صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ تفسير الواحدي - الواحدي ]
الكتاب : الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
المؤلف : علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن
عدد الأجزاء : 1

{ يوسف } أي : يا يوسف { أيها الصديق } الكثير الصدق وقوله { لعلي أرجع إلى الناس } يعني : أصحاب الملك { لعلهم يعلمون } تأويل رؤيا الملك من جهتك

(1/548)


{ قال تزرعون } أي : ازرعوا { سبع سنين دأبا } متتابعة وهذه السبع تأويل البقرات السمان { فما حصدتم } مما زرعتم { فذروه في سنبله } لأنه أبقى له وأبعد من الفساد { إلا قليلا مما تأكلون } فإنكم تدوسونه

(1/548)


{ ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد } مجدبات صعاب وهذه تأويل البقرات العجاف { يأكلن } يفنين ويذهبن { ما قدمتم لهن } من الحب { إلا قليلا مما تحصنون } تحرزون وتدخرون

(1/549)


{ ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } يمطرون ويخصبون حتى يعصروا من السمسم الدهن ومن العنب الخمر ومن الزيتون الزيت فرجع الرسول بتأويل الرؤيا إلى الملك فعرف الملك أن ذلك تأويل صحيح فقال :

(1/549)


{ ائتوني } بالذي عبر رؤياي فجاء الرسول يوسف وقال : أجب الملك فقال للرسول : { ارجع إلى ربك } يعني : الملك { فاسأله } أن يسأل { ما بال النسوة } ما حالهن وشأنهن ليعلم صحة براءتي مما قذفت به وذلك أن النسوة كن قد عرفن براءته بإقرار امرأة العزيز عندهن وهو قولها : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } فأحب يوسف عليه السلام أن يعلم الملك أنه حبس ظلما وأنه برئ مما قذف به فسأله أن يستعلم النسوة عن ذلك { إن ربي بكيدهن } ما فعلن في شأني حين رأينني وما قلن لي { عليم } فدعا الملك النسوة فقال :

(1/549)


{ ما خطبكن } ما قصتكن وما شأنكن { إذ راودتن يوسف عن نفسه } جمعهن في المراودة لأنه يعلم من كانت المراودة { قلن حاش لله } بعد يوسف عما يتهم به { ما علمنا عليه من سوء } من زنا فلما برأنه أقرت امرأة العزيز فقالت : { الآن حصحص الحق } أي : بان ووضح وذلك أنها خافت إن كذبت شهدت عليها النسوة فقالت : { أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } في قوله : { هي راودتني عن نفسي }

(1/549)


{ ذلك } أي : ما فعله يوسف من رد الرسول إلى الملك { ليعلم } وزير الملك ـ وهو الذي اشتراه ـ { أني لم أخنه } في زوجته { بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } لا يرشد من خان أمانته أي : إنه يفتضح في العاقبة بحرمان الهداية من الله عز و جل فلما قال يوسف عليه السلام : { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال جبريل عليه السلام : ولا حين هممت بها يوسف فقال :

(1/550)


{ وما أبرئ نفسي } وما أزكي نفسي { إن النفس لأمارة بالسوء } بالقبيح وما لا يحب الله { إلا ما } من { رحم ربي } فعصمه

(1/550)


{ وقال الملك ائتوني به } بيوسف { أستخلصه لنفسي } أجعله خالصا لي لا يشركني فيه أحد { فلما كلمه } يوسف { قال إنك اليوم لدينا مكين } وجيه ذو مكانة { أمين } قد عرفنا أمانتك وبراءتك ثم سأله الملك أن يعبر رؤياه شفاها فأجابه يوسف بذلك فقال له : ما ترى أن تصنع ؟ قال : تجمع الطعام في السنين المخصبة ليأتيك الخلق فيمتارون منك بحكمك فقال : من لي بهذا ومن يجمعه ؟ فقال يوسف :

(1/550)


{ قال اجعلني على خزائن الأرض } على حفظها وأراد بالأرض أرض مصر { إني حفيظ عليم } كاتب حاسب

(1/551)


{ وكذلك } وكما أنعمنا عليه بالخلاص من السجن { مكنا ليوسف } أقدرناه على ما يريد { في الأرض } أرض مصر { يتبوأ منها حيث يشاء } هذا تفسير التمكين في الأرض { نصيب برحمتنا من نشاء } أتفضل على من أشاء برحمتي { ولا نضيع أجر المحسنين } ثواب الموحدين

(1/551)


{ ولأجر الآخرة خير } الآية أي : ما يعطي الله من ثواب الآخرة خير للمؤمنين والمعنى : إن ما يعطي الله تعالى يوسف في الآخرة خير مما أعطاه في الدنيا ثم دخل أعوام القحط على الناس فأصاب إخوة يوسف المجاعة فأتوه ممتارين فذلك قوله :

(1/551)


{ وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون } لأنهم رأوه على زي الملوك وكان قد تقرر في أنفسهم هلاك يوسف وقيل : لأنهم رأوه من وراء ستر

(1/551)


{ ولما جهزهم بجهازهم } يعني : حمل لكل رجل منهم بعيرا { قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم } يعني : بنيامين وذلك أنه سألهم عن عددهم فأخبروه وقالوا : خلفنا أحدنا عند أبينا فقال يوسف : فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم { ألا ترون أني أوفي الكيل } أتمه من غير بخس { وأنا خير المنزلين } وذلك لأن حين أنزلهم أحسن ضيافتهم ثم أوعدهم على ترك الإتيان بالأخ بقوله :

(1/552)


{ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون }

(1/522)


{ قالوا سنراود عنه أباه } نطلب منه ونسأله أن يرسله معنا { وإنا لفاعلون } ما وعدناك من المراودة

(1/522)


{ وقال } يوسف { لفتيانه } لغلمانه : { اجعلوا بضاعتهم } التي أتوا بها لثمن الميرة وكانت دراهم { في رحالهم } أو عيتهم { لعلهم يعرفونها } عساهم يعرفون أنها بضاعتهم بعينها { إذا انقلبوا إلى أهلهم } وفتحوا أوعيتهم { لعلهم يرجعون } عساهم يرجعون إذا عرفوا ذلك لأنهم لا يستحلون إمساكها

(1/522)


{ فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل } حكم علينا بمنع الكيل بعد هذا إن لم نذهب بأخينا يعنون قوله : { فلا كيل لكم عندي ولا تقربون } { فأرسل معنا أخانا نكتل } نأخذ كيلنا

(1/522)


{ قال هل آمنكم عليه } الآية يقول : لا آمنكم على بنيامين إلا كأمني على يوسف يريد : إنه لم ينفعه ذلك الأمن فإنهم خانوه فهو - وإن أمنهم في هذا - خاف خيانتهم أيضا ثم قال : { فالله خير حافظا }

(1/522)


{ ولما فتحوا متاعهم } ما حملوه من مصر { وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي } منك شيئا تردنا به وتصرفنا إلى مصر { هذه بضاعتنا ردت إلينا } فنتصرف بها { ونمير أهلنا } نجلب إليهم الطعام { ونزداد كيل بعير } نزيد حمل بعير من الطعام لأنه كان يكال لكل رجل وقر بعير { ذلك كيل يسير } متيسر على من يكبل لنا لسخائه

(1/553)


{ قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله } حتى تحلفوا بالله { لتأتنني به إلا أن يحاط بكم } إلا أن تموتوا كلكم { فلما آتوه موثقهم } عهدهم ويمينهم { قال } يعقوب عليه السلام : { الله على ما نقول وكيل } شهيد فلما أرادوا الخروج من عنده قال :

(1/553)


{ يا بني لا تدخلوا } مصر { من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } خاف عليهم العين فأمرهم بالتفرقة { وما أغني عنكم من الله من شيء } يعني : إن الحذر لا يغني ولا ينفع من القدر

(1/553)


{ ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } وذلك أنهم دخلوا مصر متفرقين من أربعة أبواب { ما كان يغني عنهم من الله من شيء } ما كان ذلك ليرد قضاء قضاه الله سبحانه { إلا حاجة } لكن حاجة يعني : إن ذلك الدخول قضى حاجة في نفس يعقوب عليه السلام وهي إرادته أن يكون دخولهم من أبواب متفرقة شفقة عليهم { وإنه لذو علم لما علمناه } لذو يقين ومعرفة بالله سبحانه { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أن يعقوب عليه السلام بهذه الصفة

(1/553)


{ ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه } ضمه إليه وأنزله عند نفسه { قال إني أنا أخوك } اعترف له بالنسب وقال : لا تخبرهم بما ألقيت إليك { فلا تبتئس } فلا تحزن ولا تغتم { بما كانوا يعملون } من الحسد لنا وصرف وجه أبينا عنا

(1/554)


{ فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية } وهو إناء من ذهب مرصع بالجواهر { في رحل أخيه } بنيامين { ثم أذن مؤذن } نادى مناد { أيتها العير } الرفقة { إنكم لسارقون }

(1/554)


{ قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون } ؟

(1/554)


{ قالوا نفقد صواع الملك } يعني : السقاية { ولمن جاء به حمل بعير } أي : من الطعام { وأنا به زعيم } كفيل

(1/554)


{ قالوا تالله لقد علمتم } حلفوا على أنهم يعلمون صلاحهم وتجنبهم الفساد وذلك أنهم كانوا معروفين بأنهم لا يظلمون أحدا ولا يرزأون شيئا لأحد

(1/554)


{ قالوا فما جزاؤه } أي : ما جزاء السارق { إن كنتم كاذبين } في قولكم : ما كنا سارقين

(1/554)


{ قالوا جزاؤه من وجد في رحله } وكانوا يستعبدون كل سارق بسرقته فلذلك قالوا : جزاؤه من وجد في رحله أي : جزاء السرق من وجد في رحله المسروق { فهو جزاؤه } أي : فالسرق جزاء السارق { كذلك نجزي الظالمين } أي : إذا سرق سارق استرق فلما أقروا بهذا الحكم صرف بهم إلى يوسف عليه السلام ليفتش أمتعتهم

(1/555)


{ فبدأ } يوسف { بأوعيتهم } وهي كل ما استودع شيئا من جراب وجوالق ومخلاة { قبل وعاء أخيه } نفيا للتهمة { ثم استخرجها } يعني : السقاية { من وعاء أخيه كذلك كدنا } ألهمنا { ليوسف } أي : ألهمناه مثل ذلك الكيد حتى ضممنا أخاه إليه { ما كان ليأخذ أخاه } ويستوجب ضمه إليه { في دين الملك } في حكمه وسيرته وعادته { إلا } بمشيئة الله تعالى وذلك أن حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق فلم يكن يوسف يتمكن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كاد الله له تلطفا حتى وجد السبيل إلى ذلك وهو ما أجري على ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق { نرفع درجات من نشاء } بضروب الكرامات وأبواب العلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته في كل شيء { وفوق كل ذي علم عليم } يكون هذا أعلم من هذا وهذا أعلم من هذا حتى ينتهي العلم إلى الله سبحانه فلما خرج الصواع من رحل بنيامين

(1/555)


{ قالوا } ليوسف { إن يسرق } الصواع { فقد سرق أخ له من قبل } يعنون : يوسف عليه السلام وذلك أنه كان يأخذ الطعام من مائدة أبيه سرا منهم فيتصدق به في المجاعة حتى فطن به إخوته { فأسرها يوسف في نفسه } أي : أسر الكلمة التي كانت جواب قولهم هذا { ولم يبدها لهم } وهو أنه قال في نفسه : { أنتم شر مكانا } عند الله بما صنعتم من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم { والله أعلم بما تصفون } أي : قد علم أن الذي تذكرونه كذب

(1/555)


{ قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا } في السن { فخذ أحدنا مكانه } واحدا منا تستعبده بدله { إنا نراك من المحسنين } إذا فعلت ذلك فقد أحسنت إلينا

(1/556)


{ قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون }

(1/556)


{ فلما استيأسوا } يئسوا { منه خلصوا نجيا } انفردوا متناجين في ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم { قال كبيرهم } وهو روبيل وكان أكبرهم سنا : { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله } في خفظ الأخ ورده إليه { ومن قبل ما فرطتم في يوسف } ما زائدة أي : قصرتم في أمر يوسف وخنتموه فيه { فلن أبرح الأرض } لن أخرج من أرض مصر { حتى يأذن لي أبي } يبعث إلي أن آتيه { أو يحكم الله لي } يقضي في أمري شيئا { وهو خير الحاكمين } أعدلهم وقال لإخوته :

(1/556)


{ ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق } يعنون في ظاهر الأمر { وما شهدنا إلا بما علمنا } لأنه وجدت السرقة في رحله ونحن ننظر { وما كنا للغيب حافظين } ما كنا نحفظه إذا غاب عنا

(1/556)


{ واسأل القرية التي كنا فيها } أي : أهل مصر { والعير التي أقبلنا فيها } يريد : أهل الرفقة فلما رجعوا إلى أبيهم يعقوب عليه السلام قالوا له هذا فقال :

(1/557)


{ بل سولت لكم أنفسكم أمرا } زينته لكم حتى أخرجتم بنيامين من عندي رجاء منفعة فعاد من ذلك شر وضرر

(1/557)


{ وتولى عنهم } أعرض عن بنيه وتجدد وجده بيوسف { وقال يا أسفى على يوسف } يا طول حزني عليه { وابيضت عيناه } انقلبت إلى حال البياض فلم يبصر بهما { من الحزن } من البكاء { فهو كظيم } مغموم مكروب لا يظهر حزنه بجزع أو شكوى

(1/557)


{ قالوا تالله تفتأ } لا تزال { تذكر يوسف } لا تفتر من ذكره { حتى تكون حرضا } فاسدا دنفا { أو تكون من الهالكين } الميتين والمعنى : لا تزال تذكره بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت بغمه فلما أغلظوا له في القول

(1/557)


{ قال إنما أشكو بثي } ما بي من البث وهو الهم الذي تفضي به إلى صاحبك { وحزني إلى الله } لا إليكم { وأعلم من الله ما لا تعلمون } وهو أنه علم أن يوسف حي أخبره بذلك ملك الموت وقال له : اطلبه من هاهنا وأشار له إلى ناحية مصر ولذلك قال :

(1/557)


{ يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف } تبحثوا عنه { ولا تيأسوا من روح الله } من الفرج الذي يأتي به { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } يريد : إن المؤمن يرجو الله تعالى في الشدائد والكافر ليس كذلك فخرجوا إلى مصر

(1/558)


{ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } أصابنا ومن يختص بنا الجوع { وجئنا ببضاعة مزجاة } ندافع بها الأيام ونتفوت وليس مما يتشبع به وكانت دراهم زيوفا { فأوف لنا الكيل } سألوه مساهلتهم في النقد وإعطائهم بدراهمهم مثل ما يعطي بغيرها من الجياد { وتصدق علينا } بما بين القيمتين { إن الله يجزي } يتولى جزاء { المتصدقين } فلما قالوا هذا أدركته الرقة ودمعت عيناه وقال توبيخا لهم وتعظيما لما فعلوا :

(1/558)


{ قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } بإدخال الغم عليه بإفراده من يوسف { إذ أنتم جاهلون } آثمون بيعقوب أبيكم وقطع رحم أخيكم منكم ولما قال لهم هذه المقالة رفع الحجاب فقالوا :

(1/558)


{ أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف } الذي فعلتم به ما فعلتم { وهذا } المظلوم من جهتكم { قد من الله علينا } بالجمع بيننا بعد ما فرقتم { إنه من يتق } الله { ويصبر } على المصائب { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } أجر من كان هذا حاله

(1/559)


{ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } فضلك الله علينا بالعقل والعلم والفضل الحسن { وإن كنا لخاطئين } آثمين في أمرك

(1/559)


{ قال لا تثريب عليكم اليوم } لا تأنيب ولا تعيير عليكم بعد هذا اليوم ثم جعلهم في حل وسأل لهم المغفرة فقال : { يغفر الله لكم } الآية ثم سألهم عن أبيه فقالوا : ذهبت عيناه فقال :

(1/559)


{ اذهبوا بقميصي هذا } وكان قد نزل به جبريل عليه السلام على إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار وكان فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلي ولا سقيم إلا صح فذلك قوله : { فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } يرجع ويعد بصيرا

(1/559)


{ ولما فصلت العير } خرجت من مصر متوجهة إلى كنعان { قال أبوهم } لمن حضره : { إني لأجد ريح يوسف } وذلك أنه هاجت الريح فحملت ريح القميص واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص { ولا أن تفندون } تسفهوني وتجهلوني

(1/560)


{ قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم } شقائك القديم مما تكابد من الأحزان على يوسف وخطئك في النزاع إليه على عهده منك وكان عندهم أنه قد مات وقوله :

(1/560)


{ فارتد بصيرا } أي : عاد ورجع بصيرا وقوله :

(1/560)


{ قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين }

(1/560)


{ سوف أستغفر لكم ربي } أخر ذلك إلى السحر ليكون أقرب إلى الإجابة وكان قد بعث يوسف عليه السلام مع البشير إلى يعقوب عليه السلام عدة المسير إليه فتهيأ يعقوب وخرج مع أهله إليه فذلك قوله :

(1/560)


{ فلما دخلوا على يوسف آوى إليه } أي : ضم إليه { أبويه } أباه وخالته وكانت أمه قد ماتت { وقال ادخلوا مصر } وذلك أنه كان قد استقبلهم فقال لهم قبل دخول مصر : ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله وكانوا قبل ذلك يخافون دخول مصر إلا بجواز من ملوكهم

(1/560)


{ ورفع أبويه على العرش } أجلسهما على السرير { وخروا له سجدا } سجدوا ليوسف سجدة التحية وهو الانحناء { وقد أحسن بي } إلي { إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو } وهو البسيط من الأرض وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش وبرية { من بعد أن نزغ الشيطان } أفسد { بيني وبين إخوتي } بالحسد { إن ربي لطيف لما يشاء } عالم بدقائق الأمور { إنه هو العليم } بخلقه { الحكيم } فيهم بما شاء ثم دعا ربه وشكره فقال :

(1/560)


{ رب قد آتيتني من الملك } ملك مصر { وعلمتني من تأويل الأحاديث } يريد : تفسير الأحلام { فاطر السماوات والأرض } خالقهما ابتداء { توفني مسلما } اقبضني على الإسلام { وألحقني بالصالحين } من آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم السلام يريد : ارفعني إلى درجاتهم

(1/561)


{ ذلك } الذي قصصنا عليك من أمر يوسف من الأخبار التي كانت غائبة عنك وهو قوله : { من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم } لدى إخوة يوسف { إذ أجمعوا أمرهم } عزموا على أمرهم { وهم يمكرون }

(1/561)


{ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يرجو أن تؤمن به قريش واليهود لما سألوه عن قصة يوسف فشرحها لهم فخالفوا ظنه فقال الله : { وما أكثر الناس ولو حرصت } على إيمانهم { بمؤمنين } لأنك لا تهدي من أحببت لكن الله يهدي من يشاء

(1/561)


{ وما تسألهم عليه } على القرآن { من أجر } مال يعطونك { إن هو } ما هو { إلا ذكر للعالمين } تذكرة لهم بما هو صلاحهم يريد : إنا أزحنا العلة في التكذيب حيث بعثناك مبلغا بلا أجر غير أنه لا يؤمن إلا من شاء الله سبحانه وإن حرص النبي صلى الله عليه و سلم على ذلك

(1/561)


{ وكأين } وكم { من آية } دلالة تدل على التوحيد { في السماوات والأرض } من الشمس والقمر والنجوم والجبال وغيرها { يمرون عليها } يتجاوزونها غير متفكرين ولا معتبرين فقال المشركون : فإنا نؤمن بالله الذي خلق هذه الأشياء فقال : { وما يؤمن أكثرهم بالله } في إقراره بأن الله خلقه وخلق السماوات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الوثن

(1/562)


{ أفأمنوا } يعني : المشركين { أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } عقوبة تغشاهم وتنبسط عليهم

(1/562)


{ قل } لهم { هذه } الطريقة التي أنا عليها { سبيلي } سنتي ومنهاجي { أدعو إلى الله } وتم الكلام ثم قال : { على بصيرة أنا } أي : على دين ويقين { ومن اتبعني } يعني : أصحابه وكانوا على أحسن طريقة { وسبحان الله } أي : وقل : سبحان الله تنزيها لله تعالى عما أشركوا { وما أنا من المشركين } الذين اتخذوا مع الله ندا

(1/562)


{ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين }

(1/562)


{ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى } يريد : لم نبعث قبلك نبيا إلا رجالا غير امرأة وكانوا من أهل الأمصار ولم نبعث من بادية وهذا رد لإنكارهم نبوته يريد : إن الرسل من قبلك كانوا على مثل حالك ومن قبلهم من الأمم كانوا على مثل حالهم فأهلكناهم فذلك قوله : { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا } إلى مصارع الأمم المكذبة فيعتبروا بهم { ولدار الآخرة } يعني : الجنة { خير للذين اتقوا } الشرك في الدنيا { أفلا تعقلون } هذا حتى تؤمنوا ؟ !

(1/562)


{ حتى إذا استيأس الرسل } يئسوا من قومهم أن يؤمنوا { وظنوا أنهم قد كذبوا } أيقنوا أن قومهم قد كذبوهم { جاءهم نصرنا فنجي من نشاء } وهم المؤمنون أتباع الأنبياء { ولا يرد بأسنا } عذابنا

(1/563)


{ لقد كان في قصصهم } يعني : إخوة يوسف { عبرة } فكرة وتدبر { لأولي الألباب } وذلك أن من قدر على إعزاز يوسف وتمليكه مصر بعد ما كان عبدا لبعض أهلها قادر على أن يعز محمد عليه السلام وينصره { ما كان } القرآن { حديثا يفترى } يتقوله بشر { ولكن تصديق الذي بين يديه } ولكن كان تصديق ما قبله من الكتب { وتفصيل كل شيء } يحتاج إليه من أمور الدين { وهدى } وبيانا { ورحمة لقوم يؤمنون } يصدقون بما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم

(1/563)


{ المر } أنا الله أعلم وأرى { تلك } يعني : ما ذكر من الأحكام والأخبار قبل هذه الآية { آيات الكتاب } القرآن { والذي أنزل إليك من ربك الحق } ليس كما يقوله المشركون أنك تأتي به من قبل نفسك باطلا { ولكن أكثر الناس } يعني : أهل مكة { لا يؤمنون }

(1/564)


{ الله الذي رفع السماوات بغير عمد } جمع عماد وهي الأساطين { ترونها } أنتم كذلك مرفوعة بغير عماد { ثم استوى على العرش } بالاستيلاء والاقتدار وأصله : استواء التدبير كما أن أصل القيام الانتصاب ثم يقال : قام بالتدبير ثم يدل على حدوث العرش المستولى عليه ( لا على حدوث الاستيلاء بعد خلق العرش المستولى عليه ) { وسخر الشمس والقمر } ذللهما لما يراد منهم { كل يجري لأجل مسمى } إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا { يدبر الأمر } يصرفه بحكمته { يفصل الآيات } يبين الدلائل التي تدل على التوحيد والبعث { لعلكم بلقاء ربكم توقنون } لكي توقنوا يا أهل مكة بالبعث

(1/564)


{ وهو الذي مد الأرض } بسطها ووسعها { وجعل فيها رواسي } أوتدها بالجبال { وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } حلوا وحامضا وباقي الآية مضى تفسيره

(1/565)


{ وفي الأرض قطع متجاورات } قرى بعضها قريب من بعض { وجنات } بساتين { من أعناب } وقوله : { صنوان } وهو أن يكون الأصل واحدا ثم يتفرع فيصير نخيلا يحملن وأصلهن واحد { وغير صنوان } وهي المتفرقة واحدة واحدة { تسقى } هذه القطع والجنات والنخيل { بماء واحد ونفضل بعضها على بعض } يعني : اختلاف الطعوم { في الأكل } وهو الثمر فمن حلو وحامض وجيد ورديء { إن في ذلك لآيات } لدلالات { لقوم يعقلون } أهل الإيمان الذين عقلوا عن الله تعالى

(1/565)


{ وإن تعجب } يا محمد من عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع وتكذيبك بعد البيان فتعجب أيضا من إنكارهم البعث وهو معنى قوله : { فعجب قولهم أإذا كنا ترابا } الآية { وأولئك الأغلال } جمع غل وهو طوق تقيد به اليد إلى العنق

(1/565)


{ ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } يعني : مشركي مكة حين سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يأتيهم بالعذاب استهزاء يقول : ويستعجلونك بالعذاب الذي لم أعاجلهم به وهو قوله : { قبل الحسنة } يعني : إحسانه إليهم في تأخير العقوبة عنهم إلى يوم القيامة { وقد خلت من قبلهم المثلات } وقد مضت من قبلهم العقوبات في الأمم المكذبة فلم يعتبروا بها { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } بالتوبة يعني : يتجاوز عن المشركين إذا آمنوا { وإن ربك لشديد العقاب } يعني : لمن أصر على الكفر

(1/566)


{ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه } هلا أتانا بآية كما أتى به موسى من العصا واليد { إنما أنت منذر } بالنار لمن عصى وليس إليك من الآيات شيء { ولكل قوم هاد } نبي وداع إلى الله عز و جل يدعوهم لما يعطى من الآيات لا بما يريدون ويتحكمون

(1/566)


{ الله يعلم ما تحمل كل أنثى } من علقة ومضغة وزائد وناقص وذكر وأنثى { وما تغيض الأرحام } تنقصه من مدة الحمل التي هي تسعة أشهر { وما تزداد } على ذلك { وكل شيء عنده بمقدار } علم كل شيء فقدره تقديرا

(1/566)


{ عالم الغيب } ما غاب عن جميع خلقه { والشهادة } وما شهده الخلق { الكبير } العظيم القدر { المتعال } عما يقوله المشركون

(1/566)


{ سواء منكم } الآية يقول : الجاهر بنطقه والمضمر في نفسه والظاهر في الطرقات والمستخفي في الظلمات علم الله سبحانه فيهم جميعا سواء والمستخفي معناه : المختفي والسارب : الظاهر المار على وجهه

(1/567)


{ له } لله سبحانه { معقبات } ملائكة حفظة تتعاقب في النزول إلى الأرض بعضهم بالليل وبعضهم بالنهار { من بين يديه } يدي الإنسان { ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } أي : بأمره سبحانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } لا يسلب قوما نعمة حتى يعملوا بمعاصيه { وإذا أراد الله بقوم سوءا } عذابا { فلا مرد له } فلا رد له { وما لهم من دونه من وال } يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم

(1/567)


{ هو الذي يريكم البرق خوفا } للمسافر { وطمعا } للحاضر في المطر { وينشئ } ويخلق { السحاب الثقال } بالماء

(1/567)


{ ويسبح الرعد } وهو الملك الموكل بالسحاب { بحمده } وهو ما يسمع من صوته وذلك تسبيح لله تعالى { والملائكة من خيفته } أي : وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته { ويرسل الصواعق } وهي التي تحرق من برق السحاب وينتشر على الأرض ضوؤه { فيصيب بها من يشاء } كما أصاب أربد حين جادل النبي صلى الله عليه و سلم وهو قوله : { وهم يجادلون في الله } والواو للحال وكان أربد جادل النبي صلى الله عليه و سلم فقال : أخبرني عن ربنا أمن نحاس أم حديد ؟ فأحرقته الصاعقة { وهو شديد المحال } العقوبة أي : القوة

(1/567)


{ له دعوة الحق } لله من خلقة الدعوة الحق وهي كلمة التوحيد لا إله إلا الله { والذين يدعون } يعني : المشركون يدعون { من دونه } الأصنام { لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط } إلا كما يستجاب للذي يبسط كفيه يشير إلى الماء ويدعوه إلى فيه { إلا في ضلال } هلاك وبطلان

(1/568)


{ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا } يعني : الملائكة والمؤمنين { وكرها } وهم من أكرهوا على السجود فسجدوا لله سبحانه من خوف السيف واللفظ عام والمراد به الخصوص { وظلالهم بالغدو والآصال } كل شخص مؤمن أو كافر فإن ظله يسجد لله ونحن لا نقف على كيفية ذلك

(1/568)


{ قل } يا محمد للمشركين : { من رب السماوات والأرض } ؟ ثم أخبرهم فقل : { الله } لأنهم لا ينكرون ذلك ثم ألزمهم الحجة فقل : { أفاتخذتم من دونه أولياء } توليتم غير رب السماء والأرض أصناما { لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا } ثم ضرب مثلا للذين يعبدها والذي يعبد الله سبحانه فقال : { قل هل يستوي الأعمى } المشرك { والبصير } المؤمن { أم هل تستوي الظلمات } الشرك { والنور } الإيمان { أم جعلوا لله شركاء } الآية يعني : أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق الله فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم ؟ وهذه استفهام إنكار أي : ليس الأمر على هذا حتى يشتبه الأمر بل الله سبحانه هو المتفرد بالخلق وهو قوله : { قل الله خالق كل شيء }

(1/568)


{ أنزل من السماء ماء } يعني : المطر { فسالت أودية } جمع واد { بقدرها } بقدر ما يملأها أراد بالماء القرآن وبالأودية القلوب والمعنى : أنزل قرآنا فقبلته القلوب بأقدارها منها ما رزق الكثير ومنها ما رزق القليل ومنها ما لم يرزق شيئا { فاحتمل السيل زبدا } وهو ما يعلو الماء { رابيا } عاليا فوقه والزبد مثل الكفر يريد : إن الباطل ـ وإن ظهر الحق في بعض الأحوال ـ فإن الله سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله وهو معنى قوله : { فأما الزبد فيذهب جفاء } وهو ما رمى به الوادي { وأما ما ينفع الناس } مما ينبت المرعى { فيمكث } يبقى { في الأرض } ثم ضرب مثلا آخر وهو قوله : { ومما يوقدون عليه في النار } يعني : جواهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس وغيرها مما يدخل النار فتوقد عليها وتتخذ منها الحلي وهو الذهب والفضة والأمتعة وهي للأواني يعني : النحاس والرصاص وغيرهما وهذا معنى قوله : { ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله } أي : مثل زبد الماء يريد : إن من هذه الجواهر بعضها خبث ينفيه الكير { كذلك } كما ذكر من هذه الأشياء { يضرب الله } مثل الحق والباطل وهذه الآية فيها تقديم وتأخير في اللفظ والمعنى ما أخبرتك به

(1/569)


{ للذين استجابوا لربهم } أجابوه إلى ما دعاهم إليه { الحسنى } الجنة { والذين لم يستجيبوا له } وهم الكفار { لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به } جعلوه فداء أنفسهم من العذاب { أولئك لهم سوء الحساب } وهو أن لا تقبل منهم حسنة ولا يتجاوز عن سيئة

(1/570)


{ أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى } نزلت في أبي جهل لعنه الله وحمزة رضي الله عنه { إنما يتذكر } يتعظ ويرتدع عن المعاصي { أولو الألباب } يعني : المهاجرين والأنصار

(1/570)


{ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق } يعني : العهد الذي عاهدهم عليه وهم في صلب آدم

(1/570)


{ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } وهو الإيمان بجميع الرسل

(1/570)


{ والذين صبروا } على دينهم وما أمروا به { ابتغاء وجه ربهم } طلب تعظيم الله تعالى { ويدرؤون } يدفعون { بالحسنة } بالتوبة { السيئة } المعصية وهو أنهم كلما أذنبوا تابوا { أولئك لهم عقبى الدار } يريد : عقابهم الجنة

(1/570)


{ جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم } ومن صدق بما صدقوا به ـ وإن لم يعمل مثل أعمالهم ـ يلحق بهم كرامة لهم { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } بالتحية من الله سبحانه والهدايا

(1/571)


{ سلام عليكم } يقولون : سلام عليكم والمعنى : سلمكم الله من العذاب { بما صبرتم } بصبركم في دار الدنيا عما لا يحل { فنعم عقبى الدار } فنعم العقبى عقبى داركم التي عملتم فيها ما أعقبكم الذي أنتم فيه

(1/571)


{ والذين ينقضون } الآية مفسرة في سورة البقرة

(1/571)


{ الله يبسط الرزق } يوسعه { لمن يشاء ويقدر } ويضيق { وفرحوا } يعني : مشركي مكة بما نالوا من الدنيا وبطروا { وما الحياة الدنيا في الآخرة } في حياة الآخرة أي : بالقياس إليها { إلا متاع } قليل ذاهب يتمتع به ثم يفنى

(1/571)


{ ويقول الذين كفروا لولا } هلا { أنزل عليه آية من ربه } نزلت في مشركي مكة حين طالبوا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالآيات { قل إن الله يضل من يشاء } عن دينه كما أضلكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها { ويهدي إليه } يرشد إلى دينه { من أناب } رجع إلى الحق

(1/571)


{ الذين آمنوا } بدل من قوله : { من أناب } { وتطمئن قلوبهم بذكر الله } إذا سمعوا ذكر الله سبحانه وتعالى أحبوه واستأنسوا به { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } يريد : قلوب المؤمنين

(1/572)


{ الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم } وهي شجرة غرسها الله سبحانه بيده وقيل : فرح لهم وقرة أعين

(1/572)


{ كذلك } كما أرسلنا الأنبياء قبلك { أرسلناك في أمة } في قرن { قد خلت } قد مضت { من قبلها أمم } قرون { لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك } يعني : القرآن { وهم يكفرون بالرحمن } وذلك أنهم قالوا : ما نعرف الرحمان إلا صاحب اليمامة { قل هو ربي } أي : الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيدي { لا إله إلا هو }

(1/572)


{ ولو أن قرآنا } الآية نزلت حين قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم : إن كنت نبيا كما تقول فسير عنا جبال مكة فإنها ضيقة واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا حتى نزرع ونغرس وابعث لنا آباءنا من الموتى يكلمونا أنك نبي فقال الله سبحانه : { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } يريد : لو قضيت على أن لا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت ولا على الأرض إلا تخرقت بالعيون والأنهار وعلى الموتى أن لا يكلموا ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي وهذا جواب لو وهو محذوف { بل } دع ذلك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره فالأمر لله جميعا لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا وإذا لم يشأ لم ينفع ما اقترحوا من الآيات وكان المسلمون قد أرادوا أن يظهر رسول الله صلى الله عليه و سلم لهم آية ليجتمعوا على الإيمان فقال الله : { أفلم ييأس الذين آمنوا } يعلم الذين آمنوا { أن لو يشاء الله } لهداهم من غير ظهور الآيات { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا } من كفرهم وأعمالهم الخبيثة { قارعة } داهية تقرعهم من القتل والأسر والحرب والجدب { أو تحل } يا محمد أنت { قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله } يعني : القيامة وقيل : فتح مكة

(1/572)


{ ولقد استهزئ برسل من قبلك } أوذي وكذب { فأمليت للذين كفروا } أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة ليتمادوا في المعصية { ثم أخذتهم } بالعقوبة { فكيف كان عقاب } كيف رأيت ما صنعت بمن استهزأ برسلي كذلك أصنع بمشركي قومك

(1/573)


{ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } أي : بجرائه يعني : متول لذلك كما يقال : قام فلان بأمر كذا : إذا كفاه وتولاه والقائم على كل نفس هو الله تعالى والمعنى : أفمن هو بهذه الصفة كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ؟ وجواب هذا الاستفهام في قوله : { وجعلوا لله شركاء قل سموهم } بإضافة أفعالهم إليهم إن كانوا شركاء لله تعالى كما يضاف إلى الله أفعاله بأسمائه الحسنى نحو : الخالق والرازق فإن سموهم قل أتنبئونه { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } أي : أتخبرون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه بمعنى : أنه ليس له شريك { أم بظاهر من القول } يعني : أم تقولون مجازا من القول وباطلا لا حقيقة له وهو كلام في الظاهر ولا حقيقة له في الباطن ثم قال : { بل } أي : دع ذكر ما كنا فيه { زين للذين كفروا مكرهم } زين الشيطان لهم الكفر { وصدوا عن السبيل } وصدهم الله سبحانه عن سبيل الهدى { لهم عذاب في الحياة الدنيا } بالقتل والأسر { ولعذاب الآخرة أشق } أشد وأغلظ { وما لهم من الله } من عذاب الله { من واق } حاجز ومانع

(1/573)


{ لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق }

(1/574)


{ مثل الجنة } صفة الجنة { التي وعد المتقون } وقوله : { أكلها دائم } يريد : إن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا { وظلها } لا يزول ولا تنسخه الشمس

(1/574)


{ والذين آتيناهم الكتاب } يعني : مؤمني أهل الكتاب { يفرحون بما أنزل إليك } وذلك أنهم ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة فلما أنزل الله تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } فرح بذلك مؤمنو أهل الكتاب وكفر المشركون بالرحمن وقالوا : ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة وذلك قوله : { ومن الأحزاب } يعني : الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم { من ينكر بعضه } يعني : ذكر الرحمن

(1/574)


{ وكذلك } وكما أنزلنا الكتاب على الأنبياء بلسانهم { أنزلناه حكما عربيا } يعني : القرآن لأنه به يحكم ويفصل بين الحق والباطل وهو بلغة العرب { ولئن اتبعت أهواءهم } وذلك أن المشركين دعوه إلى ملة آبائه فتوعده الله سبحانه على ذلك بقوله : { ما لك من الله من ولي ولا واق }

(1/575)


{ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا } ينكحونهن { وذرية } وأولادا أنسلوهم وذلك أن اليهود عيرت رسول الله صلى الله عليه و سلم بكثرة النساء وقالوا : ما له همة إلا النساء والنكاح { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } أي : بإطلاقه له الآية وهذا جواب للذين سألوه أن يوسع لهم مكة { لكل أجل كتاب } لكل أجل قدره الله ولكل أمر قضاه كتاب أثبت فيه فلا تكون آية إلا بأجل قد قضاه الله تعالى في كتاب

(1/575)


{ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } اللوح المحفوظ يمحو منه ما يشاء ويثبت ما يشاء وظاهر هذه الآية على العموم وقال قوم : إلا السعادة والشقاوة والموت والرزق والخلق والخلق

(1/575)


{ وإنما نرينك بعض الذي نعدهم } من العذاب { أو نتوفينك } قبل ذلك { فإنما عليك البلاغ } يريد : قد بلغت { وعلينا الحساب } إلي مصيرهم فأجازيهم أي : ليس عليك إلا البلاغ كيف ما صارت حالهم

(1/576)


{ أولم يروا } يعني : مشركي مكة { أنا نأتي الأرض } نقصد أرض مكة { ننقصها من أطرافها } بالفتوح على المسلمين يقول : أولم ير أهل مكة أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه و سلم ما حولها من القرى أفلا يخافون أن تنالهم يا محمد { والله يحكم } بما يشاء { لا معقب لحكمه } لا أحد يتتبع ما حكم به فيغيره والمعنى : لا ناقص لحكمه ولا راد له { وهو سريع الحساب } أي : المجازاة

(1/576)


{ وقد مكر الذين من قبلهم } يعني : كفار الأمم الخالية مكروا بأنبيائهم { فلله المكر جميعا } يعني : إن مكر الماكرين له أي : هو من خلقه فالمكر جميعا مخلوق له ليس يضر منه شيء إلا بإذنه { يعلم ما تكسب كل نفس } جميع الأكساب معلوم له { وسيعلم الكفار } وهو اسم الجنس { لمن } العاقبة بالحنة وقوله تعالى :

(1/576)


{ ومن عنده علم الكتاب } هم مؤمنو أهل الكتابين وكانت شهادتهم قاطعة لقول أهل الخصوم

(1/576)


{ الر } أنا الله أرى هذا { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } من الشرك إلى الإيمان { بإذن ربهم } بقضاء ربهم لأنه لا يهتدي مهتد إلا بإذن الله سبحانه ثم بين ما ذلك النور فقال : { إلى صراط العزيز الحميد }

(1/577)


{ الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد }

(1/577)


{ الذين يستحبون } يؤثرون ويختارون { الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله } ويمنعون الناس عن دين الله { ويبغونها عوجا } مضى تفسيره { أولئك في ضلال } في خطأ { بعيد } عن الحق

(1/577)


{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } بلغة قومه ليفهموا عنه وهو معنى قوله : { ليبين لهم فيضل الله من يشاء } بعد التبيين بإيثاره الباطل { ويهدي من يشاء } باتباع الحق

(1/577)


{ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } بالبراهين التي دلت على صحة نبوته { أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور } من الشرك إلى الإيمان { وذكرهم } وعظهم { بأيام الله } بنعمه أي : بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد { إن في ذلك } التذكير بأيام الله { لآيات } لدلالات { لكل صبار } على طاعة الله { شكور } لأنعمه والآية الثانية مفسرة في سورة البقرة وقوله :

(1/578)


{ وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم }

(1/578)


{ وإذ تأذن } معطوف على قوله : { إذ أنجاكم } والمعنى : وإذ أعلم ربكم { لئن شكرتم } وحدتم وأطعتم { لأزيدنكم } مما يجب الشكر عليه وهو النعمة { ولئن كفرتم } جحدتم حقي وحق نعمتي { إن عذابي لشديد } تهديد بالعذاب على كفران النعمة

(1/578)


{ وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد }

(1/578)


{ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم } يعني : من بعد هؤلاء الذين أهلكم الله { لا يعلمهم إلا الله } لكثرتهم ولا يعلم عدد تلك الأمم وتعيينها إلا الله { جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم } أيدي أنفسهم { في أفواههم } أي : ثقل عليهم مكانهم فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ

(1/578)


{ قالت رسلهم أفي الله شك } أفي توحيد الله سبحانه شك ؟ وهذا استفهام معناه الإنكار أي : لا شك في ذلك ثم وصف نفسه بما يدل على وحدانيته وهو قوله : { فاطر السماوات والأرض يدعوكم } إلى طاعته بالرسل والكتب { ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى } لا يعاجلكم بالعقوبة والمعنى : إن لم تجيبوا عوجلتم وباقي الآية وما بعدها إلى قوله :

(1/579)


{ قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون }

(1/579)


{ وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون }

(1/579)


{ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين }

(1/579)


{ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد } ظاهر ومعنى : { خاف مقامي } معناه : خاف مقامه بين يدي { وخاف وعيد } : ما أوعدت من العذاب

(1/579)


{ واستفتحوا } واستنصروا الله سبحانه على قومهم ففازوا بالنصر { وخاب كل جبار } متكبر عن طاعة الله سبحانه { عنيد } مجانب للحق

(1/579)


{ من ورائه جهنم } أي : أمامه جهنم فهو يردها { ويسقى من ماء صديد } وهو ما يسيل من الجرح مختلطا بالدم والقيح

(1/580)


{ يتجرعه } يتحساه بالجرع لا بمرة لمرارته { ولا يكاد يسيغه } لا يجيزه في الحلق إلا بعد إبطاء { ويأتيه الموت } أي : أسباب الموت من البلايا التي تصيب الكافر في النار { من كل مكان } من كل شعرة في جسده { وما هو بميت } موتا تنقطع معه الحياة { ومن ورائه } ومن بعد ذلك العذاب { عذاب غليظ } متصل الآلام ثم ضرب مثلا لأعمال الكافر فقال :

(1/580)


{ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف } أي : شديد هبوب الريح ومعنى الآية : إن كل ما تقرب به الكافر إلى الله تعالى فمحبط غير منتفع به لأنهم أشركوا فيها غير الله سبحانه وتعالى كالرماد الذي ذرته الريح وصار هباء لا ينتفع به فذلك قوله : { لا يقدرون مما كسبوا على شيء } أي : لا يجدون ثواب ما عملوا { ذلك هو الضلال البعيد } يعني : ضلال أعمالهم وذهابها والمعنى : ذلك الخسران الكبير

(1/580)


{ ألم تر } يا محمد { أن الله خلق السماوات والأرض بالحق } أي : بقدرته وصنعه وعلمه وإرادته وكل ذلك حق { إن يشأ يذهبكم } يمتكم أيها الكفار { ويأت بخلق جديد } خير منكم وأطوع

(1/580)


{ وما ذلك على الله بعزيز } بممتنع شديد

(1/580)


{ وبرزوا لله جميعا } خرجوا من قبورهم إلى المحشر { فقال الضعفاء } وهم الأتباع لأكابرهم الذين { استكبروا } عن عبادة الله : { إنا كنا } في الدنيا { لكم تبعا فهل أنتم مغنون } دافعون { عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم } أي : إنما دعوناكم إلى الضلال لأنا كنا عليه ولو أرشدنا الله لأرشدناكم

(1/580)


{ وقال الشيطان } يعني : إبليس { لما قضي الأمر } فصار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وذلك أن أهل النار حينئذ يجتمعون باللائمة على إبليس فيقوم خطيبا ويقول : { إن الله وعدكم وعد الحق } يعني : كون هذا اليوم فصدقكم وعده { ووعدتكم } أنه غير كائن { فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان } أي : ما أظهرت لكم حجة على ما وعدتكم { إلا أن دعوتكم } لكن دعوتكم { فاستجبتم لي } فصدقتموني { فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } حيث أجبتموني من غير برهان { ما أنا بمصرخكم } بمغيثكم { وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل } بإشراككم إياي مع الله سبحانه في الطاعة إني جحدت أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني { إن الظالمين } يريد : المشركين وقوله :

(1/581)


{ تحيتهم فيها سلام } يحييهم الله سبحانه بالسلام ويحيي بعضهم بعضا بالسلام

(1/581)


{ ألم تر كيف ضرب الله مثلا } بين شبها ثم فسره فقال : { كلمة طيبة } يريد : لا إله إلا الله { كشجرة طيبة } يعني : النخلة { أصلها } أصل هذه الشجرة الطيبة { ثابت } في الأرض { وفرعها } أعلاها عال { في السماء }

(1/581)


{ تؤتي } هذه الشجرة { أكلها } ثمرها { كل حين } كل وقت في جميع السنة ستة أشهر طلع رخص وستة أشهر رطب طيب فالانتفاع بالنخلة دائم في جميع السنة كذلك الإيمان ثابت في قلب المؤمن وعمله وقوله وتسبيحه عال مرتفع إلى السماء ارتفاع فروع النخلة وما يكتسبه من بركة الإيمان وثوابه كما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والبسر والتمر { ويضرب الله الأمثال للناس } يريد : أهل مكة { لعلهم يتذكرون } لكي يتعظوا

(1/582)


{ ومثل كلمة خبيثة } يعني : الشرك بالله سبحانه { ك } مثل { شجرة خبيثة } وهي الكشوت { اجتثت } انتزعت واستؤصلت والكشوت كذلك { من فوق الأرض } لم يرسخ فيها ولم يضرب فيها بعرق { ما لها من قرار } مستقر في الأرض يريد : إن الشكر لا ينتفع به صاحبه وليس له حجة ولا ثبات كهذه الشجرة

(1/582)


{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } وهو قول لا إله إلا الله { في الحياة الدنيا } على الحق { وفي الآخرة } يعني : في القبر يلقنهم كلمة الحق عند سؤال الملكين { ويضل الله الظالمين } لا يلقن المشركين ذلك حتى إذا سئلوا في قبورهم قالوا : لا ندري { ويفعل الله ما يشاء } من تلقين المؤمنين الصواب وإضلال الكافرين

(1/582)


{ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا } بدلوا ما أنعم الله سبحانه عليهم به من الإيمان ببعث الرسول صلى الله عليه و سلم كفرا حيث كفروا به { وأحلوا قومهم } الذين اتبعوهم { دار البوار } الهلاك ثم فسرها فقال :

(1/583)


{ جهنم يصلونها وبئس القرار } أي : المقر

(1/583)


{ وجعلوا لله أندادا } يعني : الأصنام { ليضلوا عن سبيله } الناس عن دين الله { قل تمتعوا } بدنياكم { فإن مصيركم إلى النار } وقوله :

(1/583)


{ لا بيع فيه } لا فداء فيه { ولا خلال } مخالة يعني : يوم القيامة وهو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة إنما هي أعمال يثاب بها قوم ويعاقب عليها آخرون

(1/583)


{ الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار }

(1/583)


{ وسخر لكم الشمس والقمر } ذللهما لما يراد منهما { دائبين } مقيمين على طاعة الله سبحانه وتعالى في الجري { وسخر لكم الليل } لتسكنوا فيه { والنهار } لتبتغوا من فضله ومعنى لكم في هذه الآية لأجلكم ليس أنها مسخرة لنا هي مسخرة لله سبحانه لأجلنا ويجوز أنها مسخرة لنا لانتفاعنا بها على الوجه الذي نريد وقوله :

(1/583)


{ وإن تعدوا نعمة الله } إنعام الله عليكم { لا تحصوها } لا تطيقوا عدها { إن الإنسان } يعني : الكافر { لظلوم } لنفسه { كفار } نعمة ربه وقوله :

(1/584)


{ واجنبني } أي : بعدني واجعلني من على جانب بعيد

(1/584)


{ رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } أي : ضلوا بسببها { فمن تبعني } على ديني { فإنه مني } من المتدينين بديني { ومن عصاني } فيما دون الشرك { فإنك غفور رحيم }

(1/584)


{ ربنا إني أسكنت من ذريتي } يعني : إسماعيل عليه السلام { بواد غير ذي زرع } مكة حرسها الله { عند بيتك المحرم } الذي مضى في علمك أنه يحدث في هذا الوادي { ربنا ليقيموا الصلاة } ليعبدوك { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } تريدهم وتحن إليهم لزيارة بيتك { وارزقهم من الثمرات } ذكر تفسيره في سورة البقرة { لعلهم يشكرون } كي يوحدونك ويعظموك

(1/584)


{ ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء }

(1/584)


{ الحمد لله الذي وهب لي } أعطاني { على الكبر إسماعيل } لأنه ولد له وهو ابن تسع وتسعين { وإسحاق } ولد له وهو ابن مائة سنة واثنتي عشرة سنة وقوله :

(1/584)


{ ومن ذريتي } أي : واجعل منهم من يقيم الصلاة وقوله :

(1/585)


{ ولوالدي } استغفر لهما بشرط الإيمان

(1/585)


{ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } يريد : المشركين من أهل مكة { إنما يؤخرهم } فلا يعاقبهم في الدنيا { ليوم تشخص } تذهب فيه أبصار الخلائق إلى الهواء حيرة ودهشة

(1/585)


{ مهطعين } مسرعين منطلقين إلى الداعي { مقنعي } رافعي { رؤوسهم } إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد { لا يرتد إليهم طرفهم } لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر فهي شاخصة { وأفئدتهم هواء } وقلوبهم خالية عن العقول بما ذهلوا من الفزع وقوله :

(1/585)


{ فيقول الذين ظلموا } أي : أشركوا { ربنا أخرنا إلى أجل قريب } استمهلوا مدة يسيرة كي يجيبوا الدعوة فيقال لهم : { أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } حلفتم في الدنيا أنكم لا تبعثون ولا تنتقلون إلى الآخرة وهو قوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } الآية

(1/585)


{ وسكنتم } في الدنيا { في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } يعني : الأمم الكافرة { وتبين لكم كيف فعلنا بهم } فلم تنزجروا { وضربنا لكم الأمثال } في القرآن فلم تعتبروا

(1/586)


{ وقد مكروا مكرهم } يعني : مكرهم بالنبي صلى الله عليه و سلم وما هموا به من قتله أو نفيه { وعند الله مكرهم } هو عالم به لا يخفى عليه ما فعلوا فهو يجازيهم عليه { وإن كان } وما كان { مكرهم لتزول منه الجبال } يعني : أمر النبي صلى الله عليه و سلم أي : ما كان مكرهم ليبطل أمرا هو في ثبوته وقوته كالجبال

(1/586)


{ فلا تحسبن الله } يا محمد { مخلف وعده رسله } ما وعدهم من الفتح والنصر { إن الله عزيز } منيع { ذو انتقام } من الكفار يجازيهم بما كان من سيئاتهم

(1/586)


{ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات } تبدل الأرض بأرض كالفضة بيضاء نقية يحشر الناس عليها والسماء من ذهب { وبرزوا } وخرجوا من القبور كقوله تعالى : { وبرزوا لله جميعا }

(1/586)


{ وترى المجرمين } الذين زعموا أن لله شريكا وولدا يوم القيامة { مقرنين } موصولين بشياطينهم كل كافر مع شيطان في غل والأصفاد : سلاسل الحديد والأغلال

(1/586)


{ سرابيلهم } قمصهم { من قطران } وهو الهناء الذي يطلى به الإبل وذلك أبلغ لا شتعال النار فيهم { وتغشى وجوههم } وتعلو وجوههم { النار }

(1/587)


{ ليجزي الله كل نفس } من الكفار { ما كسبت } أي : ليقع لهم الجزاء من الله سبحانه بما كسبوا

(1/587)


{ هذا } القرآن { بلاغ للناس } أي : أنزلناه إليك لتبلغهم { ولينذروا به } ولتنذرهم أنت يا محمد { وليعلموا } بما ذكر فيه من الحجج { أنما هو إله واحد وليذكر } وليتعظ { أولو الألباب } أهل اللب والعقل والبصائر

(1/587)


{ الر } أنا الله أرى { تلك آيات } هذه آيات { الكتاب } الذي هو قرآن مبين للأحكام

(1/588)


{ ربما يود } الآية نزلت في تمني الكفار الإسلام عند خرةج من يخرج من النار

(1/588)


{ ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } يقول : دع الكفار يأخذوا حظوظهم من دنياهم { ويلههم الأمل } يشغلهم عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة { فسوف يعلمون } إذا وردوا القيامة وبال ما صنعوا

(1/588)


{ وما أهلكنا من قرية } يعني : أهلها { إلا ولها كتاب معلوم } أجل ينتهون إليه يعني : إن لأهل كل قرية أجلا مؤقتا لا يهلكهم حتى يبلغوه

(1/588)


{ ما تسبق من أمة أجلها } أي : ما تتقدم الوقت الذي وقت لها { وما يستأخرون } لا يتأخرون عنه

(1/589)


{ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر } أي : القرآن قالوا هذا استهزاء

(1/589)


{ لو ما } هلا { تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين } أنك نبي فقال الله عز و جل :

(1/589)


{ ما ننزل الملائكة إلا بالحق } أي : بالعذاب { وما كانوا إذا منظرين } أي : لو نزلت الملائكة لم ينظروا ولم يمهلوا

(1/589)


{ إنا نحن نزلنا الذكر } القرآن { وإنا له لحافظون } من أن يزاد فيه أو ينقص

(1/589)


{ ولقد أرسلنا من قبلك } أي : رسلا { في شيع الأولين } أي : فرقهم

(1/589)


{ وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } تعزية للنبي صلى الله عليه و سلم

(1/589)


{ كذلك } أي : كما فعلوا { نسلكه } ندخل الاستهزاء والشرك والضلال { في قلوب المجرمين } ثم بين أي شيء الذي أدخل في قلوبهم فقال :

(1/589)


{ لا يؤمنون به } أي : بالرسول { وقد خلت } مضت { سنة الأولين } بتكذيب الرسل فهؤلاء المشركون يقتفون آثارهم في الكفر

(1/589)


{ ولو فتحنا عليهم } على هؤلاء المشركين { بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون } فطفقوا فيه يصعدون لجحدوا ذلك وقالوا :

(1/589)


{ إنما سكرت أبصارنا } أي : سدت بالسحر فتتخايل لأبصارنا غير ما نرى { بل نحن قوم مسحورون } سحرنا محمد - صلى الله عليه و سلم - فلا نبصر

(1/590)


{ ولقد جعلنا في السماء بروجا } يعني : منازل الشمس والقمر { وزيناها } بالنجوم للمعتبرين والمستدلين على توحيد صانعها

(1/590)


{ وحفظناها من كل شيطان رجيم } مرمي بالنجوم

(1/590)


{ إلا من استرق السمع } يعني : الخطفة اليسيرة { فأتبعه } لحقه { شهاب } نار { مبين } ظاهر لأهل الأرض

(1/590)


{ والأرض مددناها } بسطناها على وجه الماء { وألقينا فيها رواسي } جبالا ثوابت لئلا تتحرك بأهلها { وأنبتنا فيها } في الجبال { من كل شيء موزون } كالذهب والفضة والجواهر

(1/590)


{ وجعلنا لكم فيها معايش } من الثمار والحبوب { ومن لستم له برازقين } العبيد والدواب والأنعام تقديره : وجعلنا لكم فيها معايش وعبيدا وإماء ودواب نرزقهم ولا ترزقوهم

(1/590)


{ وإن من شيء } يعني : من المطر { إلا عندنا خزائنه } أي : في حكمنا وأمرنا { وما ننزله إلا بقدر معلوم } لا ننقصه ولا نزيده غير أنه يصرفه إلى من يشاء حيث شاء كما شاء

(1/590)


{ وأرسلنا الرياح لواقح } السحاب تمج الماء فيه فهي لواقح بمعنى : ملقحات وقيل : لواقح : حوامل لأنها تحمل الماء والتراب والسحاب { فأسقيناكموه } جعلناه سقيا لكم { وما أنتم له } لذلك الماء المنزل من السماء { بخازنين } بحافظين أي : ليست خزائنه بأيديكم

(1/590)


{ وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون } إذا مات جميع الخلائق

(1/591)


{ ولقد علمنا المستقدمين } الآية خص رسول الله صلى الله عليه و سلم على الصف الأول في الصلاة فازدحم الناس عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية يقول : قد علمنا جميعهم وإنما نجزيهم على نياتهم

(1/591)


{ وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم }

(1/591)


{ ولقد خلقنا الإنسان } آدم { من صلصال } طين منتن { من حمإ } طين أسود { مسنون } متغير الرائحة

(1/591)


{ والجان } أبا الجن { خلقناه من قبل } خلق آدم { من نار السموم } وهي نار لا دخان لها

(1/591)


{ وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون }

(1/591)


{ فإذا سويته } عدلت صورته { ونفخت فيه } وأجريت فيه { من روحي } المخلوقة لي { فقعوا } فخروا { له ساجدين } سجود تحية وقوله :

(1/591)


{ فسجد الملائكة كلهم أجمعون }

(1/591)


{ إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين }

(1/591)


{ قال يا إبليس ما لك أن لا تكون مع الساجدين }

(1/591)


{ قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون }

(1/591)


{ قال فاخرج منها فإنك رجيم }

(1/591)


{ وإن عليك اللعنة } الآية يقول : يلعنك أهل السماء وأهل الأرض إلى يوم الجزاء فتحصل حينئذ من عذاب النار وقوله :

(1/592)


{ قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون }

(1/592)


{ قال فإنك من المنظرين }

(1/592)


{ إلى يوم الوقت المعلوم } يعني : النفخة الأولى حين يموت الخلائق

(1/592)


{ قال رب بما أغويتني } أي : بسبب إغوائك إياي { لأزينن لهم } لأولاد آدم الباطل حتى يقعوا فيه

(1/592)


{ إلا عبادك منهم المخلصين } أي : الموحدين المؤمنين الذي أخلصوا دينهم عن الشرك

(1/592)


{ قال هذا صراط علي } هذا طريق علي { مستقيم } مرجعه إلي فأجازي كلا بأعمالهم يعني : طريق العبودية

(1/592)


{ إن عبادي } يعني : الذين هداهم واجتباهم { ليس لك عليهم سلطان } قوة وحجة في إغوائهم ودعائهم إلى الشرك والضلال

(1/592)


{ وإن جهنم لموعدهم أجمعين } يريد : إبليس ومن تبعه من الغاوين

(1/592)


{ لها } لجهنم { سبعة أبواب } سبعة أطباق طبق فوق طبق { لكل باب منهم } من أتباع إبليس { جزء مقسوم }

(1/592)


{ إن المتقين } للفواحش والكبائر { في جنات وعيون } يعني : عيون الماء والخمر يقال لهم :

(1/592)


{ ادخلوها بسلام } بسلامة { آمنين } من سخط الله سبحانه وعذابه

(1/593)


{ ونزعنا ما في صدورهم من غل } ذكرناه في سورة الأعراف { إخوانا } متآخين { على سرر } جمع سرير { متقابلين } لا يرى بعضهم قفا بعض

(1/593)


{ لا يمسهم } لا يصيبهم { فيها نصب } إعياء

(1/593)


{ نبئ عبادي } أخبر أوليائي { أني أنا الغفور } لأوليائي { الرحيم } بهم

(1/593)


{ وأن عذابي هو العذاب الأليم } لأعدائي

(1/593)


{ ونبئهم عن ضيف إبراهيم } يعني : الملائكة الذين أتوه في صورة الأضياف

(1/593)


{ إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما } سلموا سلاما فـ { قال } إبراهيم : { إنا منكم وجلون } فزعون

(1/593)


{ قالوا لا توجل } : لاتفزع وقوله :

(1/593)


{ على أن مسني الكبر } أي : على حالة الكبر { فبم تبشرون } استفهام تعجب كأنه عجب من الولد على كبره

(1/593)


{ قالوا بشرناك بالحق } بما قضاه الله أن يكون { فلا تكن من القانطين } الآيسين

(1/593)


{ قال ومن يقنط } ييئس { من رحمة ربه إلا الضالون } المكذبون

(1/593)


{ قال فما خطبكم } ما شأنكم وما الذي جئتم له ؟

(1/594)


{ قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين } يعني : قوم لوط

(1/594)


{ إلا آل لوط } أتباعه الذين كانوا على دينه وقوله :

(1/594)


{ قدرنا } قضينا ودبرنا أنها تتخلف وتبقى مع من بقي حتى تهلك وقوله :

(1/594)


{ فلما جاء آل لوط المرسلون }

(1/594)


{ منكرون } أي : غير معروفين

(1/594)


{ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون } بالعذاب الذي كانوا يشكون في نزوله

(1/594)


{ وأتيناك بالحق } بالأمر الثابت الذي لا شك فيه من عذاب قومك

(1/594)


{ فأسر بأهلك } مفسر في سورة هود { واتبع أدبارهم } امش على آثارهم ببناتك وأهلك لئلا يتخلف منهم أحد { ولا يلتفت منكم أحد } لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من العذاب { وامضوا حيث تؤمرون } حيث يقول لكم جبريل عليه السلام

(1/594)


{ وقضينا إليه } أوحينا إليه وأخبرناه { ذلك الأمر } الذي أخبرته الملائكة إبراهيم من عذاب قومه وهو { أن دابر هؤلاء } أي : أواخر من تبقى منهم { مقطوع } مهلك { مصبحين } داخلين في وقت الصبح يريد : إنهم مهلكون هلاك الاستئصال في ذلك الوقت

(1/594)


{ وجاء أهل المدينة } مدينة قوم لوط وهي سذوم { يستبشرون } يفرحون طمعا منهم في ركوب المعاصي والفاحشة حيث أخبروا أن في بيت لوط مردا حسانا فقال لهم لوط :

(1/595)


{ إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون } عندهم بقصدكم إياهم فيعلموا أنه ليس لي عندكم قدر

(1/595)


{ واتقوا الله ولا تخزون } مذكور في سورة هود

(1/595)


{ قالوا أولم ننهك عن العالمين } عن ضيافتهم لأنا نريد منهم الفاحشة وكانوا يقصدون بفعلهم الغرباء

(1/595)


{ قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين } هذا الشأن يعني : اللذة وقضاء الوطر يقول : عليكم بتزويجهن أراد أن يقي أضيافه ببناته

(1/595)


{ لعمرك } بحياتك يا محمد { إنهم } إن قومك { لفي سكرتهم يعمهون } في ضلالتهم يتمادون وقيل : يعني : قوم لوط

(1/595)


{ فأخذتهم الصيحة } صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة أهلكتهم { مشرقين } داخلين في وقت شروق الشمس وذلك أن تمام الهلاك كان مع الإشراق وقوله :

(1/595)


{ فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل }

(1/595)


{ للمتوسمين } أي : المتفرسين المتثبتين في النظر حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء

(1/596)


{ وإنها } يعني : مدينة قوم لوط { لبسبيل مقيم } على طريق قومك إلى الشام وهو طريق لا يندرس ولا يخفى

(1/596)


{ إن في ذلك لآية للمؤمنين } لعبرة للمصدقين يعني : إن المؤمنين اعتبروا بها

(1/596)


{ وإن كان أصحاب الأيكة } قوم شعيب وكانوا أصحاب غياض وأشجار

(1/596)


{ فانتقمنا منهم } بالعذاب أخذهم الحر أياما ثم اضطرم عليهم المكان نارا فهلكوا { وإنهما } يعني : الأيكة ومدينة قوم لوط { لبإمام مبين } لبطريق واضح

(1/596)


{ ولقد كذب أصحاب الحجر } يعني : قوم ثمود والحجر اسم واديهم { المرسلين } يعني : صالحا وذلك أن من كذب نبيا فقد كذب جميع الرسل

(1/596)


{ وآتيناهم آياتنا } يعني : ما أظهر لهم من الآيات في الناقة

(1/596)


{ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا } لطول عمرهم كان لا يبقى معهم السقوف فاتخذوا كهوفا من الجبال بيوتا { آمنين } من أن يقع عليهم

(1/596)


{ فأخذتهم الصيحة } صيحة العذاب { مصبحين } حين دخلوا في وقت الصبح

(1/596)


{ فما أغنى عنهم } ما دفع العذاب { ما كانوا يكسبون } من الأموال والأنعام

(1/597)


{ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } أي : للثواب والعقاب أثيب من آمن بي وصدق رسلي وأعاقب من كفر بي والموعد لذلك الساعة وهو قوله تعالى : { وإن الساعة لآتية } أي : إن القيامة تأتي فيجازى المشركون بقبيح أعمالهم { فاصفح } عنهم { الصفح الجميل } أي : أعرض إعراضا بغير فحش ولا جزع

(1/597)


{ إن ربك هو الخلاق العليم } بما خلق

(1/597)


{ ولقد آتيناك سبعا من المثاني } يعني : الفاتحة وهي سبع آيات وتثنى في كل صلاة امتن الله على رسوله صلى الله عليه و سلم بهذه السورة كما امتن عليه بجميع القرآن حين قال : { والقرآن العظيم } أي : العظيم القدر

(1/597)


{ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به } نهي رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الرغبة في الدنيا فخظر عليه أن يمد عينيه إليها رغبة فيها وقوله : { أزواجا منهم } أي : أصنافا من الكفار كالمشركين واليهود وغيرهم يقول : لا تنظر إلى ما متعناهم به في الدنيا { ولا تحزن عليهم } إن لم يؤمنوا { واخفض جناحك للمؤمنين } لين جانبك وارفق بهم

(1/597)


{ وقل إني أنا النذير المبين } أنذركم عذاب الله سبحانه وأبين لكم ما يقربكم إليه

(1/598)


{ كما أنزلنا } أي : عذابنا { على المقتسمين } وهم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه و سلم فأنزل الله تعالى بهم خزيا فماتوا شر ميتة

(1/598)


{ الذين جعلوا القرآن عضين } جزؤوه أجزاء فقالوا : سحر وقالوا : أساطير الأولين وقالوا : مفترى

(1/598)


{ فوربك لنسألنهم أجمعين }

(1/598)


{ عما كانوا يعملون } أي : يفترون من القول في القرآن يريد : لنسألنهم سؤال توبيخ وتقريع

(1/598)


{ فاصدع بما تؤمر } يقول : أظهر ما تؤمر واجهر بأمرك { وأعرض عن المشركين } لا تبال بهم ولم يزل النبي صلى الله عليه و سلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية

(1/598)


{ إنا كفيناك المستهزئين } وكانوا خمسة نفر : الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعدي بن قيس والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث سلط الله سبحانه عليهم جبريل عليه السلام حتى قتل كل واحد منهم بآفة وكفى نبيه عليه السلام شرهم

(1/598)


{ الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون }

(1/599)


{ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون }

(1/599)


{ فسبح بحمد ربك } قل : سبحان الله وبحمده { وكن من الساجدين } المصلين

(1/599)


{ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي : الموت

(1/599)


{ أتى أمر الله } أي : عذابه لمن أقام على الشرك أي : قد فرب ذلك { فلا تستعجلوه } فإنه نازل بكم لا محالة { سبحانه } براءة له من السوء { وتعالى } ارتفع بصفاته { عما يشركون } عن إشراكهم

(1/600)


{ ينزل الملائكة } يعني : جبريل عليه السلام وحده { بالروح } بالوحي { من أمره } والوحي من أمر الله سبحانه { على من يشاء من عباده } يريد : النبيين الذين يختصهم بالرسالة { أن أنذروا } بدل من الروح أي : أعلموا أهل الكفر { أنه لا إله إلا أنا } مع تخويفهم إن لم يقروا { فاتقون } بالتوحيد والطاعة ثم ذكر ما يدل على توحيده فقال :

(1/600)


{ خلق السماوات } الآية

(1/600)


{ خلق الإنسان من نطفة } يعني : أبي بن خلف { فإذا هو خصيم } مخاصم { مبين } ظاهر الخصومة وذلك أنه خاصم النبي صلى الله علي وسلم في إنكاره البعث وقوله :

(1/600)


{ لكم فيها دفء } يعني : ما تستدفئون به من الأكسية والأبنية من أشعارها وأصوافها و أوبارها { ومنافع } من النسل والدر والركوب

(1/601)


{ ولكم فيها جمال } زينة { حين تريحون } تردونها إلى مراحها بالعشايا { وحين تسرحون } تخرجونها إلى المرعى بالغداة

(1/601)


{ وتحمل أثقالكم } أمتعتكم { إلى بلد } لو تكلفتم بلوغه على غير الإبل لشق عليكم والشق : المشقة { إن ربكم لرؤوف رحيم } حيث من عليكم بهذه المرافق وقوله :

(1/601)


{ ويخلق ما لا تعلمون } لم يسمه فالله أعلم به

(1/601)


{ وعلى الله قصد السبيل } أي : الإسلام والطريق المستقيم يؤدي إلى رضا الله تعالى كقوله : { هذا صراط مستقيم } { ومنها } ومن السبيل { جائر } عادل مائل كاليهودية والنصرانية { ولو شاء لهداكم } أرشدكم { أجمعين } حتى لا تختلفوا في الدين وقوله :

(1/601)


{ ومنه شجر } يعني : ما ينبت بالمطر وكل ما ينبت على الأرض فهو شجر { فيه تسيمون } ترعون مواشيكم وقوله :

(1/601)


{ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون }

(1/601)


{ وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }

(1/601)


{ وما ذرأ لكم } أي : وسخر لكم ما خلق في الأرض { مختلفا ألوانه } أي : هيئته ومناظره يعني : الدواب والأشجار وغيرهما

(1/602)


{ وهو الذي سخر البحر } ذلله للركوب والغوص { لتأكلوا منه لحما طريا } السمك والحيتان { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } الدر والجواهر { وترى الفلك } السفن { مواخر فيه } شواق للماء تدفعه بجؤجئها بصدرها { ولتبتغوا من فضله } لتركبوه للتجارة فتطلبوا الربح من فضل الله

(1/602)


{ وألقى في الأرض رواسي } جبالا ثابتة { أن تميد } لئلا تميد أي : لا تتحرك { بكم وأنهارا } وجعل فيها أنهارا كالنيل والفرات ودجلة { وسبلا } وطرقا إلى كل بلدة { لعلكم تهتدون } إلى مقاصدكم من البلاد فلا تضلوا

(1/602)


{ وعلامات } يعني : الجبال وهي علامات الطرق بالنهار { وبالنجم } يعني : جميع النجوم { هم يهتدون } إلى الطرق والقبلة في البر والبحر

(1/602)


{ أفمن يخلق } يعني : ما ذكر في هذه السورة وهو الله تعالى { كمن لا يخلق } يعني : الأوثان يقول : أهما سواء حتى يسوى بينهما في العبادة ؟ { أفلا تذكرون } أفلا تتعظون كما اتعظ المؤمنون

(1/602)


{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } مر تفسيره { إن الله لغفور } لتقصيركم في شكر نعمه { رحيم } بكم حيث لم يقطعها عنكم بتقصيركم وقوله :

(1/603)


{ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون }

(1/603)


{ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون }

(1/603)


{ أموات } أي : هي أموات لا روح فيها يعني : الأصنام { غير أحياء } تأكيد { وما يشعرون أيان يبعثون } وذلك أن الله سبحانه يبعث الأصنام لها أرواح فيتبرؤون من عابديهم وهي في الدنيا جماد لا تعلم متى تبعث وقوله :

(1/603)


{ إلهكم } ذكر الله سبحانه دلائل وحدانيته ثم أخبر أنه واحد ثم أتبع هذا إنكار الكفار وحدانيته بقوله : { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة } جاحدة غير عارفة { وهم مستكبرون } ممتنعون عن قبول الحق

(1/603)


{ لا جرم } حقا { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } الآية أي : يجازيهم بذلك { إنه لا يحب المستكبرين } لا يمدحهم ولا يثيبهم

(1/603)


{ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين } الآية نزلت في النضر بن الحارث وذكرنا قصته

(1/603)


{ ليحملوا أوزارهم } هذه لام العاقبة لأن قولهم للقرآن : أساطير الأولين أداهم إلى أن حملوا أوزارهم كاملة لم يكفر منها شيء بنكبة أصابتهم في الدنيا لكفرهم { ومن أوزار الذين يضلونهم } لأنهم كانوا دعاة الضلالة فعليهم مثل أوزار من اتبعهم وقوله : { بغير علم } أي : يضلونهم جهلا منهم بما كانوا يكسبون من الإثم ثم صنيعهم فقال : { ألا ساء ما يزرون } أي : يحملون

(1/603)


{ قد مكر الذين من قبلهم } وهو نمروذ بني صرحا طويلا ليصعد منه إلى السماء فيقاتل أهلها { فأتى الله } فأتى أمر الله وهو الريح وخلق الزلزلة { بنيانهم } بناءهم { من القواعد } من أساطين البناء التي يعمده وذلك أن الزلزلة خلقت فيها حتى تحركت بالبناء فهدمته وهو قوله : { فخر عليهم السقف من فوقهم } يعني : وهم تحته { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } من حيث ظنوا أنهم في أمان منه

(1/604)


{ ثم يوم القيامة يخزيهم } يذلهم { ويقول أين شركائي } أي : الذين في دعواكم أنهم شركائي أين هم ليدفعوا العذاب عنكم { الذين كنتم تشاقون } تخالفون المؤمنين { فيهم قال الذين أوتوا العلم } وهم المؤمنون يقولون حين يرون خزي الكفار في القيامة : { إن الخزي اليوم والسوء } عليهم لا علينا

(1/604)


{ الذين تتوفاهم الملائكة } مر تفسيره في سورة النساء وقوله : { فألقوا السلم } أي : انقادوا واستسلموا عند الموت وقالوا : { ما كنا نعمل من سوء } شرك { بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } من الشرك والتكذيب ثم قيل لهم :

(1/604)


{ فادخلوا أبواب جهنم } الآية وقوله : { فلبئس مثوى } مقام { المتكبرين } عن التوحيد وعبادة الله سبحانه

(1/605)


{ وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم } هذا كان في أيام الموسم يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عما أنزل على محمد صلى الله عليه و سلم ؟ فيقولون : أساطير الأولين ويسأل المؤمنين عن ذلك فيقولون : { خيرا } أي : ثوابا لمن آمن بالله ثم فسر ذلك الخير فقال : { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } قالوا : لا إله إلا الله ثواب مضاعف { ولدار الآخرة } وهي الجنة { خير } من الدنيا وما فيها

(1/605)


{ جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤون كذلك يجزي الله المتقين }

(1/605)


{ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } طاهرين من الشرك

(1/605)


{ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } لقبض أرواحهم { أو يأتي أمر ربك } بالقتل والمعنى : هل يكون مدة إقامتهم على الكفر إلا مقدار حياتهم إلى أن يموتوا أو يقتلوا { كذلك فعل الذين من قبلهم } وهو التكذيب يعني : كفار الأمم الخالية { وما ظلمهم الله } بتعذيبهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بإقامتهم على الشرك

(1/605)


{ فأصابهم } هذا مؤخر في اللفظ ومعناه التقديم لأن التقدير : كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم الآية ثم يقول : { وما ظلمهم الله } الآية ومعنى : أصابهم { سيئات ما عملوا } أي : جزاؤها { وحاق } أحاط { بهم ما كانوا به يستهزئون } من العذاب

(1/605)


{ وقال الذين أشركوا } يعني : أهل مكة : { لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء } أي : ما أشركنا ولكنه شاءه لنا { ولا حرمنا من دونه من شيء } أي : من السائبة والبحيرة وإنما قالوا هذا استهزاء قال الله تعالى : { كذلك فعل الذين من قبلهم } أي : من تكذيب الرسل وتحريم ما أحل الله { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } أي : ليس عليهم إلا التبليغ وقد بلغت يا محمد وبلغوا فأما الهداية فهي إلى الله سبحانه وتعالى وقد حقق هذا فيما بعد وهو قوله :

(1/606)


{ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا } كما بعثناك في هؤلاء { أن اعبدوا الله } بأن اعبدوا الله { واجتنبوا الطاغوت } الشيطان وكل من يدعو إلى الضلالة { فمنهم من هدى الله } أرشده { ومنهم من حقت } وجبت { عليه الضلالة } الكفر بالقضاء السابق { فسيروا في الأرض } معتبرين بآثار الأمم المكذبة ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة لا يهتدي وهوقوله :

(1/606)


{ إن تحرص على هداهم } أي : تطلبها بجهدك { فإن الله لا يهدي من يضل } كقوله : { من يضلل الله فلا هادي له }

(1/606)


{ وأقسموا بالله جهد أيمانهم } أغلظوا في الإيمان تكذيبا منهم بقدرة الله على البعث فقال الله تعالى : { بلى } ليبعثنهم { وعدا عليه حقا }

(1/606)


{ ليبين لهم } بالبعث ما اختلفوا فيه من أمره وهو أنهم ذهبوا إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } ثم أعلمهم سهولة خلق الأشياء عليه بقوله :

(1/607)


{ إنما قولنا لشيء } الآية

(1/607)


{ والذين هاجروا } نزلت في قوم عذبهم المشركون بمكة إلى أن هاجروا وقوله : { في الله } في رضا الله { لنبوئنهم في الدنيا حسنة } دارا وبلدة حسنة وهي المدينة { ولأجر الآخرة } يعني : الجنة

(1/607)


{ الذين صبروا } على أذى المشركين وهم في ذلك واثقون بالله تعالى متوكلون عليه

(1/607)


{ وما أرسلنا من قبلك } ذكرنا تفسيره في آخر سورة يوسف وقوله : { فاسألوا أهل الذكر } يعني : أهل التوراة فيخبرونكم أن الأنبياء كلهم كانوا بشرا

(1/607)


{ بالبينات } أي : أرسلناهم بالبينات بالحجج الواضحة { والزبر } الكتب { وأنزلنا إليك الذكر } القرآن { لتبين للناس ما نزل إليهم } في هذا الكتاب من الحلال والحرام والوعد والوعيد { ولعلهم يتفكرون } في ذلك فيعتبرون

(1/607)


{ أفأمن الذين مكروا السيئات } عملوا بالفساد يعني : عبادة الأوثان وهم مشركو مكة { أن يخسف الله بهم الأرض } كما خسف بقارون { أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } أي : من حيث يأمنون فكان كذلك لأنهم أهلكوا يوم بدر وما كانوا يقدرون ذلك

(1/608)


{ أو يأخذهم في تقلبهم } للسفر والتجارة { فما هم بمعجزين } بممتنعين على الله

(1/608)


{ أو يأخذهم على تخوف } على تنقض وهو أن يأخذ الأول حتى يأتي الأخذ على الجميع { فإن ربكم لرؤوف رحيم } إذ لم يعجل عليهم بالعقوبة

(1/608)


{ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء } له ظل من جبل وشجر وبناء { يتفيأ } يتميل { ظلاله عن اليمين والشمائل } في أول النهار عن اليمين وفي آخره عن الشمال إذا كنت متوجها إلى القبلة { سجدا لله } قال المفسرون : ميلانها سجودها وهذا كقوله : { وظلالهم بالغدو والآصال } وقد مر { وهم داخرون } صاغرون يفعلون ما يراد منهم يعني : هذه الأشياء التي ذكرها أنها تسجد لله

(1/608)


{ ولله يسجد } أي : يخضع وينقاد بالتسخير { ما في السماوات وما في الأرض من دابة } يريد : كل ما دب على الأرض { والملائكة } خصهم بالذكر تفضيلا { وهم لا يستكبرون } عن عبادة الله تعالى يعني : الملائكة

(1/608)


{ يخافون ربهم من فوقهم } يعني : الملائكة هم فوق ما في الأرض من دابة ومع ذلك يخافون الله فلأن يخاف من دونهم أولى { ويفعلون ما يؤمرون } يعني : الملائكة وقوله :

(1/609)


{ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون }

(1/609)


{ وله الدين واصبا } دائما أي : طاعته واجبة أبدا { أفغير الله } الذي خلق كل شيء وأمر أن لا تتخذوا معه إلها { تتقون }

(1/609)


{ وما بكم من نعمة } من صحة جسم أو سعة رزق أو متاع بمال وولد فكل ذلك من الله { ثم إذا مسكم الضر } الأسقام والحاجة { فإليه تجأرون } ترتفعون أصواتكم بالاستغاثة

(1/609)


{ ثم إذا كشف الضر عنكم } يعني : من كفر بالله وأئرك بعد كشف الضر عنه

(1/609)


{ ليكفروا بما آتيناهم } ليجحدوا نعمة الله فيما فعل بهم { فتمتعوا } أمر تهديد { فسوف تعلمون } عاقبة أمركم

(1/609)


{ ويجعلون } يعني : المشركين { لما لا يعلمون } أي : الأوثان التي لا علم لها { نصيبا مما رزقناهم } يعني : ما ذكر في قوله : { وهذا لشركائنا } { تالله لتسألن } سؤال توبيخ { عما كنتم تفترون } على الله من أنه أمركم بذلك

(1/609)


{ ويجعلون لله البنات } يعني : خزاعة وكنانة زعموا أن الملائكة بنات الله ثم نزه نفشه فقال تعالى : { سبحانه } تنزيها له عما زعموا { ولهم ما يشتهون } يعني : البنين وهذا كقولهم : { أم له البنات } الآية

(1/610)


{ وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أخبر بولادة ابنة { ظل } صار { وجهه مسودا } متغيرا تغير مغتم { وهو كظيم } ممتلئ غما

(1/610)


{ يتوارى } يختفي ويتغيب مقدرا مع نفسه { أيمسكه على هون } أيستحييها على هوان منه لها { أم يدسه } يخفيه { في التراب } فعل الجاهلية من الوأد { ألا ساء } بئس { ما يحكمون } أي : يجعلون لمن يعترفون بأنه خالقهم البنات اللاتي محلهن منهم هذا المحل ونسبوه إلى اتخاذ الأولاد وجعلوا لأنفسهم البنين

(1/610)


{ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } العذاب والنار { ولله المثل الأعلى } الإخلاص والتوحيد وهو شهادة أن لا إله إلا الله

(1/610)


{ ولو يؤاخذ الله الناس } المشركين { بظلمهم } بافترائهم على الله تعالى { ما ترك عليها من دابة } يعني : أحدا من المشركين { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } وهو انقضاء عمرهم

(1/610)


{ ويجعلون لله ما يكرهون } لأنفسهم وذلك هو البنات أي : يحكمون له به { وتصف ألسنتهم الكذب } ثم فسر ذلك الكذب بقوله : { أن لهم الحسنى } أي : الجنة والمعنى : يصفون أن لهم مع قبح قولهم الجنة إن كان البعث حقا فقال الله تعالى : { لا } أي : ليس الأمر كما وصفوه { جرم } كسب قولهم هذا { أن لهم النار وأنهم مفرطون } متروكون فيها وقيل : مقدمون إليها وقوله :

(1/611)


{ فهو وليهم اليوم } يعني : يوم القيامة وأطلق اسم اليوم عليه لشهرته وقوله :

(1/611)


{ لتبين لهم الذي اختلفوا فيه } أي : تبين للمشركين ما ذهبوا فيه إلى خلاف ما يذهب إليه المسلمون فتقوم الحجة عليهم ببيانك وقوله : { وهدى } أي : والهداية والرحمة للمؤمنين وقوله :

(1/611)


{ والله أنزل } ظاهر إلى قوله : { يسمعون } أي : سماع اعتبار يريد : إن في ذلك دلالة على البعث

(1/611)


{ وإن لكم في الأنعام لعبرة } لدلالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته { نسقيكم مما في بطونه من بين فرث } وهو سرجين الكرش { ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين } جائزا في حلوقهم

(1/611)


{ ومن ثمرات } أي : ولكم منها ما { تتخذون منه سكرا } وهو الخمر نزل هذا قبل تحريم الخمر { ورزقا حسنا } وهو الخل والزبيب والتمر { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } يريد : عقلوا عن الله تعالى ما فيه قدرته

(1/611)


{ وأوحى ربك إلى النحل } ألهمها وقذف في أنفسها { أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر } هي تتخذ لأنفسها بيوتا إذا كانت لا أصحاب لها فإذا كانت لها أرباب اتخذت بيوتها مما تبني لها أربابها وهو قوله : { ومما يعرشون } أي : يبنون ويسقفون لها من الخلايا

(1/612)


{ ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك } طرق ربك تطلب فيها الرعي { ذللا } منقادة مسخرة مطيعة { يخرج من بطونها شراب } وهو العسل { مختلف ألوانه } منه أحمر وأبيض وأصفر { فيه } في ذلك الشراب { شفاء للناس } من الأوجاع التي شفاؤها فيه

(1/612)


{ والله خلقكم } ولم تكونوا شيئا { ثم يتوفاكم } عند انقضاء آجالكم { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } وهو أردؤه يعني : الهرم { لكي لا يعلم بعد علم شيئا } يصير كالصبي الذي لا عقل له قالوا : وهذا لا يكون للمؤمنين لأن المؤمن لا ينزع عنه علمه وإن كبر { إن الله عليم } بما يصنع { قدير } على ما يريد

(1/612)


{ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } حيث جعل بعضكم يملك العبيد وبعضكم مملوكا { فما الذين فضلوا } وهم المالكون { برادي رزقهم } بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى يكونوا عبيدهم معهم { فيه سواء } وهذا مثل ضربة الله تعالى للمشركين في تصييرهم عباد الله شركاء له فقال : إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء في الملك فكيف تجعلون عبيدي معي سواء ؟ { أفبنعمة الله يجحدون } حيث يتخذون معه شركاء

(1/612)


{ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } يعني : النساء { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } يعني : ولد الولد { ورزقكم من الطيبات } من أنواع الثمار والحبوب والحيوان { أفبالباطل يؤمنون } يعني : الأصنام { وبنعمة الله هم يكفرون } يعني : التوحيد

(1/613)


{ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات } يعني : الغيث الذي يأتي من جهتها { والأرض } يعني : النبات والثمار { شيئا } أي : قليلا ولا كثيرا { ولا يستطيعون } لا يقدرون على شيء

(1/613)


{ فلا تضربوا لله الأمثال } لا تشبهوه بخلقه وذلك أن ضرب المثل إنما هو تشبيه ذات بذات أو وصف بوصف والله تعالى منزه عن ذلك { إن الله يعلم } ما يكون قبل أن يكون { وأنتم لا تعلمون } قدر عظمته حيث أشركتم به

(1/613)


{ ضرب الله مثلا } بين شبها فيه بيان للمقصود ثم ذكر ذلك فقال : { عبدا مملوكا لا يقدر على شيء } لأنه عاجز مملوك لا يملك شيئا وهذا مثل ضربه الله لنفسه ولمن عبد دونه يقول : العاجز الذي لا يقدر أن ينفق والمالك المقتدر على الإنفاق لا يستويان فكيف يسوى بين الحجارة التي لا تتحرك وبين الله الذي هو على كل شيء قدير وهو رازق جميع خلقه ثم بين أنه المستحق للحمد دون ما يعبدون من دونه فقال : { الحمد لله } لأنه المنعم { بل أكثرهم لا يعلمون } يقول : هؤلاء المشركون لا يعلمون أن الحمد لي لأن جميع النعم مني والمراد بالأكثر ها هنا الجميع ثم ضرب مثلا للمؤمن والكافر فقال :

(1/613)


{ وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء } من الكلام لأنه لا يفهم ولا يفهم عنه { وهو كل } ثقل ووبال { على مولاه } صاحبه وقريبه { أينما يوجهه } يرسله { لا يأت بخير } لأنه عاجز لا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه { هل يستوي هو } أي : هذا الأبكم { ومن يأمر بالعدل } وهو المؤمن يأمر بتوجيد الله سبحانه { وهو على صراط مستقيم } دين مستقيم يعني : بالأبكم أبي بن خلف وكان كلا على قومه لأنه كان يؤذيهم ومن يأمر بالعدل حمزة بن عبد المطلب

(1/614)


{ ولله غيب السماوات } أي : علم ما غاب فيهما عن العباد { وما أمر الساعة } يعني : القيامة { إلا كلمح البصر } كالنظر بسرعة { أو هو أقرب } من ذلك إذا أردناه يريد : إنه يأتي بها في أسرع من لمح البصر إذا أراده

(1/614)


{ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } أي : غير عالمين { وجعل لكم السمع والأبصار } أي : خلق لكم الحواس التي بها يعلمون ويقفون على ما يجهلون

(1/614)


{ ألم يروا إلى الطير مسخرات } مذللات { في جو السماء } يعني : الهواء وذلك يدل على مسخر سخرها ومدبر مكنها من التصرف { ما يمسكهن إلا الله } في حال القبض والبسط والاصطفاف

(1/614)


{ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } موضعا تسكنون فيه ويستر عوراتكم وحرمكم وذلك أنه خلق الخشب والمدر والآلة التي يمكن بها تسقيف البيوت { وجعل لكم من جلود الأنعام } يعني : الأنطاع والأدم { بيوتا } وهي القباب والخيام { تستخفونها يوم ظعنكم } يخف عليكم حملها في أسفاركم { ويوم إقامتكم } لا يثقل عليكم في الحالتي { ومن أصوافها } يعني : الضأن { وأوبارها } يعني : الإبل { وأشعارها } وهي المعز { أثاثا } طنافس وأكسية وبسطا { ومتاعا } تتمتعون به { إلى حين } البلى

(1/615)


{ والله جعل لكم مما خلق } من البيوت والشجر والغمام { ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا } يعني : الغيران والأسراب { وجعل لكم سرابيل } قمصا { تقيكم الحر } تمنعكم الحر والبرد فترك ذكر البرد لأن ما وقى الحر وقى البرد فهو معلوم { وسرابيل } يعني : دروع الحديد { تقيكم } تمنعكم { بأسكم } شدة الطعن والضرب والرمي { كذلك } مثل ما خلق هذه الأشياء لكم { يتم نعمته عليكم } يريد : نعمة الدنيا والخطاب لأهل مكة { لعلكم تسلمون } تنقادون لربوبيته فتوحدونه

(1/615)


{ فإن تولوا } أعرضوا عن الإيمان بعد البيان { فإنما عليك البلاغ المبين } وليس عليك من كفرهم وجحودهم شيء

(1/615)


{ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها } يعني : الكفار يقرون بأنها كلها من الله تعالى ثم يقولون بشفاعة آلهتنا فذلك إنكارهم { وأكثرهم } جميعهم { الكافرون }

(1/616)


{ ويوم } أي : وأنذرهم يوم { نبعث } وهو يوم القيامة { من كل أمة شهيدا } يعني : الأنبياء عليهم السلام يشهدون على الأمم بما فعلوا { ثم لا يؤذن للذين كفروا } في الكلام والاعتذار { ولا هم يستعتبون } ولا يطلب منهم أن يرجعوا إلى ما يرضي الله تعالى

(1/616)


{ وإذا رأى الذين ظلموا } أشركوا { العذاب } النار { فلا يخفف عنهم } العذاب { ولا هم ينظرون } يمهلون

(1/616)


{ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم } أوثانهم التي عبدوها من دون الله { قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا } وذلك أن الله يبعثها حتى توردهم النار فإذا رأوها عرفوها فقالوا : { ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول } أي : أجابوهم فقالوا لهم : { إنكم لكاذبون } وذلك أنها كانت جمادا ما تعرف عبادة عابديها فيظهر عند ذلك فضيحتهم حيث عبدوا من لم يشعر بالعبادة وهذا كقوله تعالى : { سيكفرون بعبادتهم }

(1/616)


{ وألقوا إلى الله يومئذ السلم } استسلموا لحكم الله تعالى { وضل عنهم ما كانوا يفترون } بطل ما كانوا يأملون من أن آلهتهم تشفع لهم

(1/616)


{ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون }

(1/617)


{ ويوم نبعث في كل أمة شهيدا } وهو يوم القيامة يبعث الله في كل أمة شهيدا { عليهم من أنفسهم } وهو نبيهم لأن كل نبي بعث من قومه { وجئنا بك شهيدا على هؤلاء } على قومك وتم الكلام ها هنا ثم قال : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا } بيانا { لكل شيء } مما أمر به ونهي عنه

(1/617)


{ إن الله يأمر بالعدل } شهادة أن لا إله إلا الله { والإحسان } وأداء الفرائض وقيل : بالعدل في الأفعال والإحسان في الأقوال { وإيتاء ذي القربى } صلة الرحم فتؤتى ذا قرابتك من فضل ما رزقك الله { وينهى عن الفحشاء } الزنا { والمنكر } الشرك { والبغي } الاستطالة على الناس بالظلم { يعظكم } ينهاكم عن هذا كله ويأمركم بما أمركم به في هذه الآية { لعلكم تذكرون } لكي تتعظوا

(1/617)


{ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } يعني : كل عهد يحسن في الشريعة الوفاء به { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } لا تحنثوا فيها بعد ما وكدتموه بالعزم { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } بالوفاء حيث حلفتم والواو للحال

(1/617)


{ ولا تكونوا كالتي نقضت } أفسدت { غزلها } وهي أمرأة حمقاء كانت تغزل طول يومها ثم تنقضه وتفسده { من بعد قوة } الغزل بإمراره وفتله { أنكاثا } قطعا وتم الكلام هاهنا ثم قال : { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } أي : غشا وخديعة { أن تكون } بأن تكون أو لأن تكون { أمة هي أربى من أمة } أي : قوم أغنى وأعلى من قوم وذلك أنهم كانوا يحالفون قوما فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف أولئك ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز فنهوا عن ذلك { إنما يبلوكم الله به } أي : بما أمر ونهى { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } في الدنيا عن أيمان الخديعة فقال :

(1/617)


{ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون }

(1/618)


{ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها } تزل عن الإيمان بعد المعرفة بالله تعالى وهذا إنما يستحق في نقض معاهدة رسول الله صلى الله عليه و سلم على نصرة الدين { وتذوقوا السوء } العذاب { بما صددتم عن سبيل الله } وذلك أنهم إذا نقضوا العهد لم يدخل غيرهم في الإسلام فيصير كأنهم صدوا عن سبيل الله وعن دين الله

(1/618)


{ ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } لا تنقضوا عهودكم تطلبون بنقضها عرضا من الدنيا { إنما عند الله } أي : ما عند الله من الثواب على الوفاء { هو خير لكم إن كنتم تعلمون } ذلك

(1/618)


{ ما عندكم ينفد } يفنى وينقطع يعني : في الدنيا { وما عند الله } من الثواب والكرامة { باق } دائم لا ينقطع { ولنجزين الذين صبروا } على دينهم وعما نهاهم الله تعالى { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } يعني : الطاعات وقوله :

(1/619)


{ فلنحيينه حياة طيبة } قيل هي القناعة وقيل : هي حياة الجنة

(1/619)


{ فإذا قرأت القرآن } أي : إذا أردت أن تقرأ القرآن { فاستعذ بالله } فاسأل الله أن يعيذك ويمنعك { من الشيطان الرجيم }

(1/619)


{ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا } أي : حجة في إغوائهم ودعائهم إلى الضلالة والمعنى : ليس له عليهم سلطان الإغواء

(1/619)


{ إنما سلطانه على الذين يتولونه } يطيعونه { والذين هم به } بسببه وطاعته فيما يدعوهم إليه { مشركون } بالله

(1/619)


{ وإذا بدلنا آية } أي : رفعناها وأنزلنا غيرها لنوع من المصلحة { والله أعلم } بمصالح العباد في { بما ينزل } من الناسخ والمنسوخ { قالوا } يعني : الكفار { إنما أنت مفتر } كذاب تقوله من عندك { بل أكثرهم لا يعلمون } حقيقة القرآن وفائدة النسخ والتبديل

(1/619)


{ قل نزله روح القدس } جبريل عليه السلام { من ربك } من كلام ربك { بالحق } بالأمر الحق { ليثبت الذين آمنوا } بما فيه من الحجج والآيات { وهدى } وهو هدى

(1/620)


{ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه } القرآن { بشر } يعنون عبدا لبني الحضرمي كان يقرأ الكتب { لسان الذي يلحدون إليه } لغة الذي يميلون القول إليه ويزعمون أنه يعلمك { أعجمي } لا يفصح ولا يتكلم بالعربية { وهذا } يعني القرآن { لسان } لغى { عربي مبين } أفصح ما يكون من العربية وأبينه ثم أخير أن الكاذبين هم فقال :

(1/620)


{ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم }

(1/620)


{ إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } لأنهم يقولون لما لا يقدر عليه إلا الله هذا من قول البشر ثم سماهم كاذبين بقوله : { وأولئك هم الكاذبون }

(1/620)


{ من كفر بالله من بعد إيمانه } هذا ابتداء كلام وخبره في قوله : { فعليهم غضب من الله } ثم استثنى المكره على الكفر فقال : { إلا من أكره } أي : على التلفظ بكلمة الكفر { وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي : فتحه ووسعه لقبوله

(1/620)


{ ذلك } الكفر { بأنهم استحبوا الحياة الدنيا } اختاروها { على الآخرة وأن الله } لا يهديهم ولا يريد هدايتهم ثم وصفهم بأنهم مطبوع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأنهم غافلون عما يراد بهم ثم حكم عليهم بالخسار وأكد ذلك بقوله :

(1/620)