صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)

قوله تعالى : { لا إِكْرَاهَ فِى الدين } ، يعني لا تكرهوا في الدين أحداً ، بعد فتح مكة وبعد إسلام العرب . { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } ، أي قد تبين الهدى من الضلالة . ويقال : قد تبين الإسلام من الكفر ، فمن أسلم وإلا وضعت عليه الجزية ولا يكره على الإسلام .
{ فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت } ، يعني بالشيطان ويقال : الصنم . ويقال : هو كعب بن الأشرف ، { وَيُؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى } ، يقول : بالثقة يعني بالإسلام . ويقال : فقد تمسك بلا إله إلا الله . { لاَ انفصام لَهَا } ، يعني لا انقطاع لها ولا زوال لها ولا هلاك لها . ويقال : قد استمسك بالدين الذي لا انقطاع له من الجنة . { والله سَمِيعٌ } بقولهم ، { عَلِيمٌ } بهم .

(1/211)


اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)

{ الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ } ، أي حافظهم ومعينهم وناصرهم . { يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور } ، يعني من الكفر إلى الإيمان . واللفظ لفظ المستقبل والمراد به الماضي ، يعني أخرجهم . ويقال : ثبتهم على الاستقامة كما أخرجهم من الظلمات . ويقال : يخرجهم من الظلمات ، أي من ظلمة الدنيا ومن ظلمة القبر ومن ظلمة الصراط إلى الجنة .
{ والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت } ، يعني اليهود أولياؤهم كعب بن الأشرف وأصحابه . ويقال : المشركون أولياؤهم الشياطين . { يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات } ، يعني يدعونهم إلى الكفر ، كما قال في آية أخرى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بأاياتنآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [ إبراهيم : 5 ] ، يعني ادع قومك . { أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } ، يعني أهل النار هم فيها خالدون أي دائمون .

(1/212)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ } ، يقول : ألم تخبر بقصة الذي خاصم إبراهيم في توحيد ربه . { أَنْ آتاه الله الملك } ، وهو النمرود بن كنعان ، وهو أول من ملك الدنيا كلها . وكانوا خرجوا إلى عيد لهم ، فدخل إبراهيم عليه السلام على أصنامهم فكسرها ، فلما رجعوا ، قال لهم : أتعبدون ما تنحتون؟ فقالوا له : من تعبد أنت؟ قال : أعبد ربي الذي يحيي ويميت . وقال بعضهم : كان النمرود يحتكر الطعام ، وكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترون منه ، وإذا دخلوا عليه سجدوا له ، فدخل عليه إبراهيم ولم يسجد له ، فقال له النمرود : ما لك لم تسجد؟ فقال : أنا لا أسجد إلا لربي . فقال النمرود : من ربك؟ فقال له إبراهيم : { رَبّيَ الذى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ } له النمرود : { أَلَمْ تَرَ إِلَى } ، قال إبراهيم كيف تحيي وتميت؟ فجاءه برجلين فقتل أحدهما وخلى سبيل الآخر ، ثم قال : قد أمت أحدهما وأحييت الآخر . { قَالَ } له { إِبْرَاهِيمَ } : إنك أحييت الحي ولم تحيي الميت؛ وإن ربي يحيي الميت .
فخشي إبراهيم أن يلبس النمرود على قومه ، فيظنون أنه أحيا الميت كما وصف لهم النمرود ، فجاءه بحجة أظهر من ذلك حيث قال : { فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب } فإن قيل : لِمَ لَمْ يثبت إبراهيم على الحجة الأولى؟ وانتقل إلى حجة أخرى؛ والانتقال في المناظرة من حجة إلى حجة غير محمود . قيل له : الانتقال على ضربين : انتقال محمود إذا كان بعد الإلزام ، وانتقال مذموم إذا كان قبل الإلزام . وإبراهيم عليه السلام انتقل بعد الإلزام ، لأنه قد تبين له فساد قوله ، حيث قال له : إنك قد أحييت الحي ولم تحيي الميت . وجواب آخر : إن قصد إبراهيم عليه السلام لم يكن للمناظرة ، وإنما كان قصده إظهار الحجة ، فترك مناظرته في الإحياء والإماتة على ترك الإطالة ، وأخذ بالاحتجاج بالحجة المسكتة ، ولأن الكافر هو الذي ترك حدّ النظر ، حيث لم يسأل عما قال له إبراهيم ، ولكنه اشتغل بالجواب عن ذات نفسه ، حيث قال : أنا أحيي وأميت .
وقوله تعالى : { فَبُهِتَ الذى كَفَرَ } ، أي انقطع وسكت متحيراً . يقال : بهت الرجل إذا تحير . { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } ، أي لا يرشدهم إلى الحجة والبيان . وروي في الخبر أن الله عز وجل قال : وعزتي وجلالي لا تقوم الساعة ، حتى آتي بالشمس من المغرب ، ليعلم أني أنا القادر على ذلك؛ ثم أمر النمرود بإبراهيم فألقي في النار ، وهكذا عادة الجبابرة أنهم إذا عورضوا بشيء وعجزوا عن الحجة ، اشتغلوا بالعقوبة؛ فأنجاه الله من النار وسنذكر قصة ذلك في موضعها إن شاء الله تعالى .

(1/213)


أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)

ثم قال عز وجل : { أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ } ؛ قال بعضهم : معناه إحيائي ليس كإحياء النمرود ، ولكن إحيائي كإحياء عزير عليه السلام أحييته بعد مائة عام . وقال بعضهم هو معطوف على ما سبق من قوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أحياهم إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } [ البقرة : 243 ] و { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَآجَّ إبراهيم فِى رِبِّهِ أَنْ آتاه الله الملك إِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّيَ الذى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ قَالَ إبراهيم فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذى كَفَرَ والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } [ البقرة : 258 ] { أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ } . قال مقاتل : والذي مرَّ على قرية هو عزير بن شرخيا ، وكان من علماء بني إسرائيل ، فمرَّ بدير هرقل بين واسط والمدائن على حمار فمرَّ بها { وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } . وقال الضحاك بن مزاحم : هو عزير النبي عليه السلام مرَّ ببيت المقدس ، وقد خربها بخت نصر ، وقتل منهم سبعين ألفاً ، وأسر منهم سبعين ألفاً ، أي من بني إسرائيل فمرَّ عزير فقال : { أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِىَ } .
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : إن بخت نصر غزا بني إسرائيل ، فسبى منهم ناساً كثيرةً ، فجاء بهم وفيهم عزير بن شرخيا؛ وكان من علماء بني إسرائيل ، فجاء بهم إلى بابل . فخرج ذات يوم لحاجة له إلى دير هرقل على شاطىء دجلة ، فنزل تحت ظل شجرة وهو على حمار له ، فربط حماره تحت ظل شجرة ، ثم طاف بالقرية فلم ير بها ساكناً { وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } ، يقول : ساقطة على سقوفها ، وذلك أن السقف يقع قبل الحيطان ثم الحيطان على السقف ، فهي خاوية على عروشها . قال بعض أهل اللغة : الخاوية ، الخالية . وقال بعضهم : بقيت حيطانها لا سقوف عليها . وقال الزجاج : عروشها هي الخيام وهي بيوت الأعراب .
فتناول من الفاكهة والتين والعنب ، ثم رجع إلى حماره فجلس يأكل من تلك الفاكهة ، ثم عصر من العنب فشربه ، ثم جعل فضل التين والعنب في سلة ، وفضل العصير في الزق؛ ثم نظر إلى القرى فتعجب من كثرة ثمرها وفناء أهلها ف { قَالَ أنى يُحْىِ هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا } فلم يشك في البعث ، ولكن أحب أن يريه الله كيف يحيي الموتى . فلما تكلم عزير بذلك ، نام في ذلك الموضع .
{ فَأَمَاتَهُ الله } في منامه { مِاْئَةَ عَامٍ } ، وأمات حماره ، { ثُمَّ بَعَثَهُ } الله تعالى في آخر النهار ، ومنعه الله تعالى في حال موته عن أبصار الناس والسباع والطير .

(1/214)


فلما بعثه الله تعالى ، سمع صوتاً { قَالَ } له : { كَمْ لَبِثْتَ } ، أي كم مكثت في نومك يا عزير؟ { قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا } ؛ ثم نظر إلى الشمس ، وقد بقي منها شيء لم تغرب فقال : { أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } . { قَالَ } له : { بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } ، يعني كنت ميتاً مائة عام ، ثم أخبره ليعتبر . فقال : { فانظر إلى طَعَامِكَ } ، يعني الفاكهة؛ { وَشَرَابِكَ } ، يعني العصير . { لَمْ يَتَسَنَّهْ } ، يعني لم يتغير ، كقوله : {
قرأ حمزة وابن عامر وأبو عمرو : { كَمْ لَبِثْتَ } بإدغام الثاء والتاء . وقرأ الباقون بإظهارها . وقرأ الكسائي : { لَمْ يَتَسَنَّهْ } بغير هاء عند الوصل وأثبتت عند القطع . وقرأ حمزة : بحذف الهاء عند الوصل والقطع جميعاً . وقرأ الباقون بإثبات الهاء عند الوصل والقطع . وقرأ نافع : { أَلَمْ تَرَ } بمد الألف ، وكذلك في جميع القرآن نحو هذا ، إلا في قوله : { قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَآءَ الله وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير وَمَا مَسَّنِىَ السواء إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ الأعراف : 188 ] وقرأ الباقون بغير مد؛ ومعنى القراءتين في هذا كله واحد .
ثم نظر عزير عليه السلام إلى حماره وقد بلي فنودي : انظر إلى حمارك ، فإذا هو عظم أبيض يلوح ، وقد تفرقت أوصاله . ثم سمع صوتاً قال : أيتها العظام البالية ، إني جاعل فيكن روحاً فاجتمعن ، فسعى بعضها إلى بعض حتى استقر كل شيء في موضعه ، ثم بسط عليه الجلد ونفخ فيه الروح ، فإذا هو قائم ينهق . فخرَّ عزير ساجداً لله تعالى وقال عند ذلك : أعلم أن الله على كل شيء قدير؛ فذلك قوله تعالى : { وانظر إلى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } ، أي عبرة للناس ، لأن أولاده قد صاروا شيوخاً وقد كان شاباً . { وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } . قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالزاي ، وقرأ الباقون بالراء . فمن قرأ بالراء ، فمعناه كيف نحييها . ونظيرها { أَمِ اتخذوا آلِهَةً مِّنَ الارض هُمْ يُنشِرُونَ } [ الأنبياء : 21 ] ، أي يبعثون الموتى . ومن قرأ بالزاي : أي كيف يضم بعضها إلى بعض . النشز : ما ارتفع من الأرض . وهذا كما جاء في الأثر : الرضاع ما أنبت اللحم ، وأنشز العظم . وقال أهل اللغة : أصل النشز الحركة؛ يقال : نشز الشيء إذا تحرك ، ونشزت المرأة عن زوجها والمراد ها هنا تضمنها .
{ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ } ، قرأ حمزة والكسائي : { أَعْلَمُ } بالجزم على مضي الأمر ، وقرأ الباقون : { قَالَ أَعْلَمُ } على معنى الخبر عن نفسه ومعناه علمت بالمعاينة ما كنت أعلمه قبل ذلك غيباً . { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } من الإحياء وغيره . وقال بعضهم : أن عزيراً لما أحياه الله تعالى قال في نفسه : كم لبثت؟ قال : لبثت يوماً أو بعض يوم . فلما رجع إلى منزله ولقيه أقرباؤه وحسبوا غيبته ، فقالوا له : بل لبثت مائة عام وهذا قول من قال : إن هذا لم يكن عزيراً النبي عليه السلام بل رجل آخر سوى عزير النبي عليه السلام .

(1/215)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)

قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى } ، وذلك أن النمرود لما قال له : أنا أحيي وأميت . ووصف لهم ذلك ، فسألوا إبراهيم فقالوا له : كيف يحيي ربك الموتى؟ فأراد إبراهيم أن يرى ذلك بالمعاينة ، حتى يخبرهم بما يرى من المعاينة ، فسأل ربه فقال : { رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى } .
وقال مقاتل : مرَّ إِبراهيم فرأى جيفة على ساحل البحر ، يأكل منها دواب البحر والطيور ، وبعضها يصير مستهلكاً في الأرض ، فوقع في قلبه أن الذي تفرق في البحر وفي بطون الطير ، كيف يجمعها الله تعالى ، فأراد أن يعاين ذلك فقال : { رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى } . ف { قَالَ } له ربه : { أَوَلَمْ تُؤْمِن } ؟ يعني أو لم تصدق بأني أحيي الموتى؟ { قَالَ بلى } قد صدقت؛ { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } ، أي ليسكن قلبي . ويقال : إنما قال له : أو لم تؤمن؟ لكي يظهر إقراره ، لكي لا يظن أحد بعده أنه لم يكن مقراً بذلك في ذلك الوقت ، فظهر إقراره بقوله : بلى . وقال سعيد بن جبير : ليسكن قلبي أنك اتخذتني خليلاً .
{ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير } ، فأخذ ديكاً وحمامة وطاووساً وغراباً؛ وفي بعض الروايات أخذ طاووساً وثلاثة من الطيور مختلفة ألوانها وأسماؤها وريشها . { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } ، أي فقطعهن؛ وقال السدي : يعني فدقهن ، وقال الأخفش : يعني اضممهن إليك . وذكر مقاتل بإسناده عن الأعمش قال : فيه تقديم وتأخير ، فخذ إليك أربعة من الطيور فقطعهن واخلط بعضهن ببعض ، { ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا } ، ثم فرقهن في أربعة أجبل . { ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْيًا } . ففعل ذلك ودعاهن ، فسعين على أرجلهن .
ويقال : إنه لما وضعهن على الجبال ، هبت الرياح الأربعة التي تقوم يوم القيامة؛ فواحدة من قبل المشرق ، والأخرى من قبل المغرب ، وواحدة من قبل اليمين ، والأخرى من قبل الشمال؛ فرفعت الأعضاء المتفرقة عن مواضعها وحملتها إلى المواضع الأخرى ، حتى اجتمع أعضاء كل طير في موضعها : فجعل إبراهيم ينظر ويتعجب حيث ينضم بعضها إلى بعض . فقال عند ذلك قوله : { واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ } في ملكه ، { حَكِيمٌ } حكم بالبعث ولم أسأله لريب كان في قلبي ، ولكن سألته ليسكن قلبي في الخلة . قرأ ابن كثير أرْني بجزم الراء ، وقرأ الباقون بالكسر؛ وقرأ حمزة فصرهن بكسر الصاد ، والباقون بالضم . فمن قرأ بالكسر يعني قطعهن ، ومن قرأ بالضم يعني فضمهن إليك؛ ويقال هما لغتان ومعناهما وتفسيرهما واحد .

(1/216)


مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)

{ مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله } ؛ نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما حثّ الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك ، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم فضة وقال : يا رسول الله ، كانت لي ثمانية آلاف درهم ، فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف درهم وأربعة آلاف أقرضتها لربي . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بَارَكَ الله لَكَ فِيْمَا أَمْسَكْتَ وَفِيْمَا أَعْطَيْتَ » وقال عثمان بن عفان : يا رسول الله ، علي جهاز من لا جهاز له ، فنزلت هذه الآية { مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله } ؛ وفي الآية مضمر ، ومعناه مثل النفقة التي تنفق في سبيل الله { كَمَثَلِ حَبَّةٍ } . وطريق آخر مثل الذين ينفقون أموالهم ، كمثل زارع زرع في الأرض حبة ف { أَنبَتَتْ } الحبة { سَبْعَ سَنَابِلَ } ، أي أخرجت سبع سنابل . { فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } ، فيكون جملتها سبعمائة . فشبه المتصدق بالزارع ، وشبه الصدقة بالبذر ، فيعطيه الله بكل صدقة سبعمائة حسنة .
ثم قال تعالى : { والله يضاعف لِمَن يَشَاء } ، أي يزيد على سبع مائة لمن يشاء ، فيكون مثل المتصدق كمثل الزارع؛ إذا كان الزارع حاذقاً في عمله ، ويكون البذر جيداً ، وتكون الأرض عامرة ، يكون الزرع مخصباً طيباً؛ فكذلك المتصدق ، إذا كان صالحاً ، والمال طيباً ويوضع في موضعه ، فيصير الثواب أكثر .
{ والله واسع } ، أي واسع الفضل لتلك الأضعاف ، { عَلِيمٌ } بما ينفقون وبما نووا فيها . قرأ ابن كثير وابن عامر : والله { يضاعف } بتشديد العين وحذف الألف ، وقرأ الباقون { يضاعف } بالألف؛ ومعناهما واحد . فالذي قرأ { يضاعف } من التضعيف ، والذي قرأ { يضاعف } من المضاعفة .
ثم قال تعالى : { الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله } ، أي يتصدقون بأموالهم؛ { ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا وَلا أَذًى } ، أي لا يمنون عليهم بما تصدقوا عليهم ولا يؤذونهم ولا يعيرونهم بذلك ، ومعنى الأذى والتعيير هو أن يقع بينه وبين الفقير خصومة ، فيقول له : إني أعطيتك كذا وكذا . وقال بعضهم : المنَّ يشبَّه بالنفاق ، والأذى يشبّه بالرياء . ثم تكلم الناس في ذلك ، فقال بعضهم : إذا فعل ذلك ، لا أجر له في صدقته وعليه وزرٌ فيما منَّ على الفقير به . وقال بعضهم : ذهب أجره فلا أجر له ولا وزر عليه . وقال بعضهم له أجر الصدقة ولكن ذهبت مضاعفته وعليه الوزر بالمنِّ .
ثم قال تعالى : { لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } ، أي ثوابه في الآخرة . { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فيما يستقبلهم من العذاب . { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما خلفوا من أمر الدنيا . ويقال : الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان ، حين اشترى بئر رومة ، ثم جعلها سبيلاً على المسلمين .

(1/217)


قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)

{ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } أي دعاء الرجل لأخيه بظهر الغيب . { وَمَغْفِرَةٌ } أي يعفو ويتجاوز عمن ظلمه خير من صدقة يعطيها ، ثم يمن على من تصدق عليه . ويقال : قول معروف للفقير ، يعني إذا أتاه سائل سأله ، ولم يكن عنده شيء يعطيه ، فيدعو له بالجنة والمغفرة . { خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ } يعطيها له ، و { يَتْبَعُهَا أَذًى } . ويقال : وعد المعطي خير من صدقة يتبعها أذى . ويقال : وعد الكريم خير من نقد اللئيم . ويقال : دعاء الفقير إذا دعا لصاحب الصدقة ، ومغفرة الله خير من الصدقة التي يتبعها أذى . ويقال : قول معروف أن يتجاوز عمن أساء إليه ، ويحسن له القول خير له من صدقة يتبعها أذى ويقال : الأمر بالمعروف ، والصبر على ما أصابه ، والتجاوز عن الذي أضرّ به ، خير من صدقة يتبعها أذى . ثم قال : { والله غَنِىٌّ حَلِيمٌ } أي غني عما عندكم من الصدقة حليم ، حيث لم يعجل العقوبة على من يمن بالصدقة .

(1/218)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والاذى } فالله تعالى أمر عباده برأفته أن لا يمنوا بصدقاتهم ، لكي لا يذهب أجرهم ، ثم ضرب لذلك مثلاً فقال تعالى : { كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الاخر } .
يعني المشرك إذا تصدق ، فأبطل الشرك صدقته ، كما أبطل المن والأذى صدقة المؤمن ، ثم ضرب لهما مثلاً جميعاً لصدقة المؤمن الذي يمن وبصدقة المشرك . فقال تعالى : { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ } .
قال القتبي : الصفوان الحجر الذي لا ينبت عليه شيء ، يعني كمثل حجر صلب عليه تراب . { فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } يعني المطر الشديد { فَتَرَكَهُ صَلْدًا } يعني المطر ترك الصفا نقياً أجرد أملس ليس عليه شيء من تراب فكذلك نفقة صاحب الرياء ، ونفقة المشرك لم يبق لهما ثواب .
ثم قال تعالى : { لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ } والله لا يهدي القوم الكافرين . أي لا يجدون للصدقة ثواباً في الآخرة ، وهذا كما قال في آية أخرى : و { مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَىْءٍ ذلك هُوَ الضلال البعيد } [ إبراهيم : 18 ] . { والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } يعني لا يرشدهم إلى الإسلام والإخلاص ، ولا يوفقهم الله بل يخذلهم مجازاة لكفرهم ، ثم ضرب مثلاً لنفقة المؤمن الذي يريد بنفقته وجه الله تعالى ، ولا يمن بها فقال عز وجل :

(1/219)


وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)

{ وَمَثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله } يعني يتصدقون طلب رضاء الله تعالى بصدقاتهم { وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } يعني وتصديقاً من قلوبهم ، يعني يصدقون الله تعالى بالثواب في الآخرة ، والخلف في الدنيا . ويقال : وتثبيتاً من أنفسهم ، يعني وتحقيقاً من قلوبهم يقصدون بها وجه الله . { كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } يعني بستاناً في مكان مستو مرتفع . { أَصَابَهَا وَابِلٌ } يعني البستان أصابه المطر الشديد { فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ } .
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو : أكلها بجزم الكاف ، ونصب اللام . وقرأ الباقون بالضم أكلها ، وتفسير القراءتين واحد ، وقرأ عاصم وأبو عمرو بربوة بنصب الراء ، وقرأ الباقون بالضم ، وقرأ ابن سيرين بكسر الراء ، وفيه ثلاث لغات : رَبْوَة وَرِبْوَةَ وَرَبْوة . وتفسير القراءات واحد .
وفي الآية تقديم وتأخير ، ومعناه كمثل جنة بربوة أصابها وابل { فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } فأتت أكلها ضعفين ، يعني البستان إذا أصابه المطر أو الطل ، والطل البطيء من المطر ، وهو مثل الندى ، فأتت أكلها ضعفين ، يعني اخضرت أوراق البستان ، وأخرجت ثمرها ضعفين ، فكذلك الذي يتصدق به لوجه الله تعالى يكون له الثواب ضعفين ، يعني للواحد عشرة إلى سبعمائة إلى ما لا نهاية له { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ثم ضرب مثلاً آخر ، لعمل الكافر والمنافق فقال تعالى :

(1/220)


أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } يقول : مثل الكافر كمثل شيخ كبير ، له بستان ، وله أولاد صغار ضعفاء عجزة ، لا حيلة لهم ، ومعيشته ومعيشة ذريته من بستانه { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات وَأَصَابَهُ الكبر وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فاحترقت } يعني ريحاً بها نار ، أي فأتته السموم الحارة ، فأحرقت بستانه ، ولم يكن له قوة أن يغرس مثل بستانه ، ولم يكن عند ذريته خير يعينونه ، فيبقى متحيراً ، فكذلك الكافر إذا لقي ربه أحوج ما كان ، فلا يجد خيراً ، ولا يدفع عن نفسه ، ولا يكون له معين ، ولا يعود إلى الدنيا ، كما لا يعود الشيخ الكبير شاباً ، وكان أحوج إليه قوله تعالى { كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } في أمثاله فتعتبرون .

(1/221)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)

{ تَتَفَكَّرُونَ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طيبات } يقول : من حلالات { مَّا كَسَبْتُم } في الآية أمر بالصدقة من الحلال ، وفيها دليل : أن من تصدق من الحرام لا يقبل ، لأن الواجب عليه أن يردها إلى موضعها .
ويقال : أنفقوا من طيبات ، يعني من مال اللذيذ ، والشهي عندكم مما كسبتم . يقول : مما جمعتم من الذهب والفضة قوله تعالى : { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الارض } أي من الثمار والحبوب . { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ } أي لا تعمدوا إلى رديء المال فتصدقوا منه ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حثّ الناس على الصدقة ، فجعل الناس يأتون بالصدقة ، ويجمعون في المسجد ، فجاء رجل بعذق من تمر عامته حَشَفٌ فنزلت هذه الآية : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث } ، يعني لا تعمدوا إلى الخشف فتتصدقوا منه { وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ } بل الطيب { إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } يعني إلا أن يهضم أحدكم ، فيأخذ دون حقه مخافة أن يذهب جميع حقه ، فيأخذ ذلك للضرورة مخافة موت حقه ، والله تعالى غني عن ذلك ، فلا يقبل إلا الطيب ، ويقال : إلا أن تغمضوا ، يعني إلا أن يضطر أحدكم ، فمسته الحاجة فرضي بذلك . قوله تعالى : { واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ } أي غني عما عندكم من الصدقات ، حميد في أفعاله .
ويقال : حميد بمعنى محمود ويقال : حميد من أهل أن يحمد ويقال : حميد يقبل القليل ، ويعطي الجزيل .

(1/222)


الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)

{ الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر } يقول الشيطان يأمركم بشيئين ، والله تعالى يأمركم بشيئين : أما الشيطان ، فإنه يأمركم بالفقر ، ويقول : لا تنفقوا ولا تتصدقوا ، فإنكم تحتاجون إلى ذلك . { وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء } قال الكلبي : يعني يمنع الزكاة . ويقال : جميع الفواحش مثل الزنى وقول الزور وغير ذلك { والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ } لذنوبكم يعني المغفرة من الله . { وَفَضْلاً } يعني خلفاً في الدنيا { والله واسع } الفضل { عَلِيمٌ } بما تنفقون . ويقال : عليم بمواضع الصدقات .

(1/223)


يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)

{ يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء } قال ابن عباس : يعني النبوة . وقال الكلبي : يعني الفقه . وقال مقاتل : يعني علم القرآن . ويقال : الإصابة في القول . ويقال : المعرفة بمكائد الشيطان ووساوسه . وقال مجاهد : الإصابة في القوم والفهم والفقه . { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } يقول من يعط علم القرآن ، فقد أعطي خيراً كثيراً . { وَمَا يَذَّكَّرُ } أي ما يتفكر . ويقال : ما يتعظ بما في القرآن { إِلاَّ أُوْلُواْ الالباب } يعني ذوو العقول . ويقال : إن من أعطي الحكمة والقرآن ، فقد أعطي أفضل مما أعطي من جميع كتب الأولين من الصحف وغيرها ، لأنه تعالى قال لأولئك وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ، وسمي لهذا خيراً كثيراً ، لأن هذا جوامع الكلم .
وقال بعض الحكماء : من أعطي العلم والقرآن ، ينبغي أن يعرف نفسه ، ولا يتواضع لأصحاب الدنيا لأجل دنياهم ، لأن ما أعطي أفضل مما أعطوا أصحاب الدنيا ، لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعاً قليلاً . وقال : قل متاع الدنيا قليل ، وسمى العلم خيراً كثيراً .

(1/224)


وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)

لقوله { وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } يقول ما تصدقتم من صدقة . { أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ } فوفيتم بنذوركم { فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ } أي يحصيه ويقبله منكم ، وهذا وعد من الله تعالى ، فكأنه يقول : إنه لا ينسى بل يعطي ثوابكم . { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } يعني ليس للمشركين من مانع في الآخرة يمنعهم من العذاب { إِن تُبْدُواْ الصدقات } وذلك أن الله تعالى لما حثهم على الصدقة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزل قوله : { إِن تُبْدُواْ الصدقات } ، يعني إن تعلنوا الصدقات المفروضة . { فَنِعِمَّا هِىَ } قرأ حمزة والكسائي وابن عامر ، فنعما هي بنصب النون وكسر العين ، وقرأ عاصم في رواية حفص ونافع في رواية ورش ، وابن كثير بكسر النون وكسر العين ، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ، فنعما بكسر النون وجزم العين ، وكل ذلك جائز وفيه ثلاث لغات نِعِم نَعِم ونِعْم ، وما زيدت فيها للصلة .
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص ، ويكفر بالياء وضم الراء . وقرأ حمزة ونافع والكسائي ونكفر بالنون وجزم الراء . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ونكفر بالنون وضم الراء ، فمن قرأ بالجزم ، فهو جزاء الصدقة ، ومن قرأ بالضم فهي على المستقبل ، يعني إن تعلنوا الصدقات فحسن { وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } من صدقة العلانية .
فأما صدقة التطوع فقد اتفقوا أن الصدقة في السر أفضل ، وأما الزكاة المفروضة قال بعضهم : السر أفضل ، لأنه أبعد من الرياء وقال بعضهم : العلانية أفضل ، لأن الزكاة من شعائر الدين ، فكل ما كان أظهر ، كان أفضل كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين ، ولأن في ذلك زيادة رغبة لغيره في أداء الزكاة ثم قال تعالى : { وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } يعني فيما تصدقتم في السر والعلانية يتقبل منكم ، ويكون في ذلك كفارة سيئاتكم ، ويعطي ثوابكم في الآخرة .

(1/225)


لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)

{ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة لعمرة القضاء ، وخرجت معه أسماء بنت أبي بكر ، فجاءتها أمها قتيلة ، وجدها أبو قحافة ، فسألا منها حاجة فقالت : لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنكما لستما على ديني ، فاستأمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء } ، أي يوفق من يشاء لدينه . فإن قيل قد قال في آية أخرى { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لتهدى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] وقال هاهنا : { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء } أي يوفق .
قيل ما يشاء إنما أراد به هناك الدعوة . وهاهنا أراد به الهدى خاصة ، وهو التوفيق إلى الهدى .
ثم قال تعالى : { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلاِنفُسِكُمْ } يعني ما تنفقوا من مال ، فثوابه لأنفسكم إذا تصدقتم على الكفار ، أو على المسلمين .
وروي عن عمر بن الخطاب أنه رأى رجلاً من أهل الذمة ، يسأل على أبواب المسلمين فقال : ما أنصفناك أخذنا منك الجزية ما دمت شاباً ، ثم ضيعناك بعدما كبرت وضعفت ، فأمر بأن يجري عليه قوته من بيت المال .
ثم قال تعالى : { وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله } يعني لا تنفقوا إلا ابتغاء ثواب الله { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } أي يوف ثوابه إليكم . { وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم وصدقاتكم ، فيكون ما الأولى بمعنى الشرط ، وما الثانية للجحود وما الثالثة للخبر .
ثم بيّن موضع الصدقة فقال تعالى : { لِلْفُقَرَاء الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله } يعني النفقة والصدقة للفقراء الذين حبسوا أنفسهم في طاعة الله ، وهم أصحاب الصفة كانوا نحواً من أربعمائة رجل ، جعلوا أنفسهم للطاعة ، وتركوا الكسب والتجارة . قوله : { لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الارض } أي لا يستطيعون الخروج إلى السفر في التجارة . { يَحْسَبُهُمُ الجاهل } قرأ حمزة وعاصم وابن عامر : يحسبهم بنصب السين في جميع القرآن ، وقرأ الباقون : بالكسر وتفسير القراءتين واحد ، يعني يظن الجاهل بأمرهم وشأنهم أنهم { أَغْنِيَاء مِنَ التعفف } لأنهم يظهرون أنفسهم للناس باللباس وغيره ، كأنهم أغنياء ويتعففون عن المسألة . قوله { تَعْرِفُهُم بسيماهم } أي بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار { لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى } يعني إلحاحاً قال ابن عباس رضي الله عنه : لا يسألون الناس إلحاحاً ولا غير إلحاح ، ويقال : أصله من اللحاف ، لأن السائل إذا كان ملحاً ، فكأنه يلصق بالمسؤول فيصير كاللحاف يلتصق ، وجعل ذلك كناية عنه .

(1/226)


ثم قال تعالى : { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } يعني عليم بما أنفقتم ويقال هذا على معنى التحريض ، فكأنه يقول عليكم بالفقراء الذين أحصروا في سبيل الله . وقال بعضهم : هذا على معنى التعجب ، فكأنه يقول عجباً للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ويقال : إنه رد إلى أول الآية { وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } { لِلْفُقَرَاء الذين أُحصِرُواْ } ثم قال تعالى : { الذين يُنفِقُونَ أموالهم باليل والنهار } قال مقاتل والكلبي : نزلت هذه الآية في شأن علي بن أبي طالب ، كانت له أربعة دراهم لم يملك غيرها ، فلما نزل التحريض على الصدقة تصدق بدرهم بالليل ، وبدرهم بالنهار ، وبدرهم في السر ، وبدرهم في العلانية ، فنزلت هذه الآية { الذين يُنفِقُونَ أموالهم باليل والنهار } . { سِرّا وَعَلاَنِيَةً } يعني خفية وظاهراً .
ويقال : هذا حثّ لجميع الناس على الصدقة يتصدقون في الأحوال كلها وفي الأوقات كلها { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .

(1/227)


الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)

{ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا } يعني يأكلون الربا استحلالاً { لاَ يَقُومُونَ } يوم القيامة من قبورهم { إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان } أي يتخبطه الشيطان { مِنَ المس } أي من الجنون . ويقال : إنهم يبعثون يوم القيامة ، وقد انتفخت بطونهم كالحباب ، وكلما قاموا سقطوا ، والناس يمشون عليهم ، فيكون ذلك علامة آكل الربا ويقال يكون بمنزلة المجنون { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } { الشيطان مِنَ المس ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا } معناه استحلوا الرِّبا ، وكان الرجل إذا حل أجل ماله طالبه فيقول له المطلوب : زدني في الأجل ، وأزيدك في مالك فيفعلان ذلك .
فإذا قيل لهما : إن هذا رباً قالا : الزيادة في أول البيع ، وعند حلول الأجل سواء . ويقال : إنهم استحلوا الربا وقالوا : الربا والبيع في الحل سواء ، فالله تعالى أبطل قولهم فقال تعالى : { الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ } ولم يقل جاءته ، لأن التأنيث ليس بحقيقي ، ويجوز أن يذكر ويؤنث ، لأنه انصرف إلى المعنى ، يعني فمن جاءه نهي { مّن رَّبّهِ } في القرآن في بيان تحريم الربا { فانتهى } عن أكل الربا { فَلَهُ مَا سَلَفَ } يعني ليس عليه إثم فيما مضى قبل النهي ، لأن الحجة لم تقم عليهم ، ولم يعلموا بحرمته ، وأما اليوم فمن تاب عن الربا ، فلا بدَّ له من أن يرد الفضل ، ولا يكون له ما سلف ، لأن حرمة الربا ظاهرة بين المسلمين ، لأن كتاب الله تعالى فيهم .
ثم قال عز وجل : { وَأَمْرُهُ إِلَى الله } في المستأنف إن شاء عصمه ، وإن شاء لم يعصمه { وَمَنْ عَادَ } إلى استحلال الرِّبا { فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } قال ابن مسعود آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم .
وقال عليه الصلاة والسلام : « سَيَأْتِي عَلَى الَّناسِ زَمَانٌ لا يَبْقَى أَحَدٌ إِلاَّ أَكَلَ الرِّبا ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلِ الرِّبا أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ » وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الرِّبا بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَاباً ، أدْنَاها كَإِتْيَانِ الرَّجُلِ أُمَّهُ » ، يعني كالزاني بأمه .
ثم قال تعالى : { يَمْحَقُ الله الربا } أي يبطله ، ويذهب ببركته { وَيُرْبِى الصدقات } يقول : يقبلها ويضاعفها . ويقال : إن مال آكل الربا لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة ، إما أن يذهب عنه أم عن ولده ، أو ينفقه فيما لا يصلح { والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ } يعني جاحد بتحريم الرِّبا { أَثِيمٍ } يعني عاص بأكله { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } يعني الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { والذين يُمَسّكُونَ } يعني الصلوات الخمس { وَءاتُواْ الزكواة } يعني أعطوا الزَّكاة المفروضة { لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } وقد ذكرناه { مّسْتَقِيمٍ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله } أي أطيعوا الله ولا تعصوه فيما نهاكم من أمر الرِّبا { وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } أي مصدقين بتحريمه .

(1/228)


وقال أهل اللغة : إن الحقيقة على ثلاثة أوجه : إن بمعنى ما ، كقوله : { إِنِ الكافرون } { إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة فَإِذَا هُمْ خامدون } [ يس : 29 ] . وإن بمعنى لقد ، كقوله { وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } [ الإسراء : 108 ] . { وتالله أَن كُنَّا وتالله إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ } [ الصافات : 56 ] ، { فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين } [ يونس : 29 ] ، وإن بمعنى إذ كقوله : وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ، { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الاٌّعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 139 ] ، { ياأيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } [ البقرة : 278 ] نزلت هذه الآية في نفر من بني ثقيف ، وفي بني المغيرة من قريش ، وكانت ثقيف يربون لبني المغيرة في الجاهلية ، وكانوا أربعة أخوة منهم مسعود وعبد ياليل وأخواهما يربون لبني المغيرة ، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة ، وضع الرِّبا كله ، وكان أهل الطائف قد صالحوا على أن لهم رباهم على الناس يأخذونه ، وما كان عليهم من رباً للناس ، فهو موضوع عنهم لا يؤخذ منهم ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب لهم كتاباً ، وكتب في أسفله إنَّ لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما عليهم ، فلما حلّ الأجل طلب ثقيف رباهم ، فاختصموا إلى أمير مكة ، وهو عتاب بن أسيد ، فكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية { عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } يعني مصدقين بتحريم الرِّبا . ثم خوفهم فقال تعالى : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } أي لم تقروا بتحريم الربا ولم تتركوه { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } .
قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر فآذِنوا بمد الألف وكسر الذال ، وقرأ أبو عمرو وورش عن نافع ، فأْذَنُوا بترك الهمزة ونصب الذال ، وقرأ الباقون بجزم الألف ونصب الذال ، فمن قرأ { فَأْذَنُواْ } بالجزم معناه : فاعلموا بِحَرْبٍ مِّنَ الله ، يعني بإهلاك من الله . ويقال معناه : فاعلموا بأنكم كفار بالله وَرَسُولِهِ ومن قرأ فآذنوا بالمد يقول : اعلموا بعضكم بعضاً بحرب ، أي بإهلاك من الله تعالى ورسوله . فقالوا : ما لنا بحرب من الله ورسوله طاقة فما توبتنا؟؟
فقال تعالى : { فَإِن تُبْتُمْ * فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم } التي أسلفتم . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « كُلُّ رِباً كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رباً وُضِعَ رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ، وكُلُّ دَمٍ كانَ في الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ ، وَأَوَّلُ دَمٍ وُضِعَ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ »

(1/229)


ثم قال : { لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } يعني الطالب لا يظلم بطلب الزيادة ، ويرضى برأس المال ، ولا يظلم المطلوب ، فينتقص عن رأس المال ، وذلك أنهم طلبوا رؤوس أموالهم من بني المغيرة ، فشكوا العسرة يعني بني المغيرة وقالوا : ليس لنا شيء ، وطلبوا الأجل إلى وقت إدراك ثمارهم ، فنزل قوله تعالى : { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } يعني إن كان المطلوب ذو شدة { فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } يقول : أجله أن يتيسر عليه بإدراك ثماره { وَأَن تَصَدَّقُواْ } يقول : لو تصدقتم ولا تأخذونه فهو { خَيْرٌ لَّكُمْ } ويقال : لئن تصدقتم بالتأخير فهو خير لكم { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أن الصدقة خير لكم .
قرأ نافع إلى ميسرة بضم السين . وقرأ الباقون والنصب ، وهما لغتان ومعناهما واحد . وقرأ عطاء فناظرة بالألف . وقرأ العامة بغير ألف ، ومعناها واحد . وقرأ عاصم وأن تصدقوا بتخفيف الصاد . وقرأ الباقون بالتشديد ، لأن التاء أدغم في الصاد ، وأصله تتصدقوا . ثم قال تعالى : { واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ } يقول اجتنبوا عذاب يوم ترجعون { فِيهِ إِلَى الله } يعني في يوم القيامة { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } من خير أو شر { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } يقول : وهم لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً .
وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال آخر آية نزلت من القرآن { واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله } قرأ أبو عمرو ترجعون بنصب التاء وكسر الجيم وقرأ الباقون بالضم ونصب الجيم قوله تعالى :

(1/230)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } روي عن ابن عباس أنه قال : الآية نزلت في السلم . ويقال كل دين إلى أجل سلماً كان أو غيره . { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } يعني إلى أجل معلوم .
وفي الآية دليل أن المداينة لا تجوز إلا بأجل معلوم { فاكتبوه } يعني الدين والأجل . ويقال : أمر بالكتابة ، ولكن المراد به الكتابة والإشهاد ، لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة . ويقال : أمر بالكتابة لكي لا ينسى . ويقال : من أدان ديناً ، ولم يكتب ، فإذا نسي ودعى الله تعالى بأن يظهره يقول الله تعالى : أمرتك بالكتابة فعصيت أمري ، وإذا دعى بالنجاة من الزوجة يقول الله تعالى جعلت الطلاق بيدك إن شئت طلقها ، وإن شئت فأمسكها .
ثم قال تعالى : { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } يعني يكتب الكاتب عن البائع والمشتري يعدل بينهما في كتابته ، ولا يزاد على المطلوب على حقه ، ولا ينقص من حق الطالب .
ويقال : إن هذا أمر للكاتب بالكتابة ، وكانت المكاتبة واجبة في ذلك الوقت على الكاتب ، لأن الكتبة كانوا قليلاً ثم نسخ بقوله : { ياأيها الذين ءامنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الذى عَلَيْهِ الحق سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاخرى وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تسأموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلى أَجَلِهِ ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ للشهادة وأدنى أَلاَّ ترتابوا إِلاَ أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ البقرة : 282 ] وقال بعضهم : الكتابة لم تكن واجبة ، ولكن الأمر على معنى الاستحباب ثم قال : { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ } يقول ولا يمتنع الكاتب عن الكتابة أن يكتب { كَمَا عَلَّمَهُ الله } يعني يكتب شكراً لما أنعم الله عليه حيث علمه الكتابة ، واحتاج غيره إليه ، فكما أكرمه الله تعالى بالكتابة وفضله بذلك ، فيعرف شكره ، ولا يمتنع عن الكتابة لمن طلب منه . ثم قال : { وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق } يعني المطلوب هو الذي يملي على الكاتب حتى يكتب الكتابة ، لأن قول المطلوب حجة على نفسه ، فإذا أملى على الكاتب يكون ذلك إقراراً منه بوجوب الحق عليه .
ثم خوف المطلوب لكيلا ينقص شيئاً من حق الطالب .

(1/231)


فقال تعالى : { وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } يعني المطلوب { وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً } يقول : لا ينقص من الحق شيئاً ، يعني المطلوب . ويقال : يعني الكاتب ، ولا يبخس في الكتابة شيئاً { فَإن كَانَ الذى عَلَيْهِ الحق } يعني إذا كان المطلوب { سَفِيهًا } أي جاهلاً بالإملاء ، ويقال أحمق { أَوْ ضَعِيفًا } يعني صبيّاً عاجزاً عن الإملاء . ويقال : أخرس أو مجنون { أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ } يعني لا يحسن { أَن يُمِلَّ هُوَ } على الكاتب فيرجع الإملاء على الطالب { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } يعني : ولي الحق أي الطالب هكذا قال في رواية الكلبي . وقال في رواية الضحاك . يعني ولي المدين يعني إذا كان للصبي وصي أو ولي يرجع الإملاء عليه فليملل وليه { بالعدل } أي بالحق .
ثم أمر بالإشهاد فقال تعالى : { واستشهدوا } على حقكم { شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } يعني من أهل دينكم من الأحرار البالغين { فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ } فليكن رجلاً { وامرأتان مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهداء } يعني من العدول { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } يعني إذا نسيت إحدى المرأتين . { فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاخرى } يعني : إذا حفظت إحداهما الشهادة فتذكر صاحبتها ويقال : إذا امتنعت إحداهما عن أداء الشهادة ، فتعظها الأُخرى حتى تشهد . قرأ حمزة إن تضل بكسر الألف ونصب التاء وجزم اللام ، وإنما كسر الألف على معنى الابتداء والشرط ، وجزم اللام لحرف الشرط ، فَتُذْكِرُ بضم الراء . وقرأ الباقون بنصب الألف ، ومعناه لأن تضل . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ، فتذكر بالتخفيف . وقرأ الباقون بنصب الذال وتشديد الكاف ، وهما لغتان أذكرته وذكرته .
ثم قال : { وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ } يعني : الشاهد إذا دعي إلى الحاكم ليشهد ، فلا يمتنع عن أداء الشهادة والإباء عن الشهادة حرام ، لأن الله تعالى نهى عن الإباء عن الشهادة . ويقال : إباء الشهادة على ثلاثة أوجه : أحدهما أن يمتنع عن أدائه . والثاني أن يشهد ويقصر في أدائه ، لكيلا تقبل شهادته . والثالث بأن لا يصون نفسه عن المعاصي ، فيصير منهما لا تقبل شهادته ، فكأنه وهو الذي أبطل حق المدعي ، وخانه حيث عصى الله تعالى حتى ردت شهادته بمعصيته . ثم قال تعالى { وَلاَ يَأْبَ } يقول ولا تملوا { أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا } يعني قليل الحق أو كثيره { إِلَى أَجَلِهِ } لأن الكتابة أحصى للأجل وأحفظ للمال { ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ } أي أعدل { وَأَقْوَمُ } وأصوب { للشهادة وَأَدْنَى } يقول : أحرى وأجدر { أَلاَّ تَرْتَابُواْ } يعني : لا تشكوا في شيء من حقوقكم .
ثم استثنى الله تعالى { إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً } قرأ عاصم تجارة حاضرة بالنصب وقرأ الباقون بالرفع ، فمن قرأ بالنصب جعله خبر تكون ، والاسم مضمر معناه إلا أن تكون المداينة تجارة حاضرة .

(1/232)


ومن قرأ بالرفع جعله اسمه يعني إذا كان البيع بالنقد { تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } يعني تداولونها أيديكم ، ولم يكن المال مؤجلاً { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } أي حرج { أَلاَّ تَكْتُبُوهَا } يعني التجارة . ثم قال { وَأَشْهِدُواْ } على حقكم { إِذَا تَبَايَعْتُمْ } على كل حال ، نقداً كان أو مؤجلاً ، وهذا أمر استحباب ، ولو ترك الإشهاد جاز البيع . ثم قال تعالى { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } يقال لا يعمد أحدكم إلى الكاتب والشاهد ، فيدعوهما إلى الكتابة والشهادة ، ولهما حاجة مهمة ، فيمنعهما عن حاجتهما ، وليتركهما حتى يفرغا من حاجتهما ، أو يطلب غيرهما { وَإِن تَفْعَلُواْ } يقول : إن تضاروا الكاتب والشاهد { فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } يقول معصية منكم وترك الأدب قوله : { واتقوا الله } في الضرر ويقال : واتقوا الله ولا تعصوه فيما أمركم من أمر الكتابة والإشهاد { وَيُعَلّمُكُمُ الله } في أمر الكتابة ، ويقال : ويؤدبكم الله { والله بِكُلّ شَيْء } من أعمالكم { عَلِيمٌ } .
{ وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ } أي كنتم مسافرين { وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا } يعني لم تجدوا من يكتب الكتاب وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ، ولم تجدوا كاتباً ، يعني الكاتب والصحيفة { فرهان مَّقْبُوضَةٌ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو فرهن ، والباقون فرهان ، فمن قرأ فرهان ، فهو جمع الرهن ، ومن قرأ فرهن فهو جمع الرهان ، وهو جمع الجمع . ويقال : كلاهما واحد ، وهو جمع الرهن ، يعني إذا كنتم في السفر ، ولم تجدوا من يكتب ، ولم تجدوا الصحيفة والدواة ، فاقبضوا الرهن . وفي الآية دليل أن الرهن لا يصح إلا بالقبض لأنه جعل الرهن بالقبض .
ثم قال تعالى : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } يعني إذا كان الذي عليه الحق أميناً عند الطلب ، ولم يطلب منه الرهن ، ورضي بدينه بغير رهن قوله : { فَلْيُؤَدّ الذى اؤتمن أمانته } يعني أن المطلوب يقضي دينه حيث ائتمنه الطالب ، ولم يرتهن منه { وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } ولا يمنع حقه ، ثم رجع إلى الشهود فقال : { وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة } عند الحاكم يقول : من كانت عنده شهادة ، فليؤدها على وجهها ولا يكتمها { وَمَن يَكْتُمْهَا } يعني الشهادة { وَإِن كُنتُمْ على } يعني فاجر قلبه . قوله : { والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } من كتمان الشهادة وإقامتها ، فهذا وعيد للشاهد على كتمان شهادته لكيلا يكتمها .
قرأ حمزة وعاصم فليؤد الذي أوتمن ، بضم الألف ، والباقون يقرؤون بسكون الألف وكلاهما واحد .

(1/233)


لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)

{ للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } من الخلق كلهم عبيده وإماؤه ، وهو خالقهم ورازقهم ، وحكمه نافذ فيهم ، معناه لا تعبدوا أحداً سواه ، لأنه هو الذي خلق المسيح والملائكة والأصنام ، ويقال : لله ما في السموات وما في الأرض ، يعني في كل شيء دلالة ربوبيته ووحدانيته ، ثم قال : { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } يعني إن تظهروا ما في قلوبكم أو تضمروه { يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } أي يجازيكم به الله . وقال بعضهم : يعني في كتمان الشهادة أن تعلنوا الشهادة أو تخفوها يحاسبكم به الله ، أي يجازيكم به الله .
وقال الكلبي : وإن تعلنوا ما في أنفسكم من المعصية أو تسروها ، ولا تظهروها يجازيكم . قال : لما نزلت هذه الآية شقّ على المسلمين ، وقالوا : يا رسول الله إنا لنحدث أنفسنا بالأمر المعصية ، ثم لا نعملها ، أو نعملها فهو سواء ، فشق ذلك على المؤمنين مشقة شديدة ، فلما علم الله مشقة ذلك على المؤمنين ، أنزل على نبيه ما هو أهون عليه منه فقال : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنآ أَنتَ مولانا فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } [ البقرة : 286 ] .
قال الفقيه حدثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدثنا الدبيلي ، قال حدثنا أبو عبيد الله عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي »
قال سفيان : بلغني أن الأنبياء كانوا يأتون قومهم بهذه الآية { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } فيقولون : لا نطيق هذا ، ولا نحتمله ، فأعقبهم الله المؤاخذة ، فلما عرض على هذه الأمة قبلوا ، فأعقبهم الله تعالى أن وضعها عنهم ، فأنزل الله تعالى : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنآ أَنتَ مولانا فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } [ البقرة : 286 ] الآية .
ثم قال عز وجل : { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } أي لمن تاب عن الذنوب { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } أي من أقام على ذلك ، وأصر عليه . ويقال : فيغفر لمن يشاء الذنب العظيم ، لمن انتزع عنه ، ويعذب من يشاء بالذنب الصغير إذا أصر عليه . ويقال : لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الإصرار . قرأ عاصم وابن عامر ، فيغفر بضم الراء على معنى الابتداء وقرأ الباقون بالجزم على جواب الشرط ، وكذلك في قوله : { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } ثم قال : { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } .

(1/234)


آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)

{ الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن } روي عن الحسن وعن مجاهد : أن هذه الآية نزلت في قصة المعراج ، وهكذا روي في بعض الروايات عن عبد الله بن عباس .
وقال بعضهم جميع القرآن نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم إلا هذه الآية ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمعها ليلة المعراج . وقال بعضهم : لم يكن ذلك في قصة المعراج ، لأن ليلة المعراج كانت بمكة ، وهذه السورة كلها مدنية ، فأما من قال : إنها كانت في ليلة المعراج . قال : لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وبلغ فوق السموات في مكان مرتفع ، ومعه جبريل حتى جاوز سدرة المنتهى . فقال له جبريل : إني لم أجاوز هذا الموضع ، ولم يؤمر أحد بالمجاوزة عن هذا الموضع غيرك ، فجاوز النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الموضع الذي شاء الله ، فأشار إليه جبريل بأن يسلم على ربه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ " فقال الله تعالى : السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون لأمته حظ في السلام فقال : «السَّلامُ عَلَيْنَا ، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ» . فقال جبريل : وأهل السموات كلهم ، أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلاَّ الله ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . قال الله تعالى على معنى الشكر آمن الرسول ، أي : صدق النبي صلى الله عليه وسلم بما أنزل إليه من ربه ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشارك أمته في الفضيلة فقال : { والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } يعني : يقولون آمنا بجميع الرسل ، ولا نكفر بواحد منهم ، ولا نفرق بينهم ، كما فرقت اليهود والنصارى .
فقال له ربه عز وجل : كيف قبولهم للآي التي أنزلتها؟ وهي قوله : { لِّلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِى الارض وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ البقرة : 284 ] ، فقال : رسول الله : { وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } أي أطعنا مغفرتك يا ربنا { وَإِلَيْكَ المصير } أي : المرجع قال الله تعالى عند ذلك : { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } أي طاقتها .
ويقال : إلا دون طاقتها ويقال لا يكلف الصلاة قائماً لمن لا يقدر عليها { لَهَا مَا كَسَبَتْ } من الخير { وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } من الشر فقال له جبريل عند ذلك : سل تعط فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا " يعني : إن جهلنا { أَوْ أَخْطَأْنَا } يعني : إن تعمدنا ، ويقال إن عملنا بالنسيان ، أو أخطأنا يعني عملنا بالخطأ ، فقال له جبريل : قد أعطيت ذلك قد رفع عن أمتك الخطأ والنسيان شيئاً آخر ، فقال عند ذلك : { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } يعني ثقلاً { كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا } وهو أنه حرم عليهم الطيبات بظلمهم ، وكانوا إذا أذنبوا بالليل ، وجدوه مكتوباً على بابهم ، وكانت الصلوات عليهم خمسين ، فخففت عن هذه الأمة ، وحطّ عنهم بعدما فرض عليهم إلى خمس صلوات ثم قال : { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } يقول : لا تكلفنا من العمل ما لا نطيق ، فتعذبنا .

(1/235)


. ويقال : ما يشق ذلك علينا ، لأنه لو أمر بخمسين صلاة ، لكانوا يطيقون ذلك ، ولكنه يشقّ عليهم ، ولا يطيقون الإدامة على ذلك { واعف عَنَّا } من ذلك كله { واغفر لَنَا وارحمنا } أي : تجاوز عنا ويقال : واعف عنا من المسخ ، واغفر لنا من الخسف ، وارحمنا من القذف ، لأن الأمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ ، وبعضهم أصابهم الخسف ، وبعضهم القذف ثم قال : { أَنتَ مولانا } أي : أنت ولينا وحافظنا { فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } فاستجيب دعاؤه .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ » ويقال : إن الغزاة إذا خرجوا من بلادهم بالنية الخالصة ، وضربوا الطبل ، وقع الرعب والهيبة في قلوب الكفار مسيرة شهر ، علموا بخروجهم أو لم يعلموا ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع ، أوحى الله تعالى إليه هذه الآيات ، ليعلم أمته بذلك . ولهذه الآية تفسير آخر قال الزجاج : لما ذكر الله تعالى فرض الصلاة والزكاة في هذه السورة ، وبيّن أحكام الحج ، وحكم الحيض ، والطلاق والإيلاء ، وأقاصيص الأنبياء ، وبيّن حكم الربا والدين ، ثم ذكر تعظيمه بقوله تعالى : { لِلَّهِ مَا فِى السماوات والارض إِنَّ الله هُوَ الغنى الحميد } [ لقمان : 26 ] الآية .
ثم ذكر تصديق جميع ذلك حيث قال : { الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون } ، أي صدق الرسل بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها ، وكذلك المؤمنون . كلهم صدقوا بالله وملائكته وكتبه ورسله .
قرأ حمزة والكسائي وكتابه على معنى الوحدان . وقرأ الباقون وكتبه على معنى الجمع . ثم قال : { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } ، فأخبر عن المؤمنين بأنهم يقولون : لا نفرق بين أحد من رسله .
قرأ الحضرمي لا يفرق بالياء ، ومعنا كل آمن بالله ، وكل لا يفرق .
وقرأ ابن مسعود لا يفرقون بين أحد من رسله . { وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ، أي قبلنا ما سمعنا ، لأن من سمع ولم يقبل قيل له : أصم ، لأنه لم ينتفع بسماعه .
وقرأ أبو عمرو من رسله ، برفع السين ، وكذلك في جميع القرآن غير هذه الحروف الأربعة ، مثل رسلنا ورسلهم يقرأ بالسكون ، وقرأ الباقون برفع السين في جميع القرآن . ومعنى قوله : { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } ، أي اغفر غفرانك ، وهو من أسماء المصادر كالكفران والشكران { وَإِلَيْكَ المصير } .

(1/236)


يعني نحن مقرون بالبعث .
ثم قال : { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } يعني : طاقتها قال الفقيه : حدثنا أبو الحسين قال : حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا محمد بن عبد الله قال : حدثنا مروان عن عطاء بن عجلان عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ هذه الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ، أَوْ هَمَّتْ بِهِ مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ ، أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ » ثم قال { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا } ، أي لا تؤاخذ أحداً بذنوب غيره ، كما قال في آية أخرى : { قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [ الأنعام : 164 ] وقوله : إن نسينا أي إن تركنا أو أخطأنا ، يعني إن كسبنا خطيئة ، فأخبر الله تعالى بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن المؤمنين ، وجعله في كتابه ليكون دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم دعوة يدعون بها من بعده ، لأن هذا الدعاء قد استجيب له ، فينبغي أن يحفظ ، ويدعى به كثيراً .
قال الفقيه : حدثنا القاضي الخليل قال : حدثنا السراج قال : حدثنا أحمد بن سعيد الرازي قال : حدثنا سهل بن بكار قال : حدثنا أبو عوانة عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلاثِ خِصَالٍ : جُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِداً ، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُوراً ، وَجُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ المَلاَئِكَةِ ، وَأُوتِيتُ هذه الآياتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ قَبْلِي ، ولا تُعْطَى أَحَداً بَعْدِي »
وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « تَعَلَّمُوا البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ ، فإنَّهُمَا تَجِيئَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَالغَمَامَتَيْنِ أوْ كَالغَيَايَتَيْنِ ، أوْ كَفِرْقَتَيْنِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ ، وَيُحَاجَّانَ عَنْ صَاحِبِهِمَا » ثم قال : « تَعَلَّمُوا سُورَةَ البَقَرَةِ ، فإنَّ أخْذَهَا بَرَكَةٌ ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ، وَلا يَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ » ، يعني السَّحَرَةَ .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نزل عليه ملك فقال له : إن الله يبشرك بنورين ، لم يعطهما نبياً قبلك ، فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، لا يقرأ بحرف منهما إلا أعطيته نوراً . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لَوْ بَلَغَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ ثلاثمائةِ آيةٍ ، لَتَكَلَّمَتْ » يعني : لصارت بحال تتكلم ، لأنه لا يبقى شيء ، إلا اجتمع فيها من كثرة ما فيها من العجائب . والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد .

(1/237)


الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)

{ الم } قال ابن عباس رضي الله عنهما : أنا الله أعلم { الله } يعني ، هو الله الذي { لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم } الذي لا يموت ولا يزول أبداً .
ويقال الحي الذي لا بادىء له { القيوم } يعني القائم على كل نفس بما كسبت . ويقال : القائم بتدبير الخلق .
وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : الحي قبل كل حي ، والحي بعد كل حي ، الدائم الذي لا يموت؛ ولا تنقضي عجائبه ، والقائم على العباد بأرزاقهم وآجالهم . ويقال : الحي القيوم هو اسم الله الأعظم . ويقال : إن عيسى ابن مريم عليهما السلام ، كان إذا أراد أن يُحيي الموتى ، يدعو بهذا الاسم يا حَيُّ يَا قَيّوم . ويقال : إن آصف بن برخيا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان عليه السلام دعا بقوله يا حَيُّ يا قيوم ويقال : إن بني إسرائيل ، سألوا موسى عليه السلام عن اسم الله الأعظم فقال لهم : قولوا اهيا يعني يا حي شراهيا يعني يا قيوم ويقال : هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يدعون به ، ثم قال تعالى :

(1/238)


نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5)

{ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب } يعني أنزل عليك جبريل بالقرآن { بالحق } أي بالعدل ويقال لبيان الحق { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } يعني موافقاً للكتب المتقدمة في التوحيد ، وفي بعض الشرائع { وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل * مِن قَبْلُ } يعني أنزل التوراة على موسى ، والإنجيل على عيسى من قبل هذا الكتاب .
وروي عن الفراء أنه قال : اشتقاق التوراة من وري الزند وهو ما يظهر من النور والضياء ، فسمي التوراة بها ، لأنه ظهر بها النور والضياء لبني إسرائيل ، ومن تابعهم ، وإنما سمي الإنجيل ، لأنه أظهر الدين بعدما درس ، وقد سمي القرآن إنجيلاً أيضاً لما روي في قصة مناجاة موسى عليه السلام أنه قال : يا رب أرى في الألواح أقواماً أناجيلُهم في صدورهم ، فاجعلهم أمتي قال الله تعالى : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وإنما أراد بالأناجيل القرآن .
قرأ حمزة والكسائي ، وابن عامر التوراة بكسر الراء ، والباقون بالفتح ثم قال تعالى : { هُدًى لّلنَّاسِ } معناه : وأنزل التَّورَاة على موسى ، والإنجيل على عيسى عليهما السلام ، بياناً لبني إسرائيل من الضلالة { وَأَنزَلَ الفرقان } على محمد صلى الله عليه وسلم بعد التوراة والإنجيل .
وقال الكلبي الفرقان هو الحلال والحرام ، يعني بيان الحلال والحرام . ويقال : المخرج من الشبهات { إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله } أي جحدوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبالقرآن ، وما أوتي من آيات نبوته { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة .
قال الكلبي : نزلت هذه الآية في وفد نجران ، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجادلوه بالباطل . ويقال : في شأن اليهود . ويقال : في شأن مشركي العرب . { والله عَزِيزٌ ذُو انتقام } أي منيع بالنقمة ينتقم ممن عصاه { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء } لا يذهب ولا يغيب عليه شيء { فِي الارض وَلاَ فِى السماء } معناه أنه لا يخفى عليه قول الكفار وعملهم ، فيجازيهم يوم القيامة ، وهم وفد نجران ، وسائر المشركين .

(1/239)


هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)

ثم أخبر عن صنعه ، ليعتبروا بذلك فقال تعالى : { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الارحام كَيْفَ يَشَاء } أي يخلقكم كيف يشاء قصيراً أو طويلاً ، حسناً أو ذميماً ، ذكراً أو أنثى .
ويقال : شقيّاً أو سعيداً . وهذا كما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : الشقي من شقي في بطن أمّه ، والسعيد من سعد في بطن أمه ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « الوَلَدُ يَكُونُ في بَطْنِ أُمِّهِ ، يكونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ، ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ، ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ، ثُمَّ يُنْفَخُ فيهِ الرُّوحُ ، ثُمَّ يُكْتَبُ شَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ »
وذكر عن إبراهيم بن أدهم أن القراء اجتمعوا إليه ، ليسألوا ما عنده من الحديث . فقال لهم : إني مشغول بأربعة أشياء ، فلا أتفرغ لرواية الحديث فقيل له : وما ذاك الشغل؟ فقال أحدها : إني أتفكر في يوم الميثاق . حيث قال : هؤلاء في الجنة ، ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي ، فلا أدري من أي الفريقين كنت في ذلك الوقت . والثاني حيث صوّرني في رحم أمي فقال الملك الموكل على الأرحام : يا رب شقي أم سعيد؟ فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت . والثالث حيث يقبض روحي ملك الموت فيقول : يا رب أمع الكفار أم مع المؤمنين؟ فلا أدري كيف يخرج الجواب . والرابع حيث يقول : { وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون } [ يس : 59 ] ، فلا أدري من أي الفريقين أكون . ثم قال تعالى : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } يعني لا خالق ولا مصور إلا هو { العزيز } يعني المنيع بالنقمة لمن جحده { الحكيم } يحكم تصوير الخلق على ما يشاء .

(1/240)


هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)

{ هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب } يعني أنزل عليك جبريل بالقرآن { مِنْهُ آيات محكمات } يعني من القرآن آيات واضحات ويقال مبينات بالحلال والحرام . ويقال : ناسخات لم تنسخ قط { هُنَّ أُمُّ الكتاب } يعني أصل كل كتاب ، وهي ثلاث آيات من سورة الأنعام وهو قوله تعالى : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً وَلاَ تقتلوا أولادكم مِّنْ إملاق نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ الأنعام : 151 ] وروي عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول : فاتحة الكتاب أم الكتاب؟ فقال له ابن عباس : بل أم الكتاب قوله تعالى : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً وَلاَ تقتلوا أولادكم مِّنْ إملاق نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ الأنعام : 151 ] إلى آخر ثلاث آيات الآية .
ثم قال تعالى { وَأُخَرُ متشابهات } قال الضحاك أي منسوخات وقال الكلبي يعني ما اشتبه على اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه ألم ، والمص ويقال المحكم ما كان واضحاً لا يحتمل التأويل ، والمتشابه الذي يكون اللفظ يشبه اللفظ ، والمعنى مختلف .
ويقال : المحكم الذي هو حقيقة اللغة ، والمتشابه ما كان مجاوزاً . ويقال : المحكمات التي فيها دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، والمتشابه الذي اشتبهت الدلالة فيه ، فإن قيل : إذا أنزل القرآن للبيان ، فكيف لم يجعل كله ، واضحاً؟ قيل : الحكمة في ذلك ، والله أعلم أن يظهر فضل العلماء ، لأنه لو كان الكل واضحاً ، لم يظهر فضل العلماء بعضهم على بعض . وهكذا يفعل كل من يصنف تصنيفاً يجعل بعضه واضحاً ، وبعضه مشكلاً ، ويترك للحيرة موضعاً ، لأن ما هان وجوده ، قل بهاؤه .
ثم قال تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } يعني مَيْل عن الحق وهم اليهود { فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ } قال الضحاك : يعني ما نسخ منه { ابتغاء الفتنة } أي طلب الشرك واستبقاؤه ما هم عليه { وابتغاء تَأْوِيلِهِ } أي طلب ثناء هذه الأمة . ويقال : طلب وقت قيام الساعة { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله } يعني منتهى ملك هذه الأمة ، وذلك أن جماعة من اليهود دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيهم حيي بن أخطب وغيره ، فقالوا : بلغنا أنه نزل عليك ألم ، فإن كنت صادقاً في مقالتك ، فإن ملك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة ، لأن الألف في حساب الجمل واحد ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فنزل { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله } ، يعني : منتهى ملك هذه الأمة ، ثم قال تعالى : { والرسخون فِي العلم } قال الكلبي ومقاتل : استأنف الكلام يعني لما قال { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله } ، فقد تم الكلام ثم استأنف فقال : { والرسخون فِي العلم } أي البالغون العلم في كتبهم التوراة والإنجيل { يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } يعني القرآن { كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } ناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وهو عبد الله بن سلام وأصحابه .

(1/241)


وقال بعضهم : هو معطوف عليه . يقول : وما يعلم تأويله إلا الله ، والراسخون في العلم يعني يعلمون تأويله . ويقولون : { بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا } .
وروى ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنه كان يقرأ ، وما يعلم تأويله إلا الله ، ويقول الراسخون في العلم : آمنا به ، وهذا يوافق قول الكلبي ومقاتل . وقال عامر الشعبي : لو كان ابن عباس بين أظهرنا ما سألته عن آية من التفسير ، لأني أحلُّ حلاله ، وأحرّم حرامه ، وأومن بمتشابهه ، وأكل ما لم أعلم منه إلى عالمه .
ثم قال تعالى : { وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الالباب } يعني ما يتعظ بما أنزل من القرآن إلا ذوو العقول من الناس . ثم قال عبد الله بن سلام وأصحابه ، حين سمعوا قول اليهود وتكذيبهم : { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } يعني لا تُحَوّل قلوبنا عن الهدى { بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } يعني بعد ما أكرمتنا بالإسلام ، وهديتنا لدينك { وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } يعني ثَبِّتْنا على الهدى { إِنَّكَ أَنتَ الوهاب } أي المعطي المثبت للمؤمنين { رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس } بعد الموت { لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } أي في يوم لا شك فيه عند المؤمنين أنه كائنٌ لا محالة .
{ إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } في البعث ويقال معناه { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } في إجابة الدعاء يعني يوم يجمع الناس في الآخرة .

(1/242)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)

ثم قال تعالى { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } يعني اليهود ويقال جميع الكفار { لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ } كثرة { أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله } شيئاً يعني من عذاب الله { شَيْئاً } في الدنيا إذا نزل بهم شدة أو مرض ، ولا في الآخرة عند نزول العذاب . ويقال : كل ما لم ينفق في طاعة الله ، فهو حسرة له يوم القيامة . ويقال : إنما ذكر الأموال والأولاد ، لأن أكثر الناس يدخلون النار ، لأجل الأموال والأولاد ، فأخبر الله تعالى أنه لا ينفعهم في الآخرة ، لكيلا يفني الناس أعمارهم ، لأجل المال والولد ، وإنما ذكر الله تعالى الكفار ، لكي يعتبر بذلك المؤمنون ثم قال تعالى : { وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النار } أي حطب النار .
قرأ بعضهم وُقُودُ النار بضم الواو ، يعني إيقاد النار كما قال في آية أخرى { إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأاياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً } [ النساء : 56 ] قالوا : معناه إذا أرادت النار أن تنطفىء ، بدلهم الله جلوداً غيرها لتتقد النار { كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } يعني أن صنيع الكفار معك ، كصنيع آل فرعون مع موسى .
وقال مقاتل : كأشباه آل فرعون بالتكذيب بالعذاب في الدنيا . ويقال : إهلاك الله إياهم بالقتل ، كإهلاك آل فرعون بالغرق .
ويقال تعاونُهم وتظاهرهم فيما بينهم عليك ، كتظاهُر آل فرعون على موسى { والذين مِن قَبْلِهِمْ } أي قبل آل فرعون ، مثل قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط { كَذَّبُواْ بئاياتنا } أي بدلائلنا وعجائبنا ويقال بكتبي ورسلي كما كذبك قومك يا محمد { فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ } أي أهلكهم وعاقبهم بشركهم { والله شَدِيدُ العقاب } للكافرين .

(1/243)


قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)

قوله تعالى { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال الضحاك : يعني كفار مكة لما ظهروا يوم أحد ، فرحوا بذلك ، فنزل قوله تعالى : { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } من أهل مكة { سَتُغْلَبُونَ } بعد هذا { وَتُحْشَرُونَ إلى * نَارُ جَهَنَّمَ } وقال الكلبي نزلت في شأن بني قريظة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم المشركين يوم بدر ، قالت اليهود هذا النبي الأمّي الذي بشرنا به موسى الذي نجده في التوراة ، فأرادوا تصديقه ثم قال بعضهم لبعض : لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى له ، فلما كان يوم أحد ، ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : والله ما هو إياه ، فقد تغيّرت صفته وحاله ، فشكوا فيه ولم يسلموا ، وقد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة ، فنقضوا ذلك العهد ، فأنزل الله تعالى : { قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ } وقال عكرمة عن عبد الله بن عباس أنه قال ، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر ، وقَدِم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع ، فقال : « يا مَعْشَر اليَهُودِ ، أَسْلِمَوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمُ الله بِمِثْلِ مَا أَصَابَ قُرَيْشاً » قالوا : يا محمد لا تغرنك نفسك . إنك قتلت نفراً من قريش كانوا أَغماراً لا يعرفون القتال فإنك لو قاتلنا لعرفت أنّا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا فأنزل الله تعالى { قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } يعني تُهْزمون وتُقْهَرون وتُحْشرون بعد القتل إلى جهنم { وَبِئْسَ المهاد } يعني لبئس موضع القرار جهنم . قرأ حمزة والكسائي سَيُغْلبونَ وَيُحشرُون بالياء على معنى الخبر والباقون بالتاء على معنى المخاطبة .

(1/244)


قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)

ثم قال : { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } يعني عبرة { فِي فِئَتَيْنِ } أي جَمْعَيْن ، يعني جَمْع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وجمع كفار أهل مكة { التقتا فِئَةٌ تقاتل فِى سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } قرأ نافع ترونهم على معنى المخاطبة ، والباقون بالياء على معنى الخبر ، وذكر عن الفراء أنه قال كان الكفار ثلاثة أمثال المسلمين ، لأن المسلمين كانوا ثلاثمائة ونيفاً ، وكان الكفار تسعمائة ونيّفاً . وقوله : مثليهم أي ثلاثة أمثالهم ، والمعنى في ذلك عن طريق اللغة أن الإنسان إذا كان عنده ألف درهم يقول احتاج إلى مثليها ، فإنه يحتاج إلى ثلاثة آلاف . وقال الزجاج : هذا القول لا يصح في اللغة ، ولا في المعنى ، ولكن المسلمين يرونهم مثليهم في العدد ، لكي لا يجبنوا ، لأنه أعلمهم أن المائة تغلب المائتين ، فأراهم في { رَأْىَ العين } أن المشركين مثليهم في العدد ، لكي لا يجبنوا ، وهذا كما قال في آية أخرى ، { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم فى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فى أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } [ الأنفال : 44 ] ، وذلك أن المشركين كانوا تسع مائة ، فأرى الله المسلمين أنهم ستمائة ، لكي لا يجبنوا ، وأرى الكفار أن المسلمين أقل من ثلاثمائة ، ثم ألقى مع ذلك في قلوبهم الرعب حتى انهزموا ، فكان في ذلك دلالة من الدلالات ، فمن قرأ بالتاء على معنى المخاطبة لليهود إن لكم آية وعلامة حيث رأيتم غلبة المسلمين على الكفار مع قلة المسلمين ، وكثرة الكفار ، فإن قيل : إن اليهود لم يكونوا حضوراً في ذلك الوقت ، فكيف يرون ذلك؟ قيل له : إذا انتشر الخبر فهموا ، وعلموا ذلك صار كالمعاينة ، ولأن لهم جواسيس عند المسلمين يخبرون اليهود بذلك ، فصار كأن كلهم رأى ذلك ، ومن قرأ بالياء معناه أن المسلمين يرون الكفار مثليهم .
ويقال إن المشركين حين خرجوا من مكة ، كانوا ألفاً وثلاثمائة رجل ، فلما وجدوا العير سالمة رجع مع العير ثلاثمائة وخمسون ، وتخلف تسعمائة وخمسون للحرب ، وكان أبو سفيان بن حرب في تلك العير ، فرجع إلى مكة ، وحثّهم على المسير ، ولم يكن حاضراً وقت الحرب ، وإنما قال الكلبي في كتابه : نزلت في جمع أبي سفيان وأصحابه ، لأن أبا سفيان هو الذي حثهم على الخروج ، ولم يخرج معهم ثم قال تعالى : { والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } أي يقوي بنصرته ، وهم أهل بدر ، فأرسل إليهم الملائكة ، وهزم المشركين { إِنَّ فِى ذلك لَعِبْرَةً لاِوْلِى الابصار } يعني من ينصر الحق .

(1/245)


زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)

{ زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } حُسِّن وحُبِّب إليهم ، وقد يكون التزيين من الله تعالى . كما قال في آية أخرى { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم فَهُمْ يَعْمَهُونَ } [ النمل : 4 ] كما قال في آية أخرى { وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ } [ النمل : 24 ] فأما التزيين من الله تعالى ، فهو على وجهين : يكون على جهة الامتحان للمؤمنين مع العصمة ، وقد يكون للكفار على جهة العقوبة مع الخذلان ، وأما التزيين من الشيطان ، فهو على جهة الوسوسة . فقال : زين للناس حب الشهوات { مِنَ النساء والبنين } بدأ بالنساء ، لأن فتنة النساء أشد من فتنة جميع الأشياء .
كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما تَرَكْتُ لأُمَّتِي فِتْنَةً أَشَدَّ مِنْ فِتْنَةِ النِّسَاءِ » ، ولأن النساء فتنتهن ظاهرة من وقت آدم عليه السلام إلى يومنا هذا .
ويقال : في النساء فتنتان ، وفي الأولاد فتنة واحدة : إحداهما أنها تؤدي إلى قطيعة الرحم ، لأن المرأة تأمر زوجها بقطيعة الرحم عن الأمهات والأخوات . والثانية يبتلي بجمع المال من الحلال والحرام ، وأما البنون ، فإن الفتنة فيهم واحدة ، وهي ما ابتلي به من جمع المال لأجلهم . فذكر البنين وأراد به الذكور والإناث .
وقال بعض الحكماء : أولادنا فتنة إن عاشوا فتنونا ، وإن ماتوا أحزنونا .
ثم قال تعالى { والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة } روي عن الفراء أنه قال : القناطير جمع قنطار ، والمقنطرة جمع الجمع ، فيكون تسع قناطير .
وروي عن أبي عبيدة أنه قال : المقنطرة مُفَعَّلة من الورق . كما يقال : ألف مؤلفة ، وبذر مبذرة . ويقال : المقنطرة هي المكيلة ، ثم اختلفوا في مقدار القنطار ، فروي عن مجاهد أنه قال : القنطار سبعون ألف دينار . وقال أبو هريرة : القنطار اثني عشر ألف أوقية . وقال معاذ بن جبل : ألف ومائتا أوقية . وقال بعضهم : مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ من ذهب . حكاه الكلبي ، وقال : هو لغة رومية .
وروي عن الحسن البصري أنه سئل عن القنطار ما هو؟ فقال : هو مثل دية أحدكم .
ثم قال تعالى : { والخيل المسومة } يعني الراعية كما قال في آية أخرى { فِيهِ تُسِيمُونَ } أي ترعون . وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل .
وقال يحيى بن كثير : هي السمينة المصورة . وقال أبو عبيدة المُعْلَمة . { والانعام } يعني الإبل والبقر والغنم { والحرث } يعني الزرع ، ذكر أربعة أصناف كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس ، أما الذهب والفضة ، فيتمول به التجار ، وأما الخيل المُسَوَّمة ، فيتمول بها الملوك ، وأما الأنعام ، فيتمول بها أهل البوادي وأما الحرث فيتمول به أهل الرساتيق ، فيكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول به ، وأما النساء والبنين فهي فتنة للجميع .

(1/246)


ثم زهد في ذلك كله ، ورغب في الآخرة فقال تعالى : { ذلك متاع الحياة الدنيا } أي منفعة الحياة الدنيا تذهب ، ولا تبقى { والله عِندَهُ حُسْنُ المأب } أي المرجع في الآخرة الجنة ، لا تزول . ولا تفنى . ثم بَيّن أن الذي وعد المؤمنين في الآخرة ، خير مما زين للكفار فقال تعالى : { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } أي من الذي زين للناس في الدنيا { لّلَّذِينَ اتقوا } الشرك والفواحش والكبائر . ويقال للذين اتقوا الزينة ، فلا تشغلهم عن طاعة الله { عِندَ رَبّهِمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } يعني البساتين تجري من تحت شجرها ، ومساكنها الأنهار ، فهو خير من الزينة الدنيوية وما فيها .
وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لَشِبْرٌ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا » قال : { خالدين فِيهَا } يعني مقيمين فيها أبداً { وأزواج مُّطَهَّرَةٌ } معناه في الخَلْق والخُلُق ، فأما الخَلْقُ فإنهن لا يَحضنَ ولا يتمخَّطْن ، ولا يأتين الخلاء ، وأما الخُلُق ، فإنهن لا يَغِرْن ولا يحسدن ، ولا ينظرن إلى غير أزواجهن { ورضوان مّنَ الله } أي مع هذه النعم لهم رضوان من الله ، وهو من أعظم النعم كما قال في آية أخرى { وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ورضوان مِّنَ الله أَكْبَرُ ذلك هُوَ الفوز العظيم } [ التوبة : 72 ] قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَرُضْوَان بضم الراء ، والباقون بالكسر ، وهما لغتان ، وتفسيرهما واحد { والله بَصِيرٌ بالعباد } أي عالم بأعمالهم وثوابهم .
ثم وصفهم فقال تعالى : { الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا } أي صَدَّقْنَا { فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } أي : خطايانا التي كانت في الشرك وفي الإسلام { وَقِنَا عَذَابَ النار } يعني ادفع عنا عذاب النار { الصابرين } يعني الجنة التي ذكر للذين اتقوا الشرك ، وللصابرين الذين يصبرون على طاعة الله ، ويصبرون على المعاصي ، ويصبرون على ما أصابهم من الشدة والمصيبة . { والصادقين } يعني الصادقين في إيمانهم ، وفي قلوبهم ، وفي وعدهم بينهم وبين الناس ، وبينهم وبين الله تعالى . ثم قال : { والقانتين } يعني المطيعين لله تعالى { والمنافقين } الذي يتصدقون من أموالهم في سبيل الله { والمستغفرين بالاسحار } يعني يصلون لله عند الأسحار . ويقال : يصلون لله بالليل ، ويستغفرون عند السَّحَر .

(1/247)


شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)

{ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ } يعني أن الله تعالى قَبْل أن يخلق الخلق شهد أن لا إله إلا هو { والملئكة } ولما خلق الملائكة شهدوا بذلك ، ثم لما خلق الله المؤمنين شهدوا بمثل ذلك وهم { أُوْلُو * العلم } يعني المؤمنين شهدوا بذلك { قَائِمَاً بالقسط } يعني الله قائماً بالعَدْل على كل نفس . ويقال : من أقرّ بهذه الشهادة على عقد قلبه ، فقد قام بالعدل . وقال مقاتل : سبب نزول هذه الآية أن عبد الله بن سلام وأصحابه ، قالوا لرؤساء اليهود اتبعوا دين محمد صلى الله عليه وسلم . فقالت اليهود : ديننا أفضل من دينكم . فقال الله عز وجلَّ : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ * العلم } يشهدون بذلك ، وأولو العلم بالتوراة يشهدون بذلك ، ويشهدون أن الله قائم بالقسط ، أي بالعدل ، وأن الدين عند الله الإسلام .
قال الكلبي : وفيه وجه آخر وذلك أنه لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، قدم عليه حَبْران من أحبار الشام ، فلما نظرا إلى المدينة قال أحدهما لصاحبه : ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان ، فلما دخلا عليه قالا له : أنت محمد؟ قال : «نَعَمْ» . قالا : وأنت أحمد؟ قال : " أَنا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ " قالا : أَخْبِرْنا عن أعظم الشهادة في كتاب الله تعالى ، فنزلت هذه الآية { شَهِدَ الله } . . . الخ . فأسلم الرجلان وصدَّقا أن الدين عند الله الإسلام .
وروي عن أبي عبيدة أنه قال : شَهِدَ الله يعني عَلِم الله وبَيَّن الله ، فالله عز وجل دَلَّ على توحيده بجميع ما خلق ، فبيّن أنه لا يقدر أحدٌ أن ينشىء شيئاً واحداً مما أنشأ الله تعالى ، وشَهِدت الملائكة بما علمت من عظيم قدرته ، وشهد أولو العلم بما ثبت عندهم ، وتبين من خلقه الذي لا يقدر غيره عليه ، وفي هذه الآية بيان فضل أهل العلم ، لأنه ذكر شهادة نفسه ، ثم ذكر شهادة الملائكة ، ثم ذكر شهادة أهل العلم . ثم قال تعالى : { لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم } فشهد بمثل ما شهد من قبل ، لتأكيد الكلام .
وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً ، لكل حي من العرب صنم أو صنمان ، فلما نزلت هذه الآية ، أصبحت تلك الأصنام كلها قد خرت ساجدة .

(1/248)


إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)

ثم قال عز وجل { إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام } قرأ الكسائي إنَّ الدين بالنصب على معنى البناء يعني شهدوا أنه لا إله إلا هو ، وأَنَّ الدين عند الله الإسلام ، والباقون بالكسر على معنى الابتداء ، ومعناه إن الدين المرضيَّ عند الله الإسلام { وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب } في هذا الدين { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ } يعني بيان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم اليهود والنصارى ، فلما بعث الله تعالى محمداً ، كفروا حسداً منهم ، هكذا قال مقاتل . ويقال : إنهم كانوا مسلمين ، وكانا يسمّون بذلك ، وكان عيسى عليه السلام سمى أصحابه مسلمين ، فحسدتهم اليهود لمشاركتهم في الاسم فغيَّروا ذلك الاسم ، وسُمُّوا يهوداً ، وأما النصارى فغيرهم عن ذلك الاسم بولس ، وسماهم نصارى ، فذلك قوله : { وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ } يعني غَيّروا الاسم حسداً منهم ثم قال : { وَمَن يَكْفُرْ بآيات الله فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } لأنه قد جاء في آية أخرى { وَلِلَّهِ غَيْبُ السماوات والارض وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } [ النحل : 77 ] وقوله : { سَرِيعُ الحساب } يعني سريع المجازاة ويقال سريع التعريف للعامل عمله ، لأنه عالم بجميع ما عملوا ، لا يحتاج إلى إثبات شيء ، وتذكر شيء . ويقال : إذا حاسب ، فحسابه سريع يحاسب جميع الخلق في وقت واحد ، كل واحد منهم يظن أنه يحاسبه خاصة .

(1/249)


فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)

ثم قال تعالى : { فَإنْ حَاجُّوكَ } أي خاصموك وجادلوك في الدين { فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } أي أخلصت ديني لله . وقال الزجاج : إن الله تعالى أمر نبيه أن يحتج على أهل الكتاب والمشركين ، بأنه اتبع أمر الله الذي هم أجمعون مقرون . أنه خالقهم ورازقهم ، فأراهم الآيات والدلالات بأنه رسوله . وقوله : { أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } أي قصدت بعبادتي الله ، وأقررت بأنه لا إله غيره { و } كذلك { مِنْ اتبعن } وقال القتبي : معنى أسلمت وجهي لله ، يعني أسلمت لله ، والوجه زيادة كما قال : كل شيء هالك إلا وجهه ، يعني إلا هو { وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب } يعني أُعْطُوا التَّوْرَاة والإنْجيل { والاميين } يعني مشركي العرب { ءأَسْلَمْتُمْ } يعني أخلصتم بالتوحيد . ويقال : اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الأمر ، فكأنه يقول أَسْلِمُوا ، كما قال في آية أخرى : فهل أنتم منتهون؟ يعني انتهوا . وقال في آية أخرى : { أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ المائدة : 74 ] ، أي توبوا إلى الله . { فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا } يعني أخلصوا بالتوحيد وأسلموا وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب ، فقد اهتدوا من الضلالة { وَإِن تَوَلَّوْاْ } يقول إن أَبَوا أن يُسلموا { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ } بالرسالة { والله بَصِيرٌ بالعباد } يعني بأعمالهم ، ومعناه ليس عليك من عملهم شيء وإنما عليك التبليغ ، وقد فَعلتَ ما أمرتَ به .

(1/250)


إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)

{ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله } يعني يجحدون بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم { وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ } يعني يتولون آباءهم بالقتل ، ويرضون بذلك .
قرأ حمزة يقاتلون بألف من المقاتلة ، والباقون بغير ألف ، وقرأ نافع النبيئين بالهمزة . وقرأ الباقون بغير همز { وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس } يعني بالعدل ، وهم مؤمنو بني إسرائيل يأمرونهم بالمعروف ، فكانوا يقتلونهم ، فعَيَّرهم الله بذلك ، وأوعدهم النار فقال : { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي وجيع ويقال : أليم يعني مؤلم { أُولَئِكَ الذين حَبِطَتْ أعمالهم } يعني بطل ثواب حسناتهم ، فلا ثواب لهم { فِي الدنيا والاخرة وَمَا لَهُم مّن ناصرين } يعني مانعين يمنعونهم من النار .

(1/251)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } يعني أُعْطُوا حظاً من علم التوراة قال مقاتل : نزلت في كعب بن الأشرف ، وجماعة منهم حين قالوا؛ نحن أَهْدَى سبيلاً ، وما بعث الله رسولاً بعد موسى عليه السلام فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : « أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَقْولُ لَكُمْ حَقٌّ فأَخْرِجُوا التَّورَاةَ » ، فأَبَوا . فأنزل الله تعالى هذه الآية { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } { يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ } وقال الكلبي : نزلت في يهوديين من أهل خيبر زَنَيا ، وكان الحكم في كتابهم الرجم ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقضى عليهما بالرجم فقالوا : ليس هذا بحكم الله ، فدعا بالتوراة ، ودعا بابن صوريا ، وكان يسكن فَدَك ، وكان أعور ، فحلَّفه بالله ، فأقرّ بالقصة ، فأنزل الله تعالى { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله } الآية . ثم قال : { ذلك } أي ذلك الجزاء . قال مقاتل فيها تقديم وتأخير ، ومعناه فبشرهم بعذاب أليم { ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار } ويقال : إنما جزاؤهم خلاف الكتاب ، لأنهم قالوا لن تمسنا النار { إِلا أَيَّامًا معدودات } يعني أربعين يوماً على عدد أيام عبادة العجل ويقال على عدد أيام الدنيا . ويقال : إن مذهبهم كان مذهب جَهْم ، لأنهم لا يرون الخلود في النار { وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم } عَفْوُ الله عنهم بتأخير العذاب { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي يكذبون على الله ، وهو قولهم { وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المصير } [ المائدة : 18 ] ، فذلك قولهم الذي غرهم .

(1/252)


فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)

ثم خوَّفهم فقال تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم } فقال فكيف يصنعون وكيف يحتالون إذا جمعناهم؟ { لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } يعني يوم القيامة ، لا شك فيه عند المؤمنين ، بأنه كائن { وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي وفيت وأُعْطِيَتْ كل نفس ثواب ما عملت { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي لا يُنْقَصُون من ثواب أعمالهم شيء .

(1/253)


قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)

{ قُلِ اللهم مالك الملك } قال ابن عباس في رواية أبي صالح : نزلت في شأن المنافقين ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة قال عبد الله بن أبي رأس المنافقين : إن محمداً يتمنى أن ينال ملك فارس والروم وأنَّى له ذلك؟ فنزلت هذه الآية .
وقال بعضهم سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه ، أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته ، فعلمه الله بأن يدعو بهذا الدعاء ، وهو قول مقاتل وقال بعضهم : إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بحفر الخندق ، فظهر في الخندق صخرة عجزوا عن حفرها ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول ، وضرب ضربة ، فظهر من تلك الصخرة نور فقال له سلمان : رأيت شيئاً عجيباً . فقال له النبي : « هَلْ رَأَيْتَ ذلك » ؟ قال : نعم . فقال : رأيت في ذلك النور قصور أهل الشام ، ثم ضرب ضربة أخرى ، فظهر أيضاً كذلك . فقال : رأيت قصور أهل فارس . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سَيَظْهَرُ لأُمَّتِي مُلْكُ الشَّامِ ، وَمُلْكُ فَارِسَ » فقال المنافقون : إن محمداً لا يأمن على نفسه ، واضطر إلى حفر الخندق ، فكيف يتمنى ملك الشام وفارس ، فنزلت هذه الآية .
وقال بعضهم إن مشركي مكة قالوا : إن فارس والروم يبيتان في الحرير والديباج ، فلو كان هو نبياً ، كيف ينام على الحصير؟ فنزلت هذه الآية { قُلِ اللهم مالك الملك تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء } وأصل اللهم في اللغة يا الله أمنا بخير ، أي اقْصِدْنا بالرحمة ، ولكن لما كثر استعمال هذا اللفظ في الناس صارت الكلمتان ككلمة واحدة . فقال : { اللهم } ، يعني اللهم يا مالك الملك ، { تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء } يعني تؤتي محمداً صلى الله عليه وسلم ومن تبعه { وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء } من فارس والروم { وَتُعِزُّ مَن تَشَاء } يعني أهل الإسلام { وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } يعني أهل الشرك والطغيان { بِيَدِكَ الخير } يعني النصرة والغنيمة والعز { إِنَّكَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } من الذل والعز وقال الضحاك : تؤتي الملك من تشاء ، يعني الإسلام ، وتعز من تشاء بالإسلام ، وتذل من تشاء بالشرك ، بيدك الخير ، يعني الهداية والسعادة ، إنك على كل شيء قدير .
وقال الزَّجَّاج : تؤتي الملك من تشاء ، معناه تولي الملك من تشاء أن تؤتيه ، وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه ، إلا أنه حذف الهاء ، لأن في الكلام دليلاً عليه . قال مقاتل : وقد قيل في الملك قولان : أحدهما هو المال والعبيد ، والآخر من جهة الغلبة بالدين ثم قال تعالى { تُولِجُ اليل فِى النهار } يعني ما نقص من الليل دخل في النهار ، حتى يبلغ خمسة عشرة ساعة هو أطول ما يكون ، والليل تسع ساعات ، وهو أقصر ما يكون { وَتُولِجُ النهار فِى اليل } يعني أن ما نقص من النهار دخل في الليل ، حتى يصير الليل خمس عشرة ساعة ، والنهار تسع ساعات .

(1/254)


وهو قول الكلبي . ويقال : { تُولِجُ اليل فِى النهار } أي تذهب بالليل ، وتجيء بالنهار ، وتذهب بالنهار ، وتجيء بالليل ، هكذا إلى أن تقوم الساعة . ثم قال { وَتُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } فقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص المَيِّت بالتشديد ، والباقون المَيْت بالتخفيف ، وهما لغتان ومعناهما واحد .
قال الكلبي : يعني تخرج البيضة ، وهي ميتة من الطير ، وهو حي ، وتخرج الطير الحي من البيضة الميتة ، وتخرج النطفة ، وهي ميتة من الإنسان الحي ، وتخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة ، وتخرج الحبة من السنبلة إلى آخره . وقال الحسن البصري : يخرج المؤمن من الكافر ، ويخرج الكافر من المؤمن . ويقال : يخرج الجاهل من العالم ، ويخرج العالم من الجاهل . وروى معمر عن الزهري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على بعض نسائه ، فإذا بامرأة حسنة الهيئة فقال : «مَنْ هذه؟» قالوا إحدى خالاتك . قال : «وَمَنْ هِيَ؟» قالوا هي خالدة بنت الأَسْوَد بن عَبْد يغوث . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ " ، وكانت امرأة صالحة ، وكان أبوها كافراً . ثم قال تعالى : { وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } يعني من غير أن تحاسب في الإعطاء ، فكأنه يقول : ليس فوقه من يحاسبه في الإعطاء . كما قال تعالى : { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْألُونَ } [ الأنبياء : 23 ] ويقال : من غير أن يحاسبه في الإعطاء . ويقال : بغير تقتير . ويقال : بغير حساب كما قال ويرزقه من حيث لا يحتسب .

(1/255)


لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)

ثم قال تعالى : { لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء } قال ابن عباس في رواية أبي صالح : نزلت في شأن المنافقين عبد الله بن أَبيّ ابن سلول وأصحابه من أهل النفاق ، وكانوا قد أظهروا الإيمان ، وكانوا يتولون اليهود في العون والنصرة ، ويأتونهم بالأخبار ، ويرجون أن يكون لهم ظفر على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال مقاتل : نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، ممن كانوا يظهرون المودة لكفار مكة ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال : { لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء } ، فهذا نهي بلفظ المغايبة ، يعني لا يتخذونهم أولياء في العون والنصرة { مِن دُونِ المؤمنين وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَىْء } يعني ليس في ولاية الله من شيء . ويقال : ليس في دين الله من شيء ، لأن ولي الكافر يكون راضياً بكفره ، ومن كان راضياً بكفره ، فهو كافر مثله كقوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } [ امائدة : 51 ] .
ثم استثنى لما علم أن بعض المسلمين ، ربما يُبْتَلون في أيدي الكفار فقال تعالى : { إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة } . قرأ يعقوب الحضرمي تقية ، وقراءة العامة تقاة ، ومعناهما واحد ، يعني يرضيهم بلسانه ، وقلبه مطمئن الإيمان ، فلا إثم عليه كما قال الله تعالى في آية أخرى { مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ النحل : 106 ] قرأ حمزة والكسائي { تقاة } بالإمالة . وقرأ الباقون بتفخيم الألف ثم قال : { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } يعني يخوّفكم الله بعقوبته ، أي الذي يتخذ الكافر وليّاً بغير ضرورة ، وهذا وعيد لهم . ويقال : إذا كان الوعيد مبهماً ، فهو أشد ثم قال تعالى : { وإلى الله المصير } أي مرجعكم في الآخرة ، فيجازيكم بأعمالكم .

(1/256)


قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)

{ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ } يقول : إن تسروا ما في قلوبكم من النكوث ، وولاية الكفار { أَوْ تُبْدُوهُ } يعني تعلنوه للمؤمنين { يَعْلَمْهُ الله } لأن الله عليم { وَيَعْلَمُ مَا فِى * السموات وَمَا فِي الارض } من عمل ، فليس يخفى عليه شيء { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } من السر والعلانية ، والعذاب والمغفرة قدير { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } في الدنيا { مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا } يعني تجد ثوابه حاضراً ، ولا ينقص من ثواب عمله شيء { وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء } يعني من شر في الدنيا { تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا } يعني تتمنى النفس أن تكون بينها ، وبين ذلك العمل أجلاً بعيداً ، كما بين المشرق والمغرب ، ولم تعمل ذلك العمل قط ثم قال : { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } أي عقوبته في عمل السوء { والله رَءوفٌ بالعباد } قال ابن عباس : يعني بالمؤمنين خاصة ، وهو رحيم بهم .
ويقال : رؤوف بالذين يعملون السوء ، حيث لم يعجّل بعقوبتهم . ويقال : ذكر في أول هذه الآية عدله عز وجل في قوله : { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا } ، وفي وسطها تخويف وتهديد وهو قوله { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } وفي آخرها ذكر رأفته ورحمته وهو قوله { والله رَءوفٌ بالعباد } .

(1/257)


قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)

ثم قال : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا كعب بن الأشرف وأصحابه إلى الإسلام ، قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، يعني نحن في المنزلة بمنزلة الأبناء ، ولنحن أشدّ حباً لله . فقال الله لنبيه : قل إن كنتم تحبون الله تعالى : { فاتبعونى } على ديني ، فإني رسول الله أؤدي رسالته { يُحْبِبْكُمُ الله } .
قال الزجاج : تحبون الله ، أي تقصدون طاعته ، فافعلوا ما أمركم الله عز وجل ، لأن محبة الإنسان لله وللرسول طاعته له ، ورضاه بما أمر ، والمحبة من الله عفوه عنهم ، وإنعامه عليهم برحمته . { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ويقال : الحب من الله عصمته وتوفيقه ، والحب من العباد طاعة كما قال القائل :
تَعْصي الإله وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّه ... هَذَا لَعَمْرِي في القِيَاسِ بديعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَه ... إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطيعُ
فلما نزلت هذه الآية قالوا : إن محمداً يريد أن نتخذه حناناً ، كما اتخذت النصارى عيسى حناناً فنزلت هذه الآية : { قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول } فقرن طاعته بطاعة رسوله رغماً لهم ، ويقال : أطيعوا الله فيما أنزل ، والرسول فيما بَيّن { فَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني إن أعرضوا عن طاعتهما { فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين } أي لا يغفر لهم .

(1/258)


إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)

{ إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إبراهيم } يعني اختاره ويقال : اختار دينه ، وهو دين الإسلام .
ويقال : قد اختاره لخمسة أشياء : أولها أنه خلقه بأحسن صورة بقدرته . والثاني أنه علّمه الأسماء كلها . والثالث أنه أمر الملائكة أن يسجدوا له . والرابع أسكنه الجنة . والخامس جعله أباً للبشر ، واختار نوحاً عليه السلام بخمسة أشياء : أولها أنه جعله أباً للبشر ، لأن الناس كلهم غرقوا ، فصارت ذريته هم الباقين . والثاني أنه أطال عمره . ويقال : طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمرهُ ، وحَسُن عَمَلُهُ . والثالث أنه استجاب دعاءه على الكفار والمؤمنين . والرابع أنه حمله على السفينة . والخامس أنه كان أول من نسخ الشرائع ، وكان قبل ذلك لم يحرم تزوج الخالات والأخوات والعمات ، واختار آل إبراهيم عليه السلام بخمسة أشياء : أولها أنه جعله أبا الأنبياء ، لأنه روي أنه خرج من صلبه ألف نبي من زمانه إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم . والثاني أنه اتخذه خليلاً ، والثالث أنه أنجاه من النار والرابع أنه جعله للناس إماماً ، والخامس أنه ابتلاه الله بخمس كلمات ، بكلمات ، فوفقه حتى أتمَّهن ثم قال : { إِنَّ الله } قال مقاتل : يعني به أبا موسى وهارون . وقال الكلبي : هو عمران أبو مريم ، وهو من ولد سليمان النبي عليه السلام فإنه أراد به آل موسى وهارون ، إنما كان اختارهما على العالمين ، حيث بعث على قومه المن والسلوى ، ولم يكن ذلك لأحد من الأنبياء في العالم ، وإن أراد به أبا مريم ، فإنه اصطفى آله ، يعني مريم بولادة عيسى عليه السلام بغير أب ، ولم يكن ذلك لأحد في العالم . وقال الكلبي : يعني اختار هؤلاء الذين ذكروا في هذه الآية { عَلَى العالمين } يعني عالمي زمانهم .

(1/259)


ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)

ثم قال تعالى : { ذُرّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } أي بعضهم على إثر بعض . ويقال : بعضهم على دين بعض . { والله سَمِيعٌ } لقولهم عليم بهم وبدينهم . ويقال : قوله { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، انصرف إلى ما بعده ، أي سميع بقول امرأة عمران { إِذْ قَالَتِ امرأت عمران } وهي حنة أم مريم امرأة عمران بن ماثان ، وذلك أنها لما حبلت ، قالت : لئن نجَّانِي الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرَّراً ، والمحرر من لا يعمل للدنيا ، ولا يتزوج ، ويتفرغ لعمل الآخرة ، ويلزم المحراب ، فيعبد الله تعالى فيه ، وهذا قول مقاتل .
وقال الكلبي : محرراً ، أي خادماً لبيت المقدس ، ولم يكن محرراً إلا الغلمان . فقال لها زوجها : إن كان الذي في بطنك أنثى ، والأنثى عورة ، فكيف تصنعين؟ فاهتمت بذلك وقالت : يا { رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ } وأنت تعلم { مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } السميع لدعائي العليم بنيتي ، وما في بطني { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } أي ولدت فإذا هي أنثى { قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى } يعني ولدتها جارية { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر ، والله أعلم بما وَضَعْتُ ، بجزم العين ، وضم التاء ، يعني أن المرأة قالت : والله أعلم بما وَضَعْتُ ، والباقون بنصب العين وسكون التاء ، فيكون هذا قول الله إنه يعلم بما وضعت تلك المرأة . ثم قال تعالى : { وَلَيْسَ الذكر كالانثى } في الخدمة .
قال بعضهم : هذا قول الله لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وليس الذكر كالأنثى يا محمد . وقال بعضهم : هي كلمة المرأة ، أنها قالت : وليس الذكر كالأنثى في الخدمة . وقال مقاتل : فيها تقديم ، فكأنه يقول : قالت رب إني وَضعَتُهَا أُنْثى ، وليس الذكر كالأنثى ، والله أعلم بما وضعت ، ثم قالت : { وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } يعني خادم الرب بلغتهم { وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ } يعني أعصمها وأمنعها بك { وَذُرّيَّتَهَا } إن كان لها ذرية { مِنَ الشيطان الرجيم } يعني الملعون . ويقال : المطرود من رحمة الله . ويقال : الرجيم بمعنى المرجوم كما قال : { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير } ر ز س [ الملك : 5 ] .
حدثنا أبو الليث ، قال : حدثنا الخليل بن أحمد القاضي . قال : حدثنا أبو العباس قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَا مِنْ مَوُلُودٍ يُولَدُ إلاَّ والشَّيْطَانُ يَنْخَسُهُ حِينَ يُولَدُ ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخَاً مِنْ الشَّيْطَانِ ، إلاَّ مَرْيَمَ وَاْبْنَها عِيسَى عَلَيْهِما السَّلامُ » ، قال أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم : { وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم } وقال الزجاج : معنى قوله { إِذْ } يعني إن الله اختار آل عمران ، { إِذْ قَالَتِ امرأت عمران } : واصطفاهم ، إذ قالت الملائكة .

(1/260)