صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ تفسير الواحدي - الواحدي ]
الكتاب : الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
المؤلف : علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن
عدد الأجزاء : 1

{ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ظاهر إلى قوله :

(1/399)


{ قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين }

(1/399)


{ قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين }

(1/399)


{ وأنصح لكم } أي : أدعوكم إلى ما دعاني الله إليه { وأعلم من الله ما لا تعلمون } من أنه غفور لمن رجع عن معاصيه وأن عذابه أليم لمن أصر عليها

(1/399)


{ أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم } موعظة من الله { على رجل } على لسان رجل { منكم } تعرفون نسبه وقوله :

(1/399)


{ إنهم كانوا قوما عمين } عميت قلوبهم عن معرفة الله تعالى وقدرته

(1/399)


{ وإلى عاد أخاهم } وأرسلنا إلى عاد أخاهم ابن أبيهم { هودا قال يا قوم اعبدوا الله } وحدوا الله { ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } أفلا تخافون نقمته

(1/399)


{ قال الملأ } الرؤساء والجماعة { الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة } حمق وجهل { وإنا لنظنك من الكاذبين } فيما جئت به من ادعاء النبوة وقوله :

(1/399)


{ قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين }

(1/399)


{ ناصح أمين } أي : على الرسالة لا أكذب فيها

(1/399)


{ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } أي : استخلفكم في الأرض بعد هلاكهم { وزادكم في الخلق بسطة } فضيلة في الطول { فاذكروا آلاء الله } نعم الله عليكم { لعلكم تفلحون } كي تسعدوا وتبقوا في الجنة وقوله :

(1/399)


{ فأتنا بما تعدنا } أي : من العذاب { إن كنت من الصادقين } أن العذاب نازل بنا

(1/400)


{ قال : قد وقع } وجب { عليكم من ربكم رجس وغضب } عذاب وسخط { أتجادلونني في أسماء سميتموها } كانت لهم أصنام سموها أسماء مختلفة فلما دعاهم الرسول إلى التوحيد استنكروا عبادة الله وحده { ما نزل الله بها من سلطان } من حجة وبرهان لكم في عبادتها { فانتظروا } العذاب { إني معكم من المنتظرين } ذلك في تكذيبهم إياي وقوله :

(1/400)


{ فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين }

(1/400)


{ فذروها تأكل في أرض الله } أي : سهل الله عليكم أمرها فليس عليكم رزقها ولا مؤونتها وقوله :

(1/400)


{ وبوأكم في الأرض } أي : أسكنكم وجعل لكم فيها مساكن { تتخذون من سهولها قصورا } تبنون القصور بكل موضع { وتنحتون الجبال بيوتا } يريد : بيوتا في الجبال تشققونها وكانوا يسكنونها شتاء ويسكنون القصور بالصيف

(1/400)


{ قال الملأ } وهم الأشراف { الذين استكبروا من قومه } عن عبادة الله { للذين استضعفوا } يريد المساكين { لمن آمن منهم } بدل من قوله : { للذين استضعفوا } لأنهم المؤمنون

(1/401)


{ قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون }

(1/401)


{ فعقروا الناقة } نحروها { وعتوا عن أمر ربهم } عصوا الله وتركوا أمره في الناقة { وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا } من العذاب

(1/401)


{ فأخذتهم الرجفة } وهي الزلزلة الشديدة { فأصبحوا في دارهم } بلدهم { جاثمين } خامدين ميتين

(1/401)


{ فتولى عنهم } أعرض عنهم صالح بعد نزول العذاب بهم { وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم } خوفتكم عقاب الله وهذا كما خاطب رسول الله صلى الله عليه و سلم قتلى بدر

(1/401)


{ ولوطا } وأرسلنا لوطا أي : واذكر لوطا { إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة } يعني : إتيان الذكور { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } قالوا : ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط

(1/401)


{ إنكم لتأتون الرجال } الآية

(1/401)


{ وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم } يعني : لوطا وأتباعه { إنهم أناس يتطهرون } عن إتيان الرجال في أدبارهم

(1/402)


{ فأنجيناه وأهله } ابنتيه { إلا امرأته كانت من الغابرين } الباقين في عذاب الله

(1/402)


{ وأمطرنا عليهم مطرا } يعني : حجارة

(1/402)


{ وإلى مدين } وهم قبيلة من ولد إبراهيم عليه السلام { قد جاءتكم بينة من ربكم } موعظة { فأوفوا الكيل والميزان } أتموهما وكانوا أهل كفر وبخس للمكيال والميزان { ولا تفسدوا في الأرض } لا تعملوا فيها بالمعاصي بعد أن أصلحها الله ببعثة شعيب والأمر بالعدل

(1/402)


{ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون } لا تقعدوا على طريق الناس فتخوفون أهل الإيمان بشعيب بالقتل ونحو ذلك وتأخذون ثياب من مر بكم من الغرباء { وتصدون عن سبيل الله من آمن به } وتصرفون عن الإسلام من آمن بشعيب { وتبغونها عوجا } تلتمسون لها الزيغ { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } بعد القلة وأعزكم بعد الذلة وذلك أنه كان مدين بن إبراهيم وزوجه ريثا بنت لوط فولدت حتى كثر عدد أولادها

(1/402)


{ وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين }

(1/403)


{ قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا } معناه أنهم قالوا لشعيب وأصحابه : ليكونن أحد الأمرين إما الإخراج من القرية أو عودكم في ملتنا ولا نفارقكم على مخالفتنا فقال شعيب : { أو لو كنا كارهين } أي : تجبروننا على العود في ملتكم وإن كرهنا ذلك ؟ وقوله :

(1/403)


{ وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } أي : إلا أن يكون قد سبق في علم الله وفي مشيئته أن نعود فيها { وسع ربنا كل شيء علما } علم ما يكون قبل أن يكون { ربنا افتح } احكم واقض { بيننا وبين قومنا بالحق } وقوله :

(1/403)


{ وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون }

(1/403)


{ فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين }

(1/403)


{ كأن لم يغنوا فيها } أي : لم يقيموا فيها ولم ينزلوا وقوله :

(1/403)


{ فكيف آسى على قوم كافرين } أي : كيف يشتد حزني عليهم ومعناه : الإنكار أي : لا آسى

(1/403)


{ وما أرسلنا في قرية } في مدينة { من نبي } فكذبه أهلها { إلا أخذنا } هم { بالبأساء والضراء } بالفقر والجوع { لعلهم يضرعون } كي يستكينوا ويرجعوا

(1/404)


{ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة } بدل البؤس والمرض الغنى والصحة { حتى عفوا } كثروا وسمنوا وسمنت أموالهم { وقالوا } من غرتهم وجهلهم : { قد مس آباءنا الضراء والسراء } قد أصاب آباءنا في الدهر مثل ما أصابنا وتلك عادة الدهر ولم يكن ما مسنا عقوبة من الله فكونوا على ما أنتم عليه فلما فسدوا على الأمرين جميعا أخذهم الله بغتة { وهم لا يشعرون } بنزول العذاب وهذا تخويف لمشركي قريش

(1/404)


{ ولو أن أهل القرى آمنوا } وحدوا الله { واتقوا } الشرك { لفتحنا عليهم بركات من السماء } بالمطر { و } من { الأرض } بالنبات والثمار { ولكن كذبوا } الرسل { فأخذناهم } بالجدوبة والقحط { بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعصية

(1/404)


{ أفأمن أهل القرى } يعني : أهل مكة وما حولها ومعنى هذه الآية وما بعدها : أنه لا يجوز لهم أن يأمنوا ليلا ولا نهارا بعد تكذيب محمد صلى الله عليه و سلم وقوله :

(1/404)


{ وهم يلعبون } أي : وهم في غير ما يجدي عليهم

(1/404)


{ أفأمنوا مكر الله } عذاب الله أن يأتيهم بغتة

(1/404)


{ أولم يهد } يتبين { للذين يرثون الأرض من بعد أهلها } كفار مكة ومن حولهم { أن لو نشاء أصبناهم } عذبناهم { بذنوبهم } ثم { ونطبع على قلوبهم } حتى يموتوا على الكفر فيدخلوا النار والمعنى : ألم يعلموا أنا لو نشاء فعلنا ذلك

(1/400)


{ تلك القرى } التي أهلكت أهلها { نقص عليك من أنبائها } نتلو عليك من أخبارها كيف أهلكت { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات } يعني : الذين أرسلوا إليهم { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عندإرسال الرسل بما كذبوا يوم أخذ ميثاقهم فأقروا بلسانهم وأضمروا التكذيب { كذلك } أي : مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم { يطبع الله على قلوب الكافرين } الذين كتب عليهم ألا يؤمنوا أبدا

(1/405)


{ وما وجدنا لأكثرهم من عهد } يعني : الوفاء بالعهد الذي عاهدهم يوم الميثاق

(1/405)


{ ثم بعثنا من بعدهم } الأنبياء الذين جرى ذكرهم { موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها } فجحدوا بها وكذبوا { فانظر } بعين قلبك { كيف كان } عاقبتهم وكيف فعلنا بهم وقوله :

(1/405)


{ وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين }

(1/405)


{ حقيق على أن لا أقول } أي : أنا حقيق بأن لا أقول { على الله إلا } ما هو { الحق } وهو أنه واحد لا شريك له { قد جئتكم ببينة من ربكم } أي : بأمر من ربكم وهو العصا { فأرسل معي بني إسرائيل } أ ي : أطلق عليهم وخلهم وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة وقوله :

(1/405)


{ قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين }

(1/405)


{ فإذا هي } أي : العصا { ثعبان } وهو أعظم ما يكون من الحيات { مبين } بين أنه حية لا لبس فيه

(1/406)


{ ونزع يده } أخرجها من جيبه

(1/406)


{ قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم }

(1/406)


{ يريد أن يخرجكم من أرضكم } هذا قول الأشراف من قوم فرعون قالوا : يريد موسى أن يخرجكم معشر القبط من أرضكم ويزيل ملككم بتقوية عدوكم بني إسرائيل فقال فرعون لهم : { فماذا تأمرون } أيش تشيرون به علي ؟

(1/406)


{ قالوا أرجه وأخاه } أخر أمره وأمر أخيه ولا تعجل { وأرسل في المدائن } في مدائن صعيد مصر { حاشرين } رجالا يحشرون إليك من في الصعيد من السحرة فأرسل { وجاء السحرة فرعون } وطالبوه بالمال والجوائز إن غلبوه فأجابهم فرعون إلى ذلك وهو قوله :

(1/406)


{ يأتوك بكل ساحر عليم }

(1/406)


{ وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين }

(1/406)


{ قال نعم وإنكم لمن المقربين } أي : ولكم من الأجر المنزلة الرفيعة عندي

(1/406)


{ قالوا يا موسى إما أن تلقي } عصاك { وإما أن نكون نحن الملقين } ما معنا من الحبال والعصي

(1/406)


{ قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم } قلبوها عن صحة إدراكها حيث رأوها حيات { وجاؤوا بسحر عظيم } وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا فإذا هي حيات قد ملأت الوادي

(1/407)


{ وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف } تبتلع { ما يأفكون } يكذبون فيه وذلك أنهم زعموا أن عصيهم وحبالهم حيات وكذبوا في ذلك

(1/407)


{ فوقع الحق } ظهر وغلب

(1/407)


{ فغلبوا هنالك وانقلبوا } وانصرفوا { صاغرين } ذليلين

(1/407)


{ وألقي السحرة ساجدين } خروا لله عابدين سامعين مطيعين

(1/407)


{ قالوا آمنا برب العالمين }

(1/407)


{ رب موسى وهارون }

(1/407)


{ قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم } أصدقتم موسى من قبل أمري إياكم ؟ ! { إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة } لصنيع صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع { لتخرجوا منها أهلها } لتستولوا على مصر فتخرجوا منها أهلها وتتغلبوا عليها بسحركم { فسوف تعلمون } ما يظهر لكم

(1/407)


{ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } على مخالفة وهو أن يقطع من كل شق طرف

(1/407)


{ قالوا إنا إلى ربنا منقلبون } راجعون بالتوحيد والإخلاص

(1/407)


{ وما تنقم منا } وما تطعن علينا ولا تكره منا { إلا أن آمنا بآيات ربنا } ما أتى به موسى من العصا واليد { ربنا أفرغ علينا صبرا } اصبب علينا الصبر عند الصلب والقطع حتى لا نرجع كفارا { وتوفنا مسلمين } على دين موسى ثم أغرى الملأ من قوم فرعون بموسى فقالوا :

(1/408)


{ أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض } ليدعوا الناس إلى مخالفتك وعبادة غيرك { ويذرك وآلهتك } وذلك أن فرعون كان قد صنع لقومه أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها وقال : أنا ربكم ورب هذه الأصنام فلذلك قوله : { أنا ربكم الأعلى } فقال فرعون : { سنقتل أبناءهم } وكان قد ترك قتل أبناء بني إسرائيل فلما كان من أمر موسى ما كان أعاد عليهم القتل فذلك قوله : { سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم } للمهنة والخدمة { وإنا فوقهم قاهرون } وإنا على ذلك قادرون فشكا بنو إسرائيل إلى موسى إعادة القتل على إبنائهم فقال لهم موسى :

(1/408)


{ استعينوا بالله واصبروا } على ما يفعل بكم { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده } أطمعهم موسى أن يعطيهم الله ملكهم ومالهم { والعاقبة للمتقين } أي : الجنة لمن اتقى وقيل النصر والظفر

(1/408)


{ قالوا أوذينا } بالقتل الأول { من قبل أن تأتينا } بالرسالة { ومن بعد ما جئتنا } بإعادة القتل علينا والإتعاب في العمل { قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم } فرعون وقومه { ويستخلفكم في الأرض } يملككم ما كان يملك فرعون { فينظر كيف تعملون } فيرى ذلك لوقوع ذلك منكم

(1/408)


{ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين } بالجدوب لأهل البوادي { ونقص من الثمرات } لأهل القرى وصرفنا الآيات : بيناها لهم من كل نوع { لعلهم يذكرون } كي يتعظوا

(1/409)


{ فإذا جاءتهم الحسنة } الخصب وسعة الرزق { قالوا لنا هذه } أي : إنا مستحقوه على العادة التي جرت لنا من النعمة ولم يعلموا أنه من الله فيشكروا عليه { وإن تصبهم سيئة } قحط وجدب { يطيروا } يتشاءموا { بموسى } وقومه وقالوا : إنما أصابنا هذا الشر بشؤمهم { ألا إنما طائرهم عند الله } شؤمهم جاءهم بكفرهم بالله { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الذي أصابهم من الله

(1/409)


{ وقالوا } بموسى : { مهما تأتنا به } أي : متى ما تأتنا به { من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين } فدعا عليهم موسى فأرسل الله عليهم السماء بالماء حتى امتلأت بيوت القبط ماء ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة فذلك قوله :

(1/409)


{ فأرسلنا عليهم الطوفان } ودام ذلك سبعة أيام فقالوا : { يا موسى ادع لنا ربك } يكشف عنا فنؤمن لك فدعا ربه فكشف فلم يؤمنوا فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم فوعدوه أن يؤمنوا إن كشف عنهم فكشف فلم يؤمنوا فبعث الله عليهم القمل وهو الدباء الصغار البق التي لا أجنحة لها فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم فصرخوا فكشف عنهم فلم يؤمنوا فعادوا بكفرهم فأرسل الله عليهم الضفادع تدخل في طعامهم وشرابهم فعاهدوا موسى أن يؤمنوا فكشف عنهم فعادوا لكفرهم فأرسل الله عليهم الدم فسال النيل عليهم دما وصارت مياههم كلها دما فذلك قوله : { آيات مفصلات } مبينات { فاستكبروا } عن عبادة الله

(1/409)


{ ولما وقع عليهم الرجز } أي : العذاب وهو ما كانوا فيه من الجراد وما ذكر بعده { قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك } بما أوصاك به وتقدم إليك أن تدعوه به { لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل } وقوله :

(1/410)


{ إلى أجل هم بالغوه } يعني : إلى الأجل الذي غرقهم فيه { إذا هم ينكثون } ينقضون العهد ولا يوفون

(1/410)


{ فانتقمنا منهم } سلبنا نعمتهم بالعذاب { فأغرقناهم في اليم } في البحر { بأنهم كذبوا بآياتنا } جزاء تكذيبهم { وكانوا عنها غافلين } غير معتبرين بها

(1/410)


{ وأورثنا القوم } ملكناهم { الذين كانوا يستضعفون } بقتل أبنائهم واستخدام نسائهم { مشارق الأرض ومغاربها } جهات شرق أرض الشام وجهات غربها { التي باركنا فيها } بإخراج الزروع والثمار والأنهار والعيون { وتمت كلمة ربك الحسنى } مواعيده التي لا خلف فيها بما كانوا يحبون وذلك جزاء صبرهم على صنيع فرعون { ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه } أهلكنا ما عمل فرعون وقومه في أرض مصر { وما كانوا يعرشون } وما بنوا المنازل والبيوت

(1/410)


{ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } عبرنا بهم البحر { فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم } يعبدونها مقيمين عليها { قالوا يا موسى اجعل لنا إلها } من دون الله { كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون } نعمة الله عليكم وما صنع بكم حيث توهمتم أنه يجوز عبادة غيره

(1/411)


{ إن هؤلاء } يعني : الذين عكفوا على أصنامهم { متبر ما هم فيه } مهلك ومدمر { وباطل ما كانوا يعملون } يعني : إن عملهم للشيطان ليس لله فيه نصيب

(1/411)


{ قال أغير الله أبغيكم } أطلب لكم { إلها } معبودا { وهو فضلكم على العالمين } على عالمي زمانكم بما أعطاكم من الكرامات

(1/411)


{ وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم }

(1/411)


{ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة } يترقب انقضاءها للمناجاة وهي ذو القعدة أمره الله تعالى أن يصوم فيها فلما انسلخ الشهر استاك لمناجاة ربه يريد إزالة الخلوف فأمر بصيام عشرة من ذي الحجة ليكلمه بخلوف فيه فذلك قوله : { وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه } أي : الوقت الذي قدره الله لصوم موسى { أربعين ليلة } فلما أراد الانطلاق إلى الجبل استخلف أخاه هارون على قومه وهو معنى قوله : { وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح } أي : وارفق بهم { ولا تتبع سبيل المفسدين } لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره

(1/411)


{ ولما جاء موسى لميقاتنا } أي : في الوقت الذي وقتنا له { وكلمه ربه } فلما سمع كلام الله { قال رب أرني } نفسك { أنظر إليك } والمعنى : إني قد سمعت كلامك فأنا أحب أن أراك { قال لن تراني } في الدنيا { ولكن } أجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك وهو الجبل { فإن استقر مكانه } أي : سكن وثبت { فسوف تراني } وإن لم يستقر مكانه فإنك لا تطيق رؤيتي كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي { فلما تجلى ربه } أي : ظهر وبان { جعله دكا } أي : مدقوقا مع الأرض كسرا ترابا { وخر } وسقط { موسى صعقا } مغشيا عليه { فلما أفاق قال سبحانك } تنزيها لك من السوء { تبت إليك } من مسألتي الرؤية في الدنيا { وأنا أول المؤمنين } أول قومي إيمانا

(1/412)


{ قال يا موسى إني اصطفيتك } اتخذتك صفوة { على الناس برسالاتي } أي : بوحيي إليك { وبكلامي } كلمتك من غير واسطة { فخذ ما آتيتك } من الشرف والفضيلة { وكن من الشاكرين } لأنعمي في الدنيا والآخرة

(1/412)


{ وكتبنا له في الألواح } يعني : ألواح التوراة { من كل شيء } يحتاج إليه في أمر دينه { موعظة } نهيا عن الجهل { وتفصيلا لكل شيء } من الحلال والحرام { فخذها } أي : وقلنا له : فخذها { بقوة } بجد وصحة وعزيمة { وأمر قومك } أن { يأخذوا بأحسنها } أي : بحسنها وكلها حسن { سأريكم دار الفاسقين } يعني : جهنم أي : ولتكن على ذكر منكم لتحذروا أن تكونوا منهم

(1/412)


{ سأصرف عن آياتي } يعني : السماوات والأرض أصرفهم عن الاعتبار بما فيها { الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } يعني : المشركين يقول : أعاقبهم بحرمان الهداية { وإن يروا سبيل الرشد } الهدى والبيان الذي حاء من الله { لا يتخذوه سبيلا } دينا { وإن يروا سبيل الغي } طاعة الشيطان { يتخذوه سبيلا } دينا { ذلك } فعل الله بهم { بأنهم كذبوا بآياتنا } جحدوا الإيمان بها { وكانوا عنها غافلين } غير ناظرين فيها ولا معتبرين بها

(1/413)


{ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } يريد : الثواب والعقاب { حبطت أعمالهم } ضل سعيهم { هل يجزون إلا ما } أي : جزاء ما { كانوا يعملون }

(1/413)


{ واتخذ قوم موسى من بعده } أي : من بعد انطلاقه إلى الجبل { من حليهم } التي بقيت في أيديهم مما استعاروه من القبط { عجلا جسدا } لحما ودما { له خوار } صوت { ألم يروا } يعني : قوم موسى { أنه } أن العجل { لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا } لا يرشدهم إلى دين { اتخذوه } أي : إلها ومعبودا { وكانوا ظالمين } مشركين

(1/413)


{ ولما سقط في أيديهم } أي : ندموا على عبادتهم العجل { ورأوا أنهم قد ضلوا } قد ابتلوا بمعصية الله وهذا كان بعد رجوع موسى إليهم

(1/414)


{ ولما رجع موسى إلى قومه غضبان } عليهم { أسفا } حزينا لأن الله تعالى فتنهم { قال بئسما خلفتموني من بعدي } بئسما عملتم من بعدي حين اتخذتم العجل إلها وكفرتم بالله { أعجلتم أمر ربكم } أسبقتم باتخاذ العجل ميعاد ربكم ؟ يعني : الأربعين ليلة وذلك أنه كان قد وعدهم أن يأتيهم بعد ثلاثين ليلة فلما لم يأتيهم على رأس الثلاثين قالوا : إنه قد مات { وألقى الألواح } التي فيها التوراة { وأخذ برأس أخيه } بذؤابته وشعره { يجره إليه } إنكارا عليه إذ لم يلحقه فيعرفه ما فعل بنو إسرائيل كما قال في سورة طه : { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * أن لا تتبعن } الآية فأعلمه هارون أنه إنما أقام بين أظهرهم خوفا على نفسه من القتل وهو قوله : { قال ابن أم } وكان أخاه لأبيه وأمه ولكنه قال : يا ابن أم ليرققه عليه { إن القوم استضعفوني } استذلوني وقهروني { وكادوا } وهموا أن { يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء } يعني : أصحاب العجل بضربي وإهانتي { ولا تجعلني } في موجدتك وعقوبتك لي { مع القوم الظالمين } الذين عبدوا العجل فلما عرف براءة هارون مما يوجب العتب عليه إذ بلغ من إنكاره على عبدة العجل ما خاف على نفسه القتل

(1/414)


{ قال رب اغفر لي } ما صنعت إلى أخي { ولأخي } إن قصر في الإنكار { وأدخلنا في رحمتك } جنتك

(1/414)


{ إن الذين اتخذوا العجل } يعني : اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه و سلم وهم أبناء الذين اتخذوا العجل إلها فأضيف إليهم تعييرا لهم بفعل آبائهم { سينالهم غضب من ربهم } عذاب في الآخرة { وذلة في الحياة الدنيا } وهي الجزية { وكذلك نجزي المفترين } كذلك أعاقب من اتخذ إلها دوني

(1/415)


{ والذين عملوا السيئات } الشرك { ثم تابوا } رجعوا عنها { وآمنوا } صدقوا أنه لا إله غيري { إن ربك من بعدها } من بعد التوبة { لغفور رحيم }

(1/415)


{ ولما سكت } سكن { عن موسى الغضب أخذ الألواح } التي كان ألقاها { وفي نسختها } وفيما كتب فيها : { هدى } من الضلالة { ورحمة } من العذاب { للذين هم لربهم يرهبون } للخائفين من ربهم

(1/415)


{ واختار موسى قومه } من قومه { سبعين رجلا لميقاتنا } أمره الله تعالى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعده لذلك موعدا فاختار موسى سبعين رجلا ليعتذروا فلما سمعوا كلام الله قالوا لموسى : أرنا الله جهرة فأخذتهم { الرجفة } وهي الحركة الشديدة فماتوا جميعا فقال موسى : { رب لو شئت أهلكتهم } وإياي قبل خروجنا للميقات وكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني وظن أنهم أهلكوا باتخاذ أصحابهم العجل فقال : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } وإنما أهلكوا لمسألتهم الرؤية { إن هي إلا فتنتك } أي : تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لو تكن إلا فتنتك أي : اختبارك وابتلاؤك أضللت بها قوما فافتتنوا وعصمت آخرين وهذا معنى قوله : { تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء }

(1/415)


{ واكتب لنا } أوجب لنا { في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة } أي : اقبل وفادتنا وردنا بالمغفرة والرحمة { إنا هدنا إليك } تبنا ورجعنا إليك بالتوبة { قال عذابي أصيب به من أشاء } يعني : إن رحمته في الدنيا وسعت البر والفاجر وهي في الآخرة للمؤمنين خاصة وهذا معنى قوله : { فسأكتبها } فسأوجبها في الآخرة { للذين يتقون } يريد : أمة محمد صلى الله عليه و سلم { ويؤتون الزكاة } صدقات الأموال عند محلها { والذين هم بآياتنا يؤمنون } يصدقون بما أنزل على محمد والنبيين

(1/416)


{ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ وكانت هذه الخلة مؤكدة لمعجزته في القرآن { الذي يجدونه } بنعته وصفته { مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف } بالتوحيد وشرائع الإسلام { وينهاهم عن المنكر } عبادة الأوثان وما لا يعرف في شريعة { ويحل لهم الطيبات } يعني : ما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل وشحوم الضأن { ويحرم عليهم الخبائث } الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة { ويضع عنهم إصرهم } ويسقط عنهم ثقل العهد الذي أخذ عليهم { والأغلال التي كانت عليهم } الشدائد التي كانت عليهم كقطع أثر البول وقتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة { فالذين آمنوا به } من اليهود { وعزروه } ووقروه { ونصروه } على عدوه { واتبعوا النور الذي أنزل معه } يعني : القرآن الآيتين

(1/416)


{ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون }

(1/417)


{ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق } يدعون إلى الحق { وبه يعدلون } وبالحق يحكمون وهم قوم وراء الصين آمنوا بالنبي صلى الله عليه و سلم لا يصل إلينا منهم أحد ولا منا إليهم وقوله :

(1/417)


{ فانبجست } أي : انفجرت وهذه الآية مفسرة في سورة اليقرة إلى قوله :

(1/417)


{ وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين }

(1/418)


{ فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون }

(1/418)


{ واسألهم } يعني : سؤال توبيخ وتقرير { عن القرية } وهي أيلة { التي كانت حاضرة البحر } مجاورته { إذ يعدون في السبت } يظلمون فيه بصيد السمك { إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا } ظاهرة على الماء { ويوم لا يسبتون } لا يفعلون ما يفعل في السبت يعني : سائر الأيام { لا تأتيهم } الحيتان { كذلك } مثل هذا الاختبار الشديد { نبلوهم } نختبرهم { بما كانوا يفسقون } بعصيانهم الله أي : شددت عليهم المحنة لفسقهم ولما فعلوا ذلك صار أهل القرية ثلاث فلاق : فرقة صادت وأكلت وفرقة نهت وزجرت وفرقة أمسكت عن الصيد وهم الذين قال الله تعالى :

(1/418)


{ وإذ قالت أمة منهم } قالوا للفرقة الناهية : { لم تعظون قوما الله مهلكهم } لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير مقلعين فقالت الفرقة الناهية للذين لاموهم : { معذرة إلى ربكم } أي : الأمر بالمعروف واجب علينا فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى الله { ولعلهم يتقون } فيتركون الصيد في السبت

(1/418)


{ فلما نسوا ما ذكروا به } تركوا ما وعظوا به { أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا } اعتدوا في السبت { بعذاب بئيس } شديد وهو المسخ جزاء لفسقهم وخروجهم عن أمر الله

(1/418)


{ فلما عتوا } أي : طغوا واستكبروا { عن ما نهوا عنه } أي : عن ترك ما نهوا عنه من صيد الحيتان يوم السبت { قلنا لهم } الآية مفسرة في سورة البقرة

(1/419)


{ وإذ تأذن ربك } قال وأعلم ربك { ليبعثن } ليرسلن { عليهم } على اليهود { من يسومهم } أي : يذيقهم { سوء العذاب } إلى يوم القيامة يعني : محمدا صلى الله عليه و سلم وأمته يقاتلونهم أو يعطون الجزية { إن ربك لسريع العقاب } لمن استحق تعجيله

(1/419)


{ وقطعناهم في الأرض أمما } فرقناهم في البلاد فلم يجتمع لهم كلمة { منهم الصالحون } وهم الذين آمنوا { ومنهم دون ذلك } الذين كفروا { وبلوناهم } عاملناهم معاملة المختبر { بالحسنات } بالخصب والعافية { والسيئات } الجدب والشدائد { لعلهم يرجعون } كي يتوبوا

(1/419)


{ فخلف من بعدهم خلف } من بعد هؤلاء الذين قطعناهم خلف من اليهود يعني : أولادهم { ورثوا الكتاب } أخذوه عن آبائهم { يأخذون عرض هذا الأدنى } يأخذون ما أشرف لهم من الدنيا حلالا أو حراما { ويقولون سيغفر لنا } ويتمنون على الله المغفرة { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } وإن أصابوا عرضا أي : متاعا من الدنيا مثل رشوتهم تلك التي أصابوا بالأمس قبلوه وهذا إخبار عن حرصهم على الدنيا { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق } وأكد الله عليهم في التوراة ألا يقولوا على الله إلا الحق فقالوا الباطل وهو قولهم : { سيغفر لنا } وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار { ودرسوا ما فيه } أي : فهم ذاكرون لما أخذ عليهم من الميثاق لأنهم قد قرؤوه

(1/419)


{ والذين يمسكون بالكتاب } يؤمنون به ويحكمون بما فيه يعني : مؤمني أهل الكتاب { وأقاموا الصلاة } التي شرعها محمد صلى الله عليه و سلم { إنا لا نضيع أجر المصلحين } منهم

(1/420)


{ وإذ نتقنا الجبل فوقهم } رفعناه باقتلاع له من أصله يعني : ما ذكرنا عند قوله : { ورفعنا فوقكم الطور } الآية { وظنوا } وأيقنوا { أنه واقع بهم } إن خالفوا وباقي الآية فيما سبق

(1/420)


{ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } أخرج الله تعالى ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء وجميع ذلك أخرجه من صلب آدم مثل الذر وأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون فاعترفوا بذلك وقبلوا ذلك بعد أن ركب فيهم عقولا وذلك قوله : { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم } أي : قال : ألست بربكم { قالوا بلى } فأقروا له بالربوبية فقالت الملائكة عند ذلك { شهدنا } أي : على إقراركم { أن } لا { تقولوا } لئلا تقولوا أي : لئلا يقول الكفار { يوم القيامة إنا كنا عن هذا } الميثاق { غافلين } لم نحفظه ولم نذكره ويذكرون الميثاق ذلك اليوم فلا يمكنهم الإنكار مع شهادة الملائكة وهذه الآية تذكير لجميع المكلفين ذلك الميثاق لأنها وردت على لسان صاحب المعجزة فقامت في النفوس مقام ما هو على ذكر منها

(1/420)


{ أو تقولوا } أيها الذرية محتجين يوم القيامة : { إنما أشرك آباؤنا من قبل } أي : قبلنا ونقضوا العهد { وكنا ذرية من بعدهم } صغارا فاقتدينا بهم { أفتهلكنا بما فعل المبطلون } أفتعذبنا بما فعل المشركون المكذبون بالتوحيد وإنما اقتدينا بهم وكنا في غفلة عن الميثاق وهذه الآية قطع لمعذرتهم فلا يمكنهم الاحتجاج بكون الآباء على الشرك بعد تذكير الله بأخذ الميثاق بالتوحيد على كل واحد من الذرية

(1/421)


{ وكذلك } وكما بينا في أمر الميثاق { نفصل الآيات } نبينها ليتدبها العباد { ولعلهم يرجعون } ولكي يرجعوا عما هم عليه من الكفر

(1/421)


{ واتل عليهم } واقرأ واقصص يا محمد على قومك { نبأ } حبر { الذي آتيناه آياتنا } علمناه حجج التوحيد { فانسلخ } خرج { منها فأتبعه الشيطان } أدركه { فكان من الغاوين } الضالين يعني : بلعم بن باعوراء أعان أعداء الله على أوليائه بدعائه فنزع عنه الإيمان

(1/421)


{ ولو شئنا لرفعناه بها } بالعمل بها يعني : وفقناه للعمل بالآيات وكنا نرفع بذلك منزلته { ولكنه أخلد إلى الأرض } مال إلى الدنيا وسكن إليها وذلك أن قومه أهدوا له رشوة ليدعو على قوم موسى فأخذها { واتبع هواه } انقاد لما دعاه إليه الهوى { فمثله كمثل الكلب } أراد أن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر وإن تركته لم يهتد فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب اللاهث فإنه إن حمل عليه بالطرد كان لاهثا وإن ترك وربض كان أيضا لاهثا كهذا الكافر في الحالتين ضال وذلك أنه زجر في المنام عن الدعاء على موسى فلم ينزجر وترك عن الزجر فلم يهتد فضرب الله له أخس شيء في أخس أحواله وهو حال اللهث مثلا وهو إدلاع اللسان من الإعياء والعطش والطلب يفعل ذلك في حال الكلال وحال الراحة ثم عم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات الله فقال : { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } يعني : أهل مكة كانوا يتمنون هاديا يهديهم فلما جاءهم من لا يشكون في صدقه كذبوه فلم يهتدوا لما تركوا ولم يهتدوا أيضا لما دعوا بالرسول فكانوا ضالين عن الرشد في الحالتين { فاقصص القصص } يعني : قصص الذين كذبوا بآياتنا { لعلهم يتفكرون } فيتعظون ثم ذم مثلهم فقال :

(1/421)


{ ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا } أ ي : بئس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا { وأنفسهم كانوا يظلمون } بذلك التكذيب يعني : إنما يخسرون حظهم

(1/422)


{ من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون }

(1/422)


{ ولقد ذرأنا } خلقنا { لجهنم كثيرا من الجن والإنس } وهم الذين حقت عليهم الشقاوة { لهم قلوب لا يفقهون بها } لا يعقلون بها الحير والهدى { ولهم أعين لا يبصرون بها } سبل الهدى { ولهم آذان لا يسمعون بها } مواعظ القرآن { أولئك كالأنعام } يأكلون ويشربون ولا يلتفتون إلى الآخرة { بل هم أضل } لأن الأنعام مطيعة لله والكافر غير مطيع { أولئك هم الغافلون } عما في الآخرة من العذاب

(1/422)


{ ولله الأسماء الحسنى } يعني : التسعة والتسعين { فادعوه بها } كقولك : يا الله يا قدير يا عليم { وذروا الذين يلحدون في أسمائه } يميلون عن القصد وهم المشركون عدلوا بأسماء الله عما هي عليه فسموا بها أوثانهم وزادوا فيها ونفصوا واشتقوا اللات من الله والعزى من العزيز ومناة من المنان { سيجزون ما كانوا يعملون } جزاء ما كانوا يعملون في الآخرة

(1/423)


{ وممن خلقنا أمة } الآية يعني : أمة محمد صلى الله عليه و سلم كما قال في قوم موسى عليه السلام : { ومن قوم موسى أمة } الآية

(1/423)


{ والذين كذبوا بآياتنا } محمد والقرآن يعني : أهل مكة { سنستدرجهم } سنمكر بهم { من حيث لا يعلمون } كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة

(1/423)


{ وأملي لهم } أطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في المعاصي { إن كيدي متين } مكري شديد نزلت في المستهزئين من قريش قتلهم الله في ليلة واحدة بعد أن أمهلهم طويلا

(1/423)


{ أولم يتفكروا } فيعلموا { ما بصاحبهم } محمد { من جنة } من جنون

(1/424)


{ أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } ليستدلوا بها على توحيد الله وفسرنا ملكوت السماوات والأرض في سورة الأنعام { وما خلق الله من شيء } وفيما خلق الله من الأشياء كلها { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } وفي أن لعل آجالهم قريبة فيهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار { فبأي حديث بعده يؤمنون } فبأي قرآن غير ما جاء به محمد يصدقون ؟ يعني : إنه خاتم الرسل ولا وحي بعده ثم ذكر علة إعراضهم عن الإيمان فقال :

(1/424)


{ من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون }

(1/424)


{ يسألونك عن الساعة } أي : الساعة التي يموت فيها الخلق يعني : القيامة نزلت في قريش قالت لمحمد صلى الله عليه و سلم : أسر إلينا متى الساعة { أيان مرساها } متى وقوعها وثبوتها ؟ { قل إنما علمها } العلم بوقتها ووقوعها { عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو } لا يظهرها في وقتها إلا هو { ثقلت في السماوات والأرض } ثقل وقوعها وكبر على أهل السماوات والأرض لما فيها من الأهوال { لا تأتيكم إلا بغتة } فجأة { يسألونك كأنك حفي عنها } عالم بها مسؤول عنها { قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أن علمها عند الله حين سألوا محمدا عن ذلك

(1/424)


{ قل لا أملك لنفسي } الآية إن أهل مكة قالوا : يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فنستري من الرخيص لنربح عليه ؟ وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرتحل عنها ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ومعنى قوله : { لا أملك لنفسي نفعا } أي : اجتلاب نفع بأن أربح { ولا ضرا } دفع ضر بأن أرتحل من الأرض التي تريد أن تجدب { إلا ما شاء الله } أن أملكه بتمليكه { ولو كنت أعلم الغيب } ما يكون قبل أن يكون { لاستكثرت من الخير } لادخرت في زمان الخصب لزمن الجدب { وما مسني السوء } وما أصابني الضر والفقر { إن أنا إلا نذير } لمن يصدق ما جئت به { وبشير } لمن اتبعني وآمن بي

(1/425)


{ هو الذي خلقكم من نفس واحدة } يعني : آدم { وجعل منها زوجها } حواء خلقها من ضلعه { ليسكن إليها } ليأنس بها فيأوي إليها { فلما تغشاها } جامعها { حملت حملا خفيفا } يعني : النطفة والمني { فمرت به } استمرت بذلك الحمل الخفيف وقامت وقعدت ولم يثقلها { فلما أثقلت } صار إلى حال الثقل ودنت ولادتها { دعوا الله ربهما } آدم وحواء { لئن آتيتنا صالحا } بشرا سويا مثلنا { لنكونن من الشاكرين } وذلك أن إبليس أتاها في غير صورته التي عرفته وقال لها : ما الذي في بطنك ؟ قالت : ما أدري قال : إني أخاف أن يكون بهيمة أو كلبا أو خنزيرا وذكرت ذلك لآدم فلم يزالا في هم من ذلك ثم أتاها وقال : إن سألت الله أن يجعله خلقا سويا مثلك أتسمينه عبد الحارث ؟ وكان إبليس في الملائكة الحارث ولم يزل بها حتى غرها فلما ولدت ولدا سوي الخلق سمته عبد الحارث فرضي آدم فذلك قوله :

(1/425)


{ فلما آتاهما صالحا } ولدا سويا { جعلا له } لله { شركاء } يعني : إبليس فأوقع الواحد موقع الجميع { فيما آتاهما } من الولد إذ سمياه عبد الحارث ولا ينبغي أن يكون عبدا إلا لله ولم تعرف حواء أنه إبليس ولم يكن هذا شركا بالله لأنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما لكنهما قصدا إلى أنه كان سبب نجاته وتم الكلام عند قوله : فيما { آتاهما } ثم ذكر كفار مكة فقال : { فتعالى الله عما يشركون }

(1/426)


{ أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون } يريد : أيعبدون ما لا يقدر أن يخلق شيئا وهم مخلوقون ! على الأصنام

(1/426)


{ ولا يستطيعون لهم نصرا } لا تنصر من أطاعها { ولا أنفسهم ينصرون } ولا يدفعون عن أنفسهم مكروه من أرادهم بكسر أو نحوه ثم خاطب المؤمنين فقال :

(1/426)


{ وإن تدعوهم } يعني : المشركين { إلى الهدى لا يتبعوكم } الآية

(1/427)


{ إن الذين تدعون من دون الله } يعني : الأصنام { عباد } مملوكون مخلوقون { أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم } فاعبدوهم هل يثيبونكم أو يجازونكم ! ؟ { إن كنتم صادقين } أن لكم عند الأصنام منفعة أو ثوابا أو شفاعة ثم بين فضل الآدمي عليهم فقال :

(1/427)


{ ألهم أرجل يمشون بها } مشي بني آدم { أم لهم أيد يبطشون بها } يتناولون بها مثل بطش بني آدم { أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم } الذين تعبدون من دون الله { ثم كيدون } أنتم وشركاؤكم { فلا تنظرون } لا تمهلون واعجلوا في كيدي

(1/427)


{ إن وليي الله } الذي يتولى حفظي ونصري { الذي نزل الكتاب } القرآن { وهو يتولى الصالحين } الذين لا يعدلون بالله شيئا وقوله :

(1/427)


{ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون }

(1/427)


{ وتراهم ينظرون إليك } تحسبهم يرونك { وهم لا يبصرون } وذلك لأن لها أعينا مصنوعة مركبة بالجواهر حتى يحسب الإنسان أنها تنظر إليه

(1/427)


{ خذ العفو } اقبل الميسور من أخلاق الناس ولا تستقص عليهم وقيل : هو أن يعفو عمن ظلمه ويصل من قطعه { وأمر بالعرف } المعروف الذي يعرف حسنة كل أحد { وأعرض عن الجاهلين } لا تقابل السفيه بسفهه فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : كيف يا رب والغضب ؟ فنزل :

(1/427)


{ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } يعرض لك من الشيطان عارض ونالك منه أدنى وسوسة { فاستعذ بالله } اطلب النجاة من تلك البلية بالله { إنه سميع } لدعائك { عليم } عالم بما عرض لك

(1/428)


{ إن الذين اتقوا } يعني : المؤمنين { إذا مسهم } أصابهم { طائف من الشيطان } عارض من وسوسته { تذكروا } استعاذوا بالله { فإذا هم مبصرون } مواقع خطئهم فينزعون من مخالفة الله

(1/428)


{ وإخوانهم } يعني : الكفار وهم إخوان الشياطين { يمدونهم } أي : الشياطين يطولون لهم الإغواء والضلالة { ثم لا يقصرون } عن الضلالة ولا يبصرونها كما أقصر المتقي عنها حين أبصرها

(1/428)


{ وإذا لم تأتهم } يعني : أهل مكة { بآية } سألوكها { قالوا لولا اجتبيتها } اختلقتها وأنشأتها من قبل نفسك { قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } أي : لست آتي بالآيات من قبل نفسي { هذا } أي : هذا القرآن الذي أتيت به { بصائر من ربكم } حجج ودلائل تعود إلى الحق

(1/428)


{ وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } الآية نزلت في تحريم الكلام في الصلاة وكانوا يتكلمون في الصلاة في بدء الأمر وقيل : نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام وقيل : نزلت في السكوت للخطبة وقوله : { وأنصتوا } أي : عما يحرم من الكلام في الصلاة أو عن رفع الصوت خلف الإمام أو اسكتوا لاستماع الخطبة

(1/429)


{ واذكر ربك في نفسك } يعني : القراءة في الصلاة { تضرعا وخيفة } استكانة لي وخوفا من عذابي { ودون الجهر } دون الرفع { من القول بالغدو والآصال } بالبكر والعشيات أمر أن يقرأ في نفسه في صلاة الإسرار ودون الجهر فيما يرفع به الصوت { ولا تكن من الغافلين } الذين لا يقرؤون في صلاتهم

(1/429)


{ إن الذين عند ربك } يعني : الملائكة وهم بالقرب من رحمة الله { لا يستكبرون عن عبادته } أي : هم مع منزلتهم ودرجتهم يعبدون الله كأنه قيل : من هو أكبر منك أيها الإنسان لا يستكبر عن عبادة الله { ويسبحونه } ينزهونه عن السوء { وله يسجدون }

(1/429)


{ يسألونك عن الأنفال } الغنائم لمن هي ؟ نزلت حسن اختلفوا في غنائم بدر فقال الشبان : هي لنا لأنا باشرنا الحرب وقالت الأشياخ : كنا رداءا لكم لأنا وقفنا في المصاف مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا فلا تذهبوا بالغنائم دوننا فأنزل الله تعالى : { قل الأنفال لله والرسول } يضعها حيث يشاء من غير مشاركة فيها فقسمها بينهم على السواء { فاتقوا الله } بطاعته واجتناب معاصيه { وأصلحوا ذات بينكم } حقيقة وصلكم أي : لا تخالفوا { وأطيعوا الله ورسوله } سلموا لهما في الأنفال فإنهما يحكمان فيها ما أرادا { إن كنتم مؤمنين } ثم وصف المؤمنين فقال :

(1/430)


{ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } أي : المؤمن الذي إذا خوف بالله فرق قلبه وانقاد لأمره { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } تصديقا ويقينا { وعلى ربهم يتوكلون } بالله يثقون لا يرجون غيره

(1/430)


{ الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون }

(1/431)


{ أولئك هم المؤمنون حقا } صدقا من غير شك لا كإيمان المنافقين { لهم درجات عند ربهم } يعني : درجات الجنة { ومغفرة ورزق كريم } وهو رزق الجنة

(1/431)


{ كما أخرجك } أي : امض لأمر الله في الغنائم وإن كره بعضهم ذلك لأن الشبان أرادوا أن يستبدوا به فقال الله تعالى : أعط من شئت وإن كرهوا كما مضيت لأمر الله في الخروج وهم له كارهون ومعنى { كما أخرجك ربك من بيتك } أمرك بالخروج من المدينة لعير قريش { بالحق } بالوحي الذي أتاك به جبريل { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } الخروج معك كراهة الطبع لاحتمال المشقة لأنهم علموا أنهم لا يظفرون بالعير دون القتال

(1/431)


{ يجادلونك في الحق بعد ما تبين } في القتال بعد ما أمرت به وذلك أنهم خرجوا للعير ولم يأخذوا أهبة الحرب فلما أمروا بحرب النفير شق عليهم ذلك فطلبوا الرخصة في ترك ذلك فهو جدالهم { كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } أي : لشدة كراهيتهم للقاء القوم كأنهم يساقون إلى الموت عيانا

(1/431)


{ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين } العير أو النفير { أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم } أي : العير التي لا سلاح فيها تكون لكم { ويريد الله أن يحق الحق } يظهره ويعليه { بكلماته } بعداته التي سبقت بظهور الإسلام { ويقطع دابر الكافرين } آخر من بقي منهم يعني : إنه إنما أمركم بحرب قريش لهذا

(1/431)


{ ليحق الحق } أي : ويقطع دابر الكافرين ليظهر الحق ويعليه { ويبطل الباطل } ويهلك الكفر ويفنيه { ولو كره المجرمون } ذلك

(1/432)


{ إذ تستغيثون ربكم } تطلبون منه المغفرة بالنصر على العدو لقلتكم { فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } متتابعين جاؤوا بعد المسلمين ومن فتح الدال أراد : بألف أردف الله المسلمين بهم

(1/432)


{ وما جعله الله } أي : الإرداف { إلا بشرى } الآية ماضية في سورة آل عمران

(1/432)


{ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } وذلك أن الله تعالى أمنهم أمنا غشيهم النعاس معه وهذا كما كان يوم أحد وقد ذكرنا ذلك في سورة آل عمران { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } وذلك أنهم لما بايتوا المشركين ببدر أصابت جماعة منهم جنابات وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء فوسوس إليهم الشيطان وقال لهم : كيف ترجون الظفر وقد غلبوكم على الماء ؟ وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم نبيه ؟ فأنزل الله تعالى مطرا سال منه الوادي حتى اغتسلوا وزالت الوسوسة فذلك قوله : { ليطهركم به } أي : من الأحداث والجنابات { ويذهب عنكم رجز الشيطان } وسوسته التي تكسب عذاب الله { وليربط } به { على قلوبكم } باليقين والنصر { ويثبت به الأقدام } وذلك أنهم كانوا قد نزلوا على كثيب تغوص فيه أرجلهم فلبده المطر حتى ثبتت عليه الأقدام

(1/432)


{ إذ يوحي ربك إلى الملائكة } الذين أمد بهم المسلمين { أني معكم } بالعون والنصرة { فثبتوا الذين آمنوا } بالتبشير بالنصر وكان الملك أمام الصف على صورة رجل ويقول : أبشروا فإن الله ناصركم { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } الخوف من أوليائي { فاضربوا فوق الأعناق } أي : الرؤوس { واضربوا منهم كل بنان } أي : الأطراف من اليدين والرجلين

(1/433)


{ ذلك } الضرب { بأنهم شاقوا الله ورسوله } باينوهما وخالفوهما

(1/433)


{ ذلكم } القتل والضرب ببدر { فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار } بعدما نزل بهم من ضرب الأعناق

(1/433)


{ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا } مجتمعين متدانين إليكم للقتال { فلا تولوهم الأدبار } لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم

(1/433)


{ ومن يولهم يومئذ } أي : يوم لقاء الكفار { دبره إلا متحرفا لقتال } منعطفا مستطردا يطلب العودة { أو متحيزا } منضما { إلى فئة } لجماعة يريدون العود إلى القتال { فقد باء بغضب من الله } الآية وأكثر المفسرين على أن هذا الوعيد إنما كان لمن فر يوم بدر وكان هذا خاصا للمنهزم يوم بدر

(1/433)


{ فلم تقتلوهم } يعني : يوم بدر { ولكن الله قتلهم } بتسبيبه ذلك من المعونة عليهم وتشجيع القلب { وما رميت إذ رميت } وذلك أن جبريل عليه السلام قال للنبي عليه السلام يوم بدر : خذ قبضة من تراب فارمهم بها فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم قبضة من حصى الوادي فرمى بها في وجوه القوم فلم يبق مشرك إلا دخل عينيه منها شيء وكان ذلك شبب هزيمتهم فقال الله تعالى { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } أي : إن كفا من حصى لا يملأ عيون ذلك الجيش الكثير برمية بشر ولكن الله تعالى تولى إيصال ذلك إلى أبصارهم { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } وينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة فعل ذلك { إن الله سميع } لدعائهم { عليم } بنياتهم

(1/434)


{ ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين } يهنيء رسوله بإيهانه كيد عدوه حتى قتلت جبابرتهم وأسر أشرافهم

(1/434)


{ إن تستفتحوا } هذا خطاب للمشركين وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر : اللهم انصر أفضل الدينين وأهدي الفئتين فقال الله تعالى : { إن تستفتحوا } تستنصروا لأهدى الفئتين { فقد جاءكم الفتح } النصر { وإن تنتهوا } عن الشرك بالله { فهو خير لكم وإن تعودوا } لقتال محمد { نعد } عليكم بالقتل والأسر { ولن تغني عنكم } تدفع عنكم { فئتكم } جماعتكم { شيئا ولو كثرت } في العدد { وأن الله مع المؤمنين } فالنصر لهم

(1/434)


{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه } لا تعرضوا عنه بمخالفة أمره { وأنتم تسمعون } ما نزل من القرآن

(1/435)


{ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا } سماع قابل وليسوا كذلك يعني : المنافقين وقيل : أراد المشركين لأنهم سمعوا ولم يتفكروا فيما سمعوا فكانوا بمنزلة من لم يسمع

(1/435)


{ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون } يريد نفرا من المشركين كانوا صما عن الحق فلا يسمعونه بكما عن التكلم به بين الله تعالى أن هؤلاء شر ما دب على الأرض من الحيوان

(1/435)


{ ولو علم الله فيهم خيرا } لو علم أنهم يصلحون بما يورده عليهم من حججه وآياته { لأسمعهم } إياها سماع تفهم { ولو أسمعهم } بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك و { لتولوا وهم معرضون }

(1/435)


{ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول } أجيبوا لهما بالطاعة { إذا دعاكم لما يحييكم } يعني : لأن به يحيا أمرهم ويقوى ولأنه سبب الشهادة والشهداء أحياء عند ربهم ولأنه سبب للحياة الدائمة في الجنة { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن إلا بإذنه ولا أن يكفر فالقلوب بيد الله تعالى يقلبها كيف يشاء { وأنه إليه تحشرون } للجزاء على الأعمال

(1/435)


{ واتقوا فتنة } الآية أمر الله تعالى المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب والفتنة ها هنا : إقرار المنكر وترك التغيير له وقوله : { لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } أي : تصيب الظالم والمظلوم ولا تكون للظلمة وحدهم خاصة ولكنها عامة والتقدير : واتقوا فتنة إن لا تتقوها لا تصيب الذين ظلموا منكم خاصة أي : لا تقع بالظالمين دون غيرهم ولكنها تقع بالصالحين والطالحين { واعلموا أن الله شديد العقاب } حث على لزوم الاستقامة خوفا من الفتنة ومن عقاب الله بالمعصية فيها

(1/436)


{ واذكروا } يعني : المهاجرين { إذ أنتم قليل } يعني : حين كانوا بمكة في عنفوان الإسلام قبل أن يكلموا أربعين { مستضعفون في الأرض } يعني : أرض مكة { تخافون أن يتخطفكم الناس } المشركون من العرب لو خرجتم منها { فآواكم } جعل لكم مأوى ترجعون إليه وضمكم إلى الأنصار { وأيدكم بنصره } يوم بدر بالملائكة { ورزقكم من الطيبات } يعني : الغنائم أحلها لكم { لعلكم تشكرون } كي تطيعوا

(1/436)


{ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله } بترك فرائضه { والرسول } بترك سنته { وتخونوا } أي : ولا تخونوا { أماناتكم } وهي كل ما ائتمن الله عليها العباد وكل أحد مؤتمن على ما افترض الله عليه { وأنتم تعلمون } أنها أمانة من غير شبهة وقيل : نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى قريظة لما حاصرهم وكان أهله وولده فيهم فقالوا له : ما ترى لنا ؟ أننزل على حكم سعد فينا ؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقة أنه الذبح فلا تفعلوا وكانت منه خيانة لله ورسوله

(1/436)


{ واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة } أي : محنة يظهر بها ما في النفس من اتباع الهوى أو تجنبه ولذلك مال أبو لبابة إلى قريظة في إطلاعهم على حكم سعد لأن ماله وولده كانت فيهم { وأن الله عنده أجر عظيم } لمن أدى الأمانة ولم يخن

(1/437)


{ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله } باجتناب الخيانة فيما ذكر { يجعل لكم فرقانا } يفرق بينكم وبين ما تخافون فتنجون { ويكفر عنكم سيئاتكم } يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم { والله ذو الفضل العظيم } لا يمنعكم ما وعدكم على طاعته

(1/437)


{ وإذ يمكر بك الذين كفروا } وذلك أن مشركي قريش تآمروا في دارة الندوة في شأن محمد عليه السلام فقال بعضهم : قيدوه نترص به ريب المنون وقال بعضهم : أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه وقال أبو جهل - لعنه الله - : ما هذا برأي ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كل بطن رجل فيضربوه ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلها فأوحى الله تعالى إلى نبيه بذلك وأمره بالهجرة فذلك قوله : { ليثبتوك } أي : ليوثقوك ويشدوك { أو يقتلوك } بأجمعهم قتلة رجل واحد كما قال اللعين أبو جهل { أو يخرجوك } من مكة إلى طرف من أطراف الأرض { ويمكرون ويمكر الله } أي : يجازيهم جزاء مكرهم بنصر المؤمنين عليهم { والله خير الماكرين } أفضل المجازين بالسيئة العقوبة وذلك أنه أهلك هؤلاء الذين دبروا لنبيه الكيد وخلصه منهم

(1/437)


{ وإذا تتلى عليهم آياتنا } الآية كان النضر بن الحارث خرج إلى الحيرة تاجرا واشترى أحاديث كليلة ودمنة فكان يقعد به مع المستهزئين فيقرأ عليهم فلما قص رسول الله صلى الله عليه و سلم شأن القرون الماضية قال النضر بن الحارث : لو شئت لقلت مثل هذا إن هذا إلا ما سطر الأولون في كتبهم وقال النضر أيضا :

(1/438)


{ اللهم إن كان هذا } الذي يقوله محمد حقا { من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } كما أمطرتا على قوم لوط { أو ائتنا بعذاب أليم } أي : ببعض ما عذبت به الأمم حمله شدة عداوة النبي صلى الله عليه و سلم على إظهار مثل هذا القول ليوهم أنه على بصيرة من أمره وغاية الثقة في أمر محمد أنه ليس على حق

(1/438)


{ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } وما كان الله ليعذب المشركين وأنت مقيم بين أظهرهم لأنه لم يعذب الله قرية حتى يخرج النبي منها والذين آمنوا معه { وما كان الله } معذب هؤلاء الكفار وفيهم المؤمنون { يستغفرون } يعني : المسلمين ثم قال :

(1/439)


{ وما لهم أن لا يعذبهم الله } أ ي : ولم لا يعذبهم الله بالشيف بعد خروج من عنى بقوله : { وهم يستغفرون } من بينهم { وهم يصدون } يمنعون النبي والمؤمنين { عن المسجد الحرام } أن يطوفوا به { وما كانوا أولياءه } وذلك أنهم قالوا : نحن أولياء المسجد فرد الله عليهم بقوله : { إن أولياؤه إلا المتقون } يعني : المهاجرين والأنصار { ولكن أكثرهم لا يعلمون } غيب علمي وما سبق في قضائي

(1/439)


{ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية } أي : صفيرا وتصفيفا وكانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون جعلوا ذلك صلاة لهم فكان تقربهم إلى الله بالتصفير والصفيق { فذوقوا العذاب } ببدر { بما كنتم تكفرون } تجحدون توحيد الله تعالى

(1/439)


{ إن الذين كفروا } نزلت في المنفقين على حرب رسول الله صلى الله عليه و سلم أيام بدر وكانوا اثني عشر رجلا قال تعالى : { فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة } بذهاب الأموال وفوات المراد

(1/439)


{ ليميز الله الخبيث من الطيب } أ ي : إنما تحشرون إلى جهنم ليميز بين أهل الشقاوة وأهل السعادة { ويجعل الخبيث } أ ي : الكافر وهو اسم الجنس { بعضه على بعض } يلحق بعضهم ببعض { فيركمه جميعا } أي : يجمعه حتى يصير كالسحاب المركوم ثم { فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون } لأنهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة

(1/440)


{ قل للذين كفروا } أبي سفيان وأصحابه : { إن ينتهوا } عن الشرك وقتال المؤمنين { يغفر لهم ما قد سلف } تقدم من الزنا والشرك لأن الحربي إذا أسلم عاد كمثله يوم ولدته أمه { وإن يعودوا } للقتال { فقد مضت سنة الأولين } بنصر الله رسله ومن آمن على من كفر

(1/440)


{ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } كفر { ويكون الدين كله لله } لا يكون مع دينكم كفر في جزيرة العرب { فإن انتهوا } عن الشرك { فإن الله بما يعملون بصير } يجازيهم مجازاة البصير بهم وبأعمالهم

(1/440)


{ وإن تولوا } أبوا أن يدعوا الشرك وقتال محمد { فاعلموا أن الله مولاكم } ناصركم يا معشر المؤمنين

(1/441)


{ واعلموا أنما غنمتم من شيء } أخذتموه قسرا من الكفار { فأن لله خمسه } هذا تزيين لافتتاح الكلام ومصرف الخمس إلى حيث شكر وهو قوله : { وللرسول } كان له خمس الخمس يصنع فيه ما يشاء واليوم يصرف إلى مصالح المسلمين { ولذي القربى } وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين حرمت عليهم الصدقات المفروضة لهم خمس الخمس من الغنيمة { واليتامى } وهم أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم ينفق عليهم من خمس الخمس { والمساكين } وهم أهل الحاجة والفاقة من المسلمين لهم أيضا خمس الخمس { وابن السبيل } المنقطع به في سفره فخمس الغنيمة يقسم على خمسة أخماس كما ذكره الله تعالى وأربعة أخماسها تكون للغانمين وقوله : { إن كنتم آمنتم بالله } أي : فافعلوا ما أمرتم به في الغنيمة إن كنتم آمنتم بالله { وما أنزلنا على عبدنا } يعني : هذه السورة { يوم الفرقان } اليوم الذي فرقت به بين الحق والباطل { يوم التقى الجمعان } حزب الله وحزب الشيطان { والله على كل شيء قدير } إذ نصركم الله وأنتم قلة أذلة

(1/441)


{ إذ أنتم بالعدوة الدنيا } نزول بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة وعدوكم نزول بشفير الوادي الأقصى إلى مكة { والركب } أبو سفيان وأصحابه وهم أصحاب الإبل يعني : العير { أسفل منكم } إلى ساحل البحر { ولو تواعدتم } للقتال { لاختلفتم في الميعاد } لتأخرتم فنقضتم الميعاد لكثرتهم وقلتكم { ولكن } جمعكم الله من غير ميعاد { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } في علمه وحكمه من نصر النبي صلى الله عليه و سلم والمؤمنين { ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة } أ ي : فعل ذلك ليضل ويكفر من كفر من بعد حجة قامت عليه وقطعت عذره ويؤمن من آمن على مثل ذلك وأراد بالبينة نصرة المؤمنين مع قلتهم على ذلك الجمع الكثير مع كثرتهم وشوكتهم { وإن الله لسميع } لدعائكم { عليم } بنياتكم

(1/441)


{ إذ يريكهم الله في منامك } عينك وهو موضع النوم { قليلا } لتحتقروهم وتجترؤوا عليهم { ولو أراكهم كثيرا لفشلتم } لجبنتم ولتأخرتم عن حربهم { ولتنازعتم في الأمر } واختلفت كلمتكم { ولكن الله سلم } عصمكم وسلمكم من المخالفة فيما بينكم { إنه عليم بذات الصدور } علم ما في صدوركم من اليقين ثم خاطب المؤمنين جميعا بهذا المعنى فقال :

(1/442)


{ وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا } قال ابن مسعود : لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة وأسرنا رجلا فقلنا : كم كنتم ؟ قال : ألفا { ويقللكم في أعينهم } ليجترئوا عليكم ولا يرجعوا عن قتالكم { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } في علمه بنصر الإسلام وأهله وذل الشرك وأهله { وإلى الله ترجع الأمور } وبعد هذا إلي مصيركم فأكرم أوليائي وأعاقب أعدائي

(1/442)


{ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة } جماعة كافرة { فاثبتوا } لقتالهم ولا تنهزموا { واذكروا الله كثيرا } ادعوه بالنصر عليهم { لعلكم تفلحون } كي تسعدوا وتبقوا في الجنة فإنهما خصلتان إما الغنيمة وإما الشهادة

(1/443)


{ وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا } ولا تختلفوا { فتفشلوا } تجبنوا { وتذهب ريحكم } جلدكم وجرأتكم ودولتكم

(1/443)


{ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم } يعني : النفير { بطرا } طغيانا في النعمة للجميل مع إبطان القبيح { ويصدون عن سبيل الله } لمعاداة المؤمنين وقتالهم { والله بما يعملون محيط } عالم فيجازيهم به

(1/443)


{ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } الآية وذلك أن قريشا لما اجتمعت المسير خافت كنانة وبني مدلج لطوائل كانت بينهم فتبدى لهم إبليس في جنده على صورة سراقة بن مالك بن جشعم الكناني ثم المدلجي فقالوا له : نحن نريد قتال هذا الرجل ونخاف من قومك فقال لهم : أنا جار لكم أي : حافظ من قومي فلا غالب لكم اليوم من الناس { فلما تراءت الفئتان } التقى الجمعان { نكص على عقبيه } رجع موليا فقيل له : يا سراقة أفرارا من غير قتال ؟ ! فقال : { إني أرى ما لا ترون } وذلك أنه رأى جبريل مع الملائكة جاؤوا لنصر المؤمنين { إني أخاف الله } أن يهلكني فيمن يهلك { والله شديد العقاب }

(1/443)


{ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } وهم قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا فلما خرجت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه و سلم حرجوا معهم وقالوا : نكون مع أكثر الفئتين فلما رأوا قلة المسلمين قالوا : { غر هؤلاء دينهم } إذ خرجوا مع قلتهم يقاتلون الجمع الكثير ثم قتلوا جميعا مع المشركين قال الله تعالى : { ومن يتوكل على الله } يسلم أمره إلى الله { فإن الله عزيز } قوي منيع { حكيم } في خلقه

(1/444)


{ ولو ترى } يا محمد { إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } يأخذون أرواحهم يعني : من قتلوا ببدر { يضربون وجوههم وأدبارهم } مقاديمهم إذا أقبلوا إلى المسلمين ومآخيرهم إذا ولوا { وذوقوا } أي : ويقولون لهم بعد الموت : ذوقوا بعد الموت { عذاب الحريق }

(1/444)


{ ذلك } أي : هذا العذاب { بما قدمت أيديكم } بما كسبتم وجنيتم { وأن الله ليس بظلام للعبيد } لأنه حكم فيما يقضي

(1/444)


{ كدأب آل فرعون } الآية يريد : عادة هؤلاء في التكذيب كعادة آل فرعون فأنزل الله تعالى بهم عقوبته كما أنزل بآل فرعون { إن الله قوي } قادر لا يغلبه شيء { شديد العقاب } لمن كفر به وكذب رسله

(1/444)


{ ذلك بأن الله } الآية إن الله تعالى أطعم أهل مكة من جوع وآمنهم من خوف وبعث إليهم محمدا رسولا وكان هذا كله مما أنعم عليهم ولم يكن يغير عليهم لو لم يغيروا هم وتغييرهم كفرهم بها وتركهم شكرها فلما غيروا ذلك غير الله ما بهم فسلبهم النعمة وأخذهم ثم نزل في يهود قريظة :

(1/444)


{ كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين }

(1/445)


{ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون }

(1/445)


{ الذين عاهدت منهم } الآية وذلك أنهم نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأعانوا عليه مشركي مكة بالسلاح ثم اعتذروا وقالوا : أخطأنا فعاهدهم ثانية فنقضوا العهد يوم الخندق وذلك قوله : { ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون } عقاب الله في ذلك

(1/445)


{ فإما تثقفنهم في الحرب } فإن أدركتهم في القتال وأسرتهم { فشرد بهم من خلفهم } فافعل بهم فعلا من التنكيل والعقوبة يفرق به جمع كل ناقض عهد فيعتبروا بما فعلت بهؤلاء فلا ينقضوا العهد فذلك قوله تعالى : { لعلهم يذكرون }

(1/445)


{ وإما تخافن من قوم } تعلمن من قوم { خيانة } نقضا للعهد بدليل يظهر لك { فانبذ إليهم على سواء } أي : انبذ عهدهم الذي عاهدتهم عليه لتكون أنت وهم سواء في العداوة فلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب أي : أعلمهم أنك نقضت عهدهم لئلا يتوهموا بك الغدر { إن الله لا يحب الخائنين } الذين يخونون في العهود وغيرها

(1/445)


{ ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا } وذلك أن من أفلت من حرب بدر من الكفار خافوا أن ينزل بهم هلكة في الوقت فلما لم ينزل طغوا وبغوا فقال الله : لا تحسبنهم سبقونا بسلامتهم الآن فـ { إنهم لا يعجزون } نا ولا يفوتوننا فيما يستقبلون من الأوقات

(1/446)


{ وأعدوا لهم } أي : خذوا العدة لعدوكم { ما استطعتم من قوة } مما تتقوون به على حربهم من السلاح والقسي وغيرهما { ومن رباط الخيل } مما يرتبط من الفرس في سبيل الله { ترهبون به } تخوفون به بما استطعتم { عدو الله وعدوكم } مشركي مكة وكفار العرب { وآخرين من دونهم } وهم المنافقون { لا تعلمونهم الله يعلمهم } لأنهم معكم يقولون : لا إله إلا الله ويغزون معكم والمنافق يريبه عدد المسلمين { وما تنفقوا من شيء } من آلة وسلاح وصفراء وبيضاء { في سبيل الله } طاعة الله { يوف إليكم } يخلف لكم في العاجل ويوفر لكم أجره في الآخرة { وأنتم لا تظلمون } لا تنقصون من الثواب

(1/446)


{ وإن جنحوا للسلم } مالوا إلى الصلح { فاجنح لها } فمل إليها يعني : المشركين واليهود ثم نسخ هذا بقوله : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } { وتوكل على الله } ثق به { إنه هو السميع } لقولكم { العليم } بما في قلوبكم

(1/446)


{ وإن يريدوا أن يخدعوك } بالصلح لتكف عنهم { فإن حسبك الله } أي : فالذي يتولى كفايتك الله { هو الذي أيدك } قواك { بنصره } يوم بدر { وبالمؤمنين } يعني : الأنصار

(1/447)


{ وألف بين قلوبهم } بين قلوب الأوس والحزرج وهم الأنصار { لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم } للعداوة التي كانت بينهم { ولكن الله ألف بينهم } لأن قلوبهم بيده يؤلفها كيف يشاء { إنه عزيز } لا يمتنع عليه شيء { حكيم } عليم بما يفعله

(1/447)


{ يا أيها النبي حسبك الله } الآية أسلم مع النبي صلى الله عليه و سلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ثم أسلم عمر رضي الله عنه فنزلت هذه الآية والمعنى : يكفيك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين

(1/447)


{ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } حضهم على نصر دين الله { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } يريد : الرجل منكم بعشرة منهم في الحرب { وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون } أي : هم على جهالة فلا يثبتون إذا صدقتموهم القتال خلاف من يقاتل على بصيرة يرجو ثواب الله وكان الحكم على هذا زمانا يصابر الواحد من المسلمين العشرة من الكفار فتضرعوا وشكوا إلى الله عز و جل ضعفهم فنزل :

(1/447)


{ الآن خفف الله عنكم } هون عليكم { وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين } فصار الرجل من المسلمين برجلين من الكفار وقوله : { بإذن الله } أي : بإرادته ذلك

(1/448)


{ ما كان لنبي أن يكون له أسرى } الآية نزلت في فداء أسارى بدر فادوهم بأربعة آلاف ألف فأنكر الله عز و جل على نبيه صلى الله عليه و سلم ذلك بقوله : لم يكن لنبي أن يحبس كافرا قدر عليه للفداء فلا يكون له أيضا حتى يثخن في الأرض : يبالغ في قتل أعدائه { تريدون عرض الدنيا } أي : الفداء { والله يريد الآخرة } يريد لكم الجنة بقتلهم وهذه الآية بيان عما يجب أن يجتنب من اتخاذ الأسرى للمن أو الفداء قبل الإثخان في الأرض بقتل الأعداء وكان هذا في يوم بدر ولم يكونوا قد أثخنوا فلذلك أنكر الله عليهم ثم نزل بعده : { فإما منا بعد وإما فداء }

(1/448)


{ لولا كتاب من الله سبق } يا محمد أن الغنائم وفداء الأسرى لك ولأمتك حلال { لمسكم فيما أخذتم } من الفداء { عذاب عظيم } فلما نزل هذا أمسكوا أيديهم عما أخذوا من الغنائم فنزل :

(1/449)


{ فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله } بطاعته { إن الله غفور } غفر لكم ما أخذتم من الفداء { رحيم } رحمكم لأنكم أولياؤه

(1/449)


{ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا } إرادة للإسلام { يؤتكم خيرا مما أخذ منكم } من الفداء يعني : إن أسلمتم وعلم الله إسلام قلوبكم أخلف عليكم خيرا مما أخذ منكم { ويغفر لكم } ما كان من كفركم وقتالكم رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/449)


{ وإن يريدوا خيانتك } وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم : آمنا بك ونشهد أنك رسول الله فقال الله تعالى : إن خانوك وكان قولهم هذا خيانة { فقد خانوا الله من قبل } كفروا به { فأمكن منهم } المؤمنين ببدر وهذا تهديد لهم إن عادوا إلى القتال { والله عليم } بخيانة إن خانوها { حكيم } في تدبيره ومجازاته إياهم

(1/449)


{ إن الذين آمنوا وهاجروا } الآية نزلت في الميراث كانوا في ابتداء الإسلام يتوارثون بالهجرة والنصرة فكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرث أخاه فذلك قوله : { الذين آمنوا وهاجروا } هجروا قومهم وديارهم وأموالهم { والذين آووا ونصروا } يعني : الأنصار أسكنوا المهاجرين ديارهم ونصروهم { أولئك بعضهم أولياء بعض } أي : هؤلاء الذين يتوارثون بعضهم من بعض
{ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء } أي : ليسوا بأولياء ولا يثبت التوارث بينكم وبينهم { حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين } يعني : هؤلاء الذين لم يهاجروا فلا تخذلوهم وانصروهم { إلا } أن يستنصروكم { على قوم بينكم وبينهم ميثاق } عهد فلا تغدروا ولا تعاونوهم

(1/449)


{ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } أي : لا توارث بينكم وبينهم ولا ولاية والكافر ولي الكافر دون المسلم { إلا تفعلوه } إلا تعاونوا وتناصروا وتأخذوا في الميراث بما أمرتكم به { تكن فتنة في الأرض } شرك { وفساد كبير } وذلك أن المسلم إذا هجر قريبه الكافر كان ذلك أدعى إلى الإسلام فإن لم يهجره وتوارثه بقي الكافر على كفره وقوله :

(1/450)


{ والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا } أي : هم الذين حققوا إيمانهم بما يقتضيه من الهجرة والنصرة خلاف من أقام بدار الشرك

(1/450)


{ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } يعني : الذين هاجروا بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } نسخ الله الميراث بالهجرة والحلف بعد فتح مكة رد الله المواريث إلى ذوي الأرحام : ابن الأخ والعم وغيرهما { في كتاب الله } في حكم الله { إن الله بكل شيء عليم }

(1/450)


{ براءة من الله ورسوله } الآية أخذت المشركون ينقضون عهودا بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم فأمره الله تعالى أن ينقض عهودهم وينبذها إليهم وأنزل هذه الآية والمعنى : قد برئ الله ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء بها إذ نكثوا ثم خاطب المشركين فقال :

(1/452)


{ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } سيروا فيها آمنين حيث شئتم يعني : شوالا إلى صفر وهذا تأجيل من الله سبحانه للمشركين فإذا انقضت هذه المدة قتلوا حيثما أدركوا { واعلموا أنكم غير معجزي الله } لا تفوتونه وإن أجلتم هذه المدة { وأن الله مخزي الكافرين } مذلهم في الدنيا بالقتل والعذاب في الآخرة

(1/452)


{ وأذان من الله } إعلام منه { ورسوله إلى الناس } يعني : العرب { يوم الحج الأكبر } يوم عرفة وقيل : يوم النحر والحج الأكبر الحج بجميع أعماله والأصغر العمرة { أن الله بريء من المشركين ورسوله } أمر الله رسوله صلى الله عليه و سلم أن يعلم مشركي العرب في يوم الحج الأكبر ببراءته من عهودهم فبعث عليا رضي الله عنه حيث قرأ صدر براءة عليهم يوم النحر ثم خاطب المشركين فقال : { فإن تبتم } رجعتم عن الشرك { فهو خير لكم } من الإقامة عليه { وإن توليتم } عن الإيمان { فاعلموا أنكم غير معجزي الله } لا تفوتونه بأنفسكم عن العذاب ثم أوعدهم بعذاب الآخرة فقال : { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } ثم استثنى قوما من براءة العهود فقال :

(1/452)


{ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم } من شروط العهد { شيئا } وهم بني ضمرة وبنو كنانة { ولم يظاهروا عليكم أحدا } لم يعاونوا عليكم عدوا { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } إلى انقضاء مدتهم وكان قد بقي لهم من مدتهم تسعة أشهر فأمر النبي صلى الله عليه و سلم بإتمامها لهم { إن الله يحب المتقين } من اتقاه بطاعته

(1/453)


{ فإذا انسلخ الأشهر الحرم } يعني : مدة التأجيل { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } في حل أو حرم { وخذوهم } بالأسر { واحصروهم } إن تحصنوا { واقعدوا لهم كل مرصد } على كل طريق تأخذون فيه { فإن تابوا } رجعوا عن الشرك { وأقاموا الصلاة } المفروضة { وآتوا الزكاة } من العين والثمار والمواشي { فخلوا سبيلهم } فدعوهم وما شاؤوا { إن الله غفور رحيم } لمن تاب وآمن

(1/454)


{ وإن أحد من المشركين } الذين أمرتك بقتلهم { استجارك } طلب منك الأمان من القتل { فأجره } فاجعله في أمن { حتى يسمع كلام الله } القرآن فتقيم عليه حجة الله وتبين له دين الله { ثم أبلغه مأمنه } إذا لم يرجع عن الشرك لينظر في أمره { ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } يفعلون كل هذا لأنهم قوم جهلة لا يعلمون دين الله وتوحيده

(1/454)


{ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله } مع إضمارهم الغدر ونكثهم العهد { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } يعني : الذين استثناهم من البراءة { فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم } ما أقاموا على الوفاء بعهدهم فأقيموا أنتم

(1/454)


{ كيف } أي : كيف يكون لهم عهدهم { و } حالهم أنهم { إن يظهروا عليكم } يظفروا بكم ويقدروا عليكم { لا يرقبوا فيكم } لا يحفظوا فيكم { إلا ولا ذمة } قرابة ولا عهدا { يرضونكم بأفواههم } يقولون بألسنتهم كلاما حلوا { وتأبى قلوبهم } الوفاء به { وأكثرهم فاسقون } غادرون ناقضون للعهد

(1/454)


{ اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا } استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا { فصدوا عن سبيله } فأعرضوا عن طاعته { إنهم ساء } بئس { ما كانوا يعملون } من اشترائهم الكفر بالإيمان

(1/455)


{ لا يرقبون } يعني : هؤلاء الناقضين للعهد { وأولئك هم المعتدون } المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد

(1/455)


{ فإن تابوا } عن الشرك { وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم } أي : فهم إخوانكم { في الدين ونفصل الآيات } نبين آيات القرآن { لقوم يعلمون } أنها من عند الله

(1/455)


{ وإن نكثوا أيمانهم } نقضوا عهودهم { وطعنوا في دينكم } اغتابوكم وعابوا دينكم { فقاتلوا أئمة الكفر } رؤساء الضلالة يعني : صناديد قريش { إنهم لا أيمان لهم } لا عهود لهم { لعلهم ينتهون } كي ينتهوا عن الشرك بالله ثم حرض المؤمنين عليهم فقال :

(1/455)


{ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم } يعني : كفار مكة نقضوا العهد وأعانوا بني بكر على خزاعة { وهموا بإخراج الرسول } من مكة { وهم بدؤوكم } بالقتال { أول مرة } حين قاتلوا حلفاءكم خزاعة فبدؤوا بنقض العهد { أتخشونهم } أن ينالكم من قتالهم مكروه فتتركون قتالهم { فالله أحق أن تخشوه } فمكروه عذاب الله أحق أن يخشى في ترك قتالهم { إن كنتم مؤمنين } مصدقين بعقاب الله وثوابه

(1/455)


{ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } يقتلهم بسيوفكم ورماحكم { ويخزهم } يذلهم بالقهر والأسر { ويشف صدور قوم مؤمنين } يعني : بني خزاعة أعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكثوا فيهم فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبي والمؤمنين

(1/456)


{ ويذهب غيظ قلوبهم } كربها ووجدها بمعونة قريش بكرا عليهم { ويتوب الله على من يشاء } من المشركين كأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو هداهم الله للإسلام

(1/456)


{ أم حسبتم } أيها المنافقون { أن تتركوا } على ما أنتم عليه من التلبيس وكتمان النفاق { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } بنية صادقة يعني : العلم الذي يتعلق بهم بعد الجهاد وذلك أنه لما فرض القتال تبين المنافق من غيره ومن يوالي المؤمنين ممن يوالي أعداءهم { ولم يتخذوا } أي : ولما يعلم الله الذين لم يتخذوا { من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } أولياء ودخلا

(1/456)


{ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } نزلت في العباس بن عبد المطلب حين عير بالكفر لما أسر فقال : إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج فرد الله ذلك عليه بقوله : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } بدخوله والتعوذ فيه لأنهم ممنوعون عن ذلك { شاهدين على أنفسهم بالكفر } بسجودهم للأصنام واتخاذها آلهة { أولئك حبطت أعمالهم } لأن كفرهم أذهب ثوابها

(1/456)


{ إنما يعمر مساجد الله } بزيارتها والقعود فيها { من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة } والمعنى : إن من كان بهذه الصفة فهو من أهل عمارة المسجد { ولم يخش } في باب الدين { إلا الله فعسى أولئك } أي : فأولئك هم المهتدون والمتمسكون بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة

(1/457)


{ أجعلتم سقاية الحاج } قال المشركون : عمارة بيت الله وقيام على السقاية خير من الإيمان والجهاد فأنزل الله تعالى هذه الآية وسقاية الحاج : سقيهم الشراب في الموسم وقوله : { وعمارة المسجد الحرام } يريد : تجميره وتخليقه { كمن آمن } أي : كإيمان من آمن { بالله } ؟ { لا يستون عند الله } في الفضل { والله لا يهدي القوم الظالمين } يعني : الذين زعموا أنهم أهل العمارة سماهم ظالمين بشركهم

(1/457)


{ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله } من الذين افتخروا بعمارة البيت وسقي الحاج { وأولئك هم الفائزون } الذين ظفروا بأمنيتهم

(1/458)


{ يبشرهم ربهم برحمة منه } الآية أي : يعلمهم في الدنيا ما لهم في الآخرة

(1/458)


{ خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم }

(1/458)


{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم } الآية لما أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالهجرة إلى المدينة كان من الناس من يتعلق به زوجته وولده وأقاربه ويقولون : ننشدك بالله أن تضيعنا فيرق لهم ويدع الهجرة فأنزل الله تعالى : { لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء } أصدقاء تؤثرون المقام بين أظهرهم على الشجرة { إن استحبوا } اختاروا { الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } أي : مشركون مثلهم فلما نزلت هذه الآية قالوا : يا نبي الله إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين نقطع آباءنا وعشائرنا وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا فأنزل الله تعالى :

(1/458)


{ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها } أي : اكتسبتموها { فتربصوا } مقيمين بمكة { حتى يأتي الله بأمره } فتح مكة فيسقط فرض الهجرة وهذا أمر تهديد { والله لا يهدي القوم الفاسقين } تهديد لهؤلاء بحرمان الهداية

(1/458)


{ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين } وهو واد بين مكة والطائف قاتل عليه نبي الله عليه السلام هوازن وثقيفا { إذ أعجبتكم كثرتكم } وذلك أنهم قالوا : لن نغلب اليوم من قلة وكانوا اثني عشر ألفا { فلم تغن } لم تدفع عنكم شيئا { وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } لشدة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض على سعتها فلم تجدوا فيها موضعا يصلح لقراركم { ثم وليتم مدبرين } انهزمتم أعلمهم الله تعالى أنهم ليسوا يغلبون بكثرتهم إنما يغلبون بنصر الله

(1/459)


{ ثم أنزل الله سكينته } وهو ما يسكن إليه القلب من لطف الله ورحمته { على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها } يريد : الملائكة { وعذب الذين كفروا } بأسيافكم ورماحكم { وذلك جزاء الكافرين }

(1/459)


{ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } فيهديهم إلى الإسلام من الكفار { والله غفور رحيم } بمن آمن

(1/459)


{ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } لا يغتسلون من جنابة ولا يتوضؤون من حدث { فلا يقربوا المسجد الحرام } أي : لا يدخلوا الحرم منعوا من دخول الحرم فالحرم حرام على المشركين { بعد عامهم هذا } يعني : عام الفتح فلما منعوا من دخول الحرم قال المسلمون : إنهم كانوا يأتون بالميرة فالآن تنقطع عنا المتاجر فأنزل الله تعالى : { وإن خفتم عيلة } فقرا { فسوف يغنيكم الله من فضله } فأسلم أهل جدة وصنعاء وجرش وحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله ما كانوا يتخوفون { إن الله عليم } بما يصلحكم { حكيم } فيما حكم في المشركين ثم نزل في جهاد أهل الكتاب من اليهود والنصارى قوله :

(1/459)


{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } يعني : كإيمان الموحدين وإيمانهم غير إيمان إذا لم يؤمنوا بمحمد { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } يعني : الخمر والميسر { ولا يدينون دين الحق } لا يتدينون بدين الإسلام { حتى يعطوا الجزية } وهي ما يعطى المعاهد على عهده { عن يد } يعطونها بأيديهم يمشون بها كارهين ولا يجيئون بها ركبانا ولا يرسلون بها { وهم صاغرون } ذليلون مقهورون يجرون إلى الموضع الذي تقبض منهم فيه بالعنف حتى يؤدوها من يدهم

(1/460)


{ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم } ليس فيه برهان ولا بيان إنما هو قول بالفم فقط { يضاهئون } يتشبهون بقول المشركين حين قالوا : الملائكة بنات الله وقد أخبر الله عنهم بقوله : { وخرقوا له بنين وبنات } { قاتلهم الله } لعنهم الله { أنى يؤفكون } كيف يصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل حتى يجعلوا لله الولد وهذا تعجيب للنبي صلى الله عليه و سلم والمؤمنين

(1/460)


{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم } علماءهم وعبادهم { أربابا } آلهة { من دون الله } حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله { والمسيح ابن مريم } اتخذوه ربا { وما أمروا } في التوراة والإنجيل { إلا ليعبدوا إلها واحدا } وهو الذي لا إله غيره { سبحانه عما يشركون } تنزيها له عن شركهم

(1/461)


{ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } يخمدوا دين الإسلام بتكذيبهم { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } إلا أن يظهر دينه

(1/461)


{ هو الذي أرسل رسوله } محمدا { بالهدى } بالقرآن { ودين الحق } الحنيفية { ليظهره على الدين كله } ليعليه على جميع الأديان

(1/461)


{ يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان } من فقهاء أهل الكتاب وعلمائهم { ليأكلون أموال الناس بالباطل } يعني : ما يأخذونه من الرشا في الحكم { ويصدون عن سبيل الله } ويصرفون الناس عن الإيمان بمحمد عليه السلام ثم أنزل في مانعي الزكاة من أهل القبلة : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله } لا يؤدون زكاتها { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم أن لهم عذابا أليما

(1/462)


{ يوم يحمى عليها } يوم تدخل كنوزهم النار حتى تحمى وتشتد حرارتها { فتكوى بها } أي : فتلصق بجباههم وجنوبهم وظهورهم حتى يلتقي الحر في أجوافهم ويقال لهم : هذا الذي تكوون به ما جمعتم لأنفسكم وبخلتم به عن حق الله { فذوقوا } العذاب بـ { ما كنتم تكنزون }

(1/462)


{ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } عدد شهور المسلمين التي تعبدوا بأن يجعلوها لسنتهم اثنا عشر شهرا على منازل القمر واستهلال الأهلة لا كما يعده أهل الروم وفارس { في كتاب الله } في الإمام الذي عند الله كتبه يوم خلق السماوات والأرض { منها أربعة حرم } رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم يعظم انتهاك المحارم فيها بأشد مما يعظم في غيرها { ذلك الدين القيم } الحساب المستقيم { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } تحفظوا من أنفسكم في الحرم فإن الحسنات فيهن تضعف وكذلك السيئات { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } قاتلوهم كلهم ولا تحابوا بترك القتال كما إنهم يستحلون قتال جميعكم { واعلموا أن الله مع المتقين } مع أوليائه الذين يخافونه

(1/462)


{ إنما النسيء } تأخير حرمة شهر حرمه الله إلى شهر آخر لم يحرمه وذلك أن العرب في الجاهلية ربما كانت تستحل المحرم وتحرم بدله صفر فأخبر الله تعالى أن ذلك كله { زيادة في الكفر } حيث أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله { يضل به } بذلك التأخير { الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما } إذا قاتلوا فيه أحلوه وحرموا مكانه صفر وإذا لم يقاتلوا فيه حرموه { ليواطئوا } ليوافقوا { عدة ما حرم الله } وهو أنهم لم يحلوا شهرا من الحرم إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرم لئلا يكون الحرم أكثر من الأربعة كما حرم الله فيكون موافقة للعدد { زين لهم سوء أعمالهم } زين لهم الشيطان ذلك

(1/463)


{ يا أيها الذين آمنوا ما لكم } نزلت في حث المؤمنين على غزوة تبوك وذلك أنهم دعوا إليها في زمان عسرة من الناس وجدب من البلاد وشدة من الحر فشق عليهم الخروج فأنزل الله تعالى : { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله } اخرجوا في الجهاد لحرب العدو { اثاقلتم إلى الأرض } أحببتم المقام { أرضيتم بالحياة الدنيا } بدلا { من الآخرة } يعني : الجنة { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة } يريد : الدنيا كلها { إلا قليل } عند شئ من الجنة

(1/463)


{ إلا تنفروا } تخرجوا مع نبيكم إلى الجهاد { يعذبكم عذابا أليما } بالقحط وحبس المطر { ويستبدل قوما غيركم } يأت بقوم آخرين ينصر بهم رسوله { ولا تضروه شيئا } لأن الله عصمه عن الناس ولا يخذله أن تثاقلتم كما لم يضره قلة ناصريه حين كان بمكة وهم به الكفار فتولى الله نصره وهو قوله :

(1/464)


{ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا } أي : اضطروه إلى الخروج لما هموا بقتله فكانوا سببا لخروجه من مكة هاربا منهم { ثاني اثنين } أي : واحد اثنين هو صلى الله عليه و سلم وأبو بكر رضي الله عنه والمعنى : مصره الله منفردا إلا من أبي بكر : { إذ هما في الغار } هو غار في جبل مكة يقال له : ثور { إذ يقول لصاحبه } أبي بكر : { لا تحزن } وذلك أنه خاف على رسول الله صلى الله عليه و سلم الطلب فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : { لا تحزن إن الله معنا } يمنعهم منا وينصرنا { فأنزل الله سكينته } ألقى في قلب أبي بكر ما سكن به { وأيده } أي : رسوله { بجنود لم تروها } قواه وأعانه بالملائكة يوم بدر أخبر أنه صرف عنه كيد أعدائه ثم أظهره : نصره بالملائكة يوم بدر { وجعل كلمة الذين كفروا } وهي كلمة الشرك { السفلى وكلمة الله هي العليا } يعني : كلمة التوحيد لأنها علت وظهرت وكان هذا يوم بدر

(1/464)


{ انفروا خفافا وثقالا } شبابا وشيوخا { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم } من التثاقل إلى الأرض { إن كنتم تعلمون } ما لكم من الثواب والجزاء ثم نزل في المنافقين الذين تخلفوا عن هذه الغزوة :

(1/465)


{ لو كان عرضا قريبا } أي : لو كان ما دعوا إليه غنيمة قريبة { وسفرا قاصدا } قريبا هينا { لاتبعوك } طمعا في الغنيمة { ولكن بعدت عليهم الشقة } المسافة { وسيحلفون بالله } عندك إذا رجعت إليهم { لو استطعنا لخرجنا معكم } لو قدرنا وكان لنا سعة من المال { يهلكون أنفسهم } بالكذب والنفاق { والله يعلم إنهم لكاذبون } لأنهم كانوا يستطيعون الخروج

(1/465)


{ عفا الله عنك لم أذنت لهم } كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أذن لطائفة في التخلف عنه من غير مؤامرة ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي فعاتبه الله سبحانه وقال : لم أذنت لهم في التخلف { حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } حتى تعرف من له العذر منهم ومن لا عذر له فيكون إذنك لمن له العذر

(1/465)


{ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر } في القعود والتخلف عن الجهاد كراهة { أن يجاهدوا } في سبيل الله { بأموالهم وأنفسهم } الآية

(1/465)


{ إنما يستأذنك } في التخلف { الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم } شكوا في دينهم { فهم في ريبهم يترددون } في شكهم يتمادون

(1/466)


{ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } من الزاد والركوب لأنهم كانوا مياسير { ولكن كره الله انبعاثهم } لم يرد خروجهم معك { فثبطهم } فخذلهم وكسلهم { وقيل اقعدوا } وحيا إلى قلوبهم يعني : إن الله ألهمهم أسباب الخذلان { مع القاعدين } الزمنى وأولي الضرر ثم بين لم كره خروجهم فقال :

(1/466)


{ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } يقول : لو خرجوا لأفسدوا عليكم أمركم { ولأوضعوا خلالكم } لأسرعوا بالنميمة في إفساد ذات بينكم { يبغونكم الفتنة } يثبطونكم ويفرقون كلمتكم حتى تنازعوا فتفتتنوا { وفيكم سماعون لهم } من يسمع كلامهم ويطيعهم ولو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم { والله عليم بالظالمين } المنافقين

(1/466)


{ لقد ابتغوا الفتنة من قبل } طلبوا لك الشر والعنت قبل تبوك وهو أن جماعة منهم أرادوا الفتك به ليلة العقبة { وقلبوا لك الأمور } اجتهدوا في الحيلة عليك والكيد بك { حتى جاء الحق } الآية أي : حتى أخزاهم الله بإظهار الحق وإعزاز الدين على كره منهم

(1/466)


{ ومنهم من يقول ائذن لي } نزلت في جد بن قيس المنافق قال لرسول الله رسول صلى الله عليه و سلم : هل لك في جلاد بني الأصفر تتحذ منهم سراري وصفاء فقال : ائذن لي يا رسول الله في القعود عنك وأعينك بمالي { ولا تفتني } ببنات بني الأصفر فإني مستهتر بالنساء إني أخشى إن رأيتهن ألا أصبر عنهن فقال الله تعالى : { ألا في الفتنة سقطوا } أي : في الشرك وقعوا بنفاقهم وخلفهم أمرك { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } لمحدقة بمن كفر جامعة لهم

(1/467)


{ إن تصبك حسنة } نصر وغنيمة { تسؤهم وإن تصبك مصيبة } من قتل وهزيمة { يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل } قد أخذنا حذرنا وعملنا بالحزم حين تخلفنا { ويتولوا } وينصرفوا { وهم فرحون } معجبون بذلك وبما نالك من السوء

(1/467)


{ قل لن يصيبنا } خير ولا شر { إلا } وهو مقدر مكتوب علينا { هو مولانا } ناصرنا { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم على الرضا بتدبيره

(1/467)


{ قل هل تربصون بنا } هل تنتظرون أن يقع بنا { إلا إحدى الحسنيين } الغنيمة أو الشهادة { ونحن نتربص } ننتظر { بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده } بقارعة من السماء { أو بأيدينا } يأذن لنا في قتلكم فنقتلكم { فتربصوا إنا معكم متربصون } فانتظروا مواعيد الشيطان إنا منتظرون مواعيد الله من إظهار دينه وهلاك من خالفه ثم ذكر في الآية الثانية والثالثة أنه لا يقبل منهم ما أنفقوا في الجهاد لأن منهم من قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : اقعد وأعينك بمالي فأخبر الله تعالى أنه لا يقبل ذلك فعلوه طائعين أو مكرهين وبين أن المانع لقبول ذلك كفرهم بالله ورسوله وكسلهم في الصلاة لأنهم لا يرجون لها ثوابا وكراهتهم الإنفاق في سبيل الله لأنهم يعدونه مغرما

(1/467)


{ قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين }

(1/468)


{ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون }

(1/468)


{ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم } لا تستحسن ما أنعمنا عليهم من الأموال الكثيرة والأولاد { إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } يعني : بالمصائب فيها فهي لهم عذاب وللمؤمن أجر { وتزهق أنفسهم } وتخرج أرواحهم { وهم } على الكفر

(1/468)


{ ويحلفون بالله إنهم لمنكم } أي : إنهم مؤمنون وليسوا مؤمنين { ولكنهم قوم يفرقون } يخافون فيحلفون تقية لكم

(1/468)


{ لو يجدون ملجأ } مهربا { أو مغارات } سراديب { أو مدخلا } وجها يدخلونه { لولوا إليه } لرجعوا إليه { وهم يجمحون } يسرعون إسراعا لا يرد وجوههم شيء أي : لو أمكنهم الفرار من بين المسلمين بأي وجه كان لفروا لوم يقيموا بينهم

(1/468)


{ ومنهم } ومن المنافقون { من يلمزك } يعيبك وطعن عليك { في } أمر { الصدقات } يقول : إنما يعطيها محمد من أحب فإن أكثرت لهم من ذلك فرحوا وإن أعطيتهم قليلا سخطوا ثم ذكر في الآية الثانية أنهم لو رضوا بذلك وتوكلوا على الله لكان خيرا لهم وهو قوله :

(1/469)


{ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } ثم بين لمن الصدقات فقال :

(1/469)


{ إنما الصدقات للفقراء } وهم المتعففون عن السؤال { والمساكين } الذين يسألون ويطوفون على الناس { والعاملين عليها } السعاة لجباية الصدقة { والمؤلفة قلوبهم } كانوا قوما من أشراف العرب استألفهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ليردوا عنه قومهم ويعينوه على عدوه { وفي الرقاب } المكاتبين { والغارمين } أهل الدين { وفي سبيل الله } الغزاة والمرابطون { وابن السبيل } المنقطع في سفره { فريضة من الله } افترضها الله على الأغنياء في أموالهم

(1/469)


{ ومنهم الذين يؤذون النبي } بنقل حديثه وعيبه { ويقولون هو أذن } أنهم قالوا فيما بينهم : نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا لأنه أذن والأذن : الذي يسمع كل ما يقال له فقال الله تعالى { قل أذن خير لكم } أي : مستمع خير وصلاح لا مستمع شر وفساد ثم أكد هذا وبينه فقال : { يؤمن بالله } أي : يسمع ما ينزله الله عليه فيصدق به { ويؤمن للمؤمنين } ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه لا الكافرين { ورحمة للذين آمنوا منكم } أي : وهو رحمة لأنه كان سبب إيمانهم

(1/469)


{ يحلفون بالله لكم ليرضوكم } يحلف هؤلاء المنافقون فيما بلغكم عنهم من أذى الرسول والطعن عليه أنهم ما أتوا ذلك ليرضوكم بيمينهم { والله ورسوله أحق أن يرضوه } فيؤمنوا بهما ويصدقوهما إن كانوا على ما يظهرون

(1/470)


{ ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم }

(1/470)


{ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم } على المؤمنين { سورة } تخبرهم { بما في قلوبهم } من الحسد لرسول الله صلى الله عليه و سلم والمؤمنين وذلك أنهم كانوا يفرقون من هتكهم وفضيحتهم { قل استهزئوا } أمر وعيد { إن الله مخرج } مظهر { ما تحذرون } ظهوره

(1/470)


{ ولئن سألتهم } عما كانوا فيه من الاستهزاء { ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } وذلك أن رجلا من المنافقين قال في غزوة تبوك : ما رأيت مثل هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء يعني : رسول الله صلى الله عليه و سلم والمؤمنين فأخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك فجاء هذا القائل ليعتذر فوجد القرآن قد سبقه فقال : يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عنا الطريق وهو معنى قوله : { إنما كنا نخوض } أي : في الباطل من الكلام كما يخوض الركب فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون }

(1/470)


{ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } أي : ظهر كفركم بعد إظهاركم الإيمان { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة } وذلك أنهم كانوا ثلاثة نفر فهزئ اثنان وضحك واحد وهو المعفو عنه فلما نزلت هذه الآية برئ من النفاق

(1/471)


{ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } على دين بعض { يأمرون بالمنكر } بالكفر بمحمد صلى الله عليه و سلم { وينهون عن المعروف } عن اتباعه { ويقبضون أيديهم } عن النفقة في سبيل الله { نسوا الله فنسيهم } تركوا أمر الله فتركهم من كل خير وخذلهم { إن المنافقين هم الفاسقون } الخارجون عما أمر الله

(1/471)


{ وعد الله المنافقين } الآية ظاهرة ثم خاطبهم فقال :

(1/471)


{ كالذين من قبلكم } أي : فعلتم كأفعال الذين من قبلكم { فاستمتعوا بخلاقهم } رضوا بنصيبهم من الدنيا ففعلتم أنتم أيضا مثل ما فعلوا { وخضتم } في الطعن على النبي صلى الله عليه و سلم كما خاضوا في الطعن على أنبيائهم { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } لأنها لا تقبل منهم ولا يثابون عليها

(1/471)


{ ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم } ألم يأتهم خبر الذين أهلكوا في الدنيا بذنوبهم فيتعظوا ثم ذكرهم { قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم } يعني : نمروذ { وأصحاب مدين } قوم شعيب { والمؤتفكات } وأصحاب المؤتفكات وهي قرى قوم لوط { فما كان الله ليظلمهم } ليعذبهم قبل بعث الرسول { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بتكذيب الرسل

(1/472)


{ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } في الرحمة والمحبة { يأمرون بالمعروف } يدعون إلى الإسلام { وينهون عن المنكر } الشرك بالله الآية

(1/472)


{ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة } يريد قصور الزبرجد والدر والياقوت { في جنات عدن } هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن { ورضوان من الله أكبر } مما يوصف

(1/472)


{ يا أيها النبي جاهد الكفار } بالسيف { والمنافقين } باللسان والحجة { واغلظ عليهم } يريد شدة الانتهار والنظر بالبغضة والمقت

(1/472)


{ يحلفون بالله ما قالوا } نزلت حين أساء المنافقون القول في رسول الله صلى الله عليه و سلم وطعنوا في الدين وقالوا : إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله ابن أبي تاجا يباهي به رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فسعي بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فدعاهم فحلفوا ما قالوا { ولقد قالوا كلمة الكفر } سبهم الرسول وطعنهم في الدين { وهموا بما لم ينالوا } من عقدهم التاج على رأس ابن أبي وقيل : من الاغتيال بالرسول { وما نقموا } كرهوا { إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } بالغنيمة حتى صارت لهم الأموال أي : إنهم عملوا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر الغنى أن نقموه ثم عرض عليهم التوبة فقال : { فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا } يعرضوا عن الإيمان { يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا } بالقتل { و } في { الآخرة } بالنار { وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير } لا يتولاهم أحد من المسلمين

(1/473)


{ ومنهم من عاهد الله } يعني : ثعلبة بن حاطب عاهد ربه لئن وسع عليه أن يؤتي كل ذي حق حقه ففعل الله ذلك فلم يف بما عاهد ومنع الزكاة فهذا معنى قوله : { لئن آتانا من فضله لنصدقن } لنعطين الصدقة { ولنكونن من الصالحين } ولنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم

(1/473)


{ فلما آتاهم من فضله بخلوا به } الآية

(1/474)