صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
[ تفسير الواحدي - الواحدي ] |
{ قال إنما أوتيته على علم عندي } عل فضل علم عندي وكنت بذلك العلم مستحقا لفضل المال وكان اقرأ بني إسرائيل للتوراة قال الله تعالى : { أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا } للمال منه { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } لأنهم يدخلون النار بغير حساب (1/825)
{ فخرج على قومه في زينته } في ثياب حمر عليه وعلى دوابه والركبان الذين معه { قال الذين يريدون الحياة الدنيا } ظاهر إلى قوله : (1/825)
{ ولا يلقاها } أي : ولا يلقن ولا يوفق لهذه الكلمة { إلا الصابرون } عن زينة الدنيا (1/826)
{ فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين } (1/826)
{ وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس } صار الذين كانوا يقولون : يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون { يقولون ويكأن الله } ألم تر ألم تعلم أن { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } يوسع لمن يشاء ويضيق { لولا أن من الله علينا } عصمنا عن مثل ما كان عليه قارون من البطر والبغي { لخسف بنا } كما خسف به (1/826)
{ تلك الدار الآخرة } يعني : الجنة { نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض } تكبرا وتجبرا فيها { ولا فساد } عملا بالمعاصي وأخذا للمال بغير حق { والعاقبة } المحمودة { للمتقين } (1/826)
{ من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون } (1/826)
{ إن الذي فرض عليك القرآن } أنزله وقيل : فرض عليك العمل بما في القران { لرادك إلى معاد } إلى مكة ظاهرا عليها وذلك حين اشتاق رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى مولده (1/826)
{ وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك } لكن رحمك ربك فاختارك للنبوة وأنزل عليك الوحي (1/827)
{ ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك } وهذا حين دعي إلى دين آبائه وقوله : (1/827)
{ كل شيء هالك إلا وجهه } أي : إلا إياه { له الحكم } يحكم بما يريد { وإليه ترجعون } (1/826)
{ الم } (1/828)
{ أحسب الناس أن يتركوا } الآية نزلت في الذين جزعوا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم من أذى المشركين معناه احسبوا أن يقنع منهم بأن يقولوا : إنا مؤمنون فقط ولا يمتحنون بما يبين حقيقة إيمانهم (1/828)
{ ولقد فتنا الذين من قبلهم } اختبرنا وابتلينا { فليعلمن الله } صدق { الذين صدقوا } في قولهم : آمنا بوقوعه منهم وهو الصبر على البلاء { وليعلمن } كذب { الكاذبين } في قولهم : آمنا بارتدادهم إلى الكفر عن الدين عند البلاء ومعنى العلم ها هنا العلم به موجودا كائنا (1/828)
{ أم حسب الذين يعملون السيئات } الشرك { أن يسبقونا } يفوتونا { ساء ما يحكمون } بئس حكما يحكمون لأنفسهم بهذا الظن (1/828)
{ من كان يرجو لقاء الله } يخشى البعث { فإن أجل الله } وعده بالثواب والعقاب { لات } لكائن وقوله : (1/829)
{ ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين } (1/829)
{ ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون } أي : بأحسن أعمالهم وهو الطاعة (1/829)
{ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } أمرناه أن يحسن إليهما { وإن جاهداك } اجتهدا عليك { لتشرك بي ما ليس لك به علم } أنه لي شريك { فلا تطعهما } أنزلت في سعد بن أبي وقاص لما أسلم حلفت أمه أن لا تأكل ولا تشرب ولا يظلها سقف بيت حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه و سلم ويرجع إلى ما كان عليه فأمر أن يترضاها ويحسن إليها ولا يطيعها في الشرك وقوله : (1/829)
{ لندخلنهم في الصالحين } أي : في زمرتهم وجملتهم ومعناه : لنحشرنهم معهم وقوله : (1/829)
{ جعل فتنة الناس } أي : أذاهم وعذابهم { كعذاب الله } جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله ولا يصبر على الأذية في الله { ولئن جاء } المؤمنين { نصر من ربك ليقولن } هؤلاء الذين ارتدوا حين أوذوا : { إنا كنا معكم } وهم كاذبون فقال الله تعالى : { أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } يعني : إنه عالم بإيمان المؤمن وكفر الكافر (1/829)
{ وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين } هذا إخبار عن الله تعالى أنه يعلم إيمان المؤمن وكفر المنافق (1/830)
{ وقال الذين كفروا } من أهل مكة { للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا } الطريق الذي نسلكه ي ديننا { ولنحمل خطاياكم } أي : إن كان فيه إثم فنحن نحمله قال الله تعالى : { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء } يخفف عنهم العذاب { إنهم لكاذبون } في قولهم لأنهم في القيامة لا يحملون عنهم خطاياهم ثم أعلم الله عز و جل أنهم يحملون أوزار أنفسهم وأثقالا أخرى بسبب إضلالهم مع أثقال أنفسهم لأن من دعا إلى ضلالة فاتبع فعليه مثل أوزار الذين اتبعوه ثم ذكر أنه يوبخهم على ما قالوا فقال : { وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } أي : سؤال توبيخ وقوله : (1/830)
{ وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } (1/830)
{ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون } (1/830)
{ فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين } (1/830)
{ وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } (1/830)
{ وتخلقون إفكا } أي : تقولون كذبا : إن الأوثان شركاه الله وقوله : (1/830)
{ وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين } (1/830)
{ أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده } كما بدأ وليس المعنى : على أو لم يروا كيف يعيده لأنهم لم يروا الإعادة (1/831)
{ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق } يعني : الأمم الماضية كيف قدر الله سبحانه على خلقهم ابتداء { ثم الله ينشئ النشأة الآخرة } أي : يبعثهم ثانية بإنشائه إيلهم (1/831)
{ يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون } (1/831)
{ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء } لو كنتم فيها ثم عاد الكلام إلى قصة إبراهيم عليه السلام فقال : (1/831)
{ والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم } (1/831)
{ فما كان جواب قومه } حين دعاهم إلى الله سبحانه { إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه } الآية (1/831)
{ وقال } لهم إبراهيم : { إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم } أي : ليتوادوا بها فهي مودة بينكم ما دمتم في هذه الدنيا تنقطع ولا تنفع في الآخرة وهو قوله تعالى : { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } تتبرأ الأوثان من عابديها وقوله تعالى : (1/831)
{ فآمن له لوط } هو أول من آمن بإبراهيم عليه السلام { وقال إني مهاجر إلى ربي } هاجر من سواد الكوفة إلى الشام (1/832)
{ وآتيناه أجره في الدنيا } قيل : هو الذكر الحسن وقيل : هو الوالد الصالح (1/832)
{ ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين } (1/832)
{ وتقطعون السبيل } أي : سبيل الولد وقيل : يأخذون الناس من الطرق لطلب الفاحشة { وتأتون في ناديكم } مجلسكم { المنكر } كان بعضهم يجامع بعضا في مجالسهم { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } أنه نازل بنا وقوله : (1/832)
{ قال رب انصرني على القوم المفسدين } (1/832)
{ ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين } (1/832)
{ قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } (1/832)
{ ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين } (1/832)
{ إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون } (1/832)
{ ولقد تركنا منها } من قرية قوم لوط { آية بينة } عبرة ظاهرة وهي خرابها وآثارها وقوله : (1/832)
{ وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين } (1/832)
{ فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } (1/833)
{ وكانوا مستبصرين } أي : في ضلالتهم معجبين بها وقيل : حسبوا أنهم على الهدى وهم على الباطل وقيل : أتوا ما أتوه وقد بين لهم أن عاقبته العذاب (1/833)
{ وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين } (1/833)
{ فكلا } من الكفار { أخذنا } عاقبنا { بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا } وهم قوم لوط { ومنهم من أخذته الصيحة } قوم ثمود { ومنهم من خسفنا به الأرض } قارون وقومه { ومنهم من أغرقنا } قوم نوح وفرعون { وما كان الله ليظلمهم } لأنه قد بين لهم بإرسال الرسول { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بكفرهم (1/833)
{ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } يعني : الأصنام في قلة غنائها عنهم { كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } لا يدفع عنها حرا ولا بردا { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } وذلك أنه لا بيت أضعف منه فيما يتخذه الهوام { لو كانوا يعلمون } موضعه عند قوله : مثل الذين اتخذوا من دونه أولياء لو كانوا يعملون كمثل العنكبوت فهو مؤخر معناه التقديم وقوله : (1/833)
{ إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم } (1/833)
{ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } (1/833)
{ خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين } (1/833)
{ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } يعني : إن في الصلاة منهاة ومزدجرا عن معاصي الله تعالى فمن لم تنهه صلاته عن المنكر فليست صلاته بصلاة { ولذكر الله أكبر } من كل شيء في الدنيا وأفضل (1/834)
{ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } وهو الجميل من القول بالدعاء إلى الله عز و جل والتنبيه على الحجج { إلا الذين ظلموا منهم } أي : إلا الذين ظلموكم بالقتال ومنع الجزية (1/834)
{ وكذلك } أي : وكما آتيناهم الكتاب { أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } بمحمد صلى الله عليه و سلم يعني : من كانوا قبل عصره كانوا يؤمنون به لما يجدونه من نعته في كتابهم { ومن هؤلاء } الذين هو بين ظهرانيهم { من يؤمن به } (1/834)
{ وما كنت تتلو من قبله } من قبل الكتاب الذي أنزلناه إليك { من كتاب ولا تخطه } ولا تكتبه { بيمينك إذا لارتاب المبطلون } لشكوا فيك واتهموك لو كنت تكتب وأراد بالمبطلين كفار قريش يعني : لقالوا : إنه كتبه وتعلمه من كتاب (1/834)
{ بل هو } يعني : محمدا صلى الله عليه و سلم والعلم بأنه أمي { آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } من أهل الكتاب قرؤوها من التوراة وحفظوها (1/834)
{ وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه } كما أنزل على من قبله من الأنبياء { قل إنما الآيات عند الله } إذا شاء أرسلها وليست بيدي (1/835)
{ قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا } يشهد على صدقي وعلى تكذيبكم وقوله : (1/835)
{ قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون } (1/835)
{ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون } (1/835)
{ يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } (1/835)
{ ويقول : ذوقوا ما كنتم تعملون } أي : جزاءه من العذاب (1/835)
{ يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة } نزلت في حث من كانوا بمكة لا يقدرون على إظهار دينهم على الهجرة (1/835)
{ كل نفس ذائقة الموت } أينما كانت فلا تقيموا بدار الشرك وقوله : (1/835)
{ لنبوئنهم من الجنة غرفا } أي : ولننزلنهم منها قصورا (1/835)
{ الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون } (1/835)
{ وكأين } وكم { من دابة لا تحمل رزقها } فتخبئه لغد { الله يرزقها } يوما بيوم { وإياكم } وذلك أن الذين كانوا بمكة من المؤمنين إذا قيل لهم اخرجوا إلى المدينة قالوا : فمن يطعمنا بها ولا مال لنا هناك فأنزل الله تعالى : { الله يرزقها وإياكم } (1/835)
{ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون } (1/836)
{ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم } (1/836)
{ ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله } على إنزاله الماء لإحياء الأرض { بل أكثرهم لا يعقلون } العقل الذي يعرفون به الحق من الباطل (1/836)
{ وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب } لنفادها عن قريب { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } الحياة الدائمة { لو كانوا يعلمون } أنها كذلك ولكنهم لا يعلمون (1/836)
{ فإذا ركبوا في الفلك } وخافوا الغرق { دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } (1/836)
{ ليكفروا بما آتيناهم } أي : ليجحدوا بما أنعمنا عليهم من إنجائهم والظاهر أن هذا لام الأمر أمر التهديد ويدل عليه قوله تعالى : { وليتمتعوا فسوف يعلمون } (1/836)
{ أولم يروا } يعني : أهل مكة { أنا جعلنا حرما آمنا } ذا أمن لا يغار على أهله { ويتخطف الناس من حولهم } بالقتل والنهب والسبي { أفبالباطل يؤمنون } يعني : الأصنام { وبنعمة الله } يعني : محمدا صلى الله عليه و سلم والقرآن { يكفرون } (1/836)
{ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين } (1/836)
{ والذين جاهدوا فينا } أعداء الدين والكفار { لنهدينهم سبلنا } سبل الشهادة والمغفرة : وقيل : من اجتهد في عمل لله زاده الله تعالى هدى على هدايته { وإن الله لمع المحسنين } بنصره إياهم (1/837)
{ الم } (1/838)
{ غلبت الروم } غلبتها فارس { في أدنى الأرض } أدنى أرض الشام من أرض العرب وفارس وهي أذرعات وعسكر { وهم } والروم { من بعد غلبهم } غلبة فارس إياهم { سيغلبون } فارس (1/838)
{ في بضع سنين } البضع : ما بين الثلاث إلى التسع { لله الأمر من قبل } من قبل أن تغلب الروم { ومن بعد } ما غلبت { ويومئذ يفرح المؤمنون } يوم تغلب الروم فارس يفرح المؤمنون { بنصر الله } الروم لأنهم أهل كتاب فهم أقرب إلى المؤمنين وفارس مجوس فكانوا أقرب إلى المشركين فالمؤمنون يفرحون بنصر الله الروم على فارس والمشركون يحزنون لذلك (1/838)
{ في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون } (1/839)
{ بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم } (1/839)
{ وعد الله } وعد ذلك وعدا { ولكن أكثر الناس } يعني : مشركي مكة { لا يعلمون } ذلك ثم بين مقدار ما يعلمون فقال : (1/839)
{ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } يعني : أمر معاشهم وذلك أنهم كانوا أهل تجارة وتكسب بها (1/839)
{ أولم يتفكروا في أنفسهم } فيعلموا { ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } أي : للحق وهو الدلالة على توحيده وقدرته { وأجل مسمى } ووقت معلوم تفنى عنده يعني : يوم القيامة وقوله : (1/839)
{ وأثاروا الأرض } أي : قلبوها للزراعة { وعمروها أكثر مما عمروها } يعني : إن الذين أهلكوا من الأمم الخالية كانوا أكثر حرثا وعمارة من أهل مكة (1/839)
{ ثم كان عاقبة الذين أساؤوا } أشركوا { السوأى } النار { أن كذبوا } بأن كذبوا وقوله : (1/839)
{ الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون } (1/839)
{ يبلس المجرمون } أي : يسكتون لانقطاع حجتهم وليأسهم من الرحمة (1/839)
{ ولم يكن لهم من شركائهم } أوثانهم التي عبدوها رجاء الشفاعة { شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين } قالوا : ما عبدتمونا وقوله : (1/840)
{ يومئذ يتفرقون } يعني : المؤمنين والكافرين ثم بين كيف ذلك التفرق فقال : (1/840)
{ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون } أي : يسمعون في الجنة (1/840)
{ وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون } (1/840)
{ فسبحان الله } فصلوا لله سبحانه { حين تمسون } يعني : صلاة المغرب والعشاء الآخرة { وحين تصبحون } صلاة الفجر { وعشيا } يعني : صلاة العصر { وحين تظهرون } يعني : صلاة الظهر (1/840)
{ وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون } (1/840)
{ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون } (1/840)
{ ومن آياته أن خلقكم من تراب } يعني : أباكم آدم { ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } يعني : ذريته (1/840)
{ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم } من جنسكم { أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } يعني : الألفة بين الزوجين (1/840)
{ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم } وأنتم بنو رجل واحد وامرأة واحدة (1/840)
{ ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله } أي : الليل لتناموا فيه والنهار لتبتغوا فيه من فضله (1/841)
{ ومن آياته يريكم البرق خوفا } للمسافر { وطمعا } للحاضر وقوله : (1/841)
{ ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض هكذا تقدير الآية على التقديم والتأخير وقوله : (1/841)
{ كل له قانتون } أي : مطيعون لا طاعة العبادة ولكن طاعة الإرادة خلقهم على ما أراد فكانوا على ما أراد لا يقدر أحد أن يتغير عما خلق عليه وقوله : (1/841)
{ وهو أهون عليه } أي : هين عليه وقيل : هو أهون عليه عندكم وفيما بينكم لأن الإعادة عندنا أيسر من الابتداء { وله المثل الأعلى } الصفة العليا وهو أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره (1/841)
{ ضرب لكم مثلا } بين لكم شبها في اتخاذكم الأصنام شركاء مع الله سبحانه { من أنفسكم } ثم بين ذلك فقال : { هل لكم من ما ملكت أيمانكم } من العبيد والإماء { من شركاء في ما رزقناكم } من المال والولد أي : هل يشاركونكم فيما أعطاكم الله سبحانه حتى تكونوا أنتم وهم { فيه سواء تخافونهم } أن يرثوكم كما يخاف بعضكم بعضا أن يرثه ماله والمعنى : كما لا يكون هذا فكيف يكون ما هو مخلوق لله تعالى مثله حتى يعبد كعبادته ؟ فلما لزمتهم الحجة بهذا ذكر انهم يعبدونها باتباع الهوى فقال : { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم } في عبادة الأصنام (1/841)
{ بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين } (1/842)
{ فأقم وجهك للدين حنيفا } أي : أقبل عليه ولا تعرض عنه { فطرة الله } أي : اتبع فطرة الله أي : خلقة الله التي خلق الناس عليها وذلك أن كل مولود يولد على ما فطره الله عليه من أنه لا رب له غيره كما أقر له لما أخرج من ظهر آدم عليه السلام { لا تبديل لخلق الله } لم يبدل الله سبحانه دينه فدينه أنه لا رب غيره { ذلك الدين القيم } المستقيم (1/842)
{ منيبين إليه } راجعين إلى ما أمر به وهو حال من قوله : { فأقم وجهك } والمعنى : فأقيموا وجوهكم لأن أمره أمر لأمته وقوله : (1/842)
{ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا } مفسر في سورة الأنعام { كل حزب } كل جماعة من الذين فارقوا دينهم { بما لديهم فرحون } أي : يظنون أنهم على الهدى ثم ذكر أنهم مع شركهم لا يلتجئون في الشدائد إلى الأصنام فقال : (1/842)
{ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه } الآية وقوله : (1/843)
{ ليكفروا بما آتيناهم } مفسر في سورة العنكبوت إلى قوله : (1/843)
{ أم أنزلنا } أي : أأنزلنا { عليهم سلطانا } كتابا { فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } ينطق بعذرهم في الإشراك (1/843)
{ وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها } الآية هذا من صفة الكافر يبطر عند النعمة ويقنط عند الشدة ولا يشكر في الأولى ولا يحتسب في الثانية (1/843)
{ أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } (1/843)
{ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون } (1/843)
{ وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس } يعني : ما يعطونه من الهدية ليأخذوا أكثر منها وهو من الربا الحلال { فلا يربو عند الله } لأنكم لم تريدوا بذلك وجه الله وقوله : { فأولئك هم المضعفون } أصحاب الإضعاف يضاعف لهم بالواحدة عشرا (1/843)
{ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون } (1/843)
{ ظهر الفساد } القحط وذهاب البركة { في البر } القفار { والبحر } القرى والريف { بما كسبت أيدي الناس } بشؤم ذنوبهم { ليذيقهم بعض الذي عملوا } كان ذلك ليذاقوا الشدة بذنوبهم في العاجل (1/844)
{ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين } (1/844)
{ فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم } القيامة فلا ينفع نفسا إيمانها { يومئذ يصدعون } يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير (1/844)
{ من كفر فعليه كفره } أي : وبال كفره وعذابه { ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون } يفرشون ويسؤون المضاجع والمعنى : لأنفسهم يبغون الخير (1/844)
{ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } بالمطر { وليذيقكم من رحمته } نعمته بالمطر يرسلها { ولتجري الفلك بأمره } وذلك أنها تجري بالرياح { ولتبتغوا من فضله } بالتجارة في البحر وقوله : (1/844)
{ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } (1/844)
{ فانتقمنا من الذين أجرموا } أي : عاقبنا الذين أشركوا { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } في العاقبة وكذلك ننصرك في العاقبة على من عاداك (1/844)
{ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا } تزعجها وتخرجها من أماكنها { فيبسطه } الله { في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا } قطعا يريد أنه مرة يبسطه ومرة يقطعه { فترى الودق } المطر { يخرج من خلاله } وسطه وشقوقه { فإذا أصاب به } بالودق { من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون } يفرحون (1/844)
{ وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } المطر { من قبله } كرر من قبل التأكيد { لمبلسين } آيسين (1/845)
{ فانظر إلى آثار رحمة الله } يعني : آثار المطر الذي هو رحمة الله تعالى { كيف يحيي الأرض } جعلها تنبت { بعد موتها } يبسطها { إن ذلك } الذي فعل ذلك وهو الله عز و جل { لمحيي الموتى } (1/845)
{ ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا } رأوا النبت قد اصفر وجف { لظلوا من بعده يكفرون } يريد : إن الكفار يستبشرون بالغيث فإذا جف النبت ولم يحتاجوا إلى الغيث ظلوا يكفوا بنعمة الله عز و جل فلم يؤمنوا ولم يشكروا إنعامه بالمطر (1/845)
{ فإنك لا تسمع الموتى } مضت الآية في سورة الأنبياء والتي بعدها في سورة النمل (1/845)
{ وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } (1/845)
{ الله الذي خلقكم من ضعف } من نطفة الآية (1/845)
{ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون } يحلف الكافرون { ما لبثوا } في قبورهم { غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون } أي : كذبوا في هذا الوقت كما كانوا يكذبون في الدنيا (1/845)
{ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله } أي : فيما بين في كتابه وهو اللوح المحفوظ { يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون } أنه يكون وقوله : (1/846)
{ ولا هم يستعتبون } أي : لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى ما يرضي الله سبحانه (1/846)
{ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } بينا لهم الأمثال للاعتبار { ولئن جئتهم بآية } لهم فيها بيان واعتبار { ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } ما أنتم إلا أصحاب الأباطيل (1/846)
{ كذلك } كما طبع الله على قلوبهم حتى لم يفهموا { يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } أدلة التوحيد (1/846)
{ فاصبر إن وعد الله } في نصرك وتمكينك { حق ولا يستخفنك } لا يستفزنك عن دينك { الذين لا يوقنون } أي : الضلال الشاكون (1/846)
{ الم } (1/847)
{ تلك آيات الكتاب الحكيم } (1/847)
{ هدى ورحمة للمحسنين } (1/847)
{ الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون } (1/847)
{ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } (1/847)
{ ومن الناس من يشتري لهو الحديث } يعني : النضر بن الحارث كان يخرج تاجرا إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم ثم يأتي بها فيقرؤها في أندية قريش فيستملحونها ويتركون استماع القرآن وقوله : { ويتخذها هزوا } أي : يتخذ آيات الكتاب هزوا وقوله : (1/847)
{ وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم } (1/847)
{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم } (1/847)
{ خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم } (1/847)
{ خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } (1/847)
{ هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين } (1/847)
{ ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله } أي : وقلنا له : أن أشكر الله وقوله : (1/848)
{ وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } (1/848)
{ حملته أمه وهنا على وهن } أي : لزمها بحملها إياه أن تضعف مرة بعد مرة { وفصاله } وفطامه { في عامين } لأنها ترضع الولد عامين { أن اشكر لي ولوالديك } المعنى : وصينا الإنسان أن أشكر لي ولوالديك (1/848)
{ وإن جاهداك } مفسر فيما مضى وقوله : { وصاحبهما في الدنيا معروفا } أي : مصاحبا معروفا وهو المستحسن { واتبع سبيل من أناب } رجع { إلي } يعني : اسلك سبيل محمد صلى الله عليه و سلم وأصحابه نزلت في سعد بن أبي وقاص وقد مر (1/848)
{ يا بني إنها إن تك مثقال } روي أن ابنه قال له : إن علمت بالخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله عزوجل ؟ فقال : { إنها } أي : الخطيئة { إن تك مثقال حبة من خردل } أو : السيئة ثم كانت { في صخرة } أي : ي أخفى مكان { أو في السماوات أو في الأرض } أينما كانت أتى الله بها ولن تخفى عليه ومعنى { يأت بها الله } أي : للجزاء عليها { إن الله لطيف } باستخراجها { خبير } بمكانها وقوله : (1/848)
{ إن ذلك من عزم الأمور } أي : الأمور الواجبة (1/849)
{ ولا تصعر خدك للناس } لا تعرض عنهم تكبرا { ولا تمش في الأرض مرحا } متبخترا مختالا (1/849)
{ واقصد في مشيك } ليكن مشيك قصدا لا بخيلاء ولا بإسراع { واغضض } واخفض { من صوتك إن أنكر الأصوات } أقبحها { لصوت الحمير } (1/849)
{ ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات } من الشمس والقمر والنجوم لتنتفعوا بها { وما في الأرض } ومن البحار والأنهار والدواب { وأسبغ } وأوسع وأتم { عليكم نعمه ظاهرة } وهي حسن الصورة وامتداد القامة { وباطنة } وهي المعرفة والباقي قد مضى تفسيره إلى قوله تعالى : (1/849)
{ أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } أي : موجباته فيتبعونه (1/849)
{ ومن يسلم وجهه إلى الله } يقبل على طاعته وأوامره { وهو محسن } مؤمن موحد { فقد استمسك بالعروة الوثقى } بالطرف الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه { وإلى الله عاقبة الأمور } مرجعها (1/849)
{ ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور } (1/849)
{ نمتعهم قليلا } بالدنيا { ثم نضطرهم } نلجئهم { إلى عذاب غليظ } (1/849)
{ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله } الذي خلقها { بل أكثرهم لا يعلمون } إذ أشركوا به بعد إقرارهم بأنه خالقها (1/850)
{ لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد } (1/850)
{ ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام } الآية وذلك أن المشركين قالوا في القرآن : هذا كلام سيفذ وينقطع فأعلم الله سبحانه أن كلامه لا ينفذ { والبحر يمده } أي : يزيد فيه ثم كتبت به كلمات الله { ما نفدت } (1/850)
{ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } أي : كخلق وكبعث نفس واحدة لأن قدرة الله سبحانه على بعث الخلق كقدرته على بعث نفس واحدة وقوله : (1/850)
{ ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير } (1/850)
{ ذلك } أي : فعل الله ذلك لتعلموا { بأن الله هو الحق } الذي لا إله إلا غيره وقوله : (1/850)
{ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } أي : لكل مؤمن بهذه الصفة (1/850)
{ وإذا غشيهم } علاهم { موج كالظلل } كالجبال وقيل : كالسحاب وقوله : { فمنهم مقتصد } أي : مؤمن موف بما عاهد الله في البحر وقوله : { كل ختار } عذار { كفور } جحود وقوله : (1/851)
{ لا يجزي والد عن ولده } لا يكفي ولا يغني عنه شيئا و { الغرور } الشيطان (1/851)
{ إن الله عنده علم الساعة } متى تقوم { وينزل الغيث } المطر { ويعلم ما في الأرحام } ذكرا أو أنثى (1/851)
{ الم } (1/852)
{ تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } (1/852)
{ أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون } (1/852)
{ الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } (1/852)
{ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض } يعني : القضاء من السماء فينزله إلى الأرض مدة أيام الدنيا { ثم يعرج إليه } أي : يرجع الأمر والتدبير إلى السماء ويعود إليه بعد انقضاء الدنيا وفنائها { في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } وهو يوم القيامة وذلك اليوم يطول على قوم ويشتد حتى يكو كخمسين ألف سنة ويقصر على قوم فلا آخر له معلوم وقوله (1/852)
{ ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم } (1/853)
{ الذي أحسن كل شيء خلقه } أي : أتقنه وأحكمه { وبدأ خلق الإنسان من طين } آدم عليه السلام (1/853)
{ ثم جعل نسله } ذريته { من سلالة } نطفة { من ماء مهين } ضعيف حقير (1/853)
{ وقالوا } يعني : منكري البعث { أإذا ضللنا في الأرض } صرنا ترابا وبطلنا { أإنا لفي خلق جديد } نخلق بعد ذلك خلقا جديدا (1/853)
{ وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون } (1/853)
{ قل يتوفاكم } يقبض أرواحكم (1/853)
{ ولو ترى } يا محمد { إذ المجرمون } المشركون { ناكسوا رؤوسهم } مطأطئوها حياء من ربهم عز و جل ويقولون : { ربنا أبصرنا } ما كنا به مكذبين { وسمعنا } منك صدق ما أتت به الرسل { فارجعنا } فارددنا إلى الدنيا { نعمل صالحا } (1/853)
{ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } رشدها الآية ويقال لأهل النار : (1/853)
{ فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا } أي : تركتم الإيمان به { إنا نسيناكم } تركناكم في النار (1/853)
{ إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها } أي : وعظوا { خروا سجدا } لله سبحانه خوفا منه { وسبحوا بحمد ربهم } نزهوا الله تعالى بالحمد لله { وهم لا يستكبرون } عن الإيمان به والسجود له (1/853)
{ تتجافى جنوبهم } ترتفع أضلاعهم { عن المضاجع } الفرش ومواضع النوم { يدعون ربهم خوفا } من النار { وطمعا } في الجنة { ومما رزقناهم ينفقون } يصدقون (1/854)
{ فلا تعلم نفس } من هؤلاء { ما أخفي لهم } ما أعد لهم { من قرة أعين } مما تقر به عينه إذ رآه (1/854)
{ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا } نزلت في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط (1/854)
{ أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون } (1/854)
{ وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } (1/854)
{ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } قيل : المصيبات في الدنيا وقيل : القتل ببدر وقيل : عذاب القبر وقيل : الجوع سبع سنين والأولى المصيبات والجوع لقوله : { لعلهم يرجعون } وقوله : (1/855)
{ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون } (1/855)
{ فلا تكن في مرية من لقائه } أي : من لقاء موسى عليه السلام ليلة المعراج وعده الله تعالى أن يريه موسى عليه السلام ليلة الإسراء به (1/855)
{ وجعلنا منهم } من بني إسرائيل { أئمة } قادة { يهدون } يدعون الخلق { بأمرنا لما صبروا } حين صبروا على الحق (1/855)
{ إن ربك هو يفصل } يحكم { بينهم يوم القيامة } بين المكذبين بك { فيما كانوا فيه يختلفون } من أمرك (1/855)
{ أولم يهد لهم } يتبين لهم صدقك { كم أهلكنا } إهلاكنا من كذب الرسل منهم وهم { يمشون في مساكنهم } إذا سافروا فيرون خراب منازلهم { إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون } آيات الله وعظاته (1/855)
{ أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز } الغليظة التي لا نبات فيها { فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون } هذا فيلعموا أنا نقدر على إعادتهم (1/855)
{ ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } وذلك أن المؤمنين قالوا للكفار : إن لنا يوما يحكم الله بيننا وبينكم فيه يريدون يوم القيامة فقالوا : متى هذا الفتح ؟ فقال الله تعالى : { قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون } يمهلون للتوبة (1/856)
{ قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون } (1/856)
{ فأعرض عنهم } منسوخ بآية السيف { وانتظر } عذابهم { إنهم منتظرون } هلاكك في زعمهم الكاذب (1/856)
{ يا أيها النبي اتق الله } اثبت على تقوى الله ودم عليه { ولا تطع الكافرين والمنافقين } وذلك أن الكافرين قالوا له : ارفض ذكر آلهتنا وقل : إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها ووازرهم المنافقون على ذلك { إن الله كان عليما } بما يكون قبل كونه { حكيما } فيما يخلق (1/857)
{ واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا } (1/857)
{ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } (1/857)
{ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } هذا تكذيب لبعض من قال من الكافرين : إن لي قلبين أفهم بكل واحد منهما أكثر مما يفهم محمد فأكذبه الله تعالى قيل : إنه ابن خطل { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } لم يجعل نسائكم اللائي تقولون : هن علينا كظهور أمهاتنا في الحرام كما تقولون وكان هذا من طلاق الجاهلية فجعل الله في ذلك كفارة { وما جعل أدعياءكم } من تبنيتموه { أبناءكم } في الحقيقة كما تقولون { ذلكم قولكم بأفواهكم } قول بالفم لا حقيقة له { والله يقول الحق } وهو أن غير الابن لا يكون ابنا { وهو يهدي السبيل } أي : السبيل المستقيم (1/857)
{ ادعوهم لآبائهم } أي : انسبوهم إلى الذين ولدوهم { هو أقسط عند الله } أعدل عند الله { فإن لم تعلموا آباءهم } من هم { فإخوانكم في الدين } أي : فهم إخوانكم في الدين { ومواليكم } وبنو عمكم وقيل : أولياؤكم في الدين { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } وهو أن يقول لغير ابنه : يا بني من غير تعمد أن يجريه مجرى الولد في الميراث وهو قوله : { ولكن ما تعمدت قلوبكم } يعني : ولكن الجناح في الذي تعمدت قلوبكم (1/858)
{ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } إذا دعاهم النبي صلى الله عليه و سلم إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي صلى الله عليه و سلم أولى { وأزواجه أمهاتهم } في حرمة نكاحهن عليهم { وأولو الأرحام } والأقارب { بعضهم أولى ببعض } في الميراث { في كتاب الله } في حكمه { من المؤمنين والمهاجرين } وذلك أنهم كانوا في ابتداء الإسلام يرثون بالإيمان والهجرة { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا } لكن إن يوصوا بهم بشيء من الثلث فهو جائز { كان ذلك في الكتاب مسطورا } كان هذا الحكم في اللوح المحفوظ مكتوبا (1/858)
{ وإذ أخذنا } واذكر إذ أخذنا { من النبيين ميثاقهم } على الوفاء بما حملوا وأن يصدق بعضهم بعضا (1/859)
{ ليسأل الصادقين عن صدقهم } المبلغين من الرسل عن تبليغهم وفي تلك المسألة تبكيت للكفار { وأعد للكافرين } بالرسل { عذابا أليما } (1/859)
{ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود } يعني : الأحزاب وهم قريش وغطفان قريظة والنضير حاصروا المسلمين أيام الخندق { فأرسلنا عليهم ريحا } وهي الصبا كفأت قدورهم وقلعت فساطيطهم { وجنودا لم تروها } وهم الملائكة { وكان الله بما يعملون } من حفر الخندق { بصيرا } (1/859)
{ إذ جاءوكم من فوقكم } من قبل المشرق يعني : قريظة والنضير { ومن أسفل منكم } قريش من ناحية مكة { وإذ زاغت الأبصار } مالت وشخصت وتحيرت لشدة الأمر وصعوبته عليكم { وبلغت القلوب الحناجر } ارتفعت إلى الحلوق لشدة الخوف { وتظنون بالله الظنونا } ظن المنافقون أن محمدا صلى الله عليه و سلم وأصحابه يستأصلون وأيقن المؤمنون بنصر الله (1/859)
{ هنالك } في تلك الحال { ابتلي المؤمنون } اختبروا ليتبين المخلص من المنافق { وزلزلوا } وحركوا وخوفوا (1/860)
{ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } شك ونفاق : { ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } إذ وعدنا أن فارس والروم يفتحان علينا (1/860)
{ وإذ قالت طائفة منهم } من المنافقين : { يا أهل يثرب } يعني : المدينة { لا مقام لكم } لا مكان لكم تقيمون فيه { فارجعوا } إلى منازلكم بالمدينة أمروهم بترك رسول الله صلى الله عليه و سلم وخذلانه وذلك أن النبي صلى الله كان قد خرج من المدينة إلى سلع لقتال القوم { ويستأذن فريق منهم } من المنافقين { النبي } في الرجوع إلى منازلهم { يقولون : إن بيوتنا عورة } ليست بحصينة نخاف عليها العدو قال الله تعالى : { وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا } من القتال (1/860)
{ ولو دخلت عليهم } لو دخل عليهم هؤلاء الذين يريدون قتالهم المدينة { من أقطارها } جوانبها { ثم سئلوا الفتنة } سألتهم الشرك بالله { لأتوها } لأعطوا مرادهم { وما تلبثوا بها إلا يسيرا } وما احتبسوا عن الشرك إلا يسيرا أي لأسرعوا الإجابة إليه (1/860)
{ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } عاهدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل غزوة الخندق { لا يولون الأدبار } لا ينهزمون عن العدو { وكان عهد الله مسؤولا } والله تعالى يسألهم عن ذلك العهد يوم القيامة (1/860)
{ قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } الذي كتب عليكم { وإذا لا تمتعون إلا قليلا } لا تبقون في الدنيا إلا إلى آجالكم (1/861)
{ قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } (1/861)
{ قد يعلم الله المعوقين منكم } الذين يعوقون الناس عن نصرة محمد عليه السلام { والقائلين لإخوانهم هلم إلينا } يقولون لهم : خلوا محمدا صلى الله عليه و سلم فإنه مغرور وتعالوا إلينا { ولا يأتون البأس إلا قليلا } لا يحضرون الحرب مع أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم إلا تعذيرا وتقصيرا يرى أن له عذرا ولا عذر له يوهمونهم أنهم معهم (1/861)
{ أشحة عليكم } بخلاء عليكم بالخير والنفقة { فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم } في رؤوسهم من الخوف كدوران عين الذي { يغشى عليه من الموت } قرب أن يموت فانقلبت عيناه { فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد } آذوكم بالكلام وجادلوكم في الغنيمة { أشحة } بخلاء { على الخير } الغنيمة (1/861)
{ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } لجبنهم وشدة خوفهم يظنون أنهم بعد إنهزامهم لم ينصرفوا بعد { وإن يأت الأحزاب } يرجعوا كرة ثانية { يودوا لو أنهم بادون في الأعراب } خارجون من المدينة إلى البادية في الأعراب { يسألون عن أنبائكم } أي : يودوا لو أنهم غائبون عنكم يسمعون أخباركم بسؤالهم عنها من غير مشاهدة قال الله تعالى : { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا } رياء من غير حسبة ولما وصف الله تعالى حال المنافقين في الحرب وصف حال المؤمنين فقال : (1/861)
{ لقد كان لكم } أيها المؤمنون { في رسول الله أسوة حسنة } سنة صالحة واقتداء حسن حيث لم يخذلوه ولم يتولوا عنه كما فعل هو صلى الله عليه و سلم يوم أحد شج حاجبه وكسرت رباعيته فوقف صلى الله عليه و سلم ولم يمهزم ثم بين لمن كان هذا الاقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } أي : يخافهما (1/862)
{ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا } تصديقا لوعد الله تعالى : { هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله } ووعد الله تعالى إياهم في قوله : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه : متى نصر الله ؟ ألا إن نصر الله قريب } فعلموا بهذه الآية أنهم يبتلون فلما ابتلوا بالأحزاب علموا أن الجنة والنصر قد وجبا لهم إن سلموا وصبروا وذلك قوله : { وما زادهم إلا إيمانا } وتصديقا بالله ورسوله { وتسليما } لله أمره (1/862)
{ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله } كانوا صادقين في عهودهم بنصرة النبي صلى الله عليه و سلم { فمنهم من قضى نحبه } فرغ من نذره واستشهد يعني : الذين قتلوا بأحد { ومنهم من ينتظر } أن يقتل شهيدا { وما بدلوا تبديلا } عهدهم ثم ذكر جزاء الفريقين فقال : (1/862)
{ ليجزي الله الصادقين بصدقهم } الآية (1/863)
{ ورد الله الذين كفروا } قريشا والأحزاب { بغيظهم } على ما فيهم من الغيظ { لم ينالوا خيرا } لم يظفروا بالمسلمين { وكفى الله المؤمنين القتال } بالريح والملائكة (1/863)
{ وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب } الذين عاونوا الأحزاب من يقظة { من صياصيهم } حصونهم وذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم حاصرهم واشتد ذلك عليهم حتى نزلوا على حكمه وذلك قوله تعالى : { وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون } يعني : الرجال { وتأسرون فريقا } يعني : النساء والذرية وقوله : (1/863)
{ وأرضا لم تطئوها } يعني : خيبر ولم يكونوا نالوها فوعدهم الله تعالى إياها (1/863)
{ يا أيها النبي قل لأزواجك } الآية نزلت حين سألت نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئا من عرض الدنيا وآذينه بزيارة النفقة فأنزل الله سبحانه هذه الآيات وأمره أن يخبرهن بين الإقامة معه على طلب ما عند الله أو السراح إن أردن الدنيا وهو قوله : { إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن } متعة الطلاق فقرأ عليهن رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآيات فاخترن الآخرة على الدنيا والجنة على الزينة فرفع الله سبحانه درجتهن على سائر النساء بقوله : (1/864)
{ وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما } (1/864)
{ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة } بمعصية ظاهرة { يضاعف لها العذاب ضعفين } ضعفي عذاب غيرها من النساء (1/864)
{ ومن يقنت } يطع { نؤتها أجرها مرتين } مثلي ثواب غيرها من النساء { وأعتدنا لها رزقا كريما } يعني : الجنة وقوله : (1/864)
{ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض } أي : لا تقلن قولا يجد منافق به سبيلا إلى أن يطمع في موافقتكن له وقوله : { وقلن قولا معروفا } أي : فلن بما يوجبه الدين والإسلام بغير خضوع فيه بل بتصريح (1/864)
{ وقرن في بيوتكن } أمر لهن من الوقار والقرار جميعا { ولا تبرجن } ولا تظهرن المحاسن كما كان يفعله أهل الجاهلية وهو ما بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس } وهو كل مستنكر ومستقذر من عمل { أهل البيت } يعني : نساء النبي صلى الله عليه و سلم ورجال أهل بيته (1/865)
{ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله } يعني : القرآن { والحكمة } يعني : السنة (1/865)
{ إن المسلمين والمسلمات } الآية قالت النساء : ذكر الله تعالى الرجال بخير في القرآن ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير يذكر فأنزل الله تعالى هذه الآية (1/865)
{ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } الآية نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب خطبها رسول الله صلى الله عليه و سلم على مولاه زيد بن حارثة وظنت أنه خطبها لنفسه فلما علمت أنه يريدها لزيد كرهت ذلك فأنزل الله تعالى : { وما كان لمؤمن } يعني : عبد الله بن جحش { ولا مؤمنة } يعني : أخته زينب { إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } أي : الاختيار فأعلم أنه لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله وزوجها من زيد ومكثت عنده حينا ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى زيدا ذات يوم لحاجة فأبصرها قائمة في درع وخمار فأعجبه وكأنها وقعت في نفسه وقال : سبحان الله مقلب القلوب فلما جاء زيد أخبرته بذلك وألقي في نفس زيد كراهتها فأراد فراقها فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : إني أريد أن أفارق صاحبتي فإنها تؤذيني بلسانها فذلك قوله : (1/865)
{ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } بالإسلام يعني : زيدا { وأنعمت عليه } بالإعتاق : { أمسك عليك زوجك واتق الله } فيها وكان صلى الله عليه و سلم يحب أن يتزوج بها إلا أنه آثر ما يجب من الأمر بالمعروف وقوله : { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } أن لو فارقها تزوجها وذلك أن الله تعالى كان قضى ذلك وأعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيدا يطلقها { وتخشى الناس } تكره قالة الناس لو قلت : طلقها فيقال أمر رجلا بطلاق امرأته ثم تزوجها { والله أحق أن تخشاه } في كل الأحوال ليس أنه لم يخش الله في شيء من هذه القضية ولكن ذكر الكلام ها هنا على الجملة وقيل والله أحق أن تستحيي منه فلا تأمر زيدا بإمساك زوجته بعد إعلام الله سبحانه إياك أنها ستكون زوجتك وأنت تستحيي من الناس وتقول : أمسك عليك زوجك { فلما قضى زيد منها وطرا } حاجته من نكاحها { زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج } الآية لكيلا يظن ظان أن امرأة المتبنى لا تحل للمتبني وكانت العرب تظن ذلك وقوله : { وكان أمر الله مفعولا } كائنا لا محالة وكان قد قضى في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم (1/866)
{ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } فيما أحل له من النساء { سنة الله في الذين خلوا من قبل } يقول : هذه السنة قد مضت أيضا لغيرك يعني : كثرة أزواج داود وسليمان عليهما السلام والمعنى : سن الله له سنة واسعة لا حرج عليه فيها { وكان أمر الله قدرا مقدورا } قضاء مقضيا (1/867)
{ الذين يبلغون رسالات الله } الذين نعت قوله : { في الذين خلوا من قبل } { ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحل الله لهم { وكفى بالله حسيبا } حافظا لأعمال خلقه (1/867)
{ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } فتقولوا : إنه تزوج امرأة ابنه يعني : زيدا ليس له بابن وإن كان قد تبناه { ولكن } كان { رسول الله وخاتم النبيين } لا نبي بعده (1/868)
{ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } وهو أن لا ينسى على حال (1/868)
{ وسبحوه } صلوا له { بكرة } صلاة الفجر { وأصيلا } صلاة العصر والعشاءين (1/868)
{ هو الذي يصلي عليكم } يغفر لكم ويرحمكم { وملائكته } يستغفرون لكم { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } من ظلمات الجهل والكفر إلى نور اليقين والإسلام (1/868)
{ تحيتهم } تحية الله للمؤمنين { يوم يلقونه } يرونه { سلام } يسلم عليهم { وأعد لهم أجرا كريما } وهو الجنة (1/868)
{ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا } على أمتك بإبلاغ الرسالة (1/868)
{ وداعيا إلى الله } إلى ما يقرب منه من الطاعة والتوحيد { بإذنه } بأمره أي : إنه أمرك بهذا لا أنك تفعله من قبلك { وسراجا منيرا } يستضاء به من ظلمات الكفر وقوله : (1/868)
{ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } (1/868)
{ ودع أذاهم } لا تجازهم عليه إلى أن تؤمر فيهم بأمرنا (1/869)
{ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات } تزوجتموهن { ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } تجامعوهن { فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } تحصونها عليهن بالأفراد والأشهر لأن المطلقة قبل الجماع لا عدة عليها { فمتعوهن } أعطوهن ما يستمتعن به وهذا أمر ندب لأن الواجب لها نصف الصداق { وسرحوهن سراحا جميلا } بالمعروف كما أمر الله تعالى ثم ذكر ما يحل من النساء للنبي صلى الله عليه و سلم فقال : (1/869)
{ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن } مهورهن { وما ملكت يمينك } من الإماء { مما أفاء الله عليك } جعلهن غنيمة تسبى وتسترق بحكم الشرع { وبنات عمك وبنات عماتك } أن يتزوجهن يعني : نساء بني عبد المطلب { وبنات خالك وبنات خالاتك } يعني : نساء بني زهرة { اللاتي هاجرن معك } فمن لمن يهاجر منهن لم يحل له نكاحها { وامرأة } وأحللنا لك امرأة { مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها } فله ذلك { خالصة لك من دون المؤمنين } فليس لغير النبي صلى الله عليه و سلم أن يستبيح وطء امرأة بلفظ الهبة من غير ولي ولا مهر ولا شاهد { قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم } وهو أن لا نكاح إلا بولي وشاهدين { وما ملكت أيمانهم } يريد أنه لا يحل لغير النبي صلى الله عليه و سلم إلا أربع ولي وشاهدين وإلا ملك اليمين والنبي صلى الله عليه و سلم يحل له ما ذكر في هذه الآية { لكيلا يكون عليك حرج } في النكاح (1/869)
{ ترجي من تشاء منهن } تؤخر { وتؤوي } وتضم { إليك من تشاء } أباح الله سبحانه له أن يترك القسمة والتسوية بين أزواجه حتى إنه ليؤخر من شاء منهن عن وقت نوبتها ويطأ من يشاء من غير نوبتها ويكون الاختيار في ذلك إليه يفعل فيه ما يشاء وهذا من خصائصه { ومن ابتغيت } طلبت وأردت إصابتها { ممن عزلت } هجرت وأخرت نوبتها { فلا جناح عليك } في ذلك كله { ذلك أدنى أن تقر أعينهن } الآية إذا كانت هذه الرخصة منزلة من الله سبحانه عليك كان أقرب إلى أن { ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم } من أمر النساء والميل إلى بعضهن ولما خير النبي صلى الله عليه و سلم نساءه فاخترنه ورضين به قصره الله سبحانه عليهن وحرم عليه طلاقهن والتزوج بسواهن وجعلهن أمهات المؤمنين وهو قوله : (1/870)
{ لا يحل لك النساء من بعد } أي : من بعد هؤلاء التسع { ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن } ليس لك أن تطلق واحدة من هؤلاء ولا تتزوج بدلها أخرى أعجبتك بجمالها { إلا ما ملكت يمينك } من الإماء فإنهن حلال لك (1/871)
{ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي } الآية نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه و سلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون فكان النبي صلى الله عليه و سلم يتأذى بهم وهو قوله : { غير ناظرين إناه } أي : منتظرين إدراكه { ولا مستأنسين لحديث } طالبين الأنس { والله لا يستحيي من الحق } لا يترك تأديبكم وحملكم على الحق { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } إذا أردتم أن تخاطبوا أزواج النبي صلى الله عليه و سلم في أمر فخاطبوهن من وراء حجاب وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال فلما نزلت هذه الآية ضرب عليهن الحجاب فكانت هذا آية الحجاب بينهن وبين الرجال { ذلكم } أي : الحجاب { أطهر لقلوبكم وقلوبهن } فإن كل واحد من الرجل والمرأة إذا لم ير الآخر لم يقع في قبله { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } أي : ما كان لكم أذاه في شيء من الأشياء { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } وذلك أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه قال : لئن قبض رسول الله صلى عليه وسلم لأنكحن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها فأعلم الله سبحانه أن ذلك محرم بقوله : { إن ذلكم كان عند الله عظيما } أي : ذنبا عظيما (1/871)
{ إن تبدوا شيئا أو تخفوه } الآية نزلت في هذا الرجل الذي قال : لأنكحن عائشة أخبر الله أنه عالم بما يظهر ويكتم فلما نزلت آية الحجاب قالت الآباء والأنباء لرسول الله صلى عليه وسلم : ونحن أيضا نكلمهن من وراء الحجاب ؟ فأنزل الله سبحانه : (1/872)
{ لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن } أي : في ترك الاحتجاب من هؤلاء (1/872)
{ إن الله وملائكته يصلون على النبي } الله تعالى يثني على النبي ويرحمه والملائكة يدعون له { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } قولوا : اللهم صلى على محمد وسلم (1/873)
{ إن الذين يؤذون الله ورسوله } يعني : اليهود والنصارى والمشركين في قولهم : { يد الله مغلولة } و { إن الله فقير } و { المسيح ابن الله } والملائكة بنات الله وشجوا وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم وقالوا له : ساحر وشاعر (1/873)
{ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } يرمونهم بغير ما عملوا (1/873)
{ يا أيها النبي قل لأزواجك } الآية كان قوم من الزناة يتبعون النساء إذا خرجن ليلا ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولم يكن يومئذ تعرف الحرة من الأمة لأن زيهن كان واحدا إنما يخرجون في درع وخمار فنهيى الله سبحانه الحرائر أن يتشبهن بالإماء وأنزل قوله تعالى : { يدنين عليهن من جلابيبهن } أي : يرخين أرديتهن وملاحفهن ليعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن وهو قوله : { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا } لما سلف من ترك الستر { رحيما } بهن إذ يسترهن (1/873)
{ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض } يعني : الزناة { والمرجفون في المدينة } الذين يوقعون أخبار السرايا بأنهم هزموا بالكذب والباطل { لنغرينك بهم } لنسلطنك عليهم { ثم لا يجاورونك فيها } لا يساكنونك في المدينة { إلا قليلا } حتى خرجوا منها (1/874)
{ ملعونين } مطرودين { أينما ثقفوا } وجدوا { أخذوا وقتلوا تقتيلا } (1/874)
{ سنة الله في الذين خلوا من قبل } سن الله في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيث ما ثقفوا وقوله : (1/874)
{ يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } (1/874)
{ إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا } (1/874)
{ خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا } (1/874)
{ يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } (1/874)
{ إنا أطعنا سادتنا } أي : قادتنا ورؤساءنا في الشرك والضلالة (1/874)
{ ربنا آتهم ضعفين من العذاب } مثلي عذابنا (1/874)
{ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى } لا تؤذوا نبيكم كما آذوا هم موسى عليه السلام وذلك أنهم رموه بالبرص والأدرة حتى برأه الله مما رموه به بآية معجزة { وكان عند الله وجيها } ذا جاه ومنزلة وقوله : (1/875)
{ وقولوا قولا سديدا } أي : حقا وصوابا قيل : هو لا إله إلا الله (1/875)
{ يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } (1/875)
{ إنا عرضنا الأمانة } الفرائض التي افترض الله سبحانه على العباد وشرط عليهم أن من أداها جوزي بالإحسان ومن خان فيها عوقب { على السماوات والأرض والجبال } أفهمهن الله سبحانه خطابه وأنطقهن { فأبين أن يحملنها } مخافة وخشية لا معصية ومخالفة وهو قوله : { وأشفقن منها } أي : خشين منها { وحملها الإنسان } آدم عليه السلام { إنه كان ظلوما } لنفسه { جهولا } غرا بأمر الله سبحانه وما احتمل من الأمانة ثم بين أن حمل آدم عليه السلام هذه الأمانة كان سببا لتعذيب المنافقين والمشركين في قوله : (1/875)
{ ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } يعني : إذا خانوا في الأمانة بمعصية أمر الله سبحانه تاب عليهم بفضله { وكان الله غفورا رحيما } (1/876)
{ الحمد لله } على جهة التعظيم { الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة } لأن أهل الجنة يحمدونه (1/877)
{ يعلم ما يلج في الأرض } يدخل فيها من الماء والأموات { وما يخرج منها } من النبات { وما ينزل من السماء } من الأمطار { وما يعرج } يصعد { فيها } من الملائكة (1/877)
{ وقال الذين كفروا } يعني : منكري البعث : { لا تأتينا الساعة } أي : لا نبعث { قل } لهم يا محمد : { بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب } بالخفض من نعت قوله : { وربي } وبالرفع على معنى : هو عالم الغيب وقوله : { لا يعزب } مفسر في سورة يونس وقوله : (1/877)
{ ليجزي } يعود إلى قوله : { لتأتينكم } معناه : لتأتينكم الساعة { ليجزي الذين آمنوا } الآية (1/878)
{ والذين سعوا في آياتنا } مفسر في سورة الحج (1/878)
{ ويرى الذين أوتوا العلم } يعني : مؤمني أهل الكتاب { الذي أنزل إليك من ربك } وهو القرآن { هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز } القرآن (1/878)
{ وقال الذين كفروا } إنكارا للبعث وتعجبا منه : { هل ندلكم على رجل } وهو محمد صلى الله عليه و سلم { ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق } أي : فرقتم وصرتم رفاتا { إنكم لفي خلق جديد } أي : تبعثون (1/878)
{ أفترى على الله كذبا } فيما يخبر به من البعث { أم به جنة } حالة جنون قال الله تعالى : { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد } (1/878)
{ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض } يقول : أما يعلمون أنهم حيث ما كانوا فهم يرون ما بين أيديهم من الأرض والسماء مثل الذي خلقهم وأنهم لا يخرجون منها فكيف يأمنون ؟ ! { إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء } عذابا { إن في ذلك لآية لكل عبد منيب } لعلامة تدل على قدرة الله سبحانه على إحياء الموتى لكل من أناب إلى الله تعالى وتأمل ما خلق الله سبحانه (1/879)
{ ولقد آتينا داود منا فضلا } ثم بين ذلك فقال : { يا جبال } أي : قلنا يا جبال { أوبي معه } سبحي معه { والطير } كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح وعكفت عليه الطير من فوقه تسعده على ذلك { وألنا له الحديد } جعلناه لينا في يده كالطين المبلول والعجين وقلنا له : (1/879)
{ أن اعمل سابغات } دروعا كوامل { وقدر في السرد } لا تعجل مسمار الدرع دقيقا فيفلق ولا غيظا فيفصم الحلق اجعله على قدر الحاجة والسرد : نسج الدروع { واعملوا } يعني : داود وآله { صالحا } عملا صالحا من طاعة الله تعالى (1/879)
{ ولسليمان الريح } وسخرنا له الريح { غدوها شهر } مسيرها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر ومن انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر وهو قوله : { ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر } أذبنا له عين النحاس فسألت له كما يسيل الماء { ومن الجن } أي : سخرنا له من الجن { من يعمل بين يديه بإذن ربه } بأمر ربه { ومن يزغ } يمل ويعدل { منهم عن أمرنا } الذي أمرناه به من طاعة سليمان { نذقه من عذاب السعير } وذلك أن الله تعالى وكل بهم ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ عن أمر سليمان ضربة أحرقته (1/879)
{ يعملون له ما يشاء من محاريب } مجالس ومساكن ومساجد { وتماثيل } صورة الأنبياء إذ كانت تصور في المساجد ليراها الناس ويزدادوا عبادة { وجفان } قصاع كبار { كالجواب } كالحياض التي تجمع الماء { وقدور راسيات } ثوابت لا تحركن عن مكانها لعظمها وقلنا : { اعملوا } بطاعة الله يا { آل داود شكرا } له على نعمه (1/880)
{ فلما قضينا عليه الموت ما دلهم } الآية كان سليمان عليه السلام يقول : اللهم عم على الجن موتي ليعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فمات سليمان عليه السلام متوكئا على عصاه سنة ولم تعلم الجن ذلك حتى أكلت الأرضة عصاه فسقط ميتا وهو قوله : { ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته } عصاه { فلما خر } سقط { تبينت الجن } علمت { أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا } بعد موت سليمان { في العذاب المهين } فيما سخرهم فيه سليمان عليه السلام واستعملهم (1/880)
{ لقد كان لسبإ } وهو اسم قبيلة { في مساكنهم } باليمن { اية } دلالة على قدرتنا { جنتان } أي : هي جنتان { عن يمين وشمال } بستان يمنة وبستان يسرة وقيل لهم : { كلوا من رزق ربكم واشكروا له } على ما أنعم عليكم { بلدة طيبة } أي : بلدتكم بلدة طيبة ليست بسبخة { و } الله { رب غفور } والمعنى : تمتعوا ببلدتكم الطيبة واعبدوا ربا يغفر ذنوبكم (1/881)
{ فأعرضوا } عن أمر الله تعالى بتكذيب الرسل { فأرسلنا عليهم سيل العرم } وهو السكر الذي يحبس الماء وكان لهم سكر يحبس الماء عن جنتيهم فأرسل الله تعالى فيه جرذانا ثقبته فانبثق الماء عليهم فغرق جناتهم { وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط } أي : ثمر مر { وأثل } وهو الطرفاء { وشيء من سدر قليل } وذلك أن الله تعالى أهلك أشجارهم المثمرة وأنبت بدلها الأراك والطرفاء والسدر (1/881)
{ ذلك جزيناهم بما كفروا } أي : جزيناهم ذلك الجزاء بكفرهم { وهل نجازي إلا الكفور } بسوء عمله وذلك أن المؤمن تكفر عنه سيئاته والكافر يجازي بكل سوء يعمله (1/882)
{ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها } يعني : قرى الشام { قرى ظاهرة } متواصلة يرى من هذه القرية القرية الأخرى فكانوا يخرجون من سبأ إلى الشام فيمرون على القرى العامرة { وقدرنا فيها السير } جعلنا سيرهم بمقدار إذا غدا أحدهم من قرية قال في أخرى وإذا راح من قرية أوى إلى أخرى وقلنا لهم : { سيروا فيها } في تلك القرى { ليالي وأياما } أي وقت شئتم من ليل أو نهار { آمنين } لا تخافون عدوا ولا جوعا ولا عطشا (1/882)
{ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا } وذلك أنهم سئموا الراحة وبطروا النعمة فتمنوا أن تتباعد قراهم ليبعد سفرهم بينها { وظلموا أنفسهم } بالكفر والبطر { فجعلناهم أحاديث } لمن بعدهم يتحدثون بقصتهم { ومزقناهم كل ممزق } وفرقناهم في البلاد فصاروا يتمثل بهم في الفرقة وذلك أنهم ارتحلوا عن أماكنهم وتفرقوا في البلاد { إن في ذلك } الذي فعلنا { لآيات لكل صبار شكور } أي : لكل مؤمن لأن المؤمن هو الذي إذا ابتلي صبر وإذا أعطي شكر (1/882)
{ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } الذي ظن من إغوائهم { فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } أي : وجدهم كما ظن بهم إلا المؤمنين (1/883)
{ وما كان له عليهم من سلطان } من حجة يستتبعهم بها { إلا لنعلم } المعنى : لكن امتحانهم بإبليس لنعلم { من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك } علم وقوعه منه (1/883)
{ قل } يا محمد لمشركي قومك : { ادعوا الذين زعمتم } أنهم آلهة { من دون الله } وهذا أمر تهديد ثم وصفهم فقال : { لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما } في السماوات ولا في الأرض { من شرك } شركة { وما له } لله { منهم من ظهير } عون يريد : لم يعن الله على خلق السماوات والأرض آلهتهم فكيف يكونون شركاء له ؟ ثم أبطل قولهم أنهم شفعاؤنا عند الله فقال : (1/883)
{ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } أي : أذن الله له أن يشفع { حتى إذا فزع } أذهب الفزع { عن قلوبهم } يعني : كشف الفزع عن قلوب المشركين بعد الموت إقامة للحجة عليهم وتقول لهم الملائكة : { ماذا قال ربكم } ؟ فيما أوحى إلى أنبيائه { قالوا الحق } فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار (1/883)
{ قل من يرزقكم من السماوات } المطر { و } من { الأرض } النبات ثم أمره أن يخبرهم فقال : { قل الله } أي : الذي يفعل ذلك الله وهذا احتجاج عليهم ثم أمره بعد إقامة الحجة عليهم أن يعرض بكونهم على الضلال فقال : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } أي : نحن أو أنتم إما على هدى أو ضلال والمعنى : أنتم الضالون حيث أشركتم بالذي يرزقكم من السماء والأرض وهذا كما تقول لصاحبك إذا كذب : أحدنا كاذب وتعنيه ثم بين براءته منهم ومن أعمالهم فقال : (1/884)
{ قل لا تسألون عما أجرمنا } الآية وهذا كقوله تعالى : { لكم دينكم ولي دين } ثم أخبر أنه يجمعهم في القيامة ثم يحكم بينهم وهو قوله تعالى : (1/884)
{ قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم } (1/884)
{ قل أروني الذين ألحقتم به شركاء } ألحقتموهم بالله تعالى في العبادة يعني : الأصنام أي : أرونيهم هل خلقوا شيئا وهذه الآية مختصرة تفسيرها قوله تعالى : { قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات } ثم قال : { كلا } أي : لبس الأمر على ما يزعمون { بل هو الله العزيز الحكيم } (1/884)
{ وما أرسلناك إلا كافة للناس } جامعا صلهم كلهم بالإنذار والتبشير { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك وقوله تعالى : (1/885)
{ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } (1/885)
{ قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } (1/885)
{ ولا بالذي بين يديه } أي : من الكتب المتقدمة وقوله : { يرجع بعضهم إلى بعض القول } أي : في التلاوم ثم ذكر إيش يرجعون فقال : { يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } (1/885)
{ قال الذين استكبروا للذين استضعفوا : أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين } (1/885)
{ وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا : بل مكر الليل والنهار } أي : مكركم بنا فيهما { إذ تأمروننا أن نكفر بالله } { وأسروا } : وأظهروا (1/885)
{ وما أرسلنا في قرية من نذير } نبي ينذرهم { إلا قال مترفوها } رؤساؤها وأغنياؤها { إنا بما أرسلتم به كافرون } (1/885)
{ وقالوا } للرسل : { نحن أكثر أموالا وأولادا } منكم يعنون أن الله سبحانه رضي منا حيث أعطانا المال { وما نحن بمعذبين } كما تقولون (1/885)
{ قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } وليس ذلك مما يدل على العواقب { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك (1/886)
{ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى } أي : قربى يعني : تقريبا { إلا من آمن } لكن من آمن { وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف } من الثواب بالواحد عشرة { وهم في الغرفات آمنون } قصور الجنة (1/886)
{ والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون } (1/886)
{ وما أنفقتم من شيء } ما تصدقتم من صدقة { فهو يخلفه } يعطي خلقه إما عاجلا في الدنيا وإما آجلا في الآخرة (1/886)
{ ويوم نحشرهم جميعا } العابدين والمعبودين { ثم يقول للملائكة } توبيخا للكفار : { أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } (1/886)
{ قالوا سبحانك } تنزيها لك { أنت ولينا } الذي نتولاه ويتولانا { من دونهم بل كانوا يعبدون الجن } يطيعون إبليس وأعوانه { أكثرهم بهم مؤمنون } مصدقون ما يمنونهم ويعدونهم وقوله تعالى : (1/886)
{ فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } (1/887)
{ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين } (1/887)
{ وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير } يعني : مشركي مكة لم يكونوا أهل كتاب ولا بعث إليهم نبي قبل محمد صلى الله عليه و سلم (1/887)
{ وكذب الذين من قبلهم } من الأمم { وما بلغوا } يعني : مشركي مكة { معشار } عشر { ما آتيناهم } من القوة والنعمة { فكذبوا رسلي فكيف كان نكير } إنكاري عليهم ما فعلوا بالإهلاك والعقوبة ؟ (1/887)
{ قل إنما أعظكم بواحدة } بخصلة واحدة وهي الطاعة لله تعالى { أن تقوموا } لأن تقوموا { لله مثنى وفرادى } مجتمعين ومنفردين { ثم تتفكروا } فتعلموا { ما بصاحبكم } محمد { من جنة } من جنون { إن هو إلا نذير لكم } ما هو إلا نذير لكم { بين يدي عذاب شديد } إن عصيتموه (1/887)
{ قل ما سألتكم من أجر } على تبليغ الرسالة { فهو لكم إن أجري إلا على الله } يعني : إنما أطلب الثواب من الله لا عرضا من الدنيا (1/887)
{ قل إن ربي يقذف بالحق } يلقيه إلى أنبيائه (1/887)
{ قل جاء الحق } جاء أمر الله الذي هو الحق { وما يبدئ الباطل وما يعيد } أي : ما يخلق إبليس أحدا ولا يبعثه إنما يفعل ذلك الله تعالى (1/887)
{ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي } أي : على نفسي يكون وبال ضلالي وهذا إخبار أن من ضل فإنما يضر نفسه { وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي } يعني : لولا الوحي ما كنت أهتدي (1/888)
{ ولو ترى } يا محمد { إذ فزعوا } عن البعث { فلا فوت } لهم منا { وأخذوا من مكان قريب } على الله وهو القبور (1/888)
{ وقالوا } حين عاينوا العذاب { آمنا به } بالله { وأنى لهم التناوش } أي : كيف يتناولون التوبة وقيل : الرجعة وقد بعدت عنهم يريد إن التوبة كانت تقبل عنهم في الدنيا وقد ذهبت الدنيا وبعدت عن الآخرة (1/888)
{ وقد كفروا به } بمحمد صلى الله عليه و سلم والقرآن { من قبل } أي : في الدنيا { ويقذفون بالغيب } يرمون محمدا صلى الله عليه و سلم بالكذب والبهتان ظنا لا يقينا { من مكان بعيد } وهو أن الله تعالى أبعدهم قبل أن يعلموا صدق محمد صلى الله عليه و سلم (1/888)
{ وحيل بينهم } منعوا مما يشتهون من التوبة والإيمان والرجوع إلى الدنيا { كما فعل بأشياعهم } ممن كانوا على مثل دأبهم من تكذيب الرسل قبلهم حين لم يقبل منهم الإيمان والتوبة { إنهم كانوا في شك } من أمر الرسل والبعث { مريب } موقع للريبة والتهمة (1/888)
{ الحمد لله فاطر السماوات والأرض } خالقهما على ابتداء { جاعل الملائكة رسلا أولي } أصحاب { أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق } في خلق الملائكة وأجنحتها { ما يشاء } (1/889)
{ ما يفتح الله للناس من رحمة } رزق ومطر فلا يقدر أحد أن يمسكه والذي يمسك لا يرسله أحد (1/889)
{ يا أيها الناس } خطاب أهل مكة { اذكروا نعمة الله عليكم } بالرزق والمطر وسائر ذلك { هل من خالق غير الله } هل يخلق أحد سواه ثم { يرزقكم من السماء } المطر { و } من { الأرض } النبات { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } من أين يقع لكم الإفك والكذب بتوحيد الله ؟ ! ثم عزى نبيه عليه السلام بقوله : (1/889)
{ وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور } (1/890)
{ يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } (1/890)
{ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } (1/890)
{ الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير } (1/890)
{ أفمن زين له سوء عمله } بإضلال الله تعالى إياه فرأى قبيح ما يعمله حسنا { فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } لا تغتم لكفرهم ولا تتحسر على تركهم الإيمان (1/890)
{ والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور } (1/890)
{ من كان يريد العزة } أي : علم العزة لمن هي { فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب } إليه يصل الكلام الذي هو توحيده وهو قول لا إله إلا الله { والعمل الصالح } يرفع ذلك الكلم الطيب والكلم الطيب : ذكر الله تعالى والعمل الصالح : أداء فرائضه فمن كان حسنا وعمل صالحا رفعه العمل ومعنى الرفع رفعه إلى محل القبول { والذين يمكرون السيئات } يعني : الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه و سلم في دار الندوة { ومكر أولئك هو يبور } أي : يفسد ويبطل وقوله تعالى : (1/890)
{ وما يعمر من معمر } أي : يطول عمر أحد { ولا ينقص من عمره } ولا يكون أحد ناقص العمر وهو محصى في الكتاب يعني : عدد عمر الطويل العمر وعمر القصير العمر (1/891)
{ وما يستوي البحران هذا عذب فرات } شديد العذوبة { وهذا ملح أجاج } شديد المرارة { ومن كل } من الملح والعذب { تأكلون لحما طريا } من السمك { وتستخرجون } منه من الملح { حلية تلبسونها } يعني : المرجان وإنما ذكر هذا للدلالة على قدرته وقوله : (1/891)
{ من قطمير } يعني : لفافة النواة (1/891)
{ ويوم القيامة يكفرون بشرككم } أي : يقولون : ما كنتم إيانا تعبدون { ولا ينبئك مثل خبير } وهو الله عز و جل وقوله : (1/891)
{ يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } (1/891)
{ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } (1/891)
{ وما ذلك على الله بعزيز } (1/891)
{ ولا تزر وازرة } أي : لا تحمل نفس حاملة { وزر أخرى } حمل نفس أخرى { وإن تدع مثقلة } نفس بالذنوب { إلى حملها } ذبوبها { لا يحمل منه شيء ولو كان } المدعو { ذا قربى } مثل الأب والابن { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } إنما ينفع إنذارك الذين يخافون الله تعالى ولم يروه { ومن تزكى } عمل خيرا (1/891)
{ وما يستوي الأعمى } عن الحق وهو الكافر { والبصير } الذي يبصر رشده وهو المؤمن (1/892)
{ ولا الظلمات ولا النور } يعني : الكفر والإيمان (1/892)
{ ولا الظل ولا الحرور } يعني : الجنة التي فيها ظل دائم والنار التي لها حرارة شديدة (1/892)
{ وما يستوي الأحياء ولا الأموات } يعني : المؤمنين والكفار { إن الله يسمع من يشاء } فينتفع بذلك { وما أنت بمسمع من في القبور } يعني : الكفار شبههم بالأموات أي : كما لا يسمع أصحاب القبور كذلك لا يسمع الكفار وقوله : (1/892)
{ إن أنت إلا نذير } (1/892)
{ إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } (1/892)
{ وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير } (1/892)
{ ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير } (1/892)
{ ومن الجبال جدد بيض وحمر } أي : طرائق تكون في الجبال كالعروق بيض وحمر { وغرابيب سود } وهي الجبال ذات الصخور السود (1/892)
{ ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك } أي : كاختلاف الجبال والثمرات في اختلاف الألوان { إنما يخشى الله من عباده العلماء } أي : من كان عالما بالله اشتدت خشيته وقوله : (1/892)
{ يرجون تجارة لن تبور } يعني : لن تكسد ولن تفسد (1/893)
{ إنه غفور } لذنوبهم { شكور } لحسناتهم (1/893)
{ والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير } (1/893)
{ ثم أورثنا } أعطينا بعد هلاك الأمم { الكتاب } القرآن لـ { الذين اصطفينا من عبادنا } وهم أمة محمد صلى الله عليه و سلم ثم ذكر أصنافهم فقال : { فمنهم ظالم لنفسه } وهو الذي زادت سيئاته على حسناته { ومنهم مقتصد } وهو الذي استوت حسناته وسيئاته { ومنهم سابق بالخيرات } وهو الذي رجحت حسناته { بإذن الله } بقضائه وإرادته { ذلك هو الفضل الكبير } يعني : إيتاء الكتاب : وقوله تعالى : (1/893)
{ جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } (1/893)
{ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } يعني : كل ما يحزن له الإنسان من أمر المعاش والمعاد (1/894)
{ الذي أحلنا } أنزلنا { دار المقامة } دار الخلود { من فضله } أي : ذلك بتفضله لا بأعمالنا { لا يمسنا فيها نصب } تعب { ولا يمسنا فيها لغوب } إعياء (1/894)
{ والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا } (1/894)
{ وهم يصطرخون } يستغيثون وقوله : { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } أي : العمر الذي يتعظ فيه ويرجع فيه إلى الله من يتعظ وهو ستون سنة { وجاءكم النذير } يعني : الرسول : وقيل : الشيب (1/894)
{ إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور } (1/894)
{ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } أي : جعلكم أمة خلفت من قبلها من الأمم (1/894)
{ قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني } أخبروني عنهم { ماذا خلقوا من الأرض } أي : بأي شيء أوجبتم لهم الشركة مع الله ألخلق خلقوه من الأرض { أم لهم شرك في } خلق { السماوات أم آتيناهم } أعطينا المشركين { كتابا } بما يدعونه من الشرك { فهم على بينة } من ذلك الكتاب { بل إن يعد الظالمون } ما بعد بعض الظالمين بعضا { إلا غرورا } أباطيل (1/894)
{ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا } لئلا تزولا وتتحركا { ولئن زالتا } ولو زالتا { إن أمسكهما } ما أمسكهما { من أحد من بعده } سوى الله تعالى (1/895)
{ وأقسموا بالله جهد أيمانهم } يعني : المشركين كانوا يقولون قبل بعثة محمد صلى الله عليه و سلم لئن أتانا رسول { ليكونن أهدى من إحدى الأمم } أي : من اليهود والنصارى والمجوس { فلما جاءهم نذير } هو النبي صلى الله عليه و سلم { ما زادهم } مجيئه { إلا نفورا } عن الحق (1/895)
{ استكبارا في الأرض } أي : استكبروا عن الإيمان استكبارا { ومكر السيئ } ومكروا المكر السيئ وهو مكرهم بالنبي صلى الله عليه و سلم ليقتلوه { ولا يحيق } أي : يحيط { المكر السيئ إلا بأهله } فحاق بهم مكرهم يوم بدر { فهل ينظرون } بعد تكذيبك { إلا سنة الأولين } يعني : العذاب (1/895)
{ أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا } (1/895)
{ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } من الجرائم { ما ترك على ظهرها } على ظهر الأرض { من دابة } من الإنس والجن وكل ما يعقل { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا } (1/895)
{ يس } يا إنسان (1/896)
{ والقرآن الحكيم } أقسم الله تعالى بالقرآن المحكم أن محمدا صلى الله عليه و سلم من المرسلين وهو قوله : (1/896)
{ إنك لمن المرسلين } (1/896)
{ على صراط مستقيم } على طريق الأنبياء الذين تقدموك (1/896)
{ تنزيل } أي : القرآن تنزيل { العزيز الرحيم } (1/896)
{ لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم } في الفترة { فهم غافلون } عن الإيمان والرشد (1/896)
{ لقد حق القول } وجبت عليهم كلمة العذاب { فهم لا يؤمنون } ثم بين سبب تركهم الإيمان فقال : (1/896)
{ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا } أراد : في أعناقهم وأيديهم لأن الغل لا يكون في العنق دون اليد { فهي إلى الأذقان } أي : فأيديهم مجموعة إلى أذقانهم لأن الغل يجعل في اليد مما يلي الذقن { فهم مقمحون } رافعوا رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق لأن من علت يده إلى ذقنه ارتفع رأسه وهذا مثل معناه : أمسكنا أيديهم عن النفقة في سبيل الله بموانع كالأغلال (1/897)
{ وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا } هذا وصف إضلال الله تعالى إياهم فهم بمنزلة من سد طريقه من بين يديه ومن خلقه يريد : إنهم لا يستطيعون أن يخرجوا من ضلالهم { فأغشيناهم } فأعميناهم عن الهدى { فهم لا يبصرون } ه ثم ذكر أن هؤلاء لا ينفعهم الإنذار فقال : (1/897)
{ وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } (1/897)
{ إنما تنذر من اتبع الذكر } إنما إنذارك من ابتع القرآن فعمل به { وخشي الرحمن بالغيب } خاف اله تعالى ولم يره (1/897)
{ إنا نحن نحيي الموتى } عند البعث { ونكتب ما قدموا } من الأعمال { وآثارهم } ما استن به بعدهم وقيل : خطاهم إلى المساجد { وكل شيء أحصيناه } عددناه وبيناه { في إمام مبين } وهو اللوح المحفوظ (1/897)
{ واضرب لهم مثلا أصحاب القرية } وهي أنطاكية { إذ جاءها المرسلون } رسل عيس عليه السلام (1/897)
{ إذ أرسلنا إليهم اثنين } من الحواريين { فكذبوهما فعززنا بثالث } قوينا الرسالة برسول ثالث وقوله : (1/898)
{ قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون } (1/898)
{ قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون } (1/898)
{ وما علينا إلا البلاغ المبين } (1/898)
{ إنا تطيرنا بكم } أي : تشاءمنا وذلك أنهم حبس عنهم المطر فقالوا : هذا بشؤمكم { لئن لم تنتهوا لنرجمنكم } لنقتلنكم رجما بالحجارة (1/898)
{ قالوا طائركم معكم } شؤمكم معكم بكفركم { أإن ذكرتم } وعظتم وخوفتم تطيرتم { بل أنتم قوم مسرفون } مجاوزون الحد بشرككم (1/898)
{ وجاء من أقصى المدينة رجل } وهو حبيب النجار كان قد آمن بالرسل وكان منزله في أقصى البلد فلما سمع أن القوم كذبوهم وهموا بقتلهم أتاهم يأمرهم بالإيمان فقال : { يا قوم اتبعوا المرسلين } (1/898)
{ اتبعوا من لا يسألكم أجرا } على أداء النصح وتبليغ الرسالة { وهم مهتدون } يعني : الرسل فقيل له : أنت على دين هؤلاء ؟ فقال : (1/898)
{ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون } (1/898)
{ أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون } (1/898)
{ إني إذا لفي ضلال مبين } (1/898)
{ إني آمنت بربكم فاسمعون } فلما قال ذلك وثبوا إليه فقتلوه فأدخله الله تعالى الجنة فذلك قوله تعالى : (1/899)
{ قيل ادخل الجنة } فلما شاهدها قال : { يا ليت قومي يعلمون } (1/899)
{ بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } أي : بمغفرة ربي (1/899)
الجزء الثالث والعشرون : (1/899)
{ ما أنزلنا على قومه } يعني : على قوم حبيب { من جند من السماء } لنصرة الرسل الذين كذبوهم يريد : لم نحتج في إهلاكهم إلى إرسال جند
{ إن كانت } ما كانت عقوبتهم { إلا صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام فماتوا عن آخرهم وهو قوله : { فإذا هم خامدون } ساكنون قد ماتوا (1/899)
{ يا حسرة على العباد } يعني : هؤلاء حين استهزؤوا بالرسل فتحسروا عند العقوبة (1/899)
{ ألم يروا } يعني : أهل مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون } يعني : ألم يروا أن الذين أهلكناهم قبلهم لا يرجعون إليهم (1/899)
{ وإن كل } وما كل من خلق من الخلق إلا { جميع لدينا محضرون } عند البعث يوم القيامة يحضرهم ليقفوا على ما عملوا (1/899)
{ وآية لهم } على البعث { الأرض الميتة أحييناها } وقوله : (1/899)
{ وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون } (1/900)
{ وما عملته أيديهم } أي : لم تعمله ولا صنع لهم في ذلك (1/900)
{ سبحان الذي خلق الأزواج كلها } أي : الأجناس من النبات والحيوان { ومما لا يعلمون } مما خلق الله سبحانه من جميع الأنواع والأشباه (1/900)
{ وآية لهم } ودلالة لهم على توحيد الله سبحانه وقدرته { الليل نسلخ } نخرج { منه النهار } إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوء النهار والمعنى : ننزع النهار فنذهب به ونأتي بالليل { فإذا هم مظلمون } داخلون في الظلام (1/900)
{ والشمس } أي : وآية لهم الشمس { تجري لمستقر لها } عند انقضاء الدنيا (1/900)
{ والقمر قدرناه منازل } ذا منازل { حتى عاد } في آخر منزله { كالعرجون القديم } وهو عود الشمراخ إذا يبس اعوج (1/900)
{ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر } فيجتمعا معا { ولا الليل سابق النهار } يسبقه فيأتي قبل انقضاء النهار { وكل } من الشمس والقمر والنجوم { في فلك يسبحون } يسيرون (1/900)