صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

روي عن مجاهد أنه قال : سورة فاتحة الكتاب مدنية ، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : هي مكية . ويقال : نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة . حدثنا الحاكم أبو الفضل ، محمد بن الحسين الحدادي قال : حدثنا أبو حامد المروزي قال : حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال : حدثنا عمر بن يونس قال : حدثنا جهضم بن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ فِي كِتَابِ الله لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيٍ مِثْلَهَا ، فسأله أبي بن كعب عنها فقال : إنِّي لأرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنَ البَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا ، فجعلتُ أتبطَّأ ، ثم سأله أبيٌّ عنها فقال : كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلاتِكَ؟ قال : بأمِّ الكتاب . فقال : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ مِثْلُهَا ، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ " وقال بعضهم : السبع المثاني ، هي السبع الطوال سورة : البقرة ، وآل عمران ، والخمس التي بعدها ، وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين . وقال أكثر أهل العلم : هي سورة الفاتحة؛ وإنما سميت السبع ، لأنها سبع آيات؛ وإنما سميت المثاني ، لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة .
وقال : حدثنا أبي قال : حدثنا أبو عبد الله ، محمد بن حامد الخزعوني قال : حدثنا علي بن إسحاق قال : حدثنا محمد بن مروان ، عن محمد بن السائب الكلبي ، عن أبي صالح ، مولى أم هانىء ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { الحمد للَّهِ } قال : الشكر لله . ومعنى قول ابن عباس : الشكر لله ، يعني الشكر لله على نعمائه كلها وقد قيل : ( الحمد لله ) يعني الوحدانية لله . وقد قيل : الألوهية لله . وروي عن قتادة أنه قال : معناه الحمد لله ، الذي لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين . ثم معنى قوله ( الحمد لله ) قال بعضهم : «قل» فيه مضمر يعني : قل : الحمد لله . وقال بعضهم : حمد الرب نفسه ، ليعلم عباده فيحمدوه .
وقال أهل اللغة : الحمد هو الثناء الجميل ، وحمد الله تعالى هو : الثناء عليه بصفاته الحسنى ، وبما أنعم على عباده ، ويكون في الحمد معنى الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر ، لأن الحمد يوضع موضع الشكر ، ولا يوضع الشكر موضع الحمد . وقال بعضهم : الشكر أعم ، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب ، والحمد يكون باللسان خاصة . كما قال { اعملوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً } [ سبأ : 13 ] .
وروي عن ابن عباس أنه قال : الحمد لله كلمة كل شاكر ، وذلك أن آدم عليه السلام ، قال حين عطس : الحمد لله فقال الله تعالى : يرحمك الله ، فسبقت رحمته غضبه . وقال الله تعالى لنوح :

(1/1)


{ فَقُلِ الحمد للَّهِ الذى نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين } [ المؤمنون : 28 ] وقال إبراهيم عليه السلام : { الحمد للَّهِ الذى وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق } [ إبراهيم : 39 ] وقال في قصة داود وسليمان : { وَقَالاَ الحمد لِلَّهِ الذى فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المؤمنين } [ النمل : 15 ] وقال لمحمد عليه السلام : { وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } [ الإسراء : 111 ] وقال أهل الجنة : { الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن } [ فاطر : 34 ] فهي كلمة كل شاكر .
وقوله تعالى : { رَبّ العالمين } قال ابن عباس رضي الله عنهما : سيد العالمين . وهو رب كل ذي روح تدب على وجه الأرض . ويقال : معنى قوله { رَبّ العالمين } : خالق الخلق ورازقهم ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال ، من نطفة إلى علقة ، ومن علقة إلى مضغة .
والرب في اللغة : هو السيد قال الله تعالى : { ارجع إلى رَبِّكَ } [ يوسف : 50 ] ، يعني إلى سيدك . والربّ : هو المالك يقال : ربّ الدار ، وربّ الدابة والرب هو المربي من قولك : ربى يربي . وقوله : ( العالمين ) كل ذي روح ويقال : كل من كان له عقل يخاطب ، مثل بني آدم والملائكة والجن ، ولا يقع على البهائم ولا على غيرها . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنَّ لله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عَالَمٍ ، وَإنَّ دُنْيَاكُمْ مِنْهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ " ويقال : كل صنف من الحيوان عالم على حده .
قوله عز وجل : { الرحمن الرحيم } ؛ قال في رواية الكلبي : هما اسمان رقيقان ، أحدهما أرق من الآخر . وقال بعض أهل اللغة : هذا اللفظ شنيع ، فلو قال : هما اسمان لطيفان ، لكان أحسن ولكن معناه عندنا والله أعلم أنه أراد بالرقة الرحمة ، يقال : رق فلان لفلان إذا رحمه . يقال : رق يرق إذا رحم . وقوله : أحدهما أرق من الآخر قال بعضهم : الرحمن أرق ، لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين وقال بعضهم : الرحيم أرق ، لأنه في الدنيا وفي الآخرة . وقال بعضهم : كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه ، فلهذا المعنى لم يبين ، وقال : أحدهما أرق من الآخر ، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر .
قوله تعالى : { مالك يَوْمِ الدين } ؛ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر : ملك بغير الألف ، وقرأ عاصم والكسائي بالألف . فأما من قرأ بالألف قال : لأن المالك أبلغ في الوصف ، لأنه يقال : مالك الدار ، ومالك الدابة ، ولا يقال ملك : إلا لملك من ملوك . وأما الذي قرأ : ملك بغير ألف قال : «لأن الملك أبلغ في الوصف ، لأنك إذا قلت : فلان ملك هذه البلدة ، يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك؛ وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة ، كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة . وروى مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } وكلهم يقرؤون { مالك يَوْمِ الدين } بالألف .

(1/2)


قال الفقيه رحمه الله : سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد الله ، محمد بن شجاع البلخي يقول : كنت أقرأ بقراءة الكسائي { مالك يَوْمِ الدين } بالألف ، فقال لي بعض أهل اللغة : الملك أبلغ في الوصف ، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ { مالك يَوْمِ الدين } ، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي : لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اقْرَؤُوا القُرْآنَ فَخْماً مُفَخَّماً " ، فلم أترك القراءة ب : «ملك» حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي : لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ ، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشراً في كل قراءة؟ فلما أصبحت ، أتيت قطرباً وكان إماماً في اللغة فقلت له : ما الفرق بين ملك ومالك؟ فقال : بينهما فرق كثير . فأما ملك فهو ملك من الملوك ، وأما مالك فهو مالك الملوك . فرجعت إلى قراءة الكسائي .
ثم معنى قوله «مالك» يعني : قاضي وحاكم { يَوْمِ الدين } يعني : يوم الحساب كما قال تعالى : { إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب الله يَوْمَ خَلَقَ السماوات والارض مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلك الدين القيم فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يقاتلونكم كَآفَّةً واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } [ التوبة : 36 وغيرها ] ، يعني الحساب القيم . وقيل أيضاً : معنى يوم الدين ، يعني يوم القضاء . كما قال تعالى : { فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الملك إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } [ يوسف : 76 ] يعني : في قضائه وقيل أيضاً : يوم الدين أي يوم الجزاء ، كما يقال : كما تدين تدان ، يعني كما تجازي تجازى به . فإن قيل : ما معنى تخصيص يوم الدين؟ وهو مالك يوم الدين وغيره ، قيل له : لأن في الدنيا ، كانوا منازعين له في الملك ، مثل فرعون ونمرود وغيرهما . وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه ، وكلهم خضعوا له . كما قال تعالى : { يَوْمَ هُم بارزون لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] فأجاب جميع الخلق { قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والارض قُلِ الله قُلْ أفاتخذتم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمات والنور أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ قُلِ الله خالق كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الواحد القهار }

(1/3)


[ الرعد : 16 ] ، وغيرها فكذلك هاهنا . قال : { مالك يَوْمِ الدين } يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك ، ولا قاض ، ولا مجاز غيره .
قوله تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } هو تعليم؛ علم المؤمنين كيف يقولون ، إذا قاموا بين يديه في الصلاة ، فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم ، حتى يوفقهم ويعينهم فقال { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } أي نوحد ونطيع . وقال بعضهم { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك . وقوله تعالى : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } يقول : بك نستوثق على عبادتك وقضاء الحقوق . وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة ، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله : { الحمد للَّهِ } ثم ذكر بلفظ المخاطبة ، فقال : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ؛ وهذا كما قال في آية أخرى { هُوَ الذى يُسَيِّرُكُمْ فِى البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } { صلى الله عليه وسلم } [ يونس : 22 ] فذكر بلفظ المخاطبة ، ثم قال : { هُوَ الذى يُسَيِّرُكُمْ فِى البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } [ يونس : 22 ] هذا ذكر على المغايبة؛ ومثل هذا في القرآن كثير .
قوله تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم } رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ «السراط» بالسين ، وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي ، وقرأ الباقون بالصاد؛ وكل ذلك جائز ، لأن مخرج السين والصاد واحد ، وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب ، والقراءة المعروفة بالصاد قال ابن عباس رضي الله عنهما : { اهدنا } يعني أرشدنا ، { الصراط المستقيم } وهو الإسلام فإن قيل : أليس هو الطريق المستقيم؟ وهو الإسلام فما معنى السؤال؟ قيل له : الصراط المستقيم ، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود . فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود ، ويعصمه من السبل المتفرقة . وقد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : خط لي رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً ، وخط بجنبه خطوطاً ، ثم قال : إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل ، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول : هلم إلى الطريق . وفي هذا نزلت هذه الآية { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ الأنعام : 153 ] فلهذا قال : اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة .

(1/4)


قال الكلبي : أمتنا على دين الإسلام .
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : { اهدنا الصراط المستقيم } يعني ثبتنا عليه . ومعنى قول علي : ثبتنا عليه . يعني احفظ قلوبنا على ذلك ، ولا تقلبها بمعصيتنا . وهذا موافق لقول الله تعالى : { لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً } [ الفتح : 2 ] فكذلك هاهنا .
قوله تعالى : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } يعني طريق الذين مننت عليهم ، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه . وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه . فامنن علينا كما مننت عليهم .
أخبرنا الفقيه ، أبو جعفر قال : حدثنا أبو بكر ، أحمد بن محمد بن سهل ، القاضي قال : حدثنا أحمد بن جرير قال : حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال : حدثنا هشام بن القاسم قال : حدثنا حمزة بن المغيرة ، عن عاصم ، عن أبي العالية في قوله تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم * صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } قال : هو النبي عليه السلام وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قال عاصم : فذكرت ذلك للحسن البصري فقال : صدق والله أبو العالية ونصح .
وقوله تعالى : { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ } أي غير طريق اليهود . يقول : لا تخذلنا بمعصيتنا ، كما خذلت اليهود فلم تحفظ قلوبهم ، حتى تركوا الإسلام .
{ وَلاَ الضالين } يعني ولا النصارى ، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا . وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود ، والضالين أراد به النصارى ، فإن قيل : أليس النصارى من المغضوب عليهم؟ واليهود أيضاً من الضالين؟ فكيف صرف المغضوب إلى اليهود ، وصرف الضالين إلى النصارى؟ قيل له : إنّما عرف ذلك بالخبر واستدلالاً بالآية . فأما الخبر ، فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً سأله وهو بوادي القرى : من المغضوب عليهم؟ قال : اليهود قال : ومن الضالين؟ فقال : النصارى؛ وأما الآية ، فلأن الله تعالى قال في قصة اليهود : { بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنزَلَ الله بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ } [ البقرة : 90 ] وقال تعالى في قصة النصارى : { قُلْ يَأَهْلَ الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ الحق وَلاَ تتبعوا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السبيل } [ المائدة : 77 ] .
«آمين» ليس من السورة . ولكن روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوله ويأمر به ، ومعناه ما قال ابن عباس : يعني كذلك يكون . وروي عن مجاهد أنه قال : هو اسم من أسماء الله تعالى ويكون معناه : يا الله استجب دعاءنا . وقال بعضهم : هي لغة بالسريانية . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : مَا حَسَدَتْكُمْ اليَهُودُ فِي شَيْءٍ ، كَحَسَدِهِمْ فِي «آمين» خَاتَمِ رَبِّ العَالَمِينَ ، يَخْتِمُ بِهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ . وقال مقاتل : هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة . وروى الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معنى آمين؟ قال : رَبِّ افْعَلْ . ويقال : فيه لغتان «أمين» بغير مد ، و«آمين» بالمد ، ومعناهما واحد ، وقد جاء في أشعارهم كلا الوجهين . قال القائل :
تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ دَعَوْتُه ... آمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا
وقال الآخر :
يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدَا ... وَيَرْحَمُ الله عَبْداً قَالَ : آمِينَا
وصلى الله على سيدنا محمد .

(1/5)


الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)

قال الفقيه : حدثني أبي رحمه الله قال : حدثني محمد بن حامد قال : حدثنا علي بن إسحاق قال : حدثنا محمد بن مروان ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس في قوله تعالى : { الم } يعني : أنا الله أعلم . ومعنى قول ابن عباس { أَنَا الله * أَعْلَمُ } يعني الألف : أنا ، واللام : الله ، والميم : أعلم ، لأن القرآن نزل بلغة العرب ، والعرب قد كانت تذكر حرفاً وتريد به تمام الكلمة؛ ألا ترى إلى قول القائل :
قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَاف ... لاَ تَحْسَبِي أَنَّا نَسِينَا الإِيجَاف
يعني بالقاف : قد وقفت .
وقال الكلبي : هذا قسم ، أقسم الله تعالى بالقرآن أن هذا الكتاب الذي أنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، هو الكتاب الذي نزل من عند الله تعالى لا ريب فيه . وقال بعض أهل اللغة : إن هذا الذي قال الكلبي لا يصح ، لأن جواب القسم معقود على حروف مثل : إن ، وقد ، ولقد ، وما ، واللام وهنا لم نجد حرفاً من هذه الحروف ، فلا يجوز أن يكون يميناً . ولكن الجواب أن يقال : موضع القسم قوله { لاَ رَيْبَ فِيهِ } ، فلو أن إنساناً حلف فقال : والله هذا الكتاب لا ريب فيه ، لكان الكلام سديداً ، وتكون «لا» جواباً للقسم ، فثبت أن قول الكلبي صحيح سديد . فإن قيل : إيش الحكمة في القسم من الله تعالى ، وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين ، مصدق ومكذب؛ فالمصدق يصدق بغير قسم ، والمكذب لا يصدق مع القسم . قيل له : القرآن نزل بلغة العرب ، والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه ، أقسم على كلامه ، فالله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده .
وقد قيل { الم } : الألف : الله تعالى ، واللام : جبريل ، والميم : محمد صلى الله عليه وسلم ويكون معناه : الله الذي أنزل جبريل على محمد بهذا القرآن لا ريب فيه .
وقال بعضهم : كل حرف هو افتتاح اسم من أسماء الله تعالى . فالألف مفتاح اسمه : الله ، واللام مفتاح اسمه : اللطيف ، الميم مفتاح اسمه : مجيد ويكون معناه : الله اللطيف المجيد أنزل الكتاب .
وروي عن محمد بن كعب بن علي الترمذي أنه قال : إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة ، ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي ، ثم بين ذلك في جميع السور ليفقه الناس . وروي عن الشعبي أنه قال : إن لله تعالى سراً جعله في كتبه ، وإن سره في القرآن هو الحروف المقطعة . وروي عن عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر؛ وعن علي رضي الله عنه : هو اسم من أسماء الله تعالى ، فرقت حروفه في السور .

(1/6)


يعني أن هاهنا قد ذكر { الم } وذكر : { الر } في موضع آخر وذكرٍ : { حم } في موضع آخر وذكر : { ***نون } في موضع ، فإذا جمعت يكون ( الرحمن ) ، وكذلك سائر الحروف إذا جمع يصير اسماً من أسماء الله .
وذكر قطرب : أن المشركين كانوا لا يستمعون القرآن ، كما قال الله تعالى : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [ فصلت : 26 ] فأراد أن يسمعهم شيئاً لم يكونوا سمعوه ، ليحملهم ذلك إلى الاستماع حتى تلزمهم الحجة . وقال بعضهم : إن المشركين كانوا يقولون : لا نفقه هذا القرآن ، لأنهم قالوا : { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءَاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فاعمل إِنَّنَا عاملون } [ فصلت : 5 ] فأراد الله أن يبين لهم أن القرآن مركب على الحروف التي ركبت عليها ألسنتكم ، يعني هو على لغتكم ، ما لكم لا تفقهون؟ وإنما أراد بذكر الحروف تمام الحروف ، كما أن الرجل يقول : علمت ولدي : أ ، ب ، ت ، ث ، وإنما يريد جميع الحروف ولم يرد به الحروف الأربعة خاصة .
وقال بعضهم : هو من شعار السور وكان اليهود أعداء الله فسروه على حروف الجمل ، لأنه ذكر أن جماعة من اليهود ، منهم كعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب ، وأبو ياسر بن أخطب ، وشعبة بن عمرو ، ومالك بن الصيف دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : بلغنا أنك قرأت : { الم * ذلك الكتاب } فإن كنت صادقاً ، فيكون بقاء أمتك إحدى وسبعين سنة ، لأن الألف : واحد ، واللام : ثلاثون ، والميم : أربعون ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا له : وهل غير هذا؟ قال : نعم . { المص } فقالوا : هذا أكثر لأن ( ص ) تسعون . فقالوا : هل غير هذا؟ قال : نعم . { الر } فقالوا : هذا أكثر ، لأن ( الراء ) : مائتان ، ثم ذكر { المر } فقالوا : خلطت علينا يا محمد لا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟ وإنما أدركوا من القرآن مقدار عقولهم ، وكل إنسان يدرك العلم بمقدار عقله . وكل ما ذكر في القرآن من الحروف المقطعة ، فتفسيره نحو ما ذكرنا ها هنا؛ والله أعلم بالصواب .
قوله عز وجل : { ذلك الكتاب } أي هذا الكتاب { لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي لا شك فيه أنه مني ، لم يختلقه محمد من تلقاء نفسه . وقد يوضع ذلك بمعنى هذا ، كما قال القائل :
أقول له والرمح يأْطِرُ مَتْنَه ... تَأمَّلْ خِفَافاً أَنَّنِي أَنَا ذَلِكَا
يعني هذا . وقال بعضهم : معناه ذلك الكتاب الذي كنت وعدتك يوم الميثاق أن أوحيه إليك ، وقال بعضهم : معناه ذلك الكتاب الذي وعدت في التوارة والإنجيل أن أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .
وروي عن زيد بن أسلم أنه قال : أراد بالكتاب اللوح المحفوظ ، يعني الكتاب ثبت في اللوح المحفوظ .

(1/7)


وقوله : { لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي لا شك فيه أنه من الله تعالى ولم يختلقه محمد من تلقاء نفسه . فإن قيل : كيف يجوز أن يقال : لا شك فيه؟ وقد شك فيه كثير من الناس وهم الكفار والمنافقون؟ قيل له : معناه لا شك فيه عند المؤمنين وعند العقلاء . وقيل : معناه لا شك فيه ، أي لا ينبغي أن يشك فيه ، لأن القرآن معجز فلا ينبغي أن يشك فيه أنه من الله تعالى .
قوله عز وجل : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } أي بياناً لهم من الضلالة للمتقين الذين يتقون الشرك والكبائر والفواحش . فهذا القرآن بيان لهم من الضلالة ، وبيان لهم من الشبهات ، وبيان الحلال من الحرام . فإن قيل : فيه بيان لجميع الناس ، فكيف أضاف إلى المتقين خاصة؟ قيل له : لأن المتقين هم الذين ينتفعون بالبيان ، ويعملون به فإذا كانوا هم الذين ينتفعون ، صار في الحقيقة حاصل البيان لهم . روي عن أبي روق أنه قال : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } أي كرامة لهم . يعني إنما أضاف إليهم إجلالاً وكرامة لهم ، وبياناً لفضلهم .

(1/8)


الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)

قوله تعالى : { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } أي يصدقون بالغيب . والغيب : هو ما غاب عن العين ، وهو محضر في القلب . وإنما أراد به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تابعهم إلى يوم القيامة ، أنهم يصدقون بغيب القرآن أنه من الله تعالى فيحلون حلاله ، ويحرمون حرامه . ويقال : يؤمنون بالغيب يعني بالله تعالى . حدثنا الخليل بن أحمد قال : حدثنا الديبلي قال : حدثنا أبو عبيد الله ، قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا أصحابنا ، عن الحارث بن قيس أنه قال لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه نحتسب بكم يا أصحاب محمد ما سبقتمونا به من رؤية محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته ، فقال عبد الله بن مسعود : ونحن نحتسب لكم إيمانكم به ولم تروه ، وإن أفضل الإيمان الإيمان بالغيب ، ثم قرأ عبد الله { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } وقد قيل : ( يؤمنون بالغيب ) يعني يصدقون بالبعث بعد الموت .
وقوله تعالى : { وَيُقِيمُونَ الصلاة } ، أي يديمون الصلاة ، وقد قيل أيضاً : إن العبد يديم الصلاة وقد قيل : يحافظون على الصلوات الخمس بمواقيتها وركوعها وسجودها والتضرع بعدها . وقد قيل : إن العبد إذا صلى صلاة تُقْبَلُ منه ، خلق الله تعالى منها ملكاً يقوم ويصلي لله إلى يوم القيامة وثوابه لصاحب الصلاة فهذا معنى قوله : { وَيُقِيمُونَ الصلاة } .
وقوله عز وجل : { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } أي يتصدقون ، قال الكلبي : وهو زكاة المال . وروى أسباط ، عن السدي ، عن أصحابه قال : هي نفقة الرجل على أهله وهذا قبل نزول آية الزكاة . ويقال : ينفقون أي يتصدقون صدقة التطوع . ويقال : هي عليهم جميعاً التطوع والفريضة .

(1/9)


وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

قوله تعالى : { والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } يعني بالقرآن قوله : { وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } يعني التوراة والإنجيل وسائر الكتب ، ويقال : لما نزلت هذه الآية { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } قالت اليهود والنصارى : نحن آمنا بالغيب؛ فلما قال : { وَيُقِيمُونَ الصلاة } قالوا : نحن نقيم الصلاة؛ فلما قال : { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } قالوا : نحن ننفق ونتصدق . فلما قال : { والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } نفروا من ذلك .
وقوله : { وبالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ } أي يقرُّون يوم القيامة ، والجنة والنار ، والبعث ، والحساب ، والميزان . واليقين على ثلاثة أوجه : يقين عيان ، ويقين خبر ، ويقين دلالة . فأما يقين العيان : إذا رأى شيئاً ، زال عنه الشك في ذلك الشيء ، وأما يقين الدلالة : هو أن يرى دخاناً يرتفع من موضع ، يعلم باليقين أن هناك ناراً وإن لم يرها؛ وأما يقين الخبر : فإن الرجل يعلم باليقين أن في الدنيا مدينة يقال لها بغداد ، وإن لم يكن يعاينها . فهاهنا يقين خبر ، ويقين دلالة ، أن الآخرة حق ولكن تصير معاينة عند الرؤية .
ثم قال عز وجل : { أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ } يعني أهل هذه الصفة الذين سبق ذكرهم على بيان من الله تعالى ، أي أكرمهم الله تعالى في الدنيا حيث هداهم ، وبين لهم طريقهم . { وأولئك هُمُ المفلحون } في الآخرة ، أي الناجون . يعني أن الله تعالى أكرمهم في الدنيا بالبيان ، وفي الآخرة بالنجاة . وقد قيل : الفلاح هو البقاء في النعمة . وقد قيل : الفلاح إذا بلغ الإنسان نهاية ما يأمل . ويقال : معناه قد وجدوا ما طلبوا ، ونجوا من شر ما منه هربوا . وكل ما في القرآن المفلحون ، فتفسيره هكذا .

(1/10)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)

قوله تعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } إن هاهنا للتأكيد وهو حرف من حروف القسم . والكفر في اللغة : هو الستر ، يقال : ليلة كافرة إذا كات شديدة الظلمة؛ وإنما سمي الكافر كافراً ، لأنه يستر نعم الله تعالى .
وقوله عز وجل : { سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ } قرأ أهل الكوفة وعاصم وحمزة والكسائي { ءأَنذَرْتَهُمْ } بهمزتين ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في رواية هشام بهمزة واحدة مع المد { آنذرتهم } وتفسير القراءتين لا يختلف . قال مقاتل : نزلت هذه الآية في مشركي قريش ، منهم : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل وغيرهم . وقال الكلبي : نزلت في رؤساء اليهود منهم : كعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب ، وأبو ياسر بن أخطب . قال الكلبي : وليس هو بأخي حيي . وقال بعضهم هو أخو حيي؛ دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم حيث سألوه عن { الضالين الم } و { المص } ثم خرجوا من عنده فنزل قوله : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } أي جحدوا بالقرآن { سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } يعني خوفتهم أو لم تخوفهم { لاَ يُؤْمِنُونَ } أي لا يصدقون . فإن قيل : إذا علم أنهم لا يؤمنون ، فما معنى دعوتهم إلى الإسلام؟ قيل له : لأن في الدعوة زيادة الحجة عليهم ، كما أن الله تعالى بعث موسى إلى فرعون ليدعوه إلى الإسلام وعلم أنه لا يؤمن . وجواب آخر : أن الآية خاصة ، وليست بعامة ، وإنما أراد به بعض الكفار الذين ثبتوا على كفرهم ، كما روي عن صفية بنت حيي بن أخطب قالت : رجع أبي وعمي من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أحدهما لصاحبه : ما ترى في هذا الرجل؟ فقال : إنه نبي ، فقال : ما رأيك في اتباعه؟ فقال : رأيي أن لا أتبعه ، وأن أظهر له العداوة إلى الموت . فلم نزلت الآية في شأن مثل هؤلاء الذين قد ظهر لهم الحق وكانوا لا يؤمنون . فقال : { ءأَنذَرْتَهُمْ } . وأصل الإنذار هو الإعلام ، يعني خوفتهم بالنار ، وأعلمتهم بالعذاب أو لم تعلمهم ، فهو سواء ولا يصدقونه .

(1/11)


خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)

قوله تعالى : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي طبع الله ، ومعنى الختم على قلوبهم أي ، ليس أنه يذهب بعقولهم ولكنهم لا يتفكرون فيعتبرون بعلامات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيؤمنون ، { وعلى سَمْعِهِمْ } فهم لا يسمعون الحق ، { وعلى أبصارهم غشاوة } أي غطاء فلا يبصرون الهدى . واتفقت الأئمة السبعة رحمهم الله على القراءة برفع الهاء ( غشاوة ) وقرأ بعضهم بنصبها وهي قراءة شاذة . فأما من قرأ برفع الهاء ، فهو على معنى الابتداء أي : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ، ثم ابتدأ فقال { وعلى أبصارهم غشاوة } ؛ وأما من قرأ بالنصب فيكون الجعل فيه مضمراً ، يعني : جعل على أبصارهم غشاوة . فقد ذكر في شأن المؤمنين ثوابهم في الدنيا الهدى ، وفي الآخرة الفلاح ، وذكر في شأن الكفار عقوبتهم في الدنيا الختم ، وفي الآخرة { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } يعني عذاباً وجيعاً ، يخلص الوجع إلى قلوبهم .
قال الفقيه رحمه الله وفي الآية إشكال في موضعين : أحدهما في اللفظ والآخر في المعنى؛ فأما الذي في اللفظ { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } ذكر جماعة القلوب ثم قال : { وعلى سَمْعِهِمْ } ذكر بلفظ الوحدان ثم قال : { وعلى أبصارهم } ذكر بلفظ الجمع ، فجوابه : إن السمع مصدر والمصدر لا يثنى ولا يجمع ، فلهذا المعنى والله أعلم ذكر بلفظ الوحدان . وقد قيل : معنى { وعلى سَمْعِهِمْ } أي : موضع سمعهم ، لأن السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع . وقد قيل : إن الإضافة إلى الجماعة تغني عن لفظ الجماعة ، لأنه قال : { وعلى سَمْعِهِمْ } فقد أضاف إلى الجماعة ، والشيء إذا أضيف إلى الجماعة مرة يذكر بلفظ الجماعة ، ومرة يذكر بلفظ الوحدان ، فلو ذكر القلوب والأبصار بلفظ الوحدان لكان سديداً في اللغة؛ فذكر البعض بلفظ الوحدان ، والبعض بلفظ الجماعة؛ وهذه علامة الفصاحة ، لأن كتاب الله تعالى أفصح الكلام .
وأما الإشكال الذي في المعنى أن يقال : إذا ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ، فمنعهم عن الهدى فكيف يستحقون العقوبة؟ والجواب عن هذا : أن يقال : إنه ختم مجازاة لكفرهم . كما قال في آية أخرى : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثاقهم وَكُفْرِهِم بأايات الله وَقَتْلِهِمُ الانبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } [ النساء : 155 ] لأن الله تعالى قد يسر عليهم سبيل الهدى ، فلو جاهدوا لوفقهم ، كما قال تعالى { والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين } [ العنكبوت : 69 ] ، فلما لم يجاهدوا واختاروا الكفر عاقبهم الله تعالى في الدنيا بالختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ، وفي الآخرة بالعذاب العظيم .
وروي عن مجاهد أنه قال : من أول سورة البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين ، وآيتان في نعت الكافرين ، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين . وروي عن مقاتل أنه قال : آيتان من أول السورة في نعت المؤمنين المهاجرين ، وآيتان في نعت المؤمنين غير المهاجرين ، وآيتان في نعت مؤمني أهل الكتاب ، وآيتان في نعت الكفار ، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين من قوله : { وَمِنَ الناس } [ البقرة : 8 ] إلى قوله : { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } [ البقرة : 20 ] .

(1/12)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)

قوله تعالى : { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله } : ( من ) للتبعيض ، فإنه أراد به بعض الناس ولم يرد به جميع الناس ، فكأنه قال : بعض الناس يقولون : آمنا بالله . وقد قيل : معناه : ومنناس يقولون : آمنا بالله ، يعني صدقنا بالله { وباليوم الأخر } . بعد الموت { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } يعني ليسوا بمصدقين منافقون منهم : عبد الله بن أبي ابن سلول الخزرجي ، ومعتب بن قشير ، وجد بن قيس ومن تابعهم من المنافقين . وفي هذه الآية دليل على أن القول بغير تصديق القلب لا يكون إيماناً ، لأن المنافقين كانوا يقولون بألسنتهم ، ولم يكن لهم تصديق القلب ، فنفى الله الإيمان عنهم فقال : { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } .

(1/13)


يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)

قوله تعالى : { يخادعون الله } وأصل الخداع في اللغة هو الستر . يقال للبيت الذي يخزن فيه المال : مخدع ، والعرب تقول : انخدعت الضب في جحرها . فكان المنافقون يظهرون الإيمان ويسترون نفاقهم وكفرهم فقال : { يخادعون الله والذين ءامَنُوا } أي يكذبون ويخالفون الله والذين آمنوا ويقال يظنون أنهم يخادعون الله والذين آمنوا ، لأنه قد بين في سياق الآية حيث قال تعالى : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } . روي عن الأخفش أنه قال : اجترؤوا على الله ، حتى ظنوا أنهم يخادعون الله . وقال بكر بن جريج : يظهرون لا إله إلا الله ، يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم وأنفسهم؛ ويقال : يظهرون غير ما في أنفسهم . وهذا موافق لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : علامة المنافق ثلاث : إذا وعد أخلف ، وإذا أوتمن خان ، وإذا حدَّث كذب .
وقوله : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } . قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة الكسائي { وَمَا يَخْدَعُونَ } بغير ألف ، وقرأ الباقون بالألف { وَمَا * يخادعون } . وتفسير القراءتين واحد يعني : وبال الخداع يرجع إليهم ويضر بأنفسهم .
قوله : { وَمَا يَشْعُرُونَ } . قال الكلبي : يعني وما يعلمون أن الله يطلع نبيه على كذبهم؛ وقال بعضهم : معناه وما يشعرون أن وبال الخداع يرجع إليهم .

(1/14)


فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)

قوله تعالى : { فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } يعني شكاً ونفاقاً وظلمة وضعفاً ، لأن المريض فيه فترة ووهن ، والشاك أيضاً في أمره فترة وضعف . فعبَّر بالمرض عن الشك ، لأن المنافقين فيهم ضعف ووهن ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجسامهم وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العدو فاحذرهم قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [ المنافقون : 4 ] . ويقال : إن المريض تعرض للهلاك ، فسمي النفاق مرضاً ، لأن النفاق قد يهلك صاحبه ، لأن الخلق على مراتب ثلاث ، ميت في الأحوال كلها كالكافر ، وحي في الأحوال كلها كالمؤمن لقوله تعالى : { أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى الناس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الأنعام : 122 ] ، ومريض كالمنافق .
ثم قال تعالى : { فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا } وهذا اللفظ يحتمل معنين : يحتمل الخبر عن الماضي ، ويحتمل الدعاء؛ فإن كان المراد به الخبر فمعناه : في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً إلى مرضهم ، كما قال في آية أخرى { وَأَمَّا الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كافرون } [ التوبة : 125 ] ، لأن كل سورة نزلت يشكون فيها ، فكان ذلك المرض لهم ، وللمؤمنين زيادة اليقين . وإن كان المراد به الدعاء ، فمعناه : فزادهم الله مرضاً على مرضهم ، على وجه الذم والطرد لهم ، كما قال في آية أخرى { وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بأفواههم يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قاتلهم الله أنى يُؤْفَكُونَ } [ التوبة : 30 ] أو لعنهم الله ، فإن قيل : كيف يجوز أن يحمل على وجه الدعاء ، وإنما يحتاج إلى الدعاء عند العجز؟ قيل له : هذا تعليم من الله تعالى أنه يجوز الدعاء على المنافقين والطرد لهم ، لأنهم شر خلق الله تعالى ، لأنه وعد لهم يوم القيامة الدرك الأسفل من النار .
ثم قال : { قاتلهم الله } [ التوبة : 30 ] أو لعنهم الله ، فإن قيل : كيف يجوز أن يحمل على وجه الدعاء ، وإنما يحتاج إلى الدعاء عند العجز؟ قيل له : هذا تعليم من الله تعالى أنه يجوز الدعاء على المنافقين والطرد لهم ، لأنهم شر خلق الله تعالى ، لأنه وعد لهم يوم القيامة الدرك الأسفل من النار .
ثم قال : { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعني مؤلم ، أي عذاب وجيع الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم .
قوله : { بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } أي مجازاة لهم بتكذيبهم .
قرأ حمزة وابن عامر { فَزَادَهُمُ الله } بكسر الزاي ، وهي لغة بعض العرب ، وقرأ عاصم وأبو عمرو بالفتح ، وهي اللغة الظاهرة ، وقرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي { يَكْذِبُونَ } بتخفيف الذال ، وقرأ الباقون بالتشديد . فمن قرأ بالتخفيف فمعناه : بما كانوا يكذبون بقولهم أنهم مؤمنون ، وجحدوا في السر لأنهم كفروا بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم في السر . ومن قرأ بالتشديد فمعناه : بما كانوا يكذبون ، يعني ينسبون محمداً إلى الكذب ، ويجحدون نبوته .

(1/15)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)

قوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } ، قرأ الكسائي برفع القاف وكذلك كل ما ذكر في القرآن مثل : قيل وحيل وسيق ، وقرأ حمزة وعاصم وغيرهما بكسر القاف . وأصله في اللغة قول مع الواو ، فحذفت الواو للتخفيف ، فجعل الكسائي الرفع مكان الواو وغيره ، وقرأ بالكسر للتخفيف . والآية نزلت في شأن المنافقين { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } يعني المنافقين { لاَ تُفْسِدُواْ فِى الارض } أي : لا تعملوا فيها بالمعاصي وهو الفساد لأن الأرض كانت قبل أن يبعث النبي عليه السلام فيها الفساد ، وكان يُعمل فيها بالمعاصي ، فلما بعث الله النبي ، عليه السلام ارتفع الفساد وصلحت الأرض؛ فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، كما قال في آية أخرى { وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الارض بَعْدَ إصلاحها ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 85 ] .
{ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أي نعمل بالطاعة ، ولا نعمل بالمعاصي . وقد قيل : معنى لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، أي لا تداهنوا بين الناس ولا تعملوا بالمداهنة ، { قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } يعني لا نعادي الكفار ولا المؤمنين ، حتى لو كانت الغلبة للمؤمنين أو للكفار ، لا يصيبنا من دائرتهم شيء .

(1/16)


أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)

قال الله تعالى : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون } في الأرض وليسوا بمصلحين ، لأن عداوتهم مع الفريقين ، لأن كل فريق منهم يعلم أنهم ليسوا معهم . وقد قيل : معناه لا تفسدوا في الأرض بتفريق الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم ، أي لا تصرفوا الناس عن دينه { قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } بتفريقنا عن دينه . { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون } ألا : كلمة تنبيه ، فنبه المؤمنين وأعلمهم نفاقهم ، فكأنه قال : ألا أيها المؤمنون ، اعلموا أنهم هم المفسدون العاصون . ويكون تكرار كلمة هم على وجه التأكيد ، والعرب إذا كررت الكلام تريد به التأكيد . قال تعالى : { ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ } أنهم مفسدون .

(1/17)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا ءَامَن النَّاسُ } . قال في رواية الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن هذه الآية نزلت في شأن اليهود { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } يعني اليهود { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ } يعني عبد الله بن سلام وأصحابه . { قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء } يعني الجهال الخرقى . قال الله تعالى : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء } يعني الجهال الخرقى بتركهم الإيمان بمحمد عليه السلام ، { ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ } أنهم سفهاء .
وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في شأن المنافقين ، وهكذا قال مجاهد ومعناه : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ } يعني صدِّقوا بقلوبكم ، كما صدَّق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم { قَالُواْ أَنُؤْمِنُ } يعني المنافقين أنصدِّق كما صدق الجهال . قال الله تعالى : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء } يعني الجهّال بتركهم التصديق في السر ، ولكن لا يعلمون أنهم جهال .

(1/18)


وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)

ثم قال تعالى : { وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } ، نزلت هذه الآية في ذكر المنافقين ، منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، وجد بن قيس ، ومعتب بن قشير وغيرهم؛ وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم مرّوا بقوم من المنافقين ، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه : انظروا كيف أرد هؤلاء الجهال عنكم فتعلّموا مني كيف أكلمهم ، فأخذ بيد أبي بكر ، وقال : مرحباً بسيد بني تميم ، وثاني اثنين ، وصاحبه في الغار ، وصفيه من أمته ، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أخذ بيد عمر قال : مرحباً بسيد بني عدي القوي في أمر الله تعالى ، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أخذ بيد علي فقال : مرحباً بسيد بني هاشم ، ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الباذل نفسه ودمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والسابق إلى الهجرة؛ فقال له علي : اتق الله يا عبد الله ولا تنافق ، فإن المنافقين شر خليقة الله . قال : فلم تقول هكذا وإيماني كإيمانكم وتصديقي كتصديقكم . ثم افترقوا ، فقال عبد الله لأصحابه : كيف رأيتم ردي هؤلاء عنكم؟ فقالوا : لا نزال بخير ما عشت لنا ، فنزلت الآية : { وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } يعني إيماننا كإيمانكم ، وتصديقنا كتصديقكم .
قوله تعالى : { وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم } قال الكلبي : يعني إلى كهنتهم وهم خمسة رهط من اليهود ، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان ، منهم كعب بن الأشرف بالمدينة ، وأبو بردة الأسلمي في بني سليم ، وأبو السوداء بالشام ، وعبد الدار من جهينة ، وعوف بن مالك من بني أسد . ويقال : { وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم } يعني إلى رؤسائهم في الضلالة . وقال أبو عبيدة : كل عات متمرد فهو شيطان ثم قال تعالى : { قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } أي على دينكم { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم

(1/19)


اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)

قال الله تعالى : { الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } أي يجازيهم جزاء الاستهزاء . وذكر في رواية الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما الاستهزاء أن يُفتح لهم وهم في جهنم ، باب من الجنة فيهللون ويصيحون في النار فيهلكون والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم ، فإذا انتهوا إلى الباب سدّ عليهم ، وفتح لهم باب آخر في مكان آخر ، والمؤمنون ينظرون إليهم ويضحكون ، كما قال في آية أخرى { فاليوم الذين ءَامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ } [ المطففين : 34 ] الآية . وقال مقاتل : الاستهزاء ما ذكره الله تعالى في سورة الحديد { يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارجعوا وَرَآءَكُمْ فالتمسوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وظاهره مِن قِبَلِهِ العذاب } [ الحديد : 13 ] فهذا استهزاء بهم . ثم قال تعالى : { وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ } يعني يتركهم في ضلالتهم يتحيرون ويترددون عقوبة لهم لاستهزائهم .

(1/20)


أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)

قوله عز وجل : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } ، يعني اختاروا الكفر على الإيمان . وفي الآية دليل أن الشراء قد يكون بالمعنى دون اللفظ وهو المبادلة ، لأن الله تعالى سمى استبدالهم الضلالة بالهدى شراء ، ولم يكن هنالك لفظ شراء .
قوله تعالى : { فَمَا رَبِحَت تجارتهم } فقد أضاف الربح إلى التجارة على وجه المجاز . والعرب تقول : ربحت تجارة فلان ، وخسرت تجارة فلان ، وإنما يريدون به أنه ربح في تجارته ، والله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب على ما يتعارفون فيما بينهم فلذلك قال : { فَمَا رَبِحَت تجارتهم } أي فما ربحوا في تجارتهم .
قوله تعالى : { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } قال بعضهم : معناه وما هم بمهتدين في الحال ، كقوله تعالى : { فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى المهد صَبِيّاً } [ مريم : 29 ] أي من هو في المهد صبي في الحال . وقال بعضهم : معناه { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } من قبل لأنهم لو كانوا مهتدين من قبل ، لوفقهم الله تعالى في الحال ، ولكن لما لم يكونوا مهتدين من قبل ، خذلهم الله تعالى مجازاة لأفعالهم الخبيثة .

(1/21)


مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)

قوله تعالى : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً } ، روى معاوية بن طلح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت هذه الآية في شأن اليهود الذين هم حوالي المدينة ، فقال : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ } يعني كمثل من كان في المفازة في الليلة المظلمة وهو يخاف السباع ، فأوقد ناراً فأمن بها من السباع ، { فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ } طفئت ناره وبقي في الظلمة ، كذلك اليهود الذين كانوا حوالي المدينة كانوا يقرون بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج ، وكانوا إذا حاربوا أعداءهم من المشركين يستنصرون باسمه فيقولون بحق نبيك أن تنصرنا ، فلما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة ، حسدوه وكذبوه وكفروا به فطفئت نارهم وبقوا في ظلمات الكفر .
وقال مقاتل : نزلت في المنافقين ، يقول : مثل المنافق مع النبي صلى الله عليه وسلم كمثل رجل في مفازة فأوقد ناراً فأمن بها على نفسه واهله وعياله وماله ، فكذلك المنافق يتكلم بلا إله إلا الله مرآة الناس ، ليأمن بها على نفسه وأهله وعياله وماله ويناكح مع المسلمين ، وكان له نور بمنزلة المستوقد النار يمشي في ضوءها ما دامت ناره تتقد ، فلما أضاءت النار أبصر ما حوله بنورها وذهب نورها فبقي في ظلمة .
قوله تعالى : { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } أي يذهب الله بنور الإيمان الذي يتكلم به ، { وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ } الهدى ، فكذلك المنافق إذا بلغ آخر عمره بقي في ظلمة كفره . وهكذا فسّره قتادة والقتبي وغيرهما .

(1/22)


صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)

ثم قال تعالى : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } وفي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «صُمّاً بُكْمّاً عُمْياً» ، وإنما جعلها نصباً لوقوع الفعل عليها ، يعني وتركهم صماً بكماً عمياً . وقرأ غيره : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } ومعناه هم { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } . وتفسير الآية أنهم يتصاممون ، حيث لم يسمعوا الحق ولم يتكلموا به ، ولم يبصروا العبرة والهدى ، فكأنهم صم بكم عمي ، ولأن الله تعالى خلق السمع والبصر واللسان لينتفعوا بهذه الأشياء ، فإذا لم ينتفعوا بالسمع والبصر صار كأن السمع والبصر لم يكن لهم . كما أن الله تعالى سمى الكفرة موتى حيث قال تعالى : { أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى الناس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الأنعام : 122 ] يعني كافراً فهديناه؛ وإنما سماهم موتى والله أعلم لأنه لا منفعة لهم في حياتهم ، فكأن تلك الحياة لم تكن لهم ، فكذلك السمع والبصر واللسان ، إذا لم ينتفعوا بها فكأنها لم تكن لهم ، فكأنهم صم بكم عمي فهم لا يرجعون ، يعني لا يرجعون إلى الهدى .
وقال القتبي : معنى قوله تعالى : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ } [ البقرة : 19 ] قال : الظلمة الأولى كانت ظلمة الكفر ، استيقادهم النار قول : لا إله إلا الله ، وإذا خلوا إلى شياطينهم فنافقوا . وقالوا { مق { وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ قالوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ } [ البقرة : 14 ] فسلبهم نور الإيمان ، { وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ } [ البقرة : 17 ] .

(1/23)


أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)

{ أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السماء فِيهِ ظلمات } يعني كمطر نزل من السماء فضرب لهم الله تعالى مثلاً آخر ، لأن العرب كانوا يوضحون الكلام بذكر الأمثال ، فالله ضرب لهم الأمثال ليوضح عليهم الحجة ، فضرب لهم مثلاً بالمستوقد النار ، ثم ضرب لهم مثلاً آخر بالمطر . فإن قيل كلمة أو إنما تستعمل للشك فما معنى { أَوْ } ها هنا ، فقيل له : أو قد تكون للتخيير ، فكأنه قال : إن شئتم فاضربوا لهم مثلاً بالمستوقد النار ، وإن شئتم فاضربوا لهم المثل بالمطر ، فأنتم مصيبون في ضرب المثل في الوجهين جميعاً . وهذا كما قال في آية أخرى : { أَوْ كظلمات فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ يغشاه مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظلمات بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } [ النور : 40 ] فكذلك ها هنا أو للتخيير لا للشك . وقد قيل : أو بمعنى الواو يعني ، وكصيب من السماء ، معناه : مثلهم كرجل في مفازة في ليلة مظلمة فنزل مطر من السماء ، وفي المطر ظلمات { وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ } ؛ والمطر : هو القرآن ، لأن في المطر حياة الخلق وإصلاح الأرض ، وكذلك القرآن حياة القلوب ، فيه هدى للناس ، وبيان من الضلالة وإصلاح ، فلهذا المعنى شبه القرآن بالمطر . والظلمات : هي الشدائد والمحن التي تصيب المسلمين ، والشبهات التي في القرآن ، والرعد : هو الوعيد الذي ذكر للمنافقين والكفار في القرآن ، والبرق : ما ظهر من علامات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ودلائله .
قوله تعالى : { وَيَجْعَلُونَ *** أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السماء فِيهِ } ، أي يتصاممون عن سماع الحق { حَذَرَ الموت } أي لحذر الموت ، إنما نصب لنزع الخافض ، مثل قوله { واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وإياى أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين } ، [ الأعراف : 155 ] أي من قومه ، فكذلك هاهنا { حَذَرَ الموت } ، أي لحذر الموت ومعناه : مخافة أن ينزل في القرآن شيء يظهر حالهم ، كما قال في آية أخرى { وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصرفوا صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون } [ التوبة : 127 ] قال بعضهم : في الآية مضمر ، ومعناها يجعلون أصابعهم في آذانهم من الرعد ، ويغمضون أعينهم من الصواعق . وقال أهل اللغة : الصاعقة صوت ينزل من السماء فيه نار ، فمن قال بهذا القول لا يحتاج إلى الإضمار في الآية : يجعلون أصابعهم في آذانهم من خوف الصاعقة { والله مُحِيطٌ بالكافرين } أي عالم بأعمالهم . والإحاطة : هي إدراك الشيء بكماله .

(1/24)


يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)

قوله تعالى : { يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم } ، أي ضوء البرق ، يذهب ويختلس بأبصارهم من شدة ضوء البرق فكذلك نور إيمان المنافق يكاد يغطي على الناس كفره في سره ، حتى لا يعلموا كفره . وقد قيل : معناه يكاد أن يظهر عليهم نور الإسلام ، فيثبتون على ذلك .
ثم قال : { كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ } ، أي كلما لمع البرق في الليلة المظلمة مضوا فيه ، { وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ } ، أي إذا ذهب ضوء البرق { قَامُواْ } متحيرين فكذلك المنافق ، إذا تكلم بلا إله إلا الله ، يمضي مع المؤمنين ، ويمنع بها من السيف ، فإذا مات بقي متحيراً نادماً . ويقال : معناه { يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } [ البقرة : 20 ] أي كلما ظهر لهم دليل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وظهر لهم علاماته مالوا إليه ، وإذا أظلم عليهم ، أي إذا أصاب المسلمين محنة ، كما أصابتهم يوم أحد ، وكما أصابتهم يوم بئر معونة قاموا ، أي ثبتوا على كفرهم .
وروى أسباط ، عن السدي أنه قال : كان رجلان من المنافقين هربا من المدينة إلى المشركين ، فأصابهما من المطر الذي ذكر الله فيه ظلمات ورعد وبرق ، كلما أصابهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما فإذا لمع البرق مشيا في ضوئه ، وإذا لم يلمع لم يبصرا شيئاً ، فقاما مكانهما فجعلا يقولان : يا ليتنا لو أصبحنا فنأتي محمداً صلى الله عليه وسلم فنضع أيدينا في يده ، فأصبحا فأتياه فأسلما وحسن إسلامهما ، فضرب الله في شأن هذين المنافقين الخارجين مثلاً للمنافقين الذين كانوا بالمدينة ، ثم قال تعالى : { وَلَوْ شَاء الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم } ، قال بعضهم بسمعهم الظاهر الذي في الرأس وأبصارهم التي في الأعين ، كما ذهب بسمع قلوبهم ، وأبصار قلوبهم عقوبة لهم . قيل : معناه ، ولو شاء لجعلهم صماً وعمياً في الحقيقة ، كما جعلهم صماً وعمياً في الحكم . قد قيل : معناه ، ولو شاء الله لجعلهم صماً وعمياً في الآخرة ، كما جعلهم في الدنيا . وروي في إحدى الروايتين ، عن ابن عباس أنه قال : هذا من المكتوم الذي لا يفسر . ثم قال تعالى : { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } من العقوبة وغيرها .

(1/25)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)

{ ياأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ } ، أي أطيعوا ربكم ويقال : وحّدوا ربكم . وهذه الآية عامة ، وقد تكون كلمة يا أيها الناس خاصة لأهل مكة وقد تكون عامة لجميع الخلق ، فهاهنا { يا أَيُّهَا الناس } لجميع الخلق . يقول للكفار : وحدوا ربكم ، ويقول للعصاة : أطيعوا ربكم ، ويقول للمنافقين : أخلصوا بالتوحيد معرفة ربكم ، ويقول للمطيعين : اثبتوا على طاعة ربكم . واللفظ يحتمل هذه الوجوه كلها ، وهو من جوامع الكلم . واعلم أن النداء في القرآن على ست مراتب : نداء مدح ، ونداء ذم ، ونداء تنبيه ، ونداء إضافة ، ونداء نسبة ، ونداء تسمية . فأما نداء المدح فمثل قوله تعالى : ( ياأيها النبى ) ( يا أيها الرسل ) ( يا أيها الذين آمنوا ) ونداء الذم مثل قوله تعالى : ( يا أيهالذين كَفَرُواْ ) ( ياأيها الذين هَادُواْ ) ونداء التنبيه مثل قوله تعالى : ( يا أيهالإنسان ) ( يا أَيُّهَا الناس ) ونداء الإضافة مثل قوله تعالى : ( يا عِبَادِى ) ونداء النسبة مثل قوله : ( يا بني آدم ) ( يا بَنِى إسراءيل ) ونداء التسمية مثل قوله تعالى : ( يا دَاوُودُ ) ( يا إِبْرَاهِيمَ ) فهاهنا ذكر نداء التنبيه فقال : ( يا أَيُّهَا الناس ) ، أخبر بالنداء أنه يريد أن يأمر أمراً أو ينهى عن شيء . ثم بيّن الأمر فقال : { اعبدوا رَبَّكُمُ } ، يعني وحدوا وأطيعوا { الذى خَلَقَكُمْ } ، معناه : أطيعوا ربكم الذي هو خالقكم ، فخلقكم ولم تكونوا شيئاً { والذين مِن قَبْلِكُمْ } ، يعني وخلق الذين من قبلكم { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } المعصية وتنجون من العقوبة .

(1/26)


الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

{ الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض فِرَاشاً } معناه : اعبدوا ربكم الذي خلقكم وجعل لكم الأرض فراشاً ، يعني مهاداً وقراراً . وقال أهل اللغة : الأرض بساط العالم . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : إنما سميت الأرض أرضاً ، لأنها تأرض ما في بطنها أي تأكل ما فيها . وقال بعضهم : لأنها تتأرض بالحوافر والأقدام . { والسماء } في اللغة : ما علاك وأظلك . يعني اذكروا رب هذه النعم واعبدوه ، واعرفوا شكر هذه النعم حيث جعل لكم الأرض فراشاً ، والسَّماء { بِنَاء } أي سقفاً . قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الكلبي : كل سماء مطبقة على الأخرى مثل القبة وسماء الدنيا ملتزقة على الأرض أطرافها ويقال : { والسماء بِنَاء } أي مرتفعاً . { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } ، يعني المطر { فَأَخْرَجَ بِهِ } ، يعني أنبت بالمطر { مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } ، يعني من ألوان الثمرات طعاماً لكم .
قوله : { فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } ، أي لا تقولوا له شركاء { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خالق هذه الأشياء وغيره لا يستطيع أن يخلق شيئاً من هذه الأشياء . ويقال : كل شيء في هذه الدنيا فيه دلالة على كونه الخالق من أربعة أوجه : فوجود هذه الأشياء وكونها يدل على وجود الصانع واستقامتها تدل على توحيده ، وهو استقامة الليل والنهار ، والشتاء والصيف وخروج الثمرات وحدوث كل شيء في وقته ، لأن المدبر لو كان اثنين لم يكن على الاستقامة ، كما قال في آية أخرى { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا فسبحان الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنبياء : 22 ] وتجانسها يدل على أن الخالق واحد عالم حيث خلق الأشياء أجناساً مختلفة ، وتمام الأشياء يدل على أن خالقها واحد قائم قادر .

(1/27)


وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)

قوله تعالى : { وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ } قال بعضهم : هذا الخطاب لليهود وإن كنتم في ريب : أي في شك { مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن أنه ليس من الله تعالى { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } ، أي من مثل هذا القرآن من التوراة ، وقابلوها بالقرآن ، فتجدوها موافقة لما في التوراة ، فتعلموا به أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يختلقه من تلقاء نفسه وأنه من الله تعالى : { وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله } ، أي استعينوا بأحباركم ورهبانكم ، يعني عبّادكم { إِن كُنتُمْ صادقين } فيما تشكون فيه .
وقال بعضهم : نزلت في شأن المشركين { وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ } أي في شك { مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن وتقولون : إنه اختلقه من تلقاء نفسه { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ } أي فاختلقوا سورة من مثل هذا القرآن ، لأنكم شعراء وفصحاء { وادعوا شُهَدَاءكُم } ، أي استعينوا بآلهتكم ، ويقال : استعينوا بخطبائكم وشعرائكم { إِن كُنتُمْ صادقين } أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه .
وقال قتادة : معناه فأتوا بسورة فيها حق وصدق لا باطل فيها . وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله يقول : ( الهاء ) إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه قال : فأتوا بسورة من مثل محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه لم يكن قرأ الكتب ولا درس فأتوا بسورة من رجل لم يقرأ الكتب ، كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم . ويقال : هذه الآيات أصل لجميع ما تكلم به المتكلمون ، لأن في أول الآية إثبات الصانع ثم في الآية الأخرى إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فالله تعالى أمرهم بأن يأتوا بعشر سور فعجزوا عنها ، ثم أمرهم بسورة من مثله ، فعجزوا عنها ، فنزلت هذه الآية { قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [ الإسراء : 88 ] الآية .

(1/28)


فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)

ثم قال عز وجل : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ } ، «لم» تستعمل للماضي «ولن» تستعمل للمستقبل ، فكأنه قال : فإن لم تفعلوا ، أي لم تأتوا في الماضي ولن تفعلوا ، أي لن تأتوا في المستقبل ، وتجحدون بغير حجة { فاتقوا النار } ، قال قتادة : معناه ، فإن لم تفعلوا ، ولن تقدروا أن تفعلوا ولن تطيقوا { فاتقوا النار } ، أي : احذروا النار { التى وَقُودُهَا الناس والحجارة } ، يعني حطبها الناس إذا صاروا إليها ، والحجارة قبل أن يصيروا إليها . ويقال معناه : إن مع كل إنسان من أهل النار حجراً معلقاً في عنقه حتى إذا طفئت النار ، رسبه به الحجر إلى أسفل . ويقال : وقودها الناس والحجارة ، أي حجارة الكبريت ، وإنما جعل حطبها من حجارة الكبريت لأن لها خمسة أشياء ليست لغيرها : أحدها : أنها أسرع وقوداً ، والثاني : أنها أبطأ خموداً ، والثالث : أنها أنتن رائحة ، والرابع : أنها أشد حراً ، والخامس : أنها ألصق بالبدن . قوله تعالى : { أُعِدَّتْ للكافرين } أي خلقت وهيئت للكافرين وقدِّرت لهم .

(1/29)


وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)

ثم قال : { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } ، فقد ذكر في أول الآية إثبات الصانع وذكر حجته ، ثم ذكر إثبات الكتاب والنبوة ، ثم ذكر الوعيد للكفار ، لمن لم يؤمن بالله ، ثم ذكر الثواب للمؤمنين؛ وهكذا في جميع القرآن في كل موضع ذكر عقوبة الكفار ، ثم ذكر على أثره ثواب المؤمنين لتسكن قلوبهم إلى ذلك ، وتزول عنهم الوحشة لكي يثبتوا على إيمانهم ولكي يرغبوا في ثوابه ، فقال { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ } ، أي فرِّح قلوب الذين آمنوا ، يعني صدَّقوا بوحدانية الله تعالى ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به جبريل عليه السلام { وَعَمِلُواْ الصالحات } أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { أَنَّ لَهُمْ } أي بأن لهم { جنات } وهي البساتين { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } أي من تحت شجرها ومساكنها وغرفها الأنهار ، يعني أنهار الخمر واللبن والماء والعسل { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا } ، أي أطعموا من الجنة { مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً } أي طعاماً .
{ قَالُواْ هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } أي أطعمنا من الجنة من قبل . قال بعضهم : معناه إذا أتي بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها ، ثم إذا أتُي بها في آخر النهار ، { قَالُواْ هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } ، يعني الذي أطعمنا في أول النهار ، لأن لونه يشبه لون ذلك ، فإذا أكلوا منه وجدوا لها طعماً غير طعم الأول . قال بعضهم : معناه { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } أي في الدنيا ، لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا ، فإذا أكلوا وجدوا طعمها غير ذلك .
ثم قال تعالى : { وَأُتُواْ بِهِ متشابها } قال بعضهم : معناه ، متشابهاً في المنظر مختلفاً في الطعم . وقال بعضهم : متشابهاً ، يعني يشبه بعضها بعضاً في الجودة ، ولا يكون فيها رديء .
حدثنا محمد بن الفضل قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا إبراهيم بن يوسف قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء يعني أسماء الثمار . ثم قال تعالى : { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ } أي مهذبة في الخلق ويقال : مطهرة في الخلق والخلق ، فأما الخلق فإنهن لا يحضنَ ولا يبلنَ ولا يتمخطن ولا يأتين الخلاء . وأما الخلق ، فهن لا يحسدن ولا يغرن ولا ينظرن إلى غير أزواجهن . قوله تعالى : { وَهُمْ فِيهَا خالدون } أي دائمون لا يموتون ولا يخرجون منها أبداً .

(1/30)


إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)

قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً } وذلك أنه لما نزل قول الله تعالى : { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } [ الحج : 73 ] وقال في آية أخرى : { مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العنكبوت } [ العنكبوت : 41 ] ، قالت اليهود والمشركون : إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت فنزلت هذه الآية { إِنَّ الله لاَ * يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } ، أي لا يمتنع من ضرب المثل وبيان الحق بذكر البعوضة وبما فوقها . ويقال : لا يمنعه الحياء أن يضرب المثل ويبيّن ويصف للحق شبهاً { مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } ، يعني بالذباب والعنكبوت . وقال بعضهم : فما فوقها أي بما دونها في الصغر ، وهذا من أسماء الأضداد يذكر الفوق ، ويراد به دونه ، كما يذكر الوراء ويراد به الأمام مثل قوله : { وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً } [ الإنسان : 27 ] أي أمامهم ، فكذلك الفوق يذكر ويراد به ما دونه ، أي يضرب المثل بالبعوضة وبما دونها ، بعد أن يكون فيه إظهار الحق ، وإرشاد إلى الهدى ، فكيف يمتنع من ضرب المثل بالبعوضة ، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يخلقوا بعوضة لا يقدرون عليه . ويقال : إنما ذكر المثل بالبعوضة ، لأن خلقة البعوضة أعجب ، لأن خلقتها خلقة الفيل . ويقال : لأن البعوضة ما دامت جائعة عاشت فإذا شبعت ماتت ، فكذلك الآدمي إذا استغنى ، فإنه يطغى . فضرب الله المثل للآدمي .
ثم قال تعالى : { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ } ، أي صدقوا وأقروا بتوحيد الله تعالى : { فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ } ، يعني المثل بالذباب والعنكبوت ، فيؤمنون به . { وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ } ، يعني اليهود والمشركين { فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً } ، أي بذكر البعوضة والذباب . قال الله تعالى : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } ، أي إنما ضرب المثل ليضل به كثيراً من الناس ، يعني يخذلهم ولا يوفقهم { وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } ، يعني يوفق به على معرفة ذلك المثل كثيراً من الناس وهم المؤمنون . وقال بعضهم : معنى قوله { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } ، أي يسميه ضالاً ، كما يقال : فسّقت فلاناً ، أي سميته فاسقاً ، لأن الله تعالى لا يضل به أحداً ، وهذا طريق المعتزلة ، وهو خلاف جميع أقاويل المفسرين ، وهو غير مستعمل في اللغة أيضاً ، لأنه يقال : ضلله إذا سمَّاه ضالاً ولا يقال : أضله إذا سماه ضالاً ، ولكن معناه ما ذكره المفسرون أنه يخذل به كثيراً من الناس مجازاة لكفرهم .
ثم قال تعالى : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } أي وما يهلك به وأصل الضلالة الهلاك . يقال : ضلّ الماء في اللبن إذا صار مستهلكاً . وما يهلك ، وما يخذل به ، يعني بالمثل إلا الفاسقين ، وأصل الفسق في اللغة هو : الخروج عن الطاعة؛ والعرب تقول : فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ويقال للفأرة : فويسقة ، لأنها تخرج من الحُجْر ، وقال الله تعالى { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [ الكهف : 50 ] أي خرج عن طاعة ربه .

(1/31)


الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)

ثم نعت الفاسقين فقال تعالى : { الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه } ، أي يتركون أمر الله ووصيته من بعد ميثاقه ، أي من بعد تغليظه وتأكيده ، وذلك أن الله تعالى أمر موسى في التوراة بأن يأمر قومه ليقروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدقوه إذا خرج . وكان موسى عليه السلام عاهدهم على ذلك ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبوه ولم يصدقوه ونقضوا العهد . ويقال : إنه أراد به العهد الذي أخذه من بني آدم من ظهورهم ، حيث قال تعالى : { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُواْ بلى } [ الأعراف : 172 ] فنقضوا ذلك العهد والميثاق . فإن قيل : كيف يجوز هذا واليهود كانوا مقرّين بالله تعالى؟ فكيف يكون نقض العهد وهم مقرون؟ قيل له : إنهم إذا لم يصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد أشركوا بالله ، لأنهم لم يصدقوا بأن القرآن من عند الله ، ومن زعم أن القرآن قول البشر فقد أشرك بالله تعالى ، وصار ناقضاً للعهد . ويقال : الميثاق الذي يعرف كل واحد ربه إذا تفكر في نفسه ، فكان ذلك بمنزلة أخذ الميثاق عليه ، وجميع ما في القرآن من ذكر الميثاق فهو على هذه الأوجه الثلاثة .
وقوله تعالى : { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } ، روى الضحاك وعطاء ، عن ابن عباس أنه قال : إنهم أمروا أن يؤمنوا بجميع الأنبياء فآمنوا ببعضهم ولم يؤمنوا ببعضهم ، فهذا معنى قوله : { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } . ويقال : أمروا بصلة القرابات فقطعوا الأرحام فيما بينهم . ويقال : كانت بين اليهود والعرب قرابة من وجه ، لأن العرب كانت من أولاد إسماعيل واليهود من أولاد إسحاق ، فإذا لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد قطعوا ذلك الرحم الذي كان بينهم .
وقوله تعالى : { وَيُفْسِدُونَ فِى الارض } ، لأنهم يكفرون ويأمرون غيرهم بالكفر ، فذلك فسادهم في الأرض { أولئك هُمُ الخاسرون } أي المغبونون في العقوبة . وقال الكلبي : ليس من مؤمن ولا كافر إلا وله منزل وأهل وخدم في الجنة ، فإن أطاع الله أتى ومنزله وأهله وخدمه في الجنة ، وإن عصى الله ورثه الله تعالى المؤمنين ، فقد غبن أي بعد عن أهله وخدمه ، كما قال في آية أخرى { فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خسروا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين } [ الزمر : 15 ] . وقال بعضهم : هذا التفسير لا يصح لأنه لا يجوز أن يقال للكافر منزل في الجنة وخدم ، إلا أن الكلبي لم يقل ذلك من ذات نفسه ، وإنما رواه عن أبي صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما .

(1/32)


كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)

قوله تعالى : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ } ، قال ابن عباس : هو على وجه التعجب . وقال الفراء : هو على وجه التوبيخ والتعجب لا على وجه الاستفهام ، فكأنه قال : ويحكم كيف تكفرون وتجحدون بوحدانية الله تعالى . فإن قيل : كيف يجوز التعجب من الله تعالى؟ وإنما يجوز التعجب ممن رأى شيئاً لم يكن رآه أو سمع شيئاً لم يكن سمعه فيتعجب لذلك ، والله تعالى قد علم الأشياء قبل كونها . قيل له : التعجب من الله تعالى يكون على وجه التعجيب ، والتعجيب هو أن يدعو إلى التعجب فكأنه يقول : ألا تتعجبون أنهم يكفرون بالله؟ وهذا كما قال في آية أخرى { وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَابًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أولئك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الاغلال فى أعناقهم وأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ الرعد : 5 ] .
ثم قال : { وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم } ، أي كنتم نطفة في أصلاب آبائكم فأحياكم في أرحام أمهاتكم { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقطاع آجالكم ، { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } للبعث يوم القيامة ، { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } في الآخرة فتثابون بأعمالكم . قال الكلبي : فلما ذكر البعث عرف اليهود فسكتوا وأنكر ذلك المشركون فقالوا : ومن يستطيع أن يحيينا بعد الموت؟ فنزل قوله تعالى : { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } [ البقرة : 29 ] . فإن قيل : كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لليهود وهم لم يكفروا بالله تعالى؟ فالجواب ما سبق ذكره : أنهم لما أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد أنكروا وحدانية الله تعالى لأنهم أخبروا أن القرآن قول البشر .

(1/33)


هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)

قوله تعالى : { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً } ، أي قدَّر خَلْقَهَا لأن الأشياء كلها لم تُخلق في ذلك الوقت ، لأن الدواب وغيرها من الثمار التي في الأرض تخلق وقتاً بعد وقت ، ولكن معناه قدَّر خلق الأشياء التي في الأرض .
وقوله تعالى : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء } هذه الآية من المشكلات؛ والناس في هذه الآية وما شاكلها على ثلاثة أوجه : قال بعضهم : نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وهذا كما روي عن مالك بن أنس رحمه الله أن رجلاً سأله عن قوله : { الرحمن عَلَى العرش استوى } [ طه : 5 ] ، فقال مالك : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا ضالاً فأخرجوه فطردوه ، فإذا هو جهم بن صفوان . وقال بعضهم : نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة وهذا قول المشبهة . وللتأويل في هذه الآية وجهان : أحدهما : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء } ، أي صعد أمره إلى السماء ، وهو قوله : ( كن فكان ) ، وتأويل آخر وهو قوله : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء } أي أقبل إلى خلق السماء . فإن قيل : قد قال في آيةٍ أخرى { أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء بناها * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضحاها * والارض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } [ النازعات : 27 ، 28 ، ، 30 ] فذكر في تلك الآية أن الأرض خلقت بعد السماء ، وذكر في هذه الآية أن الأرض خلقت قبل السماء . الجواب عن هذا أن يقال : خلق الأرض قبل السماء وهي ربوة حمراء في موضع الكعبة ، فلما خلق السماء بسط الأرض بعد خلق السماء فذلك قوله تعالى : { والارض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } [ النازعات : 30 ] أي بسطها .
ثم قال تعالى : { فَسَوَّاهُنَّ } أي خلقهن { سَبْعَ سماوات } وهن أعظم من خلقكم { وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } أي بخلق كل شيء عليم . ومعناه : أن الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً وخلق السماوات قادر على أن يحييكم بعد الممات . قرأ نافع والكسائي وأبو عمرو ( وهْو ) بجزم الهاء . وقرأ الباقون بضم الهاء { وَهُوَ } في جميع القرآن ، وهما لغتان ومعناهما واحد .

(1/34)


وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)

قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة } ، روي عن أبي عبيدة أنه قال : معناه وقال ربك للملائكة وإذ زيادة . وروي عن الفراء أنه قال : واذكر معناه إذ قال ربك . وقال مقاتل : معناه ، وقد قال ربك للملائكة . والملائكة : جماعة الملك . وهذا اللفظ على غير القياس لأنه يقال : ملائكة بالهمز ويقال للواحد : ملك بغير همز . وإنما قيل ذلك لأنه في الأصل كان مألك بالهمز فأسقط الهمز للتّخفيف . وأصله من : ألك يألك ألوكاً وهو الرسالة . كما قال القائل :
وَغُلاَمٌ أَرْسَلَتْهُ أُمُّه ... بِأَلُوكٍ ، فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ
وإنما سميت الملائكة ملائكة ، لأنهم رسل الله تعالى وإنما إراد هاهنا بعض الملائكة ، «وهم الملائكة الذين كانوا في الأرض . وذلك أن الله تعالى لما خلق الأرض ، خلق الجان من مارج من نار ، أي من لهب من نار لا دخان لها ، فكثر نسله ، وهم الجان بنو الجان ، فعملوا في الأرض بالمعاصي وسفكوا الدماء ، فبعث الله تعالى ملائكة سماء الدنيا ، وأمر عليهم إبليس وكان اسمه عزازيل ، حتى هزموا الجن ، وأخرجوهم من الأرض إلى جزائر البحار ، وسكنوا الأرض فصار الأمر عليهم في العبادة أخف ، لأن كل صنف من الملائكة يكون أرفع في السماوات فيكون خوفهم أشد ، وملائكة سماء الدنيا يكون أمرهم أيسر من الذين فوقهم ، فلما سكنوا الأرض صار الأمر عليهم أخف مما كانوا ، وسكنوا الأرض واطمأنوا إليها ، وكل من اطمأن إلى الدنيا أمر بالتحول عنها . فأخبرهم الله تعالى أنه يريد أن يخلق في الأرض خليفة فذلك قوله تعالى { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة } ، يعني الذي هم في الأرض { إِنّي جَاعِلٌ فِى الارض خَلِيفَةً } يعني أريد أن أخلق في الأرض خليفة سواكم . فشق ذلك عليهم وكرهوا ذلك { فَقَالُواْ * أَتَجْعَلُ فِيهَا } ، يعني أتخلق فيها { مَن يُفْسِدُ فِيهَا } كما أفسدت الجن { وَيَسْفِكُ الدماء } كما سفكت الجن { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ } ، أي نصلي لك بأمرك . ويقال معناه : نحن نسبح بحمدك ونحمدك { وَنُقَدّسُ لَكَ } . قال بعضهم : نقدس أنفسنا لك ، يعني نطهر أنفسنا بالعبادة عن المعصية . وقال بعضهم : نقدس لك ، أي ننسك إلى الطهارة ونقدس أنفسنا لك .
{ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ، قال مجاهد : علم من إبليس المعصية وعلم من آدم الخدمة والطاعة ولم تعلم الملائكة بذلك . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : قد علم أنه سيكون من بني آدم من يسبح بحمده ويقدس له ويطيعه . ويقال : قد علم الله تعالى أنه سيكون في ولد آدم من الأنبياء والصالحين والأبرار . وذكر في الخبر أنه لما أراد الله تعالى أن يخلق آدم ، بعث جبريل ليجمع التراب من وجه الأرض ، فلما نزل جبريل وأراد أن يجمع التراب ، قالت له الأرض : بحق الله عليك لا تفعل فإني أخشى أن يخلق من ذلك خلقاً يعصي الله تعالى فأستحي من ربي ، فصعد جبريل وقال : لو أمرني ربي بالرجوع إليها لفعلت .

(1/35)


فلما صعد جبريل بعث الله تعالى ميكائيل ، فتضرعت إليه الأرض بمثل ذلك ، فرجع ميكائيل ، فبعث الله تعالى عزرائيل ، فتضرعت إليه الأرض ، فقال عزرائيل : أمر الله أولى من قولك؛ فجمع التراب من وجه الأرض الطيب والسبخة ، والأحمر والأصفر ، وغير ذلك ، ثم صعد إلى السماء ، فقال له تعالى : أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك؟ فقال : رأيت أمرك أوجب من قولها فقال : أنت تصلح لقبض أرواح أولاده . فصار ذلك التراب طيناً ، وكان طيناً أربعين سنة ، ثم صار صلصالاً كما قال في آية أخرى { خَلَقَ الإنسان مِن صلصال كالفخار } [ الرحمن : 14 ] فكان إبليس إذا مر عليه مع الملائكة قال : أرأيتم هذا الذي لم تروا شيئاً من الخلائق يشبهه ، إن فضّل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم فاعلون؟ فقالوا : نطيع أمر ربنا . فأسر إبليس في نفسه ، وقال لئن فضِّل عليّ لا أطيعه ولئن فضلت عليه لأهلكنه . فلما سوَّاه ونفخ فيه من روحه وعلَّمه أسماء الأشياء التي في الأرض . يعني ألهمه .

(1/36)


وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)

فذلك قوله تعالى : { وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا } ، يعني ألهمه أسماء الدواب وغيرها ، { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة } ، هكذا مكتوب في مصحف الإمام عثمان رضي الله عنه وأما في مصحف ابن مسعود ، وأُبي بن كعب . ففي أحدهما { ثُمَّ *** عَرْضُهَا } وفي الآخر { ثُمَّ } . فأما من قرأ { ثُمَّ } ، يعني به جماعة الدواب؛ ومن قرأ { ثُمَّ *** عَرْضُهَا } ، يعني به جميع الأسماء . وأما من قرأ { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } ، يعني به جماعة الأشخاص . والأشخاص يصلح أن يكون عبارة عن المذكر والمؤنث؛ وإن اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر على المؤنث .
قوله تعالى : { فَقَالَ * أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء } ، أي أخبروني عن أسماء هذه الأشياء التي في الأرض { إِن كُنتُمْ صادقين } في قولكم { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } [ البقرة : 30 ] . قال مقاتل : معناه كيف تقولون فيما لم أخلق بعد أنهم يفسدون وأنتم لا تعرفون ما ترونه وتنظرون إليه؟ ويقال : في هذه الآية دليل على أن أولى الأشياء بعد علم التوحيد ينبغي أن يعلم علم اللغة لأنه عز وجل أراهم فضل آدم بعلم اللغة ، وقال بعضهم : إنما علمه الأسماء وما فيها من الحكمة ، فظهر فضله بعلم الأسماء وما فيها من الحكمة .

(1/37)


قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

قوله تعالى : { قَالُواْ سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا } ، نزّهوه وتابوا إليه من مقالتهم ، ومعناه سبحانك تبنا إليك من مقالتنا فاغفر لنا { لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } أي ألهمتنا . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «سُبْحَانَ الله ، تَنْزِيهُ الله عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيقُ بِهِ» . وقال بعض أهل اللغة : اشتقاقه من السباحة ، لأن الذي يسبح يباعد ما بين طرفيه ، فيكون فيه معنى التبعيد . وقال بعضهم : هذه لفظة جمعت بين كلمتي تعجب ، لأن العرب إذا تعجبت من شيء قالت : حان ، والعجم إذا تعجبت من شيء قالت : سب؛ فجمع بينهما فصار : سبحان .
وقوله تعالى : { إِنَّكَ أَنتَ العليم الحكيم } ، يعني أنت العليم بما يكون في السموات والأرض ، الحكيم في أمرك ، إذا حكمت أن تجعل في الأرض خليفة غيرنا . ويقال : معناه { العليم الحكيم } على وجه الحكمة التي تدرك الأشياء بحقائقها ، وكان حكمه موافقاً للعلم .

(1/38)


قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)

قوله تعالى : { قَالَ يَاءادَمُ ءادَمَ أَنبِئْهُم } يعني أخبرهم { بِأَسْمَائِهِمْ } ، يعني أسماء الدواب وما فيها من الحكمة وما يحل أكله وما لا يحل أكله . { فَلَمَّا أَنبَأَهُم } يعني أخبرهم { بِأَسْمَائِهِمْ } قال الله تعالى لهم : { أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والارض } ، يعني سر أهل السماوات وسر أهل الأرض ، وما يكون فيهما . { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } ، أي ما أظهرتهم من الطاعة يعني الملائكة { وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } ، يعني ما أسر إبليس في نفسه حين قال : لئن فُضِّل علي لا أطيعه ولئن فضلت عليه لأهلكنه . وقال بعضهم : إنهم كانوا يقولون حين أراد الله أن يخلق آدم : إنه لا يخلق أحداً أفضل منهم ، فهذا الذي كانوا يكتمون . وهذا التفسير ذكر عن قتادة . وقد قيل : إنه لما خلق آدم ، أشكل عليهم أن آدم أعلم أم هم؟ فسألهم عن الأسماء ، فلم يعرفوها وسأل آدم عن الأسماء فأخبرهم بها ، فظهر لهم أن آدم أعلم منهم . ثم أشكل عليهم أنه أفضل أم هم؟ فأمرهم سبحانه وتعالى بالسجود له ، فظهر لهم فضله .

(1/39)


وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)

وهو قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لاِدَمَ } ، فأصل السجود في اللغة : هو الميلان والخضوع ، والعرب تقول : سجدت النخلة إذا مالت ، وسجدت الناقة إذا طأطأت رأسها ومالت . وإنما كانت تلك سجدة التحية لا سجدة العبادة ، وكانت السجدة تحية لآدم عليه السلام وطاعة لله عز وجل { فَسَجَدُواْ } كلهم { إِلاَّ إِبْلِيسَ } . يقال : إبليس اسم أعجمي ولذلك لا ينصرف وهو قول أبي عبيدة . وقال غيره : هو من أبلس يبلس إذا يئس من رحمة الله ، وكذا قال ابن عباس في رواية أبي صالح : أنه أيئسه من رجسته . وكان اسمه عزازيل ويقال : عزاييل؛ وإنما لن ينصرف لأنه لا سمي له فلا يستثقل فاشتُقّ . وقال ابن عباس رضي الله عنه : إنما سمي آدم ، لأنه خلقه من أديم الأرض . وروي عن قطرب أنه قال : هذا الخبر لا يصح لأن العربية لا توافقه . وقال بعض أهل اللغة : مأخوذ من الأدمة ، وهو الذي يكون من لونه سمرة . { إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى واستكبر } أي امتنع عن السجود تكبراً : معناه أن كبره منعه من السجود .
وقوله : { وَكَانَ مِنَ الكافرين } أي وصار من الكافرين ، كما قال في آية أخرى { قَالَ سآوى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ المآء قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج فَكَانَ مِنَ المغرقين } [ هود : 43 ] ، أي صار من المغرقين . وقال بعضهم : كان من الكافرين ، أي كان في علم الله من الكافرين ، يعني أنه يكفر . وبعضهم قال بظاهر الآية كان كافراً في الأصل . وهذا قول أهل الجبر . وقالوا : كل كافر أسلم ظهر أنه كان مسلماً في الأصل ، وكل مسلم كفر ظهر أنه كان كافراً في الأصل ، لأنه كان كافراً يوم الميثاق . ألا ترى أن الله تعالى قال في قصة بلقيس { وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كافرين } [ النمل : 43 ] ولم يقل إنها كانت كافرة ، وقال في قصة إبليس { وَكَانَ مِنَ الكافرين } . وقال أهل السنة والجماعة : الكافر إذا أسلم كان كافراً إلى وقت إسلامه ، وإنما صار مسلماً بإسلامه إلا أنه غفر له ما قد سلف . والمسلم إذا كفر كان مسلماً إلى ذلك الوقت ، إلا أنه حبط عمله .

(1/40)


وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)

قوله تعالى : { وَقُلْنَا يَاءادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } ، روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أمر الله تعالى ملائكته أن يحملوا آدم على سرير من ذهب إلى السماء ، فأدخلوه الجنة ثم خلق منه زوجه حواء ، يعني من ضلعه الأيسر ، وكان آدم بين النائم واليقظان . وقال ابن عباس : سميت حواء لأنها خلقت من الحي . ويقال : إنما سميت حواء لأنه كان في شفتها حوة ، يعني حمرة فقال عز وجل : { وَقُلْنَا يَاءادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ } أي حواء . يقال للمرأة : زوجة وزوج ، والزوج أفصح .
وقوله عز وجل : { وَكُلاَ مِنْهَا } ، أي من الجنة { رَغَدًا } ، أي موسعاً عليكما بلا موت ولا هنداز بالزاي المعجمة هكذا قال في رواية الكلبي يعني بغير تقتير . وقال أهل اللغة : الرغد هو السعة في الرّزق من غير تقتير .
قوله تعالى : { حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة } ، أي ولا تأكلا من هذه الشجرة . روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنها كانت شجرة القمح . وروى السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس أنه قال : هي شجرة الكرم . وروى الشعبي عن جعدة بن هبيرة مثله . وروي عن علي رضي الله عنه مثله . وروي عن قتادة أنه قال : وذكر لنا أنها شجرة التين ويقال : إنما كان النهي عن الأكل من الشجرة للمحنة ، لأن الدنيا دار محنة ، وقد خلقه من الأرض ليسكن فيها ، فامتُحِن بذلك ، كما امتُحن أولاده في الدنيا بالحلال والحرام . فذلك قوله عز وجل : { وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين } ، أي فتصيرا من الضالين بأنفسكما .

(1/41)


فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)

{ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا } ، قرأ حمزة ( فأزالهما ) بالألف ، وقرأ غيره بغير ألف . وأصله في اللغة : من أزلّ يزل ، ومعناه فأغراهما الشيطان واستزلَّهما . وأما من قرأ ( فأزالهما ) بالألف ، فأصله من أزال يزيل إذا أزال الشيء عن موضعه .
قوله تعالى : { فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } ، أي مما كانا فيه من النعم . وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : مكث آدم في الجنة كما بين الظهر والعصر ، من أيام الآخرة ، لأن كل يوم من أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا .
وروي عن ابن عباس أنه قال : لما رأى إبليس آدم في النعمة حسده ، واحتال لإخراجه منها ، فعرض نفسه على كل دابة من دواب الجنة أن يدخل في صورتها فأبت عليه ، حتى أتى الحية وكانت أعظم وأحسن دابة في الجنة خلقاً وكانت لها أربعة قوائم ، فلم يزل يستدرجها حتى أطاعته ، فدخل ما بين لحييها وأقام في رأسها ، ثم أتى باب الجنة وناداهما وقال : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ، يعني أن هذه الشجرة شجرة الخلد ، فمن أكل منها يبقى في الجنة أبداً .
ويقال : إن حواء قالت لآدم : تعال حتى نأكل من هذه الشجرة فقال آدم : قد نهانا ربنا عن أكل هذه الشجرة فأخذت حواء بيده حتى جاءت به إلى الشجرة ، وكان يحب حواء فكره أن يخالفها لحبه إياها وكان آدم يقول لها : لا تفعلي فإني أخاف العقوبة . وكانت حواء تقول : إن رحمة الله واسعة فأخذت من ثمرها وأكلت . ثم قالت لآدم : هل أصابني شيء بأكلها؟ وإنما لم يصبها شيء بأكلها لأنها كانت تابعة ، وآدم متبوعاً فما دام المتبوع على الصلاح يتجاوز عن التابع ، فإذا فسد المتبوع فسد التابع ثم أخذت ثمرة أخرى ودفعتها إلى آدم . فلما أكل آدم لم تصل إلى جوفه حتى أخذتهما الرعدة ، وسقط عنهما ما كان عليهما من الحلي والحلل وغيرهما وعريا عن الثياب ، حتى بدت عوراتهما فاستحيا وهربا . قال الله تعالى : يا آدم أمني تهرب؟ قال : لا ولكن حياء من ذنبي . فأخذا من أوراق التين ، وألصقا على عوراتهما . ثم أمرهما الله تعالى بأن يهبطا منها إلى الأرض ، فوقع آدم بأرض الهند ، وحواء بجدة . وروي عن ابن عباس أنه قال : إنما سمي الإنسان إنساناً ، لأن الله عهد إليه فنسي أي ترك .
وقوله تعالى : { وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } أي آدم وحواء وإبليس والحية ، فبقي بين إبليس وبين أولاد آدم العداوة إلى يوم القيامة . وكذلك بين الحية وبين أولاد آدم عداوة إلى يوم القيامة . ثم قال : { وَلَكُمْ فِى الارض مُسْتَقَرٌّ } ، أي موضع القرار { ومتاع إلى حِينٍ } ، أي الحياة والعيش إلى الموت .

(1/42)


فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)

قوله تعالى : { فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } ، قرأ ابن كثير { فَتَلَقَّى ءادَمُ } بنصب آدم ورفع كلمات . وقرأ غيره برفع آدم وكسر كلمات . فأما من قرأ { فَتَلَقَّى ءادَمُ } بالرفع فمعناه أخذ وقيل من ربه . ومن قرأ ينصب آدم . يعني استقبلته كلمات من ربه . يقال : تلقيت فلاناً بمعنى استقبلته . ومعنى ذلك كله : أن الله تعالى ألهمه كلمات ، فاعتذر بتلك الكلمات وتضرع إليه ، فتاب الله عليه .
وروي عن مجاهد أنه قال : تلك الكلمات هي قوله عز وجل : { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } [ الأعراف : 23 ] الآية . وقال بعضهم : قال : بحق محمد أن تقبل توبتي . قال الله له : ومن أين عرفت محمداً؟ قال : رأيت في كل موضع من الجنة مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك . فتاب الله عليه . وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : الكلمات هي قوله سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ وارحمني ، إنك أنت التواب الرحيم . سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد ألا إله إلا أنت ، رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني وأنت خير الغافرين . سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد ألا إله إلا أنت رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني وأنت خير الراحمين .
قوله تعالى : { فَتَابَ عَلَيْهِ } ، يعني قبل الله توبته . يقال : تاب العبد إلى ربه وتاب الله على عبده ، فهذا اللفظ مشترك إلا أنه إذا ذكر من العبد يقال : تاب إلى الله ، وإذا ذكر من الله تعالى يقال : تاب الله على عبده ، إذا رجع العبد عن ذنبه . وتاب الله على عبده ، إذا قبل توبته . قوله : { إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم } يعني المتجاوز عن الذنوب الرحيم بعباده .

(1/43)


قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)

قوله تعالى : { قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا } ، يعني آدم وحواء وإبليس والحية . وفي الآية دليل على أن المعصية تزيل النعمة عن صاحبها ، لأن آدم قد أخرج من الجنة بمعصيته . وهذا كما قال القائل :
إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا ... فَإِنَّ المَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ
وَدَاوِمْ عَلَيْهَا بِشُكْرِ الإِله ... فَإِنَّ الإِلهَ شَدِيدُ النِّقَمْ
وقال تعالى : { لَهُ معقبات مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } [ الرعد : 11 ] الآية .
وقوله تعالى : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } ، وأصله فإن ما إلا أن النون أدغمت في الميم ، وإن لتأكيد الكلام ، وما للصلة ، ومعناه فإما يأتينكم مني هدى يعني البيان ، وهو الكتاب والرسل ، خاطب به آدم وعنى به ذريته . { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } ، يعني اتبع كتابي وأطاع رسلي { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فيما يستقبلهم من العذاب ، { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما خلفوا من أمر الدنيا .

(1/44)


وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)

{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } أي جحدوا رسلي وكذبوا كتابي { أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } ، أي دائمون .

(1/45)


يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

{ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } يا أولاد يعقوب . وإنما سمي إسرائيل ، لأن ( الإسرا ) بلغتهم عبد ، و ( الإيل ) هو الله فكأنه قال : يا بني عبد الله . وقال بعضهم : إنما سمي إسرائيل لأنه أسره ملك يقال له ( إيل ) ، وذلك أنه كان في سفر مع أولاده ، وكان يسير خلف القافلة ، وكان له قوة فدخل في نفسه شيء من العجب ، فابتلاه الله تعالى ، أن جاءه ملك على هيئة اللص وأراد أن يضرب على القافلة ، فأراد يعقوب أن يضربه على الأرض فلم يقدر على ذلك ، فكانا في تلك المنازعة إلى طلوع الفجر ، ثم إن الملك أخذ بعرق يعقوب أي عرق من عروقه فمده فسقط في ذلك الموضع ثلاثة أيام . وقال بعضهم : لأنه أسره جني يقال له ( إيل ) وروي عن السدي : أنه وقعت بينه وبين أخيه ( عيصوا ) عداوة فحلف ( عيصوا ) أن يقتله ، فكان يعقوب يختفي بالنهار ، ويخرج بالليل فسمي إسرائيل لسيره بالليل . وأصله من إسراء الليل بدليل قوله عز وجل : { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنآ إِنَّهُ هُوَ السميع البصير } [ الإسراء : 1 ] ؛ والله أعلم بالصواب . ويقال : إنما سمي بيعقوب ، لأنه ولد مع عيصوا ، في بطن واحد فخرج على عقب عيصوا فسمي لذلك بيعقوب . فقال الله تعالى : { مَعِىَ بَنِى إسراءيل } وإنما أراد بهم اليهود الذين كانوا حوالي المدينة من بني قريظة والنضير وغيرهم ، وكانوا من أولاد يعقوب .
وقال تعالى : { اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } ، يعني احفظوا منتي التي مننت عليكم في التيه من المن والسلوى ، يعني اذكروا تلك النعم التي أنعمت عليكم واشكروا لي { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } . قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أبي صالح : قد كان الله تعالى عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً ، فمن تبعه وصدق به غفرت له ذنوبه ، وأدخلته الجنة ، وجعلت له أجرين ، أجراً باتباعه ما جاء به موسى ، وأجراً باتباعه ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فلما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام وعرفوه كذبوه فذكرهم الله تعالى في هذه الآية فقال : { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } . قال الحسن البصري : { أَوْفُوا بِعَهْدِى } أدوا ما افترضت عليكم ، أُوفِ بِعَهْدِكُمْ مما وعدت لكم . وقال الضحاك : أوفوا بطاعتي أوف لكم بالجنة . وقال الصادق : أوفوا بعهدي في دار محنتي على بساط خدمتي في حفظ حرمتي ، أوف بعهدكم في دار نعمتي على بساط قربتي بسني رؤيتي . وقال قتادة : العهد ما ذكر في سورة المائدة في قوله : { وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل } إلى قوله تعالى :

(1/46)


{ وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بنى إسراءيل وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ الله إِنِّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءَاتَيْتُمْ الزكواة وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم وَلأدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل } [ المائدة : 12 ] ، أوف بعهدكم وهو قوله : { وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بنى إسراءيل وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ الله إِنِّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءَاتَيْتُمْ الزكواة وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم وَلأدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل } [ المائدة : 12 ] الآية . ويقال : { أَوْفُواْ *** بِعَهْدِى } الذي قبلتم يوم الميثاق ، { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } الذي قلت لكم ، يعني به الجنة .
قوله تعالى : { وإياى فارهبون } ، يعني : فَاخْشَوْنِ . وأصله فارهبوني بالياء لكن حذفت الياء وأقيم الكسر مقامها . ثم قال : { وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ } ، أي صدقوا بهذا القرآن الذي أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً أي موافقاً لما معكم ، من التوحيد . وفي بعض الشرائع أنزلت يعني التوراة والإنجيل { وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } ، يعني أول من يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ويقال : { بِهِ } يعني بالقرآن . وإنما يريد بني قريظة والنضير . فإن قيل : ما معنى قوله تعالى : { وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } وقد كفر به قبلهم مشركو العرب ، قيل له : معناه { وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } في وقت هذا الخطاب . ويقال : إن أحبار اليهود كان لهم أتباع ، فلو أسلموا أسلم أتباعهم ولو كفروا كفر أتباعهم كلهم ، فهذا معنى قوله { وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } من قومكم . { وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً } أي بكتمان صفة محمد صلى الله عليه وسلم عرضاً يسيراً ، لأنهم كانوا عرفوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكانت لهم مأكلة ووظائف من سفلة اليهود ، وكانت لهم رئاسة ، فكانوا يخافون أن تذهب وظائفهم ورئاستهم؛ فقال : { وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً } أي عرض الدنيا وإنما سماه قليلاً ، لأن الدنيا كلها قليل . ثم خوفهم فقال : { وإياى فاتقون } في صفة محمد صلى الله عليه وسلم فمن جحد به أدخلته النار .
قوله تعالى : { وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل } ؛ يقال في اللغة : لبس يلبس لبساً إذا لبس الثياب . ومعناه لا تخلطوا الحق بالباطل ، فتكتمون صفته ، وذلك أنهم كانوا يخبرون عن بعض صفته ، ويكتمون البعض ليصدقوا بذلك فيلبسون عليهم بذلك . وقال قتادة : { وَلاَ تَلْبِسُواْ } اليهودية والنصرانية بالإسلام ، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام . ويقال : معناه ولا تؤمنوا ببعض أمره وتكفروا ببعض أمره .
ثم قال تعالى : { وَتَكْتُمُواْ الحق } ، يقول : ولا تكتموا الحق { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنكم تكتمون الحق . { وَإِذْ أَخَذْنَا } ، أي أقيموا الصلوات الخمس بركوعها وسجودها في مواقيتها ، { وَإِذْ أَخَذْنَا } المفروضة { واركعوا مَعَ الراكعين } ، أي صلوا مع المصلين ، مع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الجماعات . ويقال : صلوا مع المصلين إلى الكعبة . وقال قتادة : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وهما فريضتان واجبتان ليس لأحد فيهما رخصة ، فأدوهما إلى الله عز وجل .

(1/47)


أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)

قوله : { أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } ، نزلت هذه الآية في شأن اليهود الذين كانوا حوالي المدينة ، وهم بنو قريظة والنضير ، وكانوا ينتظرون خروج النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يدعون الأوس والخزرج إلى الإيمان به ، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم آمن به الأوس والخزرج وكفر اليهود وجحدوا ، فنزلت هذه الآية { أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : كانت اليهود إذا جاءهم حليف منهم الذي قد أسلم وسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السر فتقول له : إنه نبي صادق فاتبعه ، وتكتم ذلك عن السفلة مخافة أن تذهب منافعه ، فنزلت هذه الآية { أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } . وقال قتادة : في هذه الآية دليل على أن من أمر بخير فليكن أشد الناس تسارعاً إليه ، ومن نهى عن شر فليكن أشد الناس انتهاء عنه . ويقال : تنزلت في شأن القصاص .
قال الفقيه : أخبرنا القاضي الخليل بن أحمد قال : حدثنا ابن أبي حاتم الرازي قال : أخبرنا الحجاج بن يوسف ، عن سهل بن حماد ، عن ابن غياث ، عن هشام الدستوائي ، عن المغيرة وهو ختن مالك بن دينار ، عن مالك بن دينار عن ثمامة ، عن أنس قال : لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، فقال : « يَا جِبْرِيلُ مَنْ هؤلاء » ؟ فقال : هؤلاءِ أمَّتُكَ الَّذيِنَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ ، وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ . ثم قال تعالى : { وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ، يعني أفلا تعقلون أن صفته في التوراة . ويقال : { وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أن ذلك حجَّة عليكم .

(1/48)


وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)

{ واستعينوا بالصبر والصلاة } ، أي استعينوا بالصبر على أداء الفرائض وبكثرة الصلاة على تمحيص الذنوب . ويقال : استعينوا بالصبر على نصرة محمد صلى الله عليه وسلم . وقال مجاهد : استعينوا بالصبر والصلاة يعني بالصوم والصلاة ، وإنما سمي الصوم صبراً لأن في الصوم حبس النفس عن الطعام والشراب والرفث . وقد قيل الصبر على ثلاثة أوجه : صبر على الشدة والمصيبة ، وصبر على الطاعة وهو أشد من الأول وأكثر أجراً ، وصبر عن المعصية وهو أشد من الأول والثاني ، وأجره أكثر من الأول . وفي هذا الموضع أراد الصبر على الطاعة . قوله تعالى : { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } ، أي الاستعانة ويقال : الصلاة لكبيرة أي ثقيلة { إِلاَّ عَلَى الخاشعين } ، أي المتواضعين . ويقال : الذليلة قلوبهم .

(1/49)


الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)

{ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ رَّبُّهُمْ } ، أي يستيقنون أنهم يبعثون يوم القيامة بعد الموت . [ وإنما سمي اليقين ظناً ، لأن في الظن طرفاً من اليقين ، فيعبَّر بالظن عن اليقين . وقوله : { وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجعون } يعني في الآخرة بعد البعث للحساب .

(1/50)


يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)

قوله تعالى : { راجعون يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } ، أي على عالمي زمانهم . وقال بعضهم : من آمن من أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم كانت له فضيلة على غيره وكان له أجران ، أجر إيمانه بنبيه عليه السلام وأجر إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ثَلاَثَةٌ يُعْطِيهُم الله الأَجْرَ مَرَّتَيْنِ ، مَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً فَأحْسَنَ تَأْدِيبَهَا فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَها ، وَعَبْدٌ أَطَاعَ سَيِّدَهُ وَأَطَاعَ الله تَعَالَى ، وَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَآمَنَ بِهِ » وقال بعضهم : معنى قوله { وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } بإنزال المن والسلوى وغيره ، ولم يكن ذلك لأحد من العالمين غيرهم .

(1/51)


وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)

وقوله تعالى : { واتقوا يَوْمًا } ، أي واخشوا عذاب يوم { لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } ، يعني لا تغني في ذلك اليوم نفس مؤمنة عن نفس كافرة ، وذلك أنهم كانوا يقولون : نحن من أولاد إبراهيم خليل الله ، ومن أولاد إسحاق والله تعالى يقبل شفاعتهما فينا ، فنزلت هذه الآية : { لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } ، أي لا تغني نفس مؤمنة عن نفس مؤمنة ولا نفس كافرة عن نفس كافرة . { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة } ، أي من نفس كافرة يعني لا ينفع فيها شافع ولا ملك ولا رسول لغير أهل القبلة . قرأ ابن كثير وأبو عمرو { وَلاَ تَقْبَلُواْ } بالتاء ، لأن الشفاعة مؤنثة؛ وقرأ الباقون بالياء ، لأن تأنيثه ليس بحقيقي ، وما لم يكن تأنيثه حقيقياً جاز تذكيره ، وكقوله عز وجل : { الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله وَمَنْ عَادَ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة : 275 ] ثم قال تعالى : { وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } ، أي لا يقبل الفداء من نفس كافرة كما قال في موضع آخر { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا } [ آل عمران : 91 ] ، ويقال : لو جاءت بعدل نفسها رجلاً مكانها لا يقبل منها . { عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } ، يقول : ولا هم يمنعون من العذاب .

(1/52)


وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)

{ وَإِذْ نجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } إنما خاطبهم وأراد به آباءهم ، لأنهم يتبعون آباءهم فأضاف إليهم . ومعناه واذكروا إذ نجيناكم من قوم فرعون { يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } أي يعذبونكم بأشد العذاب وأقبح العذاب . ويقال في اللغة : سامه الخسف ، إذا أولاه الهوان . يعني يولونكم بأشد العذاب . ثم بيّن العذاب فقال تعالى : { يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } الصغار { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } ، أي ويستخدمون نساءكم . وأصله في اللغة : من الحياة ، يقال : استحيا ، يستحيي إذا تركه حيّاً . وكانوا يذبحون الأولاد ، ويتركون النساء أحياء للخدمة ، وذلك لأن فرعون قالت له كهنته : يولد في بني إسرائيل مولود ينازعك في ملكك ، فأمر بأن يذبح كل مولود يولد في بني إسرائيل وتترك البنات .
قوله تعالى : { وَفِى ذلكم بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } ، أي نعمة من ربكم عظيمة ، والبلاء : يكون عبارة عن النعمة ، ويكون أيضاً عبارة عن البلية والشدة؛ وأصله من الابتلاء والاختيار يكون بهما جميعاً . فإن أراد به النعمة ، فمعناه { وَفِى ذلكم بَلاء مِّن رَّبّكُمْ } ، أي اتجاه الله من ذبح الأولاد واستخدام النساء نعمة لكم من ربكم عظيم وإن أراد به العذاب ، فمعنى { وَفِى ذلكم بَلاء } أن في ذبح الأبناء واستخدام النساء بلاء لكم من ربكم عظيم .

(1/53)


وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)

{ وَإذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ } ، أي فرق الماء يميناً وشمالاً حين خرج موسى مع بني إسرائيل من مصر ، فخرج فرعون وقومه في طلبهم؛ فلما انتهوا إلى البحر ضرب موسى عصاه على البحر ، فانفلق ، فصار اثني عشر طريقاً يبساً ، لكل سبط منهم طريق . فلما جاوز موسى البحر ودخل فيه فرعون مع قومه ، غشيهم من اليم ما غشيهم ، أي غشيهم الماء فغرقوا في اليم فذلك قوله تعالى : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر } .
يقول : واذكرا نعمة الله عليكم إذ فلقنا بكم البحر { فأنجيناكم } من الغرق { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ } ، يعني فرعون وآله . قال بعض أهل اللغة : الآل ، أتباع الرجل قريبه كان أو غيره ، وأهله قريبه أتبعه أو لم يتبعه . ويقال : الآل والأهل بمعنى واحد ، إلا أن الآل يستعمل لأتباع رئيس من الرؤساء؛ يقال : آل فرعون وآل موسى ، وآل هارون ولا يقال : آل زيد ، وآل عمرو . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قيل له : من آلك؟ قال : « آلِي كُلُّ تَقِيَ إَلى يَوْمِ القِيَامَةِ »
قوله تعالى : { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } ، أي تنظرون إليهم حين لفظهم البحر بعدما غرقوا ، يعني آباءهم . وقال بعضهم : معناه أنكم تعلمون ذلك كأنكم تنظرون إليهم . قال الفقيه : وكان في قصة فرعون وغيره علامة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعرف ذلك إلا بالوحي ، فلما أخبرهم بذلك من غير أن يقرأ كتاباً ، كان ذلك دليلاً أنه قاله بالوحي ، وفيه أيضاً تهديد للكفار ليؤمنوا حتى لا يصيبهم مثل ما أصاب أولئك ، وفيه أيضاً تنبيه للمؤمنين وعظة لهم ليزجرهم ذلك عن المعاصي .

(1/54)


وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)

قوله تعالى : { وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } ، قرأ أبو عمرو «وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى» بغير ألف ، وقرأ غيره { واعدنا } بالألف ، فمن قرأ بغير ألف فمعناه ظاهر ، يعني أن الله تعالى وعد موسى عليه السلام ومن قرأ بالألف فالمواعدة تجري بين اثنين ، وإنما كان الوعد من الله تعالى ومن موسى الوفاء ، ومن الله الأمر ، ومن موسى الائتمار . فكأنما جرت المواعدة بين الله تعالى وبين موسى . وقد يجوز أن تكون المفاعلة من واحد ، كما يقال : سافر ونافق .
ويقال : أربعين ليلة كانت ثلاثين ليلة منها من ذي القعدة وعشراً من ذي الحجة . وقال بعضهم : ثلاثين كانت من ذي الحجة وعشراً من المحرم وكانت مناجاته يوم عاشوراء . وروى الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس أنه قال : لما وعدهم موسى أربعين ليلة ، عدَّت بنو إسرائيل عشرين يوماً وعشرين ليلة ، وقالوا : قد تمت أربعون ولم يرجع موسى ، فقد خالفنا .
وذكر أن السامري قال لهم : إنكم استعرتم من نساء آل فرعون حليهم ولم تردوه عليهم ، فلعل الله تعالى لم يرد علينا موسى لهذا المعنى ، فهاتوا ما عندكم من الحلي حتى نحرقه ، فلعلَّ الله يرد إلينا موسى فجمعوا ذلك الحلي ، وكان السامري صائغاً فاتخذ من ذلك عجلاً ، وقد كان قبل ذلك رأى جبريل عليه السلام على فرس الحياة ، فكلما وضع حافره اخضر ذلك الموضع ، فرفع من تحت سنبكه قبضة من التراب ، ونفخ ذلك التراب في العجل فصار ذلك عجلاً جسداً له خوار . وروي عن ابن عباس أنه قال : صار عجلاً له لحم ودم وفيه حياة له خوار . وروي عن علي أنه قال : اتخذ عجلاً جسداً مشبكاً ، من ذهب له خوار ، فدخل الريح في جوفه وخرج من فيه كهيئة الخوار . فقال للقوم : هذا إلهكم وإله موسى فنسي ، يعني أن موسى أخطأ الطريق . وقال بعضهم : كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ، فتمَّ ميقات ربه أربعين ليلة ، لأنه قد أفطر من الصِّيام في تلك العشرة ، لأنه ظهر لهم الخلاف في تلك العشرة وهذا الطريق أوضح .
قوله تعالى : { ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ } ، أي عبدتم العجل من بعد انطلاق موسى إلى الجبل { وَأَنتُمْ ظالمون } ، أي كافرون بعبادتكم العجل . ويقال : وأنتم ضارون أنفسكم بعبادتكم العجل . { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، أي تركناكم من بعد عبادتكم العجل ، فلم نستأصلكم { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، أي لكي تشكروا الله تعالى على العفو والنعمة .
قوله : { وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب } ، أي أعطينا موسى التوراة { والفرقان } ، أي الفارق بين الحلال والحرام . ويقال : الفرقان هو النصرة بدليل قوله تعالى : { واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إِن كُنتُمْ ءَامَنْتُم بالله وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان والله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } [ الأنفال : 41 ] أي يوم النصرة . ويقال : الفرقان هو المخرج من الشبهات . ويقال : هو انفلاق البحر بدليل قوله : { وإذ فرقنا بكم البحر } [ البقرة : 50 ] . وقال الفراء : في الآية مضمر ، ومعناه : وآتينا موسى الكتاب يعني التوراة ، وأعطينا محمداً الفرقان ، فكأنه خاطبهم فقال : قد أعطيناكم علم موسى وعلم محمد صلى الله عليه وسلم وعلم سائر الأنبياء . قوله : { والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ، أي لكي تهتدوا من الضلالة .

(1/55)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم } ، وأصله يا قومي بالياء ولكن حذف الياء وترك الكسر بدلاً عن الياء ، وتكون في الإضافة إلى نفسه معنى الشفقة . { لِقَوْمِهِ ياقوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ } ، يعني أضررتم بأنفسكم { باتخاذكم العجل فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ } ، يعني إلى خالقكم يقول : فارجعوا عن عبادة العجل إلى عبادة خالقكم ، وتوبوا إليه فقالوا له : وكيف التوبة؟ قال لهم موسى : { فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } ، يعني يقتل بعضكم بعضاً ، يقتل من لم يعبد العجل الذين عبدوا العجل؛ وإنما ذكر قتل الأنفس وأراد به الإخوان . وهذا كما قال في آية أخرى { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تلمزوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بالالقاب بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الايمان وَمَن لَّمْ يَتُبْ فأولئك هُمُ الظالمون } [ الحجرات : 11 ] أي لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين ، يعني لا تغتابوا إخوانكم . { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } ، يعني التوبة خير لكم عند خالقكم ، ومعناه قتل إخوانكم مع رضا الله خير لكم عند الله تعالى من ترككم إلى عذاب الله .
قوله تعالى : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم } ، أي المتجاوز عن الذنوب الرحيم ، حيث جعل القتل كفارة لذنوبكم . وروي في الخبر أن الذين عبدوا العجل جلسوا على أبواب دورهم ، وأتاهم هارون والذين لم يعبدوا العجل شاهرين سيوفهم ، فكان موسى عليه السلام يتقدم ويقول : إن هؤلاء إخوانكم قد أتوا شاهرين سيوفهم ، فاتقوا الله واصبروا له ، فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو حلّ حبوته ، أو مدّ بطرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو برجل . فيقولون : آمين ، وذكر في رواية أبي صالح : أن هارون كان يتقدم ويقول ذلك ، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء فكانت القتلى سبعين ألفاً ، فكان موسى عليه السلام يدعو ربه لما شق عليه من كثرة الدماء ، حتى نزلت التوبة . فقيل لموسى : ارفع السيف عنهم ، فإني قبلت توبتهم جميعاً ، من قتل ومن لم يقتل .

(1/56)