صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)

قوله تعالى : { وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ } ، قرأ الشعبي : { والعمرة لِلَّهِ } بالضم على معنى الابتداء ، وقرأ العامة { والعمرة } بالنصب على معنى البناء . قال ابن عباس : تمام العمرة إلى البيت ، وتمام الحج إلى آخر الحج . وقال مقاتل : { وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ } من المواقيت ، ولا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم؛ وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم . ومعنى قول مقاتل : أنهم كانوا يشركون فيقولون : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك . فقال : وأتموهما ولا تخلطوا بهما شيئاً آخر . ثم خوَّفهم فقال : { واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } ، فيما تعديتم .
ثم قال عز وجل : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } ، أي حبستم عن البيت بعدما أحرمتم . وقال القتبي : الإحصار هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عدو . وقال الفراء : الإحصار ما ابتلي به الرجل في إحرامه من المرض أو العدو وغيره . وقال بعضهم : لا يكون الإحصار إلا من العدو . وقال بعضهم : يكون من العدو وغيره ، وبه قال علماؤنا رحمهم الله .
ثم قال : { فَمَا استيسر مِنَ الهدى } ، أي ابعثوا إلى البيت ما استيسر من الهدي ، والله تعالى رخص لمن عجز عن الوصول إلى البيت بالعدو أن يبعث الهدي ، فينزع عنه بمكة ، ويحل الرجل من إحرامه إذا ذبح هديه ، ويرجع إلى أهله ، ثم يقضي حجه وعمرته بعد ذلك . ثم قال تعالى : { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ } ، يعني المحصر إذا بعث بالهدي ، لا يجوز له أن يحل من إحرامه ما لم يذبح هديه . يقول : لا يحلق رأسه ، حتى يكون اليوم الذي واعده فيه ، ويعلم أن هديه قد ذبح . ثم صار هذا أصلاً لجميع الحجاج من كان قارناً أو متمتعاً ، لا يجوز له أن يحلق رأسه إلا بعد أن يذبح هديه وإن لم يكن محصراً .
ثم قال تعالى : { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ } ، يعني إذا حلق رأسه على وجه الإضمار مثل قوله تعالى : { أَيَّامًا معدودات فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 184 ] يعني إذا كان أفطر . وروي عن كعب بن عجرة أنه قال : فيَّ نزلت هذه الآية . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بي والقمل يتناثر على وجهي ، فقال : « أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ » فقلت : نعم . فأمر بي بأن أحلق رأسي فقال : « احْلِقْ رَأْسَكَ ، وَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِين ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ ، أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَنْسِكْ نَسِيكَةً »

(1/164)


يعني اذبح شاة ، فنزلت هذه الآية : { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } ، أي شاة يذبحها حتى يبلغ الهدي محله . ويروى عن عبد الرحمن الأعرج أنه قرأها : بتشديد الياء . وواحدها هدية . وقرأ الباقون : بالتخفيف يقال للواحدة : هدي وهدية .
ثم قال : { فَإِذَا أَمِنتُمْ } وهذا على سبيل الاختصار والإضمار . ومعناه فإذا أمنتم من العدو ، فاقضوا ما وجب عليكم من الحج والعمرة . ويقال : إذا أمنتم من العدو وبرأتم من المرض ، فحجوا واعتمروا . { فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج فَمَا استيسر مِنَ الهدى } ، يعني فعليه ما تيسر من الهدي؛ وللمتمتع أن يحج ويعتمر في سفرة واحدة من أشهر الحج . والمحرمون أربعة : مفرد بالحج ومفرد بالعمرة والمتمع والقارن ، فأما المفرد بالحج أن يحج ويعتمر والمفرد بالعمرة أن يعتمر ولا يحج ، وأما المتمتع أن يعتمر في أشهر الحج ويمكث بمكة حتى يحج بعدما فرغ من عمرته ، وأما القارن فهو الذي يحرم بالحج والعمرة جميعاً . فمن كان مفرداً بالحج أو بالعمرة ، فلا يجب عليه الهدي؛ ومن كان متمتعاً أو قارناً ، فعليه الهدي . وقال عبد الله بن عمر أنه قال : الهدي : الجزور . وقال ابن عباس : أقله شاة؛ وبه قال علماؤنا .
ثم قال { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } الهدي { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج } . قال ابن عباس : آخرها يوم عرفة . { وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } . قال بعضهم : إذا رجعتم إلى أهليكم . وقال بعضهم : إذا رجعتم من منى . وقال بعضهم : إذا رجعتم إلى الأمر الأول ، يعني إذا فرغتم من أمر الحج؛ وبهذا القول نقول . ثم قال : { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } ، في البدل يعني العشرة الكاملة كلها بدل عن الهدي ، يعني { ذلك } الفداء { لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام } ، أي ذلك الفداء لمن لم يكن منزله في الحرم . وقال قتادة ومقاتل : ذلك يعني التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام يعني الحرم . { واتقوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه . { واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } إن خالفتم .
{ الحج أَشْهُرٌ معلومات } ، أي وقت الحج أشهر معلومات وهو : شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة . { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج } ؛ قال القتبي : الفرض وجوب الشيء ، يقال : فرضت عليك كذا ، أي أوجبته . قال الله تعالى : { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } ، أي ما ألزمتم أنفسكم ، وقال : { ياأيها النبى إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك اللاتى ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك اللاتى هاجرن مَعَكَ وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ النبى أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فى أزواجهم وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً }

(1/165)


[ الأحزاب : 50 ] ، وقال تعالى : { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج } ، أي فمن أحرم في هذه الأشهر بالحج ، { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ } . قرأ ابن كثير وأبو عمرو : «فَلاَ رِفْثٌ وَلاَ فُسُوقٌ» بالرفع مع التنوين ، والباقون بالنصب بغير تنوين . واتفقوا في قوله : { وَلاَ جِدَالَ } بالنصب؛ غير أبي جعفر المدني فإنه قرأ بالرفع . وهذا يقال له : لا التبرية؛ فكل موضع يدخل فيه لا التبرية ، فصاحبه بالخيار إن شاء نصبه بغير تنوين ، وإن شاء ضمه بالتنوين مثل قوله : { ياأيها الذين ءامنوا أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة والكافرون هُمُ الظالمون } [ البقرة : 254 ] .
وتفسير الرفث هو الجماع كقوله : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فالن باشروهن وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا كذلك يُبَيِّنُ الله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ البقرة : 187 ] ؛ وقال بعضهم : الرفث : التعرض بذكر النساء ، والفسوق : هو السباب ، والجدال : أن تماري صاحبك حتى تغيظه . أي من كان محرماً لا يجامع في إحرامه ولا يسب ولا يماري . ويقال : الفسوق الذبح للأصنام . كقوله تعالى : { قُل لاَ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ الأنعام : 145 ] ، والجدال هو أن قريشاً كانت تقف بالمزدلفة وكانوا يجادلون كل فريق يقولون : نحن أصوب سبيلاً . وروي عن مجاهد أنه قال : قد استقر الحج في ذي الحجة ، فلا جدال فيه؛ وذلك أن المشركين كانوا يحجون عامين في ذي القعدة وعامين في ذي الحجة ، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، بعث أبا بكر ليحج بالناس فوافق ذلك آخر عام ذي القعدة؛ فلما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، وافق ذلك أول عام في ذي الحجة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أَلا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات وَالأَرْضَ " يعني رجع أمر الحج إلى ذي الحجة كما كان ، فنزل : { وَلاَ جِدَالَ فِي الحج } .
ثم قال : { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } ، يعني من ترك الفسوق والمرأة والجدال . { يَعْلَمْهُ الله } ، أي يقبله الله فيجازيكم به . { وَتَزَوَّدُواْ } في سفركم للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة .

(1/166)


{ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى } . قال مقاتل وذلك أن أناساً من أهل اليمن كانوا يخرجون بغير زاد ، ويصيبون من أهل الطريق ظلماً ، فنزلت في شأنهم { وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى } . وقال بعضهم : تزودوا لسفر الدنيا بالطعام ، وتزودوا لسفر الآخرة بالتقوى فإن خير الزاد التقوى . ويقال خير الزاد التقوى ، هو التوكل على الله وأن لا يؤذي أحدٌ لأجل الزاد والطعام . ثم قال : { واتقون يأُوْلِي الالباب } ، يعني اطيعوني يا ذوي الألباب أي العقول فيما أمرتكم به .
{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } ؛ وذلك أنهم كانوا إذا حجوا ، كفوا عن التجارة وطلب المعيشة في الحج ، فلم يشتروا ولم يبيعوا حتى تمضي أيام حجهم ، فجعل الله تعالى لهم رخصة في ذلك فقال تعالى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } ، أي لا مأثم عليكم أن تطلبوا رزقاً من ربكم من التجارة في أيام الحج . وقال مقاتل : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : عن سوق عكاظ وسوق منى وذي المجاز في الجاهلية كنا نقوم في التجارة قبل الحج وبعد الحج ، فهل يصلح لنا البيع والشراء في أيام حجنا؟ فنزلت هذه الآية . ومعنى آخر : ما روي عن عبد الله بن عمر : أن رجلاً سأله فقال : إني رجل أكري الإبل إلى مكة أفيجزيني عن حجي؟ فقال : أولست تلبي ، وتقف بعرفات وترمي الجمار؟ فقال : بلى فقال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل ما سألتني ، فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } . وروي عن ابن عباس نحوه .
ثم قال تعالى : { فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات } ، يقول إذا رجعتم من عرفات بعد غروب الشمس؛ { فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام } ، يعني بالمزدلفة . وقال عطاء : إنما سميت عرفات ، لأن جبريل كان يعلَّم إبراهيم عليه السلام أمور المناسك فكان يقول له : عرفت؟ فيقول : عرفت . فسميت عرفات . وقال ابن عباس : إنما سميت منى ، لأن جبريل قال لآدم عليهما السلام : تمنَّ . قال : أتمنى الجنة . فسميت منى . قال : وإنما سمي الجمع جمعاً ، لأنه اجتمع فيه آدم وحواء والجمع أيضاً : هو المزدلفة وهو المشعر الحرام .
ثم قال : { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } ، يقول : اشكروا الله كما هداكم لدين الإسلام { وَإِن كُنتُمْ } ، أي وقد كنتم { مّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضالين } عن الهدى ، وكانت قريش لا تخرج من الحرم إلى عرفات ، وكان الناس يقفن خارج الحرم من كان من أهل اليمن وغيرهم بعرفات ، ويفيضون منها؛ فأمر الله تعالى قريشاً أن يقفوا من حيث وقف الناس ، ويفيضوا من حيث أفاض الناس؛ فقال تعالى : { ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس واستغفروا الله } تعالى لذنوبكم في الموقف .

(1/167)


{ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } متجاوز عن ذنوبكم . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج بالناس جميعاً إلى عرفات فيقف بها . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنَّ الله تَعَالَى يُبَاهِي مَلائِكَتَهُ بِأَهْلِ عَرَفَات وَيَقُولُ : انْظُرُوا إِلى عِبَادِي جَاؤُوا مِنْ كُلِّ فَجَ عَمِيقٍ شُعْثاً غُبْراً . اشْهَدُوا ، أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ »
ثم قال تعالى : { فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم } ، أي فرغتم من أمر حجكم { فاذكروا الله } باللسان { كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ } في ذلك الموقف { أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } ؛ يقول : أو أكثر ذكراً ، وذلك أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم ، وقفوا بين المسجد الذي بمنى وبين الجبل ، ثم ذكر كل واحد منهم أباه بما كان يعلم منه من الخير ثم يتفرقون ، قال الله تعالى : فَاذْكُرُونِي بالخير { كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ } بالخير ، فإن ذلك الخير مني . وقال عطاء بن أبي رباح : قوله : { كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ } هو كقول الصبي : أبه أبه ، يعني أن الصبي إذا كان أول ما يتكلم فإن أكثر قوله : أب أب . ويقال فاذكروا الله كذكركم آباءكم لأبيكم آدم ، لأنه لا أب له ، بل أشد ذكراً ، لأني خلقته من غير أب ولا أم وخلقتكم من الآباء والأمهات .
ثم قال تعالى : { فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا } ، وهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا : اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وعبيداً وإماءً وأموالاً ، ولم يكونوا يسألون لأنفسهم التوبة ولا المغفرة ، فأنزل الله تعالى : { فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا } . { وَمَا لَهُ فِى الاخرة مِنْ خلاق } ، أي من نصيب . { وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً } ؛ قال ابن عباس : يعني الشهادة والمغفرة والغنيمة { وَفِي الاخرة حَسَنَةً } ، أي الجنة . وقال القتبي : الحسنة النعمة كقوله : { إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ } [ التوبة : 50 ] ، أي نعمة . وقال الحسن البصري : { فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي } ، أي العلم والعبادة { وَفِي الاخرة حَسَنَةً } ، أي الجنة قال الإمام : حسنة الدنيا ، ثوابك ، وقوت من الحلال يكفيك ، وزوجة صالحة ترضيك ، وعلم إلى الحق يهديك ، وعمل صالح ينجيك . وأما حسنة الآخرة فإرضاء الخصومات ، وعفو السيئات ، وقبول الطاعات والنجاة من الدركات ، والفوز بالدرجات { وَقِنَا عَذَابَ النار } ، أي ادفع عنا عذاب النار .
{ أولئك } ، يعني المؤمنين الذين يدعون بهذا الدعاء { لَهُمْ نَصِيبٌ } ، أي حظ { مِمَّا كَسَبُواْ } من حجهم . ويقال : لهم ثواب مما عملوا . وقال قتادة : ذكر لنا أن رجلاً كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة ، فعجِّله لي في الدنيا؛ فأضني الرجل في مرضه حتى نحل جسمه ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فأخبره بأنه كان يدعو بكذا وكذا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :

(1/168)


« يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِعُقُوبَةِ الله تَعَالَى ولكن قُلْ : { رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الاخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار } » فدعا بها الرجل فبرأ .
ثم قال : { والله سَرِيعُ الحساب } ؛ قال الكلبي : إذا حاسب فحسابه سريع . ويقال : والله سريع الحفظ . وقال الضحاك : يعني لا يخالطه العباد في الحساب يوم القيامة ولا يشغله ذلك . ويقال : يحاسب كل إنسان فيظن كل واحد منهم أنه يحاسبه خاصة . وقوله تعالى :

(1/169)


وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)

{ وَاذْكُرُواْ الله فِي أيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ } ، أي معروفات وهي أيام التشريق . وقال القتبي : أيام التشريق . والمعلومات أيام العشر . وقال يحيى بن سعيد : سألت عطاء عن الأيام المعدودات وعن المعلومات ، قال : الأيام المعدودة : أيام النحر ، والمعلومات : أيام العشر . وقال بعضهم الأيام المعدودات أيام التشريق بدليل ما سبق في سياق الآية : { فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } ، والمعلومات : أيام النحر بدليل قوله : { واذكروا الله فى أَيَّامٍ معدودات فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتقى واتقوا الله واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [ البقرة : 203 ] فذكر النحر في تلك الأيام . وقال الضحاك : معنى قوله : { واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات } ، أي معروفات وهي أيام التشريق ، أي كبروا دبر كل صلاة من يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؛ ويقال : { واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات } ، يعني التكبير عند رمي الجمار .
قوله : { فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ } ، أي رجع إلى أهله ، بعدما رمى في يومين وترك الرمي في اليوم الثالث { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } في تعجيله ، { وَمَن تَأَخَّرَ } إلى آخر النفر { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } في تأخيره . { لِمَنِ اتقى } ، يعني قتل الصيد في الإحرام وفي الحرم . وقال قتادة : ذكر لنا أن ابن مسعود قال : إنما جعلت المغفرة لمن اتقى في حجه . ويقال : لمن اتقى بعد انصرافه من حجه عن جميع المعاصي؛ وإنما حذرهم الله تعالى ، لأنهم إذا رجعوا من حجهم ، يجترئون على الله تعالى بالمعاصي ، فحذرهم عن ذلك فقال : { واتقوا الله واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } ، فيجازيكم بأعمالكم .

(1/170)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)

{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُه } ، يعني كلامه وحديثه ، وهو أخنس بن شريق ، كان حلو الكلام ، حلو المنظر ، فاجر السريرة . وروى أسباط عن السدي قال : أقبل أخنس بن شريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال : إنما جئت أريد الإسلام وقال : الله يعلم أني صادق ، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ثم خرج من عنده ، فمر بزرع للمسلمين فأحرقه ، ومر بحمار للمسلمين فعقره ، فنزلت هذه الآية : { وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الحياة الدنيا } ، أي يعجبك كلامه وحديثه . { وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ } من الضمير أنه يحبه وهو يريد الإسلام { وَهُوَ أَلَدُّ الخصام } ، أي شديد الخصومة . قال القتبي : أي أشدهم خصومة . يقال : رجل ألد بين اللّد واللدد ، وقوم لد . كما قال في آية أخرى : { فَإِنَّمَا يسرناه بِلَسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المتقين وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً } [ مريم : 97 ] .
ثم قال : { وَإِذَا تولى سعى فِى الارض } ، يقول : إذا فارقك رجع عنك ، سعى في الأرض ، أي مضى في الأرض بالمعاصي . { لِيُفْسِدَ فِيهَا } ، أي يعصي الله في الأرض { وَيُهْلِكَ الحرث والنسل } ، أي يحرق الكدس ويعقر الدواب . { والله لاَ يُحِبُّ الفساد } ، أي لا يرضى بعمل المعاصي .
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله } في صنعك ، { أَخَذَتْهُ العزة } ، أي الحمية { بالإثم } ، يعني الحمية في الإثم ، يعني تكبراً . يقول الله تعالى : { فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد } ، أي ولبئس الفراش ولبئس القرار . فهذه الآية نزلت في شأن أخنس بن شريق ، ولكنها صارت عامة لجميع الناس؛ فمن عمل مثل عمله ، استوجب تلك العقوبة . وقال بعض الحكماء ، إن من يقتل حماراً ويحرق كدساً ، استوجب الملامة ولحقه الشين إلى يوم القيامة؛ فالذي يسعى بقتل مسلم كيف يكون حاله؟ وذكر أن يهودياً كانت له حاجة إلى هارون الرشيد ، فاختلف إلى بابه سنة ، فلم تنقض حاجته؛ فوقف يوماً على الباب ، فلما خرج هارون الرشيد سعى ووقف بين يديه وقال : اتق الله يا أمير المؤمنين . فنزل هارون عن دابته وخرّ ساجداً لله تعالى ، فلما رفع رأسه أمر به ، فقضيت حاجته . فلما رجع قيل : يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك بقول يهودي؟ قال : لا ولكن تذكرت قول الله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم } إلى آخره . وقال قتادة : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِذَا دُعِيْتُمْ إلى الله فَأَجِيبُوا ، وإِذَا سُئِلْتُم بالله فَأَعْطُوا؛ فإِنَّ المُؤْمِنِينَ كَانُوا كَذَلِكَ » .

(1/171)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)

ثم قال تعالى : { وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغاء مَرْضَاتِ الله } . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في شأن صهيب بن سنان الرومي ، مولى عبد الله بن جدعان ، وفي نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ياسر أبو عمار بن ياسر ، وسمية أم عمار ، وخباب بن الأرت وغيرهم؛ أخذهم المشركون فعذبوهم . فأما صهيب فإنه كان شيخاً كبيراً وله مال ومتاع ، فقال لأهل مكة : إني شيخ كبير ، وإني لا أضركم إن كنت معكم أو مع عدوكم ، فأنا أعطيكم مالي ومتاعي وذروني وديني ، أشتريه منكم بمالي . ففعلوا ذلك ، فأعطاهم ماله إلا مقدار راحلته ، وتوجه إلى المدينة ، فلما دخل المدينة لقيه أبو بكر فقال له : ربح البيع يا صهيب . فقال له : وبيعك فلا يخسر . فقال : وما ذلك يا أبا بكر فأخبره بما نزل فيه ففرح بذلك صهيب . وقتل ياسر أبو عمار وأم عمار سمية ، فنزلت هذه الآية في شأن صهيب { وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغاء مَرْضَاةَ الله } ، أي يشري نفسه ودينه . وهذا من أسماء الأضداد ، يقال : شرى واشترى وباع وابتاع . { ابتغاء مَرْضَاة الله } ، أي طلب يشتري نفسه ودينه رضاء الله . { والله رَءوفٌ بالعباد } ، أي رحيم بهم . ثم صارت هذه الآية عامة لجميع الناس؛ من بذل ماله ليصون به نفسه ودينه ، فهو من أهل هذه الآية .

(1/172)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)

{ بالعباد يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً } . قرأ نافع وابن كثير والكسائي : { السلام } بنصب السين وقرأ الباقون : بالكسر . { والسلام } بالكسر هو الإسلام والسَّلم بالنصب هو المسالمة والصلح . ويقال : السَّلم والسَّلم في اللغة : هو الصلح . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية فيمن أسلم من أهل الكتاب ، كانوا يتقون السبت ، ويحرمون أكل لحوم الجمال فنزلت : { بالعباد يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً } ، أي في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم . { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } ، يعني طاعات الشيطان .
قال مقاتل : استأذن عبد الله بن سلام وأصحابه بأن يقرؤوا التوراة في الصلاة وأن يعملوا ببعض ما في التوراة فنزل قوله : { ادخلوا فِي السلم كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } ، فإن اتباع السنة الأولى بعدما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من خطوات الشيطان . وقال بعضهم : { ادخلوا فِي السلم كَافَّةً } ، أي اثبتوا على شرائع محمد صلى الله عليه وسلم ولا تخرجوا منها .
وقوله : { كَافَّةً } أي عبارة عن الجميع ، فيجوز أن يكون معناه : ادخلوا جميعاً ويجوز أن يكون معناه : ادخلوا في جميع شرائعه ولا تتبعوا خطوات الشيطان ، أي لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليها الشيطان . { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ، أي ظاهر العداوة { فَإِن زَلَلْتُمْ } ، أي ملتم عن شرائع محمد صلى الله عليه وسلم . { مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات } ، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وشرائعه ، { فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } عزيز بالنعمة حكيم في أمره ، وقال مقاتل أي حكيم حكم عليهم بالعذاب الشديد .

(1/173)


هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)

{ هَلْ يَنظُرُونَ } هل في القرآن على سبعة أوجه في موضع يراد بها ( قد ) ، كقوله : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية } [ الغاشية : 1 ] أي قد أتاك . ومرة يراد بها ( الاستفهام ) ، كقوله { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِىٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ } [ الشورى : 44 ] ومرة يراد بها ( السؤال ) ، كقوله : { فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا } [ الأعراف : 44 ] . ومرة يراد بها ( التفهيم ) ، كقوله : { ياأيها الذين ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الصف : 10 ] ومرة يراد بها ( التوبيخ ) ، كقوله : { هل أنبؤكم على من تنزل الشياطين } [ الشعراء : 221 ] . ومرة يراد بها ( الأمر ) ، كقوله : { إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِى الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } [ المائدة : 91 ] ، أي انتهوا ، ومرة يراد بها ( الجحد ) ، كقوله في هذا الموضع : { أَلِيمٍ هَلْ يَنظُرُونَ } . { إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله } ، أي ما ينظرون . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : هذا من المكتوم الذي لا يفسر . . . وروى عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري قال : قال ابن عباس : تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير يعلمه العلماء ، وتفسير تعرفه العرب ، وتفسير لا يقدر أحد عليه لجهالته ، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل ، ومن ادعى علمه فهو كاذب . وهذا موافق لقوله تعالى : { هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغآء الفتنة وابتغآء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب } [ آل عمران : 7 ] وكذلك هذه الآية سكت بعضهم عن تأويلها وقالوا : لا يعلم تأويلها إلا الله . وبعضهم تأولها فقال : هذا وعيد للكفار ، فقال : { هَلْ يَنظُرُونَ } ، أي ما ينتظرون ولا يؤمنون { إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله } يعني أمر الله تعالى ، كما قال في موضع آخر : { هُوَ الذى أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ديارهم لاًّوَّلِ الحشر مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وظنوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ الله فأتاهم الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين فاعتبروا ياأولى الابصار } [ الحشر : 2 ] ، يعني أمر الله . وقال بعضهم : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله } ، يعني بما وعد لهم من العذاب . { فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام } . يعني في غمام فيه ظلمة . وقيل في ظلل يعني بظلل . وقال : على غمام فيه ظلمة .
{ والملئكة } قرأ أبو جعفر بكسر الهاء ، يعني في ظلل من الغمام وفي الملائكة . قال قتادة : وهي قراءة شاذة؛ والقراءة المعروفة بالضم يعني تأتيهم الملائكة . وقال قتادة { والملئكة } ، يعني تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم . ويقال : يوم القيامة . { وَقُضِىَ الامر } ، أي فرغ مما يوعدون ، يعني دخول أهل الجنة الجنة ودخول أهل النار النار . { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور } ، يعني عواقب الأمور . قرأ حمزة والكسائي وابن عامر { تُرْجَعُ } بنصب التّاء ويكون الفعل للأمور . وقرأ الباقون : بضم التاء على فعل ما لم يسم فاعله .

(1/174)


سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)

قوله تعالى : { سَلْ بَنِى إسراءيل كَمْ آتيناهم } . قال مقاتل : معناه سل علماء بني إسرائيل كما أعطيناهم . { مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ } حين فرق لهم البحر وأغرق عدوهم وأنزل عليهم المن والسلوى . ويقال : { كَمْ آتيناهم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ } ، يعني نعت محمد صلى الله عليه وسلم . ثم قال : { وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله } ، أي يغيّر نعمة الله تعالى . { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } ، يعني يقول إذا لم يشكر نعمة الله ، تزول عنهم النعم ويستوجبوا العقوبة .

(1/175)


زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)

قوله تعالى : { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا } ، قال الكلبي : نزلت في شأن رؤساء قريش ، زين لهم ما بسط لهم في الدنيا من الخير . { وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } في أمر المعيشة ، لأنهم كانوا فقراء .
{ والذين اتقوا } ، أي أطاعوا الله وهم فقراء المؤمنين . { فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة } ، أي فوق المشركين في الجنة والحجة في الدنيا . وقد اختلفوا في قوله : { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } . قال بعضهم : يعني زينها لهم إبليس ، لأن الله تعالى قد زهد فيها وأعلم أنها متاع الغرور ، ولكن الشيطان زيَّن لهم الأشياء ، كما قال في آية أخرى : { وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ } [ النمل : 24 ] وقال في آية أخرى : { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم فَهُمْ يَعْمَهُونَ } [ النمل : 4 ] ، فكان ذلك مجازاة لكفرهم . وقال بعضهم : معناه أن الله تعالى زين لهم ، لأنه خلق فيهم الأشياء العجيبة ، فنظر إليها الذين كفروا فاغتروا بها .
وروي ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يقول الله تعالى لملائكته : لَوْلا أَنْ يَحْزَنَ عَبْدِي المُؤْمِنُ ، لَعَصَبْتُ الكَافِرَ بِعِصَابَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَلَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا صَبّاً » ومصداق ذلك في القرآن { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } [ الزخرف : 33 ] الآية . وقال عليه الصلاة والسلام : « لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ما سَقَى الكافِرَ مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ »
ثم قال تعالى : { والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، أي يرزق من يشاء رزقاً كثيراً لا يعرف حسابه . ويقال : أي يرزقه ولا يطلب منه حسابه بما يرزقه . ويقال : بغير حساب أي ليس له أحد يحاسبه منه بما يرزقه ويقال : بغير حساب أي بغير احتساب . كما قال في آية أخرى { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بالغ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْراً } [ الطلاق : 3 ] . وكل ما في القرآن : { يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، فهو على هذه الوجوه الأربعة .

(1/176)


كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)

قوله : { كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } . قال الزجاج : الأمة على وجوه منها القرن من الناس ، كما يقال : مضت أمم أي قرون ، والأمة : الرجل الذي لا نظير له . ومنه قوله تعالى : { إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين } [ النحل : 120 ] والأمة : الدين وهو الذي قال ها هنا : { كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } ، أي على دين واحد وعلى ملة واحدة . وقال بعضهم : كان الناس كلهم على دين الإسلام ، جميع من كان مع نوح في السفينة ثم تفرقوا . { فَبَعَثَ الله النبيين } . وقال بعضهم : كان الناس كلهم كفاراً في عهد نوح وعهد إبراهيم عليهما السلام فبعث الله للناس النبيين إبراهيم وإسماعيل ، ولوطاً وموسى ومن بعدهم { مُبَشّرِينَ } بالجنة لمن أطاع الله ، { وَمُنذِرِينَ } بالنار لمن عصى الله { وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق } ، يقول : بالعدل { لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس } ، أي يقضي بينهم { فِيمَا اختلفوا فِيهِ } من أمور الدين . { وَمَا اختلف فِيهِ } ، أي في الدين . { إِلاَّ الذين أُوتُوهُ } ، يعني أعطوا الكتاب . { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } ، أي البيان من الله . { بَغْياً بَيْنَهُمْ } ، يعني اختلفوا فيه حسداً بينهم . { فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق بِإِذْنِهِ } ، أي هداهم ووفقهم حتى أبصروا الحق من الباطل { بِإِذْنِهِ } بتوفيقه ويقال : برحمته . { والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ، يعني الإسلام . وقال بعضهم : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه أي بعصمته { والله يَهْدِى } أي يوفق من يشاء إلى صراط مستقيم .

(1/177)


أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)

{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } يقول : ظننتم أن تدخلوا الجنة . { وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } من أتباع الرسل من قبلكم ، أي لم يأتكم صفة الذين مضوا من قبلكم ، يعني لم يصبكم مثل الذي أصاب من قبلكم . ويقال : لم تبتلوا بمثل الذي ابتلي من قبلكم . { مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء } . البأساء : الشدة والبؤس ، والضراء : الأمراض والبلاء . { وَزُلْزِلُواْ } ، أي حركوا وأجهدوا ، { حتى يَقُولَ الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } قال مقاتل : يعني شعيب النبي صلى الله عليه وسلم وهو اليسع . وقال الكلبي : هذا في كل رسول بعث إلى أمته ، واجتهد في ذلك حتى قال : { متى نَصْرُ الله } ؟ قال الله تعالى : { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } .
روي عن الضحاك أنه قال : يعني محمداً صلى الله عليه وسلم . ومعنى ذلك أظننتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا كما ابتلي الذين من قبلكم ، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا فيصيبكم مثل ذلك ، حتى يقول : محمد صلى الله عليه وسلم : { متى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } ، يعني فتح الله تعالى قريب ، أي فتح الله تعالى إلى مكة عاجلٌ . وإنما ظهر لهم ذلك في يوم الأحزاب ، فأصابهم خوف شديد وكانوا كما قال الله تعالى : { إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الابصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا } [ الأحزاب : 10 ] ، فصدق الله وعده وأرسل عليهم ريحاً وجنوداً ، وهزم الكفار . فذلك قوله تعالى : { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } قرأ نافع : { حتى يَقُولَ الرسول } بالرفع على معنى المستأنف . وقرأ الباقون : بالنصب على معنى الماضي .

(1/178)


يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)

قوله تعالى : { يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } ؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حثّهم على الصدقة ، قال عمرو بن الجموح : يا رسول الله ، كم ننفق وعلى من ننفق؟ فنزلت هذه الآية : { يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } ، أي ماذا يتصدقون من أموالهم؟ { قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ } ، أي من مال { فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل } ، يعني أنفقوا على الوالدين والقرابة وعلى جميع المساكين . فهذا جواب لقولهم : على من ننفق؟ ونزل في جواب قولهم : ماذا ننفق؟ قوله تعالى : { يَسْألُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو كذلك يُبيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } [ البقرة : 219 ] ، أي الفضل من المال ثم نسخ ذلك بآية الزكاة . وقال بعضهم : آية الزكاة نسخت كل صدقة كانت قبلها . وقال بعضهم : هذه الآية ليست بمنسوخة؛ وإنما فيها بر الوالدين وصلة الأرحام . ثم قال تعالى : { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } ، أي يجازيكم به .

(1/179)


كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)

{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال } { أي فرض عليكم القتال . { وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } ، أي شاق عليكم . وذلك أن الله تعالى ، لما أمرهم بالجهاد ، كرهوا الخروج . وإنما كانت كراهيتهم له ، لأنه كان في الخروج عليهم مشقة ، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى : ثم قال : { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا } ، يعني الجهاد . { وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } ، لأن فيه فتحاً وغنيمة وشهادة وفيه إظهار الإسلام . { وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } ، وهو الجلوس عن الجهاد ، لأنه يسلط عليكم عدوكم . { والله يَعْلَمُ } أن الجهاد خير لكم . { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } أن ذلك خير ، حين أحببتم القعود عن الجهاد . ويقال : والله يعلم ما كان فيه صلاحكم وأنتم لا تعلمون . ذلك قوله تعالى .
{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ } . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش مع تسعة رهط ، في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين إلى عير لقريش ، فلقوا العير . وكان ذلك في آخر الشهر ، فأمر عبد الله بن جحش بعض أصحابه ، فحلق رأسه . فلما رآهم المشركون آمنوا وظنوا أنه دخل رجب ، فقاتلهم المسلمون وأخذوا أموالهم ، فعيَّرهم المشركون بذلك ، فنزلت هذه الآية : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ } . قال الزجاج : معناه يسألونك عن القتال في الشهر الحرام . وقال القتبي يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز؟ فأبدل قتالاً من الشهر الحرام . { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } ، أي عظيم عند الله . ثم قال : { وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله } ، يقول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها . { وَكُفْرٌ بِهِ } ، أي بالله تعالى ويقال : { وَكُفْرٌ بِهِ } أي بالحج .
قوله : { والمسجد الحرام } ؛ وإنما صار خفضاً ، لأنه عطف على سبيل الله ، كأنه قال : وصدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وكفر بالله تعالى . { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } . أي من المسجد { أَكْبَرُ عِندَ الله والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل } ، أي أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام . { والفتنة } ، يعني الشرك { أَكْبَرُ مِنَ القتل } ، أعظم عقوبة من القتل في الشهر الحرام . ثم قال : { وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } الإسلام إلى دينهم الكفر . { إِنِ اسْتَطَاعُواْ } ، يعني إن قدروا على ذلك ولكنهم لا يقدرون عليه . ثم هدد المسلمين ليثبتوا على دينهم الإسلام ، فقال تعالى : { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } الإسلام . { فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } بالله تعالى { فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم } ، أي بطلت حسناتهم . { فِى الدنيا والاخرة } ، يعني لا يكون لأعمالهم التي عملوا ثواب ، كما قال في آية أخرى : { وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً }

(1/180)


[ الفرقان : 23 ] ، وقال تعالى : { أولئك الذين كَفَرُواْ بأايات رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً } [ الكهف : 105 ] . { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } ، أي دائمون .
قال الفقيه : حدثنا أبو إبراهيم محمد بن سعيد قال : حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال : حدثنا إبراهيم بن داود قال : حدثنا المقدمي ، عن المعتمر بن سليمان ، عن أبيه قال : حدثنا الحضرمي ، عن أبي السوار ، عن جندب بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رهطاً وبعث عبد الله بن جحش وكتب له كتاباً ، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا وقال : « لَا تُكْرِه أَحَداً مِنْ أَصْحَابِكَ عَلَى المَسِيرِ » فلما بلغ المكان ، قرأ الكتاب فاسترجع ثم قال : السمع والطاعة لله ولرسوله ، فرجع رجلان ومضى بقيتهم ، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب فقال المشركون : قتلهم محمد في الشهر الحرام ، فأنزل الله تعالى الآية : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام } . فقال المشركون : إن لم يكن عليهم وزر فليس لهم أجر .

(1/181)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)

فنزل : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ } من مكة { وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله } ، أي في طاعة الله بقتل ابن الحضرمي . { أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ الله } ، أي ينالون جنة الله . { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بقتالهم في الشهر الحرام ، ثم نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام وصار مباحاً بقوله تعالى : { إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب الله يَوْمَ خَلَقَ السماوات والارض مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلك الدين القيم فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يقاتلونكم كَآفَّةً واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } [ التوبة : 36 ] ؛ فنهاهم الله عن ظلم أنفسهم بالسيئات والخطايا ، وأمرهم بالقتال عاماً . وروى أبو يوسف عن الكلبي أن القتال في الشهر الحرام لا يجوز . وقال أبو جعفر الطحاوي : لا نعلم أن أهل العلم اختلفوا أن قتال المشركين في الشهر الحرام غير جائز . وروي عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن قتال الكفار في الشهر الحرام ، فقال : لا بأس به ، وكذلك قال سليمان بن يسار وغيره .

(1/182)


يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)

ثم قال تعالى : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر } . قال بعض المفسرين : إن الله لم يدع شيئاً من الكرامة والبر ، إلا وقد أعطى هذه الأمة . ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب لهم الشرائع دفعة واحدة ، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة؛ فكذلك في تحريم الخمر ، كانوا مولعين على شربها ، فنزلت هذه الآية { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر } ، أي عن شرب الخمر والميسر هو القمار . { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ } في تجارتهم . { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } . فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير ، ولم يتركها بعض الناس وقالوا : نأخذ منفعتها ونترك إثمها . ثم نزلت هذه الآية : { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ حتى تَغْتَسِلُواْ وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط أَوْ لامستم النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً } [ النساء : 43 ] ، فتركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما يمنعنا عن الصلاة ، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة ، حتى نزل قوله تعالى : { ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والانصاب والازلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ المائدة : 90 ] الآية . فصارت حراماً عليهم حتى كان بعضهم يقول : ما حرم علينا شيء أشد من الخمر . وقيل : إثم كبير في أخذها ومنافع في تركها .
وروي أن الأعشى توجه إلى المدينة ليسلم ، فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب؟ فأخبرهم أنه يريد محمداً صلى الله عليه وسلم . فقالوا : لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة . فقال : إن خدمة الرب واجبة . فقالوا له : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء . فقال : إن اصطناع المعروف واجب . فقيل له إنه ينهى عن الزنى . فقال : إن الزنى فحش قبيح في العقل وقد صرت شيخاً ، فلا أحتاج إليه . فقيل له : إنه ينهى عن شرب الخمر . قال : أما هذا فإني لا أصبر عنه فرجع . وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه ، فلم يبلغ إلى منزله ، حتى سقط عن البعير فانكسر عنقه فمات . وقال بعضهم : في هذه الآية ما يدل على تحريمه ، لأنه سماها إثماً ، وقد حرم الإثم في آية أخرى وهي قوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغى بِغَيْرِ الحق وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سلطانا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 33 ] . وقال بعضهم : أراد بالإثم ، الخمر بدليل قول الشاعر :
شَرِبْتُ الإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الإِثْمُ يَذْهَبُ بِالعُقُولِ
وروي عن جعفر الطيار أنه كان لا يشرب الخمر في الجاهلية ، وكان يقول : الناس يطلبون زيادة العقل ، فأنا لا أنقص عقلي .

(1/183)


وأما الميسر ، فكانوا يشترون جزوراً ويضربون سهامهم ، فمن خرج سهمه أولاً ، يأخذ نصيبه من اللحم ولا يكون عليه من الثمن شيء ، ومن بقي سهمه آخراً ، فكان عليه ثمن الجزور كله وليس له من اللحم شيئاً . وقال عطاء ومجاهد : الميسر القمار كله ، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب . قرأ حمزة والكسائي : { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } بالثاء من الكثرة ، والباقون ( بالياء ) كبير أي ذنب عظم .
قوله : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر } ، أي ماذا يتصدقون؟ { قُلِ العفو } ، أي الفضل من المال ، يريد أن يعطي ما فضل من قوته وقوت عياله ، ثم نسخ بآية الزكاة . وقرأ أبو عمرو : «قُلِ العَفْوُ» بالرفع ، يعني الإنفاق وهو الزكاة . وقرأ الباقون : بالنصب ، يعني أنفقوا الفضل . { كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } ، يعني أمره ونهيه كما يبين لكم أمر الصدقة . { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } . { فِى الدنيا والاخرة } ، يعني في الدنيا أنها لا تبقى ولا تدوم ، ولا يدوم إلا العمل الصالح؛ وفي الآخرة أنها تدوم وتبقى ولا تزول . وقال بعضهم : معناه كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا ، لعلكم تتفكرون في الآخرة .
قوله تعالى : { فِى الدنيا والاخرة } ، يقول : عن مخالطة اليتامى؛ وذلك أنه لما نزلت هذه الآية { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } [ النساء : 10 ] ، تركوا مخالطتهم فشق عليهم ذلك . وكان عند الرجل منهم يتيم ، فجعل له بيتاً على حدة وطعاماً على حدة ، ولا يخالطه بشيء من ماله . فقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله ، قد أنزل الله آية في أموال اليتامى ، ما قد أنزل من الشدة فعزلناهم على حدة . أفيصلح لنا أن نخالطهم؟ فنزلت هذه الآية : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى } ، أي عن مخالطة اليتامى . { قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } . يقول : أي لمالهم خير من ترك مخالطتهم . { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } ، أي تشاركوهم في النفقة والخدمة والدابة ، { فَإِخوَانُكُمْ } في الدين . ويقال : الامتناع منه خير وإن تخالطوهم فهم إخوانكم . { والله يَعْلَمُ المفسد } لمال اليتيم { مِنَ المصلح } بماله ، يعني لا بأس بالخلطة ، وإذا قصدت به الإصلاح ولم تقصد به الإضرار به .
ثم قال : { وَلَوْ شَاء الله لاعْنَتَكُمْ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } . قال القتبي : ولو شاء الله ، لضيق عليكم ولشدد عليكم ، ولكنه لم يشأ إلا التسهيل عليكم . وقال الزجاج : { لاعْنَتَكُمْ } ، معناه لأهلككم . وأصل العنت في اللغة من قول العرب : عنت البعير ، إذا انكسرت رجله وحقيقته ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم . وقال الكلبي { وَلَوْ شَاء الله لاعْنَتَكُمْ } في مخالطتهم فجعلها حراماً . { أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ، وقد ذكرناها .

(1/184)


وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)

قوله تعالى : { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } . نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي ، وكان يأتي مكة ويخرج منها أناساً من المسلمين كانوا بها سراً من أهل مكة؛ فلما قدم مكة ، جاءته امرأة يقال لها عناق ، كانت بينهما خلة في الجاهلية ، فقالت له : هل لك أن تخلو بي؟ فقال لها : يا عناق إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك ، وقد حرمت علينا . ولكني أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتزوجك إن شئت . فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عن ذلك ، فنزلت هذه الآية : { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ وَلامَةٌ مُّؤْمِنَةٌ } ، يقول : نكاح أمة مؤمنة { خَيْرَ مَنِ } نكاح حرة { مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } ، أي أعجبكم نكاحها .
{ وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين } ، يقول : لا تنكحوا نساءكم المشركين ، { حتى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن } تزويج { مُشْرِكٌ } حر . { وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النار } ، يعني إلى عمل أهل النار . { والله يَدْعُو إلى * الجنة والمغفرة بِإِذْنِهِ } ، يعني إلى التوحيد والتوبة { بِإِذْنِهِ } ، أي بأمره ويقال : يدعوكم إلى مخالطة المؤمنين ، لأن ذلك أوصل إلى الجنة والمغفرة بإذنه ، أي بعلمه الذي يعلم أنه أوصل لكم إليها { وَيُبَيِنُ آياته لِلنَّاسِ } ، أي أمره ونهيه في أمر التزويج . { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ، ينتهون عن المعاصي والنكاح الحرام . ويقال : إن رجلاً من الأنصار أعتق جارية له ، فأراد رجل من قريش أن يتزوجها فعيّروه بذلك ، فنزلت هذه الآية { وَلامَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ } .

(1/185)


وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)

ثم قال : { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض } . قال ابن عباس : نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له : عمرو بن الدحداح ، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ أنقربهن أم لا؟ فنزل قوله تعالى { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض } يقول عن النساء إذا حضن . ويقال : ويسألونك عن مجامعة النساء في المحيض . { قُلْ هُوَ أَذًى } ، يعني الدم هو قذر نجس . { فاعتزلوا النساء فِي المحيض } ، أي لا تجامعوهن في حال الحيض . { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ } ، يعني لا تجامعوهن وهن حيض ، { حتى يَطْهُرْنَ } . قرأ حمزة وعاصم والكسائي في رواية أبي بكر : { حتى يَطْهُرْنَ } بتشديد الطاء والهاء والنصب ، والباقون بالتخفيف أي يغتسلن وأصله يتطهرون ، فأدغمت التاء في الطاء فصار { يَطْهُرْنَ } . فمن قرأ { يَطْهُرْنَ } أي يغتسلن ، ومن قرأ { يَطْهُرْنَ } أي حتى يطهرن من الحيض .
قال الفقيه الزاهد؛ نعمل بالقراءتين جميعاً؛ فإن كانت المرأة أيام حيضها أقل من عشرة أيام فلا يجوز أن يقربها ما لم تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة وإن كانت أيام حيضها عشرة ، فإذا انقطع عنها الدم وتمت العشرة ، جاز له أن يقربها بغير غسل . ثم قال تعالى : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } ، يعني أي اغتسلن من الحيض ، { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } ، أي جامعوهن من حيث رخص لكم الله في موضع الجماع .
ويقال : لما نزلت هذه الآية { فاعتزلوا النساء فِي المحيض } ، اعتزلوا النساء في أيام الحيض وأخرجوهن من البيوت؛ فقدم أناس من الأعراب وقالوا : يا رسول الله البرد شديد وقد اعتزلنا النساء ، وليس كلنا يجد سعة لذلك فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنَّمَا أَمَرَكُمْ أَنْ تَعْتَزِلُوا النِّسَاءَ عَنْ مُجَامَعَتِهِنَّ ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تُخْرِجُوهُنَّ مِنَ البُيُوتِ كَمَا تَفْعَلُ الأعَاجِمُ »
ثم قال تعالى : { إِنَّ الله يُحِبُّ التوبين } ، يعني التوابين من الشرك والذنوب . { وَيُحِبُّ المتطهرين } ، أي من الجنابة والأحداث . ويقال : ويحب المتطهرين من إتيانهن في المحيض ، في أدبارهن يتنزهون عن ذلك . ويقال : ويحب التّوابين من الذنوب والمتطهرين الذين لم يذنبوا . فإن قيل : كيف قدَّم بالذكر الذي تاب من الذنوب على الذي لم يذنب؟ قيل له : إنما قدمهم لكيلا يقنط التائب من الرحمة ، ولا يعجب المتطهر بنفسه؛ كما ذكر في آية أخرى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظالم لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير } [ [ فاطر : 32 ] .
ثم قال عز وجل : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } . يقول : مزرعة لكم للولد ، { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } . والحرث في اللغة هو الزرع ، فسمى النساء حرثاً على وجه الكناية ، أي هن للولد كالأرض للزراعة .

(1/186)


قوله : { أنى شِئْتُمْ } ، أي كيف شئتم؛ إن شئتم مستقبلين ، وإن شئتم مستدبرين ، إذا كان في صمام واحد . وذلك أن اليهود كانوا يقولون : لا يجوز إتيان النساء إلا مستلقياً ، وكانوا يقولون : إذا أتاها من خلفها ، يكون الولد أحول ، فنزل قوله تعالى { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ } . قال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا يَنْظُرُ الله عَزَّ وَجَلَّ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلاً أوِ امْرَأةً فِي دُبُرِهَا » وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبرِهَا »
ثم قال تعالى : { وَقَدّمُواْ لاِنفُسِكُمْ } من الولد الصالح . ويقال قدموا لأنفسكم من العمل الصالح . ويقال : سموا الله أي قولوا بسم الله الرحمن الرحيم عند ذلك . ثم قال : { واتقوا الله } ، أي اخشوا الله ولا تقربوهن في حال الحيض ولا في أدبارهن . { واعلموا أَنَّكُم ملاقوه } ، أي تصيرون إليه يوم القيامة ، فيجزيكم بأعمالكم . { وَبَشّرِ المؤمنين } الذين يحافظون على حدود الله ويصدقون بوعده .

(1/187)


وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226)

ثم قال عز وجل : { وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لايمانكم } ، أي علة . وأصل العرضة في اللغة : هو الاعتراض ، فكأنه يعترض باليمين في كل وقت ، فيكون كناية عن العلة . وقيل : العرضة أن يحلف الرجل في كل شيء ، فمُنِعوا من ذلك . { أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ } ، يعني لكي تبروا وتتقوا ، لأنهم إذا أكثروا اليمين لم يبروا . وبهذا أمر أهل الإيمان . وقال الفراء : { وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً } . الحلف بالله متعرضاً ، أي مانعاً لكم دون البر . والمعترض بين الشيئين : المانع . وقال القتبي : لا تجعلوا الله بالحلف مانعاً لكم أن تبروا وتتقوا ، ولكن إذا حلفتم على أن لا تصلوا رحماً ، ولا تتصدقوا ، ولا تصلحوا ، أو على شبه ذلك من أبواب البر ، فكفِّروا اليمين . وقال الكلبي : هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة الأنصاري . حين حلف أن لا يدخل على ختنه بشير بن النعمان ولا يكلمه ، فجعل يقول : قد حلفت بالله أن لا أفعل ، ولا يحل لي أن لا أبر في يميني . فنزل قوله تعالى : { وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لايمانكم } .
يقول : علة لأيمانكم { أَن تَبَرُّواْ } ، يعني تصلوا قرابتكم ، وتتقوا اليمين في المعصية ، وترجعوا إلى ما هو خير لكم منها؛ { وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس } ، أي بين إخوانكم . وروي عن عكرمة ، عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول : لا تحلفوا أن لا تبرُّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس . { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فمن حلف على شيء منه ، فعلى الذي حلف عليه أن يفعل ويكفِّر عن يمينه . وقال الزجاج : معنى الآية بأنهم كانوا يقبلون في البر بأنهم قد حلفوا ، فأعلم الله تعالى أن الإثم إنما هو في الإقامة في ترك البر ، واليمين إذا كفَّرت ، فالذنب فيها مغفور .
ثم قال : { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم } أي بالإثم في الحلف إذا كفرتم ، { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } بعزمكم على أن لا تبروا ولا تتقوا . قال ابن عباس : { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم } ، وهو أن يحلف الرجل بالله في شيء يرى أنه فيه صادق ، ويرى أنه كذلك ، وليس كذلك ، فيكذب فيها . { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } يعني هو أن يحلف على شيء ويعلم أنه فيها كاذب . ويقال : لا يؤاخذكم الله باللغو في اليمين ، إذا حلفتم وكفرتم ، إذا كان الحنث خيراً؛ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ، أي أثمتم بغير كفارة .
{ والله غَفُورٌ } لمن حنث وكفر بيمينه . { حَلِيمٌ } حيث رخص لكم في ذلك ولم يعاقبكم . { لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } ، يعني الذين يحلفون أن لا يجامعوا نساءهم ، { تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } ، يعني لهم أجل أربعة أشهر بعد اليمين ، { فَإِن فَآءوا } ، يعني إن رجعوا عن اليمين وجامعوا نساءهم من قبل أن تمضي أربعة أشهر بعد اليمين ، وكفَّروا عن أيمانهم ولا تبين المرأة عن الزوج؛ { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .

(1/188)


وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232)

قوله تعالى : { وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق } ، يعني أوجبوا الطلاق بترك الجماع ، حتى مضت أربعة أشهر وقعت عليها تطليقة بمضي أربعة أشهر . وقال بعضهم : لا يقع الطلاق ، ولكن يؤمر الزوج بعد مضي أربعة أشهر أن يجامعها أو يطلقها . وقال بعضهم يقع الطلاق بمضي أربعة أشهر؛ وهو قول علمائنا . وروي عن عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن مسعود أنهما قالا : عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر ، وذلك قوله تعالى : { وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق } ، أي أوجبوا الطلاق بترك الجماع؛ { فَإِنَّ الله سَمِيعٌ } لمقالتهم بكلمة الإيلاء { عَلِيمٌ } بهم .
{ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ } ، يعني وجب عليهن العدة { ثلاثة قُرُوء } ، أي ثلاث حيض . وقال بعضهم : ثلاثة أطهار . وقال أكثر أهل العلم : المراد به الحيض . وأصل القرء : الوقت . وظاهر الآية عام في إيجاب العدة على جميع المطلقات ، ولكن المراد به الخصوص ، لأنه لم يدخل في الآية خمس من المطلقات : الأمة والصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخولة . ثم قال : { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ } ، يعني الحمل والحيض ، لا يحل لها أن تقول : إني حامل وليست بحامل أو إني حائض وليست بحائض { إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الاخر } ، يقول إن كن يصدقن بالله واليوم الآخر .
{ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذلك إِنْ أَرَادُواْ إصلاحا } ، يعني للنساء على الأزواج من الحقوق مثل ما للرجال على النساء ، يعني في حال التربص إذا كان الطلاق رجعياً . { وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ بالمعروف } ، يقول بما عرف شرعاً ، { وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } ، أي فضيلة في النفقة والمهر . { والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ } فيما حكم من الرجعة في الطلاق الذي يملك فيه الرجعة .
ثم بيّن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة ، فقال تعالى : { الطلاق مَرَّتَانِ } ، يعني يقول : الطلاق الذي يملك فيه الرجعة تطليقتان . { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } ، يعني إذا راجعها ، يمسكها بمعروف ، ينفق عليها ، ويكسوها ، ولا يؤذيها ، ويحسن معاشرتها؛ { أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } ، يعني يؤدي حقها ، ويخلي سبيلها . ويقال : { أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } ، يعني يطلقها التطليقة الثالثة ويعطي مهرها . ويقال : يتركها حتى تنقضي عدتها . ويقال يؤتي حقها ويخلي سبيلها ويقال : أو تسرح بإحسان . قال ابن عباس : كان أهل الجاهلية إذا طلق تطليقة أو تطليقتين ، كان الزوج أحق بها؛ وإذا طلقها الثالثة ، كانت المرأة أحق بنفسها؛ واحتج بقول الأعشى وكانت امرأته من بني مروان ، فأخذه بنو مروان حتى يطلق امرأته ، فلما طلقها واحدة قالوا له : عد فطلقها الثانية ، فلما طلقها الثانية قالوا له : عد فطلقها الثالثة ، فعرف أنها بانت منه ولا تحل له ، فقال عند ذلك :
أَيَا جَارتِي بِينِي فإِنَّكِ طَالِقَه ... كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَه
وبَيِنِي فَإِنَّ البَيْنَ خَيْرٌ مِنَ العَصَا ... وَأَنْ لاَ تَزَالُ فَوْقَ رَأْسِكِ بَارِقَه
وَذُوقِي قَنَى الحَيِّ إنِّي ذَائِق ... قَنَاة أُنَاسٍ مِثْلَ مَا أَنْتَ ذَائِقَه
لقدكان في شأن قومِك منكحٌ ... وفتيان هزان الطوال العرايضة

(1/189)


ثم قال تعالى : { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } . نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول ، وزوجها ثابت بن قيس؛ وكانت تبغضه ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : لا أنا ولا ثابت فقال لها : « أَتُرَدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ » فقالت : نعم وزيادة . فقال : « أَمَّا الزِّيَادَة ، فلا » فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها وخلعها من زوجها ، فذلك قوله تعالى : { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } من المهر؛ { إِلاَّ أَن يَخَافَا } ، يعني : يعلما { أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله } ، أي أمر الله فيما أمر ونهى . قرأ حمزة { يَخَافَا } بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله ، والباقون : بالنصب . وقرأ ابن مسعود : { إِلا أَنْ يخافوا } .
ثم قال : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله } ، يقول : إن علمتم أن لا يكون بينهما صلاح في المقام ، { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ } ، أي لا حرج على الزوج أن يأخذ ممَّا افتدت به المرأة ، إن كان النشوز من قبل المرأة . فأما إذا كان النشوز من قبل الزوج ، فلا يحل له أن يأخذ ، بدليل ما قاله في آية أخرى : { وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً } [ النساء : 20 ] .
ثم قال تعالى : { بِهِ تِلْكَ حُدُودُ الله } ، أي أحكامه وفرائضه؛ { فَلاَ تَعْتَدُوهَا } ، أي لا تجاوزوها . { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله } ، أي يتجاوز أحكام الله وفرائضه بترك ما أمر الله تعالى أو بعمل ما نهاه؛ { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } ، يقول : الضارون الشاقون بأنفسهم . ويقال : { تِلْكَ حُدُودُ الله } ، يعني الطلاق مرتان ، فلا تجاوزوهما إلى الثالثة . ومن يتعد حدود الله بالتطليقة الثالثة ، فأولئك هم الظالمون؛ { فَإِن طَلَّقَهَا } الثالثة ، { فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ } الثالثة ، { حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } ، أي تتزوج بزوج آخر ويدخل بها؛ وإنما عرف الدخول بالسنة . وهو ما روي عن ابن عباس أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثاً ، وكانت تدعى تميمة بنت وهب ، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : إن رفاعة طلقني فبتَّ طلاقي ، فتزوجني عبد الرحمن ، ولم يكن عنده إلا كهدبة الثوب فقال لها : « أَتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ » فقالت : نعم . قال : « لَيْسَ ذلك مَا لَمْ تَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ وَيَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِكِ » فذلك قوله تعالى : { فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } ، يعني إذا طلقها الثالثة .

(1/190)


قوله تعالى : { فَإِن طَلَّقَهَا } ، يعني واحدة أو اثنتين؛ { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } ، يعني المرأة والزوج { أَن يَتَرَاجَعَا } . ويقال : فإن طلقها الزوج الثاني بعدما دخل عليها ، فلا جناح عليهما يعني المرأة والزوج الأول أن يتراجعا ، يعني أن يتزوجها مرة أخرى . { إِن ظَنَّا } ، يعني إن علما { أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله } ، أي فرائض الله؛ يقول إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني . قوله : { وَتِلْكَ حُدُودُ الله } ، أي فرائض الله وأمره ونهيه وأحكامه ، { يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } . ويقال : إنما قال : { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } ، لأن الجاهل إذا بيّن له ، فإنه لا يحفظ ولا يتعاهد؛ والعالم يحفظ ويتعاهد . فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال .
ثم وقوله : { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } ، أي مضى عليهن ثلاث حيض قبل أن يغتسلن ، وقبل أن يخرجن من العدة؛ { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } ، يعني يراجعها ويمسكها بالإحسان . قوله : { أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } ؛ أو لا يراجعها ويتركها حتى تخرج من العدة . { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } ؛ والضرار في ذلك أن يدعها حتى إذا حاضت ثلاث حيض ، وأرادت أن تغتسل ، راجعها ثم طلقها؛ يريد بذلك أن يطول عليها عدتها . فنهى الله عن ذلك فقال تعالى : { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } . { لّتَعْتَدُواْ } ، أي لتظلموهن . { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } الإضرار ، { فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } ، يقول : أضر بنفسه بمعصيته في الإضرار . وقال الزجاج : { فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } ، يعني عرَّض نفسه للعذاب ، لأن إتيان ما نهى الله عنه ، تعرض لعذاب الله ، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه .
ثم قال : { وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هُزُوًا } ، يعني القرآن لعباً . ويقال إنهم كانوا يطلقون ولا يعدون ذلك طلاقاً ، ويجعلونه لعباً ، فنزل : { وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هُزُوًا } . قرأ عاصم في رواية حفص : { هُزُواً } بغير همز ، وكذلك قوله : { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [ الصمد : 4 ] والباقون : بالهمز . وهما لغتان ، ومعناهما واحد . ثم قال تعالى : { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } ، يقول : احفظوا نعمة الله عليكم بالإسلام . { وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة } ، يقول : احفظوا ما ينزل الله عليكم في القرآن من المواعظ { والحكمة } يعني الفقه في القرآن { يَعِظُكُمْ بِهِ } ، يقول : ينهاكم عن الضرار .
{ واتقوا الله } في الضرار ، { واعلموا أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } من أعمالكم فيجازيكم به . { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } ، يقول : انقضت عدتهن؛ { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } ، يقول : لا تحبسوهن ولا تمنعوهن { أَن يَنكِحْنَ أزواجهن إِذَا تراضوا بَيْنَهُم بالمعروف } بمهر ونكاح جديد وذلك أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي الدحداح ، فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها ، ثم ندم فخطبها فرضيت؛ وأبى أخوها أن يزوجها له وقال لها : وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه .

(1/191)


فنزلت هذه الآية : { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أزواجهن إِذَا تراضوا بَيْنَهُم بالمعروف ذلك يُوعَظُ بِهِ } ، أي يؤمر به . { مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بالله واليوم الاخر } ، أي يصدق بالله واليوم الآخر { ذلكم أزكى لَكُمْ } ، يعني خير لكم ويقال : أصلح لكم ، { وَأَطْهَرُ } من الريبة .
{ والله يَعْلَمُ } من حب كل واحد منهما لصاحبه { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك . ويقال : ذلكم أطهر لقلوبكم من العداوة ، لأن المرأة تأتي الحاكم فيزوجها ، فتدخل في قلوبهم العداوة والبغضاء . وقال الضحاك : والله يعلم أن الخير في الوفاء والعدل ، وأنتم لا تعلمون ما عليكم بالتفريق من العقوبة ومن العذاب . وقال مقاتل : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقلاً ، وقال : « إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنَاً فَلَا تَمْنَعْ أُخْتَكَ عَنْ أَبِي الدَّحْدَاحِ » ، فقال : آمنت بالله وزوجتها منه وفي هذه الآية دليل أن الولي إذا منع المرأة عن النكاح ، كان للحاكم أن يزوجها .

(1/192)


وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)

قوله تعالى : { والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } ، يعني سنتين كاملتين ، { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } ، يعني أن يكمل الرضاعة . فإن قيل : لما ذكر الحولين ، فما الحاجة إلى الكاملين؟ قيل له : هذا للتأكيد ، لأن بعض الحولين يسمى حولين ، كما قال في آية أخرى : { الحج أَشْهُرٌ معلومات فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى واتقون ياأولي الألباب } [ البقرة : 197 ] ، وإنما هي شهران وعشرة أيام . فهاهنا لما ذكر الحولين الكاملين ، علم أنه أراد الحولين بغير نقصان .
ثم قال تعالى : { وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ } ، أي على الأب أجر الرضاع ونفقة الأم؛ { وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف } ، أي على قدر طاقته . { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } ، يعني لا يجب على الأب من النفقة والكسوة إلا مقدار طاقته . { لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا } يقول : لا ينزع الولد من الأم لكونها أحق بولدها من غيرها . قرأ ابن كثير وأبو عمرو : { وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ } بضم الراء على معنى الخبر تبعاً لقوله : { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } ، ولفظه لفظ الخبر والمراد به النهي ، وقرأ الباقون : بالنصب على صريح النهي . { وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } ، يعني الأب لا يضار بالولد ، فتطرح الأم الولد إليه بعدما عرفت أنه لا يقبل ثدي غيرها ، فلا يجوز لها أن تفعل ذلك . ويقال : { وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } يعني إذا كان الأب يجد ظئراً أرخص من الأم؛ والأم أبت أن ترضع إلا بأجر كثير ، فإن الأب لا يجبر على ذلك ، وله أن يدفع إلى ظئر أخرى .
قال تعالى : { وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك } ، يعني إذا مات الأب وله وارث سوى الأب ، فعلى وارث الصبي مثل ما على الأب . ويقال : على وارث الأب لا يضارها ولا تضاره . ويقال مثل ذلك ، يعني الكسوة الرزق في رضاع الصبي ونفقته . { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً } ، أي فطاماً { عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ } ، يعني الأب والأم دون الحولين . ويقال : بعد الحولين . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } إن لم يرضعاه سنتين ، أي لا حرج عليهما . { وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم } ، يعني أن تأخذوا ظئراً لأولادكم ، إذا أرادت الأم النكاح؛ { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم } ما أتيتم بالمعروف ، يعني لا إثم عليكم إذا أعطيتم الظئر { مَّا ءاتَيْتُم بالمعروف } ، ما أعطيتم بما تعرفونه . ويقال : أعطيتم ما شرطتم لهن .
ثم خوفهما في الإضرار ، فقال تعالى : { واتقوا الله } ، يعني الأبوين فلا يضار واحد منهما لصاحبه . { واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } من الإضرار فيجازيكم به . قرأ ابن كثير : «مَا أَتَيْتُمْ» بغير مد ، يعني ما جئتم وفعلتم؛ وقرأ الباقون بالمد ، يعني ما أعطيتم .

(1/193)


وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)

وقوله تعالى : { والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } ، أي يموتون؛ { وَيَذَرُونَ أزواجا } ، أي يتركون نساء من بعدهم . { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ } ، يعني ينتظرن بأنفسهن { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } ، لا يتزوجن ولا يتزين ولا يخرجن من بيوتهن ولا يتزين . { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } ، يعني انقضت عدتهن؛ { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } ، أي فلا إثم عليكم { فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } من الزينة والكحل والخضاب . وذلك أن المرأة إذا انقضت عدتها ، فكان أولياؤها يمنعونها من الزينة ، فأباح الله تعالى لهن الزينة بعد العدة .
ويقال : فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن { بالمعروف } ، يعني إذا تزوجن بزوج آخر ، إذا كان الزوج كفواً لها ، فلا يمنع من نكاحها . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } من الزينة والمنع من نكاحها وغير ذلك . وهذه الآية عامة ، يستوي فيها المدخولة وغير المدخولة . ويستوي فيها الصغيرة والكبيرة في وجوب العدة من الزينة والمنع وغير ذلك .

(1/194)


وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)

{ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء } . فقد أباح للخاطب أن يتعرض للنكاح ، ونهاه عن الخطبة والعقد؛ فقال : { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ } يقول : لا بأس بأن يأتي الرجل المرأة المتوفى عنها زوجها ، فيعرض لها ويقول : إنك لتعجبيني وإنك لموافقة لي ، فأرجو أن يكون بيننا اجتماع ، ونحو ذلك من الكلام . فهذا هو التعريض من خطبة النساء { أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ } ، يعني أضمرتم في أنفسكم . قال الزجاج : كل شيء سترته فقد أكننته وكننته فهو مكنون ، فلذلك أباح الله تعالى التعريض .
ثم قال : { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } ، يعني خافوا الله في العدة من تزويجهن . { ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } ، يعني نكاحاً ويقال : جماعاً . وقال القتبي : سمي الجماع سراً ، لأنه يكون في السر فيكنى عنه . { إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } ، يعني عدة حسنة ، نحو إنك لجميلة وإني فيك لراغب .
وقوله تعالى : { وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح } ، يقول : ولا تحققوا عقدة النكاح ، يعني لا تتزوجوهن في العدة . { حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ } ، يعني حتى تنقضي عدتها . { واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ } ، يعني ما في قلوبكم من الوفاء وغيره . { فاحذروه } ، يعني أن تخالفوه فيما أوجب عليكم . { واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ } ، أي غفور ذو تجاوز ، حليم حيث لم يعجل عليكم بالعقوبة .

(1/195)


لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)

{ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } ، أي لا حرج عليكم { إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } ؛ قرأ حمزة والكسائي { ***تَمَاسُّوهُنَّ } بالألف من المفاعلة ، وهو فعل بين اثنين؛ وقرأ الباقون بغير ألف ، لأن الفعل للرجال خاصة . وقال بعضهم : المس هو الجماع خاصة ، فما لم يجامعها لا يجب عليه تمام المهر . وقال بعضهم : إذا جامعها أو خلا بها ، وجب عليه جميع الصداق إذا كان سمى لها مهراً؛ وإن لم يكن سمى لها مهراً ، فلها مهر مثلها إن دخل بها ، وإن لم يدخل بها فلها المتعة . فذلك قوله تعالى : { حَلِيمٌ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } ، يعني إذا تزوج الرجل امرأة ثم لم يعجبه المقام معها ، فلا بأس بأن يطلقها قبل أن يمسها .
قوله : { أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } ، يعني لا حرج عليكم أن تتزوجوا النساء ولم تسموا لهن مهراً { وَمَتّعُوهُنَّ } ، يعني إذا طلقها قبل أن يدخل بها ، فعلى الزوج أن يمتعها { عَلَى الموسع قَدَرُهُ } . قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص : «قَدَرَهُ» بنصب الدال ، وقرأ الباقون بالجزم؛ ومعناهما واحد .
قوله : { وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ متاعا بالمعروف } ؛ قال ابن عباس في رواية الكلبي : أدنى ما يكون من المتعة ثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة وهكذا قال في رواية الضحاك { حَقّاً } ، أي واجباً { عَلَى المحسنين } أن يمتعوا النساء على قدر طاقتهم .
{ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } ، يعني من قبل أن تجامعوهن وقبل أن تخلوا بهن ، هكذا قال في رواية الضحاك ، { وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } ، يعني على الزوج نصف ما فرض لها من المهر . { إَّلا أَن يَعْفُونَ } ، يعني إلا أن تترك المرأة فلا تأخذ شيئاً ، { أَوْ يَعْفُوَاْ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } ، يعني الزوج يكمل لها جميع الصداق . { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } ، يقول : أن تعفو بعضكم بعضاً كان أقرب إلى البر ، فأيهما ترك لصاحبه فقد أخذ بالفضل . ويقال : إن الله تعالى ندب إلى الإنسانية ، فأمر كل واحد منهما بالعفو ، ثم قال تعالى : { وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ } ، يعني لا تتركوا الفضل والإنسانية فيما بينكم في إتمام المهر أو في الترك . { إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم بذلك .

(1/196)


حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)

{ حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى } ؛ قال ابن عباس : أي حافظوا على الصلوات المكتوبات الخمس في مواقيتها بوضوئها وركوعها وسجودها؛ { حافظوا عَلَى } ، يعني الصلاة الوسطى خاصة حافظوا عليها . ويقال : هي صلاة العصر . ويقال هي صلاة الصبح ويقال : هي صلاة الظهر .
حدثنا القاسم بن محمد بن روزية قال : حدثنا عيسى بن خشنام قال : حدثنا سويد بن سعيد ، عن مالك بن أنس ، عن داود بن الحصين أنه بلغه ، عن رجل ، عن زيد بن ثابت أنه بلغه ، عن علي وابن عباس أنهما كانا يقولان : صلاة الوسطى صلاة الصبح .
قال مالك : وذلك رأي . أخبرني القاسم بن محمد قال : حدثنا عيسى بن خنشام قال : حدثنا سويد بن سعيد بن مالك بن أنس ، عن داود بن الحصين ، عن رجل ، عن زيد بن ثابت أنه قال : صلاة الوسطى : صلاة الظهر .
وبهذا الإسناد ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن القعقاع بن الحكم ، عن أبي يونس مولى عائشة رضي الله عنها أنه قال : أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت : إذا بلغت هذه الآية فآذني فلما بلغتها آذنتها ، فأملت علي : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى : صلاة العصر .
قال الفقيه : حدثنا أبو إبراهيم الترمذي ، عن أبي إسحاق ، عن أبي جعفر الطحاوي قال : حدثنا علي بن معبد قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم عن أبي إسحاق عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن عمرو بن رافع ، مولى عمر وكان يكتب المصاحف أنه قال : اكتتبتني حفصة ابنة عمر مصحفاً وقالت : إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها ، حتى تأتيني فأمليها عليك كما حفظتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما بلغتها أتيتها بالورقة فقالت : اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر . ويقال : هي قراءة عبد الله بن مسعود .
وروي عن أبي هريرة وابن عمر أنهما قالا : صلاة الوسطى العصر وروي عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش ، عن علي أنه قال : كنت ظننت أنها صلاة الفجر ، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق وقد شغلوه عن صلاة العصر ، قال : « مَلأَ الله بُطُونَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً ، شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى ، صَلاةِ العَصْرِ » وإنما كان فائدة التخصيص بصلاة العصر ، لأن ذلك وقت الشغل ويخاف فوتها ما لا يخاف لسائر الصلوات . وقد أكد بالذكر قال : { حافظوا عَلَى } خاصة . ومن طريق المعقول يدل أيضاً على أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر ، لأن قبلها صلاتي النهار وبعدها صلاتي الليل .
ثم قال تعالى : { وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين } ، أي قوموا لله طائعين في الصلاة مطيعين . ويقال : صلوا لله قائمين ، فكأنه أمر بطول القيام في الصلاة .

(1/197)


كما قال في آية أخرى : { يامريم اقنتى لِرَبِّكِ واسجدى واركعى مَعَ الراكعين } [ آل عمران : 43 ] . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أفضل الصلاة فقال : « التِي يُطِيلُ القُنُوتَ فِيهَا » ، يعني القيام . ويقال : قانتين ، يعني ساكتين ، كما روي عن زيد بن أرقم أنه قال : كنا نتكلم في الصلاة ، حتى نزلت هذه الآية : { وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين } ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام . وقال الزجاج : المشهور في اللغة الدعاء في القيام ، وحقيقة القانت القائم بأمر الله تعالى .
ثم قال : { فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } ، يعني إذا خفتم العدو فصلوا قياماً ، فإن لم تستطيعوا فصلوا ركباناً على الدواب ، حيث ما توجهت بكم بالإيماء . وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر صلاة الخوف ، ثم قال في آخره « فَإنْ كانَ الخَوْفُ أَشَدَّ مِنْ ذِّلِكَ ، صَلُّوا عَلَى أَقْدَامِكُمْ أَوْ رُكْبَاناً مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا » { فَإِذَا أَمِنتُمْ } ، يعني العدو والخوف ، { فاذكروا الله كَمَا عَلَّمَكُم } ، يعني صلوا كما علمكم أربعاً أو اثنتين . وعلمكم { مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } ، يعني علمكم الصلاة ولم تكونوا تعلمون من قبل .

(1/198)


وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)

ثم قال عز وجل : { والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا } ، أي يموتون ويتركون نساءهم من بعدهم { وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم } ، أي يوصون لنسائهم . قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم «وَصِيَّةٌ» بالضم ، يعني عليهم وصية؛ وقرأ الباقون : بالنصب ، يعني يوصون وصية لأزواجهم . { متاعا } ، أي نفقة وكسوة { إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ } ، يقول : لا يخرجن من بيوت أزواجهن . وهذا في أول الشريعة كانت العدة حولاً وهكذا كان في الجاهلية . ألا ترى إلى قول لبيد :
وَهُمُ رَبِيعٌ لِلمُجَاوِرِ فِيهِم ... وَالمُرْمِلاتِ إِذَا تَطَاوَلَ عَامُهَا
ثم نسخ ما زاد على الأربعة أشهر وعشراً ، ونسخت الوصية للأزواج بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " ويقال : نسخ بآية الميراث . ثم قال تعالى : { فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ *** فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ } ، يعني من الزينة يحتمل أنه أراد به الخروج بعد مضي السنة ، ويحتمل الخروج في السنة إذا خرجت بعذر في أمر لا بد لها منه . { والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ } ؛ وقد ذكرناها .
{ وللمطلقات متاع بالمعروف } . والمطلقات أربع : مطلقة يسمى لها مهراً ، ومطلقة لم يسم لها مهراً ، ومطلقة دخل بها ، ومطلقة لم يدخل بها ، فالمتعة لا تكون واجبة إلا لمطلقة واحدة وهي التي لم يسم لها مهراً وطلقها قبل الدخول . كما ذكر في الآية التي سبق ذكرها وفي سائر المطلقات المتعة مستحبة وليست بواجبة . { حَقّا عَلَى المتقين } ، أي واجباً على المتقين ، وذلك فيما بينه وبين الله تعالى ، فلا يجب عليه إلا في المطلقة التي ذكرنا . { كَذَلِكَ يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته } ، يعني أمره ونهيه ، { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ما أمرتم به . ويقال : آياته يعني دلائله . ويقال : آيات القرآن .

(1/199)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243)

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ } ، يقول : ألم تخبر : وهذا على سبيل التعجب ، كما يقال : ألا ترى إلى ما صنع فلان؟ ويقال : ألم تر ، يعني ألم تعلم؟ ويقال : ألم ينته إليك خبرهم؟ يعني الآن نخبرك عنهم . قال ابن عباس : وذلك أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر الناس بالخروج إلى الغزو فخرجوا ، فبلغهم أن في ذلك الموضع طاعوناً ، فامتنعوا عن الخروج إلى هناك ، ونزلوا في موضعهم ، فهلكوا كلهم؛ فبلغ خبرهم إلى بني إسرائيل ، فخرجوا ليدفنوهم ، فعجزوا عن ذلك لكثرتهم ، فحظروا عليهم الحظائر . ثم أحياهم الله بعد ثمانية أيام ، وبقيت منهم بقايا من البحر ومعهم النتن إلى اليوم وقال بعضهم : بلغهم أن هناك للعدو شوكة وقسوة ، فامتنعوا عن الخروج إليهم فأهلكهم الله تعالى .
وقال بعضهم : إن أرضاً وقع بها الوباء فخرج الناس منها هاربين ، فنزلوا منزلاً فماتوا كلهم؛ فمر بهم نبي يقال له حزقيل عليه السلام فقال : الحمد لله القادر الذي يحيي هذه النفوس البالية ليعبدوه . فدعا لهم فأحياهم الله تعالى؛ فذلك قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ } . قال ابن عباس في رواية الكلبي وفي رواية الضحاك : ثمانية آلاف ، ويقال : سبعون ألفاً ، ويقال : ثمانية عشر ألفاً . وقال بعضهم : هم ألوف كما قال الله تعالى ، ولا يعرف كم عددهم إلا الله . { حَذَرَ الموت } ، أي خرجوا من ديارهم مخافة الموت .
{ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ } ، أي أماتهم الله؛ { ثُمَّ أحياهم إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس } ، يعني على أولئك الكفار حين أحياهم . يقال : هو ذو منَ على جميع الناس . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } رب هذه النعمة ، يعني الكفار . ويقال : على الذي أحياهم .
وفي هذه الآية : دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عمن قبله ولم يكن قرأ الكتب ، فظهر ذلك عند اليهود والنصارى وعرفوا أنه حق . وفي هذه الآية إبطال قول من يقول : إن الإحياء بعد الموت لا يجوز ، وينكر عذاب القبر؛ لأن الله تعالى يخبر أنه قد أماتهم ثم أحياهم .

(1/200)


وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)

قوله : { وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } . قال ابن عباس في رواية أبي صالح : لما أحياهم الله قال لهم : { قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله } . ويقال : هذا أمر بالجهاد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم قال لهم : قاتلوا في سبيل الله . { واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، أي سميع لمقالتهم ، عليم بالأرض التي وقع فيها الوباء .

(1/201)


مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)

قوله عز وجل : { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } . نزلت في شأن أبي الدحداح ، قال : يا رسول الله ، إن لي حديقتين لو تصدقت بواحدة منهما ، أيكون لي مثلها في الجنة؟ قال «نَعَمْ» . قال : وأم الدحداح معي؟ يعني امرأته . قال : «نَعَمْ» . قال : والدحداح معي؟ يعني ابنه . فقال : «نَعَمْ» . قال : أشهدك أني قد جعلت حديقتي لله تعالى . ثم جاء إلى الحديقة ، فقام على الباب وتحرج الدخول فيها ، بعدما جعلها لله تعالى ونادى : يا أم الدحداح اخرجي ، فإني جعلت حديقتي لله تعالى ، فخرجت وتحولت إلى حديقة أخرى ، وقالت له : هنيئاً لك بما فعلت أو كما فعلت ، فنزل قوله تعالى : { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } يعني ألفي ألف ضعف .
قال الفقيه : حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال : حدثنا فارس بن مردويه قال : حدثنا محمد بن الفضيل قال : حدثنا المعلى بن منصور قال : حدثنا جعفر قال : حدثنا علي بن زيد ، عن أبي عثمان النهدي قال : بلغني عن أبي هريرة حديث أنه قال : إن الله تعالى يكتب للعبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فحججت ذلك العام لألقى أبا هريرة ، فأكلمه في هذا الحديث فلقيته فأخبرته فقال : ليس كذا قلت ، ولم يحفظ الذي حدثك عني . وإنما قلت : ألفي ألف حسنة . ثم قال أبو هريرة : أو لستم تجدون في كتاب الله تعالى : { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } . فقوله : { كَثِيرَةٍ } أكثر من ألف ألف ومن ألفي ألف .
ثم قال تعالى : { والله يَقْبِضُ } ، أي يقتر الرزق على من يشاء؛ { وَيَبْصُطُ } ، أي يوسع على من يشاء من عباده . ويقال : يقبض الصدقات ويخلفها الثواب في الدنيا والآخرة . وقال بعضهم يسلب قوماً ما أنعم عليهم ويوسع على آخرين . { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } في الآخرة قرأ حمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو : { فَيُضَاعِفَهُ } بالألف وبضم الفاء ، وقرأ عاصم { فَيُضَاعِفَهُ } بالألف وبنصب الفاء ، وقرأ ابن كثير { فَيُضْعِفُهُ } بغير ألف وبضم الفاء ، وقرأ ابن عامر : { فَيُضْعِفُهُ } بغير ألف وبنصب الفاء . فأما من قرأ : { فَيُضَاعِفَهُ } [ بالألف والضم ] ، { يضاعفه } فهما لغتان بمعنى واحد . يقال : ضاعفت الشيء وضعفته . ومن قرأ بضم الفاء عطفه على قوله : { يُقْرِضُ الله } . ومن نصبه فعلى جواب الاستفهام . وقرأ نافع { ***يَبْصُطُ } بالصاد ، وقرأ الباقون : بالسين وهو أظهر عند أهل اللغة . وفي كل موضع يكون الصاد قريباً من الطاء ، جاز أن يقرأ بالسين وبالصاد مثل المصيطرون ومثل : الصراط ، لأنه يشتد فرق الصاد عند ذلك فيجوز القراءة بالسين .

(1/202)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)

وقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بَنِى إِسْرءيلَ مِن بَعْدِ موسى } ، يعني الرؤساء والقادة . وقال بعضهم : اشتقاق الملأ في اللغة من الملأ وهم الجماعة التي تملأ باديتهم . وقال بعضهم : الناظر إذا نظر إليهم ، امتلأ عينه هيبة منهم؛ وذلك أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم ، وسبوهم ، وأخرجوهم من ديارهم . وكان رئيسهم جالوت ، فلما اضطر المسلمون في ذلك جاؤوا إلى نبي لهم يقال له : أشمويل بن هلقانا عليه السلام بلغة العبرانية وبالعربية إسماعيل بن هلقان ، { إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ } ، يعني أشمويل : { ابعث لَنَا مَلِكًا } ، يعني ادع لنا الله تعالى أن يجعل لنا ملكاً ، يعني رجلاً ينتظم به أمرنا . { نقاتل فِى سَبِيلِ الله } .
ف { قَالَ } لهم أشمويل : { هَلْ عَسَيْتُمْ } . قرأ نافع : { هَلْ عَسَيْتُمْ } بكسر السين ، وقرأ الباقون : بالنصب ، وهي اللغة المعروفة . والأول لغة لبعض العرب { هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تقاتلوا } ، يعني إذا بعث الله لكم ملكاً وفرض عليكم القتال ، لعلكم لا تقاتلون وتجبنون عن القتال . { قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نقاتل فِى سَبِيلِ الله } ، يقول : كيف لا نقاتل في سبيل الله؛ { وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا } ، يعني أخذوا ديارنا وسبوا أبنائنا .
{ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال } ، أي فرض عليهم القتال . { تَوَلَّوْاْ } وتركوا القتال ولم يثبتوا { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً . { والله عَلِيمٌ بالظالمين } ، يعني أن الله تعالى يعلم جزاء من تولى عن القتال .
ثم بيّن لهم القصة بقوله : { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا } ، يعني قال : أجابكم ربكم إلى ما سألتم من بعث ملك تقاتلون في سبيل الله معه ، وقد جعل لكم طالوت ملكاً؛ وكان طالوت فيهم حقير الشأن ، وكانت النبوة في بني لاوي بن يعقوب ، والملك في سبط يهوذا . ولم يكن طالوت من أهل بيت النبوة ولا من أهل بيت الملك . ويقال : كان رجلاً يبيع الخمر ، ويقال : كان بقاراً ، ويقال : كان دباغاً ، ولكنه كان عالماً فرفعه الله بعلمه . { قَالُواْ أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا } ، يعني المسلمون قالوا لنبيهم : من أين يكون له الملك { عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ } ؟ لأن منا الملوك . { وَلَمْ يُؤْتَ } طالوت { سَعَةً مّنَ المال } ينفق علينا . والملك يحتاج إلى مال ينفق على جنوده وأعوانه .
{ قَالَ } لهم نبيهم عليه السلام : { إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ } ، يعني اختاره عليكم { وَزَادَهُ بَسْطَةً } ، أي فضيلة { فِي العلم والجسم } ؛ وكان رجلاً جسيماً وكان عالماً . ويقال : كان عالماً بأمر الحرب . { والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ } .

(1/203)


والواسع في اللغة : هو الغني . ويقال : واسع بعطية الملك ، عالم لمن يعطيه . ويقال : واسع يعني باسط الرزق ، عليم بمن يصلح له الملك . فظنوا أنه يقول لهم من ذات نفسه . وقالوا له : إن كان الله تعالى أمرك بذلك ، فأتنا بآية قال الله تعالى : { وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت } ؛ وذلك أن الكفار كانوا أخذوا التابوت ، وكان التابوت للمسلمين ، فإذا خرجوا للغزو والتابوت معهم كانوا يرجون الظفر . فأخذ الكفار التابوت ووضعوه في مزبلة أي في مخرأة لهم فابتلاهم الله تعالى بالباسور . ويقال إن أصل الباسور من ذلك الوقت ، وأصل الجذام من وقت أيوب عليه السلام وتغير الطعام من قبل بني إسرائيل . فجعل الله تعالى آية ملك طالوت رد التابوت إليهم ، فذلك قوله تعالى : { وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ } يعني علامة ملكة { أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت } .
{ فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } . قال الكلبي : سكينة أي : طمأنينة ، إذا كان التابوت في مكان اطمأنت قلوبهم بالظفر . وقال مقاتل : السكينة كانت دابة ورأسها كرأس الهرة ولها جناحان ، فإذا صوَّتت ، عرفوا أن النصر لهم . ويقال : كانت جوهراً أحمر يسمع منه الصوت . ويقال : كانت ريحاً تهب فيها لها صوت يعرفون أن النصرة لهم عند الصوت .
قوله تعالى : { وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ موسى وَءالُ هارون } ، يعني الرضاض من الألواح ، وقفيز من منّ في طست من ذهب ، وعصا موسى ، وعمامة هارون؛ قال الكلبي : وكان التابوت من عود الشمشار الذي يتخذ منه الأمشاط ، فلما ابتلاهم الله تعالى بالباسور ، عرفوا أن ذلك من التابوت ، فقالوا : لعل إله بني إسرائيل الذي فينا ، يعنون التابوت ، هو الذي يفعل بنا هذا الفعل ، فأخرجوا بقرتين من المدينة وتركوا أولادها في المدينة ، وربطوا التابوت على عجلة ثم ربطوا العجلة بالبقرتين ، ثم وجهوهما نحو بني إسرائيل؛ فضربت الملائكة جنوبهما ، وساقوهما حتى هجموا بهما على أرض بني إسرائيل ، فأصبحوا والتابوت بين أظهرهم . وذلك قوله تعالى : { تَحْمِلُهُ الملائكة } ، يعني الملائكة ساقوا العجلة . { إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ } ، يعني إن في رد التابوت علامة لملك طالوت { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ، أي مصدقين بأن ملكه من الله تعالى فعرفوا وأطاعوه .
قوله تعالى : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود } ، يعني فتجهز طالوت وخرج بالجنود وهم سبعون ألفاً ، فصاروا في حر شديد ، فأصابهم عطش شديد ، فسألوا طالوت الماء . ف { قَالَ } لهم طالوت : { إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } وهو بين الأردن وفلسطين؛ وإنما كان الابتلاء ليظهر عند طالوت من كان مخلصاً في نيته من غيره؛ وأراد أن يميز عنهم من لا يريد القتال ، لأن من لا يريد القتال إذا خالط العسكر ، يدخل الضعف والوهن في العسكر ، لأنه إذا انهزم وهرب ضعف الباقون .

(1/204)


ويقال : إن أشمويل هو الذي أخبر طالوت بالوحي ، حتى أخبر طالوت قومه حيث قال : { إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } ، يعني ليس معي على عدوي ، إذا شرب بغير غرفة . { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } ، يعني لم يشرب منه يعني غرفة . { فَإِنَّهُ مِنّى } ، أي معي على عدوي { إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ } . قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : { غُرْفَةً } بنصب الغين ، وقرأ الباقون برفع الغين . فمن قرأ بالنصب ، يكون مصدر غرفة ، أي مرة واحدة باليد . ومن قرأ بالضم ، هو ملء الكف وهو اسم الماء مثل : الخَطوة والخُطوة . قال بعض المفسرين : الغَرفة بكف واحدة والغُرفة بالكفين . وقال بعضهم : كلاهما لغتان ومعناهما واحد .
فلما خرجوا من المفازة وقد أصابهم العطش ، وقفوا في النهر ، { فَشَرِبُواْ مِنْهُ } بغير غرفة { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوم بدر : « أَنْتُمْ عَلَى عَدَدِ المُرْسَلِينَ وَعَدَدِ قَوْمِ طَالوتَ ثَلاثمائةٍ وثلاثة عشر » ، فأمر من شرب بغير غرفة أن يرجعوا . ويقال : قد ظهر على شفاههم علامة ، عرف بها من شرب من الذي لم يشرب ، فردهم وأمسك المخلصين منهم .
{ فَلَمَّا جَاوَزَهُ } ، يعني جاوز النهر . { هُوَ } ، يعني طالوت { والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } ودنوا إلى عسكر جالوت ، وكان معه مائة ألف فارس كلهم شاكون في السلاح . { قَالُواْ } ، أي المؤمنون : { لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } ، لما رأوا من كثرتهم . { قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله } ، يعني أيقنوا بالموت لما رأوا من كثرة العدو فأيقنوا بهلاك أنفسهم . ويقال : أيقنوا بالبعث بعد الموت وهو قوله : { قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله } ، وهم أهل العلم منهم : { كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ } ، يعني كم من جند قليل ، { غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً } عدتهم { بِإِذُنِ الله } ، أي بنصر الله وأمره ، إذا خلصت نيتهم ، وطابت أنفسهم بالموت في طاعة الله { والله مَعَ الصابرين } بالنصرة على عدوهم أي معينهم .
{ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } ، يقول : خرجوا واصطفوا لجالوت . دعوا الله تعالى ، { قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } ، أي أصبب علينا صبراً ، معناه ارزقنا الصبر على القتال ، { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } عند القتال { وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } .
قال وكان داود عليه السلام راعياً ، وكان له سبعة أخوة مع طالوت؛ فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم وكان اسمه إيشا أرسل إليهم ابنه داود ينظر إليهم ما أمرهم ويأتيه بخبرهم فلما خرج ، مرَّ على حجر فقال له الحجر : خذني فإني حجر إبراهيم قتل بي عدوه ، فأخذه وجعله في مخلاته ثم مرَّ بآخر فقال له : خذني فإني حجر موسى الذي قتل بي كذا كذا ، ثم مرَّ بثالث فقال له : خذني فأنا الذي أقتل جالوت ، فأخذه وجعله في مخلاته؛ فأتاهم وهم بالصفوف وقد برز جالوت وقال : من يبارزني؟ فلم يخرج إليه أحد .

(1/205)


ثم قال : يا بني إسرائيل لو كنتم على حق ، لخرج إلي بعضكم . فقال داود لإخوته : أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف؟ فقالوا له : اسكت . فذهب داود إلى ناحية من الصف ليس فيها أحد من إخوته ، فمر طالوت به وهو يحرض الناس ، فقال له داود : وما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟ قال طالوت : أنكحه ابنتي واجعل له نصف ملكي . قال داود : فأنا أخرج إليه . فأعطاه طالوت درعه وسيفه ، فلما خرج في الدرع جرها ، لأن طالوت كان أطول الناس ، فرجع داود إلى طالوت وقال : إني لم أتعود القتال في الدرع ، فرد الدرع إليه . فقال له طالوت : فهل جربت نفسك؟ قال : نعم وقع ذئب في غنمي فضربته بالسيف فقطعته نصفين . فقال له طالوت : إن الذئب ضعيف ، فهل جربت نفسك في غير هذا؟ قال : نعم دخل أسد في غنمي فضربته ، ثم أخذت بلحييه فشققتها ، فقال له : هذا أشد ، ثم قال له ما اسمك؟ قال : داود بن إيشا . فعرفه . فرأى أنه أجلد إخوته ، فأخذ قذافته وخرج . فلما رآه جالوت قال : خرجت إليّ لتقتلني بالقذافة كما تقتل الكلاب؟ فقال له داود : وهل أنت إلا مثل الكلاب؟ قال الكلبي : وكان على رأس جالوت بيضة ثلاثمائة رطل ، فقال له جالوت : إما أن ترميني وإما أن أرميك . فقال له داود : بل أنا أرميك . ثم أخذ واحداً من الأحجار الثلاثة فرماه ، فوقع في صدره ونفذ من صدره فقتل خلفه خلقاً كثيراً . وقال بعضهم : صارت الأحجار كلها واحداً؛ فلما رماها تفرقت في عسكره فقتلت خلقاً كثيراً . وقال بعضهم : رمى واحداً بعد واحد ، فقتل جالوت وخلقاً كثيراً وهزمهم الله بإذنه ، فذلك قوله عز وجل : { فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ الله وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ } .
ثم إن طالوت زوج داود ابنته وأراد أن يدفع إليه نصف ملكه ، فقال له وزراؤه : إن دفعت إليه نصف ملكك ، فيصير منازعاً لك في ملكك ، ويفسد عليك الملك . فامتنع من ذلك وأراد قتل داود عليه السلام وكان في ذلك ما شاء الله حتى دفع إليه النصف ، ثم خرج طالوت إلى بعض المغازي فقتل هناك ، فتحول الملك كله إلى داود . ولم يجتمع بنو إسرائيل كلهم على ملك واحد إلا على داود . فذلك قوله عز وجل : { وآتاه الله الملك } ، يعني ملك اثني عشر سبطاً { والحكمة } ، يعني النبوة ، وأنزل عليه الزبور أربعمائة وعشرين سورة؛ { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } ، أي علم داود من صنع الدروع وكلام الطيور وتسبيح الجبال معه وكلام الدواب .
{ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } ، أي يدفع البلاء عن المؤمنين بالنبيين عليهم السلام ويدفع بالمؤمنين عن الكفار ، { لَفَسَدَتِ الارض } ، أي هلك أهلها .

(1/206)


ويقال : ولولا دفع الله جالوت بطالوت ، لهلكت بنو إسرائيل كلهم . ويقال : ولولا دفع الله البلايا بسبب المطيعين ، لهلك الناس كما جاء في الأثر : لولا رجال خشع وصبيان رضع وبهائم رتع ، لصببت عليكم العذاب صباً . وروي عن الحسن أنه قال : لولا الصالحون لهلك الطالحون . ويقال : لولا ما أمر الله المؤمنين بحرب الكفار ، لفسدت الأرض بغلبة الكفار . ويقال لولا ما ينتفع بعض الناس ببعض ، لأن في كل أرض بلدة يتولد فيها شيء لا يوجد ذلك في سائر البلدان ، فينتفع بها أهل سائر البلدان؛ وينتفع بعضهم ببعض ، فيكون في ذلك صلاح أهل الأرض .
قرأ نافع هاهنا { وَلَوْلاَ دِفَاع الله } وفي الحج : { إِنَّ الله يُدَافِعُ } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف في كلا الموضعين ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر : { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله } بغير ألف ، { إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءامنوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } [ الحج : 38 ] بالألف . وتفسير القراءتين واحد وهما لغتان معروفتان .
ثم قال تعالى : { ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين } ، أي ذو منّ عليهم بالدفع عنهم . { تِلْكَ آيات الله } وهو ما قصّ عليه من أخبار الأمم . { نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } ، أي ننزلها بقراءة جبريل عليك { بالحق } ، أي بالصدق . { وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } ، يعني إنك لمن جملة المرسلين الذين ذكرناهم . وقال الزجاج تلك آيات الله ، أي هذه الآيات التي أنبئت ، أي العلامات التي تدل على توحيده وتثبت رسالته ، إذ كان يعجز عن إتيان مثلها المخلوقون؛ وإنك من هؤلاء المرسلين ، لأنك قد أتيتهم بالعلامات .

(1/207)


تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)

{ تِلْكَ الرسل } { الذين أنزلنا عليك خبرهم في القرآن ، { فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } في الدنيا . ويقال : التفضيل يكون على ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون دلالة نبوته أكثر . والثاني : أن تكون أمته أكثر . والثالث : أن يكون بنفسه أفضل . ثم بيّن تفضيلهم فقال : { مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله } ، مثل موسى عليه السلام { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات } ، يعني إدريس عليه السلام كما قال تعالى : { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } [ مريم : 57 ] . وقال الزجاج : جاء في التفسير أنه أراد محمداً صلى الله عليه وسلم ، لأنه أرسله إلى الناس كافة . وليس شيء من الآيات التي أعطاها الله الأنبياء عليهم السلام إلا والذي أعطى محمداً صلى الله عليه وسلم أكثر ، لأنه قد كلمته الشجرة ، وأطعم من كف من التمر خلقاً كثيراً ، وأمرَّ يده على شاة أم معبد فدرت لبناً كثيراً بعد الجفاف ، ومنها انشقاق القمر فذلك قوله : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [ الزخرف : 32 ] ، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم . { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب وَقَفَّيْنَا } ، يعني العجائب والدلائل وهو : أن يحيي الموتى بإذنه ، ويبرىء الأكمه والأبرص؛ { وأيدناه بِرُوحِ القدس } ، يعني أعناه بجبريل حين أرادوا قتله .
{ وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم مّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } التي أتاهم بها موسى وعيسى عليهما السلام وقال الزجاج : يحتمل وجهين : ولو شاء الله ما أمر بالقتال بعد وضوح الحجة ويحتمل ولو شاء الله اضطرهم إلى أن يكونوا مؤمنين ، كما قال تعالى : { وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى الارض أَوْ سُلَّماً فِى السمآء فَتَأْتِيَهُمْ بِأايَةٍ وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين } [ الأنعام : 35 ] ولكن اختلفوا في الدين فصاروا فريقين { فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ } بالكتاب والرسل . { وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتلوا } وجعلهم على أمر واحد . { ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } ، أي يعصم من يشاء من الاختلاف ، ويخذل من يشاء؛ فلا مرد لأمره ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

(1/208)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)

قوله تعالى : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم } ، أي تصدقوا . قال بعضهم : أراد به الزكاة المفروضة . وقال بعضهم : صدقة التطوع . ثم بيّن لهم أن الدنيا فانية وأنه في الآخرة لا ينفعهم شيء إلا ما قدموه . قال تعالى : { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } ، يقول : لا فداء فيه { وَلاَ خُلَّةٌ } يعني الصدقة وهذا كما قال في آية أخرى : { الاخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف : 67 ] . { وَلاَ شفاعة } للكافرين كما يكون في الدنيا .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة } بالنصب وكذلك في سورة إبراهيم : «لاَ بَيْعَ فِيهِ وَلاَ خِلاَلَ» وقرأ الباقون بالضم مع التنوين . ثم قال تعالى عز وجل : { والكافرون هُمُ الظالمون } أنفسهم . والظلم في اللغة : وضع الشيء في غير موضعه . وكان المشركون يقولون : الأصنام شركاؤه وهم شفعاؤنا عند الله؛ فوحد الله نفسه .

(1/209)


اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

فقال عز وجل : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم } ؛ يقول : لا خالق ولا رازق ولا معبود إلا هو . ويقال : الإثبات إذا كان بعد النفي ، فإنه يكون أبلغ في الإثبات ، فلهذا قال : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } ؛ فبدأ بالنفي ثم استثنى الإثبات ، فيكون ذلك أبلغ في الإثبات . { الحى القيوم } ، يقول : الحي الذي لا يموت ، ويقال : الحي الذي لا بدىء له ، يعني لا ابتداء له؛ { القيوم } ، يعني القائم على كل نفس بما كسبت ، ويقال : القائم بتدبير أمر الخلق في إنشائهم ورزقهم ومعنى القائم : هو الدائم .
{ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } ؛ روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال : السنة والنوم ، كلاهما واحد ، ولكنه أول ما يدخل في الرأس يقال له : سنة ويكون بين النائم واليقظان ، فإذا وصل إلى القلب صار نوماً . ويقال : معناه : أنه ليس بغافل عن أمور الخلق ، فيكون النوم على وجه الكناية . وقال بعضهم هو على ظاهره أنه مستغن عن النوم .
وروي في بعض الأخبار أن موسى بن عمران عليه السلام حين رفع إلى السماء ، سأل بعض الملائكة؛ أينام ربنا؟ وقال بعضهم : خطر ذلك بقلبه ، ولم يتكلم به فأمره الله تعالى أن يأخذ زجاجتين ، وأمره بأن يحفظهما ، ثم ألقى عليه النوم فلم يملك نفسه حتى نام ، فانكسرت الزجاجتان في يده فقال له : يا موسى لو كان لي نوم ، لهلكت السموات والأرض أسرع من كسر الزجاجتين في يدك فذلك قوله تعالى : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } .
{ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض } . كلهم عبيده وإماؤه وهو مستغن عن الشريك ، ويقال : معناه أن كل ما في السموات والأرض يدل على وحدانيته . { مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ } ، يقول : من ذا الذي يجترىء أن يشفع عنده { إِلاَّ بِإِذْنِهِ } دون أمره ، رداً لقولهم حيث قالوا : هم شفعاؤنا عند الله . وفي الآية دليل على إثبات الشفاعة لأنه قال : { إِلاَّ بِإِذْنِهِ } ففيه دليل على أن الشفاعة قد تكون بإذنه للأنبياء والصالحين .
{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ، يعني الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، هو الذي يعلم ما بين أيديهم من أمر الدنيا ، يعني يعلم أن الأصنام لا يدعون الألوهية . { وَمَا خَلْفَهُمْ } ، يعني يعلم أنه لا شفاعة لهم . وقال مقاتل : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ، يعني ما كان قبل خلق الملائكة { وَمَا خَلْفَهُمْ } ، أي ما يكون بعد خلقهم . وقال الزجاج : يعني يعلم الغيب الذي تقدمهم والغيب الذي يأتي من بعدهم . وقال الكلبي : يعلم ما بين أيديهم من أمر الآخرة وما خلفهم من أمر الدنيا .

(1/210)