { إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة } وليس تحريمها في التوراة ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { قُلْ } لليهود { فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها } يعني اقرؤوها { إِن كُنتُمْ صادقين } بأن تحريمها في التوراة ، لأنهم كانوا يقولون : إن ذلك حرام من وقت نوح ، وأنت وأصحابك تستحلونها . وقال الضحاك : إن يعقوب لما أصابه عرق النساء ، أمره الأطباء أن يتجنب لحوم الإبل ، فحرم على نفسه لحوم الإبل . فقالت اليهود : حرَّمْناها على أنفسنا ، لأن يعقوب حرّمها على نفسه ، فنزل تحريمها في التوراة ، فنزلت الآية ويقال معناه كل طعام هو حلال لأمتك ، مثل ما كان حلالاً لبني إسرائيل ، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ، وبعضها حُرّم عليهم بذنوبهم . وقال الزجاج : هذه الآية أعظم دليل لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه أخبرهم بأنه ليس في كتابهم ، وأمرهم بأن يأتوا بالتوراة ، فأبوا وعرفوا أنه قال ذلك بالوحي .

(1/292)


فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)

ثم قال تعالى : { فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب } يعني اختلق على الله الكذب { مِن بَعْدِ ذلك } البيان في كتابهم { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } يعني يظلمون أنفسهم { قُلْ صَدَقَ الله } أن تحريمه ليس في التوراة . ويقال : قُلْ صَدَقَ الله ، حين قال : { مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } [ آل عمران : 67 ] { فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً } أي مخلصاً مستقيماً ، وكلوا لحوم الإبل وألبانها ، كما أكلها إبراهيم ، ولا تحرموا على أنفسكم شيئاً بأهوائكم { وَمَا كَانَ } إبراهيم { مِنَ المشركين } يعني على دينهم .

(1/293)


إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)

{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } قال مقاتل يعني أول مسجد وضع للناس ، أي للمؤمنين . ويقال : أول موضع خلق ، هو موضع الكعبة للناس ، أي قبلة للناس { لَلَّذِى بِبَكَّةَ } قال الكلبي : إنما سمي بكة ، لأن الناس يبك بعضهم بعضاً ، أي يزدحم .
وقال الزجاج : بكة موضع البيت ، وسائر ما حواليه مكة . وقال القتبي : بكة ومكة شيء واحد ، والباء تبدل من الميم . كما يقال سمد رأسه وسبده إذا استأصله ، أي قلع بأصله . ويقال : بكة موضع المسجد ، ومكة البلد حوله . ثم قال تعالى : { مُبَارَكاً } أي فيها بركة ومغفرة للذنوب { وَهُدًى للعالمين } يعني قبلة لمن صلّى إليها ، وذلك أن اليهود قالوا للمؤمنين : لم عمدتم إلى الحجارة تطوفون بها وتصلون إليها؟ وجعلوا يعظمون بيت المقدس ، فنزلت هذه الآية .
وروى الكلبي أن آدم عليه السلام بنى البيت ، فلما كان زمان الطوفان ، رفع إلى السماء السادسة بحيال الكعبة ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، لم يدخلوه قط قبله . ويقال : أنزل من السماء ، وهو من ياقوتة حمراء ، فلما كان زمان الطوفان ، رفع إلى السماء الرابعة . ثم قال تعالى : { فِيهِ ءايات بينات } يعني علامات واضحات كالحجر الأسود والحطيم { مَّقَامِ إبراهيم } .
وروي عن عبد الله بن عباس أنه كان يقرأ فيه آية بينة مقام إبراهيم . وقرأ غيره آيات بينات مقام إبراهيم ، ومعناه من تلك الآيات مقام إبراهيم { وَمَن دَخَلَهُ } يعني الحرم { كَانَ ءامِناً } يعني أن من دخل فيه ، فإنه لا يهاج منه إذا وجب عليه القتل خارج الحرم { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص حِجُّ بكسر الحاء ، والباقون بالنصب ، وهما لغتان ومعناهما واحد . { مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } أي بلاغاً والاستطاعة هي الزاد والراحلة وتخلية الطريق . ويقال : ولله على الناس فريضة حج البيت . ثم قال : { وَمَن كَفَرَ } يعني ومن لم يرَ الحج واجباً فقد كفر ، فذلك قوله { وَمَن كَفَرَ } . { فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين } يعني غني عمن حج ، وعمن لم يحج .
قال الفقيه : حدّثني أبي قال : حدّثني أبو بكر المعلم قال : حدثنا أبو عمران الفارابي قال : حدّثنا عبد الرحمن بن حبيب قال : حدثنا داود بن المحبر قال : حدّثنا عباد بن كثير عن عبد خير عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته : « أَيُّها النَّاسُ إنَّ الله تَعَالَى فَرَضَ الحَجَّ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إليهِ سَبِيلاً ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالِ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً أوْ مَجُوسِيّاً ، إلاَّ أنْ يَكُونَ بهِ مَرَضٌ أوْ مَنْعٌ مِنْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ، ألا لا نَصِيبَ لَهُ مِنْ شَفَاعَتِي ، وَلا يَرِدُ حَوْضِي »
وروي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « السَّبِيلُ الزَّادُ والرَّاحِلَةُ » وكذلك روي عن ابن عباس . وقال مجاهد : مقام إبراهيم أثر قدميه .

(1/294)


قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)

ثم قال : { قُلْ ياأهل الكتاب } يعني اليهود والنصارى { لِمَ تَكْفُرُونَ بئيات الله } يعني لم تكفرون بالحج والقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم ، { والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } من الجحود والكفر { قُلْ ياأهل الكتاب لَمَ تَصُدُّونَ } يقول : لم تصرفون الناس { عَن سَبِيلِ الله } أي عن دين الله الإسلام والحج { تَبْغُونَهَا عِوَجاً } أي تطلبونها تغيراً وزيناً { وَأَنْتُمْ شُهَدَاء } أن ذلك في التوراة { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } من كتمان صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته . ويقال في اللغة ما كان ينتصب انتصاب العود والحائط يقال : عوج بالنصب ، وما لم ينتصب مثل الأرض والكلام . ويقال : عوج كما قال تعالى : { لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً } [ طه : 107 ] وقال تعالى : { ولم يجعل له عوجاً . قيماً } [ طه : 107 ] وقال تعالى : { الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } [ الكهف : 1/ 2 ] .

(1/295)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)

ثم قال تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً } يقول طائفة { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } وهم رؤساء اليهود { يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين } بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ، لأنهم كانوا يدعون إلى الكفر ، واتباع مذهبهم ، وكان يتبعهم بعض المنافقين ، فنهى الله تعالى المؤمنين عن متابعتهم . ثم قال تعالى على وجه التعجب : { وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ } يقول : كيف تجحدون بوحدانية الله تعالى وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن؟ { وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ } يقول : يُقْرَأُ عَليكم القرآن ، وفيه دلائله وعجائبه ، { وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } يعني معكم محمد صلى الله عليه وسلم .
قال الزَّجاج : يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيهم ، وهم يشاهدونه ، ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة ، لأن آثاره وعلاماته ، والقرآن الذي أتى به فينا فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا ، وإن لم نشاهده . ثم قال عزّ وجلّ : { وَمَن يَعْتَصِم بالله } يقول : يتمسك بدين الله { فَقَدْ هُدِىَ إلى صراط مّسْتَقِيمٍ } يقول وفق وأرشد من الضلالة { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } يعني الطريق الذي يسلك به إلى الجنة ، وهو دين الإسلام .

(1/296)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)

{ مّسْتَقِيمٍ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } يقول : أطيعوا الله حق طاعته ، وحق طاعته أن يطاع فلا يعصى طرفة عين ، وأن يشكر فلا يكفر طرفة عين ، وأن يذكر فلا ينسى طرفة عين ، فشقّ ذلك على المسلمين ، فأنزل الله تعالى : { فاتقوا الله مَا استطعتم واسمعوا وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لاًّنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون } [ التغابن : 16 ] فنسخت هذه الآية . هكذا قال الكلبي والضحاك ومقاتل ، وغيرهم من المفسرين : إن هذه الآية منسوخة . وقال بعضهم : لا يجوز أن يقال هذه الآية منسوخة ، لأنه لا يجوز أن يأمرهم بشيء لا يطيقونه ، ولكن الجواب أن يقال عن هذا إنهم يطيقونه ، ولكن تلحقهم مشقة شديدة ، ولأن ذلك مجهود الطاقة ، ولا يستطيعون الدوام عليه ، والله تعالى لا يكلف عباده إلا دون ما يطيقون ، فخفَّف عنهم بقوله تعالى : { فاتقوا الله مَا استطعتم واسمعوا وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لاًّنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون } [ التغابن : 16 ] ولم ينسخ آخر الآية أولها ، وهو قوله تعالى : { وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } يعني اثبتوا على الإسلام ، وكونوا بحال يلحقكم الموت ، وأنتم على الإسلام { واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً } يقول : تمسَّكوا بدين الله وبالقرآن . ويقال : تمسكوا بسبيل السنة والهدى ، { وَلاَ تَفَرَّقُواْ } . يقول : ولا تختلفوا في الدين ، كاختلاف اليهود والنصارى . ويقال : لا تختلفوا فيما بينكم بالعداوة والبغضاء ويقال { واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً } يعني : اطلبوا النصرة من الله لا من القبائل والعشيرة . ويقال : { واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً } ، يعني ما اشتبه عليكم ، فردوه إلى كتاب الله كقوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الامر مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [ النساء : 59 ] وقال بعض الحكماء : إن مثل من في الدنيا ، كمثل من وقع في بئر ، فيها من كل نوع من الآفات ، فلا يمكنه أن يخرج منها والنجاة من آفاتها إلا بحبل وثيق ، فكذلك الدنيا دار محنة ، وفيها كل نوع من الآفات ، فلا سبيل إلى النجاة منها إلا بالتمسك بحبل وثيق ، وهو كتاب الله تعالى .
ثم ذكَّرهُم نعمته فقال تعالى : { اذكروا } نعمتي واحفظوا { نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } الإسلام { إِذْ كُنتُم أَعْدَاء } في الجاهلية { فَأَلَّفَ } الله { بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } يعني جمع بين قلوبكم بالإسلام تودُّداً { فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } يقول : فصرتم بنعمة الإسلام { إِخْوَانًا } في الدين ، وكل ما ذكر في القرآن أصبحتم ، معناه صِرْتم ، كقوله : { أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا } [ الكهف : 41 ] أي صار ماؤكم غوراً ، وهذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج ، كان بينهم قتال قبل الإسلام بأربعين عاماً ، حتى كادوا أن يتفانوا ، فلما بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة آمن به الأوس والخزرج ، وهم بالمدينة ، ثم خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، قبل أن يهاجر منهم سبعون رجلاً ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه عمه العباس حتى أتى إلى العقبة إلى سبعين رجلاً من الأنصار فعاهدوه ثم رجعوا إلى المدينة ، وهاجر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إليهم بعد الحولين ، فوقعت بين الأوس والخزرج أُلْفَةٌ ، وزالت عنهم العداوة التي كانت بينهم في الجاهلية بالإسلام ، وهذا كما ذكر في آية أخرى :

(1/297)


{ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الارض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ الأنفال : 63 ] .
وروي عن جابر بن عبد الله أن رجلين من الأنصار : أحدهما من الأوس ، والآخر من الخزرج ، تفاخرا فيما بينهما ، واقتتلا ، فاستعان كل واحد منهما بقومه ، فاجتمعت الأوس والخزرج ، وأخذوا السلاح ، وخرجوا للحرب ، فبلغ الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج إليهم في ثلاثين من المهاجرين ، وهو راكب على حمار له قال جابر : فما كان من طالع يومئذ أكرم إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ طلع علينا ، فأومأ إلينا بيده ، فكففنا ، ووقف بيننا على حمار له فقال : { مّسْتَقِيمٍ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } إلى قوله : { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } . إلى قوله : { عَذَابٌ عظِيمٌ } فَأَلْقوا السلاح وأطفؤوا الحرب التي كانت بينهم ، وعانق بعضهم بعضاً يبكون ، فما رأيت الناس أكثر باكياً من يومئذ ، فلم يكن في الأرض شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية .
ثم قال تعالى : { وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار } قال القتبي : أشفى على كذا إذا أشرف عليه { شَفَا حُفْرَةٍ } ، أي حرف حفرة ، ومعناه وكنتم في الجاهلية على هلاك بالشرك من مات في الجاهلية كان في النار { فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا } بعدما كنتم على حرف من النار { كَذَلِكَ يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته } يعني علاماته حيث كنتم أعداء في الجاهلية إخواناً في الإسلام { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } أي لكي تهتدوا من الضلالة ، وتعرفوا علامته بهذه النعمة { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ } فهذه لام الأمر كقوله : { قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا } [ الكهف : 110 ] يعني لتكن منكم أمة .
قال الكلبي : يعني جماعة . وقال مقاتل : يعني عصبة وقال الزجاج ولتكونوا كلكم أمة واحدة تدعون إلى الخير ومن هاهنا لتخص المخاطبين من بين سائر الأجناس ، وهي مؤكدة كقوله تعالى : { ذلك وَمَن يُعَظِّمْ حرمات الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الانعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ فاجتنبوا الرجس مِنَ الاوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور }

(1/298)


[ الحج : 30 ] وقوله : { يَدْعُونَ إِلَى الخير } يعني إلى الإسلام . ويقال : إلى جميع الخيرات { وَيَأْمُرُونَ بالمعروف } قال الكلبي : يعني باتباع محمد صلى الله عليه وسلم { وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } يعني الجبت والطاغوت . ويقال : المنكر ، يعني العمل الذي بخلاف الكتاب والسنة . ويقال : ما لا يصلح في العقل .
وروي عن سفيان الثوري أنه قال إنما يجب النهي عن المنكر إذا فعل فعلاً يخرج عن الاختلاف ، أي اختلاف العلماء . ويقال : إنما أمر بعض الناس بقوله ، { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ } ، ولم يأمر جميع الناس ، لأن كل واحد من الناس لا يحسن الأمر بالمعروف ، وإنما يجب على من يعلم . ويقال : إن الأمراء ، يجب عليهم الأمر والنهي باليد ، والعلماء باللسان ، والعوام بالقلب ، وهنا كما قال عليه الصلاة والسلام : « إذا رَأَى أَحَدٌ مُنْكَراً ، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ »
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : بحسب امرىء إذا رأى منكراً ، لا يستطيع النكير أن يعلم الله من قلبه أنه كاره . وروي عن بعض الصحابة أنه قال : إن الرجل إذا رأى منكراً ، لا يستطيع النكير عليه ، فليقل ثلاث مرات : اللهم إِنَّ هذا منكر ، فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه .
ثم قال تعالى : { وأولئك هُمُ المفلحون } يعني الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر هم الناجون . ويقال : فازوا بالنعيم . ثم قال : { وَلاَ تَكُونُواْ } في الاختلاف { كالذين تَفَرَّقُواْ } وهم اليهود والنصارى { واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات } فافترقت اليهود فرقاً والنصارى فرقاً ، فنهى الله المؤمنين عن ذلك ، ثم خوفهم فقال : { وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } يعني دائم لا يرفع عنهم أبداً ، يعني الذين اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات ، أي العلامات في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وبيان الطريق .
ثم بَيَّن منازل الذين تفرقوا ، والذين لم يتفرقوا فقال تعالى : { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم . ويقال : إن ذلك عند قوله تعالى : { وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون } [ يس : 59 ] تكون وجوه المؤمنين مُبْيَضّة ، ووجوه الكفار مُسْوَدَّة . ويقال : إن ذلك عند قراءة الكتاب ، إذا قرأ المؤمن كتابه ، فرأى في كتابه حسناته ، استبشر وابيضّ وجهه ، وإذا قرأ المنافق والكافر كتابه ، فرأى فيه سيئاته ، اسودّ وجهه . ويقال : إن ذلك عند الميزان ، إذا رجحت حسناته ابيضّ وجهه ، وإذا رجحت سيئاته اسودّ وجهه . ويقال : إذا كان يوم القيامة يؤمر كل قوم بأن يجتمعوا إلى معبودهم ، فإذا انتهوا إليه حزنوا ، واسودّت وجوههم ، فيبقى المؤمنون ، وأهل الكتاب والمنافقون ، فيقول الله تعالى للمؤمنين : من ربكم؟ فيقولون : ربنا الله عزّ وجلّ .

(1/299)


فيقول لهم : أتعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون : سبحانه إذا عرفنا ، عرفناه فيرونه كما شاء الله ، فيخر المؤمنون سجداً لله تعالى ، فتصير وجوههم مثل الثلج بياضاً ، وبقي المنافقون وأهل الكتاب ، لا يقدرون على السجود ، فحزنوا واسودّت وجوههم ، فذلك قوله : { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } . { فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم } يعني يقال لهم : أكفرتم؟ ولكن حُذِفَ القول ، لأن في الكلام دليلاً عليه بعد إيمانكم ، يعني يوم الميثاق . قالوا : بَلَى ، يعني المرتدين والمنافقين . ويقال هذا لليهود ، وكانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ، قبل أن يُبْعث ، فلما بُعث كفروا به . وقال أبو العالية : هذا للمنافقين خاصة . يقول : أكفرتم في السرّ بعد إيمانكم ، أي مع إقراركم في العلانية { فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن . حدّثنا الخليل بن أحمد . قال : حدّثنا عباد بن الوليد قال : حدّثنا محمد بن عباد البنائي قال : حدّثنا حميد بن الخياط قال : سألت أبا العالية عن هذه الآية : { فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم } فقال : حدّثنا أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنَّهُمُ الخَوَارِجُ » وسألته عن قوله : { لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ } [ آل عمران : 118 ] قال : إنهم الخوارج قوله : { وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الله } أي في جنة الله قال الزجاج : يعني في الجنة التي صاروا إليها برحمة الله تعالى ، لأن الجنة تُنَالُ برحمته ، ولا تُنَال بالجهد ، وإن اجتهد المجتهد ، لأن نعمة الله تعالى لا يكافئها عمل ، ففي رحمة الله أي في ثواب الله { وَهُمْ فِيهَا خالدون } أي دائمون .

(1/300)


تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)

تلك آيات الله } يعني القرآن { نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } يعني ننزل جبريل فيقرأ عليك { بالحق } أي بالصدق . وقال الزجاج : تلك آيات الله أي تلك التي جرى ذكرها ، حجج الله وعلاماته { نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } ، أي نعرّفك إياها { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين } يعني لا يعذبهم بغير ذنب { وَللَّهِ مَا فِى *** السموات والارض } قال بعضهم : هذا معطوف على الأول ، كأنه يقول : { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين } لأنهم كلهم عبيده ومخلوقه ومرزوقه ، فلا يريد ظلمهم . وقال بعضهم : هذا ابتداء كلام ، بين لعباده أن جميع ما في السموات وما في الأرض له ، حتى يسألوه ويعبدوه ، ولا يعبدوا غيره . ثم قال تعالى : { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور } يقول : تصير أمور العباد إلى الله في الآخرة .

(1/301)


كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)

{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال الكلبي : أخبر الله تعالى أن خير الدين عند الله دين أهل الإسلام ، ووصفهم بالوفاء فقال تعالى : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } . . . يقول : كنتم خير أهل دين كان الناس لا يظلمون من خالطهم منهم ، أو من غيرهم ، فجعلهم الله خير الناس للناس { تَأْمُرُونَ بالمعروف } ويقال : خير أمة أُخْرِجَت للناس ، تأمرون بالمعروف ، فتقاتلون الكفار ليسلموا ، فترجع منفعتهم إلى غيرهم .
كما قال صلى الله عليه وسلم : « خيرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاس » ويقال : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } يعني : كنتم عند الله في اللوح المحفوظ . ويقال : كنتم مذ أنتم خير أُمَّة . ويقال : هذا الخطاب لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ، يعني أنتم خير الأمة . كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : « خَيْرُ القُرُونِ أَصْحَابِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ » ثُمَّ وَصَفَهُمْ ، فقال : { تَأْمُرُونَ بالمعروف } أي بالتوحيد والإسلام . { وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } أي عن الشرك { وَتُؤْمِنُونَ بالله } أي تصدقون بتوحيد الله ، وتثبتون على ذلك . وقال الزجاج : تؤمنون بالله ، معناه تقرون أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبيّ الله ، لأن من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يوحد الله ، لأنه يزعم أن الآيات المعجزات التي أتى بها من ذات نفسه .
ثم قال تعالى : { وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الكتاب } وهم اليهود والنصارى { لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } من الإقامة على دينهم { مّنْهُمُ المؤمنون } وهم مؤمنو أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه ، ومن آمن من اليهود والنصارى { وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون } وهم كعب بن الأشرف وأصحابه ، والذين لم يؤمنوا منهم { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } يعني باللسان بالسب وغيره ، وليس لهم قوة القتال { وَإِن يقاتلوكم } يعني إن أعانوكم في القتال ، فلا منفعة لكم منهم لأنهم { يُوَلُّوكُمُ الادبار } وينهزمون { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } يقول لا يُمْنَعون من الهزيمة ، فكأنه يحكي ضعفهم عن القتال . يقول : لو كانوا عليكم لا يضرونكم ، ولو كانوا معكم لا ينفعونكم ، وهذا حالهم إلى يوم القيامة وهم اليهود ليس لهم شوكة ، ولا قوة القتال في موضع من المواضع . ويقال : { وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الادبار } يعني إن خرجوا إلى قتالكم ، وأرادوا قتالكم يولون الأدبار ، أي ينهزمون منكم . ويقال : يُوَلُّوكم الأَدْبَار ، يعني منهزمين ، { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } يقول : لا يُمْنَعون منكم ، وهو قول الكلبي .

(1/302)


ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)

ثم قال { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة } يقول جُعِلَتْ عليهم الجزية ويقال أَلْزِم عليهم القتال { أَيْنَمَا ثُقِفُواْ } أي وُجدوا { إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله } أي بعهد من الله { وَحَبْلٍ مّنَ الناس } يعني تحت قوم يؤدون إليهم الجزية ، فإن لم يكن لهم عهد قتلوا { وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله } يقول : استوجبوا الغضب من الله تعالى . ويقال : رجعوا بغضب من الله { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة } يعني جعل عليهم زي الفقر .
قال الكلبي : فترى الرجل منهم غنياً ، وعليه من البؤس والفقر والمسكنة . ويقال : إنهم يظهرون من أنفسهم الفقر ، لكيلا تضاعف عليهم الجزية { ذلك } الذي يصيبهم { بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله } ومحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن { وَيَقْتُلُونَ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ } يعني رضوا بما فعل آباؤهم ، فكأنهم قتلوهم { ذلك } الغضب { بِمَا عَصَواْ } الله { وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } بأفعالهم كلما ذكر الله عقوبة قوم في كتابه بيّن المعنى الذي يعاقبهم لذلك ، لكيلا يظن أحد أنه عذَّبهم بغير جُرْم . ثم بيَّن فضيلة من آمن من أهل الكتاب على من لم يؤمن فقال تعالى : { لَيْسُواْ سَوَاء } قال بعضهم : هذا معطوف على الأول منهم المؤمنون ، وأكثرهم الفاسقون ، ليسوا سواء في الثواب ، فيكون هاهنا وقف . وقال بعضهم : هذا ابتداء ، ويكون فيه مضمر ، فكأنه يقول : ليس من آمن منهم ويتلون آيات الله كمن هو كافر . كقوله تعالى : { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ اليل ساجدا وَقَآئِماً يَحْذَرُ الاخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الالباب } [ الزمر : 9 ] معناه : ليس كالذي هو من أهل النار ، فكذلك هاهنا قال : ليس من آمن { مّنْ أَهْلِ الكتاب } كمن لم يؤمن ، فبين الذين آمنوا فقال : { مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } يعني مُهَذَّبة عاملة بكتاب الله تعالى . ويقال : مستقيمة .
وروى الزجاج عن الأخفش قال : ذو أمة قائمة ، يعني ذو طريقة قائمة { يَتْلُونَ ءايات الله } يعني القرآن في الصلاة { أَمَّنْ هُوَ } يعني في ساعات الليل { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } أي يصلون لله . قوله : { يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر } يعني يقرون بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم { وَيَأْمُرُونَ بالمعروف } أي باتباعه { وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } أي عن الشرك { ويسارعون فِى الخيرات } أي يبادرون إلى الطاعات ، والأعمال الصالحة { وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالحين } أي مع الصالحين ، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة . { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } يعني لن تجحدوه ولن تنسوه يقول تجزون به ، وتثابون عليه في الآخرة ، وهذا كما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : « البرُّ لا يَبْلَى وَالإثْمُ لا يُنْسَى »
ثم قال تعالى : { والله عَلِيمٌ بالمتقين } أي عليم بثوابهم ، وهم مؤمنو أهل الكتاب ، ومن كان بمثل حالهم . قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } كلاهما بالياء ، والباقون كلاهما بالتاء على معنى المخاطبة .

(1/303)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)

ثم قال : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ } قال مقاتل : ذكر قبل هذا مؤمني أهل الكتاب ، ثم ذكر كفار أهل الكتاب ، وهو قوله : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } . . .
وأما الكلبي فقال : هذا ابتداء { إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ } كثرة { أموالهم وَلاَ } كثرة { أولادهم مّنَ } عذاب { الله شَيْئاً } وقال الضحاك : يعني اليهود والنصارى ، وجميع الكفار ، وكل من خالف دين الإسلام ، وذلك أنهم تفاخروا بالأموال والأولاد وقالوا : نحن أكثر أموالاً وأولاداً ، وما نحن بمعذَّبين ، فأخبر الله تعالى أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم من عذاب الله شيئاً { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } .
{ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هذه الحياة الدنيا } قال الكلبي : يعني ما ينفقون في غير طاعة الله { كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } أي برد شديد { أَصَابَتْ } الريح الباردة { حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بمنع حق الله تعالى منه { فَأَهْلَكَتْهُ } يقول : أحرقته ، فلم ينتفعوا منه بشيء ، فكذلك نفقة من أنفق في غير طاعة الله ، لا تنفعه في الآخرة ، كما لا ينفع هذا الزرع في الدنيا . وقال مقاتل : يعني نفقة السفلة على رؤساء اليهود . وقال الضحاك : مثل نفقة الكفار من أموالهم في أعيادهم وعلى أضيافهم وما يعطي بعضهم بعضاً على الضلالة { كَمَثَلِ رِيحٍ } الآية ، ثم قال { وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } يعني أصحاب الزرع هم ظلموا أنفسهم بمنع حق الله تعالى ، فكذلك الكفار أبطلوا ثواب أعمالهم بالشرك بالله تعالى .

(1/304)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)

قوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ } يعني خلّة وصداقة من غير أهل دينكم ، وإنما سميت بطانةً لقربها من البدن { مّن دُونِكُمْ } ، أي من دون المؤمنين نزلت الآية في شأن جماعة من الأنصار ، كانت بينهم وبين اليهود مواصلة وخاصية ، وكانوا على ذلك بعد الإسلام ، فنهاهم الله عزّ وجلّ عن ذلك . ويقال : كل من كان على خلاف مذهبه ودينه لا ينبغي له أن يحادثه ، لأنه يقال في المثل :
عن المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قرينه ... فَإِنَّ القَرِينَ بالمقارن يَقْتَدِي
وروى أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : « المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ » وروي عن ابن مسعود أنه قال : اعتبروا الناس بأخْدَانهم . ثم بيّن الله المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال تعالى : { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } أي فساداً ، يعني لا يتركون الجهد في فسادكم ، يعني أنهم لا يتركون وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون جهدهم في المكر والخديعة { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } ما أَثِمْتُم بربكم . وقال الزّجاج : الخَبَالُ في اللغة ذِهَابُ الشيء ، والعَنَتُ في الأصل المشقة . وقال القتبي : الخَبَال الفساد . وقال أيضاً : { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } ، أي ما أعنتكم؛ وهو ما نزل بكم من مكروه .
ثم قال : { قَدْ بَدَتِ البغضاء } أي ظهرت العداوة والتكذيب لكم { مِنْ أفواههم وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } أي والذي في صدورهم من العداوة أكثر مما أظهروا بأفواههم . ويقال : { وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } ، أي قصدهم قتل محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنهم كانوا يضمرون ذلك { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الايات } يعني أخبرناكم بما أخفوا ، وبما أبدوا بالدلالات والعلامات { إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } وتصدقون { تَعْقِلُونَ هَاأَنتُمْ أُوْلاء } يعني ها أنتم يا هؤلاء { تُحِبُّونَهُمْ } لمظاهرتكم إياهم { وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } لأنهم ليسوا على دينكم .
وقال الضحاك : معناه كيف تحبون الكفار وهم لا يحبونكم { وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ } يعني بالتوراة والإنجيل وسائر الكتب ، ولا يؤمنون بذلك كله ، وقد فضلكم الله عليهم بذلك ، لأنهم لا يؤمنون إلا بكتابهم { وَإِذَا لَقُوكُمْ } يعني المنافقين منهم { قَالُواْ ءامَنَّا } بمحمد صلى الله عليه وسلم إنه رسول الله { وَإِذَا خَلَوْاْ } فيما بينهم { عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الانامل } يعني أطراف الأصابع { مِنَ الغيظ } والحنق عليكم فيقول بعضهم لبعض : ألا ترون إلى هؤلاء قد ظهروا وكثروا . قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { قُلْ } لهم يا محمد { مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } يقول موتوا بحنقكم على وجه الدعاء ، والطرد واللعن ، لا على وجه الأمر والإيجاب ، لأنه لو كان على وجه الإيجاب ، لماتوا من ساعتهم . كما قال في موضع آخر : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أحياهم إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } [ البقرة : 243 ] ، فماتوا من ساعتهم ، فهاهنا لم يرد به الإيجاب .
وقال الضحاك : { قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } ، يعني أنكم تخرجون من الدنيا بهذه الحسرة ، والغيظ يعني اللفظ لفظ الأمر ، والمراد به الخبر ، يعني أنكم تموتون بغيظكم ثم قال تعالى : { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } يعني بما في قلوبكم من العداوة للمؤمنين ، إن الله يجازيكم بذلك .

(1/305)


إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)

ثم قال للمؤمنين : { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ } يعني الظفر والغنيمة ، كما أصابكم يوم بدر { تَسُؤْهُمْ } أي يسوؤهم { وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ } يعني الهزيمة ، كما أصابكم يوم أحد ، ويقال : الشدة في العيش والقحط { يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ } على أذى المنافقين واليهود { وَتَتَّقُواْ } المعصية والشرك . وهذا قول الكلبي .
وقال مقاتل { وَأَن تَصْبِرُواْ } على أمر الله { وَتَتَّقُواْ } معاصيه . { وَلاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } يقول : لا تضركم عداوتهم شيئاً . قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو : لاَ يَضِرْكُمْ بكسر الضاد وجزم الراء ، وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد الراء ، ومعناهما قريب في التفسير ، يعني لا ضير عليكم من كيدهم { إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } يعني أحاط علمه بأعمالهم ، والإحاطة هي إدراك الشيء بكماله .

(1/306)


وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)

{ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ } يعني خرجت من منزلك بالصباح . ويقال : من عند أهلك ، وهي عائشة رضي الله عنه { تُبَوّىء المؤمنين } يعني تهيىء للمؤمنين { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } يعني مواضع للحرب . قال الكلبي : هو يوم أحد . وقال مقاتل : هو يوم الخندق { والله سَمِيعٌ } لدعائك { عَلِيمٌ } بأمر الكفار { إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ } يعني أرادت وأضمرت طائفتان من المسلمين . وهما : حيا بني حارثة ، وبني سلمة من الأنصار { أَن تَفْشَلاَ } يعني أن تَجْبُنَا عن القتال مع النبيّ صلى الله عليه وسلم وترجعا { والله وَلِيُّهُمَا } أي ناصرهما { وحافظهما } حيث لم يرجعا ، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة يوم أُحد ، ومعه ألف رجل ، فرجع عبد الله بن أبي ابن سلول مع ثلاثمائة من المنافقين ، ومن تابعهم ، فدخل الفشل في قبيلتين من الأنصار ، وهم المؤمنون ، فأرادوا أن يرجعوا ، فحفظ الله تعالى قلوبهم ، فلم يرجعوا ، فذلك قوله تعالى : { تَفْشَلاَ والله وَلِيُّهُمَا } أي حافظ قلوبهما { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } يعني على المؤمنين أن يتوكلوا على الله وهذه كلها مِنَنٌ ذكرها الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم ، ليعرف ويشكر الله تعالى ، ويصبر على ما يصيبه من الأذى .

(1/307)


وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)

ثم ذكَّرهم أمر بَدْر؛ فقال تعالى : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ } أي أعانكم الله ببدر { وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } يعني قليلة ، { فاتقوا الله } يعني : اعرفوا هذه النعمة ، واتقوا الله ولا تعصوه { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي لكي تشكروا الله . { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } يعني يوم أُحد { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاَفٍ مّنَ الملئكة مُنزَلِينَ } من السماء . يقول الله تعالى : { بَلَى إِن تَصْبِرُواْ } مع نبيّكم ، { وَتَتَّقُواْ } معصيته بالهزيمة { وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا } يعني العدو ، يأتوكم من وجوههم { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملئكة مُسَوّمِينَ } يعني مُعلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيل ، وفي أذنابها عليهم البياض ، قد أَرْخَوْا أطراف العمائم بين أكتافهم؛ فأنزل الله تعالى عليهم يوم بدر ثلاثة آلاف ، ووعد لهم يوم أُحد خمسة آلاف . ولكنهم لما عصوا وتركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا عنهم ، ولو أنهم صبروا لنزلت عليهم .
قرأ عاصم ، وابن كثير ، وأبو عمرو : { مُسَوّمِينَ } بكسر الواو؛ والباقون بالنصب ومعناهم قريب . وهو : إرخاء أطراف العمائم بين الأكتاف؛ وهذا كما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم بدر : « تَسَوّمُوا فَإِنَّ المَلاَئِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ » .

(1/308)


وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)

ثم قال تعالى : { وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ } يعني : المدد من الملائكة . قال بعضهم : إن الملائكة لم تقاتل ، وإنما بعثهم للبشارة وتسكين قلوب المؤمنين ، لأن في قتال الملائكة لم يكن للمؤمنين فضيلة ، وإنما كانت الفضيلة للمؤمنين إذ كانوا هم الذين يقاتلون ويهزمون الكفار ، ولو كان ذلك لأجل الإعانة لكان ملك واحد يكفيهم كما فعل بقوم لوط . ألا ترى أنه قال تعالى : { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم فى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فى أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } 3 4 5 [ الأنفال : 44 ] فجعل الفضيلة في قلتهم في أعين الكفار ونصرتهم بالغلبة ، وهذا معنى قوله تعالى : { وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ } .
{ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } يعني تطمئن إليه قلوبكم . وقال بعضهم : إن الملائكة كانوا يقاتلون ، وكانت علامة ضربهم في الكفار ظاهرة ، لأن كل موضع أصابت ضربتهم اشتعلت النار في ذلك الموضع ، حتى إن أبا جهل قال لابن مسعود : أنت ما قتلتني ، إنما قتلني الذي لم يصل سناني إلى سنْبك فرسه وإن اجتهدت . وإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة لتسكن قلوب المؤمنين ، ولأن الله تعالى جعل أولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة ، وكل عسكر من المسلمين صبروا واحتسبوا تأتيهم تلك الملائكة ويقاتلون معهم ويقال : الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يدعون ويسبحون ، وثواب ذلك للذين يقاتلون يومئذ . وسنذكر قصة بدر في سورة الأنفال إن شاء الله تعالى . ثم قال : { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله العزيز الحكيم } يعني . ليس بكثرة العدد ولا بقلته ، ولكن النصر من الله تعالى كما قال في آية أخرى : { لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } [ التوبة : 25 ] .

(1/309)


لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)

ثم قال : { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ } يعني أرسل الملائكة ونصر المؤمنين لكي يقطع طرفاً ، أي يستأصل جماعة من الذين كفروا { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } قال الكلبي : أي يهزمهم . وقال مقاتل : يعني يخزيهم كقوله { إِنَّ الذين يُحَآدُّونَ الله وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ الذين مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءايات بينات وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ } [ المجادلة : 5 ] ويقال : يقنطهم { فَيَنقَلِبُواْ } إلى مكة { خَائِبِينَ } لم يصيبوا ظفراً ولا خيراً ، وقد قتل منهم سبعون وأسر منهم سبعون . ويقال معناه وما جعله الله إلا بُشْرَى لكم ، ولتطمئن قلوبكم به ، وليقطع طرفاً من الذين كفروا .
ثم قال عزّ وجلّ : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الامر شَىْء } روى جويبر عن الضحاك قال : لما كان يوم أحد ، كسرت رباعية النبيّ صلى الله عليه وسلم وأدمي ساقه ، وقتل سبعون رجلاً من الصحابة ، فَهَمَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يدعو على المشركين ، فأنزل الله تعالى : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الامر شَىْء } أي ليس لك من الحكم شيء ، أو يتوب عليهم يعني كفار قريش يهديهم إلى الإسلام . وقال الكلبي : فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلعن الذين انهزموا من الصحابة يوم أحد ، فنزل : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الامر شَىْء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } يعني الذين انهزموا { أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالمون } قال : فلما نزلت هذه الآية ، كفّ ولم يلعن المشركين ، ولا الذين انهزموا من الصحابة ، لعلم الله فيهم أنهم سيتوبون ، وأن المشركين سيؤمن كثير منهم . وقد آمن كثير منهم فمنهم : خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم .
قال مقاتل : وكان سبعون رجلاً من أصحاب الصُّفَّة ، خرجوا إلى الغزو محتسبين ، فقتل السبعون جميعاً ، فشق ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فدعا الله عليهم أربعين يوماً في صلاة الغداة ، فنزل قوله تعالى : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الامر شَىْء } ويقال : معنى قوله أو يتوب عليهم ، أو يعذبهم إن لم يكونوا من أهل التوبة .

(1/310)


وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)

ثم عظم نفسه فقال تعالى : { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } يعني : أن جميع الخلق في ملكه وعبيده { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } وقال الضحاك : يغفر لمن يشاء الذنب العظيم ، { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } على الذنب الصغير إذا أصرَّ على ذلك { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } في تأخير العذاب عنهم ، حيث لم يعاقبهم قبل توبتهم .

(1/311)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)

{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } قال الزَّجاج : يعني لا تضاعفوا أموالكم بالربا . وقال القتبي : هو ما يضاعف منها شيء بعد شيء ، ويقال أضعافاً مضاعفة عند البيع ، ببيعه بأكثر من قيمته مضاعفة بعد العقد ، أن يزيده في الأجل ويزيد في المال . ويقال : المضاعفة هي نعت الأضعاف كما قال تعالى : { ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِى الارض حلالا طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } [ البقرة : 168 وغيرها ] والطيب هو نعت الحلال .
ثم قال تعالى : { واتقوا الله } في الربا فلا تستحلوه { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي لكي تنجوا من العذاب . ثم خَوّفهم فقال : { واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين } يعني خُلقت وهيئت للكافرين . وقالت المعتزلة : من أتى بالكبيرة ومات عليها فإنه يخلد في النار كالكافر ، فإنه وعد لأكل الربا النار كما وعد الكفار . وقال أكثر أهل العلم والتفسير : هذا الوعيد لمن استحل الربا؛ ومن استحل الربا فإنه يكفر ويصير إلى النار . ويقال : معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبوا النار ، لأن من الذنوب ما يستوجب به نزع الإيمان ويخاف عليه ، فمن ذلك عقوق الوالدين . وقد جاء في ذلك أثر أن رجلاً كان عاقاً لوالدته يقال له علقمة ، فقيل له عند الموت : قل لا إله إلا الله فلم يقدر على ذلك ، حتى جاءت أمه فرضيت منه . ومن ذلك قطيعة الرحم ، وأكل الربا ، والخيانة في الأمانة . وذكر أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة أنه قال : أكبر ما في الذنوب الذي ينزع الإيمان من العبد عند الموت . ثم قال أبو بكر : فنظرنا في الذنوب التي تنزع الإيمان من العبد ، فلم نجد شيئاً أسرع نزعاً للإيمان من ظلم العباد .

(1/312)


وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)

ثم قال تعالى : { وَأَطِيعُواْ الله والرسول } يعني أطيعوا الله في الفرائض ، والرسول في السنن . ويقال : { وَأَطِيعُواْ الله } في تحريم الربا ، { والرسول } فيما بلغكم من التحريم { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ولا تُعَذَّبُونَ { وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } قرأ نافع ومن تابعه من أهل المدينة ، وابن عامر ومن تابعه من أهل الشام : سارعوا بغير الواو على معنى الابتداء . وقرأ الباقون بالواو على معنى العطف . قال الكلبي : معناه وسارعوا إلى التوبة من الربا . وقال مقاتل : وسارعوا بالأعمال الصالحة التي هي مغفرة لذنوبكم وإلى الجنة . وقال الضحاك : يعني سارعوا إلى النجاء الأكبر إلى الصف المقدم في الصلاة ، وإلى الصف المقدم في القتال . ويقال : وسارعوا حتى لا تفوتكم تكبيرة الافتتاح .
ثم قال تعالى : { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السموات والارض } قال القتبي : أي سعتها ، ولم يرد به العَرْض الذي هو خلاف الطول . والعرب تقول : بلاد عريضة أي واسعة . ويقال : عَرْضُ الجنة كعرض سبع سموات ، وكعرض سبع أرضين ، لو ألزق بعضها إلى بعض . وإنما ذكر العرض ولم يذكر الطول ، لأن طولها لا يعرف ولا يدرك . وقال الكلبي : الجنان أربع : جنة عدن وهي الدرجة العليا ، وجنة المأوى ، وجنة الفردوس ، وجنة النعيم . كل جنة منها كعرض السموات والأرض لو وصل بعضها إلى بعض . ويقال : لم يرد بهذا التقدير ، ولكنه أراد بذلك أنها أوسع شيء رأيتموه . وقال السدي : لو كسرت السموات وصرن خردلاً ، فبكل خردلة لله جنة عرضها كعرض السموات والأرض .
حدّثنا محمد بن داود ، قال : حدّثنا محمد بن يحيى ، قال : حدّثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدّثنا يعقوب عن أبي حازم قال أخبرني سهل بن سعد قال إن أدنى أهل الجنة يقال له : تَمَنَّ . فيقول : أعطني كذا أعطني كذا ، حتى إذا لم يجد شيئاً يتمنى لُقِّن فيقال له : تَمَنَّ ، قل كذا قل كذا ، فيقول . فيقال له : هو لك ولك مثله معه . وفي رواية أبي سعيد الخدري لك هذا وعشرة أمثاله معه . ثم قال تعالى : { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } يعني الجنة .

(1/313)