صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
[ تفسير الواحدي - الواحدي ] |
{ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } علم الله تعالى أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم صلى الله عليه و سلم فأخبرهم تعالى أنه س { يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } وهم أبو بكر رضي الله عنه وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة { أذلة على المؤمنين } كالولد لوالده والعبد لسيده { أعزة على الكافرين } غلاظ عليهم كالسبع على فريسته { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } كالمنافقين الذين كانوا يرقبون الكافرين ويخافون لومهم في نصرة الدين { ذلك فضل الله } أي : محبتهم لله عز و جل ولين جانبهم للمسلمين وشدتهم على الكفار بفضل من الله عليهم (1/324)
{ إنما وليكم الله ورسوله } نزلت لما هجر اليهود من أسلم منهم فقال عبد الله بن سلام : يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا فنزلت هذه الآية فقال : رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء وقوله : { وهم راكعون } يعني : صلاة التطوع (1/325)
{ ومن يتول الله ورسوله } يتولى القيام بطاعته ونصرة رسوله والمؤمنين { فإن حزب الله } جند الله وأنصار دينه { هم الغالبون } غلبوا اليهود فأجلوهم من ديارهم وبقي عبد الله بن سلام وأصحابه الذين تولوا الله ورسوله (1/325)
{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا } الآيه نزلت في رجال كانوا يوادون منافقي اليهود ومعنى قوله : { اتخذوا دينكم هزوا ولعبا } إظهارهم ذلك باللسان واستبطانهم الكفر تلاعبا واستهزاء { والكفار } يعني : مشركي العرب وكفار مكة { واتقوا الله } فلا تتخذوا منهم أولياء { إن كنتم مؤمنين } بوعده ووعيده (1/325)
{ وإذا ناديتم إلى الصلاة } دعوتم الناس بالأذان { اتخذوها هزوا ولعبا } تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون تجهيلا لأهلها { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } مالهم في إجابتها لو أجابوا إليها وما عليهم في استهزائهم بها (1/325)
{ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا } الآيه ( أي : هل تنكرون وتكرهون ) [ أتى نفر من اليهود رسول الله صلى الله عليه و سلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ؟ فقال : أؤمن بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ] فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا : ما نعلم دينا شرا من دينكم فأنزل الله تعالى : { هل تنقمون } أي : هل تكرهون وتنكرون منا إلا إيمانا وفسقكم أي : إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أننا على حق لأنكم قد فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرئاسة وكسبكم بها الأموال وتقدير قوله : { وأن أكثركم فاسقون } ولأن أكثركم والواو زائدة والمعنى : لفسقكم نقمتم علينا الإيمان وقوله : (1/325)
{ قل هل أنبئكم } أخبركم جواب لقول اليهود : ما نعرف أهل دين شرا منكم فقال الله : { هل أنبئكم } أخبركم { بشر من } ذلكم المسلمون الذين طعنتم عليهم { مثوبة } جزاء وثوابا { عند الله من لعنه الله } أي : هو من لعنه الله : أبعده عن رحمته { وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير } يعني : أصحاب السبت { وعبد الطاغوت } نسق على { لعنة الله } وعبد الطاغوت أطاع الشيطان فيما سوله له { أولئك شر مكانا } لأن مكانهم سقر { وأضل عن سواء السبيل } قصد الطريق وهو دين الحنيفية فلما نزلت هذه الآية عير المسلمون اليهود وقالوا : يا إخوان القردة والخنازير فسكتوا وافتضحوا (1/326)
{ وإذا جاؤوكم قالوا آمنا } يعني : منافقي اليهود { وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } أي : دخلوا وخرجوا كافرين والكفر معهم في كلتي حالهم (1/326)
{ وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان } يجترئون على الخطأ والظلم ويبادرون إليه { وأكلهم السحت } ما كانوا يأخذونه من الرشا على كتمان الحق ثم ذم فعلهم بقوله : { لبئس ما كانوا يعملون } (1/327)
{ لولا } هلا { ينهاهم } عن قبح فعلهم { الربانيون والأحبار } علماؤهم وفقهاؤهم { لبئس ما كانوا يصنعون } حين تركوا النكير عليهم (1/327)
{ وقالت اليهود يد الله مغلولة } مقبوضة عن العطاء وإسباغ النعم علينا قالوا هذا حين كف الله تعالى عنهم بكفرهم بمحمد عليه السلام ما كان يسلط عليهم من الخصب والنعمة فقالوا - لعنهم الله على جهة الوصف بالبخل - : { يد الله مغلولة } وقوله : { غلت أيديهم } أي : جعلوا بخلاء وألزموا البخل فهم أبخل قوم { ولعنوا بما قالوا } عذبوا في الدنيا بالجزية ( والذلة والصغار والقحط والجلاء ) وفي الآخرة بالنار { بل يداه مبسوطتان } قيل : معناه : الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام وقيل معناه : نعمه مبسوظة ودلت التثنية على الكثرة كقولهم : ( لبيك وسعديك ) وقيل : معمتاه : أي : نعمة الدنيا ونعمة الآخرة { مبسوطتان ينفق كيف يشاء } يرزق كما يريد إن شاء قتر وإن شاء وسع { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } كلما أنزل عليك شيء من القرآن كفروا به فيزيد كفرهم { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء } بين طوائف اليهود وجعلهم الله مختلفين متباغضين كما قال { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } كلما أرادوا محاربتك ردهم الله وألزمهم الخوف { ويسعون في الأرض فسادا } يعني : يجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر النبي صلى الله عليه و سلم من كتبهم (1/327)
{ ولو أن أهل الكتاب آمنوا } بمحمد صلى الله عليه و سلم { واتقوا } اليهودية والنصرانية { لكفرنا عنهم سيئاتهم } كل ما صنعوا قبل أن تأتيهم (1/328)
{ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } عملوا بما فيهما من التصديق بك { وما أنزل إليهم } من كتب أنبيائهم { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } لأنزلت عليهم القطر وأخرجت لهم من نبات الأرض كلما أرادوا { منهم أمة مقتصدة } مؤمنة (1/328)
{ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } أي : لا تراقبن أحدا ولا تتركن شيئا مما أنزل إليك تخوفا من أن ينالك مكروه بلغ الجميع مجاهرا به { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } إن كتمت آية مما أنزلت إليك لم تبلغ رسالتي يعني : إنه إن ترك بلاغ البعض كان كمن لم يبلغ { والله يعصمك من الناس } أن ينالوك بسوء قال المفسرون : كان النبي صلى الله عليه و سلم يشفق على نفسه غائلة اليهود والكفار وكان لا يجاهرهم بعيب دينهم وسب آلهتهم فأنزل الله تعالى : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } فقال : يارب كيف أصنع وأنا واحد أخاف أن يجتمعوا علي ؟ فأنزل الله تعالى : { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين } لا يرشد من كذبك (1/328)
{ قل يا أهل الكتاب لستم على شيء } من الدين { حتى تقيموا } حتى تعلموا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد صلى الله عليه و سلم وبيان نعته وباقي الآية مضى تفسيره إلى قوله : { فلا تأس على القوم الكافرين } يقول : لا تحزن على أهل الكتاب إن كذبوك (1/329)
{ إن الذين آمنوا والذين هادوا } سبق تفسيره في سورة البقرة (1/329)
قال تعالى { لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } (1/329)
{ وحسبوا أن لا تكون فتنة } ظنوا وقدروا ألا تقع بهم عقوبة وعذاب في الإصرار على الكفر بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل { فعموا وصموا } عن الهدى فلم يعقلوه { ثم تاب الله عليهم } بإرسال محمدا صلى الله عليه و سلم داعيا إلى الصراط المستقيم { ثم عموا وصموا كثير منهم } بعد تبين الحق لهم بمحمد عليه السلام { والله بصير بما يعملون } من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل (1/329)
قال تعالى { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } (1/329)
{ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } أي : ثالث ثلاثة من الآلهة والمعنى : أنهم قالوا : الله واحد ثلاثة آلهة : هو والمسيح ومريم فزعموا أن الإلهية مشتركة بين هؤلاء الثلاثة فكفروا بذلك (1/330)
{ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } أي : إنه رسول ليس بآلهة كما أن من قبله كانوا رسلا { وأمه صديقة } صدقت بكلمات ربها وكتبه { كانا يأكلان الطعام } يريد : هما لحم ودم يأكلان ويشربان ويبولان ويتغوطان وهذه ليست من أوصاف الإلهية { انظر كيف نبين لهم الآيات } نفسر لهم أمر ربوبيتي { ثم انظر أنى يؤفكون } يصرفون عن الحق الذي يؤدي إليه تدبر الآيات (1/330)
قال تعالى { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون } (1/330)
{ قل } للنصارى : { أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا } يعني : المسيح لأنه لا يملك ذلك إلا الله عز و جل { والله هو السميع } لكفركم { العليم } بضميركم (1/330)
{ قل يا أهل الكتاب } يعني : اليهود والنصارى { لا تغلوا في دينكم } لا تخرجوا عن الحد في عيسى وغلو اليهود فيه بتكذيبهم إياه ونسبته إلى أنه لغير رشدة وغلوا النصارى فيه ادعاؤهم الإلهية له وقوله : { غير الحق } أي : مخالفين للحق { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل } يعني : رؤساهم الذين مضوا من الفريقين أي : لا تتبعوا أسلافكم فيما ابتدعوه بأهوائهم { وضلوا عن سواء السبيل } عن قصد الطريق بإضلالهم الكثير (1/330)
{ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل } يعني : أصحاب السبت وأصحاب المائدة { على لسان داود } لأنهم لما اعتدوا قال داود عليه السلام : اللهم العنهم واجعلهم آية لخلقك فمسخوا قردة على لسان داود { وعيسى ابن مريم } عليه السلام لأنه لعن من لم يؤمن من أصحاب المائدة فقال : اللهم العنهم كما لعنت السبت فمسخوا خنازير (1/331)
{ كانوا لا يتناهون } لا ينتهون { عن منكر فعلوه } (1/331)
{ ترى كثيرا منهم } من اليهود { يتولون الذين كفروا } كفار مكة { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم } بئسما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة سخط الله عليهم (1/331)
قال تعالى { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون } (1/331)
{ لتجدن } يا محمد { أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود } وذلك أنهم ظاهروا المشركين على المؤمنين حسدا للنبي عليه السلام { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } يعني : النجاشي ووفده الذين قدموا من الحبشة على رسول الله صلى الله عليه و سلم وآمنوا به ولم يرد جميع النصارى { ذلك } يعني : قرب المودة { بأن منهم قسيسين ورهبانا } أي : علماء بوصاة عيسى بالإيمان بمحمد عليه السلام { وأنهم لا يستكبرون } عن اتباع الحق كما يستكبر اليهود وعبدة الأوثان (1/331)
{ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } يعني : النجاشي وأصحابه قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة ( كهعيص ) فما زالوا يبكون وهو قوله : { ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } يريد : الذي نزل على محمد وهو الحق { يقولون ربنا آمنا } وصدقنا { فاكتبنا مع الشاهدين } مع أمة محمد صلى الله عليه و سلم الذين يشهدون بالحق (1/332)
{ وما لنا لا نؤمن بالله } أي : أي شيء لنا إذا تركنا الإيمان بالله { وما جاءنا من الحق } أي : القرآن { و } نحن { نطمع أن يدخلنا ربنا } الحنة مع أمة محمد عليه السلام يعنون : أنهم لا شيء لهم إذا لم يؤمنوا بالقرآن ولا يتحقق طمعهم في دخول الجنة (1/332)
{ فأثابهم الله بما قالوا } يعني : بما سألوا الله من قولهم : { فاكتبنا مع الشاهدين } وقولهم : { ونطمع أن يدخلنا ربنا } الآية { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك } أي : الثواب { جزاء المحسنين } الموحدين ثم ذكر الوعيد لمن كفر من أهل الكتاب وغيرهم فقال : (1/332)
{ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم } (1/333)
{ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } هم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم تعاهدوا أن يحرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة وأن يصوموا النهار ويقوموا الليل ويخصوا أنفسهم فأنزل الله تعالى هذه الآية وسمى الخصاء اعتداء فلما نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله إنا كنا قد حلفنا على ذلك فنزلت : (1/333)
قال تعالى { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } (1/333)
{ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } وفسرنا هذا في سورة البقرة { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } وهو أن يقصد الأمر فيحلف بالله ويعقد عليه اليمين بالقلب متعمدا { فكفارته } إذا حنثتم { إطعام عشرة مساكين } لكل مسكين مد وهو رطل وثلث وهو قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } لأن هذا القدر وسط في الشبع وقيل : من خير ما تطعمون أهليكم كالحنطة والتمر { أو كسوتهم } وهو أقل ما يقع عليه اسم الكسوة من إزار ورداء وقميص { أو تحرير رقبة } يعني : مؤمنة والمكفر في اليمين مخير بين هذه الثلاث { فمن لم يجد } يعني : لم يفضل من قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يطعم عشرة مساكين { ف } عليه { صيام ثلاثة أيام } { واحفظوا أيمانكم } فلا تحلفوا واحفظوها عن الحنث (1/333)
{ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر } يعني : الأشربة التي تخمر حتى تشتد وتسكر { والميسر } القمار بجميع أنواعه { والأنصاب } الأوثان { والأزلام } قداح الاستقسام التي ذكرت في أول السورة { رجس } قذر قبيح { من عمل الشيطان } مما يسوله الشيطان لبني آدم { فاجتنبوه } كونوا جانبا منه (1/334)
{ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر } وذلك لما يحصل بين أهلها من العداوة والمقابح والإقدام على ما يمنع منه العقل { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة } لأن من اشتغل بهما منعاه عن ذكر الله والصلاة { فهل أنتم منتهون } ( استفهام بمعنى الأمر ) قالوا : انتهينا ثم أمر بالطاعة فقال : (1/334)
{ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا } المحارم والمناهي { فإن توليتم } عن الطاعة { فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } فليس عليه إلا البلاغ فإن أطعتم وإلا استحققتم العقاب فلما نزل تحريم الخمر قالوا : يا رسول الله ما تقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربونها ويأكلون الميسر ؟ فنزل : (1/335)
{ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } من الخمر والميسر قبل التحريم { إذا ما اتقوا } المعاصي والشرك { ثم اتقوا } داموا على تقواهم { ثم اتقوا } ظلم العباد مع ضم الإحسان إليه (1/335)
{ يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد } كان هذا عام الحديبية كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم كثيرة وهم محرمون ابتلاء من الله تعالى { تناله أيديكم } يعني : الفراخ والصغار { ورماحكم } يعني : الكبار { ليعلم الله } ليرى الله { من يخافه بالغيب } أي : من يخاف الله ولم يره { فمن اعتدى } ظلم بأخذ الصيد { بعد ذلك } بعد النهي { فله عذاب أليم } (1/335)
{ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } حرم الله الصيد على المحرم فليس له أن يتعرض للصيد بوجه من الوجوه ما دام محرما { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } أي : فعليه جزاء مماثل للمقتول من النعم في الخلقة ففي النعامة بدنة وفي حمار الوحش بقرة وفي الضبع كبش على هذا التقدير { يحكم به ذوا عدل } يحكم في الصيد رجلان صالحان { منكم } من أهل ملتكم فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به { هديا بالغ الكعبة } أي : مثل ذلك { صياما } والمحرم إذا قتل صيدا كان مخيرا إن شاء جزاه بمثله من النعم وإن شاء قوم المثل دراهم ثم الدراهم طعاما ثم يتصدق به وإن شاء صام عن كل مد يوما { ليذوق وبال أمره } جزاء ما صنع { عفا الله عما سلف } قبل التحريم { ومن عاد فينتقم الله منه } من عاد إلى قتل الصيد محرما حكم عليه ثانيا وهو بصدد الوعيد { والله عزيز } منيع { ذو انتقام } من أهل معصيته (1/335)
{ أحل لكم صيد البحر } ما أصيب من داخله وهذا الإحلال عام لكل أحد محرما كان أو محلا { وطعامه } وهو ما نضب عنه الماء ولم يصد { متاعا لكم وللسيارة } منفعة للمقيم والمسافر يبيعون ويزودون منه ثم أعاد تحريم الصيد في حال الإحرام فقال : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون } خافوا الله الذي إليه تبعثون (1/336)
{ جعل الله الكعبة البيت الحرام } يعني : البيت الذي حرم أن يصاد عنده ويختلى للحج وقضاء النسك { والشهر الحرام } يعني : الأشهر الحرم فذكر بلفظ الجنس { والهدي والقلائد } ذكرناه في أول السورة وهذه الجملة ذكرت بعد ذكر البيت لأنها من أسباب الحج فذكرت معه { ذلك } أي : ذلك الذي أنبأتكم به في هذه السورة من أخبار الأنبياء وأحوال المنافقين واليهود وغير ذلك { لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات } الآية أي : يدلكم ذلك على أن لا يخفي عليه شيء (1/336)
قال تعالى { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } (1/336)
قال تعالى { ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } (1/336)
{ قل لا يستوي الخبيث والطيب } أي : الحرام والحلال { ولو أعجبك كثرة الخبيث } وذلك عن أهل الدنيا يعجبهم كثرة المال وزينة الدنيا (1/337)
{ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } نزلت حين سئل النبي حتى أحفوه بالمسألة فقام مغضبا خطيبا وقال : لا تسألوني في مقامي هذا عن شيء إلا أخبرتكموه فقام رجل من بني سهم يطعن في نسيه فقال : من أبي ؟ فقال : أبوك حذافة وقام آخر فقال : أين أنا ؟ فقال : في النار فأنزل الله تعالى هذه الآية ونهاهم أن يسألوه عما يحزنهم جوابه وإبداؤه كسؤال من سأل عن موضعه فقال : في النار { وإن تسألوا عنها } أي عن أشياء { حين ينزل القرآن } فيها { تبد لكم } يعني : ما ينزل فيه القرآن من فرض أو نهي أو حكم ومست الحاجة إلى بيانه فإذا سألتم عنها حينئذ تبدى لكم { عفا الله عنها } أي : عن مسألتكم مما كرهه النبي صلى الله عليه و سلم ولا حاجة بكم إلى بيانه نهاهم أن يعودوا إلى مثل ذلك وأخبر أنه عفا عما فعلوا { والله غفور حليم } لا يعجل بالعقوبة ثم أخبرهم عن حال من تكلف سؤال ما لم يكلفوا فقال : (1/337)
{ قد سألها } أي : الآيات { قوم من قبلكم } الآية يعني : قوم عيسى سألوا المائدة ثم كفروا بها وقوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها (1/338)
{ ما جعل الله من بحيرة } أي : ما أوجبها ولا أمر بها والبحيرة : الناقة إذا نتجت خمسة أبطن شقوا أذنها وامتنعوا من ركوبها وذبحها { ولا سائبة } هو ما كانوا يسيبونه لآلهتهم في نذر يلزمهم إن شفي مريض أو قضيت لهم حاجة { ولا وصيلة } كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم { ولا حام } إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا : قد حمى ظهره فلم يركب ولم ينتفع وسيب لأصنامهم فلا يحمل عليه { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } يتقولون على الله الأباطيل في تحريم هذه الأنعام وهم جعلوها محرمة لا الله { وأكثرهم } يعني : أتباع رؤسائهم الذين سنوا لهم تحريم هذه الأنعام { لا يعقلون } أن ذلك كذب وافتراء على الله من الرؤساء (1/338)
{ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله } في القرآن من تحليل ما حرمتم { قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا } من الدين { أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } مفسرة في سورة البقرة (1/338)
{ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } احفظوها من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب { لا يضركم من ضل } من أهل الكتاب { إذا اهتديتم } أنتم { إلى الله مرجعكم جميعا } مصيركم ومصير من خالفكم { فينبئكم بما كنتم تعملون } يجازيكم بأعمالكم (1/338)
{ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } نزلت هذه الآية في قصة تميم وعدي وبديل خرجوا تجارا إلى الشام فمرض بديل ودفع إليهما متاعه وأوصى إليهما أن يدفعاه إلى أهله إذا رجعا فأخذا من متاعه إناء من فضة وردا الباقي إلى أهله فعلموا بخيانتهما ورفعوها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأنزل الله تعالى هذه الآيات ومعنى الآية : ليشهدكم { إذا حضر أحدكم الموت } وأردتم الوصية { اثنان ذوا عدل منكم } من أهل ملتكم تشهدونهما على الوصية { أو آخران من غيركم } من غير دينكم إذا { ضربتم } سافرتم { في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت } علم الله أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين ويحضره الموت فلا يجد من يشهده على وصيته من المسلمين فقال : { أو آخران من غيركم } فالذميان في السفر ( خاصة ) إذا لم يوجد غيرهما ( تقبل شهادتهما في ذلك ) وقوله : { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا } أي : ارتبتم في شهادتهما وشككتم وخشيتم أن يكونا قد خانا حبستموهما على اليمين بعد صلاة العصر فيحلفان بالله ويقولان في يمينهما : لا نبيع الله بعرض من الدنيا ولا نحابي أحدا في شهادتنا { ولو كان ذا قربى } ولو كان المشهود له ذا قربى { ولا نكتم شهادة الله } أي : الشهادة التي أمر الله بإقامتها { إنا إذا لمن الأثمين } إن كتمناها ولما رفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ونزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يستحلفوهما وذلك أنهما كانا نصرانيين وبديل كان مسلما فحلفا أنهما ما قبضا غير ما دفعا إلى الورثة ولا كتما شيئا وخلى سبيلهما ثم اطلع على الإناء في أيديهما فقالا : اشتريناه منه فارتفعوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فنزل قوله : (1/339)
{ فإن عثر } أي : ظهر واطلع { على أنهما استحقا إثما } أي : استوجباه بالخيانة والحنث في اليمين { فآخران يقومان مقامهما } من الورثة وهم الذين { استحق عليهم } أي : استحق عليهم الوصية أو الإيصاء وذلك أن الوصية تستحق على الورثة { الأوليان } بالميت أي : الأقربان إليه والمعنى : قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت فيحلفان بالله : لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما وهو قوله : { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } أي : يميننا أحق من يمينهما { وما اعتدينا } فيما قلنا فلما نزلت هذه الآية قام اثنان من ورثة الميت فحلفا بالله أنهما خانا وكذبا فدفع الإناء إلى أولياء الميت (1/340)
{ ذلك } أي : ما حكم به في هذه القصة وبينة من رد اليمين { أدنى } إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت { أو يخافوا } أي : أقرب إلى أن يخافوا { أن ترد أيمان } على أولياء الميت بعد أيمان الأوصياء فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا { واتقوا الله } أن تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة { واسمعوا } الموعظة { والله لا يهدي القوم الفاسقين } لايرشد من كان على معصيته (1/340)
{ يوم يجمع الله الرسل } أي : اذكروا ذلك اليوم { فيقول } لهم : { ماذا أجبتم } ما أجابكم قومكم في التوحيد ؟ { قالوا لا علم لنا } من هول ذلك اليوم يذهلون عن الجواب ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم فيشهدون لمن صدقهم وعلى من كذبهم (1/341)
{ إذ قال الله يا عيسى ابن مريم } مضى تفسير الآية إلى قوله : { وإذ كففت بني إسرائيل عنك } أي : عن قتلك (1/341)
{ وإذ أوحيت إلى الحواريين } أي : ألهمتهم (1/341)
{ إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك } لم يشكوا في قدرته ولكن معناه : هل يقبل ربك دعاءك وهل يسهل لك إنزال مائدة علينا من السماء علما لك ودلالة على صدقك ؟ فقال عيسى : { اتقوا الله } أن تسألوه شيئا لم تسأله الأمم من قبلكم (1/341)
{ قالوا : نريد أن نأكل منها } أي : نريد السؤال من أجل هذا { وتطمئن قلوبنا } نزداد يقينا بصدقك { ونكون عليها من الشاهدين } لله بالتوحيد ولك بالنبوة وقوله (1/342)
{ تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا } أي : نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا { وآية منك } دلالة على توحيدك وصدق نبيك { وارزقنا } عليها طعاما نأكله وقوله : (1/342)
{ فمن يكفر بعد منكم } أي : بعد إنزال المائدة { فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } أراد : جنسا من العذاب لا يعذب به غيرهم من علمي زمانهم (1/342)
{ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم } واذكر يا محمد حين يقول الله تعالى يوم القيامة : { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } هذا استفهام معناه التوبيخ لمن ادعى ذلك على المسيح ليكذبهم المسيح فتقوم عليهم الحجة { قال سبحانك } أي : براءتك من السوء { تعلم ما في نفسي } أي : ما في سري وما أضمره { ولا أعلم ما في نفسك } أي : ما تخفيه أنت وما عندك علمه ولم تطلعنا عليه وقوله : (1/342)
{ وكنت عليهم شهيدا } أي : كنت أشهد على ما يفعلون ما كنت مقيما فيهم { فلما توفيتني } يعني : رفعتني إلى السماء { كنت أنت الرقيب } الحفيظ { عليهم وأنت على كل شيء شهيد } أي : شهدت مقالتي فيهم وبعد ما رفعتني شهدت ما يقولون من بعدي (1/343)
{ إن تعذبهم } أي : من كفر بك { فإنهم عبادك } وأنت العادل فيهم { وإن تغفر لهم } أي : من تاب منهم وآمن فأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد حكيم في ذلك (1/343)
{ قال الله هذا يوم } يعني : يوم القيامة { ينفع الصادقين } في الدنيا { صدقهم } لأنه يوم الإثابة والجزاء { رضي الله عنهم } بطاعته { ورضوا عنه } بثوابه { ذلك الفوز العظيم } لأنهم فازوا بالجنة (1/343)
{ لله ملك السماوات والأرض } عظم نفسه عما قالت النصارى : إن معه إلها (1/343)
{ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور } وخلق الليل والنهار { ثم الذين كفروا } بعد قيام الدليل على وحدانيته بما ذكر من خلقه { بربهم يعدلون } الحجارة والأصنام فيعبدونها معه 0 (1/344)
{ هو الذي خلقكم من طين } يعني : آدم أبا البشر { ثم قضى أجلا } يعني : أجل الحياة إلى الموت { وأجل مسمى عنده } من الممات إلى البعث { ثم أنتم } أيها المشركون بعد هذا { تمترون } تشكون وتكذبون بالبعث يريد إن الذي ابتدأ الخلق قادر على إعادته (1/344)
{ وهو الله } أي : المعبود المعظم المتفرد بالتدبير { في السماوات وفي الأرض } (1/344)
{ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم } الدالة على وحدانيته كما ذكر من خلق آدم وخلق الليل والنهار { إلا كانوا عنها معرضين } تاركين التفكر فيها (1/344)
{ فقد كذبوا } يعني : مشركي أهل مكة { بالحق لما جاءهم } يعني : القرآن { فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } أي : أخبار استهزائهم وجزاؤه (1/345)
{ ألم يروا } يعني : هؤلاء الكفار { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } من جيل وأمة { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } أعطيناهم من المال والعبيد والأنعام ما لم نعطكم { وأرسلنا السماء } المطر { عليهم مدرارا } كثير الدر وهو إقباله ونزوله بكثرة { فأهلكناهم بذنوبهم } بكفرهم { وأنشأنا } أوجدنا { من بعدهم قرنا آخرين } وهذا احتجاج على منكري البعث (1/345)
{ ولو نزلنا عليك } قال مشركو مكة : لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من السماء جملة واحدة معاينة فقال الله : { ولو نزلنا عليك كتابا } أي : مكتوبا { في قرطاس } يعني : الصحيفة { فلمسوه بأيديهم } فعاينوا ذلك معاينة ومسوه بأيديهم { لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين } أخبر الله تعالى أنهم يدفعون الدليل حتى لو رأوا الكتاب ينزل من السماء لقالوا : سحر (1/345)
{ وقالوا : لولا أنزل عليه ملك } طلبوا ملكا يرونه يشهد له بالرسالة فقال الله عز و جل : { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } لأهلكوا بعذاب الاستئصال كسنة من قبلهم ممن طلبوا الآيات فلم يؤمنوا { ثم لا ينظرون } لا يمهلون لتوبة ولا لغير ذلك (1/345)
{ ولو جعلناه ملكا } أي : ولو جعلنا الرسول الذي ينزل عليهم ليشهدوا له بالرسالة ملكا كما يطلبون { لجعلناه رجلا } لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته لأن أعين الخلق تحار عن رؤية الملائكة ولذلك كان جبريل عليه السلام يأتي رسول الله صلى الله عليه و سلم في صورة دحية الكلبي { وللبسنا عليهم ما يلبسون } ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدروا أملك هو أم آدمي أي : فإنما طلبوا حال لبس لا حال بيان ثم عزى الله نبيه عليه السلام بقوله : (1/346)
{ ولقد استهزئ برسل من قبلك } وكذبوا ونسبوا إلى السحر { فحاق } فحل ونزل { بالذين سخروا } من الرسل { ما كانوا به يستهزئون } من العذاب وينكرون وقوعه (1/346)
{ قل } لهم يا محمد : { سيروا في الأرض } سافروا في الأرض { ثم انظروا } فاعتبروا { كيف كان عاقبة } مكذبي الرسل يعني : إذا سافروا رأوا آثار الأمم الخالية المهلكة يحذرهم مثل ما وقع بهم (1/346)
{ قل لمن ما في السماوات والأرض } فإن أجابوك وإلا { قل لله كتب على نفسه الرحمة } أوجب على نفسه الرحمة وهذا تلطف في الاستدعاء إلى الإنابة { ليجمعنكم } أي : والله ليجمعنكم { إلى يوم القيامة } أي : ليضمنكم إلى هذا اليوم الذي أنكرتموه وليجمعن بينكم وبينه ثم ابتدأ فقال : { الذين خسروا أنفسهم } أهلكوها بالشرك { فهم لا يؤمنون } (1/346)
{ وله ما سكن في الليل والنهار } أي : ما حل فيهما واشتملا عليه يعني : جميع المخلوقات (1/346)
{ قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض } خالقهما ابتداء { وهو يطعم ولا يطعم } يرزق ولا يرزق (1/347)
{ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } (1/347)
{ من يصرف عنه } أي : العذاب { يومئذ } يوم القيامة { فقد رحمه } فقد أوجب الله له الرحمة لا محالة (1/347)
{ وإن يمسسك الله بضر } أي : إن جعل الضر وهو المرض والفقر يمسك (1/347)
{ وهو القاهر } القادر الذي لا يعجزه شيء { فوق عباده } أي : إن قهره قد استعلى عليهم فهم تحت التسخير (1/347)
{ قل أي شيء أكبر شهادة } قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه و سلم ائتنا بمن يشهد لك بالنبوة فإن أهل الكتاب ينكرونك فنزلت هذه الآية أمر الله تعالى محمدا عليه السلام أن يسألهم ثم أمر أن يخبرهم فيقول : { الله شهيد بيني وبينكم } أي : الله الذي اعترفتم بأنه خالق السماوات والأرض والظلمات والنور يشهد لي بالنبوة بإقامة البراهين وإنزال القرآن علي { وأوحي إلي هذا القرآن } المعجز بلفظه ونظمه وأخباره عما كان ويكون { لأنذركم } لأخوفكم { به } عقاب الله على الكفر { ومن بلغ } يعني : ومن بلغه القرآن من بعدكم فكل من بلغه القرآن فكأنما رأى محمد عليه السلام قل { أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى } استفهام معناه الجحد والإنكار { قل لا أشهد } الآيه (1/347)
{ الذين آتيناهم الكتاب } مفسرة في سورة البقرة (1/348)
{ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } أي : لا أحد أظلم ممن اختلق على الله كذبا يعني : الذين ذكرهم في قوله : { وإذا فعلوا فاحشة } الآيه { أو كذب بآياته } بالقرآن وبمحمد عليه السلام { إنه لا يفلح الظالمون } لا يسعد من جحد ربوبية ربه وكذب رسله وهم الذين ظلموا أنفسهم بإهلاكها بالعذاب (1/348)
{ ويوم } واذكر يوم { نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم } أصنامكم وآلهتكم { الذين كنتم تزعمون } أنها تشفع لكم وهذا سؤال توبيخ (1/348)
{ ثم لم تكن فتنتهم } أي : لم تكن عاقبة افتتانهم بالأوثان وحبهم لها { إلا أن } تبرؤوا منها فـ { قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } (1/348)
{ انظر } يا محمد { كيف كذبوا على أنفسهم } بجحد شركهم في الآخرة { وضل } وكيف ضل ذلك : زال وبطل { عنهم ما كانوا يفترون } بعبادته من الأصنام (1/348)
{ ومنهم } ومن الكفار { من يستمع إليك } إذا قرأت القرآن { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أغطية { أن يفقهوه } لئلا يفهموه ولا يعلموا الحق { وفي آذانهم وقرا } ثقلا وصمما فلا يعون منه شيئا ولا ينتفعون به { وإن يروا كل آية } علامة تدل على صدقك { لا يؤمنوا بها } هذا حالهم في البعد عن الإيمان { حتى إذا جاؤوك يجادلونك } مخاصمين معك في الدين { يقول الذين كفروا } من كفر منهم : { إن هذا } ما هذا { إلا أساطير الأولين } أحاديث الأمم المتقدمة التي كانوا يسطرونها في كتبهم (1/348)
{ وهم ينهون } الناس عن اتباع محمد { وينأون } ويتباعدون { عنه } فلا يؤمنون به { وإن } وما { يهلكون إلا أنفسهم } بتماديهم في معصية الله تعالى { وما يشعرون } وما يعلمون ذلك (1/349)
{ ولو ترى } يا محمد { إذ وقفوا على النار } أي : حبسوا على الصراط فوق النار { فقالوا يا ليتنا نرد } تمنوا أن يردوا إلى الدنيا فيؤمنوا وهو قوله : { ولا نكذب } أي : ونحن لا نكذب { بآيات ربنا } بعد المعاينة { ونكون من المؤمنين } ضمنوا أن لا يكذبوا ويؤمنوا فقال الله تعالى : (1/349)
{ بل } ليس الأمر على ما تمنوا في الرد { بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } وهو أنهم أنكروا شركهم فأنطق الله سبحانه جوارحهم حتى شهدت عليهم بالكفر والمعنى : ظهرت فضيحتهم في الآخرة وتهتكت أستارهم { ولو ردوا لعادوا لما نهوا } إلى ما نهوا { عنه } من الشرك للقضاء السابق فيهم بذلك وأنهم خلقوا للشقاوة { وإنهم لكاذبون } في قولهم : { ولا نكذب بآيات ربنا } (1/349)
{ وقالوا } يعني : الكفار { إن هي إلا حياتنا الدنيا } أنكروا البعث (1/350)
{ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } عرفوا ربهم ضرورة وقيل : وقفوا على مسألة ربهم وتوبيخه إياهم ويؤكد هذا قوله : { أليس هذا بالحق } أي : هذا البعث فيقرون حين لا ينفعهم ذلك ويقولون : { بلى وربنا } فيقول الله تعالى : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } بكفركم (1/350)
{ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } بالبعث والمصير إلى الله { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } فجأة { قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها } قصرنا وضيعنا عمل الآخرة في الدنيا { وهم يحملون أوزارهم } أثقالهم وآثامهم { على ظهورهم } وذلك أن الكافر إذا خرج من قبره استقبله عمله أقبح شيء صورة وأخبثه ريحا فيقول : أنا عملك السيىء طال ما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم { ألا ساء ما يزرون } بئس الحمل ما حملوا (1/350)
{ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو } لأنها تفنى وتنقضي كاللهو واللعب تكون لذة فانية عن قريب { وللدار الآخرة } الجنة { خير للذين يتقون } الشرك { أفلا تعقلون } أنها كذلك فلا تفتروا في العمل لها ثم عزى نبيه صلى الله عليه و سلم على تكذيب قريش إياه فقال : (1/350)
{ قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } في العلانية : إنك كذاب ومفتر { فإنهم لا يكذبونك } في السر قد علموا صدقك { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } بالقرآن بعد المعرفة نزلت في المعاندين الذين تركوا الانقياد للحق كما قال عز و جل : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } افلآيه (1/351)
{ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا } رجاء ثوابي { وأوذوا } حتى نشروا بالمناشير وحرقوا بالنار { حتى أتاهم نصرنا } معونتنا إياهم بإهلاك من كذبهم { ولا مبدل لكلمات الله } لا ناقض لحكمه وقد حكم بنصر الأنبياء في قوله : { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } { ولقد جاءك من نبإ المرسلين } أي : خبرهم في القرآن كيف أنجيناهم ودمرنا قومهم (1/351)
{ وإن كان كبر } عظم وثقل { عليك إعراضهم } عن الإيمان بك وبالقرآن وذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يحرص على إيمان قومه فكانوا إذا سألوه آية أحب أن يريهم ذلك طمعا في إيمانهم فقال الله عز و جل : { فإن استطعت أن تبتغي } تطلب { نفقا } سربا { في الأرض أو سلما } مصعدا { في السماء فتأتيهم بآية } فافعل ذلك والمعنى : أنك بشر لا تقدر على الإتيان بالآيات فلا سبيل لك إلا الصبر حتى يحكم الله { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } أي : إنما تركوا الإيمان لسابق قضائي فيهم لو شئت لاجتمعوا على الإيمان { فلا تكونن من الجاهلين } بأنه يؤمن بك بعضهم دون بعض وأنهم لا يجتمعون على الهدى وغلظ الجواب زجرا لهم عن هذه الحال (1/351)
{ إنما يستجيب } أي : يجيبك إلى الإيمان { الذين يسمعون } وهم المؤمنون الذين يستمعون الذكر فيقبلونه وينتفعون به والكافر الذي ختم الله على سمعه كيف يصغي إلى الحق ؟ { والموتى } يعني : كفار مكة { يبعثهم الله ثم إليه يرجعون } يردون فيجازيهم بأعمالهم (1/352)
{ وقالوا } يعني : رؤساء قريش { لولا } هلا { نزل عليه آية من ربه } يعنون : نزول ملك يشهد له بالنبوة { قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون } ما عليهم في ذلك من البلاء وهو ما ذكرنا في قوله : { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } (1/352)
{ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه } يعني : جميع الحيوانات لأنها لا تخلوا من هاتين الحالتين { إلا أمم أمثالكم } أصناف مصنفة تعرف بأسمائها فكل جنس من البهائم أمة كالطير والظباء والذباب والأسود وكل صنف من الحيوان أمة مثل بني آدم يعرفون بالإنس { ما فرطنا في الكتاب من شيء } ما تركنا في الكتاب من شيء بالعباد إليه حاجة إلا وقد بيناه إما نصا وإما دلالة وإما مجملا وإما مفصلا كقوله : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } أي : لكل شيء يحتاج إليه من أمر الدين { ثم إلى ربهم } أي : هذه الأمم { يحشرون } للحساب والجزاء (1/352)
{ والذين كذبوا بآياتنا } بما جاء به محمد عليه السلام { صم } عن القرآن لا يسمعونه سماع انتفاع { وبكم } عن القرآن لا ينطقون به ثم أخبر أنهم بمشيئته صاروا كذلك فقال : { من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } (1/353)
{ قل } يا محمد لهؤلاء المشركين بالله { أرأيتكم } معناه : أخبروني { إن أتاكم عذاب الله } يريد : الموت { أو أتتكم الساعة } القيامة { أغير الله تدعون } أي : أتدعون هذه الأصنام والأحجار التي عبدتموها من دون الله { إن كنتم صادقين } جواب لقوله : { أرأيتكم } لأنه بمعنى أخبروني كأنه قيل : إن كنتم صادقين أخبروا من تدعون عند نزول البلاء بكم (1/353)
{ بل } أي : لا تدعون غيره { إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه } أي : يكشف الضر الذي من أجله دعوتموه { إن شاء وتنسون } وتتركون { ما تشركون } به من الأصنام فلا تدعونه (1/353)
{ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } رسلا فكفروا بهم { فأخذناهم بالبأساء } وهو شدة الفقر { والضراء } الأوجاع والأمراض { لعلهم يتضرعون } لكي يتذللوا ويتخشعوا (1/353)
{ فلولا } فهلا { إذ جاءهم بأسنا } عذابنا { تضرعوا } تذللوا والمعنى : لم يتضرعوا { ولكن قست قلوبهم } فأقاموا على كفرهم { وزين لهم الشيطان } الضلالة التي هم عليها فأصروا (1/353)
{ فلما نسوا ما ذكروا به } تركوا ما وعظوا به { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } من النعمة والسرور بعد الضر الذي كانوا فيه { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم } في حال فرحهم ليكون أشد لتحسرهم { بغتة فإذا هم مبلسون } آيسون من كل خير (1/354)
{ فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أنفسهم أي : غابرهم الذي يتخلف في آخر القوم والمعنى : استؤصلوا بالهلاك فلم يبق منهم باقية { والحمد لله رب العالمين } على نصر الرسل وإهلاك الظالمين (1/354)
{ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } أي : أصمكم وأعمالكم { وختم على قلوبكم } حتى لا تعرفوا شيئا يعني : أذهب هذه الأعضاء عنكم أصلا { من إله غير الله يأتيكم به } أي : بما أخذ عنكم { انظر كيف نصرف } نبين لهم في القرآن { الآيات ثم هم يصدفون } يعرضون عما ظهر لهم (1/354)
{ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة } ليلا أو نهارا { هل يهلك إلا القوم الظالمون } الذين جعلوا لله شركاء (1/354)
{ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } (1/354)
{ والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون } (1/354)
{ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله } التي منها يرزق ويعطي { ولا أعلم الغيب } فأخبركم بعاقبة ما تصيرون إليه { ولا أقول لكم إني ملك } أشاهد من أمر الله ما لا يشاهده البشر { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } أي : ما أخبركم إلا بما أنزل الله علي { قل هل يستوي الأعمى والبصير } الكافر والمؤمن { أفلا تتفكرون } أنهما لا يستويان (1/354)
{ وأنذر به } خوف بالقرآن { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } يريد : المؤمنين يخافون يوم القيامة وما فيها من أهوال { ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع } يعني : إن الشفاعة إنما تكون بإذنه ولا شفيع ولا ناصر لأحد في القيامة إلا بإذن الله { لعلهم يتقون } كي يخافوا في الآخرة وينتهوا عما نهيتهم (1/355)
{ ولا تطرد الذين يدعون ربهم } نزلت في فقراء المؤمنين لما قال رؤساء الكفار للنبي صلى الله عليه و سلم : نح هؤلاء عنك لنجالسك ونؤمن بك ومعنى : { يدعون ربهم بالغداة والعشي } يعبدون الله بالصلوات المكتوبة { يريدون وجهه } يطلبون ثواب الله { ما عليك من حسابهم } من رزقهم { من شيء } فتملهم وتطردهم { وما من حسابك عليهم من شيء } أي : ليس رزقك عليهم ولا رزقهم عليك وإنما يرزقك وإياهم الله الرزاق فدعهم يدنوا منك ولا تطردهم { فتكون من الظالمين } لهم بطردهم (1/355)
{ وكذلك فتنا بعضهم ببعض } ابتلينا الغني بالفقير والشريف بالوضيع { ليقولوا } يعني : الرؤساء { أهؤلاء } الفقراء والضعفاء { من الله عليهم من بيننا } أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلة أو خصوا بنعمة فقال الله تعالى : { أليس الله بأعلم بالشاكرين } أي : إنما يهدي إلى دينه من يعلم أنه يشكر (1/355)
{ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا } يعني : الصحابة وهؤلاء الفقراء { فقل سلام عليكم } سلم عليهم بتحية المسلمين { كتب ربكم على نفسه الرحمة } أوجب الله لكم الرحمة إيجابا مؤكدا { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } يريد : إن ذنوبكم حهل ليس بكفر ولا جحود لأن العاصي جاهل بمقدار العذاب في معصيته { ثم تاب من بعده } رجع عن ذنبه { وأصلح } عمله { فأنه غفور رحيم } (1/356)
{ وكذلك } وكما بينا لك في هذه السورة دلائلنا على المشركين { نفصل } نبين لك حجتنا وأدلتنا ليظهر الحق ولتعرف يا محمد سبيل المجرمين في شركهم بالله في الدنيا وما يصيرون إليه من الخزي يوم القيامة بإخباري إياك (1/356)
{ قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } الأصنام التي يعبدونها من دون الله { قل لا أتبع أهواءكم } أي : إنما عبدتموها على طريق الهوى لا على طريق البرهان فلا أتبعكم على هواكم { قد ضللت إذا } إن أنا فعلت ذلك { وما أنا من المهتدين } الذين سلكوا سبيل الهدى (1/356)
{ قل إني على بينة } يقين وأمر بين { من ربي } لا متبع لهوى { وكذبتم به } أي : بربي { ما عندي ما تستعجلون به } يعني : العذاب أو الآيات التي اقترحتموها ثم أعلم أن ذلك عنده فقال : { إن الحكم إلا لله يقص الحق } أي : يقول القصص الحق ومن قرأ : { يقص الحق } فمعناه : يقضي القضاء الحق { وهو خير الفاصلين } الذين يفصلون بين الحق والباطل (1/356)
{ قل لو أن عندي ما تستعجلون به } من العذاب لعجلت لكم ولانفصل ما بيني وبينكم بتعجيل العقوبة وهو معنى قوله : { لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين } هو أعلم بوقت عقوبتهم فهو يؤخرهم إلى وقته وأنا لا أعلم ذلك قوله : (1/357)
{ وعنده مفاتح الغيب } خزاءن ما غاب عن بني آدم من الرزق ولامطر ونزول العذاب والثواب والعقاب { لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر } القفار { والبحر } كل قرية فيها ماء لا يحدث فيهما شيء إلا بعلم الله { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } ساقطة وقبل أن سقطت { ولا حبة في ظلمات الأرض } في الثرى تحت الأرض { ولا رطب } وهو ما ينبت { ولا يابس } وهو ما لا ينبت { إلا في كتاب مبين } أثبت الله ذلك كله في كتاب قبل أن يخلق الخلق (1/357)
{ وهو الذي يتوفاكم بالليل } يقبض أرواحكم في منامكم { ويعلم ما جرحتم } ما كسبتم من العمل { بالنهار ثم يبعثكم فيه } يرد إليكم أرواحكم في النهار { ليقضى أجل مسمى } يعني : أجل الحياة إلى الموت أي : لتستوفوا أعماركم المكتوبة (1/358)
{ وهو القاهر فوق عباده } مضى هذا { ويرسل عليكم حفظة } من الملائكة يحصون أعمالكم { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } أعوان ملك الموت { وهم لا يفرطون } لا يعجزون ولا يضيعون (1/358)
{ ثم ردوا } يعني : العباد يردون بالموت { إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم } أي : القضاء فيهم { وهو أسرع الحاسبين } أقدر المجازين (1/358)
{ قل من ينجيكم } سؤال توبيخ وتقرير أي : إن الله يفعل ذلك { من ظلمات البر والبحر } أهوالهما وشدائدهما { تدعونه تضرعا وخفية } علانية وسرا { لئن أنجانا من هذه } أي : من هذه الشدائد { لنكونن من الشاكرين } من المؤمنين الطائعين وكانت قريش تسافر في البر والبحر فإذا ضلوا الطريق وخافوا الهلاك دعوا الله مخلصين فأنجاهم وهو قوله : (1/358)
{ قل الله ينجيكم منها } الآية أعلم الله سبحانه أن الله الذي دعوه هو ينجيهم ثم هم يشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها من صنعتهم وأنها لا تضر ولا تنفع والكرب أشد الغم ثم أخبر أنه قادر على تعذيبهم فقال : (1/358)
{ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } كالصيحة والحجارة والماء { أو من تحت أرجلكم } كالخسف والزلزلة { أو يلبسكم شيعا } يخلطكم فرقا بأن يبث فيكم الأهواء المختلفة فتخالفون وتقاتلون وهو معنى قوله : { ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف } نبين لهم { الآيات } في القرآن { لعلهم يفقهون } لكي يعلموا (1/359)
{ وكذب به } بالقرآن { قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل } بمسلط أي : إنما أدعوكم إلى الله ولم أومر بحربكم ولا أخذكم بالإيمان وهذا منسوخ بآية القتال (1/359)
{ لكل نبإ مستقر } لكل خبر يخبره الله وقت ومكان يقع فيه من غير خلف { وسوف تعلمون } ما كان منه في الدنيا فتستعرفونه وما كان منه في الآخرة فسوف يبدو لكم يعني : العذاب الذي كان يعدهم في الدنيا والآخرة (1/359)
{ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } بالتكذيب والاستهزاء { فأعرض عنهم } أمر الله تعالى رسوله عليه السلام فقال : إذا رأيت المشركين يكذبون بالقرآن وبك ويستهزئون فاترك مجالستهم { حتى يخوضوا في حديث غيره } حتى يكون خوضهم في غير القرآن { وإما ينسينك الشيطان } إن نسيت فقعدت { فلا تقعد بعد الذكرى } فقم إذا ذكرت فقال المسلمون : لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فرخص للمؤمنين في القعود معهن يذكرونهم فقال : (1/360)
{ وما على الذين يتقون } الشرك والكبائر { من حسابهم } آثامهم { من شيء ولكن ذكرى } يقول : ذكروهم بالقرآن وبمحمد فرخص لهم بالقعود بشرط التذكير والموعظة { لعلهم يتقون } ليرجى منهم التقوى (1/360)
{ وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } يعني : الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها وتلاعبوا عند ذكرها { وذكر به } وعظ بالقرآن { أن تبسل نفس بما كسبت } تسلم للهلكة وتحبس في جهنم فلا تقدر على التخلص ومعنى الآية : وذكرهم بالقرآن إسلام الجانين بجناياتهم لعلهم يخافون فيتقون { وإن تعدل كل عدل } يعني : النفس المبسلة تفد كل فداء يعني : تفد بالدنيا وما فيها { لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } أسلموا للهلاك { لهم شراب من حميم } وهو الماء الحار (1/360)
{ قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } أنعبد ما لا يملك لنا نفعا ولا ضرا لأنه جماد ؟ { ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله } نرد وراءنا إلى الشرك بالله فيكون حالنا كحال { كالذي استهوته الشياطين في الأرض } استغوته واستفزته الغيلان في المهانة { حيران } مترددا لا يهتدي إلى المحجة { له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا } هذا مثل من ضل بعد الهدى يجيب الشيطان الذي يستهويه في المفازة فيصبح في مضلة من الأرض يهلك فيها ويعصي من يدعوه إلى المحجة كذلك من ضل بعد الهدى { قل إن هدى الله هو الهدى } رد على من دعا إلى عبادة الأصنام أي : لا نفعل ذلك لأن هدى الله هو الهدى لا هدى غيره (1/361)
{ وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون } (1/361)
{ وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق } أي : بكمال قدرته وشمول علمه وإتقان صنعه وكل ذلك حق { ويوم يقول } واذكر يا محمد يوم يقول للشيء { كن فيكون } يعني : يوم القيامة يقول للخلق انتشروا فينتشرون (1/361)
{ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين } (1/361)
{ وكذلك نري إبراهيم } أي : وكما أرينا إبراهيم استقباح ما كان عليه أبوه من عبادة الأصنام نريه { ملكوت السماوات والأرض } يعني : ملكهما كالشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والبحار أراه الله تعالى هذه الأشياء حتى نظر إليها معتبرا مستدلا بها على خالقها وقوله : { وليكون من الموقنين } عطف على المعنى تقديره : ليستدل بها وليكون من الموقنين (1/361)
{ فلما جن } أي : ستر وأظلم { عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي } أي : في زعمكم أيها القائلون بحكم النجم وذلك أنهم كانوا أصحاب نجوم يرون التدبيرفي الخليقة لها { فلما أفل } أي : غاب { قال لا أحب الأفلين } عرفهم جهلهم وخطأهم في تعظيم النجوم ودل على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب (1/362)
{ فلما رأى القمر بازغا } طالعا فاحتج عليهم في القمر والشمس بمثل ما احتج به عليهم في الكوكب وقوله : { لئن لم يهدني ربي } أي : لئن لم يثبتني على الهدى وقوله للشمس : (1/362)
{ هذا ربي } ولم يقل هذه لأن لفظ الشمس مذكر ولأن الشمس بمعنى الضياء والنور فحمل الكلام على المعنى { هذا أكبر } أي : من الكوكب والقمر فلما توجهت الحجة على قومه قال : { إني بريء مما تشركون } (1/362)
{ إني وجهت وجهي } أي : جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله عز و جل وباقي الآية مفسر فيما مضى (1/362)
{ وحاجه قومه } جادلوه وخاصموه في تركه آلهتهم وعبادة الله وخوفوه أن تصيبه آلهتهم بسوء فقال : { أتحاجوني في الله } أي : في عبادته وتوحيده { وقد هدان } بين لي ما به اهتديت { ولا أخاف ما تشركون به } من الأصنام أن تصيبني بسوء { إلا أن يشاء ربي شيئا } إني لا أخاف إلا مشيئة الله أن يعذبني { وسع ربي كل شيء علما } علمه علما تاما { أفلا تتذكرون } تتعظون وتتركون عبادة الأصنام (1/363)
{ وكيف أخاف ما أشركتم } يعني : الأصنام أنكر أن يخافها { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا } ما ليس لكم في إشراكه بالله حجة وبرهان { فأي الفريقين أحق بالأمن } بأن يأمن العذاب الموحد أم المشرك ؟ (1/363)
{ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } لم يخلطوا إيمانهم بشرك { أولئك لهم الأمن } من العذاب { وهم مهتدون } إلى دين الله (1/363)
{ وتلك حجتنا } يعني : ما احتج به عليهم { آتيناها إبراهيم } ألهمنا إبراهيم فأرشدناه إليها { نرفع درجات من نشاء } مراتبهم بالعلم والفهم ثم ذكر نوحا ومن هدى من الأنبياء من أولاده إلى قوله : (1/363)
{ ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين } (1/363)
{ وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين } (1/363)
{ وكلا } أي : من المذكورين هاهنا { فضلنا على العالمين } علمي زمانهم (1/364)
{ ومن آبائهم } أي : وهدينا بعض آبائهم { وذرياتهم وإخوانهم } فـ من هاهنا للتبغيض (1/364)
{ ذلك هدى الله } دين الله الذي هم عليه { يهدي به من يشاء } يريد : يرشد إليه من يشاء { من عباده ولو أشركوا } عبدوا غيري { لحبط } بطل عملهم (1/364)
{ أولئك الذين آتيناهم الكتاب } يعني : الكتب التي أنزلها عليهم { والحكم } العلم والفقه { فإن يكفر بها } أي : بآياتنا { هؤلاء } أهل مكة { فقد وكلنا بها } أي : أرصدنا لها { قوما } وفقناهم لها وهم المهاجرون والأنصار (1/364)
{ أولئك الذين هدى الله } يعني : النبيين الذين تقدم ذكرهم { فبهداهم اقتده } أي : اصبر كما صبروا فإن قومهم كذبوهم فصبروا { قل لا أسألكم عليه } على القرآن وتبليغ الرسالة { أجرا } مالا تعطونيه { إن هو } يعني : القرآن { إلا ذكرى للعالمين } موعظة للخلق أجمعين (1/364)
{ وما قدروا الله حق قدره } ما عظموا الله حق عظمته وما وصفوه حق صفته { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } وذلك أن ليهود أنكروا إنزال الله عز و جل من السماء كتابا إنكارا للقرآن { قل } لهم يا محمد : { من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } يعني : التوراة { تجعلونه قراطيس } مكتوبة وتودعونه إياها { تبدونها } يعني : القراطيس يبدون ما يحبون ويكتمون صفة محمد صلى الله عليه و سلم { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } في التوراة فضيعتموه ولم تنتفعوا به { قل الله } أي : الله أنزله { ثم ذرهم في خوضهم } إفكهم وحديثهم الباطل { يلعبون } يعملون ما لا يجدي عليهم (1/364)
{ وهذا كتاب } يعني : القرآن { أنزلناه مبارك } كثير خيره دائم نفعه يبشر بالثواب ويزجر عن القبيح إلى ما لا يحصى من بركاته { مصدق الذي بين يديه } موافق لما قبله من الكتب { ولتنذر أم القرى } أهل مكة { ومن حولها } يعني : أهل سائر الآفاق { والذين يؤمنون بالآخرة } إيمانا حقيقيا { يؤمنون به } بالقرآن (1/365)
{ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } نزلت في مسيلمة والأسود العنسي ادعيا النبوة وأن الله قد أوحى إليهما وهذا معنى قوله : { أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } يعني : المستهزئون الذين قالوا : { لو نشاء لقلنا مثل هذا } { ولو ترى } يا محمد { إذ الظالمون } يعني : الذين ذكرهم { في غمرات الموت } شدائده وأهواله { والملائكة باسطوا أيديهم } إليهم بالضرب والتعذيب { أخرجوا أنفسكم } أي : يقولون ذلك ونفس الكافر تخرج بمشقة وكره لأنها تصير إلى أشد العذاب والملائكة يكرهونهم على نزع الروح ويقولون : { أخرجوا أنفسكم } كرها { اليوم تجزون عذاب الهون } أي : العذاب الذي يقع به الهوان الشديد { بما كنتم تقولون على الله غير الحق } من أنه أوحي إليكم ولم يوح { وكنتم عن آياته تستكبرون } عن الإيمان بها تتعظمون (1/365)
{ ولقد جئتمونا فرادى } يقال للكفار في الآخرة : جئتمونا فرادى بلا أهل ولا مال ولا شيء قدمتموه { كما خلقناكم أول مرة } كما خرجتم من بطون أمهاتكم { وتركتم ما خولناكم } ملكناكم وأعطيناكم من المال والعبيد والمواشي { وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } وذلك أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام على أنهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده { لقد تقطع بينكم } وصلكم ومودتكم { وضل عنكم } ذهب عنكم { ما كنتم تزعمون } تكذبون في الدنيا (1/366)
{ إن الله فالق الحب } شاقه بالنبات { والنوى } بالنخلة { يخرج الحي من الميت } يخرج النطفة بشرا حيا { ومخرج الميت } النطفة { من الحي } وقيل : يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن { ذلكم الله } الذي فعل هذه الأشياء التي تشاهدونها ربكم { فأنى تؤفكون } فمن أين تصرفون عن الحق بعد البيان ! (1/366)
{ فالق الإصباح } شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده على معنى أنه خالقه ومبديه { وجعل الليل سكنا } للخلق يسكنون فيه سكون الراحة { والشمس والقمر حسبانا } وجعل الشمس والقمر بحسبان لا يجاوزانه فيما يدوران في حساب { ذلك تقدير العزيز } في ملكه يصنع ما أراد { العليم } بما قدر من خلقهما (1/366)
{ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون } (1/367)
{ وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة } يعني : آدم { فمستقر } أي : فلكم مستقر في الأرحام { ومستودع } في الأصلاب (1/367)
{ وهو الذي أنزل من السماء ماء } يعني : المطر { فأخرجنا به نبات كل شيء } ينبت { فأخرجنا } من ذلك النبات { خضرا } أخضر كالقمح والشعير والذرة وما كان رطبا أخضر مما ينبت من الحبوب { نخرج منه } من الخضر { حبا متراكبا } بعضه على بعض في سنبلة واحدة { ومن النخل من طلعها } أول ما يطلع منها { قنوان } يعني : العراجين التي قد تدلت من الطلع { دانية } ممن يجتنيها يعني : قصار النخل اللاحقة عذوقها بالأرض { وجنات } أي : وأخرجنا بالماء جنات { من أعناب والزيتون } وشجر الزيتون { والرمان } وشجر الرمان { مشتبها } في اللون يعني : الرماني { وغير متشابه } في الطعم أي : مختلفة في الطعم وقيل : مشتبها ورقها مختلفا ثمرها { انظروا إلى ثمره } نظر الاستدلال والعبرة أول ما يعقد { وينعه } نضجه { إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } يصدقون أن الذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيي الموتى (1/367)
{ وجعلوا لله شركاء الجن } أطاعوا الشياطين في عبادة الأوثان فجعلوهم شركاء لله { وخرقوا له بنين وبنات } افتعلوا ذلك كذبا وكفرا يعني : الذين قالوا : الملائكة بنات الله واليهود والنصارى حين دعوا لله ولدا { بغير علم } لم يذكروه عن علم إنما ذكروه تكذبا وقوله : (1/368)
{ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة } أي : من أين يكون له ولد ؟ ولا يكون الولد إلا من صاحبة ولا صاحبة له { وخلق كل شيء } أي : وهو خالق كل شيء (1/368)
{ ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل } (1/368)
{ لا تدركه الأبصار } في الدنيا لأنه وعد في القيامة الرؤية بقوله : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } الآية والمطلق يحمل على المقيد وقيل : لا يحيط بكنهه وحقيقته الأبصار وهي تراه فالأبصار ترى الباري ولا تحيط به { وهو يدرك الأبصار } يراها ويحيط بها علما لا كالمخلوقين الذين لا يدركون حقيقة البصر وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما { وهو اللطيف } الرفيق بأوليائه { الخبير } بهم (1/368)
{ قد جاءكم بصائر من ربكم } يعني : بينات القرآن { فمن أبصر } اهتدى { فلنفسه } عمل { ومن عمي فعليها } فعلى نفسه جنى العذاب { وما أنا عليكم بحفيظ } برقيب على أعمالكم حتى أجازيكم بها (1/369)
{ وكذلك } وكما بينا في هذه السورة { نصرف } نبين { الآيات } في القرآن ندعوهم بها ونخوفهم { وليقولوا درست } عطف على المضمر في المعنى والتقدير : نصرف الآيات لتلزمهم الحجة وليقولوا درست أي : تعلمت من يسار وجبر واليهود ومعنى درس : قرأ على غيره ومعنى هذه اللام في قوله : { وليقولوا } معنى لم العاقبة أي : نصرف الآيات ليكون عاقبة أمرهم تكذيبا للشقاوة التي لحقتهم { ولنبينه لقوم يعلمون } يعني : أولياءه الذين هداهم والذين سعدوا بتبيين الحق (1/369)
{ اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين } (1/369)
{ ولو شاء الله ما أشركوا } أي : ولو شاء الله لجعلهم مؤمنين { وما جعلناك عليهم حفيظا } لم تبعث لتحفظ المشركين من العذاب إنما بعثت مبلغا فلا تهتم لشركهم فإن ذلك لمشيئة الله (1/369)
{ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } يعني : أصنامهم ومعبوديهم وذلك أن المسلمين كانوا يسبون أصنام الكفار فنهاهم الله عز و جل عن ذلك لئلا يسبوا { الله عدوا بغير علم } أي : ظلما بالجهل { كذلك } أي : كما زينا لهؤلاء عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان { زينا لكل أمة عملهم } من الخير والشر (1/369)
{ وأقسموا بالله جهد أيمانهم } اجتهدوا في المبالغة في اليمين { لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها } وذلك أنه لما نزل : { إن نشأ ننزل عليهم } الآية أقسم المشركون بالله لئن جاءنهم آية ليؤمنن بها وسأل المسلمون ذلك وعلم الله سبحانه أنهم لا يؤمنون فأنزل الله هذه الآية { قل إنما الآيات عند الله } هو القادر على الإتيان بها { وما يشعركم } وما يدريكم إيمانهم أي : هم لا يؤمنون مع مجيء الآيات إياهم ثم ابتدأ فقال : { أنها إذا جاءت لا يؤمنون } ومن قرأ أنها بفتح الألف كانت بمعنى لعلها ويجوز أن تجعل لا زائدة مع فتح أن (1/370)
{ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية بتقليب قلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي يجب أن تكون عليه فلا يؤمنون { كما لم يؤمنوا به } بالقرآن أو بمحمد عليه السلام { أول مرة } أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } أخذلهم وأدعهم في ضلالتهم يتمادون (1/370)
{ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة } فرأوهم عيانا { وكلمهم الموتى } فشهدوا لك بالصدق والنبوة { وحشرنا عليهم } وجمعنا عليهم { كل شيء } في الدنيا { قبلا } و { قبلا } أي : معاينة ومواجهة { ما كانوا ليؤمنوا } لما سبق لهم من الشقاء { إلا أن يشاء الله } أن يهديهم { ولكن أكثرهم يجهلون } أنهم لو أوتوا بكل آية ما آمنوا (1/370)
{ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } كما ابتليناك بهؤلاء القوم كذلك جعلنا لكل نبي قبلك أعداء ليعظم ثوابه والعدو هاهنا يراد به الجمع ثم بين من هم فقال : { شياطين الإنس } يعني : مردة الإنس والشيطان : كل متمرد عات من الجن والإنس { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } يعني : إن شياطين الجن الذين هم من جند إبليس يوحون إلى كفار الإنس ومردتهم فيغرونهم بالمؤمنين وزخرف القول : باطله الذي زين ووشي بالكذب والمعنى أنهم يزينون لهم الأعمال القبيحة غرورا { ولو شاء ربك ما فعلوه } لمنع الشياطين من الوسوسة للإنس (1/371)
{ ولتصغى إليه } ولتميل إلى ذلك الزخرف والغرور { أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } قلوب الذين لا يصدقون بالبعث { وليرضوه } ليحبوه { وليقترفوا } ليعملوا ما هم عاملون (1/371)
{ أفغير الله } أي : قل لأهل مكة : أفغير الله { أبتغي حكما } قاضيا بيني وبينكم { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب } القرآن { مفصلا } مبينا فيه أمره ونهيه { والذين آتيناهم الكتاب } من اليهود والنصارى { يعلمون } أن القرآن { منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين } من الشاكين أنهم يعلمون ذلك (1/371)
{ وتمت كلمة ربك } أقضيته وعداته لأوليائه في أعدائه { صدقا } فيما وعد { وعدلا } فيما حكم والمعنى : صادقة عادلة { لا مبدل لكلماته } لا مغير لحكمه ولا خلف لوعده { وهو السميع } لتضرع أوليائه ولقول أعدائه { العليم } بما في قلوب الفريقين (1/372)
{ وإن تطع أكثر من في الأرض } يعني : المشركين { يضلوك عن سبيل الله } دين الله الذي رضيه لك وذلك أنهم جادلوه في أكل الميتة وقالوا : أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم ؟ { إن يتبعون إلا الظن } في تحليل الميتة { وإن هم إلا يخرصون } يكذبون في تحليل ما حرمه الله (1/372)
{ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } (1/372)
{ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } أي : مما ذكي على اسم الله { إن كنتم بآياته مؤمنين } تأكيد لاستحلال ما أباحه الشرع ثم أبلغ في إباحة ما ذبح على اسم الله بقوله : (1/372)
{ وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } عند الذبح { وقد فصل } بين { لكم ما حرم عليكم } في قوله : { حرمت عليكم الميتة } الآية { إلا ما اضطررتم إليه } دعتكم الضرورة إلى أكله مما لا يحل عند الاختيار { وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم } أي : الذين يحلون الميتة ويناظرونكم في إحلالها ضلوا باتباع أهوائهم { بغير علم } إنما يتبعون فيه الهوى ولا بصيرة عندهم ولا علم { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } المتجاوزين الحلال إلى الحرام (1/372)
{ وذروا ظاهر الإثم وباطنه } سره وعلانيته ثم أوعد بالجزاء فقال : { إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون } (1/373)
{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } مما لم يذك ومات { وإنه } وإن أكله { لفسق } خروج عن الحق { وإن الشياطين } يعني : إبليس وجنوده وسوسوا { إلى أوليائهم } من المشركين ليخاصموا محمدا وأصحابه في أكل الميتة { وإن أطعتموهم } في استحلال الميتة { إنكم لمشركون } لأن من أحل شيئا مما حرمه الله فهو مشرك (1/373)
{ أو من كان ميتا فأحييناه } ضالا كافرا فهديناه { وجعلنا له نورا } دينا وإيمانا { يمشي به في الناس } مع المسلمين مستضيئا بما قذف الله في قلبه من نور الحكمة والإيمان { كمن مثله } كمن هو { في الظلمات } في ظلمات الكفر والضلالة { ليس بخارج منها } ليس بمؤمن أبدا نزلت في أبي جهل وحمزة بن عبد المطلب { كذلك } كما زين للمؤمنين الإيمان { زين للكافرين ما كانوا يعملون } من عبادة الأصنام (1/373)
{ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها } يعني : كما أن فساق مكة أكابرها كذلك جعلنا فساق كل قرية أكابرها يعني : رؤساءها ومترفيها { ليمكروا فيها } بصد الناس عن الإيمان { وما يمكرون إلا بأنفسهم } لأن وبال مكرهم يعود عليهم { وما يشعرون } أنهم يمكرون بها (1/374)
{ وإذا جاءتهم آية } مما أطلع الله عليه نبيه عليه السلام مما يخبرهم به { قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل فنصدق به وذلك أن كل واحد من القوم سأل أن يخص بالوحي كما قال الله : { بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة } فقال الله سبحانه : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } يعني : أنهم ليسوا بأهل لها هو أعلم بمن يختص بالرسالة { سيصيب الذين أجرموا صغار } مذلة وهوان { عند الله } أي : ثابت لهم عند الله ذلك (1/374)
{ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } يوسع قلبه ويفتحه ليقبل الإسلام { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } شديد الضيق { كأنما يصعد في السماء } إذا كلف الإيمان لشدته وثقله عليه { كذلك } مثل ما قصصنا عليك { يجعل الله الرجس } العذاب { على الذين لا يؤمنون } (1/374)
{ وهذا صراط ربك } هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك { مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون } وهم المؤمنون (1/375)
{ لهم دار السلام } الجنة { عند ربهم } مضمونة لهم حتى يدخلهموها { وهو وليهم } يتولى إيصال الكرامات إليهم { بما كانوا يعملون } من الطاعات (1/375)
{ ويوم يحشرهم جميعا } الجن والإنس فيقال لهم : { يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس } أي : من إغوائهم وإضلالهم { وقال أولياؤهم } الذين أضلهم الجن { من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض } يعني : طاعة الإنس للجن وقبولهم منهم ما كانوا يغرونهم به من الضلالة وتزيين الجن للإنس ما كانوا يهوونه حتى يسهل عليهم فعله { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } يعني : الموت والظاهر أنه البعث والحشر { قال النار مثواكم } فيها مقامكم { خالدين فيها إلا ما شاء الله } من شاء الله وهم من سبق في علم الله أنهم يسلمون { إن ربك حكيم } حكم للذين استثنى بالتوبة والتصديق { عليم } علم ما في قلوبهم من البر (1/375)
{ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا } كما خذلنا عصاة الجن والإنس نكل بعض الظالمين إلى بعض حتى يضل بعضهم بعضا (1/375)
{ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } الرسل كانت من الإنس والذين بلغوا الجن منهم عن الرسل كانوا من الجن وهم النذر كالذين استمعوا القرآن من محمد صلى الله عليه و سلم من الجن فأبلغوه قومهم (1/375)
{ ذلك } الذي قصصنا عليك من أمر الرسل لأنه { لم يكن ربك مهلك القرى بظلم } أي : بذنوبهم ومعاصيهم من قبل أن يأتيهم الرسول فينهاهم وهو معنى قوله : { وأهلها غافلون } أي : لكل عامل بطاعة الله درجات في الثواب ثم أوعد المشركين فقال : { وما ربك بغافل عما يعملون } (1/376)
{ ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون } (1/376)
{ وربك الغني } عن عبادة خلقه { ذو الرحمة } بخلقه فلا يعجل عليهم بالعقوبة { إن يشأ يذهبكم } يعني : أهل مكة { ويستخلف من بعدكم } وينشئ من بعدكم خلقا آخر { كما أنشأكم } خلقكم ابتداء { من ذرية قوم آخرين } يعني : آباءهم الماضين (1/376)
{ إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين } (1/376)
{ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم } على حالاتكم التي أنتم عليها { إني عامل } على مكانتي وهذا أمر تهديد يقول : اعملوا ما أنتم عاملون إني عامل ما أنا عامل { فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار } أينا تكون له الجنة { إنه لا يفلح الظالمون } لا يسعد من كفر بالله وأشرك بالله (1/376)
{ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام } كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم { نصيبا } وللأوثان نصيبا فما كان للصنم أنفق عليه وما كان لله أطعم الضيفان والمساكين فما سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إن الله غني عن هذا وإن سقط مما جعلوه للأوثان من نصيب الله التقطوه وردوه إلى نصيب الصنم وقالوا : إنه فقير فذلك قوله : { فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم } ثم ذم فعلهم فقال : { ساء ما يحكمون } أي : ساء الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوه لله على جهة التبرز إلى الأوثان (1/376)
{ وكذلك } ومثل ذلك الفعل القبيح { زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم } يعني : الشياطين أمروهم بأن يئدوا أولادهم خشية العيلة { ليردوهم } ليهلكوهم في النار { وليلبسوا عليهم دينهم } ليخلطوا ويدخلوا عليهم الشك في دينهم ثم أخبر أن جميع ما فعلوه كان بمشيئته فقال : { ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } من أن لله شريكا (1/377)
{ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر } حرموا أنعاما وحرثا وجعلوها لأصنامهم فقالوا : { لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم } أعلم الله سبحانه أن هذا التحريم كذب من جهتهم { وأنعام حرمت ظهورها } كالسائبة والبحيرة والحامي { وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها } يقتلونها لآلتهم خنقا أو وقذا { افتراء عليه } أي : يفعلون ذلك للافتراء على الله وهو أنهم زعموا أن الله أمرهم بذلك (1/377)
{ وقالوا ما في بطون هذه الأنعام } يعني : أجنة ما حرموها من البحائر والسوائب { خالصة لذكورنا } حلال للرجال خاصة دون النساء هذا إذا خرجت الأجنة أحياء وإن كان ميتة اشترك فيها الرجال والنساء { سيجزيهم وصفهم } سيجزيهم الله جزاء وصفهم الذي هو كذب أي : سيعذبهم الله بما وصفوه من التحليل والتحريم الذي كله كذب { إنه حكيم عليم } أي : هو أعلم وأحكم من أن يفعل ما يقولون (1/378)
{ قد خسر الذين قتلوا أولادهم } بالوأد { سفها } للسفه { وحرموا ما رزقهم الله } من الأنعام يعني : البحيرة وما ذكر معها (1/378)
{ وهو الذي أنشأ } أبدع وخلق { جنات معروشات } يعني : الكرم { وغير معروشات } ما قام على ساق ولم يعرش له كالنخل والشجر { والنخل والزرع مختلفا أكله } أكل كل واحد منهما وكل نوع من الثمر له طعم غير طعم النوع الآخر وكل حب من حبوب الزرع له طعم غير طعم الآخر { كلوا من ثمره إذا أثمر } أمر إباحة { وآتوا حقه يوم حصاده } يعني : العشر ونصف العشر { ولا تسرفوا } فتعطوا كله حتى لا يبقى لعيالكم شيء { إنه لا يحب المسرفين } يعني : المجاوزين أمر الله (1/378)
{ ومن الأنعام } وأنشأ من الأنعام { حمولة } وهي كل ما حمل عليها مما أطاق العمل والحمل { وفرشا } وهو الصغار التي لا يحمل عليها كالغنم والبقر والإبل الصغار { كلوا مما رزقكم الله } أي : أحل لكم ذبحه { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } في تحريم شيء مما أحله الله { إنه لكم عدو مبين } بين العداوة أخرج أباكم من الجنة وقال : لأحتنكن ذريته ثم فسر الحمولة والفرش فقال : (1/378)
{ ثمانية أزواج } الذكر زوج والأنثى زوج وهي الضأن والمعز وقد ذكرا في هذه الآية والإبل والبقر ذكرا فيما بعد وجعلها ثمانية لأنه أراد الذكر والأنثى من كل صنف وهو قوله : { من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } والضأن : ذوات الصوف من المعز والغنم : ذوات الشعر { قل } يا محمد للمشركين الذين يحرمون على أنفسهم ما حرموا من النعم : { آلذكرين } من الضأن والمعز { حرم } الله عليكم { أم الأنثيين } فإن كان حرم من الغنم ذكورها فكل ذكورها حرام وإن كان حرم الأنثيين فكل الإناث حرام { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضأن والمعز فقد حرم الأولاد كلها وكلها أولاد فكلها حرام { نبئوني بعلم } أي : فسروا ما حرمتم بعلم إن كان لكم علم في تحريمه وهو قوله : { إن كنتم صادقين } (1/379)
{ أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا } هل شاهدتم الله قد حرم هذا إذ كنتم لا تؤمنون برسول الله ؟ ! فلما لزمتهم الحجة بين الله تعالى أنهم فعلوا ذلك كذبا على الله فقال : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم } الآية يعني : عمرو بن لحي وهو الذي غير دين إسماعيل وسن هذا التحريم ثم ذكر المحرمات بوحي الله فقال : (1/379)
{ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا } يعني : سائلا { أو فسقا أهل لغير الله به } يعني : ما ذبح على النصب (1/380)
{ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } يعني : الإبل والنعامة { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا } وهي المباعر { أو ما اختلط بعظم } فإني لم أحرمه يعني : ما تعلق من الشحم بهذه الأشياء { ذلك } التحريم { جزيناهم ببغيهم } عاقبناهم بذنوبهم { وإنا لصادقون } في الإخبار عن التحريم وعن بغيهم فلما ذكر لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ما حرم على المسلمين وما حرم على اليهود قالوا له : ما أصبت وكذبوه فأنزل الله تعالى : (1/380)
{ فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة } ولذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة { ولا يرد بأسه } عذابه إذا جاء الوقت { عن القوم المجرمين } يعني : الذين كذبوك بما تقول (1/380)
{ سيقول الذين أشركوا } إذا لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما هم عليه : { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب } جعلوا قولهم : { لو شاء الله ما أشركنا } حجة لهم على إقامتهم على الشرك وقالوا إن الله رضي منا ما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به ولو لم يرضه لحال بيننا وبينه ولا حجة لهم في هذا لأنهم تركوا أمر الله وتعلقوا بمشيئته وأمر الله بمعزل عن إرادته لأنه مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد فعلى العبد أن يحفظ الأمر ويتبعه وليس له أن يتعلق بالمشيئة بعد ورود الأمر فقال الله تعالى : { كذلك كذب الذين من قبلهم } أي : كما كذبك هؤلاء كذب كفار الأمم الخالية أنبياءهم ولم يتعرض لقولهم : { لو شاء الله } بشيء { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا } من كتاب نزل في تحريم ما حرمتم { إن تتبعون إلا الظن } ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن لا العلم واليقين { وإن أنتم إلا تخرصون } وما أنتم إلا كاذبين (1/381)
{ قل فلله الحجة البالغة } بالكتاب والرسول والبيان { فلو شاء لهداكم أجمعين } إخبار عن تعلق مشيئة الله تعالى بكفرهم وأن ذلك حصل بمشيئته إذ لو شاء الله لهداهم (1/381)
{ قل هلم شهداءكم } أي : هاتوا شهداءكم وقربوهم وباقي الآية ظاهر (1/381)
{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } أقرأ عليكم الذي حرمه الله ثم ذكر فقال : { أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } وأوصيكم بالوالدين إحسانا { ولا تقتلوا أولادكم } من أولادكم من مخافة الفقر { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } يعني : سر الزنا وعلانيته { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } يريد القصاص (1/381)
{ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } وهو أن يصلح ماله ويقوم فيه بما يثمره ثم يأكل بالمعروف إن احتاج إليه { حتى يبلغ أشده } أي : احفظوه عليه حتى يحتلم { وأوفوا الكيل } أتموه من غير نقص { والميزان } أي : وزن الميزان { بالقسط } بالعدل لا بخس ولا شطط { لا نكلف نفسا إلا وسعها } إلا ما يسعها ولا تضيق عنه وهو أنه لو كلف المعطي الزيادة لضاقت نفسه عنه وكذلك لو كلف الآخذ أن يأخذ بالنقصان { وإذا قلتم فاعدلوا } إذا شهدتم أو تكلمتم فقولوا الحق { ولو } كان المشهود له أو عليه { ذا قربى } (1/382)
{ وأن هذا } ولأن هذا { صراطي مستقيما } يريد : ديني دين الحنفية أقوم الأديان { فاتبعوه ولا تتبعوا السبل } اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان { فتفرق بكم عن سبيله } فتضل بكم عن دينه { ذلكم } الذي ذكر { وصاكم } أمركم به في الكتاب { لعلكم تتقون } كي تتقوا السبل (1/382)
{ ثم آتينا } أي : ثم أخبركم أنا آتينا { موسى الكتاب تماما على الذي أحسن } أي : على الذي أحسنه موسى من العلم والحكمة وكتب الله المتقدمة أي : علمه ومعنى : { تماما } على ذلك أي : زيادة عليه حتى تم له العلم بما آتيناه { وتفصيلا } أي : آتيناه للتمام والتفصيل وهو البيان { لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } لكي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب (1/382)
{ وهذا كتاب } يعني : القرآن { أنزلناه مبارك } مضى تفسيره في هذه السورة (1/383)
{ أن تقولوا } لئلا تقولوا : { إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } يعني : اليهود والنصارى { وإن كنا عن دراستهم لغافلين } وما كنا إلا غافلين عن تلاوة كتبهم والخطاب لأهل مكة والمراد : إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد عليه السلام كيلا يقولوا يوم القيامة : إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما وقوله : (1/383)
{ وصدف عنها } أي : أعرض (1/383)
{ هل ينظرون } إذا كذبوك { إلا أن تأتيهم الملائكة } عند الموت لقبض أرواحهم وذكرنا معنى { ينظرون } في سورة البقرة { أو يأتي ربك } أي : أمره فيهم بالقتل { أو يأتي بعض آيات ربك } يعني : طلوع الشمس من مغربها والمعنى : إن هؤلاء الذي كذبوك إما أن يموتوا فيقعوا في العذاب أو يؤمر فيهم بالسيف أو يمهلون قدر مدة الدنيا فيتوالدون ويتنعمون فيها فإذا ظهرت أمارات القيامة { لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } قدمت طاعة وهي مؤمنة { قل انتظروا } أحد هذه الأشياء { إنا منتظرون } بكم أحدها (1/383)
{ إن الذين فرقوا دينهم } يعني : اليهود والنصارى أخذوا ببعض ما أمروا وتركوا بعضه كقوله إخبارا عنهم : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } { وكانوا شيعا } أحزابا مختلفة بعضهم يكفر بعضا { لست منهم في شيء } يقول : لم تؤمر بقتالهم فلما أمر بقتالهم نسخ هذا (1/384)
{ من جاء بالحسنة } من عمل من المؤمنين حسنة { فله عشر أمثالها } كتبت له عشر حسنات { ومن جاء بالسيئة } الخطيئة { فلا يجزى إلا مثلها } أي : جزاء مثلها لا يكون أكثر منها { وهم لا يظلمون } لا ينقص ثواب أعمالهم (1/384)
{ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا } أي : عرفني دينا { قيما } مستقيما (1/384)
{ قل إن صلاتي ونسكي } عبادتي من حجي وقرباني { ومحياي ومماتي لله رب العالمين } أي : هو يحييني وهو يميتني وأنا أتوجه بصلاتي وسائر المناسك إلى الله لا إلى غيره وقوله : (1/384)
{ وبذلك أمرت } بذلك أوحي إلي { وأنا أول المسلمين } من هذه الأمة (1/385)
{ قل أغير الله أبغي ربا } سيدا وإلها { وهو رب كل شيء } مالكه وسيده { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } لا تجني نفس ذنبا إلا أخذت به { ولا تزر وازرة وزر أخرى } يعني : الوليد بن المغيرة كان يقول : اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم فأنزل الله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } لا يحمل أحد جناية غيره حتى لا يؤاخذ بها الجاني (1/385)
{ وهو الذي جعلكم } يا أمة محمد { خلائف } الأمم الماضية في { الأرض } بأن أهلكهم وأورثكم الأرض بعدهم { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } بالغنى والرزق { ليبلوكم في ما آتاكم } ليختبركم فيما رزقكم { إن ربك سريع العقاب } لأعدائه { وإنه لغفور } لأوليائه { رحيم } بهم (1/385)
{ المص } أنا الله أعلم وأفضل (1/386)
{ كتاب } أي : هذا كتاب { أنزل إليك } من ربك { فلا يكن في صدرك حرج منه } فلا يضيقن صدرك بإبلاغ ما أرسلت به { لتنذر به } أي : أنزل لتنذر به الناس { وذكرى للمؤمنين } مواعظ للمصدقين (1/386)
{ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } يعني : القرآن { ولا تتبعوا من دونه أولياء } لا تتخذوا غير الله أولياء { قليلا ما تذكرون } قليلا يا معشر المشركين اتعاظكم (1/386)
{ وكم من قرية أهلكناها } يعني : أهلها { فجاءها بأسنا } عذابنا { بياتا } ليلا { أو هم قائلون } نائمون نهارا بعنب : جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له (1/386)
{ فما كان دعواهم } دعاؤهم وتضرعهم { إذ جاءهم بأسنا إلا أن } أقروا على أنفسهم بالشرك و { قالوا إنا كنا ظالمين } (1/387)
{ فلنسألن الذين أرسل إليهم } نسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل ونسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به (1/387)
{ فلنقصن عليهم بعلم } لنخبرنهم بما عملوا بعلم منا { وما كنا غائبين } عن الرسل والأمم ما بلغت وما رد عليهم قومهم (1/387)
{ والوزن يومئذ } يعني : وزن الأعمال يوم السؤال الذي ذكر في قوله : { فلنسألن } { الحق } العدل وذلك أن أعمال المؤمنين تتصور في صورة حسنة وأعمال الكافرين في صورة قبيحة فتوزن تلك الصورة فذلك قوله : { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون } الناجون الفائزون وهم المؤمنون (1/387)
{ ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم } صاروا إلى العذاب { بما كانوا بآياتنا يظلمون } يجحدون بما جاء به محمد عليه السلام (1/387)
{ ولقد مكناكم في الأرض } ملكناكم فيما بين مكة إلى اليمن وإلى الشام يعني : مشركي مكة { وجعلنا لكم فيها معايش } ما تعيشون به من الرزق والمال والتجارة { قليلا ما تشكرون } أي : إنكم غير شاكرين لما أنعمت عليكم (1/387)
{ ولقد خلقناكم } يعني : آدم { ثم صورناكم } في ظهره (1/387)
{ قال ما منعك أن لا تسجد } لا زائدة معناها : ما منعك أن تسجد ؟ وهو سؤال التوبيخ والتعنيف { قال أنا خير منه } معناه : منعني من السجود له أني خير منه إذ كنت ناريا وكان طينيا فترك الأمر وقاس فعصى (1/387)
{ قال فاهبط منها } فانزل من الجنة وقيل : من السماء { فما يكون لك أن تتكبر فيها } عن أمري وتعصيني { فاخرج إنك من الصاغرين } الأذلاء بترك الطاعة (1/388)
{ قال أنظرني } أمهلني { إلى يوم يبعثون } يريد : النفخة الثانية (1/388)
{ قال إنك من المنظرين } (1/388)
{ قال : فبما أغويتني } يريد : فبما أضللتني أي : بإغوائك إياي { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة بأن أزين لهم الباطل (1/388)
{ ثم لآتينهم من بين أيديهم } يعني : آخرتهم التي يردون عليها فأشككهم فيها { ومن خلفهم } دنياهم التي يخلفونها فأرغبهم فيها { وعن أيمانهم } أشبه عليهم أمر دينهم { وعن شمائلهم } أشهي لهم المعاصي (1/388)
{ قال اخرج منها } من الجنة { مذؤوما } مذموما بأبلغ الذم { مدحورا } مطرودا ملعونا { لمن تبعك منهم } من أولاد آدم { لأملأن جهنم منكم } يعني : من الكافرين وقرنائهم من الشياطين (1/388)
{ ويا آدم اسكن } سبق تفسيره في سورة البقرة (1/388)
{ فوسوس لهما الشيطان } أي : حدث لهما في أنفسهما { ليبدي لهما } هذه اللام لام العاقبة وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى أن بدت لهما سوآتهما يعني : فروجهما بتهافت اللباس عنهما وهو قوله { ما وري } أي : ستر { عنهما من سوآتهما } { وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة } أي : عن أكلها { إلا أن تكونا } لا هاهنا مضمرة أي : إلا أن لا تكونا { ملكين } يبقيان ولا يموتان كما لا تموت الملائكة يدل على هذا المعنى قوله : { أو تكونا من الخالدين } (1/389)
{ وقاسمهما } حلف لهما { إني لكما لمن الناصحين } (1/389)
{ فدلاهما بغرور } غرهما باليمين ومعنى دلاهما : جرأهما على أكل الشجرة بما غرهما به من يمينه { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما } تهافت لباسهما عنهما فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه فاستحييا { وطفقا يخصفان } أقبلا وجعلا يرقعان الورق كهيئة الثواب ليستترا به { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } (1/389)
{ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } (1/389)
{ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر } موضع قرار ثم فسر ذلك بقوله : (1/389)
{ فيها تحيون } ولما ذكر عري آدم وحواء من علينا بما خلق لنا من اللباس فقال : (1/390)
{ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم } أي : خلقنا لكم { لباسا يواري سوآتكم } يستر عوراتكم { وريشا } أي : مالا وما تتجملون به من الثياب الحسنة { ولباس التقوى } أي : ستر العورة لمن يتقي الله فيواري عورته { ذلك خير } لصاحبه إ ذا أخذ به أو خير من التعري وذلك أن جماعة من المشركين كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت { ذلك من آيات الله } أي : من فرائضه التي أوجبها بآياته يعني : ستر العورة { لعلهم يذكرون } لكي يتعظوا (1/390)
{ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان } لا يخدعنكم ولا يضلنكم { كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما } أضاف النزع إليه وإن لم يتول ذلك لأنه كان بسبب منه { إنه يراكم هو وقبيله } يعني : ومن كان من نسله { إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } سلطناهم عليهم ليزيدوا في غيهم كما قال : { أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين } (1/390)
{ وإذا فعلوا فاحشة } يعني : طوافهم بالبيت عارين (1/391)
{ قل أمر ربي بالقسط } رد لقولهم : ( والله أمرنا به ) والقسط : العدل { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } وجهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة { وادعوه مخلصين له الدين } وحدوه ولا تشركوا به شيئا { كما بدأكم } في الخلق شقيا وسعيدا فكذلك { تعودون } سعداء وأشقياء يدل على صحة هذا المعنى قوله : (1/391)
{ فريقا هدى } أرشد إلى دينه وهم أولياؤه { وفريقا حق عليهم الضلالة } أضلهم وهم أولياء الشيطان { إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } ثم أمرهم أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا فقال : (1/391)
{ يا بني آدم خذوا زينتكم } يعني : ما وارى العورة { عند كل مسجد } لصلاة أو طواف { وكلوا واشربوا } كان أهل الجاهلية لا يأكلون أيام حجهم إلا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون : نحن أحق أن نفعل فأنزل الله تعالى : { وكلوا } يعني : اللحم والدسم { واشربوا } اللبن والماء وما أحل لكم { ولا تسرفوا } بحظركم على أنفسكم ما قد أحللته لكم من اللحم والدسم { إنه لا يحب } من فعل ذلك أي : لايثيبه ولا يدخله الجنة (1/391)
{ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده } من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم { والطيبات من الرزق } يعني : ما حرموه على أنفسهم أيام حجهم { قل هي } أي : الطيبات من الرزق { للذين آمنوا في الحياة الدنيا } مباحة لهم مع اشتراك الكافرين معهم فيها في الدنيا ثم هي تخلص للمؤمنين يوم القيامة وليس للكافرين فيها شيء وهو معنى قوله : { خالصة يوم القيامة } { كذلك نفصل الآيات } نفسر ما أحللت وما حرمت { لقوم يعلمون } أني أنا الله لا شريك لي (1/392)
{ قل إنما حرم ربي الفواحش } الكبائر والقبائح { ما ظهر منها وما بطن } سرها وعلانيتها { والإثم } يعني : المعصية التي توجب الإثم { والبغي } ظلم الناس وهو أن يطلب ما ليس له { وأن تشركوا بالله } تعدلوا به في العبادة { ما لم ينزل به سلطانا } لم ينزل كتابا فيه حجة { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } من أنه حرم الحرث والأنعام وأن الملائكة بنات الله (1/392)
{ ولكل أمة أجل } وقت مضروب لعذابهم وهلاكهم { فإذا جاء أجلهم } بالعذاب { لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } لا يتأخرون ولا يتقدمون حتى يعذبوا (1/392)
{ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي } فرائضي وأحكامي { فمن اتقى } اتقاني وخافني { وأصلح } ما بيني وبينه { فلا خوف عليهم } إذا خاف الخلق في القيامة { ولا هم يحزنون } إذا حزنوا (1/392)
{ والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } (1/392)
{ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } فجعل له ولدا أو شريكا { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } ما كتب لهم من العذاب وهو سواد الوجه وزرقة العيون { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } يريد : الملائكة يقبضون أرواحهم { قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله } ؟ سؤال توبيخ وتبكيت وتقريع { قالوا ضلوا عنا } بطلوا وذهبوا { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } اعترفوا عند معاينة الموت وأقروا على أنفسهم بالكفر (1/393)
{ قال ادخلوا } أي : قال الله تعالى لهم : ادخلوا النار { في أمم } أي : مع { أمم قد خلت من قبلكم } { كلما دخلت أمة } النار { لعنت أختها } يعني : الأمم التي سبقتها إلى النار لأنهم ضلوا باتباعهم { حتى إذا اداركوا فيها } أي : تداركوا وتلاحقوا جميعا في النار { قالت أخراهم } أي : أخراهم دخولا إلى النار { لأولاهم } دخولا يعني : قالت الأتباع للقادة : { ربنا هؤلاء أضلونا } لأنهم شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها { فآتهم عذابا ضعفا } أضعف عليهم العذاب بأشد مما تعذبنا به { قال } الله تعالى : { لكل ضعف } للتابع والمتبوع عذاب مضاعف { ولكن لا تعلمون } يا أهل الكتاب في الدنيا مقدار ذلك وقوله : (1/393)
{ فما كان لكم علينا من فضل } لأنكم كفرتم كما كفرنا فنحن وأنتم في الكفر سواء (1/393)
{ إن الذين كذبوا بآياتنا } بحججنا التي تدل على توحيد الله ونبوة الأنبياء { واستكبروا عنها } ترفعوا عن الإيمان بها والانقياد لأحكامها { لا تفتح لهم أبواب السماء } لا تصعد أرواحهم ولا أعمالهم ولا شيء مما يريدون الله به إلى السماء { ولا يدخلون الجنة حتى يلج } يدخل { الجمل في سم الخياط } ثقب الإبرة يعني : أبدا { وكذلك } وكما وصفنا { نجزي المجرمين } أي : المكذبين بآيات الله ثم أخبر عن إحاطة النار بهم من كل جانب فقال : (1/394)
{ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } يعني : لهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف { وكذلك نجزي الظالمين } يعني : الذين أشركوا بالله (1/394)
{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها } أي : إلا ما تطيقه ولا تعجز عنه والمعنى : لا نكلف نفسا منهم إلا وسعها ثم أخبر بباقي الآية عن مآلهم (1/394)
{ ونزعنا ما في صدورهم من غل } أذهبنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا { تجري من تحتهم الأنهار } من تحت منازلهم وقصورهم فإذا استقروا في منازلهم { قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا } أي : هدانا لما صيرنا إلى هذا الثواب من العمل الذي أدى إليه وأقروا أن المهتدي من هدى الله بقوله : { وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } فحين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا قالوا : { لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة } قيل لهم : هذه تلكم الجنة التي وعدتم { أورثتموها } أورثتم منازل أهل النار فيها لو عملوا بطاعة الله { بما كنتم تعملون } توحدون الله وتطيعونه (1/394)
{ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا } في الدنيا من الثواب { حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم } من العذاب { حقا } وهذا سؤال تعيير وتقرير فأجاب أهل النار و { قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم } نادى مناد وسطهم نداء يسمع الفريقين وهو صاحب الصور { أن لعنة الله على الظالمين } (1/395)
{ الذين يصدون } يمنعون { عن سبيل الله } دين الله وطاعته { ويبغونها عوجا } ويطلبونها بالصلاة لغير الله وتعظيم ما لم يعظمه الله (1/395)
{ وبينهما } بين أهل الجنة وبين أهل النار { حجاب } حاجز وهو سور الأعراف { وعلى الأعراف } يريد : سور الجنة { رجال } وهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم { يعرفون كلا بسيماهم } يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه وأهل النار بسوادها وذلك لأن موضعهم عال مرتفع فهم يرون الفريقين { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم } إذا نظروا إلى الجنة سلموا على أهلها { لم يدخلوها } يعني : أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة { وهم يطمعون } في دخولها (1/395)
{ وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } أي : جهة لقائهم (1/395)
{ ونادى أصحاب الأعراف رجالا } من أهل النار { يعرفونهم بسيماهم } من رؤساء المشركين فيقولون لهم : { ما أغنى عنكم جمعكم } المال واستكثارهم منه { وما كنتم تستكبرون } عن عبادة الله ثم يقسم أصحاب النار أن أصحاب الأعراف داخلون معهم النار فتقول الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف : (1/396)
{ أهؤلاء الذين أقسمتم } يا أصحاب النار { لا ينالهم الله برحمة } يقولون لأصحاب الأعراف : { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } (1/396)
{ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } يعني : الطعام وهذا يدل على جوعهم وعطشهم { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } تحريم منع لا تحريم تعبد (1/396)
{ الذين اتخذوا دينهم } الذي شرع لهم { لهوا ولعبا } يعني : المستهزئين المقتسمين { فاليوم ننساهم } نتركهم في جهنم { كما نسوا لقاء يومهم هذا } كما تركوا العمل لهذا اليوم { وما كانوا بآياتنا يجحدون } أي : وكما جحدوا بآياتنا ولم يصدقوها (1/396)
{ ولقد جئناهم } يعني : المشركين { بكتاب } هو القرآن { فصلناه } بيناه { على علم } فيه يعني : ما أودع من العلوم وبيان الأحكام { هدى } هاديا { ورحمة } وذا رحمة { لقوم يؤمنون } لقوم أريد به هدايتهم وإيمانهم (1/396)
{ هل ينظرون } ينتظرون أي : كأنهم ينتظرون ذلك لأنه يأتيهم لا محالة { إلا تأويله } عاقبة ما وعد الله في الكتاب من البعث والنشور { يوم يأتي تأويله } وهو يوم القيامة { يقول الذين نسوه من قبل } تركوا الإيمان به والعمل له من قبل إتيانه : { قد جاءت رسل ربنا بالحق } بالصدق والبيان { فهل لنا من شفعاء } هل يشفع لنا شافع ؟ { أو } هل { نرد } إلى الدنيا { فنعمل غير الذي كنا نعمل } نوحد الله ونترك الشرك يقول الله : { قد خسروا أنفسهم } حين صاروا إلى الهلاك { وضل عنهم ما كانوا يفترون } سقط عنهم ما كانوا يقولونه من أن مع الله إلها آخر (1/396)
{ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } أي : في مقدار ستة أيام من الأحد إلى السبت واجتمع الخلق في الجمعة { ثم استوى على العرش } أقبل على خلقه وقصد إلى ذلك بعد خلق السماوات والأرض { يغشي الليل النهار } يلبسه ويدخله عليه { يطلبه حثيثا } يطلب الليل دائبا لا غفلة له { والشمس } وخلق الشمس { والقمر والنجوم مسخرات } مذللات لما يراد منها من طلوع وأفول وسير ورجوع { بأمره } بإذنه { ألا له الخلق } يعني : إن جميع ما في العالم مخلوق له { و } له { الأمر } فيهم يأمر بما أراد { تبارك الله } تمجد وارتفع وتعالى (1/397)
{ ادعوا ربكم تضرعا } أي : تملقا { وخفية } سرا { إنه لا يحب المعتدين } المجاوزين ما أمروا به (1/397)
{ ولا تفسدوا في الأرض } بالشرك والمعاصي وسفك الدماء { بعد } إصلاح الله إياها ببعث الرسول { وادعوه خوفا } من عقابه { وطمعا } في ثوابه { إن رحمة الله } ثواب الله { قريب من المحسنين } وهم الذين يطيعون الله فيما أمر (1/398)
{ وهو الذي يرسل الرياح بشرا } طيبة لينة من النشر وهو الرائحة الطيبة وقيل : متفرقة في كل جانب بمعنى المنتشرة { بين يدي رحمته } قدام مطره { حتى إذا أقلت } أي : حملت هذه الرياح { سحابا ثقالا } بما فيها من الماء سقنا السحاب { لبلد ميت } إلى مكان ليس فيه نبات { فأنزلنا به } بذلك البلد { الماء فأخرجنا } بذلك الماء { من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى } أي : نحيي الموتى مثل ذلك الإحياء الذي وصفناه في البلد الميت { لعلكم تذكرون } لعلكم بما بينا تتعظون فتستدلون على توحيد الله وقدرته على البعث ثم ضرب مثلا للمؤمن والكافر فقال : (1/398)
{ والبلد الطيب } يعني : العذب التراب { يخرج نباته بإذن ربه } وهذا مثل المؤمن يسمع القرآن فينتفع به ويحسن أثره غليه { والذي خبث } ترابه وأصله { لا يخرج } نباته { إلا نكدا } عسرا مبطئا وهو مثل الكافر يسمع القرآن ولا يؤثر فيه أثرا محمودا كالبلد الخبيث لا يؤثر فيه المطر { كذلك نصرف الآيات } نبينها { لقوم يشكرون } نعم الله ويطيعونه (1/398)